شكل التعبير الديني في روايات الطيب صالح
بروفسر. إبراهيم محمد زين
2ـ4 ميلاد ضــوالبـيــت:
ان رواية بندر شاه "ضو البيت" هى عبارة عن لوحتين، اللوحة الاولى عن قصة الصراع بين محجوب واولاد بكرى بكل ما يحمله هذا الصراع من معان وكل الهوامش التي يمكن ان يحتويها بالاضافة إلى ذلك الجو الاسطورى الذي يتعلق بالاسم الرهيب. اما اللوحة الثانية فهى عن ضو البيت، ويبدو لأول وهلة ان ضو البيت لا صلة له باللوحة الاولى برغم انه "صاحب الزمان" بلغة التصوف ـ او ان الرواية نفسها يفترض ان تكون عن سيرته وحسب.
لكن بالتدقيق في بناء اللوحتين نجد ان تلك الشخصية الغامضة صاحبة الاسم الرهيب في اللوحة الاولى ما هى الا اشارة رمزية لضو البيت، وهذا الاسم الرهيب هو الذي يعطى الصراع بين محجوب وأولاد بكرى المعانى التي ارادها له الطيب صالح، وبالتالى يربط اللوحة الاولى باللوحة الثانية. ونقول بأن ذلك الصراع التاريخى حول السلطة وحول معنى التغيير الاجتماعى ينتهى بصورة فيها كثير من التلقائية دون قطرة دام تراق او احقاد تبقى في النفس لتأجج نار ذلك الصراع وتدور عجلة الحياة والتاريخ القهقرى لتدفع حساب ذلك الصراع مرة تلو الاخرى. ذلك امر سوف نتناوله بالتفصيل في موضع آخر من هذه الدراسة ـ باذن الله.
لقد اتى من النيل لا اسم له ولا دين له غريبا خائفا منهكا يترقب، فوصل إلى مكان، كما وصفه حسب الرسول ود مختار بأنه "محل عشا الضيفان وجمة الفتران" (ضو البيت: 104). ان قصة خروج ذلك الغريب من النيل هى قصة بالغة الحساسية والتعقيد في التاريخ السياسى والاجتماعى للسودان، هى بلا شك تحكى طرفا من دخول الاتراك المصريين إلى السودان وكيف تعامل اهل ود حامد مع ذلك الامر. صحيح ان مستوى الصراع والنظر إلى تلك القصة قد تحول من مستوى الوصف او السرد التاريخى كما هو الحال في موسم الهجرة إلى الشمال التي تناولت فترة الاستعمار البريطانى للسودان وما تبع ذلك من سياسات بعد خروج المستعمر ـ إلى مستوى الشعر والاشارة الرمزية.
يمكننا القول كذلك بأن عجز بيت أمير الشعراء احمد شوقى:
أين التماسيح من لـــجــــة فـــى بلاد تموت من البرد حيتانــــها؟
والذى استخدمه الطيب صالح في رواية موسم الهجرة إلى الشمال لبيان الفرق الواضح بين الشمال والجنوب لا ينطبق على حالة ضو البيت ذلك الغريب الذي اتى من النيل مثلما جاء مصطفى سعيد بعد ميلاده الثانى إلى ود حامد، والفرق بينه وبين مصطفى سعيد هو انه قد آثر الانتماء إلى ود حامد وطلق إلى غير رجعة تاريخه السابق.
