العدد الأول
أغسطس2007
حوار الورد . .
قصة حوارية قصيرة
جمال محمد إبراهيم
- 1-
دعيني ألتقط أنفاسي ، أنا متعب هذا الصباح . . ! -
- حسنا ، مابك ؟
- أود أن أسألك : هل تعرفين الجاذبية "الشعرية" ؟ ؟
- أعرف توارد الخواطر في الشعر. . .لكن قل لي : ماذا تقصد تحديدا ؟
- قلت لك : أريد مهلة لإلتقاط أنفاسي . . كنت أمرح وراءك في منتديات التفاكر و السفر الثقافي البديع . . ما كنت أعرف أن الجاذبية "الشعرية" تجرني إليك لأعبر كل هذه المسافات . . حتى ألتقيك . . !
- عن أي جاذبية تحكي ؟
- كنت معك . . . كلمة بكلمة ، حرفا بحرف . أعدو وراء النوارس ، في عمق البحار الحزينة . .
- هل دلفت اليوم إلى واحة التفاكر و الأنس الشفيف . . ؟
- أنا وراءك من حرف إلى حرف . . . هل أدركت ما عنيت بالجاذبية " الشعرية" ؟
لكن أصبري علي ، سأعود إليك بعد التقاط أنفاسي . . هل تنتظرينني ؟؟
- كما تشاء . .
- 2 -
- صباح اللؤلؤ و المرجان . . ها قد أطل الصباح . . !
- هل التقطت الذي أحسه أنا ؟
- نعم . . لا بد أن تعلمي أن قلبي معقود بقلمك ! !
أو إن شئت بألمك . .!
- كيف أصبحت هذا اليوم ؟
- بكل خير . . فقط أفتقدك . .
- أريد منك أن تسدي لي معروفا في أوقات فراغك . .
- هيا قولي . . أنا أسعد أن أفيدك في شيء . . !
- هل تحفظ لي كلامي معك حتى أسترجعه لاحقا . . ؟
- أيكون هذا من وحي حديثي معك عن الجاذبية الشعرية و انعقاد القلب بالقلم ؟
- ربما نعم . . لست متأكدة . . !
- 3-
- دعيني أهذي قليلا ، معك . . هل تحتملين هذياني . . ؟
- أفعل . . أنا أنصت . .
- أنا وأنت في شبكة وجد لاسلكية . . صحيح ؟
- . . . . . . . . . . . . . .
- و شوق إلكتروني عارم . . صحيح ؟
- أتابع . . الذي تكتب . . واصل هذيانك فيا . . !
- يخرج إليك من " رام " قلبي . . ثم ما أن يهرب من ثقب قلبي ، حتى أصطاده لك في ذاكرة "الفلاش" . . !
- أمتع بصري و قلبي بما تكتب . .
- و أحفظه لك في "ديسك" الشوق ، حتى يمكنك استرجاعه وقتما تشائين . . ! لكن إلى متى
يظل عشقي لك إفتراضيا ، و شوقي إليك مضغوطا في "الفلاش" ؟
- يآآ آ آه . . ما هذا البديع الذي تقوله . . ؟
- أفتحي لي نافذة . . سوريها من رمش عينيك ، ثم اتركيني أمرح في تلك التي أحلم بها ليل نهار . . !
- دعني أعيد إليك ذات السؤال : إلى متى يظل عشقك لي إفتراضيا . . ؟
- هيا أهذي معي ، إذن . . !
- لست مثلك . . أنا لا أجيد الهذيان فرحا . .
- أنت التي علمتني . . أقسم لك . . ! إن في داخلك عاشقة خجولة . . قلمك أشجع من لسانك أيتها العزيزة . . لا تتركيني لهذياني . . !
- لست عاشقة خجولة . . !
- إذن أهذي معي . . !
- فرحا ؟
- يختبيء الفرح "الناعم" في الأحزان "الصلبة" ؟
- هل تعتقد بأني أحتاج لهذيان العشق في أواني هذا ؟
- نعم إلى حين . . . أنا أروض نفسي معك على إعادة اكتشاف دواخلي . .
- لا اظنني الآن في حاجة لأي هذيان . . !
- و آمل أن أصحبك معي دائما في هذه الرحلة . . . نحتاج يا عزيزتي لأن نهذي ، حتى ترينني كتابا مفتوحا ، كما أريد أن أراك كتابا مفتوحا . . .
