مشاهدة النسخة كاملة : أوراق من الواحة (تجربة صحفي في بيوت الأشباح)
احمد ابوزيد
23-06-2014, 03:56 PM
تجربة صحفي في بيوت الأشباح
أوراق من الواحة (1)
الورقة الأولى . . حفلة الإستقبال
الشتائم ، استفسارات التهكم ، قطع الخرطوش الأسود السميك كانت تنهال علي الرأس والظهر والأرجل والأيدي المرفوعة علي الجدار الذي لا اراه ، لأن العيون مغمضة ومعصوبة بقطعة سوداء لها رائحة كريهة، بينما انصرف تفكيري في الذي يريده مني هؤلاء القوم : هل بيني وبين احدهم ثأر ما ؟: انهم لا يعرفون حتى من اكون لأنهم كانوا يسألونني عن إسمي وإنتمائي فلا اجيبهم: فتعود لي الزاكره الى معتقلات جهاز أمن الدولة في عهد الرئيس الأسبق نميري لتنعقد المقارنة داخل الظلام الداكن الذي تخلقه حالة إغماض العينين.
(هذه كلمات بسيطة من كتاب رأيت ان لابد من إعادة نشره فهذا زمنه بالضبط فهناك في بيوتهم رفقاء لا نعرف عنهم شيئا ولكن المؤكد انهم يوجهون نفس مصير كاتب القصة الأستاذ محمد سيد احمد عتيق ، فلهم الحرية ان شاءالله).
سنواصل في نشر الكتاب اذا كانت هنالك رغبة واذا لم تكن سننشر في مكان آخر. مع احترامي لآراء الجميع.
فائق تقديري
احمد ابوزيد
28-06-2014, 04:20 PM
وبما إنو مافي زول هببا لي ح انشر الكتاب لكن بي نفس مقفووله هذا ليقيني بتأثير محتوياته ولنبين مدى ما يواجهه الزملاء الشباب في زنازين النظام فالتحية لهم ، ورمضان الخير الذي ينتظرهم في الداخل هم اهله واقوى من ان يهزهم ومنهم من آثر الصيام منذ عشرة ايام إضرابا عن الطعام وهم معتقلو حزب المؤتمر السوداني لهم الله ومعهم.
عكــود
28-06-2014, 04:49 PM
سلام يا أحمد،
أرجو أن تواصل النشر بنفس مفتوحة تماماً، فما يحدث هناك قد يكون مجهولاً لمعظمنا، لذا يجب تسليط الضوء عليه.
تأكد بأنه دائماً هناك من يقرأ/سيقرأ.
مع تحياتي ورمضان كريم.
احمد ابوزيد
28-06-2014, 05:25 PM
سلام يا أحمد،
أرجو أن تواصل النشر بنفس مفتوحة تماماً، فما يحدث هناك قد يكون مجهولاً لمعظمنا، لذا يجب تسليط الضوء عليه.
تأكد بأنه دائماً هناك من يقرأ/سيقرأ.
مع تحياتي ورمضان كريم.
.........
اشكرك لك اخ عكود انيق مرورك الذي اسعدني كثيرآ ولك كل الحب والتقدير . كل الرضى وسأكتب ..
احمد ابوزيد
28-06-2014, 05:57 PM
نواصل ..
ورغم كل شئ كان التعزيب في الغالب يتم في حالة الإعتقالات التي تترافق مع احداث كبيرة ومن اجل الضغط علي المعتقل واستنطاقه وانتزاع معلومات منه ، وليس كالإعتقالات العادية. صحيح لا احد يقر شيئآ من ذلك ولكنها هي بالضبط مأساتنا في السودان، ان يكون امسنا دائما خير من يومنا ، وان يكون الدكتاتور السابق احسن حالآ من الآخر. وان تنعقد مقارناتنا وتنحسر خياراتنا بين السيئ والأسوأ في طول تاريخنا الوطني المعاصر وعرضه. كان معنا في تلك المعتقلات ، معتقلات نميري ، بعض الذين عاصروا معتقلات الفريق إبراهيم عبود (1958 - 1964) وكانوا دائما يتزكرون عبود ويترحمون عليه وعلي معتقلاته قياسا بما كنا فيه ، ونحن بدورنا كنا نعتقد اننا نعاصر اسوأ عهد مر ويمر علي السودان مطلقا. ولم يكن يخطر علي بالنا ان هنالك عهدا سيكون الأسوأ والأكثر فجورا ووهما ينتظرنا في رحم الغيب في مستقبل قريب أو بعيد ، وقد جاء اقرب مما كان سيتجاسر عليه اكثرنا جموحا في خياله او اكثر دقه في ذهنه التحليلي. هكذا كان الخيال وكانت الذاكره ، وسيل السياط والشتائم لا ينقطع، يتعب القائمون به ليقوم عنهم آخرون، كنت اشعر بذلك بتغير الأصوات ووقع الأقدام المبتعده والمقتربه، واذكر عبارة كانوا يرددونها لبعضهم البعض، وفيما بعد، ان اصبحت العيون حرة ترى ما يجري امامها ، إكتشفت انها عباره يقولها الفرد لزميله الذي يمارس الضرب والتعزيب من باب الإستحسان والتشجيع وهي "شغل نضيف" شغلك نضيف يا فلان، (نضيف = نظيف) اي جيد. ويبدوا انها عباره شائعة وسط العسكريين في مراكز التدريب. انها حالة يعجز خيال الذي تروى له ان يسعها، ولا الذي تمر عليه ان يصدقها بسهوله. بشر ، مسلحون يلتفون حول شخص اعزل لا يعرفون من هو ولا ما هي جريمته او أفكاره .. يوسعونه ضربا وشتائم، وآخر يمر بجواره مشجعآ ومستحسنآ !!!
......................................
يتبع
احمد ابوزيد
28-06-2014, 06:27 PM
"شغلكم نضيف" هذه هي وظيفتهم أو خدمتهم كما نقول، ولا ادري اي ارحام أمهات سودانيات كريمات ناءت بحمل مثل هؤلاء القوم الذين يتكسبون من مثل تلك الخدمة؟ وأي صدور سخية هي التي أرضعتهم مثل هذه العقد الغريبة والإنحرافات النفسية المدهشة.؟
استمرت تلك الحالة من حوالي الثالثة والنصف ظهرا حتى السادسة مساءا حيث توقفوا عن عملهم وشعرت بهم يبتعدون. وبعد اقل من دقيقة سمعت اصواتا تقترب واحدهم يقول لزملائه: الجماعة ديل ما صلوا المغرب، فكوهم يصلوا ... كانت محاولة منهم لإيهامنا بأن الذين سيرفعون العصاب عن عيوننا ونصلي معهم المغرب هم جماعة أخرى غير جماعة الضرب معتمدين في ذلك علي اننا سنكون في حالة توتر ورهبة، بحيث لا نستطيع التمييز فيما يجري حولنا .. بالفعل تم تحريرنا انا وزميلي ولم تخدعنا مسرحيتهم. فقد كنا في درجة من الهدؤ والصفاء اتاحت لنا تمييزهم ومعرفة اصواتهم، صلينا معهم والمكان شبه مظلم، وكانت المفارقة التي لم اتمكن من كتم الضحك إزائها وكانت سببا في جرعات إضافية، انهم وبمجرد الإنتهاء من الصلاة امرونا بالوقوف مرة أخرى علي الحائط مغمضين عيوننا (اقيفوا علي الحيطة، ارفعوا اياديكم وغمضوا عيونكم، صدر هذا الصوت من امام الجماعة الذي صلى بنا المغرب "مصطفى دكين" فضحكت ضحكة مسموعة اثارتهم للغاية. ووقفنا واستمر برنامجهم معنا وبجرعات إضافية كما ذكرت عقابا علي الضحكة المنفلته حتى الساعة الثامنة ليلا عندما جاءهم امر عاجل يطلب منهم إحضاري.. توقفت عربة بجوارنا وصاح احدهم من منكم فلان الفلاني) فأجبته فانهالت علي ضربات عاجله قبل اقتيادي، فعقوبة الضحك لم تكن قد اكتملت بعد وذهبوا الى مبنى آخر. نزلت من العربة بأمرهم ورفعوا العصاب من عيوني.
احمد ابوزيد
28-06-2014, 07:35 PM
كان واضحا بالنسبة لي انني في فضاء احد المنازل الحكومية التي بناها واستعملها البريطانيون في عهد استعمارهم للسودان في منطقة الخرطوم شرق، ودرجت مختلف حكومات ما بعد الإستقلال الوطني علي استعمالها كمساكن لكبار المسؤولين في الجهاذ التنفيذي والقضائي الى ان تغير الحال في هذا العهد الى حد كبير. اقتادوني الى غرفة بها سرير وبعض الكراسي وجهاذ تلفزيون ، نهض الضابط الذي كان مستلقيا علي السرير واستقبلني ببرود واستغراب، وجلست علي احد الكراسي مع شخصين آخرين. مرت فترة صمت وجيزه خرج بعدها الضابط من الغرفة وبسرعة سألت الشابين عن سبب وجودهما، وعرفت منهما ان طالبا من اتحاد طلاب جامعة الخرطوم قد اعتقل منذ ايام ولا احد يعرف مكانه ومصيره، وان احدهم زميلا له في الجامعة والآخر شقيق له، وانهما ذهبا الى رئاسة جهاز الأمن بحثآ عنه فأحضروهما الى هذا المكان منذ قرابة ساعة دون ان يجيب عليهم احد. ولا حتى الضابط الذي كان يستلقي في السرير بجوارهما.
وقبل الإسترسال معهم جاء افراد القوة التي تقودني مذعورين والذين قادوني الى هذا المكان بسبب خطأ في التعليمات ، وكان احتجاجهم ينصب علي المسؤلين !! المهم عادوا بي الى المكان الأول حيث وجدوا التصحيح قبل ان يبدءوا برنامجهم معي مرة اخرى، فعادوا بي مرة اخرى الى السيارة ثم وجدت نفسي في فناء دار رئاسة الأمن وجها لوجه امام القوة التي اعتقلتني وفتشت منزلي ومنزل زميلي الذي كان معي، وبنفس الرشاشات والسيارات القديمة التي كانوا يستعملونها للتمويه. اشاروا لي بالصعود لأحدى السيارتين ولكن بصورة عادية و دون إجراءات تعصيب العيون او الإنكفاء وصعد معي في المقعد الخلفي اثنان وواحد في المقعد الأمامي والسائق رابعهم وطلب الضابط الذي يقودهم من السائق ان يذهب الى الموقع .. 50 .. فتحركوا وبقية القوة مع ضابطهم من خلفنا في سيارة اخرى اجتازوا منطقة القيادة العامة للقوات المسلحة جنوبا وحي المطار الى جهة الخرطوم 2. ثم يسارا بشارع افريقيا (طريق المطار) ذهبت بي الظنون مذاهب شتى في تفسير معنى الموقع 50 فكان واضحا لي انه اسم حركي لمكان لا يريدونني ان اعرفه مسبقا. شعرت برغبة شديدة لرؤية ابنتي. وقبل ان تستغرقني الرغبة والظنون انتبهت الى انهم يقصدون منزل اهل زوجتي وذلك عندما دلفوا يمينا الى شارع منزلهم في منطقة العمارات. إذن بالتأكيد سأرى إبنتي، فاليزهبوا بي بعد ذلك لموقع الألف.
.................... ...
يتبع
احمد ابوزيد
28-06-2014, 08:08 PM
ملحوظة :
(قبل ان اكمل هذا السرد انوه الى انني سأضطر الى حذف بعض النقاط الطويله ليس لعدم موضوعيتها وإنما لبعدها قليلا عن العنون الذي نحن بصدده) ودمتم
احمد ابوزيد
28-06-2014, 09:48 PM
نواصل ..
وبالفعل توقفوا عند الركن الغربي للمنزل متوارين خلف الأشجار الضحمة القائمة امامه، والمخيلة المجنونة لا تتوقف عن النشاط، بل تزداد إشتعالا في هذا الظرف الحرج. لماذا هذا التواري والحذر والتردد الظاهر في وجوههم وحركتهم؟ طلبوا مني ان اتقدمهم في الدخول ، وعندما ادرت وجهي في إتجاه الباب. كمن يرى هذا المدخل لأول مرة، لاحظت وجود علم اسود وكتابات بالطباشير والفحم في الجداران تقول : منزل الشهيد عصمت ميرغني، عاشت ذكرى حركة رمضان.. الخ فقفذ الى ذهني ثم ناظري مشهد تلك الأمسية التي عاد فيها عصمت من "ناميبيا" عاد العقيد أ.ح. عصمت ليكون جزء من تلك المذبحة التي طالته مع كوكبة من زملائه خلال شهر رمضان المعظم المحرم وعلي مشارف عيده السعيد، لقد تمثل قدره ذلك مع الفريق عمر البشير، الذي ذهب الى نامبيا لحضور إعلان إستقلالها ضمن عدد من رؤساء الدول وهناك التقى بالعقيد عصمت ، زميله الذي عمل معه في سلاح المظلات طويلا والح عليه ان يعود معه في الطائرة الرئاسية. فاستجاب له - وهو الكريم النجيب - ترك كل شئ حتى جواز سفره وامتعته ليعود مع الزميل القدر.
وانا اجتاز الباب الخارجي وعلي الرغم مما كنت فيه. انتابتني مشاعر من الإشفاق علي هذه الأسرة الطيبة من كلومها القراح الناتجة عن توالي النكبات عليها في هذا العهد. فالإبن الأكبر ، العميد عصام ميرغني الذي كان يعمل في مكتب القائد العام عشية الإنقلاب المشهود له كواحد من الضباط المتميزيين بالشجاعة والكفاءة ، والذي خطط ونفذ عملية جبل بوما في جنوب السودان ونجح في تحرير الرهائن الغربيين عام 1982، توجهه صبيحة الجمعة 1989/6/30 عندما سمع بنبأ الإنقلاب الى مقر القيادة العامة محتجآ، فتم اعتقاله فورا مع القائد العام وطاقم مكتبه واحالته للمعاش الى ان تمكن من الهرب خارج البلاد، حيث تلقى بعد اسابيع قليلة نبأ إعدام شقيقه عصمت مع زملاء واصدقاء اعزاء لديه، ولم يزد في اتصال هاتفي مع اهله علي القول : ان عصمت عسكري، ومنذ ان ترك مقاعد الدراسة الجامعية ليلتحق بالقوات المسلحة كان يعلم ان هذا مصير محتمل بصورة من الصور في اي لحظة، معتصرا ذلك الوجع الهائل في دواخله.. ثم نكبتهم بعد ذلك في عصمت نفسه في ابريل 1990. والآن جاء دورهم مع نكبة جديدة وإن كانت أخف حالا. فبعد ان تم تشريدي من العمل وحظري قرروا شيئا آخر لا احد يعلم نتيجته النهائية.
....................................
يتبع
احمد ابوزيد
28-06-2014, 10:11 PM
(2)
استراحة حفل الإستقبال
في الفناء الامامي للمنزل يوجد ممر طويل بين الباب الخارجي والداخلي، هناك انتبهت من خيالاتي علي صوت طفلتي وهي تصرخ وتجري نحوي باندفاع محموم، اذن لا بد من خلال تداول الكبار لخبر اعتقالي قد شعرت بوجود ابيها في خطر ما. فكانت ترقب الباب الخارجي من وقت لآخر ، ولكنها بحكم انها لم تفهم معنى الاعتقال والحديث الذي يدور ، كانت تكبت مشاعرها ، فجاءت صرخاتها وتعبيرات وجهها خليطا من الذعر والفرح ، والسرور والغضب، فحملتها الى صدري المتسخ وقلت لها بحماس لم يجعلني انتبه الى انها لن تفهمني : "سأشرفك حيا وميتا" ، وكان منهم من خلفي من سمع العبارة وقام بتبليغها للجلادين في بيت الأشباح ، بالتالي كانت سببا لفواصل خاصة من الإستفسارات التهكمية عن معنى العبارة وماذا اقصد بها ؟ وسياطهم تزداد ضراوة اثناء مواصلتهم لحفل إستقبالي لاحقا في نفس الليلة.
ودخلوا ورائي إلى المنزل ومعهم ضابطهم وأسلحتهم ، ومثلوا مظهرا من التهزيب والهدوء لم يكن من طبعهم الذي رأيت طوال ذلك اليوم، ولم استغرب لذلك. إذ يبدو انهم علي علم بأن هذه الأسرة مصادمة وأن مآسيها في هذا العهد زادتهم شراسة ضده. ويعلمون ان هذا البيت هو من المراكز الرئيسية لحركة اسر شهداء 23 ابريل / 28 رمضان، بل انه مركز انطلاقها وهي من اكثر الحركات المعارضة إزعاجا للنظام وجهاز أمنه. ومع ذلك لم يسلموا من اللعنات المناسبة للمقام بعد ان استكملوا تفتيش المنزل والشقق واتجهوا للخارج ولحق بهم ايضا الحاج ميرغني من متجره عند الباب فهرولوا ممسكين بي الي سيارتهم وصاح فيهم الضابط امرا : الى الموقع 20.
.................
يتبع
احمد ابوزيد
29-06-2014, 02:40 PM
اعتقدت انهم يقصدون منزل اهلي هذه المره ، الا انهم اتجهوا الى منزلي الذي لم يخطر ببالي لأنهم فتشوه لحظة إعتقالي وتركوا عددا من افرادهم المسلحين بداخله. وصلنا منزلي وكان التيار الكهربائي مقطوعا فادخلو سياراتهم ليبحثوا بها فلم يسعفهم ذلك وبحثو عن شموع ولم يجدوا وفي اثناء تخبطهم هذا اسعفهم عودة التيار الكهربائي فواصلوا بحثهم دون ان يجدوا شيئا جديدا. اثناء ذلك تنحى بي الضابط جانبا ليمثل مظهر البرئ عما يحدث ومظهر ذي الهمة الذي يود مساعدتي، وسألني : بماذا يمكن ان اساعدك؟" فقلت له لا احتاج الى مساعده، فالأموز واضحة امامي، ولكنني اطالب اذا كنتم مصرين علي البقاء في المنزل ان نقوم بجرد محتوياته ...الخ
رفض الضابط كل ذلك طبعا وقالي لي ان هذا شئ بسيط ولا يحتاج !
وكانوا قد استلموا سيارتي ومبالغ مالية اخزوها من جيوبي ومنزلي فطلبت اعادتها ايضا لأن كل ذلك لا صلة له بإعتقالي الشخصي، بالإضافة الى انني اطالب بإيقاف ذلك الضرب والتعذيب الذي تعرضت له .. وهنا قاطعني احد الجنود - عندما سمع حديث التعذيب - صائحا بعصبية "نحن لا نعذب الناس، نحن ....الخ" فسألته هل كانت حالتي هكذا عند اعتقالي ؟
فبهت الضابط قبل جنوده وانتبه للخطأ الذي ارتكبوه بإقتيادي هكذا كإعلان قارخ لكل من يراني لما حدث لي.
احمد ابوزيد
29-06-2014, 10:40 PM
وعدنا الى رئاسة جهاز الأمن ، وبنفس اجراءات تعصيب العيون والإنكفاء علي المقعد الخلفي للسيارة الكريسيدا التي يقودها دائما من جنود الأمن : ابوزيد/ علي الفاتح.
عادوا بي الى بيت الأشباح وبنفس الطريقة : انزل، ارفع يديك علي الجدار ، وسيل من الشتائم والسياط يتداولونها علي جسدي ومسامعي. توقفوا بعد حوالي اربعين دقيقة بالتدريج وابتعدوا عني، وبعد دقائق قليلة جاء من رفع من عيوني العصاب وامرني بالدخول مشيرا الي باب يفضي الى حوش آخر غير الذي انا فيه ، وقبل ان اجتاز الباب متجها الى الجنوب للحوش الآخر التفت يمينا لأجد زميلي وقد اغرقوه من رأسه في ماء حوض مهجور من الأسمنت تجمعت فيه مياه آسنه خضراء ، ابتسمت في اتجاهه ابتسامة من هو احسن حالا من صديقه (علي الأقل في تلك اللحظة).
اجتزت الباب نحو القسم الآخر (يسمونه الشرقي) وبه الزنازين التي سنصفها فيما بعد ، سمعت من جهة اليمين من يناديني لتناول العشاء معه (يا زول تعال اتعشى) ! رأيت (ابوزيد) جالسا علي الأرض وأمامه صحن فول (فتة فول) وهو الذي كان يقود الكريسيدا البيضاء التي تعمل بين رئاسة الأمن وبيوت الأشباح، وهو من اغلظ عناصر الأمن في التعامل والتعذيب داخل البيت .. رفضت دعوته .. وهل يمكن لأحد، مهما كان جوعه وعدم تناوله طعام طوال يوم كامل ان يأكل في مثل ذلك الوضع وتلك الحالة ، ومع جلاديه؟ ! .. ولم يزد "القمندان" ابوزيد علي قوله : "في ستين داهية، عنك ما تآكل ودوه في 11." آمرا الذي كان يقودني ان يدخلني الزنزانه 11. دخلت وغزفوا خلفي صحنا صغيرا في حجم راحة اليد به فول داكن اللون وواضح انه ردئ النوع والطبخ ومعه قطعة خبز بائس .. تركتهما جانبا وارتميت علي الأرض منهكا ومكدود الجسد.
في الصباح الباكر اكتشفت حجم البؤس وشبه المجاعة ورداءة التغذية التي يعيش فيها المعتقلون ببيوت الأشباح ، عندما رأيت زملائي في الزنزانة وقد اقتسموا تلك القطعة مع الشاي الأسود الذي يوزعونه صباحا.