كلنا يعرف ـ بكثير من التبسيط ـ ان الاتراك المصريين قد اتوا إلى ماعرف باسم السودان كغزاة طالبين المجد ومتاع الدنيا على حساب السكان المحليين. لكن الطيب صالح اختار نموذجا معينا لحكاية تفاصيل تلك القصة على ارض ود حامد.وقد بدأ ذلك الامر قبل طلوع فجر ذلك اليوم الذي ذكره حسب الرسول ود مختار حينما حكى قصة خروج ضو البيت من النيل ـ وكيف انه في ليلة من ليالى شتاء امشير، وحيدا عند الشاطئ يدير الساقية ـ قائلا: "رايت الدهمة تتشوبح بين النهر والسماء كأنها ممدودة بين النار على الشاطئ وقبس الفجر الباهت تحت خط الافق، وأحسست بنفسى اضيع وفيما انا أهوى تذكرت اننى متوضئ لصلاة الصبح وان وضوئى ينتقض. بدأت أطفو وانا اتشبث بتلابيب القرآن اردد الاسماء بلا وعى، حال رجل من الأميين" (ضو البيت: 101،102). ولما هدأ روعه قال " رايت الدهمة صارت شيطانا واحدا، وقلت الذي كفانى شرهم يكفينى شر هذا كمان" (ضوالبيت: 102). وحينما تشجع حسب الرسول وملك ناصية امره كان أول ماقاله "وقلت للمارد الواقف بين الارض والسماء (السلام على من اتبع الهدى)" (ضو البيت: 102). لكن المارد لم يرد وانما تقدم ـ وهو يخوض الماء خطوات نحو حسب الرسول فاستعان حسب الرسول بمحفوظاته وحصيلته الدينية من التحصن والتعوذ لذلك كان السؤال الثانى ـ الذي ألقاه حسب الرسول ـ للتخلص من مخاوفه التي انبنت على مسلمة ان الآخر دائما هو الشيطان "انت شيطان ام إنسان؟" (ضو البيت: 102)، وتستمر المحاورة ويهدأ روع حسب الرسو ل بسببها، إلى ان تصل إلى السؤال الحاسم الذي يلقيه حسب الرسول "وجيت عشان ايش؟"، فيرد عليه (عشان جوعان)" (ضوالبيت: 103).
هذه المحاورة كانت عن هوية الغريب، لكن تلك الاجابة الاخيرة ردت لحسب الرسول صوابه، فالجوع هو حالة افتقار للآخر، وهو من ضرورات الاجتماع البشرى، فهذا الآخر تحول بسبب كلمة واحدة منه إلى شئ مألوف، وانقشعت الغمة عن حسب الرسول، وعادت ود حامد كما هى لذلك ضحك حسب الرسول "ضحكت وسمعت ضحكتى تسافر إلى الشاطئ الثانى وتعود. قلت له وقد عدت حسب الرسول ود مختار، والدنيا في ودحامد فجر قرب يطلع: (يا زول شيطان جوعان؟ عليك امان الله انت بنى آدم متلى متلك) " (ضو البيت: 104). بالطبع فان الآخر "الغريب" بالنسبة لاهل ود حامد هو شيطان يريد بهم الشر خاصة وان ارتبط عندهم بالبحر فهذه واحدة من مسلماتهم، بسبب ان العالم لديهم مرتب ومفهوم ومألوف وكذلك فان اهل ود حامد لا يسرعون في الحكم على الاشياء والاحياء من حولهم ان كان الامر يتعلق بتجربة متعينة وليس افتراضا نظريا.
برغم اعتقاد حسب الرسول بأن تلك الدهمة التي رآها قبيل طلوع ذلك الفجر قد تمثلت له في شكل شياطين جرد لها اسلحته الدفاعية من آيات الذكر الحكيم الا انها حينما صارت بالنسبة له ماردا حمد الله على ذلك وسأله ان يخلصه منه، وابتدره بالسلام ككلمة سواء بينه وبين ذلك الآخر. ثم عبر له عن مخاوفه، وكأن تلك المخاوف والحواجز التي بينه وبين الآخر قد تبددت واحدة تلو الاخرى عن طريق الكلام، عن طريق اللغة، فهى التي اختصرت المراحل وتخطت الحواجز، فذلك الآخر الذي تصوره حسب الرسول دهمة سوداء من الشياطين قد تحولت إلى مارد ثم إلى شئ يتحدث العربية بلكنة اعجمية، ثم اخيرا إلى إنسان ضعيف قد انهكه الجوع والسهر، إلى شخص تألفه وتتجه نحوه بواجب الضيافة.
