العدد الثاني

أكتوبر2007

 

طقوس القراءة

عبد الغني كرم الله

_____________________

 

(2)

حين قرأت (الحب في زمن الكوليرا)، جرى القلم لكي يكتب:

إنه لا يوزع نظراته بالتساوي، هذا ما يفعله ماركيز، كان الفتى، ولأنه نشأ يتيما، يكره الاهتمام بشخص معين، وفي مجلس واحد، ولهذا، ولمناقب أخرى، لا تحصى، كان يحب النبي، وبوذا، واليسوع، (كان الجميع يخرجون منه، ويحس كل فرد منهم، بأنه أحسنهم موقعا لديه)، لهذا امتعض في البدء، فقد نشأت علاقة، ومن أول سبعة أسطر، مع اللاجئ الانتيلي (جيري سان مور)، وهذا الحب المبكر، سببه، بل أسبابه، ولع سان مور بالشطرنج، والسبب الثاني، انه لاجئ، والسبب الأساسي، هو (عذابات الذكرى)، الفتى كل ماضيه، عبارة عن وحش يطارده حتى أفق الغد... يحس بالتقصير، تجاه كل شي...

ألقى ماركيز نظره سريعة على (سان مور)، ثم مضى لشخوص أخرى، أقل إثارة منه، كما يرى الفتى، أو كما يقول له هذيانه، ولكن ليس هذا ديستوفيسكي، أو فوكنر، كي يصوروا لك كل شيء أيتها الفتى، كي تملأ فارغ عريض بقريتك الساكنة كالقبور، يمكنك ان تجد ضالتك، في (دون كيشوت)، فسرفانتس يحكي عن دون كيشوت، ودي كيشتوت يحكي عن راعي، والراعي يحكي عن جنية، إلى آخر نهاية الأرقام، إن كان للأرقام نهاية، ولكن ماركيز فراشة زاهية، ملولة، تحلق من زهرة لأخرى، ويجري السرد بصورة حلزونية، ونحو الأعلى دوما، نحو الإثارة والجاذبية السماوية المقدسة، إعصار اخضر، يطفو بالأشياء، حتى الجبال تبدو كفلينة حقيرة الوزن، يحس الفتى بأنه يحب ديستوفسكي، لأنه عالم كيمائيا عجوز، يمسك شخصياته بيده المعروقة، ثم يضعها تحت شريحة الميكروسكوب، مثل قطرة دم مصابة بالملاريا والحب والهوان، ثم يشرح الجسد، والخطوات والأحلام، بصبر الناسك، والنبي معا، فهو مثل ذبابة، تحوم وتلف حول هدفها، متجاهلة تهديد القارئ، تذب وتؤب، وماركيز (غراب ذكي)، نفور، متربص، لا يأتى على غرة، لا تقارن بينهم، (فالأشياء كلها لا تتشابه)، رغم صلتهم الروحية، في معادلة (الواقعية - السحرية)، فالأولى لديستوفسكي، والثانية لماركيز، أحيانا ينسى ماركيز شخصياته (ذكر ذلك في مقال له)، ينسى أبنائه، إله قاس، يخلق (ثم يصم إذنيه، ويغمض عينيه)، تئن الأرض، وتلوذ سماء ماركيز بالصمت، مخلوق سقط سهوا من ذاكرة الإلهة، استفاد من ألف ليلة وليلة، أكثر من أهلها (الكوني، وغائب طعمة، وغالب هالسة)، حيث الأميرة تجلس في خلوتها، كسولة، ريانة، تأكل الحب بكسل، وبشبع، وترمي بذرته، فتصيب البذرة قلب جني صغير، فتقتله، فتثور أمه الجنية الكبيرة، ويجري ما يجري، مما لا يمكن تصوره، إلا في ألف ليلة وليلية، وأدب ماركيز، سرق وبجدارة مناخات التداخل بين الواقع والخيال، والذاكرة والاستشراف، سطا على ليال هندية وفارسية وبغدادية، خير سلف، لخير خلف، بل (حوار غلب شيخو، باقتدار، ومعاصرة)، يميل للمبالغات، كشيوخ وأمراء الدولة العباسية والأموية (أعطى الفرزدق خمسون أ لف بعير محملة بالذهب، وعشرة ألف إبل محمولة بالياقوت، نظير قصيدة مدح)، فطوفان نوح، كان سببه دموع (فلورنيتيو).