احمد ابوزيد
29-06-2014, 11:01 PM
باستثناء الزنزانتين 17 و18، تعتبر الزنزانة 11 من الزنازين الكبيرة، مساحتها تقريبا 220*150سم مربع، وجدت فيها النور ابراهيم الدود 54 عاما رقيب اول بالقوات المسلحة، ويعمل حاليا في بنك الخرطوم، يسكن جبره تم اعتقاله في 1992 ضمن عدد من ابناء النوبة المتهمين فيما يسمونه دائما بالمؤامرة العنصرية. وعوض عباس 38 سنه، ترك الدراسة بجامعات ليبيا وعاد ليعمل بالزراعة مع احد اقربائه، شاب مرح له اهتمام واسع بالتصوف والقرآن والجان، تم اعتقاله بدلا من خاله الذي تبحث عنه السلطات ووالده يتعرض لتفتيش دوري من جهة الأمن وذلك في منزلهم بالكلاكلة. وخالد الحاج الحسن 34سنه موظف بشركة بيطار ، متعدد المهارات ، جميل الروح والاهتمامات ، اعتقلوه يوم ميلاد ابنه بالصحافة. ابوبكر عبد المجيد الطيب 32 سنه له قرابة بالسيد الصادق المهدي ، ويعمل معه بعد الظهر في سكرتاريته الخاصة ويستقبل ضيوفه ويرافقه في زياراته. ثم اثنين المصريين المقيميين بالخرطوم، اعتقلتهم السلطات بتهمة التعامل مع المخابرات المصرية ضمن عدد من المصريين المستقرين بالسودان منذ ستين طويله ومنهم المتزوجين بنساء سودانيات، احدهما اسمه علي حسن والثاني لا ازكر اسمه جيدا. ثم شاب تونسي اسمه طارق، من اعضاء حركة النهضة الإسلامية في تونس. كان احد المصريين يغط في النوم ، حييت الآخرين ، وافسحو لي وساعدوني في الجلوس، النور ابراهيم كان مستلقيا وبعد جلوسي مباشرة ادار وجهه نحو الحائط لينام، بدأ بيني وبين الآخرين تبادل في الأسئلة مع اجابات مقتضبة، اذ دائما ما يتحفظ المعتقلون مع القادم الجديد لحين معرفته، وهو نفس الشئ .. كانوا يتحدثون همسا ويشيرون علي ان اتحدث مثلهم بصوت متخفض فالرقابة والاصطنات دائمين علي مدار ال 24 ساعة .. بعد اقل من نصف ساعة جاء من يناديني ويأمرني بالوقوف رافعا اليدين الى اعلى : "عندك نفس تقعد يا طابور؟"!.
احمد ابوزيد
29-06-2014, 11:07 PM
سيستمر هذا المسلسل لبضعة ايام أحرى سنأتي لذكرها لاحقا، ولكن الليلة الأولى دائما لها طعم مختلف (اذا جاز التعبير) وهي تنحت احداثها - وخيالات المرء خلالها - عميقا في الذاكرة.
اذن ظللت واقفا طيلة الليلة وحتى اذان الصبح ، ولكنني احيانا بعد ان اتأكد من ابتعاد الرقابة ، كنت اقوم بإنزال اليدين طلبا لبعض الراحة. وفي كل الأحوال انشغلت بإسترجاع الفترة من 1989/6/30 وحتى احداث ذلك اليوم الخميس 1992/5/7.
احمد ابوزيد
29-06-2014, 11:34 PM
(3)
محطات في طريق الإعتقال
عندما نهض السودانيون صباح الجمعة 1989/6/30 من النوم علي صوت المارشات العسكرية من اذاعة امدرمان، يتخللها الإعلان عن بيان القيادة العامة للقوات المسلحة ، عن بيان سيذيعة العميد/ عمر حسن احمد البشير "فترقبوه" وهي الإشارة التقليدية لوقوع انقلاب عسكري، كان واضحا للكثيرين انه الانقلاب العسكري الذي كانت علاماته واضحة في الحياة السياسية السودانية في الك الفترة، بل ان البعض اصبحوا موقنين ان حزب الجبهة قد نجح في مخططه/مخرجه "المؤقت" واستلم السلطة في البلاد بالإنقلاب العسكري. وهنالك فئة من القراء والمتابعين تمتلك ذاكرة قوية، هي الفئة التي اخزت من الساعات الأولى من احد اعداد شهر اكتوبر من عام 1985 من مجلة الدستور اللندنية وهي الصفحة التي تحتوي عادة علي اخبار قصيرة، وكان من بينها في ذلك العدد ان العقيد آنذاك عمر البشير يعمل علي الإعداد لإنقلاب عسكري لمصلحة "الجبهة الإسلامية" وهو الخبر المقصود بذلك الترويج.
بعد وقوع الإنقلاب توقعت ان تكون هنالك اجراءات ضدي ، فالإنقلاب في بياناته وأوامره الصادره في يومه الأول اعلن حل النقابات والأحزاب السياسية والنتظمات الجماهيرية، باستثناء بعض المنظمات التي اسسها ويسيطر عليها حزب الجبهة الاسلامية، وتعطيل الصحف ومصادرة دور وممتلكات الأحزاب والصحف الحزبية، واعتقال زعماء وقيادات الأحزاب منذ الساعات الأولى لفجر ذلك اليوم، بما فيهم الدكتور حسن الترابي، فقد كانوا حريصين بمظهر المستقل عن حزب الجبهة وذلك لحين السيطرة علي الأوضاع، مما فرض عليهم حصر تلك الاجراءات في حدود زعماء الأحزاب بقدر الإمكان .. ومع ذلك كنت اشعر بأنني لن أكون بمنجي في المستقبل القريب، علي الأقل من زاوية ان حزب الجبهة - وبحكم انه كان يعمل طوال فترة العهد الديمقراطي علي تقويض الديمقراطية وتشويهها وتهيئة المناخ الملائم للإنقلاب والإنفراد بالسلطة. ومن جانبي كنت اكتب في نقد فكرة الدولة الدينية وفضح ممارسات الأخوان المسلمين ابان تحالفهم مع نظام نميري واشتراكهم بالمشورة والتنفيذ في اخطر جرائم عهده ضد الشعب والدين والأمة، واشتركت في الحديث في عدد من الندوات الجماهيرية بمناطق مختلفة بالعاصمة ومدن الإقليم الشرقي اثناء التعبئة للإنتخابات العامة داعيا - حسب اتفاق قوى واحزاب الإنتفاضة - لعزلهم ولضرورة تحالف جميع القوى الوطنية في وجه مرشحيهم لدرجة الالتفاف حول مرشح واحد من بينهم في كل دائرة انتخابية يشعرون فيها بإحتمال ان يفوز مرشحهم لأي سبب من الأسباب.
احمد ابوزيد
30-06-2014, 12:31 AM
ومن الناحية المهنية كان الموقف التلقائي لي كصحفي وكمراسل من الخرطوم لأكثر المجلات العربية اهتماما بقضايا السودان السياسية والإجتماعية "مجلة الدستور" والتي لم يصدر قرار حول مكتبها وممتلكاتها في الخرطوم ولا قرار بحظر دخولها في السودان في الشهور الأولى ، ان امارس عملي بصورة عادية وان اتعامل صحفيا مع الانقلاب ورموزه وسياساته من موقع الإلتزام بخيار الشعب في الديمقراطية واتفاقية (الميرغني/ قرنق 1988 ) بشأن السلام والمؤتمر الدستوري والبرنامج الذي ترتب عليها واتفقت عليه جميع الأحزاب والنقابات، والذي قامت علي اساسه آخر حكومة في العهد الديمقراطي "مارس 1989". وبدات بإجراء حوار صحفي مع الاستاذ علي شمو وزير الإعلام آنذاك عن مبررات اشتراكه مع الحكومة العسكرية الدكتاتورية رغم طهره من الفساد ورغم كونه اسما مرموقا كخبير اعلامي ..الخ
ثم حوار آخر مع الفريق/ عمر البشير ، وواجهته فيه بالشواهد الرئيسية التي ارى -ويرى الناس- انها تؤكد ان انقلاب 6/30 الذي قاده من تدبير الجبهة الإسلامية، وذلك بوضوح وتفصيل اثار انفعاله اكثر من مره. واختتمت سلسلة الحوارات مع الناطق الرسمي ، رئيس اللجنة الإعلامية آنذاك العميد/ سليمان محمد ، عضو مجلس الانقلاب ، ركزت فيه علي الإعتقالات وتعذيب المعتقلين والمتزايده وعن مسؤليته (بصفته المسئول الأول للإعلام في النظام) في ضرورة الإفراج عن الصحفيين المعتقلين وعن العزلة الدولية التي بدأت ضد السودان ..الخ
في تلك الفترة درج النظام علي إقامة مؤتمرات للحوار حول مختلف القضايا، وكانت مقرراتها وتوصياتها تعد مسبقا في أروقة حزب الجبهة ويحشد لها الأسماء من مختلف الاتجاهات السياسية والأحزاب وبأغلبية ميكانيكية واضحة من اعضاء حزب الجبهة ويعلنها كعضوية للمؤتمر دون استشارة اصحابها، كديكور لتأكيد مزاعمه بالإستقلالية وعدم الإنحياز لحزب معين ..
ومن ناحية أخرى، دعا الأستاذ علي شمو مراسلي الصحف ووكالات الأنباء الى إجتماع ليتفاكر معهم حول مهامهم والعقبات التي تعترضهم في ادائها، وحضر الإجتماع من الجانب الحكومي (محي الدين تيتاوي) رئيس تحرير الصحيفة الرسمية "الانقاذ الوطني" آنذاك، والتي اصدرها علي انقاض صحيفة الأيام العريقة، بعد نزعها من اصحابها ...
. ...........................
يتبع
عكــود
30-06-2014, 05:01 AM
باستثناء الزنزانتين 17 و18، تعتبر الزنزانة 11 من الزنازين الكبيرة، مساحتها تقريبا 220*150سم مربع، وجدت فيها النور ابراهيم الدود 54 عاما رقيب اول بالقوات المسلحة، ويعمل حاليا في بنك الخرطوم، يسكن جبره تم اعتقاله في 1992 ضمن عدد من ابناء النوبة المتهمين فيما يسمونه دائما بالمؤامرة العنصرية. وعوض عباس 38 سنه، ترك الدراسة بجامعات ليبيا وعاد ليعمل بالزراعة مع احد اقربائه، شاب مرح له اهتمام واسع بالتصوف والقرآن والجان، تم اعتقاله بدلا من خاله الذي تبحث عنه السلطات ووالده يتعرض لتفتيش دوري من جهة الأمن وذلك في منزلهم بالكلاكلة. وخالد الحاج الحسن 34سنه موظف بشركة بيطار ، متعدد المهارات ، جميل الروح والاهتمامات ، اعتقلوه يوم ميلاد ابنه بالصحافة. ابوبكر عبد المجيد الطيب 32 سنه له قرابة بالسيد الصادق المهدي ، ويعمل معه بعد الظهر في سكرتاريته الخاصة ويستقبل ضيوفه ويرافقه في زياراته. ثم اثنين المصريين المقيميين بالخرطوم، اعتقلتهم السلطات بتهمة التعامل مع المخابرات المصرية ضمن عدد من المصريين المستقرين بالسودان منذ ستين طويله ومنهم المتزوجين بنساء سودانيات، احدهما اسمه علي حسن والثاني لا ازكر اسمه جيدا. ثم شاب تونسي اسمه طارق، من اعضاء حركة النهضة الإسلامية في تونس. كان احد المصريين يغط في النوم ، حييت الآخرين ، وافسحو لي وساعدوني في الجلوس، النور ابراهيم كان مستلقيا وبعد جلوسي مباشرة ادار وجهه نحو الحائط لينام، بدأ بيني وبين الآخرين تبادل في الأسئلة مع اجابات مقتضبة، اذ دائما ما يتحفظ المعتقلون مع القادم الجديد لحين معرفته، وهو نفس الشئ .. كانوا يتحدثون همسا ويشيرون علي ان اتحدث مثلهم بصوت متخفض فالرقابة والاصطنات دائمين علي مدار ال 24 ساعة .. بعد اقل من نصف ساعة جاء من يناديني ويأمرني بالوقوف رافعا اليدين الى اعلى : "عندك نفس تقعد يا طابور؟"!.
سلام يا أحمد،
رحم الله الخالد وأحسن إليه، فقد كتب عن بيوت الأشباح كتابة مشابهة، واذكر أنّه كان قد ذكر إسم الأستاذ محمد سيد أحمد عتيق كزميل زنزانة.
كل الشكر على إيرادك هذا التوثيق المهم.
احمد ابوزيد
01-07-2014, 11:29 PM
تحدث تيتاوي في ذلك الاجتماع حديثا معمما مليئا بالإساءة للمراسلين الصحفيين ووصفهم بأنهم عملاء وخونه ومندسون ...الخ. فكان مدخل حديثي قبل التعرض للمشاكل وهوموم المراسلين، الإشارة الى نوع من الصحفيين عديمي الموهبة والقدرة، الذين لم يتعلموا من تجربتهم الطويلة في أحضان نظام مايو وصحافته سوى اطلاق صفات واتهامات من نوع : الخونة ، العملاء ، المندسين، وعبارات أخرى هلامية لا يحددون معناها ولا مضامينها .. مثل عبارات : التأصيل، هويتنا الحضارية - دورنا الرسالي ..الخ. وقد عاد هذا النوع من الصحفيين في ظل الإنقلاب الجديد يمارس نفس الدور وبنفس العبارات، وإنني أطالب الزميل وامام السيد الوزير والزملاء الموجودين أن يحدد الذين يقصدهم وما هي عمالتهم وخياناهم؟.. لم يتحدث تيتاوي بعد ذلك ولكنه عمل علي تحريض السلطات علنا ضدي وآخرين، ممن رفضوا الإشتراك في مؤتمرات الحوار في مقالاته وأخباره ، وذهب في ذلك حد الإدعاء بأننا كنا سنشترك لو لا إن اوامر عليا ( .... ) صدرت ومنعتنا من ذلك !.
احمد ابوزيد
01-07-2014, 11:34 PM
تحيتي عكود ..
الآ رحم الله خالدا بقدر ما قدم. رحمه الله رحمة واسعه وجعل مثواه الجنة.
هؤلاء ضحوا ويستحقون منا اعظم من ذلك، فكان لزامآ علينا ان نوثق لمسيرتهم العطرة المعبقة بالمآسي والتضحيات من اجل انسان هذا الوطن المعطاء. فلهم من كاامل التقدير. وللذين يقبعون الآن داخل اسوار النظام ، ولابد لليل ان ينجلي ولابد للصبح ان يبين. لهم آلآف التحايا والتجله والإحترام.
احمد ابوزيد
01-07-2014, 11:57 PM
نواصل
..........
كذلك من الأحداث التي زادت من شكوكي حول نوايا السلطة ضدي وضد مجلة "الدستور" انهم رفضوا بعد ذلك تجديد بطاقتي الصحفية للعام الجديد كمراسل .. وكان الرفض بالتحديد من جهاز الأمن .. وفي هذل أشير الى ان الصحفي ، الذي يعمل كمراسل لصحيفة أجنبية من الخرطوم، عليه ان يتقدم بطلب لإدارة الإعلام الخارجي بوزارة الإعلام ، وان ينال ذلك الطلب موافقة وزارة الخارجية وجهاز الأمن ، وعليه ان يقوم بتجديد الترخيص سنويا بنفس الخطوات والإجراءات. وعندما زار الفريق البشير ليبيا وأعلن في حديث جماهيري هناك قيام وحدة إندماجية فورية بين البلدين ، كان التعليق الإسبوعي الذي جاء في صدر المجلة بعنوان: " السودان - ليبيا: الجديد في موضوع الوحدة " سببا في حظر المجلة منذ عددها التالي في المطار ومنع دخولها دون اي إخطار رسمي، واستمر المنع اسبوعيا كلما وصل عدد جديد المطار. وبعد ذلك تم إغلاق مكتبها رسميا وحظري عن السفر. فأضطررت بعدها للعمل في مجال تجارة السيارات المستعملة، ساعدني في ذلك وجود سيارات بحوزتي تخص شقيقة لي تعيش بالخارج بالإضافة الى سيارتي الخاصة.. والتحقت بدراسة عليا في جامعة الخرطوم ، بالإضافة الى محاولات لإعداد دراسات كنت أتطلع لإكمالها ومنها : دراسة نقدية للكتاب " تاريخ الحركة الإسلامية في السودان " للدكتور (الترابي) " ، الدولة الدينية كمشروع وكفكرة. وكتاب توثيقي عن حركة 28 رمضان 1990 الجريئة لإستعادة الديمقراطية وشهدائها ونشاطات اسر هؤلاء الشهداء فيما بعد.. الخ. والتي تمت مصادرتها جميعا قبل ان تكتمل ضمن ممتلكاتي وأوراقي عند الإعتقال.
الزوول
02-07-2014, 03:37 AM
وخالد الحاج الحسن 34سنه موظف بشركة بيطار ، متعدد المهارات ، جميل الروح والاهتمامات ، اعتقلوه يوم ميلاد ابنه بالصحافة. .
سلامات يا ابوحميد
متابعين باهتمام
وأرجو أن استأذنك في شيئين
أولهما السماح لي بتتبع الأخطاء الاملائية التي ربما فاتت عليكم بسبب السرعة في الكتابة وإصلاحها
ثانيهما وهو متعلق بالإقتباس أعلاه بخصوص المعتقل خالد الحاج الحسن (مؤسس سودانيات) والأتيان بالمقال المشهور الذي سرد فيه قصة اعتقاله بما يتماشى مع هذا البوست وحتى تكتمل جوانب الموضوع
تحياتي
احمد ابوزيد
02-07-2014, 08:54 PM
سلامات يا ابوحميد
متابعين باهتمام
وأرجو أن استأذنك في شيئين
أولهما السماح لي بتتبع الأخطاء الاملائية التي ربما فاتت عليكم بسبب السرعة في الكتابة وإصلاحها
ثانيهما وهو متعلق بالإقتباس أعلاه بخصوص المعتقل خالد الحاج الحسن (مؤسس سودانيات) والأتيان بالمقال المشهور الذي سرد فيه قصة اعتقاله بما يتماشى مع هذا البوست وحتى تكتمل جوانب الموضوع
تحياتي
.............
تحيتي واحترامي ..
اعتزر اولا عن الأخطاء الإملائية التي صاحبت الكتابة التي ربما تكون من استعمال الجوال او لأي سبب آخر خارج عن ارادتنا.
اما عن قصة إعتقال العزيز خالد الحاج (رحمه الله)، احاول جاهدا الحصول عليها، وسيتم نشرها متى ما حصلنا عليها ان شاءالله.
.........
هذا مع خالص تقديري وامتناني.
عكــود
02-07-2014, 09:26 PM
سلام يا أحمد،
تجربة الخالد (رحمه الله) كان قد قام بنشرها هنا في سودانيات، وهي موجودة ضمن بوستاته.
الزوول يستأذنك في أن يأتي بما كتبه خالد وينزله هنا ليكون إضافة للبوست.
مع تحياتي.
احمد ابوزيد
02-07-2014, 11:00 PM
سلام يا أحمد،
تجربة الخالد (رحمه الله) كان قد قام بنشرها هنا في سودانيات، وهي موجودة ضمن بوستاته.
الزوول يستأذنك في أن يأتي بما كتبه خالد وينزله هنا ليكون إضافة للبوست.
مع تحياتي.
..... .........
العزيز عكود تحيه طيبه ..
وشكرآ جزيلآ للتوضيح، ومافي اي مانع من النشر في البوست وعلي الرحب والسعة. فاليتفضل الأخ (الزول) بالنشر وقتما سنحت له الفرصة.
...........................
مع خالص ودي واحترامي للجميع
ناصر يوسف
02-07-2014, 11:10 PM
الاخ احمد ابو ذيد
تحية واحترام
بدءا دعني ارحب برؤية قلمك مزينا لسودانيات
أتابع بشغف هذا السرد الهام جدا
واصل
احمد ابوزيد
02-07-2014, 11:58 PM
الاخ احمد ابو ذيد
تحية واحترام
بدءا دعني ارحب برؤية قلمك مزينا لسودانيات
أتابع بشغف هذا السرد الهام جدا
واصل
................
العزيز جدا (ناصر يوسف) تحية ود واحترام ،،،،
تشرفني طلتك البهيه، ولطالما تمنيت ذلك. كل التقدير اخوي ناصر.
احمد ابوزيد
03-07-2014, 12:33 AM
نواصل
............
كان يوم اعتقالي (الخميس 1992/5/7) يوما عاديا، إذ كان علي ان اذهب في الصباح الباكر لمحاضرة في العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، ثم الى المنطقة الصناعية بالخرطوم لإستلام سيارة كانت تحت الصيانة، وكان موعد استلامها في ذلك اليوم .. في الجامعة تم تأجيل المحاضرة، فاضطررت للذهاب الى معرض لوحات صديقي التشكيلي طارق مصطفى قبل 3 ساعات من موعد اتفاقي معه ليذهب معي الى المنطقة الصناعية لإستلام السيارة ويقوم بقيادة واحدة وتوصيلها الى منزلي. في طريقي من الجامعة الى المعرض مررت بالمنطقة الصناعية للاطمئنان علي السيارة الثانية وتزويدها بالوقود والزيت ، وأمضيت بعض الوقت في متجر هناك لقطع غيار السيارات يمتلكه بعض اصدقائي من " النوبيين " وتلك من عاداتي، وفي الطريق إليهم، وأمام متجرهم وبالقرب من " ست الشاي " التي تزودهم هم وزوارهم بالشاي والقهوه ( الجبنة )، تكررت رؤيتي في كل تلك المواقع لشابين احدهما " اصفر " كما نقول في السودان لذوي اللون الفاتح، والثاني اسمر بشوارب ، لم أهتم كثيرا لأمرهم إلا انهما كانا بالفعل من فريق الرصد الخاص بي كما سأعلم فيما بعد.
