العدد الأول

أغسطس2007


 

شكل التعبير الديني في روايات الطيب صالح

 

بروفسر. إبراهيم محمد زين

 
2ـ4 ميلاد ضــوالبـيــت:
ان رواية بندر شاه "ضو البيت" هى عبارة عن لوحتين، اللوحة الاولى عن قصة الصراع بين محجوب واولاد بكرى بكل ما يحمله هذا الصراع من معان وكل الهوامش التي يمكن ان يحتويها بالاضافة إلى ذلك الجو الاسطورى الذي يتعلق بالاسم الرهيب. اما اللوحة الثانية فهى عن ضو البيت، ويبدو لأول وهلة ان ضو البيت لا صلة له باللوحة الاولى برغم انه "صاحب الزمان" بلغة التصوف ـ او ان الرواية نفسها يفترض ان تكون عن سيرته وحسب.
لكن بالتدقيق في بناء اللوحتين نجد ان تلك الشخصية الغامضة صاحبة الاسم الرهيب في اللوحة الاولى ما هى الا اشارة رمزية لضو البيت، وهذا الاسم الرهيب هو الذي يعطى الصراع بين محجوب وأولاد بكرى المعانى التي ارادها له الطيب صالح، وبالتالى يربط اللوحة الاولى باللوحة الثانية. ونقول بأن ذلك الصراع التاريخى حول السلطة وحول معنى التغيير الاجتماعى ينتهى بصورة فيها كثير من التلقائية دون قطرة دام تراق او احقاد تبقى في النفس لتأجج نار ذلك الصراع وتدور عجلة الحياة والتاريخ القهقرى لتدفع حساب ذلك الصراع مرة تلو الاخرى. ذلك امر سوف نتناوله بالتفصيل في موضع آخر من هذه الدراسة ـ باذن الله.
لقد اتى من النيل لا اسم له ولا دين له غريبا خائفا منهكا يترقب، فوصل إلى مكان، كما وصفه حسب الرسول ود مختار بأنه "محل عشا الضيفان وجمة الفتران" (ضو البيت: 104). ان قصة خروج ذلك الغريب من النيل هى قصة بالغة الحساسية والتعقيد في التاريخ السياسى والاجتماعى للسودان، هى بلا شك تحكى طرفا من دخول الاتراك المصريين إلى السودان وكيف تعامل اهل ود حامد مع ذلك الامر. صحيح ان مستوى الصراع والنظر إلى تلك القصة قد تحول من مستوى الوصف او السرد التاريخى كما هو الحال في موسم الهجرة إلى الشمال التي تناولت فترة الاستعمار البريطانى للسودان وما تبع ذلك من سياسات بعد خروج المستعمر ـ إلى مستوى الشعر والاشارة الرمزية.
يمكننا القول كذلك بأن عجز بيت أمير الشعراء احمد شوقى:
أين التماسيح من لـــجــــة فـــى بلاد تموت من البرد حيتانــــها؟
والذى استخدمه الطيب صالح في رواية موسم الهجرة إلى الشمال لبيان الفرق الواضح بين الشمال والجنوب لا ينطبق على حالة ضو البيت ذلك الغريب الذي اتى من النيل مثلما جاء مصطفى سعيد بعد ميلاده الثانى إلى ود حامد، والفرق بينه وبين مصطفى سعيد هو انه قد آثر الانتماء إلى ود حامد وطلق إلى غير رجعة تاريخه السابق.
كلنا يعرف ـ بكثير من التبسيط ـ ان الاتراك المصريين قد اتوا إلى ماعرف باسم السودان كغزاة طالبين المجد ومتاع الدنيا على حساب السكان المحليين. لكن الطيب صالح اختار نموذجا معينا لحكاية تفاصيل تلك القصة على ارض ود حامد.وقد بدأ ذلك الامر قبل طلوع فجر ذلك اليوم الذي ذكره حسب الرسول ود مختار حينما حكى قصة خروج ضو البيت من النيل ـ وكيف انه في ليلة من ليالى شتاء امشير، وحيدا عند الشاطئ يدير الساقية ـ قائلا: "رايت الدهمة تتشوبح بين النهر والسماء كأنها ممدودة بين النار على الشاطئ وقبس الفجر الباهت تحت خط الافق، وأحسست بنفسى اضيع وفيما انا أهوى تذكرت اننى متوضئ لصلاة الصبح وان وضوئى ينتقض. بدأت أطفو وانا اتشبث بتلابيب القرآن اردد الاسماء بلا وعى، حال رجل من الأميين" (ضو البيت: 101،102). ولما هدأ روعه قال " رايت الدهمة صارت شيطانا واحدا، وقلت الذي كفانى شرهم يكفينى شر هذا كمان" (ضوالبيت: 102). وحينما تشجع حسب الرسول وملك ناصية امره كان أول ماقاله "وقلت للمارد الواقف بين الارض والسماء (السلام على من اتبع الهدى)" (ضو البيت: 102). لكن المارد لم يرد وانما تقدم ـ وهو يخوض الماء خطوات نحو حسب الرسول فاستعان حسب الرسول بمحفوظاته وحصيلته الدينية من التحصن والتعوذ لذلك كان السؤال الثانى ـ الذي ألقاه حسب الرسول ـ للتخلص من مخاوفه التي انبنت على مسلمة ان الآخر دائما هو الشيطان "انت شيطان ام إنسان؟" (ضو البيت: 102)، وتستمر المحاورة ويهدأ روع حسب الرسو ل بسببها، إلى ان تصل إلى السؤال الحاسم الذي يلقيه حسب الرسول "وجيت عشان ايش؟"، فيرد عليه (عشان جوعان)" (ضوالبيت: 103).
هذه المحاورة كانت عن هوية الغريب، لكن تلك الاجابة الاخيرة ردت لحسب الرسول صوابه، فالجوع هو حالة افتقار للآخر، وهو من ضرورات الاجتماع البشرى، فهذا الآخر تحول بسبب كلمة واحدة منه إلى شئ مألوف، وانقشعت الغمة عن حسب الرسول، وعادت ود حامد كما هى لذلك ضحك حسب الرسول "ضحكت وسمعت ضحكتى تسافر إلى الشاطئ الثانى وتعود. قلت له وقد عدت حسب الرسول ود مختار، والدنيا في ودحامد فجر قرب يطلع: (يا زول شيطان جوعان؟ عليك امان الله انت بنى آدم متلى متلك) " (ضو البيت: 104). بالطبع فان الآخر "الغريب" بالنسبة لاهل ود حامد هو شيطان يريد بهم الشر خاصة وان ارتبط عندهم بالبحر فهذه واحدة من مسلماتهم، بسبب ان العالم لديهم مرتب ومفهوم ومألوف وكذلك فان اهل ود حامد لا يسرعون في الحكم على الاشياء والاحياء من حولهم ان كان الامر يتعلق بتجربة متعينة وليس افتراضا نظريا.
برغم اعتقاد حسب الرسول بأن تلك الدهمة التي رآها قبيل طلوع ذلك الفجر قد تمثلت له في شكل شياطين جرد لها اسلحته الدفاعية من آيات الذكر الحكيم الا انها حينما صارت بالنسبة له ماردا حمد الله على ذلك وسأله ان يخلصه منه، وابتدره بالسلام ككلمة سواء بينه وبين ذلك الآخر. ثم عبر له عن مخاوفه، وكأن تلك المخاوف والحواجز التي بينه وبين الآخر قد تبددت واحدة تلو الاخرى عن طريق الكلام، عن طريق اللغة، فهى التي اختصرت المراحل وتخطت الحواجز، فذلك الآخر الذي تصوره حسب الرسول دهمة سوداء من الشياطين قد تحولت إلى مارد ثم إلى شئ يتحدث العربية بلكنة اعجمية، ثم اخيرا إلى إنسان ضعيف قد انهكه الجوع والسهر، إلى شخص تألفه وتتجه نحوه بواجب الضيافة.
وبرغم ضيق ذات اليد الا ان حسب الرسول قد بالغ في اكرام ضيفه وآثره على نفسه لكن ذلك لم ينس اهل ود حامد الفرق الذي بينهم وبين الغريب حينما اراد ان يتزوج منهم، لذلك كانت هذه المقارنة التي عقدت بين اهل ود حامد وبين ذلك الغريب حتى بعد ان صار واحدا منهم، وتبين الفرق الذي رآه اهل ود حامد "وهو عيونه خضر ونحن عيوننا سود، وهو وجهه ابيض مثل القطن ونحن وجوهنا سوداء مثل الجلود المدبوغة، وهو خرج من الماء ونحن خرجنا من الطين، وهو مسلم منذ ستة أشهر ونحن مسلمون منذ الازل، ونحن حياتنا تبدأ وتنتهى بين النيل تحت والصحراء فوق، وهو ما ندرى حياته كيف بدأت وكيف تنتهى وهو اسمه ظهر مع ظهوره، ونحن اسماؤنا مسلسلة ابا عن جد مثل البنيان المرصوص" (ضو البيت: 117). هذه التفاصيل الدقيقة للفروق بين اهل ود حامد وبين الغريب لم تمنعهم في نهاية الامر من تزويجه ابنتهم، وبرغم من قبولهم له وقبوله المطلق لعالمهم الا ان تمثل اهل ود حامد له قد صاحبه كثير من التردد والحذر. يمكننا القول بأن: ضو البيت قد ولد فىود حامد ميلادا فيه اختيار وحب للمكان وأهله ومحاولة جادة للانتماء له، برغم كل العقبات.
نقول: ان هذا الغريب على ود حامد من الراجح انه من عسكر الترك حسب الوصف الذي قدمه حسب الرسول حينما رآه لاول مرة " الوجه مثل الصخر والانف مثل الصقر والاسنان زى أسنان الحصان، والعيون تلمع زى الفيروز. جلت صنعة الله" (ضو البيت: 105)، ثم يضيف " وهدومه زى لبس الاتراك مشرطة ومقطعة ومبلولة وعليها بقع دم. وعنده علبة سألته عنها، قال وهو يضحك (فيها الاكسير) " (ضو البيت: 105). هذه العلبة قد حوت كل ما كان يملكه ذلك الغريب. وهذا الامر مهم للغاية وهو جزء اساسى في وصف ذلك الغريب ورمز للصراع بين المهدية والاتراك، وما حوته تلك العلبة هو التنباك "وكان هو احضر معاه بذرة التمباك في العلبة ال طلع بيها من النيل يقول عليها الاكسير" (ضو البيت: 116). هو بلاشك علمهم زراعة التنباك "وعلم الارض تنبت التنباك" (ضو البيت: 134). والناظر في طبقات ود ضيف الله يجد ذلك الحجاج الفقهى المطول حول حرمة التنباك، وكيف ان رجالا مثل الشيخ ادريس ود الارباب والشيخ محمد الهميم والشيخ حسن ود حسونة قد قالوا بحرمته،و وكذلك قصة النزاع الشهيرة بين الشيخ ادريس والشريف عبد الوهاب "راجل ام سنبل" في مسألة التنباك، ثم بعد ذلك منشورات المهدية التي جعلت عقوبة التنباك ثمانين سوطا، وهى عقوبة مغلظة، وهى مساوية لعقوبة حد القذف. لكن المهم في الأمر هو ان تعاطى التنباك كان له معنى سياسى في المهدية وكذلك الترويج له كما يفهم من مذكرات الاستاذ المرحوم بابكر بدرى، حينما ذكر قصة ذلك الدرويش الذي صاح " التنباك في كسلا" فانفض بعض الجمع من حوله لان معنى عبارته ان كسلا ستسقط في يد الطليان وسيرجع فيها التنباك الذي منع بقوة الدولة المهدية!!
لقد اختار الطيب صالح من بين كل رموز التركية في السودان التنباك والذى حاربته الدولة المهدية استنادا على ميراث الفقه في الدولة السنارية. وقد حارب البعض الدولة المهدية بسبب موقفها من التنباك، ويجب الا ننظر إلى هذا الامر

