مشاهدة النسخة كاملة : زقاقات عبد المنعم الجزولي.. أو, عندما كان كل شئ على ما يُرام.
وهاد ابراهيم محمد
06-03-2013, 01:46 PM
أمسيتان رائعتان صحبت فيهما كتابات المجوِّد (تاج السر الملك), تماماً كحديقة أوركيد..
مفترعٌ يستقبلني ويقدمني لغيره, وعلى كل عتبة باب تتراءى لي: "الكتابة عملية إستبطان كبرى, إنها سفرٌ في أكثر تعرجات اللاوعي غموضاً, إنها تأملٌ بطيئ". لسليلة آل الليندي, إيزابيل.
حتى وجدته يأتي بمرسال, دسّه في يده القاص والكاتب الجميل (عبد المنعم الجزولي), للدكتورة نجاة محمود (بيان) والدكتور ابراهيم محمد زين. هو أحد أزقته التي كتبها متفرقة زماناً, وموّحدة إنساناً وقضية. ربما يخيّل اليك انك تقرأ قصصاً متفرقات, لكنك في ذات القصة تدور, تخرج من صالونها لتدلف غرفةً فيها ليس غير.
أزقة عبد المنعم الجزولي, او منعم الجزولي كما يحلو له وأحبائه..
كتابة تُغرقك في المرح بسخرية صياغتها, وتُغرقك في الأسى بصفعاتها المؤلمة والمذكرة أن هؤلاء منا وفينا, إن لم نكن نحن خلقناهم بيننا..
أزقة تجولت فيها كثيراً وكثيراً.. لشد ما صرعني معها تساؤل (يوسف زيدان) في عزازيله: "من الذي كان موجوداً قبل الانسان على الأرض. الله, الملائكة, الشيطان؟ ماذا كانوا جميعاً يفعلون, قبل وجودنا وإنشغالهم بنا؟". إذ يا لنا من شاغل !!!
أربعة أزقة, كان لها وقعها الضجيج عندما تناثرت في الأسافير هنا وهناك..
وهنا أوردت بعضها دكتورة بيان منذ سنين طويلة خلت, انما كفّت عن مواصلة قراءتها الجميلة وملاحظاتها المتنبّهة..
سأقوم بإيراد الأزقة من جديد تباعاً.. بدءاً بالتي لم تُنشر هنا من قبل.
فلنستمتع..
كتابة بطعم الدليب..
كتابة تستحق تحسس كلماتها, وإشاراتها, والدنيا العابرة فيها.
أسامة معاوية الطيب
06-03-2013, 01:57 PM
والحافز الأكبر أنك انت من تكتبين
وستنبت أشجار أخرى على ضفة القلب
وستزهر
وحتما سيحتفي النهر !!
يا سلام عليك يا سلام
وهاد ابراهيم محمد
06-03-2013, 01:58 PM
الى الرشيد ود إسماعيل..
أيها المُفرد
أحب نفسك حتى الغرور
لا تُفسِّر نواياك
أو غموض خُطاك
لا تُفسِّر رِضاك
ستحتاجُ لعمرين كاملين
كي تُرضي عابساً واحداً
وحين تُلام,
خذ طعنة اللومِ بابتسامةٍ قوية.*
الى الـ (سماح) ..آنستي المهيبة كأبيض رؤيا
وأنتِ مثلهم..
يذهبون
مثلما دائماً, يذهبون
بعد أن يتركوا الخبزَ
فوق الوسادة
والشمع
في الأمنية.**
_____
* مريد البرغوثي
** غسان زقطان
وهاد ابراهيم محمد
06-03-2013, 02:00 PM
زقــــاق عمــــايا
خلال ذلك الظلام الأبدي الذي يغلف حياة أغلب أهل الزقاق ، تلمّس (ضمرة) طريقه ـ كالعادة ـ إلى حيث توجد الحاجة.
الناس ينادونها ب (حاجة فاطمة) منذ أن وطأت قدماها أرض الزقاق. وقد تقبّلت ذلك دون جدال، رغم أن اسمها الحقيقي (برتا). كانوا ينادونها برتا. وكان ذلك في زمانٍ ومكانٍ قد غبرا. قرية ما خارج القضارف. وحين انتقلت إلى هذا المكان، بعد موت أمها، ناداها الناس (حاجة فاطمة) ولم يكن في وسعها الاعتراض. وماذا كان عندها من أمرها حتى تعترض؟
ضمرة وحده كان يناديها ب (برتا). كان ذلك إشارة منه بحاجته إليها. وحين كان يأتيها صوته كفحيحٍ مضطرب، كانت بغريزتها الأنثوية تعرف تقدير ذاك الفحيح، وتضعه تماماً في الموضع المناسب، فتعتدل في جلستها تلك، متحفزة لإلتقاط رميته الأولى، والتي غالباً ما تأتى في هيئة لمسة من يده الخشنة على أحد فخذيها، يربت عليهما قليلاً، ثم سرعان ما يستدير بكامل هيئته وعتاده، ممكِّناً نفسه بينهما. وكانت هي دائماً هناك لاستقباله.
ـ برتا...
لم تخنها الغريزة.
صوته هذه المرة كان أقل فحيحاً، وأكثر اضطراباً، وأعلى ذبذبةً، وأخفض اطمئنانا.ً
صوته هذه المرة كان مبلولاً بقلقٍ من نوع آخر. ولكنها اعتدلت في جلستها تلك استعداداً لإستقباله كالعادة.
ـ أظلمت الدنيا؟
سألته كعادتها، ولكنها لم تتلق الإجابة المعتادة. لم تأتها أية إجابة. وتحفّزت، غسلتها رجفة خفيفة وهى تنتظر إشارة منه. طال انتظارها. أرهفت السمع علّ حفيفه يرتطم بجدار أذنيها. سكون. فقط سكون. صوت الهواء الغبي ينساب متكاسلاً حاملاً بعض همهمات من هنا أو هناك. راحت تحاول تمييز الأصوات.
هذا صوت (جقود الأغلف) لابد أنه يتحرش بحمارة أحد زبائن الإنداية. مغرم هو بالحمير! لا يطيق فروج النساء! ضيقة عليه يقول.
(جردة الفاجرة)، أو (جردة ام فرجين)، ضبطته يستعمل حمارة (أحمد حبيب) بائع اللبن. فضحته يومها فضيحة مدوية. كانت في قمة استيائها، وظلت تولول وتصيح فيه ساخرة مرة، ومرة غاضبة، وقد كانت أصوات العصي تنبعث أوان إرتطامها بجسده كأنها صوت طين الزبالة حين يعجنها (ولد عبد القادر).
ـ لطط ....لططط....لط.
مبعث غضبها، كما قيل، لأن الرجل رفض مضاجعتها. قال أنه أرادها مرة ثم اكتشف إنها من فجورها لديها مهبلين! فسماها أم فرجين.
الأغلف، كما سمعت من نساء الزقاق، له سلاح نافذ. جميعهن يتمنينه بين أفخاذهن. بعضهن يلمحن بذلك، والبعض يصرحن علناً ودون مواربة. ولكن الرجل ظل، كما يقولون، وفياً لحمير الزبائن.
ـ برتا...
جاءها الصوت فحيحاً خشناً. صوته هذه المرة كأن به سعار. أقرب إلى العواء منه إلى الفحيح المعتاد. أرهفت السمع في انتظار حفيف ثوبه. سكون. أرهفت السمع أكثر.
هذا صوت (فكي موسى). يتمتم كعادته
ـ همم....هممم....هم.
فكي موسى لا ينام . ليلاً أو نهاراً تسمع همهماته. متى يأكل الطعام؟ متى وأين وكيف يقضى حاجته؟ أعمى وأصم وأخرس، وفوق ذلك مشلول اليدين.
فيما مضى كنت تسمع ضحكته، الصوت الوحيد الذي تسمعه بجانب الهمهمة المعتادة. الآن، ومنذ أن اكتشف حقيقة زواجه، اختفت الضحكة، وحلت محلها همهمة أبدية. كان ذلك يوماً عجيباً. ما أن بدأ النوم يداعبها، وكانت تتسمع أصوات الحركة والإحتكاكات المعتادة من جهة مرقد فكي موسى وزوجه، حتى سمعت صياح (سكينة بنت الدامر) مصحوباً بجلبة عظيمة. وأصوات أقدام وضحكات ولعنات، وصراخ نسوة، وأطفال، كانوا قد هبوا من مراقدهم.
وقد قتلها الفضول، اعتدلت في مجلسها تتسمّع. حتى تجمّعت لها كل الحكاية، فضحكت حتى سالت عيناها الكليلتان.
ـ استغفر الله العظيم.
قالتها وهى تمسح الدمع بطرف ثوبها، وهى تسمع بنت الدامر تعيد الحكاية مرة تلو المرة.
ـ كنت أشك في الأمر من البداية، والليلة قررت أن أفضحه. انتظرتهما حتى إنغمسا تماماً فيما يفعلان، ثم أضأت البطارية مباشرة فيهما. وقعت عيني أول ما وقعت على قضيب منتصب. قفز صاحبه كالملدوغ، فرأيت من تحته قضيباً ثانياً منتصباً هو الآخر. فكى موسى المسكين، من عجزه، لم يكن يعلم أنه متزوج من رجل مثله.
ـ برتا ...
كانت نبرة الصوت هذه المرة أكثر علواً وأوسع قلقاً. كان بها شئ من الأنين. ولكن صوت الحفيف الذي طال انتظارها له، لم يأت. ما الذي حدث؟ لابد أن في الأمر شيء ما، شيء مخيف. اقشعر بدنها لمجرد الفكرة. راحت تتسمع في قلق..
ـ هرر....هررر....هر.
التقطت أذناها صوت قطة (بلة التكرونى) تبعتها نحنحة بلة ثم بصاقه بصوت مرتفع. هو ليس كبقية أهل الزقاق. ليس شحاذاً ينتظر حسنات المؤمنين وفضلات طعامهم. يخرج لفترات طويلة، ثم يعود في هدوء. لا يحس بعودته أحد. هي فقط تعرف ذلك، عندما تسمع وقع أقدامه على الأرض. دائماً تميز الناس من وقع أقدامهم. التكرونى خطوته خفيفة، كالقط. بالكاد تسمعها. وأحياناً لا تعرف بوجوده حتى تبدأ آسيا الحلبية، زوجته، في التأوه بصوتها العالي والذي تتعمد أن تحدِّث به عن نعمة ربها. فتعرف حينئذ أن الرجل قد عاد إلى مرقده وحلبيّته التي قيل أن لون جلدها مثل الحليب.
اجتهد ضمرة كثيراً لكي يقرب لها....معنى الحليب، ولونه! دون فائدة. لا تذكر قط أن قد ذاقت طعم الحليب يوما.
ـ اللبن نعمة من الله ما يقدر عليها إلا عباده الصالحين.
هكذا حدثها ضمرة ذات يوم حين اشتهت أن تذوق طعم الحليب. وأمنّت هي على قولته تلك، ف (حاجة بردية) صاحبة الإنداية، لابد وأنها من عباد الله الصالحين حيث تشرب الحليب كل يوم، فيما سمعت من الناس، وان الله قد سخّر لها من عباده جنداً يأتونها به، و ... مجاناً. فباعة الحليب، من زبائنها المعتادين.
ـ نشربه في الجنة إن شاء المولى
ـ برتا...
استعاذت بالله من شهقة سمعتها تتلو صوته وهو يناديها. هذه المرة ليست كأي مرة، وهذا الصوت ليس كأي صوت. ليس حتى في يأسه حين تقرصه واحدة من ذلكم النمل والذي يقال انه يأتي من الإنداية.
(حمزة الدبيب) قال أن نمل الإنداية في حجم أصابع القدم. مدّت يدها تلمس أصابع قدمها لتتبيّن حجم النملات، التي أكد لها الدبيب أنها لا تخشى حتى جند سليمان.
حمزة من المبصرين القلائل في الزقاق. مشلول القدمين. يزحف على الأرض، مستعيناً بيديه وتسمع له كشيشاً عند زحفه.
ـ كشش.... كششش.... كش.
أصابه ـ فيما يقال ـ لغم في الجنوب حين كان جندياً. وصرفوا له معاشاً ومالاً ثم تركوه يشرب المريسة ويلعب القمار، حتى انتهى إلى الزقاق، يتسقّط فضلات المحسنين. وهو بفضل نعمة البصر يستطيع أن يخرج إلى ما وراء الزقاق. ويعود دائماً بأشياء عجيبة ولكن مذاقها طيب. ومن بعض ما جاء به هذا الثوب الذي تتدثر به من أعين المبصرين، ومن برد الزقاق، الرطب دائما، ربما بفعل المياه التي تغطي أرضه أغلب ساعات السنة.
لم يسألها ثمناً، ولكن لولا وجود ضمرة المستمر إلى جوارها، لقبض الرجل ثمن ثوبه، شاءت أم أبت. فالبرد كافر، والجوع كافر، والله غفور رحيم.
ـ برتا...
هذه المرة انحبست صرخة في حنجرتها، فقد كان الصوت جافاً، بارداً وخاوياً. تبعته حركة ليست كالحفيف المعتاد...كأن شيئاً قد ارتطم بالأرض.
ـ ضمرة...
نادته بصوت خفيض في بادئ الأمر. ثم لما لم تسمع جواباً لندائها، صرخت منادية أولاد الحلال.
ـ ألحقونا يا اخواني.
ثم تلا ذلك أصوات أقدام، وولولة نسوة، وصراخ أطفال. ثم سمعت أحدهم ينطق بالشهادتين. وآخر يستعيذ بالله من غضبه. ثم اختلطت الأصوات وانعجنت في بعضها فلم تكد تميزها إلا لماماً.
- غطوه....... يا جماعة
- لا حول ولا قوة........
- الموت..... والحياة باطلة....
- يارجل... أبعد....هذا عني.... أهذا وقته
- هئ.. هئ..هئ..(ضحكة أم فرجين)
- واء.. .واء... و...(صراخ رضيع من الجوار)
وانفجرت في بكاء مكتوم.
وهاد ابراهيم محمد
06-03-2013, 02:10 PM
والحافز الأكبر أنك انت من تكتبين
وستنبت أشجار أخرى على ضفة القلب
وستزهر
وحتما سيحتفي النهر !!
يا سلام عليك يا سلام
يا ود الشدرة :)
إحتفى النهر..
وكشفت الضفة ساقين ممتلئتين بالشوق..
إغتسلت, وتمجلست للشمس.. غيداء,هيفاء, سمراء, وتُغري الفيضان.
إقرأ معنا..
زقاقٌ بحاله ينتظرك (مخصوص).
طارق صديق كانديك
06-03-2013, 02:14 PM
هنا، حيث المفردة التي تنمو على جنباتها ألف أغنيةٍ بتول.
جمّل الله أيامك كما تفعلين بهذا المكان.
مع تقديري
بله محمد الفاضل
06-03-2013, 02:19 PM
ومن زقاقٍ إلى آخر
معنا ضامن مقدرتنا على المواصلة
http://sudanyat.org/vb/showthread.php?t=21945
حبذا لو أتى إلينا أحد الأحباب
بأباريق ماء بارد
لا ريب سنحتاجها
...
سلامٌ عليك.
أسامة معاوية الطيب
06-03-2013, 03:18 PM
ومن زقاقٍ إلى آخر
معنا ضامن مقدرتنا على المواصلة
http://sudanyat.org/vb/showthread.php?t=21945
حبذا لو أتى إلينا أحد الأحباب
بأباريق ماء بارد
لا ريب سنحتاجها
...
سلامٌ عليك.
حبيبنا بلة (اباريق) دي قدر ما باصرناها بالفصيح ... داهمتنا بالدارجي ... وانت الله يرضى عليك براك عينك شايفة :D:D عيب لي جكاكي في هذا المنعطف :D
بله محمد الفاضل
06-03-2013, 03:41 PM
حبيبنا بلة (اباريق) دي قدر ما باصرناها بالفصيح ... داهمتنا بالدارجي ... وانت الله يرضى عليك براك عينك شايفة :D:D عيب لي جكاكي في هذا المنعطف :D
حسب موقعك/منعطفك منها وحاجتك...
حاجتنا بعد (أم شبتو) أكيد إلى ما تحتويه
غض البصر عن المسمى
والشكل الخارجي
فضة كان أم ذهب
تحايا خاصة محمول إليك شذاها من (محمد زين الشفيع)
محبتي واحترامي
وبطل خرمجة في هذا المنعطفgap
بومدين
06-03-2013, 04:37 PM
أمسيتان رائعتان صحبت فيهما كتابات المجوِّد (تاج السر الملك), تماماً كحديقة أوركيد..
مفترعٌ يستقبلني ويقدمني لغيره, وعلى كل عتبة باب تتراءى لي: "الكتابة عملية إستبطان كبرى, إنها سفرٌ في أكثر تعرجات اللاوعي غموضاً, إنها تأملٌ بطيئ". لسليلة آل الليندي, إيزابيل.
حتى وجدته يأتي بمرسال, دسّه في يده القاص والكاتب الجميل (عبد المنعم الجزولي), للدكتورة نجاة محمود (بيان) والدكتور ابراهيم محمد زين. هو أحد أزقته التي كتبها متفرقة زماناً, وموّحدة إنساناً وقضية. ربما يخيّل اليك انك تقرأ قصصاً متفرقات, لكنك في ذات القصة تدور, تخرج من صالونها لتدلف غرفةً فيها ليس غير.
أزقة عبد المنعم الجزولي, او منعم الجزولي كما يحلو له وأحبائه..
كتابة تُغرقك في المرح بسخرية صياغتها, وتُغرقك في الأسى بصفعاتها المؤلمة والمذكرة أن هؤلاء منا وفينا, إن لم نكن نحن خلقناهم بيننا..
أزقة تجولت فيها كثيراً وكثيراً.. لشد ما صرعني معها تساؤل (يوسف زيدان) في عزازيله: "من الذي كان موجوداً قبل الانسان على الأرض. الله, الملائكة, الشيطان؟ ماذا كانوا جميعاً يفعلون, قبل وجودنا وإنشغالهم بنا؟". إذ يا لنا من شاغل !!!
أربعة أزقة, كان لها وقعها الضجيج عندما تناثرت في الأسافير هنا وهناك..
وهنا أوردت بعضها دكتورة بيان منذ سنين طويلة خلت, انما كفّت عن مواصلة قراءتها الجميلة وملاحظاتها المتنبّهة..
سأقوم بإيراد الأزقة من جديد تباعاً.. بدءاً بالتي لم تُنشر هنا من قبل.
فلنستمتع..
كتابة بطعم الدليب..
كتابة تستحق تحسس كلماتها, وإشاراتها, والدنيا العابرة فيها.
:L:L:L
وبَّسْ
.
..
فقّدْ
كَيَّفتِّيني و كَفَيتي ......!
_____________
شكراً وهاد .
ناصر يوسف
06-03-2013, 06:32 PM
وهاد ابراهيم محمد ،،، أو ،،،
عندما يتقريف المزاج
تأتيك ببراحات الحروف الندية حتي تتقريف أنت ومن حولك
شكراً وهاد علي هذا البهاء
وشكراً لود الجزولي
كتابة بطعم الدليب..
كتابة تستحق تحسس كلماتها, وإشاراتها, والدنيا العابرة فيها.
هي ذي الكتابة
هي ذي
الرشيد اسماعيل محمود
06-03-2013, 09:41 PM
وحين تُلام,
خذ طعنة اللومِ بابتسامةٍ قوية.*
عوجة ما بتجيني!:)
سلام يا وهاد وشكراً ياخي علي الكتابة العجيبة دي، وعلي تعريفي بمنعم الجزولي المُبدع، أوّل مرّة أقرا ليهو نص، أدهشني النص من البداية لغاية ما وصل النهاية الظهرت فيها مهارة وإبداع الكاتب كأجمل ما يكون. طبعاً دي كتابة مدهشة جدّاً استمتعتَ بيها بشكل ما عادي، صحيح ثيمة النص الأساسية عادية ومطروقة وفي متناول الآخرين، وأعني بذلك موضوعة النص التي تنطلق من هامش المجتمع بكل تفاصيله من فقر، بؤس، ..إلخ، لكن استمتاعي ودهشتي سببها طريقة الكاتب وأسلوبه في الصعود بالنص لأعلي ما يمكن من صعود.
الرشيد اسماعيل محمود
06-03-2013, 09:47 PM
تحياتي يا وهاد:
العنوان بتوافق مع النص حدّ التطابق
المدهش والمثير في النص دة يا وهاد، إنو فكرة الكاتب المبدعة ليست في نقل المشهد للقارئ مثلما يفعل الكُتاب عادة، بل في نقل القارئ للمشهد، ومساواته بشخوص النص كخطوة أولي في سبيل تأسيس أرضية مشتركة تجعل القارئ داخل الدائرة ومشاركاً أصيلاً في النص.
بمعني تاني:
القارئ لا يعرف أكثر مما تعرفه (برتا) العمياء، إذن القارئ صار أعمي مثلها، يستقي معلوماته ومعارفه من بنت الدامر وضمرة.
القارئ صار يتقاسم مع (برتا) ما تعرفه من مصادرها التي ذكرتها، دون أن يكون بمقدوره (لأنه صار أعمي) معرفة شيء آخر إضافي أكثر مما تعلمه العمياء (برتا).
لذلك السبب، لم ولن يعرف القارئ ماذا حلّ بـ (ضمرة)، تماماً مثلما لم تعرف هي ماذا حدث بالضبط، وهنا تكمن مهارة الكاتب وإبداعه المفارق للآخرين.
الحركة دي بالنسبة لي قمّة الإبداع الكتابي، كونك تعمل العكس، بدل تنقل المشهد، تقوم تنقل القارئ.
الكاتب الناجح بالنسبة لي هو الكاتب الذي بوسعه تحريك القارئ من منطقة حياده الأولي لمنطقة مقترحة (وسطية)، ومنعم الجزولي هنا لم يكتف بذلك، بل عمل علي ترحيل القارئ وتسريبه ليس فقط بعيداً عن الحياد، بل رأساً لداخل المشهد الحدث، ودي مهارة تخلي الزول يحك راسو من المتعة.
المهم:
عندي ملاحظات تانية عن النص وجوانب أخري وتحديداً ما كان يمكن أن يُحدث خللاً بالنص من لغة وخلاف ذلك من ملحقات، نأتي لاحقاً لـ (نثرثر):) عنها.
الرشيد اسماعيل محمود
06-03-2013, 09:58 PM
ثم تلا ذلك أصوات أقدام، وولولة نسوة، وصراخ أطفال. ثم سمعت أحدهم ينطق بالشهادتين. وآخر يستعيذ بالله من غضبه. ثم اختلطت الأصوات وانعجنت في بعضها فلم تكد تميزها إلا لماماً.
- غطوه....... يا جماعة
- لا حول ولا قوة........
- الموت..... والحياة باطلة....
- يارجل... أبعد....هذا عني.... أهذا وقته
- هئ.. هئ..هئ..(ضحكة أم فرجين)
- واء.. .واء... و...(صراخ رضيع من الجوار)
النص خلا من حوار عد المقتبس أعلاه، لاحظت إنو الملوّن في المقتبس غريب وشاذ وأحدث خلل واضح في اتساق الصوت اللغوي المتحدّث مع بقية الأصوات المتحدِّثة، ما عارف الحكمة شنو من كدة؟!
آي نعم، القارئ أصبح أعمي، لكن كمان ما للدرجة دي يا جزولي:D
سماح محمد
07-03-2013, 12:38 PM
زقاق العمايـــا
غياب البصر..وبعض البصيرة
أحيانا ياصديقتي..في الظلمة إتساع..
مساحة لسفر الخاطر..لإتقاد الحواس..
اتسعت أحداقي..كعيني قلب (برتا)..
عندما يألف الإنسان وجعه اليومي..ويترقبه..والخوف ألا يأتي..ألا يأتي مرة اخرى
(ضمرة) .. مساحة البياض في ظلام (برتا)
شكرا (منعم الجزولي)
أحبك يا (وهاد)
تحياتي لصديقي المغتر :)
ولكل من عبر الحرف بوجدانه
وهـــــــــــــــــــــــــاد لك وللضيوف والمحتفى به كل المحبة
نقرأ ونسلم وبس
ولا كلمة زيادة
وهاد ابراهيم محمد
08-03-2013, 12:42 PM
حبذا لو أتى إلينا أحد الأحباب
بأباريق ماء بارد
أطيب التحايا
يا صاحب حدائق بابل الشاعرية
منعم الجزولي نظلمه ان فوّتنا على أنفسنا روعة التعرف عليه
(أم شبتو) جميلة أخرى وسط حسانه
أتمنى ان يكفيني الوقت للوصول اليها, بكامل عتاد القراءة الحصيفة.
شكراً
وهاد ابراهيم محمد
08-03-2013, 12:45 PM
شكراً وهاد .
بل شكراً للجزولي المنعم, يا بومدين.
هناك كثير للمتعة, سيأتي.
وهاد ابراهيم محمد
08-03-2013, 12:51 PM
مع تقديري
تقديرك ما مابينو يا كانديك
بس راجين قرايتك التي نعرف.
انت من الناس الحجزنا ليهم الصف الأول بالمناسبة.
وهاد ابراهيم محمد
08-03-2013, 12:54 PM
شكراً وهاد علي هذا البهاء
وشكراً لود الجزولي
انا مثلك أشكر ود الجزولي..
أتمنى ان يكون تناولنا له منصفاً.
وهاد ابراهيم محمد
08-03-2013, 01:04 PM
هي ذي الكتابة
هي ذي
حباب آمال..
دكتورة بيان قالت عن منعم:
ان منعم كاتب صعلوك متشرد يتحين لحظات ليوظفها ويفجرها وعيا قاسيا
وفي كل ما قرأت له, لم يخرج عن حدود الحياة اليومية, لكنه يفتش هناك بعيداً
وسط العاديين حد تجاهلنا لهم, يكبّر صورهم ويبرزها حتى لا تفلح أمامها لا (يااااااا الله !!) ولا (بالله؟).. إشفاقاً او إستغراباً.
وفوق ذاك..
لا يُجمّل.. ولا يتحامل.
حافظ اسماعيل احمد
08-03-2013, 01:28 PM
تحياتي يا وهاد:
العنوان بتوافق مع النص حدّ التطابق
المدهش والمثير في النص دة يا وهاد، إنو فكرة الكاتب المبدعة ليست في نقل المشهد للقارئ مثلما يفعل الكُتاب عادة، بل في نقل القارئ للمشهد، ومساواته بشخوص النص كخطوة أولي في سبيل تأسيس أرضية مشتركة تجعل القارئ داخل الدائرة ومشاركاً أصيلاً في النص.
.
وهاد سلامات وتحية طيبة
فعلا الرشيد رغم دي اول مرة أقرا النص لكن لقيت نفسي بتوقع الفقرة القادمة
وكأني قراته سابقا
وهاد ابراهيم محمد
08-03-2013, 01:29 PM
شكراً يا الرشيد للقراية السمحة..
المدهش والمثير في النص دة يا وهاد، إنو فكرة الكاتب المبدعة ليست في نقل المشهد للقارئ مثلما يفعل الكُتاب عادة، بل في نقل القارئ للمشهد، ومساواته بشخوص النص كخطوة أولي في سبيل تأسيس أرضية مشتركة تجعل القارئ داخل الدائرة ومشاركاً أصيلاً في النص.
هنا يظهر بجلاء إفتقاد القارئ لمسرح تتجوّل فيه العين والخيال..
لا خيال هنا.. بل حقيقة وحدث محدد لا يمكنك التصرف في وقائعه بإعمال العاطفة او الأمنية.. (مافي فرقة أبداً)
والإيقاع..
إيقاع الحكي الذي يحبس الأنفاس وكأنك مربوط الى قطار ساقط عن جسر..
القارئ لا يعرف أكثر مما تعرفه (برتا) العمياء،
وده جمال مميز..
برتا وتسمّعها لأصوات المعايشات حولها, برتا وسماعها لحكايات جردة الفاجرة وسكينة بت الدامر, وفقط !!
حتى اننا مثلها تماماً, نبكي ضمرة ولا نعرف لوفاته سبب.
فقط لأنه كما تفضّلت سماح
(ضمرة) .. مساحة البياض في ظلام (برتا)
شكرا رشيد, وسماح.
حافظ اسماعيل احمد
08-03-2013, 01:40 PM
حباب آمال..
دكتورة بيان قالت عن منعم:
وفي كل ما قرأت له, لم يخرج عن حدود الحياة اليومية, لكنه يفتش هناك بعيداً
وسط العاديين حد تجاهلنا لهم, يكبّر صورهم ويبرزها حتى لا تفلح أمامها لا (يااااااا الله !!) ولا (بالله؟).. إشفاقاً او إستغراباً.
وفوق ذاك..
لا يُجمّل.. ولا يتحامل.