- لا أمل لدي . . ما الذي يحملني على ذلك . . ؟ ما قبلت يوما أنصاف العلاقات ، ولا نصف العشق !
- لكني لست نصف عاشق . أنا نصف قتيل في الحقيقة . . و هذا ليس هذيانا . .
أما قلت لي ذات مرة ، أن عتمة في قاع البحر . . . تحول بيننا . .
ألا ترين أنني مثقل بجراح طويل ، و كنت أهفو لأن أجد عندك دواءا يغير ما بي . . ؟
- وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر ؟ ؟ فأنا ليل مظلم لا دواء عندي . . . وفاقد الشيء لا يعطيه . . !
- 4 -
- هذه الحياة ، أيتها العزيزة ، لا تحتمل الأحكام القاطعة . . الباترة . . النهائية . . .
قد يكون كلامك عن نفسك فيه شيء من الحقيقة . .أو لنقل - حسب رؤيتي - نصف الحقيقة.
أتركي مساحة لأمل بعيد . ليس هنالك ظلام كامل و لا ضياء كامل . لكم أكره الدبلوماسية !
- أود أن أسألك سؤالا !
- نعم . . قولي ، كلي أذآن صاغية . .
- هذه الحزينة التي أنت كلف بها . . ماذا ستقدم لها من الفرح ؟
- و من طلب يدها عبر الشبكة الأثيرية . . ؟ سأصارع ظروفي و الحصار الذي حولي . . . هذه معركتي لو صبرت لي . . ألا يمكن أن نكون معا بقية عمرينا ؟؟
- لن تقدر أن تكون . . لن ننتصر على الحصار . . و أنت لا تملك قرارك لأنك لست وحدك !
- من تمردوا على واقعهم المر عبر التاريخ . . من كان يشاركهم قرارهم ؟
- أبي تزوج على أمي بامرأة أخرى . لم أغفر له حتى الآن . ربما أن أمي قد غفرت ، غير أني لم أنس ، حتى الآن ، دموعها وانكسارها . . كنت في ربيع عمري غضة و ما قوي عودي . . عرفت لحظتها كم الحياة ممعنة في الظلم . . !
- أنت امرأة عملاقة ، يا عزيزتي . .
- كلا ، كنت وقتها يافعة لا أعرف الدنيا معرفتي بها الآن ، لكنني أحسست بالظلم يطبق علي و عليها . .
- البنت في مثل سنك ذاك ، تحس أن شيئا ما غير سوي في علاقة أمها بأبيها . . ألم تلاحظي ثورته على أمك تلك السنوات . . ؟ و ربما لا يكون الأب ذلك الرجل المثالي ، لكنك بلغت من رجاحة العقل ما تدركين معه الآن طبيعة العلاقات الإنسانية ، وتدركين كيف يمكن أن يكون مقدار التضحية ، سواءا من طرفها أو طرفه . ؟ التحدي الماثل ، هو كيف يمكنهما الحفاظ على تماسك أسرتهما . . . و لكني بتجربتي ، أعرف ما يدور في صدور الأبناء و البنات . . . . ليس في كل الأحوال يكون الزوج ظالما ، و لا في كل الأحوال تكون الزوجات مظلومات . .
- افهم ذلك ، ولكني لا أملك حلولا لمثل هذه المواقف . . !
- ليس هناك أبيض و أسود في هذه الحياة . . إنها خليط متشابك من ألوان الطيف . . و يصعب علينا إطلاق الأحكام القاطعة . . يبقى علينا أن نراهن على قدراتنا الذاتية ، لتجاوز
العتمات التي تكون في أعماق البحار . . و الصخور التي في الطريق . . . ذلك ما كتبت أنت في مقاطعك إلي . . ليس مطلوبا أن نجد الحلول ، بل أن نسعى لصناعة الفرح ، قدر استطاعتنا ، عبر مطبات الأحزان و الخذلان . . قد لا أملك الفرح كله . . لكني قد أقبل بنصفه ، أو أقل . . و ربما الأقدار و الأيام القادمة ، تفتح نوافذ أوسع للفرح . .