بنوع من التبسيط اذ ان التنباك والموقف منه صار يعنى طريقة في التفكير والنظر الفقهى وكذلك سيرة في حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعى، وفوق ذلك هو رمز من رموز اعلان الولاء او الخروج.
وقد رجح مفتاح الخزنة في رده على عبد الخالق ان هذا الغريب من عسكر الترك " الرجل من الترك قطع شك. يمكن يكون سنجك او سردار او حكمدار. لازم نتدبر ونأخذ حذرنا" (ضو البيت: 10. ويفهم كذلك ان وقت خروج الغريب من النيل كان فيه الترك قد تخطوا منطقة ود حامد، وأوغلوا في الصعيد " قلنا لابد عسكرى من جيش الترك هارب، لكن تلك الايام ما سمعنا بأخبار معارك في الصعيد" (ضو البيت: 109).
إذًا ذلك الغريب الذي وصف بمفردات مثل الصخر والصقر والحصان والفيروز يعكس صورة الترك في ذهن اهل ود حامد، لكن هذا التركى ـ ان كان كذلك ـ قد اتى منتميا اليهم طالبا الامن والعلاج، وليس غازيا، هم الذين اعطوه الاسم ومنحوه الارض ليستصلحها، وزوجوه ابنتهم. اتى بدون ذاكرة او تاريخ شخصى فأعطوه هوية وصار له نسب بينهم. فان كان ذلك كذلك، فان الشخص الذي اختاره الطيب صالح ليمثل تلك الفترة من تاريخ ود حامد هو شخص قد تخلىعن كل شئ واندمج بكليته في ودحامد. تعلم منهم وعلمهم الكثير المفيد واحدث ثورة ايجابية في حياتهم "جلب شتل النخل اشكال وألوان من ديار المحس لحد بلاد الرباطاب، وعلم الارض تنبت التنباك،وعلمنا زراعة البرتقال والموز...وهو يسافر مع القوافل مرة إلى ديار الكبابيش..واحيانا إلى غاية حدود مصر ويرجع محملا بالثياب والعطور وألوان من الأوانى والمآكل والمشارب ما عرفناها في ود حامد من قبل" (ضو البيت: 130).
ليس ذلك فحسب، بل انه قد غير شكل المعمار في ود حامد "بنينا بيوت الجالوص بدل القش، ال كان عندو غرفة عمل ثلاثة، وال كان ما عندو حوش عمل حوش. الجامع بنيناه من جديد ووسعناه وفرشناه بالسجاد والبساط هدية من ضو البيت" (ضو البيت: 134). اما ضو البيت فقد بنى شيئا كانه مدينة موازية لود حامد، وحول الارض الخراب إلى عمران جديد من نوعه لم تألفه ود حامد من قبل " وهو بنى فوق القلعة بيت داخل بيت وديوان وراء ديوان، وحوش في بطن حوش، سبحان الله تراها من بعيد كأنها مدينة بحالها بعد ما كانت الارض خراب ومهجورة طرف البلد" (ضو البيت: 134).
هذا الشئ الذي فعله ضو البيت في ود حامد كانت بشائره قد بدأت في ذلك الضحى حينما نطق بالشهادتين ودخل الإسلام "اعترتنا جميعا حالة عجيبة في داك الضحى في المسجد، كأننا نشاهد معجزة وتأكد لدينا ان موج النيل لفظ (ضو البيت) على شاطئ ود حامد ليكون بشيرا لنا بالخير والبركة" (ضو البيت: 114). ثم رأى اهل ود حامد ان هذا الغريب الذي قبلهم وقبلوه كواحد منهم قد قادهم دون ضوضاء او تسلط إلى آفاق أرحب. لم يكن يتقدمهم وانما كان يكبر معهم ويتعلم منهم ويعلمهم "هو يكبر ونحن معاه نكبر، كأن المولى، جل وعلا، أرسله الينا ليحرك حياتنا ويمضى في حال سبيله" (ضو البيت: 134).
هذا الغريب الذي اتى من النيل إلى ود حامد بعد ان اكرم وفادته حسب الرسول بمنزله اتى به إلى المسجد، واجتمع اهل ود حامد للتعرف عليه ولاداء واجب الضيافة نحوه، وبالفعل بعد ان شبع، كان اول الاسئلة عن اسمه "عمى محمود بدأه بالسؤال، قال له (ما اسمك؟) " (ضو البيت: 105)، اجابهم بعد طول اطراق بأنه لا يعلم فاندهش الحضور لذلك الامر وسألوه عن دينه فأجاب مرة اخرى بانه لا يعلم، ثم تجددت المخاوف التي انتابت حسب الرسول قبيل طلوع فجر ذلك اليوم، فصاح قائلا لجمع الحاضرين "وهل نحن اثبتنا انه ابن آدم مش جايز يكون شيطان؟" (ضو البيت: 106)، ثم حينما سئل عن الجهة التي اتى منها ولم يحر جوابا لذلك، عبر حسب الرسول عن مخاوف الحاضرين الدفينة "تذكرت كيف طلع على من الماء مثل السحاحير وقلت في سرى مادام قد شبع فلا بد انه قد رجع شيطان مثل ما كان" لكن في تلك اللحظة كان رحمة الله ود الكاشف قد سرق السؤال من طرف لسان حسب الرسول وقال للغريب بغضب "اسمع يا مخلوق، خلاصة الامر، فهمنا انت إنسان ام شيطان؟!" (ضو البيت: 107).
بالرغم من ان الغريب لم يكن يجد اجابة واضحة عن كل الاسئلة السابقة الا انه ما تردد في الاجابة عن هذا السؤال" إنسان. بنى آدم مثلكم" (ضو البيت: 107)، هنا ـ فقط ـ تحول الغريب لدى جمع الحاضرين إلى إنسان له ما لهم من صفات البشر، ويجوز عليه ان يجهل كل شئ الا انه من بنى البشر، فتلك لا يمكن جهلها لدى الاسوياء.
لكنه بعد هذه الاجابة الحاسمة وبسبب جرح كبير كان قد امتلأ قيحا، كان قد اصيب به حوالى اسبوعين او ثلاثة، ولم يكن يدرى هو ولا الحضور بهذا الأمر، فقد صرخ صرخة مدوية وسقط مغشيا عليه. ومكث تحت العلاج حوالى الشهر في غيبوبة تامة ثم حينما افاق في وقت الضحى بالمسجد والرجال مجتمعين حوله سألهم هو في هذه المرة: من أنتم؟ ورد عبد الخالق ضاحكا نيابة عنهم "نحن الجان الكان مع سليمان" وتستمر المحاورة، يسأل فيها الغريب عن هذا المكان فيرد عليه ود حمد "هذا المكان جهنم الحمراء". ثم يسأله كيف اتى؟ فيرد ود حمد جابك الطير الأبابيل" (ضو البيت: 110ـ111).
لقد تبادل اهل ود حامد مع الغريب المواقف والمواضع، لقد صاروا هم اصحاب الشأن، العارفين لموضع الغريب بينهم، واصبح الغريب فاقدا لهويته يسألهم عنها " ثم وقف وتفرس في أصابع يديه ورجليه وفحص ثوب الدمور الذي البسناه اياه، وبعدين جلس على السرير وسكت برهة وقال "انا من أكون؟ من انا؟" (ضو البيت: 111). تحول عن ملابس عسكر الترك إلى ثوب الدمور. هذا التحول له دلالته ومعناه، تلك الملابس التي جعلته قاب قوسين او ادنى من الهلاك قد خلعها إلى غير رجعة إلى ثوب ثوب الدمور الذي منحه الحياة مرة اخرى، ومنحه وضعا جديدا وهوية جديدة بين الاشياء والاحياء. هو قد نسى كل ماضيه، حتى كيفية مجيئه إلى ود حامد "وبالفعل وجدناه نسى كل شئ، خروجه من النيل وعصيدة الدخن التي أكلها في بيتنا وجلستنا معه في المسجد" (ضو البيت: 111).
كان لا بد ان ينسى انه قد خرج من النيل وانه جاء اليهم بملابس الترك حتى يتمكن من اخذ مكانه الجديد بعد ميلاده الجديد في ود حامد، وهذا الامر يؤكده اهل ود حامد حينما يصفونه وهو على تلك الهيئة " كأن الرجل اتولد من جديد داك الضحى في الجامع" (ضو البيت: 111).
بعد ذلك الامر يلقى على مسامع الجميع محمود عم حسب الرسول، وهو كان بمثابة زعيم اهل ود حامد وكبيرهم، خطبة موجهة للغريب، ولأهل ود حامد كذلك لتذكيرهم بهويتهم ولتلخيص جملة اعتقاد اهل ود حامد وفهمهم للحياة ولأهمية هذه الخطبة في بيان موقف اهل ود حامد من الحياة حولهم ولدقتها في التعبير وشاعريتها الفائقة راينا ان ننقلها دون ادنى تلخيص يخل بمعناها:
"يا عبد الله: نحن كما ترى نعيش تحت ستر المهيمن الديان، حياتنا كد وشظف لكن قلوبنا عامرة بالرضى قابلين بقسمتنا ال قسمها الله لنا. نصلى فروضنا ونحفظ عروضنا. متحزمين ومتلزمين على نوايب الزمان وصروف القدر. الكثير لا يبطرنا والقليل لا يقلقنا، حياتنا طريقها مرسوم ومعلوم من المهد إلى اللحد. القليل ال عندنا عملناه بسواعدنا ما تعدينا على حقوق إنسان ولا اكلنا ربا ولا سحت، ناس سلام وقت السلام وناس غضب وقت الغضب. ال ما يعرفنا يظن اننا ضعاف اذا نفخنا الهواء يرمينا، لكننا في الحقيقة مثل شجر الحراز النابت في الحقول. وانت يا عبد الله جيتنا من أين؟ لا ندرى، كقضاء الله وقدره القاك الموج على ابوابنا. ما نعلم انت مين وقاصد وين طالب خير او طالب شر؟ مهما كان نحن قبلناك بين ظهرانينا زى ما نقبل الحر والبرد والموت والحياة. تقيم معنا لك ما لنا وعليك ما علينا اذا كنت خير تجد عندنا كل خير واذا كنت شر فالله حسبنا ونعم الوكيل" (ضو البيت: 112).
تلك الخطبة فيها جوامع الحكمة، ومحمود هو ابن ارض قد انجبت لقمان من قبل، ولذلك كانت اجابة الغريب بالغة التأثر، فقد دمعت عيناه واخذ يردد (نعم. نعم) (ضو البيت: 113). لقد قبل الدخول في عالم ود حامد وأقبل على ميلاده الجديد دون ماض يشده إلى الوراء ويمنعه من فهم الحياة التي عبر عنها محمود في خطبته البليغة والتى كانت بمثابة تجديد عهد لكل اهل ود حامد للدخول في هذا الميثاق الذي يحدد هويتهم ازاء الآخرين، تلك الهوية المرتبطة بميثاق متين مع الخالق وقدرة فائقة على تحمل الآخرين، والصبر على اذاهم، والقيام بواجب تحمل عبء الآخرين.