وبرغم ضيق ذات اليد الا ان حسب الرسول قد بالغ في اكرام ضيفه وآثره على نفسه لكن ذلك لم ينس اهل ود حامد الفرق الذي بينهم وبين الغريب حينما اراد ان يتزوج منهم، لذلك كانت هذه المقارنة التي عقدت بين اهل ود حامد وبين ذلك الغريب حتى بعد ان صار واحدا منهم، وتبين الفرق الذي رآه اهل ود حامد "وهو عيونه خضر ونحن عيوننا سود، وهو وجهه ابيض مثل القطن ونحن وجوهنا سوداء مثل الجلود المدبوغة، وهو خرج من الماء ونحن خرجنا من الطين، وهو مسلم منذ ستة أشهر ونحن مسلمون منذ الازل، ونحن حياتنا تبدأ وتنتهى بين النيل تحت والصحراء فوق، وهو ما ندرى حياته كيف بدأت وكيف تنتهى وهو اسمه ظهر مع ظهوره، ونحن اسماؤنا مسلسلة ابا عن جد مثل البنيان المرصوص" (ضو البيت: 117). هذه التفاصيل الدقيقة للفروق بين اهل ود حامد وبين الغريب لم تمنعهم في نهاية الامر من تزويجه ابنتهم، وبرغم من قبولهم له وقبوله المطلق لعالمهم الا ان تمثل اهل ود حامد له قد صاحبه كثير من التردد والحذر. يمكننا القول بأن: ضو البيت قد ولد فىود حامد ميلادا فيه اختيار وحب للمكان وأهله ومحاولة جادة للانتماء له، برغم كل العقبات.
نقول: ان هذا الغريب على ود حامد من الراجح انه من عسكر الترك حسب الوصف الذي قدمه حسب الرسول حينما رآه لاول مرة " الوجه مثل الصخر والانف مثل الصقر والاسنان زى أسنان الحصان، والعيون تلمع زى الفيروز. جلت صنعة الله" (ضو البيت: 105)، ثم يضيف " وهدومه زى لبس الاتراك مشرطة ومقطعة ومبلولة وعليها بقع دم. وعنده علبة سألته عنها، قال وهو يضحك (فيها الاكسير) " (ضو البيت: 105). هذه العلبة قد حوت كل ما كان يملكه ذلك الغريب. وهذا الامر مهم للغاية وهو جزء اساسى في وصف ذلك الغريب ورمز للصراع بين المهدية والاتراك، وما حوته تلك العلبة هو التنباك "وكان هو احضر معاه بذرة التمباك في العلبة ال طلع بيها من النيل يقول عليها الاكسير" (ضو البيت: 116). هو بلاشك علمهم زراعة التنباك "وعلم الارض تنبت التنباك" (ضو البيت: 134). والناظر في طبقات ود ضيف الله يجد ذلك الحجاج الفقهى المطول حول حرمة التنباك، وكيف ان رجالا مثل الشيخ ادريس ود الارباب والشيخ محمد الهميم والشيخ حسن ود حسونة قد قالوا بحرمته،و وكذلك قصة النزاع الشهيرة بين الشيخ ادريس والشريف عبد الوهاب "راجل ام سنبل" في مسألة التنباك، ثم بعد ذلك منشورات المهدية التي جعلت عقوبة التنباك ثمانين سوطا، وهى عقوبة مغلظة، وهى مساوية لعقوبة حد القذف. لكن المهم في الأمر هو ان تعاطى التنباك كان له معنى سياسى في المهدية وكذلك الترويج له كما يفهم من مذكرات الاستاذ المرحوم بابكر بدرى، حينما ذكر قصة ذلك الدرويش الذي صاح " التنباك في كسلا" فانفض بعض الجمع من حوله لان معنى عبارته ان كسلا ستسقط في يد الطليان وسيرجع فيها التنباك الذي منع بقوة الدولة المهدية!!
لقد اختار الطيب صالح من بين كل رموز التركية في السودان التنباك والذى حاربته الدولة المهدية استنادا على ميراث الفقه في الدولة السنارية. وقد حارب البعض الدولة المهدية بسبب موقفها من التنباك، ويجب الا ننظر إلى هذا الامر
بنوع من التبسيط اذ ان التنباك والموقف منه صار يعنى طريقة في التفكير والنظر الفقهى وكذلك سيرة في حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعى، وفوق ذلك هو رمز من رموز اعلان الولاء او الخروج.