وهاد لا التمس من حديث بيان
في ان منعم كاتب صعلوك متشرد يتحين لحظات ليوظفها ويفجرها وعيا قاسيا
بانها تعيب عليه الكاتبة هذه
فهو مدح ولم يخرج عند حديثك بانها الحياة اليومية فبيان اشارت
الي ان الوعي بهذه الخبايا يكون قاسيا علي العقل لأستسساغته
وفهي مناطق محرمة الولوج اليها في المجتمع السوداني سابقا بهذه الجرأة
حتي مجرد الحديث عن الدخلة تحمر له الخدود وتنشده له الالسن
وهاد ابراهيم محمد
08-03-2013, 01:43 PM
النص خلا من حوار عد المقتبس أعلاه،
لاحظت قلة الحوارات في كتابات الجزولي عموماً, أمر كان ليُضعف أعماله, لكنه يعوّض ذلك
بتوصيف الحالة وإنعكاسها, بل وربطها بحالات أُخر ببراعة تجعل غياب الحوار يكاد لا يُلحظ.
وهنا.. نظرة للكلمات التي قيلت تباعاً (بإستثناء مناداة برتا لضمرة, والاصوات طبعاً)
*أظلمت الدنيا؟
*استغفر الله العظيم.
*اللبن نعمة من الله ما يقدر عليها إلا عباده الصالحين
*نشربه في الجنة إن شاء المولى
*ألحقونا يا اخواني.
*غطوه....... يا جماعة
*لا حول ولا قوة........
*الموت..... والحياة باطلة....
*يارجل... أبعد....هذا عني.... أهذا وقته
هناك تداخل مزعج في إستخدام اللغة الحوارية, ما بين الفصحى والدارجة.
والتنقُّل بينهما غير واضح المسببات
الملوّن بالأزرق أتى بفصحى غير متسقة والقصة ولا جوّها.. فظهر كنشاز يضرب على رأسك كلما عبرت به..
فعلى بساطة الكلمات الا ان الدارجة رغم فصاحة لغة السرد, أجدها أنسب
وداعمة أكثر.
وهاد ابراهيم محمد
08-03-2013, 01:47 PM
وهاد لا التمس من حديث بيان
في ان منعم كاتب صعلوك متشرد يتحين لحظات ليوظفها ويفجرها وعيا قاسيا
بانها تعيب عليه الكاتبة هذه
فهو مدح ولم يخرج عند حديثك بانها الحياة اليومية
:)
هو ذاك يا حافظ.. لم أغادره قيد أنملة
وما حديثي بعد قول دكتورة بيان الا تأكيد له.
شكراً للمتابعة.
وهاد ابراهيم محمد
08-03-2013, 02:00 PM
لوحة بديعة جداً تمرق في زقاق عمايا, مع تناهي فحيح صوت ضمرة الى برتا..
الإستشعار, وقراءة برتا للصوت.
إصرار صوت ضمرة للوصول الى ملجأه الآمن عند برتا.
زحف الصوت.. هو تماماً زحف الصوت, والموت يطبق عليه قليلاً قليلا.
القلق المتنامي في برتا للغرابة المتصاعدة في فحيح ضمرة.
مراقبة فوران الجزع في برتا.
ثم, الإنفجار.
هذه لوحة أجاد معها منعم بدرجة الإمتياز.
وهاد ابراهيم محمد
08-03-2013, 02:18 PM
اجتهد ضمرة كثيراً لكي يقرب لها....معنى الحليب، ولونه! دون فائدة. لا تذكر قط أن قد ذاقت طعم الحليب يوما.
_ اللبن نعمة من الله ما يقدر عليها إلا عباده الصالحين.
هكذا حدثها ضمرة ذات يوم حين اشتهت أن تذوق طعم الحليب. وأمنّت هي على قولته تلك، ف (حاجة بردية) صاحبة الإنداية، لابد وأنها من عباد الله الصالحين حيث تشرب الحليب كل يوم، فيما سمعت من الناس، وان الله قد سخّر لها من عباده جنداً يأتونها به، و ... مجاناً. فباعة الحليب، من زبائنها المعتادين.
_ نشربه في الجنة إن شاء المولى
هذا المشهد مكثّف وغني بحلاوة ما يربط ضمرة ببرتا
(إجتهد ضمرة كثيراً لكي يقرب لها....معنى الحليب، ولونه!)
صورة جميلة وغارقة في بعد إنساني حميم جداً
ضمرة يشرح ويجتهد ليوصل لها معنى شئ لا أبصره ولا ذاقه.. يجتهد حتى وهو يعرف انه لن يفلح في ذلك, فقط لأنها سألت!
زقاق عمايا جديرٌ به ان يغيّر النظرة الى العمايا على أنهم عمايا..
رنة الشفقة التي تسبق نيتنا الحديث عنهم او اليهم, لا تُناسب.
ليس لأن بينهم برتا وضمرة وام فرجين وجقود الأغلف, بل لأنهم قادرون على عيش حياة طبيعية كالمبصرين.
بعاديتها وغرابتها, كمالها ونقصانها, وفي دنيا المحاكم: إستقامتها وفجورها.
تماماً كغيرهم, يتلمسون طرقات حياتهم, فقط لا غير.
فالحياة تغشى الكل, لأنها حياة.
الناس وحدهم يصبونها في مواعين, ويعيدون توزيعها, وأحياناً بيعها.
وينجحون.
وهاد ابراهيم محمد
08-03-2013, 02:40 PM
اليَّ, أنا دي..
محظوظٌ هذا الذي لا يقاسم الخير رغيف النسيان..
وزبدته الذائبة في مقلاة المتاهة.
محظوظٌ يعتصر لك الخمائر المبتكرة من خير النسيان.
أرهـِ حذاء الخيرِ, حزامه المحلول, سراويله, أسنانه, صَفنَه المُمَّلّح..
أرهـِ خزانة الخير الملأى حروباً كنكاح البابون.
أرهـِ الخير قروشاً في طاسة الكمال الشحاذ.
ربيبُ حنينٍ أنت..
لصعبٌ ان تكذب مُذ كنت صادقاً في خيارك الطاحن..
خيار الله ان يزن بك المقادير, أيها الشر.*
_____
* سليم بركات
وهاد ابراهيم محمد
08-03-2013, 02:42 PM
زقـاق عبث
هذه حكاية عبث الدنيا الذى لا أول له ولا آخر.
عندما قُتلت (نعمات بنت ام عفنة) كانت أمها فى السجن. ولم تسمع الخبر الا ضحى اليوم الثالث للجريمة.
هى نعمات بنت (رقية) السمحة. او رقية (ام عَجَنَة) (بفتح العين والجيم والنون أيضاً) كما كانوا ينادونها فى ذلك الزمان البعيد. كثيرون كانوا يظنون ان نعمات انما جاءت الى الدنيا فى بيت (الناير). ولكن الثابت ان أمها وضعتها فى (السبعة بيوت) والناير لم يسكن السبع بيوت على الاطلاق, بل وكان دائما، يرى ان سكان السبعة بيوت انما هم ليسوا سوى حثالة البشر. شأنهم شأن سكان (ابوصليب) و (زقاق الحبش).
نعم. كانت رقية تقيم أول إبتدائتها فى بيت الناير فى (العمارات). عثر عليها (طه السفيه) فى محطة السكة الحديد. لم تكن تعرف الى أين تذهب، او أين تقضى ليلتها الأولى فى تلك المدينة، التى جائتها هاربة من (السافل) بعد إفتضاح أمرها مع (ميرغنى ولد زين العابدين الخضرجى)، فجاء بها الى بيت الناير. وبقيت هنالك عدة سنوات. ثم عندما إتهمتها (بنت الصول) بسرقة غوائشها، إنتقلت الى بيت (جمعة الرتينة) فى السبعة بيوت.
كان الناس يأتونها خصيصاً، بل وفى ليلة الخميس كان البعض يأتى من ودمدنى والحصاحيصا وكان البعض يأتى من القضارف وآخرون من كوستى وسنار بل ان بعضهم قد جاء من الفاشر. فإن كانت مع زبون بالداخل لا يأخذون غيرها كما هى العادة بل كانوا ينتظرون فى الحوش الخلفى حتى تفرغ لهم واحداً واحداً. وقد قيل ان (النذير ابوكساوى) تاجر الجمال المشهور فى سوق الأبيض قد قضى ليلة الخميس كلها وبعضاً من نهار الجمعة منتظراً فى الحوش الخلفى. وقد قيل أيضاً ان (الحاج عبد الغفار ابوشلوخ الحتيربابى) قصدها مباشرة من المطار وهو عائد من الحجاز بعد أداء فريضة الحج. وقد ظلت عربة التاكسى تنتظر ليلة كاملة خارج بيت الناير وهى محملة بحقائب الحاج وحاجياته حتى فرغ الرجل من وطره ومن ثم سافر الى أهله فى قرية (الحتيرباب) جنوب المدينة.
عندما قُتلت نعمات كانت (صفية بنت الصول) هى أكثر النائحات تأثرًا لموتها، وحزناً عليها. رغماً ان نعمات هى بنت رقية (ام عفنة).
صفية بنت الصول هى من سمتها ام عفنة بدلاً عن ام عجنة غيرةً وحسداً. فقد استولت رقية على كل زبائن بيت الناير والبيوت المجاورة. وقد قيل انها استولت على جيوب كافة تجار المدينة. الناير لم تكن تسعه الدنيا من الفرحة بهذا الخير العميم الذى جاءت به ام عجنة.
كان الناس يجيئون. يأتون بالطيبات جملة.
لحمة الضأن وكبد الابل. وانواع الفواكه الطازجة، والخمور من كافة الأصناف. وكانوا يحملون لها الهدايا القيّمات. الأقمشة، والملابس المزركشة الفاخرة، الواردة من الهند. والعطور المستجلبة من فرنسا. والحلى من كل نوع وصنف. وفوق كل ذلك كانوا يبذلون ما فى جزالينهم راضين بالقليل الذى تجود به عليهم.
كانت تتمنع، وتتغنج، وتتعجن عليهم فسموها ام عجنة. وأثار ذلك حفيظة بنت الصول وهى ترى مجدها يزوى وزبائنها يتسللون من فوق أحضانها زبوناً زبوناً. وبضاعاتهم تتسلل هاربة من بين مشفريها بضاعةً بضاعة. حتى غدت ساحة سوقها الكبير مثل صباح العيد، خاوية مهجورة الا من بعض هوامل الناس وحيواناتهم الضالة. فراحت صفية تنسج لها المكائد، مكيدة تلو مكيدة. ابتداء راحت تدعى عليها الأباطيل، وتتقول عليها الأقاويل، ومن ضمن ماتقولته عنها انها – اى رقية – حينما أخطأت تقدير فحولة (ولد سلمان الاطرش) واستهانت بضآلة جسده المهزول، ويده المقطوعة ورجله المعلولة، فأدخلته الى غرفتها كأى زبون عادى غير عابئة بتحذيرات (ام حقين)، وفى ظلام تلك الغرفة، لم تكن لتتبين حجم آلة الرجل حتى ولجها. فجحظت عيناها وانكتمت أنفاسها وكاد قلبها ان يتوقف عن الخفقان. فضرطت ضرطة كبيرة أعقبها سيل من الخراء اللزج. قالت صفية ان المرأة قد فقدت عجنتها واكتسبت مكانها عفنة أبدية. وأطلقت عليها لقب ام عفنة. ورغماً عن انه لم يسمع هذه الضرطة سوى صفية وحدها ولم يشاهد الخراء سوى صفية وحدها الا ان بعض الناس قد صدقوها لحاجة فى نفس يعقوب.
ثم فيما بعد كادت لها مكيدة، دبرتها بدهاء شمعيّ المخبر، حتى أثبتت عليها فعل سرقة غوائشها. كانت فضيحة داوية اضطرت بعدها رقية الى الإنتقال الى بيت جمعة الرتينة فى السبعة بيوت.
عندما قُتلت نعمات، ناح عليها الرتينة كما تنوح الحريم، وجلس أمام باب المشرحة يهيل التراب على رأسه مع النسوة الهايلات، ويصرخ مع النسوة الصارخات، ويلطم مع النسوة اللاطمات، كأنه واحدة منهن بل اكثر.
جمعة كان يلقب بالرتينة، لانه كان يشعُّ ضياءً وبهاءً وحسناً، بفعل المساحيق وما جاورها من كحلٍ وطيب. جاء الى المدينة وهو طفل لم يبلغ الحلم بعد. وعمل خادما فى بيت (المستر زولفون) مدير المديرية آنذاك. وهناك تعلم شغل الشذوذ وما تبعه من أمور حادثات. وكان قد تعلم شغل الطباخة على يد الدونقلاوى، طباخ المستر زولفون، فأتقنه وأبدع فيه، حتى صار من أشهر، وأغلى طباخى المدينة. ولم يكن ليقبل ان يطبخ الا فى مناسبات البيوت الكبيرة. وعندما رحل الانجليز، منحه المستر زولفون بضعة بيوت متفرقات، هنا وهناك ، ومن بينها منطقة السبعة بيوت بكاملها. وتسجلت فى المجلس البلدى باسمه. وهى تبدأ من عند طاحونة (فرعون الإغريقى)، على شارع الزعيم. وتمتد فى إستقامة عجيبة، حتى تنحنى الى اليسار عند طرف المدرسة، ثم تبدأ فى الإلتواء يميناً ويساراً حتى تنتهى عند المسجد.
عندما حزّت السكين عنق نعمات، كان (احمد المبروك) قد شرع للتو فى الإستفاقة من آثار خمرة الليلة الفائتة. كان ينام كعادته أمام دكانة (التوم) المكوجى. وكانت أول بوادر إستفاقته قد بدأت تحت تأثير ما عدّه جزءً من الكابوس الذى جثم على ليلته، بدءً من مشاجرته مع (آمنه حكومة) بسبب ان العرقى لم يكن جيداً، او على الأقل لم يكن ليتساوى مع المبلغ الذى دفعه فيه. فسبّته وعيّرته برجولته الناقصة وقضيبه الرخو وجيبه الخاوى مثل حياته البائسة. وليس انتهاءً بذلك الحلم العجيب والذى وجد نفسه فيه يجلس يتغوط تحت الجسر المتهالك فوق الخور عندما اصطدمت به هرة عمياء وسألته عن أقصر السبل الى الجحيم. ففزع من نومته تلك لتقع عيناه أول ماوقعت على سكين ضخم يجز عنقاً أنثوياً، على بعد خطوتين فقط من مرقده ذاك، فلعن الخمر والخمارات، وخص باللعنة آمنة حكومة و(الجودلية) و(آمنة الطويلة). واعتدل فى مرقده بعد ان دسّ سفة من الصعوط كوّرها بعناية تحت شفته السفلى. ثم انقلب على جانبه الآخر والصرخات تملأ اذنيه وهو لايزال يسب الخمر وصانعها وبائعها وحاملها. ثم سكت عن لعن شاربها. وراح يحاول النوم من جديد دون جدوى.
عندما ذُبحت نعمات، كانت (ليلى عثمان) أول من سمع بالخبر داخل السجن. أخبرتها (ام عيسى الناير) الجاويش المسؤولة عن قسم النساء. كان ذلك عندما دخلت عليها ام عيسى بثيرموس الشاى وصحن اللقيمات صباحاً، كما هى العادة. ام عيسى تهتم إهتماماً خاصاً بليلى عثمان. فمنذ ان شرفت السجن بمقدمها الجميل. تنافس عليها المتنافسون، رجالاً ونساء. وفازت بها الجاويش ام عيسى، او (ام عيسى الضكرية) كما كانوا يلقبونها سراً. وليلى كانت محكومة بخمس سنوات فى قضية تزوير إستمارات الأراضى الشهيرة. كانت هى المرأة الوحيدة بين المتهمين، والذين تراوحت عقوباتهم بين عشر سنوات فى أعلاها، وستة أشهر فى أدناها. ووفقاً لمعادلات الغابة الصعبة، خاصة فى القضايا الجنائية. فإنك اما آكل او مأكول.
ليلى آثرت الصمت إبتغاء السلامة. وصمتت ام عيسى تجنباً للمسؤلية. ولم يهمس أحد بكلمة، ورغم ان غالبية النزيلات كن قد علمن بالخبر قبل إنتصاف نهار يوم الجريمة، الا ان رقية لم تسمع بالأمر الا حين استدعاها المأمور ضحى يوم السبت وأجلسها على الكرسى الكبير بجانب مكتبه وراح يقطِّر لها الخبر فى أذنها قطرة قطرة. وكان السجن قد استحال الى كونٍ فسيح من الصمت اللئيم المتآمر، فى انتظار الصرخة الأولى، والتى جاءت كعواء ذئب جرحته رصاصة للتو. لينطلق بعدها عويل وصراخ مفجوع، من مئات المسجونات والحارسات وحتى العاملات فى مكاتب الادارة قرب البوابة الرئيسية.
كان الجميع يعرفون نعمات الذبيحة. كانت تأتى الى السجن يوم الاربعاء الأولى من كل شهر لتزور أمها. وكانت حلوة ولطيفة وغاية فى التهذيب كأنها لم تنشأ فى السبعة بيوت. وكانت دائماً تحمل السكر والشاى والبن والسجائر والأدوية بل والملابس. وكانت أيضاً تحمل السلام والتحية، وتنشر الضحكة الصافية الرقراقة، على كل من يقابلها. كانت تعطى الجميع، خاصة، اللاتى لم يكن يزورهن أحد. وكانت تقضى حوائج شتى، ليس للمسجونات فحسب، بل وحتى للحراس والحارسات، بل وبعض الضباط أيضاً.
فى ذلك الصباح الخريفى الباكر، والذى كان لايزال لم يبلغ الحلم بعد، وقد تغطّى ببعضٍ مما تبقى من ظلام ليلة الأمس، كانت نعمات قد عادت لتوها من عمل طارئ ، كثير الصراخ والأوجاع والدم, فظلت مستيقظة طوال الليل، خاصة وان زبونتها الجديدة كانت صغيرة السن والحجم ولم يمض على زواجها سوى سبعة أشهر. لهذا كان وضعها لأول مولود لها أمراً فى غاية العسارة.
عربة الاجرة أنزلتها فى أول الزقاق، بعد ان تغطّى بمياه الامطار، الا درباً ضيقاً لم يكن يسمح بمرور العربة. وكانت شبه نائمة، تحلم بحمامٍ دافئ، وكوب شاى ساخن، وسيجارة وسرير. ولم تنتبه لتلك اليد التى امتدت بغتة، تجذب رأسها للخلف، وسكيناً كبيراً يشق الجلد، ويتخذ طريقه بقوة وسرعة ومهارة، من الأغشية البرانية مروراً باللحم والحلقوم والعضلات، ليلتحم بعظام الرقبة. وكانت قد ألقت نظرها المفزوع، ولآخر مرة، على وجه جزارها، قبل ان تخرَّ الى الارض، المغطاة بمياه الامطار، والاوساخ، وروث الاغنام, والكلاب، ترفس بيديها ورجليها، والدم يشخر من حلقومها، وقد جحظت عيناها، وتدلى لسانها خارج فمها المفتوح، يتسوّل الهواء، والرجل يبتعد مهرولاً، وحقيبتها بين يديه. وطرف جلبابه المتسخ بين اسنانه.
أمير الأمين
08-03-2013, 03:23 PM
زقـاق عبث
عليها الأقاويل، ومن ضمن ماتقولته عنها انها – اى رقية – حينما أخطأت تقدير فحولة (ولد سلمان الاطرش) واستهانت بضآلة جسده المهزول، ويده المقطوعة ورجله المعلولة
يبدو ان هذا الزبون حشر قسرا فهو لا يشبه بقية الزبائن
و لا اظن ان "رقية" حسب الرواية تملك الوقت لمثل هؤلاء
الزبائن اصحاب العاهات الخَلقية والاقتصادية...
طارق صديق كانديك
08-03-2013, 03:35 PM
يا لها من (نعمات) ويا له من عبث!
كأني به يختار لهذه الشخصية إسم (نعمات)عن قصدٍ بلا مصادفة:)
ثم إني أجد أن الحشد الهائل من الأحداث التي حفل بها هذا الزقاق الذي أراده أن يكون عابثاً، تسمح بأن تستدير فيها هذه العُجالة الى روايةٍ كاملة، تأخذ القارئ من تلابيب دهشته، لتضعه تماماً بين الجموع المنتظرة ليلتها خلف المنتظرين، وتحيك مما تسرب منها خيطاً قاسياً يلفه المجتمع حول أعناق الذين يصطفون في زمهرير شهوتهم مساءً، ثم يسلقون (نعمات) وبيوتها اللواتي غشيهنّ منها بعض أنين بألسنةٍ حداد.
هذا النص على سفوره الذي كاد أن يصل منتهاه، تمكن فيه الكاتب من أن يمسك بزمام الفكرة الرئيسة امساكاً بلافكاك، فلم تضل كلماته في الأماكن التي يبحث فيها القارئ عن مطابقة توقعاته الشخصية في النص.
ثم إني أتحسس فكرة أخرى ناضجة من سيل الأسماء التي وردت في النص،فالى وقتٍ قريب كانت المتعة المتصّورة في النصوص، غالباً ما ترتبط بأسماء تنتصب (النَكِرة) في تراكيبها، وهو ما لم ألمسه في هذا النص، حتى أنني لا ألوم من اعتقد أن أسماء شخصيات هذا النص حقيقية تمشي على قدمين، إنها قدرة عجيبة على الإلتقاط، يقدمها الكاتب في وسط ذاك الضجيج المشحون بكل شئ، الماء والشهوة والدم.
وفي حبكة درامية بالغة الدقة أتأمل كيف أنه صوّر تلك اللحظة الفجيعة :
عندما قُتلت نعمات، ناح عليها الرتينة كما تنوح الحريم
عندما حزّت السكين عنق نعمات، كان (احمد المبروك) قد شرع للتو فى الإستفاقة من آثار خمرة الليلة الفائتة
عندما ذُبحت نعمات، كانت (ليلى عثمان) أول من سمع بالخبر داخل السجن
ثم (سرّب) ابان كل ذلك حديثاً عن كثيرٍ مسكوت عنه نموذجه الكبير (أم عيسى الضكرية)
هذه كتابة مؤلمة بوضوحها ونصاعة ما تقول.
سنكون بالجوار دائماً، شكراً وهاد
يبدو ان هذا الزبون حشر قسرا فهو لا يشبه بقية الزبائن
و لا اظن ان \"رقية\" حسب الرواية تملك الوقت لمثل هؤلاء
الزبائن اصحاب العاهات الخَلقية والاقتصادية..
أمير الأمين
:)
فراحت صفية تنسج لها المكائد، مكيدة تلو مكيدة. ابتداء راحت تدعى عليها الأباطيل، وتتقول عليها الأقاويل، ومن ضمن ماتقولته عنها انها
حبيبنا أمير الأمين، مساء الخير
في تقديري أن (التقّول) دائماً يحتوي على فنائه في أحشائه. ولما كان ذلك كذلك، كان هذا الزبون كماتفضلت بوصفه، لكنه لم يُحشر حشراً، بل أجده عملاً جيّداً.
أمير الأمين
08-03-2013, 05:35 PM
زقـاق عبث
ورغماً عن انه لم يسمع هذه الضرطة سوى صفية وحدها ولم يشاهد الخراء سوى صفية وحدها الا ان بعض الناس قد صدقوها لحاجة فى نفس يعقوب.
حبيبنا أمير الأمين، مساء الخير
في تقديري أن (التقّول) دائماً يحتوي على فنائه في أحشائه. ولما كان ذلك كذلك، كان هذا الزبون كماتفضلت بوصفه، لكنه لم يُحشر حشراً، بل أجده عملاً جيّداً.
يا حبيب سلام
لو فهمت ما اشرت اليه بان "الحدث" كان كله "تقّول".
فان عدم سماع او عدم مشاهدة الاخرين لمخرجات الحدث (الضراط الخ) وقبولهم
لمسمى "ام عفنة" يعضد فكرة حدوثه كما ان وجود امثال "ود الاطرش" فى امكنة
كهذه لا بثير اى شبهه باعتبارها الاماكن الاكثر قبولا لامثاله إجتماعياً حيث يتوفر له وسيلة لافراغ غرائزه دون النظر الى إعاقته و الواقع يبصم على وجود امثاله فى هذه
الاماكن لاداء مهام كثيرة -حراسة فتوة الخ- قطعا ليس من ضمنها التقرب من صاحبة الحظوة فيها حتى ولو كان ذلك مراد كل حواسه
طارق صديق كانديك
08-03-2013, 06:29 PM
يا حبيب سلام
لو فهمت ما اشرت اليه بان "الحدث" كان كله "تقّول".
فان عدم سماع او عدم مشاهدة الاخرين لمخرجات الحدث (الضراط الخ) وقبولهم
لمسمى "ام عفنة" يعضد فكرة حدوثه كما ان وجود امثال "ود الاطرش" فى امكنة
كهذه لا بثير اى شبهه باعتبارها الاماكن الاكثر قبولا لامثاله إجتماعياً حيث يتوفر له وسيلة لافراغ غرائزه دون النظر الى إعاقته و الواقع يبصم على وجود امثاله فى هذه
الاماكن لاداء مهام كثيرة -حراسة فتوة الخ- قطعا ليس من ضمنها التقرب من صاحبة الحظوة فيها حتى ولو كان ذلك مراد كل حواسه
سلامات يا أميرنا
الفكرة الأساسية من تعليقك الأول، أن (ود الأطرش) تم حشره حشراً لا يتناسب مع كونه ليس من الذين تسمح لهم (أم عَجَنَة) بالنوم معها، وربما كان منطقك لهذا التعليق صحيحاً، غير أنني أعتقد أن الحدث جاء في معرض التقول الذي غالب الأمر يكسوه التزُيّد والمبالغة مما جعلني أقبل وجود (ود الأطرش) دون مواربة.
اتفق معك في امكانية تواجد (ود الأطرش) حول البيت لأغراض كثيرة،أما حول تعضيد فكرة اللقب الساخر من (رقية)، أشير الى أن في حراكنا العادي يتضح أنه كثيراً ما سار هذا اللقب أو ذاك، دون أن يرتبط بحدث فعلي، ومع مراعاة بيئة النص التي يغلب عليها روح المرح وانتشار الألقاب، يصبح من الممكن أن تتلقف الألسُن الألقابَ هكذا عفو الخاطر فتسمع ( أب جاكومة)و ( أب شلاليف)و (أم زقدة) و(أمدُج) دون أن يرتبط بهذه الألقاب حدثاً بعينه.
أما هذه :
قطعا ليس من ضمنها التقرب من صاحبة الحظوة فيها حتى ولو كان ذلك مراد كل حواسه
لو مشينا فيها لقدام شوية بنفتل البوست:)
وهاد ابراهيم محمد
09-03-2013, 12:07 PM
وهـــــــــــــــــــــــــاد لك وللضيوف والمحتفى به كل المحبة
حباب السارة..
المحتفى به, أبحث عن سيرته ولا أجد
عرفت عن أشعاره التي يدّعي عدم شاعريتها,
وقصصه المتناثرة هنا وهناك والتي يدّعي أنها مجرد حكي وونسة,
وعن أنه درس المسرح, وبذلك يجيد خلق هذا الفضاء الكبير والواسع والغني والمعبأ جيداً في حكاويه.
لكني أبحث عن أكثر ولا أجد..
ربما عندما نعرف من هو عبد المنعم الجزولي, نستطيع حقاً قراءته بإنصاف.
حبابك.
وهاد ابراهيم محمد
09-03-2013, 12:21 PM
لو مشينا فيها لقدام شوية بنفتل البوست:)
:)
أهلاً أهلاً بالكانديك والأمير..
وبالله لو كلو في صالح عبث الدنيا الذي لا أول له ولا آخر هذا, أفتلو وليس عليكم حرج.
الجيلى أحمد
09-03-2013, 12:28 PM
فى انتظار توالى بقية الزقاقات...
عجيب يامنعم ياأخى
عجيب حد الطرب
شكرآ وهاد
وهاد ابراهيم محمد
09-03-2013, 12:29 PM
لدكتورة بيان قول إجتهد في ملامسة زقاقات هذا الزقاق:
رغم ان القصة قصة قصيرة الا ان شخصياتها كما قلت لي مرة لكل دوره الذي يجب ان يلعبه..
في قصتك زقاق حبش التى تنكبت الطرق لتصبح زقاق عبث*. أظهرت شخصيات اعتدنا ان نحكم عليها بمعيار اخلاقي ونرميها في آخر سلالم الدنيا ونسقطها من ذاكرتنا
هذه الشخصيات البائسة الاتي نظن كونهن بائعات هوى فلا قيمة لهن فهن مثل المراحيض
يفرغ فيهن ثم نتافف منهن بمجرد الانتهاء..
في القصة ظهرن لنا من نظن انهن حثالات لا يمكن الا ان يكن حثالات لا غير. أنهن نساء مثلنا. حيث ظهرت لمسة الامومة
هل ابدا فكر احدهم ان مومس قد تكون ام تحنو وتحب اطفالها؟ وتشقى لأجلهم وتحاول المستحيل
للعناية بهن؟
فقد جردناهن من كل ما هو خير وصرن نساء لا قيمة لهن البتة.
فالمرأة هي الحبيبة هي الام هي الاخت الخ الخ
ولكن المرأة المومس جردت من كل هذه الادوار لتصير فقط مرحاض..