لم يصر الغريب جزءا من ود حامد الا حينما اعطاه محمود ـ نيابة عن اهل ود حامد ـ الاسم الذي كان ينتظره منذ الأزل كأنه كان امانة عند اهل ود حامد جاء صاحبها ليأخذها، وقد اتخذ امر اعطائه الاسم طقوسية فريدة من نوعها في تاريخ ود حامد فهو قد اعطى اسم ضو البيت، وحينما سأله الحاضرون عن اسمه رد بسرور "ضو البيت"، وقال حسب الرسول " جلت قدرة الله، لحظة ما نطق الاسم اصبح شئ حقيقى كأنه كان كذلك منذ البدء" (ضو البيت: 113)، وكأن ذلك الغريب الذي ظهر لحسب الرسول ـ اول ما رآه ـ في شكل مارد يسد الافق قد تقلص إلى "ضو البيت" الغريب المسكين الذي اختار ود حامد، واختارت ود حامد ان يكون هو "ضو البيت" وليس "ضو السجم"، يحل عليهم بالخير والبركة.
وقد وقف عبد الخالق ـ بعد ذلك الامر بايام ليتخذ شأن اعطائه الاسم الذي اختير له المراسيم التي يتخذونها في تسمية أبنائهم ـ قائلا "بسم الله الرحمن الرحيم، وبحوله وقوته سمينا هذا المولود (ضو البيت)، فضحك ضو البيت كأنه طفل وضحكوا كلهم مسرورين" (ضو البيت: 122).
ولقد نبه الطيب صالح إلى امر صلة الاسم بصاحبه في اللوحة الاولى من رواية ضو البيت وذكر بأن هنالك تناسبا بين معنى الاسم وبين صفة المسمى كأن الاسم قد فصل للدلالة على صاحبه " مسألة الاسماء عجيبة، بعض الناس تناسبهم تماما الخالق الناطق" (ضو البيت: 34). وكذلك فان عملية اطلاق الاسم على صاحبه ليست امرا اعتباطيا، انما يقع ذلك للتعبير عن امانة اودعت في رحم الغيب تستدعى في لحظة صفاء جماعى، فيصير اسم الشخص "مريود " او "بندر شاه".
وقد بين الطيب صالح على المستوى الشاعرى مركزية الاسم الرهيب ودوره العجيب في صناعة الاحداث وتطويرها بصورة مختلة ومثيرة للفوضى، وهذا الامر يحدث ـ فقط ـ عندما يختلط الشأن ويكون "بندرشاه" على هيئة "مريود" او "مريود" على هيئة "بندر شاه"، فهذا الاختلاط بين الهوية والاسم وامكانية تداخل الاشياء في بعضها يحدث كابوسا رهيبا وفوضى تثيرها قوى غير مرئية!
وحتى نستطيع فهم هذا الامر لنلقى نظرة على الفقرة الاخيرة من هذا المقطع ـ الذي ورد أكثر من مرة في اللوحة الاولى ـ المهم والذى يتكرر كذلك بصورة اخرى في اللوحة الثانية " وفى اطراف ذلك الكابوس كانت نساء حاسرات الرؤوس وجوههن مغبرة يتشبثن برجال مكتوفىالايدى مربوطين بحبل غليظ إلى سرج جمل وعلى الجمل جندى يحمل بندقية ورجال عشرات يسدون طريقه، ثم رد رش شب نتن شر بابه يدنا دا ده، تنصهر وتختلط وتشكل صورة مجسمة هى صورة بندر شاه على هيئة مريود او مريود على هيئة بندر شاه، وكأنه يجلس على عرش تلك الضوضاء ممسكا خيوط الفوضى بكلتا يديه وسطها وفوقها في الوقت نفسه مثل شعاع باهر مدمر" (ضو البيت: 24).
ثم يذكر الطيب صالح في وصفه لعرس ضو البيت في اللوحة الثانية " فأخذ ضو البيت يلوح بالسوط وينزله مرة على ظهر عبد الخالق ومرة على ظهر حسب الرسول، ومع وقع كل سوط تزغرد النساء، ويتصايح الرجال ويقوى هدير الطبول، وتتفرق الضوضاء وتتجمع حول (ضو البيت) وهو واقف في مركز الفوضى شاهرا سوطه فوق الجميع، يختفى ويبين وسط الزحام، فكأنه هنا وليس هنا" (ضو البيت: 131).
ان الفرق بين الصورتين هو ان الاولى تصور كابوس الغزو التركى المصرى للسودان، دون ان تصرح بذلك الامر، وينتهى الامر في تلك الصورة إلى حالة من الفوضى لا مثيل لها يصير الجميع مثل سرب عظيم من الطيور المذعورة، تحدث جلبة عظيمة تعلو وتهبط دون هدف واضح لكن يصاب الناس بحالة من الذهول تنمحى فيها كل المسلمات " في ذلك الضحى كان الماضى والمستقبل قتيلين لم يجدا من يوارى جثتيهما او يبكى عليهما" (ضو البيت: 24).
اما الصورة الثانية فهى حالة اختيار جماعى وفرح فياض بانتماء "ضو البيت" إلى ود حامد، فالسوط الذي بين يديه هو لتأكيد ذلك الانتماء وليس لسلب اهل ود حامد يقينهم ومسلماتهم التي عبر عنها محمود في خطبته تلك. وبرغم ان ضو البيت قد ترك لاهل ود حامد ابنه عيسى الذي عرف بين اهل ود حامد بـ(بندر شاه) الا ان الفرق شاسع بين (بندر شاه) ابن ضو البيت وبين ذلك "الاسم الرهيب" صنو الفوضى والدمار الذي يتحول فيه المستقبل إلى ماض ويحدد الماضى قيم المستقبل ويكون الحاضر كما لا وجود له لانه اما ان يلد المستقبل او يتحول إلى ماض، لكن (بندر شاه) ابن ضو البيت وجهه اسود مثل امه وعيونه خضر مثل ابيه وهو في الناس نسيج وحده لا يشبه دا ولا دا (ضو البيت: 131) عكس ضو البيت بندر شاه صاحب "الاسم الرهيب" في اللوحة الاولى الذي هو "مريود" على هيئة "بندر شاه" أو "بندر شاه" على هيئة "مريود".
بهذه الكيفية يمكننا ان نفهم كيف عبر الطيب صالح عن تلك الحقبة المعقدة في تاريخ السودان السياسى والاجتماعى، وكيف كان ميلاد (ضو البيت) في ود حامد هو الخيار الانسانى المفيد للتعبير عن تاريخ تلك المرحلة بصورة ايجابية واكثر ثراء على المستوى الشاعرى واكثر فهما لموضع الآخر المنتمى للحضارة العربية الإسلامية المفارق لأهل ود حامد في لونه وعرقه واقليمه الجغرافى، فميلاد ضو البيت هو دعوة لاحترام التنوع في الحضارة العربية الإسلامية وطريقة في التعبير عن البعد الانسانى لتلك الحضارة.
2ـ5 ميلاد مـريــود: ـ
إن كان الحديث عن ميلاد ضو البيت في ود حامد قد ارتبط بمحاولة تفسير الغزو التركى المصرى للسودان عن طريق عقد المقارنة بينه وبين الاسم الرهيب "بندر شاه"، فان ميلاد بلال في ودحامد قد ارتبط كذلك بمحاولة لتفسير وفهم مؤسسة الرق في السودان وربطها كذلك بـ (بندر شاه)، ففى كليهما بندرشاه ولد ضو البيت هو الذي يعطى للناس النموذج الأكثر تصالحا وانسانية لمسألتى الغزو التركى المصرى ومؤسسة الرق في السودان. وبالمقابل فان الصورة القاتمة والمختلة نجدها في حالة "بندر شاه" الاسم الرهيب، وليس "بندر شاه" لقب عيسى ولد ضو البيت(10).
اذًا بندر شاه هو الذي يربط بين القضيتين وهو كذلك في رأى ابراهيم ود طه (راوية ثقة في تاريخ ود حامد) (مريود: 55) بأن بندر شاه الذي ينتسب اليه بلال هو ليس ملكا نصرانيا من ملوك النوبة ولا ملكا وثنيا من السود من أعالى النيل ولا أميرا حبشيا ولا رجلا أبيض كان يعمل في تجارة الرقيق، وانما بندر شاه كان لقبا عرف به عيسى ود ضو البيت في صباه وهو نوع من مزاح الصبيان أطلقه عليه ابن خالته حمد ود عبد الخالق(مريود: 56) ثم يضيف " ان بلالا هو الابن الثانى عشر لعيسى ود ضو البيت من جارية سوداء جميلة ذكية كان يحبها ويؤثرها ولكنه لم يلحقه بنسبه ولما مات خجل اخوته ان يسترقوه ولكنهم استكبروا ان يعاملوه معاملة الحر ويشركوه في ميراث ابيه"، ثم يعلق ابراهيم ود طه على أمر نشأة بلال قائلا "لذلك نشأ بلال لا هو حر يقال له ابن فلان ولا هو عبد يقال له عبد فلان" (مريود: 57)...
بلا شك ان رواية مريود ـ وهى الجزء الثانى من بندر شاه ـ فيها محاولة ذات بعدين: البعد الأول يتعلق بنموذج انسانى محدد يعرفه اهل ود حامد ويقرون بأنه جزء منهم، اما البعد الثانى فبندر شاه هو محاولة للتعبير عن حالة الفوضى والاختلال او عن حالة العنف الاسطورى الذي وقع ضد أهل ود حامد في حالة الغزو التركى المصرى او عن تلك الحالة التي كان أهل ود حامد هم أصحاب ذلك العنف المتولد عن مؤسسة الرق...
فالبعد الأول في بندر شاه هو الرؤية المتجذرة لادراك المستوى الشاعرى والسمو الانسانى عند اهل ود حامد، اما البعد الثانى فهو يمثل ذلك العنف الاسطورى ضد الآخر والعمل على قهره، ليس لذنب جناه ذلك الآخر ولكن اشباعا لنزوات النفس بمشاهدة الذل والهوان في عيون الآخر، وهى حالة من التلذذ لا شفاء منها الا بمزيد من العنف تجاه الآخر.
