المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : % الشيعه ... الصوفيه ... الختميه ... المهديه ... %


بندر شاه
14-01-2006, 10:46 PM
*
المذهب الشيعي "الجعفري"

المذهب الشيعي والمذهب الجعفري والامامية هي أسماء لمسمى واحد : إنه المذهب الشيعي . وهناك اعتقاد بين اهل التاريخ الاسلامي ان مصطلح " الشيعة " يرجع الى عهد الرسول الذي أطلق هذا المصطلح لأول مرة على اتباع علي بن ابي طالب . وقد حمل بعض كبار رجال الشيعة مثل سليمان الفارسي وابي ذر الغفاري وعمار بن ياسر لقب شيعة علي بن ابي طالب في أيام الرسول . وجاء في حديث رواه ابن حجر نقلاً عن الرسول قوله لعلي ان القسم الاخير من الآية الكريمة " ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " هم انت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين .

إزدهر المذهب الشيعي منذ مطلع العصر العباسي واصبح يعرف بالمذهب الجعفري نسبة الى الامام جعفر الصادق . وكان اول ظهور الشيعة في الحجاز ثم وصل المدينة المنورة في القرن الرابع للهجرة . اما بلاد الشام فان انتشار الشيعة في ربوعها يرجع الى القرن الاول للهجرة . وكان ابو ذر الغفاري اكثر الدعاة له تحمساً وتأثيراً ، ولا يزال له حتى اليوم مقامه في قرية الصرفند اللبنانية بين صيدا وصور . وقد شمل هذا الانتشار مناطق واسعة من بلاد الشام بينها الجنوب اللبناني ودمشق وحوران وحلب وحمص . وفي بلاد الرافدين كان الانتشار اوسع منه من بلاد الشام ومن هناك انتشر في ايران حتى اصبحت هذه البلاد شيعية المذهب بشكل شبه كامل . وكان انتشار الشيعة في افريقيا ، وخصوصاً في شمالها ، كبيراً حتى جاء المعز بن باديس في مطلع القرن الخامس للهجرة وفتك بهم وشتتهم . واليوم ينتشر المذهب الشيعي على نطاق واسع في العالم الاسلامي حتى اصبح يشكل ، رغم غياب الاحصائيات الدقيقة ، ربع او ثلث المسلمين في العالم .

أهم عقائدهم ومعتقداتهم

1 – التوحيد وهذا يوجب الطاعة والعبادة لله . فمن عبد شيئاً معه او شيئاً دونه او ليقرّبه زلفى الى الله فهو كافر. فلا تجوز العبادة الا لله وحده ولا شريك له . ولا تجوز عبادة الانبياء والأئمة بدعوى انها عبادة الله انما يجب طاعتهم فيما يبلغون عن طاعة الله .

2 – النبوة . تعتقد الشيعة الامامية ان جميع الانبياء الذين نص عليهم القرآن الكريم رسل من الله وعباد مكرمون بعثوا لدعوة الخلق الى الحق وأن محمداً خاتم الانبياء وسيد الرسل وانه معصوم عن الخطأ والخطيئة وانه ما ارتكب المعصية طيلة حياته .

3 – العدل ، أي ان الله لا يظلم احداً ولا يفعل ما يستقبحه العقل السليم .

4 – المُعاد . تعتقد الشيعة ، كما سائر المسلمين ، ان الله يعيد الخلائق ويحييهم بعد موتهم يوم القيامة والحساب والجزاء . والمعاد هو الشخص بعينه وبجسده وبروحه .

5 – الصلاة . هي عند الامامية كما عند عامة المسلمين عمود الدين والصلة بين العبد والله ومعراج الوصول اليه . فاذا ترك العبد الصلاة انقطعت الصلة بينه وبين ربه . وفي اجماع الامامية على ان تارك الصلاة فاسق لا حرمة له .

6 – الصوم وهو واجب بأصل الشرع وهو صوم شهر رمضان ومستحب كصوم رجب وشعبان .

7 – الذكاة وهي عند الشيعة تالية الصلاة .

8 – الحج وهومن أعظم دعائم الاسلام عند الشيعة وأهم اركانه.

9 – الجهاد وهو حجر الزاوية في بناء هيكل الاسلام . فلولا الجهاد لما كان الاسلام رحمة للعالمين وبركة على الخلق أجمعين . وهذا الجهاد هو مكافحة العدو ومقاومة الظلم والفساد . وهوعلى قسمين : الجهاد الاكبر بمقاومة العدو الداخلي مثل الرذيلة والجور والظلم الخ .. والجهاد الأصغر وهو مقاومة العدو الخارجي .

10 – الامامة وتكون بالنص اذ يجب ان ينص الامام السابق على الامام اللاحق بالعين لا بالوصف . وتستدل الشيعة على ذلك بأن النبي قد نص على امامة علي من بعده نصاً ظاهراً يوم غدير . وتشير الى ان علياً قد نص على ولديه الحسن والحسين . وهكذا فكل امام يعيّن الامام الذي يليه بوصية .

11 – العصمة . كل الأئمة معصومون عن الخطأ والنسيان وعن اقتراف الكبائر والصغائر .

12 – العلم اللّدني أي ان كل امام من الأئمة قد اودع العلم من لدن الرسول بما يكمل الشريعة. فقد استودعهم الرسول اسرار الشريعة ليبينوا للناس ما يقتضيه زمانهم .

13 – خوارق العادات . اجازت الشيعة ان تجري هذه الخوارق على يد الامام . واذا لم يكن هناك نص على امام من الامام السابق ، وجب ان يكون غياث الامامة في هذه الحالة بالخارقة.

14 – الغيبة والرجعة . ترى الشيعة ان الزمان لا يخلو من حجة الله عقلاً وشرعاً . ويترتب على ذلك ان الامام الثاني عشر قد غاب في سردابه وان له غيبة صغرى وغيبة كبرى . وتعتقد الشيعة ان الامام المغيب سيعود في آخر الزمان عندما يأذن الله له بالخروج . عندها سيملأ الارض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً . وقد قالت الامامية قاطبة بالرجعة .

15 – التقية وتعدها الشيعة اصلاً من اصول الدين . ومن تركها كان بمنزلة من ترك الصلاة. وهي واجبة لا يجوز رفعها حتى يخرج القائم . فمن تركها قبل ذلك فقد خرج عن دين الله وعن دين الامامية ، كما يستدلون على ذلك بقوله تعالى " إلا أن تتقوا منهم تقاة ". وينسبون الى محمد الباقر الامام الخامس قوله : " التقية ديني ودين آبائي ولا ايمان لمن لا تقية له ".

16 – المغالاة . فقد غالى بعضهم في شخصية علي . والمغالون من الشيعة المشتقة رفعوه الى مرتبة الالوهية كالسبئية .

17 – عيد الغدير وهو عيد يصادف اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة ويسمونه بالعيد الكبير. وصيام هذا اليوم عندهم سنة مؤكدة .

**

بندر شاه
14-01-2006, 10:49 PM
*
الصّوفية

الصّوفيّة حركةٌ دينيّة انتشرت في العالم الإسلامي عقب اتّساع الفتوحات وازدياد الرّخاء الإقتصادي كردّة فعلٍ مضادةٍ للإنغماس في التّرف الحضاري، ما حمل بعضهم على الزّهد الذي تطوّر بهم حتّى صار لهم طريقة معروفة بإسم "الصّوفية". وقد اختُلِفَ في اشتقاق كلمة التّصوف أو الصّوفية، فقيل: "الصّوفية" نسبة إلى رجلٍ جاهليٍّ يُقالُ له "صوفة"، واسمه "الغوث بن مر". وقيل: مشتقّةٌ من "سوفيا" اليونانية، ومعناها الحكمة. وقيل: مُشتقّةٌ من "الصّوف" لاشتهارهم بالزّهد والتّقشف ولبس الصّوف؛ وقيل: من "الصّفة" أيّ صفة من مسجد رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم؛ وقيل: من "الصّفاء"؛ وقيل: من "الصّف الأوّل"..

على كلّ حالٍ، فالتّصوف النّقي الحقيقيّ الخالي من الخُرافات والبِدَع يكوِّنُ الجزء الثّالث من الإسلام، وهو الإحسان }أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك{. ولا مشاحة في الإصطلاح كما يقول العُلماء. فالبعض سمّى هذا الجانب من الإسلام بالسّلوك، والبعض التّزكية، والبعض التّربية، والبعض -كالشّيخ محمد الغزالي الذّي سمّاه: "الجانب العاطفي من الإسلام". ومرَّ التّصوف بأدوارٍ كثيرةٍ، جَنَح خلالها بعضهم في المسار، حتّى تداخلت طريقتهم مع فلسفاتٍ هنديّةٍ وفارسيّةٍ ويونانيّةٍ مُختلفةٍ.

من أصول التّصوف الإعتقاد بأنّ الدّين شريعةٌ وحقيقةٌ. ولا بُدّ في التّصوّف من التّأثير الرّوحي الذي لا يأتي إلاّ بواسطة الشّيخ الذي أخذ الطّريقة عن شيخه، وهكذا.. سندٌ مُتّصلٌ بالنّبي ولا بُدّ من الذّكر والتّأمّل الرّوحي وتركيز الذّهن في الملأ الأعلى. وأعلى الدّرجات لديهم هي درجة الوليّ. وهُمّ يؤكّدون على ضرورة الإلتزام بما أمر الشّرع.

يقول سهل التّستّري: "أصول طريقنا سبعة: التّمسك بالكتاب والإقتداء بالسُّنة وأكل الحلال وكفّ الأذى وتجنّب المعاصي ولزوم التّوبة وأداء الحقوق". وعندهم درجاتٌ للسّلوك، أوّلها التّوبة والورع والزّهد والتّوكل والمحبّة والرّضا والأسوة الحسنة والأحوال والمقامات.

هناك مدارس للصّوفية، منها: مدرسة الزّهد ومدرسة الكشف والمعرفة ومدرسة وحدة الوجود ومدرسة الإتّحاد والحلول. وهناك طرق للصّوفية كالقادريّة الرّفاعية والأحمدية والدّسوقية والأكبرية والشّاذلية والمَولوية والنّقشبندية وغيرها كثير... وكلّ تلك نسبةً إلى مشايخ مربّين، نُسِبَت إليهم الطّريقة. ولا شكّ أنّ التّصوف، وكتبه الموجودة، فيه الغَث وفيه السّمين. فعلى المُسلم أخذ ما صفى وترك ما كدر. وقد نادى الكثير من العلماء الكبار إلى الإستفادة ممّا عند الصّوفية من الزّهد والورع والتوبة ومحاسبة النفس وتزكيتها عن طريق التّحلي بالأخلاق الحسنة والعبادة وترك الأخلاق الذّميمة، وترك الأشياء الأخرى، ممّا وصل إليه بعضهم- وسجّلوه في كتبهم- كالإتّحاد والحلول الذي اشتهر به الحلاّج الذي حكم عليه صوفية أهل زمانه بالضّلال وسلوك طريق المُجاهدات الصّعبة الذي أتاهم من الهندوسية والجينية والبوذية والفلسفات المختلفة. ولقد كان التّصوف المُنحرف بابًا كبيرًا، دخلت منه كثيرٌ من الشّرور على المسلمين، مثل التّواكل والسّلبية وإلغاء شخصية الإنسان وتعظيم شخصية الشّيخ، فضلاً عن كثير من الضّلالات التي يُخرِجُ بعضُها صاحبَه من الإسلام. ولكنّ الحق يُقال، إنّ الطّرق الصّوفية عملت على نشر الإسلام في كثيرٍ من الأماكن التّي لم تفتحها الجيوش، وذلك بما لديهم من تأثيرٍ روحيٍ، مثل أندونيسيا. ولقد اعتمد الحكّام على أقطاب الصّوفية في التعبئة الرّوحية للجهاد؛ ولقد قام كثير من رجال التّصوف الكبار بتجديد التّصوف والعودة به إلى صَفائه الأوّل.

**

بندر شاه
14-01-2006, 10:51 PM
*
الختـميـة

الختمية طريقة صوفية تلتقي مع الطرق الصوفية الأخرى في كثير من المعتقدات، مثل الغلو في شخص الرسول وادعاء لقياه وأخذ تعاليمهم وأورادهم وأذكارهم التي تميزوا بها، عنه مباشرة. هذا إلى جانب ارتباط الطريقة بالفكر والمعتقد الشيعي وأخذهم من أدب الشيعة ومحاولة المعاصرين منهم ربط الطائفة بالحركة الشيعية المعاصرة.

أسس الحركة محمد عثمان بن محمد أبو بكر بن عبد الله الميرغني المحجوب ويلقب بالختم إشارة إلى أنه خاتم الأولياء. ومنه اشتق اسم الطريقة الختمية كما تسمى الطريقة أيضا بالميرغنية.

ولد محمد عثمان الميرغنى بمكة، وتلقى علومه الشرعية على يد علمائها. غلب عليه الاهتمام بالتصوف شأن أفراد أسرته جميعا، فانخرط في عدة طرق: القادرية، الجنيدية، النقشبندية، الشاذلية، وطريقة جده الميرغنية، كما تتلمذ على الشيخ أحمد بن إدريس وأخذ تعاليم الطريقة الإدريسية. ومن هذه الطرق جميعا استمد تعاليم طريقته الختمية.

بعد وفاة الشيخ أحمد بن إدريس عام 1838م تنافس الميرغني ومحمد بن علي السنوسي (مؤسس الطريقة السنوسية) على خلافة الشيخ. وبتأييد من بعض أتباع الشيخ كسب الميرغني المنافسة والتأييد واستطاع أن يكوّن طريقته الختمية وينشئ لها عدة زوايا في مكة وجدة والمدينة والطائف. ثم بعث بأبنائه إلى جنوب الجزيرة ومصر والسودان للدعوة للطريقة الختمية ونشرها.

ألف الميرغني عدة كتب في التفسير والتوحيد. وله دواوين شعرية يغلب عليها جميعاً الطابع الصوفي في لغتها ومضمونها. من أهم هذه الكتب: "تاج التفاسير"، "النفحات المكية واللمحات الحقيّة في شرح أساس الطريقة الختمية"، "ديوان النفحات المدنية في المدائح المصطفوية"، و"مجموعة فتح الرسول".

وعلى إثر خلاف مع بعض العلماء في مكة، رحل محمد عثمان الميرغني إلى الطائف، حيث أقام هناك حتى وفاته عام 1853م.

ومن الذين توالوا على قيادة الختمية:

1- الحسن بن محمد عثمان (الختم) المولود في مدينة بارا بغرب السودان من امرأة تزوجها والده بتلك المدينة خلال رحلته إلى السودان. التحق بوالده في مكة وتلقى تعليمه هناك. بعث به والده إلى السودان لنشر الطريقة الختمية حيث لقي نجاحاً كبيراً في دعوته لا سيما في شمال السودان وشرقه.

2- محمد عثمان تاج السر بن الحسن بن محمد عثمان (الختم) الذي تولى القيادة بعد موت والده الحسن. وخلال فترة توليه زعامة الطائفة ظهرت الحركة المهدية في السودان، فعارضها معارضة شديدة، وخاض عدة معارك ضد جيوش المهدية في شرق السودان. وانتهى الأمر بهزيمته وفراره إلى مصر حيث مات.

3- علي الميرغني محمد عثمان تاج السر الذي ولد في مدينة كسلا وذهب بعدهها إلى مصر حيث اختاره الإنكليز لمرافقتهم في غزوهم للسودان للقضاء على دولة المهدية. وحينما تم للإنكليز الاستيلاء على السودان وهزيمة المهدية، اعترفوا به زعيماً لعموم طائفة الختمية في البلاد. واستفادوا منه في القضاء على المشاعر الدينية التي حرّكت الثورة المهدية من ناحية، وفي كسب ولاء السودانيين من ناحية أخرى.

حينما بدأت الحركة المهدية تظهر من جديد على يد أحد أبناء المهدي، وبمباركة الإنكليز، شعر علي الميرغني بخطورة الموقف لا سيما وأن الإنكليز أرادوا ضرب الطائفتين الختمية والأنصار والاستفادة من العداء التقليدي بينهما والصراع بين زعيميهما. نتيجة لذلك تحول ولاء زعيم الختمية نحو مصر، وأصبح راعياً فيما بعد للحركة السياسية التي كانت تدعو إلى الوحدة بين مصر والسودان.

تتبنى الختمية فكرة وحدة الوجود التي نادى بها من قبل محي الدين بن عربي وتلامذته، وقالوا بفكرة النور المحمدي والحقيقة المحمدية وعبّروا عن ذلك نظماً ونثراً واستخدموا مصطلحات الوحدة والتجلي والانبجاس والظهور والفيض وغيرها من المصطلحات الفلسفية الصوفية.

أسبغت الختمية على الرسول من الأوصاف ما لا ينبغي أن يكون إلا لله، وذهبوا إلى أن حقيقته لا تدرك ويعجز الوصف عن بيان ذاته. وتوجهوا إليه بدعائهم واستغاثاتهم.

ادعى مشايخ الطريقة بأنهم لقوا الرسول ورأوه عيانا، وأنه يحضر احتفالاتهم بمولده، وأنهم تلقوا منه أسس الطريقة وأورادها وتعاليمها. وقالوا إن الرسول أوصى رضوان بأن يعمّر لمؤسس الختمية جنانا ومساكن له ولأبنائه وصحبه وأتباعه وأتباع أتباعه إلى يوم القيامة.

للطريقة الختمية أوراد وأذكار وأداب معينة في الذكر والدعاء ميزوا بها أنفسهم وركزوا عليها دون غيرها. كما يهتمون بإقامة احتفالات معينة وإحياء مناسبات خاصة: كإحياء ذكرى مولد النبي والاحتفال بمولد ووفاة مشايخ الطريقة، وإقامة ما يعرف لديهم بليالي الذكر أو الحولية، ويمارسون في كل ذلك طقوساً خاصة في الزي والذكر والإنشاد.

يربط مشايخ الختمية الطريقة نسبهم بأئمة الشيعة الاثني عشرية، ويعتبرون أنفسهم من سلالتهم، علماً بأن الإمام الثاني عشر عند الشيعة اختفى أو غاب وهو صغير لم يتجاوز الثالثة أو الخامسة من عمره. كما تبنت الطائفة فكرة الشيعة حول آل البيت وارتباطهم بقضية الإمامة واستحقاقهم لها.

بدأت الطريقة من مكة والطائف، وأرست لها قواعد في جنوب وغرب الجزيرة العربية، كما عبرت إلى السودان ومصر. وتتركز قوة الطريقة من حيث الاتباع والنفوذ الآن، في السودان، لا سيما في شمال السودان وشرقه وأطراف أرتيريا المتخامة للسودان ومصر.

**

بندر شاه
14-01-2006, 10:54 PM
*
المهـديـة

المهدية واحدة من أنشط حركات الإصلاح التي ظهرت في العالم العربي والإسلامي مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلادي. وهي ذات مضمون ديني وسياسي. أسس الحركة محمد أحمد المهدي.

ولد محمد أحمد المهدي بن عبد الله سنة 1845م في جزيرة لبب جنوب مدينة دنقلة في السودان. يقال بأن نسبه ينتهي إلى الأشراف. حفظ القرآن وهو صغير ونشأ نشأة دينية متتلمذاً على الشيخ محمود الشنقيطي، سالكاً الطريق السمّانية القادرية الصوفية. ثم التحق بالشيخ القرشي وَدْ الزين في الجزيرة وجدد البيعة على يديه. ويلاحظ أن شيخيه الأول والثاني من أشهر مشايخ الطرق الصوفية آنذاك. استقر عام 1870م في جزير أبا حيث يقيم أهله والتزم أحد الكهوف مستغرقاً في التأمل والتفكير. وعندما توفي شيخ القرشي قام المهدي بتشييد ضريحه وتجصيصه وبناء القبة عالية، وصار خليفته من بعده حيث توافد عليه المبايعون مجددين الولاء للطريقة في شخصه.

وفي عام 1881 أصدر فتواه بإعلان الجهاد ضد المستعمرين الإنكليز، وأخذ يعمل على بسط نفوذه في جميع أنحاء غرب السودان. وقابل قوة الحكومة التي أرسلت لإخماد حركته عام 1881م وأحرز عليها انتصاراً دعّم موقفه ودعواه. هاجر بعدها إلى جبل ماسة ورفع رايته هناك.

التقى جيش المهدي بجيش القائد البريطاني غوردون في الخرطوم، وفي 26 يناير 1885م اشتدت المعركة وقتل غوردون الذي جُزّ رأسه وبعث إلى المهدي الذي كان يأمل إلقاء القبض عليه حياً ليبادل به أحمد عرابي الذي أجبر على مغادرة مصر إلى المنفى. وكان سقوط الخرطوم بين يدي المهدي آنذاك إيذاناً بانتهاء العهد العثماني على السودان.

من يومها لم يبق للمهدي منافس حيث قام بتأسيس دولته مبتدئاً ببناء مسجده الخاص الذي تم إنهاء بنائه في 17 جمادى الأولى 1305هـ.

توفي في يوم 9 رمضان/ يونيو 1885م بعد أن أسس أركان دولته الوليدة، وهي دولة لم تدم طويلاً. ففي عام 1896م قضى اللورد كتشنر الذي كان سرداراً لمصر على هذه الدولة ونسف قبة المهدي ونبش قبره وبعث بجمجمته إلى المتحف البريطاني انتقاماً لمقتل غوردون.

كانت شخصية المهدي القوية والمعتقد الديني الذي يدعو إليه، والسخط العام الذي كان سائداً ضد الولاة الذين فرضوا الضرائب الباهظة على الناس، وتفشي الرشوة والمظالم، وسيطرة الأتراك والإنكليز، كان لذلك كله دور مهم في تجميع الناس حول هذه الدعوة بهدف التخلص من الوضع المزري الذي هم فيه إذ وجدوا في المهدي المنقذ والمخلّص.

دعا المهدي إلى ضرورة العودة مباشرة إلى الكتاب والسنة دون غيرهما من الكتب التي يرى أنها تبعد بخلافاتها وشرورها عن فهم المسلم البيسط العادي، وأوقف العمل بالمذاهب الفقهية المختلفة، وحرّم الاشتغال بعلم الكلام، وفتح باب الاجتهاد في الدين، وأقر كذلك كتاب كشف الغمة للشعراني، والسيرة الحلبية، وتفسير روح البيان للبيضاوي، وتفسير الجلالين.

ألغى المهدي جميع الطرق الصوفية وأبطل جميع الأوراد داعياً الجميع إلى نبذ الخلافات والالتفاف حول طريقته المهدية مؤلفاً لهم ورداً يقرأونه يومياً. ومن هذا الباب دخلت المهدية مرة أخرى في بوتقة الصوفية وانصهرت فيها.

كان من أبرز ما في دعوة المهدي إلحاحه الشديد على موضوع الجهاد والقوة والفتوة. ويقول بأن مهديته قد جاءته بأمر من رسول الله، إذ يقول: "وقد جاءني في اليقظة ومعه الخلفاء الراشدون والأقطاب والخضر عليه السلام وأمسك بيدي وأجلسني على كرسيه وقال لي: أنت المهدي المنتظر ومن شك في مهديتك فقد كفر". ونسب إلى نفسه العصمة وذكر بأنه معصوم نظراً لامتداد النور الأعظم فيه من قبل خالق الكون إلى يوم القيامة.

كان المهدي يلح على ضرورة التواضع وعدم البطر وتشديد النكير على الانغماس في الملاذ والبذخ والنعمة، ويعمل على التقريب بين طبقات المجتمع. وقد عاش حياته يلبس الجبة المرقعة هو وأتباعه. وحرّم الاحتفال بالأعراس والختان احتفالاً يدعو إلى النفقة والإسراف. ويسّر الزواج بتخفيف المهور وبساطة الولائم وتحريم الرقص والغناء وضرب الدفوف. كما منع البكاء على الأموات، وحرّم الاشتغال بالرقى والتمائم، وحارب شرب الدخان وزراعته والاتجار به، وشدد في تحريمه. وأقام حدود الشريعة في أتباعه كالقصاص وحيازة خمس الغنائم ومصادرته أموال السارقين والخمّارين، وصك العملة باسمه ابتداء من فبراير 1885م.

أقام المهدي في المنطقة التي امتد إليها نفوذه نظاماً إسلامياً، ونظّم الشؤون المالية وعين الجباة لجمع الزكاة. وكانت مالية الدولة التي أقامها مكونة مما يجبى من زكاة وجبايات على القبائح ولمشروعات ولواق الغنائم الحربية والمحصولات والألقام.

تأثر المهدي بالشيعة في ادعائه المهدية التي ستملأ الأرض عدلاً، وفي التأكيد على أهمية نسبه الممتد إلى الحسن بن علي، وفي فكرة العصمة والإمام المعصوم. وأخذ عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب قوله بضرورة الأخذ عن الكتاب والسنة مباشرة، وفتح باب الاجتهاد. كما أخذ عن جمال الدين الأفغاني وعن الإمام محمد عبده، الذي كان على صلة بأفكارهما، الدعوة إلى تحرير البلاد الإسلامية من الاستعمار الأوروبي وتوحيدها وضرورة تطبيق الشريعة في حياة المسلمين.

ابتدأ المهدي دعوته من جزيرة أبا التي ما تزال مركزاً قوياً للمهدية إلى الآن، وقد وثّق صلته في القبائل في مختلف أنحاء البلاد. ومما لا شك فيه أن الثورة المهدية استطاعت أن تصهر السودانيين في بوتقة واحدة، وجعلت منهم شعباً واحداً جاهد مع قائده وزعيمه وحقق انتصارات باهرة على أعدائه. وقد أسقطت المهدية المذهبية وألغت الطرق الصوفية وأعلنت أنها سلفية تدعو إلى عقيدة السلف في التوحيد والاجتهاد وفق المصالح المتجددة. وقد اعتبرت الجهاد ضد الكفار مقدم على الفرائض الأخرى. وهي تعتبر من أبرز حركات اليقظة في العالم الإسلامي.

**

بندر شاه
15-01-2006, 02:24 AM
*
الوهـابيّة

الوهّابية فرقةٌ من الفرق الإسلامية السّنية، ظهرت في قلب الصّحراء العربية سنة 1143هـ. أسّسها محمّد بن عبد الوهّاب إحياءً لمذهب ابن تيميّة المَبني على أساس الفقه الحنبلي. وهي من الفِرَق السّلفية التّي تدعو للعودة إلى الدّين الإسلامي الصّحيح المُستمدّ من القرآن والحديث، ولكنّها طعنت في عقائد بعض المُسلمين.

شدّد المؤسّس الشيخ محمد بن عبد الوهّاب على مبدأ الجهاد المقدّس، باعتباره أهمّ الفروع الدّينية، مُستغلاً طبائع المُجتمع البدوي ورغبته في الغزو والغنيمة. فصارت القبائل تتهافت على الإنضمام إلى الدّعوة الجديدة. وكان كل نصرٍ تناله الدّعوة الوهّابية في غزواتها يزيد من عدد أتباعها ومن حماسهم لها.

وعندما أعلن الشّيخ محمد بن عبد الوهاب بأنّ دعوته هي حركة نهضةٍ دينيّةٍ وصلاحيّةٍ قائمةٍ على منهج السّلف الصّالح تدعو إلى التّوحيد الخالص ونبذ البدع وتحطيم ما علق بالإسلام من أوهامٍ، ناصَرَهُ أمير العينية، عثمان بن حمد بن معمر، في دعوته وروّج لها.

استغلّ الوهّابيون العداء الموجود لدى العشائر ضد الحكومة العثمانية ووالي بغداد، فأخذوا يحاولون نشر دعوتهم الجديدة في أوساط العشائر بشعارات الإصلاح، والعودة إلى أصول السّلف.

كان للحكّام الدّور الأكبر في نشوء هذه الفرقة وذلك لأنّ مؤسّسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان يدعو إلى طاعة الحاكم وأتباعه وعدم الخروج عليه، ما وفّر الأرضية المناسبة لبروزه واستقطاب النّاس حوله.

في عام 1153 هـ، استطاع محمّد بن عبد الوهاب استثمار وفاة أبيه الذي كان يعارض أفكاره بشدّةٍ؛ فراح يعلن عن عقائده ويستنكر على النّاس ما يمارسونه من الشّعائر الدّينية، ويدعوهم للإنخراط في حزبه وتحت لوائه، فاشتهر أمره في المدينة ولاقى دعمًا ومناصرةً من حكّام العينيّة والدّرعيّة.

عندما أصبح النّظام الدّيني للوهّابيّة قائمًا على أن يتولّى الملك السّعودي إمامة الوهّابييّن، ساعد هذا التّوجه على احترامها من قِبَل الحُكّام السّعودييّن المُتعاقبين على السّلطة، ووفّر لها فُرَص الدّيمومة والإستمرار.

الأفكار والمُعتقدات:

- قالوا بوجـوب هدم المَشاهد المُقدّسة التي بُنيَت على القبور ولم يُجوّزوا بقاءَها.

- قالوا إنّ أركان الإسلام خمسة: شهادة "أنّ لا إله إلاّ الله، وأن محمّدًا رسول الله"، وإقامة الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.

ـ وقالوا من الإيمان بالله الإيمان بأسمائه الحُسنى وصفاته الواردة في الكتاب العزيز والثّابتة عن رسوله الأمين من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ ولا تكيّفٍ ولا تمثيلٍ، بل يجب أن تمرّ كما جاءت، بلا كيف.

ـ اعتَبَروا الأمور التّالية من الشّرك:

أ- لبس الخيط والحلقة.

ب- النّذر لغير الله.

ج- الإستعاذة بغير الله.

د- الإستغاثة بغير الله.

ه- الطّيرة.

- ومن جملة ما أفتوا بإلغائه:

أ- التّشفع بالأولياء وإقامة النّصب والقباب. واعتبروا المُدخّن كالمُشرك. وحرّموا التّصوير وسائر أصناف الأُبّهة والتّرف.

ب- فتحوا باب الإجتهاد على مصراعيه وأقرّوا به.

ج- قالوا إنّ فكرة تقديم آل الرّسول هي من أثر الجاهلية في تقديم أهل بيت الرّؤساء.

د- كذّبوا حديث المؤاخاة وأنّ النّبي (ص) قد آخى عليًا عليه السّلام، وقالوا إنّ حديث المؤاخاة باطل.

ه- قالوا إنّ التّمسّح بالقبر ـ أيّ قبرٍ كانَ ـ وتقبيله وتمريغ الخدّ عليه هو من الشّرك، ولو كان قبر النّبي (ص).

و- حرّموا التوسّل بالأموات، ولو كانوا أنبياء، وقالوا: "مَن فعلَ هذا، فهو مُشرِكٌ بالله".

كان الحجاز الموطن الأوّل للوهّابية، ثم انـتشرت إلى بعض المناطق الخليجيّة. ولمّا التحق محمد بن عبد الوهّاب بأمير الدّرعية وبَزَغَ نجمه، أحسّ عثمان بن معمر أمير العينيّة بتمخّض خطرهم، فلم يجد مناصًا من إظهار التّودّد والمُداراة معهم، إلى أن انتهى به الأمر إلى تزويج ابنته من ابن عبد العزيز بن محمد بن سعود، الذّي بلغ الوهّابيون في عهده أوج قوّتهم.

**

بندر شاه
15-01-2006, 02:28 AM
*
التـيجـانـية

التيجانية طريقة صوفية يؤمن أصحابها بجملة الأفكار والمعتقدات الصوفية ويزيدون عليها الاعتقاد بإمكانية مقابلة النبي مقابلة مادية واللقاء به لقاءً حسيّاً في هذه الدنيا، وأن النبي قد خصهم بصلاة "الفاتح لما اغلق" التي تحتل لديهم مكانة عظيمة.

مؤسس التيجانية هو أبو العباس أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد بن محمد سالم التيجاني. عاش ما بين 1737-1815م وكان مولده في قرية عين ماضي من قرى الصحراء بالجزائر حالياً.

درس العلوم الشرعية وارتحل متنقلاّ بين فاس وتلمسان وتونس والقاهرة ومكة المكرمة والمدينة المنورة ووهران. أنشأ طريقته في قرية أبي سمغون، وصارت فاس المغربية المركز الأول لهذه الطريقة، ومنها خرجت الدعوة لتنتشر في أفريقيا. أبرز أثاره التي خلّفها كتابه "جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني" الذي قام بجمعه تلميذه علي حرازم.

من مشاهير التيجانية: علي حرازم أبو الحسن بن العربي برادة المغربي الفاسي؛ ومحمد بن المشري الحسني السابحي السباعي صاحب كتاب "الجامع لما افترق من العلوم" وكتاب "نصرة الشرفاء في الرد على أهل الجفاء"؛ وأحمد سكيرج العياشي (1295-1363هـ). ولد بفاس ودرس في مسجد القرويين وتولى القضاء وله كتاب "الكوكب الوهاج" وكتاب "كشف الحجاب عمن تلاقى مع سيدي أحمد التيجاني من الأصحاب"؛ وعمر بن سعيد بن عثمان الفوتي السنغالي المولود سنة 1797م في قرية الفار من بلاد ديمار بالسنغال حالياً. تلقى علومه في الأزهر بمصر وخلفه من بعده اثنان من أتباعه؛ ومحمد الحافظ بن عبد اللطيف بن سالم الشريف الحسني التيجاني المصري (1315-1398هـ) وهو رائد التيجانية في مصر، وقد خلف مكتبة موجودة الآن في الزاوية التيجانية بالقاهرة وله كتاب "الحق في الحق والخلق"، وله "الحد الأوسط بين من أفرط ومن فرّط" و"شروط الطريقة التيجانية". كما أسس مجلة طريق الحق سنة 1950م.

من أفكارهم ومعتقداتهم: التمسك بمعتقدات المتصوفية وفكرهم وفلسفتهم ومن ذلك إيمانهم بوحدة الوجود، وإيمانهم بالفناء الذي يطلقون عليه اسم "وحدة الشهود". وهم يقسمون الغيب إلى قسمين: غيب مطلق استأثر الله بعلمه، وغيب مقيد وهو ما غاب عن بعض المخلوقين دون بعض. ويدعي زعيمهم أحمد التيجاني بأنه قد التقى بالنبي لقاءً حسياً مادياً وأنه قد كلمه مشافهة، وأنه قد تعلم من النبي صلاة "الفاتح لما اغلق". وادعى أن الرسول قد أخبره بأن المرة الواحدة من هذه الصلاة تعدل قراءة القرآن ست مرات.

يقول أصحاب هذه الطريقة بأن لهم خصوصيات ترفعهم من مقام الناس الآخرين يوم القيامة ومن ذلك:
- أن تخفف عنهم سكرات الموت.
- أن يظلهم الله في ظل عرشه.
- أن لهم برزخاً يستظلون به وحدهم.
- أنهم يكونون مع الآمنين عند باب الجنة حتى يدخلوها في الزمرة الأولى مع المصطفى وأصحابه المقربين.

وهم كباقي الطرق الصوفية يجيزون التوسل بذات النبي وعباد الله الصالحين. ويدّعون بأن أحمد التيجاني هو خاتم الأولياء مثلما أن النبي خاتم الأنبياء. ويقول التيجاني "من رآني دخل الجنة". ويؤكد على أتباعه بأن النبي ذاته قد ضمن له ولهم الجنة يدخلونها بغير حساب ولا عقاب.

أما الجذور الفكرية والعقائدية لهذه الطريقة فتعود إلى الفكر الصوفي نفسه بعد أن أضاف أحمد التيجاني أفكاره. كما نهل هذا الأخير من كتب عبد القادر الجيلاني وابن عربي والحلاج وغيرهم من أعلام المتصوفية.

بدأت هذه الحركة من فاس بالمغرب وما زالت تنتشر حتى صار لها أتباع كثيرون في بلاد المغرب والسنغال ونيجيريا وشمالي أفريقيا ومصر والسودان وغيرها من أفريقيا. ويقدر صاحب كتاب التيجانية على بن محمد الدخيل الله أن عدد التيجانيين في نيجيريا وحدها بما يزيد على عشرة ملايين.

**

بندر شاه
15-01-2006, 02:31 AM
*
الشـاذليـة

الشاذلية طريقة صوفية تنتسب إلى أبي الحسن الشاذلي. هو علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف أبو الحسن الهذلي الشاذلي نسبة إلى شاذلة في المغرب بشمال أفريقيا. وتشترك هذه الطريقة مع غيرها من الطرق الصوفية في كثير من الأفكار والمعتقدات، وإن كانت تختلف في أسلوب سلوك المريد وطرق تربيته. ومجمل أفكار هذه الطريقة: التوبة، الإخلاص، النية، الخلوة، الذكر، الزهد، النفس، الورع، التوكل، الرضى، المحبة، الذوق، علم اليقين والسماع. ولهذه الألفاظ معان تختلف بدرجات متفاوتة عن المعاني الشرعية. وفي مفهوم الشاذلية وما دعت إليه فإن:

- التوبة هي نقطة انطلاق المريد أو السالك إلى الله.

- الإخلاص وينقسم لديها إلى قسمين: إخلاص الصادقين وإخلاص الصّدّيقين.

- النية وتعد أساس الأعمال والأخلاق والعبادات.

- الخلوة أي اعتزال الناس، فهذا من أسس التربية الصوفية. وفي الطريقة الشاذلية يدخل المريد الخلوة لمدة ثلاثة أيام قبل سلوك الطريق.

- الذكر والأصل فيه ذكر الله، ثم الأوراد، وقراءة الأحزاب المختلفة في الليل والنهار. والذكر المشهور لدى الشاذلية هو ذكر الاسم المفرد لله أو مضمراً "هو هو".

- الزهد وله تعاريف متعددة عند الصوفية منها فراغ القلب مما سوى الله، وهذا هو زهد العارفين. وهو أيضاَ الزهد في الحلال وترك الحرام.

- النفس حيث ركّزت الشاذلية على أحوال للنفس هي:
النفس مركز الطاعات إن زكت واتقت.
النفس مركز الشهوات في المخالفات.
النفس مركز الميل إلى الراحات.
النفس مركز العجز في أداء الواجبات.
لذلك يجب تزكيتها حتى تكون مركز الطاعات فقط.

- الورع وهو العمل لله وبالله على البيئة الواضحة والبصيرة الكاملة.

- التوكل وهو صرف القلب عن كل شيء إلا الله.

- الرضى وهو رضى الله عن العبد.

- المحبة وهي في تعريفهم سفر القلب في طلب المحبوب، ولهج اللسان بذكره على الدوام. وللحب درجات لدى الشاذلية وأعلى درجاته ما وصفته رابعة العدوية بقولها: أحبك حبين: حب الهوى وحباً لأنك أهل لذلك.

- الذوق ويعرّفونه بأنه تلقي الأرواح للأسرار الطاهرة في الكرامات وخوارق العادات، ويعدونه طريق الإيمان بالله والقرب منه والعبودية له.

- علم اليقين وهو معرفة الله معرفة يقينية. ولا يحصل هذا إلا عن طريق الذوق، أو العلم اللدني أو الكشف إلخ..

يُشدد الشاذلي على التمسك بالكتاب والسنة. فمن أقواله: "إذا عارض كشفك الكتاب والسنة فتمسك بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك إن الله تعالى قد ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف ولا الإلهام ولا المشاهدة.

كذلك فإن الصوفية عامة يرون، ومنهم الشاذلية، أن علم الكتاب والسنة لا يؤخذان إلا عن طريق شيخ أو مربّ أو مرشد، ولا يتحقق للمريد العلم الصحيح حتى يتبع شيخه طاعة عمياء.

كما تشدد الشاذلية كغيرها من الطرق الصوفية على السماع، وهو سماع الأناشيد والأشعار الغزلية الصوفية.

من أبرز شخصيات الشاذلية المؤسس أبو الحسن الشاذلي الذي اختلف في نسبه. فمريدوه وأتباعه ينسبونه إلى الأشراف ويصلون بنسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب وبعضهم ينسبه إلى الحسين، وبعضهم إلى غيره.

ذكر الإمام الذهبي في "العبر" أن أبا الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار المغربي الزاهد، شيخ الطائفة الشاذلية، سكن الإسكندرية وله عبارات في التصوف توهم، ويتكلف له في الاعتذار عنها، وعنه أخذ أبو العباس المرسي. وتوفي الشاذلي بصحراء عيذاب متوجهاً إلى بيت الله الحرام في أوائل ذي القعدة 656هـ. وعيذاب على طريق الصعيد بمصر.

كان أبو الحسن الشاذلي قد تتلمذ في صغره على أبي محمد عبد السلام بن بشيش في المغرب، وكان له أكبر الأثر في حياته العلمية والصوفية. ثم رحل إلى تونس، وإلى جبل زغوان، حيث اعتكف للعبادة، وهناك ارتقى منازل عالية، كما تقول الصوفية. رحل بعد ذلك إلى مصر وأقام بالإسكندرية، حيث تزوج وأنجب أولاده شهاب الدين أحمد وأبو الحسن علي، وأبو عبد الله محمد وابنته زينب. وفي الإسكندرية أصبح له أتباع ومريدون، وانتشرت طريقته في مصر بعد ذلك، وانتشر صيته على أنه من أقطاب الصوفية.

تنتشر الشاذلية في أماكن عديدة من العالم العربي والإسلامي ومركزها الأول هو مصر وبخاصة مدينة الإسكندرية وطنطا ودسوق بمحافظة كفرالشيخ بالإضافة إلى سوريا والمغرب العربي وليبيا والسودان.