في القصة التي هي عبارة عن ومضات هنا وهناك ولكن بجمعها معا تشكل اضاءة كاشفة
لمكان يسمي زقاق حبش. رجال بائسين و نساء بائسات يعيشون في قاع المدينة يرفضون
الرمز الاخلاقي المعلوم ويتبنون رمزا اخلاقيا يخصهم. هذا المكان الذي به رمز اخلاقي يخصه يتقاطع مع الرمز الاخلاقي المعلوم بان ينتقل رجال من المكان المغاير للرمز المعلوم لتلبية حاجات ملحة. ولكن يبقون هناك بقدر قضاء هذه الحاجة ثم يعودون الى مكان رمزهم الاخلاقي المعلوم دون ان ينتقصهم هذا الانتقال مكانتهم في المكان المغاير.. مطاطية هذه
الرموز الاخلاقية ونسبيتها جعلت نساء الزقاق لا وجود لهن في الانسانية حتى..
كتابة منعم لهذا الزقاق البست ساكني الزقاق هذا مسحة انسانية. وارجعتهم الى حظيرة الانسانية. من منكم لم تطفر دمعة او حزن لموت نعمات. من منكم لم يتذكر ام ثكلى
اخبرت للتو بموت ابنتها..من من النساء مررن هنا ولم يتعاطفن مع رقية. رغم انها مومس
ومسجونة الا انها ام.
كتابات منعم وشخوصه المحشودة تكشف عن اناس لا يُكتب عنهم .أناس قاع المدينة وعندما يُكتب عنهم يكتب بأسلوب المحاكمة.
_______
* القصة كانت تحمل إسم (زقاق حبش), وعدّل عنه الجزولي الى (زقاق عبث).
يحي عثمان عيسي
09-03-2013, 12:35 PM
كعهدي به مجنونا
لكن وقتها قبل اكثر من ثلاثين عاما كان همنا الاكبر المسرح
التقينا ثلاثتنا مامون الرشيد نايل عبد المنعم عوض الجزولي وأنا واستاذنا الراحل عمر مودي والشاعر الراحل صلاح عبد الصبور وعلى خشبة مسرح مدرسة محمد حسين الثانوية بام درمان كانت مسرحية مسافر ليل .
لعب هذا المجنون دورا مجنونا لم يكن لاحد ان يجيده غير منعم " عشري السترة ".
ولم استغرب بعد كل هذه السنين ان أقرأ لمنعم هذه النصوص المجنونه وهي غير بعيده عن واقعه حي بانت والعباسية والمورده .
تحياتي وهاد ابراهيم
وهاد ابراهيم محمد
09-03-2013, 12:35 PM
يبدو ان هذا الزبون حشر قسرا فهو لا يشبه بقية الزبائن
و لا اظن ان "رقية" حسب الرواية تملك الوقت لمثل هؤلاء
الزبائن اصحاب العاهات الخَلقية والاقتصادية...
يا أمير..
لو كان ود سلمان الأطرش يشبه بقية الزبائن, لما كان من المنطق إساءة تقديره!
وهاهو أنتج مشهد مهم بالقصة, لا يتناسب و(الحشر القسري).. ولا شنو؟
وهاد ابراهيم محمد
09-03-2013, 12:44 PM
ثم إني أتحسس فكرة أخرى ناضجة من سيل الأسماء التي وردت في النص،فالى وقتٍ قريب كانت المتعة المتصّورة في النصوص، غالباً ما ترتبط بأسماء تنتصب (النَكِرة) في تراكيبها، وهو ما لم ألمسه في هذا النص، حتى أنني لا ألوم من اعتقد أن أسماء شخصيات هذا النص حقيقية تمشي على قدمين، إنها قدرة عجيبة على الإلتقاط، يقدمها الكاتب في وسط ذاك الضجيج المشحون بكل شئ، الماء والشهوة والدم.
فعلاً يا طارق..
إضافة لذلك فإن للأسماء وكثافة الشخصيات عند الجزولي, دور أساسي في قصصه (ستجد ذلك أيضاً بإغراق في الزقاقين التاليين).. قال عنه التالي:
اما بخصوص كثرة اسماء الشخوص
ففى جميع حكاياتى يكون التركيز على الناس هو الاساس، فالناس هم محور الحكى وما الاحداث الا تابع لهم . وبديهى انه لا ولن توجد احداث اجتماعية بدون ناس !!
وكل شخصية تمر من امام عدستى هى شخصية مهمة عندى، تربطها بى وبالحكاية رابطة حميمية. قد يراها قارئ او ناقد ليست ذات فائدة للحكاية ولكن من قال بأننى اهتم بالحكى نفسهّ او حتى بالحكاية اومنهجيتها او منطقيتها ... الخ!؟ انا اهتم بالناس فقط اقدمهم للقراء لكى يتعرفوا عليهم والسلام فان شائوا اقاموا معهم علاقات خاصة والا اهملوهم كما يهملون عشرات بل مئات الذين يصادفونهم كل يوم بل كل ساعة.
هذا صائغ يعرف الصنعة ويملك أدواتها ويبهر.
يحي عثمان عيسي
09-03-2013, 12:48 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وهاد ابراهيم محمد http://sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://sudanyat.org/vb/showthread.php?p=524210#post524210)
يا أمير..
لو كان ود سلمان الأطرش يشبه بقية الزبائن, لما كان من المنطق إساءة تقديره!
وهاهو أنتج مشهد مهم بالقصة, لا يتناسب و(الحشر القسري).. ولا شنو؟
اضيف .. ان عبد المنعم كان موفقا جدا هنا فما كان لامراة مثل صفية بت الصول إلا ان تحيك مثل هذه الرواية عن سلمان الاطرش واي منطق لامرأة مثلها سوي ما اورده الكاتب على لسانها ليصير مقبولا جدا لدي القاريء
الجيلى أحمد
09-03-2013, 12:49 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة يحي عثمان عيسي http://sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://sudanyat.org/vb/showthread.php?p=524209#post524209)
كعهدي به مجنونا
لكن وقتها قبل اكثر من ثلاثين عاما كان همنا الاكبر المسرح
التقينا ثلاثتنا مامون الرشيد نايل عبد المنعم عوض الجزولي وأنا واستاذنا الراحل عمر مودي والشاعر الراحل صلاح عبد الصبور وعلى خشبة مسرح مدرسة محمد حسين الثانوية بام درمان كانت مسرحية مسافر ليل .
لعب هذا المجنون دورا مجنونا لم يكن لاحد ان يجيده غير منعم " عشري السترة ".
ولم استغرب بعد كل هذه السنين ان أقرأ لمنعم هذه النصوص المجنونه وهي غير بعيده عن واقعه حي بانت والعباسية والمورده .
تحياتي وهاد ابراهيم
ليتك يايحي تتوسع اكثر فى الحديث عن منعم..
شايف كلامك زى الناقص...
أكتب يااخى, وفك لينا النضمى السمح, والسيرة الاجمل
يحي عثمان عيسي
09-03-2013, 12:54 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وهاد ابراهيم محمد http://sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://sudanyat.org/vb/showthread.php?p=524210#post524210)
يا أمير..
لو كان ود سلمان الأطرش يشبه بقية الزبائن, لما كان من المنطق إساءة تقديره!
وهاهو أنتج مشهد مهم بالقصة, لا يتناسب و(الحشر القسري).. ولا شنو؟
اضيف .. ان عبد المنعم كان موفقا جدا هنا فما كان لامراة مثل صفية بت الصول إلا ان تحيك مثل هذه الرواية عن سلمان الاطرش واي منطق لامرأة مثلها سوي ما اورده الكاتب على لسانها ليصير مقبولا جدا لدي القاريء
وهاد ابراهيم محمد
09-03-2013, 01:01 PM
المحتفى به, أبحث عن سيرته ولا أجد
كعهدي به مجنونا
لكن وقتها قبل اكثر من ثلاثين عاما كان همنا الاكبر المسرح
التقينا ثلاثتنا مامون الرشيد نايل عبد المنعم عوض الجزولي وأنا واستاذنا الراحل عمر مودي والشاعر الراحل صلاح عبد الصبور وعلى خشبة مسرح مدرسة محمد حسين الثانوية بام درمان كانت مسرحية مسافر ليل .
ليتك يايحي تتوسع اكثر فى الحديث عن منعم..
شايف كلامك زى الناقص...
أكتب يااخى, وفك لينا النضمى السمح, والسيرة الاجمل
ياريت يا يحي..
يا لشد ما يظلم مبدعي هذه البلاد أنفسهم بالبقاء خلف ستر ليسوا لها, ولا نحن.
فامنحنا عنه سيرة, تُعّرفنا السريرة.
وهاد ابراهيم محمد
09-03-2013, 01:10 PM
فى انتظار توالى بقية الزقاقات...
هاك منها:
وهاد ابراهيم محمد
09-03-2013, 01:12 PM
زقاق ملتوي
عندما خرج ليتبّول فى الزقاق كعادته، لم يجد مكاناً خالياً، فقد كانت كل الأماكن الصالحة للتبّول مشغولة بجماهير المتبولين. قطع الزقاق جيئةً وذهاباً مرتين، عسى ان يخلى أحدهم مكاناً له. ولكن التبول كان أبدياً، والمتبولون لاينقطع سيل بولهم، ولايخفت خريره عند نقطة إلتقاءه بالارض.
تجنّب دعوة (عمر البطل) له ليتبول فى المساحة الضيقة جداً بين موقع تبول (البطل) وباب الحديد فى حائط منزل الحاجة (لبودة شندقاوى) او (لبودة الداية) كما يسمونها. ورغماً عن ان (لبودة) ليست داية قانونية، الا ان زبوناتها كن أكثر من جملة زبائن دار الرياضة، وقد تخصصت (حاجة لبودة) فى إعادة ما إنهتك من أغشية البنات قبل الزواج وتضييق ما إتسع من فروجهن بعده!!
كان يعلم ان (البطل) لن يكتفي بالتفرُّج على قضيبه الملتوى الى أعلى ، بل سيمسك به محاولاً إعادته قسراً الى إستواء القضبان. اعتذر له برفق مستقيم حيث ان (البطل) لايحب الكلام الملتوى. كان بطبعه يكره الإلتواء فى أى شئ.
(عمر البطل) كان يشكِّل فى أوائل الستينات فريقاً غنائياً مع (دفع الله ودبتول) وكان الناس يعرفونهما باسم (ثنائى العوجة) حيث قدما الى المدينة من قرية (ود العوجة) ريفى (صندقة). وظلا يمارسان الغناء فى الأفراح والنواح فى الأتراح حتى مات (ود بت ول) نتيجة تسمم كحولى.
إعتذر مبتعداً عن دعوة (بخيتة) المكشوفة. كعادتها كانت (بخيتة) تتبول واقفة عند طرف برميل الزبالة. (بخيتة) كانت تنافس الرجال فى إلقاء بولها مباشرةً على بعد متر ونصف أمامها. ومن فجورها فقد أفتت بان زواج (عشة اللبوة) من (قسم البارى) التفشكى حلال، رغم ان (عشة) كانت و لاتزال فى عصمة (بانقا) النجار!! بل وأفتت بإمكانية زواج (ويصا عبد المسيح) من (فاطمة) الفلاتية مدعية ان الله قال فى محكم تنزيله "الرجل مايعيبه سوى جيبه ".
مع ارتفاع رائحة النشادر النفاذة، وكل تلك الظهور ذات الألوان والأحجام المتنوعة، تذكّر مشهداً قديماً لفيلم هندى سخيف.
دخل أحدهم من طرف الزقاق فوق دراجة سوداء تتقدمه عينان زائغتان وحركة أرجل مترددة على بدال الدراجة, وظل يرمق ظهور المتبولين ظهراً فظهراً، حتى توقّف شبه متردد خلف (صالح بابتوت) عند باب الزنك القديم والذى كان كعادته عند التبول يجلس فارداً جلبابه الفاقع الصفرة خلفه ودالقاً عمامته بإسترخاء خلفه كاشفاً عن طاقية خضراء تغطى بعضاً من رأسه الاصلع. دار حديث قصير بينهما.. الغريب فوق دراجته مستعداً للهروب فى أية لحظة، و(بابتوت) لاينقطع خرير بوله، ثم تبادلا شيئا.. لفافة بنقود او العكس، لتنطلق الدراجة وتختفى عند إلتواء الزقاق.
حدثـت المعجزة، هكذا فجأة ، وبدون، مقدمات. حيث ترجّل (تور الفجة) من جواد بوله، فشغر مكان. أسرع ليحتله ويفك ضائقته، ولكن حضرة المدير خرج من الباب المجاور مباشرةً ولم يتردد لحظة فى الإستيلاء على المكان الخالى وأطلق لبوله العنان.
لعن المدير والمديرين والوزراء وكافة المسؤلين . أى مدير هذا الذى يقف بسرواله الأزرق وقميصه الناصع البياض، ليتبول هكذا علناً ؟ ربما لم يكن مديراً حقيقياً فى السكة الحديد..ظن لوهلة انه قد يكون مديرًا لبقالة او لمخبز او أى شئ آخر ولكنه بالقطع ليس مديراً فى الحكومة.
(ست ابوها)، ابنة خالة أبناء عمه، خطف حياتها قطار شارد جهات السافل، كان هذا منذ زمن بعيد، ولا يذكر ان كان ذلك فى المحمية أم فى الدامر. لعن القطارات المتوقفة والمتحركة فى كافة أرجاء المعمورة.
تحرك (عثمان ابنعوف) أثناء تبوله جهة اليمين قليلاً، فظنه سيغادر المكان، وتأهب لإغتنام الفرصة، متحفزاً حتى ان بعضاً من قطرات البول قد بدأت بالفعل فى الخروج من مكمنها. أمسك نفسه بقوة، فقد أحس بان سرواله قد تبلل قليلاً. ولكن (ابنعوف) لم يزد على تلك الحركة. لعنة الله عليك.. أجئت لتتبول أم لترقص.
يقولون ان (ابنعوف) يتاجر فى الزئبق الأحمر. لابد انه قد جمع ثروة كبيرة. لعنة الله عليك. لماذا لاتبنى لنفسك مبولة خاصة وتترك لنا مجالاً فى زقاقنا هذا؟
عندما تحرك (زكريا الاشول) من مكانه وراح يعيد هندمة نفسه معلناً إنتهاءه من عملية التبول، هرول نحو المكان لا يلوى على شئ، وقد بلغ البول الذبى. ولكن (زكريا)، ولسبب لا يعلمه أحد، قرر العودة لمواصلة تبوله فى نفس المكان. وعندها لم يستطع (قسم السيد) التحمل أكثر من ذلك . لقد تبول فى ملابسه الرسمية!! كان (قسم السيد) شرطيًا سرياً، والجلباب الابيض مكون أساسى لزيه الرسمى.
بومدين
09-03-2013, 10:01 PM
http://174.36.244.211/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?board=257
___________
هنا يا وهاد
منعم الجزولي,فنان,كاتب,مصّور,و..و..,......وأي حاجة ياخ.
تحياتي وتقديري.
بومدين
09-03-2013, 10:04 PM
حبيبتى مَمّو
من قبل قال ابوك لامك
ونطلع للحياة انداد
ذى سيفين مساهر فيهم الحداد
ونطلع من بذور الارض زرعا فارع الاعواد
وها انت بفرعك المفرهد هذا تشرفيننى شخصيا بدخولك هذا الاتون الاسفيرى المشتعل!! وان كانت الخشية قد سبقت الفرح!! الخشية ليست بسبب كونك غير قادرة على اقتحام النيران وهى مشتعلة لاسمح الله، فانت من جيل يأكل الجمر متقدا. جيل فاتنا بمراحل، ولانفعل نحن شيئا سوى محاولاتنا الفاشلة فى اللحاق به، فسبحان الله!!
الخشية، اوجبتها معرفتى بتركيبة شعب السودان!! الذى دهسته العاطفة، ذات ثورة ضد المستعمر ( الدخيل) فألقى براية الامام المنسوجة من عصب (الجمعية) ليرفع راية الخليفة المضفورة بسعف (القبلية)!! وجر وراءه رايات من التقاطعات السياسية والجهوية والعنصرية.... بل والفنية ...وحتى الرياضية!!
نحن امة سبقت السيد بوش بقرون ضوئية فى صك عملته غير المبرئة للزمة من ان الذى ليس معنا فهو ضدنا!! فصيرنا الذى وشمه غير وشمنا عدوا مبينا!! وجافينا بنى العمومة وتندرنا على بنى الخؤولة حتى حملنا عصاة الجغرافيا الهشة نقرع بها ثيران التاريخ والمصير والدم الذى لن يتحول الى ماء، وصيرنا من انفسنا شعوبا وقبائل لاتتعارف. وصار اكرمنا ( عندنا ) من كانت شلوخه تتجه فى ذات اتجاه شلوخنا.
حبيبتى
بدأت خشيتى تتحول الى هلع كامل الدسم حين طالعت ترحيبات طيبات من بنات وبنين هذا الاسفير. وقد ساقتهم حسن النوايا الى ميدان العرضة براياتهم ونحاساتهم يتحرقون شوقا وحبا فى ابيك!! شاعر الشعب الكبير. وهنا مكمن الخطر!!
كأن مدية حال بعضهم تسلخك من جلدك المستقل تماما لتلبسك جلد(أبٍ ) احبوه واحبهم!! ومن الحب ماقتل!! وتلك آفة تلازم ابناء وبنات المشاهير فتسلبهم عذوبة ذواتهم لتذيبهم فى( اسيد ) قنوات انتساباتهم، فلا بلح اليمن استطعموه ولا عنب الشام شافوه.
كان الله فى عونك وانت تبدأين هجوما معاكسا لاثبات ذات نفس وليس ذات نسبة. رغم ان الامتحان ياحبيبتى صعب جدا لان المقارن به والمنسوب اليه نيل ثالث بجانب الابيض والازرق وان اختلف عنهما ( النيلين) بانه لا يصب فى نهر النيل انما صُبَّ نهر النيل فيه!! ولايجرى فى سهول ووديان البلد بقدرما يجرى فى شرايين هذه الامة.
نيل فى حجم محجوب شريف
تحياتى وحبى
منعم الجزولى
___________
منقول
وهاد ابراهيم محمد
10-03-2013, 07:24 AM
يسعد أوقاتك بومدين..
وتسلم إيدك.
الرابط المدرج من أوائل الصفحات التي بحثت فيها عن عبد المنعم الجزولي..
لكنها ما تجاوزت بعض أعماله المتفرقة والمتناثرة كغيرها في الأسافير.
ويهمني ان أعرف عن الجزولي سيرته التي شكّلت هذه الأعمال.
فذاك ما لم أجد له من سبيل.
وأزيدك في ذلك, مدونته على مكتوب:
http://naomsudan.maktoobblog.com/
بها كم من أشعاره.
وحتى عندما حاولت إستخلاص معلوماته من عليها, جُوبهت بما يشبه إقفال مدونات مكتوب, وصعوبة متابعة الوصلات الفرعية, أو ان ذلك بعض (أمية تقنية) من طرفنا:)
على كلٍ:
شاكرة جداً بومدين
وشكراً لرسالة منعم, لمريم محجوب شريف.
يسعد صباحك.
أمير الأمين
10-03-2013, 07:47 AM
يا أمير..
لو كان ود سلمان الأطرش يشبه بقية الزبائن, لما كان من المنطق إساءة تقديره!
وهاهو أنتج مشهد مهم بالقصة, لا يتناسب و(الحشر القسري).. ولا شنو؟
سلام يا وهاد
برضو إختزال "التميز" فى الاطرش
فيهو شئ من الاجحاف بجافل الزوار
المتكررة حضورا فى تلك الببئات:D
برضو شابف ان منعم اخنزل "حراك" الشخصبات
داخل القصة..بمعنى ما كتب عنهن/م لا يشفى
غليل الساعى الى معرفنهن/م عن قرب
تحياتى
عكــود
10-03-2013, 05:09 PM
سلام يا وهاد؛
عرضك لزقاقات منعم الجزولي، كالمعروض*؛ وكتابته مثل صحن التمر المغسول. تضعه أمامك وتبدأ بتخيّر أفضل حبّاته؛ لكنك لا تُبقي منه شيئا. وتكون متعتك بآخر حبّة فيه أعظم من أولاها.
----------
* المعروض، علبة حلوى تحوي عدّة أصناف من الخبيز والحلوى والتمر والجُرُم تقدّم للضيوف أيّام الأعياد.
عكــود
10-03-2013, 05:11 PM
تحية للرشيد، كانديك، أمير الأمين.
فقد أضافت إضاءاتكم هيناً كبيراً لمتعة القراءة.
وهاد ابراهيم محمد
10-03-2013, 09:17 PM
ثم (سرّب) ابان كل ذلك حديثاً عن كثيرٍ مسكوت عنه نموذجه الكبير (أم عيسى الضكرية)
يا كاديلاك..
الملاحظة هنا ذكرتني رواية جميلة قاسمتني الوسادة لأيام وأيام, إسمها If tomorrow comes لــ سيدني شيلدون*
بطلة الرواية (تريسي) وجدت نفسها متورطة في جريمة (لا إيدا لا كراعا:))
إستحقت عليها سجناً طويلاً واجهت فيه ما لم يخطر على خيالها الرقيق أبداً,
وقابلته بروح متشققة ومهترئة بفعل صدمتها بموت أمها أولاً, ثم المصيدة التي رمتها بالسجن.. الذي فيه واجهت تكالب حيواني عليها منذ ساعة وصولها من رفيقات الزنزانة (ذكرتني بهم ام عيسى الضكرية).
حد تنازلها عن النوم ليلاً لتحرس نفسها من التحرش بها.
المهم, الرواية جميلة, ومؤثرة, سترى معها كيف بإمكان حدث غير منتظر تغيير حياة انسان من حال الى نقيضه, وكيف يفعل السعي للإنتقام.
_____
* ما عارفة اذا في منها طبعة مترجمة :p
وهاد ابراهيم محمد
10-03-2013, 09:28 PM
سلام يا وهاد
برضو إختزال "التميز" فى الاطرش
فيهو شئ من الاجحاف بجافل الزوار
المتكررة حضورا فى تلك الببئات:D
هلا بالأمير..
تميز ود الأطرش المزعلك ده, جحافل المستفيدين من زوار بيت الناير ما زعلوهو :D
بس هذا هو الذي حدث, نسوي شنو:D
برضو شابف ان منعم اخنزل "حراك" الشخصبات
داخل القصة..بمعنى ما كتب عنهن/م لا يشفى
غليل الساعى الى معرفنهن/م عن قرب
ربما لأن القصة تدور حول بت أم عجنة!
وبالتالي لف القَص في الحراك حولها هي, قبل ان ينتقل الى الحراك المصاحب لقتلها.
فلم تكن من حوجة لمعرفة الشخصيات في ذاتها, بقدر الحوجة لمعرفة خلقهم لبيئة حياة نعمات, وتأثيرهم وتأثرهم بها, وبقتلها.
طارق صديق كانديك
10-03-2013, 09:30 PM
يا كاديلاك..
الملاحظة هنا ذكرتني رواية جميلة قاسمتني الوسادة لأيام وأيام, إسمها If tomorrow comes لــ سيدني شيلدون*
بطلة الرواية (تريسي) وجدت نفسها متورطة في جريمة (لا إيدا لا كراعا:))
المهم, الرواية جميلة, ومؤثرة, سترى معها كيف بإمكان حدث غير منتظر تغيير حياة انسان من حال الى نقيضه, وكيف يفعل السعي للإنتقام.
_____
* ما عارفة اذا في منها طبعة مترجمة :p
مساء الخير يا وهاد
هذه المنطقة من أكثر المحظورات في التعاطي مع الشأن الاجتماعي، في ظني أنها لم تتعرض للطرق المستحق -على الأقل فيما وقع في يدي من كتابة- والحقيقة أنني و(للأسف)لأول مرة أقرأ للاستاذ منعم الجزولي من خلال هذا البوست، خاطرني وأنا أقرأ، جرأة أبكر آدم اسماعيل في المدن المستحيلة، لاسيما لحظة مقابلة (جو) ل(نازك) في أول لقاء عاطفي لهما.
__________
* الفلم ده يتكرم علينا الخواجة رأفت، والترجمة ما ضروري أخوك فِهيّم:D
ام التيمان
10-03-2013, 09:33 PM
زقاق ملتوي
عندما خرج ليتبّول فى الزقاق كعادته، لم يجد مكاناً خالياً، فقد كانت كل الأماكن الصالحة للتبّول مشغولة بجماهير المتبولين. قطع الزقاق جيئةً وذهاباً مرتين، عسى ان يخلى أحدهم مكاناً له. ولكن التبول كان أبدياً، والمتبولون لاينقطع سيل بولهم، ولايخفت خريره عند نقطة إلتقاءه بالارض.
تجنّب دعوة (عمر البطل) له ليتبول فى المساحة الضيقة جداً بين موقع تبول (البطل) وباب الحديد فى حائط منزل الحاجة (لبودة شندقاوى) او (لبودة الداية) كما يسمونها. ورغماً عن ان (لبودة) ليست داية قانونية، الا ان زبوناتها كن أكثر من جملة زبائن دار الرياضة، وقد تخصصت (حاجة لبودة) فى إعادة ما إنهتك من أغشية البنات قبل الزواج وتضييق ما إتسع من فروجهن بعده!!
كان يعلم ان (البطل) لن يكتفي بالتفرُّج على قضيبه الملتوى الى أعلى ، بل سيمسك به محاولاً إعادته قسراً الى إستواء القضبان. اعتذر له برفق مستقيم حيث ان (البطل) لايحب الكلام الملتوى. كان بطبعه يكره الإلتواء فى أى شئ.
(عمر البطل) كان يشكِّل فى أوائل الستينات فريقاً غنائياً مع (دفع الله ودبتول) وكان الناس يعرفونهما باسم (ثنائى العوجة) حيث قدما الى المدينة من قرية (ود العوجة) ريفى (صندقة). وظلا يمارسان الغناء فى الأفراح والنواح فى الأتراح حتى مات (ود بت ول) نتيجة تسمم كحولى.
إعتذر مبتعداً عن دعوة (بخيتة) المكشوفة. كعادتها كانت (بخيتة) تتبول واقفة عند طرف برميل الزبالة. (بخيتة) كانت تنافس الرجال فى إلقاء بولها مباشرةً على بعد متر ونصف أمامها. ومن فجورها فقد أفتت بان زواج (عشة اللبوة) من (قسم البارى) التفشكى حلال، رغم ان (عشة) كانت و لاتزال فى عصمة (بانقا) النجار!! بل وأفتت بإمكانية زواج (ويصا عبد المسيح) من (فاطمة) الفلاتية مدعية ان الله قال فى محكم تنزيله "الرجل مايعيبه سوى جيبه ".
مع ارتفاع رائحة النشادر النفاذة، وكل تلك الظهور ذات الألوان والأحجام المتنوعة، تذكّر مشهداً قديماً لفيلم هندى سخيف.
دخل أحدهم من طرف الزقاق فوق دراجة سوداء تتقدمه عينان زائغتان وحركة أرجل مترددة على بدال الدراجة, وظل يرمق ظهور المتبولين ظهراً فظهراً، حتى توقّف شبه متردد خلف (صالح بابتوت) عند باب الزنك القديم والذى كان كعادته عند التبول يجلس فارداً جلبابه الفاقع الصفرة خلفه ودالقاً عمامته بإسترخاء خلفه كاشفاً عن طاقية خضراء تغطى بعضاً من رأسه الاصلع. دار حديث قصير بينهما.. الغريب فوق دراجته مستعداً للهروب فى أية لحظة، و(بابتوت) لاينقطع خرير بوله، ثم تبادلا شيئا.. لفافة بنقود او العكس، لتنطلق الدراجة وتختفى عند إلتواء الزقاق.
حدثـت المعجزة، هكذا فجأة ، وبدون، مقدمات. حيث ترجّل (تور الفجة) من جواد بوله، فشغر مكان. أسرع ليحتله ويفك ضائقته، ولكن حضرة المدير خرج من الباب المجاور مباشرةً ولم يتردد لحظة فى الإستيلاء على المكان الخالى وأطلق لبوله العنان.
لعن المدير والمديرين والوزراء وكافة المسؤلين . أى مدير هذا الذى يقف بسرواله الأزرق وقميصه الناصع البياض، ليتبول هكذا علناً ؟ ربما لم يكن مديراً حقيقياً فى السكة الحديد..ظن لوهلة انه قد يكون مديرًا لبقالة او لمخبز او أى شئ آخر ولكنه بالقطع ليس مديراً فى الحكومة.
(ست ابوها)، ابنة خالة أبناء عمه، خطف حياتها قطار شارد جهات السافل، كان هذا منذ زمن بعيد، ولا يذكر ان كان ذلك فى المحمية أم فى الدامر. لعن القطارات المتوقفة والمتحركة فى كافة أرجاء المعمورة.
تحرك (عثمان ابنعوف) أثناء تبوله جهة اليمين قليلاً، فظنه سيغادر المكان، وتأهب لإغتنام الفرصة، متحفزاً حتى ان بعضاً من قطرات البول قد بدأت بالفعل فى الخروج من مكمنها. أمسك نفسه بقوة، فقد أحس بان سرواله قد تبلل قليلاً. ولكن (ابنعوف) لم يزد على تلك الحركة. لعنة الله عليك.. أجئت لتتبول أم لترقص.