لكن رواية مريود ـ وهى عبارة عن أربع لوحات تمثل محاولة للتخلص من البعد الثانى لبندر شاه. فاللوحة الأولى عن (محيميد)، والثانية عن سعيد عشا البايتات القوى، والثالثة عن الطاهر ود الرواسى، والرابعة عن مريود او مريوم. وبالطبع فان الطيب صالح قد سمى اللوحتين الثانية والثالثة، وترك اللوحتين الاولى والرابعة بدون اسماء. لكن بعد قراءة محتوى اللوحتين يمكن ان نطلق عليهما تلك الاسماء سالفة الذكر، خاصة وان محيميد ـ كما سيتضح لاحقا ـ هو تجسيد آخر لمريود، وعليه يمكن ان نقول بأن اللوحتين الاولى والرابعة هما عن مريود...
فلئن كانت رواية ضو البيت قد اوجدت البديل الشاعرى والانسانى لـ(بندر شاه) في حكاية قصة ميلاد ضو البيت في ود حامد لفهم مسألة الغزو التركى المصرى، فان رواية مريود قد اوجدت كذلك البديل الشاعرى والانسانى لفهم مؤسسة الرق في ميلاد بلال في ود حامد....
نجد في اللوحة الاولى من روية مريود محاولة لتجاوز نموذج بندر شاه / مريود الذي صيغ بقسوة وعنف في اللوحة الاولى من رواية ضو البيت. اما في رواية مريود ـ في اللوحة الاولى ـ تجد تلك الكراهية التي يبديها محيميد في مواجهة الجد، وهذه الكراهية موجهة في الاصل ضد نموذج بندر شاه / مريود، نموذج العنف الاسطورى والتسلط على الآخرين، فقد حاول الجد ان يصنع ذلك النموذج بتبنى محيميد، لكن حب محيميد او مريود لمريوم هو الذي جعل محيميد يحطم ذلك النموذج ويتمرد عليه وتظهر عليه بدايات ذلك الامر في اللوحة الاولى من رواية مريود وتكتمل حالة التمرد الصوفى والشاعرى في اللوحة الرابعة من الرواية. صحيح ان محيميد قد خضع لارادة الجد وفرح كثيرا بذلك النموذج القهرى الذي يروح فيه الأب ضحية للابن والجد او يتآمر فيه الماضى والمستقبل على الحاضر، لكن محيميد قد أفاق لنفسه حينما وقف الجد ضد حبه لمريم "ولما سمع صوت جده يناديه امتلأ قلبه بالفرح وهش وقال نعم ولعل كل شئ كان سيظل كما هو لولا أنه احب مريم وجده قال لا" (مريود: 23). اما في اللوحة الرابعة من رواية مريود فان محيميد او مريود قد تجاوز امر كراهيته للجد لانه كان قد خرج عن نموذج بندر شاه / مريود كلية، وبرغم ان ذلك الخروج قد جاء متأخرا بعد اربعين عاما الا انه استطاع ان يسترد كل تلك والشاعرية والشباب الدفاق الذي اضاعه بسبب خضوعه لنموذج بندر شاه/مريود.
استيقظت كل تلك القوى الخلاقة في محيميد حينما ماتت مريم فعاد محيميد مريود الذي كانت تبحث عنه مريوم، خرج عن اسار نموذج بندر شاه/ مريود، لقد صنع حب مريم هذا الأمر بعد أربعين سنة من التيه "رفعها محجوب من نعشها فشهق ضوء المصابيح على حافة القبر وسمعت هبوب امشير تنادينى بلسان مريوم (لا شئ لا احد) خطا بها نحو القبر فاعترضت طريقه ومددت يدى" (مريود: 83). ان لحظة ايداع مريم القبر قد فجرت في مريود كل الشاعرية التي يمكن ان تطالها فصاحة العرب، لكنها كذلك ليست احلاما لا رصيد لها من الواقع، وانما هى حقائق في مستوى ارفع "فتركها لى كانت خفيفة مثل فرخ طائر وانا اسير بها في طريق طويل يمتد من بلد إلى بلد ومن سهل إلى جبل، لم يكن حلما..." (مريود: 83)...
برغم من انها قد ضاعت لانه قد تردد مرة الا انه قد عاد إلى صوابه ونادى "ناديت بأعلى صوتى يا مريوم يا مريوم! فعاد الصدى مجسما بألسنة شتى يا مريود يا مريود!" (مريود: 83). هذا التحدى لنموذج بندر شاه/ مريود بسبب ذلك الحب الوهاب قد اعاد للحياة نظامها وتناسقها ليلد نموذج مريود/ مريوم القائم على حب عميق للخلق والحق. ودفع مريود ثمن ذلك الخروج "ضربت دون هدى في صحراء عقبة تويوى ريحها وتتهايل رمالها حتى بلغ منى اليأس واخذ منى الجهد، كل ذلك في سبيل البحث عن مريوم. فجأة احسست بمريم بعيد العشاء او قبيل الفجر.. لكننى اذكر ظلاما رهيفا وضوءا ينسكب على وجهى من عينيها، شربت حتى بلغ منى الظمأ غايته" (مريود: 84،85). ثم يقوم الطيب صالح بصياغة حوار هو في غاية الدقة بين الحوار وشيخة للتعبير عن رغبة مريود في خلق نموذج مريود/مريوم، وكيف ان مريم قد اعطته الطريق بعد ان بينت له بيانا واضحا خلل نموذج بندر شاه/مريود.
ذلك البيان فيه ما فيه من عمق فهم للحياة وسعة افق في تحمل الآخرين، وفيه بيان للفرق الشاسع بين النموذجين. فقد كان مريود بحق لا شئ ولا احد في نموذج بندر شاه/ مريود " يا مريود انت لا شئ انت لا احد. انك اخترت جدك وجدك اختارك.. لأنكما أرجح في موازين أهل الدنيا. وأبوك أرجح منك ومن جدك في ميزان العدل. لقد احب بلا ملل، واعطى بلا امل، وسما كما يسمو الطائر.. حلم أحلام الضعفاء وتزود من زاد الفقراء" كل هذه الصفات هى صفات النموذج الجديد المناهض لنموذج التسلط والقهر، بل في ذلك النموذج قهر لنزوات النفس بصورة مجيدة "وراودته نفسه على المجد فزجرها، ولما نادته الحياة.. لما نادته الحياة" (مريود: 8، يرد مريود على تلك المقالة القوية في معناها ومبناها قائلا "قلت نعم. قلت نعم. ولكن طريق كان أشق لأننى كنت قد مشيت" (مريود: 83). وهذا هو مطلق القبول للنموذج الجديد.
اذن اللوحات الأربع في رواية مريود تسعى لتحطيم نموذج بندر شاه/ مريود وتستعيض عنه بنموذج آخر قائم على الحب الخلاق وعلى محاولة رؤية الأنا في الآخر وليس نفيه او سحقه، ولقد كان التمهيد لذلك في اللوحة الأولى، ثم جاءت اللوحة الثانية التي هى عن سعيد عشا البايتات القوى الذي لم يصل إلى السلطة في ود حامد الا عبر المعاناة ومعرفة معنى الهامشية والاضطهاد، وتختتم لوحة سعيد عشا البايتات بظهور مريم لمحيميد واتخاذه لقرار اتباعها " بانت له معلقة في الفراغ، تدنو فاذا هى على مد ذراع، ثم تعدو مبتعدة عنه كأنها حلم عسير المنال" (مريود: 32). لكن محيميد قد اختار الابتعاد عن ذلك الطريق في آخر لحظة "ثم بوعى تام جذب عنان حمارته وأدار ظهره للشمس" (مريود: 32). ذلك يعنى بأن محيميد لم يتأهل بعد لسلوك ذلك الطريق. تأتى اللوحة الثالثة لتعلم محيميد معنى الحب الخلاق، وهذه اللوحة هى التي جعلت نموذج مريود/ مريوم ممكنا.
ونلاحظ ان اللوحة الثالثة تمثل نصف الرواية من حيث عدد الصفحات، وهى بلا شك تكون عنصرا أساسيا في بناء وتطوير نموذج مريود/مريوم، عن طريق ايجاد بديل انسانى لنموذج بندر شاه/ مريود. وفيه بندر شاه الذي هو لقب لعيسى ولد ضو البيت على أرجح الأقوال واحدا من عساكر الترك أتى إلى ود حامد واندمج فيها ـ كما بينا في ميلاد ضو البيت فىود حامد ـ لكنه في رواية مريود حسب ما رواه ابراهيم ود طه "ومعروف ان ضو البيت ابا عيسى كان رجلا من الأشراف وفد على ود حامد من الحجاز وتوطن فيها، وتزوج فاطمة بنت جبر الدار الأولى " (مريود: 56). هنا اختار الطيب صالح ان يكون ضو البيت قد اتى من اقليم الحجاز وليس من شمال الوادى الذي كان مدخلا للأتراك و المصريين. وكلا الاقليمين قد أسهما في نشر الإسلام في السودان كما هو معروف. ثم جعل لضو البيت نسبا في الأشراف وجهة جغرافية تتشوف اليها أعناق أهل السودان. وهذا يجعل ضو البيت في رواية مريود في موقف افضل من ضو البيت في رواية ضو البيت.
أما اللوحة الأخيرة فهى تستخدم كل الخبرات السابقة التي نالها محيميد من عشا البايتات القوى ومن الطاهر ود الرواسى ولد بلال العبد وحواء بنت العريبى، ليصير اكثر قدرة على فهم معنى الحب ويسير في طريق رؤية (الأنا) في الآخر ليحطم نموذج بندر شاه/ مريود، ويستبدله بنموذج مريود/ مريوم.
ان اثبات دعوى عريصة مثل التي سيقت لفهم رواية مريود ومحاولة ربطها برواية ضو البيت يحتاج منا إلى النظر بنوع من الدقة في أمر ميلاد بلال. لأن ذلك الميلاد يجعل قيمة الحب ممكنة في أكثر العلاقات قهرا وتسلطا، وهى علاقة السيد/ العبد. وهى علاقة في جوهرها قائمة على الصراع والعنف المتبادل. فان كانت مؤسسة الرق في السودان قد أفرزت ميلادا مثل ميلاد بلال ومشروعا انسانيا مثل حياة بلال وصلته بشيخه نصر الله ود حبيب، فهى بلا شك مؤسسة تحتاج منا إلى عميق تدبر فيها لفهم شبكة العلاقات التي كانت تديرها. وفوق ذلك هى مؤسسة قد أرقت مؤرخى الاجتماع البشرى في السودان كثيرا، وألقت بظلال قاتمة على مستوى الصراع السياسى بين الشمال والجنوب في السودان(11). فهى مؤسسة تحتاج إلى اعادة نظر لفهمها دون تحيز او غرض يعمى عن القيم الايجابية، وكل ذلك لتصحيح المعانى السالبة التي شابتها لنضعها في موضعها الحقيقى من تاريخ الاجتماع البشرى في السودان. واعتقد بان التطور الطبيعى لرواية بندر شاه ـ وهى ثلاثية ـ ان تتناول في الجزء الثالث منها الصراع بين الشمال والجنوب في السودان بسبب اوهام نموذج بندر شاه/ مريود التي تذكى اواره.