وقد رجح مفتاح الخزنة في رده على عبد الخالق ان هذا الغريب من عسكر الترك " الرجل من الترك قطع شك. يمكن يكون سنجك او سردار او حكمدار. لازم نتدبر ونأخذ حذرنا" (ضو البيت: 10. ويفهم كذلك ان وقت خروج الغريب من النيل كان فيه الترك قد تخطوا منطقة ود حامد، وأوغلوا في الصعيد " قلنا لابد عسكرى من جيش الترك هارب، لكن تلك الايام ما سمعنا بأخبار معارك في الصعيد" (ضو البيت: 109).
إذًا ذلك الغريب الذي وصف بمفردات مثل الصخر والصقر والحصان والفيروز يعكس صورة الترك في ذهن اهل ود حامد، لكن هذا التركى ـ ان كان كذلك ـ قد اتى منتميا اليهم طالبا الامن والعلاج، وليس غازيا، هم الذين اعطوه الاسم ومنحوه الارض ليستصلحها، وزوجوه ابنتهم. اتى بدون ذاكرة او تاريخ شخصى فأعطوه هوية وصار له نسب بينهم. فان كان ذلك كذلك، فان الشخص الذي اختاره الطيب صالح ليمثل تلك الفترة من تاريخ ود حامد هو شخص قد تخلىعن كل شئ واندمج بكليته في ودحامد. تعلم منهم وعلمهم الكثير المفيد واحدث ثورة ايجابية في حياتهم "جلب شتل النخل اشكال وألوان من ديار المحس لحد بلاد الرباطاب، وعلم الارض تنبت التنباك،وعلمنا زراعة البرتقال والموز...وهو يسافر مع القوافل مرة إلى ديار الكبابيش..واحيانا إلى غاية حدود مصر ويرجع محملا بالثياب والعطور وألوان من الأوانى والمآكل والمشارب ما عرفناها في ود حامد من قبل" (ضو البيت: 130).
ليس ذلك فحسب، بل انه قد غير شكل المعمار في ود حامد "بنينا بيوت الجالوص بدل القش، ال كان عندو غرفة عمل ثلاثة، وال كان ما عندو حوش عمل حوش. الجامع بنيناه من جديد ووسعناه وفرشناه بالسجاد والبساط هدية من ضو البيت" (ضو البيت: 134). اما ضو البيت فقد بنى شيئا كانه مدينة موازية لود حامد، وحول الارض الخراب إلى عمران جديد من نوعه لم تألفه ود حامد من قبل " وهو بنى فوق القلعة بيت داخل بيت وديوان وراء ديوان، وحوش في بطن حوش، سبحان الله تراها من بعيد كأنها مدينة بحالها بعد ما كانت الارض خراب ومهجورة طرف البلد" (ضو البيت: 134).
هذا الشئ الذي فعله ضو البيت في ود حامد كانت بشائره قد بدأت في ذلك الضحى حينما نطق بالشهادتين ودخل الإسلام "اعترتنا جميعا حالة عجيبة في داك الضحى في المسجد، كأننا نشاهد معجزة وتأكد لدينا ان موج النيل لفظ (ضو البيت) على شاطئ ود حامد ليكون بشيرا لنا بالخير والبركة" (ضو البيت: 114). ثم رأى اهل ود حامد ان هذا الغريب الذي قبلهم وقبلوه كواحد منهم قد قادهم دون ضوضاء او تسلط إلى آفاق أرحب. لم يكن يتقدمهم وانما كان يكبر معهم ويتعلم منهم ويعلمهم "هو يكبر ونحن معاه نكبر، كأن المولى، جل وعلا، أرسله الينا ليحرك حياتنا ويمضى في حال سبيله" (ضو البيت: 134).