يقولون ان (ابنعوف) يتاجر فى الزئبق الأحمر. لابد انه قد جمع ثروة كبيرة. لعنة الله عليك. لماذا لاتبنى لنفسك مبولة خاصة وتترك لنا مجالاً فى زقاقنا هذا؟
عندما تحرك (زكريا الاشول) من مكانه وراح يعيد هندمة نفسه معلناً إنتهاءه من عملية التبول، هرول نحو المكان لا يلوى على شئ، وقد بلغ البول الذبى. ولكن (زكريا)، ولسبب لا يعلمه أحد، قرر العودة لمواصلة تبوله فى نفس المكان. وعندها لم يستطع (قسم السيد) التحمل أكثر من ذلك . لقد تبول فى ملابسه الرسمية!! كان (قسم السيد) شرطيًا سرياً، والجلباب الابيض مكون أساسى لزيه الرسمى.
يا وهاد اجمل ما يميز الزقاق هنا
التبول و التبرز على الطبيعة
و الجنس و جلافة الزبائن
انها الحقيقة فى المجتمع
التحايا
وهاد ابراهيم محمد
10-03-2013, 09:34 PM
سلام يا وهاد؛
عرضك لزقاقات منعم الجزولي، كالمعروض
تحية للرشيد، كانديك، أمير الأمين.
فقد أضافت إضاءاتكم هيناً كبيراً لمتعة القراءة.
وانت ان شاء الله بس تكون راجي كباية العصير:D
يا العمدة..
شفت لوحة فان غوخ (الليلة المتلألئة)؟
بالله عليك أقرأ معنا وامنحنا التلألؤ.
الرشيد اسماعيل محمود
10-03-2013, 09:40 PM
سلام يا وهاد،،
بالنسبة لي، زقاق عبث به ضعف فني وفقر واضح في الاصرار علي توظيف العبث one way ، صحيح توظيف العبث كمفوم واضح في النص، لكن النص ضعيف من نواحٍ عدّة، أتمني لو تسعفني شبكة النت لاحقاً للتداخل.
إلي ذلك الحين، تحياتي لأمير وكانديك (وبالمرّة عكود وجيلي)، مع إني مبدئياً متفق مع كانديك في رؤيته للنص.
ملحوظة:
عندي متأخرات في "زقاق عمايا" ما عارف ممكن أجيبها ولّ خلاص الصّرفة فاتتني؟!، لأنو شايفكم كسحتو شديد..
تحياتي..
وهاد ابراهيم محمد
10-03-2013, 09:44 PM
ملحوظة:
عندي متأخرات في "زقاق عمايا" ما عارف ممكن أجيبها ولّ خلاص الصّرفة فاتتني؟!، لأنو شايفكم كسحتو شديد..
لا تثريب عليك, لاحق ان شاء الله, بي متأخراتك :)
أمير الأمين
11-03-2013, 01:17 PM
يا كاديلاك..
الملاحظة هنا ذكرتني رواية جميلة قاسمتني الوسادة لأيام وأيام, إسمها If tomorrow comes لــ سيدني شيلدون*
بطلة الرواية (تريسي) وجدت نفسها متورطة في جريمة (لا إيدا لا كراعا:))
إستحقت عليها سجناً طويلاً واجهت فيه ما لم يخطر على خيالها الرقيق أبداً,
وقابلته بروح متشققة ومهترئة بفعل صدمتها بموت أمها أولاً, ثم المصيدة التي رمتها بالسجن.. الذي فيه واجهت تكالب حيواني عليها منذ ساعة وصولها من رفيقات الزنزانة (ذكرتني بهم ام عيسى الضكرية).
حد تنازلها عن النوم ليلاً لتحرس نفسها من التحرش بها.
المهم, الرواية جميلة, ومؤثرة, سترى معها كيف بإمكان حدث غير منتظر تغيير حياة انسان من حال الى نقيضه, وكيف يفعل السعي للإنتقام.
_____
* ما عارفة اذا في منها طبعة مترجمة :p
Sidney Sheldon كاتبى المفضل منذ فترة طويلة
قرأت واحتفظ باغلب رواياته و التى اهمها Master of the game, the other side of midnight, و الاحلى فيهم Rage of Angles
"بتاع البت" جنفرباركر المحامية وصاحبها" بتاع المافيا" البتخلى الزول يشتهى
المحاماة والمافيا ذاتها:D:D
*قليل من الفتل لا يضير فعذرا:p
الرشيد اسماعيل محمود
14-03-2013, 06:12 AM
الجميل في نصوص الجزولي هو أن النص يقوم علي لحظة واحدة فقط لا غير، لاحظت للحركة دي في الزقاق الأوّل "زقاق عمايا" حيث قام النص فقط علي لحظة مناداة ضمرة لـ (برتا) ليتسلسل السرد في محور آخر علي نسق تيار الوعي في الحكي، الذي يتقاطع فيه محوران.
في زقاق عبث أيضاً كل الحكي يقوم فقط علي لحظة قتل نعمات لا غير، لتتسلسل الحكاوي ناشئة من تلك اللحظة، ودة أشار ليهو كانديك في إشارتو الذكية السابقة:
عندما قُتلت (نعمات بنت ام عفنة) كانت أمها فى السجنعندما قُتلت نعمات كانت (صفية بنت الصول) هى أكثر النائحات تأثرًا لموتها، وحزناً عليها
عندما قُتلت نعمات، ناح عليها الرتينة كما تنوح الحريم،عندما حزّت السكين عنق نعمات، كان (احمد المبروك) قد شرع للتو فى الإستفاقة من آثار خمرة الليلة الفائتة
ظرف الزمان هو المحور الرئيس في آلية السرد، حيث جعلنا الجزولي نهتم مثلما فعل بتلك اللحظة الفارقة، لحظة حزّت السكين عنق نعمات، وكل ما تبقي من حكي إنما يستند علي تلك اللحظة الوامضة.
زقاق عبث عنوان تعبيري " بالرغم من افتقاره للحياد" لكنه موفق في وصف الطقس النصي العام، العبث ابتدأ منذ بداية القص، ووصل نهايته بلحظة القتل التي لا يعرف القارئ مسبباتها ولا حتي هوية القاتل التي ذهبت حقيقتها مثل سر مع ذهاب روح نعمات.
عجبني المشهد الدرامي في:
وكانت قد ألقت نظرها المفزوع، ولآخر مرة، على وجه جزارها،
حيث تكون لهفة القارئ في أوجها بانتظار معرفة هوية القاتل في لاحق السطور المتبقية (ليلقي نظره أيضاً علي وجه جزارها)، لكن هيهات، لن يعرف ذلك ولكن فقط عليه الاستنتاج، هل هو سارق؟، هل هو أحد زبائنها القدامي، هل رفضت تمكينه من نفسها يوماً ما، هل له عليها أموال ليسرق الحقيبة بعد أن يحزّ عنقها؟ وهل وهل؟
المهم:
الجزولي متمكِّن وحريص علي دسِّ الترقب في قارئ نصوصه، حيث لا يجد مفرّاً من إكمال النص ليعرف أكثر مما تعرفه شخوص النص، ولكن لا يفيد ذلك أيضاً بعدما صار القارئ واحداً من الشخوص النصوصيين.
الرشيد اسماعيل محمود
14-03-2013, 06:21 AM
سلام يا وهاد،،
بالنسبة لي، زقاق عبث به ضعف فني وفقر واضح في الاصرار علي توظيف العبث one way
..
الضعف الذي عنيته بالمداخلة الفاتت، هو إصرار الكاتب علي التركيز علي الجانب الجنسي دون غيره، في زقاق مجتمعي يعج بكثير من الجوانب الأخري التي غالباً ما تكون خافية عن الآخر البعيد عن الزقاق (حال كونه جانباً بعيداً عن زوايا رؤية المجتمع)، زقاق لا يري فيه الآخرون سوي ما قام بكتابته ويفعل دوماً الكتّاب، فهم يكتبون ما يعرفه الناس عن تلك الأماكن، الجنس العبثي اللحظي الشبقي، الخمر والتسكع علي الطرقات، السرقة.. إلخ من سلوكيات تشتهر بها تلك الأماكن، وهي في ظني تمظهرات عامّة خارجية لا تمكّن القارئ البعيد عن ذلك الواقع من فهم الإنسان المقيم في تلك الأزقة بشكل آخر تنطلق الرؤية فيه من الإنسان لتلج الإنسان القيمة الكونية بعيداً عن التمظهرات الناشئة بفعل ظروف معينة.
لكن:
هذا لا يعني إغفاله للجوانب الانسانية الأخري، ولكن التركيز عليها لم يكن مُرضياً بالنسبة لي كقارئ، حيث غطّي الجنس في (نسخته التندرية) علي أحداث النص بكامله. تغيير العنوان من زقاق حبش لـ زقاق "عبث" صادف توفيقاً كبيراً، لأنو الأخير أكثر تعبيرية.
وفي البال حديث آخر عن القيمة الأدبية لنصوص الجزولي، لكن من وين نلقي روقة كانديك وأمير؟
الرشيد اسماعيل محمود
14-03-2013, 06:35 AM
هذا المشهد مكثّف وغني بحلاوة ما يربط ضمرة ببرتا
(إجتهد ضمرة كثيراً لكي يقرب لها....معنى الحليب، ولونه!)
صورة جميلة وغارقة في بعد إنساني حميم جداً
ضمرة يشرح ويجتهد ليوصل لها معنى شئ لا أبصره ولا ذاقه.. يجتهد حتى وهو يعرف انه لن يفلح في ذلك, فقط لأنها سألت!
سلام يا وهاد..
الجزء دة من النص فيهو غرابة شوية، رغم محاولة الكاتب تصوير حالة الفقر والبؤس الذي فيه حاجة فاطمة (برتا)، إلا أنه بطريقة أخري أضاف لا معقولية غريبة للنص، وذلك بجعل الحليب من أمنيات الجنة المدخرة لامرأة مسنة (حتي وإن كانت عمياء)، خاصة إن وضعنا في الاعتبار أنّ البيئة التي نشأت بها هي "قرية ما خارج القضارف".
يمكن تقبُّل عدم قدرتها علي تخيّل بياض الحليب، لكن طعمه فلا أعتقد شخصاً نشأ في تلك البيئة ليس لديه فكرة عن طعم الحليب بمعني عدم تذوقه مهما كان مقدار فقره بؤسه. نعم، كل شئ وارد، ولكن فقط أتحدّث عن إحتمالية ذلك ونسبة حدوثه.
أمّا بعد:
صحيح النص حافل بالعبارات التصويرية المعبّرة، وأكثر ما أدهشني في النص انه انبني علي لحظة احدة فقط، لحظة معبّأة بالقلق الانساني، الهواجس الخوف من شئ متخيّل، لا يعرف الانسان ماهيته، ولكنه يدركه بالغريزة دن سواها، الخوف من المجهول، الخوف علي الذات، علي عزيز، قريب، خوف تجمّعت له كل المبررات والمسوغات.
طارق صديق كانديك
14-03-2013, 09:14 AM
وفي البال حديث آخر عن القيمة الأدبية لنصوص الجزولي، لكن من وين نلقي روقة كانديك وأمير؟
شكرا يا رشيد على القراية الرشيدة دي، وكان صفيت النية روقتنا أنا وأخوي الكاشف بتلقاها، وعندها سيفرح القارئون بنصر الكلمة الحصيفة.
أكتب يارشيد ياخي
ود البلد
14-03-2013, 11:26 AM
ياسلام على حسن الإختيار
وياسلام على جمال ماكتب
وياسلام على النقد الأدبى والذى يزيد النص حلاوة على حلاوته
وكلك على بعضك حلو
شكرا" للجميع فقد امتعتمونا وشبعنا إمتاعا"
الرشيد اسماعيل محمود
14-03-2013, 11:46 AM
زقاق ملتوي
شكراً يا وهاد،،
النص دة جميل جدّاً وفيهو شغل ممتاز، بيستند أساساً علي فكرة الـ "إلتفاتة"، الالتفاتة لحدث موجود أصلا وبشكل يومي ومتكرِّر، محاور الابداع تكمن هنا، البعض يخلق الحدث وآخر يلتفت للحدث، وفرق كبير بين الاثنين.
الجزولي هنا لم يفعل شيئاً سوي إلتفاته لحدث صغير يومي، ولكنه فعل كل شئ.
الجزولي يمتلك قدرة كبيرة علي الانتقال من منطقة إلي أخري دون الالتزام بأسلوب محدّد في النص وفي نفس الوقت دون الاخلال بتماسك النص، ينتقل من منطقة سردية لأخري ولا يعطي الفرصة لناقد ما تتبّع أسلوب معين لرسم إطار يحتوي أسلوبه، لذلك في رأيي فإن منعم الجزولي له طريقته الخاصة في الكتابة السردية عصية علي التأطير.
النص قائم بشكل ما علي عنصر المفارقة، والمفارقة هي العمود الفقري للنكتة أو الحدث المضحك، للمطالع من قريب أو بعيد، لذلك حفل النص بجزئيات فكاهية رغم حقيقتها وواقعيتها نوعاً ما.
النص أيضاً من زاوية أخري يشير ربّما لملاحقة العنصر البدوي في داخل السوداني له وعدم القدرة علي التآلف مع الحمامات كوسيلة للممارسات البيولوجية الوظيفية بشكل أكثر إنسانية وخصوصية. والتعود علي فكرة "طلوع الخلا" التي نشأ عليها غالبية السودانيين، تلك التي توفر متعة لا توفرها الأماكن المغلقة.
ولكن الراجح هو عدم وجود حمامات مجاورة، فمن سير الحدث واضح أنه ينتمي لمرحلة متقدمة من تاريخ السودان لم يرد الكاتب تحديد زمان النص، ولكنه أيضاً لم يترك للقارئ استحداث زمانه الخاص حين مطالعة النص،
إذا ما قمنا بالربط بين السطرين:
(عمر البطل) كان يشكِّل فى أوائل الستينات فريقاً غنائياً مع (دفع الله ودبتول)
كان (قسم السيد) شرطيًا سرياً، والجلباب الابيض مكون أساسى لزيه الرسمى.
فــ:
- السطر الأوّل يقطع بأن الزمان ينتمي لما بعد الستينات
- السطر الثاني يعود بالزمن لما قبل ذلك (مع استبعاد الفنتازيا عن النص تماماً)
وهذا اللبس لا يفكه سوي معرفة الحقبة التي كان الجلباب الابيض هو المكون الاساسي لزيّ الشرطة السرية، ولكن ما هي الشرطة السرية؟؟، الأمن؟ المباحث؟ وفي أيّ وقت كان الاسم ومتي تغيّر يا جنابو النور؟!:D
الاسئلة في رأيي مهمّة، لأنّ مثل هذه النصوص لا تقتصر مطالعتها علي المتعة والفرجة فقط، بل حتي في توثيق مراحل مختلفة في تاريخ المجتمعات، لنعرف منها كيف كان المجتمع وكيف تطوّر أو تراجع أو.. إلخ.
مشاركة حتي المدير (بالسكة حديد) وابنعوف الذي يقال بأنه تاجر زئبق أحمر للآخرين التبوّل في العراء، جعل من الحدث الملتفت إليه حدثاً مُشاعاً تشترك فيه كل الطبقات الإجتماعية دون فرز، الرأسمالية، الطبقة الوسطي، والعاملة، وفي رأيي هذه إشارة ذكية من الكاتب.
المهم:
نص يتوفر فيه عنصر المفارقة وبالتالي الفرجة والمتعة التي توفرها النصوص القصصية أكثر ما يمكن الحصول عليه هنا، إضافة للإشارات التي يطلقها الكاتب من سطر لآخر، كل قارئ يفسرها حسب ظنه وأسلوبه في القراءة.
وهاد ابراهيم محمد
14-03-2013, 12:17 PM
شكراً طارق, أمير, وود البلد
شكراً جداً يا الرشيد
آسفة للإنقطاع, الأيام دي مجبورة على (زقاق ضيّق):)
بس ان شاء الله أقدر ألقى فرقة وأجيكم برواقة, (ونشوف الرشيد ده بقول في شنو:))
_____
كلّنا ذاك السائل عن جنابو النور..
الزقاق الآتي والأخير (محمّدو).. ويحتاجه, ونحن.
أمير الأمين
14-03-2013, 11:14 PM
وهذا اللبس لا يفكه سوي معرفة الحقبة التي كان الجلباب الابيض هو المكون الاساسي لزيّ الشرطة السرية، ولكن ما هي الشرطة السرية؟؟، الأمن؟ المباحث؟ وفي أيّ وقت كان الاسم ومتي تغيّر يا جنابو النور؟!:D
سلام رشيدنا
لا اظن ان الجلباب كان فى يوم من الايام زى رسمى للشرطة السرية
ولن يكون ... لانه ببساطه وجود زى رسمى معرف بهم يتنافى مع
وظيفتهم السرية المناط بهم
وفي البال حديث آخر عن القيمة الأدبية لنصوص الجزولي،
لكن من وين نلقي روقة كانديك وأمير؟
إلا تجى السعودية بنين:D
مي هاشم
15-03-2013, 09:55 AM
في هذا البوست الممتع (مفروض أنزوي في زقاق للمتابعة بس)..
تحاياي ومحبتي وهاد
الرشيد
وكل من مر
أمير الأمين
15-03-2013, 12:48 PM
شكراً يا وهاد،،
النص دة جميل جدّاً وفيهو شغل ممتاز، بيستند أساساً علي فكرة الـ "إلتفاتة"
رشيدنا سلام مرة تانية
عارف "التفاتة" دى وقفتنى كتير زى ما وقفنى النص قبلها .. لاننى اعتقد ان
فيها "تنميط مباشرة" لكاتبات منعم .. رغم ان النص يحمل دلالات رمزية تنفى عنه صفة المباشرة المحمول على فكرته الكلية التى تنافى الواقع-عادة التبول الجماعى- وكذلك تبول بخيتة "الوقافى" وتبول المدراء الخ.. بمثل هؤلاء فى ظنى وغيرهم ممن ذكرهم منعم بشريحة من مجتمع ما مشتركون فى امر ما (قد يكون فساد..او استغلال نفوذ او أنتماء الى جهة حزبية ما الخ)..وقد تكون اشارة منعم الى الستينيات
القرن الماضى الى حقبة ما بعد ذلك (الاتحاد الاشتراكى مثلاَ الذى كان يشير
اليه البعض بالمرحاض).....
الا تمثل بخيتة فى فجورها وفتاوايها الدينية المثيرة شخصية حزبية دينية مشهورة ؟
فى النص رمزية كثيفة فيما اعتقد تحتاج الى تفكيك اكثر لجزئياته
تحياتى
الرشيد اسماعيل محمود
20-03-2013, 05:01 PM
رشيدنا سلام مرة تانية
عارف "التفاتة" دى وقفتنى كتير زى ما وقفنى النص قبلها .. لاننى اعتقد ان
فيها "تنميط مباشرة" لكاتبات منعم .. رغم ان النص يحمل دلالات رمزية تنفى عنه صفة المباشرة المحمول على فكرته الكلية التى تنافى الواقع-عادة التبول الجماعى- وكذلك تبول بخيتة "الوقافى" وتبول المدراء الخ.. بمثل هؤلاء فى ظنى وغيرهم ممن ذكرهم منعم بشريحة من مجتمع ما مشتركون فى امر ما (قد يكون فساد..او استغلال نفوذ او أنتماء الى جهة حزبية ما الخ)..وقد تكون اشارة منعم الى الستينيات
القرن الماضى الى حقبة ما بعد ذلك (الاتحاد الاشتراكى مثلاَ الذى كان يشير
اليه البعض بالمرحاض).....
الا تمثل بخيتة فى فجورها وفتاوايها الدينية المثيرة شخصية حزبية دينية مشهورة ؟
فى النص رمزية كثيفة فيما اعتقد تحتاج الى تفكيك اكثر لجزئياته
تحياتى
سلام يا أمير (ود السعودية بنين):D
زاوية رؤيتك محل تقدير ومميّزة وتنم عن تعدّد زوايا قرايتك للنصوص، لكن في رأيي، منعم الجزولي كاتب واقعي، بعيداً عن الترميز والمدرسة الرمزية ولو علي سبيل الإشارات الوامضة، ولو رجعت لحديثه المكتوب عن "كيف ولماذا ولمن يكتب" في المقتبس الذي أوردته وهاد، ربّما ندرك أنه يعمل علي مد جسور العلاقة بين القارئ وشخوص النصوص، معضداً بما قاله من أنّ اهتمامه بالانسان في المقام الأوّل والأخير. فهل يعني ذلك بعده الشاسع عن الايديولوجيا والمفاهيم والشعارات المروّجة؟!
عموماً يا فردة:
مداخلتك تستاهل عودة أخري وزوايا قراءات من آخرين لديهم الاهتمام، ولحين تشريف النور يوسف وخال فاطمة (بعد الامتحانات)، دعنا نحاول العودة ثانية لمزيد من الونس والنقاش والمتعة الخاصة.
تحياتي
وهاد ابراهيم محمد
21-03-2013, 09:40 PM
ربما لأن القصة تدور حول بت أم عجنة!
وبالتالي لف القَص في الحراك حولها هي, قبل ان ينتقل الى الحراك المصاحب لقتلها.
فلم تكن من حوجة لمعرفة الشخصيات في ذاتها, بقدر الحوجة لمعرفة خلقهم لبيئة حياة نعمات, وتأثيرهم وتأثرهم بها, وبقتلها.
أعدت قراءة الزقاق لمرات.. هذا الرأي السابق إحتاج لبعض تعديل وإعادة صياغة, على ضوء القراءات بعدي
على أي حدث قامت قصة الزقاق؟ حياة نعمات, ام قتلها؟
وجدت الأمر أشبه بعزف أوكورديون... تنفتح القصة على تشكيل بيئة حياة نعمات للحظة, ثم تنغلق على آن قتلها.
تُسهب في الأولى, وتوجز في الثانية حتى ليُختزل الحكي عندها الى مجرد خبر مقتضب في نسيج القصة
فـ (عندما وعندما و...) التي أشار اليها كل من كانديك والرشيد, أوقفتني على المراد منها
هي فعلاً لم تكن الا منصّات تصويب :
"عندما قُتلت (نعمات بنت ام عفنة) كانت أمها فى السجن. ولم تسمع الخبر الا ضحى اليوم الثالث للجريمة." ثم عرّفنا الى أمها
"عندما قُتلت نعمات كانت (صفية بنت الصول) هى أكثر النائحات تأثرًا لموتها، وحزناً عليها)." ثم عرّفنا الى علاقة صفية بأم عفنة
"عندما قُتلت نعمات، ناح عليها الرتينة كما تنوح الحريم." ثم عرّفنا الى الرتينة
"عندما حزّت السكين عنق نعمات، كان (احمد المبروك) قد شرع للتو فى الإستفاقة من آثار خمرة الليلة الفائتة" ثم عرّفنا الى المبروك.
أجدني مطمئنة الى ان القصة دارت حول الزقاق وآله الذين شكّلوا حياة نعمات, مستفيداً من لحظة قتلها لتكون إنطلاقة للحكي ليس إلا, متحركاً على محوره الزمني (كما أمّن الرشيد), وكما الباحث عن موجة بث على مؤشر راديو عتيق, تارةً يعود للخلف , وتارةً يقفز الى ما بعد قتلها, شارحاً الإعزاز الذي حازته والمدلّل عليه بفجيعة أحبائها فيها. ولم يتوقف عند لحظة القتل نفسها الا بآخر القصة تاركنا والقتيلة نتشارك النظر المفزوع الى القاتل ونتساءل عن لماذا؟
وهاد ابراهيم محمد
21-03-2013, 09:42 PM
عذراً..
أعاني من عطبٍ ما لا يُمكنني من إستخدام الصندوق الماسي
وبالتالي أعجز عن كل معينات توضيح المداخلات بشكل جيد.
وهاد ابراهيم محمد
21-03-2013, 09:51 PM
الضعف الذي عنيته بالمداخلة الفاتت، هو إصرار الكاتب علي التركيز علي الجانب الجنسي دون غيره، في زقاق مجتمعي يعج بكثير من الجوانب الأخري التي غالباً ما تكون خافية عن الآخر البعيد عن الزقاق
لكن:
هذا لا يعني إغفاله للجوانب الانسانية الأخري، ولكن التركيز عليها لم يكن مُرضياً بالنسبة لي كقارئ، حيث غطّي الجنس في (نسخته التندرية) علي أحداث النص بكامله.
**في زقاق مجتمعي يعج بكثير من الجوانب الأخري التي غالباً ما تكون خافية عن الآخر البعيد عن الزقاق**
إنظر الى ما وضعته لك بين النجوم يا الرشيد ..
كيف لك إفتراض ان منعم الجزولي ليس من الآخر البعيد من الزقاق؟ او حتى إفتراض نظرته من الداخل؟
الجزولي في قصته لم يحكي عن الجنس في الزقاق, حكى عن ظروفه, عن العبثية التي مهّدت له وصاحبته, عن كيفية إمتهان أم عجنة له, وسبّب لشذوذ الرتينة (وهاتين نقطتين تقلبان ميزان القصة من سرد تندري الى تراجيديا أطبقت على حياة الاثنين, غض النظر عن تفاعلهما وتلك الحياة, لتقودهما الى حيث لم تكن أحلامهما), حكى عن الهالة التقديرية –والتي أجدها مضخّمة- لمهارات رقية والتي لم يخض فيها بأكثر من تبيان سبب مسمّاها, وكما في الزقاق الذي تلاه منحنا لمحة عابرة –أتت خجولة وضعيفة, تُقرأ مع إشارة كانديك أن هذه المنطقة من أكثر المحظورات في التعاطي مع الشأن الاجتماعي، - لمثال سيدة (ضكرية), إكتفى بوجودها عن نشاطها.
لا أجد الجنس مغطياً على الأحداث, بل أجد إحترام الجزولي لتشكيل الجنس لعلاقات أهل الزقاق, ناجياً من ان يصبح هوساً مسيطراً على نصه..
نقطة جد مهمة, وأشارت اليها د. بيان, ان الجزولي حكى عن زقاق عبث متحللاً من تجريم ومحاكمة سكانه.. عكس العلائق والتقاطعات التي فيه بمهارة النقل الكامل وليس البحث في علله. وهو ذات ما يربطنا والنقطة حيث لا يمكن الإمساك بتفصيلٍ ما خارج ما يتجوّد به علينا أهل الزقاق المحكي عنهم, فلا مجال لتفكير او خيال للوصول الى مجهول.
الجزولي ليس عليه إرضاء قارئ..
عليه فقط إرضاء الجزولي في مشروعه الذي تبنّاه وصرّح بهدفه منه.
وأراه يبلي جيداً.
وهاد ابراهيم محمد
21-03-2013, 10:26 PM
زقــــاق عمــــايا
اجتهد ضمرة كثيراً لكي يقرب لها....معنى الحليب، ولونه! دون فائدة. لا تذكر قط أن قد ذاقت طعم الحليب يوما.
صورة جميلة وغارقة في بعد إنساني حميم جداً
ضمرة يشرح ويجتهد ليوصل لها معنى شئ لا أبصره ولا ذاقه.. يجتهد حتى وهو يعرف انه لن يفلح في ذلك, فقط لأنها سألت!
سلام يا وهاد..
الجزء دة من النص فيهو غرابة شوية......
يمكن تقبُّل عدم قدرتها علي تخيّل بياض الحليب، لكن طعمه فلا أعتقد شخصاً نشأ في تلك البيئة ليس لديه فكرة عن طعم الحليب بمعني عدم تذوقه مهما كان مقدار فقره بؤسه. نعم، كل شئ وارد، ولكن فقط أتحدّث عن إحتمالية ذلك ونسبة حدوثه.
والله يا الرشيد.. عن عدم معقولية عدم تذوق شخص من بيئة نواحي القضارف للحليب, فذاك صحيح ولم أجد مبرر يعالج هذه الهنّة في النص.
_____
وهنا..
زقـاق عبث
كان الناس يأتونها خصيصاً، بل وفى ليلة الخميس كان البعض يأتى من ودمدنى والحصاحيصا وكان البعض يأتى من القضارف وآخرون من كوستى وسنار بل ان بعضهم قد جاء من الفاشر. فإن كانت مع زبون بالداخل لا يأخذون غيرها كما هى العادة بل كانوا ينتظرون فى الحوش الخلفى حتى تفرغ لهم واحداً واحداً. وقد قيل ان (النذير ابوكساوى) تاجر الجمال المشهور فى سوق الأبيض قد قضى ليلة الخميس كلها وبعضاً من نهار الجمعة منتظراً فى الحوش الخلفى. وقد قيل أيضاً ان (الحاج عبد الغفار ابوشلوخ الحتيربابى) قصدها مباشرة من المطار وهو عائد من الحجاز بعد أداء فريضة الحج. وقد ظلت عربة التاكسى تنتظر ليلة كاملة خارج بيت الناير وهى محملة بحقائب الحاج وحاجياته حتى فرغ الرجل من وطره ومن ثم سافر الى أهله فى قرية (الحتيرباب) جنوب المدينة.
*كلمة خصيصاً التي وردت بأول المقتبس, خربت عليّ تصوّر جميل
من المعروف ان كل القادمين من الأطراف يمنّون أنفسهم برؤية خبايا الخرطوم وملذاتها..
ينتظرون ان يأتي بهم شاغل ليروا تلك العجائب التي يسمعون عنها.. ويندر ان يتمكنوا من قصدها مخصوصاً.
أقول ان كلمة خصيصاً تلك جعلت هذه الجموع تشد رحالها فقط للمتعة عند ام عجنة, حتى من الفاشر أقصى الغرب
الصورة هنا أضحت لي مبالغ فيها, وكانت لتكون أجمل لو أن الحاضرين ما غادروا خرطومهم قبل ليلة في جناب ام عجنة ينالون بها نعيماً يتقلبون في ذكراه حتى لقاء جديد لو كان.