بعد كل تلك المقدمات الضرورية لفهم معنى ميلاد بلال في سياق ثلاثية بندر شاه، نقول بأن بلالا قد ولد مرتين، أولا: ولد ميلادا طبيعيا اكتنفته ظروف مؤسسة الرق وشروطها القاسية. ثانيا: ولد ميلادا اجتماعيا، حررته فيه مؤسسة التصوف من أغلال الرق ـ ومما هو أسوأ من مؤسسة الرق، اذ ان بلالا كان عبدا هملا بلا سيد ـ إلى رحابة الاخوة في شأن الحق.
لقد اختار الطيب صالح من جملة الروايات المتضاربة حول اصل بندر شاه، تلك الرواية التي رواها ابراهيم ود طه باعتبار انه راوية ثقة في تاريخ ود حامد ـ كما تقدم ذكره ـ والتى يؤكد فيها " ان بلالا ليس من عبيد ملك نصرانى، ولا أمير حبشى ولا ملك وثنى ولا غير ذلك " ثم يبين اصل ذلك السيد الذي تعرفه كل ود حامد " وانما سيده شخص يعرفه كل احد، ليس مجهول الحسب، ولا مطعون النسب، وهو عيسى ودضو البيت" (مريود: 55)، ثم يبين اصل ضو البيت ولد عيسى وكيف انه من الاشراف وقد وفد إلى ود حامد من اقليم الحجاز وتزوج فاطمة بنت جبر الدار التي تنتمى إلى قبيلة الحوامدة صاحبة الاصل والفصل وسادة ود حامد، الذين سميت البلد باسمهم.
ثم يبين كيف ان ضو البيت قد مات وعيسى في بطن امه فاطمة، وقد ترك له مالا وفيرا، وتولت امه تربيته، وكانت تدلله كثيرا وتلبسه الثياب الزاهية الفاخرة. وكان الصبيان يطلقون عليه اسم بندر شاه تندرا، وذلك الاسم لم يلازمه طويلا لكن عيسى هذا قد تزوج ابنة خاله رجب فأولدها أحد عشر ولدا، وقد ماتت ولم تبلغ الاربعين ولذلك عرفت فاطمة ام عيسى بـ(ام أولاد ضو البيت) الذين صاروا فيما بعد فرعا قائما بذاته من فروع قبيلة الحوامدة.
في وسط هذه العلاقات القبلية الشائكة وهذا النسب الذي بانت شجرته الطيبة ومظاهر القوة والعنفوان فيه ولد بلال "ويؤكد ابراهيم ود طه ان بلالا هو الابن الثانى عشر لعيسى ود ضو البيت من جارية سوداء كان يحبها ويؤثرها" (مريود: 57)، لكن الاب لم يلحقه بنسبه ولم يسترقه اخوته لخجلهم من تلك الفعلة في حق اخيهم ولكنهم استنكفوا امر الحاقه بهم واشراكه في ميراث ابيهم لذلك نشأ بلال لا هو حر يقال ابن فلان، ولا هو عبد يقال به عبد فلان" (مريود: 57)، او كما قال الطاهر ود الرواسى " ان اباه نشأ عبدا هملا بلا سيد، كل الرقيق لهم سادة الا بلال" (مريود: 50). بالطبع فان هذا الوضع اسوأ من وضع الرقيق، ذلك لان الرق هو جزء من مؤسسة هو انتماء ووضع اجتماعى، مهما كان سيئا فهو مكانة في خريطة ترتيب الاجتماع البشرى، هو وجود اجتماعى له مساحته، اما ان يكون الشحص رقيقا بلا سيد، فهذه الحالة هى حالة عدم اجتماعى لا يسعها المكان. هى حالة من الضياع الاجتماعى والاحساس بالعدم.
لكن حسن ـ " كان اسمه حسن وسماه الناس بلالا لأن صوته في الآذان كان جميلا وفيه لكنة" (مريود: 46) برغم ذلك استطاع ان يجد له مكانا في الاجتماع البشرى في ود حامد ويأوى إلى ركن شديد. وكان الناس "ينادونه هلا هلا ولد لا اله الا الله" اما "هلا هلا" فلأنها كانت العبارة الوحيدة التي يفوه بها اذا خوطب، اما "لا اله الا الله" فلأنه كان حين يسأل عن ابيه يجيب " انا ولد لا اله الا الله" (مريود: 46). فقد فرض على اهل ود حامد نسبا جديدا ووضعا اجتماعيا معينا.
ليس ذلك فحسب بل ان بلالا قد وهبه الله بالاضافة إلى جمال الصوت جمالا في الخلقة والخلق " يحكى الذين رأوه انه كان جميل الوجه حسن الصورة.. لونه يتوهج كلون المسك، لا تستطيع ان تطيل فيه النظر لجمال صورته" (مريود: 46) وكذلك فقد كان عالى الخلق مهابا برغم وضاعة موضعه الاجتماعى " كان كثير السكينة وقور السمت، نبيل الملامح، كأنه من سلالة ملوك قدماء. اذا وقف كأنما تقف معه حاشية غير مرئية" (مريود: 46).
لكن برغم ذلك الكبرياء والمهابة الظاهرة كان "اذا جلس جلس القرفصاء ويسكن حتى كأنه يذوب فيما حوله.. قليل الكلام. اذا قام او قعد يظل يطرق إلى الارض، ولسانه لا ينى عن ذكر الله والصلاة على نبيه" (مريود: 46).
تلك الصفات التي عرف بها بلال هى بلا شك صفات سادة أماجد، تجمع بين الكبرياء الذي هو في موضعه، وبين التواضع الذي يشى بالرفعة والعلو، وفوق ذلك فقد اوتى لسانا ذاكرا لله ومحبا لرسوله وشاكرا لأنعمه وابتلاءاته. لا شك بأن بلالا هذه قد نشأ فيما هو دون الرق من الهوان والذل لكن التواضع الذي وقع له لا صلة له بتلك النشأة، ربما علمته تلك النشأة الاولى المعانى الدقيقة للكبرياء والتواضع، وربما كانت تلك المعاناة الاولى هى سبب عكسه لكل تلك المعانى بصورة تجل عن الوصف لكن من الواضح ان بلالا كان نسيج وحده في كبريائه وتواضعه، لذلك لخص ابراهيم ود طه امر بلال بقوله "وكان هو في خاصة نفسه انسانا عجيبا، جميل الهيئة، جميل الطباع، متعففا ورعا، أخلاقه أخلاق سادة أماجد " (مريود: 57). وكذلك فان نشأة بلال الاولى لا يعرف عنها كثير شئ. واول ما عرفه اهل ود حامد عرفوه كشخص كامل الهيئة والنضج. ومن عجب انه شب كأنه نزل فجأة من السماء او انشقت عنه الارض، او انه طلع من النيل، شخصا كامل الهيئة والتكوين" (مريود: 57). ويذهب ابراهيم ود طه إلى ابعد من ذلك ليقول " لا إنسان من اهل البلد يذكره طفلا ولا احد يعلم من رباه، ولا احد يقول لك رأيت بلالا او سمعت بلالا إلى ان ظهر فجأة وهو فتى يافع يلازم الشيخ نصر الله ودحبيب ويقوم على خدمته" (مريود: 57).
لعل اهل ود حامد ممثلين في راويتهم الثقة ابراهيم ود طه يريدون ان يسقطوا تماما مرحلة العبد الذي لا سيد له التي مر بها بلال، وهى بلا شك عندهم فترة ليست لها أدنى مساحة في اجتماعهم البشرى. او بسبب ان بلالا قد صار واحدا من رموزهم الدينية، فلا يريدون ان يرونه الا على تلك الحالة من العلو والرفعة، لذلك قصة الميلاد الثانى ـ وهو ميلاد اجتماعى ـ لبلال في ود حامد قصة في غاية الطرافة والعجب. فقد كان حسن ـ على أرجح الروايات ـ يتحنث ويتعبد بعيدا في الخلاء " لانه كان غير واضح في البلد، كأنه ليس موجودا فيها بالمرة" (مريود: 5، وقد كانت عادة الشيخ نصر الله ود حبيب ان يمكث ساعة بعد صلاتى العشاء والفجر يعظ الناس ويرشدهم. وذات يوم ـ بعد صلاة الفجر ـ وبينما هو يرشدهم ويجيب على اسئلتهم تغير وجهه فجأة وصاح بأعلى صوته كأنه في جذب صوفى قائلا (الينا يا بلال! الينا يا بلال!)، ولم يفهم الناس على من ينادى وحينما سألوه أجابهم بصوت مختلف (بلال الخير) وردد ذلك ثلاث مرات. لكن القوم لم يفهموا على من ينادى وصمتوا، وفجأة قال احدهم (الشيخ يقصد حسن) ولما استوضحوا القائل اى حسن يعنى احتار كيف يصفه. ثم كأنما انجلت لهم الحقيقة ـ كلهم في آن واحد ـ فصاحوا جميعا (حسن هالله هالله...العبد) (مريود: 59). بالطبع فان حسنا لم يكن جزءا من وجودهم الاجتماعى، كان كما مهملا او قل عدما اجتماعيا. لكنه في تلك اللحظة الخاطفة صار شيئا له قيمته وله معناه.
لذلك جاء امر الشيخ نصر الله ود حبيب واضحا وقاطعا برغم انه كان فيما يشبه الغيبة وهو يستدعى حسنا لميلاده الجديد في ود حامد "حينئذ خاطبهم الشيخ نصر الله ود حبيب وهو فيما يشبه الغيبة "بلال ليس عبدا لاحد.. بلال عبد الله. والله لو علمتم من امره ما أعلم لانصدعت قلوبكم خشية ولأصابكم الجزع والبلبلة" (مريود: 59 ـ 60). ليس ذلك فحسب، ولكن الشيخ قد رأى في حسن امرا عجيبا، وصار حسن منذ تلك اللحظة بلالا ووصفه الشيخ بصفات غاية في الخطورة والسمو في مقام اهل الحق (انه رأى وسمع ورقى إلى درجات تتقطع دونها القلوب حسرة، والله ان بلالا لو سأل الله لأبره ولو طلب من الحق جل وعلا ان يخسف بكم الارض لفعل" (مريود: 60). اذاً، كانت ناصية امر اهل ود حامد معقودة بيد بلال الذي كان عبدا هملا لا سيد له، وهذا أمر عجاب لكن الخيال الاجتماعى لأهل ودحامد يسعه. وقد ذكر الشيخ تلك الصفات العالية التي نالها بلال لجمع الحضور بصوت اصابهم بالهلع "قال الشيخ هذا بصوت أصاب سامعيه بالهلع ثم اخذ ينادى من جديد (الينا يا بلال! الينا يا بلال!) " (مريود: 60).