اصطحبت صديقي من معرضه وذهبنا لاستلام السيارة، ولما وجدنا انها تحتاج لساعة أخرى عدنا متوجهين إلى منزله .. وفي الطريق الترابي الضييق المفضي من شارع القصر جنوب الى منزله شرقا قام بتطويقنا حوالي 8 عناصر مسلحين شاهرين رشاشاتهم ، وقفز الضابط القائد للفريق واثنين آخرين الى داخل سيارتي بأسلحتهم والبقية صعدوا الى سيارتين كانتا تقفان جانبا وأمرونا بالتوجه الى مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة محددين لنا الطريق والإتجاهات التي نسير عليها، وابرز لنا الضابط بطاقته دون تمكيننا من قراءتها ذاكرا إنهم من الإستخبارات العسكرية ، وأخذ منا بطاقاتنا الشخصية .. ولكن الأمر كان واضحا بالنسبة لنا. اوقفونا تحت شجرة في الممرات الفاصلة بين القيادة العامة ومباني جهاز الأمن وصعدوا لفترة في مباني الجهاز ثم عادوا وامرونا بالتوجه الى منزلي بالطائف، وهناك تركوا زميلي الفنان داخل العربة تحت حراسة احدهم ودخلوا معي وبدأوا التنقيب والتفتيش في كل شئ (بمعنى كل شئ) حتى محتويات الثلاجة والوسادات والمراتب. وكانوا في حالة هياج شديد اشبه بالحمى والسعر !! خاصة الكتب والدفاتر وقصاصات الورق، تعاملوا معها بعداء شديد، ولم تسلم منهم الأشرطة والصور الفوتوغرافية، وأغلبها صحفية مع رؤساء وأدباء وفنانين، والصور الخاصة بحفل زواجي كلها اخذوها الى سيارتهم معبأة في كراتين كبيرة .. وعندما بدأ الضابط في فتح وقراءة رسائل خاصة بيني وبين زوجتي كانت تحتفظ بها ، قلت له هذه اشياء شخصية وخاصة جدا ، قال لي بتشف وارتياح بالغ ، وبالحرف الواحد: " اهو ده العايزنو نحنا " هذا هو ما نريده بالضبط ! بالإضافة الى مبلغ 20 الف جنيه سوداني، ومن جيبي حوالي 4 الف (كلها حوالي 500 دولار امريكي آنذاك)، وضعها الضابط في جيوبه .. واثناء كل ذلك كان الضابط يحاول الحديث معي في موضوعات لا علاقة لها بما نحن فيه، مستهدفا صرف تركيزي علي ما يجري وعن التدقيق في شخصيته ومعرفته!.. ولا تعليق سوى ان الأذكياء ليسوا هم الذين يعملون في جهاز الأمن.
احمد ابوزيد
03-07-2014, 12:53 AM
ومن هناك الى منزل صديقي ليقوموا بنفس الإجراء بعد ان تركوني في الخارج تحت الحراسة .. ثم اقتادونا الى رئاسة جهاز الأمن لاستكمال اجراء الإعتقال، وسلمونا الى اشخاص آخرين كانوا في انتظارنا ، حيث قالوا لهم : خذوهم إلى " الواحة " وعرفت فيما بعد ان " الواحة " هو الاسم الحركي " الكود " الذي يطلقونه علي المعتقل الخاص بهم والمعروف ببيوت الأشباح !!.. وبطريقتهم المعروفة ربطوا عيوننا بعصابات سوداء وادخلونا في السيارة البيضاء المشهورة في المقعد الخلفي أرضا علي ان نكفئ وجوهنا علي المقعد ومعها ضربات قوية علي الرؤوس ، وكان معنا شخص ثالث التقيناه هناك ولم نراه بعد ذلك ، ثم جولة واسعة لإيهامنا بأنهم أخذونا الى مكان بعيد. توقفت السيارة ، سمعت صوت بوابة كبيرة فتحت بسرعة لتدخل السيارة .. سحبونا سحبا من داخل العربة ارضا ومعهم آخرين كانوا في الانتظار ، وفي وقت واحد كانت الأوامر تصدر منهم جميعا بأن نقف علي الحائط بوجوهنا ليضربوننا في نفس الوقت، بحيث لا يتمكن الشخص من الوقوف !.. هي بدء الإحتفال " حفل الإستقبال " كما يسمونها وقد ذكرنا اهم وقائعها في الحلقة الأولى .. فأين يقع بيت الأشباح الرئيسي " سيد الاسم " الذي نحن فيه وماذا بداخله ؟.
ناصر يوسف
03-07-2014, 02:21 AM
اكتب يا احمد اكتب وافضح هؤلاء الاوباش المأجورين
أكتب واشفي غليلي
وسأكتب يوما ما عن تجربتي البسيطه جدا مع الإعتقال
مرتان
الأ ولي آخر أيام مايو
والثانيه في هذه المرحلة القبيحة جدا مرحلة ما يسمي مجازا بالإنقاذ
أكتب يا احمد أكتب
أكتب وواصل سرد الكتاب
الزوول
03-07-2014, 04:26 AM
خالد الحاج02-08-2006, 05:23 PM
تجربتي مع المعتقل (خالد الحاج) :
الاعتقال :
العام 1992 شهر مايو والخرطوم كعادتها تزدحم بالسابلة يحتمون بظلال النيم ويسيرون علي عجل منهم من يبحث عن وسيلة مواصلات ومنهم من يسارع الخطي مخافة الكشات مرة لتفريغ العاصمة ومرات للتجنيد القسري عدت في ذاك اليوم من مكتب الضرائب بعد أن بذلت فيها جهد ليس بالقليل لإقناع أحد المفتشين أن أدوات معمل مصنع الصابون مستوردة باسم ريمون بيطار وأن هذا الرجل لا توجب عليه زكاة ودخلت مكتبي في عمارة التاكا وما أن جلست علي المكتب حتى جاءني أحدي المراسلات قائلا أن هنالك من يسأل عني فقلت دعه يتفضل جاء شخص ضخم وسلم خير سلام ثم تبعه آخر قلت تفضلوا - ياجماعة تشربوا شنو -والله لو ممكن موية باردة لو سمحت- ثم بادرني- نحن من الأمن العام ويا أخي دايرنك تجي معانا شوية- في شنو يا جماعة إن شاء الله خير-لا مافي حاجة بس شوية أسئلة كدة وبترجع لي شغلك-خير مافي عوجة بس خلوني أسلم الورق ده وأستأذن وأمشي معاكم- لا الورق خليه في مكتبك ده وأرح طوالي مافي داعي تستأذن- وتركت مكتبي وأوراقي ومفتاح الفيسبة وخرجت معهم وعند نزولي أسفل البناية رأيت عربة بوكس بها شخص يجلس في مؤخرتها وبادرني أهلا بالبطل المناضل وأكرموني بالجلوس في السيارة في الأمام وجلس احدهم بجانبي وقال لرفيقه -أرح- واتجه الأخير إلي الخرطوم ثلاثة وعند وصولنا إلي نادي الأسرة سألني- بيتكم وين-فقلت -بيتنا في الصحافة يا جماعة فقال- يا زول أنت ماساكن هنا- ولم ينتظر إجابتي وقال -أرح00مربع كم يازول -مربع خمستاشر -أرح- وصلنا المنزل سلموا أسلحتهم لمن ناداني بالبطل ودخلوا معي الي المنزل وكانت الوالدة عليها الرحمة تجلس تحت ظل النيمة في الحوش فرحبت بنا ودخلنا الصالون وقام أحدهم بالإتجاه نحو المكتبة -دي مكتبتك يازول- لا مكتبتي في الغرفة التانية- ممكن نشوفها-جدا -الوالدة يا ولدي في شنو -مافي حاجة يمة بعدين بوريكي- ودخلوا غرفتي دخول الفاتحيين وبدأ أحدهم يقرأ للأخر عناوين الكتب-مجلات الكرمل اللهجة العامية في السودان طبقات ود ضيف الله النزعات المادية في الإسلام ده جيبو جاي مدن الملح الزول ده مثقف القرآن الكريم الأطفال والعساكر ده برضو جيبو زح ليّّ وقام بأخذ ما مجموعه عشرون كتاب لم يكن بينهم القرآن الكريم -الوالدة تنادي يا ولدي الشاي وتسألني حينما خرجت لأخذه في شنو وديل منو إنت سويت ليك مصيبة ولا شنو مجموعة من الأسئلة لم أكن أملك لها إجابة وخرج هولاكو ورفيقه بما حملاه من غنائم وخرجنا الي الشارع وأحدهم يجيب الوالدة التي لم تعد تستطع صبرا الزول ده بجي بعد شوية ياحاجة مافي مشكلة مجرد أسئلة وبجي راجع ومن جديد تحركت السيارة ولم يقل أرح هذه المرة.
--------------------------------------------------------------------------------
خالد الحاج02-08-2006, 05:24 PM
بيت الأشباح:
وصلنا سادتي الي حي المطار وبالتحديد الي عمارات ضخمة في مواجهة مقابر الكمنولس وتلاصق مباني القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة ودخلت السيارة دونما إستاذان وأدخلوني الي المبني الوسيط ومن ثم الي الطابق الثالث وداخل الصالة قرأت علي لوحة ضخمة معلقة علي الحائط الآية الكريمة (يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق) الي أخر الأية فاطمأنت نفسي ولا أخدعكم فقد كان بي بعض الوجل وجلست في غرفة صغيرة أربعة في أربعة وجاء غيري شباب ونساء ثم دخل علينا محمد شريف علي المسرحي الشهير وبدأ لساني ينطق والونسة إحلوت ومر الوقت وكل من جاء غادر وبقيت كالسيف وحدي وعندما أرخي الليل سدوله جاء أحدهم عابس الوجه قميئه وناداني تعال يازول وسرت خلفه الي غرفة يتوسطها مكتب يجلس عليه شخص عندما قمت بعد ذلك بوصفه للأستاذ الصحفي محمد عتيق قال أنه عاصم كباشي وبدأ الرجل يسألني إسمك منو بتعرف فلان وفلان وفلان وتعددت إجاباتي فمنهم من أعرف و كثيرون لا وفجأ أحس بيد تمسك بي من مؤخرة رأسي -أوعك تتلفت - ثم أعقب ذلك بصفعة علي الأذن ثم أخري وعلي أن لا ألتفت لم أراه وخرج تاركني للأول يواصل أسئلته ثم جاء أخر هذه المرة بلا استحياء وصار الأول يسأل والثاني يشجعني علي الإجابة بالصفعات مرة ومرة بالشلوت ثم أخذني الأخير الي غرفة مليئة بالكتب الي سقفها وهناك كان علي أن أحمل أنبوبة غاز وأقوم بعملية إحماء جلوس ثم قيام ثم جلوس حتي تورمت ساقاي وكان يحفذني بضرابات توالت لساعة ثم صارت ضربات بدون غاز لأني ما عدت أقوي علي حمل الأنبوبة ثم لم أعد احس بشيئ بعد ساعات من الضرب وتركوني أنزف من أنفي وفمي وفي الصباح جاء أحدهم وسلمني لمكتب أخر وقاموا بعصب عيوني وأرقدوني في الكرسي الخلفي لسيارة ملاكي تحركت لمدة ربع ساعة ثم توقفت لينزلوني ودخلت ليربطوا لي يدي بحبل في شجرة نيم وصرت أقف علي أمشاطي من الصباح حتي عصر نفس اليوم وبعد أن حلوا وثاقي أدخلوني الي حوش كبير فيه ساحة مفروشة بالخرصانة تتوسط ثمانية عشرة زنزانة وكان بالحوش مجموعة من الناس عرفت منهم ميرغني عبد الرحمن سلمان /بكري عديل/ العم الحاج مضوي /محمد عتيق/ فوزي/كمال الجزولي المحامي ومجموعة ضخمة تعرفت علي بعضهم بعد ذلك وسيأتي ذكرهم.
--------------------------------------------------------------------------------
خالد الحاج02-08-2006, 05:25 PM
سهر الدجاج ولا نومه :
أخذني الرجل قابضا علي أذني وكأني بهيمة وهذه المرة كان هزيل العود ضامر ونحيف جدا فتخيلت لو كان المكان غير المكان كنت(طبيتو كربون ونشفت ريقو ( لكن ما علينا المهم سادتي توسط بي الحوش وخاطب الجمع بكل وقاحة الليلة جبنا ليكم زول جديد وقام بتوزيع المعتقلين الي مجموعات وأوقفني مع مجموعة كمال الجزولي هنا فقط عرفت تصنيفي وعرفت أنه نسبة لسخونة الجو فقد أنعموا علي المعتقلين بحبة "همبريب" وتركوهم يجلسون في الحوش ثم قام أحدهم بتشغيل شريط تسجيل للمبدعة عائشة الفلاتية وسأل الجمع- العارف الفنان ده يبلغ- وهو تعبير عسكري ولم يرد احد عليه ولما رأيت الرجل مصر يعرف قلت له هذه عائشة الفلاتية (شليق) فقال قوم كمان عارف يلا أدينا أرنب نط ولما كنت جديد كان علي أحدهم أن يشرح لي أسأله الغفران فقد كنت السبب في جعله يقفز علي أمشاطه كحيوان الكنقارو وكانت ساقاه طويلتان وهي مشقة لو تعلمون قاسية خاصة علي طويلي الأرجل وقمت بتلك الحركة اللعينة جيئة وذهابا لمدة خلتها دهرا حتي أرضيت غرور ذاك الهضيم ثم تركني أجلس وجاءوا بالتجاني حسين في تلك الليلة ملطخا بالدماء ورموه في وسط الحوش وأمروه بالوقوف وما كان له الي ذلك سبيلا ولم يوقفهم ذلك من ضربه حتي خلنا ان الرجل قد مات ثم أدخلونا في المغيب الي الزنازين وكانت من نصيبي زنزانة صغيرة بها أربعة أشخاص غيري وهم عوض عباس من مواطني الكلاكلة النور إبراهيم الدور رقيب بالقوات المسلحة وأبو بكر عبد المجيد موظف والصحفي محمد عتيق رئيس تحرير مجلة الدستور السودانية أيام الديموقراطية الثالثة
ولم أنم تلك الليلة ليس للآلام الجسدية فحسب وإنما لأن أحد المعتوهين من عساكر الأمن كان يقوم بتسلية نفسه برجم أبواب الزنازين بالخرصانة وقد إستمر في ذلك الي صباح اليوم الثاني.
--------------------------------------------------------------------------------
خالد الحاج02-08-2006, 05:26 PM
ست العرقي :
في اليوم الثاني سادتي جاء المدعو مصطفي دكين وهو أحد المتخصصين في التعذيب يرافقه زميله أبوزيد وكان الأول يدعونا الي الصلاة وبعد الانتهاء منها يأمرنا بالوقوف في مواجهة الحائط وإغماض أعيوننا بأيدينا وقمت في ذلك اليوم بالوقوف ووجهي علي الحائط لمدة ستة ساعات قام فيها الإخوة بمراقبة الحوش وحينما كان يغيب لمدة قصيرة كنت أجلس لدقائق معدودة الي أن لمحني لعنة الله عليه وعرفت حينها ما يسمي بست العرقي وهي أن تمسك أذنك اليمني بيدك اليسري ثم تدخل يدك اليمني في الدائرة المتكونة من ذلك وتنحني ملامسا الأرض دون أن تجعل ركبتاك ينحنيان ثم تدور حول نفسك وهي حركة تصيب بالغثيان وغالبا ما يضحك العسكري القميء لمنظرك مما يضاعف حجم الهوان لديك وقد قمت بذلك وأعقبه ضرب بخرطوش المياه الأسود والذي يستخدم عادة لتوصيل المياه داخل الأرض الي المنازل ثم شهدنا أناس ماكنت والله أحسب أن الأم السودانية بقادرة علي ان تجود بأمثالهم وضاعة وخسة وعدم احترام لإنسانية الفرد ناهيك عن سنه ومن هؤلاء السفلة المدعو حسن الطاهر / عادل سلطان/الفاتح مصطفي/وليد حسن عبد القادر/عبد الله طوكر/حسن مقبول/جهاد/يوسف وقد تواصلت الابداعات نأكل وجبة واحدة في اليوم مكونة من فول سيئ بدون ملح وزيت وخبز متيبس وأحيانا ينعموا علينا بشاي في برطمانات مربة ونحلي في الغالب بجلدة ساخنة ويعتبر الحمام من المستحيلات و إن حدث فهو إعلانا بخروجك من المعتقل.
--------------------------------------------------------------------------------
خالد الحاج02-08-2006, 05:27 PM
هاشم بدر الدين:
نخرج اليوم أحبتي من جو المعتقل الحار جدا إلي خارجه لتكتمل الصورة وأبدأ من شركة بيطار حيث قامت إيفون فلتاؤس رئيستي المباشرة بالسؤال عن الحاصل بعد خروجي وقد توجست خيفة كما قالت لي فيما بعد ولما لم يسعفها أحد بإجابة شافية قامت بإبلاغ الخواجة ريمون بيطار الذي رأي الإنتظار عملا بنصيحة السيد بوب المحامي ومحامي الشركة ومر اليوم دونما جديد سوي أن مجموعة الزملاء قاموا بالإتصال بالمنزل وكانت الوالدة تتوقع حضوري حسب وعد هولاكو لها ولما تأخرت تحول المنزل الي مناحة وتجمع الشايقية من الدروشاب والكلاكلات والحاج يوسف وما بينها وهاك يا شاي00 في المعتقل كان اليوم الثالث وبغير العادة هادئ جدا وساعات النهار في شهر مايو طويلة طويلة وبدأت أشم رائحة جسدي تتعفن ولما سألت عن إمكانية حمام ضحك الحضور بالزنزانة وكان الموضوع باعث للتندر يا زول إنت قايل ده الهيلتون والله أنا لي شهر ما إستحميت قالها النور أبراهيم وكنت لا أحتاج لقسمه بالله لأصدقه فرائحته دليل مادي لا يقبل الطعن ومرت ساعات النهار بلا نهاية وحلا المساء ولم يتغير الموضوع ما زال الهدوء العجيب وأخيرا زال عجبنا في صلاة المغرب حينما همس أحد القادمين الجدد بأن الترابي تعرض لمحاولة إغتيال في كندا وكنت أتخيل أن الحكاية رصاص حتى جاء الخبر الأكيد عندما جاء الي زنزانتنا في اليوم التالي سائق سيارة السيد الصادق المهدي ضيفا عزيز علينا وهنا حكاية طريفة فقد كان جرم الرجل عظيم تصوروا أنه كان يقوم بتوصيل سيد الصادق الي منزل للعزاء وعلي لسانه أروي القصة -يا زول مالك جابوك في شنو؟
- السؤال التقليدي-
- والله كنا ماشين بيت عزا وعربة الأمن كانت ورانا قام نزل ليهم لستك فوقفوا ونحن واصلنا مشوارنا وبعد ما رجعنا البيت لقيناهم منتظرننا فجابوني هنا وهاك يا ضرب.
وكان وجه الرجل عجيب من أثار الضرب وقام الرجل مشكور بتوضيح القصة لنا أن هاشم بدر الدين قام بجلد الرجل وأسع هو كده كده- ولم يفرح لذاك الحدث أحد علي الأقل بزنزانتنا وكانت الحكاية دليل علي مستوي الخصومة التي أوصلنا لها نظام احترف العنف وسيلة لفرض أراءه فإذا بها ترتد إليه في شخص رمزها الشيخ ويا لها من مأساة لم تنتهي فصولها بعد نسأل الله اللطف
جاء الليل سادتي وتواصل الفلم الهندي من ضرب بالخراطيش والدبشك والزحف علي الخرصانة.