**

بندر شاه
15-01-2006, 02:34 AM
*
الدرزية

الدرزية فرقة إسلامية ظهرت من الشيعة الإسماعيلية في الربع الأول من القرن الحادي عشر للميلاد (أوائل القرن الخامس للهجرة)، وذلك في القاهرة برعاية من الإمام الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي السادس الذي يعده أتباع هذه الفرقة الإمام الذي هو خاتم التأويل للكلمة الإلهية التي نزلت على النبي محمد خاتم التنزيل.

وقد أطلق على هذ الفرقة خطأ اسم الدرزية نسبة إلى أحد دعاتها وهو نشتكين الدرزي الذي ما لبث أن طرد من الفرقة في أوائل عهدها. أما الاسم الذي يطلقه أتباع هذه الفرقة على القسم فهو "الموحدون"، اي الذين يتبعون "ملك التوحيد". وهم يسمون فرقهم بالمسلك لأنهم يؤمنون بأن الدين الإسلامي يتألف من مسالك ثلاثة يؤدي الأول منها إلى الثاني والثاني إلى الثالث. ولذلك لا يتم المسلك الثاني إلا بالأول ولا يتم المسلك الثالث إلا بالثاني. وهكذا فسلك التوحيد لا يتحقق إلا باتباع المسلكين الأولين. أما مسالك الإسلام الثلاثة فهي:

المسلك الأول: وهو مسلك الإسلام الظاهر، وهو الإقرار بأصول الإسلام والحياة بمقتضى التعاليم الإلهية التي تتمثل في الشريعة أي الوسيلة التي يتوسل بها المسلم في توجهه إلى الله.

المسلك الثاني: وهو مسلك الإيمان، أي الأخذ بتأويل المعنى الظاهر للتنزيل، وبالتالي الحياة مع الله باتباع الطريقة التي أداها الأئمة المخولون وحدهم تأويل الكلمة الإلهية التي بتأويلها يطّلع المؤمن على المعنى الأصيل لكلمة الله.

المسلك الثالث: وهو مسلك التوحيد، أي الأخذ بما يدل على التأويل، من الحقيقة الإلهية بغية الوصول إلى العرفان والتوحيد. ومن شأن هذا المسلك الثالث أن ينبه المؤمن إلى حقيقته الأزلية حيث لا نسبي ينفصل عن المطلق ولا جزئي يستقل عن الواحد الأحد. وبذلك يسير المؤمن على مسلك العرفان الحق، فيقوده هذا المسلك إلى التوحيد ذاته وتوحيد كل شيء في الواحد الحق، حيث تلتهم المؤمن حمدية الأحد فيفنى النسبي في المطلق ولا يبقى إلى الحضور الأحدي.

والمؤمن إنما يتوصل إلى ذلك إذا هو سلك مسلك الفضيلة، وهي العمل لتحقيق غايته في الوجود. بهذه الفضيلة يستطيع أن ينتقل من الأنانية والشعور بالكثرة إلى التوحيد أي الشعور بالوحدة مع الواحد الأحد. والأخلاق في المفهوم التوحيدي، إنما تقوم على اتباع الفضيلة التي تقود الإنسان منطقياً إلى تحقيق لذاته طبيعي. ففضيلة كل شيء، حسب مفهوم التوحيد للأخلاق، هي تحقيق الأشياء لغاياتها وقيامها بأعمالها التي وجدت لها.

هذا المفهوم للأخلاق يجعل الموحدين يدعون إلى المساواة بين الناس. وهم يعطون المساواة أهمية كبرى في بنائهم الخلقي وفي نظرتهم إلى مقام الإنسان في الكون وعلاقته بالله. والناس، حسب عقيدة التوحيد يتساوون أمام الله، ذلك لأن كل إنسان هو مظهر من مظاهر هذه الوحدة وتعبير من تعابيرها. ولأن كل واحد منهم يستطيع أن يشرف على ذاته بفضل قوته العقلية، وأن يعي وجوده ويسعى إلى المعرفة ويحاول أن يميز ما هو خير وما هو حق وما هو جميل. لذلك فلا فرق بين إنسان ولا إنسان إلا بمدى تحقيقه لذاته من حيث هو إنسان، وبمدى استعماله لعقله الذي يميزه عن سائر الحيوان وبمدى تمييزه لما هو خير حق وتذوقه لما هو جميل. وبذلك الخير الذي يصيبه منه الآخرون وبتلك المحبة التي يغدقها على غيره من الناس وبذلك النفع الذي يمنحه فيجعله يرقى بالإنسانية جمعاء. وهكذا فلا أهمية للون والجنس والأصل والنسب والغنى والمركز الاجتماعي في سلك التوحيد الذي يدعو تالياً إلى المساواة التامة بين الرجل والمرأة.

أما موقف مسلك التوحيد من الحرية الإنسانية فإنه نتيجة لهذا الموقف من الإنسان. فلكي يتمكن الإنسان من أن يحقق غايته في الوجود ينبغي أن يكون له القدرة على هذا التحقيق، أي ينبغي أن يكون حراً مريداً ومختاراً لما يفعل كل الاختيار. ن هذه الحرية هي أساس مفهوم مسلك التوحيد للعدالة الإلهية. فالإنسان لو لم يكون حراً لما استطاع أن يكون إنساناً حقاً ولما استطاع أن يبلغ حالة من المعرفة توصله إلى التحقق بالله. ولذلك لا يمكن الإنسان أن يفوز بالجنة، وهي التحقق بالواحد، ألا بسعيه الحر إلى التوحيد. غير أن ممارسة حرية الاختيار هذه عملياً أصبحت محدودة بما تراكم على الإنسان من أعمال سيئة اختارها لنفسه فكانت نتيجتها أن جعلت نطاق حريته محدوداً.

لذلك فالثواب والعقاب هما نتيجتان لأعمال الإنسان ولما يعتقده ويؤمن به ويتبعه. والإنسان حسب مفهوم التوحيد هو زبدة هذا العالم لما انفرد به من تقدم في تركيبه الجسدي وفي بنيانه العقلي، ولما تميز به من مقدرة على التطور وعلى الإدراك والتعبير. فكان بذلك التوحيد الذي يستطيع أن يكنه حقيقته التي هي قبس من عالم العقل النوراني الخالد البسيط. ولذلك فإن حقيقة الإنسان التي هي كنهه ومعناه ومدلوله- وقد درج الناس على تسميتها بالروح- هي بسيطة لطيفة متحركة محركة خالدة لا تفسد ولا تتجزأ ولا تبيد.

وقد اتخذت هذه الحقيقة اللطيفة من الجسد الكثيف آلة تبدو بها وحقلاً تعمل ضمنه وتفعل خلاله وتتحرك به وتتحقق. وهكذا كان الإنسان، في كثافته ولطافته، في مظهره ومعناه، في جسده وروحه، وحدة لا تنفصل وكلا لا يتجزأ، يقيم بكليته كياناً واحداً يدل بوجهيه على الوحدة الشاملة وعلى الكون الكلي، فاللطائف الخالدة لا تثبت بذاتها ولا تقوم إلا بالآلة الجرمية أي الجسد الذي هو الحقل الذي تتحقق الروح به وتنمو وتتسع ليصير بها الإنسان إنساناً حقاً.

إن مسلك التوحيد يعلم سالكيه أن المعرفة دائمة النمو والاتساع، فهو لا يدعو إذاً إلى الانفتاح على الحقيقة وحسب، بل يوجب على الموحد أيضاً أي يؤمن بالحقيقة إيماناً ومعرفة، وأن يكون دائم الانفتاح على هذه الحقيقة دائب السعي وراء المعرفة. هنا ترى كيف تتجاوب عقيدة التوحيد مع المعارف الإنسانية ومع العلم والحكمة. فأهم شيء في حياة الإنسان، حسب سلك التوحيد، هو السعي إلى الحقيقة المحض.

الدكتور سامي نسيب مكارم
الأمين العام للمجلس الدرزي للبحوث
والإنماء
وأستاذ الفكر الإسلامي في الجامعة

الأميركية في بيروت
-+-

سؤال بدون تعليق ::
هل هتالك علاقه مباشره بين الدرزيه و الفكر الجمهورى ؟
**

بندر شاه
17-01-2006, 06:22 AM
*
المعتزلة

المُعتزلة فرقةٌ إسلاميّة نشأت في أواخر العصر الأموي وازدهرت في العصر العباسي. اعتمدت على العقل المجرّد في فهم العقيدة الإسلامية لتأثرّها ببعض الفلسفات القديمة. وقد أُطلقت عليها أسماء مختلفة منها: المُعتزلة والقدرية والعدلية وأهل العدل والتّوحيد والمقصد والوعيديّة.

المبادئ والأفكار:

جاءت المعتزلة في بدايتها بفكرتين مبتدعتين:

- الأولى: القول إنّ الإنسان مختار بشكلٍ مطلقٍ في كلّ ما يفعل؛ فهو يخلق أفعاله بنفسه ولذلك كان التكليف. ومن أبرز مَن قال ذلك "غيلان الدمشقي" الذي أخذ يدعو إلى مقولته هذه في عهد عمر بن عبد العزيز وحتى عهد هشام بن عبد الملك. فكانت نهايته أن قتله هشام بسبب ذلك.

- الثّانية: القول إنّ مُرتكب الكبيرة ليس مؤمنًا ولا كافرًا ولكنّه فاسق فهو بمنزلةٍ بين المنزلتين. هذه حاله في الدّنيا. أمّا في الآخرة فهو لا يدخل الجنّة لأنه لم يعمل بعمل أهل الجنة بل هو خالد في النّار. ولا مانع عندهم من تسميته مسلمًا باعتباره يُظهر الإسلام وينطق بالشّهادتين ولكنه لا يُسمّى مؤمنًا.

ثمّ حرّر المُعتزلة مذهبهم في خمسة أصولٍ، أهمّها: التّوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر.
1- التّوحيد وخلاصته، برأيهم، هو أنّ الله تعالى مُنزّه عن الشبيه والمماثل (ليس كمثله شيء) ولا ينازعه أحد في سلطانه ولا يجري عليه شيء ممّا يجري على النّاس. وهذا حق. ولكنّهم بنوا عليه أحد نتائج باطلة، منها استحالة رؤية الله تعالى لإقتضاء ذلك نفي الصّفات، وأن الصفات ليست شيئاً غير الذات، وإلاّ تعدَّدَ القدماء في نظرهم. لذلك يُعَدُّون من نفاة الصّفات؛ وبنوا على ذلك أيضًا أنّ القرآن مخلوق لله سبحانه وتعالى لنفيهم عنه سبحانه صفة الكلام.

2- العدل ومعناه برأيهم أنّ الله لا يخلق أفعال العباد ولا يحبّ الفساد، بل إنّ العباد يفعلون ما أمروا به وينهون عما نهوا عنه بالقدرة التي جعلها الله لهم وركّبها فيهم وأنّه لم يأمر إلاّ بما أراد ولم ينه إلاّ عمّا كره.

3- الوعد والوعيد ويعني أن يجازي الله المُحسن إحسانًا ويجازي المُسيء سوءًا ، ولا يغفر لمرتكب الكبيرة إلاّ أن يتوب.

4- المنزلة بين المنزلتين وتعني أن مرتكب الكبيرة في منزلةٍ بين الإيمان والكفر. فليس بمؤمنٍ ولا كافرٍ. وقد قرّر هذا واصل بن عطاء شيخ المعتزلة.

5- الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. فقد قرّروا وجوب ذلك على المؤمنين نشرًا لدعوة الإسلام وهدايةً للضّالين وإرشادًا للغاوين كلّ بما يستطيع. فذو البيان ببيانه، والعالم بعلمه، وذو السّيف بسيفه وهكذا. ومن حقيقة هذا الأصل أنّهم يقولون بوجوب الخروج على الحاكم إذا خالف وانحرف عن الحق.

ومن مبادئ المعتزلة الإعتماد على العقل كليًا في الإستدلال لعقائدهم. وكان من آثار اعتمادهم على العقل في معرفة حقائق الأشياء وإدراك العقائد، أنّهم كانوا يحكمون بحُسن الأشياء وقبحها عقلاً.

وبسبب اعتمادهم على العقل أيضًا أوّلوا الصّفات بما يلائم عقولهم الكلية، كصفات الإستواء واليد والعين وكذلك صفات المحبة والرضى والغضب والسخط. ومن المعلوم أنّ المعتزلة تنفي كلّ الصّفات لا أكثرها.

وباعتمادهم على العقل أيضًا، طعن كبراؤهم في أكابر الصّحابة وشنعوا عليهم ورموهم بالكذب. فقد زعم واصل بن عطاء أن إحدى الطائفتين يوم الجَمَل فاسقة؛ إمّا طائفة علي بن أبي طالب وعمّار بن ياسر والحسن والحسين وأبي أيوب الأنصاري أو طائفة عائشة والزبير، أوردوا شهادة هؤلاء الصّحابة، فقالوا: لا تقبل شهادتهم.

وسبب اختلاف المعتزلة فيما بينهم وتعدّد طوائفهم هو اعتمادهم على العقل فقط، وإعراضهم عن النّصوص الصّحيحة من الكتاب والسنة، ورفضهم الإتباع من دون بحثٍ واستقصاءٍ. وقاعدتهم التي يستندون إليها في ذلك: "كلّ مكلّف مطالب بما يؤدّيه إليه اجتهاده في أصول الدين". فيكفي، وفق مذهبهم، أن يختلف التلميذ مع شيخه في مسألةٍ ليكون هذا التلميذ صاحب فرقةٍ قائمةٍ.

وهكذا نجد أن المعتزلة قد حوّلوا الدّين إلى مجموعة من القضايا العقلية والبراهين المنطقية، وذلك لتأثرهم بالفلسفة اليونانية عامّةً وبالمنطق الصّوري (نسبة إلى مدينة صور) الأوسطي خاصّة.

فنّد علماء الإسلام آراء المُعتزلة في عصرهم، مثل أحمد بن حنبل الذي اكتوى بنار فِتنَتِهِم المُتعلّقة بخلق القرآن ووقف في وجه هذه الفتنة بحزمٍ.

مِن ردودٍ قويّة الحجة، بارعة الأسلوب، رد ابن تيمية في كتابه "درء تعارض العقل والنقل"؛ فقد تتبع آراءهم وأفكارهم واحدة واحدة وردّ عليها وبيّن أنّ صريح العقل لا يكمن أن يكون مخالفًا لصحيح النّقل.

وقد ردّ على ذلك عدد كبير من العلماء مؤكّدين:

- أن لا يتعارض العقل مع النصوص الصّحيحة.

- أن لا يكون استعمال العقل في القضايا الغيبية التي يُعتبر الوحي هو المصدر الصحيح والوحيد لمعرفتها.

- أن يُقدَّم النّقل على العقل في الأمور التي لم تتضح حكمتها وهي ما يُعرف بـ"الأمور التّوفيقية".

- ولا شك أن احترام الإسلام للعقل وتشجيعه للنظر والفكر واضح.

الجذور الفكرية والعقائدية:

هناك رواية تُرجِع الفكر المعتزلي في الصّفات إلى أصولٍ يهوديّةٍ فلسفيّةٍ. فالجعد بن درهم أخذ فكره عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي.

وقيل: إنّ مناقشات الجهم بن صفوان مع فرقة السّمنية -وهي فرقة هندية تؤمن بالتّناسخ- قد أدّت إلى تشكيكه في دينه وابتداعه لنفي الصفات.

إنّ فكر يوحنا الدمشقي وأقواله تُعدّ موردًا من موارد الفكر الإعتزالي إذ إنّه كان يقول بالأصلح وحريّة الإرادة الإنسانية.

ونفي القدر عند المعتزلة الذي ظهر على يد الجهني وغيلان الدمشقي، قيل إنّهما أخذاه عن نصراني يدعى أبو يونس سنسويه. وقد أخذ عمرو بن عبيد صاحب واصل بن عطاء فكرة نفي القدر عن معبد الجهني.

تأثّر المعتزلة بفلاسفة اليونان في موضوع الذّات والصفات. فمن ذلك قول أنباد بن قليس الفيلسوف اليوناني: "إنّ الباري تعالى لم يزل هويته فقط وهو العلم المحض وهو الإرادة المحضة وهو الجود والعزة والقدرة والعدل والخير والحق، لا أن هناك قِوَى مُسمّاة بهذه الأسماء بل هي هو، وهو هذه كلّها".

وكذلك قول أرسطو طاليس في بعض كتبه: "إنّ الباري علم كلّه، قدر كله، حياة كله، بصر كله".

فأخذ العلاف -وهو من شيوخ المعتزله- هذه الأفكار وقال: "إنّ الله عالم بعلم وعلمه ذاته قادر بقدره وقدرته ذاته، حيّ بحياة وحياة ذاته".

ثمّ إنّ أحمد بن خابط والفضل الحدثي قد طالعا كتب الفلاسفة ومزجا الفكر الفلسفي مع الفكر النّصراني مع الفكر الهندي، وقالا ما يلي:

1- إنّ المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة.

2- إنّ المسيح تدرّع بالجسد الجسماني وهو الكلمة القديمة المتجسّدة.

3- القول بالتناسخ.

4- حَملا كلّ ما ورد في الخبر عن رؤية الله تعالى على رؤية العقل الأول، هو أوّل مبتدع وهو العقل الفعّال الذي منه تفيض الصّور على الموجودات.

يؤكّد العلماء تأثير الفلسفة اليونانية على فكر المعتزلة بما قام به الجاحظ، وهو من مُصنّفي المعتزلة ومفكريهم. فقد طالع كثيرًا من كتب الفلاسفة وتمذهب بمذهبهم حتّى إنه خلط وروّج كثيرًا من مقالاتهم بعبارته البليغة.

الفكر الإعتزالي الحديث:

يحاول بعض الكُتّاب والمُفكّرين في الوقت الحاضر إحياء فكر المعتزلة من جديد، فألبسوه ثوبًا جديدًا، وأطلقوا عليه أسماء جديدةٍ مثل العقلانية أو التنوير أو التجديد أو التحرر الفكري أو التطور أو المعاصرة أو التيار الديني المستنير أو اليسار الإسلامي.

وقد قوّى هذه النزعة التأثر بالفكر الغربي العقلاني المادّي. وحاول مؤيّدو هذه النزعة تفسير النصوص الشّرعية وفق العقل الإنساني. فلجأوا إلى التأويل كما لجأت المعتزلة من قَبل ثم أخذوا يتلمّسون في مصادر الفكر الإسلامي ما يدعم تصوّرهم، فوجدوا في المعتزلة بغيتهم فأنكروا المعجزات الماديّة.

أهمّ مبدأٍ معتزليٍّ سار عليه المتأثرون بالفكر المعتزلي الجُدد هو ذاك الذي يزعم أنّ العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة، حتى لو كانت هذه الحقيقة غيبيّة شرعية. أي أنّهم أخضعوا كلّ عقيدةٍ وكل فكرٍ للعقل البشري القاصر.

أهمّ وأخطر ما في هذا الفكر الإعتزالي الجديد محاولة تغيير الأحكام الشرعية التي ورد فيها النّص اليقيني من الكتاب والسنة، مثل عقوبة المرتد وفرضية الجهاد والحدود وغير ذلك... فضلاً عن موضوع الحجاب وتعدّد الزوجات والطلاق والإرث، إلخ...

**

بندر شاه
17-01-2006, 06:27 AM
*
اليهوديّـة

هي ديانة العبرانييّن المُنحدرين من إبراهيم، والمعروفين بالأسباط، من بني إسرائيل الذّي أرسل الله إليهم موسى، مؤيّدًا بالتوراة ليكون لهم نبيًا. واليهودية ديانة يبدو أنّها منسوبة إلى يهود الشّعب. وهذه بدورها قد اختلفت في أصلها. وقد تكون نسبةً إلى يهوذا، أحد أبناء يعقوب.

الفِرَق اليهوديّة

- الفريسيّون، أي المتشدّدون: يسمون بالأحبار أو الرُّبانيين. هم متصوّفة رهبانيون لا يتزوّجون، لكنهم يحافظون على مذهبهم عن طريق التبني. يعتقدون بالبعث والملائكة وبالعالم الآخر.

- الصّدقيون: وهي تسمية من الأضداد لأنهم مشهورون بالإنكار، فهم ينكرون البعث والحساب والجنّة والنار وينكرون التّلمود، كما ينكرون الملائكة والمسيح المنتظر.

- المتعصّبون: فكرهم قريب من فكر الفريسييّن لكنّهم اتّصفوا بعدم التسامح وبالعداوانية. قاموا في مطلع القرن الميلادي الأوّل بثورةٍ قَتلوا فيها الرّومان، وكذلك كلُّ من يتعاون من اليهود مع هؤلاء الرّومان، فأُطلِقَ عليهم إسم السّفاكين.

- الكتبة أو النّساخ: عَرفوا الشّريعة من خلال عملهم في النّسخ والكتابة، فاتّخذوا الوعظ وظيفةً لهم. يسمون بالحكماء، وبالسّادة، وواحدهم لقبه أب.

- القراءون: هم قلّة من اليهود، ظهروا عقب الفريسييّن وورثوا أتباعهم. لا يعترفون إلاّ بالعهد القديم ولا يخضعون للتلمود ولا يعترفون به بدعوى حريّتهم في شرح التّوراة.

- السامريون: طائفة من المتهوّدين الذين دخلوا اليهودية من غير بني إسرائيل، وكانوا يسكنون جبال بيت المقدس. أثبتوا نبوّة موسى وهارون ويوشع بن نون فقط. ظهر فيهم رجل يُقال له الألفان، ادّعى النّبوة، وذلك قبل المسيح بمائة سنة، وقد تفرّقوا إلى دوستانية، وهم الألفانية، وإلى كوستانية أي الجماعة المتصوّفة. وقبلة السّامر إلى جبلٍ يُقال له غريزيم بين بيت المقدس ونابلس. ولغتهم غير لغة اليهود العبرانية.

- السّبئية: هم أتباع عبد الله بن سبأ الذي دخل الإسلام ليدمّره من الدّاخل. فهو الذي نقل الثورة ضدّ عثمان من القول إلى العمل مشعلاً الفتنة، وهو الذي دسّ الأحاديث الموضوعة ليدعم بها رأيه.

كُتُبهم:

- العهد القديم: وهو مقدّس لدى اليهود والنّصارى، إذ إنّه سُجّل فيه شعر ونثر وحكم وأمثال وقصص وأساطير وفلسفة وتشريع وغزل ورثاء، وينقسم إلى قسمين:

1- التّوراة: وفيه خمسة أسفار: التكوين أو الخلق، الخروج، اللاوين، الأخبار، العدد، التثنية، ويُطلق عليه إسم أسفار موسى.

2- أسفار الأنبياء: وهي نوعان:

أ- أسفار الأنبياء المتقدّمين: يشوع، يوشع بن نون، قضاة، صموئيل الأوّل، صموئيل الثّاني، الملوك الأوّل، الملوك الثاني.

ب- أسفار الأنبياء المتأخّرين: أشعيا، إرميا، حزقيال، هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونان، يونس، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، حجى، زكريا، ملاخي.

الكتابات، وهي:

1 - الكتابات العظيمة: المزامير، الزّبور، الأمثال، أمثال سليمان، أيّوب.

2- المجلاّت الخمس: نشيد الإنشاد، راعوت، المرائي، مرائي إرميا، الجامعة، أستير.

3-الكتب: دانيال، عزرا، نحميا، أخبار الأيّام الأوّل، أخبار الأيّام الثاني.

هذه الأسفار السّابقة الذّكر مُعترَف بها لدى اليهود وكذلك لدى البروتستانت.

أمّا الكنيسة الكاثوليكية، فتضيف سبعة أخرى، وهي: طوبيا، يهوديت الحكمة، يسوع بن سيراخ، باروخ، المكابيين الأوّل، المكابيين الثاني. كما تجعل أسفار الملوك أربعة وأوّلها وثانيها بدلاً من سفر صموئيل الأوّل والثاني.

- التّلمود: هو روايات شفويّة تناقلها الحاخامات حتّى جمعها الحاخام يوضاس سنة 150م في كتابٍ أسماه المشنا، أي الشّريعة المكرّرة لها في توراة موسى كالإيضاح والتفسير. وقد أتمّ الحاخام يهوذا سنة 216م تدوين زيادات وروايات شفوية. وقد تمّ شرح هذه المشنا في كتابٍ سُمّيَ جمارا، ومن المشنا والجمارا يتكوّن التلمود. ويحتل التلمود عند اليهود منزلةً مهمةً جدًا تزيد على منزلة التوراة.

أعيادهم:

- يوم الفصح: وهو عيد خروج بني إسرائيل من مصر، يبدأ من مساء 14 أبريل وينتهي مساء 21 منه، ويكون الطعام فيه خبزًا غير مختمرٍ.

- يوم التّكفير: في الشّهر العاشر من السّنة اليهودية. ينقطع الشّخص تسعة أيّامٍ، يتعبّد فيها ويصوم، وتُسمّى أيام التوبة؛ وفي اليوم العاشر، الذي هو يوم التكفير، لا يأكل فيه اليهودي ولا يشرب، ويمضي وقته في العبادة حيث يعتقد أنّه تُغفَرُ فيه جميع سيّئاته ويستعدّ فيه لإستقبال عامٍ جديدٍ.

- زيارة بيت المقدس: يتحتّم على كلّ يهوديٍّ ذكر رشيد زيارة البيت المقدّس مرّتين كل عامٍ.

- الهلال الجديد: كانوا يحتفلون لميلاد كلّ هلالٍ جديدٍ، حيث كانت تُنفخُ الأبواق في البيت المقدّس وُتشعَل النّيران ابتهاجًا به.

- يوم السّبت: لا يجوز لديهم الإشتغال في هذا اليوم لأنّه اليوم الذي استراح فيه الرّب كما يعتقدون. فقد اجتمعت اليهود على أنّ الله تعالى، لما فرغ من خلق السّموات والأرض، استوى على عرشه مستلقيًا على قفاه، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى.

الإله:

- اليهود كتابيون موحدون وهذا الأصل.

- كانوا يتّجهون إلى التّعدّد والتجسيم والنفعية، ممّا أدّى إلى كثرة الأنبياء فيهم لردّهم إلى جادّة التوحيد كلما أصابهم انحراف في مفهوم الألوهية.

- اتّخذوا العجل معبودًا لهم بُعَيْد خروجهم من مصر. ويروي العهد القديم أنّ موسى قد عمل لهم حيّة من نحاسٍ وأنّ بني إسرائيل قد عبدوها بعد ذلك، كما أنّ الأفعى مقدّسة لديهم لأنّها تمثّل الحكمة والدّهاء.

- الإله لديهم سمّوه "يَهوَه"، وهو ليس إلهًا معصومًا، بل يُخطئ ويثور ويقع في النّدم، وهو يأمر بالسّرقة، وهو قاس، متعصّب، مدمّر لشعبه. إنّه إله بني إسرائيل فقط. وهو بهذا، عدوّ للآخرين. ويزعمون أنّه يسير أمام جماعةٍ من بني إسرائيل في عمودٍ من سحاب.

*عزرا هو الذّي أوجد توراة موسى بعد أن ضاعت. فبسبب ذلك وبسبب إعادته بناء الهيكل، سُمّيَ عزرا ابن الله، وهو الذي أشار إليه القرآن الكريم.

أفكار ومعتقدات أخرى:

- لم يرد في دينهم شيء ذو بال عن البعث والخلود والثّواب والعقاب إلاّ إشارات بسيطة، وذلك أنّ هذه الأمور بعيدة عن تركبية الفكر اليهودي الماديّ.

- الثواب والعقاب، إنّما يتمّ في الدّنيا. فالثواب هو النّصر والتأييد، والعقاب هو الخسران والذل والإستعباد.

- التّابوت: وهو صندوق كانوا يحفظون فيه أغلى ما يملكون من ثرواتٍ ومواثيق وكتبٍ مقدّسةٍ.

- المذبح: مكان مخصّص لإيقاد البخّور، يوضع قدّام الحجاب الذي أمام التّابوت.

- الهيكل: هو البناء الذي أمر به داود وأقامه سُليمان.فقد بُنيَ بداخله المحراب (أي قدس الأقداس) وهُيّأ كذلك بداخله مكانًا يُوضَعُ فيه تابوت عهد الرّب.

- الكهانة: وتختصّ بأبناء لِيفي، أحد أبناء يعقوب. فهم وحدهم لهم حق تفسير النّصوص وتقديم القرابين وهم معفون من الضّرائب، وشخصياتهم وسيلةً يُتَقَرّب بها إلى الله، فأصبحوا بذلك أقوى من الملوك.

- القرابين: كانت تشمل الضحايا البشرية إلى جانب الحيوان والثمار. ثم اكتفى الإله بعد ذلك بجزءٍ من الإنسان، وهو ما يقتطع منه في عملية الختان التي يتمسّك بها اليهود إلى يومنا هذا فضلاً عن الثّمار والحيوان إلى جانب ذلك.

- يعتقدون بأنّهم شعب الله المُختار، وأنّ أرواح اليهود جزء من الله. وإذا ضَرَب أُميٌّ (جوييم) إسرائيليًا فكأنّما ضرب العزّة الإلهية. والفرق بين درجة الإنسان والحيوان هو بمقدار الفرق بين اليهودي وغير اليهودي.

- يجوز غشّ غير اليهودي وسرقته وإقراضه بالرّبا الفاحش وشهادة الزّور ضدّه وعدم البرّ بالقسم أمامه. ذلك أنّ غير اليهود في عقيدتهم كالكلاب والخنازير والبهائم، بل إنّ اليهود يتقرّبون إلى الله بفعل ذلك بغير اليهودي.

- يقول التّلمود عن المسيح: إنّ يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم بين القار والنار، وإن أمّه مريم أتت به من العسكريّ بإنذارٍ عن طريق الخطيئة، وإن الكنائس النّصرانية هي مقام القاذورات، والواعظون فيها أشبه بالكلاب النّابحة.

- بسبب ظروف الإضطهاد، نشأت لديهم فكرة المسيح المُنتظر كنوعٍ من التّنفيس والبحث عن أمل ورجاء.

- يقولون إنّ يعقوب قد صارع الرّب، وإنّ لوطا قد شرب الخمر وزنى بابنتيه بعد نجاته إلى جبل صوغر، وإنّ داود قبيح في عين الرّب.

- وفُقدت توراة موسى بعد تخريب الهيكل أيّام بختنصّر، فلّما كُتِبَت مرةً ثانيةً أيّام أرتحششتا، ملك فارس، جاءت محرّفةً عن أصلها.

- إنّ ديانتهم خاصّة بهم، مقفلة على الشّعب اليهودي.

- الولد الأكبر هو أوّل مَن يرث، وله حظّ اثنين من إخوته. ولا فرق بين المولود بنكاحٍ شرعيٍّ أو غير شرعيٍّ في الميراث.

- بعد الزّواج تُعدّ المرآة مملوكةً لزوجها، ومالها ملك له. ولكن لكثرة الخلافات، فقد أُقِرّ بعد ذلك أن تملك الزّوجة رقبة المال والزوج يملك المنفعة.

- مَن بلغ العشرين ولم يتزوّج فقد استحقّ اللّعنة. وتعدُّد الزوجات جائزٌ شرعًا من دون حدّ. فقد حدّده الرّبانيون بأربع زوجاتٍ بينما أطلقه القراءون.

الجذور الفكرية والعقائدية:

* عبادة العجل مأخوذةً عن قدماء المصريين، حيث كانوا هناك قبل الخروج. والفكر المصري القديم يُعدّ مصدرًا رئيسًا للأسفار في العهد القديم.

* أهمّ مصدرٍ اعتمَدَت عليه أسفار العهد القديم هو تشريع حمورابي الذي يرجع إلى نحو سنة 1900 ق.م؛ وقد اكتُشِفَ هذا التّشريع سنة 1902 ق.م محفورًا على عمودٍ أسودٍ من الصّخر، وهو أقدم تشريعٍ ساميٍّ معروفٍ حتّى الآن.

* يقول التّلمود بالتّناسخ، وهي فكرة تسرّبت لبابل من الهند، فنقلها حاخامات بابل إلى الفكر اليهودي.

* تأثّروا بالفكر النّصراني.

* في بعض مراحلهم، عبدوا آلهة البلعيم والعشتارت وآلهة آرام وآلهة صيدوم، وآلهة مُؤاب وآلهة الفلسطينيّين.

-+-

الفرق اليهودية

يقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس الذي عاش في القرن الاول الميلادي انه كان هناك ثلاث فرق " فلسفية يهودية" في فلسطين تنتمي الى ثلاث مدارس هي : الصدوقيون والفريسيون والاسينييون ويذكر فرقة رابعة عرفت بالغيوريين . غير انه يقول إنه لم يكن كل اليهود اعضاء في جماعة او اخرى من هذه الجماعات .

الصدوقيون

كان الصدوقيون جماعة صغيرة إلا انها كانت تتمتع بنفوذ كبير . وكانت الجماعة تتشكل اساساً من كبار الكهنة ومن الطبقات الغنية . وكانوا محافظين متشددين يمقتون التغيير وبخاصة التغيرات التي تؤثر في وضعهم البارز .

يعتقد البعض ان الاسم صدوقي جاء نسبة الى " صادوق " الذي ورد اسمه في العهد القديم . واعتقد آخرون ان الاسم مأخوذ من كلمة عبرية معناها البر والاستقامة الاخلاقية او من كلمة يونانية تعني أعضاء المجلس . وكان مجلس السبعين اليهودي " السنهدريم " يضم عدداً كبيراً من الصدوقين.

قال الصدوقيون إن الناموس الذي اعطى بيد موسى والذي جاء في الاسفار الخمسة الاولى من العهد القديم هو أساس التعليم الديني . وهذا يعني انهم لم يشاركوا اليهود الآخرين بعض معتقداتهم اليهودية والتي ليست واضحة تماماً في التوراة . فالصدوقيون لا يؤمنون بحياة مستقبلية او بالدينونة الاخيرة او بالقيامة .

الفريسيون

كان الفريسيون الطائفة التي نشأت في القرن الثاني ق.م. الاكبر عدداً بين اليهود ايام السيد المسيح وكان كثيرون منهم يحترفون دراسة العهد القديم . وكان لكل مجموعة منهم رؤساؤها وقوانينها .

أخذ الصدوقيون على الفريسيين انهم كوَموا كمية كبيرة من الاحكام والقواعد لكي يشرحوا من خلالها ناموس العهد القديم . واتهمهم الصدوقيون بأنهم كانوا يؤمنون ويعملون اشياء لا تتفق مع الفهم الحرفي للناموس . على ان الفريسيين أكدوا من جهتهم ان العهد القديم هو الدستور الاعلى لحياتهم وايمانهم إلا انهم ادركوا انه لا يلائم تماماً المجتمع الذي يعيشون فيه حالياً. ولكي تقوم علاقة نافعة فلا بد من تفسيره بطرق جديدة ، خصوصاً وان الناموس يتدخل في حياة الناس اليومية ويقيدها . ورغم هذه النظرة شبه المنفتحة فان الفريسيين بالغوا بالتشدد في احوال كثيرة . فمثلاً سمحوا لليهودي ان يتنزه يوم السبت على ان لا تزيد المسافة عن ثلثي ميل ، كما حرّموا اشعال النار يوم السبت . وكذلك لم يسمحوا للخياط مثلا بالخروج حاملا ابرته في وقت متاخر قبل حلول السبت لئلا تظل في جيبه عند حلول السبت .

لم يجد الفريسيون صعوبة في الايمان بالحياة الاخرى بعد الموت . وربما توقعوا ايضا مجىء " المسيا " ليصحح اخطاء الشعب . ورغم انهم لم يشتركوا مطلقاً في اي ثورة ضد الرومان الا انه من المحتمل انهم كانوا يعجبون بمن يقومون بها .

اما اسمهم فكان يعني " المفرز " . وكان معظمهم من اليهود العاديين وربما وصل عددهم ايام المسيح الى ستة الاف . وكان المسيح قد تجادل كثيراً مع الفريسيين ودان فيهم برّهم الذاتي وناموسيتهم بينما اظهر محبته لاولائك الذين احتقرهم الفريسيون . وكان بولس الرسول فريسياً قبل اهتدائه وكذلك كان نيقوديموس الذي صار تلميذاً للمسيح في السر .

الاسينيون

يعتقد المؤرخون المهتمون بالتاريخ الديني ان احدى الفرق الاسينية هي التي كتبت لفائف البحر الميت . وكان مقر هذه الجماعة في قمران قرب البحر الميت بفلسطين . وكانت هذه الجماعة قد انسحبت من الحياة العادية وعاشت حياة شراكة في الصحراء في محاولة للحفاظ على النقاء الديني والاخلاقي ، هذا النقاء الذي اعتقدوا انهم قد يجدوه في العهد القديم وفي حياة التقشف . ويقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس انهم لم يتمركزوا في مدينة واحدة بل استقروا باعداد كبيرة في مدن عديدة . ويظن ان فريقاً منهم عاش في البرية قرب دمشق وان هذا الفريق كان يختلف في معتقداته بشكل قليل عن جماعة قمران .

نعرف اليوم من مخطوطات البحر الميت ان الاسنيين كانوا اقلية يهودية وانهم امناء لعهد الله وانهم اعتبروا الشعب اليهودي بأكثريته ، بل وحتى الهيكل والكهنة في اورشليم القدس ، غير امناء . واكدت الجماعة ان قائدها " معلم البر " واتباعه الامناء هم وحدهم الذين عرفوا اسرار العهد القديم .

آمن الاسينيون ان كارثة في التاريخ ستحل وعندها سيؤكد الله سيادته على العالم بعد ان يقهر الهراطقة والغرباء الغازين ( اي الرومان ) . وستصبح عند ذاك شيعة من اليهود ، وليس كل اليهود ، شعب الله المختار وستتولى هذه الشيعة الامور وتصحح اوضاع عبادة الله في الهيكل. وتوقع الاسينيون ظهور ثلاثة قادة : النبي الآتي الذي تحدث عنه موسى ، والمسيا الملك الذي سيكون من نسل داود ، والمسيا الكاهن الذي ستكون له الأولوية الكبرى . واعتقد الاسينيون كالفريسيين ان الله لديه خطة معدة لا يمكن ان تتغير نتيجة لاي تدخل بشري . وما على الانسان ، في نظرهم ، الا ان يكون في المكان الصحيح وفي حالة ذهنية سليمة حين يصل المخلص الموعود .

الى جانب هذه الفرق الثلاث كان هنال الرؤويون والغيوريون . وهما حركتان هامشيتان . فالغيوريون كانوا حركة فدائية منهمكة في مقاومة الرومان اكثر من كونهم حركة دينية . وكانوا في الواقع يشاركون الفريسيين في الكثير من معتقداتهم ، الا انهم كانوا لا يقبلون سيداً سوى الله . ويقول المؤرخ يوسيفوس ان مؤسس شيعتهم كان يهوذا ، وهو رجل جليلي قاد ثورة عام 6 م . ويعتقد ان احد تلامذة المسيح ويدعى سمعان كان من الغيوريين ، كما ساد اعتقاد بان يهوذا الاسخريوطي كان واحداً منهم .

اما الرؤويون فكانوا جماعة صغيرة ، ضيقة الافق ، لا يعرف عنهم الا القليل . وكل ما عرف عنهم جاء من خلال كتاباتهم التي ادعوا فيها انهم تسلموا اعلانات جديدة من الله . وقد شدد هؤلاء على الحياة السماوية وليس على الحياة الدنيوية اليومية . وقال احد الكتاب الرؤويين ان " العلي " لم يخلق عالماً واحداً بل اثنين . وتشدد كتاباتهم على الاحلام والرؤى والاتصال بواسطة الملائكة . وهذه الواسطة والوساطة ضرورية بنظرهم لان الله بعيد في عالمه الخاص ولا يمكن للبشر الوصول اليه الا بالواسطة والوسطاء.

ولما كانت كلمة رؤيا تعني حرفياً اناس يكشفون عن اشياء سوية ، فان كتاباتهم اتسمت بالغموض ذلك ان الرؤى لا توصف بعبارات صريحة بل باستخدام لغة رمزية . لذلك نجد عندهم اشارات عديدة الى كتب الانبياء في العهد القديم والى الوحوش الاسطورية ، كما استخدموا الاعداد الرمزية في اشارتهم الى امم او اشخاص . وكانت الكتابات الرؤوية تصدر باسم شخصية معروفة عاشت في الماضي مثل نوح وآدم واختوم وموسى وعزرا الخ..

**

بندر شاه
17-01-2006, 06:33 AM
*
المسـيحيـة


بقلم د.. نقولا زيادة في كتابة "في سبيل البحث عن الله" الصادر عن الأهلية للنشر في بيروت.

" في تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية، قائلاً توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات. فإن هذا هو الذي قيل عنه باشعياء النبي صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة" (متى 1:3-3). وهذا الذي أشير إليه هو المسيح، الذي جاء يدعو الناس إلى دين يختلف عن اليهودية، ولو أنه هذا لم يتضح تماماً أول الأمر.

تتصدر أخبار الأجزاء الأولى من العهد الجديد وهي الأناجيل: إنجيل متى، إنجيل مرقس، إنجيل لوقا وإنجيل يوحنا. والباحثون متفقون، تقريباً، على أن الأناجيل الثلاثة الأولى كتبت بين سنتي 65 و90م، وأن إنجيل يوحنا كتب بين سنتي 110 و125م، وأن أول الأناجيل زمناً هو مرقس.