تلك الحضرة الغريبة من نوعها في تاريخ ود حامد والتى انجبت رجلا صالحا واخرجته من ذل ما هو دون الرق إلى مصاف الاولياء الصالحين قد سجلها الطيب صالح بدقة وتأثير بالغ " أقسموا انه ما ان فرغ الشيخ نصر الله ود حبيب من ندائه حتى سمعوا صوتا يصيح عند باب المسجد (لبيك! لبيك!) دخل وعليه غبار سفر.. فانكب على قدمى الشيخ يقبلهما وهو يردد باكيا (لبيك! لبيك!)" (مريود: 60). تلك اللحظات الفريدة فىة تاريخ ود حامد قد حفظها الجمع المتواتر عن الجمع المتواتر للتعبير عن ميلاد ذلك الشيخ الفتى الذي انهضه الشيخ نصر الله ود حبيب وعانقه بصورة مؤثرة وقال له بتأثر بالغ (لماذا يا أخى تبعد عنى هذا البعاد؟ اما كفاك وكفانى؟ ترفق بنفسك يا حبيبى فانك قد تبوأت رتبة قل من وصل اليها من المحبين الخاشعين، واننى اركض فلا أكاد الحق بغبارك) " (مريود: 60). يلاحظ هنا ان الشيخ نصر الله ود حبيب قد نادى بلالا (يا أخى) برغم ان اخوته من قبل قد ضنوا عليه بتلك الصفة، لكنه الآن قد أٌعطى تلك الاخوة التي هى أرفع من جملة انساب اهل ود حامد مجتمعين، اخوه ذلك الشيخ العالم الجليل الذي كان يقصده الناس من كل بقاع العالم الإسلامى مقرين له بالريادة في العلم والسبق في سلوك طريق القوم.
ذلك امر في غاية الطرافة، فان بلالا هذا قد حرم من قبل ذلك النسب العالى في أهل ود حامد في ميلاده الاول لكنه قد اوتى بلا نزاع نسبا عظيما ورفيعا بواسطة ذلك الشيخ المقدم " قالوا، وكان الشيخ نصر الله ود حبيب قطب زمانه بلا نزاع، كان الناس يقصدونه من اطراف الارض، طلبا لعلمه وتبركا بصحبته، يجيئونه في قوافل من ديار المغرب وتونس والشام وبلاد الهوسه والفلانى" (مريود: 61)، وكان الشيخ نصر الله ود حبيب عفا ورعا كريما لا يبيع دينه بدنياه وقد سار بسيرة السلف الصالح "يحملون له الهدايا النفيسة فيفرقها في الناس في مجلسه ولا يدخل داره منها شيئا" (مريود: 61)، وكان كذلك لا يهاب السلاطين وأصحاب الشأن ويتضح ذلك من موقفه من الامام المهدى وخليفته عبد الله التعايشى. برغم تلك الصفات العالية والسمت المميز الذي وقع للشيخ الا انه رأى في بلال ما لم يره الناس، لذلك رفع بلالا إلى مكانة أعلى منه.
لكن بلالا رفض ان يكون من الشيخ بمقام الاخ ورضى لنفسه ان يكون في مقام العبد المملوك ازاء الشيخ نصر الله ود حبيب " قالوا، وبكى بلال حتى كادت روحه تزهق وهو يردد (يا سيدى لا تقل هذا الكلام انت القطب انت صاحب الزمان، وانا عبدك ومملوكك)" (مريود: 60 ـ 61)، فتلك صلة فيها تجاوز يثير العواطف والقرائح معا، اذا قورنت بحالة حسن مع اخوته ابناء ابيه فحسن كان يحتاج لاعتراف اخوته اما كأخ او كعبد لهم حتى يكون له وجود اجتماعى في ود حامد، ولكنهم ضنوا عليه بذلك الامر، وها هو يجد ما هو خير من كل ذلك ومن كل ما يجمعون، لقد وجد اعترافا من كل ود حامد على لسان شيخها المقدم نصر الله ود حبيب " قالوا وأراد الشيخ ان يجعله منه بمقام الاخ فأبى البتة وحلف الا يكون له الا بمقام المملوك من سيده" (مريود: 61). لأول وهلة تعتقد بأن الشيخ نصر الله ود حبيب هو الشيخ والحوار هو بلال ولكنك ان نظرت بنوع من التمعن في هذه العلاقة تجد العكس هو الصحيح. ذلك لأن الشيخ قد رضى بهذا الأمر كارها له لمعرفته بمقام بلال في ميزان الحق "فأذعن الشيخ ونفسه تابى ذلك، فكان بلال يقوم على خدمة الشيخ نصر الله ود حبيب بالليل والنهار" (مريود: 61).
إن صلة بلال بالشيخ نصر الله ود حبيب تمثل الحد الاقصى من احترام الانسان لأخيه الانسان، وفيها التقدير الأوفى لمعنى الاخوة في الحق. فالأعلى فيها هو الأدنى، والأدنى فيها يحس بعلو مقامه ورفعته في حضرة من هم أعلى منه. فقد كان بلال "يابى ان يجلس في حضرة الشيخ نصر الله ود حبيب ويقول له (يا بلال يا بلال لماذا تريد ان تهيننا بإذلال نفسك؟" (مريود: 61).
إذًا الشيخ نصر الله ود حبيب هو الذي اخرج بلالا لميلاده الثانى فىود حامد وبين للناس نموذجا ثرا من الحب والولاء المتبادل ذلك هو نموذج الشيخ نصر الله ود حبيب/ بلال. واذا حاولنا ان نقارن بين ميلاد بلال الثانى وميلاد الزين الثانى، فهناك كثير من التشابه لكن الشيخ الحنين قد مكث زمنا طويلا يجهز الزين لميلاده الثانى، اما الشيخ نصر الله ود حبيب فقد وجد بلالا مكتمل الهيئة وعالى المقام عند اهل الحق. وكذلك فان الشيخ الحنين قد مضى لربه بعد ميلاد الزين الثانى مباشرة لكن الشيخ نصر الله ود حبيب بقى زمنا يخرج للناس ذلك النموذج الثر، نموذج الشيخ نصرالله ود حبيب/ بلال. وأخيرا فان ود حامد نفسها ـ في زمان الشيخ نصر الله ود حبيب ـ كانت مؤسستها الدينية متوحدة في شخص الشيخ نصرالله ود حبيب الذي كان امام الجامع وقطب المؤسسة الصوفية، بينما كانت المؤسسة الدينية منقسمة على نفسها في زمان الشيخ الحنين.
ولنقل: ان ذلك النموذج الفريد الذي بناه الشيخ نصر الله ود حبيب وبلال الذي اكتملت حلقاته في زواج بلال من حواء بنت العريبى وأثمرت الطاهر الذي عكفت امه على تربيته بحب واخلاص يشبه حب المتصوفة "وبعد ان سرحها بلال، ابت ان تدخل على رجل آخر وانصرفت لتربية ابنها، فكان شأنها في ذلك شأن المتصوفة العاكفين" (مريود: 65).
يختتم الطيب صالح اللوحة الثالثة من رواية مريود بمقالة على لسان الطاهر ود الرواسى تلخص كيف ان ذلك الحب الوهاب قد حرر بلالا من ذل هو أقسى من الرق وهو امر يحتاج اليه محيميد ليتحرر من نموذج بندر شاه/ مريود الذي هو شكل من أشكال نموذج فرعون/ بنى اسرائيل، ومثلما احتاج بنو اسرائيل لأربعين سنة هى عمر جيل العبودية في مصر حتى يخرج بنو اسرائيل عن ذلك النموذج الطاغوتى، كذلك احتاج محيميد لأربعين سنة ليحطم نموذج بندر شاه/ مريود، ويبنى نموذج مريود / مريوم، الذي فيه استلهام كامل لنموذج الشيخ نصر الله ود حبيب/ بلال القائم على الحب والاخوة في الحق لنيل العبودية لله، ففيه يتحرر الانسان من عبوديته لأخيه الانسان بالتزامه لعبوديته للحق.
يمكننا القول بان كل تلك الثنائيات التي استخدمها الطيب صالح في رواياته للتعبير عن مسألة الميلاد (الميلادالطبيعى / الميلاد الاجتماعى / نموذج بندر شاه/مريود /نموذج مريود/مريوم / نموذج السيد/ العبد) الغرض منها الاشارة إلى معنى التوحد ورؤية القدرة الخلاقة التي تعطى هذه الثنائيات وجودها لتعلم الناس مدى قصورهم وافتقارهم لها. لتلزم الناس شأن عبوديتهم للحق وليس للخلق.
3ـ خاتمة:
لقد خلصنا من مناقشة مسألة الميلاد في أدب الطيب صالح إلى اثارة كثير من الاسئلة و القضايا المتعلقة بالاجتماع البشرى في الحضارة العربية الإسلامية، وكذلك تطور التاريخ الاجتماعى للسودان باعتباره محور ارتكاز لذلك الأدب.
لقد رأينا كيف ان فكرة الميلاد الميتافيزيقى في دومة ود حامد قد عبرت عن قضايا الحداثة والتقليد، والتراث الشفاهى و الكتابة، و العلاقة بين المطلق والمتجذر، و أخيرا الصلة بين الريف والمدن في مستوى الصراع السياسى والاجتماعى والدينى. فميلاد القرية/ الدومة / ود حامد هو الذي جعل التواصل بين أهل ود حامد وغيرهم شبه مستحيل، فاللغة التي عبر بها أهل ود حامد عن ميلاد قريتهم و دومتهم و الرجل الصالح لم تكن لغة ميسورة لأهل الحداثة والتنمية لكنها في ذات الوقت لغة لها رصيد ضخم في أنفس وأحلام أولئك الذين يرون الدومة أو الرجل الصالح أو رموزا مشابهة على طول البلاد و عرضها. لقد فهم الساسة ذلك الأمر واستثمروه لصالح مشاريعهم المؤقتة ونزواتهم الضيقة لكن تبقى المساحة الفاصلة كما هى بين الريف والحضر، وبقى الخيال الدينى في الريف كما هو واتفق الطرفان على ألاّ يزعج أىّ منهما الآخر، و تظل القسمة كما هى بين الريف والحضر. قد يسعى أهل الحضر إلى فرض رؤيتهم للكون والأشياء، لكن ذلك لن يغير شيئا من ثلاثية الدومة/ القرية/ الرجل الصالح في وعى أهل ود حامد.