- حياتي كانت مليئة بالإرهاق فهل أزيدها رهقا أيها العزيز . . ؟
- ألا تؤمنين بأقل قدر من التفاؤل في مقبل أيامك ؟ ؟ أما من أمل يلوح في أفقك ؟؟
أنا أستطيع أن أوصد أبوابي ، أستطيع أن أبقي نفسي رهين حزني الذي رافقني سنوات من الزمان ، و ليس بوسعي الآن أن أقنعك كيف أن الزمن ظلمني ظلما شديدا ، و قد يكون ذلك قدري أتحمل تبعاته وحدي . كيف لي أن أقنعك و أنت لا تعطين لنفسك سانحة للإستماع لوجهة النظر الأخرى . . ؟ هذا واقع أعيشه وحدي . . واقع صعب . . لا أريد منك عطفا . . أنت أكبر من أن تهدري عواطفك في إبداء التعاطف و الرحمة . . أنا و جدت عندك قدرا من العاطفة الصادقة ، و رأيت قلبي يهرع إليك مهرولا هرولة عاطفية ما جربتها من قبل . . تذوقت منك حنوا ، ما برني به بشر من قبل . . لذت بك صادقا ، و جاءت رسالتي إليك تنزف نزفا . .
- لكني أسأل نفسي دوما ، ما الذي قدمته لك حتى هذه اللحظة . . لا شيء على الإطلاق . !
- جاءتك رسالتي خارجة من قلبي ، عنيفة مهلكة . ولقد وجدت عندك قدرا من العاطفة الصادقة . . ألم يأتني ذلك النزف منك . . ؟ ترى ، أما أحببتك حبا قويا . . ؟
ثم بعدها ، جئت إليك ....
ثم جئت إليك ،
ووقفنا هنا . .
تحسبين أنك لم تقدمي لي شيئا ، و أنا أراك حلما يمكن أن يتنزل إلى دنياي من أثير بعيد ؟
أراك في حلمي ، آتية إلي . . حزنك يأتلق في حزن سنوات من عمري ، ألا يكفينا بعد ذلك أن ينفجر فينا فرحا ، تقنا إليه أعمارا بحالها . . ؟ أنا . . لا أكاد أواصل . .
- .........................................
- 5 -
- قولي أنت . . أكتبي أنت . . تعبت أنا . . !
- أنا أسمعك . . !
- أراك تنفلتين من بين أصابع حلمي . . أنا جزع في الحقيقة . . !
- الواقع هو المخيف . .
- نحن الذين نصنع هذا الواقع . . ثم نحسب أننا لا نملك القدرة على السيطرة عليه . نحن الذين نصنع الخوف ، فنختبيء في الظلام ليتضاعف خوفنا . . نحن الذين نصنع الفزاعات الخشبية في المزارع . . فنفزع منها و نهرب مع الطيور ، بعيدا إلى فضاء بلا خضرة ، و الثمر الطيب قيد أنملة . . هل تفهمين هذا الذي أهذي به . . لا تحتاجين أن ألقي عليك دروسا فارغة . . أنت تفهمين . . !
- لا أمل الحوار معك . . في الصباح وقتي ليس ملكي لأحدثك ، ومساءا وقتك ليس ملكك . . أنا في حيرتي أدور . . أين نتلاقى إذن . . ؟
- أستميحك أن نجلس سويا إلى واقعنا ، نلامس تفاصيله . . نداري أحزاننا قليلا ثم نجتهد ، بعاطفة صادقة ، و أزر مشدود ، و لواذ وثيق ، بيني و بينك . أن نبحث خياراتنا و احدا إثر واحد ، أيها الأنسب ، ثم نقول كلمة واحدة بعدها في الذي أحسه أنا تجاهك ، أو في الذي تنكرينه أنت نحوي . . ليكن حديثنا واضحا صريحا مباشرا . . !
- كيف ترانا نلتقي ، إذن ؟
- نستطيع أن نلتقي . . فقط يلزمك أن لا تأتي إلي قلبي بمواقف مسبقة ، و آراء تحسبينها غير قابلة للتعديل . . !
- أتراني لم ألحظ كيف كانت ظروفك تلاحقك لتبعدك عني ؟
- و هل أخفيت أنا عنك ذلك . . ألم يقع ذلك يوم التقينا أول مرة ؟
- لم تفعل . . أعرف ذلك ، لكن أعرف نفسي أيضا : أني لا أقبل شركاء البتة . . !