لم يقتنع الفتى بمصير (سان مور)، وانتحاره المبكر، بل سرح طرف الفتى، كعادته في القراءة، وتهربه من بين السطور إلى عالمه الخاص (استمرت الشطرنج 49 سنة، أصاب الملك الفتور، ركونه، وعدم تحركه في أديم الرقعة، كجنوده والطابية والوزير، الحر، الواسع الحركة، فأنكسر الملك بسبب سكونه المميت، (الأشياء الميتة هي الساكنة)، ولم يجد سانت في غرفته، سوى بعرة جمل، بديلا للملك الميت، جلبها معه من صحراء العيونات، ولأن عذابات الذكرى تغزو حاضرة، في ومض مباغت، تذكر خطيئته، فضربت يده عنق الوزير، فوقع الوزير من الطاولة المتآكلة، وكم كانت دهشتهم كبيرة، لتهشم الوزير إلى شظايا، رغم أنه وقع على سجاد ناعم، إنه بلا شك وزير عظيم، وأصيل، لم ترضى نفسه أن يغادر ارض المعركة، ويترك بعرة الجمل لوحدة، ... هل ضعف البصر، أم استوت المربعات السوداء والبيضاء في الرقعة، لم يعد يريان شي في رقعة، تداخلت المربعات السوداء والبيضاء معا، حلم ويقظة، أهكذا ينضج الهذيان)...

أحيانا، أحس بان ديستفوسكي، بعث من جديد، كي يكمل لوحته الرائعة، فاختارت إلهة الالومب، كولومبيا، موطنا وملهما له، فالأساطير تملأ قلبها وكأنها صورة رنين مغناطيسي لظهر نملة نائمة، وهي تحلم بكابوس (فيل مربوط على ظهرها)، كي تتسلق به الجبل (هان الأمر على سيزيف، حين رأي هذا المشهد، فشر "النملة" ما يضحك)..

الحب في زمن الكوليرا، إشارة مرور مجنونة، تغير كل الاتجاهات برغبتها، كان الفتى في القسم العلمي بمدرسة الخرطوم القديمة، كان يحب الكيمياء، والأواصر التي تربط بين الصوديوم والكلور، فجأة وفي تهور لذيذ، غير رأيه، إلى القسم الأدبي، صديقا لبصير المعرة، وآلان روب غيري، وإبراهيم اسحق، وأعمال الليل والبلدة، وكل هذا الجنون، بسبب خمر الحب في زمن الكوليرا، كانت (ارثيا)، تواعد الفتى، من وراء ظهر فلورنيتو، بل ظهر خالقها (ماركيز)، عيون الإله مغمضة، لا تراقب النص كما ينبغي، أه من لذة القبلة الوهمية، لفتاة مخلوقة من حلم، من روائح، من خطف، كانت تخرج من سور غلاف الكتاب، كما يخرج الضوء من زجاج الفانوس، بلا صوت، ينبه ماركيز، إلى أن هناك خروف جميل، فر من حظيرة (الرواية)، إلى حضن القاري، فالمتلقي حر، بعد أن مات (الخالق/ المؤلف)...