لقد تغير شكل العلاقة بين الريف والحضر في مستوى السياسة والتدين في الحضارة العربية الإسلامية، حيث كان الريف هو الذي يرفد المدن بالعصبيات الجديدة والقوى السياسة الناهضة التي تقوم بانشاء الدول. إذًا كان الريف هو مكان القوى الصاعدة التي تقيم الدول والممالك الجديدة. و حسب تعبير ابن خلدون كانت عصبيات العمران البدوى هى التي تناجز العمران الحضرى الهالك لتقيم دولتها الجديدة. ذلك لأن العمران الحضرى الذي يكون شكل الحكم فيه الملك الذي يفضى إلى الترف و الدعة. والترف في نهاية الأمر يفضى إلى الظلم الذي يؤذن بخراب العمران. لكن العمران البدوى معصوم من أن يؤول إلى هذه النهاية بسبب أنه ليس من طبيعته الترف ولا الدعة، وبالتالى لا تدعو طبيعته إلى الظلم، وانما الغاية التي يسعى اليها هى مناجزة العمران الحضرى، ودولته الظالمة لاقامة دولة و ملك جديد(11).
اذًا الريادة و المبادرة السياسية كانت بيد الريف و عصبياته، لكننا الآن أمام شكل سياسى جديد حيث فقد الريف كلية هذه المبادرة و صار سلاح التنمية هو الاداة القوية لقهر الريف والتحكم في شكل العمران فيه، بالطبع لا نريد أن نخوض هنا في أمر اقتصاديات التنمية لكن تظل الملاحظة الأساسية صحيحة: وهى أن سلاح التنمية هو ليس الا مبادرة من العمران الحضرى لاحكام السيطرة على العمران البدوى. كانت آليات الحراك الاجتماعى تأتى من الريف الذي يمور بالعصبيات المتطاحنة والمتشوفة إلى آفاق أوسع وكانت المدن تتخذ الأسوار والقلاع الحصينة للدفاع عن نفسها، أى أن المدن سياسيا لم تكن في حالة طلاقة و جيشان كما هو الحال في الريف، بل هى مثال للسكون والدعة والترف. لكن في دومة ود حامد انقلب الامر تماما فكل رموز الثبات نجدها عند أهل ود حامد أولها و أهمها ذلك الميلاد الميتافيزيقى الذي يتجاوز التاريخ ـ الذي يعبر عن الثبات المطلق ـ الذي اتخذه أهل ود حامد للتعبير عن ميلاد القرية/ الدومة / الرجل الصالح. لقد تبادل الريف مقعده مع المدن وصار العمران الذي يحكم الاجتماع البشرى معاكس تماما لذلك الخط الذي رسمه ابن خلدون في مقدمته بسبب ظاهرة الاستعمار التي جعلت المدن تستند في قوتها إلى إمبراطوريات أقوى و أكبر، و ترتبط معها بعجلة السوق العالمىو تسعى إلى ربط كل أشكال الاجتماع البشرى بذلك السوق العالمى الموحد، فالدور الذي كانت يلعبه الريف في التغيير صارت تقوم به المدن تحت شعار التنمية و التحديث. اذا تحولت ديناميات التغيير من كونها كانت تأتى من الريف إلى المدن إلى الاتجاه المعاكس بسبب السكونية والثبات اللذين اكتنفا الريف وبسبب ظاهرة الاستعمار واقتصاديات دول ما بعد الاستعمار.
ليس هذا الاتجاه في التحليل لرفع قيمة العامل الاقتصادى و لكن لاعطائه قيمته الحضارية في سنن الاجتماع البشرى، فان كانت الحضارة العربية الإسلامية التقليدية تسعى لتوحيد العمران الحضرى والعمران البدوى عن طريق اعلاء قيم الوحدانية في العبادة و التوجه، فان واحدا من أهم سمات الحضارة الغربية هو إعلاء قيم التوحيد القائمة على نفى الآخر و توحيد سوق الأوراق المالية، فتوحيد السوق العالمى واستخدام سلاح التنمية في ظل علاقة الهامش بالمركز هو الأساس الذي تسعى اليه الحضارة الغربية. بالطبع فان هناك قيما انسانية ونزعات و تيارات مناهضة لهذا التوجه في الحضارة الغربية نفسها، لكن تلك النزعات و التيارات ليست سوى جيوب منعزلة.
واذ كان هناك ـ كما يبدو ـ سيطرة للمدن على الريف كما هو الحال في صراع ود حامد مع المركز، الا ان البعض قد يذهب إلى أن حالة ود حامد تمثل معنى آخر، ذلك لأن أهل ود حامد يدركون هذا المعنى لموقعهم من التاريخ الانسانى ويعرفون أن هذا الموقع الجغرافى كانت له سيادة و دولة فيما مضى، وأن بقايا تلك الحضارة التي سادت يوما لا زالت موجودة كما عبر عن ذلك المعنى ابراهيم ود طه راوية القرية و حافظ تراثها الشفاهى (مريود: 55)، بالطبع فان هذا الوعى بأنهم ورثة عمران حضرى ساد فترة من الزمان و باد، وأن ود حامد كانت حاضرة عامرة في يوم ما يجعلنا ننظر بنوع من التدقيق في تفاصيل العلاقة بين الريف والمدن، خاصة و ان كان ذلك الريف له وعى بميراث حضرى ضارب في التاريخ. وعليه، فان هذا ليس ريفا عاديا و انما هو مدينة متحولة إلى ريف، والخطأ الذي وقع فيه دعاة التنمية أو الحداثة هو سوء فهمهم لطبيعة العمران المتمثل في ود حامد.
لكن فكرة الميلاد الميتافيزيقى لا تتكرر مرة أخرى في روايات الطيب صالح، وانما ينتقل ليعبر عن ثنائيات الميلاد الطبيعى والميلاد الاجتماعى للزين و مصطفى سعيد و ضوالبيت و بلال، وفى كل ثنائية من هذه الثنائيات يعالج واحدة من مشاكل الاجتماع البشرى للحضارة العربية الإسلامية عى وجه العموم أو للاجتماع البشرى في السودان، فقضايا القبول الاجتماعى للمعوقين، وفهم مؤسسة الرق، والغزو التركى المصرى للسودان، وظاهرة الاستعمار، فهذا كله تلخيص عميق لكل قضايا التاريخ الاجتماعى في السودان.
فميلاد الزين الطبيعى يشير إلى الآليات الاجتماعية التي تتخذ لقبول المعوقين لكنها أيضا تشير إلى القيم الايجابية عندهم، بلا شك ان الأدوار التي لعبها الزين قبل ميلاده الثانى أدوار مهمة و حيوية لتسيير الحياة / اليومية في ود حامد، ولتخفيف قسوتها، ولاضفاء نوع من السخرية والضحك المحببين إلى النفوس. و ما الميلاد الاجتماعى إلاّ مواصلة لذلك المشروع دون حرمان الزين من أن يكون طرفا في الوجود الاجتماعى للقرية لا أداة تستخدمها القوى المختلفة لتحقيق أغراضها دون الانتباه إلى أن للزين رغبات مشروعة يجب أن تستوفى، و أنه يجب أن يندمج في المساحة الاجتماعية بالقرية لا أن يتخذ أداة لتحقيق مطالب ورغبات الآخرين.
ميلاد الزين الطبيعى هو تعبير عن قيم التصالح الاجتماعى والدينى مع المتخلفين والمعاقين، والنظر إلى عاهتهم بنوع من الايجابية وأنها نعمة تستحق الشكر بنعمة من صاحب الفضل والمنة: نعمة يؤدى بها شكر نعمة بنعمة منه. هذا الموقف فيه وعى بظاهرة القصور المركوز في النفس البشرية، و فيه اعتراف بالضعف والتعامل معها بنوع من البصيرة التي تسعى لتجاوزه بقدرة و "بركة " علوية. فالزين يذكرنا بكل ذلك، ويذكرنا بأن الاجتماع البشرى في ظل الحضارة العربية الإسلامية يستطيع التعايش بوعى انسانى يعترف بالضعف ولا يُأله الانسان، لكنه كذلك يؤمن بالتعدد في المشاريع الانسانية المتاحة، فكل ميسر لما خلق له، و لا يجعل الحلم الجماعى قانونا ينطبق على الجميع، على الذي لديه القدرة على تحقيق الحلم و على ذلك الذي تعمل كل قواعد اللعبة على اقصائه من تحقيق ذلك الحلم. اذا كان من الممكن أن يلعب الزين هذا الدور الفريد في ود حامد، اذًا امكانات تحقيق المشروع الانسانى متاحة للجميع، لا أحد يضع قواعد للعب تجعل الآخرين مكتوفى الايدى. لا أحد له الحق في اقصاء الآخرين و الاستئثار بكل شئ، فالحلم الجماعى في القرية يعترف بتعدد المشارب والأفهام، وبالتالى تعدد الأحلام و التصالح معها. فهى رؤية للحلم قائمة على فهم مشروعية الآخر في أن يسعى لتحقيق حلمه و ان بدا غريبا وبعيد المنال.