- ألا يمكن بقليل صبر ، ترويض النفس الأمارة بالأنانية ، لتكون أكثر تسامحا ؟
و أكثر قبولا . . بما يكون بديلا لفقدان كبير ؟
- أعرف نفسي . .
- ليتني علمتك شيئا من المداراة التي لونت تفكيري و مسلكي . . فأنا أفاوضك الآن في قلبك . . !
- قد لا أكون أول عشق في حياة رجلي ، ولكن أرفض أن أكون الثانية ، المنبوذة ، المتعدية . . وفي الغالب مجرد عشيقة . . !
- لا. . لا . . لا . . !
- إنها الحقيقة لا تداريها عني . . !
- لا أعرف كيف أثنيك عن زعمك هذا . . لا . . ! قد يقول الآخرون قولا ظالما . .
- المرأة الثانية مجرد عشيقة . . !
- أترانا نحتكم إلى الآخرين في توصيف علاقتنا ، أنا و أنت ؟ لا . لا . . لا ترددي هذا القول . . !
- هكذا كنت أري إمرأة أبي الثانية . . محض عشيقة !
- لا تظلمي نفسك أو تظلميني . . ألم أطلب منك إلتزاما ، بأن لا تستصحبي أحكاما مسبقة ، و أن لا تلوني كل الكون بمنظار واحد أحد . . ؟ الكمال عند الخالق ، لكن الظلم أمر نسبي عند البشر . . ما ترينه ظلما يراه غيرنا عدلا كاملا . المهم أن لا نطلق الأحكام جزافا و إطلاقا . . لكن من قال أن الزوجة الثانية مجرد عشيقة ؟؟ . . هذا قول ظالم للرجل و للمرأة . . من أي زاوية نظرنا إليه. .
- هذا حكمي أنا . . !
- ليس في الواقع الماثل ، حكم قاطع كهذا ، إلا أن تكوني قد حكمت من واقع تجربة شخصية ضيقة و محدودة . معرفتي لعقلك الراجح ، تقول لي أنك تظلمين نفسك - عنادا - بهذا القول .
- ليس عنادا . . !
- أستطيع أن أقنعك بخطل قولك بسهولة ، لأني أعرف أنك ، في غرارة نفسك ، لا تؤمنين - عقلا - بهذا الذي يجري على لسانك . .
- بل بكامل الإيمان أقوله . . !
- أستطيع أن أقنعك ، حتى و لو لم يكتب لي أن ألقاك . . ليست القضية أنا و أنت فحسب . . أنا أريد لعقلك الراجح أن يكون راجحا إلى النهاية . . أنت أكبر من أن تلوذي في بقاءك بعيدا عن عاطفتي ، بقولك أن الإقتران بامرأة "ثانية" ، هي علاقة خيانة أو عشق سري أو أن فيها إنتباذ . . !
- لماذا يرفضها المجتمع إذن؟
- من يعرف لي ال"مجتمع" هذا ؟ هل هومجموع الناس الذين يرونك تهبطين من سيارة خاصة ، فيقولون عنك قولا مسيئا ؟ هل المجتمع هو مجموع النساء اللائي لا هم لهن غير الغيبة والنميمة ؟ هل المجتمع هو مجموع المتعلمين المتحذلقين ؟ أم أن المجتمع هم أنصاف المتعلمين ؟ أم الوعاظ ؟ سلي قلبك ، أيتها العزيزة ، ينبئك . . !
- قلبي في إجازة جبرية . . !
- قلبك يدلك ، و عقلك الراجح يدلك ، أما الآخرون فنحن نحيا معهم و بينهم ، لكن أن يلونوا حيواتنا ، فذلك ليس لهم . .
- أرهقتني . . !
- من أعطى قلبك هذه الإجازة يا عزيزتي ؟
- الأنا . . !
- أريدك أن تبقي الوردة حية نابضة . . ! من فينا أرهق صاحبه ، أنا أم أنت ؟؟
قلبي حدثني منذ زمن . . لكنك هربت مني . . !
- أخاف . . علينا . . !
- أيصعب عليك أن تقولي لي ، أن قلبك هارب مني . . ؟
- لا ، لم يهرب . .
- أحتاج لخلوة مع نفسي . . أرهقني الحديث معك ، أرهقني . . !
- أرهقني الحديث معك أيضا ، أرهقني . . !
و لم ينته الحوار. .
-الخرطوم
GRAPHIC DESIGN BY 2006