وإلى الأناجيل الأربعة فإن العهد الجديد، وهو الجزء الخاص بالمسيحية من الكتاب المقدس، يحتوي على أعمال الرسل ومجموعة من الرسائل التي وجهها بولس الرسول وبطرس وغيرهما من المرسلين المبشرين بالمسيحية. وهناك أخيراً سفر رؤيا يوحنا. وقد كتبت الأناجيل أصلاً باللغة اليونانية ومثلها بقية العهد الجديد. ويبدو، من التقصي التاريخي، أن الأناجيل قد قبلت قانوناً في القرن الثاني، أما ما تبقى فلم يثبت "قانوناً" إلا في القرن الرابع.

والدعوة التي حملها المسيح إلى البشرية هي لجميع البشر، ولم تكن مثل الدعوة اليهودية موجهة إلى شعب معين مختار. وفيها أن الملكوت السماوي هو ملكوت الله، وأن الله هو الذي يهبه للبشر. وقبول هذا الملكوت يتم بالتوبة التي هي الولادة الثانية.

وليس من شك في أن لليهودية بقايا عرفت في المسيحية. لكن في نهاية المطاف كانت المسيحية ثورة على ما تمثله اليهودية. فهذه كانت مقيدة بتقاليد وطقوس وتشريعات كثيرة، أي أنها كانت ديانة طقسية؛ أما المسيحية فأساسها الطهارة القلبية والإيمان الذي تحتضنه الروح والقلب النقي. والطقوس على تنوعها، مثل التنظيم الكنسي كان أمراً مكتسباً.

وحري بالذكر أن هناك من حسب، أول الأمر، وفي بيت المقدس خاصة، أن المسيحية كانت فرقة يهودية جديدة، على نحو ما كان قد ظهر في القرن الأول قبل الميلاد من فرق مثل الصدوقيين والفريسيين. وظل هذا الأمر شائعاً حتى هدم تيطس الهيكل سنة 70م، وعندها اتضح للجميع أن المسيحية ليست فرقة يهودية أخرى لأن المسيحيين لم يشكوا من هذا التدمير.

أما في إنطاكية خاصة، وفي مدن أخرى من سورية وشرق الأردن حيث كانت الحضارة الهلنستية قد تجذرت خلال القرون الثالثة بين الإسكندر والمسيح، فلم ينظر إلى المسيحيين على أنهم "يهود جدد" بل على أنهم جماعة يتحدثون بلغة جديدة ويدعون إلى آراء جديدة، لكنها ليست ذات قيمة، في رأي معاصريهم.

والمسيحية، في القدس وفي إنطاكية وفي سواهما، قبلت أن المسيح ولد من مريم العذراء وصلب وقبر وقام من بين الأموات. واعترف الجميع بالروح القدس وقبلوا بالعماد والعشاء السري المقدس الذي تمثله الشركة وهي تناول الخبز والخمر باعتبارهما ممثلين لجسد المسيح ودمه، وذلك عند القيام بالقداس الروحي. قد تكون بعض من هذه سبق البعض الآخر من حيث القبول أو الممارسة، لكن هذه هي المظاهر والعقائد الرئيسة التي كانت تميز المسيحيين عن غيرهم. وكثيراً ما كانوا يمارسون هذه الأشياء في أماكن سرية خشية التعقب والاضطهاد.

انتشرت المسيحية في القرن الأول، على يد تلاميذ المسيح والمبشرين بها، في المدن قبل الأرياف، وهي أجزاء من بلاد الشام قبل فلسطين، لأن اليهود كانوا يقاومونها هنا مقاومة شديدة. كما أن المسيحية انتشرت في مناطق واسعة وبين فئات من البشر كانت لها عبادات وفلسفات وحتى أساطير دينية وغير دينية متنوعة ومتباينة. وكانت لغات متعددة تستعمل في هذه الرقعة الواسعة التي هي الامبراطورية الرومانية وبعض الجوار، خاصة في الشرق. فالآرامية، التي تصبح السريانية بعد أن تتنصر، كانت مألوفة في مناطق متعددة، خاصة في أرض الرافدين وما جاورها من بلاد الشام وفي الأجزاء التي لم تتهلين من هذه البلاد. وكانت اليونانية لغة أهل المدن الشامية المتهلينة ولغة قبادوقيا وبلاد اليونان. كما أن اللاتينية كانت لغة المسيحيين المتعلمين في شمال أفريقيا (باستثناء مصر) وفي إيطاليا وبلاد الغال.

وليس من شك في أن استعمال اللغات المختلفة كان له أثر كبير في الخلافات التي قامت بين الفئات المسيحية، خاصة عندما كانت الأمور تختلط مع الآراء الفلسفية.

وعلى كل فإن الخصومة المسيحية ذر قرنها من أول الأمر وكان ذلك على أيدي اليهود، الذين لم يقبلوا بأنه المسيا (المشيح) المنتظر، واعتبروا أن المسيحيين فئة ضالة يجب مقارعتها وضربها. وكان هناك أصحاب المدارس الفلسفية الذين اعتبروا المسيحية أنها نزلت عن مستوى الفكر الفلسفي، ومن ثم فهي خطر على التطور الفكري للجماعات التي قد تقبلها. أما الخصم الأقوى فقد كان الدولة الرومانية نفسها. ذلك بأن المسيحيين رفضوا عبادة الامبراطور وروما وتقديم القرابين لهما، ثم رفضوا عبادة الشمس؛ وهاتان كانتا ديانتين رسميتين حاولت الامبراطورية، عن طريقهما، الواحدة بعد الأخرى، إيجاد عنصر روحي مشترك لشعوب الامبراطورية . فرفض المسيحيين للعبادة الرسمية اعتبر عصياناً على قوانين الدولة، ومن ثم فقد حق عليهم العقاب. وهذا هو الاضطهاد الرسمي الذي ظل المسيحيون يعانونه مدة طويلة وبأنواع مختلفة من التعذيب.

المهمات الأولى

شهدت القرون الثلاثة الأولى من انتشار المسيحية في المنطقة التي تعنينا تطورات مهمة كانت نتيجة التواصل النشيط بين أنحاء العالم المعروف من شواطئ المحيط الهندي وسواحل البحر المتوسط، العالم الذي كان قد قربت فيه المسافات وتنقل فيه التجار والرحالون بشكل لم يكن معروفاً من قبل. وقد أدى ذلك إلى اختلاط في الأعراق والآراء، فوصلت آراء هندية صوفية وفكرية إلى أماكن في حوض البحر المتوسط مثل الاسكندرية. فأصبحت المنظومة الفكرية التي قد يدعو إليها مفكر أو مدرسة تقوم على تركيب فلسفات أو آراء متعددة كي تنتهي إلى شيء جديد. ولعل الفلسفة الرواقية والأبيقورية من خير الأمثال على ذلك.

لكن الأمر المهم هو أن الجو كان فيه شيء جديد هو المسيحية، التي تختلف أساساً عن فلاسفة الأقدمين. وقد كانت ثمرة محاولة للتوفيق بين اليهودية والمسيحية، وذلك عن طريق تفسير بعض ما جاء في الأناجيل بالإشارة إلى ما جاء في العهد القديم. لكن هذه المحاولة لم تنجح لما اتضح للناس أن الفرق بين الكنسية المسيحية والكنيس اليهودي وما يمثلان، كبير جدا.

وكان هناك المذهب الغنوسي. وكان اتباع الغنوسية يرون أن العالم هو أصلاً من صنع إله آل على نفسه أن يمزج الإنسان الأبدي بعناصر الحياة الأخرى. وأن هذا الإله الذي سماه المسيح "أباه" هو القادر على إصلاح العالم. وهذا يتم متى جمع الرأي الهلينستي القائل بأن الكون هو فيض إلهي إلى ما جاء في الأناجيل. ففي بعض نواحيها على الأقل كانت الغنوسية محاولة توفيقية – تركيبية بين المسيحية والفلسفة أو الآراء.

وفي هذه الأجواء المتنوعة الاتجاهات ظل جماعة المؤمنين في أول الأمر على ولائهم للكنيسة الجامعة، وظل اعتمادهم على الأناجيل والرسائل. ومما حفظ للمسيحية الكنيسة الأم مكانتها هو أن الأساقفة الذين تولوا شؤونها كانوا دوماً قانونيين، أي أنهم كانوا مرسومين كهنة قبل أن يتولوا إدارة كنيسة أسقفية. فكانوا لذلك منضبطين.

قوي الأحياء الفلسفي الهلينستي في النصف الثاني من القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، وكان يحيط به إطار ديني مستمد من بعض الديانات القديمة. وليس غريباً أن يكون ممثل هذا الاتجاه أفلوطين (تو. 270) المصري المنشأ، الشامي الزيارة، الرومي الإقامة الذي تمثل ما لا يقل عن ثمانية قرون فلسفة الأغارقة وامتص بعض التصوف وتأثر بأفلاطون خاصة، ومن هنا سميت فلسفته الأفلاطونية الحديثة، ولو أن في التسمية بعض التجوز. واعتقد أفلوطين بأن الكون هو نتيجة عمل أو صنع تم على يد "الواحد" أو "الأحد"، وأن طريقة الخلق كانت الفيض، الفيض الأول من "الواحد" ثم فيض من فيض حتى تستكمل الحياة في عدد من هذه هو أما عشرة أو اثنا عشرة.

نبغ عدد من أصحاب الأقلام من المسيحيين الذين حاولوا توضيح المسيحية للآخرين مستعملين لغتهم. وبعض هؤلاء انتهى الأمر بهم إلى الاستشهاد في واحدة من موجات الاضطهاد التي كان الأباطرة الرومان يثيرونها، بين الحين والآخر، ضد هؤلاء المؤمنين بدين لا يناسب عبادة الأمبراطور. وبين هؤلاء يوستين النابلسي الأصل (105-165) وتتيان السوري من أهل القرن الثاني، والذي شن في سنة 160 حملة شعواء على الفكر اليوناني الوثني كما كان يراه.

وقد كان مجال التنافر والجدل بين المسيحية والآراء القديمة على أشده في الاسكندرية، لأنه كان فيها مدرسة هي بقية المنظمة البطلمية في البلاد، وكانت مركزاً لدراسة الفلسفة والعلوم القديمة. وكان للمسيحيين مدرسة في الإسكندرية كان يعلّم فيها اللاهوت والإنسانيات القديمة والعلوم والرياضيات. وأحبار هذه المدرسة هم الذين صاغوا القواعد الأولى للمسيحية بشكل منظم. وكان من كبار معلمي هذه المدرسة إقلمنضس (تو. 254م) وأريغون (تو.254م). ولما تركها هذا وانتقل إلى قيسارية في فلسطين أصبحت المدرسة تابعة للبطريركية، واتخذت صفة التعبير عن العقيدة الرسمية في بلدها، وفقدت دورها كمؤسسة مشرّعة الأبواب للتفكير المستقل.

وإقلمنضُس نظر في القضايا والمشكلات الفكرية المجردة والفلسفية والحياتية، وبحث في الأسئلة التي طرحها رجال الفكر اليوناني ثم بحث عن الأجوبة لجميع هذه القضايا فوجد أن القدامى أجابوا عليها من قبل عن طريق الأسطورة. ولكن هذه الوسائل لم تعد صالحة. الوثنية كانت قائمة وكانت تقاوم المسيحية، لكن حيوية الأولى امتصها ما كان في أساليبها وآرائها من تناقض وفي طرق بحثها من تضارب. لذلك يجب أن يلجأ "الفكر" إلى مصدر جديد للإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الجدد وتلك التي طرحها القدامى من قبل. والمصدر الجديد هو المسيحية التي هي تتويج لأفضل ما عرفته المدنية الهلينستية، روحياً على الخصوص.

وأريغون هو تلميذ إقلمنضس وخليفته في مدرسة الإسكندرية، ثم مؤسس التعليم المسيحي في مدرسة قيسارية الفلسطينية، إن لم يكن منشء المدرسة أصلاً. كان هم الرجل أصلاً دراسة العهد القديم من الكتاب المقدس دراسة مقارنة مع أمور أخرى تدخل في الفهم اللاهوتي للمسيحية. وكان من كبار المعلمين والدارسين الوثنيين في ذلك الوقت كلسّوس الذي وضع سنة 180م كتاباً شنّع فيه على المسيحيين وكال لهم التهم جزافاً. وألقى على المسيحية المسؤولية في أنها زعزعت أسس الأمبراطورية الرومانية. وكان رد أريغون أن الدين الذي يعلم الأخلاق الرفيعة السامية والذي تحمّل أتباعه العذاب والسجن والشهادة لا يمكن إلا أن يكون صحيحاً صادقاً. وأمل أن يهدي إله المسيحيين أباطرة رومة إلى الطريق السوي فينضموا إلى أتباع التعاليم الصادقة.

وقد قيل عن أريغون أن قيادته وتعاليمه أدت إلى نضج كبير في الجماعات المسيحية. وبذلك تهيّأت لدورها الكبير لما اعترفت الإمبراطورية الرومانية بالكنيسة.

وما دمنا قد أشرنا إلى مدرستي الإسكندرية وقيسارية، فلنشر أيضاً إلى مدرسة أديسا (الرها)، التي كانت باهتماماتها اللاهوتية، المركز الأول للمسيحية الأرامية- السريانية. ومعلمو هذه المدرسة أغنوا المسيحية بما توصلوا إليه من آراء قيمة.

الخلاف العقائدي

تولى قسطنطين عرش الإمبراطورية من سنة 305 إلى سنة 337م، لكنه لم يكن مستقلاً بالحكم إلا خلال السنوات الثلاث عشرة الأخيرة. وفي أيام قسطنطين تم الاعتراف بالمسيحية ديناً من الأديان الرسمية في الإمبراطورية الرومانية (312م).

وحري بالذكر أنه في أوائل القرن الرابع كانت المسيحية قد حققت انتشاراً واسعاً؛ فقد قدر أن ثلث سكان الإمبراطورية، في رقعتها الواسعة، كانوا قد اعتنقوا المسيحية.

كانت قد ظهرت بين سنتي 140 و250م، مؤلفات متعددة تتناول حياة المسيح وتحاول تفسير طبيعته. والكثير من هذه المؤلفات، إن لم يكن أكثرها، وضع باللغة السريانية وفي أديسا وجوارها، وقد كان الكثيرون من الكتاب، فضلاً عن اتباع المسيحية في هذه الديار، يغلب عليهم العنصر العربي. ومن ثم فقد ظهر في أوائل القرن الرابع منهجان لتفسير طبيعة المسيح الواحد هذا الذي ذكرنا والثاني يوناني. كان هذا يحاول أن يفسر الأمر على طريقة فيها الأثر اليوناني المنطقي العقلي، بحيث ينظر إليها، أي طبيعة المسيح، نظرة مجردة. أما التفسير العربي-السرياني فقد كان يرى الأمور من منطلق طبيعي مرتبط بما كانوا قد درجوا عليه من فهم الدين في تجاربهم الروحية الطويلة الأمد.

وكان ثمة دعوة تقدم بها آريوس (256-335م)، وهو ليبي الأصل اسكندري النشأة والدراسة. وكان عالماً في شؤون الدين والفلسفة. وقد دارت تعاليمه اللاهوتية حول واحدة من المشكلات اللاهوتية الكبرى في المسيحية. إنه كان قد قبل فكرة الأقانيم الثلاثة، لكنه قال بأن "الآب" وحده استحق لقب "الإله". أما الابن فلم يكن سوى إله ثانوي، لكنه تميز عن بقية المخلوقات في أنه كان صورة الأب في جوهره، وكان منزّهاً عن الخطيئة.

يخيل إلينا أن آريوس كان ينظر إلى المسألة من ناحية الثالوث المصري القديم: حوروس وإيزيس وأوزيريس، الذي كان فيه واحد فقط له موضع خاص، هو حوروس.

لكن أسقف الإسكندرية الكسندروس كان يرى، ولم يكن منفرداً في الرأي، أن الابن مساو للآب في الجوهر. ولما عقد مجمع من المتقدمين في كهنة مصر، وعرض الأمر عليهم، بعد أن كان آريوس قد رفض أن يتقيد بآراء الأسقف في تعليمه، حرم (قطع) المجمع آريوس. فخرج آريوس إلى قيسارية فلسطين وكان أسقف المدينة ميالاً لوجهة نظر آريوس فشجعه على نشر آرائه. وانتقل آريوس إلى نيقوميدية (في آسية الصغرى) فشجعه أسقفها ودافع عنه في رسائل وجهها إلى أصحاب الشأن الديني والعلمي. وفعل الكسندروس الشيء نفسه فكتب سبعين رسالة يوضح فيها آراءه ويبين خطأ آريوس.

انتشرت آراء آريوس في الأجزاء الشرقية من الامبراطورية. وكتب هو الأغاني والأهازيج الروحية التي تحتوي أراءه، فذاعت بين الناس العاديين الذين كانوا يعيدون إنشادها في الأماكن والساحات العامة.

انزعج قسطنطين من ذلك، إذ أن الأمر قسم المسيحيين إلى فرقتين متخاصمتين، وهو لم يحب أن يصل الأمر إلى هذا الحد. وقد قامت محاولات لإصلاح البين، لكن القوم لم يدركوا أن الأمر خلاف عقائدي من الدرجة الأولى. ومعنى هذا أن النصح والإرشاد والتشاور ومحاولة المصالحة لا مجال لها في مثل هذا الأمر. لذلك دعا قسطنطين جميع الأساقفة من جميع أنحاء الامبراطورية للتشاور وإبداء الرأي. وتم الاجتماع في نيقية سنة 325م وكان هذا هو المجمع المسكوني الأول.

ولعله من المناسب أن نشير هنا إلى معنى الدور الذي اتخذه قسطنطين لنفسه في هذه المناسبة. كان قسطنطين أول توليه الحكم (قبل أن يعتنق المسيحية) يُعتبر "الحبر الأعظم" بالنسبة للأديان التي كانت معروفة ومقبولة رسمياً في الامبراطورية. فلما اعتنق المسيحية واعتبرها ديناً من أديان الامبراطورية اعتبر نفسه حبرها الأعظم. لم يكن رأس الكنيسة، لأن هذه لها رجالها المختصون بشؤونها. بل كان هو يمكنه أن يرأس اجتماعات كبرى لها. ومن هنا فقد ترأس المجمع الذي عقد في نيقية بوصفه الحبر الأعظم لكنه لم ير في نفسه رأساً للكنيسة بل رئيساً "لاجتماع" الأساقفة هذا.

والذي صدر عن اجتماع نيقية هو قانون الإيمان، الذي تمت الوافقة عليه نهائياً في مجمع القسطنطينية (381م)، وهو القانون المعروف باسم القانون النيقاوي.

لكن المجمع، باتخاذه هذا القرار، الذي اعترف بمساواة الابن للآب في الجوهر، لم يقنع الجميع. فلما عاد الأساقفة إلى أبرشياتهم، عادوا إلى الحديث والبحث في قضية "المساواة في الجوهر" .
ظلت القضية حية مدة. لكن الأريوسية ضعف شأنها في المشرق، لأن خلافات أخرى أقوى وأعنف كانت تظهر. فانتقلت هي إلى الغرب وشغلت المؤسسات الدينية هناك. ثم عرفت طريقها إلى الشمال الأفريقي.

كان من أشد خصوم الآريوسية في المشرق أثناسيوس الكبير بطريرك الاسكندرية (327-373م) الذي تولى المنصب ستاً وأربعين سنة. كان شديد الحماسة في دفاعه، عنيفاً في كتاباته، لذلك، وبحكم المدة الطويلة التي قضاها في السدة فقد كان له أصدقاء كما كان له خصوم.

وإذا نحن توقفنا قليلاً لنرى موقف الكنيسة (والمسيحية معها) قبل نيقية وبعدها، وجدنا التطورات التالية:

في الفترة الأولى للمسيحية كانت هناك محاولة للمحافظة على وحدة الكنيسة، وكان الجميع، في غالب الأحيان، يعملون ضد الأباطرة فتغلبوا عليهم. وكانت عضوية الكنيسة أمراً عفوياً فيه حرية وتضحية. كما أن الاعتراف بالإيمان كان قضية شخصية بوجه عام.

أما بعد نيقية فقد فقدت الكنسية تساوقها الداخلي واختلف المسيحيون بحيث أصبحوا يستعدون الأباطرة على بعضهم بعضاً. وكان ثمة مزج بين الكنيسة والدولة، بحيث أصبحت الأولى مؤسسة ذات امتيازات تنالها من الدولة. وصار الحفاظ على الأرثوذكسية، ضد الحركات المخالفة، واجباً على الدولة. وبدا رجال الكنيسة وكأنهم من أهل البلاد. والاعتراف بالإيمان أصبح منوطاً بقانون نيقية ومن يخالفه يعاقب.

وفي مجمع القسطنطينية (381م) رفعت أسقفية العاصمة إلى درجة بطريكية، وجعلت في الدرجة الثانية. فأصبح ترتيب البطريركيات كما يلي: رومة والقسطنطينية والإسكندرية وأنطاكية. أما القدس فلم تصبح بطريركية إلا سنة 451م في مجمع خلقدونية وجعلت في المرتبة الخامسة.

عني القرن الرابع أيضاً بكثرة المهتمين بالنواحي اللاهوتية من المسيحية، وفي مقدمتهم غريغريوس النازيانزي (ح330-389م) الذي يعود إليه الفضل في توضيح معنى التثليث المسيحي، لأنه أوضح في وعظه وفي تآليفه معنى الصلة بين الآب والابن والروح القدس من حيث أنهم أقانيم ثلاثة لكنها مترابطة. فالابن مساو للآب في الجوهر والروح القدس مولود من الآب وهو مع الآب والابن.

من كبار آباء الكنيسة في القرن الرابع يوحنا الذهبي الفم (أو فم الذهب) المولود سنة 345م والمتوفى سنة 407م. وقد تولى منصب بطريرك القسطنطينية. لكن أهميته كانت في العظات التي القاها على مستمعيه والتي بلغت المئات. وقد اهتم بتوضيح جميع النواحي المسيحية وواجبات رجال الدين. وكان حريصاً على تثقيف النساك، ذلك أن الرهبنة، التي نشأت على يد أنطونيوس الكبير (290-346م) في مصر، انتشرت فيما بعد في بلاد الشام وقبادوقية وبلاد الرافدين. ويوحنا الذهبي الفم كان حريصاً على أن يفهم هؤلاء النساك، على اختلاف الأخويات التي نشأت في المنطقة، واجباتهم نحو المسيحية والناس.

كان المسيحيون يحتفلون بعيد الغطاس لأنه مرتبط بعمادة المسيح، وبعيد الفصح لأنه ذكرى قيامة المسيح، وعيد العنصرة لأنهم كانوا يحيون فيه نزول الروح القدس. لكن سنة 386م أدخل عيد جديد في لائحة الأعياد المسيحية في الكنيسة الشرقية، وكان هذا قد بدأ الاحتفال به في بطريركية رومة قبلاً. فلما جاء الوقت للاحتفال به في المشرق استغرب المؤمنون هذا الأمر. وعندها تقدم يوحنا الذهبي الفم وألقى وعظتين حول الموضوع، الواحدة في 20 كانون الأول/ديسمبر 386 والثانية يوم العيد بالذات. والعيد هو عيد الميلاد.

وكان بين كبار النساك في منطقة قورش مار مارون المتوفى سنة 420م. وكان له عدد كبير جداً من الأتباع والتلاميذ، منهم إبراهيم الناسك الذي وصل لبنان وأقام في جرود جبيل ونشر المسيحية هناك.

وقد بنى دير مار مارون الرئيسي سنة 452م في أفامية (إلى الشمال الغربي من حماة) إحياءً لذكراه. ومن هنا، كما من المنطقة القورشية وجبل سمعان وحلب وجوارها، انطلق المبشرون وأكثرهم من النساك والرهبان إلى المناطق اللبنانية. وقد كان مار مارون وتلاميذه من المدافعين عن الخلقيدونية.

جاء فلسطين رجال لاهوت من رومه واستقروا فيها. وكان في مقدمتهم القديس جيروم (أيرونيموس) الذي ولد سنة 347م في إيطاليا، وتوفي في سنة 420م في بيت لحم، بعد أن قضى فيها آخر 35 سنة من حياته، وحيث بنى ديراً للرهبان، وبنت رفيقته باولا ديراً للراهبات، كما بنت ميلاني ديراً آخر في جبل الزيتون. كان جيروم من نوابغ عصره. فقد درس اللغة العبرية واليونانية واللاهوت، وكان إماماً في اللغة اللاتينية. وقد نقل الكتاب المقدس إلى اللغة اللاتينية، فضلاً عن أنه وضع شروحاً مفصلة وجيدة لأسفار الكتاب نفسه. وترجمة جيروم اللاتينية هي أساس النص اللاتيني الذي تستعمله الكنيسة الكاثوليكية بعد أن أدخلت على النص الأصلي تعديلات وصفت بأنها طفيفة وقد وافق عليها الكرسي الرسولي في القرن السادس عشر.

-+-
تابع أدناه

**

بندر شاه
17-01-2006, 06:35 AM
*
المسيحيه ( 2 )

طبيعة المسيح

في أوائل القرن الخامس اختير نسطوريوس، وهو راهب إنطاكي وعالم وخطيب وواعظ، بطريركياً للقسطنطينية (427م).

وقف نسطوريوس من الفئات الخارجة على الكنيسة، كما كان هو يفهم المسيحية، موقفاً عنيفاً إذ اعتزم القيام بحملة تطهير واسعة. فضلاً عن ذلك فقد كانت له آراء خاصة بألوهية المسيح وإنسانيته. وعمل على توضيح وجهة نظره بكل ما أوتي من علم ومعرفة ومقدرة على الخطابة والإقناع. وكان من مؤيدي نسطوريوس يوحنا بطريرك إنطاكية الأساقفة الشرقيون أي الذين يتبعون هذا الكرسي ومجاوريهم.

وكان كيرللس بطريرك الإسكندرية (412-444م) خصم نسطوريوس في آرائه. والخلاف بين الرجلين كبير. وكان كيرللس عالماً لاهوتياً كبيراً وزعيماً لا للكنيسة القبطية فحسب، بل يكاد يكون زعيم البلد، إذ أنه هو الذي كان يسيّر أو يقود الحركة الوطنية المصرية يومها. وكان كيرللس يرى أن المسيح له الصفة الإلهية الكاملة، وهي التي اتحدت معها الطبيعة البشرية.

يرى البعض من الباحثين بأن الخلافات كان من الممكن أن تحل بالمناقشة الهادئة واعتماد الألفاظ الدقيقة، أو بعد جعلها دقيقة لتتفق مع المعاني الجديدة التي حملتها. لكن القضية لم تكن قضية خلافات لاهوتية فحسب، بل كانت هناك أطماع ومنافع فضلاً عن خلافات مجتمعية.

أراد ثيودوسيوس الثاني (408-450م) أن يضع حداً لهذه الخلافات والمهاترات والدسائس التي رآها تعصف بالكنيسة، فدعا، على عادة أسلافه وخلفائه، إلى مجمع يعقد في أسقف أفسوس (431م). جاء كاريللس ومؤيدوه، واستطاع أن يستميل ممنون أسقف أفسس إلى جانبه، وتأخر أنصار نسطوريوس وهم يوحنا بطريرك إنطاكية وأساقفته (أو لعلهم أعيقوا في الطريق عمداً) عن الوصول في الوقت. وتعمد كيرللس أن يفيد من ذلك فأصدر مع ممنون قراراً بقطع أو حرمان نسطوريوس. فلما وصل يوحنا الانطاكي قطع أي حرم كيرللس وممنون. وقد وافق الامبراطور ثيودوسيوس على القرارين وطرد الثلاثة من مناصبهم.

قبل نسطوريوس أمر الامبراطور وخرج من العاصمة عائداً إلى ديره، ثم نفي إلى البتراء وأخيراً نفي إلى ليبيا حيث قضى بقية عمره في واحة نائية (تو. 452م).

تبع هذا المجمع، الذي ظلت قراراته (عدا ما خص نسطوريوس) معلقة في الهواء، هدنة. فقد عاد كيرللس إلى الاسكندرية وصرّف شؤون بطريركيته وجماعته وظل ممنون في أفسوس. ويبدو أن الجميع قد تعبوا بعض الشيء فكان هناك هدنة عقائدية استمرت بضع عشرة سنة. لكنها تحركت ثانية.

كان اوطيخة راهباً زاهداً ورعاً محترماً. وكان البلاط يجله. وقد رأى أوطيخة رأي كيرللس، ولعله تقدم حتى على كيرللس فقال أن الطبيعة الإنسانية في المسيح امتزجت بالطبيعة الإلهية حتى تلاشت فيها "تلاشي نقطة خمر وقعت في ماء". فالمسيح كان، في رأيه الواضح، اقنوماً واحداً وطبيعة واحدة. ونشر أوطيخة آراءه في العاصمة. ووقف لأوطيخة في المرصاد دمنوس الذي كان يقول بغير ذلك. وبعث إلى الامبراطور بشكوى ضد أوطيخة.

وكان الامبراطور قد أصدر (448م) إرادة حرم فيها تعاليم نسطوريوس وجميع المصنفات التي تخالف نصوص نيقية وافسوس وقراراتهما. وهنا بدأت الدسائس ونشرت الأكاذيب حول مختلف رجال الكنيسة. وكان ديوسقوروس قد خلف كيرللس بطريركاً على الاسكندرية (444-451م). وهو لم يكن أقل مقدرة على الدس ونشر الإشاعات من غيره، فضلاً عن أنه كان أعنف من سلفه كيرللس.

ارتأى الامبراطور أن يدعو إلى مجمع ثان في أفسوس (آب-أغسطس 449م). واختار الامبراطور بعض الأشخاص لحضور المجمع ومنع آخرين من الحضور. وقد اجتمع هذا المجتع "الهزؤ" بمئة وثلاثين من الأساقفة (بل لعل العدد تجاوز هذا الرقم). "وكانت القرارات تصدر عشوائياً كما يبدو، لكن كل شيء كان قد دبره ديسقوريوس ومحازبوه". واغتنم هذا بلبلة أحدثها هو وصحبه فاستعان بممثلي الامبراطور، "ففتح هؤلاء أبواب الكنيسة وأدخلوا إليها الجند والرهبان والبحارة المصريين وغيرهم من عناصر الغوغاء. وعبثاً حاول فلابيانوس (أسقف القسطنطينية) الالتجاء إلى قدسية المذبح فإن الرهبان جروه جراً فوقع على الأرض فداسه ديوسقوروس وجماعة برصوم وأخرج خارجاً وسجن وتوفي بعد ثلاثة أيام وهو في طريقه إلى المنفى. واتهم ديوسقوروس بقتله فعلاً".

سمي هذا المجمع بـ "المجمع اللصوصي" بسبب ما جرى فيه من أضاليل وأكاذيب وما مررت به من قرارات مبنية عليها.

وقف ثيودوسيوس من كل هذا موقف الموافق لأنه رفض طلب الكثيرين ومنهم الأسقف الروماني في وجوب عقد مجمع مسكوني لإعادة النظر وتصحيح الأوضاع. لكنه كان يقول أن ما جرى كان كافياً وأنه لا حاجة إلى عقد مجمع آخر.

فلما تولى العرش مرقبان (450-457م) دعا إلى مجمع مسكوني رابع، عقد في خليقونية سنة 451م. ولبى دعوة الامبراطور خمسمئة أسقف (وقيل أن العدد كان أكبر من ذلك إذا حسبنا بعض الشيوخ والشمامسة الذين انضموا إليه)، وانعقد المجمع في خلقيدونية. وكان مندوبو البابا ليون الكبير (441-461م) في طريقهم إلى المجمع حاملين معهم "الرسالة" (المعروفة باسم طومس) التي حررها البابا.

هذه الرسالة تلخص التفكير اللاهوتي الغربي (الذي كان يتفق مع تفكير القسطنطينية وإنطاكية أصلاً) وقد صيغ باللغة اللاتينية. وخلاصة ما فيها أن المسيح شخص (أو أقنوم) واحد له طبيعتان. ويبدو أن اللغة اللاتينية كانت أوضح وأصفى من اللغة اليونانية التي بلبلتها الفلسفة كثيراً، وزاد في بلبلتها، بالنسبة للاهوت، النقلة التي أضرت بها بسبب التطور الفكري العقائدي المسيحي.

على كل، كانت الرسالة واضحة وهي تتفق مع وجهة نظر القائلين بالطبيعتين في المسيح. وقد يكون هناك خلاف في أسلوب التعبير.

كان القصد الأصلي من مجمع خلقيدونية تصحيح الأخطاء التي آل إليها مجمع اللصوص (449م) كما سمي. فتقرر خلع ديرسقوروس من منصبه، وطلب من رجال الدين الانطاكيين أن يدينوا نسطوريوس.

على أن مندوبي الامبراطور ألحوا على المجمع بوجوب وضع وثيقة عقائدية واحدة، سواء قبل المجمع فكرة الطبيعة الواحدة أو رأي الطبيعتين بالنسبة للمسيح. واستجابة لهذا الالحاح وضع المجمع، على يد لجنة مثلت جميع الآراء، مشروع اعتراف موحّد.

فالذي حدث بعد ذلك هو ما عرف بالانشقاق الخلقيدوني. يمكن تلخيصه بثورة قام بها الرهبان الآراميون-السريان (السوريون) المترهبون في فلسطين. وقد رافقها شغب كبير احتاج إلى الاستعانة بالجند لوضع حد له. وقامت في الاسكندرية حركات دينية وطنية وأخذت كنيستها بقاعدة الطبيعة الواحدة. ولم تكن الاسكندرية أو بيت المقدس (وجنوب فلسطين) الوحيدتين في ذلك.

وقد تأنى الأباطرة البيزنطيون في فرض رأيهم هذه المرة، إذ تركوا الأمور تستقر بشكل من الأشكال. ومع ذلك فإن زينون (476-491م) نشر وثيقة سماها أونوطيقون، وذلك سنة 482م، وهي التي يمكن أن تسمى "وثيقة الوحدة". كانت الوثيقة معتدلة وصحيحة ولم تشر إلى التطرف قط. ويبدو أنها قبلت لأن المسؤولين من رجال الدين، أو البعض على الأقل، تعبوا من الجدل والمناقشة والخلافات.

وقد وضع حداً لهذه الفترة من السلام تدخل بابا رومة فيلكس الثالث (483-492م)، الذي قطع (أي حرم) أكاسيوس بطريرك القسطنطينية، لأنه تجنب استعمال الحدود الخلقيدونية. فشجع هذا جميع خصوم الوثيقة ومؤيديها على التخلي عنها. وهذا الذي كان يحدث دوماً. فإذا تقدم المعتدلون في القسطنطينية بقبول آراء الطبيعة الواحدة تصدت روما لهم وحرمتهم، فإذا تصالحوا مع الغرب قامت قيامة الاسكندرية ومن ورائها مصر بكاملها.

على أن الأمر لم ينته بالمسيحية عند هذه النقطة أو القضية. فلا المشكلة حلت ولا الخلافات توقفت. فبعد نحو قرنين قامت حرب الإيقونات. ثم نما وتزايد الخلاف بين دور الرئيس الديني في تفسير العهد الجديد؛ إذ أن الكنيسة الغربية الكاثوليكية انتهى بها الأمر إلى أن أصبح البابا هو المصدر الوحيد لتفسير القضايا المسيحية، والعقائدية خاصة.

ولما قام رجال الإصلاح الديني في أوروبا في القرن السادس عشر ورأوا أن يعاد النظر في الشؤون المسيحية، لم يقتصر الأمر على الخلاف حول الشكليات والإدارة، بل تناول جميع القضايا وأهمها حق تفسير الكتاب المقدس وأصول القواعد اللاهوتية.

لا يزال رجال الدين المسيحيون، على اختلاف مللهم ونحلهم، يختلفون على أمور كثيرة. وهذا أمر قد لا يكون كله شراً على المسيحية. فالتحاك الفكري أمر فكري مهم في الحياة الفكرية والروحية والاجتماعية لكل جماعة.

**

بندر شاه
17-01-2006, 06:44 AM
*
مدخل إلى الهندوسيّة

الهندوسيّة ليست ديانة موحّدة، بل هي مصطلحٌ جماعيّ لتيّارات دينيّة ومذاهب ومناهج وطرق خلاص مختلفة نشأت على مرّ الزمن ونمت في الهند. أهمّ مراحل تطوّر الهندوسيّة هي التاليّة:

الفيديّة هي الشكل القديم للهندوسيّة، وقد دخلت إلى الهند مع الآريّين حوالى سنة 1500 قبل المسيح. إنّ كتب الآريّين المقدّسة تدعى فيدا (المعرفة المقدّسة). وهي تتضمّن أناشيد للآلهة ونصوصًا لتقديم الذبائح، تعرّفنا عالم الثقافة، والتصوّرات عن الله، وصورة الإنسان وأشكال العبادة في زمن الفيدا.

عندما قامت أشكال مختلفة في طلب الخلاص وفي المجتمع الفيديّ وأصبح ما يقابلها من ممارسات العبادة أكثر تعقيدًا، تكوّنت طبقةٌ من خدّام العبادة المؤهَّلين تأهيلاً خاصًّا، كان شغلها الشاغل البحث عن علاقات الآلهة بظواهر الطبيعة وبأحداث الحياة البشريّة وبتكوين ممارسات العبادة الفعّالة المؤاتية وتفسيرها وتأسيسها نظريًّا. هؤلاء الكهنة الخبراء بالدين يُدعَون براهمة. ولذلك دُعيت تلك الحقبة التي تأثّرت بهم البراهمانيّة. مقابل هذا التركيز الشديد على الطقوس الدينيّة، ظهرت ردّات فعل من قِبَل طبقات صغيرة منغلقة راحت تبحث عن خلاصها في التأمّل والتنظير بدلاً من العبادة والطقوس. وقد رسا تعليمها السرّي في الأوبانيشادات القديمة.

المرحلة الثالثة شهدت تكوين الهندوسيّة. فنمت المناهج الفلسفيّة وطرق الخلاص الدينيّة المتنوّعة. ونشأت فرق قويّة حول آلهة خاصّة اكتسبت أهميّة كبرى وأزالت الآلهة الكثيرة الأخرى، مثل فيشنو وشيفا. كلّ هذه التيّارات الدينيّة والفرق والمناهج الفلسفيّة لا تزال إلى اليوم تسِم وجهَ أديان الهند.

أوّلاً: آلهة الهندوسيّة
إنّ الهندوسيّين، في مرحلة أولى من تطوّرهم الدينيّ، اختبروا الألوهة في أشكال ظهورها في الطبيعة، سواء ارتبطت أشكال الظهور هذه بالأرض أو بالسماء، بالنباتات أو بالحيوانات، بالإنسان نفسه أو أخيرًا بقوى مجرَّدة. هذه القوى عُدَّت قوى عُليا. وكان عملُها في معظم الأحيان مغلَّفًا بالأسرار، وردّاتُ فعلها خاضعة للنـزوات. ولكنّ الأساطير الهنديّة قد ذكرت آلهة الفيديّة، ووصفت أعمالهم الخارقة ومغامراتهم، وعرضت علاقاتهم بعضهم ببعض وبعالَم البشر.

1. آلهة الحقبة القديمة
1-1. إندرا
إندرا هو الإله القويّ الأعظم، يجسّد القدرة الخالقة، التي نظّمت العالم، وخلقت شروطَ الحياة. وهو يتغلّب بقدرته على كلّ الشياطين، وقوى الخواء والفوضى التي تقاوم نشأةَ عالَم منظَّم، وتعرّض للخطر باستمرار هذا النظام الكونيّ. وهو بنوع خاصّ يتسلّط على المطر والماء فيعزّز الحياةَ على الأرض. وهو إلهُ الحروب الوطنيّة، والمعين في الضيقات، يحمي الآلهة والبشر، ويمنح أتباعَه الأمان. إندرا هو إله النصر. ومن ثَمَّ فإنّ إندرا هو ملك البشر وصديقهم. وتدعوه نصوص العبادات "الأخ"، الذي يقبل الصلوات والقرابين، وهو قريبٌ من المصلّين.
1-2. رودرا
إذا كان إندرا هو الإله الصديق والصالح، فإنّ رودرا يمثّل الجانب الآخر من الألوهة، جانب الهول والقلق. لونُه الأحمر يذكّر بأنّه ينشر حوله الرعب. وغضبه يعبّر عنه أيضًا كونُه يقتل الناس بقوسه. فهو إذن سيّد الموت. إنّه يرسل المرضى والموت. ولكن بصفته سيّد الموت، فهو يحمي أيضًا من الموت، ومن ثَمَّ يُعَدّ طبيبًا وشافيًا.
1-3. أغني
أغني هو إله النار. نوره يتغلّب على الظلمة، وعلمه يحيط بكلّ أسرار العالَم والبشر. لمعانُه يُلهِم الرؤاة وينشّط النسّاك. هو الصدّيق الذي يحمي الناس من القوى الشريرة، ويقودهم إلى الطريق القويم ويمنحهم العونَ والسعادة. هو نار القرابين، يرافق الناس في المنـزل والعائلة، ويقوم بدور الوسيط بين مقدّمي القرابين والآلهة.

2. آلهة الهندوسيّة
في حقبة الهندوسيّة التي بدأت في القرن الرابع قبل المسيح، راح آلهة الفيديّة يفقدون أكثر فأكثر أهمّيتهم. واتّخذوا ملامحَ إنسانيّة مع كلّ ما يتضمّنه ذلك من فناء وضعف وتقلّص. إنّ تقلّصَ الآلهة الفيديّين قد رافقه ارتقاء لآلهة جدد، تركّز حولهم بوضوح متزايد اهتمام الهندوسيّين الدينيّ. وأهمّ هؤلاء الآلهة هم فيشنو وشيفا وبراهما.