هذا الغريب الذي اتى من النيل إلى ود حامد بعد ان اكرم وفادته حسب الرسول بمنزله اتى به إلى المسجد، واجتمع اهل ود حامد للتعرف عليه ولاداء واجب الضيافة نحوه، وبالفعل بعد ان شبع، كان اول الاسئلة عن اسمه "عمى محمود بدأه بالسؤال، قال له (ما اسمك؟) " (ضو البيت: 105)، اجابهم بعد طول اطراق بأنه لا يعلم فاندهش الحضور لذلك الامر وسألوه عن دينه فأجاب مرة اخرى بانه لا يعلم، ثم تجددت المخاوف التي انتابت حسب الرسول قبيل طلوع فجر ذلك اليوم، فصاح قائلا لجمع الحاضرين "وهل نحن اثبتنا انه ابن آدم مش جايز يكون شيطان؟" (ضو البيت: 106)، ثم حينما سئل عن الجهة التي اتى منها ولم يحر جوابا لذلك، عبر حسب الرسول عن مخاوف الحاضرين الدفينة "تذكرت كيف طلع على من الماء مثل السحاحير وقلت في سرى مادام قد شبع فلا بد انه قد رجع شيطان مثل ما كان" لكن في تلك اللحظة كان رحمة الله ود الكاشف قد سرق السؤال من طرف لسان حسب الرسول وقال للغريب بغضب "اسمع يا مخلوق، خلاصة الامر، فهمنا انت إنسان ام شيطان؟!" (ضو البيت: 107).
بالرغم من ان الغريب لم يكن يجد اجابة واضحة عن كل الاسئلة السابقة الا انه ما تردد في الاجابة عن هذا السؤال" إنسان. بنى آدم مثلكم" (ضو البيت: 107)، هنا ـ فقط ـ تحول الغريب لدى جمع الحاضرين إلى إنسان له ما لهم من صفات البشر، ويجوز عليه ان يجهل كل شئ الا انه من بنى البشر، فتلك لا يمكن جهلها لدى الاسوياء.
لكنه بعد هذه الاجابة الحاسمة وبسبب جرح كبير كان قد امتلأ قيحا، كان قد اصيب به حوالى اسبوعين او ثلاثة، ولم يكن يدرى هو ولا الحضور بهذا الأمر، فقد صرخ صرخة مدوية وسقط مغشيا عليه. ومكث تحت العلاج حوالى الشهر في غيبوبة تامة ثم حينما افاق في وقت الضحى بالمسجد والرجال مجتمعين حوله سألهم هو في هذه المرة: من أنتم؟ ورد عبد الخالق ضاحكا نيابة عنهم "نحن الجان الكان مع سليمان" وتستمر المحاورة، يسأل فيها الغريب عن هذا المكان فيرد عليه ود حمد "هذا المكان جهنم الحمراء". ثم يسأله كيف اتى؟ فيرد ود حمد جابك الطير الأبابيل" (ضو البيت: 110ـ111).
لقد تبادل اهل ود حامد مع الغريب المواقف والمواضع، لقد صاروا هم اصحاب الشأن، العارفين لموضع الغريب بينهم، واصبح الغريب فاقدا لهويته يسألهم عنها " ثم وقف وتفرس في أصابع يديه ورجليه وفحص ثوب الدمور الذي البسناه اياه، وبعدين جلس على السرير وسكت برهة وقال "انا من أكون؟ من انا؟" (ضو البيت: 111). تحول عن ملابس عسكر الترك إلى ثوب الدمور. هذا التحول له دلالته ومعناه، تلك الملابس التي جعلته قاب قوسين او ادنى من الهلاك قد خلعها إلى غير رجعة إلى ثوب ثوب الدمور الذي منحه الحياة مرة اخرى، ومنحه وضعا جديدا وهوية جديدة بين الاشياء والاحياء. هو قد نسى كل ماضيه، حتى كيفية مجيئه إلى ود حامد "وبالفعل وجدناه نسى كل شئ، خروجه من النيل وعصيدة الدخن التي أكلها في بيتنا وجلستنا معه في المسجد" (ضو البيت: 111).
كان لا بد ان ينسى انه قد خرج من النيل وانه جاء اليهم بملابس الترك حتى يتمكن من اخذ مكانه الجديد بعد ميلاده الجديد في ود حامد، وهذا الامر يؤكده اهل ود حامد حينما يصفونه وهو على تلك الهيئة " كأن الرجل اتولد من جديد داك الضحى في الجامع" (ضو البيت: 111).