قصد (الحتيربابي) لام عجنة في عودته من الحج مع المفارقة المضحكة التي فيها, لكنها كانت أجود وأجمل من الـ(خصيصاً) تلك.
* إنتظار (ابو كساوي) ليلة كاملة وبعض نهار, يجعل من ام عجنة ماكينة جنس لا تتوقف, وهي صورة تتنافى مع العجنة والدلال والتغنّج الذي قيل عنها, تتنافى وهذا الجهد المستمر المتواصل.. بحيث يصبح احد الحدثين غير صحيح بالضرورة.
وهاد ابراهيم محمد
21-03-2013, 10:35 PM
زقاق ملتوي
يا وهاد اجمل ما يميز الزقاق هنا
التبول و التبرز على الطبيعة
و الجنس و جلافة الزبائن
انها الحقيقة فى المجتمع
التحايا
يا امهم, لا أستطيع موافقتك ونُرجع تميّز زقاق ملتوي الى ما أتى في قولك أعلاه, ثم انه التبرز والجنس لم يعبرا من هنا البتة :). لا أحد ينكر الطبيعيات الحياتية اليومية, لكن كيف نتعاطى معها (ليس عملياً طبعاً), وكيف نأخذ من الحالة ما يشكّل فكرة أو يناقشها ؟
هذا ما يجتهد عليه الجزولي, وينجح الى حدٍ مرضي ومقدّر.
شكراً, وتحياتي مجزلة يا أمهم.
وهاد ابراهيم محمد
21-03-2013, 10:47 PM
وهذا اللبس لا يفكه سوي معرفة الحقبة التي كان الجلباب الابيض هو المكون الاساسي لزيّ الشرطة السرية،
:D
لا اظن ان الجلباب كان فى يوم من الايام زى رسمى للشرطة السرية
ولن يكون ... لانه ببساطه وجود زى رسمى معرف بهم يتنافى مع
وظيفتهم السرية المناط بهم
تماماً زي ما قال ليك الأمير.
(لَبس) زي ده طلع منك كيف بالله يا الرشيد :D
______
*هنّة أخرى للجزولي, وتتلازم لي مع إختيار الزقاق نفسه الذي تفتح عليه بيوت السادة المتبولين ليكون مبولتهم العظيمة. (شي يتنافر والفطرة السوية للبشر!)
وهاد ابراهيم محمد
21-03-2013, 10:50 PM
ياسلام على حسن الإختيار
وياسلام على جمال ماكتب
وياسلام على النقد الأدبى والذى يزيد النص حلاوة على حلاوته
وكلك على بعضك حلو
شكرا" للجميع فقد امتعتمونا وشبعنا إمتاعا"
شكراً لود البلد
وحباب طلّتك.
وهاد ابراهيم محمد
21-03-2013, 10:52 PM
في هذا البوست الممتع (مفروض أنزوي في زقاق للمتابعة بس)..
تحاياي ومحبتي وهاد
الرشيد
وكل من مر
الرايقة مي..
الزقاقات هذي كلها للمتابعة ليس إلا... فاحضرينا ساطعة غير منزوية
ولكِ طيب التحايا.
وهاد ابراهيم محمد
21-03-2013, 10:57 PM
الى: النور يوسف,
للنور الضاوي من البعيد...
رُبَّمَا لمْ تَزَلْ تلكم الأرض,
تسكن صورتها الفلكية,,
لكن شيئاً على سطحها قدْ تكسَّر.
رُبَّمَا ظل بستانُ صيفك,
أبْيضَ في العواصف.
لكنَّ بْرقَ العواصف,
خلف سياجكَ أحْمر.
رُبَّمَا كانَ طقسُك ، ناراً مُجوسِيَّةً
في شتاءِ النعاس الذي لا يُفَسَّرْ.
رُبَّما كُنْتَ أَصغر,
ممَّا رَأَتْ فيكَ تلك النبوءاتُ
أَو كنتَ أكْبَرْ.
غير أنك تجهل أَنَّك شَاهِدُ عَصْرٍ عتيقْ,
وأن نَيازِكَ مِنْ بشرٍ تتحدَّى السماء,
وأن مَدَارَ النجوم تغير!*
__
*محمد الفيتوري
وهاد ابراهيم محمد
21-03-2013, 11:17 PM
زقاق مســتقيم
لم أقع على أية تفاصيل مثمرة فى كل الروايات التى رُويت، وكل الحكايات التى حُكيت، عن حياة (علوية باشريي)، أو (علوية النجيضة) كما ينادونها. ولها من الألقاب ايضاً (علوية الشاويش) لصرامتها، و(علوية نسيج النقادة) لدقة تقاطيعها وجمال هيئتها. اما ألقابها السرية فلا حصر لها، الا ان أشهرها كان (علوية الضكرية).
لا أكاد أعرف شيئًا عن حياتها قبل زواجها الأول، سوى بضعة أقاويل متفرقات، التقطتها من هنا او هناك. كانت قد ذهبت الى مدرسة (بالواو) الأولية للبنات وكانت - كما قيل - لها صولات وجولات فى شجاراتها مع اولاد مدرسة بالواو الأولية للبنين، طبعاً بعد ان فرغت من كل الشجارات الممكنة مع تلميذات ومعلمات وخفراء وفراشات مدرسة البنات.
وقد سمعت حكايات أسطورية عنها فى شبابها حين أمسكت بلصٍ كان قد تسوّر الحائط الطينى فى بيت (سيد احمد الشايقى) اوكما ينادونه (سيد احمد الأعور)، صاحب الكنتين، فصرخت زوجة الأعور عندما رأت اللص يخرج عليها فجأة من خلف جوالات الفحم المردومة فى الحوش الورانى.
ان هى إلا صرخة واحدة جمّدت اللص فى مكانه لحظات من أثر المفاجأة. لحظات فقط، كانت كافية لأن تصحو (النجيضة) من نومها مع إنطلاقة الصرخة، ثم تقفز تلاثة حوائط متتالية تفصل بين بيتهم وبيت (الأعور). وتجثم- كما القدر- على صدر اللص الذى راح يعافر محاولاً فقط استنشاق بعض الهواء النقى.
قيل انها ضرطت فى أنفه مباشرة فأغمى عليه!! والثابت ان البوليس حين جاء كان اللص فى غيبوبة كاملة أفاق منها بعد عدة ساعات ليجد نفسه داخل زنزانة رطبة فى مركز بوليس المدينة. ربما كان هذا واحداً من أهم الاسباب التى جعلت من الزقاق مكاناً آمناً من غشوات اللصوص. فلا يكاد يذكر أحد ان لصاً قد سرق بيتاً فيه. السرقة الوحيدة التى يتذكرونها كانت حين اختفت كراسى الجمعية التعاونية والتى أُتهم فيها (عبد الله ولد البيه). كان هذا منذ زمان لايتذكره أحد بالضبط، قبل ان يتحول مبنى الجمعية الى مسكن لمفتش الزراعة.
كان عندها شقيق واحد اشتغل فى الجيش ومات فى الجنوب. واربع شقيقات تزوجن وتفرقن فى أركان البلاد. وقد تزوجت على صغر من (عبد الدايم جقود) وسكنت معه فى الزقاق، وأنجبت تحته (زاكي الدين) و (موسى) ويقال له (الأحمر) لسرعة غضبه وقلة صبره. و(بلال) الملقب بـ(العجيل)، لسمنته وقصر قامته. ولما توفى عنها (جقود) تزوجها صديقه الحميم ( باب الله) الدونقلاوى . قال ليتولى تربية ابناء صدبق عمره، وقد فعل وأحسن الفعل فى تنشئتهم تنشئة تتحدث بها المدينة الى يوم الناس هذا. فصار (زاكي الدين)، أكبرهم، من أشهر اصحاب التجارة بين الحدود مع يوغندا وكينيا وافريقيا الوسطى. كان ينقل كل شئ، الملح، وزيت السمسم، والحلويات، والدقيق، والصابون. وكان ينقل الدراجات، والاقمشة، والسكسك، والتمباك. ورحل عن الزقاق حيث ابتنى له قصراً فى ضاحية (الامتداد)، حتى قبض عليه البوليس وفى مخازنه عشرة أطنان من البنقو، وحُكم عليه بالمؤبد الذى قضى فيه خمس سنوات ثم توفى فى ظروفٍ غامضة.
اما (موسى الأحمر)، فقد قُتل بطعنة سكين فى مشاجرة داخل بار (الدرايسة) ولم يُعرف قاتله حيث تفرق دمه بين قبائل السكارى.
الوحيد الذى خرج من تلك التشوهات هو( العجيل) والذى استقام اول حياته فصار درويشاً ملازماً لفروة الخليفة (عطا) ولد (الصادق) خليفة الشيخ (الدبيك) فى ضاحية (الفنجرة) ريفى (العبابير شرق) ثم تزوج من ابنة الخليفة وعاش معها سنة كاملة قبل ان تضبطه ووالدها يلوطه، فأصرّت على الطلاق، وارتحلت الى حيث لايعلم بها الا الله. وعاد (العجيل) الى الزقاق وقد سبقته شهرته التى نشرتها الصحف، وعاش به فترة، ثم رحل الى الجزيرة (يقال) وأخيراً، سافر الى السعودية ولم يعد قط.
ولما مات (الدونقلاوى)، قطعت جزء من البيت وبنت فيه الطاحونة والتى كانت تشتغل فيها بنفسها. كانت قوية البنية وحادة المزاج. وقد قيل انها فى اكتوبر كانت تقلب كومر البوليس وحدها.
فى أقوالها أمامى أفادت ( النجيضة) بأن الدونقلاوى كان يغيب عن المنزل فترات طويلة قد تصل الى عدة شهور ثم ينتصب فجأة فى وسط المنزل متنحنحاً ليعلن عن قدومه. لاتدرى بالضبط اين يذهب ولا ماذا يفعل. قال لها مرة انه يتاجر فى الحبوب الزيتية. وهى بطبعها كما قالت لا تحب ان تطارد رجلاً يهملها. ثم قالت والسخرية تطل من بين ثنايا كلماتها ان الدونقلاوى كان حضوره مثل غيابه .... سيان!!
لم تكن لتعرف له أعداء. كما ولم تكن تعرف له أصدقاء سوى (ولد جقود) زوجها الأول. كان يأتى لزيارتهم يومياً ويجلسان تحت النيمة الكبيرة. كانا يلعبان الطاولة ويشربان الشاى ويهمسان دون ان تعرف ماذا يقولان. وعندما رحل زوجها واظب الدونقلاوى على الحضور فى نفس الموعد، وكان يجلس تحت نفس النيمة، وحده، ويشرب الشاى وحده. الا انه لم يكن يلعب الطاولة وحده. كما وانه لم يكن يهمس وحده.
ومنذ ان تزوجها لم تر أي مخلوق يأتي ويطرق الباب ليسأل عنه.
ضحكت بفجور حين سألتها ان كانت تعلم بأن له علاقات أخرى خارج الزوجية.
قالت انها لم تكن تعلم ان له شئ داخل الزوجية أصلا!!
حدثنى الدكتور (علم الهدى بادي)، حديثاً قيماً عن تاريخ الزقاق، منذ ان قدم اليه الشيخ (عبد المرفوع بالواو) المنحدر من أسرة بالواو الشهيرة فى تونس الخضراء، وانشأ أول الأمر مدرسة (بالواو) الاولية للاولاد ثم أعقبها بمدرسة البنات. والتى تقوم مكانها الان مكاتب مصلحة المساحة.
وكانت مدرسة الاولاد فى الواقع هى أول ما انشئ فى هذا الزقاق، حتى قبل ان يكون هنالك زقاق أصلا. وقد سكن السيد عبد المرفوع أول الأمر فى جانب من المدرسة والتى بدأت كغرفة وحيدة ابتناها بنفسه من الطين اللبن والقش، يقيم فيها الدرس نهاراً ويسكن اليها ليلاً. ثم بنى المرحاض بمساعدة رجل من البرنو اسمه (بامَي) صار فيما بعد خفيراً للمدرسة بعد توسُع بنايتها وضمها للفسحة المجاورة من ناحية الجنوب، ثم أُضيف اليها السور الخارجى فيما بعد. ثم تتالت البنايات وتطاولت من جهتى الشمال والجنوب أولاً، ثم تلاصقت معها بنايات أخرى من جهة الشرق. وبنايات أخرى أُقيمت فى الصف الموازى لها من جهة الغرب لتصير المساحة بينهما شارعاً وحيداً مستقيماً ينتصب من الشمال حيث يلاصق ( دكاكين العرب ) والتى صارت فيما بعد سوق المدينة الرئيسى، ويمتد جنوبا حتى ميدان الجامع، حيث يلعب الاولاد الكرة عصراً، ويؤمه اصحاب الكيف ليلا للتمتع بدخان سجائرهم التى يلفونها مخلوطة بالبنقو، او بسوائلهم التى يشترونها من الأنادي الجاثمة على مبعدة من الزقاق، فى المنطقة التى تعرف الآن بـ(ديم القزاز).
أول أطراف الخيط، تدلى أمامى وانا أمسك بصحيفتي أقلّبها عند المغرب، جالساً فى قهوة (صافى النية) القائمة عند طرف الزقاق الجنوبى ليس بعيدا عن الجامع، وحولي فئات مختلفات من البشر بسحنات تتباين وتتطابق من شايقية وجعليين هم اصحاب وسائقى اللوارى الرابضة فى الميدان، الى فور ونوبة من عمال مصنع الثلج المجاور للديم، الى خليط من الحلب والعرب الصنايعية، الذين يبرعون فى صناعة الأسِرة الحديدية والكوانين وبعض منتجات الصفيح من أوانى منزلية وغيرها.
كانوا يتسامرون، كعادتهم، عندما طرق أذني اسم النجيضة، وأحد الحلب يصفها باللبوة. انتبهت، دون ان أرفع عيني من الصحيفة. وواصل الرجل بأنها تكثر من زياراتها لبيت (ابونيران) الفلاتي. وانه يستغرب ان تقيم امرأة فى حسنها علاقة مع هذا القزم القمئ!!
- عنده ماذا من بضاعات الرجولة! ؟ والله لو رضيت بى لأريتها شيئا لم تذقه من قبل.
وعاتبه حلبى آخر
- انت دائما تكثر الكلام عن آلتك. والله أظنك ماعندك شئ
وضحكوا عليه حيناً ثم جائني صوت (رحمة) الحلبي
- انت تظن انها على علاقة بالفلاتي؟ والله انت لاتعرف شيئا. قل ياساتر
وصمتوا حيناً فواصل الرجل
- علاقتها مع (مريومة) زوجته!!
وخيّم صمت كثيف عقب افتضاح السر الذى دلقه الحلبي غير مكثرث كثيراً. حتى انا رفعت رأسي من الصحيفة ورمقته بنظرة سريعة، يبدو انه لاحظها فآثر الصمت، خاصة وهم لم يكونوا يعرفونني بعد.
فى اليوم التالى أرسلت (ولد البنقالي) امباشي المركز لاستدعاء الرجل. ولما سألته عما يعرف أنكر فى بادئ الامر ثم لما أخبرته بخطورة إخفاء معلومات تتعلق بقضية قتل، صمت قليلاً ثم قال بأن كل مايعرفه هو انه دخل حوش الفلاتي بغرض تصليح ماسورة الحمام فى الحوش الوراني، وبدعوة من الفلاتي نفسه، وان الرجل تركه يعمل وذهب الى بعض شؤونه. وانه احتاج لبعض ادواته فذهب يطلبها، وعندما عاد شاهد (علوية الضكرية) تدخل البيت. قال بأنه لم يعر الأمر إنتباهة، وانه واصل عمله. ويبدو ان أهل البيت لم ينتبهوا لوجوده خاصة وان غيابه فى طلب الادوات قد أخذ وقتاً طويلاً. ثم انه شاهد مريومة تقوم بإغلاق الباب بالضبة! واستغرب الأمر، لكنه واصل عمله. وعند انتهاء العمل أراد ان يفتح المحبس الرئيسى من عند حنفية المطبخ، وكان عليه ان يمر بالفراندا، حين سمع اصواتاً نسائية تهمس فى ايقاع يعرفه جيدا!! فاسترق النظر ورآهما معا، شبه عاريتين فوق السرير.
قال بأنه انتظر فترة يراقبهما، ثم انتبه لنفسه فعاد الى الحوش الوراني وأحدث بعض الجلبة، جاءت على اثرها زوجة صاحب البيت تستطلع الأمر، واندهشت لوجوده حيث قالت بانها لم تكن تظن انه لايزال موجودا. ثم أخبرها بأنه يريد ان يفتح المحبس، فذهبت معه الى المطبخ، وبعدها عاد ليتم عمله، ثم انصرف الى حال سبيله. وعاد مساءً ليتسلّم بقية حسابه من الفلاتي.
سألته عن معلوماته فيما يتعلق بقتل الدونقلاوي، فقال انه لايعرف شيئاً عن الموضوع وان كل معلوماته مما يتناقله الناس فى المقهى.
عقب خروجه مباشرة، أرسلت فى استدعاء ابونيران الفلاتي، والذى جاء مستغرباً الأمر، فهو كما قال لم يدخل قسم الشرطة من قبل، لاشاكياً ولامشكواً. وكانت دهشته تبدو صادقة. سألته عن واقعة القتل وعن علاقته بالقتيل وزوجته، فقال انه لم تكن لديه علاقة بالرجل لا من بعيد ولا من قريب، وان زوجته كانت ولاتزال صديقة للنجيضة، وان الأخيرة هى التى تولت أمر تجهيزها للزواج!! وانها لاتزال تزورهم بين الحين والحين لمساعدة مريومة فى التخلص من الشعر الزائد فى جسمها، او بغرض تزويقها كما تفعل النسوة عادة.
كنت فى حيرة من أمري تجاه استدعاء مريومة. فالأمر لايخلو من خطورة اجتماعية. كما وان معلوماتي عن الأمر الذى بينها وبين النجيضة لا تخرج عن كونها مستقاة من أقوال الحلبي، وأن الأخذ بها على اعتبار انها حقيقة، قد يدخلني وإياهم فى مشاكل لاحصر لها، كما وان الموضوع برمته يبتعد قليلاً عن مجال القضية التى أعمل فيها، فآثرت الانتظار قليلاً للتأكد من معلوماتي من ناحية، ولاستيفاء بعض شروط التحري، من الناحية الثانية. وان كنت فى واقع الأمر قد بيّت النية على تجاهل الموضوع برمته ما لم يستجد مايفيد بعلاقته بموضوع الجريمة. خاصة وكنت قد استبعدت مبدئياً علاقة النجيضة بالأمر كله. حيث ثبت من كافة أقوال الشهود انها باتت ليلة اكتشاف الجريمة فى بيت ظار، فى الحلة الفوق، وهو بيت (حاجة قيمة) بل وانها وخلال اربعة ايام قبل ذلك اليوم لم يشاهدها أحد تغادر بيت الظار وحدها الا لماماً، وان أغلب خروجاتها كانت بصحبة الدكتور (ياسين زين العابدين)، خبير تفكيك الآثار المشهور، وابن الحاجة قيمة الأكبر، وفى عربته التى سخّرها لمشاوير السوق الكبير وتدبّر توفير احتياجات حفلات الظار المتتابعة والتى قدّر لها ان تكون سبعة ايام لولا حادث مقتل الدونقلاوي، فى بيته وداخل غرفة نومه، حيث انتهت جميع الحفلات بعد ظهر الأربعاء، اليوم الخامس للظار. أي لحظة حضور البوليس الى البيت لأخذ (علوية الجاويش) بغرض التعرف على الجثة، والتى يبدو انها بقيت هنالك عدة ايام، ساعدت مع حرارة شهر مايو فى تحليلها، حتى ارتاب الجيران فى الأمر بعد ان انبعثت الروائح الكريهة من البيت.
فى أقواله أمامي، قال (حامد ضرار الخاساوى) والذى يمتهن الطباخة فى بيوت المناسبات، ان النجيضة قضت ليلة الخميس، ونهار وليلة الجمعة فى بيت (عطانا بنت الباهى). وقال بأنها كانت كثيرا ما تقضي بضعة ايام مع عطانا فى بيتها المطل على زريبة المواشى من ناحية الديم.
وقد سألته عن عطانا وعلاقتها بالنجيضة على ضوء شكوكي فى سلوك الأخيرة الجنسي، فأخبرني بأن عطانا بعد ان تنصّرت، ابتعد عنها كثير من أحبابها القديمين، ولم تبق منهم على صلتها سوى علوية (نسيج النقادة) كما كان يناديها.
سألته عن عطانا، فقال، وفى كلامه شبهة خنوثة، ان عطانا تنصّرت. وان امها خدمت عند ناس (عبجي) لثلاثين سنة. ثم خدمت هى عندهم بعد موت أمها، بل وقبل ذلك، وكان أجرها طعاماً وشراباً وفراشاً ليناً، يعبث فيه ( ناصف) ابن (عبجي) الوحيد وسط ثلاث بنات. وكان يدس فى يدها بعض النقود ويغدق عليها من ثياب (تيريزا) الجميلة، فسألته عن أيهما يعني بالجميلة، فضحك فى فجور واضح وقال: الثياب وتيريزا معاً، وكانت أقرب بنات عبجى الى سن عطانا. وأنها حين حبلت من ناصف أخذها عبجي ونسيج النقادة الى داية فى قرية (أم شلوخ) شمال المدينة، حيث أسقطت جنينها. ثم اشترى لها ناصف بيتها هذا فى الديم، والذى كان يزوره بإنتظام، بل وواظب على زيارته حتى بعد ان تزوج من بنت (الأصْوَلِّي) وأنجب منها اولاده الثلاثة. وأكد لى بان عطانا كانت تداوم على الذهاب الى الكنيسة مع ناس عبجي كل يوم أحد، وفى نفس الوقت كانت تذهب الى المسجد يوم الجمعة من كل اسبوع، وهى وان لم تكن تصلي غير الجمعة، الا انها كانت تصوم رمضان كله وتتطوع بالصيام يوم سبعة وعشرين رجب، بل وكانت تذهب الى الكنيسة وهى صائمة فى نهارات رمضان.
سألته عن سر علاقة عطانا بالنجيضة، فضحك قليلا ثم استغفر الله من سيرة الناس وقال بانه لايعرف شيئاً. ولما ألححت عليه قليلاً قال بان كل مايعرفه هو ان ثلاثتهم كن يحببن الإنفراد ببعضهن بغرض الونسة النسوانية!! فسألته عن ثالثتهن هذه فقال انها (بثينة) زوجة الناظر. ولما رأى الدهشة تكبر فى عينيَّ، قال بانه يقصد (حمدتو) الذى كان ناظراً لمدرسة بالواو للبنين فترة طويلة، وابتنى لنفسه بيتا فى الزقاق، ثم ترك المدرسة واشتغل بتجارة العيوش، والتمور. مع شريكه، (مجوك العبد) والذى قدم الى الزقاق فى زمانٍ مضى وعمل خفيراً فى مدرسة البنات ثم تحول فجأة الى خفارة مدرسة الاولاد. وكان بجانب خفارته للمدرسة يقوم بتلبية حاجات بيت الناظر، ثم ضحك ضحكة صغيرة ماجنة وقال بأن من بينها احتياجات زوجة الناظر وبنت عمه الفارعة الجمال.
ولما استزدته قال بانه كان يعرف ان الناظر عنين لاينتصب!! وان مجوك كان يقوم مقامه فى تلبية حاجات زوجته. وانها لم تتطلق منه لانه فى النهاية ابن عمها ومن الضروري ان تستر عليه. خاصة وانها كانت راضية تماما تحت العبد. ولم يكن لينقصها من الزواج شئ!!
المشكلة كانت فى معرفة تحركات المجني عليه. خاصة فى الايام التى سبقت وقوع الجريمة. فلم يكن لدي أية معلومات عن نوع الاشغال التى يمارسها. ولا الجهات التى يذهب اليها عندما يتغيّب عن بيته الاسابيع الطوال. ولم أقع له على أصدقاء ولا على أعداء. الرجل كان كأن لم يكن موجوداً فى هذه الدنيا!! وماهى حقيقة علاقته بولد جقود، وفيم كانا يتهامسان طوال تلك السنين!؟
بل واين كان يقيم قبل زواجه من النجيضة؟ واين هم أهله؟ فحسب علمي لم يأت أحد لحضور ليالي المأتم سوى أهل الزقاق المعروفين والجيران.
تقرير الطبيب الشرعي زاد الأمر صعوبة علىَّ. فالرجل طُعن بسكين كبيرة أكثر من عشرين طعنة كلها فى الصدر والبطن!! ثم ان قضيبه قد اقتطع من مكانه وحشر فى فمه!! مما يعني ان للأمر علاقة بالشرف والاخلاق!!
شرف من!!؟؟ وأخلاق من!!؟؟ فى هذا الزقاق العجيب؟؟!!
لم أعثر على أحد شاهد الدونقلاوي وهو يعود من غيبته. ولا يوجد شاهد واحد يُفيد انه رأى أى شخص يدخل او يخرج من بيت النجيضة!! حتى الطاحونة كانت مغلقة لعدة ايام بسبب غياب المرأة وانشغالها بأمر الظار. خاصة وانه لم يكن هنالك من يعمل فيها سوى النجيضة نفسها، بعد ان طردت كل العمال الذين تتالوا فى العمل معها. وكان ذلك أمراً عادياً فى الزقاق حيث تظل الطاحونة مغلقة عندما تغيب صاحبتها فى واحدة من جولاتها الغريبة والتى تستمر عدة ايام. ولم تكن تفتحها بانتظام الا فى موسم تجهيز (الحُـلومُـر) قبل رمضان حيث تظل تعمل فيها الى وقت متأخر من الليل.
ولم أجد متطوعاً واحداً لا فى الزقاق ولا فى غيره يمد لى يد المساعدة او ينير طريقى ولو بضوء من شعلة ثقاب. الكل تمنّع وإدعى عدم المعرفة. والكل أنكر. والكل ابتعد بنفسه واهله وماله، ولم يبق أمامي سوى إغلاق القضية.
ما انا سوى متحري بوليس متقاعد. ولست روائياً أروي جريمة واتعسّف فى حلها بطريقة الرواة السحرية. حيث يظهر فى آخر الرواية من يقود الى الفاعل!! لا.. لم يظهر أحد. ولهذا فان النيابة وافقت على تسجيل القضية ضد مجهول!!
الرشيد اسماعيل محمود
24-03-2013, 10:35 AM
إنظر الى ما وضعته لك بين النجوم يا الرشيد ..
كيف لك إفتراض ان منعم الجزولي ليس من الآخر البعيد من الزقاق؟ او حتى إفتراض نظرته من الداخل؟
يا وهاد كيفك؟
مهمة الكاتب الجيّد، ليست في كتابة ما نعرفه، بل ما لا نعرفه، علي هذا الاساس، كنتُ أطمع من منعم الجزولي في زوايا أخري خافية عليّ كقارئ، غضّ النظر عن بعد الكاتب أو قربه من الزقاق المعني، لأنّ القارئ لا تهمّه المسافة بين الكاتب والحدث، بل يهتمّ بما ترتّب عن ذلك نصّاً.
لم أفترض شيئاً بالنسبة لمنعم الجزولي ولكن عبتَ عليه التركيز علي زاوية رؤية واحدة، لا يعنيني أن يكون منعم من الآخر البعيد أو القريب شيئاً، ولكن النص يُعني بذلك كثيراً جدّاً، حتي لو كان منعم بعيداً عن الزقاق، لكي يكتب عنه لا بدّ له من الاقتراب.
النور يوسف محمد
30-03-2013, 09:15 AM
الى: النور يوسف,
للنور الضاوي من البعيد...
رُبَّمَا لمْ تَزَلْ تلكم الأرض,
تسكن صورتها الفلكية,,
لكن شيئاً على سطحها قدْ تكسَّر.
رُبَّمَا ظل بستانُ صيفك,
أبْيضَ في العواصف.
لكنَّ بْرقَ العواصف,
خلف سياجكَ أحْمر.
رُبَّمَا كانَ طقسُك ، ناراً مُجوسِيَّةً
في شتاءِ النعاس الذي لا يُفَسَّرْ.
رُبَّما كُنْتَ أَصغر,
ممَّا رَأَتْ فيكَ تلك النبوءاتُ
أَو كنتَ أكْبَرْ.