لم قتلته حبيبي ماركيز؟!!، كان بمقدورك، أن تجعله يعيش، عام أو بعض، بل بمقدورك أن تنفخ فيه الروح مثل نوح، بل يخلد، هل الإلهام جرى بك هنا وهناك، بعيدا عنه، أم تخلصت منه، كي تتفرغ لفلورنتيو، (الهامش والمركز)، تباً!!، هذا الصراع، حتى في النصوص، أتكتب بعقلك أم بقلبك، (فالقلب كالشمس، لا ينسى شيئا على الإطلاق)، أم تميل للإثارة، كنحر النساء وتويجات الزهور، أم كنت تحت تأثير سلطان اللاشعور، فأملى عليك خطابه (يا لك من أسير لموهبته)، يقال بأن (نساك الهند لهم القدرة على التحكم في عالم اللاشعور، في ضربات القلب، وتسريح الشعر بلا مشط)، شفاء ذاتي، فاللاشعور، صار شعوريا، كحركة اليد..(هل قمت بتمارين بتقليدهم، كي لا يسقط مثل سقط متاع)...

أم خفت أن تطول الرواية، إن تطرقت لكل شخوصها ولكنك (تضع الحياة بين قوسين)، كقشرة موز، تحيط بثمرته الجميلة، أساور بمعصم، فالحياة دخلت هذا النص الجميل، كما أدخل الطوفان شعب نوح، وهكذا انطلقت (الحب في زمن الكوليرا)، تحمل على ظهرها ما تبقى من أحياء، من طوفان الكوليرا، رفعنا علم النكبة، ولا حمامة ترصد اليابسة، (أليست الأشياء الرخوة خير من اليابسة)، نحن نثق في البحر أكثر من الأسماك، وأكثر من اليابسة..

445 صفحة، حقل أخضر، ألم تصاب بالإنهاك، بفتور العاطفة، بالتكلف، بالتبلد، وكأنها مكتوبة بنفس واحد، فترة لم يتخللها نوم أو استراحة أو قوت (أتأكل الملائكة)، أم انك تكسر عادة الملائكة، وتسير في شوارع كولومبيا والمكسيك، وتتزوج من نساء الأرض (مرسيدس)، يقال بان جبريل (جاء في شكل بدوي، شديد سواد الشعر، وشديد بياض الثياب، ولا اثر لسفر عليه)..

لا اشك انك كتبتها في ساعة واحدة، بل أقل، ولكن في وقت خاص، مثل ولي مغمور في بلاده، كان له زمنه الخاص، لا يقاس بوقتنا، (كان هذا الولي يعيش على ضفاف النيل، في منطقة النوبة والمسيد وأربجي، أرسلته زوجته لجلب ربع رطل سكر من الدكان، بعد أن وضعت الشاي على الكانون، فذهب الولي فوجد كمساري أحد "اللواري" يصيح بأنه مسافر لسنار، لضريح احد الأولياء، فركب الولي، ثم رجع بعد شهرين، وتذكر أمر زوجته، فأشترى شاي ورجع للبيت، فخاطبته زوجته: لم رجعت سريعا؟)...

الفكر أسرع من الضوء، كيونة الزمن تختلف من فرد لأخر، في الأحلام تجري الإحداث بسرعة البرق، بل أسرع، ويتمثلها القلب، كلها، أيها الفتى، أتحب سرفانتس، لأنه يتحدث عن الرجل وهيئته، وعن قلبه وجوائشه، وعن حذاءه وضحاياه، من الحشرات والنمل، وعن النمل وقوتها من السكر، وعن السكر وبلورة طمعه من الطين الصلصال، وعن الطين وهوانه وعظمته.. أتريد أن يمتد طرف الرواية للوراء والخلف، كي توازي نهر الزمن، ولكن من وصل للرقم الأخير في سلسلة الأرقام؟ حين ينتهي الزمان ماذا بعده؟ حين تنتهي الأرقام ماذا بعدها؟ حين ينتهي الفضاء، ماذا بعده؟

كل شئ ممكن مع ماركيز، فحين تكسر حبة رمل، في نصوصه، تجد بداخلها جبل، وتطير منها فراشة مذعورة، وخلفها أسد يزأر، جائع، كل هذه الأشياء جزء من أحشاء حبة الرمل، والباقي، فيحتله المطلق، الذي تبحث عنه التلسكوبات والأقمار الصناعية، وهو مخبوء في حبة رمل).. الحروف السوداء لقلمه، تحمل كل هذا الهذيان الجميل، المثير..