2-1. فيشنو
كان فيشنو في الفيديّة إلهًا لا أهميّة له. أمّا في الهندوسيّة فيقوم بدور الخالق ووظيفة حارس العالَم التي كان يؤدّيها إندرا. على مرّ الزمن صار الإلهَ الأسمى، والسلطان القدير. وعُدَّ الظهورَ الشخصيّ للألوهة غير الشخصيّة، التي هي الأصل والكيان الأخير لكلّ الأفراد من الناس والأشياء. وقد صار فيشنو في تيّار الفيشنويّة الدينيّ محورَ عبادة متّسعة وتعليم عن الله متفرّع، نقتصر منه هنا على نقطتين.

2-1-1. التماهي بين فيشنو وكريشنا
يُعتبر كريشنا بطلاً أفضل أبعاد الحياة. وقد نقلت عنه البهاغافاد – جيتا الشهيرة (وهو جزء من ملحمة الشعب الهندوسيّة) تعليمًا عن الله يمكن إيجاز مضمونه على النحو التالي: الله هو مصدرُ كلّ الكائنات، وأساسُ كلّ الأشياء وحقيقتُها الباطنة. الله هو السيّد، وهو أوّلاً صديقُ البشر وهو في النهاية أيضًا غايتُهم. وهو يمنح الأمانَ والتحرّرَ والخلاص للذين يلتفتون إليه ويتمسّكون به.

وكريشنا نفسه، بصفة كونه إلهًا، عدَّه الهندوسيّون أيضًا الإله العطوف الذي يمنح الطمأنينة والحماية. ولذلك فهو إلى الآن محورُ كلّ اتجاه دينيّ يرتكز على المحبّة والعاطفة. وبالتالي فقد تجمّعت حول شخص كريشنا طائفة من الروايات الميثولوجيّة والحكايات التنظيريّة. وصار محورَ الإكرام والعبادة بالنسبة إلى شعب الرعاة وإلى أتباعه في الزمن اللاحق. وتنوّه الأسطورة بوجه خاصّ بما قام به كريشنا من ألعاب غراميّة واختبارات غراميّة مع الفتيات الراعيات. فقد صارت ألعاب العشق هذه صورة للبحث الصوفيّ عن الله، وصارت الاختبارات الغراميّة هدفًا لأتباع كريشنا. تتعلّق بهذه التصوّرات الأسطوريّة التنظيرات التي تعدُّ كريشنا تجسيدَ محبّة الله والطمانة الأكيدة للرضى الإلهيّ.

2-1-2. تجسّدات فيشنو
تعني ظهورات فيشنو أنّ الله يعمل بصلاحه لخير الإنسان ويتبيّن كمخلّص للعالَم والبشر، وهي تحدث باستمرار عندما يقع العالم والناس في حالة خطرة. ويبلغ عددها العشرة.

في العصر الذهبيّ لدورة العالم ظهر فيشنو كسمكة، لينقذَ الإنسان الأوّل من الطوفان ويرفعَ كتبَ فيدا المقدّسة من قعر البحر. ثمّ ظهر كسلحفاة ليعمل كسند لدى تحويل مياه البحر إلى زبدة، ويساعد بذلك الآلهة والشياطين للوصول إلى رتبة عدم الموت وإلى مختلف القيم. ثمّ ظهر فيشنو كخنـزير برّيّ ليُصعِد الأرضَ الغارقةَ في البحر. وأخيرًا اتّخذ شكلَ إنسان – أسد ليحرّرَ العالم من شيطان لم يتمّ التغلّب عليه إلى الآن.
بحسب هذا الدور الكونيّ ظهر فيشنو في حقبة العالم الثانية كوسيط في الخلق، فظهر أوّلاً كقزم لم يلبث أن تحوّل إلى جبّار يقيس بخطاه الواسعة الضخمة الكونَ كلّه ويُخضعه لسلطته. ثمّ عمل على إحلال النظام في المجتمع بشكل "راما" و"راما – شاندرا".

في نهاية حقبة العالَم الثالثة، التي تمثّل أعمقَ نقطة في الانحطاط، ظهر فيشنو في شكل بوذا. وفي نهاية الدورة الكاملة سيظهر في شكل المخلّص كالكي، ليكافئ الصدّيقين ويعاقبَ الأشرار ويُطلق دائرة جديدة من حقبات العالَم.

2 – 2. شيفا
- شيفا إله الموت والحياة: شيفا هو إلهٌ يثير في الناس الخوفَ والقلق. إنّه إله الموت والمرض والضيق. وهو يرسل في غضبه العاصفة والإبادة. وبصفة كونه إلهَ الموت، فهو أيضًا إله الماضي، وفي ما بعد صار متماهيًا مع الزمن (كالا). وتمّ تصويره إلهًا راقصًا، يرمز في رقصه الكونيّ إلى ماضي الكون، ويحدّد زوالَ العالم وصيرورةَ مسارات الطبيعة.

كما أنّ شيفا يستطيع أن يجلبَ الدمارَ والموت، فهو يستطيع أيضًا أن يصونَ منها، فيكون عنوان الحياة. ولذلك فهو يتمتّع بقدرة هائلة على الإنجاب، ورمزه هو القضيب الذكريّ (حجر لينغا). ويُصوَّر في رفقة ثور يرمز إلى القدرة على الإخصاب.

- شيفا الناسك: إنّ شيفا سيّدُ الغابات والعزلة، فهو معلّم الزهّاد المتجوّلين وصورة كلّ زهد ونسك. وهو نفسه الناسك الأكبر.

- شيفا الإله المتعالي على العالَم: على مرّ الزمن نُسِبت إلى شيفا بوضوح متزايد صفات تتجاوز هذا العالَم. فصار شيفا سيّد الكون المطلق المختصّ بخلق العالَم والحفاظ عليه وتدميره. ويفعل هذا في حركة منتظمة تعود باستمرار، وبها ترتبط أيضًا دورة الزمن. في هذا الدور الكونيّ يُصوَّر شيفا بثلاثة رؤوس أو ثلاث أعين (الخالق أو الحكمة، والمدمّر، والمحسن).

لقد تكوّنت حول شيفا حركة دينيّة، يقوم أيضًا في وسطها، إلى جانب طقوس فظّة، البحث النظريّ عن العلاقات بين الله ونظام العالَم. وفضلاً عن ذلك فقد نشأ، في العلاقة بالشيفاويّة، مذهبٌ يعترف بدور حاسم للمبدإ الأنثويّ في الألوهة. فزوجةُ شيفا هي رفيقتُه (شاكتي) التي هي تشخيص طاقته وقدرته. كما أنّ الإله نفسَه له أشكال أو أوجه متنوّعة، فزوجته تكون تارةً أليفة (شكل الأوما)، وتارة مدمّرة (شكل كالي، السوداء)، وتارةً متعالية على العالَم (شكل بارفاتي أو دورغا).

2 – 3. براهما
براهما ليس إله الجماهير الواسعة بقدر ما هو إله المثقّفين العاكفين على التنظيرات. صفاته تقوم في العلاقة بالخلق ونظام العالَم. إنّه سيّد الكون، وهو يراقب النظام العالَمي ويظهر كديّان.

على مرّ الزمن فقدَ براهما أكثر فأكثر أهميّته العمليّة. وتخلّى عن مكانته كإله أسمى لصالح آلهة أخرى. وفي ملحمة الشعب يظهر في مرتبة أدنى من مرتبة فيشنو. وإنّ نصوصًا لاحقة تجعله، بأمر من فيشنو أو شيفا، يبدأ كلّ مرّة دورة حقبات الزمن، ويستعيد نشاطَه كخالق.

وإنّ براهما، بصفة كونه إله الحكماء، يُعدّ الكارز بالمعرفة المقدّسة، الفيدا.

2 – 4. الله سيّد العالم
نتيجة مسيرة الهندوسيّة في توحيد عالَم الآلهة هي بروز إلـهَي الهندوسيّة الحديثة العظيمَين، فيشنو وشيفا. فهذان يعدّهما أتباعهما الإله الأسمى والأوحد، الذي يوحّد في ذاته جميع الصّفات الإلهيّة. ففي اعتقاد الفيشنويّين تقيم كلّ الألوهة في فيشنو، وكلّ الآلهة الأخرى ليست سوى وجوه من كيانه ولا تمثّل إلاّ وظائفه المتنوّعة. لا وجود لأيّ إله آخر إلى جانبه. لا شكّ أنّ النـزعة إلى التوحيد هي شبيهة عند الشيفاويّين. ومع ذلك فحصريّة إيمانهم بالله الواحد تبدو أقلّ شدّة. ويصف أتباع فيشنو وشيفا كلاًّ منهما بأنّه سيّد العالم (إشفارا).

وأهمّ صفاته ما يلي:
- سيّد العالم هو أيضًا سيّد الآلهة والبشر، كما أنّه سيّد الكون كلّه. وبذلك يظهر متفوّقًا على جميع الكائنات.
- سيّد العالم هو جوهر وحدة الكون. في شخصه تتوحّد جميع ظواهر العالم، إذ إنّه يمنحها جميعًا وحدةَ كيان أرفع في كيانه الخاصّ. وكذلك يتوحّد فيه نظام العالَم مع تنوّعه والقواعد الأخلاقيّة في تطبيقاتها المختلفة.
- سيّد العالم يشمل كلّ شيء بعلمه غير المحدود. فقد خلق العالَم بقدرته ووضع للكون نظامَه الثابت. وفي عنايته يهتمّ باستمرار خليقته. وهو من ثَمَّ يقوم في دائرة كيان تعلو على العالم، بمعنى أنّه لا يخضع لأيّ حدّ، وبنوع خاصّ لا يتعرّض للفناء.
- هذا يدلّ على تساميه. ولا يمكن إدراكه و وصفه في تساميه الخاصّ. فهو يقوم فوق المصطلحات والصفات كالكيان أو عدم الكيان. لا يمكن تحديده ولا قياسه، ولا حصره وبالتالي لا يمكن التعبير عنه. ولذلك يُدعى إله الآلهة.
- وإن كان هو نفسه لا يخضع لأيّ تغيير، فهو مع ذلك مصدر العالم المتغيّر. إنّه غير محدود، غير أنّه سيّد كلّ الكائنات المحدودة. إنّه مولود، إلاّ أنّ كلّ الكائنات وكلّ الأشكال التي تظهر فيها الحياة في العالم تولد منه. وفي نهاية الأمر فهو وحده يكوّن جوهرَ كلّ الكائنات.
- ومن ثَمَّ فسيّد العالَم هو كلّ شيء في الكلّ. إنّه نور الأجساد السماويّة، والطاقة والحياة في الكائنات الحيّة، والقدرة الباطنة الناشطة في النسّاك. إنّه أيضًا القاعدة العليا، والمرجع الأخلاقيّ الكامل، والديّان العادل.
- ويستطيع الإنسان أن يختبرَه في الاستسلام المحبّ (بهاكتي). فالإله المتسامي يظهر من ثَمَّ إلهًا قريبًا وصديقًا للإنسان، يفسح له في المجال ليصلَ إليه، وهو مستعدّ لإقامة علاقات صداقة ومحبّة مع البشر. من يستسلم للمحبّة يستطيع وحده أن يختبرَه في نقاوته الأخلاقيّة، وفي كماله، وفي مجده وبهائه، وفي نعمته ومحبّته المرهَفة.

3. الألوهة غير الشخصيّة (براهمن)
براهمن هو الألوهة المطلقة، الحقيقة المتسامية، والكائن الأعلى. وهو أيضًا خلاصة الكون. ولأنّ براهمن هو جوهر الألوهة، فهو يمتلك كلّ الصفات التي تعود لسيّد العالم، باستثناء تلك التي تُظهر في سيّد العالَم طابعًا شخصيًّا أو تفترضه، لأنّ براهمن هو الألوهة غير الشخصيّة.
3 – 1. صفات براهمن
- فبراهمن هو الأزليّ، المطلَق، والمتسامي الذي يستحيل التعبير عنه، لأنّه لا يمكن أن يُحدَّدَ بصفات أو مصطلحات. ولا يمكن الوصول إليه إلاّ بممارسة التأمّل والاستغراق.
- وبراهمن هو المصدر الأخير لكلّ الأشياء وكلّ الكائنات. وبما أنّه يُعتَبَر غيرَ شخصيّ، فإنّ نشأةَ العالَم لم تكن نتيجة عمل إرادة خلاّق منه، بل كانت بالحريّ عملاً آليًّا، وتدفّقًا مستمرًّا من كيانه نحو الخارج. ومن ثَمَّ فبراهمن هو جوهرُ كلّ الأشياء والكائنات الحيّة. إنّه يلج في داخلها كلّها، ويحرّكها ويحييها. وهو يُشبِه "الآتمان"، الأصلَ العميقَ لكلّ شيء ولكلّ إنسان. براهمن وآتمان لا يمكن الوصول إليهما بالتفكير المنطقيّ، بل فقط بالتأمّل العميق، بالغوص والمعرفة الحدسيّة.
- والبراهمن الذي من كيانه يخرج كلّ شيء، وهو الجوهر الأصليّ لكلّ الأشياء، هو أيضًا غايةُ كلّ الكائنات. وبما أنّه غير شخصيّ، فلا يُعَدّ حارسَ القيَم الأخلاقيّة والمرجعَ للتمييز بين الخير والشرّ. وليس هو موضوع العبادة والصلاة والإكرام الإنسانيّ. إنّه غاية البحث الروحاني، وموضوع المعرفة الحدسيّة والنقطة القصوى للاتّحاد الروحانيّ.

3 – 2. العلاقات بين براهمن وسيّد العالم
- براهمن، بالنسبة إلى أحد مذاهب الهندوسيّة، هو المتسامي الذي لا يمكن تجاوزه. هذا يعني أنّ الآلهةَ الشخصيّين وأسياد العالم الشخصيّين لا يُعدّون سوى أشكال شخصيّة لبراهمن. إنّهم دفقٌ من كيانه، وهم بذلك أشكال كيان منحطّة من تساميه الإلهيّ. فيهم ترتبط الألوهة المطلقة بالكون وبعالَم الإنسان. فهم درجة متوسّطة بين براهمن والعالم، الذي به يرتبطون وبالتالي يُحدِّدون. صحيح أنّ لهم قسط من التسامي، ولكنّ هذا التسامي هو نسبيّ. إنّ لهم حقيقة خاصّة، ولكنّها تُصلح فقط بالنسبة إلى الكون والبشر، لا بالنسبة إلى براهمن، المتسامي المطلق، الواحد الأصليّ، الذي هم أشكالُ ظهوره.
- براهمن نفسه هو على قدر كبير من التسامي وهو في ذاته الحقيقة الكاملة بحيث لا يقبل أن يكون ثَمَّةَ حقيقة أخرى (مطلقة) خارجًا عنه. براهمن، هذه الألوهة غير الشخصيّة، هو الألوهة الحقيقيّة. هو وحده الواحد المطلق، الذي لا صفة له، الذي لا يمكن تحديده، الذي يتجاوز كلّ كثرة وكلّ ثنائيّة.
إنّ يستحيل تصوّره أو التعبير عنه، إنّه المتعالي المطلق عن هذا الدهر، والسرّ الذي يفوق كلّ واقع في هذا العالم، وهو محتجبٌ فوق العالم والإنسان والألوهة.
براهمن ذلك المتسامي المطلق، هو، من خلال انبثاقاته، حاضرٌ في كلّ الكائنات بحيث لا يحصل أيّ منها على حقيقته إلاّ من خلال حقيقته. الأشياء والكائنات ليست لها حقيقة خاصّة بها. فهي تصدر عنه وتقيم فيه: هذه هي وحدة الوجود التامّة (الألوهة في الوجود كلّه). والأمر هو على هذا النحو بحيث إنّ براهمن هو وحده الموجود، وهو موجود في كلّ الكائنات: وهذا يعني أنّ الله وحده هو كلّ شيء.

-+-
تابع أدناه
**

بندر شاه
17-01-2006, 06:51 AM
*
الهندوسيه ( 2 )


ثانيًا: طرق الخلاص
إنّ تعاليم الخلاص المتنوّعة في الهندوسيّة وما تنطوي عليه من تصوّرات للخلاص ولطرق الخلاص لا تدّعي أيّة صلاحيّة عامّة لكلّ طبقات السكّان ولا للبشريّة كلّها. إنّ صلاحيّتها تقتصر على أتباعها من السكّان، وتعتنقها وتتبعها الفرَق المختلفة جنبًا إلى جنب.

1. طرق العبادة
1-1. أهداف العبادة
إنّ مطالب الخلاص الواقعيّة التي يسعى الهندوسيّ إلى تلبيتها من خلال هذه العبادة هي متنوّعة. منها النجاح والفلاح، وهذا يعني صدّ كلّ ما هو مضرّ وسلبيّ، والحماية من تأثيرات الكوارث الطبيعيّة والظواهر السماويّة غير العاديّة، والحماية من الأمراض والأوبئة، ومن الأعداء والخصوم والمناوئين. ويسعى الهندوسيّ، من خلال العبادة إلى الحصول على الصحّة والقوّة والعمر المديد والسعادة في الأسرة والجاه وازدياد الممتلكات والنفوذ في الجماعة، والأمان والوفاق والسلام، أو حتّى على الانتصار في المجتمع وفي العلاقات بسائر الشعوب. يُضاف إلى ذلك تأمين مسرى للنظام الكونيّ معتَق من البلبلة ودورة مؤاتية لأوقات السنة.
إلى جانب هذه الرغبات التي تُعرَض في ممارسات العبادة اليوميّة أو في الطقوس التي يُحتفل بها في مناسبات خاصّة، تحتوي الهندوسيّة على طقوس ترافق مراحلَ حياة الإنسان، ولذلك تدعى "أسرارًا". تحدّد هذه الطقوس بنوع خاصّ أوقات الأزمات في حياة الإنسان، أعني الأوقات التي تنتقل فيها الحياة من مرحلة إلى أخرى والتي لأجل ذلك تُعَدّ مليئة بالأخطار بالنسبة إلى مصير الفرد. ومن ثَمَّ لا بدّ من تأمين كلّ انتقال ليستطيع أن يكونَ ضمانةَ بركة وسعادة للمرحلة اللاحقة. الأسرار تحيط بظروف الحياة المرتبطة بحبَل المرأة وولادتها وقيامها. كما تحيط بزمن المراهقة والتنشئة، أي بتجاوز سنّ الطفولة والدخول في سنّ الرشد. وتتعلّق بنوع خاصّ باحتفالات الزواج وبتأسيس أسرة جديدة. وترافق أخيرًا الميتَ في مرحلة حياته القادمة في دورة الولادات المتجدّدة. إنّ أقصى رجاء الهندوسيّين يتركّز على التوقّف عن هذه الدورة وبلوغ الاستقرار في السماء.

1 – 2. فعاليّة شعائر العبادة
أمّا عن فعّاليّة هذه الطقوس وعن دور الآلهة والناس في تحقيق الرغبات المقصودة في العبادة، فقد نشأ في الهندوسيّة تصوّر متعدّد الجنبات.
- فحيث يُقبَل اختصاص مختلف الآلهة والقوى بالنسبة إلى سير العالَم، يسود الرأي بأنّ فعّاليّةَ العبادة والطقوس متعلّقة بنجاح الناس في نيل رضى هذه القوى. ولكن ثَمَّة أيضًا التصوّر بأنّ الكونَ كلَّه ليس سوى تحقيق وانتشار لمبدإ قديم لا يخلق أجزاءَ العالَم بل يُخرِجها من ذاته، ويُخرج إلى الوجود الشكلَ الواقعيّ للكون من خلال انبثاقٍ من ذاته الباطنة.
- ويرتبط بهذه العقيدة التصوّر الذي يرى أنّ مصدرَ الأشياء والكون كلّه هو ذبيحة، ذبيحة كائن قديم، وتجزئته لتكوين العالَم وتجهيزه. الآلهة أيضًا ليست سوى أشكال يظهر فيها هذا الكائن الواحد القديم. وهي لا تؤدّي بالتحديد أيّ دور حاسم في سير العالَم، فالفعّاليّة كلّها تنشأ من الذبيحة عينها. صحيحٌ أنّ الذبيحةَ تتوجّه إلى الآلهة، ولكن هؤلاء فضلاً عن هذا الدور ليس لهم أيّة قدرة على تلبية طلبات الناس. فهم أنفسهم يقدّمون الذبيحة ليحصلوا لذواتهم على القدرة والخلود. وبما أنّ فعّاليّةَ الذبيحة كامنةٌ في ذاتها، فلئلاّ تفقدَ الذبيحةُ فعلَها، أُثبِتت كلّ حركة بوجه محكَم، ونُقِلت كلّ كلمة في صيغة دقيقة جدًّا. والاتّباع المتقَن لمختلف الأحكام هو شرطٌ لا غنى عنه لنجاح الذبيحة. فالآلهة يُستدعَون والناس يقدّمون الذبيحة، ولكنّ الذبيحةَ نفسَها هي التي تُتمّ حتمًا فعلَها بفضل قوّتها الذاتيّة. ومن أجل اتّباع كلّ الطقوس بدون عائق، أُقيم كهنةٌ اختصاصيّون في أمور العبادة. وبذلك اكتسبت خدمة البراهمة أهميّة كبرى في الحياة الدينيّة.

1 – 3. نظام الميمانسا
إنّ هذه النظريّة في العبادة وفي مفهوم الذبيحة التي تعود إلى عصر البراهمة استمرّت في نظام الميمانسا الكلاسيكيّ. الهندوسيّة الكلاسيكيّة عرفت ستّة أنظمة رئيسيّة، فيها وجدت التنظيرات الفلسفيّة والعقائد وتصوّرات الخلاص في المدارس الدينيّة تعبيرَها، وتدعى دَرْشانا، أي آراء ونظرات وطرائق تقود إلى معرفة الواقع وإلى الحصول على الخلاص.

إنّ نظام الميمانسا هو أحد هذه الدَرْشانا. ومحور نظرته إلى الواقع هو كلمة الفيدا المقدّسة التي عليها ترتكز أهمية العبادة. فكلمة الفيدا هي أزليّة وتملك سلطتها المطلقة. كلمة الفيدا تخلق الواقع الذي تعبّر عنه. وبالتالي فكلمة الفيدا تضمن أيضًا فعاليّة الذبيحة.
الذبيحة والطقس لا يضمنان في طرق الخلاص الموصوف هنا رغائبَ الإنسان في هذا الدهر فحسب. فالهدف الأقصى يقود إلى ما وراء الأرضيّات، ويشير إلى التمتّع والفرح في سعادة السماء. ولا يستطيع الإنسان بلوغَ هذه السعادة إلاّ إذا تخلّص من وجوب الولادة مرّة أخرى في وجودٍ جديد مليء بالألم. وطريق التخلّص من دائرة الولادات المتجدّدة يبقى مرتبطًا بتتميم القواعد الفيديّة.

2. طريق الأعمال الصالحة
2-1. قانون الأخلاق
إنّ قانون الأخلاق يضمن الانسجام بين الكون وعالَم الإنسان. إنّه الطريق التي يجب اتّباعُها، لكي تبقى الحياة خالية من الاضطرابات ولكي يُتاحَ تعزيزها. من خلال قانون الأخلاق يعرف الهندوسيّ ما يتوجّب عليه أن يفعلَه ويجتنبَه، ويفكّر فيه ويقولَه، فهذا القانون هو قاعدة الخير. بتتميمه يبلغ الهندوسيّ إلى هويّته الخاصّة في الانسجام مع هويّة الآخرين، هويّة الجماعة وهويّة الكون كلّه.
الإرشادات الأخلاقيّة الواقعيّة تهدف إلى تحقيق الخير من قِبَل الناس في الفكر والقول والفعل. وهي تتعلّق بواجبات كلّ واحد. وتُبَلَّغ القواعد الأخلاقيّة بنوع خاصّ من خلال الطبقات التي يتكوّن منها المجتمع الهنديّ.

-1-1. نظام الطبقات
إنّ نشأةَ الطبقات مرتبطةٌ بعوامل متعدّدة، نذكر منها ما يلي:
- عوامل ونشاطات مهنيّة وسياسيّة واقتصاديّة.
- انضمام أناس من مصادر مختلفة إلى فئة جديدة، سواء أكانت هذه الفئة مذهبًا جديدًا أم مهنةً جديدة.
- اهتمام الأفراد بالحفاظ على هويّتهم، وإيمانهم، وعوائدهم، وأعرافهم، وطقوسهم، وتقاليدهم الخاصّة.
- احترام أحكام المحرَّمات، ولا سيّما في ما يختصّ بمحرَّمات الطعام ومحرّمات الزواج.
- ويرتبط بهذا ما ينتج من عقيدة قانون مجازاة الأعمال وتصوّرات الطهارة وطقوس التطهير، وكذلك الآراء السحريّة في ما يتعلّق بممارسة بعض المهن.
- اجتهاد بعض الفئات، ولا سيّما الطبقات العليا، بتوثيق تفوّقها وإثباته.
فضلاً عن ذلك فقد عرفت الكتب المقدَّسة في الهندوسيّة أساسًا دينيًّا صرفًا لكيان الطبقات. فكيان الطبقات بحسب هذه الكتب هو نظامٌ اجتماعيّ لم يضعه البشر، بل حدّده الله نفسه. وعليه فإنّ ريغ- فيدا (12، 10: 90) مثلاً يذكر أنّ الخالق بوروشا قد كوّن الطبقات الأربع الرئيسيّة من أجزاء جسده الكونيّ: فمن فمه كوّن البراهمة، ومن يديه المحاربين، ومن فخذيه المزارعين والحرفيّين والتجّار، وأخيرًا من قدميه كوّن طبقةَ الخدّام. بناءً على هذا الأساس الدينيّ اكتسب كيان الطبقات في الهند تبريرًا وتثبيتًا جعلاه متأصّلاً بشكل راسخ في نظام الهند الاجتماعيّ.

إلى جانب هذه الطبقات ثَمَّة أيضًا في المجتمع الهنديّ الذين لا طبقة لهم، الذين لا يجوز مسّهم. فهؤلاء ليس لهم في المجتمع أيّ وطن، لأنّهم فقدوا الانتماء إلى طبقة، إمّا لأنّهم طُرِدوا منها لارتكابهم آثامًا ثقيلة، وإمّا لأنّهم نتيجة الخطيئة (الزواج المختلط)، وهم بالتالي خطر على النظام الكونيّ والاجتماعيّ. فأعضاء الطبقات الأخرى يتجنّبونهم، وهم يكسبون رزقَهم بالقيام بخدمات تتعلّق خصوصًا بالموت. فهم الجلاّدون، ومغسّلو الجثث، وقابضو الحيوانات، ومقطّعو اللحم، والعمّال في مصانع الجلد إلخ. إنّ المنبوذين والذين لا طبقة لهم، وإن كانوا مطرودين من المجتمع، غير أنّهم، إن مارسوا الزهد في حياتهم، قد يتمتّعون باعتبار كبير.

2-1-2. المسلك الأخلاقيّ
يعرض أدب الهندوسيّة الأخلاقيّ تصنيفًا للخطايا بين كبيرة وصغيرة. فالخطايا الصغيرة لا تكوّن أيّ انتهاك مميت ولا أيّ تهديد جدّي للنظام الكونيّ الاجتماعيّ. ومع ذلك فهي تنجّس فاعلها. فالخطايا الصغيرة هي على سبيل المثال قتل حيوانات، وسرقة كمّيًات ضئيلة إلخ. أكثر خطورةً هي المخالفات والجرائم الثقيلة كالقتل والإجهاض والزنى وسرقة المبالغ الكبيرة، والعلاقات الجنسيّة مع أعضاء من طبقات أدنى. مثل تلك الخطايا يعاقب عليها بشدّة رؤساء الطبقات المتنوّعة، ويمكن أن تصلَ العقوبة إلى الإقصاء من الطبقة، أي حتّى الموت الاجتماعيّ للخاطئ.

إنّ عواقبَ الخطايا يتمّ تداركها من خلال تتميم طقوس تكفير مناسبة. وأهمّ طقوس التكفير تقوم خصوصًا صلوات وذبائح.

2-2. قانون مجازاة الأعمال (قانون الكَرْمان)
بالنسبة إلى عامّة طبقات السكّان لم يكتسب قانون مجازاة الأعمال أهميّة إلاّ في الزمن الفيديّ المتأخّر. وقد ارتبط بعقيدة مجازاة الأعمال الشخصيّة واقعٌ جديد مفاده أنّ الإنسان نفسَه وعملَه الخاصّ قد احتلاّ من الآن فصاعدًا محورَ الاهتمام الدينيّ. فالقول الأساسيّ لقانون الكرمان يُثبِت أنّ أعمالَ الإنسان تحدّد مصيرَه.

كلّ عمل ينجم عنه كَرْمان، أيّ نتيجة يتحمّل تبعتَها، تبقى متعلّقة بالإنسان كمادّة رقيقة، حتّى بعد الموت. ومن ثَمَّ فكلّ وجود جديد هو نتيجة الوجود السابق ومحدَّد به.

وقانون المجازاة هذا يسير بصرف النظر عن تأثير الآلهة. إنّ ضرورتَه الباطنة تجعله نوعًا من عمل آليّ يقحِم الإنسان في دائرة لا نهاية لها من الولادات الجديدة، لا يستطيع أن يتخلّص منها بسهولة. فإذا فكّرنا في مدى الألم الذي يحيط بوجود الإنسان، يمكن أن نفهم أنّ الهندوسيّ يعُدّ بالضبط هذه السلسلة اللامتناهية من الوجودات الأرضيّة شرًّا مطلقًا يجب على الإنسان أن يتخلّص منه.
2-3. الخلاص بالأعمال الصالحة
إنّ الهندوسيّ يرى الخلاص الذي يسعى إليه من خلال الأعمال الصالحة في إنتاج كَرْمان صالح والحصول على المكافأة الصالحة في السماء. ولكن لا يصل إلى السماء إلاّ من جمّع قدْرًا كبيرًا من الكَرْمان الصالح، بحيث لا يعود يخضع لقانون الولادات الجديدة.
ولكي تكونَ الأعمال الصالحة من النوع الذي لا ينجم عنه أيّ كَرْمان يُرغِم على الولادة من جديد، يجب على الإنسان، بحسب تعليم البهاغافاد-جيتا، أن يتصرّف عن واجب، بدون رغبة، ولا هوى، ولا ميل إلى النتائج. على كلّ واحد أن يتقيّد بالدهارما (قانون الواجبات) المختصّ به وبالفضائل العامّة: الثبات، التسامح، ضبط النفس، الأمانة، الإخلاص. مثل هذا التتميم المتجرّد للواجب لا يُنشئ أيّ كَرْمان. هذا التعليم يُزيل التناقضَ بين الحياة العمليّة والزهد المتشدّد… وهو يقدّم لكلّ إنسان من عامّة الشعب ويعمل في المجتمع البشريّ أساسًا للحياة والعمل والنظرة إلى الخلاص.

3. طريق المعرفة الصوفيّة
كردّة فعل على طريق خلاص ممارسات العبادة الطقسيّة وعلى أولويّة الأخلاق وقانون واجبات النظام الاجتماعي، تطوّرت طريق خلاص ترتكز على المعرفة الصوفيّة للوحدة القائمة بين الله والعالَم والإنسان، ووجدت تعبيرَها الفلسفيّ في نظام الفيدانتا.
على مرّ الزمن تكوّنت أيضًا عقيدة مراحل الحياة كمحاولة لإيجاد تسوية بين طرق الخلاص المتنوّعة ووضعها كلّها في علاقة شاملة ودمجها بهذه الطريقة. بحسب هذه العقيدة، يتوجّب على كلّ إنسان من الطبقات الثلاث العليا أن يقطعَ في حياته أربعَ مراحل. هذه المراحل (أَشْرَما) هي: دراسة الفيدا (مدّة 12 سنة)، حالة ربّ البيت (25 سنة)، الزهد الممارَس في وسط العالَم (25 سنة)، الانقطاع التامّ عن العالَم والتجرّد الكامل (باقي الحياة). من يقطع هذه المراحل يحقّق مثالَ الحياة الإنسانيّة بحسب رأي الهندوسيّة.

3 – 1. الزهد
كلّ الكائنات في العالَم معرّضة للفناء وخاضعة لدورة الولادات الجديدة الدائمة. للتخلّص من هذا الوضع المؤلم، يتوجّب على الإنسان أن يتجرّد عن كلّ ما يعرّضه لقانون الفناء والولادة الجديد الصارم. ومن ثمّ ينبغي له أن ينقطع قدْر الإمكان عن كلّ نشاط ويتخلّى عن كلّ ميل إلى العالم وإلى الحياة. ولا يستطيع الزاهد أن يتغلّب على ألَم الوجود الأرضيّ إلاّ إذا عاش بدون رغبات وميول وأهواء ومارسَ اعتدال المزاج. علاوةً على ذلك يستطيع الحصولَ على الحريّة الباطنة والرفيعة التي يسعى إليها من خلال تجرّده.
للوصول إلى هذا اللانشاط والاطمئنان والحريّة، يأوي الزاهد إلى العزلة. وإلى جانب الفضائل المهمّة كاحترام الحياة، والعفّة، والطهارة، والفقر، ومحبّة الحقيقة، يمارس التمارين التي تسهّل له ضبطَ النفس والتجرّد عن العالم.

3-2. الخبرة الصوفيّة
إنّ أساس طريق خلاص المعرفة الصوفيّة نجده في الأوبانيشاد. فكلمة "أوبانيشاد" تعني "التعليم السرّيّ". ومن ثَمّ فالأوبانيشاد هي الكتابات التي تتجمّع فيها نظرات وأفكار معلّمين موهوبين بنوع خاصّ. إنّ فكرَ هؤلاء المعلّمين يدور خصوصًا حول سرّ الكون، وحول ما يقوم وراء تعدّد الظواهر من وحدة عميقة بين كلّ الكائنات: الأشياء والناس والإلهيّات.

3-2-1. وحدة الكيان
ترتكز عقيدة وحدة الكيان الأخيرة على العلاقة بين مصطلحين: الآتمان والبراهمان.
- الآتمان هو الذات، أساس وحدة الإنسان الفرد، هو الفاعل الذي تُنسَب إليه أحداث الحياة كلُّها، سواء جرت في الجسد أو في الروح، والذي مع ذلك يسجّل أحداثَ الحياة هذه من خلال وساطة الوعي. ويتكوّن الإنسان في نهاية الأمر من ثلاث طبقات: الجسد كجزء من العالَم المادّي، والميدان النفسيّ (الأحداث النفسيّة، النفس باعتبارها صاحبة القدرة النفسيّة، وموضع تجميع الكَرْمان)، والآتمان، أي الروح الصرف.
- البراهمان: القطب الثاني للوحدة الشاملة على صعيد الكون، العالَم الكبير، هو البراهمان. البراهمان هو الأزليّ والمطلق والمتسامي. إنّه يستحيل التعبير عنه، لأنّه غير محدود بمصطلحات أو بخواصّ يمكن وصفها. البراهمان هو المصدر الأخير لكلّ الأشياء وكلّ الكائنات. وبما أنّه غير شخصيّ، فإنّ نشأةَ العالَم منه ليست نتيجة عمل إرادة خلاّق، بل فيضٌ دائم من كيانه. البراهمان هو جوهر كلّ الأشياء وكلّ الكائنات الحيّة، التي نشأت كلّها عنه بالانبثاق.
- تنطلق طريق خلاص الأوبانيشادات من أنّ كلّ الكائنات تندرج في وحدة قصوى، وأنّ ذاتَ الإنسان الفرد من جهة والأساسَ الأصليّ لكيان الكون من جهة أخرى، أعني الآتمان والبراهمان، هما متماهيان. ومن ثَمّ يقوم الخلاص على معرفة هذه الوحدة الشاملة، واختبار تماهي الذات مع البراهمان. بيد أنّ هذا الاختبارَ هو حصيلة معرفة حَدْسيّة وليس نتيجة اعتبارات نظريّة أو براهين منطقيّة. وهو يتمّ عندما يعيش المتأمّل، بفضل كشف مفاجئ، امتدادًا لا حدّ له لوعيه، ويصل إلى نوع من رؤية للوحدة الشاملة، إلى معرفة حَدْسيّة بأنّه، وراء أشكال الظواهر وأحداث الحياة كلّها، لا وجود في الواقع إلاّ للإلهيّ، للبراهمان.

3-2-2. حصول الخلاص
هذا الحدْس هو بداية الخلاص النهائيّ. من يريد أن يبلغَ إليه يتوجّب عليه، فضلاً عن الكمال الخلقيّ وضبط النفس والتجرّد عن العالَم، أن يمارسَ التأمّل والتعمّق اللذين يساعدانه في ذلك. ولكن من يختبره بعد جهود متكرّرة لا يعود يُعير أهميّة لطرق الحياة في الوجود الأرضيّ، ولا للارتباطات بالعالم. فإنّ حقيقتَها تضمحلّ، ولا تعود سوى عناصر أو نواحٍ لعالَم ظاهر فارغ.
إنّ طريقَ هذا الحدْس تُفضي إلى الحريّة الباطنة. ويضمحلّ الخوف من شرّ الوجود الأرضيّ المليء بالألم. حتّى قانون الولادة الجديدة يفقد صرامَته. وبذلك يختبر المستغرق في التأمّل السعادةَ في الحياة الأرضيّة، والخلودَ بعد الموت، أي إنّه يتخلّص من دائرة الولادات الجديدة، ويبلغ إلى ميدان كيان الإلهيّ. وميدان كيان الإلهيّ هو إمّا سماء مملوءة غبطة أو العودة إلى الحقيقيّة الوحيدة، إلى الواحد الكلّي غير الشخصيّ، إلى البراهمان. ويتوقّف وجوده ككائن فرديّ، ويفنى نهائيًّا في الإلهيّ.

3-3. نظام الفيدانتا
إنّ نظام الفيدانتا وهو الصيغة الجذريّة للواحديّة، يرتكز على الرأي القائل بأنّ كلّ شيء في العالم ليس سوى مظاهر. فالواقع والحلم لا يختلف في الواقع أحدهما عن الآخر. ولا وجود في الحقيقة إلاّ لله أو للإلهيّ. البراهمان هو على هذا القدْر من التسامي، وهو في ذاته الواقعُ كلّه، بحيث لا يُفسح في المجال لأيّ شيء آخر حقيقيّ خارجًا عنه.

إن معلّم الفيدانتا الأكبر، شانكارا (788 – 820) قد حاول ان يدمجَ التصوّرات المتنوّعة التي تمّ التعبير عنها قبله في نظام جامع، دُعي "الكليّة الإلهيّة التخيليّة".

يعتقد شانكارا بنوع من نظريّة متدرّجة للحقيقة، يقوم بموجبها مستويان من الحقيقة والمعرفة. في الدرجة الدنيا يُفترَض أنّ الأشياء والكائنات في العالَم تملك حقيقةً خاصّة وقوامًا خاصًّا. غير أنّ المعرفة العليا تَعلَم أنّ الذات هي، على مستوى الإنسان، الحقيقة الوحيدة وراء أحداث الحياة. وأنّ العالم المادّي ليس سوى شكل يظهر فيه سيّد العالم. ذات الإنسان نفسها، التي هي جزءٌ مكوّن من هذا العالم، هي فيضٌ من سيّد العالم. ولكنّ سيّد العالم نفسَه ليس سوى انبثاق من البراهمان.
من يصل إلى هذه المعرفة يركّز جهدَه على من هو موجودٌ حقًّا، على الإلهيّ الأصليّ، ليكتشفَ ويجدَ في حقيقة البراهمان هويّته الخاصّة. فلا يبحث بعد عن السعادة السماويّة، يل يسعى للوصول إلى رؤية الحقيقة الوحيدة، إلى رؤية الوحدة الشاملة. بفضل هذه الرؤية، يستطيع أن يفنى في الأساس الأصليّ لكلّ كيان، في البراهمان. وهذا هو الخلاص الكامل.

-+-
تابع أدناه
**

بندر شاه
17-01-2006, 06:56 AM
*
الهندوسيه ( 3 )

4. طريق المعرفة النظريّة
تعتمد هذه الطريق على نظام سانكيا الفلسفيّ الذي يقول بالثنائيّة. ففي رأي طريق الخلاص هذه، يقوم العالم على مبدأين عالميّين: مادّة أولى نشيطة، ومجموعة من انفس غير نشيطة. فمن جوهر المادّة الأولى الأزليّة (أو الطبيعة الأولى)، يصدر العالم المادّي كلّه. وتأتي قوّته من تلك العناصر المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالجسد، كالقوى النفسيّة وأعمال الميدان النفسيّ. وبالتالي فإنّه يجد نوعًا من تجسيد قوّته الأصليّة في مختلف أشكال ظهور الوجود الأرضي. أمّا في ما يتعلّق بالأنفس الفرديّة غير النشيطة، فهي غير مرتبطة بالمادة الأولى ولا هي مرتبطة بعضها ببعض. وهي لا تصدر أيضًا عن روحٍ أولى ولا عن كائن إلهيّ أوّل. فهي في كيانها وعيٌ محض، يُدرك الأحداث في الإنسان وظواهر العالم المحيط به ويسجّلها بدون أن يشاركَ فيه، وبدون أن يتدخّل في أحداث الحياة. مثل هذه الروح ترتبط بجسد كلّما اجتمعت بالانبثاق من المادة الأولى عناصر وأعضاء وقوى، وتكوّن جسدًا يقدر أن ينالَ الروح. والروح، من خلال الارتباط بالجسد، وإنْ لم تشاركْ في أحداث الحياة، تعيش زمنًا من الأسر ووجودًا معرَّضًا لقانون الكَرْمان.

