العدد الثاني

أكتوبر2007

 


 

 

  "هداليا" .. خواطر مسافر في بيداء الشرق

مبارك مجذوب المبارك الشريف

(بركات الشريف)

__________________________

 

 

سألت بائعة الشاي عن أسم هذا المكان الذي توقفت فيه سيارتنا ونحن متجهون شرقا نحو سواكن في رحلة طويلة من عطبرة فالخرطوم ثم مدني فكسلا، أجابت الفتاة باقتضاب مشوب بكبرياء غلف قسمات وجهها:

- هداليا.

كانت الفتاة لا تخلو من جمال خفي، مثل الوديان المخضرة ، التى تظهر فجأة ونحن نعبر ثنايا الطريق ولا نكتشف روعة منظرها إلا بعد أن نتخطاها، في هذه البرية الشرقية الشاسعة تصطدم عيناك من حين لآخر بمنظر رجل يسير هائما على وجهه وقد سلطت الشمس أشعتها الحارقة عليه، وحيد، حيث لا ماء ولا زاد و لا أهل و ربما بلا سكن، تتلقف الرمال والصخور هيكل هذا الأغبر الذي يخلو قاموس بنيته من مفردة اسمها شحم، تتلقفه فيبدو وكأنه جزء منها، وهو كذلك، غير أنها مع ذلك لا تمنحه أى حصانة ضد غضبة الشمس، فقدر هذا الأغبر أن يستمد من هذه الصخور الصلابة و أن يتعلم منها تحمل شظف العيش وقسوة الطبيعة، وقدره أن يتعلم من الرمال الساكنة الهدوء، ومن العواصف الهوجاء عليه أن يتعلم كيف يحنى رأسه، لا استسلاما ولكن دهاءا، فالعاصفة تذهب دوما شذر مذر كما جاءت، ويبقى هو كما هو، لا يصم أذنيه رعد ولا يخطف بصره برق ولا يقض مضجعه سيل.

يتساءل المرء أين يذهب يا تري رجل هذه الفيافي الشرقية أن لدغته أفعى؟ وما هي قبلته إن تعسرت ولادة زوجته؟ و أية مدرسة يؤمها أطفاله في هذه القفار الصامتة؟ كل هذه الأسئلة تنطلق بلا صدى لأن الصحراء الممتدة ضنينة بكل شيء وتبخل عليك بالإجابة وقد تسخر من السؤال ومن صاحب السؤال نفسه. فلا تملك حينئذ إلا أن تتعجب وإلا أن تقول" لله في خلقه شئون".

"هداليا" ، نقطة على الطريق المؤدي أو المؤدية لمدينة بور تسودان و لك كل الحرية في تأنيث الطريق أو تذكيره، ومع أن ذاك الطريق تم إنشاؤه منذ أكثر من ثلاثة عقود إلا أن تلك البقعة أصرت على أن تكون يتيمة زمن منسية لا جوهرة في عقد فريد، مثلها مثل بقاع كثيرة في هذا الشرق الكبير، منازل لها في قلوب أهلها وفي قلوبنا منازل.

أتأمل وجه بائعة الشاي الغامض غموض الجبال حول "سنكات" ، ذلك المكان الساحر، وأتساءل من أي نسل يا ترى جاءت هذا الفتاة؟ أهي من نسل حام أم من نسل سام أم غيرهما ؟ ففي هذا الشرق تتمازج الأجناس وتتلاقى، على أي حال أي كان نسلها فلن نقيد أنفسنا بأصفاد انساب كتبها اليهود حين زيفوا التوراة و رتبوها ترتيبا يضعهم في قمة الهرم البشري. يكفي أن هذه الفتاة هنا تمنح الحياة الدفء بوجه صبوح وتنعش ما استرخى من أعصاب بكوب ساخن من القهوة طغت عليه رائحة الزنجبيل والقرنفل الجذابة، وبابتسامة ندية وكل ما حولها كالح.