قرأ الفتى، عبارة (كانت يديها تتحسس بطنه، وهو يشرح لها عالما غريبا على أناملها)، قرأتها ثلاث مرات، وفي المرة الثالثة فقدت حلاوتها، ولكنه قرأت عبارة (تفيض البحار بدموعي)، قرأها احدي عشرة مرة، وكانت الأخيرة هي الأقوى، (الروح أقوى من الجسد، أم بداخلي ناسك، رغم آثامي المطلقة)!! إنها رواية مدهشة، خبز مستوي، بلا جزء محروق أو نيئ!!.

وحين خلصت من الرواية، ووضعتها تحت مخدتي شعرت، بل أدركت، بأنني قد خرجت من الجنة للتو، ووضعتها، تحت مخدتي، بكل إطلاقها، وجبروتها الجميل!!...



ثم ميرمار، لنجيب محفوظ، كتاب أحبه بشدة!!

(3)

ميرامار في العسيلات!!

صحوت الصبح، لأجد فندق ميرامار في قلب القرية، وفي إحدى البلكونات تبدو (ماريانا)، وهي في دهش عظيم، (ونحن في دهش أكثر منها، من فتاة شبه عارية، لا تستحي من ود العجب، وحاج النور، والشمة، وهم على ظهور الحمير، في طريقهم للحقول)، وجهها يشئ بدهشة اسطورية، هل جاء جن سليمان، فرمى الفندق خارج العصر (وإحداثياته، وضوضاءه)، أم ظنه الرخ بيضته، أختبئ بداخلها السندباد، فرمى به في قريتنا، بعد أن أزعجه (جدل وسفسطة عامر وجدي و منصور باهي و و..و.)، يا لهم من شهود أردياء (هكذا يقول هرليقطس عن وهم الحواس)،.. فهم (لم يصعدوا قمة الجبل، كي يروا المشهد، كاملا، وليس فيسيفساء)، كما يوصي تلاميذه، وقد سبقت وصيته الفريدة، جل أنبياء المشرق النبيل، والذين رعوا (القلب)، أكثر من (العقل)، ربيب اليونان، وبراقهم المفضل!!..

هاهي ماريانا، بشحمها ولحمها، وتهورها، تنظر للنيل الأزرق، العجول، وليس (المتوسط)، الساكن، الراضي، سوى موج غضوب بداخله (سحرها النهر الصغير، انتصر النيل على المتوسط، والكيف على الكم)، وتحته بيوت طينية، على سقوفها حشائش جافة، وجولات،. وأدوات معيشة (انقرضت في نظر ماريانا)، ملود، وكندكة، ومنجل وسلوكة، وغرائب معروضة الآن (في معرض الفنون البدائية بباريس)، سقط متاع، فالحياة (من البدء، وإلى الختام تعرض كرنفالها)، فالاميبا، والديدان والأسماك والطيور والبشر والملائكة، والإنسان، تسعى معا، والآن على ظهر البسيطة... كل ممسك بيد الأخر، في طابور طويل، يمتد من الصلاصل، وإلى العرش، بل وإلى ذات وراء اللغة، والإيماء..

..، لقد كسدت تجارتها، من يزور (البنسيون)، في قرية، كل القرية عبارة عن (فندق شعبي)، فاتح ذراعيه لأي زائر، وضيف، تظله، وتأويه، وتوصله إلى الباب، بل إلي أن يركب البص (الوحيد في غبشة الفجر)، المتجه للخرطوم، وتدس له سعر التذكرة، بلا مقابل، سوى فطرة أولى، وراحة ضمير تعقبها، فالفقر، والذي يسوق خراف الوجود لمبتغاه، فتوفر وتحرص وتتقاتل وتنحرف بسببه، يعيش في قريتي بكامل هندامه، ولا يخاف منه الناس على الإطلاق، ولا يحسون به... بل يعتبرونه برهان ساطع ودليل لا يحض للانتساب للعتبة الشريفة، المباركة، الجائعة بقوتها عبر التاريخ.. فالجوع ينصر الجسد على الروح، ويشحذ حواسهم كلي تعد النجوم، وتشم رائحة الطمي، والتي تجري بهم لأفاق وآفاق..