غير أنك تجهل أَنَّك شَاهِدُ عَصْرٍ عتيقْ,
وأن نَيازِكَ مِنْ بشرٍ تتحدَّى السماء,
وأن مَدَارَ النجوم تغير!*
__
*محمد الفيتوري
بسم الله الرحمن الرحيم
الى :
وهـــاد إبراهيم ،
فى ملكوت حرفها العتيق ،،
سمـــاح محــمد ،
فى علياء حزنــها النبيل ،،
ـــــــــــــــ
عذراً ،،
أيها الوعد المطهر ،،
أهلاً ،،
أيها الحذر المشوب ،،
ويا بدايات السماء تبرجى ،،
أميلى كفك المعطاء ،،
صوب العواصف والبروق ،،
وانحسار الوشم عن جسد المدينة ،،
فالليلة ... عرس الأناث الماجدات ،،
يا محاريب النبى ، تمددى ،
يا معاريج القبول ، تجاوزى ،
هذا أوان الطلق ،،
الوهم الذى يقتات من روث الحروف ،،
الوسن الذى يجتاح أرصفة السطور ،،
الوصمة البلهاء عالقة بأطراف الحرائر ،،
الغصة الحمقاء تستفتى المحبين الحيارى ،
والساعد المهزوم يحتضن الرفات ،،،،،،،،،،،،
فلتنهضى ،
يا كل الترانيم الخفاف ،،
ويا سحب التراتيل الثقال ،،
من خلف أعمدة الودار ،،
من فوق أقبية الخشوع ،،
فالفجر ما عاد الضياء ،
ولا انبثاق النور من صخب الكؤوس المترعات ،،
الفجر يهتف ثائراً ،،
تباً لكل شرائع الود الهجاء ،،
بعداً لكل مذاهب الوصل اللعينة ،،
لا لأسراب القوافى الباكيات ،،
لا لدمع العشق تسكبه المحابر و الشموع ،،،
لا لصوت الحرف تُسكته الأيادى الراعشات ،،
فالعهد ،،
للدم المسكوب من بين المنابر ،،
لاحتباس النزف فى جرح الظفولة ،،
للزيف ... لنداوة الكف المجرتق باكراً ،،
للحرف تنقصه المهابة والوسامة والبطولة ..
لاغتيال الحسن فى مدن الأمانى الساهيات ،،
والمجد ،،
لأنسجة القصائد ،
لأضرحة المعابد والخلاوى العامرات ،،
لخدك المصفوع ،،
يبرق كالسنا الوضاح ،،
لصوت العشق والسمار والحلم المعطر ،
لاعتناق الصمت والآهة ،
للحزن ، للتاريخ .... لأروقة الحكاوى الزاكيات ...
لكاف الكون ،،
للشمس تغرب عنوةً
للنار تشعل جذوة الحب الإلهى المجيد
لكل من عرف الصبابة والتسكع والشرافة ،،
لكل من عزف البداية والنهاية والمسافة ،،
لكل من كتب الحواشى ،،، ولكل من فضح المتون الكاذبات ،،،،،
الرياض
مارس 2013 م
عكــود
30-03-2013, 11:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الى :
وهـــاد إبراهيم ،
فى ملكوت حرفها العتيق ،،
سمـــاح محــمد ،
فى علياء حزنــها النبيل ،،
سلام يا النور،
وقد جاءت كلماتك بقدر الإيحاء.
لك ولهنّ تُرفع القبّعات.
--
كنت أتمنّى لو كنت قد أنزلت قصيدتك في بوست منفصل؛
فعنفوان خيول كلماتها أجمح من أن تحدّه متاريس العنوان.
ما أفصحك!
الجيلى أحمد
30-03-2013, 11:27 AM
نور الله البضوى,
دى كفك ولاَ غيمة؟
(أو كما سأل أباذر المطر)
_____
مقترح عكود دا وجيه بالجد
يحي عثمان عيسي
30-03-2013, 11:53 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة النور يوسف محمد http://sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://sudanyat.org/vb/showthread.php?p=528525#post528525)
بسم الله الرحمن الرحيم
الى :
وهـــاد إبراهيم ،
فى ملكوت حرفها العتيق ،،
سمـــاح محــمد ،
فى علياء حزنــها النبيل ،،
ـــــــــــــــ
عذراً ،،
أيها الوعد المطهر ،،
أهلاً ،،
أيها الحذر المشوب ،،
ويا بدايات السماء تبرجى ،،
أميلى كفك المعطاء ،،
صوب العواصف والبروق ،،
وانحسار الوشم عن جسد المدينة ،،
فالليلة ... عرس الأناث الماجدات ،،
يا محاريب النبى ، تمددى ،
يا معاريج القبول ، تجاوزى ،
هذا أوان الطلق ،،
الوهم الذى يقتات من روث الحروف ،،
الوسن الذى يجتاح أرصفة السطور ،،
الوصمة البلهاء عالقة بأطراف الحرائر ،،
الغصة الحمقاء تستفتى المحبين الحيارى ،
والساعد المهزوم يحتضن الرفات ،،،،،،،،،،،،
فلتنهضى ،
يا كل الترانيم الخفاف ،،
ويا سحب التراتيل الثقال ،،
من خلف أعمدة الودار ،،
من فوق أقبية الخشوع ،،
فالفجر ما عاد الضياء ،
ولا انبثاق النور من صخب الكؤوس المترعات ،،
الفجر يهتف ثائراً ،،
تباً لكل شرائع الود الهجاء ،،
بعداً لكل مذاهب الوصل اللعينة ،،
لا لأسراب القوافى الباكيات ،،
لا لدمع العشق تسكبه المحابر و الشموع ،،،
لا لصوت الحرف تُسكته الأيادى الراعشات ،،
فالعهد ،،
للدم المسكوب من بين المنابر ،،
لاحتباس النزف فى جرح الظفولة ،،
للزيف ... لنداوة الكف المجرتق باكراً ،،
للحرف تنقصه المهابة والوسامة والبطولة ..
لاغتيال الحسن فى مدن الأمانى الساهيات ،،
والمجد ،،
لأنسجة القصائد ،
لأضرحة المعابد والخلاوى العامرات ،،
لخدك المصفوع ،،
يبرق كالسنا الوضاح ،،
لصوت العشق والسمار والحلم المعطر ،
لاعتناق الصمت والآهة ،
للحزن ، للتاريخ .... لأروقة الحكاوى الزاكيات ...
لكاف الكون ،،
للشمس تغرب عنوةً
للنار تشعل جذوة الحب الإلهى المجيد
لكل من عرف الصبابة والتسكع والشرافة ،،
لكل من عزف البداية والنهاية والمسافة ،،
لكل من كتب الحواشى ،،، ولكل من فضح المتون الكاذبات ،،،،،
الرياض
مارس 2013 م
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الجيلى أحمد http://sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://sudanyat.org/vb/showthread.php?p=528537#post528537)
نور الله البضوى,
دى كفك ولاَ غيمة؟
(أو كما سأل أباذر المطر)
_____
مقترح عكود دا وجيه بالجد
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وهاد ابراهيم محمد http://sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://sudanyat.org/vb/showthread.php?p=526774#post526774)
الى: النور يوسف,
للنور الضاوي من البعيد...
رُبَّمَا لمْ تَزَلْ تلكم الأرض,
تسكن صورتها الفلكية,,
لكن شيئاً على سطحها قدْ تكسَّر.
رُبَّمَا ظل بستانُ صيفك,
أبْيضَ في العواصف.
لكنَّ بْرقَ العواصف,
خلف سياجكَ أحْمر.
رُبَّمَا كانَ طقسُك ، ناراً مُجوسِيَّةً
في شتاءِ النعاس الذي لا يُفَسَّرْ.
رُبَّما كُنْتَ أَصغر,
ممَّا رَأَتْ فيكَ تلك النبوءاتُ
أَو كنتَ أكْبَرْ.
غير أنك تجهل أَنَّك شَاهِدُ عَصْرٍ عتيقْ,
وأن نَيازِكَ مِنْ بشرٍ تتحدَّى السماء,
وأن مَدَارَ النجوم تغير!*
__
*محمد الفيتوري
واخرجت الارض خيراتها
لك التحية وهاد فقد اانبعث هذا العملاق من قمقمه
الكلام الاخير ده والله ما بشبه زقاقات ود الجزولي
وهاد ابراهيم محمد
30-03-2013, 12:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الى :
وهـــاد إبراهيم ،
فى ملكوت حرفها العتيق ،،
سمـــاح محــمد ،
فى علياء حزنــها النبيل ،،
يا أبا آرام
ويا أبانا المعظّم.
على مهلٍ ان كنتَ لستَ براحمٍ ......... لنفسكَ من جودٍ فإنكَ تُرحَمُ
مَحَلُّكّ مقصودٌ وشانيكَ مُفحَمٌ ............ ومثلكَ مفقودٌ ونَيلُكَ خِضرمُ
وزاركَ بي دون الملوكِ تحرُّجٌ ......... إذا عنَّ بحرٌ لم يَجُز لي التيممُ
فعِش لو فدى المملوكُ ربّاً بنفسهِ ....... من الموتِ لم تُفقَد وفي الأرضِ مُسلِمُ*
________
وبالله عليك, قصمت ظهر الجزولي وظهري..
ألّا حملت حسناءك بهودجها الى ربعٍ أفسح وأرحب.
فالساحة هنا لا تحتملُ رقصاً وطرباً يليق بالعرس, يا قائد رسنها.
بالعربي:
اسمع لينا كلام عكود وجيلي يرحمك الله ويرحمنا أجمعين :D
_______
* ابو الطيب المتنبي.
الجيلى أحمد
30-03-2013, 12:08 PM
تورتا نفس الواحد يانور,
ياأخى دا نفس غاضب بشكل ماعادى,
أو هكذا طالعته..
قراية تانية وتالتة للكتابة البتطلع من زول زييك,
ثم عودة
الجيلى أحمد
30-03-2013, 12:26 PM
تحياتى وهاد,
هل الزقاقات انتهت؟ أم أن هنالك بقية تتبع؟
عندو رأى داير أقولو:D, لكن منتظرك تخلصى,
الشغل الجبتيهو لحدى هسه مافيهو شئ ملفت على المستوى الجمالى والفنى (بالنسبة لى)
يمكن يطربك بشكل عابر جدآ, لايتعدى لحظة مطالعتك له, ومضيك..
مابخلى فى الزول أى أثر( وطبعآ لاذلت أتحدث عن نفسى فقط)..
النقل دا مسألة ساهلة جدآو على مستوى الرواية والفن,
فى واحد ايرانى بيشتغل على النقل الفنى دا بحزافيرو,
بدون مايضيف أى مسحة ابداعية أو خطوط ابتكار, تعطى المطالع براحآ, ومساحة كى يتأمل ويلخص صور من داخل التصاوير,
المتاهة دى وقع فيها منعم,
بقرا تانى وأرجع, عسى أن لايكون شئ قد فاتنى فى عجالتى
مبر محمود
30-03-2013, 03:40 PM
لكاف الكون ،،
للشمس تغرب عنوةً
للنار تشعل جذوة الحب الإلهى المجيد
لكل من عرف الصبابة والتسكع والشرافة ،،
لكل من عزف البداية والنهاية والمسافة ،،
لكل من كتب الحواشى ،،، ولكل من فضح المتون الكاذبات
النور يوسف
وأيم الله هو الشِعر!
الصدق والسلاسة وصخب الحرف ولعنة الكلمات!
تشرق به في سماء الروحِ ألف شمس وتتفتح في نواصي القلب أزهى السنبلات.
وشئ لله يا نور، شئ لله يا قلم!
تخريمة: أجدني معضداً لعكود والجيلي فيما ذهبا إليه، فهذه القصيدة تستاهل أن يفرد لها بوستاً منفصلاً. وأيضاً تطوف في خاطري مناشدة حقيقية إليك مفادها أن تتعامل مع مكاتيبك الشعرية بالجدية التي تلزم حتى نتمتع بها نحن كقراء وهي ملطخة بحبر المطابع وفوضى النقّاد!
طارق صديق كانديك
30-03-2013, 08:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الى :
وهـــاد إبراهيم ،
فى ملكوت حرفها العتيق ،،
سمـــاح محــمد ،
فى علياء حزنــها النبيل ،،
ـــــــــــــــ
عذراً ،،
أيها الوعد المطهر ،،
أهلاً ،،
أيها الحذر المشوب ،،
ويا بدايات السماء تبرجى ،،
أميلى كفك المعطاء ،،
صوب العواصف والبروق ،،
وانحسار الوشم عن جسد المدينة ،،
فالليلة ... عرس الأناث الماجدات ،،
يا محاريب النبى ، تمددى ،
يا معاريج القبول ، تجاوزى ،
هذا أوان الطلق ،،
الوهم الذى يقتات من روث الحروف ،،
الوسن الذى يجتاح أرصفة السطور ،،
الوصمة البلهاء عالقة بأطراف الحرائر ،،
الغصة الحمقاء تستفتى المحبين الحيارى ،
والساعد المهزوم يحتضن الرفات ،،،،،،،،،،،،
فلتنهضى ،
يا كل الترانيم الخفاف ،،
ويا سحب التراتيل الثقال ،،
من خلف أعمدة الودار ،،
من فوق أقبية الخشوع ،،
فالفجر ما عاد الضياء ،
ولا انبثاق النور من صخب الكؤوس المترعات ،،
الفجر يهتف ثائراً ،،
تباً لكل شرائع الود الهجاء ،،
بعداً لكل مذاهب الوصل اللعينة ،،
لا لأسراب القوافى الباكيات ،،
لا لدمع العشق تسكبه المحابر و الشموع ،،،
لا لصوت الحرف تُسكته الأيادى الراعشات ،،
فالعهد ،،
للدم المسكوب من بين المنابر ،،
لاحتباس النزف فى جرح الظفولة ،،
للزيف ... لنداوة الكف المجرتق باكراً ،،
للحرف تنقصه المهابة والوسامة والبطولة ..
لاغتيال الحسن فى مدن الأمانى الساهيات ،،
والمجد ،،
لأنسجة القصائد ،
لأضرحة المعابد والخلاوى العامرات ،،
لخدك المصفوع ،،
يبرق كالسنا الوضاح ،،
لصوت العشق والسمار والحلم المعطر ،
لاعتناق الصمت والآهة ،
للحزن ، للتاريخ .... لأروقة الحكاوى الزاكيات ...
لكاف الكون ،،
للشمس تغرب عنوةً
للنار تشعل جذوة الحب الإلهى المجيد
لكل من عرف الصبابة والتسكع والشرافة ،،
لكل من عزف البداية والنهاية والمسافة ،،
لكل من كتب الحواشى ،،، ولكل من فضح المتون الكاذبات ،،،،،
الرياض
مارس 2013 م
ليس هناك سوى إبداء الإعجاب بهذا الحرف السلسبيل.
أضم صوتي للأعزاء القائلين بضرورة تبرّج هذا النص الفاتن على أروقة المنبر منفرداً صمداً يكسوه الجلال.
نضر الله يمينك يا صاحب
الرشيد اسماعيل محمود
30-03-2013, 09:26 PM
غايتو سمعنا بي زول فتل ليهو بوست، لكن قصيدة تفتل بوست، أوّل مرّة أشوفها
لكن:
النور يوسف حين يتجلّي، وأمرق لينا القصيدة لفضاء آخر لو ممكن
وهاد ابراهيم محمد
30-03-2013, 09:37 PM
غايتو سمعنا بي زول فتل ليهو بوست، لكن قصيدة تفتل بوست، أوّل مرّة أشوفها
:D:D:D
شفتني وانا متمحنة؟
يا الإشراف, ما تشوفو لينا صرفة لي القصيدة المنورة دي :D
وهاد ابراهيم محمد
30-03-2013, 09:40 PM
تحياتى وهاد,
هل الزقاقات انتهت؟ أم أن هنالك بقية تتبع؟
عندو رأى داير أقولو:D, لكن منتظرك تخلصى,
:D:D
لالا انتهت.
خليهو يتفضل يقول رأيو :)
أمير الأمين
31-03-2013, 07:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الى :
وهـــاد إبراهيم ،
فى ملكوت حرفها العتيق ،،
سمـــاح محــمد ،
فى علياء حزنــها النبيل ،،
ـــــــــــــــ
عذراً ،،
أيها الوعد المطهر ،،
أهلاً ،،
أيها الحذر المشوب ،،
ويا بدايات السماء تبرجى ،،
أميلى كفك المعطاء ،،
صوب العواصف والبروق ،،
وانحسار الوشم عن جسد المدينة ،،
فالليلة ... عرس الأناث الماجدات ،،
يا محاريب النبى ، تمددى ،
يا معاريج القبول ، تجاوزى ،
هذا أوان الطلق ،،
الوهم الذى يقتات من روث الحروف ،،
الوسن الذى يجتاح أرصفة السطور ،،
الوصمة البلهاء عالقة بأطراف الحرائر ،،
الغصة الحمقاء تستفتى المحبين الحيارى ،
والساعد المهزوم يحتضن الرفات ،،،،،،،،،،،،
فلتنهضى ،
يا كل الترانيم الخفاف ،،
ويا سحب التراتيل الثقال ،،
من خلف أعمدة الودار ،،
من فوق أقبية الخشوع ،،
فالفجر ما عاد الضياء ،
ولا انبثاق النور من صخب الكؤوس المترعات ،،
الفجر يهتف ثائراً ،،
تباً لكل شرائع الود الهجاء ،،
بعداً لكل مذاهب الوصل اللعينة ،،
لا لأسراب القوافى الباكيات ،،
لا لدمع العشق تسكبه المحابر و الشموع ،،،
لا لصوت الحرف تُسكته الأيادى الراعشات ،،
فالعهد ،،
للدم المسكوب من بين المنابر ،،
لاحتباس النزف فى جرح الطفولة ،،
للزيف ... لنداوة الكف المجرتق باكراً ،،
للحرف تنقصه المهابة والوسامة والبطولة ..
لاغتيال الحسن فى مدن الأمانى الساهيات ،،
والمجد ،،
لأنسجة القصائد ،
لأضرحة المعابد والخلاوى العامرات ،،
لخدك المصفوع ،،
يبرق كالسنا الوضاح ،،
لصوت العشق والسمار والحلم المعطر ،
لاعتناق الصمت والآهة ،
للحزن ، للتاريخ .... لأروقة الحكاوى الزاكيات ...
لكاف الكون ،،
للشمس تغرب عنوةً
للنار تشعل جذوة الحب الإلهى المجيد
لكل من عرف الصبابة والتسكع والشرافة ،،
لكل من عزف البداية والنهاية والمسافة ،،
لكل من كتب الحواشى ،،، ولكل من فضح المتون الكاذبات ،،،،،
الرياض
مارس 2013 م
هل تجزى عن مصفوع "موشوم "؟
فهى اكثر لطفا و تبياناً للاثر
يا حبوب
فى انتظار موافقتك على افتراع بوست للقصيدة؟
bayan
13-11-2013, 10:55 AM
سلامات يا وهاد
اعمال منعم تجد التجاهل لان منعم لا يمتلك شلة كبيرة من الهتيفة
ولكن ارى منعم من افضل كتاب القصة القصيرة في السودان وجهة نظري هذه اتمسك بها واغالط اي زول فيها لدرجة الشليخ بالكبك (وش ضاحك)
اثر دراسة المسرح واضح جدا في حكايات منعم وفي شعره الذي يسميه "غونة"
القراءة لوهلة تتحول الى مشاهدة كاملة على حسب خصوبة خيال المتلقي
شكرا يا وهاد لانك آمنتي مثلي بهذه الموهبة العبقرية
ووهذا بوست يستحق الاحتفاء وبجيكم صادة في اقرب وقت للنضمي عن منعم
والتحية لكل من شارك في هذا البوست بوجهة نظره سلبا او ايجابا لان هذا يصب
في الاحتفاء بالنص..
واحدة من كتابات منعم المفضلة لي
لاتكابس حيا وميت.
خاطبته اللقية بت التومة وهو يقاوم ملك الموت, ويعافر ويدافر ويزافر مثل زواج وحل فى رمال المعيشة. والناس من حوله يمسكون باطرافه ويلزمونها الجابرة حتى لايموت مكرفسا, كما قال ود دوليب, الامام وهو يشرح للحاضرين والحاضرات بما فيهم ملك الموت نفسه:
- الزول لابد ان يموت مستقيما.
قال ادم جبر الخواطر:
- ولا الضالين امين...
ضرط ضرطة كبيرة شُمت عفنتها فى غرفة تاج السر اللولية, واخرج استه شريطا رفيعا لالون له كما الماء, رغم تماسكه... كما الدودة, فى التواءه...كما الوعود الانتخابية والبيان رقم واحد, لا اول له ولا اخر.
ازاله عبد النبى الطباخ بيده والقى به الى الارض. بينما تصاعدت احتجاجات اللولية على مثل هذه المساخر. وتاج السر قد سمى باللولية لانه كان معتقدا فى الظار, وتحديدا ظار الحبش وخواجة ارض الصين, لهذا اشتهر بنظافته النوعية واناقته النسبية وحبه الجم للعطور والبخور.
خرج ادم جبر الخواطر من الغرفة تاركا الباب مفتوحا كفخذى عروس غافلة, انهمك عريسها للتو فى افتضاض بكارتها, فدخل نوح الله جابو يدمدم كعادته بما لا اذن سمعت ولا عقل فهم, كانه وسط طقوس عشق سرية وضعت كل الاحتمالات فى سلة واحدة وما الفرج الا من عند الله.
انقطعت الكهرباء فجأة فأصبحت الغرفة مثل بيت اشباح انقاذى لاتملك فيه سوى ان تستنفر ماتملك ومالا تملك من حواس, متوقعا ضربة تأتيك من بين يديك ومن خلفك ومن كل حواليك, وامسك حتى ملك الموت عن معافرته مستنفرا هو الآخر حواسه الملائكية يتلمس بها دامس ظلام الغرفة.
انهمك موسى العبد فى سلسلة طويلة من سعال, ظن الناس ان نفسه سينقطع بانقطاعها, ثم عاد لمعافرته ومدافرته ومزافرته مرة اخرى بعد ان تلمس ملك الموت طريقه اليه فى ذلك الدامس , وراحت الايدى تتلمس هى الاخرى طريقها الى اطرافه منقضة عليها فى محاولة لاماتته باستقامة حتى دخلت اللقية عليهم بفانوس تكسرت زجاجته وارتخت شعلته وكثر دخانه وتشبحت اضاءته. وتتالت ضرطات موسى العبد, خافتة, ولكن متوالية كمقاومة يائسة من اطراف انقلاب مدحور. فجأة همد جسده وارتخت عضلاته فارتخت عضلاتهم بدورها وصاح ود دوليب بصوت جاء كمخبز الامانة المجاور, آلى وخالى من اى نفع:
- انا لله وانا اليه راجعون...
وسرعان ماامتلأت الغرفة بحشد ممن كانوا يتناثرون مثل الخراء اليابس فى تلك الخرابة, وتعالت همهمات ودمدمات ونهنهات ...حتى باغتهم الصوت المألوف :
- اشرب...
وخيم صمت مغتاظ..
- مامات !!
- لاحول ولاقوة الا بالله..
- معجزة ألهية..
- يعنى ربنا يترك كل الخلق ويسوى معجزته فى موسى العبد ؟!
- يضع سره فى اسود خلقه.
- ونصرانى..
- يضع سره فى اكفر خلقه.
- وما عنده قرش واحد..
- يضع سره فى افلس خلقه.
- اشرب ياناس..
صاح موسى العبد بصوت اوهنته كثرة المعافرة وطول الضراط واشياء اخر.
- الحقوه بشربة..
- سبحان الله..
- الحقوه بكباية عرقى.. ياخوانى
صاح اللولية وهو يمسك بطرف القميص الساكوبيس الناصع البياض مثل ضمير مستتر تقديره لا احد, والمنسدل جزئيا على جسده العنكوليبى , مثل ملاءة انحسرت بفعل فاعل عن همزة الوصل بينها وبين المرتبة فأفصحت وأبانت عن ارجل السرير المخروطة بعناية وكشفت عن متاع قديم اخفاه اصحاب الدار عن اعين الزائرين , وارتعش مابين فخذى اللقية.
فقد ود دوليب صبره وحلمه ونسى الدرس والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وكل شئ كان يعظ به الناس, فمنذ اسبوع وهم تركوا اشغالهم وتحلقوا حول العبد يساعدوه على الموت باستقامة وهاهو قد اضاع كل مجهوداتهم سدى ولايريد ان يموت !وافلتت من محجريه نظرة ضلت طريقها الى فخذى اللقية المنفرجين قليلا بفعل رداءة المقعد ( مقعد الغرفة وليس مقعد اللقية لذا وجب التنويه ) ورغم خفوت الضوء الا ان اللقية بحسها الجنسى العالى احست ببصره ينهش مابين الفخذين وتبسمت راضية, واخذت تفكر رغم غرابة الموقف فى آلة ود دوليب الاسطورية, ممنية نفسها بليلية اخرى تحته وصدره يرزم مثل خور ابى عنجة فى أوج الخريف, غير ان ود دوليب سرعان ما انقض على موسى العبد وجثم على صدره المعلول وراح يخنق بيديه الغليظتين العنق النحيل حتى تدلى لسان العبد
Quote: نصف متر خارج فمه المفتوح كنقاش رياضى فى مواصلات عامة, وخرجت كرتان سوداوان صغيرتان من مكمن ما فى اسفل جبهته ادرك نوح بعد زمن طويل انهما بؤبوءا عينيه فصاح فى الامام
- استغفر يازول.. لاتقتله..
- قتله الله ..العبد الزنيم
- الله وفره وانت تريد قتله!
- اذا عجز ملك الموت عن قبض روحه سأفعل انا نيابة عنه.
خرجت انا من الغرفة ولم اعد اعرف ماحدث بعد ذلك. وكل ماسمعته وعرفته ليس سوى اقوال وافادات الشهود وسنوافيكم بكل ذلك فى حينه.
والسلام عليكم
منعم الجزولى
م
أبو جعفر
14-11-2013, 04:10 AM
سلام للجميع
هذا الكاتب (عبد المنعم الجزولي) مع احترامي له كمسرحي يجيد التصوير بالنص، يصر بشدة على تثبيت واجترار اللحظات التي يحدث لها مسح (دليت) فوري من الذاكرة المجترة للإنسان، فلا يعقل أن تذهب إلى لندن وتصدع نفسك وغيرك بذكريات دخولك الحمام، لأن هذا ضد الفطرة والطبع الإنساني،
bayan
27-11-2013, 05:18 AM
منعم الجزولي
الموت الاخير
أدركت الآن أنى ميتٌ لا محالة!
كنت قد خرجت تواً من الحمام، ومررت عبر الفراندا، فى طريقى إلى الديوان، حين التَفَتُ، ودون سبب محدد، ناحية المرآة على الحائط، فوقَعَت عيناى على عينىَّ، وشعرت فوراً بوخذٍ مؤلم يجتاحهما، ولم استطع ان أجذبهما بعيداً. إذن فتلك هى النهاية. تسمَّر كل شئ فى مكانه، وقد بدأتُ أحسُّ بالروح تتسرب خارجة من جسدى، قليلاً، قليلا. فاستسلمت للأمر وقد راح يعبر ذاكرتى، شريط طويل من تاريخ حافل بأشغال الموت.
لعل اول التقائي بالموت، كان، وأنا بعد طفل، لا أكاد أعى من غدر الدنيا، إلا بمقدار نقصان السكر فى البزازة!
كانت نسوة جالسات، وأمامهن مجموعة من مواعين الغسيل الكبيرة، مملوءة بالماء. وفوقها، تعوم بضعة قرعات. وكانت النسوة يضربن فوقها، بعصايات نحيلة، مثل المساويك. يغنين أغنية ما، أو لعلهن كن ينتحبن بشكل من الاشكال. خالتى الرَحَمَة بنت عبدالكريم، أو الرحمة بنت بربر، كما كانوا ينادونها، كانت تهيل التراب على رأسها الذى انكشف بفعل انحسار ثوبها، فأصبح نصفه على جسدها ونصف على الارض.
يعلق بذاكرتى منظر خالتى بلح الشام، وهى "تتدردق" على الارض بصورة مستمرة. تذهب من عند شجرة الحناء، قرب الحنفية، متدردقة الى الطرف الآخر من الحوش، حتى ترتطم بالجدار الذى يفصل حوشنا عن حوش جدى عبدالكريم، وهى تصرخ بطريقة عجيبة. وكنت أجد الأمر مسليا، فكنت اضحك، وفى فمى قطعة من قصب السكر تجعل فيه شيئا من الألم اللذيذ.
مثل الجرو، انحشرت بين الأرجل الكثيرة إلى داخل الغرفة الكبيرة. كان رجال كثيرون غالبهم فى جلابيب بيضاء يتحلقون حول رجل نائم على عنقريب خالٍ من الفرش، أظن. كان عاريا تماما، وكانوا يصبون الماء فوقه وهو لايتحرك. كنت مستمتعا بالمنظر وفى يدى قطعة قصب السكر تلك أمصها بتلذذ وعلى مهل، وكانت تؤلم لثتى، وكنت أجد نشوة فى ذلك!
فيما بعد، قالت أمى نعمة إن ذلك كان يوم وفاة خالى جلّاب. ولكنها استغربت أن تكون ذاكرتى قد استوعبت شيئا من ذلك اليوم حيث إن خالى مات أول سنة أربعة وخمسين، وأنا كنت قد وُلِدت فى نهاية سنة ثلاث وخمسين! أى أننى لم أكن وقتها قد تدرجت فى سلك الدنيا سوى بضعة شهور! ثم اردفت بعد أن تعوذت وتبسملت، بأننى من يومى مسلَّط!!
الذى أذكره، ولم أقل به لأحد، هو أننى كنت نائماً جوار أمى، التهم ثديها فى نهم عجيب، كعادتى مع الطعام حتى اليوم، حين وجدتنى أتدلى من السرير، بدون أية مقدمات، وأحبو، على ماأذكر، نحو الحوش الخلفى تاركا أمى فى غفوتها تلك، وجلست جوار المرحاض أنظر الى الرجل، الذى علمت فيما بعد أنه خالى جلاّب، وهو يحلق ذقنه قرب الحنفية، عند شجرة الحناء.