وبما أنّه، إلى جانب مبدأي العالَم هذين، المادّة الأولى والأنفس المنفردة، لا وجود لمبدإ على آخر، لا تتكلّم طريق الخلاص هذه على الله ولا على كائن إلهيّ. فلا حاجة هنا لأيّ براهمان. إنّ نظام العالم الأخلاقيّ وقانون مجازاة الأعمال يُعنَيان بالحفاظ على النظام في العالم. وما تدعوه المدارس الأخرى آلهة ليس سوى أنفس منفردة مخلَّصة قد جمعت كَرْمانًا صالحًا، وهي تستمرّ في الوجود في حالة سليمة مع مزايا خاصّة. وعليها أن تؤدّي دورًا إيجابيًّا في العلاقة بسير العالَم. ولكنّها لا تستطيع أن تقدّم للبشر أيّة مساعدة في سعيهم إلى الخلاص النهائيّ. وبالتالي فالذبائح وممارسات العبادة ليست أيضًا وسائل خلاص، لأنّها تساعد فقط على الحصول على أجر على هذه الأرض أو على مكافأة في سماء الآلهة، لا على التحرّر النهائيّ من الوجود البشريّ والعودة إلى حالة الروح المحض.
هذا الخلاص يمكن الحصول عليه بصورة تدريجيّة. فالإنسان، في أثناء وجوده على الأرض، يتّصف بخصال متنوّعة، إمّا صالحة وإمّا سيّئة: الفضيلة والرذيلة، المعرفة والجهل، التجرّد عن العالَم والتعلّق بالحياة إلخ. ويستطيع الإنسان، من خلال تعزيز خصاله الصالحة، أن يتحرّر تدريجيًّا من قيود الوجود الجسديّ ويبلغَ شيئًا فشيئًا إلى حالة الروح المحض. ويبلغ الدرجات الأولى من خلاصه عندما يكتشف أنّ روحَه لا تتماهى مع جسده، وأنّ ذاتَه لا تتماهى مع أعماله النفسيّة والجسديّة.

5. طريق التسليم المحبّ (البهاكتي)
إنّ انشغال القلب بالله يمكن أن يحدثَ بطرق متنوّعة وبكثافة مختلفة. والأساس المشترك بين كلّ هذه الأشكال هو الإيمان بإله شخصيّ والاعتقاد بأنّ الخلاصَ يتمّ من خلال التسليم لهذا الإله. فالخلاص ليس نتيجة إنجاز إنسانيّ، بل هو نعمة إلهيّة معطاة.

5-1. طريق البهاكتي الاعتياديّة توصي، كشرط للانشغال المثمر بالله، بممارسة الفضائل الأخلاقيّة كالرحمة وعدم العنف والتواضع والبساطة، وبعدم التوقّف عند الاعتبارات النظريّة المحض وعند النقاشات التي لا جدوى فيها. فما يجب أن يكونَ مهمًّا إنّما هو التفكير في الله والانشغال الحصريّ به.

وتفيد في ذلك الوسائل التالية: الحياة في جماعة أناس أتقياء، والإصغاء إلى معلّم عقيدة (غورو)، والحجّ إلى أماكن مقدّسة. وتنطوي على فعّاليّة خاصّة عبادة صورة الله (بوجا). وهي تقوم على معاملة صورة الله كما يعامَل الأمير: فيوقَظ الله بالترانيم والنغمات الموسيقيّة، ويُغسَّل ويُزيَّن بالزهور، ثمّ يعطى طعامًا ويبخَّر. ويمكن أيضًا حمل الصورة ومرافقتها إلى نزهة. في هذه المعاملة لصورة الله يعبّر المؤمن عن عبادته لله ومودّته ومحبّته وتسليمه له، وكذلك عن رغبته في الحياة في الشركة مع الله.

وهنا يملك أهميّة كبرى استدعاء اسم الله والترانيم والرقص إكرامًا لله. إنّ استدعاء اسم الله يُتيح الحياةَ في حضور الله الدائم، وبذلك التأكيدَ المستمرّ للتسليم له والارتباط به. مثل هذه الشركة مع الله هي كليّة القدرة. فهي لا تمنح مغفرةَ الخطايا وحسب، بل أيضًا النجاةَ من الشدّة والضيق. وهي تساعد على تجميع استحقاقات دينيّة كثيرة. وتحقّق خصوصًا الاتّحاد بالله، وهذا ما يعنيه في الواقع الخلاص. من يدعو الله يبلغ إلى السماء ويحصل على الخلاص النهائيّ. وتُستخدم مسبحة بمثابة وسيلة تساعد على هذا الاستدعاء الدائم لاسم الله. وكذلك فإنّ الطلبات التي يتذكّر فيها التقيّ مختلف أسماء الله وصفاته المتعدّدة تساعد على الوصول إلى كيان الله واختباره بصورة أعمق.
يستخدم التقيّ أيضًا الترنيمَ والرقص، حيث يكرَّر اسم الله أو تُرنَّم تراتيل وأناشيد روحيّة عاطفيّة. فالترنيم هو تأكيدٌ للكلام المنطوق به وتقويةٌ له. ومن ثَمَّ فالترنيم الدينيّ، وخصوصًا عندما يسانده الرقص ويكمّله، هو وسيلة فعّالة بنوع خاصّ لمضاعفة المشاعر وتعميق العلاقات العاطفيّة بالله وتكثيفها. إنّ التكرارَ التوقيعيّ للنغم والنصّ، فضلاً عن مغفرة الخطايا وتنقية القلب، يعمل على مضاعفة المشاعر لدى المشاركين في الترنيم والرقص، بحيث يقع البعض في نوع من حالة غيبوبة وحوادث انخطاف.

5-2. الطريق الأكمل، بحسب عقيدة ديانة البهاكتي، هي طريق الحبّ الجارف
من خلال تنمية مشاعر الحبّ والعلاقات العاطفيّة بألوهة شخصيّة، يرجو التقيّ الحصول على الاتّحاد بهذا الإله وعلى السعادة المرتبطة بذلك. العالَم وحياة الناس كلّها يُعدّان تعبيرًا عن عطفه الودود، وشكلاً تظهر فيه مغازلاته مع خليقته. فالله هو قدرة حبّ خلاّقة تبعث في نفس الإنسان كما في جسده رغبة في الحبّ واندفاعًا ونشوة، وتُنشئ بذلك الشرطَ للارتقاء إلى دائرة الكيان الإلهيّة.

في الأوساط التي تتوجّه إلى الإله فيشنو، يُعدّ كريشنا نموذج التقوى، ويُعرَض تصرّفه كمثال لطريق الحبّ الجارف. وتروي الأسطورة حياةَ كريشنا كراعٍ والأعمال العجيبة التي قام بها في صراعه ضدّ الشياطين والقوى الشريرة. وتُكرَّس هنا التفاتة خاصّة إلى المغازلات والاختبارات الغراميّة التي قام بها كرشينا مع الراعيات (غوبّي).

وبما أنّ هذه المغازلات بالضبط تُعَدّ مثالاً للسعي إلى الله، وبما أنّ ما يقابلها من اختبارات غراميّة تُعَدّ هدفًا للأتقياء، يتوجّب على معتنق ديانة البهاكتي أن يسعى إلى أن يتحوّل داخليًّا إلى راعية، أي أن يتماهى تماهيًا شديدًا مع راعية ويتصوّر باستفاضة وبشعور عميق مداعبات كريشنا الغراميّة مع حبيبته هذه، ليتاحَ له أن يعيش هو نفسه ما يماثلها من اختبارات. هذا الانشغال بكريشنا المفعم بالحبّ والمركّز يقود التقي إلى أن لا يفكّر من بعد إلا فيه. الله وحده يملأ قلبَه. وهو وحده يعيش مع حبيبه ويُقدِم على المغازلات الباطنة.
- داخل طريق الحبّ الجارف هذه يمكن التمييز بين اتجاهين. ثمّة أشكالٌ من دين الحبّ غراميّة إلى حدّ كبير ومتّسمة بشهوة عارمة. إلى جانب الاتجاه الشهواني الغراميّ، هناك في ديانة البهاكتي اتجاه الحبّ الصوفيّ الرقيق، الذي يُظهر غنًى كبيرًا في تعابيره وفي اختباراته العميقة.
- سواء اعتنق الإنسان هذا الاتجاه أم ذاك داخل طريق خلاص البهاكتي، فإنّ سعيَه يتركّز على الوصول إلى هدف الخلاص الذي يعطي كلَّ جهوده معناها. فالهدف هو الله نفسه والشركة معه. عندما تضع النفس الإنسانيّة هذا الهدف نصب عينيها، تتغلّب على التخبّط في شباك العالم وفي مختلف أحداث الحياة. وتبلغ إلى الإيمان بالله ومن خلال الإيمان إلى محبّته. وتصل بالارتقاء من درجة إلى درجة إلى الحبّ الكامل الذي يضمن لها سعادةَ الاتّحاد بالله.
- في سعادة المخلَّص هذه ثَمّة درجتان رئيسيَّتان: الأتقياء الذين يسلكون طريقَ البهاكتي الاعتياديّة يصلون إلى سماء فيشنو، وينعمون فيها بالبهاء الإلهيّ وبالنور الإلهيّ ويتمتّعون بسعادة لا توصف. - أتباع الطريق الأكمل يبلغون إلى سماء أرفع وإلى سعادة أكمل. فيحصلون على طريقة الكيان الإلهيّة ويصيرون مشابهين لله. هذا الاتّحاد بالله لا يعني أنّ الإنسان يفنى تمامًا في الله ويفقد هويّته البشريّة. إنّه ارتباطٌ وثيق به ومشابهة كيانيّة معه، ومشاركة في الحياة الإلهيّة تتضمّن السعادة القصوى.

6. طريق اليوغا
اليوغا تعني تجميع القوى وتركيزَها والتمارين العمليّة التي تؤدّي إلى الاتصال بين الروح والألوهة. وبما أنّ نظام اليوغا يضع التأمّل في محور تعليمه وممارسته فهو يرتدي أهميّة بالغة لكلّ طرق الخلاص التي ترتكز على التأمّل والاستغراق.
تهدف طريقة اليوغا إلى تنقية روح الإنسان المشبتكة في الظروف الماديّة والنفسيّة لوجوده الأرضيّ الفرديّ والملطّخة بها، وتطهيرها بحيث تبلغ إلى حالة النقاوة الكاملة، وتصل بذلك إلى الحقيقة القصوى من ذاتها الخاصّة. ولكنّ الخلاص لا يقوم فقط على تطهير الروح الدائم والإفساح في المجال بذلك لوجود أفضل وسعادة أكبر في الحياة اللاحقة. وكذلك لا يقوم الخلاص على قيادة الروح إلى معرفة ذاتها في شكلها الصّرف المختلف عن الوجود الواقعيّ (كما في طريق خلاص المعرفة النظريّة). الخلاص الذي يتمّ السعي إليه في اليوغا يعاش في ارتياح الروح التامّ، في تأمّل عميق لا يدع أيّ إمكان فعليّ للظلمة والاضطراب.

6-1. التمارين
ولكنّ الطريقَ إلى تلك الحالة طويلة وشاقّة. ولا يمكن السير فيها بنجاح إلاّ بقيادة معلّم خبير. فبعد إزاحة العوائق المختلفة يمارس المتأمّل التمارين التالية:
1. الحفاظ على الوصايا الخمس: ضبط النفس، قول الحقيقة، العفّة، عدم الاكتراث بالخيرات الأرضية.
2. القيام بالممارسات الخمس: الطهارة، والتجرّد عن العالم، الزهد، الانشغال بالنصوص الدينيّة، توجيه القلب إلى الله.
3. موقف جسديّ تسانده السيادة على الحواس، وإراحة القلب وتركيز الروح.
4. انتظام النَفس الذي يعزّز تجميع قوى الروح، فيما هو يقاوم التشتّت الناجم عن التأثيرات الخارجيّة.
5. إنّ تراجعَ الحواس يوقف مدّ التأثيرات الخارجيّة ويساعد الروح على التركيز على موضوع تأمّلها.
6. تركيز الروح: بتثبيت النظر على نقظة، مثلاً على طرف الأنف، أو بالانشغال الشديد بموضوع أو بالله نفسه، يمكن الروح أن تتركّز بحيث تدرك إدراكًا دومًا أقلّ نشاطَها الباطن ومضامين الوعي الناتجة منه.
7. التأمّل يمنح الروح تطهيرًا عميقًا، ويساعد في الحفاظ على الوعي فارغًا من المضامين والتأثيرات، وفي التوجّه التام إلى موضوع تأمّله. وبذلك يتمّ الوصول إلى تماهٍ مع هذا الموضوع يبعث في الروح معارفَ واختبارات تقرّبها من معرفة واختبار ذاتها في الحالة الصافية.
8. التامّل العميق هو هدف التمرين. بذلك تصل الروح إلى التركيز العميق والكامل، وإلى معرفة ذاتها الحَدْسيّة معرفةً عميقة وكاملة، وإلى عيش الحقيقة القصوى عيشًا عميقًا وكاملاً، أعني إلى كيانها الخاصّ وكيان الواقع الروحيّ. في هذه المرحلة تتغلّب الروح على حالتها الأرضيّة وتصل إلى دائرة كيان أرفع. إنّ التبصّر في الحقيقة الأخيرة، ومعرفَة الحقيقة القصوى، وعيش الواقع الواحد، كلّ هذا يعني بداية الخلاص ويمنح تذوّقًا مسبقًا للخلاص النهائيّ.

6-2. محتوى الخلاص
يقوم الخلاص النهائيّ على الوصول إلى تطهير الروح تطهيرًا كاملاً من كلّ الأدناس الأرضيّة، بحيث تكتشف ذاتَها في شكلها الصافي أو توضع في حالة تمكّنها من أن تعيشَ هويّتها مع المطلق وتصل إلى الاتحاد بالله. هذه الاستعادة لوحدة الروح وهذا الاتحاد الباطن بالله يتضمّنان السعادة القصوى، إذ إنّهما يوسّعان الروح إلى ما لا نهاية، ويرفعانها إلى دائرة الكيان القصوى. هذه الحالة بالضبط التي تتجاوز الوجود الأرضيّ تجاوزًا لامتناهيًا تعجز الكلمات البشريّة عن وصفها. حيث يتمّ الوصول إلى الوحدة الكاملة لميدان الكيان بأجمعه، لا يعود مكانٌ للكلمات، وحيث يتمّ الوصول إلى اتّحاد المحبّة الكامل بالله، يختفي الواقع الأرضيّ الذي يمكن التعبير عنه ووصفه، ولا يبقى بعد إلاّ الكيان الإلهيّ.

7. طريق التانتريّة
ابتداء من سنة 500 بعد المسيح نشأت في الهندوسيّة حركة دينيّة أنمت نظامًا معقّدًا من ممارسات طقسيّة وتصوّرات صوفيّة وتمارين مختلفة. هذه الحركة المسمّاة تانتريّة ترتكز على الاعتراف بوحدة الحياة التي تشمل الله والعالم والإنسان وتربط بعضهم ببعض برباط وثيق. الكون (العالَم الأكبر) والإنسان (العالم الأصغر) يكوّنان وحدةً لا تنفصم، مجموعةً واحدة، يمكن أن يكونَ لكلّ جزء منها، ولا سيّما الإنسان، تأثيرٌ حاسم في المجموعة. ومن ثَمّ يمكن أيضًا أن يحصل الإنسان من خلال ممارسات وتمارين مثبتة بدقّة على قوّة تكاد تكون غير محدودة على الكون كلّه.

7-1. الدرجات السبع
- الدرجة الأولى هي طريق العبادات والقيام بالواجبات الأخلاقيّة والاجتماعيّة.
- الدرجة الثانية هي طريق البهاكتي، طريقة تصرّف أتباع الإله فيشنو. ففيما تتبنّى التانتريّة تمارين البهاكتي، تحوّلها وفقًا لعقيدتها الخاصّة في الخلاص. فتجعلها أكثر تعقيدًا وتضيف إليها عناصر تجعل من ممارسات طريقة الخلاص السابقة هذه تمارين مباشرة لطريق خلاص التانتريّة وتُدرجها بالتالي في مجمع نظام التانتريّة.
- الدرجة الثالثة هي طريقة تصرّف أتباع الإله شيفا، الذين يملكون علاوة على الإيمان وعلى الاستسلام لله، الإرادة الحازمة والجهد الشديد للخلاص الذي يسعون إليه عن طريق المعرفة. وبذلك يجمعون بين العلم والإرادة والعمل.
- في الدرجة الرابعة تبدأ التانتريّة الحقيقيّة. في هذه الدرجة يملك السالك كلّ الصفات التي ورد ذكرها في الدرجات الثلاث الأولى: الإيمان والتسليم، والطاقة والمعرفة. ثمّ يسير في التيّار إلى الوراء والعودة، من خلال استرجاع القوى، إلى المصدر الإلهيّ. ولذلك يوقف انتشار طاقاته الفيّاضة ويحملها إلى أقصى التركيز. ومن خلال التسامي بها يحوّلها إلى قوى تفتح له السبيلَ إلى الكينونة الشاملة. هذا التسامي يحدث من خلال التطهير وضبط النفس واختبار الذات الخاصّة. هذه الدرجة تدعى درجة طريقة تصرّف الجانب الأيمن (تانتريّة اليد اليمنى).
- الدرجة الخامسة هي طريق تصرّف الجانب الأيسر (تانتريّة اليد اليسرى). هنا يتقدّم استخدام القوى حتّى التنحية التامّة لطاقات الحياة وحتّى إزالة احداث الحياة. وتُلغى كلّ قيود الحياة (الشهوات والشفقة والشعور بالحياء)، وكلّ الرباطات العائليّة، وكلّ العوائد والتقاليد الاجتماعيّة، وكلّ رسوم الطبقات، وذلك بواسطة ممارسات مناسبة ومن خلال تأمّل مركّز.
- ما تمّ التوصّل إليه في الدرجة الخامسة يرتفع في الدرجة السادسة، في "طريقة التصرّف بالتوافق مع التعليم النهائيّ". ويظهر بوضوح أكثر التحرّر الباطن من العمى والشهوات وحلّ كلّ الرباطات الخاصّة والعائليّة والاجتماعيّة. والتقيّ، بمساندة مختلف التمارين، يتوغّل في سرّ الكون.
- الدرجة السابعة هي الدرجة الأخيرة والقصوى. إنّها طريقة تصرّف الإنسان الذي قطع كلّ الدرجات السابقة. وها هو الآن قد بلغ النطاق الإلهيّ. والأمّ الكبرى، التي هي ظهور الله الأنثوي وطاقة الله، تستقرّ الآن فيه، وقد اكتسب معرفة الإلهيّ القصوى. وبما أنّه قد بلغ إلى الخلاص الإلهيّ، فهو يدعى "المخلَّص الحيّ. وحياته على الأرض تفيد لتعليم الناس وإنقاذهم.

7-2. تمارين التانتريّة وممارساتها
إنّ الجسد الإنساني يملك، في نظر التانتريّة، بين قمّة الرأس وأعضاء التناسل، ستّة دوائر أو مراكز بشكل اللوتُس (النيلوفر). وموضع هذه المراكز هو عند الوريد الكبير "سوشومنا" الذي يقع في العمود الفقريّ ويجتاز الجسم كلّه. لهذه الدوائر أهميّة كونيّة، إذ إنّها تقابل القوى الكونيّة، ولذلك لها أيضًا قيمة نظريّة وصوفيّة. ومن ثَمّ يمكن من خلال الجسد الولوج إلى سرّ الكون، وكذلك إلى الدائرة الأزليّة لكيان الألوهة.
فإذا كان الكون، باعتباره مجموعة كاملة من القدرات المتنوّعة والقوى المهمّة للحياة، يمكن تنشيطه والسيطرة عليه من خلال طقوس وممارسات صوفيّة وبفضل وساطة الجسم الإنسانيّ، فلا بدّ إذن من إعطاء شكل للتمارين بحيث تصل إلى هدفها وتحقّق فعّاليتها بصورة أكيدة. ويفيد لذلك أيضًا، فضلاً عمّا ورد من موقف الجسم، وتنظيم التنفّس، والتقنيّات الجسديّة الأخرى، استخدام صوَر الآلهة والاهتمام الشديد بالنصوص الدينيّة.

8. طريق الشاكتيّة
تعني لفظة شاكتي القوّة والطاقة. الشاكتي هي إلاهة أنثويّة، وهي تُعَدّ رفيقةَ إله ذكريّ وزوجة له. وتنسب الشاكتية إلى هذه الإلاهة دورًا خاصًّا في مسيرة العالم، وتركّز عبادتَها وتمارينها الدينيّة على الشاكتي المناسبة. الشاكتية قريبة جدًّا من التانتريّة.
إنّ العبادة الشاكتيّة تسعى إلى الخلاص في اختبار الوحدة التامّة للإلهيّ المحتجب، وذلك عن طريق اختبار وحدة مظاهره. وهذا يعني أنّ الإنسان، من خلال اختبار تكامل وجوده الإنساني كجسد ونفس، يسعى للوصول إلى اختبار وحدة الكون المندمج، وفضلاً عن ذلك إلى اختبار الإلهيّ المندمج.
وبتعبير آخر: إنّ المتعبّد للشاكتي ينطلق من جسده، ويتماهى مع ما هو حسّي ويستخدم الجنسَ للبلوغ إلى الوجه المتكامل للإله الذكريّ والأنثويّ، فإنّ طاقة الله، أعني ظهورَه وعمله في الخارج، إنّما هي المبدأ الأنثويّ، الشاكتي.
وبما أنّ ما هو جسديّ والغذاء والجنس يمكن اعتبارها وسائل خلاص، فيجب القيام بالأكل والعمل الجنسيّ في إطار عمل عبادة في شكل طقسيّ. إن الطقس، فضلاً عن وظيفته في المراقبة والتنظيم، يستطيع أن يجعلَ الوظائف الجسديّة وسيلةً للمشاركة في الأحداث الكونيّة ولاختبار المتسامي.
لاكتساب رضى الشاكتي الثمين والتعمّق في سرّ القدرة الإلهيّة والوجود الإلهيّ، يلجأ المرء، إلى جانب الذبيحة (وفي القديم حتّى الذبائح البشريّة)، إلى رتبة العناصر الخمسة، التي ترد فيها العناصر التالية: شرابٌ مسكرٌ كوسيلة للخلاص وكمصدر لانشراح الصدر والفرح، - السمك لتقوية قوى الإنجاب، - اللحم لتشديد القوى العقليّة والجسديّة، - حبوبٌ مشويّة كموضع لقوى الأرض والجوّ والسماء، - التمتّع بأعمال الجنس باعتبارها الأساس الأصليّ للكون والحافظ له.
لاتّقاء خطر الممارسة الشاذّة لهذه الشعائر، فُرض أنّه لا يجوز أن يشاركَ فيها إلاّ الذين تحرروا من الأهواء والشهوات، وبالتالي المتقدّمون على طريق الخلاص وحدهم.
يجب أن نذكرَ أيضًا هنا تأويلاً رمزيًّا وتطبيقًا رمزيًّا للعبادة الشاكتيّة. فهي تجتنب تحويل العبادة إلى عمل غراميّ، بمعنى أنّها تتيح فقط الإتمام الرمزيّ للعمل الجنسيّ وتمنع المبالغات الفظّة التي تحدث في الذبيحة الدمويّة وفي البغاء المقدّس.

ملاحظة ختاميّة
بين كلّ طرق الخلاص والأديان هذه، التي أوجزناها في إطار مصطلح الهندوسيّة العام، ثمّة أمرٌ ثابت مشترك: وهو أنّه يجب اعتبار الإنسان جزءًا من وحدة حياة شاملة تضمّ الإنسان والعالم والله. ووحدة الحياة هذه يجب عدم تحطيمها. وكلّ تغرّب يعانيه الإنسان عن العالم وعن الله يكوّن خطرًا بالنسبة إليه، ويمنعه من تأمين حياته وتنميتها وإيصالها إلى اكتمالها الأخير. الإنسان هو في سعي دائم إلى الله. فبدون الله لا يمكن البلوغ إلى حياة مكتملة.

جدول زمني
حوالي 2600 – 1600 ق.م. : الثقافة القديمة قبل الهندوسيّة
حوالى 1200 ق.م. : دخول القبائل الآريّة إلى الهند
وبدء تطوّر النصوص
حوالى 600 – 300 ق.م. : الأوبانيشادات القديمة
حوالى 500 ق.م.-500 ب.م. : نشأة البراهمانيّة والهندوسيّة والمذاهب الستّة الأساسيّة
حوالي 400 ق.م.-200 ب.م. : تطوّر ملحمة رامايانا
حوالي 400 ق.م.-400 ب.م. : نشأة ملحمة مهابهارتا
حوالي 200 ق.م. : نشيد بهاغافاد غيتا
القرن الثاني ق.م. - القرن الثاني ب.م. : انتشار الهندوسيّة في جنوبي شرقي آسيا وأندونيسيا
بعد المسيح
القرن السابع : انتشار إكرام الإله فيشنو. وبدء نشأة الفيدانتا شنكرا
اعتبارًا من 700 : قمّة انتشار إكرام شيفا في كشمير
من القرن الحادي عشر : ازدياد انتشار منهاج البهاكتي
1193 – 1362 : انتشار الإسلام في مقاطعات الهند
منذ حوالي 1400 : نهضة تيّار البهاكتي
1498 : وصول باسكو دي غاما إلى الهند
1526 : بدء عهد المغول
1757 : تأسيس سلطة البريطانيّين
1869 – 1948 : مهاتما غاندي
1947 : استقلال الهند السياسيّ

مراجع

H. von Glasenapp, Der Hinduismus, München 1922.
-, Die fünf groen Religionen, Teil I: Der Brahmanismus oder Hinduismus, Düsseldorf 1952, 7-78.
J. Gonda, Die Religionen Indiens:
I. Veda und älterer Hinduismus (Die Religionen der Menschheit, 11), Stuttgart 1960, ²1978.
II. Der jüngere Hinduismus (Die Religionen der Menschheit, 12), Stuttgart 1963, ²1978.
W. Kirfel, Symbolik des Hinduismus und des Jainismus (Symbolik der Religionen, IV), Stuttgart 1959.
K. Klostermaier, Hinduismus, Köln 1965.
K. Meisig, De Hinduismus, 3ème éd., Freiburg 2003

**

بندر شاه
17-01-2006, 07:01 AM
*
البوذيّة

البوذيّة تيّار دينيّ يرتكز على حدس بوذا الروحاني. وقد كان في بادئ الأمر يعتبر أنّ طريق الخلاص لا يستطيع سلوكها إلاّ قلّة من الناس، لا سيّما من بين الرهبان المنقطعين للاستغراق في التأمّل. ولكنّه مع مرور الزمان تطوّر إلى دين له تعاليمه ومؤسّساته، وإلى مجموعة من الطرائق المختلفة تسعى كلّ واحدة منها إلى تمكين الراغبين من البلوغ إلى الخلاص، وفي النهاية من تخطّي الوجود البشري بكليّته.

أوّلاً: بوذا (حوالى 560 – 480 قبل المسيح)
ما نعرفه عن بوذا يعود إلى الشهادات الدقيقة التي تركها لنا أتباعه الأوّلون، وإن امتزجت فيها مع مرّ الأيّام الوقائع الحقيقيّة بالتصوّرات الخياليّة النابعة من جموح التقوى. وأهمّ ما لدينا من المصادر هي مجموعة الأسفار المؤلّفة باللغة البالي (Pali)، أيّ مجموعة النظام الرهباني، ومجموعة الخطب التعليميّة، ومجموعة التعليم الراقي.

لقد كانت الطريق التي سلطها بوذا للوصول إلى الحكمة الكاملة، إلى ما تسمّيه الكتب البوذيّة "اليقظة"، طويلة شاقّة. فإنّه كان في بدء المرحلة الأولى من حياته أميرًا اسمه سيدهارتا غوتاما، وُلد في شمالي الهند نحو سنة 560 قبل المسيح، ونَعِمَ بحياة هانئة خالية من المتاعب، بعيدة عن أنواع الألم والعذاب، في قصر والده. ولكنّه عندما بلغ التاسعة والعشرين من عمره، على ما تروي القصص المنقولة، أرغمه اختبار مظاهر الهَرَم والمرض والموت على التفكّر في وضعه، وحمله على كره الحياة التي كان ينعم بها حتّى ذلك الحين. ثمّ كان له لقاء مع ناسك متجوّل، فقير خارجيًّا، سعيد في قلبه، فأقنعه ذلك بأنّه من الممكن سلوك طريق يؤدّي إلى التغلّب على شقاء الحياة وأنواع بؤسها. فغادر منـزله وعائلته، وتفرّغ لحياة ناسك متجوّل. وعندما خَبَر أنّ نظريّات المعلّمين وممارسات التنسّك الشديد لم تجلب له السلام الداخلي المنشود، ترك كلّ شيء واتّجه نحو جنوبي الهند حتّى بلغ إلى شجرة تين، فجلس عند جذعها واستغرق في التأمّل. وما زال على ذلك في عزلة تامّة وتركيز عميق لطاقات ذهنه، حتّى انكشف له فجأة، في حدس روحاني، أنّ الخلاص ممكن وأنّه يقوم على التجرّد الكامل عن العالم ويفضي إلى انحلال الوجود الشخصيّ في عالم الحسّ التجريبيّ، وأنّه لا مناص إلاّ بذلك من الدائرة اللامحدودة للولادات الجديدة في عالم الألم والمعاناة. وهكذا حصل الناسك المتجوّل على "اليقظة" واضحى بوذا. وقد جمع في عظاته المحتوى الأساسيّ لما انكشف له في ما دُعي "الحقائق المقدّسة الأربع"، وفي تعليم "النشوء عن علاقة"، أي ارتباط جميع الموجودات بعلّة سابقة وذلك في دائرة متكرّرة.

1. حقيقة المعاناة الشاملة
الحقيقة المقدّسة الأولى تحدّد واقع العالم والحياة البشريّة كحالة معاناة. كلّ شيء هو معاناة. إنّ هذه المقولة لا تنبع من تفكير سطحيّ في شؤون هذا العالم، إنّها خلاصة تأمّل مثابر وبصيرة عميقة. فإنّ بوذا بفضل تطهير باطنه والغوص المستمرّ في سرّ ذاته، استيقظ فيه الوعي بأنّ الوجود البشريّ هو في الأساس معاناة. ولكنّه اختبر على الفور كم يصعب على الناس أن يقتنعوا بهذه الحقيقة. ويُروى أنّه أمام هذا العائق وقع في حيرة، وأوشك أن يتخلّى عن إعلان حقيقة الخلاص. ولكنّه حبًّا لتلك القلّة من الناس الذين باستطاعتهم أن يتقبّلوا حدسه الروحاني، عزم أخيرًا على أن يعلن جهارًا حقيقة المعاناة الشاملة، لافتًا انتباه سامعيه إلى مظاهر الحياة التي تجعلهم يتنبّهون لعمق البؤس الكامن في الوجود البشريّ.

كلّ أحداث لها جانب أليم، حتّى إنّه باستطاعة المراقب الاعتيادي أن يدرك ذلك. ذلك يصحّ في الولادة والمرض والموت، وفي التطلّع إلى المستقبل المضطرب والقلق المستمرّ. كلّ هذا تكمن فهي المعاناة الجذريّة. الحياة مليئة بالأوجاع والخذلان والبغض. حتّى الفرحُ يتداخله السُّم، إذ هو ممتزج بالهمّ، أو يحتوي في بعض جوانبه على معاناة للآخرين، أو تجده مرتبطًا بظروف تولّد المعاناة. مثل ذلك الفرح الغير الصافي، فإنّه لا يستطيع أن يؤدّي إلى الخلاص، ولا يمكنه على الأقلّ أن يشبع رغبة الإنسان في السعادة.
ثمّ إنّ العالم والإنسان خاضعان لشريعة الصيرورة، أي لعدم الاستقرار. فتبدّلهما وزوالهما يكشفان عن طابع المعاناة فيهما وعن سبب هذه المعاناة.

2. نشوء المعاناة
للمعاناة سببان: سبب آلي وسبب نفساني.

2-1. السبب الآلي متعلّق بترابط عوامل الوجود التي يتألّف منها العالم والإنسان، وبمفعول شريعة ثواب الأعمال (كَرْمان). في العالم يتألّف الإنسان من عوامل خمسة يتعلّق وجوده بها ويقوم عليها كيانه كلّه. هذه العوامل هي المادّة وما هو جسدي، والانطباعات التي تتأتّى عن اتصال الحواس بالأشياء المقابلة لها، والإدراكات الحسيّة الناتجة منها، وتحرّك النفس والأميال وعزيمة الإرادة، وأخيرًا المعرفة أي الوعي ومحتوياته. وقد شرح علم الإنسان في البوذيّة عوامل الوجود هذه، وحدّد بدقّة أشكال أفعالها، وأدرجها في أصناف مختلفة. فإذا بها جميعها، في كيانها ومفاعيلها، خاضعة للصيرورة – في شكل الولادة والتقلّب والموت – ولذلك فهي حاملة للمعاناة. الإنسان في عالمه الحسّي التجريبي مركّب من هذه العوامل، وحياته كلّها تقوم عليها وهي مجرّد حصيلة تفاعلها.

زد على هذه الآليّة شريعة نوّاب الأعمال. فطالما لم يحصل الإنسان على الخلاص، فإنّه يجد ذاته سجينة دائرة ولادات متكرّرة لا حدّ لها، كلّ وجود جديد فيها مشروط بالأعمال التي أُنجزت طوال الحياة السابقة. فما دام الإنسان ينجز أعمالاً تترك فيه آثارًا مقابلة أو – وفقًا للتعبير البوذي – ما دامت ثمرة أفعاله تثقل حياته جاعلة من المحتوم الخضوع لولادة جديدة، تستمرّ سلسلة الولادات الجديدة إلى ما لا نهاية له، وتظلّ كلّ ولادة جديدة تنشأ متعلّقة بسابقتها.

هكذا يتّضح كيف تقوم سلسلة العلل الآليّة. فوجود الإنسان الحاليّ هو حصيلةٌ آليّة للوجود السابق، ويحدّده الآن الترابط الآليّ لعوامل الوجود الخمسة. فطالما لم يدرك الإنسان بعدُ مرحلة التحرّر، تستمرّ هذه الآليّة وتحدّد وجودًا جديدًا. و هكذا تتكرّر السلسلة وفقًا للخطة عينها. وقد عرض التعليم البوذي هذه السلسلة السببيّة، من جملة ما عرض، على الشكل البسيط التالي:
1. غير المتحّرر، الذي لم يبلغ الخلاص، يظلّ أسيرًا لعماه، ويجني بحث أعماله (جهل، عمى).
2. تنتج من الجهل إرادة العيش، أي ما يُقال له أشكال النشاط والأميال (هذه رواسب الحياة السابقة).
3. في علاقة بإرادة العيش تنشأ في بطن الأمّ الحامل المعرفة المبدئيّة، أي ما يُدعى بالأحرى في هذه المرحلة "ما قبل الوعي".
4. في علاقة بالمعرفة ومن خلال اتّحاد الروح بالجسد، ينشأ الاسم والشكل، أي فراديّة الإنسان الماديّ، ونموّه في المرحلة السابقة للولادة.
5. في علاقة بهذه المرحلة تتكوّن الأعضاء الحسيّة، أي الحسّ الداخليّ والحواسّ الخمس الخارجيّة.
6. بعد الولادة يتفرّع من الأعضاء الحسيّة الاتّصال بالأشياء المطابقة لها في العالم الخارجيّ.
7. في علاقة بهذا الاتّصال ينشأ الإحساس. وبهذا تتحرّك السلسلة السببيّة لعوامل الوجود.
8. في علاقة بالإحساس تنشأ الرغبة والعطش، وهو التمسّك بهذا العالم.
9. في علاقة بالعطش تنشأ رغبة التملّك، والشغف المتزايد والتمسّك بالحياة. وهذا ينتج كَرْمان جديدًا، ممّا يثقل الوجود في الولادة القادمة.
10. بهذا تنشأ وتقوم الشخصيّة التجريبيّة التي تبيّن شريعة الصيرورة. هكذا يُثبت البوذيّون فعّاليّة شريعة لا يمكن الإنسان أن يفلت منها. طالما يتابع دولاب الحياة الدوران بالنوع الذي سبق وصفه.
11. في علاقة بمجمل العوامل التي جاء عرضها، تنشأ الولادة.
12. في علاقة بالولادة يأتي الهرم والموت.
على هذا النحو تفسِّر مساهمة عوامل الوجود في كلّ حياة جديدة، وتواطؤها مع شريعة الكَرْمان، الدائرة المجملة للولادات الجديدة وتوضح جميع مظاهر حياة الإنسان التجريبيّ، وتكشف له عن أوجه المعاناة في الوجود.
ولكنّ هذا التواطوء الآلي لا يؤدّي إلى ديمومة المعاناة والشقاء إلاّ بواسطة الموقف النفساني الذي يتّخذه الإنسان. وهكذا فالعنصر الأوّل للسلسلة السببيّة هو ما دُعي في الرقم 8 رغبةً وعطشًا. هذا العالم يُغري الانسان ويستميله إلى العيش، عندما يحدّد محتويات الوعي من خلال الاتّصال بحواسّ الجسد. ويصبح العطش أكثر شدّة، والرغبة أكبر إغراء، بقدر ما يتماهى الإنسان في العمق مع هذا العالم، وبقدر ما يتجذّر فيه تجذّرًا يتعذّر اقتلاعه، الاقتناع بأنّه ليس مجرّد مجموعة أحداث آليّة، بل شخصيّة حقيقيّة تختبئ فيها "الأنا" وراء المظاهر التجريبيّة، مضفيةً على هذه تلاحمها الضروري. فإذا ظلّ الإنسان تحت إمرة هذا الخطإ، ارتبط ارتباطًا أوثق بالوظائف المعيشيّة التي تبقيه موثَقًا بواقع العالم، ظانًّا أنّه مصدر القوّة والملء لوجوده. بتعلّقه بهذا العالم يحسب أنّه يستطيع أن يحافظ على الأنا الذاتي ويخلّصه ويبلغ هكذا الفرح والسعادة. ويعتقد أيضًا أنّه قد يمكنه الإفلات بشكلٍ ما من الموت. ولكنّ كلّ ما ينتج من ذلك هو أنّه يلقى ذاته أكثر ارتباطًا بعالم الحياة وخاضعًا لا محالة لولادة جديدة.

إنّ هذا التعليم عن "اللاأنا" كان موضوعًا شَغَل البوذيّين ومؤرّخي الديانات شغلاً طويلاً.
ينخدع البشر بتصوّرات مختلفة يعبَّر عنها بأنا، ولي، وشخصي. وهذه التعابير تدلّ على وجود شخص مكلّف بتأمين لُحمة الأحداث الأرضيّة في حياة الإنسان. ولكنّ الواقع هو أنّ الشخص المتوهّم ليس هو سوى مجرّد خيال. وذلك لسببين. أوّلاً إنّ تصوّراتنا حصيلة نظريّات ماورائيّة لا تتناسب مطلقًا مع واقع العالم التجريبي. في العالم التجريبي يدلّ كلّ شيء على أنّ الإنسان يتكوّن من العوامل الخمسة للوجود ويخضع لتبدّلها السّببـيّ. لذلك لا جدوى في افتراض "أنا" خارج عن عوامل الوجود هذه، ولا فائدة من الضياع في تصوّرات عقيمة. يروي التقليد البوذي أنّ بوذا المعلّم ردّ عدّة مرّات رهبانًا وزهّادًا كانوا يلحّون في سؤالهم له عن حلٍّ لمثل هذه القضايا النظريّة والمجادلات التي كانت تدور في حلقات الكهنة والروحانيّين والهندوسيّين. وهذا الرفض للاشتغال بهذه القضايا الماسّة بالنطاق الماورائيّ يمتدّ إلى أمر وجود "الأنا". ودليل ذلك ما جاء في القصّة التالية.

"جاء إلى بوذا يومًا راهب متجوّل اسمه فاتساغوترا (في اللغة الباليّة: فاتشاغوتّو) وطلب إليه أن يجيب عن سؤاله: هل الأنا موجود أم لا؟ ولكنّ بوذا لم يردّ عليه جوابًا. في وقت لاحق فسّر لتلميذه أناندا علّة موقفه: "لو أجبتُ، يا أناندا، الراهب المتجوّل وقلتُ: الأنا موجود، لجاء هذا تثبيتًا لموقف الزهّاد والكهنة الذي يؤمنون بعدم التبدّل. ولو أجبت الراهب المتجوّل فاتساغوترا وقلت: الأنا غير موجود، لدَهش من كان يعتقد سابقًا بوجود الأنا وتساءل: قبلاً كان عندي أنا، أفزال الآن؟ وعندها يهبط من ارتباك إلى ارتباك أعظم. مثل هذه المداورات الفكريّة لا تفضي إلى المعرفة الخلاصيّة" .