إنه أعظم مريض فصامي، نعم ، إنه نجيب محفوظ (أريكة فرويد تعجز عن تشخيص حالته المتدهورة)، وله من الجب ألوان حديقة!!..، تدخله، وتتلبسه كل الشخوص التي ولدت من رحمه، عاشور الناجي، حميدة، يتصبب عرقا في السجن، ويترنح في السير من السكر، ويحي ويميت.. إنه نجيب محفوظ
آآآآآآآآة، لو أطلت زهرة من البلكونة، لا يتجاوز تصور سعد ودريا للحور العين مقام زهرة،

إنه في ضلال، ولهذا يخلق الشخوص، كي يرى الحقيقة من كل الجوانب، ان يغوص في عقل الاخوان المسلمين، كي يرى الكون من خلال النصوص، والنقل، ثم يقفز لمعتزلة، ليس حبه فيهم، ولكن ضلال داخلي، يبحث عن يقين، وليس شخوص، وكأن كل كتبه هي اختصار لرائعة الغزالي (المنقد من الضلال)، ثم يستعير عقل ماركس، كي ينظر لجدل الطبيعة، وصراع الطبقات، والعقل إفراز الطبيعة، ثم ينحو نحو كارل بوبر، ويعطي العقل والتجريب حظه، ثم يسترسل وراء خيال شاعري، فشخوصه لم تكن غاية، بل نافذة يطل من خلالها على مشهد وسيع، أنها الحياة، وصراع الشك واليقين،

انه أعظم دير تراها في عيانها، رهبان في جلاليب بيض، اكتفوا بالقوت عن الصغائر، حتى البيوت هي من طين الأرض، وطين الأجساد، مادة واحدة، (وحدة من وراء تعدد الشخوص)...

لا شي يعلو في القرية، (سوى قبة أبو شملة)، قبة كثدي، حتى حلمته الحنونة، لم تسقط عفواً من لا شعور البناء، كل من غشاها شبع، وروي، ولو على عجل، "الولي يكون أكرم حين يرفع عنه حجاب البشرية) (1) فالخارج صدى الداخل، (وإلا لم تشابه مرضى المنغوليا، ولم تشابه النبي بإبراهيم )، فالحزن ينبع من القلب، ثم ترسم الألياف العصبية الدقيقة كل عمقه على صفحة الوجه، بلا حول منها، ولا قوة، سوى طاعة القلب في بسطه وقبضة...

قريتنا، كقصص يوسف إدريس، لا تخطيط او نظام مسبق، طرق ملتوية، تنتهي عند بدايتها، تمشي في الطريق، وبعد وعثاء تعود لبدء، صاغتها الغرائز، والجيرة، والأطماع، وحيشان تحمل أشكال مخمورة، تتداخل، وتنبعج، بسذاجة هندية، أو شره في طمع بعض أمتار، ولكن المدينة تشبه قصص نجيب محفوظ، فهو يعرف المنتهى والبدء، مهندس يخطط لعمارته، يرسمها كلها على الورق، الغرف، خطوط الكهرباء، المطبخ، التهوية والتشجير والديكور، نظام صارم، لا ينسى شخصية، أو موقف، او جدل، يتتبع الشخصيات، من أين وإلي أين، ويوسف ادريس يجري وراء إملاء عقله الباطن، بلا حول ولا قوى، سوى أجر (المناولة)..