--------------------------------------------------------------------------------
خالد الحاج02-08-2006, 05:29 PM
تحقيق:
مضي أسبوعي الأول في المعتقل وأخذت أعتاد الأشياء والوجوه نري بعضنا للحظات عند الخروج للصلاة ويتعرفون عليك في عجالة من أمرهم فالونسة ترف لا يملكه معتقلوا بيت الأشباح وعرفت صفوة من الناس تنحني الشمس خجلا لهاماتهم النبيلة أحمد حمدان/التجاني حسين/عبد المنعم عبد الرحمن/فيصل حسن التجاني/حسن هاشم/محمد وداعة الله/علي أحمد حمدان ناهل/أحمد دهب/نادر عباس/التجاني مصطفي/علي أبوبكر/كمال الجزولي/الحاج مضوي محمد أحمد/نصرحسن بشير نصر/ملازم أمن الجمري/وفوزي أمين/تيراب تندل أدم/بكري عديل/سيد أحمد الحسين والكثيرين الذين لم تسعفني الذاكرة بأسمائهم -كان ذهاب التوليت مشكلة فهم لا يمهلونك حتي تقضي أمرك ويضربون علي الباب وإن تأخرت تحول الضرب إليك مما أصابني بإمساك ومقاص في الإمعاء عانيت منهم الأمريين وبعد مرور الأسبوع صارت الرائحة لا تطاق وكلما منيت نفسي بالتعود تقول لي هيهات وطبعا لا يوجد ما يسمي مسواك حتى صار من المألوف أن تخاطب رفقاء الزنزانة وأنت تولي وجهك نحو الجهة المعاكسة وأصبحت الزنزانة تحمل رائحة مشرحة الخرطوم العتيقة وصار الكرش (حك فروة الرأس والجلد) عاديا جدا لا يثير إنتباها ونادوني صباح يوم غير بهي إلي غرفة قصية وبدأ ما يمكنني تسميته تحقيق لأول مرة -إنت البوديك تلاتة شنو -والله ياخي تلاتة دي أنا متربي فيها وأصدقائي اغلبهم هناك عشان كدة بمشي بعدين ممكن أعرف أنا عملت شنو - إنتا تقفل خالص ونحن هنا البنسأل بس يعني تجاوب وإنت ساكت(كيف دي لم أسأله رغم إنها جديدة) وقلت في نفسي كلام عساكر -بتعرف فلان ماتقول لي ما بتعرفو عشان حا أكسر ليك راسك الكبير ده وفلان داك بتعرفو من وين والجماعة الفي النادي بتاعين الفرع ديل ما قدرك البقعدك معاهم شنو وبعدين إنت ما عندك أهل مقضي اليوم كلو في تلاتة هنا يدخل من يسمي بي أبي زيد ويلطمني دونما توقع مني حتي قفذ الدمع من عيني : الشيوعي الكافر ده ما داير يقول الحقيقة ! قول النصيحة يا زول
حقيقة شنو يا غضبة الله عليك الزول ده قايلني زينب الحويرص و لا شنو.
وتوالت الأسئلة طيب البوديك جامعة الخرطوم شنو ياخي انا طالب هناك في معهد الدراسات الأفريقية هنا لطمة أخري
: شوف يا زول ماتقول لي ياخي انا صاحبك قول ياكمندان (بضم الكاف والميم) قول ماسامعني؟
-يا كمندان
: أي كده بعدين قلت لي داير تبقي دكتور نحن ناقصين فلسفة ما أهي البلد ملانة دكاترة جابوا لينا شنو بلا المرض والكلام الفارغ.
وطبعا الرجل معذور فهو يقوم بعمل ذو شأن عظيم يحمي الثورة العظيمة من أمثالي شذاذ الأفاق وله أن يقود سيارة جديدة وأن يقبض مرتب بعدة أصفار ولك الله يا دكتور يوسف مدني وأنت تأتي كل صباح لصرحك العظيم مشيا علي الأقدام- المهم سادتي تواصل المسلسل بنفس الوتير بلا كلل منهم أو ملل يذلون من شاءوا ولا رقيب عليهم سوي إيمانهم الراسخ بأنهم إنما يرسون دعائم الدولة الإسلامية ويوجهون الأمة نحو حضارة السلف الصالح0000 وبعد مرور عشرة أيام ماعدت أطيق رائحتي فجاء أحدهم يحمل علبة للتنباك وبعد أن مارس ساديته في التهكم علي من يستفونه وبهبل يدعو للشفقة عليه
- البسف فيكم منو أديهو سفة والله صعوط كارب نمرة واحد كدي يا النور تعال شمو أصلكم إنتو أهلنا ناس الغرب ديل خبرة كارب مش كده لكن والله تشموا قدحة
وقلت أن الرجل عوييل فالأجرب معه عليّ أستطيع للحمام سبيلا يا كمندان يعني لو سمحت ممكن يعني أستحم
: شنو كدي تعال جاي يالله كدي قميصك ده أتنيهو أها إتكسر ولا لا شفته لمن ينكسر ويقول كش أنا بخليك تستحم بعدين إنت جيت متين عشان تستحم يا كمندان تعال أسمع ده بقول شنو مالو الشيوعي ده قال داير يستحم بالللللللللللله يا خي ديل ما ناس تلاتة وتلاتة حلاتة كدي أفتح ليه الباب يالله عايزك تزحف في الخرصانة دي لحدي ما نجيك.
وبدلا من الحمام فقد تيممت في خرصانة كانت جزء من جهنم عملا بالسلف الصالح وصلح التيمم في حضور الماء وكله فقه والله أعلم.
--------------------------------------------------------------------------------
خالد الحاج02-08-2006, 05:31 PM
زيارة :
أبدأ اليوم سردي من المنزل وقد كانت الوالدة عليها الرحمة تقوم بتحركات ماكوكية يحسداها عليها كولن باول ولم تترك باب الا وطرقته وكان كل همها( بس لو عرفت مكانو حي ولا ميت ما دايرا منكم شي تاني) أسأل الله لها الرحمة فما ذلت أعتقد أني بصورة أو بأخري قد عجلت برحيلها ومن ناحية أخري كان ريمون بيطار قد قام بجهد كبير لمعرفة مكاني وهو رجل ذو بأس لو أراد ويملك المال وللأخير سلطانه في دولة التوجه الحضاري والخواجة أثبت أنه ود بلد كما قالت الوالدة وعندما زار المنزل لتفقد الأحوال وجده كنادي الزومة فقام بشراء كبش ودفع مبلغ خمسون ألف وكان حينها يعادل مرتبي لثلاثة أشهر وأسألكم المعذرة للإستطراد ولكن أفضال الرجال يجب أن تذكر000 أعود بكم الي بيت الأشباح وقد مرت ثلاثون يوما كانت كأسنان المشط لا تغيير فيها إلا بقدوم وافد جديد يحمل أخبار الخارج وعبق الصابون والأخير صار هاجس لي وكنت أحسد الأستاذ محمد عتيق لتحمله وهو ود العمارات وليت ود بادي إلتقاه 00في نهاية الأسبوع الأول من يونيو كانت تحركات الوالدة قد بدأت تاتي أكلها في صباح ذاك اليوم جاءني المدعو مصطفي دكين يحمل لي صرة وأدخلها من بين فتحات السيخ في أعلي باب الزنزانة قائلا ود تلاتة واصطاتك قوية هاك الزوادة دي لامن نطرشك ليها وفتحت الكيس وإثني عشرة أعيون تتبعني وفيه وجدت جلباب وسروادوك وفرشة أسنان ومعجون وصابونة أي والله صابونة وكمان لوكس الللللللله (نان دي يا أمي أكلها) المهم بعدها بساعة من الزمن جاء القميء مرة أخري وناداني بعد فتح الباب قوم يا ملحد إنت تعال مارق أمشي إستحمّ قالها ونظرت أنا إليه فقالها مرة أخري يا زول ما تمشي ومشيت يا جماعة الحمام واستحميييييييييييييييت وهاك يا كدوب وهاك يا دعك وبي الجد كنت ######ان فقد كان الماء يصب علي جسدي صافيا زلولا ثم ينحدر بعد ذلك كما ينصب الماء من سبلوقة بيت جالوص بني اللون صلصالي الملمس وبه بعض الدرادم وعندما صارت الصابونة تنزلق من يدي لصغرها قلت لنفسي فالأترك البروة دي للهديمات وغسلت قميصي وما كان بإمكاني غسل البنطال فهو جينز وهذا يغسل بأبي فيل أما ملابسي الداخلية أكرم الله أعينكم فقد كانت -كمعراكة الدوكة- ما كان مني الا أن رميتها في برميل الزبالة كما يتخفف المرء من زنوبه ورجعت الي الزنزانة وأعين مليئة بالحقد ترصد خطواتي وعند الواحدة ظهرا جاء القميئ مرة ثالثة وناداني ود تلاتة تعال آلنضيف عندك زيارة وخرجت متسائلا من تراه يكون وخلف المباني كان هنالك من بادرني إزيك يا زول عرفتني أبدا والله ماعرفتك أنا ود ناس عمك فلان أبدا والله برضو ما عرفتك ود حاجة فلانة صديقة والدتكم بالله كيف حالك كويس وإنت كيف الجماعة ديل بعاملوك كويس -مافي عوجة- كان ردي فقال راسك القوي ده خليها تبقي ليك درس -مافي عوجة- الحاجات وصلتك ايوا دي مرسلاها ليك الوالدة وهي كويسة وبتسلم عليك الله يسلمك ويسلمها شكرا يا أخي خلاص مع السلامة في أي وصية لا بس قول للوالدة ما تقلقي أنا بخير مع السلامة ورجعت ميمما وجهي تجاه الزنزانة فناداني القميئ تعال يا النضيف ما شي وين ماشي الزنزانة يا كمندان زنزانة شنو تعال بي جاي وكان مكان الوضوء في منتصف الحوش به ماء آسن وطين فقال شايف الطين داك أمشي إتعطن لي فيهو- يااخواناالزول ده بي صحو- ومشيت وإتعطنت في الطين ولم يرضيه ذلك فقال إدردق أخمج في الطين ده كويس وصرت من جديدكالغراب ورجعت الزنزانة ولم يشمتوا علي رغم إني قبل ساعة زمن كنت عريس الفريق نضيف وظريف ومر أسبوع أخر أنجلدت فيه كذا مرة ثم تركوني يومين أو ثلاثة أيام دون ضرب وأخيرا جاء أحدهم وناداني يا الشيوعي أمرق وودع جماعتك ديل وقال محمد عتيق مبروك يا زول يا إفراج يا كوبر وأي الحالين مبروك وودعتهم بعد أن تبرعت بفرشة أسناني للأخ عوض عباس وكانت هدية قيمة أفرحته والله وربطوا لي عيني بعد أن حلفوني علي المصحف أن لا أخبر أحد بما يحدث هناك ورجعت الي حيث بدأت وبنفس الطريقة والوسيلة الي مركز الأمن وحقق معي ضابط أمن يدعي أسامة ذكر لي مجموعة من الممنوعات ثم أخذوني الي مكتب الرجل إبن صديقة الوالدة وقد أمر سائقه أن يوصلني الي حيث أريد وذهبت الي الشركة حتي أأخذ الفيسبة ثم أذهب الي المنزل وعند دخولي المكاتب بدأ الموظفون يتجمعون وبكت الزميلات وكان يوم لن أنساه ما حييت وعند رجوعي المنزل زغردت الوالدة وتجمع الجيران ولكم أن تتخيلوا البقية ولم يكدر صفوي أحد لمدة ثم رجعت الغلاصات حتى كان هروبي بعد ثلاثة أعوام خارج الوطن
التحية للشهداء
التحية للقابضون علي الجمر
والصامدون والجاهرون بكلمة الحق
ولا نامت أعين الجبناء
خالد الحاج الحسن
الجيلى أحمد
03-07-2014, 11:24 AM
التحايا أطيبها أحمد أبوزيد
ومرحبابك
توثيق ورصد فى غاية الأهمية
معك حضور ومتابعة لحين اكمال المطالعة
احمد ابوزيد
03-07-2014, 04:24 PM
التحايا أطيبها أحمد أبوزيد
ومرحبابك
توثيق ورصد فى غاية الأهمية
معك حضور ومتابعة لحين اكمال المطالعة
تحيتي وامتناني الجيلي ، مع تقدير المتابعة وسأعمل جاهدا لأكون راض عما اكتب وتقرأ. لك كل الود ..
احمد ابوزيد
03-07-2014, 10:57 PM
اكتب يا احمد اكتب وافضح هؤلاء الاوباش المأجورين
أكتب واشفي غليلي
وسأكتب يوما ما عن تجربتي البسيطه جدا مع الإعتقال
مرتان
الأ ولي آخر أيام مايو
والثانيه في هذه المرحلة القبيحة جدا مرحلة ما يسمي مجازا بالإنقاذ
أكتب يا احمد أكتب
أكتب وواصل سرد الكتاب
تحيتي ناصر اخوي ...
وهؤلاء الأوباش المأجورين ستفضح فظائعهم يوما ما ، يروه بعيدا واراه قريب. وسيفضحون ايضا يوم الجمع الأكبر بإذن الله ..
..... وكما يقولون (سمح الكلام في خشم سيدو)، ننتظرك قصتي إعتقالك المحزن المشرف ، احتفاءا بك واحدا من شرفاء بلادي فلك التحية.
احمد ابوزيد
03-07-2014, 11:22 PM
نواصل
................
(4)
بيت الأشباح : الاسم - الموقع - والتقسيمات
تعود التسمية الشهيرة " بيوت الأشباح " الرائجة في السودان، المعروفة ب GHOST HOUSE علي نطاق عالمي واسع، إلى الإعتقالات التي جرت خلال العام 1990، حيث كانت الإعتقالات الاولى خلال عام 1989 ومنذ 6/30 تتم في السجون العادية، وعندما تحولت الى سجون سرية خاصة بعد شهور قليلة من الإنقلال، كان افراد الأمن، المسؤلون عن التعذيب والحراسة في تلك السجون الخاصة، يضعون اقنعة سوداء علي رؤوسهم بحيث تغطي كل الوجه والرأس الا العينيين، وفي نفس الوقت كانوا يزودون المعتقل بعصاب يضعه علي عينيه، فمثلا اذا اراد الحارث ان يفتح باب الزنزانة يقوم بطرق الباب اولا ليضع الذين بداخلها العصاب علي عيونهم - رغم انه مقنع - ثم يفتح الباب ليقذف لهم صحن الطعام او ليقتاد احدهم الى حيث يريدون تعذيبه .. وعليه اصبح كل معتقل يتم إطلاق صراحه يحكي للناس انه كان في بيت للأشباح او " بيت أشباح " !!
هكذا راج المصطلح وترسخ عميقا في وعي ووجدان شعب السودان وفي صفحات تاريخه الوطني الطويل في مغالبة الظلم والطغيان، وعنوانا لأخطر مراحل ذلك التاريخ وأكثرها شراسة .. و عموما للسودانيين بديهة نفاذة في إطلاق الألقاب التي تصف وتلخص حقيقة الأمر أو الفرد وسلوكه ثم ربط اللقب بإسمه الأول، ولنا أن نتأمل في القاب رائجة الآن مثل "سيخه" "دولار" ..الخ. هي القاب وصفية لدرجة ان الإسم الحقيقي غير معروف للكثيرين بالكامل مهما كان تكراره في اجهزة الإعلام كثيرا.
احمد ابوزيد
04-07-2014, 12:24 AM
ومنذ مطلع 1991 تغير الوضع، حيث اختفت الأقنعة وأسفروا عن وجوههم وتركوا استعمال الأقنعة، ولكنهم يخفون اسمائهم الحقيقية.
في حوالي الحادية عشر مساء - بعد " حفلة الاستقبال " وإعادة تفتيش المنزل - بينما كنت اجتاز فناء قسم الزنازين نحو الزنزانة رقم 1 لمحت معلمين من معالم الخرطوم اعرفهما جيدا وهما : من الناحية الشرقية ضوء التنبيه الأحمر الذي يعلو سطح مبنى "الهيئة العربية للإستثمار والإنماء الزراعي " ذي الطوابق العديدة، وهو من اعلى مباني العاصمة السودانية ارتفاعا ومن الناحية الغربية/ بانحراف قليل جدا لجهة الشمال مبنى "شركة التأمينات العامة (س) ليمتد" التي يملكها ويديرها بعض اقاربي، وقد اشتهر هذا المبنى الواقع عند تقاطع شارع المك نمر وشارع البلدية بمبنى "سيتي بنك" لأن فرع هذا البنك كان مستأجرا لهذا المبنى قبل ان ينتقل الى سوق منطقة العمارات الخرطوم جنوب.
اذن كنت علي يقين في ليلتي تلك انني في موقع يقع شرق شارع المك نمر وإلى الجنوب قليلا جدا من شارع البلدية وغرب مقر الهيئة العربية للإستثمار والإنماء الزراعي .. ومع الأيام تأكدت تماما من المنزل (بيت الأشباح الرئيسي) وبالهمهمات بين المعتقلين، حيث الحديث ممنوع، كان الكل او الغالبية علي علم بالموقع.
هنالك شارعان رئيسيان من شوارع العاصمة الخرطوم يتقاطعان في منطقة الخرطوم شرق : شارع المك نمر من الجنوب الى الشمال، ويمتد من الخرطوم 2 الى شارع النيل عند ضفة النيل الأزرق من ناحية الخرطوم، وشارع البلدية الذي يبدأ من مسجد الخرطوم الكبير "العتيق" ويتجه الى الشرق متقاطعا مع شارع القصر ثم المك نمر في اتجاه القيادة العامة وشارع الجيش .. عند هذا التقاطع ، ومن الناحية الشرقية لشارع البلدية يقع مبنى شركة التأمينات العامة "سيتي بنك" وعندما تتجه شرقا من التقاطع متابعا شارع البلدية وعند اول تقاطع مع البلدية (شارع ترابي غير مسفلت) وتنعطف يمينا لهذا التقاطع في اتجاه الجنوب ، تجد علي يسارك منزلين، الأول يطل علي شارع البلدية والثاني علي الزقاق الموازي لشارع البلدية من الناحية الجنوبية، هذا المنزل الثاني مدخله حاليا عباره عن باب كبير من الزنك يطل علي هذا الشارع الترابي الذي انت فيه، وستلاحظ ان اسواره الخارجية قد تمت تعليتها ايضا بألواح من الزنك ، هذا هو بيت الأشباح الرئيسي. ومثل كل المنازل في الخرطوم شرق التي بناها البريطانيون كمساكن لإدارييهم في عهد استعمارهم السودان، يتكون من مبنى رئيسي (الغرف والمنافع) ثم مساحة واسعة (حوالي الف متر مربع) كحديقة .. المبنى الرئيسي في هذا البيت يقع في اقصى الشمال، حيث بدأ جهاز الأمن في استعماله كمعتقل خاص بعد شهور قليلة من انقلاب 1989/6/30 وقاموا بعد فترة قليلة (عندما ضاق ذلك المكان) ببناء سور يفصل المبنى عن الفضاء الجنوبي (الحديقة سابقا) ولكن بباب يفصل بين القسمين، اما المدخل الخارجي ، فهو واحد ويقع في الجزء القديم (ناحية المبنى الرئيسي) وفي هذا الفضاء الجنوبي الواسع قاموا ببناء الزنازين الثمانية عشر بالأسمنت المسلح أرضا وسقفا وجدرانا وبحيث تصبح الزنزانة منها فرنا في الصيف وثلاجة في الشتاء. وبدأوا الإعتقال فيها خلاعام 1990.
احمد ابوزيد
04-07-2014, 06:59 PM
ومن اشهر الذين سكنوا هذا المنزل في عهود ما بعد الإستقلال: اللواء خالد حسن عباس عضو مجلس قيادة 25 مايو 1969، و وزير الدفاع لفترة طويلة ولا زالت البرندة التي أقامها اللواء خالد من الناحية الشمالية لإجتماعات مجلس ادارة نادي المريخ في عهد رئاسته له، لا زالت قائمة.
إذن وعلي هذا الأساس فإن بيت الأشباح الرئيسي يحتوي علي قسمين وهما (وعلي حسب التسمية الدارجة عند عناصر الأمن) : "الداخلي" وهو البيت القديم ويحتل النصف الشمالي من البيت، ثم "الشرقي" او الشرقية ويحتل القسم الجنوبي (الحديقة سابقا) ويحتوي علي الزنازين التي يسميها افراد الأمن ب "الغرف" وتحمل الأرقام من 1-18 عندما يقول الفرد منهم الغرفة (5) مثلا فإنه يقصد الزنزانة رقم (5).
وكما ذكرت، هنالك بين القسمين . في السور الفاصل بينهما باب يصل بينهما، بينما الباب الخارجي 1 فقط ويقع في الداخل (القديم) وهذا الباب الخارجي يحده من الداخل السور الفاصل من اليمين (الجنوب)، ومن اليسار (الشمال) مكتب يبدو انه كان غرفة الخادم او الحارث لسكان البيت في السابق، ثم المبنى القديم.
تقف سياراتهم في هذا الممر . وهنا ستجد حوض الأسمنت الارضي القديم ذو المياه الخضراء الآسنة وجدران المبنى القديم والتي (الحوض والجدران) تشهد يوميا حفلات الاستقبال للمعتقلين الجدد.
احمد ابوزيد
04-07-2014, 07:04 PM
ومن اشهر الذين سكنوا هذا المنزل في عهود ما بعد الإستقلال: اللواء خالد حسن عباس عضو مجلس قيادة 25 مايو 1969، و وزير الدفاع لفترة طويلة ولا زالت البرندة التي أقامها اللواء خالد من الناحية الشمالية لإجتماعات مجلس ادارة نادي المريخ في عهد رئاسته له، لا زالت قائمة.
إذن وعلي هذا الأساس فإن بيت الأشباح الرئيسي يحتوي علي قسمين وهما (وعلي حسب التسمية الدارجة عند عناصر الأمن) : "الداخلي" وهو البيت القديم ويحتل النصف الشمالي من البيت، ثم "الشرقي" او الشرقية ويحتل القسم الجنوبي (الحديقة سابقا) ويحتوي علي الزنازين التي يسميها افراد الأمن ب "الغرف" وتحمل الأرقام من 1-18 عندما يقول الفرد منهم الغرفة (5) مثلا فإنه يقصد الزنزانة رقم (5).
وكما ذكرت، هنالك بين القسمين . في السور الفاصل بينهما باب يصل بينهما، بينما الباب الخارجي 1 فقط ويقع في الداخل (القديم) وهذا الباب الخارجي يحده من الداخل السور الفاصل من اليمين (الجنوب)، ومن اليسار (الشمال) مكتب يبدو انه كان غرفة الخادم او الحارث لسكان البيت في السابق، ثم المبنى القديم.
