العدد الأول أغسطس2007

 

 

شارِعٌ في حيِّ القُبّة

فضيلي جماع


 "الآن تحضن السوسنة كلّّ حلاوتها، وتندسّ في قلب البحيرة ؛ فاجمعي بعضك يا حلوتي وامتزجي بذاتي !"

آلفريد تنيسون
 
 
"1"
على الفجْرِ تصحُو المنازلُ
والشرفاتُ العتيقةُ تصحو
تبلّلُ أطرافَها بالنّدى..
تتثاءبُ والفجْرُ يمسَحُ أعطافَها
بائعُ اللبنِ المتجوِّلُ والضوءُ..
يقتحمانِ البيوتْ!
الدُّخانُ الكسولُ استفزَّ النوافذَ
سِرْبُ القماري ، الحمائمُ والبقرُ الشاردة
فضحتْ هجعةَ الحيِّ..
فاستيقظ النائمونْ!
والسّحابُ الفضوليُّ..
أرْخَى على الشمسِ طرحة!
ورشّ على العُشبِ دمعاً رذاذاً
حياةٌ من الزمنِ السرمديْ
بيوتٌ يشقُّ الزمانُ عراقيبَها
وأُخرى على الشارعِ الأبدِي..
تجدِّدُ رسْمَ الزخارفِ..
لوْنَ الستائرِ..
حشْدَ العُطورِ..
الأواني النفيسةَ والأحذية!
حياةٌ من الطُّهْرِ والعُهْرِ ..
في الشارعِ الأبدي!
خليطٌ من النّثْرِ
والشِّعرِ..
واللُّغةِ البُورِ
من تأتآتِ السُّكارَى!
ولغْطِ الحيارَى
وهنْهنةِ السابلة!
تفتحُ الدورُ أبوابَها
يخرجُ الطيِّبونَ ،
الصّعاليكُ..
بعضُ النساءِ المُسِنّاتِ..
كوكبةٌ من بناتِ المدارسِ..
أو شُلّةٌ من رجالٍ
سراويلُهم هرِمتْ..
من مجابهةِ الرِّزق!
حتى الظِّلال المسجّاةُ تمشي
تدورُ من الغربِ للشرقْ!
تهزم لفْحَ الهجيرِ وقيْظَ النّهار!
ويشتدُّ وقْعُ الخطا ..
تتكسّر دوّامةُ الحظِّ والمعمعة
ولابدّ أن يفردَ الشارعُ المتعرِّجُ..
في كلِّ زاويةٍ كفَّه
يتفقّد طوبَ المنازلِ
ينفحُها بركاتِ الشروقْ!
وأذكرُ وجْهَكِ في زحمةِ الحيِّ..
شمساً تطلُّ من النافذة
ويرشحُ منها السّنا والبريقْ!
وأذكرُ وجْهَكِ فرحةَ عيدْ
يُباري النّدَى والغيومْ
ويقبضُ ذيْلَ النسيم!
وتهتفُ عيناكِ
بالسُّحبِ العابرة:
يا سحاباتُ..
يا مركباتِ المسافرْ
علامَ الحروفُ الموشّاةُ بالحُزْنِ..
من فمِ شاعرْ؟
تردُّ السحائبُ:
كوني سلاماً على قلبِهِ
يا قُميْراً توسّدَ تلَّ الضفائرْ !
وتضحك عيناكِ..
تضحكُ..
تضحكُ بِيضُ السّتائرْ!
طفولةُ عينيْكِ لُغْزٌ
وغُنّةُ صوتِكِ شعرٌ
ومرآكِ سحْرٌ
وحظُّ الذي يتمناكِ عاثرْ !
أراهِنُ أنّ المسافاتِ..
بين البيوتِ العتيقةِ
والمئذناتِ..
وبين الحوانيتِ والسُّوقِ
تغمرُها تحت دارك
بهجةُ عرس !
تجدِّدُ من عمرِها..
تتفيّأ ظلَّكِ في الفجْرِ!
تعطيكِ قيْدَ الأمورْ
يحيِّيكِ كونٌ من الشِّعر والنورْ
يحيِّيكِ ورْدٌ..
تفتَّحُ أكمامُهُ في البكورْ !