انتبه الرجل، ثم نهض ومضى فى حال سبيله، بعد أن نظر ناحيتى نظرة لم أفهم معناها حتى اليوم. وفى الواقع لم يكن يعنينى الفهم فى شئ، لقد شعرت لحظتها باننى قد أديت رسالة ما، وانتهى الأمر!!
فى اليوم التالى، ظهراً، أو عصراً، لا أذكر، جئ بخالى من السوق، يسنده بعض الناس الذين لا أعرف من هم. ربما كانوا من الأهل، أو من رفاق السوق. ولم يمض يوم، أو بعض يوم، حتى جرى ماحكيته لكم.
أميرة، شقيقتى، لم تستغرب ذاكرتى الشيطانية تلك، ولكن جام استغرابها انصب حول مقدرتى على امتصاص قصب السكر، وأنا دون العام، ولم تنبت لى اسنان بعد! قالت إن الأطفال فى مثل ذلك العمر يمصون زجاجات الرضاعة، بينما أنا أمص قصب السكر! وكانت تقول، دائما، إنها لا تستغرب أى شئ يأتى من ناحيتى، خاصة، بعد أن ضبطونى وأنا دون العامين بعد، أجرى عملية ختان ل "خروف" كان بالمنزل!!
النهاية تتسارع، وانا لا أزال احدق فى عينىَّ، المنعكستين من المرآة امامى. وأحس الآن بأن أرجلى لم تعد تحتمل ثقل جسدى.
التقيت بالموت بعد ذلك مرات عديدة. كان يأتى بين الحين والحين فيحمل ماطاب له من النساء والرجال، وكنت انظرهم جميعا يذهبون معه فى صمت، وطاعة، ووداعة. عدا خالى صافى الدين، أو الصافى كما كانوا ينادونه، الوحيد الذى ذهب فى ضجة عظيمة. كان يتألم بشدة، ويتأوه بأشد. قيل إنه السرطان. كنت قد سمعت بهذا الداء ولكننى لم التق به إلا فى ذلك النهار القائظ الحر. الجميع كانوا ينزفون عرقا، وما أفلحت المروحة، تدور، وتدور، وتدور فى أعلى الغرفة، فى تبديد شئ منه، تماما، كما فشلت الصحف، وبعض المجلات، التى ظلت تتمايل بها الأيدى ذات اليمين وذات الشمال، فى استحلاب أية نسمة هواء إضافية. وكان خالى يتأوه بصوت عال.
كنا قد خرجنا إلى الفراندا الممتدة أمام غرف المستشفى الجنوبى. وبدون سبب واضح قمت من مكانى إلى داخل الغرفة. شئ ما دفعنى دفعا إلى ذلك. ووقفت أمام خالى تماما وهو مسجى على ظهره، يتأوه. وكانت أمى نعمة تحمل مروحة يدوية، مصنوعة من السَعَف المضفور، ومزينةٌ حوافها بخيوط ملونة كثيرة، تحركها فوقه يميناً ويساراً، محاوِلة تحريك بعض الهواء. وكان رجال يجلسون أو يقفون حوله فى غيرما تناسق. وكنت أنظر مباشرة إلى عينيه وهو يفتحهما ويغلقهما، باستمرار، من الألم. ثم وفجأة، فتحهما ونظر نحوى نظرة طويلة، مليئة بالكراهية، ثم أغلقهما وإلى الأبد. كان عمرى وقتها لم يتجاوز الثلاث سنوات إلا بأيام.
قبل انقضاء الإسبوع، سمعت بثينة زوجة خالى تحادث أمى وهما متكئتان على عمود فراندا غرفة جدتى. قالت إن خالى زارها فى المنام، وكان منفعلا وغاضبا:-
- إن عبدالمنعم قد قصَّر عمرى، فيومى لم يحن بعد، ولكن هذا الولد الوسخ عجل به
ليلا نادتنى جدتى وأعطتنى صحنا فيه أرز بلبن، عملته، قالت، صَدَقَة.
تـَتـَفَّنْتُ بجانبها على الارض، ألحس مافى الصحن، حين رأيت كتلة من الأرز تمسك بعضها بتلاليب بعض، فسألتُ جدتى وأنا أغرس أصبعى فى وسط تلك الكتلة:
- أهذا هو السرطان؟
نظرت الىَّ نظرة طويلة، غريبة، ثم قال:
- قتلتنى ياولدى.
ثم بعد ذلك أشاحت بوجهها، بل وتجنبت تماما أن تنظر ناحيتى، طيلة تلك الليلة.
صباح اليوم التالى اصابتها حمى، فهرعوا بها إلى المستشفى. عند الظهر سمعت من يقول بأنها الحمى الملاريا، وفى العصر قيل إنها قد تعافت، ومع آذان المغرب جاؤا بجثمانها من المستشفى، ملفوفا فى ثوب أبيض.
يبدو أن العمر قد تهدمت بناياته فوق ذاكرتى، فطمست كثيراً من معالمها، ولم أعد أذكر أغلب الحوادث المماثلة.
عبود ابن عمتى حواية، كان دائما يقول إن نعوم بعاتى! بل وإن جدتى لأبى "بخيتة" كانت تقول بأننى اشبه جدها لأبيها وقيل إنها قد قالت لوالدى يوم مولدى:
- الله يسترنا من ولدك هذا! الخالق الناطق جدك ابراهيم الحور.
وقد كان هذا سبباً فى خصام دام أبد الدهر بينها وبين أمى نعمة. وقد سمعت من سلوى، بنت خالتى بلح الشام، إن اغضب ما أغضب أمى، حين راحت جدتى تشرح فكرتها، يوم سمايتى، لعدد من خالاتى وعماتى، وبعض قريبات متفرقات، حيث ادعت أن جدها كان سحاراً، من جزيرة ناوا، وأنه كان فى كل سنة، ومع ارتفاع منسوب النيل، لابد له من طريدة يفترسها وحده على شاطئ جزيرة النمنم المنعزلة ، وسط النهر، بعيدا عن مخاليق الله، الذين لم يكن أحد منهم يجرؤ على الاقتراب من ذلك المكان. ومضت جدتى تحكى أن جدها، ولمّا لم يجد فريسة فى سنة من السنوات، أكل ابن عمته الدشونى، بعد أن خدعه واستدرجه بعيداً عن أعين الناس. وإن كان بعض الناس قد قالوا بأن تمساحا افترسه، إلا أن غالب أهل البلاد ظل يصدق رواية صالح الكشمبير من أن جدى هو الذى افترسه.
جدتى بخيتة كانت تحبنى بشكل خاص. وكانت تسترضينى عندما أغضب بمغريات كثيرة، منها، على ما أذكر، فواكه الدوم والبلح واللالوب، وحلويات شتى تأت بها من أين، لا أدرى! فهى لا تخرج من البيت قط. وعندما تأتى من البلد فى الشمالية، تبقى قعيدة فى البيت، لاتخرج لفرح أو ترح حتى يحين موعد عودتها الى الشمالية مرة أخرى. أذكر إننى نهضت من سريرى فى ذلك الصباح الباكر جدا، وذهبت الى حيث جلسَتْ جدتى تتوضأ، إكفهر وجهها بشكل عجيب. ونظرت الىَّ بإسترابة وكراهية بادية، وصرخت فى وجهى:
- أمشى من هنا. الله يلعنك يامسنوح!
ووقفت أمامها غير مبال، أنظر في عينيها، فترة من الوقت، وقد تغير حالها، وتبدلت هيئتها، ثم تركتها وعدت إلى مرقدى.
قبل انقضاء ظهيرة ذلك اليوم. كانوا يحملونها إلى المقابر، وكانت سانحة طيبة لى أن أذهب وأتفسح معهم قليلا. فأنا لم أذهب إلى المقابر من قبل، رغماً عن أننى تسببت فى إعمارها بوافدين جدد، وبشكل شبه يومى، وأنا دون الخامسة من عمرى.
أقف أمام المرآة، متسمرة عيناى، تنظر، مباشرة، فى عينىَّ، المنعكستين، من صورتى الماثلة فى هدوء وإستسلام، أمامى. جسدى استحال الى كتلة ثقيلة، ستتصدع، لا محالة فى لحظة ما، هاوية بى الى الأرض.
فى ذلك العام، أدخلونى المدرسة الاولية، رغم صغر سنى، حيث كان عمى السنوسى ناظراً للمدرسة. وقبل مضى اسبوع واحد من بداية السنة الدراسية، وفى أثناء حصة الدين، وهى الحصة الثالثة، وجدتنى اترك الفصل، حتى بدون استئذان، وقد حملتنى قدماى إلى جوار نافذة السنة الرابعة. وقفت أنظر إلى عمى وهو يتحدث إلى التلاميذ، وما أن نظر ناحيتى، حتى شعرت بمايشبه الوخذ داخل عينى. وفى نفس اللحظة توقف عمى عن الكلام، وراح ينظر إلىَّ فى صمت، ثم ألقى بالطباشيرة من يده وغادر الفصل، وأنا أتتبعه ببصرى حتى خرج من باب المدرسة، فعدت إلى مقعدى فى الفصل. الأستاذ لم يسألنى، وأنا لم أقل شيئا.
بعد نهاية اليوم الدراسى، عدت إلى البيت، وألقيت بحقيبى فوق السرير الكبير كما أفعل كل يوم، ثم انطلقت الى الشارع لألعب البلى.
نادانى حسن، شقيقى الذى يكبرنى بعام، وقال إن امى تريدنى حالاً. ظننتها تنادينى للغداء، فقلت له أنا ماجوعان. فقال إن عبود ابن عمتى جاء ليخبر أمى إن عمى السنوسى قد مات.
كنت ابن عشر حين جاء عمى الزبادى من البلد. لا أعرف لماذا سموه الزبادى، إنما نحن قوم نشأنا على ماوجدنا عليه ابائنا. كانوا يقولون له لطفى الزبادى. وكان اسمه فى الأصل عبد اللطيف، فقالوا لطفى، تحببا. هو نفسه كان لايتحرج من الإشارة لنفسه بالزبادى! أذكر مرة أرسلنى لشراء شئ ما من كنتين اليمانى فى ناصية الشارع وأوصانى بقوله:
- قل لليمانى إن عمى الزبادى قال لك...
لا أذكر بقية التفاصيل، ولكننى سمعته ينادى نفسه بالزبادى، وكانو يتنادونه بالزبادى فيلتفت الى المنادى أو المنادية.
والدى وحده ما كان يقول كلمة الزبادى تلك، كان يناديه بعبد اللطيف، على عادة والدى فى الاستقامة، كعامود النور، لاتجد فى حياته شيئا من إلتواءات أهل المدن الكبيرة. حتى كلمة لطفى، السائدة، خاصة بين نساء الحوش، لم أكن اسمعها عنده. كان يسمى الأشياء بأسمائها، وينادى الناس بأسمائهم. أنا الوحيد الذى تنازل واختصر اسمى. فعلى الرغم من أن اسمائى وألقابى كانت متعددة وفسيحة، إلا أنه اختار فقط اختصار الاسم إلى منعم بدلاً عن عبدالمنعم!
أمى وأخواتى وكافة النسوان فى بيتنا، كن يناديننى بنعوم! وبعضهن كن يميعنه أكثر، يقلن "نعومة". جدتى كانت تقول لى "البُنْ" لأنها حين كانت تجلس لتقلى البن كنت أجلس إلى جانبها وألتقط حبات البن المقلية وأقرشها! عمتى عوضية كانت قد صغرت اسم البن، تدليعا، إلى اسم "البِنِينَة"!! بعض خالاتى كن يناديننى ب "اللكوم" لا أعرف لماذا! ربما تشبيها بحلاوة اللكوم الشهيرة فى تلك الأيام. عبود كان ينادينى بالبعاتى! وكذلك كان يفعل بقية أولاد عماتى وبعض الأولاد فى بيت جدى الكبير فى حى السوق. بينما كان غالب أهل أمى ينادوننى إما بمنعم أو نعوم أو اية واحدة من تلكم الاسماء التى تصكها خالاتى بين الحين والآخر.
كعادته، حين يجئ عمى الزبادى، فإن جوالات البلح تأتى معه فى نفس اللورى، ترافقها سلال مصنوعة من السعف محشوة بالبرتقال واليوسفى، ومغطاة بقطع من الخيش الذى تتم خياطته على دائر محيط السلة.
عمى ماكان محبوبا جداً، وكذلك لم يكن مكروهاً جدا! كان فيما يبدو يعانى من نقص فى استحلاب عواطف الآخرين. لم أكن اعرف له زوجة أو أبناء، وماكان هو يبقى عندنا طويلا، إن هى إلا بضعة أيام ثم لانراه إلا بعد عام أو نحو ذلك. وإن كانت تكثر الإشارة إليه فى أحاديث الناس الكبار، سلباً أو ايجاباً.
كان قد اغتسل لتوه من غبار السفر، ووضع حقيبته الحديدية الصغيرة فوق السرير الخشبى فى الفراندا الملحقة بالغرفة الخلفية فى حوش جدى، وراح ينبش فيها عن شئ ما، حين التفت ورآنى أنظر إليه، وأنا متكئ على عامود الفراندا. أفلت السيجارة من فمه، ووقف مصعوقا يحدق فىَّ، ثم مالبث أن انكفأ على وجهه، نصفه فوق الحقيبة الحديدية، وباقى جسمه إلى الأرض، وراح يرفس بيديه ورجليه، ويصرخ من ألم ما، وهو يلف يديه بإحكام حول عنقه.
أسرع إليه والدى من داخل غرفة جدى، وأزاح الحقيبة بيده إلى الأرض، ثم مدده فوق السرير وهو يصيح فيه:
- يازول... قل بسم الله! مالك؟
تركتهما هنالك وذهبت إلى حيث جوالات التمر قد رُصت فوق بعضها البعض. فقأت بأصبعى واحداً منها، والتقطت بعض التمرات، ورحت فى حال سبيلى.
مساء ذلك اليوم حمل المشيعون نعش الزبادى إلى المقابر. كان الوقت ليلاً، أو هو بالليل، فلم أجد فى نفسى رغبة فى تتبع الجثمان، فدخلت إلى الغرفة الكبيرة ونمت.
أحس الآن بأن روحى قد صارت تتسارع فى مغادرة جسدى، أسمعها تهرول بداخل أحشائى صاعدة إلى أعلى.
انتبهت فى البداية إلى ذلك الوخذ فى عينى اليسرى وأنا أحدق فى أعين الناس الذين يموتون فى نفس اليوم أو فى اليوم التالى على الأكثر. أحيانا يكون الوخذ شديداً فيحدث الموت فى اللحظة والتو. وأحياناً تستتبعه حكة فى جوف العين فتؤلمنى ولكننى لا أستطيع أن أبعد عينى عن الضحية، فصارت عادة عندى أن تكون عيناى مليئتين بالدمع، يسيل من جانبيهما بسبب وبدون سبب. كنت قد بدأت أتشكك فى الأمر وأنا فى المدرسة الوسطى. ولكننى لم أفكر فى الأمر بشكل جدى إلا وأنا فى المرحلة الثانوية. خاصة بعد أن بدأت أعانى من نوبات الصداع النصفى، والذى يعقب كل عملية أتورط فيها.
قبل ذلك كانت الأحداث تتوالى، ولا أعبأ بها إلا فى حدود ضيقة. حتى جاءت حادثة التدريب العسكرى.
كنا نقف فى طابورنا العسكرى، بعد نهاية اليوم الدراسى، نتلقى تعليمات عمنا الصول حاج حسين، حين شعرت بشئ ما يدفعنى دفعا للخروج من الطابور! وهو طبعا أمر غير مألوف ولا مسموح به إلا فى حالة الإصابة بمرض مفاجئ، وبعد إسئذان قائد الطابور. الذى حدث هو أننى وجدت نفسى أُغادر الطابور، دون إستئذان، وبشكل مفاجئ. وكانت قدماى تقوداننى قسراً نحو موضع الأزيار تحت شجرة النيم الضخمة. لم أكن أشعر بأى عطش. كل الذى فعلته، أننى وقفت عند الأزيار أنظر ناحية المراحيض، عند الطرف الشمالى للمدرسة، عندما خرج أستاذ عمر النور من خلف الحائط، الذى يستر صف المراحيض. ومضى فى طريقه نحو الحنفيات. غسل يديه، ثم جاء إلى حيث الأزيار.
أستاذ عمر النور، من أبناء الجزيرة إسلانج، شمال المدينة. تحديداً، من السروراب. تخرج فى معهد المعلمين العالى، وصار إلى تدريس التاريخ فى المدارس الثانوية.
يمكننى القول بأنه كان إنساناً جيداً، بمقاييس الجودة فى ذلك الزمان. كان صديقاً لنا بحكم قرابته لفاروق الطاهر المك، صديقى وزميلى فى الفصل. وقد كنا، فى كثير من الأحيان، نقضى عطلة نهاية الأسبوع، عند أهله فى السروراب. وكنا نراه ونجالسه خارج حوش المدرسة، أحياناً، عند أهله فى شمال المدينة، أو فى مقهى يوسف الفكى بجوار السينما الوطنية، بعض أمسيات الخميس.
شعرت بوخذ مؤلم فى عينَىَّ، حتى إننى فكرت أن أدعكهما. ولكن يدىَّ رفضتا أن تبرحا مكانهما إلى جانبى. وكأننى أُصبت بشلل ما.
وقف الرجل فى مواجهتى تماما، يفصل بيننا زير أسود كبير. علت وجهه إبتسامة وادعة وهو يحاول تحيتى، بينما انشغلت يده مع علبة اللبن المجفف الفارغة، والتى نستخدمها، بديلاً عن الكوب، لشرب الماء. تجمدت يده فى الهواء، ثم ارتعشت قليلا، وعيناه لا تزالان تنظران ناحيتى، وقد اختفى السواد بداخلهما، واستحالتا إلى بياض جيرى، تخالطه بعض غبشة. واستحال الألم فى عينىَّ، إلى شبه لهيب لايطاق، وقد إمتلأتا بماءٍ، سال على خدى حتى لامس شفتى، ونزل بعضه إلى فمى. كان طعمه مثل اللبن الرائب، وله رائحة مثل البول. ثم خر جسده إلى الارض دفعة واحدة، دون أن تفارق الابتسامة الوادعة شفتيه.
تركته فى ذلك المكان، واستدرت عائداً إلى الطابور العسكرى، المنتصب على ملعب الكرة الطائرة، أمام البوفيه.
ما لم ألحظه من قبل، وأثار بعضاً من استغرابى، هو أن الطابور كان مكتملاً! ولايوجد أى خلل فى صفوفه المتراصة! فقد كنا فى مجموعنا ثلاثين طالباً. وكنا نشكل ستة صفوف بواقع خمسة طلاب عسكريين فى كل صف ويقف اسماعيل روما، رقيب أول الفصيلة، فى مقدمتنا، بينما فى مؤخرة الصفوف، يقف الوكيل عريف فتحى حسن بشير. وكان موقعى الدائم فى منتصف الصف الأول، نسبة إلى قامتى القصيرة نسبياً. ولكننى، وأنا اقترب حثيثاً من الطابور، لم ألحظ ان مكانى خالٍ! بل كنت أقف فى مكانى بالضبط! ورأيتنى منتبه مثل البقية إلى عمنا الصول وهو يشرح شيئاً. واقتربت من نفسى، قليلاً، قليلاً، وأنا أتاملنى فى صفائى ذاك، حتى التحمت بنفسى فى هدوء، وصوت عمنا الصول يجلجل فى السكون ببعض أسماء أجزاء البندقية فى يده.
ولم ينخرب انضباطنا، إلا حين وصلت مسامعنا أصوات صراخ وعويل الطلاب وهم يتعثرون فى جثة أستاذ عمر النورقرب المزيرة.
فى اليوم التالى، سألت اسماعيل روما، إن كان قد لاحظ شيئاً غريباً فى طابورالأمس،فقال شيئاً عن قطة سوداء عبرت مسرعة أمام الطابور، وهو أمر يحدث كثيراً، حيث تخبئ جوالات الفحم خلف البوفيه، جيوشاً من الفئران، تتربص بها كتائب من مليشيات القطط السمينة، مختلفة الأحجام والألوان.
مرة وجد أولاد العوادة، رأس قط مذبوح، ومدفون فى الخلاء، شرق المدرسة. وقد سرت إشاعة خبيثة بين الطلاب أن صالح عكود، يقوم بذبح القطط، وطبخها. وتقديمها لنا باعتبار أنها لحم ضأن. الأمر الذى جعلنا لانأكل فى البوفيه، سوى الفول، والعدس الصريح. حتى حصلت حادثة العقرب.
سمعنا أن عقرباً صغيراً، قد تم العثور عليه، داخل العدس المطبوخ، فى القدر الكبير، قبل لحظات من جرس فسحة الفطور. وعلى الرغم من أننا توقفنا عن أكل العدس، فترة ليست قصيرة. إلا أننا عدنا لتناوله، تدريجيا، ثم، ولأن ذاكرة الإنسان، فى مثل هذه الأمور، قصيرة جداً، رحنا نلتهمه بنفس درجة الشراهة القديمة. لأن طعم العدس فى مطاعم المدارس، يختلف عن طعم أى عدس آخر.
ثم سرت إشاعة أخرى تقول إن أولاد العوادة إنما يصنعون هذه المآسى صنعاً! فهم من عثر على رأس القط الذبيح. وعبد الحافظ العوادى هو من وجد العقرب داخل إناء العدس. وطه العوادى هومن إكتشف الثعبان داخل فصل الرازى. ونمر العوادى، وحده، من شاهد البعاتى، وهو يقفز خارج سور المدرسة، من جهة المقابر، فجراً، بعد أن شرب الحليب، والذى يتركه الباعة، عادة، أمام باب مطعم المدرسة.
فى الحقيقة، كان أولاد العوادة يشكلون عبئاً على العملية التعليمية برمتها. على الرغم من أنهم كانوا من المبرزين فى دراستهم. كانوا عصبة، وأُولى بأس. يحلون معاً، ويرحلون معاً. ولا أذكر أننى رأيت أحدهم يسير وحده، داخل أو خارج المدرسة، إلا مرة، أو مرتين. حتى كان ذلك الصباح الماطر، قرب نهاية العام الدراسى. أذكره جيداً الآن. كنا فى الحصة الاولى، وكان المطر يهطل بغزارة فى الخارج، لهذا كان جميع الطلاب داخل الفصول. وجدتنى أنهض من مقعدى، وأُغادر الفصل، لأسير فى آلية غريبة، ناحية معمل العلوم، على الجانب الشمالى الشرقى من المدرسة.
كان طلبة فصل ابن رشد، يتحلقون حول المنضدة المستطيلة، فى منتصف المعمل. ربما كانوا يقومون بإجراء واحدة من تجاربهم المعملية، وكان أستاذ السيسى يتحدث بصوته الخافت، عند السبورة العريضة، المتدلية من السقف، بإرتفاع حائط المعمل.
وقفت خارج باب المعمل، تحت كثافة قطرات المطر المتساقط علىَّ، دون أن أكترث. كان ظهرى مسنود إلى الإطار الخشبى للباب، ووجهى بإتجاه بوابة المدرسة الكبيرة، فى منتصف الحائط الشرقى للمدرسة.
كان أولاد العوادة الثلاثة قادمون من ناحية البوابة فى اتجاهى، وهم يهرولون وقد رفعوا فوق رؤوسهم ألواحاً من الورق المقوى أو الكرتون، لا أذكر. وكانوا، كعادتهم، يتضاحكون فى جلبة عظيمة.
فى المقدمة كان نمر العوادة، والذى تخطانى إلى داخل المعمل. ثم تلاه حافظ، كما كنا نناديه، ولسبب ما تأخر طه عن رفيقيه ببضع خطوات، جعلته فى مواجهتى تماماً. تجمّد الولد، وهو يحدق فى عينىَّ فى إستسلام مخيف!
تركته فى مكانه ذاك، وعدت إلى مكانى فى الفصل.
حين تخطيت عتبة المدخل، رفعت بصرى، فرأَيْتـَنى. كنتُ أجلسُ هادئا أكتب شيئاً على الكراسة المفتوحة أمامى. وكان بقية الطلاب منهمكون فى نفس الأمر، بينما كان صوت أستاذ جعفر القوز يجلجل من آخر الفصل بأبيات من الشعر لا أذكر لمن من الشعراء.
واصلت سيرى بنفس الهدوء والآلية التى خرجت بها، ثم وجدتنى التحم بنفسى مع رعشة خفيفة، تشبه رعشة حمى الملاريا عند بداية طور النقاهة. رأيتنى، وقد كنت جافاً تماماً، وكأننى ماسرت تحت كل تلك الأمطار، ثم، وبعد لحظات نسيت الأمر كله، حتى سمعت جلبة وصراخاً فى بعض نواحى المدرسة، وقيل لنا، إن طه العوادى، قد داهمته اعراض إلتهاب الزائدة الدودية، وإنه قبل أن يتم نقله الى المستشفى، أخرج دماً من فمه، ثم مات.
هاهو الموت يقترب منى. لقد جاء دورى إذن. والروح ترتفع الى اعلى جسدى مخلفة جسدا لاحراك به، جسدى.
تمدَّدَت إنشغلاتى بأفعال الموت، لتشمل مئات، بل آلاف الناس. الذين أعرفهم، والذين لم التق بهم، إلا لحظة التقاء العيون المصيرية. رجالا ونساء. شيوخا وأطفال. لم أتردد لحظة، حين يداهمنى الأمر، فى الإيفاء بمتطلبات المهمة الموكولة الىَّ! صرف النظر عن درجة القرابة التى تربطنى بالضحايا. وربما كان هذا سبباً فى اننى لا أعرف معنى الحزن! فأنا لم أحزن على وفاة إنسان قط. لم أحزن حتى عند وفاة والدى، والذى راح ضمن كوكبة من الرجال، ذهبوا لأداء واجب عزاء فى المسلمية شمال مدنى، حين إنقلبت بهم العربة نواحى المسعودية. وأن كنت قد شعرت ببعض الحزن عند موت أمى. وإن لم يدم ذلك الحزن إلا يوماً أو بعض يوم.
الغريب، أننى أخذت فيمن أرحتهم من عذاب الدنيا، عدداً من الحيوانات!! تحديداً، قطتين، ومعزة،وتمساح، وعتود!
كانت القطة الصغيرة قد قفزت، لتوها، من حائط فى الجوار، إلى الطريق. فوجدتنى أمامها، مباشرة. رفعت رأسها، تنظر إلىَّ، ثم ماءت موائاً كئيباً، موحشاً، كنواح خرساء عند قبر طفلها! ونفشت جسمها الهزيل، وضخّمته، حتى صارت فى حجم النعجة. ثم كشرت عن أنيابها، ثم أصدرت صرخة يائسة، وهربت مندفعة من أمامى! لم تتجاوز فى فرارها ذاك سوى بضع قفزات، لتجد نفسها تحت عجلات سيارة مسرعة، عَجَنَتْهَا فى مكانها ذاك، ومضت لاتعبأ بشئ.
أما القطة الثانية، فقد كانت ترقد فى سلام، عند مزيرة التومة، زوجة خالى النور عبد الكريم. وجدتُ مقعداً خشبياً، فجلست عليه، أرقبها فى نومتها تلك. تمطت، ثم تثاءبت قليلاً، ثم رفعت رأسها تنظر نحوى، قليلاً، ثم عادت تواصل نومها. انتظرت قليلاً، ثم قمت إلى حيث مرقدها. لمستها بطرف حذائى، فى حذر، فلم تتحرك. أخذت مكنسة من القش، كانت مركونة إلى جوار المزيرة، وضربتها، فلم تتحرك. ألقيت بالمكنسة، ورحت فى حال سبيلى.
المدهش إنه، وفى حالة تعاملى مع غير البشر، لم أكن أحس بذلك الوخذ المؤلم فى عينى. حتى مع حالات الموت الفورى! ففى حالة العنزة، مثلاً، وكنت حينها فى بداية أيام عملى، كقارئ للعدادات، تبع الإدارة المركزية للكهرباء، وكانت درجة الحرارة، فى ذلك النهار، قد وصلت إلى ما لايمكن احتماله، فرحت أتصبب عرقاً، استعنت عليه بمنديل، بنفسجى اللون، فى طرفه رسم بائس، لقلب يقطر دماً، أو ماءً، لا أعرف.
عند منحنى الزقاق، الموازى للمجلس البلدى، والمفضى إلى الشارع، الذى يقود إلى السوق الكبير، وقد كان علىَّ أن أدخل بيوت الشارع بيتاً بيتاً، وعلى الجانبين، بغرض قراءة، وتسجيل بيانات العدادات، حتى آخر بيت، قبل المدرسة الأميرية، مباشرة. وهناك عند المنحنى، كانت العنزة تقف فوق تل صغير من القمامة، المتكومة، إلى جانب أحد الحوائط. كانت سوداء، يخالط شعرها بعض بياضٍ خشن. كانت تمضغ شيئاً فى استرخاء، أو لعله بعض استمتاع، فلم أتوقف عندها،بل واصلت مسيرى، وإن كانت عيناى قد تركزتا بشكل جدىٍّ على عينيها، وهى غير عابئة بى، إطلاقاً، ثم رفعت عينيها إلى عينىَّ. إن هى إلا نظرة واحدة فقط، ثم تكومت على الأرض جثة هامدة.