فعلى على كلّ حال لا ينفع أن نقول عن أيّ شيء في العالم التجريبي بأنّه يؤلّف الأنا الكائنة فيّ. لأنّ جميع عناصر العالم وكلّ أحداث الحياة البشريّة ممهورة بميزات تظهر أنّها عالقة بالألم والمعاناة، فهي بالتالي تنحصر في عالمٍ على الإنسان أن يتخطّاه حتّى يمكنه البلوغ إلى الخلاص. جميع عوامل الوجود وأحداث الحياة متقلّبة خاضعة للصيرورة والزوال. فالعاقل الحكيم الفَطِن عليه أن يثبت، على ما يلي: … أيّ شكل من الأشكال، أكان ماضيًا أو مستقبلاً أو حاضرًا، أكان في الباطن أو في الخارج، كبيرًا أو صغيرًا، من مستوى العامّة أو الأشراف، بعيدًا أو قريبًا، كلّ هذه ليست لي، أنا لستُ إيّاها، وهي ليست قطعًا الأنا فيّ. فمن اطّلع على الأشكال وفقًا للحقيقة، من رآها ولم يتمسّك بها، فذلك بلغ الخلاص. بهذا النوع عينه يجب التعامل مع الفئات الأربع الأخرى لظاهرة الوجود…" .
ويمكن إذن أن نستنتج باختصار ما يلي: جذور المعاناة الشاملة وسبب سلسلة الولادات الجديدة في حلقة لا حدّ لها هي الرغبة والعمى (عطش وجهل).

3) إزالة المعاناة
هناك مخرج للإنسان ويقين بأنّ إزالة المعاناة ممكنة. هذه هي الحقيقة المقدّسة الثالثة عند البوذيّة. إزالة المعاناة تعني الوصول إلى حالة لا تشبه بأيّة ناحية علائم الوجود في العالم التجريبي. هي حالة حَصَل فيها التغلّب على العمى وإخماد الرغبة، فلا تكون هناك ولادة جديدة ولا صيرورة، ولا تقلّب ولا فساد ولا موت، حالةُ لا محدوديّة دائمة، فارغة من أيّ شكل محسوس، ولكنّها أيضًا حالة استقرار أبديّ وطهارة وطمأنينة وخلود وسعادة. هو الانفراد من وراء العالم، الجزيرة النائية، والمعبر والمكان الذي يمنح سترًا وحماية. تُدعى هذه الحالة نِرفانا (بلغة البالي: نِبَّانا). النرفانا نقيض العالم، ولذلك لا يمكن تحديده إيجابيًّا بنوع موافق. هو المطلق مقابل العالم المركّب من أجزاء. هو المتعالي، المغاير تمامًا، الذي لا يمكن ضبطه بواسطة المفاهيم ولا التلميح إليه بالأوصاف. النرفانا هو حالة التحرّر الكامل من أيّ تلوّث ومن أي ارتباط بالعالم، تحرّر من الجهل والهوى، وإفلات من سلاسل العالم وذوبان الشخص التجريبي الخالي من الأنا.

4) الطريق المؤدّية إلى إزالة المعاناة
لبلوغ النرفانا هناك طريق تُدعى في الحقيقة المقدّسة الرابعة طريق المراحل الثماني. جاء عن بوذا قوله: "أيّها الرهبان، هذه هي الحقيقة الشريفة عن الطريق المؤدّية إلى إزالة المعاناة: الرأي المستقيم، والعزم المستقيم، والقول المستقيم، والعمل المستقيم، والسلوك المستقيم، والسعي المستقيم، والتفكير المستقيم، والاستغراق المستقيم.

وهكذا فطريق الخلاص تقوم على مرحلتين: على أخلاقيّات تكون إعدادًا لسلوك الطريق الحقيقيّة المؤديّة إلى الخلاص، وعلى استغراق في التأمّل ذي طابع روحانيّ يقود إلى اكتساب الحكمة المنشودة.

إتمام الأحكام الأخلاقيّة ممكن لجميع أتباع البوذيّة. وغرضها إطفاء الشهوات، خاصّة الأهواء الأساسيّة، أي العمى، والرغبة، والبغض، التي هي أصل جميع الآفات البشريّة، إذ هي تكبّل الإنسان بهذا العالم وتخلّف كَرْمان سيّئًا يفضي من باب الضرورة إلى وجود أليم جديد. فالتحرّر من الشهوات يمكن أن يتمّ من خلال مسلك مليء بالفضائل. فعلى البوذي أن يمارس خاصّة الفضائل التالية: الرأي المستقيم، أي الاعتراف بالحقائق المقدّسة الأربع، وهذا تمهيد للولوج إلى سبيل الخلاص لا يمكن التخلّي عنه. ثمّ هناك العزم المستقيم على ممارسة التخلّي والتجرّد، والرأفة غير المحدودة والرضى تجاه جميع الكائنات الحيّة. ثمّ القول المستقيم. ثمّ العمل المستقيم، أي باختصار السلوك المستقيم، والمهمّ فيه أن يتصرّف كلّ واحد تصرّفًا لا يمسّ أيّ كائن آخر بأذى. وأخيرًا السعي المستقيم الذي يصدّ ما يهدّد الخلاص ويحثّ على طلب الخلاص.

متى تهيّأ للبوذي مثل هذا الاستعداد، أمكنه أن يحوز على التحرّر الشامل من الجهل ومن الشهوة. في التأمل والاستغراق الداخلي يستطيع هكذا أن يتغلّب بنوع جذري على الأهواء، ويتعمّق في التبصّر في التعليم البوذي، حتّى إنّه قد يُعطَى له في هذه الحياة أن يختبر مسبّقًا طعم الخلاص. أمّا التحرّر الكامل فلا يتمّ عادة إلاّ بعد ولادات جديدة متكرّرة، وبعد تعمّق في الاستغراق الداخلي.

عندما يقطع الإنسان أهمّ مراحل التأمّل والاستغراق الداخلي يبلغ الاستيقاظ. فالدرجة الأولى من الاستغراق تحرّره من الرغبة. والدرجة الثانية قوامها تفرّغ الروح الذي يبلغ وحدته الباطنة وبإلغاء كلّ محتوى يتعلّق بالفكر والتبصّر. والدرجة الثالثة تقوم بتخطّي كلّ فرغ وكلّ إحساس ملموس. وتقود الدرجة الرابعة أخيرًا إلى اختفاء الشعور بالارتياح النابع من وجود الجسد والحسّ الباطن. وتبقى في آخر المطاف المعرفة الصرفة، الوعي الصرف الخالي من المحتوى والطمأنينة البعيدة عن الاضطراب. في هذه الحالة يبلغ المتأمّل في حدث روحاني أسمى مراتب المعرفة ويكتسب الحكمة الكاملة.

وطالب الحكمة يجد عونًا في بعض الوسائل. هناك تراتب التنفّس، يحمل به قلبه على الراحة وذهنه على التجمّع. ثمّ إنّ التأمّل بالنجاسات، أي بالأشياء البشعة الكريهة في هذا العالم، يبيّن له كيف أنّ عالم المعاناة شنيع لا قيمه له، وبهذا يتحرّر من الرغبة والهوى. وهناك طرقٌ في التأمّل وتجميع الذهن تساعد على بلوغ حالة الوعي الخاص الخالي من المحتويات.

"لا تهدف جميع التمارين، كما يؤكّد بارو - إلى تلطيف الأهواء وقهرها فقط – وهذا هو الهدف الأساسيّ للبوذيّة – بل تنتج منها أمور أخرى أقلّ أهميّة لا يجوز إغفالها… بها يحصل السالك على ولادة جديدة بين آلهة عالم الأشكال وآلهة العالم الخالي من الأشكال، الذين توافق منازلهم درجات التأمّل والتبصّر المختلفة. وهذا يقود إلى إقامة هنيئة في ما بين الأمور المشاهَدة وإلى نوع من السعادة في هذا العالم المحدود في الزمن، يُعَدّ تذوّقًا مسبّقًا لسعادة النّرفانا، وإلى رؤية المعرفة التي بفضلها يذوب النشاط الذهني، فضلاً عن أنّ تلك الممارسات تؤدّي إلى التفكير الواعي الكامل أو إلى التحليل المليء بالحكمة وأخيرًا إلى ذوبان التلوّث، أي إلى إفناء الأهواء، وهذه ميزة القدّيسين الذين بلغوا الدرجات العليا، ويدعون أرهات".

طريق الخلاص هذا يفترض القدرة على التأمّل والاستغراق. لذلك بقي مقتصرًا على الرهبان، حتّى في نظريّة البوذيّة القديمة. أمّا العلمانيّون فبوسعهم فقط أن يُنتجوا كَرْمان جيّدًا بواسطة أعمال صالحة ودعم الرهبان وجماعاتهم. وهكذا يأملون بأن يكونوا جديرين بالدخول في الحياة الرهبانيّة في إحدى الولادات المقبلة. فالبوذي الأصيل هو إذن الراهب المتسوّل الذي يكرّس معظم أوقاته للتأمّل والاستغراق، ويحرّر روحه من كلّ تلوّث وينقّيها من العمى وكلّ شهوة. ولذلك فالفقر والامتناع عن الزواج والتزام السلام هي ركائز هذه الحياة الرهبانيّة. ومن مهمّات الرهبان أيضًا أن يبشّروا بالتعليم البوذي ويشرحوه ويروّضوا المبتدئين على أساليب التأمّل. وقد أفضى هذا النشاط إلى إغناء التراث الأصليّ للبوذيّة. وأيضًا إلى تباين في الآراء وبروز مدارس وفرق مختلفة.

نستعرض في ما يلي تعاليم التيّارات الرئيسيّة في البوذيّة، دون أن ندخل في التفاصيل وفي تبيان الآراء المختلفة عند مدارسهم وفِرقهم.

-+-
تابع أدناه
**

بندر شاه
17-01-2006, 07:04 AM
*
البوذيه ( 2 )


ثانيًا: البوذيّة القديمة – هينايانا (المركبة الصغيرة)
البوذيّة القديمة هي الوريثة المباشرة لتعليم بوذا الأصلي. وهي تدعى أيضًا بوذيّة تيرافادا، أيّ بوذيّة الأقدمين، أو بوذيّة شرافاكا، أيّ بوذيّة السامعين. وهناك تسمية أكثر شهرة، هي بوذيّة هينايانا، أي المركبة الصغيرة. وهذه التسمية التي يُشتمّ منها بعض التشاؤم، وردت في جماعات التيّار البوذيّ اللاّحق الذي وصف نفسه بأنّه المركبة الكبيرة (ماهايانا)، وذلك لأنّه كان يرى أنّ طريق الخلاص سهلة السلوك لجميع المؤمنين، بعكس ما كانت تقول به البوذيّة القديمة، التي كانت تخصّ بالخلاص فريقًا زهيدًا من الرهبان.

تتميّز البوذيّة القديمة بارتباطها الوثيق بالأصول الأوائل. وقد طوّرت بعض العناصر، التي كانت في ما بعد أساسًا في تكوين البوذيّة اللاحقة. وأهمّ هذه العناصر هي التالية.

شخص بوذا بدأ يتطوّر. فبعد أن كان معلّمًا ومدرّبًا، أضحى كائنًا متعاليًا فائق الطبيعة. وراح يُعتبر روحًا محضًا يسكن فوق العالم. أمّا ظهوره في شكل إنسان، فإنّما كان ذلك ليعلّم الناس طريق الخلاص. مع الزمن تحوّلت هذه الفكرة إلى تصوّر بوذا متعالٍ مطلقِ التعالي، حائز على صفات لامتناهية. من هناك انطلاق التعبّد لبوذا، تعبّدًا يُمارَس في أمكنة مقدّسة معيّنة في أديرة الرهبان.

إلى جانب بوذا شرعت تتبلور شخصيّة البوديساتفا. البوديساتفا هو من بلغ اليقظة، ولكنّه تخلّى موقّتًا عن ولوج النرفانا لالتزامه بنذر أخذ فيه على نفسه ألاّ يلج النرفانا إلاّ بعد أن يساعد سائر البشر على اكتشاف طريق الخلاص وسلوكها.

إنّ ظهور مثل هذه الآراء يعني تطوّرًا لاحقًا للبوذيّة الأصليّة القديمة، التي كانت تعتبر الخلاص حصيلة للجهد الفرديّ. فالراهب لا يجوز له أن يعتمد على أيّ شيء. وبوذا عينه لم يكن سوى حكيم أبصر نواحي التعليم الخلاصي وبشّر به، دون أن يكون باستطاعته مع ذلك أن يقدّم لأتباعه الخاصّين عونًا خلاصيًّا. فعلى الإنسان إذن أن يعتمد على نفسه. جهده الخاص، والحفاظ على تعليم بوذا، وممارسة التأمّل والاستغراق: هذه وحدها يمكنها أن تقوده إلى الحكمة والتحرّر من العمى والتعلّق بالحياة. وهي وحدها يمكنها أن تجعله يفلت من الدورة الآليّة للولادات الجديدة المليئة بالمعاناة.

ولكن هذه النظرة بدت على مرّ الزمن غير ملائمة بالنسبة إلى أغلبيّة البوذيّين الذين لم يكن بوسعهم أن يكرّسوا وقتًا طويلاً للتأمّل. في الكتب اللاحقة للبوذيّة القديمة عينها، هناك نظرة تقول بأنّ الرهبان أنفسهم لا يستطيعون أن يسلكوا الطريق المؤدّية إلى الخلاص. فالخلاص يتّسم هكذا بطابع مَعَاديّ. أمّا في بعض فترات متأخّرة من التاريخ، فتستطيع قلّة من الرهبان أن تنتج كَرمان جيّدًا وتتّخذ قرارًا مستقيمًا، فتعقد العزم على سلوك الطريق المؤدّية إلى الغاية النهائيّة.

وهكذا فإنّ اعتبار حاجات العلمانيّين إلى جانب الامتيازات الخاصّة بالرهبان في اتّباع الخلاص، قد أدّى إلى تطوير التعليم في مدرسة ماهايانا.

ثالثًا: البوذيّة ماهايانا (المركبة الكبيرة)
نشأت البوذيّة ماهايانا حوالي بدء العهد المسيحيّ. ولكنّها لم تبلغ كمال ازدهارها إلاّ بعد القرن الثاني. وتقوم مساهمتها الكبرى بإفساح المجال لمناهج جديدة في سُبُل الخلاص، مناهج تأخذ بعين الاعتبار الحاجات والأوضاع الحياتيّة عند الفئات المختلفة في الجماعة. وقد أضحى هذا التنوّع في طُرق الخلاص ممكنًا خصوصًا بفضل التطوّر اللاحق للتعليم عن بوذا وبوديساتفا.

ازداد بوذا تساميًا بحيث إنّه صار كائنًا فائق الطبيعة، متعاليًا، مطلقًا، يتخطّى المكان والزمان، بل يتخطّى عالم الأشكال عند الآلهة، والعالم الأرفع غير المادي عادم الأشكال. وهكذا يضحي بوذا الحقيقة المطلقة يتمّ تصوّره تارة ككائن غير شخصيّ، وطورًا ككائن شخصيّ، ويُدعى "جسم الشريعة". ولكن هذا البوذا المطلق لا ينتسب إلى عالمنا، بل هو منـزّه لا تطاله محاولات الإنسان لفهمه وحصره. ومع ذلك هو وحده الحقيقة، وما سواه ليس إلاّ مظهرًا عابرًا. أحد تجليّات البوذا المطلق هو البوذا السماويّ، المدعو "جسم التذوّق". هذا يقوم فوق عالمنا الحسّي ويحيا إلى جانب الآلهة، ولكنّه مرتبط بعالمنا الذي هو مجرّد مظهر، بحيث إنّه يكون موضوع إكرام وعبادة، ويمكن أن تصل إليه المفاهيم والتصوّرات البشريّة. وهناك طبقة أدنى، وهي التجلّي الأرضيّ لبوذا، ويسمّى "جسم الخليقة": أي بوذا في هيئة بشريّة. هذا البوذا مات، وتلاشت ذاتيّته الخاليّة من الأنا، فلا وجود لها من بعد. ويبقى البوذا الرحيم السماويّ (هذا خاصّة بالنسبة إلى العلمانيّين)، والبوذا المطلق الروحانيّ (هذا بالنسبة إلى الرهبان القادرين على التأمّل المستغرق والحدس الروحاني)، يحافظان على أهميّتهما الخلاصيّة في حياة البوذيّين وسعيهم وراء الخلاص.

إلى جانب بوذا لاقى تصوّر بوديساتفا انتشارًا واسعًا، واتّخذ أهميّة متزايدة. ففي نظر العلمانيّين البوديساتفا هو الشخص الديني المثالي، لأنّه قطع مراحل طريق الخلاص حتّى النهاية. ولكنّه شفقة على الناس، التزم أن يؤجّل خلاصه النهائيّ الخاص، ليمدّ يد المعونة للآخرين. فعزمه على المساهمة في خلاص الآخرين لا حدّ له. هو مستعدّ لأن يهب الآخرين استحقاقاته الخاصّة، لكي يحصلوا على الخلاص بسرعة أكبر، حتّى البلوغ إلى التحرّر النهائيّ. هناك حسب التعليم البوذي بوديساتفا أرضيّون، وكلّ إنسان شفوق محبّ يعمل على خلاص الآخرين. يمكن أن يكون واحدًا منهم. ولكنّ البوديساتفا السماويّين الذين يعيشون في عالم الآلهة، أشدّ فاعليّة، إذ إنّهم اكتسبوا صفات إلهيّة، ويكرّسون الآن ذواتهم، بنوع كامل، لخدمة الناس في أمر الخلاص، قبل أن يَلجوا النرفانا ويبلغوا إلى حالة البوذا الروحيّة.
إنّ تطوّر التعليم حول بوذا وبوديساتفا متّصل بتطوّر الطريق التقليدي للخلاص وبالكشف عن إمكانيّات جديدة للخلاص.

1. تطوّر الطريق التقليدي للخلاص
1-1. مدرسة طريق الوسط
إلى جانب الطريق المستند إلى الأخلاق الذي تمّ تلقّيه من البوذيّة القديمة دون تعديلات مهمّة، طرأ على طريق الحكمة السلبيّة، أي طريق التأمّل ونكران العالم والتبصّر العميق، تعمّق وإعادة تحديد. هذا عبّر عنه خصوصًا تعليم مدرسة "طريق الوسط" (مادياميكا)، التي يُقال إنّ مؤسّسها ناغارجونا قد عاش نحو منتصف القرن الثالث بعد المسيح. وقد جاء في هذا التعليم أنّ الأساس الجديد للتأمّل هو تأكيد الفراغ الشامل. كانت البوذيّة الأصليّة تستنتج أنّ جميع اشياء العالم وكلّ أحداث الحياة البشريّة هي غير ثابتة، مليئة بالمعاناة وخالية من الأنا. مدرسة طريق الوسط ساقت هذه الفكرة المسلّم بها إلى أقصى نتائجها: كلّ شيء فارغ، كلّ شيء في هذا العالم مجرّد مظهر، حتّى بوذا نفسه ليس هو سوى مظهر. فمن الغرور المستفحل أن نعتبر أيّ شيء ممّا نتصوّره أو نفكّر فيه شيئًا له شخص أو جوهر. فإنّنا في نطاق الإدراك الحسّي والأفكار نبقى في العالم التجريبي، وهذا هو مجرّد مظهر، إذ إنّ الإنسان غير قادر على الإطلاق أن يكوّن لنفسه مفاهيم وتصوّرات دون أن يرجع إلى هذا العالم. وحتّى المطلق عينه، والنرفانا أو بوذا الشريعة المتعالي، لا يمكن فهمهم إلاّ كنقيض للكيان التجريبي النسبي.

ولقد طوّرت مدرسة طريق الوسط مفهوم الحكمة السلبيّة بنوع استنتاجي صارم، حتّى إنّها صاغت مقولات تبدو مليئة بالمفارقات ومحيّرة، كلّ شيء فارغ، الإنسان فارغ، بوذا فارغ، وحتّى النرفانا فارغ. ليس المقصد من هذا بناء نظريّة فكريّة، المقصد النصح باتّخاذ موقف عمليّ. فالحكيم عليه ألاّ يجهد في الحصول على أيّ شيء وأيّ هدف في حياته. إنّما هو التخلّي التام عن العالم يصل بالحكيم إلى حالة طمأنينة بعيدة عن الاضطراب وإلى حريّة الروح الباطنة، أي إلى حالة تفتح أمامه طريق الخلاص.

فموقف الحكيم يتبلور في مبادئ ثلاثة:
- عدم التحصيل: الحكيم صار هادئًا إلى درجة أنّه لم يعد يرغب في تحصيل أيّ شيء، ولا في البلوغ إلى النرفانا. وعندما يكون عدم الرغبة في الحصول شاملاً عندئذٍ لا يكون في الإنسان أقلّ ميل إلى الحياة. وهكذا يُقرُب انحلال الإنسان التجريبي، وبالتالي يكون الخلاص قريبًا.
- عدم التأكيد: كلّ مقولة لها علاقة بعالم الفراغ، ولذلك لا تستطيع أن تعبّر عن شيء جوهري، ولا أن تمهّد للوصول إلى شيء حقيقي واستيعابه. فعلى العاقل الحكيم أن ينقّي ذهنه من أيّ تلوّث ومن أي فكر؛ عليه أن يقطع كلّ رابط يربطه بهذا العالم، فيقلع عن استعمال التعابير الفكريّة والاشتغال بالتحليلات المنطقيّة. بهذا يتوثّق فيه الاقتناع بأنّ العالم ليس هو سوى مجرّد مظهر، فيستطيع هكذا بسهولة أكبر أن تستتبّ فيه حالة الصفاء الداخليّ.

- عدم الوثوق بشيء: هذا ينصبّ في اتجاه المبدإ الثاني. فإنّه لا شيء في هذا العالم يستحقّ أن يتعلّق المرء به. فالخلاص يقوم فعلاً بالانحلال والتحرّر من عالم المظاهر هذا.

عندما ينجح الحكيم بفضل التأمّلات والممارسات المتكرّرة في الوصول إلى هذا الموقف السلبيّ الجذريّ، يحصل على العلم الشامل، فيعلم الروابط السببيّة التي تكوّن العالم، ويبلغ بذلك إلى الرؤية الواضحة الخلاصيّة لفراغ جميع الأشياء، بحيث إنّه لا يعود يحتفظ بأي ارتباط بهذا العالم. حتّى ولو أنّه واصل التفكير والقول والعمل. فأفكاره الخاصّة وأعماله لا تعود تهمّه، وذهنه لا تمسّه الأفكار المفردة، وقلبه لا تهزّه مظاهر العالم وأحداث الحياة. الحكيم بلغ الهدوء الداخلي الذي هو استباق للخلاص النهائيّ.
هذا يعني أنّه يجب عدم البحث عن الهدف الأقصى، وهو حالة بوذا أو النرفانا، كأنّنا نبحث عن كيان خارجيّ أو متعالٍ عن الإنسان. في النهاية، ليس هناك فرق بين النرفانا، كما نتمثّله عن حالة بوذا التي نتعرّف إليها، وأيّ كيان آخر من هذا العالم. الحكيم يعلم أنّ كلّ هذا فارغ، وهو مقتنع كليًّا بأن ذاته هي ذات بوذا والنرفانا.
فالفراغ له إذن جانبان. الجانب السلبي يشير إلى عدم الثبوت وإلى الزوال، وانعدام الأنا في عناصر العالم وأحداث الحياة. وهذا يُتيح للحكيم أن ينعتق بنوع أسهل من روابط العالم. ومن ناحية أخرى فإنّ الفراغ، إذا تمّ اعتباره إيجابيًّا، هو صفة جميع المظاهر. وعندما تُحلّ هذه المظاهر وتختفي، ينكشف فراغها ويبدو عندها كالشيء الوحيد الثابت، كالمبدإ الأوّل للعالم، بل كطبيعة بوذا الأصليّة، فإنّ بوذا لا يستطيع أن يلج النرفانا إلاّ إذا فرغ من الأنا وانحلّ. فالفراغ إذن هو الذي يجعل طلوع النرفانا ممكنًا، ومن ثمّ تطابقَه مع طبيعة بوذا.

1-2. مدرسة أتباع اليوغا
كان لطريق الحكمة السلبيّة توجّه جديد قام به أتباع منهج اليوغا، ودُعي مدرسة يوغاتشارا. وقد برزت هذه المدرسة في القرن الخامس بعد المسيح، وانتشرت في بوذيّة الماهايانا خلال القرن السادس. تقول هذه المدرسة بأنّ الحكمة الخلاصيّة تقوم بالوصول عن طريق التأمّل إلى فهم أعمق للبصيرة التي تثبت أنّ كلّ شيء فارغ، وأنّ كلّ شيء ليس سوى مظهر. فيبقى مع ذلك شيء واحد بمثابة أصلٍ ومبدإ أوَّل لجميع الأشياء في العالم ولكّ أحداث الحياة البشريّة. وهذا الشيء هو الروح. كلّ شيء فارغ، وكلّ شيء مجرّدُ مظهر، لأنّ كلّ شيء من إنتاج الروح، أو كما يقول أصحاب هذه الطريقة، كلّ شيء هو تلوّث الروح المجرّدة.

فبينما كانت مدرسة طريق الوسط تعتبر التأمّل الفاحص أساسًا للبصائر الروحانيّة، يرتكز تعليم مدرسة اليوغاتشارا على اختبار حالة الغيبوبة والاستغراق الانخطافي. في الاستغراق يختفي كلّ شيء، وتختفي الأفكار أيضًا، ويبقى فقط عنصر واحد مطلق، هو الروح، القدرة على التفكير والمعرفة الخاصة، والوعي الخالي من المحتويات. يمكن أن ندعوه وعيًا أساسيًّا أو، نظرًا إلى وظيفته، وعيًا خازنًا. الروح المحض هو الأساس الأصلي، لكيان الإنسان الفرديّ. ويصير وعيًا خازنًا، عندما يبدأ في تكوين الأفكار وخزنها تحت تأثير كَرْمان الوجود السابق. بهذا العمل يتلوّث الروح المحض تلوّثًا سطحيًّا، ويسبّب نشوء الفرد في سلسلة الارتباطات التي وضعناها سابقًا. الدرجة الثالثة هي تلوّث الروح العميق. يحصل ذلك عندما يكوّن الروح لنفسه المزيد من الانطباعات والتصوّرات ويتخيّلها. هذه الانطباعات والتصوّرات هي التي تؤلّف العالم التجريبي بجملته.

وعندما لا يبلغ الإنسان التنقية الشاملة لروحه، يبقى بعد الموت وعيه الخازن مشحونًا برواسب الحياة السابقة (كَرْمان) ويظلّ ملوّثًا. لذلك يكمن طريق الخلاص في إلغاء كلّ محتويات الوعي بواسطة التأمّل وجمع الروح والاستغراق الداخلي اللاحق، بحيث يختبر الروح نفسه – أقلّه لبرهة قصيرة – في حالة النقاء الخاصّ به، ويتأهّب هكذا لمعرفة طبيعة الحقيقيّة. فبتكرار الاستغراق الانخطافي ينجح الروح في التخلّي المتزايد عن محتويات وعيه، وتحرير ذاته من وهم عالم المظاهر. فيركّز قواه بنوع متزايد على الحقيقة الروحيّة المحضة الخالصة، إلى أن يبلغ من خلال سلسلة يقظات متكرّرة إلى الاستيقاظ النهائي، إلى النرفانا. فإنّه عندما يكون الروح نقيًّا غير ملوّث، عند ذلك فقط يبلغ المخلَّص إلى الحقيقة المطلقة، إلى طبيعة بوذا.

انطلاقًا من أساليب التأمّل في مدرسة طريق الوسط، ولا سيّما في مدرسة أتباع اليوغا، انتشر تيّار الشين الصينيّ (خصوصًا منذ القرن الثامن)، ووصل من هناك إلى اليابان، حيث كوّن منذ القرن الثالث عشر أساس بوديّة الزين (Zen).

2. الطريق الجديدة للخلاص: الإيمان والتسليم
مع تطوير طرق الخلاص التقليديّة، فتحت البوذيّة ماهايانا طريقًا جديدة، خصوصًا أمام العلمانيّين وجميع الذين تمنعهم عوامل مختلفة عن سلوك طريق الخلاص السلبيّة والتفرّغ كليًّا للتأمّل وللاستغراق الانخطافي. هي طريق الإيمان والتسليم (بهاكتي). من الوجهة النظريّة تقوم هذه الطريق على تعليم مدرسة طريق الوسط القائل بأنّ كلّ شيء هو أساسًا فارغ، ولذلك ليس هناك فرق مبدئيّ بين مَن وصل إلى الاستيقاظ ومن لم يصل، بين مَن بلغ الخلاص ومن لم يبلغ، بين بوذا وسائر الناس، إذ إنّهم يملكون جميعهم مسبّقًا طبيعة بوذا وبالتالي هم قادرون على الحصول على الاستيقاظ. الفارق الوحيد يكمن في أنّ بعضهم يعرف هذه الحقيقة، وغيرهم لا يعرفها. ولاكتساب هذه المعرفة ونيل اليقظة، يحتاج من ليس قابلاً للتأمّل والاستغراق الداخلي إلى عونٍ يأتيه من الخارج. وهذا العون يأتيه من البوذا السماويّ، ومن العديد من البوديساتفا، إن اتّجه إليهم بإيمان مستسلم. ينتج من ذلك من جهة أنّ الإنسان يتمرّس بالفضائل الخلاصيّة التي تعينه على الإفلات من روابط العالم والحصول على ولادة جديدة أفضل، حتّى يبلغ الاستيقاظ أو الخلاص النهائيّ. ومن جهة أخرى يدلّ توجّه بوذا والبوديساتفا نحو الإنسان لتقديم العون، يدلّ على حصول الخير، حتّى بالنسبة إلى الحياة في هذا العالم. فحمايتهم تضمن الخلاص، ورضاهم يجلب فوائد كثيرة، حتّى على الصعيد المادي.

الإيمان والاستسلام يُعبّر عنهما خصوصًا في أشكال السلوك التالية:
- مسلك لا عيب فيه أخلاقيًّا، والسعي وراء تصرّف يتشبّه بتصرّف بوذا والبوديساتفا.
- تكريم بوذا. هذا ما أدّى إلى إقامة شعائر عبادة تقدّم لبوذا، كالحمد، والتكريم، والذّكر، والاقتداء، وما يتبع ذلك من العطايا والتقادم. هذه العبارة تمكّن العلماني من جمع استحقاقات عظيمة والحصول على وجود جديد أقرب إلى الخلاص، أو على ولادة جديدة في عالم الآلهة. هناك شكل خاصّ لهذه العبادة، تطوّر بتفاعل مناهج التأمّل ورغبة الحبّ عند المؤمنين. فقد ركّز كثيرون عبادتهم على بوذا معين أو أحد البوديساتفا، ممّا أدّى إلى توثيق رباط حبّ بينهم وبين موضوع إكرامهم، رباط يوفّق لبوذا أو للبوديساتفا تسليمًا يزداد عمقًا من قِبل المؤمن، وللمؤمن عونًا أشدّ من قبل بوذا أو البوديساتفا. وقد قامت حول بوذا أميتابها نوعًا ما ديانة خاصّة، ميزتها الأساسيّة ذكر متكرّر لاسم بوذا. فالاسم يجعل بوذا حاضرًا، والذكر يمكّن من توثيق رباط حبّ بين بوذا والمصلّي. وكان الرهبان يمارسون هذا النهج ويفرضون على أنفسهم تكرارًا لهذا الذكر لم يكن يُفرَض على العلمانيّين. وقد عرف هذا النهج تطوّرًا لاحقًا بدءًا من عام 950 بعد المسيح، في الأميديّة اليابانيّة، لا سيّما طريقة الجُودُو التي أسّسها هونين (1133 – 1212).
- ممكنة وخلاصيّة هي أيضًا طريق الإيمان الصادق. فالمؤمن لديه اقتناع عميق بأنّ بوذا والبوديساتفا مستعدّان لأن يمدّا له يد العون. وهو يلتزم بدوره تشبّهًا بالبوديساتفا، بأن يقدّم جميع استحقاقاته ليساعد الناس على التوصّل من وقت إلى آخر إلى الحصول على ولادات جديدة أفضل ملاءمة، يليها بعد ذلك بسهولة أكبر الاستيقاظ والخلاص النهائي. إنّ هذه الطريقة انتشرت خصوصًا في الأميديّة في اليابان. ويجدر هنا أن نذكر التركيز على الثقة الموضوعة في بوذا أميدا، خصوصًا من قِبل جماعة الشين، التي أسّسها أحد تلاميذ هونين، واسمه (شنران شونين (1173-1262).
هناك طريقة أخرى تسعى إلى إقامة ترابط أوثق بين الغارق في التأمّل وموضوع تأمّله المرتكز على الإيمان، وذلك بواسطة التفكير في صفات بوذا.

-+-
تابع أدناه
**

بندر شاه
17-01-2006, 07:08 AM
*
البوذيه ( 3 )


رابعًا: البوذيّة التانتريّة (فجريانا: مركبة الألماس)
حصل مع الوقت توفيق إضافيّ بين البوذيّة وحاجات الناس في البوذيّة التانتريّة، وهي تميل بشدّة إلى النهج التأليفي والباطني. وقد تمّ في التانتريّة، منذ القرنين السابع والثامن خصوصًا، تأليف بين التقليد البوذي للماهايانا وعناصر من الدين الشعبي الهندي الذي كان سائدًا قبل اجتياح الآريّين لمقاطعات الهند. وسمة هذا التيّار الرئيسيّة هي التشديد على شعائر العبادة ومفاعيلها السحريّة. العنصر السحريّ ليس غريبًا، حتّى عن البوذيّة الأصليّة، خصوصًا بموجب التعليم القائل بأنّ القدّيس الذي بلغ الاستيقاظ يملك قوّة سحريّة ويحصل على خصائص تفوق القوى البشريّة. ولكنّ ما كان هناك مجرّد مظهر هامشي، أضحى نقطة الارتكاز في التانتريّة. ولذلك تحتوي كتبها الدينيّة قبل كلّ شيء على عبارات سحريّة ونصوص طقسيّة، وما يقابلها من مؤلّفات تعليميّة وتفاسير.

1. تعليم التانتريّة
ومهما يكن من أمر، فإنّ تعليم الخلاص في البوذيّة التانتريّة يجب أن يُعتبر قبل كلّ شيء تطويرًا لبعض مقولات الماهايانا. فالتعليم عن أصناف البوذا تطوّر في اتجّاهٍ يركّز تنظيمًا تراتبيًّا لأعداد البوذا، بما فيه التوافق بين البوذا السماويّ والعالم التجريبيّ، أو زد على ذلك بين بعض أجزاء هذا العالم وأعضاء الجسم البشري. وقد أدّى هذا التعليم إلى تصرّف أنسب في شعائر عبادة بوذا، إذ بدأ يتبيّن أنّ البلوغ إلى بوذا حامل العون يزداد سهولة، إذا جاءت ممارسات العبادة مرتبطة بدقّة بالأجزاء الموافقة في العالم أو في الإنسان. وإلى جانب بوذا تظهر إلاهات تُدعى شاكتي. وهي تشخيص للطاقة والقدرة اللتين تعودان إلى بوذا. تلك الشاكتي تمتلك الامتيازات المعروفة عن إلالهات المجموعات الإلهيّة التقليديّة: هي صالحة ورهيبة في الوقت عينه، مَثَلها في ذلك مَثَل سائر المظاهر الأرضيّة لبوذا.

هكذا تحوّلت جماعة البوذا إلى آلهة من النوع المعتاد. وهناك، حسب تعليم بعض الفِرَق التانتريّة، فوق الكثير من البوذا السماويّين، ينتصب البوذا المطلق، المتعالي تعاليًا تامًّا، الذي يتخطّى تساميه تعالي بوذا الشريعة عند الماهايانا: هذا البوذا يُدعى بوذا الألماس. وهذا البوذا السامي يقوم عند التانتريّة بالدور الذي يعود إلى الإله الأسمى في جماعة الآلهة المعهودة، وإليه يرجع خلق العالم بواسطة قوى سحريّة. فالعالم، ومنه الإنسان، ليس هو إذن سوى هذه الخليقة السحريّة: ظاهرة صدرت عن فكر البوذا الألماسي المتعالي.

بهذا تقتبس التانتريّة تعليم مدرسة اليوغاتشارا. من جهة أخرى تحتفظ أيضًا بتعليم مدرسة الوسط عن الفراغ الشامل. فطريق الفداء يقود إلى اليقظة، مرورًا بالوعي لتماهينا الجوهريّ مع بوذا ومع العالم أيضًا. واستعمال ممارسات عبادة معيّنة يساعد الإنسان على أن يصير ما سبق وكان في الواقع دومًا، أي بوذا. فالخلاص يعني إذن إزالة الثنائيّة المُدّعاة للإنسان والبوذا، ويحصل ذلك إمّا بواسطة تحطيم عوامل وجود الفرد بمساعدة شياطين وآلهة مُرعبة، أم بواسطة الاتّحاد بطبيعة بوذا، التي تصوّر كالوحدة المكتملة بين المبدأين الذكر والأنثى.
وكلا الطريقتين تتخذان شكلاً باطنيًّا وجنسيًّا في ما يُقال له تانتريّة اليسار. إنّ هذا التحوّل عن البوذيّة الأصليّة الباغضة للأمور الجنسيّة، قد يحمل على الاستغراب. ولكن التانتريّة تبرّره لثلاثة أسباب:

- إن لم يكن هناك فرق بين الإنسان والعالم وطبيعة بوذا، فلا داعي إذن إلى القول بأنّ الأعضاء الجنسيّة ورغبة اللّذة الجنسيّة تبعد الإنسان عن الخلاص. فالشهوات لا وجود لها فعلاً خارج النرفانا. والتالي فإشباعها لا يمكن أن يكون عائقًا على طريق الخلاص.
- من جهة أخرى يستطيع الإنسان الذي يشبع رغباته ويمكّن شهواته من البلوغ إلى الأشياء الموافقة لحواسّه، بأن يستنتج من اختباره أنّ أمور العالم التي تُعتبر باعثة للسّرور هي بالحقيقة فارغة باطلة، جالبة للمعاناة.
- ثمّ إن كان المقصود البلوغ إلى طبيعة بوذا والوصول إلى المتعالي، وإن كان هذا المتعالي يُعتبر الوحدة التامّة بين المبدأين الذكر والأنثى، فالإنسان يُدرك مطابقة التامّة لهذا المتعالي، عندما يبلغ اكتماله بواسطة الفعل الجنسيّ ويقترب هكذا من طبيعة البوذا الكامنة فيه نفسه.
إنّ هذا النهج بسبب ما يخفي من مخاطر، لم يكن مباحًا للجميع، بل كان مقتصرًا على الذين تمرّسوا طويلاً بالفضيلة وبلغوا إلى بصيرة وحكمة وطمأنينة داخليّة تمكّنهم من أن يستسلموا للشهوات ويمارسوا شعائر العبادة السحريّة دون أذى وببعض الفائدة.
أمّا تانتريّة اليمين التي ازدهرت خصوصًا في الصين ابتداء من القرن الثامن فترفض إشباع الشهوات. لا جرم أنّ الشهوات لا غِنى عنها لأنّها تعطي الإنسان الطاقة والاندفاع الضروريّين. ولكن طريق الخلاص لا يُمهَّد لها إلاّ بتنقية تلك الشهوات. عندئذٍ فقط يمكن السالك أن يبلغ الحدس الروحاني والحكمة الهادئة اللذين هما مقدّمة التدرّج نحو الخلاص.

2. نهج وممارسات
ممارسات التانتريّة لها هدف مزدوج. بعضهم يرجو بواسطتها نيل عون فعّال لاكتساب البصيرة، فيما تدفع الآخرين رغبة الحصول على قوى عجائبيّة من خلال الممارسات السحريّة.

التأمّل والاستغراق هما جوهر الممارسات الدينيّة، حتّى في التانتريّة، كما هو الحال في جملة التقليد البوذيّ. بواسطتها يستطيع السالك أن يعرف وحدة ذاته مع ذات المتعالي والإلهيّ. هناك إمكانيّات مختلفة لاستحضار الإله الذي يسعى المتأمّل أن يحصل على الاتّحاد به. يمكن استعمال مقطعٍ من اللغة مناسبٍ لذلك الإله. هذا المقطع يُعتبر بذرة الإله. فمن خلال التكرار المُلحّ لهذا المقطع يشتدّ توجّه الروح نحو هذا الإله. المقطع الموافق لإله معيّن هو هوم أو فات، والمقطع الموافق لإلاهة هو سفاها. وهناك عبارة تُعدّ من أشهر العبارات يُستدعى بها البوديساتفا أفالوكيتشفارا (وهو يناسب بوذا التاريخ)، ونصُّها هو التالي: أوم ماني بادم هوم.
ومن الوسائل المتداولة استعمال حلقات سحريّة تُدعى ماندالا، من شأنها أن تظهر الإله المنويّ استحضاره في صلة بعالم الروح وبالكون، فتأتي به في أحد مظاهره أو مفاعيله المحسوسة. كذلك القول في صور الآلهة، فهي يمكنها أن تساعد على التأمّل. ثمّ إنّ التأمّل قد ترافقه حركات معيّنة تساعد على استقطاب الذهن، كأن ترافق حركة الجسد تلاوة العبارات فتسهّل بذلك تأمّل الروح واستغراقه. فإذا تمّ التطابق مع الإله المستحضَر حصل جسد المتأمّل على قوى سحريّة تجيء من ثمّ، حسب نظريّة معقّدة، مرتبطة بأجزاء معيّنة من الجسد.
إلى جانب التأمّل تحظى العبارات السحريّة بإقبال شديد. فإنّها تستعمل للبلوغ إلى الكثير من الأهداف المتنوّعة، حتّى الأهداف التي بسبب طابعها الماديّ ليس لها حسب التقليد الأصليّ أيّة صلة بالخلاص.