حقا، قصص يوسف إدريس، كقريتنا، لا تعرف خريطتها إلا حين تنتهي، قمة الارتجال المحبب، والسريالي، والمدهش حقا.. يظلم أناس، وينصف آخرين.. كالسحب، تتخذ شكلها من روعة الرياح، أو روعتها..

الإشكال الحسية، (شكل الوجه، والعيون، شكل العمود الفقري) تطيع أمر ما، روح أثيرية قوية، الصوت السبرانو يحيل لؤلؤة الماس إلى شظايا)، ما أقوى الهوان، والأثير، (كنظرة الحسناء)، والأيدي الآدمية (واهبة القمح، تعرف كيف تسن السكين)، كما يقول دنقل، وتعزف كمان!!!

حتى الأرض، تنفعل، وتغضب، لكل سلوك يناقض فطرتها، (انحني لهذا الجمال، والبهاء ودقة النظام الكامنة في نواه الذرة)، هكذا صرح عقل البرت انشتاين...

لم تحضر (ماريانا)، لقرتينا صدفة، فإن 80 من جسمها المكتنز، اليوناني القالب، و(السوداني المنشأ)، فمن مشروع العسيلات الزراعي، ذهب الموز لجسد ماريانا، في موائد دسمة، تتناولها كل يوم، ولمدة (60 عاما)، لقد حن الموز في جسمها لأهله، لوطنه (حتى أنت أيها الموز)، تحن لأصلك، لجذورك...(أيها الحنين، الكائن الأسمى والأوفى والأغرب)..!!

وللحق، حتى الملائكة، والتي بمقدورها رؤية ما يجري في غرف النوم، لم ترى في القرية عري أكثر من هذا الواقف في البلكونة..

أما زهرة، فهي ضحية المدينة، الغول المعاصر، والذي يسرق قوت القرى، ونسائها..

القراءة، غريبة حقا..




(4)

اللغة: هكذا تقول اللغة عن نفسها: أنها حمال هزيل..

ها أنذا، أعترف، وبعد كل هذا العمر المديد، وبعد أن حملت على ظهريي أثقال، تنوء عن حملها سفينة نوح، وكل دواب الأرض، أنا حمال هزيل، بضاعتي غريبة، أحياناً أنقل بضاعة أثقل من جبل أحد، وأحياناً، أخف وزناً من ضوء فانوس فاتر، ولا يهولك ما سأقول، فقد حملت على ظهري، عبر العصور والأمصار، فلو لا ظهري ... لا .. سأقولها لاحقاً، نعم حملت على ظهري تساؤلات المعتزلة، ووقائع كربلاء الحزينة، ورعونات الحمقى، وحكايات شهرزاد، و ارتعاشات قلب قيس، و امتعاضات الأسرى، واعترافات المذنبين، وهموم الحزانى.

من صريف الأقلام يبدأ عملي، ومن الألسن، أكاد، أحياناً لا ألحق، أحمل بضاعتي، إلى مخزن الآذان، وإلى العيو،ن، أحياناً يفتح لي، وأحياناً أدخل الأذن، ولا أجد أحداً يصغي إلي بالداخل، أكرم محدثك بالاصتنات إليه، كلام الأحلام لا يزعج، (وتعطلت لغة الكلام، وخاطبت عيناي في لغة الهوى عيناك)، ما أكثر اللغات، وما أعجبها، بقدر ما أكون امرأة لعوب في سوق عكاظ، يتفرج الباعة على سحر جسدي، المكسي بديباج الجناس، والدلالة، والجناس، تم خلقي بعمل دوؤب، البلاغة، والإعراب، والدلالات، (الكسرة للغنج، والضمة للتفخيم، والسطوة)، اللغة كائن إنساني، يرتخي، وينكسر، ويثور، كم عاجزة، للحق، بقد ما أشعر بالخذلان وأنا انقل خلجات النفوس الكبيرة وهي في محراب العشق والخشوع، تنتابني أحاسيس الهوان، حين يعجز ظهري عن حمل، جوال صغير، من فاكهة العشق الصادق، من حبيب مكلوم إلى قلب غزا هجير الجوى جوانحه، بلى، هناك معان لا أقوى على حملها، تتفلت من بين حروفي، ولدقتها، تكاد لا تراها عيني، ولسان حالي، كموسى (اللهم أحلل عقدة من لساني، يفقهوه قولي)، وأحياناً أصوم، كإبراهيم، واترك مكاناً شاغراً (للرمز، والإشارة، والإيحاء) وتعطلت لغة الكلام، وخاطبت....!!