تقف سياراتهم في هذا الممر . وهنا ستجد حوض الأسمنت الارضي القديم ذو المياه الخضراء الآسنة وجدران المبنى القديم والتي (الحوض والجدران) تشهد يوميا حفلات الاستقبال للمعتقلين الجدد.
احمد ابوزيد
04-07-2014, 10:13 PM
عندما تجتاز بوابة السور الفاصل من البيت القديم الى الزنازين (الشرقية) ستجد نفسك في مواجة الزنازين بمنظرها الصلب الكئيب، في شكل شبه مستطيل ، عرضية من الغرب والشرق، ولكن ينقصه احد الطولين الشمالي اذ ستكون انت في مكان الطول الناقص:
العرض الغربي عبارة عن الزنازين من الرقم 1 - 6 ، والعرض الشرقي عبارة عن الزنزانتين الكبيرتين 17 - 18. والطول من الناحية الجنوبية يمتد من الغرب الى الشرق حاملا ارقام الزنازين من 7 - 16.
وهناك ممر بين الزنزانتين وبين السور الخارجي في كل الجهات ( غرب ، جنوب ، شرق ) عرضه حوالي مترين.
امام الزنازين بمحازاتها تمتد مصطبة اسمنتية عرضها حوالي متر ونص المتر وترتفع بحوالي نصف متر عن الأرض. وامام هذه المصطبة وبعد متر واحد تقريبا للأمام - تحازيها ردمية من الحصى (الحصحاص)، وتليها في منتصف فناء الزنازين - وبإنخفاض بسيط - حفرة مساحتها حوالي 6*4 متر مربع مليئة بطمي النيل (تراب البحر) يبدو عليها انها جزء من حديقة المنزل القديم ، وهي من اهم مسارح عمليات التعذيب البدني والمعنوي التي تجري داخل بيت الاشباح (اذ ان هنالك عمليات تعذيب اخرى اكثر خطورة بل هي خطرة جدا - تجري للبعض في مواقع اخرى).
وسنأتي فيما بعد علي ذكر اميزها في فترة اعتقالي والتي كنت جزء منها.
الزنازين من 1-16 احجامها تختلف وتتراوح مساحتها من 2 _ 2*1 متر مربع. اما الزنزانتين 17 - 18 فان مساحة كل منهما حوالي 3*3 متر مربع، وكلها تطل علي الفناء الذي يتوسط الحوش الذي به حديقة الاحتفالات، بإستثناء الزنازين 14، 15، 16 فان ابوابها تطل علي الفناء الجنوبي للزنزانة رقم 17.
الأبواب ليست كأبواب الزنازين المعروفة فقط، ذات قضبان حديدية تسمح بتجديد الهواء وتتيح للعين الرؤية البعيدة والنظر الى خارجها، وانما على تلك الغضبان - تم لصق الواح من الصاج وتركوا فتحة صغيرة من اعلى الباب لزوم مراقبة المعتقلين ومناوشتهم وشتمهم وصرف الأوامر لهم من قبل افراد الحراسة ، ومن الناحية الغربية لكل زنزانة توجد كوة (طاقة) في اعلى الحائط لها قضبان ايضا مساحتها حوالي 35سم وهي تطل علي الزقاق الفاصل بين الزنزانتين والأسوار الخارجية.
احمد ابوزيد
04-07-2014, 11:21 PM
(5)
الطوابير والجرجرة (افراد الحراسة والحياة اليومية)
القوة المختصة بالحراسة وتنظيم حفلات الإستقبال و"الطوابير" داخل بيت الاشباح تتكون من حوالي 36 فردا تتفاوت رتبهم العسكرية من جندي الى رقيب (3شرايط) بقيادة نور الدائم (النور) فهو "الحكمدار" كما يطلقون علي المسئول عن القوة يعاونه وينوب عنه "مهدي" وهو من عناصر جهاز امن نميري .. وفي كل الأحوال نجد "ابوزيد" (طارق عرديب او طارق ابوزيد عرديب) وهو رغم ان الكثيرين من زملائه في مثل رتبته العادية ، ومهنته اساسا سائق - الا انه يتمتع بنفوذ واسع لدى نور الدائم، والمهم انه من اشرس العناصر ويسكن سكنا شبه دائم في بيوت الاشباح. معلومات المعتقلين عنه انه من ابناء الرباطاب " في شمال وسط السودان " وانه حضر الى الخرطوم للمرة الاولى كعامل في احد اللواري التجارية (مساعد لوري ، كما يقول السودانيون).
ينقسم جهاز الامن الى عدد من الاقسام منها : قسم الولايات - الورشة - المعلومات - امن الجهاز ..الخ. والقوة المختصة ببيوت الاشباح المذكوره اعلاه تتبع لقسم امن الجهاز، اي القسم المختص بأمن جهاز الامن .. ويعمل افراد هذه القوة في البيت بالتناوب (ورديات).
هؤلاء الافراد يستعملون أسماء حركية لإخفاء شخصياتهم ، بعضهم يستعمل اسم والده او جده مثل : دكين واسمه مصطفى دكين - الطاهر واسمه محمد الطاهر - سلطان واسمه عادل سلطان ..الخ ..
وبعضم يختار اسماء مختلفة مثل عبداللطيف واسمه وليد حسن عبدالقادر - كرار واسمه قاسم - حسن كلابش واسمه ميرغني، وكلابش هذا لقب اطلقه عليه المعتقلون لأنه اكثر عناصر الأمن استعمالا للكلباش الذي يقيدون به يدي المعتقل كما يحدث لعتاة المجرمين في اقسام الشرطة ، وهو سعيد بهذا اللقب.. وهناك من يستعمل خليطا من الأسماء بين النوعين المذكورين، مثل ضابطهم المباشر الذي يناديه افراد الحراسة بإسم مصطفى، بينما هو يسمي نفسه أمجد أمام المعتقلين، وبينما اسمه الحقيقي هو " الفاتح مصطفى محمد " .. وهم كلهم لا يقبل الواحد منهم ان تناديه حتى بالإسم الذي اختاره لنفسه بشكل مجرد ، وانما يجب ان تسبق الاسم بلقب كمندان، وهو اللقب المفروض عليهم ان ينادوا به ضابطهم !!.. والكمندان من اسماء رتب الجيش والشرطة القديمة التي اظن انها من العهد التركي مثل الحكمدار والقائم مقامه ..الخ.
احمد ابوزيد
05-07-2014, 12:23 AM
عدد قليل منهم كان جنديا في القوات المسلحة اساسا ، أما الغالبية فإنهم انتموا لجهاز الامن وخضعوا للتدريب العسكري بعد 1989/6/30 إما بحكم الانتماء لحزب الجبهة الإسلامية او بالتظاهر بذلك لمجرد الحصول علي عمل .. ودافعهم كلهم في نهاية الأمر هو بريق السلطة ونزوة التسلط علي الناس وإشباع العقد المنحرفة والنواقص الإجتماعية، بالإضافة للإمتيازات الهائلة التي يجدونها سواء في المرتبات، التي تفوق مرتب الأستاذ الجامعي والطبيب الإختصاصي او في المواد التموينية والملابس التي تأتيهم بكميات وفيرة وأسعار زهيده .. وهذا باب لا يحتاج لكثير اجتهاد لأنه موجود ومعروف في تجارب كل الأنظمة الديكتاتورية واجهزتها الأمنية ..
داخل البيت وفي تعاملهم مع المعتقلين ، يحرص هؤلاء الأفراد علي سيادة جو من الصعب وصفه بدقة': هو مزيج من التهكم والإرهاب والهزيان واللامبالاة .. ينظرون للمعتقل كعسكري "مستجد" أي مبتدئ. والمستجد في اوساط القوات المسلحة السودانية وقاموس رجالها ومراكز تدريباتها هو اسوأ المخلوقات وأهونها، وبالتالي فإن عبارة "يا مستجد" هي الصفة الأسوأ علي الإطلاق .. وهناك ايضا كلمة "طابور" والتي يستعملونها كثيرا جدا في موضعين : الأول بمعنى العقوبة ، والعقوبة تشمل الزحف علي البطن والصدر والقفز (النط) لفترات طويله والوقوف رافعا اليدين او مربوطا بالكلبش او الوقوف حافيا في الشمس فوق الحصى في "وضع الاستعداد" ..الخ، والتصريف باللهجة السودانية يكون : طوبر - يطوبر - مطوبر أي خاضع لعقوبة.
والثاني بمعنى الإتهام بالخيانة "طابور خامس" وتهمة طابور خامس هي السائدة ضد ابناء الجنوب وجبال النوبة "كعملاء" لحركة جون قرنق في نظر السلطة واجهزتها الامنية والإعلامية ، وكل منا داخل بيوت الأشباح هو "طابور" و "مستجد".
أما الطوابير نفسها فهي كثيرة ومتجددة وبحجم العقد الإجتماعية التي يحملونها والتعبئة العدوانية السادية التي خضعوا لها ، ومن اكثرها شيوعا وتكرارا بشكل يومي اذكر :
1 - أرنب استعد (ارنب نط) :
هذا النوع من الطوابير يعني ببساطة انك ارنب ، ومن الواضح انه من مرحلتين : فاذا قالو لك ارنب استعد ، فيجب عليك ان تجلس علي اصابع قدميك واضعا الكفين علي الركبتين .. "ارنب نط" اي اقفز، فتمارس القفز الى الامام وانت علي ذلك الوضع !!.
2 - الطيارة قامت (الصقر طار) :
هنا تقف علي اصابع احدى قدميك، وتدفع القدم الاخرى الى الخلف، وتفرد يديك الى الجانبين كما جناحي الطائره، يتجد جسمك وقد مال الى الأمام لحفظ التوازن ، يجب ان تحافظ علي الميل في اتجاه افقي بقدر الامكان .. وعليك إذن ان تقف هكذا وستقطع السياط ظهرك اذا تحركت او اكثرت من الاهتزاز.
3 - ست العرقي (اي المرأة التي تصنع وتبيع العرقي)، والعرقي هو الخمر البلدي في السودان ..
في هذه العقوبة يؤمر المعتقل بالآتي: ان يمسك اذنه اليمنى بيده اليسرى، هكذا يكون امامه دائره كاملة، فيدخل يده اليمنى في هذه الدائرة وينحني الى ان يضع سبابة اليد اليمنى علي الأرض دون ان يثني الركبتين.. بعد ان يكون جاهزا في هذا الوضع الشاق يؤمر ان يجري حول نفسه بأقصى سرعة، جاعلا من اصبع يده اليمنى مركزا ثابتا للدائرة التي يجري حولها محتفظا بذلك الوضع : سبابة اليد اليمنى ثابتة في موضعها علي الأرض واليد اليسرى تمسك الأذن اليمنى جيدا .. بعد حوالي دقيقة الى دقيقة ونصف (حسب لياقته البدنية)، وبتأثير قوة الدفع التي احدثها الدوران السريع عدوا حول نفسه ، سيتخبط يمينا ويسارا الى ان يسقط فاقدا وعيه تماما .. وفي اثناء العملية يكونوا من خلفه بالهراوات صائحين "عوزين شغل نضيف" !! و "اشتغل بي ضمير يا خسائر" !! ويا خسائر هذه ايضا من يا طابور ويا مستجد، ينادون بها من يريدون شتيمته او تعذيبه والاستهزاء به .. ويقال ان في مركز التدريب عرف او قانون بإمكانية حدوث خسائر في ارواح المتدربين والمستجدين بنسبة معينة (اظنها 5% من مجموعهم) ، وبالتالي يروج مصطلح النداء "يا خسائر" لمن يراد الإستهزاء به !!
احمد ابوزيد
05-07-2014, 04:27 PM
وبالإضافة الى حفلات الاستقبال وبرامج الطوابير المنظمة فانك معرض في كل لحظة لمثل هذه العقوبات، خاصة اذا ضبطوك وانت تتلفت او تتهامس مع جارك في صف المرحاض او طشت الوضوء، او اذا ابطأت في السير من الزنزانة الى مكان الوضوء ..الخ.
وفي بعض الاحوال تتعرض لهذه العقوبة مع ما يصاحبها من استهزاء وتهكم دون أي سبب من الاسباب التي يعتبرونها مخالفات، ولا تجد امامك سوى التخمين: هل هو يمارس انطباعا شخصيا ولم يستلطفني؟.. ام انه يشعر بفراغ وعقده الشخصية طافحة؟.. واحيانا تعتقد ان جرعة "البنقو" اليوم زائدة أو ناقصة او غير متوفرة (والبنقو نوع من الحشيش المخدر مشهور في السودان زراعة واستعمالا). وهناك عدد من افراد الحراسة في بيوت الاشباح معروفون بذلك، والى آخر مثل تلك التخمينات .. فمثلا يستوقفك الفرد منهم وقد رفع صوت جهاز الراديو الذي يستعملونه ويجعلك تسمع المغني الذي يغني في تلك اللحظة، ويسألك من هذا؟ فتجيبه اجابة صحيحة بأن هذا محمد وردي مثلا أو سيد خليفة، فيقول: "كمان عامل فيها بتعرف؟" أي تود الظهور بمظهر العارف؟) وهكذا يختلف معك الموقف ويبدأ في تصعيده مهما حاولت ان تتفادى المشكلة - وصولا الى ارنب نط - ومن العبارات المشهورة في عمليات التصغير هذه ان يقول لك : " تتجرجر نتجرجر معاك" ويعني تقريبا "تمطط الموضوع نمططه معك" واذا حدث لك هذا فانك لن تخلص منه بقية يومك لأنهم يتناوبونك واحدا بعد الآخر باستعذاب شديد للامر .. وقد ينتقيك احدهم ويسألك: لماذا انت مستاء او يبدو عليك الاستياء؟ (يا زول انت مستاء؟) هذا ايضا مدخل مناسب ومتكرر (للجرجرة) والطوابير ، وبصورة شبه يومية ..
وفي هذا الباب اذكر مرة انهم سمحوا لنا بغسيل ملابسنا ، والغسيل يكون في نفس طشت الوضوء بالجلوس ارضا علي القدمين، وكنت اعاني من آلام حادة في الظهر ، وعندما حاولت القيام بدلق الماء المتسخ وتبديله، فاجأتني الآلام و وقع الطشت من يدي ورآني احد الافراد من غير مجموعة "الوردية" العاملة في تلك اللحظة ، ويسمى نفسه "عبدالوهاب" : كيف ولماذا يقع الطشت من يدك ؟.. ومع ان السبب كان واضحا وكنت عاجزا عن الحركة ، شرحت له الأمر ، ولكن لا منطق هناك ولا حوجة لسبب حقيقي، فكان جزائي علي يديه ان جاءني في زنزانتي عند الثامنة مساء وربط يدي اليمنى بالكلباش في غضبان الكوة الخلفية وظللت واقفا بآلامي حتى شروق شمس اليوم التالي !!.
اذكر ايضا قصة مجموعة من المعتقلين في سطوح مباني رئاسة جهاز الأمن ، جائهم الحارس في منتصف الليل وقال لهم: لماذا ترقدون هكذا والناس في كل مكان محتفلين ومبتهجين؟ انني ادعوكم لإحتفال ظريف اعددته لكم ، فانزعوا ثيابكم واخرجوا نحتفل !!.. فخرجوا عراة الا من قطعة اللباس الداخلي، وقادهم الى حوض ملئ بالماء الراكد الآسن والنباتات الطفيلية، وهو عبارة عن مستنقع لتوالد الباعوض القارص الذي ينقل الملاريا، وامرهم بالوقوف صفا في هذا الحوض رافعين ايديهم فوق رؤوسهم بدون حراك، ومع دخولهم الحوض هجمت عليهم جيوش البعوض واخذت تنهش اجسادهم العارية، وكان الحارس وآحرون التحقوا به شاهرين بنادقهم وسياطهم يصيحون فيهم بعدم الحركة .. وقام احد المعتقلين - بحركة لا ارادية - وضرب بيده موضعا في رقبته، يبدو ان البعوض قد قرصه فيها بشدة! فصاح الحارس متحسرا: ياللهول، لقد قتلت بعوضة، ماذا اقول لهم اذا وجدوها وقد نقصت واحدة وسألوني عنها، لقد استلمتها بحساب؟! ... وبدأت الحفلة الحقيقة فيهم بعد ذلك!.
احمد ابوزيد
05-07-2014, 11:06 PM
بمجرد الوصول الي بيت الأشباح، اثناء او بعد حفلة الإستقبال ، يتم تفتيش المعتقل الجديد. فقائمة الممنوعات طويلة: السجاير، الصعوط، النظارات الطبية، الأقلام، الأوراق ..الخ . والغريب ان النقود غير ممنوعة. ولكن يحدث للبعض - كما حدث معي - ان يأخذوا منه نقوده ولا يعرف مصيرها بعد ذلك.
وتستمر معك قائمة الممنوعات في الداخل: ان تتلفت في طريقك الى المرحاض ومكان الوضوء ممنوع وستسمع صوت "عبدالرضي" او غيره يأتيك دوايا مع الشتائم اللازمة: " تتلفت زي سواق التاكسي المفلس". وبديهي ان الكلام ممنوع.
ابواب الزنازين تفتح 5 مرات في اليوم للوضوء في مواعيد الصلوات اليومية الخمس والعودة سريعا. فالصلاة داخل الزنازين، 3 منها تصادف مواعيد الوجبات. فيذهب مندوب عن كل زنزانة ليستلم صحن الطعام ويجلب معه ماء الشرب من نفس حنفيات الغسيل. بعد دقيقة واحدة من دخولك المرحاض ستسمع طرقا عنيفا علي الباب وصوتا يقول لك: "يا زول انت بالع سيخ" ! "اصلك ماكل اسمنت".
شيئان نادران جدا : الإستحمام وغسيل الثياب.. واذا حدث احدهما في يوم من الايام فإن وراءه احد الأمرين: بعض الحراس يسمحون بذلك احيانا عندما تكون امزجتهم وحالاتهم النفسية حسنة، ولا احد يعرف متى ولماذا يكون هذا ؟ علما بأن هنالك افراد يستحيل عليهم ان يكونوا في تلك الحالة في يوم من الأيام ، اذ لم يحدث طوال تجربتي ان قام افراد مثل : طوكر - عبدالوهاب - يوسف كعونجة - حسن كلابش - عبد الرضي (الغالبية منهم) بالسماح لنا بالاستحمام او غسيل الملابس.. والأمر او الاحتمال الثاني ان يكون بين افراد وردية الحراسة في ذلك اليوم السعيد واحد من بين 3 افراد في كل القوة ، كنا نقول عنهم انهم اخطأوا الطريق عندما التحقوا بهذه الوظيفة. اذ لم يحدث مولقا ان اشترك احدهم في ضرب او تعذيب اي معتقل او اساء اليه او منعه من الحمام او الغسيل . واذكر منهم " ساتي " و " جلي ".
تلك المرات الخمس التي يخرج فيها المعتقل من زنزانته الى المرحاض والوضوء لمدة دقيقتين في كل مرة، هي لحظات مليئة بالترقب والحذر : الترقب لدقائق تستنشق فيها هواء نقيا وتخرج من ضيق الزنزانة والتي تضيق اكثر بمساحتها وكثرة الناس بداخلها ، والحذر من ان تتصرف عند الخروج من الزنزانة تصرفات انسانية طبيعية تعرض بها نفسك للإستهزاء والطوابير والجرجرة المفتعلة التي لا تعرف متى ستنتهي عندما تبدأ!! .. وبين كل واحدة والاخرى ، من بين تلك المرات الخمس، تمتد الساعات بحجم العمر ، فالمخيلة، ميزة الانسان الكبرى عن بقية المخلوقات ، تخترق اللحظة وجدران الزنازين الصلبة وتتجول بك في ردهات الحرية والناس وصفحات الماضي بصوره واحلامه الغابرة وتسبح بك عبر اسوار المستقبل المجهول.
احمد ابوزيد
06-07-2014, 12:03 AM
(6)
حفلة 15/14/ مايو 92
وتلك كانت ليلة دامية حتى للذين لم يكونوا جزءا مباشرا منها .. ولا اعتقد، في حدود ما سمعت او رأيت ، انه حدثت من قبل او من بعد بتلك الصورة الجماعية .. امتدت من السابعة والنصف من مساء يوم الخميس 1992/5/14 وحتى السادسة من مساء الجمعة بانتظام، ثم بصورة متقطعة حتى السابعة من مساء الجمعة. في حوالي السادسة من مساء الخميس انتبهنا جميعا لأصوات بعض افراد الحراسة في فناء بيت الأشباح، وهي تنادي علي البعثيين ايها البعثيون "الليله راح تشوفوا" (سترون الليله ماذا نحن فاعلون بكم فاستعدوا) !!، وتزايد عددهم يحملون الأسلحة الرشاشة وقطع الخرطوم وكوابل الكهرباء والهراوات باليد الأخرى ، يقودهم ضابط فارع الطول ، غامق اللون ، اسمه عبدالله ، وقد نزع قميصه .. والضابط عبدالله هذا كان يدرس في جامعة القاهرة / فرع الخرطوم ، وكان مشهورا بين طلاب الجامعة باسم شاويش عبدالله حيث كان معروفا منذ ذلك الوقت بأنه يعمل في جهاز الامن . وبدأوا يجولون في فناء البيت يتهامسون احيانا ويرددون الوعيد بأصوات عالية وفي خطوات استعراضية إرهابية، ثم اختفوا ..