أما ميلاد مصطفى سعيد فهو يبرز ذلك التعقيد في علاقتنا بالآخر، ذلك الآخر الذي أتى بأكذوبة عبء الرجل الأبيض، ثم بوهم التنمية، ليكتشف مصطفى سعيد في النهاية جملة الأكاذيب و الأوهام دفعة واحدة في قاعة الأولد بيلى حينما تعقد المحاكمة له، وهى بلا شك محاكمة لفشل جملة من الأكاذيب والأوهام التي صدقتها الحضارة الغربية في صلتها بالآخر، بل ان الآخر كان أكثر الناس تلقيا و قبولا لتلك المشاريع الغربية، ولكن بسبب عقم تلك المشاريع و الأنانية المتأصلة فيها فهى لا تقوم الا على قهر الآخر، فالثقافة الامبريالية لا ترى في العالم غير نفسها، فلذلك هى غير مؤهلة لحمل أى عبء أيا كان نوعه، وبرغم أن الأولد بيلى قد ظهر فيها ذلك الأمر جليا الا ان مصطفى سعيد استمر في التسويف، برغم أن رجوعه إلى ود حامد و محاولته لاستئناف حياة جديدة الا ان الماضى كان يطارده. ان جرثومة العنف و التشويه الذي لحقه من جراء محاولة اندماجه في مشروع الغرب الحضارى جعل منه كائنا لا يعبر الا عن أكذوبة ذلك المشروع، لكن ود حامد لم تفقد ذلك البريق الذي يجعلها تستقبل الأبناءالذين أبعدوا النجعة وراء السراب الأجنبى، برغم طول غيابهم عنها الا انها تمتلك وهجا و ضياءا يجعلهم يختارون جوارها على ما سواه.
ذلك نداء تمتلكه ود حامد حتى بالنسبة لأولئك الذين نجح الغرب في استلابهم كلية، برغم استحالة هذا النوع من الاستلاب من الناحية النظرية، الا ان نداء ود حامد اليهم لم يفقد معناه، تلك هى عبقرية المكان، تلك هى الجغرافية الفريدة التي تتمتع بها ود حامد دون غيرها، لقد أراد المستعمر في فترة وجوده في السودان محوها واثبات شئ آخر باسم التنمية لكن ود حامد بقيت كما هى بكل رموزها، و حينما عادت الكرة مرة أخرى في العهد الوطنى تحول الرمز إلى حلم عام ثم آثر محيميد ـ بعد نيله لشهادة الدكتوراة ـ العودة إلى ود حامد لقد عاد اليها برغم تغير و تبدل الحال فيها الا انه قرر البقاء فيها و ترك عمله في الخرطوم، وقد اختار محجوب البقاء فيها والعمل على تطويرها بمنطقها الداخلى، و المشاركة في صنع القرار فيها ثم التنحى، لتأتى دورة وقيادة جديدة. محجوب و محيميد و مصطفى سعيد هم بلا شك يمثلون تلك الردود المتباينة على أكذوبة عبء الرجل الأبيض. كل منهم قد تردد في لحظة من حياته بين ود حامد و بين السراب الأجنبى، بعضهم خطى خطوات واسعة في البعد عن ود حامد و بعضهم أمسك العصا من وسطها، و بعضهم انحاز إلى ود حامد جملة و تفصيلا، و كان لميلاده و مشروع حياته معنى متكاملا كما هو الحال عند محجوب، صحيح هو لم يواجه بكل قلق الأكذوبة والألم العميق الذي يدركه المرء الذي يعى اكذوبة دوره في الحياة، ربما كان لذلك القلق والألم قدرة على تكثيف النضج و جعل صاحبه أكثر قدرة على فهم الآخر، لكن المحصلة النهائية لكل ذلك هو الشخص المستلب أو الأكذوبة انما هو شخص برغم كل الوعى الذي حازه الا انه قد خسر نفسه. و عليه يبقى محجوب النموذج الأكثر تماسكا والرد الأكثر ندية و فهما لمنطق ود حامد في مواجهة الغرب. فهو لا يحتاج إلى فرصة أخرى ليعمل عملا صالحا أو ليصير مشروع حياته نهبا للتسويف و الاعتساف، كما حدث لمصطفى سعيد.
يأتى بعد ذلك ميلاد ضو البيت، وهو ميلاد متعلق أيضا بعبقرية ود حامد في جذب الأخر وكسبه إلى جانبها. ضو البيت أتى منتميا إلى ود حامد دون تاريخ أو تجارب تمنعه من البقاء و التفاعل مع أهلها و الاندماج في اجتماعهم البشرى، فالغزو التركى المصرى للسودان واحدة من أكثر القضايا حساسية، لكن ميلاد ضو البيت في ود حامد بالصورة التي صورها الطيب صالح يجعل من ذلك الأمر أكثر شاعرية و ايجابية، فتجاوز هذا الأمر التاريخى الحرج على مستوى الشعر: بالحديث عن المستوى الأكثر عمقا و خطورة في الاجتماع البشرى هو الذي جعل ميلاد ضو البيت في ود حامد يضئ كثيرا من المعانى الغائبة حينما يدرس التاريخ في مستواه السياسى السطحى.
وعلى أية حال، فقد اختار ضو البيت ود حامد اختيارا واعيا و كاملا و اندمج بالكلية فيها، الفرق بينه و بين مصطفى سعيد أن الأخير لم يطلق عالم جين موريس نهائيا، لقد كانت تلك الغرفة الخاصة التي بناها في بيته في ود حامد دلالة واضحة على حنينه لماضيه. أما ضو البيت أتى لود حامد بدون هوية باحثا عن هوية ومعنى جديد في حياته، لقد راقت له ود حامد و ألف طرائق العيش فيها وصار جزءا منها. و ضو البيت هو مؤشر لامكانات الصراع الداخلى في اطار الحضارة العربية الإسلامية، وقدرتها على قبول التعدد العرقى واللغوى و سعيها للتوحيد على آصرة العقيدة لا على أساس سوق الأوراق المالية. فعبقرية المكان في ود حامد لم تنجح ـ فقط ـ في كسب أبنائها بعد طول الشتات، و انما نجحت كذلك في كسب أناس آخرين مثل ضو البيت رأوا فيها مكانا يكرم فيه الضيف ويلجأ اليها في الشدة. اذًا هى ليست نداء قويا لأبنائها في الشتات، وانما لها جاذبية خاصة تدعو الآخر ليصير جزءا من مشروعها الانسانى. ذلك هو النجاح، وأى نجاح بعد هذا؟ ان كان المشروع الاستعمارى قد خطط بجد لربطها بالسوق العالمى عن طريق ربطها بالمدن الأكبر منها في البلاد و تدمير مقدراتها الثقافية و الاقتصادية باسم التنمية، فان ود حامد نجحت في تحقيق تنمية قائمة على منطقها الداخلى و حاجة أهلها كما فهمها محجوب و ضو البيت، و كذلك نجحت بصورة جزئية في انهاء حالة الشتات لبعض أبنائها، و ذهبت لأكثر من ذلك باستقطابها للعناصر القوية في الاطار الجغرافى الإسلامى.
أما ميلاد بلال فكان ذلك لمعالجة أكثر الأمور حساسية في تاريخ الاجتماع البشرى في السودان، وهو أمر مؤسسة الرق. و كان ميلاد بلال الطبيعى و الاجتماعى هما محاولة لتقديم رؤية جديدة لتلك المؤسسة، فموقع بلال في المساحة الاجتماعية و الدينية للقرية بعد ميلاده الاجتماعى يذكرنا بالرجل الصالح ـ ود حامد صاحب القرية ـ فهو رمز لكل القرية لوجودها و خيالها الدينى، لكنه مثل بلال كان عبدا مملوكا، ربما كان بلال أفضل منه ـ بالمقاييس الاجتماعية السائدة حينذاك ـ لأنه ينتمى من جهة والده إلى واحد من بيوتات القرية ذات النسب.
الشئ الذي يدعو إلى التأمل هو موقع النزعة العرقية في أنفس أهل القرية، و إلى أى مدى يرون أنفسهم من سلالة أو عرق مغاير لأعراق عبيدهم؟ و ما هى التبعات الاجتماعية و الاقتصادية و الدينية لهذه النزعة في فهم الذات في مواجهة الآخر؟ بلا شك بلال هو واحد من النماذج لكنها أسوأ نموذج يمكن أن تنتجه مؤسسة الرق ـ كان عبدا هملا ـ بالرغم من كل ذلك كانت هناك آفاق من الريادة الدينية و الاجتماعية والاقتصادية ـ بالطبع ـ تنتظره. صحيح أن القرية في زمان بلال قد حدثت فيها تغيرات أساسية ـ على مستوى وعى النص بالمؤسسة الدينية ـ في التعبير عن المؤسسة الدينية، حيث صار الشيخ نصر الله ود حبيب ـ وهو قطب زمانه ـ اماما للجامع. بالطبع فان الحقبة التاريخية التي عاش فيها بلال كانت سابقة لفترة عرس الزين، برغم أن قصة عرس الزين سبقت قصة بندر شاه (مريود). لكن على أية حال اذا نظرنا إلى النصين فان قرية ود حامد كانت أحوج ما تكون للتصالح و التوحد في زمان عرس الزين بسبب الانقسامات و الثنائيات التي كان يعيشها المجتمع. أما في بندر شاه (مريود) فالوحدة كانت السمة الغالبة، فالمؤسسة الدينية لم تنقسم على نفسها بعد، ولذلك كان المجتمع أكثر قدرة على اخراج نماذج تتجاوز ثنائيات العبد / السيد، بل و تستبدل ذلك النموذج بجدلية يكون فيها العبد عبدا و سيدا ويحقق معانى تسيده عن طريق كمال عبوديته.
أخيرا، فان مسألة الميلاد في أدب الطيب صالح تعبر عن اشكال التعقيد و التوتر بين المطلق و المتجذر، و كيف يمكن التعبير في المستوى الاجتماعى أو الميتافيزيقى عن الميلاد، فالوعى التاريخى عند أهل ود حامد يسمح بأن يعطى الشخص فرصة ثانية لكنه يتخذ طقوسا لجعل ذلك الميلاد الثانى ممكنا على الصعيد الاجتماعى. اذ يمكننا القول بأن البناء الاجتماعى في ود حامد له آليات طقوسية لقبول الشخص مرة ثانية والتعامل معه على أساس الميلاد الجديد، او ما أسميناه بالميلاد الاجتماعى، اذ ان هذه المرونة الاجتماعية تدل على قدرة فائقة على قبول الآخر برغم الثبات الظاهرى في حالة الاجتماع البشرى في ودحامد.


 

 

 

 

Google

VISITOR NO
Port Lawrence

GRAPHIC DESIGN BY

2006

 




1