خامسًا: البوذيّة في العصر الحاضر
نشأت البوذيّة القديمة وانتشرت في الهند، حيث أمكنها أن تثبت تجاه الهندوسيّة. ثمّ قامت حركة تبشير أدّت إلى انتشار الدين الجديد خارج الهند: في سريلانكا وبيرمانيا وتايلاندا، وفي الكاشمير وسوماترا. ولكن بين القرن الحادي عشر والثالث عشر تقلّصت البوذيّة في الهند واختفت، لأنّها لم تستطع أن تصمد أمام ضغط الهندوسيّة الناهضة. أمّا في سوماترا وآسيا الوسطى فقد دَحرها انتشار التانتريّة (في القرن التاسع) والإسلام (في القرن العاشر).

ولكنّ التيّار البوذي القديم تيرافادا صمد مع ذلك حتّى أيّامنا في سريلانكا وبيرمانيا وتايلاندا، وفي كامبودجيا واللاّوس. ويبدو أنّها تشهد في العصر الحاضر فترة ازدهار جديد. وقد أدّى الاتّصال بثقافة الغرب وحضارته إلى حركة تجديديّة أوضحت طاقة البوذيّة على التكيّف. والبوذيّة هذه بمؤسّساتها ومدارسها، بمستشفياتها والمؤسّسات الاجتماعيّة لها دورٌ هام في المجتمع. وقد تتدخّل أحيانًا الجماعة الرهبانيّة حتّى في شؤون البلاد السياسيّة، فتعرض حلولاً لشتّى القضايا تتناسب بحسب رأيها مع روح التعليم البوذيّ ومع خير الشعب، لا جرم أنّ في داخل الجماعة الرهبانيّة تنوّعًا في الآراء حول نشاط الرهبان الاجتماعيّ والسياسيّ. ففيما تودّ الفئات المحافظة المزيد من الانعكاف والانعزال والهدوء كي يتسنّى لها التفرّغ للتأمّل، تعتبر فئات أخرى أنّ الالتزام السياسي من واجب الرهبان، إذ هم مدعوّون لممارسة رأفة غير محدودة.

أمّا البوذيّة ماهايانا فقد نافست في الهند قرونًا طويلة البوذيّة القديمة، حتّى ُدحرتا كلتاهما على يد الهندوسيّة ومن جرّاء حملات الاجتياح الإسلامي. وظلّت الماهايانا ناشطة في الصين واليابان، وفي كوريا والفيتنام. وهي تقوم اليوم بنشاط اجتماعي مرموق وبالتزام سياسيّ واضح. في اليابان المتطوّر صناعيًّا تواجه البوذيّة ماهايانا القضايا المتعلّقة بالعلمنة، وعليها أن تثبّت أقدامها تجاه الشنتويّة التقليديّة.

أمّا البوذيّة التانتريّة فقد نشأت في الهند وانتشرت في الصين، وهي لا تزال اليوم قائمة خصوصًا في التيبت وفي مغوليا.

إلى جانب الهندوسيّة بغناها المذهل وطاقتها شبه اللامحدودة على احتضان ظواهر دينيّة مختلفة، وإلى جانب الإسلام بشهادته لله الواحد الأحد، الرحمان الرحيم، تكوّن البوذيّة في الشرق الأقصى دينًا يجب على المسيحيّة أن تدخل في حوار معه.

أجل يجدر بنا أن نحاور البوذيّة حوارًا صادقًا منفتحًا يتلقّن فيه الطرف الواحد من الآخر الكثير من ألوان الاختيار الروحي، ويتقبّل العون ويقدّم بدوره التعاون على الصعيد الدينيّ والثقافيّ والاجتماعيّ والسياسيّ العام.

جدول زمني
حوالي 560 – 480 ق.م. : بوذا
حوالى 480 ق.م. : المجمع البوذيّ الأوّل في رجاغريها
حوالى 380/370 ق.م : المجمع البوذي الثاني في فايشالي

324 – 187 ق.م : سلالة الموريا، خصوصًا حكومة الملك أشوكا التقيّ (272-236).
250 ق.م. : المجمع البوذي الثالث في باتاليبوترا. الانتشار في سريلانكا
35 – 32 ق.م. : تحديد الكتب البوذيّة القانونيّة في سريلانكا
بعد المسيح
القرن الأوّل : نشأة الماهايانا (المَرْكبة الكبيرة)
القرن الثالث : انتشار البوذيّة القديمة في كمبودجا وأندونيسيا
منتصف القرن الثالث : ناغارجونا مؤسّس مدرسة طريق الوسط
نهاية القرن الرابع/ بدء القرن الخامس : أزانغا مؤسّس مدرسة أتباع اليوغا
القرن الخامس : انتشار البوذيّة القديمة في بورما
حوالي 522 : وصول البوذيّة إلى اليابان

القرن السابع : انتشار الماهايانا في بورما، والبوذيّة القديمة في تايلاندا
القرن السابع : نشأة التانتريّة
القرن الثامن : التانتريّة في الصين وانتشار الماهايانا والتانتريّة في أندونيسيا
حوالي 750 : التانتريّة في تيبت
نهاية القرن الثامن : الماهايانا في كمبودجا
منتصف القرن الحادي عشر : توجّه بورما إلى البوذيّة القديمة
نهاية القرن الثاني عشر : انقراض البوذيّة في الهند
القرن الثالث عشر : توجّه تايلاندا إلى البوذيّة القديمة – اللامائيّة التيبيتيّة في مغوليا
القرن الرابع عشر : انتشار البوذيّة القديمة في كمبودجا ولاوس. إصلاح البوذيّة التيبيتيّة ونشأة "الجماعة الصفراء"
القرن الخامس عشر : توجّه أندونيسيا إلى الإسلام
القرن السادس عشر : توجّه مغوليا إلى البوذيّة التيبيتيّة
1782 : المجمع الرابع للبوذيّة القديمة في تايلاندا
1871 : المجمع الخامس في مندلاي (بورما)
1954 : المجمع السادس في رانغون (بورما)
مصادر

Die Lehrreden des Buddha aus der Angereihten Sammlung Anguttara Nikaya, 5 vol., 3ème éd., Köln 1968.
E. Meier / A. Th. Khoury, Buddha für Christen, Freiburg 1986.
G. Mensching, Buddhistische Geisteswelt, Darmstadt 1955.

مراجع

A. Bareau, Buddhismus, in: Die Religionen Indiens, III (Die Religionen der Menschheit 13), Stuttgart 1964, 1-215.
E. Conze, Der Buddhismus, Wesen und Entwicklung, 4ème éd., Stuttgart 1971.
E. Frauwallner, Die Philosophie des Buddhismus, Berlin 1956.
K. Meisig, Der Buddhismus, 3ème éd., Freiburg 2003.

**

مي هاشم
20-01-2006, 07:55 PM
العزيز بندر شاه
موضوع جميل وتعريف مفيد حقاً
وفي إطار البحث في التصوف الإسلامي أحب التنبيه إلى أن مصدر التصوف الإسلامي الإسلام فقط، وأن التصوف عرف وانتشر وتقعدت قواعده قبل نهاية القرن الثالث الهجري.
مراجع
اللّمع/ أبي نصر السراج الطوسي
نظرات في التصوف الإسلامي / الشيخ عبد المحمود الحفيان
إحياء علوم الدين / الإمام الغزالي

بندر شاه
21-01-2006, 02:37 AM
العزيز بندر شاه
موضوع جميل وتعريف مفيد حقاً
وفي إطار البحث في التصوف الإسلامي أحب التنبيه إلى أن مصدر التصوف الإسلامي الإسلام فقط، وأن التصوف عرف وانتشر وتقعدت قواعده قبل نهاية القرن الثالث الهجري.
مراجع
اللّمع/ أبي نصر السراج الطوسي
نظرات في التصوف الإسلامي / الشيخ عبد المحمود الحفيان
إحياء علوم الدين / الإمام الغزالي

***

صوفية الروح الأخت مى هاشم ، شكراً

والتنبيه مهم بعد تجميع المعلومات من أجل التوثيق ؛؛؛

بخصوص المصدر فإن الدلاله تنبع من ذات الإسم وبديهى ان يكون مصدر التصوف الإسلامى هو الإسلام ؛؛؛

وحسب فهمى لكاتب الموضوع ان التداخل لم يحدث فى بداية ظهور الصوفيه و بل بعد انتشارها وهذا مشار اليه فى الفقره أدناه ...

وقد نادى الكثير من العلماء الكبار إلى الإستفادة ممّا عند الصّوفية من الزّهد والورع والتوبة ومحاسبة النفس وتزكيتها عن طريق التّحلي بالأخلاق الحسنة والعبادة وترك الأخلاق الذّميمة، وترك الأشياء الأخرى، ممّا وصل إليه بعضهم- وسجّلوه في كتبهم- كالإتّحاد والحلول الذي اشتهر به الحلاّج الذي حكم عليه صوفية أهل زمانه بالضّلال وسلوك طريق المُجاهدات الصّعبة الذي أتاهم من الهندوسية والجينية والبوذية والفلسفات المختلفة. ولقد كان التّصوف المُنحرف بابًا كبيرًا، دخلت منه كثيرٌ من الشّرور على المسلمين، مثل التّواكل والسّلبية وإلغاء شخصية الإنسان وتعظيم شخصية الشّيخ، فضلاً عن كثير من الضّلالات التي يُخرِجُ بعضُها صاحبَه من الإسلام.

أرجو مراجعة موضوع الحلاج فى بوست " شخصيات عامه " وملاحظة الفتره الزمنيه التى عاش فيها الحلاج ...

الحلاج
858 – 922 م

ولد الحسين بن منصور المعروف بالحلاج في بلدة صغيرة تدعى البيضاء غير بعيدة عن شواطىء خليج فارس الشرقية. تتلمذ في الزهد والتصوف على يد اربعة من كبار المتصوفين هم : المكي ( ت 909م ) والتستري ( ت989 م ) والشبلي ( ت 945 م ) والجنيد . والراجح ان الجنيد هو الذي اقنعه بلبس الصوف وظل مرشده لمدة عشرين عاماً .

أنا شخصياً لا أدرى متى بدأ التصوف و لا أعتقد أن كاتب الموضوع أشار لبداية التصوف أو متى عرف ولكنه أشار لإنتشار التصوف كما موضح فى الفقره أدناه ..

الصّوفيّة حركةٌ دينيّة انتشرت في العالم الإسلامي عقب اتّساع الفتوحات وازدياد الرّخاء الإقتصادي كردّة فعلٍ مضادةٍ للإنغماس في التّرف الحضاري، ما حمل بعضهم على الزّهد الذي تطوّر بهم حتّى صار لهم طريقة معروفة بإسم "الصّوفية".

ماذا يعنى الكاتب بإتساع الفتوحات الإسلاميه و ازدياد الرخاء الإقتصادى ؟؟؟؟ ومتى حدث ؟؟؟
ربماعنى الكاتب قبل نهاية القرن الثالث الهجرى ... وهذا يتوافق مع ما أشرتى اليه فى مداخلتك ...

التصوف عرف وانتشر وتقعدت قواعده قبل نهاية القرن الثالث الهجري.

الأخت الكريمه مى , من الواضح اهتمامك بالقضايا الصوفيه ( الحروف والأعداد عند الصوفية ) وهذا بالطبع يعنى ان معلوماتك أقرب للحقيقه وان تعددت المصادر ... لك الشكر و التقدير عليها ...
و دمت

***

مي هاشم
21-01-2006, 11:23 AM
العزيز بندر شاه


أشكرك للحرص على المتابعة

أولاً بخصوص موضوع الحلاج، لم يرد في أيٍ من أمهات الكتب لا عند لصوفية ولا غيرهم أن الحلاج قد اتّهم أو قُتِل بسبب ضلاله أو المقولة التي انتشرت "مافي الجبة إلاّ الله"!، وإنما السبب كان سياسياً بحتاً، حيث سُجن لأنه كان مناهضاً للحكم آنذاك- سأحاول نقل التفاصيل عن الموضوع لاحقاً.
أما عن التصوف وأصله وانتشاره فقد اختُلف في ذلك، حتى في المنهج نفسه نجد أنه اختلف عمّا كان عليه في بداياته وذلك تبعاً للتطوّر الزماني والمكاني، لكن التمسك بالأصول لا يجب التخلي عنه، وعنيت أن أكتب التصوف الإسلامي لأن البعض يظن أن التصوّف الإسلامي استمد أصوله وأساسيّاته من أديان أخرى ربّما كانت وثنية أحياناً!، لذا أحب التأكيد على أن أصول ومبادئ التصوّف الإسلامي مصدرها الإسلام وإن كان هناك تصوف مسيحي وبوذي ويهودي وغيرها.

مي هاشم
21-01-2006, 11:27 AM
تعريف المصطلح لغةً واصطلاحاً
صوّفَ النبات أي ظهر عليه ما يشبه الصوف،وصوّف فلاناً جعله من الصوفية،وتصوّف فلانٌ أي صار من الصوفية،والتصوّف طريقة سلوكية قوامها التقشف والتحلي بالفضائل لتزكوَ النفس وتسمو الروح،وعلم التصوّف حسبما جاء في المعجم الوسيط هو مجموعة المبادئ التي يعتقدها المتصوفة والآداب التي يتأدبون بها في تجمعاتهم وخلواتهم،والصوفي هو من يتبع طريقة التصوف والعارف بالتصوف، والصّوف الشعر الذي يغطي جلد الضأن. وكلمة تصوّف في اللغةِ يتم تصريفها :تصوّفَ يتصوّفُ تصوّفاً ،فهو متصوّف وهم صوفيّة، ومصطلح التصوّف في أصله الجذريّ اختلُف فيه، فمن الناس من جعله ( ص ف و ) ليكون بذلك مشتقاً من الصفاء، ومنهم من جعله ( ص ف ) ليكون مشتقاً من الصّف أو الصُّفّة، وجعله آخرون من ( ص و ف ) ليكون مشتقاً من الصوف أو صوفة القفا أو من الصوفانة وهي خامة من نبت الصحراء أو صوفة بن بشر بن إدّ بن طابخة .
وقد وردت أقوال كثيرة تؤيد اشتقاق الكلمة من الصفاء ،كقولهم بأنها سميت بذلك لصفاء أسرارها ونقاء آثارها ،ومن هؤلاء الحسن البصري ،فقد قال: (التصوّف أن يكون قلبك صافياً من كدورة المخالفة).
ومنهم أيضاً الإمام الجنيد الذي قال : (التصوّف تصفية القلوب حتى لا يعاودها ضعفها الذاتي)، كما وردت أقوال بذات المعاني لبشر الحافي وممشاد الدينوري وغيرهم من أئمة التصوّف وقال الشاعر:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا وظنه البعض مشتقا من الصوفِ
ولست أمنح هذا الاسم غير فتى صافى فصوفي حتى سمي الصوفي
أما من رجع بالاشتقاق إلى الصّف فقد نظر إلى أنهم – أي الصوفية – في الصّف الأول بين يدي الله تعالى أو لقرب أوصافهم من أهل الصُّفّة الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.كما نجد قوماً ردّوا تلك الاشتقاقات والنّسب باعتبار أن اللغة لا تؤيدها ،على الرغم من صحّة المعاني والدلالات التي أوردها القائلون.ونجد أن الغالبية قد عزت التسمية إلى لباس الصّوف ،وذلك على خلاف ما قاله الإمام القشيري في رسالته القشيرية قائلاً إن التصوّف لقبٌ غلب على هذا العلم موضّحاً أن الاسم (التصوف) لم يشهد من حيث العربية قياساً ولا اشتقاقا،ًمنافياً بذلك الإمام الطوسي في كتابه اللّمع حيث اعتمد القول باشتقاق التصوّف من الصوف،وشرح قائلاً إن نسبة أصحاب الحديث إلى الحديث والفقهاء إلى الفقه،كما إن نسبة الحال مثل الزهد إلى الزهاد والعلم إلى العالمين والإيمان إلى المؤمنين ،فلماذا لم ينسب الصوفية إلى عمل ولا علم ولا حال؟؟ فيقول لأن الصوفية لم ينفردوا بنوعٍ من العلم دون الآخر ولم يرتسموا بحال دون حال ولا مقام دون مقام ،ذلك لنهم معدن جميع العلوم ومحل جميع الأحوال المحمودة والأخلاق الشريفة وهم مع الله من حال إلى حال ،لذلك ما أضفت إليهم حالاً دون الآخر أو علماً أو مقاماً دون الآخر ولكان يلزم إن نسميهم في كل وقت حسب ما يكون الأغلب عليهم من الحال والعلم والمقام،فلما لم يكن ذلك سائغاً ولا معبراً عنهم ولا مترجماً عن حالهم ظهرت نسبتهم إلى ظاهر اللّبسة، حيث إن لبس الصّوف دأب الأنبياء عليهم السلام وشعار الأولياء والأصفياء والآثار في هذا الباب كثيرة وافرة تؤصل القيم التي يدل عليها لبس الصّوف،فلما أضافهم الإمام الطوسي إلى لبس الصّوف كان ذلك اسماً مجملاً مخبراً عن جميع العلوم والأعمال والأخلاق التي انطووا عليها ، وقد أيد سيدي الشيخ عبد المحمود الحفيان ذلك بقوله(وليست هذه النسبة بجديدة على قاموس الفكر الإسلامي فقد نجد قوماً مشهورين بالصلاح ويتصفون بجماع الخير ثم لا ينسبون إلى عمل أو حال أو صفة وإنما ينسبون إلى زيهم) وضرب على ذلك مثلاً بكلمة الحواريّين والتي أطلقها الله تبارك وتعالى على من آمن سيدنا عيسى عليه السلام ونصره وصدقه من بني إسرائيل،والتحوير في لغة العرب يعني التبييض ،وقد نسب أتباع سيدنا عيسى عليه السلام إلى هذا المصطلح لأنهم كانوا يلبسون الحواريّ من الثياب ،فنسبهم الله تبارك وتعالى إلى ظاهر لبسهم كما وردت بذلك الآيات الكريمة.
ولقب الحواريّ الذي ورد في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن لكل نبي حواريّ وأن حواريَّ الزبير بن العوام) أنما يراد به التشبيه بأتباع سيدنا عيسى عليه السلام بواقع الصدق والاتباع والملازمة في كلٍّ،إلا أن قوم سيدنا عيسى عليه السلام هم أهل السبق في إطلاق الاسم عليهم. ولا يستغرب الشيخ عبد المحمود الحفيان بعد ذلك نسبة الصوفية إلى لبس الصوف وهو دأب الأنبياء والصديقين والصالحين،وعلى ذلك فالراجح عنده رضي الله نسبة الصوفية إلى لبس الصوف وإن لم يكن هو الغالب عندهم إلا انه شعار وزيّ ينبئ عن الاخشوشان والتقلل من الدنيا والإنابة إلى الآخرة وقالفليكن هذا الزيّ رمزاً لهذه المعاني ،وليكن المتصوف هو لابس الصوف بكل ما يحمل لبس الصوف من معاني وإشارات) ،وعلى ذلك نرى أن نسبة التصوف إلى الصوف هي الأقرب.


هذا باختصار هو تعريف المصطلح من مصادر ذكرتها سابقاً

وسأعود لأكتب عن ظهور المصطلح واشتهاره


ولك الشكر

أبو الحُسين
21-01-2006, 01:38 PM
أخي الكريم بندر شاه...
أشكرك جداً أخي على هذه المعلومات القيمة وثقافتك العالية في مثل هذه المواضيع ونسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتك...
أخي أستسمحك لكي أتداخل معك قليلاً وأُنبه على بعض الحقائق في المذهب الشيعي الإثنا عشري الإمامي الجعفري (الرافضة) ـ كما يحلو للإمام أبي عبد الله جعفر الصادق تسميتهم به ـ.
ومن ثم لو سمحت لي أخي الكريم سأتناول معك لاحقاً جانباً من الحديث عن الطريقة الختمية الميرغنية وحسب رأيي (خطأ ربطها مع مذهب الرافضة)..
وأبدأ مداخلاتي معك في نقاط حتى تكون سهلة التناول...
أولاً منشأ الشيعة...
لقد ذكر المقال أخي أن منشأ الشيعة وأصلهم كان منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم... وأريد هنا أن أوضح الآتي:
إخوتي الكرام: أن أصل الرافضة ونشأتهم (بإختصار شديد).. بدأت في عهد الخليفة الراشد ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه... عندما قدم عبد الله بن سبأ اليهودي متظاهراً بالإسلام وبدأ يدعو إلى رجعة النبي صلى الله عليه وسلم كما رجعة المسيح عليه السلام... ثم تفاقم أمره وبدأ يدعو إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بالخلافة لكنه لم يجد له أنصاراً في المدينة فانتقل إلى مناطق العراق فنفي منها بعد أن وجد بعض الصعاليك (منهم حكيم بن جبلة) وغيره من أهل العراق... ثم ذهب إلى الشام فنفي منها ولم يجد له أنصاراً هناك نسبةً لحزم والي الخليفة سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه... واستقر به المقام في مصر حيث وجد بعض الرعاع الذين إستجابوا إلى دعوته وثار بعضهم على المدينة منادين بخلع خليفة المسلمين (قبحهم الله)!!!... ومن هنا بدأت الفتنة... والتي تعتبر أعظم فتنة عرفها التاريخ ومن حينها ظهر التشيع لعلي كرم الله وجهه وآله على السطح وعلي وآله عليهم السلام.. براء من هؤلاء الناس يا إخوتي الكرام وأستدل لكم لاحقاً بشئ من التفصيل...
فقط أردت هنا أن أنبه على أن منشأ مذهب الرافضة بدأ من هذا التاريخ... أما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم... فكان أصحابه رضي الله عنهم كالبنيان الواحد يشد بعضه بعضا... ولم تكن هناك تحزبات ولا شيع ولا فرق ومعظم كتب السير والتاريخ تُثبت ذلك إلا أن هناك بعض العصبيات تحصل بين الفينة والأخرى وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لها بالمرصاد...
وإنشاء الله سوف أرجع لهذا الموضوع بشئٍ من التفصيل والتدليل عليه من كتب الرافضة أنفسهم كشيوخهم الكليني والمجلسي والطوسي والمفيد ونعمة الله الجزائري والخميني وغيرهم...

لك ودي كله بلا حدود... ونفعنا الله وإياكم بما نقرأ ونطلع...

أبو الحســـــين...

بندر شاه
21-01-2006, 07:10 PM
*
تعريف المصطلح لغةً واصطلاحاً
صوّفَ النبات أي ظهر عليه ما يشبه الصوف،وصوّف فلاناً جعله من الصوفية،وتصوّف فلانٌ أي صار من الصوفية،والتصوّف طريقة سلوكية قوامها التقشف والتحلي بالفضائل لتزكوَ النفس وتسمو الروح،وعلم التصوّف حسبما جاء في المعجم الوسيط هو مجموعة المبادئ التي يعتقدها المتصوفة والآداب التي يتأدبون بها في تجمعاتهم وخلواتهم،والصوفي هو من يتبع طريقة التصوف والعارف بالتصوف، والصّوف الشعر الذي يغطي جلد الضأن. وكلمة تصوّف في اللغةِ يتم تصريفها :تصوّفَ يتصوّفُ تصوّفاً ،فهو متصوّف وهم صوفيّة، ومصطلح التصوّف في أصله الجذريّ اختلُف فيه، فمن الناس من جعله ( ص ف و ) ليكون بذلك مشتقاً من الصفاء، ومنهم من جعله ( ص ف ) ليكون مشتقاً من الصّف أو الصُّفّة، وجعله آخرون من ( ص و ف ) ليكون مشتقاً من الصوف أو صوفة القفا أو من الصوفانة وهي خامة من نبت الصحراء أو صوفة بن بشر بن إدّ بن طابخة .
وقد وردت أقوال كثيرة تؤيد اشتقاق الكلمة من الصفاء ،كقولهم بأنها سميت بذلك لصفاء أسرارها ونقاء آثارها ،ومن هؤلاء الحسن البصري ،فقد قال: (التصوّف أن يكون قلبك صافياً من كدورة المخالفة).
ومنهم أيضاً الإمام الجنيد الذي قال : (التصوّف تصفية القلوب حتى لا يعاودها ضعفها الذاتي)، كما وردت أقوال بذات المعاني لبشر الحافي وممشاد الدينوري وغيرهم من أئمة التصوّف وقال الشاعر:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا وظنه البعض مشتقا من الصوفِ
ولست أمنح هذا الاسم غير فتى صافى فصوفي حتى سمي الصوفي
أما من رجع بالاشتقاق إلى الصّف فقد نظر إلى أنهم – أي الصوفية – في الصّف الأول بين يدي الله تعالى أو لقرب أوصافهم من أهل الصُّفّة الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.كما نجد قوماً ردّوا تلك الاشتقاقات والنّسب باعتبار أن اللغة لا تؤيدها ،على الرغم من صحّة المعاني والدلالات التي أوردها القائلون.ونجد أن الغالبية قد عزت التسمية إلى لباس الصّوف ،وذلك على خلاف ما قاله الإمام القشيري في رسالته القشيرية قائلاً إن التصوّف لقبٌ غلب على هذا العلم موضّحاً أن الاسم (التصوف) لم يشهد من حيث العربية قياساً ولا اشتقاقا،ًمنافياً بذلك الإمام الطوسي في كتابه اللّمع حيث اعتمد القول باشتقاق التصوّف من الصوف،وشرح قائلاً إن نسبة أصحاب الحديث إلى الحديث والفقهاء إلى الفقه،كما إن نسبة الحال مثل الزهد إلى الزهاد والعلم إلى العالمين والإيمان إلى المؤمنين ،فلماذا لم ينسب الصوفية إلى عمل ولا علم ولا حال؟؟ فيقول لأن الصوفية لم ينفردوا بنوعٍ من العلم دون الآخر ولم يرتسموا بحال دون حال ولا مقام دون مقام ،ذلك لنهم معدن جميع العلوم ومحل جميع الأحوال المحمودة والأخلاق الشريفة وهم مع الله من حال إلى حال ،لذلك ما أضفت إليهم حالاً دون الآخر أو علماً أو مقاماً دون الآخر ولكان يلزم إن نسميهم في كل وقت حسب ما يكون الأغلب عليهم من الحال والعلم والمقام،فلما لم يكن ذلك سائغاً ولا معبراً عنهم ولا مترجماً عن حالهم ظهرت نسبتهم إلى ظاهر اللّبسة، حيث إن لبس الصّوف دأب الأنبياء عليهم السلام وشعار الأولياء والأصفياء والآثار في هذا الباب كثيرة وافرة تؤصل القيم التي يدل عليها لبس الصّوف،فلما أضافهم الإمام الطوسي إلى لبس الصّوف كان ذلك اسماً مجملاً مخبراً عن جميع العلوم والأعمال والأخلاق التي انطووا عليها ، وقد أيد سيدي الشيخ عبد المحمود الحفيان ذلك بقوله(وليست هذه النسبة بجديدة على قاموس الفكر الإسلامي فقد نجد قوماً مشهورين بالصلاح ويتصفون بجماع الخير ثم لا ينسبون إلى عمل أو حال أو صفة وإنما ينسبون إلى زيهم) وضرب على ذلك مثلاً بكلمة الحواريّين والتي أطلقها الله تبارك وتعالى على من آمن سيدنا عيسى عليه السلام ونصره وصدقه من بني إسرائيل،والتحوير في لغة العرب يعني التبييض ،وقد نسب أتباع سيدنا عيسى عليه السلام إلى هذا المصطلح لأنهم كانوا يلبسون الحواريّ من الثياب ،فنسبهم الله تبارك وتعالى إلى ظاهر لبسهم كما وردت بذلك الآيات الكريمة.
ولقب الحواريّ الذي ورد في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن لكل نبي حواريّ وأن حواريَّ الزبير بن العوام) أنما يراد به التشبيه بأتباع سيدنا عيسى عليه السلام بواقع الصدق والاتباع والملازمة في كلٍّ،إلا أن قوم سيدنا عيسى عليه السلام هم أهل السبق في إطلاق الاسم عليهم. ولا يستغرب الشيخ عبد المحمود الحفيان بعد ذلك نسبة الصوفية إلى لبس الصوف وهو دأب الأنبياء والصديقين والصالحين،وعلى ذلك فالراجح عنده رضي الله نسبة الصوفية إلى لبس الصوف وإن لم يكن هو الغالب عندهم إلا انه شعار وزيّ ينبئ عن الاخشوشان والتقلل من الدنيا والإنابة إلى الآخرة وقالفليكن هذا الزيّ رمزاً لهذه المعاني ،وليكن المتصوف هو لابس الصوف بكل ما يحمل لبس الصوف من معاني وإشارات) ،وعلى ذلك نرى أن نسبة التصوف إلى الصوف هي الأقرب.


هذا باختصار هو تعريف المصطلح من مصادر ذكرتها سابقاً

وسأعود لأكتب عن ظهور المصطلح واشتهاره


ولك الشكر

***

الأخت الكريمه مى ، شكراً

رجاء : خارج الموضوع الأساسى
بلاقى صعوبه شديده فى قراءة الحروف الصغيره " الإستقماتزم هرت العيون " . أرجو متوسلاً زيادة حجم الفونتس فى المستقبل حتى يسهل الإطلاع على كتاباتك القيمه و المفيده ... معليش مع الشكر

-+-

وقد اختُلِفَ في اشتقاق كلمة التّصوف أو الصّوفية، فقيل: "الصّوفية" نسبة إلى رجلٍ جاهليٍّ يُقالُ له "صوفة"، واسمه "الغوث بن مر". وقيل: مشتقّةٌ من "سوفيا" اليونانية، ومعناها الحكمة. وقيل: مُشتقّةٌ من "الصّوف" لاشتهارهم بالزّهد والتّقشف ولبس الصّوف؛ وقيل: من "الصّفة" أيّ صفة من مسجد رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم؛ وقيل: من "الصّفاء"؛ وقيل: من "الصّف الأوّل"..

على كلّ حالٍ، فالتّصوف النّقي الحقيقيّ الخالي من الخُرافات والبِدَع يكوِّنُ الجزء الثّالث من الإسلام، وهو الإحسان }أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك{. ولا مشاحة في الإصطلاح كما يقول العُلماء. فالبعض سمّى هذا الجانب من الإسلام بالسّلوك، والبعض التّزكية، والبعض التّربية، والبعض -كالشّيخ محمد الغزالي الذّي سمّاه: "الجانب العاطفي من الإسلام". ومرَّ التّصوف بأدوارٍ كثيرةٍ، جَنَح خلالها بعضهم في المسار، حتّى تداخلت طريقتهم مع فلسفاتٍ هنديّةٍ وفارسيّةٍ ويونانيّةٍ مُختلفةٍ.

أرى بعض التقارب فى تعريف معانى كلمة التصوف ...

الأخت مى أرجو مواصلة الكتابه و القاء الضؤ على فكر الصوفيه حتى يرى القارى وجهة نظرك و القائمه على مصادر البحث والتى ذكرتيها آنفاً ...

مراجع
اللّمع/ أبي نصر السراج الطوسي
نظرات في التصوف الإسلامي / الشيخ عبد المحمود الحفيان
إحياء علوم الدين / الإمام الغزالي
وفقن الله جميعاً لما فيه الخير

أضافه :عندما يحاول الباحث دراسة التاريخ فتجميع المعلومات يمثل الخطوه الأولى وهنا تظهر مشكلة تعدد و تنوع المصادر والمراجع لذا تتوجب عملية التنقيح و المقارنه و اختيار الوثائق التى يرى الكاتب انها تمثل أو أقرب الى تصوير الحدث التاريخى ... أحياناً يأخذ الباحث من هذه المعلومات مايراه مناسباً لفكره او حجته ويدعمه بما يتناسب مع فكره من مراجع ... وهنا تظهر مسئولية القارىء فى القيام بالمزيد من البحث وتنويع و المصادر و الإطلاع على العديد منها ... وبعدها يأتى تقييمه الشخصى مثله مثل الباحث ...


ودمت

***

بندر شاه
21-01-2006, 07:26 PM
أخي الكريم بندر شاه...
أشكرك جداً أخي على هذه المعلومات القيمة وثقافتك العالية في مثل هذه المواضيع ونسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتك...
أخي أستسمحك لكي أتداخل معك قليلاً وأُنبه على بعض الحقائق في المذهب الشيعي الإثنا عشري الإمامي الجعفري (الرافضة) ـ كما يحلو للإمام أبي عبد الله جعفر الصادق تسميتهم به ـ.
ومن ثم لو سمحت لي أخي الكريم سأتناول معك لاحقاً جانباً من الحديث عن الطريقة الختمية الميرغنية وحسب رأيي (خطأ ربطها مع مذهب الرافضة)..
وأبدأ مداخلاتي معك في نقاط حتى تكون سهلة التناول...
أولاً منشأ الشيعة...
لقد ذكر المقال أخي أن منشأ الشيعة وأصلهم كان منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم... وأريد هنا أن أوضح الآتي:
إخوتي الكرام: أن أصل الرافضة ونشأتهم (بإختصار شديد).. بدأت في عهد الخليفة الراشد ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه... عندما قدم عبد الله بن سبأ اليهودي متظاهراً بالإسلام وبدأ يدعو إلى رجعة النبي صلى الله عليه وسلم كما رجعة المسيح عليه السلام... ثم تفاقم أمره وبدأ يدعو إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بالخلافة لكنه لم يجد له أنصاراً في المدينة فانتقل إلى مناطق العراق فنفي منها بعد أن وجد بعض الصعاليك (منهم حكيم بن جبلة) وغيره من أهل العراق... ثم ذهب إلى الشام فنفي منها ولم يجد له أنصاراً هناك نسبةً لحزم والي الخليفة سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه... واستقر به المقام في مصر حيث وجد بعض الرعاع الذين إستجابوا إلى دعوته وثار بعضهم على المدينة منادين بخلع خليفة المسلمين (قبحهم الله)!!!... ومن هنا بدأت الفتنة... والتي تعتبر أعظم فتنة عرفها التاريخ ومن حينها ظهر التشيع لعلي كرم الله وجهه وآله على السطح وعلي وآله عليهم السلام.. براء من هؤلاء الناس يا إخوتي الكرام وأستدل لكم لاحقاً بشئ من التفصيل...
فقط أردت هنا أن أنبه على أن منشأ مذهب الرافضة بدأ من هذا التاريخ... أما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم... فكان أصحابه رضي الله عنهم كالبنيان الواحد يشد بعضه بعضا... ولم تكن هناك تحزبات ولا شيع ولا فرق ومعظم كتب السير والتاريخ تُثبت ذلك إلا أن هناك بعض العصبيات تحصل بين الفينة والأخرى وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لها بالمرصاد...
وإنشاء الله سوف أرجع لهذا الموضوع بشئٍ من التفصيل والتدليل عليه من كتب الرافضة أنفسهم كشيوخهم الكليني والمجلسي والطوسي والمفيد ونعمة الله الجزائري والخميني وغيرهم...

لك ودي كله بلا حدود... ونفعنا الله وإياكم بما نقرأ ونطلع...

أبو الحســـــين...

***

الأخ الفاضل أبو الحسين ، شكراً

أسعدنى كثيراً وجودك هنا وأثار اهتمامى اكثر ما كتبت و التوضيحات التى أضفتها ومحاولات تصحيح بعض الحقائق عن الشيعه ...
أرجو مواصلة الكتابه حتى نتمكن من تصحيح و تنقيح المعلومات المتفرقه و المتضاربه أحياناً ، و الوصول للحقيقه ...

وفقنا الله جميعاً لما فيه الخير

ودمت

أضافه :
عندما يحاول الباحث دراسة التاريخ فتجميع المعلومات يمثل الخطوه الأولى وهنا تظهر مشكلة تعدد و تنوع المصادر والمراجع لذا تتوجب عملية التنقيح و المقارنه و اختيار الوثائق التى يرى الكاتب انها تمثل أو أقرب الى تصوير الحدث التاريخى ... أحياناً يأخذ الباحث من هذه المعلومات مايراه مناسباً لفكره او حجته ويدعمه بما يتناسب مع فكره من مراجع ... وهنا تظهر مسئولية القارىء فى القيام بالمزيد من البحث وتنويع و المصادر و الإطلاع على العديد منها ... وبعدها يأتى تقييمه الشخصى مثله مثل الباحث ...

***

أبو الحُسين
22-01-2006, 09:46 AM
أخي الكريم بندر شاه والإخوة المتداخلون...
سأُواصل في تفنيد وتوضيح بعض ما ذكره المقال عن عقائد هؤلاء الرافضة...
جاء في المقال...

أهم عقائدهم ومعتقداتهم (أي الرافضة)....

1 – التوحيد وهذا يوجب الطاعة والعبادة لله . فمن عبد شيئاً معه او شيئاً دونه او ليقرّبه زلفى الى الله فهو كافر. فلا تجوز العبادة الا لله وحده ولا شريك له . ولا تجوز عبادة الانبياء والأئمة بدعوى انها عبادة الله انما يجب طاعتهم فيما يبلغون عن طاعة الله .
.............................................
وأنظر الشك الذي يقوله إمام زمانه الإمام الخميني قائد ومفجر الثورة الإسلامية في إيران!!!! في كتابه كشف الأسرار الصفحة رقم 123 (( إننا لا نعبُد إلهً يُقيم بناءاً شامخاً للعبادة والعدالة والتديُّن، ثم يقوم بهدمه بنفسه، ويُجلس يزيداً ومعاوية وعمثان وسواهم من العُتاة في مواقع الإمارة على الناس، ولا يقوم بتقرير مصير الأُمة بعد وفاة نبيه))!!!

إذاً إقرارهم بأن الإله الذي يعبدونه هو ليس الإله الذي أقام الخلفاء عثمان ومعاوية رضي الله عنهم والخليفة يزيد بن معاوية بعد أبيه، وهو ليس الإله الذي لم يقرر مصير الأُمة بعد وفاة نبيه على حد زعمهم!!!؟؟؟

هل هذه فرقة تلتقي معها الميرغنية الطريقة الطاهرة المحبة للنبي صلى الله عليه وأله وصحبه؟؟؟ أو أي طائفة صوفية تدين برب العالمين وتحب نبيه وصحبه المصطفين؟؟؟!!!
ولي رجعة بإذن الله تعالى...

أبو الحســـــين...

ود البدوي
22-01-2006, 10:33 AM
جزاك الله خيراً على هذا الإسهاب والتوضيح فعلاً أتحفتنا . واصل وربنا يزيدك

مي هاشم
22-01-2006, 10:37 AM
أضافه :عندما يحاول الباحث دراسة التاريخ فتجميع المعلومات يمثل الخطوه الأولى وهنا تظهر مشكلة تعدد و تنوع المصادر والمراجع لذا تتوجب عملية التنقيح و المقارنه و اختيار الوثائق التى يرى الكاتب انها تمثل أو أقرب الى تصوير الحدث التاريخى ... أحياناً يأخذ الباحث من هذه المعلومات مايراه مناسباً لفكره او حجته ويدعمه بما يتناسب مع فكره من مراجع ... وهنا تظهر مسئولية القارىء فى القيام بالمزيد من البحث وتنويع و المصادر و الإطلاع على العديد منها ... وبعدها يأتى تقييمه الشخصى مثله مثل الباحث ...


ودمت



العزيز بندر شاه
كل الشكر على التنبيه، صدقت.على الباحث اخذ الرأي والرأي الآخر، لكني نسبةً لضيق الوقت وعدم توفر المراجع الموثوق بها رأيت الخذ بما هو معروف زمنتقى من الكتب التي عرفت وتحدثت عن التصوف الإسلامي.

وسنواصل

بندر شاه
24-01-2006, 12:19 AM
***
الأخ الفاضل أبو الحسين ، شـــكراً

لقد ذكرت فى ردك الأخير الآتى :

وأنظر الشك الذي يقوله إمام زمانه الإمام الخميني قائد ومفجر الثورة الإسلامية في إيران!!!! في كتابه كشف الأسرار الصفحة رقم 123 (( إننا لا نعبُد إلهً يُقيم بناءاً شامخاً للعبادة والعدالة والتديُّن، ثم يقوم بهدمه بنفسه، ويُجلس يزيداً ومعاوية وعمثان وسواهم من العُتاة في مواقع الإمارة على الناس، ولا يقوم بتقرير مصير الأُمة بعد وفاة نبيه))!!!

إذاً إقرارهم بأن الإله الذي يعبدونه هو ليس الإله الذي أقام الخلفاء عثمان ومعاوية رضي الله عنهم والخليفة يزيد بن معاوية بعد أبيه، وهو ليس الإله الذي لم يقرر مصير الأُمة بعد وفاة نبيه على حد زعمهم!!!؟؟؟

أرجو اضافة ماقبل وما بعد هذه الفقره حتى يتبن المضمون والمحتوى لما عناه الإمام الخمينى ... حتى لا نتجنب الإستنتاج بعد قراءة هذه الفقره والتى يمكن تؤدى الى الحكم عليه بالكفر كما ذكرت ... أعوذ بالله من الكفر ...

***

بندر شاه
24-01-2006, 12:25 AM
جزاك الله خيراً على هذا الإسهاب والتوضيح فعلاً أتحفتنا . واصل وربنا يزيدك

***

الأخ ود البدوى ، شكراً ...

وفقنا الله جميعاً لم فيه الخير ...

ودمت

***

بندر شاه
24-01-2006, 12:35 AM
*

***

الأخت مى أرجو مواصلة الكتابه و القاء الضؤ على فكر الصوفيه حتى يرى القارى وجهة نظرك و القائمه على مصادر البحث والتى ذكرتيها آنفاً ...