نعود للتوراة ولحام وسام، فنصوص الإسفار تشير إلى أن البشر قد تفرعوا من أبناء نوح الثلاثة، سام وحام ويافث. وعليه نجد ان قبائل البجا تصنف على أنها حامية الأصل، وفي لفتة لا تخلو من العنصرية تظهر لنا نصوص التوراة شخصية حام الجد الذي انحدر منه هؤلاء باعتباره شخص أخرق، مفتقر للكياسة، غير مبال، ولا يحسن التصرف، فحين رأى حام عورة أبيه نوح وكان نوح وقتها (سكرانا) لم يحرك ساكنا لسترها، كل ما في الأمر أنه ابلغ أخويه سام ويافث بالموضوع فكان أن قاما بستر عورة أبيهما وبلباقة، حيث وضعا غطاءا على ظهريهما ثم مشيا للخلف وقاما بوضعه عليها وتفاديا بالتالي النظر إليها، تقول التوراة أن نوحا لما استيقظ من سكره وعلم بما حدث عاقب حام بجعل ولده كنعان ونسله عبيدا مدى الحياة لسام وأبنائه… لاحظوا أن كنعان المسكين لم يرتكب جرما ومع ذلك تم عقابه، ولعل هذه (السابقة القانونية التوراتية) تفسر لنا لماذا يؤخذ الناس بالشبهة ولماذا يتم تجريم الأبرياء وهدم البيوت على ساكنيها وقتل المدنيين في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها، فذلك النص التوراتي اوجب عقوبة وأوجب وقوعها، لكن على رأس من تقع فهذا لا يهم، فإن وقعت على المجرم فلا مشكلة وأن وقعت على البريء فلا مشكلة أيضا.. أما مقولة أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته فهذا مكيال آخر من تلك المكاييل الكثيرة التي تمتلكها هذه الأمم المتحضرة وليست المكيال الوحيد.

"هداليا"، اسم جذاب، لا أدرى أمذكر هو أم مؤنث؟ و قد يكون لفظا (خنثى) كالطريق الذي احتار العرب في أمره فتركوه لرحمة الكتبة يلعبون به كما شاءوا، ولكن ألمح من خلاله اسم (هدى) و(داليا)، مؤنثان حتما، ويظل خلاف المذكر والمؤنث قائما، فإحسان عبد القدوس والدكتور إحسان عباس من الأعلام في الأدب في مصر وفلسطين، أما الدكتورة إحسان الغبشاوي فهي علم من إعلامنا غير أنها أنثى، ونور الهدى عند المصريين مطربة من الجيل القديم ونور الهدى عند أهلنا الشايقية أسم علم لرجل، والشايقية وأهل الشرق يجمع بينهم ما يمكن تسميته بالانتماء (الطائفي) وحبهم لقاطن الضريح في كسلا، ذلك الحب الذي لا تحده حدود.

من موقع كسلا نكتشف عبقرية الميرغني الكبير حين اختار ذلك المكان كنقطة انطلاق لطريقته الصوفية، وأصبح الموقع مصدر إلهام لأهل الشعر والفن، ولولا هذا الموقع الجميل ما تغنى الكابلي لتوفيق صالح جبريل الذي أشرقت شمس وجده بكسلا ، ولا صحبنا اسحق الحلنقي و"طيره الخداري " وهو يحلق بالشاعر فوق السواقي الباكية، ولا سمعنا نفس السواقي الباكية وقد شحنت بالحنين وهي تعيد للتاج مكي ذكريات الماضي البعيد، ولا تغنى عبد العظيم حركة "بأرض الحبابيب" ، كسلا.

كسلا فعلا حبيبة لكل النفوس، ويوم سقطت كسلا في أيدي الايطاليين وبلغ الخبر الخليفة عبد الله في ام درمان، غضب الخليفة غضبة مضرية مشهورة، خلدتها لوحة نادرة، و لم يقل الرجل أنا غرب وهذا شرق، بل خاض بجواده في مياه النيل وكأنه يتمنى أن لو كان له بساط الريح لينقله فورا ويلحقه بالمقاتلين هناك ليعيد المدينة لربوع الوطن.

من "هداليا" تستمر مسيرة الطريق وهو يتلوى يمنة ويسرة وكأنه يتلوى من حرارة الشمس محاولا الإنسحاب من المكان والهروب الى مكان آخر أكثر رحمة، الطريق أثر من آثار حكومة مايو نسي المطالبون بكنس آثار مايو أن يضيفوه الى قائمة المكنوسات، والشعب السوداني شعب مولع بكنس آثار حكامه السابقين ومحو سيرتهم ونلك عادة موروثة من عهود الفراعنة وربما قبلهم، … مايو نفسها ينطبق عليها المثل (كما تدين تدان) فقد حاولت في بداية عهدها شطب الزعيم الأزهري والمحجوب من على الخارطة وفشلت، فقد عاد الزعيم في شكل جامعة وفي شكل حي من أحياء الخرطوم، وسيعود في أشكال أخرى فمثله يفنى جسده وتبقى روحه. وبقي المحجوب ديوان شعر وقصة حياة وكتاب سياسة. وطابع بريد اصدرته الامم المتحدة وهو يهنئ بكل نبل شارل الحلو وقد فاز شارل كرئيس للجمعية العامة للأمم المتحدة على المحجوب.

