العدد الأول
أغسطس2007
عازفة الكونترباص
فاروق تاج السر
عندما سقطتُ من ذلك الكائن الفضائى ، فى قريتنا فى الثانية صباحاً بتوقيت دينفر ، كانت ساعة البرج ذات الشوكتين متوقفة عند الثالثة بعد الظهر .. شوارع القرية طُليت بالأسود ، و نُمِمَ وسطها و أطرافها بالأبيض المتقطع و العلامات الهيروغلوفية .. عُلقت فوانيس صفراء ، تلتهب مع بداية المساء لتدل القوافل و السفن التائهة حين يدلهّم الليل ، بينما بقيت السماء محتفظة بلونها القديم .. ربما لأن الله أراد أن يبهت الذين إدعوا أنهم (ضربوا السما ) طلاءً مغشوشاً !
إختفتْ بعض الأشجار التى قِيل أن المفتش الانجليزى كان يتوقف تحت ظلها على صهوة جواده العميل ، و يشرح للجنديين الذين يسعيا خلفه راجِلَين ، و متدرعين بالـ (جبخانة) بمايوهات خاكية .. يشرح لهما كيف أنه يمكنه التحدث إليهما بنواياه الطيبة دون أن يسقط غليونه من فمه أثناء ذلك ، مثلما يفعل الكاو بوى ، جاك بالانص !
ذابَ صفيح أبواب المتاجر و المحال .. تشكّل زجاجاً و معادن ملونة تسلقتْ جدران البِنايات الطينية . تشيطنَت الروافع و آليات البناء ، تماماً كما كنتُ أحلم بها فى مناماتى التى أصحو منها مرعوباً .. تمتدُّ أذرع الشياطين التى تتسقط أخبار السماء عند مغيب النجوم نهاراً ، و تتصنع كالخنفساء الماكرة ، الموتَ و الشلل عندما تبزغ النجوم .. ترسل وميضها ذلك الذى يبعد عنها مظان الطائرات !
عرّج حوذىّ التاكسى على محطة للتزود بالعلوق و العلف ذو الرائحة الدائخة من فرط الشفط الذى تقوم به ماكينة الضخ .. الدواب الكثيرة التى جاءت من كل بادية و مصر و ما وراء بلاد التركمان ، تنهق بذات طريقة كلاكسات الحمير التى تكدست فى مدخل الشارع المتفرع من طلعت حرب داخلاً مدينة نصر! أفسحت الحيوانات الضامرة الدرب المطلى بالأسود لمُتسبِاقات الهجن السُود ، و الذى تقدمته الكلاب النابحة كالموتوسايكلات ، فيما يرفرف بيرق على جانب الناقة المصفحة من الأمام .
أفركُ زجاج نظرتى الملتصق بنظارتى ..
لافتات عملاقة تخطف البصر و تطير به بعيداً الى سماء الدوار .. أجرى وراء اللافتات علّها تعيد لى بصيرتى ..
لافته تحذر من إهمال التحديق فى اللافتات ..
لافته تحذر من خبل الموديل الجديد للبعير الذى قد يفر بأخفافه من وحشة الصحراء الى الولع بتسلق الجبال بالعجلات ذات الدفع الرباعى ..
لافته تحذر من الإفراط فى إشتهاء المكرونة دون الشروع فى خطوة عملية ..
لافته تحذر من إقتناء الحقائب الحديدية العتيقة لأنها ليست بالمميزات السحرية لـ (اللاب توب) ..
لافته تحذر من الخليط العشبى الذى قشر وجه فتاة الإعلان ذات الوجه الجاكارتى ..
لافته تحذر أصحاب الأموال من زكاة أموالهم ..
لافته تحذر من الوقوع فى براثن الشرطة بمخالفة المادة (55 أ) من القانون الجنائى البلجيكى تعديل سنة....
لا توجد لافته واحدة تحذر من لافته (واحدة) من هذه اللافتات جميعها !
الصِبية الذينَ خرجوا من البحر ، و لبسوا جلودهم الملقاة بالشاطئ ، لم يثيروا الفزع بإحتمال أن يكونوا أرواح تخرج من النهر ، و تذهب الى بيوت المدينة دون أن ينتبه لها أحد ! .. لم تكن بينهم حورية نصفها الأسفل سمكة و النصف الآخر يشبه ( أنجلينا جولى ) بفمها الكهربائى و عيونها التى أخذت لمعانها من فلاشات الكاميرات .. كانوا أكثر من أحد عشر روحاً ذُكراناً كما تشير أعضاءهم ، خرجتْ من النهر و تسللت الى حوارى المدينة رأى العين !
بيتنا ما يزال هناك بجوار لافتة الطبيب الذى مات قبل أن أغادر القرية .. مازالت اللافته الحديدية المربعة التى طمسها قليلاً طلاء الجدار ، تومئ الى زمالة كلية الجراحين الملكية بلندن ، و الى أن العيادة هى (جارنا) الذى غادر يوم وصل ملك الموت بهيئته تلك التى لم يرها أحد !
فوراً تعرّف علىّ البيت بشبابيك غرفته التى تطل على الشارع كعينين يوشك أن يسيل منها الدمع .. تلك العينين اللتان تردان سلام العابرين ..
لم أسلّم على الشبابيك مخافة إفتضاح أمرها و أمرى ، فقد صيرتنى تلك البلاد هشّاً ، لا أشبه حتى طين (مزيرتنا) المنصوبة بالشارع لأجل جدى الذى نسيناه و لم نعد نذكره كما نذكر سبيله ..
- يا ولد شيل الخرطوش ده أمشى أملا سبيل جدك .
و أنا أبرطم .. و ربما ألعن ذلك الجد الذى ألقى على كاهلنا مهمة لا تنتهى ! حتى و أنت غير موجود ياجدى ، تنهكنا بالأعمال ؟!
تركتُ صاحب التاكسى يفك حيرة الحقائب التى لم ينس صانعوها ان يرسموا عليها علمهم المرصع بالنجوم الكثيرة و الخطوط ، كأننى سفيرهم عندى!
دفعتُ الباب ..
المرأة الجالسة على (البنبر) تحت عريشة القصب الجاف ، تشتغل على شرائح السعف الملون المسترسل الى الارض ، بمشاطها المفروق و جلبابها المفتوح الرقبة ، إذ تتدلى سِبحتها الحِجازية ، هى أمى ...
عندما إنتهتْ تلك المقطوعة الطويلة جداً كسنوات، نحَََّتْ العازفة بصدرها الذى يبرز الى منتصفه حيث يتدلى عقد الكهرمان ، و شعرها المشبوك الى أعلى كباقة ورد .. نحّتْ الكونترباص جانباً و نهضتْ .. قَلَدتنى ..
دخلتْ رائحة السعف المتخمِّر بين أنفاسى و عطر (فالنتينو) العابق من صدر المرأة التى تشبه أمى ..
ربما بكيتُ أو تساقطَ زجاج تلك الشبابيك !!
GRAPHIC DESIGN BY 2006