بعد ذلك الامر يلقى على مسامع الجميع محمود عم حسب الرسول، وهو كان بمثابة زعيم اهل ود حامد وكبيرهم، خطبة موجهة للغريب، ولأهل ود حامد كذلك لتذكيرهم بهويتهم ولتلخيص جملة اعتقاد اهل ود حامد وفهمهم للحياة ولأهمية هذه الخطبة في بيان موقف اهل ود حامد من الحياة حولهم ولدقتها في التعبير وشاعريتها الفائقة راينا ان ننقلها دون ادنى تلخيص يخل بمعناها:
"يا عبد الله: نحن كما ترى نعيش تحت ستر المهيمن الديان، حياتنا كد وشظف لكن قلوبنا عامرة بالرضى قابلين بقسمتنا ال قسمها الله لنا. نصلى فروضنا ونحفظ عروضنا. متحزمين ومتلزمين على نوايب الزمان وصروف القدر. الكثير لا يبطرنا والقليل لا يقلقنا، حياتنا طريقها مرسوم ومعلوم من المهد إلى اللحد. القليل ال عندنا عملناه بسواعدنا ما تعدينا على حقوق إنسان ولا اكلنا ربا ولا سحت، ناس سلام وقت السلام وناس غضب وقت الغضب. ال ما يعرفنا يظن اننا ضعاف اذا نفخنا الهواء يرمينا، لكننا في الحقيقة مثل شجر الحراز النابت في الحقول. وانت يا عبد الله جيتنا من أين؟ لا ندرى، كقضاء الله وقدره القاك الموج على ابوابنا. ما نعلم انت مين وقاصد وين طالب خير او طالب شر؟ مهما كان نحن قبلناك بين ظهرانينا زى ما نقبل الحر والبرد والموت والحياة. تقيم معنا لك ما لنا وعليك ما علينا اذا كنت خير تجد عندنا كل خير واذا كنت شر فالله حسبنا ونعم الوكيل" (ضو البيت: 112).
تلك الخطبة فيها جوامع الحكمة، ومحمود هو ابن ارض قد انجبت لقمان من قبل، ولذلك كانت اجابة الغريب بالغة التأثر، فقد دمعت عيناه واخذ يردد (نعم. نعم) (ضو البيت: 113). لقد قبل الدخول في عالم ود حامد وأقبل على ميلاده الجديد دون ماض يشده إلى الوراء ويمنعه من فهم الحياة التي عبر عنها محمود في خطبته البليغة والتى كانت بمثابة تجديد عهد لكل اهل ود حامد للدخول في هذا الميثاق الذي يحدد هويتهم ازاء الآخرين، تلك الهوية المرتبطة بميثاق متين مع الخالق وقدرة فائقة على تحمل الآخرين، والصبر على اذاهم، والقيام بواجب تحمل عبء الآخرين.
لم يصر الغريب جزءا من ود حامد الا حينما اعطاه محمود ـ نيابة عن اهل ود حامد ـ الاسم الذي كان ينتظره منذ الأزل كأنه كان امانة عند اهل ود حامد جاء صاحبها ليأخذها، وقد اتخذ امر اعطائه الاسم طقوسية فريدة من نوعها في تاريخ ود حامد فهو قد اعطى اسم ضو البيت، وحينما سأله الحاضرون عن اسمه رد بسرور "ضو البيت"، وقال حسب الرسول " جلت قدرة الله، لحظة ما نطق الاسم اصبح شئ حقيقى كأنه كان كذلك منذ البدء" (ضو البيت: 113)، وكأن ذلك الغريب الذي ظهر لحسب الرسول ـ اول ما رآه ـ في شكل مارد يسد الافق قد تقلص إلى "ضو البيت" الغريب المسكين الذي اختار ود حامد، واختارت ود حامد ان يكون هو "ضو البيت" وليس "ضو السجم"، يحل عليهم بالخير والبركة.
وقد وقف عبد الخالق ـ بعد ذلك الامر بايام ليتخذ شأن اعطائه الاسم الذي اختير له المراسيم التي يتخذونها في تسمية أبنائهم ـ قائلا "بسم الله الرحمن الرحيم، وبحوله وقوته سمينا هذا المولود (ضو البيت)، فضحك ضو البيت كأنه طفل وضحكوا كلهم مسرورين" (ضو البيت: 122).