عادوا مرة اخرى في حوالي السابعة والنصف وفتحوا كل الابواب واخرجوا المعتقلين وامروهم بالوقوف في صفوف طويلة .. تناوبوا احاديث الوعيد ومن القول اسفهه وساقطه ، واوسعوا الناس بالشتائم ، وذكروا ان البعثيين قد قاموا بقتل ضابط في الأمن برتبة عقيد، وانهم سيقيمون الآن حفلة خاصة هنا، انتقاما لضابطهم العظيم* ... وامروا اي معتقل متهم بالإنتماء لحزب البعث ان يتقدم الى الأمام ، حتى وان لم يكن بعثيا في حقيقة الأمر بما فيهم من اعتقلوه لمجرد وجوده او زيارته لبيت تم اعتقال صاحبه ، وعليه اذن لم ينج "عثمان وصديقه التاج" وهما ارتريان يعملان حراس في منزلي بالإضافة الى علي ابكر الذي احضره حظه في ذلك اليوم لينظم حديقة متزلي، وآخرين. كان عدد المعتقلين البعثيين 24 معتقلا .. بدأ البرنامج بتمارين تسخين (احماء) من نوع ارنب نط لمدة نصف ساعة ثم قاموا بتقسيمنا لمجموعتين، 12 معتقل في كل مجموعة . امروت افراد المجموعة الأولى ، وكنت منهم ، بالإستلقاء علي ظهورهم داخل حوض الحديقة المليئة بطمي النيل ملتصقين ببعضهم البعض ، الرؤوس في حافة الحديقة عند طولها الشمالي وباقي الجسد متوازيا مع عرض الحوض، وان تلتصق الأيدي علي الأجساد ، ذلك هو وضع الاستعداد المطلوب ، ان نكون في اشكال اسطوانية متراصة علي الأرض داخل حوض الحديقة والأوامر عند صدور الإشارة ان تدفع نفسك دون مساعدة الأيدي والأرجل لكي تدور متدحرجا وبأقصى سرعة ممكنة في اتجاه الطرف الثاني من الحوض، هذه العملية قد تبدو بسيطة نظريا الا انها شاقة.. فعندما انطلقت الإشارة ودرنا دارت الأرض بنا. وهذا طبيعي، ولا مفر من ان تدور وتحاول ان تحمي رأسك وعينيك لأن الضرب كان ينهمر علينا من كل جهة بالخراطيش السميكة وكوابل الكهرباء ، دون حساب للأماكن الخطرة في الجسد، يضربون ويتصايحون بهستيريا وجنون ، وكان فيهم من يمسك بخرطوش المياه المتصل بالحنفية ويطلق علينا الماء بقوة. فيتحول تراب البحر الناشف من تحتنا الى طين لزج يمسك بأجسادنا من كل جانب.
..........................................
* عند القيام باعتقال بعض اعضاء حزب البعث في ذلك اليوم ، قام احد افراد المجموعة المكلفة بالاعتقال بإطلاق الرصاص من سلاحه امام المنزل بالخرطوم، فأصاب احد افراد المجموعة وارداه قتيلا.
احمد ابوزيد
06-07-2014, 12:36 AM
تمزقت الملابس والجلود والتصقت بالطين وبالدماء النافره من كل اعضاء واجزاء الجسد. وفي الجانب الآخر جانب الجلادين تزداد الهستيريا وتزداد الصيحات المجنونة الناطقة بأرذل الشتائم والنعوت ومعها التكبير المقدس "الله اكبر" فقد امرهم الله هكذا كما يعتقدون. والعياذ بالله..
في نفس الوقت كانت المجموعة الثانية يخضعون لأنواع اخرى من الطوابير ست العرقي - ارنب نط - الطياره قامت ..الخ والتي سبق وان شرحناها، ومعها ايضا الهروات وصيحات الهوس.
بعد حوالي الساعة تم تبديل موقع المجموعتين لتأتي المجموعة الثانية داخل الحوض ونذهب نحن في مكانهم للنوع الثاني من الطوابير المذكورة. كانت الجروح قد توقفت عن النزف بفعل التصاق الطين ومزق الملابس بها ، الا انها ومع ست العرقي وارنب نط تفتحت من جديد وعادت للنزف وبدأت تحدث جروح جديدة في الركبتين والكوعين والصدر لأنهم امرونا بالإنبطاح علي وجوهنا علي الأرض الخشنه المليئة بالحصى الصغيرة وان نزحف دون استعمال اليدين.
كان افراد الأمن كثيرون وقد انقسموا الى مجموعتين: مجموعة تمارس الضرب ورش المياه علي المتدحرجين داخل الحوض، ومجموعة تمارس الطوابير مع النصف الآخر من المعتقلين، ومجموعة تحمل اسلحتها وتقف من الخلف لحماية المجموعتين، ويتبادلون المهما كلما شعرت مجموعة الضرب بالتعب. وبعد كل ساعة يتم تبديل مواقع المجموعتين من المعتقلين.
بقية المعتقلين داخل زنازينهم كانوا ممتلئين غضبا وحنقا ورفضوا تناول العشاء حسب ما عرفنا فيما بعد ، وبعد ساعتين تقريبا كانت الأجساد قد تخدرت تماما، لم نعد نشعر بالضرب ولا بالآلام .. وبالنسبة لي كنت اشعر بدماء ساخنة تغلي داخل العروق وتملأ جسدي من الرأس الى العيون بحرارة عالية ..
عادت المعنويات الى الارتفاع والثقه اقوى مما كانت ، نتيجة الشعور بأنها معركة شرسة المنتصر فيها منذ البداية هم المعتقلون - كل المعتقلين - سواء المتدردقون في الحوض او الذين يزحفون ويقفزون في الأرض الصلبة او الذين يقفون خلف القضبان بغضب وحنق وقد فرض عليهم ان يروا هذا المشهد دون ان يكون في مقدورهم المشاركة الا في حدود الإمتناع عن الطعام والنوم حتى الصباح، بما فيهم الشيوخ والمرضى، ولم يكن ذلك اضعف الإيمان. كانت معركة مثل فيها المعتقلون " شعب السودان بقيمه وتطلعاته، وروح الرجولة والثبات الباسل، التي طبعت كل تراثه، كانوا الأقوى وكانوا المنتصر، بينما كان الطرف الثاني بأسلحته وهوسه وسطوة السلطة الغاشمة والمغتصبة، التي يستند عليها، ومحاولته البائسة لإرهاب وإذلال المعتقلين وكافة قوى المعارضة من خلالهم - كان - هو الطرف الضعيف والمهزوم.
..............
يتبع
احمد ابوزيد
06-07-2014, 05:08 PM
نواصل
............
وكان تزايد الضرب وتصاعد موجات الهستيريا وحمى الهوس عندهم تعبيرا صارخا عن الخوف وتزايد درجته عندهم، وذلك ما رأيناه في عيونهم.. لم تكن المعركة متكافئة في جانبيها المادي والمعنوي: ماديا كانت الأسلحة والسلطة. والعدة في جانبهم، بينما الجانب الآخر اعزل ومعتقل، ولكنه - علي الصعيد المعنوي - كان الأقوى فانتصر انتصارا بينا علي اصحاب الأسلحة والسلطة الذين كانوا معنويا تحت درجة الصفر ، هذا وان الذي كان يزيد في جنونهم ان واحدا من هؤلاء المعتقلين لم يضعف او يلن "ينكسر" ولو من هؤلاء البسطاء والأميين من بينهم، ناهيك عن السياسيين والنقابيين منهم..
استمرت الحفلة دون توقف حتى الخامسة صباحا، عندما فوجئنا بأفراد من الامن يدخلون علينا وهم يحملون شخصا ملطخا بالدماء، ورموه بيننا داخل الحوض فتوقفت الحفلة وامرونا بأن نقف صفا واحدا ويصيحون علينا واحدا بعد الآخر ، فيتقدم الذي عليه الدور إليهم جوار المعتقل الجديد، الذي القوه ارضا. فيسألونه : هل تعرف هذا ؟ وأغلب الناس لم يتعرفوا عليه وقد كان وجه الرجل متورما وإحدى عينيه تغطت تماما بالورم، والدماء تسيل من وجهه ومن احد اصابع يده اليمنى، والذي كان ظفره مخلوعا تماما، وفي الحقيقة لم يكن سهلا ان نعرف بعضنا البعض في تلك اللحظة، فقد كنا مكدودين ، والطين يغطيك تماما ناهيك عن ان نعرف القادم الجديد في مثل حالته تلك. فيرد بأنه لا يعرفه. فيقومون بضربه ويأمرونه بأرنب نط، وينادون الذي يليه ، وهكذا. وعندما جاء دوري كان الشخص معروفا بالنسبة لي بحكم الزمالة والصداقة الطويلة. فقلت لهم انه الكاتب والشاعر التجاني حسين فضربوني ايضا. وقبل ان اجلس لأرنب نط رأيت حسن كلابش ميرغني يجري نحوي بإندفاع وفي يده كيبل كهرباء ، وقفز الى اعلى وضربني هابطا بكل قواه في جبهتي علي مقربة شديدة من العين اليسرى ، لمعت البروق في عيوني وسقطت فاقدا الوعي، استيغظت بالركلات والصياح من كل جانب " قوم يا طابور " وذلك لكي الحق الآخرين. فقد استأنفوا الحفلة من جديد.
رأيتهم يضربون التجاني حسين ويصرون عليه ان ينهض، فلا يقدر ، وعندما تكاثرت عليه الضربات والصيحات حاول ان يتحدث، فلم يستطع، فقد ضاع صوته تماما .. وبعد محاولات للنطق سمعناه يقول لهم : " افعلوا ما شئتم فأنا غير قادر علي القيام". حالته انستنا ما بنا تماما في تلك اللحظات.
بعد السادسة من صباح الجمعة صدرت الاوامر بالدخول الى الحمامات. والاستحمام شئ عزيز افتقدناه منذ حضورنا الى هنا قبل اسبوع كامل وسنفتقده كثيرا في الايام القادمه.. كانت وجوهنا ورؤوسنا وملابسنا الممزقة علي اجسادنا مغطاة بالطين كلها، وخرق الملابس ملتصقة بمواضع الجروح .. الرضوض والكدمات وآلامها المبرحة لم تمنعنا من تبادل الإبتسامات الخفية شعورا بالقوة وزهو الإنتصار. خلعنا الملابس بمشقة والقيناها ، وبالتناوب دخلنا الحمامات عرجا ومكاسير كما كان يقول الإمام المهدي في منشوراته داعيا الناس للإلتحاق به والثورة علي الحكم التركي. وفي تلك الفترة قاموا بتفريغ الزنزانة 17 وتوزيع من كانوا بها الى زنزانات وتخصيصها لنا.
احمد ابوزيد
06-07-2014, 08:21 PM
بالطبع لم يقترب احد من الطعام الذي جلبوه.. بعد ساعتين تقريبا أمرونا بالخروج وأعلنوا مواصلة البرنامج : الزحف علي الصدر - دون استعمال الأيدي - فوق الحصى الساخنة، ارنب نط ..الخ. وعند منتصف النهار امرونا بالوقوف في وضع الاستعداد العسكري حفاة علي المصطبة الأسمنتية أمام الزنازين تحت شمس السودان التي تذيب الإسفلت صيفا.. ولن اتجاهل هنا الإشارة لموقف الحرس ، الذي تم تكليفه بحراستنا في ذلك الوضع، عندما ذهب البقية لصلاة الجمعة، وذلك ما بين الثانية عشرة والنصف والثانية. فقد سمح لنا ذلك الحارس بأن نسترخي في وقفتنا تلك وان نحرك اقدامنا كما نشاء لتخفيف وطأة ذلك الحر الغائظ. وبمجرد عودة الآخرين أمرنا بأن نعود الى وضع الإستعداد وعدم الحركة، اي كما كنا.
عند السابعة مساء انتهت الحفلة وعدنا الى الزنزانة 17 واخذنا نتقلب علي ارضيتها المصبوبة بالأسمنت المسلح بحثا عن وضع غير مؤلم، ونضحك علي بعضنا البعض. وفي تلك الفترة سمعنا بحقيقة الرواية التي قاموا بتزييفها تبريرا لتلك الحفلة (رغم ان احدا لا يطالبهم بتبرير ما يفعلونه).
// الرواية زكرناها فيما سبق محدده ب علامة نجمة (*).
وقبل منتصف الليل بقليل جاءت الأوامر بأن يعود كل منا الى زنزانته الأصلية وان يعود سكان الزنزانة 17 الى زنزانتهم. في زنزانتي 11 كان اكثر الزملاء غضبا وانفعالا لما جرى لنا هو "طارق التونسي" وقد سعدت جدا عندما وجدته وقد كفر بما كان يسميه " الحكم الاسلامي في السودان ".
اشترك في ذلك الحفل من جانب الأمن : الضابط عبدالله - طوكر - ابوزيد - حسن - مقبول - جهاد - عمر - عطية - عبد الرضي - عبداللطيف - كرار - دكين - يوسف - الفاتح - عبدالوهاب ..الخ.
ومن المعتقلين: عبدالمنعم عبدالرحمن ، عضو نقابة المهندسين الزراعيين - المعلم فيصل حسن التجاني - حسن هاشم - المهندس محمد وداعة الله - الشاعر التجاني حسين دفع الله - الإعلامي علي احمد حمدان ماهل - التجاني مصطفى (صاحب ومدير مكتبة ابن رشد) - احمد دهب (احميدي) - نادر عباس - عادل - الارتريان عثمان والتاج (حرس منزلي) - والعامل الزراعي علي ابكر .. الخ.
وكان شهودهم حوالي ثمانية معتقلا علي رأسهم عمنا المناضل العنيد ، الحاج مضوي محمد احمد - مولانا الأستاذ ميرغني عبد الرحمن (آخر وزير تجارة في العهد الديمقراطي) - والاستاذ كمال الجزولي المحامي - سيد هارون، عضو الجمعية التأسيسية "آخر برلمان ديمقراطي منتخب". العميد (م) نصر حسن بشير نصر - مقدم شرطة (م) عيسى - ملازم امن (م) الجمري - العم آدم المبارك.. الخ.
احمد ابوزيد
06-07-2014, 09:55 PM
(7)
إسلاميون وأجانب أيضا (الخارطة البشرية للواحة)
في الليلة الأولى، التي قضيتها واقفا ورافعا اليدين الى اعلى، وعند اذان الفجر ليوم 5/8 فتحوا الابواب - كل مجموعة زنازين مع بعضها - ليخرج المعتقلون الى صفوف المراحيض ، ويؤمر عدد منهم بملء طشت الوضوء (اطشات غسيل من الألمونيوم والحديد، وهي صدئة وقذرة).. الأوامر الدائمة ان يتم كل شئ في سرعة شديدة .. واذا مكثت اكثر من دقيقتين في المرحاض سيأتي من يطرق لك الباب بعصى غليظة وعنف صاخب.
تركوني واقفا في مكاني داخل الزنزانة - ونادوا من معي لأكون لوحدي في النهاية بعد ان ينتهي كل المعتقل .. وفي تلك الأثناء كنت قادرا علي استراق النظر من حين لآخر وسط الزملاء الخارجين من زنازينهم، ورغم الظلام وخطورة ان يكتشفوك وانت تتلفت او تسترق النظر ، استطعت التعرف علي معظم المعتقلين الذين اعرفهم مسبقا.
مع شروق الشمس لمحت علي بعد شابا قصيرا عند السور الفاصل بين القسمين رافعا اليدين " في حالة استقبال" وكانت المفاجأة انه هو عثمان الأرتري، الذي يسكن معي بالمنزل كحارس ليلي، لقد اشفقت عليه كثيرا في ذلك الموقف ، وعلمت فيما بعد انه اقتادوه من منزلي في نفس ذلك اليوم عندما عاد ليلا برفقة صديقه التاج ليباشر عمله.
وعندما فتحوا الزنازين لوضوء صلاة العصر واستلام وجبة الغداء ، رأيت صديقه " التاج " في نفس موقف "حفلة الاستقبال" ومعه شخص آخر لم يخطر بذهني علي الإطلاق ! .. هو " علي ابكر " احد ابناء اقليم دارفور. يعمل في الاشراف علي حديقة المنزل الذي اسكنه، ويمارس ذلك الإشراف بالحضور مرة واحدة في الإسبوع (صباح الجمعة من الثامنة الى العاشرة صباحا).. المسكين لم يكن يدري ان مصيدة قد نصبت له في ذلك الصباح ولمساكين آخرين مثل "التاج" و "عثمان" وكان ما كان لهما ان يقضيا حوالي 3 اشهر في بيت الأشباح، اما عثمان فقد قضى 6 اشهر بأكملها. وكانوا جميعا جزءا من البرامج والطوابير التي جرت في تلك الفترة.
احمد ابوزيد
06-07-2014, 10:15 PM
خلال الإسبوع الاول تكونت لدي صورة عامة عن زملائي في المعتقل، وهي الصورة التي تطورت فيما بعد واستوعبت حركة الخارطة البشرية المتحركة دائما في المعتقل.. كانت مجموعة ابناء جبال النوبة هي الاكثر عددا ، ويمتازون بالبساطة والأدب الجم والتدين - مسلمون كانوا أو مسحيين - والتهمة التي يرزحون تحتها دائما في ظل الأنظمة الدكتاتورية هي " التخطيط لمؤامرة عنصرية " رغم انهم عنوما وطنيون ومخلصون لإنتمائهم للسودان ويتواجدون في كل الأحزاب السياسية.. ولأنهم كقبائل وكمنطقة عانوا من الاهمال في كل العهود الوطنية - مثلهم مثل كثير من المجموعات الوطنية - مثلهم مثل كثير من المجموعات السكانية في اقاليم السودان المختلفة - تشكل لديهم شعور بالغبن ، ويتململون من حين لآخر تعبيرا عن ذلك الغبن ، واحيانا يحدث ان يكون هنالك من يكسب طاعتهم ويؤجج فيهم ذلك الشعور ويعمل علي استغلاله في اتجاهات معادية لقضاياهم الخاصة ولقضايا وطنهم العامة، ولذلك لم يكن غريبا أن كبير تلك المجموعة "عمرا وتعليما" صرح للصحف المحلية بعد اطلاق صراحه بأنهم "وجدوا معاملة طيبة في المعتقل" في حين ان تلك المجموعة واجهت اشرس انواع التعذيب ، وبعد ان قضى افرادها 9 اشهر في بيت الاشباح الرئيسي بالخرطوم (ابريل 92 - يناير 93) تم نقلهم الى سجن سواكن (البحر الأحمر) حوالي 800 ميل شرق الخرطوم - بعربة نقل مكشوفة ومهترئة، كما ينقلون القطعان وجوالات الاسمنت. اذكر منهم: النور ابراهيم الدود وشقيقه نجيب - مهنا ادريس كنونه - المساعد الطبي مختار - آدم مبارك - الرقيب اول محمد نور - ود السلطان - صباحي عبدالرحيم (ابن سلطان الداجو) - يونس (مسيحي دون العشرين) ، كانوا حوالي 26 من المدنيين ومثلهم من العسكريين في موقع آخر.
احمد ابوزيد
06-07-2014, 10:33 PM
من الاتحاديين كان هنالك عمنا الوطني ، الحاج مضوي محمد احمد - ميرغني عبد الرحمن حاج سليمان (آخر وزير تجارة في العهد الديمقراطي) - سيد هارون، عضو الجمعية التأسيسية (آخر برلمان منتخب) - الدكتور فاروق احمد آدم، الذي للنظام معه ثأر خاص لأنه وزميلا له كانا اعضاء في آخر برلمان ديمقراطي منتخب واعلنا من داخل البرلمان استقالتاهما من الجبهة الاسلامية وانضمامهما للحزب الاتحادي الديمقراطي .. والاستاذ سيد احمد الحسين ، نائب رئيس الوزراء في العهد الديمقراطي، الذي قضى معنا حوالي اسبوع واحد في الزنزانة رقم 7 قبل ان يتم ترحيله الى مدينة الضعين بغرب السودان، لتقديمه لمحكمة هناك بتهمة انه كان يتعامل بالسلاح مع حركة قرنق في تلك المنطقة، إبان توليه لمنصب رسمي في الحكومة الديمقراطية - ثم ود المأمون، التاجر والرياضي المعروف بمدينة الابيض بغرب السودان، والذي اعتقلوه هناك ثم نقلوه الى بيت الاشباح بالخرطوم .. ومن بين المتهمين بالإنتماء الى حزب البعث : النقابي عبدالمنعم محمد عبدالرحمن، عضو المكتب التنفيذي لنقابة المهندسين الزراعيين - الفنان عاذل مصطفى - التربوي فيصل حسن التجاني - المهندس محمد وداعة الله - حسن هاشم محمد فضل - احمد دهب وشقيقه عادل - نادر عباس - علي احمد حمدان - الصحفي والشاعر التجاني حسين وآخر اعتقلوه لأنه حضر الى نفس المنزل الذي اعتقلو منه التجاني - عبدالمجيد المغربي وشقيقه وعدد من العاملين والزائرين لمكتبته (مكتبة الفارابي) بوسط الخرطوم - شريف محمد يس والنقابي احمد جمعة حماد.
احمد ابوزيد
06-07-2014, 11:16 PM
وبين الذين كانوا متهمين بأنهم شيوعيين كانت هنالك مجموعة اشتهرت باسم (مجموعة الشاي) وهم مجموعة اصدقاء خمسة - مهندسيين وذو مهن حرة - اعتادوا ان يلتقوا ويشربوا الشاي أمام منزل احدهم في منطقة بري المواجهة للنيل الأزرق بالخرطوم ، وفي عصر احد الأيام فوجئوا بقوة من الأمن طوقتهم وقامت بتفتيشهم ثم اقتيادهم الى رئاسة الأمن ثم الى بيت الأشباح - بالإضافة الى المحامي والشاعر كمال الجزولي - و ((( خالد الحاج ))) - عوض عباس - فوزي امين - حسن محمد عثمان - صلاح العالم.