اكتشف عثمان دقنة و أكتشف المراغنة قبله في إنسان الشرق خصائص وطاقات يمكن الاستفادة منها لخدمة الإغراض النبيلة التي كان كلاهما يسعى لتحقيقها، ومع إن أهداف كل منهما كانت مختلفة إلا أن المراغنة رأوا الروح المسالمة لدى إنسان الشرق فحفروا لها نهرا صوفيا ينبع من توتيل و تهب عليه النسائم من الجبال ذات الخضرة الناعسة ليرتوي منه الصفاء والسلام والمحبة في الله ولله، بينما رأى عثمان دقنة في ذلك الإنسان أنفة واعتزازا بالكرامة واستهانة بالموت فصنع منه رجل عصابات من طراز فريد، يكر ثم يفر دون أن يترك أثرا، فخاض معهم وبهم معارك ضارية في آبار التمنيب، وترنكتات وسواكن وسنكات، وطوكر. حارب هؤلاء الرجال العديد من جنرالات الإمبراطورية البريطانية، بيكر، وجراهام، وكتشنر، وتشرشل، وفي معركة كررى نصب فتية الشرق كمينا لتشرشل الذي قاد بريطانيا للنصر في الحرب العالمية الثانية كاد تشرشل أن يلقى حتفه فيه، وكان من الممكن أن يغير ذلك الكمين مجرى تاريخ العالم، وحين سئل تشرشل عن الكمين فيما بعد قــال: ( كنا كمثل حبات من الأرز في قدر يغلي). وأثارت تلك البطولات قريحة شاعر الإمبراطورية البريطانية ردريارد كبلنغ فخلد شجاعة رجال دقنة في قصائد مشهورة.

إنسان الشرق ذاك الإنسان الذي هو في عراك دائم مع الشمس، ومحبة ووئام مع القمر، الإنسان الذي لا نعرف إلى أين يذهب إذ ما لدغته أفعى، و لا تحظى زوجته بولادة طبيعية في مستشفى دعك عن قيصرية ، عليه إعادة اكتشاف نفسه، لا بفكر رجل العصابات الذي ينتهج القوة كأسلوب وحيد لأخذ الحقوق، ولا بفكر الصوفي المسالم الذي يستكين وحقوقه مهدرة، ولكن بفكر مستنير يقدمه مثقفوه الذين أثروا الساحة وما أكثرهم.

فتاة هداليا التي رأيتها ليست كفتاة ابو آمنة حامد، فهنا فتاة ما سال من شعرها الذهب ولا تدلى ولا انسكب، فهي وبكل بساطة قد أحكمت الغطاء فوق ذاك الشعر وكأنها تخاف عليه من غضبة الهبباى، وهي ليست في جمال تاجوج، ولا من أولئك اللائي تغنى بجمالهن حدباي وكجراي، ولا صدح بحسنهن كرومة وسرور، إنما كانت زهرة في صحراء، وكانت مقطع دوباي نازل على الدنيا اشواق وحنية.

" هداليا" حتى لا يكون هذا الاسم مجرد اسم جميل لرواكيب من القش وأكواخ من الطين لا تستحقه حتما، وحتى لا نفسر تلوى الطريق على انه هروب من المكان، وحتى لا يكون إنسان الشرق مجرد متسول على قارعة الطريق أو مجرد مفرغ للبضائع في الميناء، لابد من إعادة اكتشاف الذات وشحذ الهمم ، فهمة هذا المواطن أعلى وطموحه أكبر..أليس هو نفس الإنسان الذي ينشد في عذوبة "شيء لله يا حسن يا سلطان الزمان" ؟… أوليس هو نفس الإنسان الذي اخترق مربعات القتال الانجليزية التي كان الانجليز يفخرون بكونها واحدة من أفضل أساليبهم الحربية في القرن التاسع عشر؟

أملي أن أعود مرة أخرى يا طريق وأن أسلكك وأن أشاهدك وأنت تتلوى يمنة ويسرة وكأنك رقصة بجاوية على نغم من أنغام آدم شاش.

 

 

Google

VISITOR NO
Port Lawrence

GRAPHIC DESIGN BY

2006

 




1