أما التمساح، فلم تكن حكايته تختلف كثيراً عن بقية حكاوى الموت.
كنت فى حى الموردة، أجلس فى الخيمة، مع المعزيين، فى وفاة زوج إبنة عمتى ثريا النضيف، حين وجدتنى اندفع بقوة عجيبة، مغادراً الخيمة، ثم الحى بكامله، فى اتجاه شاطئ نهر النيل. كان هنالك خروف مربوط، إلى وتد خشبى، غريب الشكل. وكنت قد أدركت من الوهلة الاولى، أنه ليس هدفى! فجلست عند حافة النهر، أحدق فى مكان ما، وسط النهر. هناك قرب الشاطئ الآخر، رأيت كتلة سوداء تتحرك فى استرخاء يميناً ويساراً. ثم اندفعت، فى شئ من السرعة، ناحية الجنوب. فظللت أتابعها ببصرٍ حاد، حتى اختفت مع خط أفق الماء، ولم تغفل عيناى لحظة، عن نقطة اختفائها، لتعود وتظهر مرة أخرى متجهة إلى منحدر النهر شمالاً. ثم، وبشكل مفاجئ تماماً، غيرت اتجاهها، وإندفعت، فى سرعة عالية، إلى حيث أجلس، لا تكاد تفصلنى عن الزبد الذى يتكسر عند اليابسة، إلا خطوة واحدة، أو أقل. وظللت فى مكانى لا أتحرك، والشئ الأسود يندفع ناحيتى، وقد زادت سرعته، لدرجة أننى رأيت الماء تحته ينشطر إلى جزئين، يرتفعان الى جانبيه، فيتركا شريطا طويلاً خلفه. وظللت، فى إطمئنانى ذاك، لا أتحرك. ثم ارتفع، وهو لايزال على سرعته، فظهرتمساح كبير، يلمع الماء فوق جلده الداكن السواد. وظل يقترب من مجلسى ذاك، حتى وصل إلى المياه الضحلة، فوق حِصِى الشاطئ، ليخرح بجسمه كله، ثم يبدأ فى الركض على أربع، وفمه مفتوح إلى آخره، كاشفاً عن تركيبة غريبة من الأسنان الحادة، بعضها فوق بعضٍ، وبعضٌ تحت بعض. ولم يبق بينى وبينه سوى بضع خطوات. كانت عيناه غريبتين. ليس فيهما بياض، انما هما بًنيتين، لامعتين، يشطرهما خيط بلون الطوب المحروق الداكن من أعلى إلى أسفل. وكانتا قد تركزتا فى عينىَّ بشكل مصيرى، حين دوى صوت طلق نارىٍ فى مكان ما من خلفى، ثم ارتفع ذلك الجسد الضخم فى الهوا،ثم سقط مرة أخرى فوق الماء. ورأيته يرفس برجليه وذيله بعنفٍ ثم همد مرة واحدة، والمياه من حوله تكتسى باحمرار غزير.
قمت من مكانى ذاك، أنفض التراب، الذى علق بجلبابى السمنى اللون، ولم أعبا حتى بالنظر ناحية مصدر الطلق النارى، بل، ولم أعبا بالرجال والنساء والاطفال، الذين دفعهم الفضول للخروج، والتجمهر فى مجموعات صغيرة، ما أن تتكون، حتى تنضم إلى جموع أخرى متجهين ناحية شاطئ النهر. وعدت إلى بيت العزاء.
بعد نحو شهر أويزيد، وقد كنت أسير امام مركز الشرطة، لفت انتباهى بعض الجنود، وهم يقومون بتعليق الجسد الضخم فوق بوابة المركز. وكانت العينان لاتزالان مركزتين على عينىَّ، فأدرت بصرى الى الناحية الاخرى ومضيت فى حال سبيلى.
أحس بالبرودة تسرى فى كامل جسدى. وهاهى قواى تخور بالتدريج. وأنا لا أزال أُحدق فى عينىَّ، المنعكستين من المرآة، أمامى.
كنت أقوم بأداء مهامى الجنائزية، فى اتقان دقيق. ولم أكن لاتوقف عند حائط، أو سلك شائك منصوب امامى. كنت اتخطى أية عقبة، فى طريقى، للوصول الى هدفى. وكنت ادخل اكثر الامكنة حصانة، وأتجاوز اكثفها حراسة. مثلما حدث مع ذلك الشخص، الذى يبدو أنه من المهمين فى البلاد.
كانت جمهرة من الناس، تقف على الرصيف، عتد مدخل البلدية. رجال فى جلابيب بيضاء، تعلوهم عمائم، مبرومة فوق رؤوسهم. وبعض فى بذلات افرنجيات، غالبها رمادى اللون، وقليلات ذات لون أزرق، أو أسود. ورجال فى قمصان وسراويل، مختلف ألوانها. وكانت نساء فى ثياب بيضاء، خالصة، من غير سوء. بعض يحمل لافتات كبيرة من القماش، عليها كتابات كثيرة. وآخرون يحملون أوراقا ملونة.
كان الشارع نظيفا على غير العادة. وخال تماما من حركة السير المعتادة فى مثل هذا الوقت من الصباح. كان رجال الشرطة ينتشرون مثل النمل، فى أزيائهم العسكرية، يحملون البنادق، والعصى، وكل ما من شأنه أن يساهم فى ايذاء الناس. وكان رجال الأمن فى مختلف انواع ملابسهم المدنية، من جلابيب وملابس افرنجية، بقمصانها ذات الاكمام الطويلة، وذات الاكمام القصيرة. بعضها محشور بداخل السراويل، والبعض يترهل فوقها منسدلا بغير ترتيب، أو هندمة. يمنعون المتطفلين، والسابلة، والعوام، من الاقتراب من المكان. فلم يكن هنالك الزحام اليومى عند كشك بيع الدمغات. ولم يكن هنالك ناس يجلسون، كما العادة، على احجار الرصيف. ولم يكن ثمة مجموعات ملمومة تتجادل بصوت مرتفع عند ناصية من نواصى المبنى، ولم يكن الزحام اليومى حول بائعات الطعام. بل لم تكن النسوة البائعات، بثيابهن الملونات، وسلالهن السعفية الكبيرة، والقدور الضخمة، المصنوعة من الالمونيوم، مرصوصة، عادة، امامهن. اختفين فجأة. بل اختفى كل مظهر من مظاهر الحياة اليومية التى تطرز المكان، وتمنحه شخصيته، التى يتعارف عليها الناس. فلا المكان عاد نفس المكان. ولا الشخوص هم الشخوص. فى ذلك الصباح، لاحظت أن كل شئ تغير.
زحفتُ بين الجموع، متخطيا الافراد والجماعات، ومخترقا الصفوف، حتى وجدتنى فى الصف الاول. وكان صوت سرينة الشرطة، فى خلفية المشهد، يرتفع قليلا قليلا، حتى صار من العلو، تحسبه قد التصق بأذنيك. ثم لاح عند الناصية شرطى على دراجة بخارية، كانت مصدرا للسرينة المزعجة. تلتها عربة من عربات الشرطة الزرقاء، ثم عربة اخرى بيضاء، ثم لحظات وتتالت العربات، وتكاثرت، متجهة نحو مكان وقوفنا. لحظات، ثم وقفت واحدة بالضبط امامنا. كانت سوداء كبيرة، ليست ممن اعتدنا على رؤيتهن فى الطرقات. وانفتح بابها، فتقدم اضخم الحاضرين، خطوات، لحظة وقوف العربة، لاستقبال الاضخم منه، الذى ترجل من جوفها فى جلباب ابيض، تعلوه، هو الآخر، عمامة، منبرمة فى شموخ فوق رأسه، ونزل فى تمهل يليق بالشخصيات المهمة، يحمل عصاة من الابنوس فى يده، سرعان ماحولها الى يده الأخرى، ليصافح الرجل امامه.
نظرت اليه، كان ضخما، فى غير افراط، لونه يميل الى البياض، وان ظل انفه افطساً، كأنوفنا جميعا، تميزه ثلاثة شلخات دقيقات، على صفحتى وجهه، مبتسما، فى نعومة ويسر. ثم صار الى مصافحة الناس امامه، واحدا تلو الواحد. رفع نظرة مهملة، ناحيتى، سرعان ماتسمرت مكانها. شعرت به يجاهد لانتزاع عينيه من عينىَّ، دون جدوى. وكانت عيناى قد امتلئتا بالدمع غزيراً جدا. ثم فى لحظة ما، سحبتهما من عينيه واستدرت اغادر المكان. عند الظهيرة، وقد كنت عائدا من السوق، احمل كيسا، من الورق، بداخله بعض الخضروات وقليل من اللحم، كانت اميرة قد ارسلتنى لشراءها، سمعت الناس يتهامسون عن وفاة مفاجئة، لواحد من الزعماء الكبار، لعله كان وزيراً أو أميراً لا أعرف. قيل ان عربة انقلبت به نواحى النيل الابيض، فى طريقه الى الدويم، او القطينة، لا أعرف. ولم أهتم بالامر على الإطلاق، فلدى من مشاغل الدنيا، والآخرة ما يجعل اهتمامى بمثل هذه الامور، بعض من اضاعة الطائل، فيما ليس من وراءه طائل.
كم أدرك الآن خواء حياتى!
لا أذكر أننى لعبت الكرة يوماً مع أقرانى.
ولم أمارس من ضروب اللهو فى طفولتى، سوى لعب البلى. وحتى ذلك هجرته بعد موت عمى السنوسى.
وتركت التدريب العسكرى بعد موت أستاذ عمر النور. وأعدت إليهم الزى الذى صرفوه لى فى بداية السنة.
لم أدخل السينما ولا مرة، فى حياتى.
لم أتعلم التدخين، أو تعاطى الصعوط، خلافاً لكل أولاد الحلة. ولم أقترب من الخمر بتاتا. والغريب اننى لم أركع فى حياتى ولا مرة!! بل ولم أدخل مسجداً قط. وحتى لا أعرف كيف هو شكل المسجد، من الداخل.
ولا أذكرأنني استمعت بتركيز لأية اغنية. ولم أحضر حفلا غنائيا، فى اية مناسبة، عدا يوم زواج نعمات بنت خالتى فتحية.
وفتحية لم تكن خالة لى بالتمام، وإن كنا نقول خالتى، تأدباً، كما عودونا.
ذلك اليوم، الذى أخذت فيه روح الرجل الذى جاء يغنى فى الحفل، فأخذت أحدق فيه طوال الليل، ولم يكن هو ينظر ناحيتى قط. كان كلما انتهى من الغناء، يدخل إلى الديوان فى حوش بابكر الحضرى، والد العروس. وكانوا يشربون قليلاً، ويأكلون قليلاً، ثم يعودون للغناء. وكنت أنا فى مكانى ذاك، لا أغادره، حتى انتهى الرجل من غناءه، وذهب فى معية نفر من الرجال إلى الديوان، وكان واضحاً أن الحفل قد انتهى. فتبعته إلى حيث جلس يشرب خمراً أفرنجياً، ووقفت غير بعيد منه أنظره، فرفع إلىَّ بصراً عليلاً ، بفعل ما عبَّه من شراب، ثم تناول الزجاجة، وراح يشرب منها وهو ينظر إلى، مباشرةً فى عينىَّ،حتى إذا أتى عليها، ألقى بها فارغة إلى الارض. تركته فى مكانه ذاك. وذهبت إلى سريرى لأنام. ومن مرقدى ذلك سمعت هرجاً وصياحاً، ولم اسأل. فى الصباح التالى سمعتهم يتحدثون عن أن الرجل راح كالمجنون يفرغ فى جوفه الزجاجة تلو الزجاجة، بعضهم قال إنه شرب ثلاث زجاجات، ويقولون أربع، وأقسم بعضهم إنهن سبع زجاجات. ولم ىكن الأمر يعنينى فى شئ، فعند الظهر جاء من يقول بأن الرجل قد مات، فى المستشفى جرَّاء كحولى.
وكنت قد تعلمت لعب الورق، فترة، ثم هجرته، مباشرة بعد يوم المرحاض. وهو اليوم الذى أخذت فيه روح العتود.
كان العتود مملوكاً لخالتى بنت بربر، وكان حراً، طليقاً، طوال الوقت. يقفز من مكان إلى آخر داخل حوش الكريماب، نسبة إلى جدى عبد الكريم. والحوش، كان أشبه بالمتاهة. يبدأ عند باب السنط الكبير، والذى يفتح على شارع الأمير شيخ الدين، ويمتد حتى باب الزنك، الذى يفتح على شارع الخليفة شريف.
بداخل الحوش، بُنيت مئات الغرف، مختلفة الأحجام، والأشكال، وإن طغى عليها كلها اللون الأغبش الداكن، بفعل الغبار، وبفعل طبقة الزبالة، المخلوطة بروث البهائم، والتى طُليت بها كل حجرات، وحوائط الحوش، بل والمدينة كلها.
وكانت كل مجموعة من الغرف والفراندات، قد فُصلت بحائط داخلى، به باب صغير، من الخشب، أو الزنك، وبعضها ليس فى مدخله سوى فتحة صغيرة فقط.
لا أذكر أن لصاً دخل االحوش. وإن كنت قد سمعت أن واحداً ساقه حظه الأعرج إليه، فى ماضٍ سحيق. واستيقظ السكان قرابة الفجر، على صوته، وهو يصرخ، طالباً معاونته على الخروج من هذا الشرك، الذى أوقع نفسه فيه. فالرجل ظل يدخل من حوش إلى آخر، ومن نفاج إلى نفاج، حتى أعيته الحيلة. فجلس على الارض يصرخ طالباً النجدة.
كنت متكئا على السرير الخشبى، المجدول بالحبال، والخالى تماماً من أى فرش، عند الحائط الذى يفصل حوش خالتى الرحمة عن بقية المستعمرة. وكان العتود يطارد بضع دجاجات، لا أعرف بالضبط، من يملكها. فلقد درجت على رؤيتها، فى الأيام الفائتة، تنتقل من حوش إلى حوش، تنقد ماتيسر من أطراف الزِرِّيعة، المشرورة فى أكثر من موضع. وكنت فى إتكائتى تلك، احتسى كوبا من الشاى الأحمر، بعد وجبة غداء كبيرة من الكسرة والبامية المفروكة، والسَلَطَة الخضراء المنوَّعة. وأنا أنظر إلى العتود فى تكاسل، ودون اى إهتمام حقيقى، حين دفر جدى عبد الكريم باب الزنك القصير، ودخل إلى حوش الرحمة. فاعتدلت فى جلستى، إحتراما لرجل العائلة الاول. ولكنه اتجه مباشرة إلى المرحاض خلف غرفة الرحمة، وعاد يحمل الإبريق ليملأه من الحنفية، قرب باب الحوش، ثم عاد به إلى المرحاض مرة أخرى.
عدت، واتكأت على السرير، مرة أخرى. ومددت يدى لآخذ كوب الشاى من على الأرض تحتى، عندما سمعت صرخة جدى. ظننت أن عقربا قد لدغته، أو أن ثعبانا هاجمه، فقفزت أركض ناحية المرحاض. والتقطت عوداً خشبيا غليظاً، وجدته فى طريقى. ولم أكد اجتاز غرفة خالتى الرحمة، حتى قفز خالى بابكر الصول من فوق الحائط، إلى داخل الحوش، وفى يده بندقيته، وهو يتسائل فى انزعاج بائن، عما حدث لوالده، الذى خرج من باب المرحاض وهو يلطم ويصرخ بشكل هيستيرى، مما يؤكد أن مكروهاً كبيراً ألم به. كان الحوش قد امتلأ عن آخره بالرجال والنساء والأطفال، وكان جدى مفزوعا يحكى فيما يشبه الهذيان، والناس من حوله يتصايحون. وعلمت أنه ما أن رفع جلبابه ليجلس على (المُرتَفَق) كما يسميه، حتى إنزلق جُزلانه إلى داخل الحفرة تحته.
كان الرجل منهاراً تماماً، وقد فهمت إن الجزلان كان بداخله أكثر من سبعمائة جنيه من القطع الورقية المختلفة. ففى ذلك الوقت من شهر رجب، يقوم الناس بشراء مايكفيهم من ذرة، لتزريعها، ومن ثم طحنها، لتنشغل النساء، بعد ذلك، بتجهيز، وتحضير العجين اللازم لعمل الحلومر. فشهر رمضان، ومايسبقه من شهور، تعتبر قمة موسم ازدهار سوق العيوش. وجدى عبدالكريم، كان تاجراً فى زريبة العيش. وضياع المال الذى كان بداخل الجزلان، يعنى خسارة جسيمة، لايستطيع احتمالها.
عمل خالى بابكر، على مساعدة والده المنهار، حتى أجلسه على السرير، الذى كنت قد تركته قبل قليل، واسرعت خالتى الرحمة، بعمل كوب كبير من عصير الليمون، وهى تنتحب، حزناً على مصاب والدها. بينما غادر خالى الحوش فترة ليست بالقصيرة، ثم عاد، وفى معيته ثلاثة رجال، غرباء، لم أرهم من قبل. وكانوا يحملون أدوات الحفر المعتادة، من فؤوس ومعاول وغيرها، وراحوا يتحدثون مع خالى، على غير مسمع منى، وإن كنت أراهم يتجادلون مع الرجل الذى كان، طوال الوقت يشير بكلتا يديه، كعادته عندما يتحدث. ثم خلعوا ملابسهم، ووضعوها إلى جانب الحائط القريب، وقد بدت أجسادهم الحالكة السمرة، بارزة العضلات، تلمع تحت الشمس. ثم بدأوا يحفرون عند محيط المرحاض، بعد أن هدموا حائطه الخارجى. حتى أحدثوا فتحة على جانب أرضيته، ثم طلبوا فانوساً، اسرعت به اليهم خالتى بلح الشام، فأشعلوه ثم ربطوه بأحد الحبال التى جلبوها معهم، وأنزلوه داخل البئر. وتعلقت بهم أبصار كافة سكان الحوش، من رجال ونساء وأطفال وقطط وكلاب وطيور متنوعة. تفرقوا فى كافة أركان الحوش، بعضهم يجلس على الأرض، او على ماتيسر من مقاعد وحجارة وغيرها، وبعض يقف أو يتكئ على أحد الحوائط. والجميع فى وجوم، لاتسمع معه إلا الهمسات، تدور بين الرجال، وهم قد مدوا أبصارهم، يفحصون بها محتويات البئر تحتهم، وقد وقف خالى الصول فوقهم يتفحص، ويجادل، ويشير بكلتا يديه.
استقر رأى الرجال أخيرا، فتوقفوا عن الجدل، وجلبوا حبلاً ثانياً، ربطوه على وسط واحد منهم، فارع الطول، ثم سرعان ماوقف عند حافة الفتحة، بعد أن وضع فوق أنفه مشبكاً خشبياً صغيراً، مما يُستعمل عادة فى تثبيت الملابس على حبل الغسيل، وقد راح أحد رفيقيه يحكم لف طرفه الآخر حول معصمه، فى إصرار وجودى صارم، بينما أمسك الآخر بالحبل من نقطة ما، قريبة بعض الشئ من صاحبه، والذى راح يتدلى، قليلاً، قليلاً، حتى إختفى داخل البئر. قمت من مكانى ووقفت بجانب خالى، أنظر إلى الرجل، وقد لامست قدماه سطح الماء تحته، وهو لايزال ينحدر نحو الأسفل، فى صمت وهدوء. إقشعر بدنى قليلاً عندما غاصت قدماه داخل بركة تعوم فوقها أشكال وأحجام متنوعة من الغائط، ولكن الرجل لم يكن ليهتم بذلك، فلقد إستمر فى الغوص إلى أسفل.وكنت أرى سطح الماء الراكد، والمعبأ بالكتل السوداء، يقترب قليلاً، قليلاً، من رأسه، ومن فمه، ومن أنفه تحديداً، حتى اختفى تماماً تحت الماء، ورحت أتابع ببصرى الحبل الضخم، وهو لايزال ينزلق فى سلاسةٍ، وهدوء.
خيل إلىَّ أن دهراً قد مر قبل أن أرى الحبل يهتز بعنف. فقام صاحباه بجرّه فى سرعة وقوة. رأيت الرجل معها ينسل من تحت البركة، قافزاً كالسمكة، ناثراً حوله إعصاراً من الماء والغائط، ثم راح يتأرجح داخل فضاء البئر، ورأيته يمسك بالحبل فوق رأسه بيدٍ، بينما أطبقت يده الأخرى على الجزلان فى تصميم.
راح صاحباه يسحبانه قليلاً، قليلاً حتى ظهر رأسه خارجاً من الفتحة عند طرف أرضية المرحاض، والعيون قد تعلقت به، فى صمت، ثم راح بقية جسده ينسل تدريجياً، حتى ظهرت يده الممسكة بالجزلان، لتنطلق الزغاريد عالياً. وتنطلق معها ثلاث رصاصات من بندقية خالى الصول.
جلس البطل قرب الفجوة، عند حافة المرحاض، وهو يدعك جسده بقطعة من صابون الفنيك، أحضرتها بنت بربر، بينما انهالت فوق جسده المياه، مندفعة من خرطوم أسود طويل، أمسك به أحد الرجلين، يزيل به ماعلق فى جسد صاحبه، ثم يبارى الشوائب المتساقطة بالماء المندفع، وإعادتها إلى الحفرة، بينما انهمك الرجل الآخر، فى غسل الجزلان، حتى بدا نظيفاً، ثم ناوله للصول، الذى قام بفتحه، وإخراج مافى جوفه من أوراق نقدية، غمسها فى وعاء نحاسى كبير، من تلك التى تستعمل فى غسل الملابس، ملأه بالماء والصابون، وجلس يدعكها ورقة، ورقة، ثم قام بنشرها على الأرض، حتى إمتلأ الحوش عن آخره، بأوراق مالية، أغلبها من فئة الخمس وعشرين، والخمسين قرشاً، وبعض الأوراق من فئة الواحد جنيه، وقليل جداً من الأوراق فئة الخمسة، والعشرة جنيهات.
هذا المشهد، إستحوذ على إهتمام كافة سكان الحوش، الذين وقفوا ينظرون من فوق الحائط، بعد أن أخلوا أماكنهم فى حوش خالتى الرحمة بأمر مباشر من الصول. لكنه لم يجذب إهتمامى بأى قدر، فقد كنت منجذباً، بالكامل، نحوالعتود، مصوبا نحوه نظرة عميقة، شعر بها فجأة، فرفع عينيه نحوى، فى إستسلام تام. ولم يتحرك من مكانه، حتى أمسك به عبد الكريم، ولد خالتى الرحمة، وكنا نناديه بجدُّو، لأنه سُمىَّ على اسم جدى. ثم تكاه على الأرض، وذبحه، كرامةً، كما قالت أمه. والعتود لايزال مُسمراً عينيه فى عينىَّ.
هائنذا، متسمر فى مكانى، أحدق فى صورتى، المنعكسة من المرآة، أمامى, وإحساسى يتعاظم بإنسلال روحى من جسدى، بوصة بوصة. تغادره من مكمن، إلى مكمن أعلى، مخلفةً فراغاً رهيباً تحتها. وبعض أطرافى قد تيبست وإلى الأبد، وبرودة لزجة تغمرها/ تغمرنى.
لا أذكر أننى إنشغلت بممارسة أية هواية، سوى أشغال الموت. لم أجمع الطوابع أو العملات الأجنبية. لم أكتب الشعر، ولم اهدر وقتى فى قراءة كتب الأدب. وحتى الصحف واخبار الرياضة لم تكن تعنينى فى شئ. بل ولا أذكر أننى اقمت علاقة من أى نوع، مع أية إمراة، أياً كانت! أدركت الآن فقط اننى لم أمارس الجنس قط ! بل ولم أمارس العادة السرية سوى مرة واحدة، حين تعلمتها على يد عوض نابرى، والذى كان يجاورنى فى الفصل، فى المدرسة الوسطى. ولم أجد فيها مايغرينى بتكرارها. ولم يحدث أن اختليت بإمراة غريبة، فى بيتٍ غريب، سوى مرة واحدة فقط!
رأيتها فى السوق الشعبى، وركبتُ خلفها فى نفس البص، وقد لاحَظَت إهتمامى بها، فتبسَّمَت. ثم نَزَلَتْ لتركب بصاً آخراً، فتبعتها. وغادَرَتْه عند محطة السينما، فتدليتُ خلفها. ثم سارت مخترقة صفين من بيوت الحجر، تظلل شوارعها أشجار النيم الضخمة، ثم غادرتها إلى شارع جانبى، سارت فيه مسافة، وتوقفت عند بقالة فى إحدى نواصيه، بينما واصلتُ مسيرى، لا ألتفت خلفى، حتى وصلت نهاية الشارع. لم أتوقف، بل انحرفتُ يساراً، ثم يميناً، ثم يساراً، ثم يساراً مرة اخرى، وكنت على يقين، من أن المرأة تسير خلفى، وتتبعنى إلى... بيتها!
وقفتُ عند مجموعة أزيار، تحت إحدى أشجار النيم، واسعة الظل، والتفتُ خلفى، لأجد نفسى وجهاً لوجه أ.مام المرأة، التى تحاشت النظر الىَّ، بل نظَرَت فى قلق خلفها، قبل أن تدفر باب الحديد الكبير أمامها، وتدخل، وتتركه مفتوحاً، فلم أتردد على الإطلاق، بل دخلت خلفها. قادتنى عبر حوش فسيح، مرصوف بالطوب الأحمر، إلى فراندا، عالية السقف، أمام مجموعة من الغرف، لعلها ثلاث. تركتنى هناك، ودخلت إحدى الغرف, ثم خرجت لتجدنى واقفاً حيث تركتنى، فرفَعَتْ رأسها لتدعونى إلى الجلوس، وهمْهَمَتْ بكلمات لم أسْتَبِنْها، ولم تُكْمِلْها، فقد كنت أُصّوِّب نظرى نحو عينيها فى حزمٍ وتصميم. وقِفَتْ تنظر إلىَّ فى إستسلام وهدوء، قبل أن اتركها فى مكانها ذاك، وأخرج من البيت، والحى بكامله، عائداً إلى السوق الشعبى.
أحس الآن أن روحى تحفر لنفسها نفقاً فى صدرى، تتخذه سكةً لتأمين خروجها، بينما استحال بقية جسدى إلى كتلةٍ من اللحم البارد، الذى لاحياة فيه. ولايزال عقلى يعمل بكامل طاقته، يسترجع شريط حياتى، كلها، بينما يعتصر الألم عينىَّ، وقد بدأ السواد فى بؤبؤيهما يضيق قليلا قليلا، مفسحا المزيد من المساحة، لبياضهما، فيتمدد، وقد امتلأتا بدمع غزير.
يمكننى القول بأن واجباتى فى أشغال الموت، قد سارت بهدوء، دون أية متاعب. ولم أجد كبير عناء فى إستكمال ماهو موكولٌ إلىَّ من مهام جِسام، إلا حين كنت أقضى مهمتى مع خير السيد حاج المكى، أو الخير بلنجة، كما كانوا ينادونه. كان الخير فى بادئ حياته، جنديا فى الهجانة. وقيل أنه سكر يوماً فسقط من فوق الجمل، وأصيب بتلف فى عينه اليسرى، وصار أحوصاً، إذا نظر إليك، حسبته ينظر فى مكان آخر. وقد تعبت تعباً شديدا فى تركيز عينىَّ على عينيه، حيث كان نظرى يزوغ مع زوغان عينيه، وكان كلّما ركّزت بصرى عليه، أحس بأن تصويبى قد طاش. والرجل كان شرساً جداً. كثير الشجار.
وقفت أنظر إليه، وهو يأكل طعاماً، فى ماعون كبير، أمام دكان الزين العجلاتى، عند مدخل السوق الكبير، من جهة الشمال. فرفع رأسه ونظر نحوى، ثم هبَّ فجأة، وتقدم ناحيتى وهو يسبّنى، بنعوت كثيرة،كلها مما يُدخل فى أبواب الشرك بالله. وكنت، طيلة الوقت، أحاول أن أجد بصره لأركِّزعليه بصرى، بلا جدوى. وهو لايزال يتقدم نحوى بخطوات واسعات، فقررت تركيز بصرى فوق عين واحدة فقط. وقد نجح مسعاى، ولم يكن يفصل بيننا سوى أقل من خطوة واحدة، فرأيته قد هدأ دفعة واحدة، ثم توقف تماماً عن الحركة، وراح ينظر فى مكان ما، وإن كنت متأكداً للغاية. من أنه كان ينظر الىَّ. تركته فى ذاك المكان ومشيت.
مساء نفس اليوم، سمعت أنه اصيب بجرح كبير فى رأسه، إثر مشاجرة فى بار افتيمونز، نقل بعدها إلى المستشفى، حيث جاء خبر وفاته، قبل منتصف الليل.
أنظر الآن، فلا أجد للسواد مكان فى عينىَّ، وقد أصبح تنفّسى بطيئاً، وقد بلغت الروح بوابة الخروج الأبدى. يتشوش الصفاء فى عقلى، ويحل مكانه غمام أسود اللون، يتكثف بغزارة.
هى النهاية إذن .ِ
vBulletin® v3.8.8 Beta 2, Copyright ©2000-2026