ومَنْ سارعوا في الصّباحِ
لبوّابةِ الخير !
ردّي على الشمسِ..
قالت لكِ الشَّمْسُ:
هل أنتِ نعْسَى؟
وأردفتِ الشمسُ:
إنّ بريقَ النّدَى
في خدودِ الأزاهيرِ أحْلَى!
وآخذُ حظِّي من الشدِّ والجذْبِ
أمرُقُ كالسَّهْمِ من حُضْنِ قوس
لأندسَّ في زحمةِ العابرينْ
أتباطأُ في المشْي..
أطمعُ لوْ صدفةً
جذبتني رموشُكِ
بين مئاتِ العُيونْ !
يتفحّصُني الحيُّ نافذةً ..نافذة!
أتفقّدُ سُمْرَ الوجوه..
الجلابيبَ والدور !
نفسُ الوجوه التي تتطلع للفجر
نفس الوجوهِ التي سهِرتْ..
قامرتْ ..
ضحكت..
أجهشت بالبكاءْ!
والتي قاومتْ لسعةَ الجوعِ
في أمسياتِ الشِّتاءْ!
نتبادلُ نفسَ التحايا ،
ودردشةً ..
أو مجاملةً عابرة
كلُّنا في الطريقِِ..
صدىً للنشيدِ الإلهيِّ
أوركسترا للوجودِ!
يفضُّ النهارُ دواليبَ رزقٍ
ويختمُ أخرى
تضجُّ المدينةُ بالّلغْطِ
نسعى مع العابرينَ
ونسلِمُ أنفسَنا ..
لمعاناةِ يومٍ جديدْ !!
"2"
وأُحْصِي البيوتَ التي ..
هجرتْ ساكنيها !
يجرْجِرُ غولُ التعاسةِ
سيقانَه في الزّوايا
ليهْدِمَ أنقاضَها
أو يعرِّشَ فيها
هربنا من الظلِّ..
ننشُدُ أحلامَنا الصافية
حظُّنا في الحياةِ الجديدةِ صفرْ
سقطنا من القاعِ في الهاوية!
موتٌ رخيصٌ..
ضياعٌ على هامشِ الكونْ !
لا شارع الصبرِ أعطى أماسيكَ لونْ
ولا الدمْعُ غطَّى زوايا العيونْ!
وأعراسُنا كالمآتمِ..
موصولةٌ ليلَها بالنهارْ
ويمتدُّ في الساحةِ الشارعُ الأبدي
يكوِّرُ جثّته في السراديبِ..
أفْعَى من الطينِ والرَّمْلِ
ساقيةً لا تملُّ الدّوارْ
أفكِّر فيكَ..
وأن الهمومَ الصغيرةَ..
تُعطيكَ يا شارعي..
صوتَها،
لونَها ،
حجمَها المستعارْ!
تشدُّكَ بعْضُ الحكايا
وأنْتَ إلى أين تسْعَى ؟
تعّلمْ ركوبَ الرِّياحِ المطايا ..
زمانُكَ يطعنُ في الظهْرِ
فاسنُدْ قفاكَ..
إلى حائطٍ ليس ينهارْ!
واشهدْ سقوطَ الجموعِ الضحايا
هياكلُ بين انتظارِ المنيّةِ
والفرحِ المستباحْ
يطولُ الحصارُ عليها
قُبيْلَ انبثاقِِ الصّباحْ
وقلنا لمن يتهجَّى ..
حروفَ السياسةِ فيهمْ :
لا الطيْرُ باضتْ نُضاراً
ولا جُثّةُ الكلبِ ترشَحُ مسكاً
فمن أين يُعطِي الهشيمُ العسلْ؟
وكيف يواري الرداءُ الممزَّقُ
عورةَ مَنْ يعشقُ الرقْصَ..
في الساحةِ العارية؟
أفكّرُ فيك وفي عالمٍ ..
من خليطِ المُنَى والمنايا !
والفقْرُ شيخٌ يغازلُ
أحلى الصّبايا
يدقُّ الشبابيكَ..
يُعطي المواعيدَ
يفعلُ كلَّ الرزايا !
أفكِّرُ فيكِ.. ويسرقني الوهْمُ:
أحلُمُ أنِّي جوارَكِ