هناك، بشر، لا يحتاجون إليها، أنهم (جواسيس قلوب)، اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر (بنور الله)، كما قال العبيد ودريا (الما بفهم التلاويح ، لا بريح لا بستريح)، كان بوذا يعرف تلاميذه، دواخلهم، وللتراث الصوفي حكايات وحكايات عن قراءة الخواطر، والاستغناء عن اللغة،

وأحيانا أشعر بأن الكون يسبح ويتلكم، وبأن وجودي صار فضولاً، سقط متاع، وفي الصباح يستغنى عن المصباح، كنت أحمل الآذان عبر الأفاق، ومع نشيد طلبة، وصوت أغنية، وهديل حمام. عمري مديد، لا أدري، تاريخاً معيناً، فالقابلة ماتت، والنسوة الحاضرات ذهبن أيد سبأ، والنسب مشكوك في أصله
(المرء مطوي تحت لسانه)، (تكلموا تعرفوا)، (سكت دهراً، ونطق كفراً)، (أمام العالم، أمسك لسانك، وأمام العارف امسك خواطرك، فإنه يسمعها، مثل وقع الفأس في غابة صامته)...

مثل، الشرك الخفي، مثل دبيب النملة السوداء، في الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، هناك لغة الأحلام والخواطر وخلجات النفس والمشاعر المستكنة في سويداء القلوب، لغة الخيال.

(ليس كل ما يعرف يقال)، (الحرف حجاب، العالم دون ما يقول، والعارف فوق ما يقال، (ليس لسفن العبارة في بحر التوحيد مجال).
و(إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة)....

أنقل بضاعتي من سفن العقول، إلى رصيف القلوب، أحيانا اتهم بالقصير، وأحياناً بالغش، والتزوير، اللهم أشكي لك غموض حرفتي، وهشاشة بنياني،

أحياناً تسرج ظهري، معاني لطيفة، تحي موات القلوب، وتحث بلدان نائمة في العماء، تصحو على فجر الإبداع والخير ومكارم، فالإنجيل والقرآن، والفتوحات المكية، وعلم الكيمياء كلها تسكن بطوني، حروف سوداء..

وأحياناً، أكون نذير شؤم، أدق طبول الحرب في القلوب وبين القبائل، والشعوب....

كنت أميل إلى الحياد، فحملت على ظهري، خمريات أبي نواس، وسورة القدر، وفوائح الجمال وفواتح جلال وشذى زهر ولا زهر، وحكم الغابرين، وغزل جواري العباسين....حروفي ... قد تقدم لك كأس خمر، أو سم ولا أبالي،، أحياناً أكون عسيرة، يموت الإنسان غصاً عن فك تلميحاتي، وأحياناً أجرى كاللحن وكالنهر،،،، صفاء ونقاء....الإشارة، العبارة، الكناية، حيل الإنسان في التعبير عن المضنون به على غير أهله...

وأحيانا، تكون غوايتي غاية، حروفي، الكلمات المشتقة من حروفي، تذوب العقول والقلوب..... (مطلوبكم أمامكم)...

وتظل طقوس الكتابة، طقوس عبادة للحروف السوداء، وسحرها، وعبقريتها.


 

 

 

Google

VISITOR NO
Port Lawrence

GRAPHIC DESIGN BY

2006

 




1