ولقد نبه الطيب صالح إلى امر صلة الاسم بصاحبه في اللوحة الاولى من رواية ضو البيت وذكر بأن هنالك تناسبا بين معنى الاسم وبين صفة المسمى كأن الاسم قد فصل للدلالة على صاحبه " مسألة الاسماء عجيبة، بعض الناس تناسبهم تماما الخالق الناطق" (ضو البيت: 34). وكذلك فان عملية اطلاق الاسم على صاحبه ليست امرا اعتباطيا، انما يقع ذلك للتعبير عن امانة اودعت في رحم الغيب تستدعى في لحظة صفاء جماعى، فيصير اسم الشخص "مريود " او "بندر شاه".
وقد بين الطيب صالح على المستوى الشاعرى مركزية الاسم الرهيب ودوره العجيب في صناعة الاحداث وتطويرها بصورة مختلة ومثيرة للفوضى، وهذا الامر يحدث ـ فقط ـ عندما يختلط الشأن ويكون "بندرشاه" على هيئة "مريود" او "مريود" على هيئة "بندر شاه"، فهذا الاختلاط بين الهوية والاسم وامكانية تداخل الاشياء في بعضها يحدث كابوسا رهيبا وفوضى تثيرها قوى غير مرئية!
وحتى نستطيع فهم هذا الامر لنلقى نظرة على الفقرة الاخيرة من هذا المقطع ـ الذي ورد أكثر من مرة في اللوحة الاولى ـ المهم والذى يتكرر كذلك بصورة اخرى في اللوحة الثانية " وفى اطراف ذلك الكابوس كانت نساء حاسرات الرؤوس وجوههن مغبرة يتشبثن برجال مكتوفىالايدى مربوطين بحبل غليظ إلى سرج جمل وعلى الجمل جندى يحمل بندقية ورجال عشرات يسدون طريقه، ثم رد رش شب نتن شر بابه يدنا دا ده، تنصهر وتختلط وتشكل صورة مجسمة هى صورة بندر شاه على هيئة مريود او مريود على هيئة بندر شاه، وكأنه يجلس على عرش تلك الضوضاء ممسكا خيوط الفوضى بكلتا يديه وسطها وفوقها في الوقت نفسه مثل شعاع باهر مدمر" (ضو البيت: 24).
ثم يذكر الطيب صالح في وصفه لعرس ضو البيت في اللوحة الثانية " فأخذ ضو البيت يلوح بالسوط وينزله مرة على ظهر عبد الخالق ومرة على ظهر حسب الرسول، ومع وقع كل سوط تزغرد النساء، ويتصايح الرجال ويقوى هدير الطبول، وتتفرق الضوضاء وتتجمع حول (ضو البيت) وهو واقف في مركز الفوضى شاهرا سوطه فوق الجميع، يختفى ويبين وسط الزحام، فكأنه هنا وليس هنا" (ضو البيت: 131).
ان الفرق بين الصورتين هو ان الاولى تصور كابوس الغزو التركى المصرى للسودان، دون ان تصرح بذلك الامر، وينتهى الامر في تلك الصورة إلى حالة من الفوضى لا مثيل لها يصير الجميع مثل سرب عظيم من الطيور المذعورة، تحدث جلبة عظيمة تعلو وتهبط دون هدف واضح لكن يصاب الناس بحالة من الذهول تنمحى فيها كل المسلمات " في ذلك الضحى كان الماضى والمستقبل قتيلين لم يجدا من يوارى جثتيهما او يبكى عليهما" (ضو البيت: 24).