وفقنا الله جميعاً لما فيه الخير

أضافه :عندما يحاول الباحث دراسة التاريخ فتجميع المعلومات يمثل الخطوه الأولى وهنا تظهر مشكلة تعدد و تنوع المصادر والمراجع لذا تتوجب عملية التنقيح و المقارنه و اختيار الوثائق التى يرى الكاتب انها تمثل أو أقرب الى تصوير الحدث التاريخى ... أحياناً يأخذ الباحث من هذه المعلومات مايراه مناسباً لفكره او حجته ويدعمه بما يتناسب مع فكره من مراجع ... وهنا تظهر مسئولية القارىء فى القيام بالمزيد من البحث وتنويع و المصادر و الإطلاع على العديد منها ... وبعدها يأتى تقييمه الشخصى مثله مثل الباحث ...


ودمت

***


***

الفنانه صوفية الروح , الأخت مى ، شكراً

أردت هنا محاولة التعرف على شخصية الإمام الغزالى ذلك المرجع الهام ، بنقل هذا الموضو من بوست " شخصيات عامه "

http://sudaniyat.net/vb/showthread.php?p=10651#post10651

-+-


الإمام الغزالـي
1059-1111م

وُلِدَ حجّة الإسلام الإمام أبو حامد محمّد الغزالي في ضاحية غزالة بمدينة طوس، من أعمال خُراسان.

كان والده، إلى جانب اشتغاله بغزل الصّوف، يقوم بخدمة رجال الدين والفقهاء في مجالسهم. وكانت أقصى أمانيه أن يرى أحد وَلَديه محمد وأحمد خطيبًا وعالمًا. ولكن الدّهر لم يمهله ليحقّق أمنيته، فمات والولدان قاصران، فتعهّدهما بالتربية والعلوم الأولى صديق صوفيّ لأبيهما، ينفق عليهما ممّا تركه الوالد من مالٍ قليلٍ.

دَرَس محمّد العلوم في بلدته، ثم انتقل إلى جرجان سنة 1073م طَلَبًا للتّزيد والتّعمق. رحل إلى نيسابور سنة1078م وهي من مُدن العِلمِ المعروفة آنذاك، فاتّصل بإمام الحَرَمين أبي المعالي الجويني "عالم عصره في التوحيد والإلمام بمذاهب الأشرعية وطرق الجدل والأصول والمنطق". فدرس الغزالي عليه كل هذه العلوم والمذاهب كما دَرَس شيئًا من الفلسفة.

انتقل إلى بغداد بعد موت أستاذه الجويني عام 1085م، فاتّصل في المُعَسكر بالوزير السّلجوقي في نظام الملك طوال خمس سنوات، ظهر خلالها تفوّقه في الكلام والفقه والعلوم الشرعية أثناء مناظراته الأئمة والمفكّرين، فعيّنه الوزير أستاذًا مُشرفًا على النّظامية في بغداد وهي أشهر المدارس في عصرها.

أُعجِبَ الكُلّ بحُسن كلام الغزالي وكمال فضله وعبارته الرّشيقة ومعانيه الدقيقة. وتمتّع بما اشتهى من جاهٍ ومالٍ فأصبحت حلقات درسه مُلتقى العلماء والقضاة والأمراء والوزراء، وأقبل عليه الطّلاب إقبالاً مُنقطع النظير من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. فكان يزدحم ثلاثمائة طالب لأحاديثه في علوم الكلام والأخلاق والعقائد.

يحدّث الغزالي أنّه وقع في أول هذه المرحلة بأزمةٍ من الشك الذي كانت خطوطه بدأت تتكوّن في نيسابور، لكنه اجتازها بعد شهرين من القلق كان فيهما على مذهب السفسطة. اهتم بالفلسفة أثناء بحثه عن الحقيقة، فأكبّ على تحصيلها وطالع كتب المتقدمين والمتأخرين وألّف كتابيه: "مقاصد الفلاسفة"، "وتهافت الفلاسفة" وفيه كفّر الفلاسفة. اعتزل التّدريس سنة 1095م بعد أزمةٍ نفسيةٍ عنيفةٍ وصراعٍ شديدٍ تردّد فيه بين شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبًا من ستة أشهر، وأخذ بعده بحياة التّصوف، فخرج من بغداد إلى الشام ثم إلى بيت المقدس والحجاز حيث قضى سنوات في الزهد والعبادة على طريقة المتصوفين. وجذبته دعوات الأطفال إلى الوطن فعاد إلى طوس وعزم على الدعوة إلى الإصلاح الديني، فقام يؤلف كتابه: "إحياء علوم الدّين" ولكنه عاد إلى التدريس في نظامية نيسابور مدة سنتين (1105– 1106م) بناءً على دعوةٍ مُلحّةٍ من السلطان. انصرف بعد ذلك إلى التصوف في مسقط رأسه طوس، إلى أن وافته منيّته.

ترك الغزالي عددًا كبيرًا من المؤلّفات في شتى فروع النّشاط الفكري، أهمّها:

1- في التصوف والأخلاق: إحياء علوم الدين، كتاب الأربعين في أصول الدين، الأدب في الدين، آداب الصوفية، ميزان العمل، أيّها الولد، جواهر القرآن، معراج السالكين، منهاج العابدين، مشكاة الأنوار... إلخ.

2- في العقائد والفقه والأصول: عقيدة أهل السنة، القسطاس المستقيم، الإقتصاد في الإعتقاد، إلجام العوام عن علم الكلام، الرسالة القدسية، المُستظهري (فضائح الباطنية)، المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحُسنى.

3- في الفلسفة والمنطق: مقاصد الفلاسفة، تهافت الفلاسفة، معيار العلم في المنطق.

4- ترجمة حياة: المُنقذ من الضلال.

**

ود البدوي
29-01-2006, 10:58 AM
شكراً ليك كتير أخي بندر شاه لقد أسهبت وما قصرت والله وما شاء الله نفسك طويل الله يديك العافية
ولى معك مساجلات ومشاركات بإذن الله بس خلينا نلقى لينا فرقة
دم طيباً عزيزى

بندر شاه
30-01-2006, 05:48 PM
شكراً ليك كتير أخي بندر شاه لقد أسهبت وما قصرت والله وما شاء الله نفسك طويل الله يديك العافية
ولى معك مساجلات ومشاركات بإذن الله بس خلينا نلقى لينا فرقة
دم طيباً عزيزى

***

الأخ الكريم ود البدوى ، شكراً
وفى انتظارك
تكرم و دمت

***

بندر شاه
30-01-2006, 05:50 PM
***

المذهب المالكي

هو مِن أوسع المذاهب الإسلامية انتشارًا في القديم، يتبنّى الآراء الفقهيّة والعقائديّة والسّياسية للإمام مالك بن أنس. تبلور مذهبًا واضحًا ومستقلاً في القرن الثاني الهجري. أهمّ أفكاره إغلاق باب الإجتهاد، وعدم جواز الخروج على الحاكم الظالم الجائر.

عوامل الظّهور:

- العامل السّياسي المُتمثّل في تبنّي الحكم العبّاسي لكلّ الأفكار والإتّجاهات التّي تصبّ في خدمتهم، وتبعد النّاس عن المذهب المُتمثّل في أهل البيت.

- الدّعم والمكانة اللّتان حَظِيَ بهما مالك لدى النّظام الحاكم، ممّا ساعده على كسب عددٍ كبيرٍ من الطّلاب والمؤيّدين.

- انقسام مدرسة الصّحابة إلى مدرسة الرّأي ومدرسة الحديث؛ وكان من نتائج هذا الإنقسام أن ظهرت شخصيّة مالك في الحجاز.

- محاولة العباسييّن إثارة النّزاعات العقائدية. فقد فكّروا في تحجيم آراء أبي حنيفة في حياته عن طريق التّرويج لعقائد مالك، الأمر الذي أثار النّزاع بين المَدرستَين.

- الظّرف القاهر الذي يعيشه أئمّة أهل البيت في ظلّ الظّلم والجور العبّاسي.

- محاولة العباسييّن خلق قواعد شعبّية تساندهم، وذلك عن طريق اهتمامهم بأمثال هذه المذاهب.

تأسّس المذهب المالكي على يد مالك بن أنس بعد اتّصاله بالخليفة العباسي المنصور، وذلك في أوائل القرن الثّاني الهجري، وتطوّرت معالمه على يد تلاميذه من بعده. وارتفع شأن الإمام مالك وصار له صيت شائع نتيجةً للدّعم اللاّمحدود الذي أولاه إيّاه العبّاسيّون، حتّى إنّ المنصور قال له يومًا: <<أنتَ والله أعلم النّاس وأعقلهم. لَئِن بقيتَ لأكتبنّ قولك كما تكتب المصاحف، ولأبعثنّ به إلى الآفاق، فاحملهم عليه>>.

توسّعت قاعدة المذهب المالكي في الحجاز والمدينة المنوّرة بسبب دعم العبّاسييّن لهُ. وبناءً على طلب المنصور والمهدي، صنّف مالك كتابه "الموطأ". وما إن فرغ منه، حتّى فرضه العبّاسيّون على النّاس بحدّ السّيف، ومَنَحَ مالك، إضافةً لسلطة القضاء، صلاحياتٍ أخرى؛ فكان يسجن ويجلد. وقد ذكرت كتبٌ مناقب مالك كثيرًا من ذلك.

وفي عام 237 هـ، أخرج قاضي مصر أصحاب أبي حنيفة والشّافعي من المسجد، فلم يبق سوى أصحاب مالك. وكان للقاضي الحارث بن سكين الأثر الفاعل في نشر المذهب هناك.

أصدر المنصور أوامره إلى ولاته بأن يكونوا طوع إرادة مالك، فأصبح مُهابًا عند الولاة والنّاس على السّواء.

وفي المغرب العربي، كان لـ "يحيى بن يحيى"، وهو من تلاميذ مالك، الأثر الفعّال في نشر المذهب وكسب المؤيّدين له. فكانت له مكانته الكبيرة عند السّلطان. وقد استغلّ هذه المكانة، فكان لا يُولّي القضاء إلاّ مَن كان على مذهبه.

تبنّت دولة المرابطين، ومن بعدها دولة الموحّدين في المغرب الأقصى، مذهب مالك؛ ونشروا الكتب التّي تحوي آراءه، فتوسّع المذهب ورسخت قواعده بسبب دعم السّلطة له. قال ابن حزم: "مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرّياسة والسّلطان؛ الحنفي في المشرق، والمالكي بالأندلس". وفي عهد الرّشيد حُصِرَ الإفتاء بيد مالك بن أنس.

الأفكار والمُعتقدات:

- يعتقد أتباع المذهب المالكي بصحّة إيمان مَن وحّد الله واعترف بالرّسول (ص) وإن لم يُصَلّ ولم يصم.

يقولون بجواز الرّؤية البصرية على الله تعالى في يوم القيامة، مُستدلّين بقوله تعالى: <<وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربّها ناظرة>>.

- يقولون بإنّ الخلافة لا تصحّ في غير قريش.

- يعتقدون بعدالة الصّحابة وحجّية أقوالهم جميعًا.

- لايجوز، في نظرهم، الخروج على الحاكم الجائر.

- يجيزون دخول المُشرك إلى المساجد، عدا المسجد الحرام.

- يعتقدون بصحّة الصّلاة إلى جنب المرأة وإن كانت أجنبيّة.

- يعتقدون بأن الخليفة يصبح شرعيًا إذا بايعه أهل الحرمين (مكة والمدينة). ولا تصحّ حتّى لو بايعته كلّ الأقاليم إذا لم يبايعه أهل الحرمين.

- أصول التّشريع عندهم هي الكتاب والسنة وقول الصّحابي والقياس والإستحسان والعُرف والعادة والإجماع والمصالح المُرسَلة... وقيل أكثر من ذلك.

انتشر المذهب المالكي في الحجاز انتشارًا واسعًا لأنها موطن مالك بن أنس. كما انتشر في بغداد بسبب دعم السّلطة العبّاسية له؛ وظهر في البصرة بعد خمسة قرونٍ من تاريخ انتشاره في الحجاز. ثم ظهر في بلاد فارس، وضعف فيها في عهد الدّولة الصّفويّة.

يُعتَبَر المذهب المالكي الغالب في البحرين وقطر والكويت والسّودان وبلاد المغرب العربي. كما انتشر في الأندلس، حتّى كان أهلها يغالون في مالك وفقهه؛ وقد إلتزموا فَتوَاه نظرًا لإلزام السّلطة لهم.


***

بندر شاه
30-01-2006, 05:53 PM
***

المذهب الحَنبَلي

هو أقلّ المذاهب الإسلامية سعةً وانتشارًا، ويتبنّى آراء الإمام أحمد بن حَنبل الفُقهيّة والعقائديّة والسّياسيّة. وتبلورَ مذهبًا في أواخر القرن الثّالث الهجري. أهمّ أفكاره إغلاق باب الإجتهاد وعدم تجويز الخروج على الحاكم وإن كان ظالمًا جائرًا.

عوامل النّشوء

ـ العامل السّياسي المُتمثّل بدعم الحاكم العبّاسي لهذا المذهب الجديد الذّي يُخالف، جملةً وتفصيلاً، مواقف أئمّة أهل البيت وشيعتهم من الحُكّام الجائرين. فقد مهّدوا لنشوء مثل هذه المناهج التّي تعطيهم مبرّرًا شرعيًا للحكم كما يخالف تمامًا مذهب المعتزلة.

ـ الفتاوى والآراء التّي أتى بها أحمد بن حنبل، والتي تنسجم مع توجّهات الحكم القائم، -كقوله بأنّ العم يرث دون البنت أو إبن العم-، دعمًا لدعوى العبّاسييّن في أنّ العبّاس بن عبد المطلب هو الذي ورث النبي (ص).

ـ محاولة الحكم العباسي في ايجاد ثقلٍ يقف في مواجهة الوجود الشّيعي، الأمر الذي دفع بالعبّاسييّن إلى ترويج مُصطلح أهل السّنة في مقابل الشّيعة. وجديرٌ بالذّكر أنّ هذا الإسم الجديد لم يظهر إلى حيّز الوجود إلاّ في العصر العبّاسي الأوّل.

ـ طريقة التّرويج الإعلامي التّي اعتمدها العبّاسيون والتي تشيد بمكانة أحمد بن حنبل.

أسّس أحمد بن حنبل مذهبه بعد خروجه من السّجن في أيّام المُعتصم العبّاسي، وذلك على أثر قضية خلق القرآن؛ ثمّ تطوّرت معالم هذا المذهب على أيدي تلاميذه من بعده. وجاء المتوكّل للحكم، فقرّب أحمد بن حنبل كثيرًا، وأعطاه مُطلق الحرّية في إبداء آرائه التّي يصب معظمها في خدمة نظام الحكم العباسي. فأغدق عليه العطاء لينفق على طلاّبه الذّين كَثُر عددهم بسبب ذلك، وساعد على رواج المذهب.
قام أحمد بن حنبل برحلاتٍ بين عددٍ من المدن الإسلامية، مُروّجًا لمذهبه. كما تولّى ابنه صالح القضاء في أصبهان، ممّا ساهم في نشر أفكار المذهب الجديد. ثمّ جاءت حرب المتوكّل العبّاسي للشيعة والمعتزلة{ وأمره قضاته، على المدينة وغيرها، بإخراج أصحاب أبي حنيفة والشّافعي من المسجد. فخلا الجوّ لأحمد بن حنبل بنشر آرائه.

وفي عام 381 هـ، تبلورت آراؤه مذهبًا له أصول ومعالم واضحة، وذلك عندما أمر القادر بالله العبّاسي أربعة من فقهاء المذاهب الأربعة أن يصنّف كلّ منهم مختصرًا عن مذهبه.

- وفي عام 645 هـ، صدر أمرٌ عن المستعصم لأساتذة المَدرَسَة المُستنصرية بأن لا يتعدّوا كلام السّابقين.

ـ وفي عام 665 هـ، أمر الملك الظّاهر، أحد ملوك المماليك بمصر، بغلق باب الإجتهاد. فتوقّف الإجتهاد عندهم منذ ذلك الحين.

ـ اتّسعت رقعة هذا المذهب بشكلٍ كبيرٍ على يد ابن تيميّة الذّي عمل على نشره في الشّام ومصر. ووُلِدَ المذهب الحَنبلي من جديدٍ على يد محمّد بن عبدالوهاب في نجد والجزيرة العربية.


الأفكار والمُعتقدات

يقول الحنبليون بالتّجسيم، ويدّعون أنّ لله تعالى يدًا ورجلاً ووجهًا.

ـ يقولون بعدم الحاجة إلى العقل في الإعتقادات، بل تكفي الآيات والرّوايات في ذلك.

ـ أجازوا للمكلّف أن يقلّد في الأصول.

ـ يعتقدون بأنّ القرآن الكريم غير مخلوق.

ـ يقسّمون الإيمان إلى قولٍ وعملٍ. ومُرتكب الكبيرة في نظرهم خارج من الإيمان. وإذا تاب عاد إلى إيمانه.

ـ لا يكفّرون مرتكب الكبيرة ما دام موحّدًا.

ـ يعتقدون أنّ قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرّحمن، يقلبها كيفما يشاء ويودعها ما أراد.

ـ لاتجوز الإمامة في نظرهم إلاّ في القُرشي، وإن كان ظالمًا فاسقًا.

ـ الخلفاء الرّاشدون مُرتَّبون في الفضل حسب ترتيـبهم في الخلافة. ومَن سبّ الخلفاء الرّاشدين فهو كافر، وكذلك من سَبّ السّيدة عائشة.

ـ يقولون بعدم جواز الخروج على الحاكم الجائر.

ـ يؤمنون بعدالة الصّحابة حتّى مَن اشتهر منهم بالفسق والظّلم.

ـ جوّزوا المسح على العمامة والجورب، وقالوا بجواز الجمع بين الصّلاتين في أماكن مشهورةٍ. وقالوا إنْ مَنِيَ الآدميّ ومَنِيَ ما يؤكل لحمه طاهر.

ـ جوّزوا الوضوء بكلّ ما يُسمّى ماء، مطلقًا كان أو مضافًا.

ـ يرجعون في استنباطهم الشّرعي إلى النّص والإجماع وفتوى الصّحابة. وإن اختلفوا اختير ما يوافق الكتاب والسُّنة. وهم يأخذون بالأحاديث الضّعيفة والمُرسلة، ويعتمدون القياس والإستحسان في بعض الحالات.

ـ يعتقدون بأنّ الله تعالى يُخرج قومًا من أهل النّار بيده في يوم القيامة. ويعتقدون بأنّ الموت يذبح يوم القيامة بين الجنة والنار.

ـ يعتقدون بأنّ الحوض حقّ تردّه أمة محمد (ص) ، وله آنية يشربون بها.

ـ حرّموا زيارة القبور والتّوسل بالأولياء.

ـ يجيزون صلاة الجمعة قبل الزّوال.

ـ يجيزون قتل من ترك الصّلاة تهاونًا غير جاحدٍ لها، و يعتقدون بأنّه مشرك ويُدفَن في مقابر المُشركين.

ـ طواف الحائض جائزٌ إذا لم يمكنها الطّواف حال طهرها، ولاشيء عليها.

ـ يجوز جلوس المأمومين فـي الصّلاة مع عدم عجزهم عن القيام، إذا كان الإمام جالسًا بسبب عدم قدرته على القيام.

ينتشر المذهب الحنبلي على نطاقٍ أضيق من سواه من المذاهب، لأنه ظهر بعد أن اجتاحت المذاهب الثلاثة الأخرى معظم الأمصار. وهو ينتشر الآن في الحجاز بفعل الوهّابيين الذين هم في الحقيقة صورة ثانية للمذهب الحنبلي، فهم يؤلّفون نصف السّكان. وفي بلاد الشّام يؤلّف الحنابلة ربع السّكان. وللمذهب اتباعٌ قليلون في إيران والعراق والخليج ومصر.

***

بندر شاه
30-01-2006, 05:55 PM
***

المذهب الشّافعـي

هو أحد المذاهب الأربعة، أسّسه الإمام محمّد بن إدريس الشّافعي الذّي اعتمد على الجمع بين مدرستي الرّأي والحديث. ويُعدّ الشّافعي من الأوائل الذّين وضعوا علم الأصول. وكانت مصر هي المكان الذّي صدر عنه هذا المذهب وتبلور مذهبًا فقهيًا مُستقلاً في أوائل القرن الثّالث الهجري.

تلقّى محمد بن إدريس الشّافعي الفقه والحديث على يد مالك، والرّأيَ على يد محمد بن الحسن الحَنفي. ونظرًا لتمتّعه بالثّقافة الواسعة والقدرة الفائقة على الجدل، فقد استطاع أن يرسم لنفسه منهجًا وسطاً جمع فيه بين مدرستيّ الرّأي والحديث، تمخّض عنهما المذهب الشّافعي.

ولعلّ أهمّ العوامل التّي هيّأت للشّافعي أسباب النّجاح في مصر هي:

أ - كان معروفًا بأنّه تلميذ لمالك وخريج لمدرسته. وكان لمالك هناك ذكر ولمذهبه انتشار، فقُوبل الشّافعي بالعناية.

ب - نشاط الشّافعي وعلّو همّته وتفوّقه بالأدب ومعرفته باللّغة وإحاطته بأقوال مالك وأقوال أهل الرّأي وانتصاره لمذهب أهل الحديث.

ج - اشتهار قرشيّته، والإعتقاد بالإنتساب للنّبي (ص). وهذا له أثره في قلوب المُسلمين.

د- صلته بحاكم مصر الجديد عبد الله بن العباس بن موسى.

هـ- اهتمام الخليفة العبّاسي هارون الرّشيد بالشّافعي.

و- الدّعم الإعلامي المُتمثّل بكثرة الرّوايات المنسوبة للنّبي (ص) بحقّ الشّافعي أو سرد الرّؤيا (الأحلام) من قِبَل أنصاره.

الشّافعي هو الذي نشر مذهبه بنفسه. وسبب انتشار مذهبه ما قام به من الرّحلات المُتعدّدة بين بغداد والمدينة، حيث ينتشر مذهب أهل الرّأي وأهل الحديث. فأخذ الشّافعي منهجًا وسطاً بين الفريقين. فأوجب العمل بالحديث إذا كان صحيحًا، وإن لم يكن مشهورًا، وكذلك أخذ بالقياس في المسائل التّي لم يكن فيها نصّ. فبذلك أقبل عليه أهل الحديث ورضيَ عنه أهل الرّأي.

حظي المذهب الشّافعي بتأييد الحكّام الأيّوبييّن. ولما خَلَفت دولة المماليك دولة الأيّوبييّن، كان أغلب سلاطينها من الشّافعية.

كان للمذهب الشّافعي رجالات حملوا على عاتقهم نشره في بقاع العالم الإسلامي، أمثال خالد بن اليمّان البغدادي، والحسن بن محمد الصّباح الزّعفراني، ويوسف بن يحيى البويطي المصري.

الأفكار والمُعتقدات

- طريقتهم في الإستنباط هي احتجاجهم بظواهر القرآن حتّى يقوم الدّليل على أن المُراد بها غير الظّاهر ثمّ بعد ذلك يستدلّون بالسُّنة، ثم بعمل الإجماع، وإن لم يجدوا فبالقياس.

- قالوا بجواز رؤية الله يوم القيامة، مُستدلّين على ذلك بجواب الإمام الشّافعي إلى أهل الصّعيد عندما سألوه عن قوله تعالى:}كلاّ إنّهم عن ربّهم يومئذٍ لمَحجوبون{، فأجابهم: لمّا حجب قومًا بالسّخط دلّ على أنّ قومًا يرونه بالرّضا. وسُئِلَ: أَوَ تُدين بذلك؟

قال: والله لو لم يدن محمّد بن ادريس إنّه يرى ربّه في المعاد لمَا عبده في الدّنيا.

- عملوا بخبر الآحاد مادام الرّاوي ثقة وما دام الحديث متّصلاً بالرّسول الكريم.

- قالوا بأنّ صلاة الجمعة لا تنعقد إلاّ بأربعين نفسًا.

- لايُؤمنون بحجيّة الإستحسان ورفضوا الأخذ به.

- قالوا بوجوب معرفة أحكام الإيمان والإسلام في الجملة، وقالوا أصل الإيمان المعرفة والتّصديق بالقلب.

- وفي الإمامة، رَووا أنّ القُرَشي العادل، إذا تغلّب فبايعه المُسلمون بيعةً صحيحةً، راضين مُرضييّن، تكون بيعته صحيحةً وإن تأخّرت عن الولاية التّي نالها بالغلبة.

- اعتمدوا في الحديث على صحاحهم السّت.

انتشر المذهب الشّافعي في مصر وفلسطين وعدن وحضرموت وفي العراق والباكستان والعربية السّعودية، وهو المذهب الغالب في أندونيسيّا.

***

بندر شاه
30-01-2006, 05:57 PM
***

المذهب الحَنَفي

مذهب فقهي إسلامي من مذاهب أهل السّنة الأربعة، يُنسَب إلى الإمام أبي حنيفة النّعمان بن ثابت المُتوفَّى سنة 150هـ في بغداد. وقد اعتمد غاية الإعتماد على الرّأي والقياس. وعمل بآراء هذا المذهب في أغلب البلاد الإسلاميّة.

عوامل الظّهور

اشتدّ الخلاف في زمن الدّولة الأمويّة بين أهل الرّأي وأهل الحديث؛ وكانت الدّولة الأمويّة تدعم في ذلك أهل الحديث. واستمرّ هذا الخلاف حتّى سقوط الأموييّن وقيام الدّولة العبّاسية التّي أخذت تعتمدُ الموالي وتقرّبهم حتّى تبلور تيار الحنفيّة، والتفّ حوله الموالي وأصبح المذهب الرّسمي للدّولة العبّاسيّة.

وأخذت الدّولة العبّاسية تغدق بالعطاء والهدايا على أهل الرّأي، فحاول بعض علماء هذا الإتّجاه تأييد وجهة نظر الدّولة ودعمها في بروز هذا التّيار ونشوئه.

مؤسّس هذا المذهب هو أبو حنيفة، حيث خرج على النّاس بمذهبٍ جديدٍ، فيه حرّية العقل واستعمال الرّأي والقياس.

النّشأة والتّطور

حاول العباسيون إضفاء طابع الإنتماء الدّيني على دولتهم والإيحاء للرّأي العام بأنّهم أحقّ بالأمر من خصومهم الأموييّن، فأظهروا الأتّصال الوثيق بين الدّين والدولة، وكوّنوا من أحكام الشّريعة دستورًا ونظامًا تسير عليه الدولة سيرًا صُوَريًا، فقرّبوا العُلماء وجعلوا القضاء بِيَدِ أهل الرأي من أهل العراق حتّى وُلّيَ أبو يوسف القضاء وهو تلميذ أبي حنيفة. فكانت للمذهب الحنفي حظوةً واسعةً في الشّهرة والإنتشار.

إنّ وجود رجالات حملوا على عاتقهم نشر المذهب، أمثال أبي يوسف قاضي القضاة في زمن الرّشيد، ساعد على إنتشار هذا المذهب انتشارًا واسعًا، حيث تولّى القضاء لثلاثةٍ من الخلفاء العبّاسيـين منذ أيّام المهدي، ثمّ الهادي ثم الرّشيد.

حَظيَ الفقه الحَنَفي بمحمد بن الحسن الشّيباني الذي دوّن فقه هذا المذهب وسجّله، وكذلك محمد بن شجاع الثّلجي الذي كان يحتج بفقه الحنفية، وأظهر علله وقواه بالحديث، فساعد هذان الأمران على انتشار هذا المذهب على صعيد العالم الإسلامي.

اعتمد هذا المذهب أفكارًا ومعتقداتٍ، من أهمّها:

ـ الأصول عند الحنفية هي: "الكتاب والسُّنة وإجماع الصّحابة والقياس والإستحسان والعرف".

ـ أهمّ مصادر التّشريع عندهم هو الأخذ بالقياس حتّى عرفوا به وتميّزوا عن بقية المذاهب.

ـ قالوا إنّ الإيمان هو المعرفة بالله ورسوله والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة من دون التّفسير.

ـ قالوا بجواز قبول الجِزية من عبدة الأصنام، مُستثنين العرب منهم.

- أفـتى أبو حنيفة بوجوب نصرة زيد بن علي بن الحسين.

ـ أغلقوا باب الإجتهاد مُكتفين بإجتهاد الأئمّة السّابقين، وصار عصرهم عصر تقليدٍ واختيارٍ من كُتُب السّابقين.

ـ قالوا بعدم جواز الحجر على السّفيه ولا على ذي الغفلة لأنهم يرون أنّ الشّخص ببلوغه عاقلاً سواء كان سفيهًا أم غير سفيهٍ، فإنّه قد بلغ حدّ الإنسانيّة المُستقلّة.

ـ ذهب فقهاؤهم إلى أنّه لايجوز للجنب مسّ التّوراة وهو محدث.

ـ قالوا بجواز الصّلاة خلف الفاسق وغيره.

ـ قالوا إن الكُفر والشّرك هما إسمان واقعان على معنيين، وإنّ كلّ شرك كفر، وليس كلّ كفر شركًا.

- قالوا: لا مُشرك إلاّ مَن جَعَل لله شريكًا، وأمّا اليهود والنّصارى فكُفّار لامُشركون؛ وسائر المِلل كُفّار مُشركون.

ـ كان من مبدئهم إعمال عقولهم فيما إذا رُويَ في المسألة قولان أو أكثر في الصّحابة، فيختارون منها أعدلها أو أقربها إلى الأصول العامّة، وعدم الإعتداد بأقوال التّابعين إلاّ أن يوافقوا اجتهادهم.

ـ قالوا إنّ للمرأة الولاية الكاملة في الزّواج؛ فكما إنّ الولاية المالية تُثبًّت لها كاملةً، كذلك ولاية الزّواج.

ـ قالوا إنّه لايكفر ولا يفسق مسلمٌ بقولٍ قاله في اعتقادٍ أو فَتيًا، وإنّ كلّ من اجتهد في شيءٍ من ذلك فدان بما رأى إنّه الحق، فهو مأجور على كلّ حال. وإن أصاب الحقّ فله أجران، وإن أخطأ فأجرٌ واحدٌ.

ـ كان لهم في الحديث مسلك خاص وهو التّشديد في قبول الحديث والتّحري عنه وعن رجاله حتّى يصحّ. وكانوا لايقبلون الخبر عن رسول الله إلاّ إذا رواه جماعة عن جماعةٍ.

ـ من الأمور الظّاهرة في فقه مذهب الحنفية "الحِيَل الشّرعية"؛ وقد أصبحت بابًا واسعًا من أبواب هذا الفقه في مذهبهم حتّى وضعوا فيما بعد حيلاً للهروب من كلّ الإلتزامات.

انتشر المذهب الحنفي في العراق وفي أغلب الأقطار الإسلامية بشكلٍ متفاوتٍ. فتركية وألبانيا وسكّان بلاد البلقان وتركستان (بخارى) هُم على المذهب الحنفي بصورةٍ غالبةٍ. وفي أفغانستان يؤلّفون نصف أهل السّنة، بل هذا المذهب هو أوسع المذاهب الإسلامية انتشارًا على الإطلاق.

كان للحنفية موقف عداء معروف من الأموييّن حتّى أنّ يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري، أمير العراقَيْن، قد استقدم أبا حنيفة لكي يلي القضاء بالكوفة أيّام مروان بن محمد، آخر ملوك بني أميّة، فأبى عليه فضربه مئة سوطٍ وعشرة، كلّ يومٍ عشرة سياطٍ، وهو على الإمتناع. فلمّا رأى ذلك، خلى سبيله.

وفي العصر العبّاسي، استدعى المنصور أبا حُنيفة من الكوفة لأنّه اتُّهِم بالتّشيّع لإبراهيم أخي محمّد ذي النّفس الزّكية، فحبسه خمسة عشر يومًا ثمّ سمّهُ، فمات.

***

haneena
30-01-2006, 07:03 PM
Salam Bandar shah
Iam really grateful to you for this concise essay
I really do enjoy reading it

sorry for the English

بندر شاه
31-01-2006, 02:55 AM
Salam Bandar shah
Iam really grateful to you for this concise essay
I really do enjoy reading it

sorry for the English

***

بت القبايل الهميمه الأخت حنينه ، شكراً

لفتره طويله من حياتى ما كنت عارف الفرق بين الهندوسيه و البوذيه .!. فى الحقيقه لم أكن أعرف الكثير عنهما ...
خلال فترة الدراسه بالجامعه تعرفت على زميلين أحدهما هندوسى ومن الهند و الآخر بوذى و من فيتنام وصرنا اصدقاء وما زلنا للآن ... وكثيرا ما كان يدور النقاش حول الأديان فوجدت نفسى ألوذ بالصمت حينما يكون محور النقاش الهندوسيه أو البوذيه لجهلى الكامل عنهما وبصراحه كنت بضايق من جهلى ...

أذكر أيضاً اننى كنت اتحدث لمجموعه من الطلاب عن حرية العباده و تعدد الأديان فى السودان و وجود يهود سودانيين و عدد كبير من المسيحيين ( الأقباط ) فى السودان ... سألنى أحد الطلاب من هم الأقباط ؟ ... و ماذا تعرف عنهم ؟ ... هم كاثوليك أم بروتستانت ؟؟؟ ... لم أستطع الإجابه على هذه الأسئله لعدم معرفتى ... بالمناسبه جيرانا الحيطه بالحيطه أقباط ... وكنا بنلعب و بإستمرار باسكت بول وفولى بول فى حوش الكنيسه ... وعدد ليس بالقليل من الأصدقاء المسيحيين فى السودان ... ولكنى كنت أجهل طبيعة ديانتهم ...

العلم نور

تكرمى و دمت

-+-

أدناه تعريف بسيط للأقباط ( الأرثوذكس )

***

بندر شاه
31-01-2006, 03:03 AM
***

من هم الأقباط ؟؟؟؟؟؟؟؟

الإجابه :

الأرثـوذكـس

هي أحد الكنائس الرّئيسة الثلاث في المسيحية، وقد انفصلت عن الكنيسة الكاثوليكية الغربية بشكلٍ نهائيٍ عام 1054 م، وتمثّلت في عدّة كنائس مستقلةٍ، لا تعترف بسيادة بابا وما عليها؛ ويجمعهم الإيمان بأن الرّوح القدس منبثقة عن الآب وحده، وعلى خلافٍ بينهم في طبيعة المسيح. وتُدعى "أرثوذكسية" بمعنى مستقيمة المُعتقد مقابل الكنائس الأخرى. ويتركّز أتباعها في المشرق، لذا يُطلق عليها إسم الكنيسة الشّرقية.

في نهاية القرن الميلادي، وبالتّحديد بعد انقضاء مجمع القسطنطينية الخامس عام 879 م، أصبح يمثّل الأرثوذكس كنيستان رئيسيتان: الكنيسة الأرثوذكسية المصرية أو القبطية، والكنيسة الأرثوذكسية أو كنيسة القسطنطينية.

أهمّ الأفكار والمُعتقدات:

- تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية، مثل باقي الكنائس الأخرى، بإلهٍ واحدٍ مثلّث الأقانيم: الآب والإبن والرّوح القدس. كما تُؤمن الكنيسة بربوبية وألوهية الرّب والمسيح في آنٍ واحدٍ على أنّهما من جوهرٍ واحدٍ ومشيئةٍ واحدةٍ، ومتساويين في الأزلية. لكنّ كنيسة أورشليم الأرثوذكسية اليونانية تؤمن بأنّ المسيح له طبيعتان ومشيئتان موافقةً لمجمع كليدونية 451 م.

- يؤمن الأرثوذكس بالزّيادة التي أضيفت على قانون الإيمان النّيقاوي في مجمع القسطنطينية عام 381 م التي تتضمّن الإيمان بالرّوح القدس الرّب المُحيي والمُنبثق من الآب وحده، فله طبيعته وجوهره، وهو روح الله وحياة الكون ومصدر الحكمة والبركة فيه.

- يعتقد الأرثوذكس الأقباط أنّ الأقانيم الثّلاثة ما هي إلاّ خصائص للذّات الإلهية الواحدة، ومتساوية معه في الجوهر والأزلية، ومنزّهة عن التأليف والتركيب. لكن الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، ومَن تبِعَها تُعتبر أقنوم الإبن أقل من أقنوم الآب في الدّرجة، ولذلك فهي عند اليونان مراحل انقلب فيها الله إلى الإنسان.

- الإيمان بتجسّد الإله في السّيد المسيح من أجل خلاص البشرية من إثم خطيئة آدم وذريته من بعده. فيعتقدون أنه وُلِدَ من مريم وصُلِبَ ومات فداء لخطاياهم، ثم قام بعد ثلاثة أيّامٍ ليجلس على يمين الرّب ليحاسب الخلائق يوم الحشر.

- الإيمان بأن السّيدة مريم العذراء والدة الإله، ولذا يوجبون تقديسها كما يقدّسون القدّيسين والأيقونات غير المجسّمة وذخائر القديسين. ويقدّسون الصليب ويتخذونه شعارًا لهم.

- تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية المصرية بالمجامع المسكونيّة السابقة على مجمع كليدونية لعام 451 م، بينما تؤمن الكنيسة اليونانية وكنيسة أورشليم الأرثوذكسية بجميع المجامع السّابقة على مجمع القسطنطينية 869م.

- الإيمان بنصوص الكتاب المقدّس وبما يتضمنه من أسفار التّوراة وأسفار الأنبياء، بالإضافة إلى باقي الأسفار الأخرى؛ لكّنها تستخدم في الطقوس الكنسيّة النّموذج البروتستانتي الذي يشتمل على الأسفار الخمسة فقط، كما تُؤمنُ بنصوص العهد الجديد ورسائل الرُّسل على ما أُقرّ في مجمع نيقية الأوّل (325 م).

- تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية بالأسرار السّبعة للكنيسة، وهي:

1- سرّ المعمودية، 2- سر الميرون، 3- سر القبان، 4- سرّ الإعتراف، 5- سر مسحة المرض، 6- سرّ الزّواج، 7- سرّ الكهنوت.

- الصلاة: يعتقد الأرثوذكس بوجوب سبع صلوات: صلاة باكر، وتقال في الفجر، والسّاعة الثالثة وتقال التّاسعة صباحًا، وصلاة السّادسة، وتُقال ظهرًا، وصلاة التّاسعة وتقال حوالي الثالثة بعد الظّهر، وصلاة الغروب، وصلاة النّوم، وصلاة نصف اللّيل وتُقال على دفعات. والصّلاة إمّا تكون فردية أو جماعية، وهي عبارة عن دعاءٍ بهيئةٍ معيّنةٍ. ولا تستخدم الآلات الموسيقية في الترانيم الكنسية، ولا يقام فيها القداس يوميًا.

- الصّوم: وهو الإمتناع عن الأكل حتّى الغروب، ولغير المستطيع أن يصوم قدر طاقته، ويُعفى عنه خمس فئات: المرض، الرّجل الشيخ، المرأة العجوز، الأطفال أقلّ من اثنتي عشر سنة، المرأة الحامل، والمُرضع. ويمكنهم أن يأكلوا تبعًا لما رسمه لهم آباء الكنيسة بالإمتناع عن اللّحوم بأنواعها ومستخرجاتها، ويُقتصَر على ما تنبت الأرض. وأنواع الصّوم عندهم سبعة: الصّوم الكبير السّابق لعيد القيامة عندهم، الصّوم السابق لعيد الميلاد، صوم يونان، صوم الرُّسل بين عيد الخماسين وعيد الرّسل، صوم السيدة العذراء، صوم البرمون، وذلك على مدد متفاوتةٍ لكلٍّ منها.

- الأعياد: تنقسم الأعياد في الأرثوذكسية إلى أعياد سيدة كبرى، أعياد سيدة صغيرة. وللكنيسة المصريّة أعياد خاصة بها مثل يناير. تحتفل الكنيسية الأرثوذكسية بعيد ميلاد السّيد المسيح في اليوم السادس من شهر يناير.

- درجات الكهنوت: الكنيسة الأرثوذكسية كنيسة شعبية يقوم على رأسها البابا أو البطريرك، ويرأس كل مجموعةٍ كنائس بطريركية في البلد أو الإقليم، ويقوم بجانبها مجلس مقدّس كالمجلس الملّي في مصر الذي يضمّ مطارنة وعلمانيين، وتشرف عليه الحكومة المصرية. ويتكوّن التنظيم الكهنوتي للكنيسة من البطريرك، ثم المطارنة، ثم الأساقفة، ثم القمامصة، ثم القساوسة، ثم الشمامسة. ولا تعترف الكنيسة بسلطة بابا روما ولا بعصمته.

- الرّهبنة: وهي سبع مقامات روحية، وتنقسم إلى نوعين: رهبنة فردية، ورهبة ديرية.

- الدّين: تؤمن الكنيسة مثل باقي الكنائس بعالمية النّصرانية. كما تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية المصرية بضرورة بعث ميراث الكنيسة القبطية وإحياء القومية واللّغة القبطية.

- يُقبل زواج الكهنة إذا تزوّجوا قبل الدّخول إلى الكنيسة، ولا يُسمح بزواج الكهنة بعد وفاة الزّوجة الثانية.

الجذور الفكرية والعقائدية:

- الكتاب المقدّس بالإضافة إلى المجامع المسكونيّة حتى مجمع كليدونية 451م نسبة للكنيسة المصرية، ومجمع القسطنطينية بالنّسبة للكنائس الأرثوذكسية الأخرى.

- الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، والفلسفة الغنّوصيّة.

- الحضارات القديمة.


***

عبدالله الشقليني
31-01-2006, 05:07 PM
عزيزنا بندر شاه

نشكر لك التفصيل
في إثراء الحياة الثقافية في المنتدى ،
والتذكير بكثير من مُلهمات الحياة الإنسانية
عمومها وخصوصها .
وسوف نعود بعد القراءة المُتأنية
ولك منا الشكر الجزيل