في ليلةِ العُرْسِ
أصبغُ زندي ببخورِ صندلْ
وأبصرُ بوابةَ الكوْنِ
أحْلَى وأجملْ !
وتبتسمينَ..
ليكبرَ أطفالُ شارعِنا
بين يومٍ ولحظة!
ويرتدَّ نحو الشبابِ الكهولْ
وتهربَ من دورةِ الزّمنِ اللولبيِّ
جميعُ الفصولْ !
وهل أنتِ إلا الزغاريدُ
والحلُمُ المستحيلْ
لأصحُوَ صفْرَ اليديْنِ..
وخالي العناوينِ منه!
تسرّبتِ..
لا أنتِ كُنْتِ ..
ولا كان في الدارِ عرسْ!
ولكنّ في الساحةِ الشارعَ الأبدي
يكوّر جثَّتَه في السراديبِ ..
أفْعَى من الطينِ والرّملِ
ساقيةً لا تملُّ الدُّوارْ !
هنا العُرْسُ يأخذُ حجْمَ الفجيعةِ
والقربُ من وجنتيكِ انتحارْ !
وأُحصِي البيوتَ التي..
هجرت ساكنيها
هنا آخر الأرض
والكوْنُ يبدأُ من ها هنا !
"3"
تسرّبَ من فجوةِ البابِ خيطُ الدُّخانْ
وانتشَى مجلسُ النِّسوةِ الخاملاتِ
بقهوةِ نصفِ النهارْ
وبعضِ الحديثِ المشبّعِ ..
بالهمْزِ والغمْزِ والسُّخرية!
المكانُ إذا شئتَ نفسُ المكانْ
والمواضيعُ شتّى:
غلاءُ المهورِ ..
فضيحةُ بنتِ الذواتْ ..
الحروقُ القديمةُ
في فخذةِ البنتِ قبل الزفافْ
التندّرُ في مَنْ تزوّج للمرّةِ العاشرة!
واختتمْنَ الحديثَ "المهذّبَ"..
من نكتةٍ عابرة:
أنّ وجبةَ عرسِ الفتى
لم تكلِّفْ سِوى..
بِضْعَ مليون والحفلَ روعة!
* *
يموت النهارُ ويزحفُ جيشُ الظلامِ..
على الشارعِ الأبدي!
شارعٌ ما رأى نعمةَ الكهرباءْ
وينكرها لو رآها
على نافذاتِ البيوتْ!
أراقِبُ همْسَ الأزقّةِ ..
تقتربُ الدورُ من بعضِها
بائعاتُ التسالي ..
تدفّقْن عبر الممرّاتِ
أقعَيْنَ فوقَ البنابِرِ
أوْقدْنَ حُمْرَ الفوانيسِ
ينهزمُ الفقرُ تحت ابتساماتِهنّ
ويندحِرُ اليأْسُ !
تقتربُ الدُّورُ من بعضِها
ففي الليلِ تخلعُ كلُّ الأزقّةِ..
ثوْبَ الوقارْ !
النهارُ اشترى عُرْيَها
ليس أكذب في حيِّنا
من ضياءِ النّهارْ !!
وأُحصِي البيوتَ التي
هجرت ساكنيها
أقبّلُ طوبَ المنازلِ..
رمْلَ الشوارعِ..
كلَّ البيوت ِ
لأنكِ منها وفيها!
ويولدُ فجرٌ
ليمتدَّ في الساحةِ الشارعُ الأبدي
ننقلُ فيه الخطا..
وننظرُ في العابرينْ!
أصافحُ وجْهَكِ في طلعةِ الشّمسِ ..
أو في خُطا العابرينْ
أصافحُ حتّى الأراذلَ والطيبينْ!
أتعلّمُ منهم ثبات الصخورِ
بوجْهِ الرِّياحِ
ونارَ التحدِّي
ونورَ اليقينْ!
أناسٌ همُ الكونُ
والرِّحلةُ الخالدة!

الأبيض- يوليو 1979م

فضيلي جماع



 

 

 

 

Google

VISITOR NO
Port Lawrence

GRAPHIC DESIGN BY

2006

 




1