ومن حزب الأمة عاصرت: تيراب تندل آدم - ابوبكر عبدالمجيد الطيب، الأول احد المرافقين الشخصيين للسيد الصادق المهدي ، والثاني من شباب الأمة ويعمل في سكرتارية الصادق المهدي في منزله بعد الظهر، وتم اعتقالهما - حسب روايتهما - لسبب غريب، لكنه ينسجم مع طريقة الأمن في الإعتقالات الكيفية المزاجية في اغلب الأحيان ..
ففي تلك الفترة كانت هنالك رقابة امنية لصيقة للسيد الصادق المهدي ، سيارة من الامن تقف بشكل دائم امام منزله وتتحرك خلفه اينما ذهب ، وفي ذلك اليوم خرج لحضور حفل استقبال تقييمه احدى السفارات العربية بالخرطوم ، وكان الرجلان (تيراب وابوبكر) برفقته، وتابعتهم سيارة الامن ، وفي الطريق تعطل احد اطارات سيارة الامن، وبعد تغييره لم يتمكنوا من معرفة الى اين اتجه السيد الصادق ومرافقاه. فعادوا الى متزله وانتظره الى ان عاد ليلا، فاعتقلوه ومرافقيه ليقضي ابوبكر شهرين وتيراب اربعة اشهر في بيت الاشباح.
كذلك من حزب الأمة ظهر بكري احمد عديل (نائب برلماني ووزير في العهد الديمقراطي) لمدة يوم واحد في الزنزانة رقم 4 ثم اختفى.
ومن بين العناصر الديمقراطية 3 اطباء هم : صلاح - مامون - مجدي محمداني الذي قضى معهما شهرين بالزنزانة رقم 6 ، ومن ثم قضى شهرا آخر في البيت القديم (الداخلي) - المهندس الزراعي ادريس نوري ادريس فايز الصحفي السابق في جريدة "الشماسة" - ثم الدكتور كامل ابراهيم حسن الاستاذ بكلية الزراعة بجامعة الخرطوم .
وفي الزنزانة رقم 1 العميد نصر حسن بشير ، القنصل العام السابق بالسعودية وشقيقه زكي حسن بشير ، موظف بسفارة الامارات بالخرطوم، والذين تم تقديمهما لمحاكمة فيما بعد وكان الحكم بإعدام الاول وسجن الثاني ، وتم تخفيف حكم الاعدام للسجن المؤبد بقرار رئاسي..
وهنالك مجموعة أخرى كان افرادها متهمين بالتخابر مع ليبيا .. والرواية التي راجت آنذاك هي ان احدهم - وكان يعمل بجهاز الامن مسؤولا عن استلام التقرير اليومي الشامل لحالة لجهاز الامن في القطر لأرشفته وتوزيع صور منه لكبار المسئولين - كان يأتيهم بصورة من ذلك التقرير ، ومنهم: علي مكي وخالد عبدالمنعم - الطريفي محسن.
اما الظاهره الملفته للإنتباه طوال فترة وجودي في المعتقل ، فقد كانت وجود وتعاقب اعداد كبيرة من الأجانب في المعتقل ومن بينهم "اسلاميون" من الجزائر وتونس وارتريا .. فقد عاصرت حوالي 6 من شباب الحركة الاسلامية في تونس والجزائر، كان من اميزهم "طارق التونسي" من حيث الوعي والصلابة والإدانة الكاملة لكل ما رآه في المعتقل. هؤلاء الإسلاميين قد تتفق رواياتهم وقد تختلف، ولكن الشئ المشترك فيما بينهم انهم حضروا الى السودان للإحتماء بحكومته الاسلامية، وان التنسيق القائم بين تنظيماتهم وبين الاسلاميون في السودان وسلطتهم ينص علي ان الذي يحضر منهم الى السودان عليه ان يذهب في اول يوم جمعة الى مسجد جامعة الخرطوم وان يتصل فور انتهاء الصلاة بخطيب وإمام المسجد "احمد حاج نور" . غير انهم حضروا واتصلوا بالشيخ احمد حاج نور دون كلمة السر "الشفرة" المتفق عليها بينهم. فكان مصيرهم بيت الاشباح والطوابير بدلا من الفلل والشقق الفاخرة التي ينعم فيها اقرانهم من كل حدب وصوب في احياء مدينة النيل والرياض والطائف بالعاصمة.
احمد ابوزيد
07-07-2014, 12:33 AM
وبهذه المناسبة وغيرها علمنا ان بعض قيادات حزب الجبهة الاسلامية الحاكم أعضاء في جهاز الامن، كمشرفين علي بعض الأقسام، برتبة "العميد" مثل : احمد محمد نور المسئول عن منطقة المغرب العربي - ابراهيم السنوسي (نائب الامين العام للمؤتمر الشعبي) المسئول عن منطقة جبال النوبة وغرب السودان عموما.
وفي الأيام الآخيرة التي قضيتها في بيوت الاشباح احضروا حوالي 6 من شيوح حركة "الجهاد الاسلامي" الارترية واحتفظوا بهم بعيدا عن المعتقلين. لم يسعفنا الزمن لمعرفة قصتهم ، ولكنهم ذكروا لأحد الزملاء من المعتقليت في محادثة قصيرة ، انهم علي علاقة طيبة للغاية مع الحكومة "الاسلامية" في السودان، وان السلطات عندما احضرتهم الى المعتقل كانت قد اخطرتهم بأنها ستأخذهم الى فندق !!..
هذا وقد كان في المعتقل اعداد من المتهمين في جرائم جنائية عادية ففي كل قسم تجد واحد منهم او اكثر مع المعتقلين السياسيين في زنزانة واحدة ، ومنهم المهربين من الرشايده والبطاحين ، وبعض الشباب الذين انتحلوا شخصيات رجال الشرطة ، وتجار العمله ، وموظفون في الاراضي متهمون بالفساد ، وشخص متهم بالتحرش وإغواء طالبات كلية الاحفاد ، وآخر متهم بسرقة ماعز !! وهكذا .. لم نجد تفسيرا لتلك الظاهرة سوى انها تستهدف تدمير الروح المعنوية للمعتقليين وإضعاف وحدتهم اذا قرروا اتخاذ مواقف جماعية احتجاجية (كالإضراب عن الطعام مثلا) اذ ان مثل هؤلاء الناس وبحكم طبيعتهم ، لا يهمهم كثيرا مما يهم ويهتم به المعتقل السياسي و النقابي.
.............
يتبع
احمد ابوزيد
07-07-2014, 08:05 PM
(8)
الليلة الدامية . . أو الموت عطشن . .
في مطلع سبتمبر ، كان بعض افراد الحراسة قد درج . كل في ورديته، علي فتح ابواب الزنازين بين صلاتي العصر والمغرب والسماح للمعتقلين بالجلوس امامها في المصطبة، ولكن دون كلام او همس او اختلاط بين الناس من زنازين مختلفة، المهم كان في ذلك بعض الترويح واستنشاق هواء نقي .. كان هذا يحدث من افراد محدودين، ولكن الطوابير الجماعية والفردية ليلا ونهارا ، بسبب او بدون سبب لم تتوقف، واحيانا يبررونها بأنها لزوم عدم الإرتخاء أو الاسترخاء بحسب تعبير زعماء هؤلاء الحراس! وتكون الليلة منها بعد منتصف العشاء مباشرة، وتمتد لمنتصف الليل او حتى الصباح، أو تبدأ عند منتصف الليل بإيقاظ مفاجئ للمعتقلين وتمتد للفجر.
ومن العادات الدارجة عندما يكون هناك معتقل جديد ، ويكون شخصية معروفة في الحياة العامة او بالنسبة لهم " صيدا سمينا " ، ان يعلنوا ما يشبه الاستنفار. فنجلس ارضا داخل الزنازين ويفرضون رقابة لكي لا يرسل احدنا بصره من اعلى الباب الى ان يدخل القادم الجديد في زنزانته الانفرادية ، ولا يخرج مع الآخرين في وقت واحد للمرحاض او غيره ، ذلك لكي لا يراه احد ..
في عصر يوم الأحد 9/12 ، وبينما كنا نجلس صفا في المصطبة، التي تمتد امام الزنازين بإشراف ومراقبة بعض الحراس ، أتى بقية الحراس ، من جهة البيت القديم (الداخلي) حيث يقع الباب الخارجي مهرولين وأعلنوا الاستنفار بمعنى ان ندخل زنازيننا ونجلس ارضا دون حراك .. كان واضحا ان معتقلا جديدا علي درجة عالية من الأهمية والسرية في طريقه الينا . فدخلنا اماكننا، بعضنا جلس بينما استلقى البعض دون اكتراث او محاولات للتخمين ، كما نفعل في السابق، فقد تعودنا علي ذلك و ستمضي الايام سريعة او بطيئة وسنعرف من كان ذلك القادم المهم ! وكما يقول اهلنا في مصر :
" يا خبر الليلة بفلوس بكره ببلاش" ..
احمد ابوزيد
07-07-2014, 08:27 PM
للأخوة الجنوبيين حاسة عالية في معرفة بعضهم، لاحظت ذلك فيهم منذ معتقلات نميري في سجن كوبر ، وفي حالة زميلنا المعتقل الجديد هذا ، استطاع اثنان من الجنوبيين، الذين كانوت معنا ، ان يتعرفوا عليه دون ان يروه ودون ان يكونوا علي معرفة مسبقة به كما ذكروا. ففي منتصف نهار اليوم التالي (الاثنين) قالوا لنا انه العميد "كاميليو أودينقو" وانه كان محافظا لمحافظة توريت قبل سقوطها في يد الحركة .. في نفس ذلك اليوم استطعنا ان نرى كاميليو اودينقو للمرة الاولى: "في حوالي الخمسين من عمره ، متوسط القامة ، قوي البنية ، يتخلل الشيب شعر رأسه ، يرتدي بنطلون جينز وتي شيرت ذا خطوط أفقية خضراء وحذاء رياضيا من ماركة اديداس وكلها جديدة ، كانت يده اليمنى مقيدة بالكلابشات في قضبان النافذة الخلفية الصغيرة، ومع ذلك ، وفي ذلك اليوم والايام التالية ، كان يتصرف كقائد عسكري وضابط عظيم في هيئته ونظراته وصوته.
احمد ابوزيد
07-07-2014, 11:05 PM
كان يحاول ان يعلو بجسمه لكي يكون في مستوى يده المربوطة الى اعلى النافذة، وصدره ايضا الى اعلى، والى الأمام، ينظر بحزم تجاه الباب. ومن وقت لآخر ينادي بلهجة القائد الآمر، صائحا: يا عسكري ، يا نبطشي، "نوبتجي" ونادرا ما يأتيه احد الحراس ، فقد كان واضحا انه غير مسموح إلا لأفراد محددين ان يتعاملوا معه او يجيبوا عليه، والذي يأتي ويستمع اليه يذهب الى هؤلاء الأفراد لتبليغه وهم بدورهم كانوا يأتون اليه بوجوه يعلوها الغضب والغيظ ويسألونه بحده بالغة "ماذا تريد" "يا زول ما تتكلم" هل ستتحدث ام لا؟ .. وكان رده دائما بصوت اقوى وحدة أعلى: "لا ما عندي كلام" "انا عايز مويه" (يريد ماء)..
انقضى ذلك اليوم وحتى بعد ظهر اليوم التالي ( الثلاثاء 9/14 ) علي تلك الحالة .. يرفض الطعام غي الغالب ويطلب ماء ويشربه ممسكا الكوز (الكوب) بيده اليسرى.
وشاهدناه اكثر من مرة يطلقونه من القيد ويذهبون به الى المرحاض ، بعد ان يطلب ذلك مرارا. فقد كان الرجل يشرب الماء كما ذكرت .. في تلك الأثناء كنا نتزكر الحدث الذي جرى نهار أحد الأيام قبل شهر تقريبا من تلك اللحظات، عندما فتحوا ابواب الزنازين في التاسعة صباحا وامرونا بالخروج منها والجلوس حول جهاز راديو جلبوه، وكان الراديو يذيع المارشات العسكرية والأناشيد الحماسية مع تنويهات من المذيع بأن الفريق عمر البشير سيذيع بيانا هاما فترقبوه. سرت بين المعتقلين روح من التفاؤل اعتقادا منهم ان في الامر عفوا عنهم سيصدر !! وبعد دقائق من الانتظار (بدت لنا طويلة جدا) اذاعوا البيان الذي اعلن عن استعادة مدينة توريت من ايدي حركة قرنق.. احد العسكريين المعتقلين معنا كان تقديره صحيحا. اذ توقع مسبقا ان يكون الأمر متعلقا بتوريت.
تذكرنا ذلك اليوم فيما يشبه التساؤل عن هل هنالك علاقة بين استعادة توريت واعتقال محافظها العميد اودينقو ؟ المهم والى هذا الحد كان الأمر بالنسبة لنا عاديا ومألوفا : الربط بالكلباش علي قضبان النافذة ، الضرب ومختلف صنوف التعذيب سواء من باب الانتقام او لانتزاع معلومات .. ولذلك كانت حالة كاميليو اودينقو مألوفة، وكنا نتوقع انها مسألة ايام وتنتهي ليكون عاديا ويندمج معنا في حياة المعتقل اليومية، غير ان الوضع ، منذ فجر الاربعاء 9/15 الباكر ، اصبح لافتا للنظر ، حيث لاحظنا ان يده اليسرى ايضا تم تقييدها بالكلابش علي القضيب الثاني ، ولم تعد رجلاه تتحركان ، والجسد الذي كان خلال يومين يتعالى علي الوضع قد ارتحى الى اسفل، وصوته قد وهن وانخفض، ولكن دون ان يتخلى عن النبرة الآمرة واللهجة الحازمة، واصبح تجاهل الحراس تاما لنداءاته ... إذ لم يفتحوا له الابواب طوال ذلك اليوم ليخرج. وقد تكرر مرتين ان الافراد المحددين للتعامل معه اتو اليه داخل الزنزانة ومعهم كوب من الماء ومعلقة، فيعطونه ملعقه واحده من الماء ويسألونه "يا زول متتكلم؟" فيرفض بصوت واه متحشرج. وعندما يخزله الصوت يكمل الرفض العنيد برأسه !!
وعندما اضاءوا الزنازين وفناء المعتقل عند المغرب ، تركوا زنزانته مظلمة ! ومع هذه الملاحظة الاخيرة همس لي احد اصدقائي الجنوبيين أن هذا الرجل سيموت !!
احمد ابوزيد
07-07-2014, 11:36 PM
في السابعة والنصف من مساء نفس اليوم ( الأربعاء 9/15 ) وبعد الوضوء لصلاة العشاء وإعادتنا للزنازين وإغلاقها مباشرة، أتى رئيس الحراس "نور الدائم" وعدد من جماعته يطوفون علي الزنازين وهو يعلن مناديا " يا ناس .... أحسن تنوموا كويس، طوابير الليلة حتبدأ نص الليل طابور صباحي، نوموا كويي واستعدو" !!. لم يحدث مطلقا قبل ذلك ان اعلنوا عن طابور قادم، وانما الطابور دائما يكون في لحظة اعلانه ولكن إعلانه المسبق (نوموا جيدا فهنالك طابور قادم) كان شيئا جديدا تماما .. لأكثر من مرتين علي مدى ساعة كرروا نفس الإعلان، وبالفعل نام البعض، وتناوم البعض الآخر ودار الهمس الخافت داخل زنزانتنا، حيث كان معي عدد من الاخوة الجنوبيين أحدهم، والذي اشرت اليه قبل قليل كان قلقا، ازداد قلقه عندما تحدثنا عن ان هذا الإجراء غير طبيعي.. بعد الإعلان الآخير بدقائق اطفأوا انوار الحوش (الفناء) والذي كانوا يحرصون ان يكون جيد الإضاءة في كل الأحوال .. وتركوا الزنازين مضاءة كالعادة..
غلبني النوم .. بعد فترة ايقظني صديقي الجنوبي منزعجا وطلب مني ألا انوم ، واللهجة الحبيبة تعلوها عواطف مضطربة، "ما تنوم ياكي" "لا تنم يا اخي".
مضت فترة أخرى كنا نكتفي خلالها بالنظر الى بعضنا دون ان نتحدث. وكأن كل منا كان يؤكد للآخر انه مستيقظ.. مرة أخرى غلبني النوم فنمت .. استيقظت لوحدي ثم نمت ثانية، وتكرر ذلك، وفي كل مرة استيقظ فيها ارى صديقي يرمقني متوسلا الا اعود للنوم..
في حوالي الثانية عشر والنصف شعرنا بحركة خافتة. أيقظنا اثنين آخرين وتنصتنا جيدا، ورأينا شخصين يدخلان ويخرجان من الزنزانة 13 (حيث كان اودينقو منفردا) وهم حفاة يسيرون بحذر ويتوقفون امام ابواب الزنازين المجاورة ليتأكدوا ان الجميع نيام، وانه لا احد يشعر بهم !! في هذه المرحلة كان النظر يتم من اسفل الباب، فالزنازين مضاءة وبالتالي تسهل لهم رؤية أي معتقل يحاول النظر من أعلى الباب .. ثم حضر شخصان آخران. وهم ايضا حفاة وكانا يحملان شيئا. لم نستطع ان نتبينه في بادئ الامر ، ودخلوا الزنزانة 13 .. وبعد اقل من دقيقتين عادوا يحملون نفس الشئ بهدؤ تام ومطمئنين بأنه ليس هناك من يراهم .. وبعد ان مروا من امام زنزانتنا شمالا في اتجاه الباب الخارجي واعطونا ظهورهم ، اصبح الوضع مناسبا لأن ننظر من اعلى الباب. فرأيناهم يحملون أودينقو علي السرير... اعتقدنا للوهلة الاولى ان حالة اودينقو الصحية خطرة ، الا ان صديقي الجنوبي كان يجزم بأنه قد مات .. ثلاثة كانوا يحملون السرير والرابع يسير من خلفهم، وهو يحمل حزاءه "الاديداس". وقبل ان يجتازوا الباب المؤدي للبيت القديم بخطوتين تقريبا ، قزف الرابع ، ولعله كان ابوزيد، قزف حذاء اودينقو في سقف البيت القديم .. فعلا مات الرجل .. وضعوه في السيارة البوكس (تايوتا هايلوكس) التي يستعملها نور الدايم، وكانت تقف عند الباب، سمعنا صوتها تعبر البوابة بسرعة وتنطلق في جوف الليل حاملة الجثمان ومن كانوا يحملونه..
احمد ابوزيد
08-07-2014, 12:10 AM
كان الخبر واضحا في وجوه المعتقلين في اليوم التالي .. لاحظنا طوال ذلك اليوم (الخميس) غياب "ابوزيد" الموجود دائما والذي يسكن رسميا في البيت القديم. وفي اليوم التالي (الجمعة) قبل منتصف النهار بقليل شاهد الجميع ابوزيد يدخل متجهما ويلقي بنفسه في سرير الحراس الموجود قرب الباب، ورقد علي ظهره مغطيا وجهه بيديه لمدة نصف ساعة تقريبا، ثم غادر المكان وعاد الى عمله بعد يومين بصورة عادية ..
في اللحظة التي تأكدنا فيها بأنه توفى ، جلس زملائي ارضا وهم في ذهول .. ظللت انا واقفا لفترة انظر الى اعلى الزنزانة 13 متوهما أنني ارى روح كاميليو .. وبعد ان تمددت وملأت الزنزانة المظلمة .. قد اخترقت سقفها الصلب الى اعلى ، مجللة بالسواد ، بينما كنت في الواقع اسمع صوت العربة التي تحمل جسده تبتعد بسرعة وضجيجها يملأ اركان الخرطوم ، ومضيت اخاطب روحه وهي تصعد الهويني:
(كاميليو اودينقو:
يقرأ الناس ويسمعون سير البطولة والثبات علي المبادئ حد الموت ..
ولكن "ليس من رأى كمن سمع" كما يقولون ..
لا اعرفك ولا تعرفني، ولم اسمع بك قبل تلك الأيام ، قد نختلف، وقد نتفق كثيرا او قليلا تماما ..
فاعلم يا اودينقو ، إنا نشهد ان الماء امامك عذبا كان، وسائغا في الأكواب، وكانت فيه حياة .. ولكن: ..
وصلتنا رسالتك في لحظتها ، وهي بطرفنا.
فاعذرنا علي تأخير الرد يا اودينقو..).
...........