اما الصورة الثانية فهى حالة اختيار جماعى وفرح فياض بانتماء "ضو البيت" إلى ود حامد، فالسوط الذي بين يديه هو لتأكيد ذلك الانتماء وليس لسلب اهل ود حامد يقينهم ومسلماتهم التي عبر عنها محمود في خطبته تلك. وبرغم ان ضو البيت قد ترك لاهل ود حامد ابنه عيسى الذي عرف بين اهل ود حامد بـ(بندر شاه) الا ان الفرق شاسع بين (بندر شاه) ابن ضو البيت وبين ذلك "الاسم الرهيب" صنو الفوضى والدمار الذي يتحول فيه المستقبل إلى ماض ويحدد الماضى قيم المستقبل ويكون الحاضر كما لا وجود له لانه اما ان يلد المستقبل او يتحول إلى ماض، لكن (بندر شاه) ابن ضو البيت وجهه اسود مثل امه وعيونه خضر مثل ابيه وهو في الناس نسيج وحده لا يشبه دا ولا دا (ضو البيت: 131) عكس ضو البيت بندر شاه صاحب "الاسم الرهيب" في اللوحة الاولى الذي هو "مريود" على هيئة "بندر شاه" أو "بندر شاه" على هيئة "مريود".
بهذه الكيفية يمكننا ان نفهم كيف عبر الطيب صالح عن تلك الحقبة المعقدة في تاريخ السودان السياسى والاجتماعى، وكيف كان ميلاد (ضو البيت) في ود حامد هو الخيار الانسانى المفيد للتعبير عن تاريخ تلك المرحلة بصورة ايجابية واكثر ثراء على المستوى الشاعرى واكثر فهما لموضع الآخر المنتمى للحضارة العربية الإسلامية المفارق لأهل ود حامد في لونه وعرقه واقليمه الجغرافى، فميلاد ضو البيت هو دعوة لاحترام التنوع في الحضارة العربية الإسلامية وطريقة في التعبير عن البعد الانسانى لتلك الحضارة.
2ـ5 ميلاد مـريــود: ـ
إن كان الحديث عن ميلاد ضو البيت في ود حامد قد ارتبط بمحاولة تفسير الغزو التركى المصرى للسودان عن طريق عقد المقارنة بينه وبين الاسم الرهيب "بندر شاه"، فان ميلاد بلال في ودحامد قد ارتبط كذلك بمحاولة لتفسير وفهم مؤسسة الرق في السودان وربطها كذلك بـ (بندر شاه)، ففى كليهما بندرشاه ولد ضو البيت هو الذي يعطى للناس النموذج الأكثر تصالحا وانسانية لمسألتى الغزو التركى المصرى ومؤسسة الرق في السودان. وبالمقابل فان الصورة القاتمة والمختلة نجدها في حالة "بندر شاه" الاسم الرهيب، وليس "بندر شاه" لقب عيسى ولد ضو البيت(10).
اذًا بندر شاه هو الذي يربط بين القضيتين وهو كذلك في رأى ابراهيم ود طه (راوية ثقة في تاريخ ود حامد) (مريود: 55) بأن بندر شاه الذي ينتسب اليه بلال هو ليس ملكا نصرانيا من ملوك النوبة ولا ملكا وثنيا من السود من أعالى النيل ولا أميرا حبشيا ولا رجلا أبيض كان يعمل في تجارة الرقيق، وانما بندر شاه كان لقبا عرف به عيسى ود ضو البيت في صباه وهو نوع من مزاح الصبيان أطلقه عليه ابن خالته حمد ود عبد الخالق(مريود: 56) ثم يضيف " ان بلالا هو الابن الثانى عشر لعيسى ود ضو البيت من جارية سوداء جميلة ذكية كان يحبها ويؤثرها ولكنه لم يلحقه بنسبه ولما مات خجل اخوته ان يسترقوه ولكنهم استكبروا ان يعاملوه معاملة الحر ويشركوه في ميراث ابيه"، ثم يعلق ابراهيم ود طه على أمر نشأة بلال قائلا "لذلك نشأ بلال لا هو حر يقال له ابن فلان ولا هو عبد يقال له عبد فلان" (مريود: 57)...
بلا شك ان رواية مريود ـ وهى الجزء الثانى من بندر شاه ـ فيها محاولة ذات بعدين: البعد الأول يتعلق بنموذج انسانى محدد يعرفه اهل ود حامد ويقرون بأنه جزء منهم، اما البعد الثانى فبندر شاه هو محاولة للتعبير عن حالة الفوضى والاختلال او عن حالة العنف الاسطورى الذي وقع ضد أهل ود حامد في حالة الغزو التركى المصرى او عن تل