يتبع
احمد ابوزيد
08-07-2014, 01:34 PM
(9)
نحنا ما شغالين مع البشير .. وقصص أخرى
احد ابناء قبيلة الشلك، بجنوب السودان، أعتنق الاسلام وتزوج من امرأة شمالية مسلمة وأطلق علي نفسه اسم "عبد الرحمن" .. عاش عبدالرحمن وعمل بالسعودية لمدة سبعة اعوام ، وعاد الى السودان فتم اعتقاله بعد فترة من عودته. ما سمعناه عن اعتقاله انه كان اعتقالا كيديا من زوجته واهلها، وتواطؤ بعض عناصر الأمن معهم اثر خلاف عائلي بينهم حول منزل أو ممتلكات لا اذكر جيدا.. المهم ان عبدالرحمن الشلكاوي اتى الى بيت الاشباح، حيث رأيناه بلحيته الأنيقة شابا هادئا دائم الابتسام ومتدينا .. وفي ظهر احد الأيام ، وتحت الشمس اللافحة ، رأينا عبد الرحمن مقيدا الى عمود في منتصف فناء البيت، يقف ملتصقا بالعمود وقد التف الحبل حول جسمه والعمود، بما فيه اليدين والساقين، وهو يتصبب عرقا وانفاثه لاهثة، مع ذلك كانت بقية من ابتسامته الصافية تعلو وجهه .. وكان افراد الحراسة في ذهابهم وايابهم يقومون بالواجب تجاهه. هذا يضربه ، وذاك يبصق عليه ، وآخر يرشه بالماء ..الخ لقد كانوا يقيمون عليه " الحد " .. نعم كانوا يقيمون عليه " حد الردة " كما ذكروا بكل بساطة !! والسبب ان عبد الرحمن - وعلي ضوء المعاملة والطوابير وحفلات الاستقبال التي يراها يوميا، إضافة الى مشكلته الشخصية - قال لهم بوضوح ازعجهم: " أنه برئ من الإسلام إذا كان الإسلام يعالج الخلافات والمشاكل بهذه الطريقة التي يراها. " ، فاعتبروه مرتدا عن الاسلام واقاموا عليه " حد الردة "بالشكل الذي رأيناه و وصفته !! ولا تعليق.
فما قاله عبدالرحمن واضح وما فعلوه واضح وحكم الردة وتنفيذه ووسائله واضحة.. ولا عجب.
احمد ابوزيد
08-07-2014, 02:46 PM
وقد حدث ان اقاموا حد الشرب علي عدد من المعتقلين، في فترات مختلفة، وذلك اذا اشتموا رائحة الخمر من احد المعتقلين الذين يتم إعتقالهم ليلا، فإنهم يقررون عليه " حد الخمر " داخل بيت الأشباح وينفذونه بجلده ، ويتكرر جلده في كل وردية من ورديات الحراسة داخل البيت، ولا يكتفون في ذلك بالأربعين جلدة، وإنما يضاعفونها مرة ومرتين في كل وردية .. لقد شهدت مثل هذا الحكم وتنفيذه علي شخصين.
عبدالمجيد المغربي، او (مجدي) كما يسميه اصدقاؤه وزبائن مكتبته الشهيرة، من عائلة آل المغربي الخرطومية العريقة، ذو مواهب في مجالات الإدارة والتنظيم ، معروف بعلاقته الوثيقة مع الكتاب منذ صباه، وبعد سنوات من اكمال الدراسة والعمل اهتدى الى وسيلة للكسب، ولتتويج علاقته بالكتاب، في وقت واحد، فأسس مع آخرين " شركة الفارابي للكتب والأدوات المكتبية " واصبح مديرا عاما لها ، وذلك منذ اواخر السبعينات تقريبا.. في الواحدة من ظهر احد ايام الاسبوع الاول من شهر يونيو 1992 فوجئ المغربي ومعه ايضا زوار المكتبة والعاملون فيها برجال مسلحين وقد طوقوا المكتبة من الداخل والخارج، وأمروا الجميع بعدم الحركة، فتشوا المكتبة في طابقيها ومكاتب الشركة، وأخذوا كل الأموال التي في الخزنة، ثم اقتادوا الجميع الى مكاتب جهاز الامن بعد ان اغلقوا الشركة واخذوا مفاتيحها ومفاتيح شقة المغربي وسيارته الخاصة .. ومن هناك الى بيت الاشباح وفق الإجراءات المعروفة من تعصيب العيون وحفلة الاستقبال ..الخ. وقد خضع المغربي بعد ذلك لتحقيقات عديدة، بما فيها تحقيق في رئاسة الإستخبارات العسكرية بإشراف قائدها، وسألوه عن أوراق ومنشورات معادية للسلطة زعموا إنهم وجدوها في أدراج مكتبه عندما " اعدنا تفتيشه " بعد اعتقاله .. قضى المغربي حوالي شهرين أو اكثر قليلا ثم أفرجوا عنه وعن الذين كانوا معه من عاملين وزوار.
احمد ابوزيد
08-07-2014, 04:08 PM
وفي عصر يوم غائم وممطر من أيام شهر سبتمبر ، فوجئنا بعبد المجيد المغربي ببدلته البيضاء ، وقد تلطخت بالطين ، يمشي بصعوبة متعثرا .. بقيادة ثلاثة من الحراس ، بجتازون به الفناء نحو الزنزانة 4 !!.. أذكر هنا انه من الأمور العادية تكرار اعتقال الشخص لأن طول فترة الاعتقال يؤدي الى ان تكون حالة معروفة ومؤكدة في الداخل والخارج، وبالتالي تمارس المنظمات والاتحادات الدولية ضغوطا اعلامية لإطلاق سراحه، ومن هنا عمدت السلطات الأمنية علي انتهاج سياسة الاعتقالات القصيرة (2-3 شهور) ولكنها متكررة، اي اعتقاله بعد شهر او اسابيع او هكذا.. غير ان الاعتقال الثاني للمغربي كان مختلفا عن ذلك النهج. كانت قصته كالآتي:
عكــود
08-07-2014, 05:40 PM
سلام أحمد،
كل الشكر على هذا التوثيق المهم الذي يجب أن يظل ماثلاً أمام أعين كل من يدافع عن هذا النظام.
وحشية لم يسبقهم عليها أي نظام آخر.
تحياتي.
احمد ابوزيد
08-07-2014, 06:15 PM
سلام أحمد،
كل الشكر على هذا التوثيق المهم الذي يجب أن يظل ماثلاً أمام أعين كل من يدافع عن هذا النظام.
وحشية لم يسبقهم عليها أي نظام آخر.
تحياتي.
تحيتي وامتناني عكود ..
نحن نفعل ما بوسعنا من أجل فضح هذه الشرزمه المجرمة التي فعلت ما فعلت بهذا الشعب، عليهم من الله ما يستحقون. والتحية والتجلة اولا وآخيرا لكل من دفع ضريبة هذا الوطن وضريبة الكلمة غالية وعلي رأسهم الرفاق في حزب البعث العربي الإشتراكي والتحية للأستاذ محمد احمد عتيق الذي عمل ما بوسعه وهو في ايام وشهور لا يحسد عليها ضاغطا نفسه ومعرضا نفسه لمزيدا من "الطوابير" و "الجرجره" من اجل التمهيد لهذا العمل الكبير. ولكم خالص الود والتقدير
احمد ابوزيد
10-07-2014, 10:18 PM
تحية طيبة ..
التمس العزر من الجميع - وخصوصا المتابعين - علي توقف السرد لأسباب خارجة عن الإراده. علي أمل المواصلة عندما يكون ذلك ممكنا ان شاءالله.
مع خالص احترامي وتقديري للجميع.
احمد ابوزيد
10-07-2014, 11:43 PM
نواصل
..........
بعد الإفراج عنه في اغسطس بدأ يتردد علي جهاز الأمن متوكئا علي عصاه ، بسبب مشاكله الصحية في ظهره، مطالبا الجهاز بإعادة شقته وشركته وسيارته .. وعندما يئس من مرواغتهم قرر ألا يعود إليهم رافعا شكواه لله تعالى .. فقامت زوجته وشقيقته بكتابة مذكرة باسمه وتوجيهها للفريق عمر البشير، تحتوي علي ما حدث له ثم مطالبته بإعادة ممتلكاته، وبالفعل تمكنوا من توصيلها للرئيس، الذي احال المذكرة الى مدير جهاز الأمن وطلب منه حل مشكلة المواطن عبد المجيد المغربي .. قام مدير الجهاز بحالة الأمر الى الضابط المختص ، وهو نفس الضابط الذي قاد فريق اعتقاله وتفتيش شركته ومنزله، اسمه "صلاح." وكاو يعمل ايضا في امن نميري .. قام هذا الضابط بإستدعاء المغربي الى رئاسة الجهاز ، وذهب عبدالمجيد متفائلا بأنه سيجد ردا إيجابيا علي مذكرة زوجتت وشقيقته .. قاده الضابط وبعض جنوده الى سطوح احدى العمارات داخل القيادة العامة التي تتكون منها رئاسة الجهاز (7 طوابق) " وكان هذا السطح يستعمل للاعتقالات احيانا". وهناك .....
احمد ابوزيد
10-07-2014, 11:50 PM
..... وهناك انهالوا عليه بعصاته، التي كان يتوكأ عليها ، وبسياط اخرى واوسعوه شتائم من بينها: "نحن ما شغالين مع البشير يا حيوان" ، "عشان تاني تمشي تشتكينا للبشير" (ايها الحيوان نحن لا نعمل مع البشير ، هذا ولكي تذهب إليه مرة اخرى لتشكونا) !! ثم اقتادوه الى بيت الأشباح ليقضي ثلاثة اشهر أخرى ويخرج بعدها في وضع صحي سيئ للغاية في ظهره وجهازه العصبي، بالإضافة الى تفاقم مشاكله في السمع والإذنين، ومحتارا لا يعرف ماذا يفعل والى من يتجه بعد الرئيس ..
احمد ابوزيد
11-07-2014, 12:09 AM
لم يبقى من أمر مشاهداتي في هذا الفصل ما ارويه سوى خبر "الزيارتين" و "تمثيلية الأحد" ولو انها كلها كانت تمثيليات ..
---------------------------
كثيرا ما كانت تنطلق الإشاعات وسط المعتقلين بأن هناك زيارة مهمة قادمة للمعتقل ، مرة عن وزير العدل النائب العام سيزورنا، ومرة عن لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان الألماني و....الخ..
والذي كان يحدث دائما - كما كنا نسمع - ان تلك الزيارات كانت تتم في السجون الرسمية (سجن كوبر بالتحديد) وذلك بعد اعداد مجموعات من المتهمين في جرائم جنائية عادية، ممن فتحوا ضدهم بلاغات مسبقة في اقسام الشرطة وينتظرون المحاكمة، لإيهام الزائرين بأنهم "المعتقلين الذين تتحدثون عنهم وتودون زيارتهم"
وفي ظهر احد ايام شهر اكتوبر الأولى قالوا لنا ان "المستشار ياسر حسن عثمان" ، المستشار القانوني لجهاز الأمن ، في طريقه لزيارتكم. وجاء الرجل ومعه "نور الدائم" وبعض افراد الحراسة ، وطاف علي المعتقلين في زنازينهم ، وبسرعة اكتشف الجميع بأنه الضابط "ياسر". وهو ضابط امن برتبة رائد، لا علاقة له بالقانون ولا هو المستشار القانوني للجهاز، فكانت زيارة باردة لا معنى لها رغم لهجته الاستفزازية في حديثه مع المعتقلين .. وقد ذكر لي ان محكمة ستنعقد لمحاكمتي قريبا ، وفي هذا الصدد اتضح لي فيما بعد ان افرادا من جهاز الامن ذهبوا الى شرطة الخرطوم شمال وقدموا واحدا منهم لقسم البلاغات علي انه .. "انا" وقاموا بفتح بلاغ ضده (ضدي) تحت طائلة عدد من الإتهامات منها : إدارة تنظيم عسكري - حيازة ماكينة رونيو وطباعة منشورات معادية للحكومة ... ورفضوا تسليم (المتهم) والأدلة لمركز الشرطة بدعوى ان (المتهم) شخص (خطير) وانهم سيحتفظون به ويقومون بإحضاره مع الوثائق والأدلة امام المحكمة عند انعقادها .. ويبدو ان الهدف من ذلك التصرف كان امتصاص وإسكات الأصوات والمصادر التي ظلت تطالب بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والتي بدأت تردد اسمي من بينهم .. هذا وما زال البلاغ مفتوحا !!
احمد ابوزيد
11-07-2014, 01:28 PM
اما الزيارة الثانية و " تمثيلية الأحد " مع الأخوة المسيحيين، فقد حدثتا في البيت القديم (الداخلي) الذي كنت قد انتقلت إليه. فبعد ان امضيت حوالي 6 أشهر في (الشرقي) متنقلا بين 11 - 13 - 17 - 4 ثم نقلي الى الداخلي .. وللبيت القديم مدخل واحد يؤدي الى غرفة ، وهو مبنى قديم متشقق الجدران وملئ بالعنكبوت ، وبلاطه متآكل ومتسخ، وقد اطلق المعتقلون أسماء علي اقسامه (غرفه) منذ فترات سابقة. واصبحت هي الأسماء المتداولة رسميا حتى عند افراد الأمن: بمجرر عبور المدخل تكون في "البرندة." وهي حوالي 6*3 امتار مربعة ، وجدت المعتقلين فيها حوالي ٢٨ معتقل راقدين علي الأرض متراصين في صفين .. ثم تعبرها - تاركا علي يسارك المطبخ والحمام المهجور ، الذي يستعمل احيانا كمكان للإعتقال - الى قسم "الصالون" ومساحته حوالي 7*4 أمتار مربعة. وكان به حوالي 36 معتقلا.
وعندما تعبر الصالون تجد صالة صغيرة تستعمل كمكان للصلاة وتطل عليها غرفتان وحمام ومرحاض (لإستعمال كل ذلك العدد) الغرفة الأولى علي يمينك اسمها " الكنيسة " وعلي يسارك إلى الأمام الغرفة الثانية واسمها " مجلس الوزراء ". مساحة كل منهما حوالي 4*4 أمتار مربعة. وكان في كل واحدة 11 معتقلا .. وبمجرد دخولي وجدت بين المعتقلين في "البرندة" الرجل الهادئ المؤدب اللواء الركن بيتر سيريليو حاكم إقليم الإستوائية لفترة طويلة سابقة، ومولانا عبد الرحمن ادريس ، والى الداخل - في مجلس الوزراء - العقيد الركن مصطفى التاي، مدير مكتب وزير الدفاع، وفي الصالون والكنيسة اثنين من ابناء الجنوب لا اذكر اسماءهم بالضبط، الأول معلم بمدرسة دنقلا الثانوية العليا في اقصى شمال السودان، اعتقلوه بتهمة انه " طابور " ، والثاني قسيس شاب في إحدى كنائس جوبا ، ثم صبي فارع الطول من ابناء الدينكا بالجنوب عمره حوالي 14 - 15 سنة واسمه " صاندي " اعتقلوه في جوبا وبتروا ساقه واحضروه الى بيت الأشباح، وكان يقضي يومه صامتا غاضبا الى ان غادرت المكان عند طلاق سراحي ..
احمد ابوزيد
11-07-2014, 01:33 PM
.. واول مشهد ذي دلالة شاهدته عند دخولي البيت القديم وقبل ان يحددوا لي مكاني ، سمعت حوارا بين بعض افراد الحراسة حول عطل كهربائي في الصالون ويريدون إصلاحه، فقال احدهم - ويسمي نفسه " طوكر " - لماذا لا تذهبوا الى السوق ( حدد مكانا معينا يتجمع فيه عمال من مهن مختلفة انتظارا للرزق ) وتعتقلوا بعض الكهربائيين ليقضوا اياما نستخدمهم لإصلاح كل الأعطال الكهربائية ثم نطلق سراحهم !!
احمد ابوزيد
11-07-2014, 01:50 PM
في اواخر اكتوبر اعلنوا الإستنفار استعدادا لزيارة سيقوم بها في اليوم التالي السيد رئيس القضاء. وأمروا المعتقلين بنظافة وغسل البيت وظلت الإستعدادات تجري حتى العاشرة من صباح اليوم التالي. وعندها دخل علينا الوفد الزائر اكتشفنا انه لم يكن رئيس القضاء ، وإنما نائبه مولانا " هاشم ابو القاسم " .. هو في المقدمه ومعه رئيس الحراس " نور الدائم " ويتبعهما السادة مدير مكتب رئيس القضاء " القاضي صلاح " والمستشار القانوني لجهاز الأمن وضابطان من الأمن .. لم يختلف اثنان من المعتقلين ان الزائر نفسه كان مذعورا وخائفا ، لم يستطع حتى إلقاء التحية علي الذين دخل عليهم واذا استوقفه احد المعتقلين وبدأه بالتحية فإنه لا يرد عليه السلام ولا يجيب علي حديثه، لم يسمع احد صوته علي الإطلاق !!.. حوالي 4 من المعتقلين استوقفوه كل علي حدة ، كل منهم احتج علي اعتقاله وعلي ما جرى له مطالبا بإطلاق سراحه او تقديمه لمحكمة ، وقبل ان يكمل الواحد منهم حديثه يقاطعه "نور الدائم" بإنفعال قائلا للزائر : " هذا طابور " ، هذا عميل " هذا ... ! .. وكان من بينهم الأخ عثمان الأريتري ، فقاطعه نور الدائم : هذا يعمل حارس لوكر كبير من اوكار حزب البعث وسنقدمهم كلهم لمحاكم" ، وعلي هذا استلقى بقية المتهمين في اماكنهم وتركوه يتجول ويخرج كما دخل .. وانتهت الزيارة دون ان يذهبوا الى الزنازين .. كان تقدير الجميع ان الرجل ربما كان مكرها علي هذه الزيارة ولا هدف من ورائها أساسا ..
عكــود
11-07-2014, 02:04 PM
نواصل
..........
بعد الإفراج عنه في اغسطس بدأ يتردد علي جهاز الأمن متوكئا علي عصاه ، بسبب مشاكله الصحية في ظهره، مطالبا الجهاز بإعادة شقته وشركته وسيارته .. وعندما يئس من مرواغتهم قرر ألا يعود إليهم رافعا شكواه لله تعالى .. فقامت زوجته وشقيقته بكتابة مذكرة باسمه وتوجيهها للفريق عمر البشير، تحتوي علي ما حدث له ثم مطالبته بإعادة ممتلكاته، وبالفعل تمكنوا من توصيلها للرئيس، الذي احال المذكرة الى مدير جهاز الأمن وطلب منه حل مشكلة المواطن عبد المجيد المغربي .. قام مدير الجهاز بحالة الأمر الى الضابط المختص ، وهو نفس الضابط الذي قاد فريق اعتقاله وتفتيش شركته ومنزله، اسمه "صلاح." وكاو يعمل ايضا في امن نميري .. قام هذا الضابط بإستدعاء المغربي الى رئاسة الجهاز ، وذهب عبدالمجيد متفائلا بأنه سيجد ردا إيجابيا علي مذكرة زوجتت وشقيقته .. قاده الضابط وبعض جنوده الى سطوح احدى العمارات داخل القيادة العامة التي تتكون منها رئاسة الجهاز (7 طوابق) " وكان هذا السطح يستعمل للاعتقالات احيانا". وهناك .....
سلام يا أحمد،
هل يعقل أن تصل للرئيس شكوى ضد الأمن فيقوم بتحويلها لمدير جهاز الأمن؟
كاذب من يقول أن البشير بعيد عن ما يحدث في بيوت الأشباح.
احمد ابوزيد
11-07-2014, 08:13 PM
سلام يا أحمد،
هل يعقل أن تصل للرئيس شكوى ضد الأمن فيقوم بتحويلها لمدير جهاز الأمن؟
كاذب من يقول أن البشير بعيد عن ما يحدث في بيوت الأشباح.
----------------------------
عليك السلام عكود . والتحيه لك ع هذا الإهتمام الخالص بالموضوع. خالص تقديري والله.
وفكرة ان البشير احال الأمر الى مدير الأمن فهذه إحدى الاعيب هذا النظام الغزره التي اصبحت بعد ذلك ديدن هذا النظام في المماطلة والجرجرة. واني علي يقين ان بيوت الأشباح هذه لم تقم الا بأمر البشير " المحرش " لأن البشير في تلك الفترة كان "لا يعرف كوعه من بوعه " .. وفي امره الزيارات التي جاءت الى بيوت الأشباح اشارة واضحة الى ان كل مستشاري الأمن والقانونيين والنائب العام كانوا علي دراية بهذه البيوت والمعتقلات - غير القانونية - فماذا يعني ان يزور قانوني لمعتقل غير قانوني ,؟! الا اذا كان مجبرا ومكرها علي ذلك !
....... فائق التقدير عكود .........
احمد ابوزيد
11-07-2014, 11:28 PM
نواصل
..........
بعد اسبوع من تلك الزيارة أمروا الإخوة المسيحيين ان يستعدوا لإستقبال قسيس كبير سيحضر يوم الأحد القادم ويصلي بهم .. وهنا اذكر انهم لم يؤدوا صلاة قبل ذلك، وفي فترة سابقة في قسم الزنازين، كانوا قد فصلوا المسيحيين (وكانوا كلهم جنوبيين) من الزنازين التي كانوا بها وخصصوا لهم الزنزانة 18 لكي لا يسمحوا لهم في اوقات الوضؤ الخمسة بالخروج مع الآخرين توفيرا للوقت والجهد الذي يستهلكونه، إلا انهم عادوا وتراجعوا عن ذلك بعد أيام من تنفيذ ذلك القرار .. المهم، جلبوا لهم مستلزمات الصلاة وقطعة سجاد من "المشمع" لتغطية ارضية الغرفة المسماة " الكنيسة " حيث قرروا لهم ان تكون الصلاة .. ولم يحضر القسيس المزعوم صباح الأحد ، فطلبوا من القسيس الجنوبي الشاب ان يبدأ الصلاة لحين حضور القسيس الكبير الزائر ، وبالفعل بدأوا الصلاة. وفجأة دخل اثنان من رجال الأمن وهما يحملان كاميرات فيديو وقاموا بتصوير الصلاة وانتهى كل شئ بذلك. فالأمر - كما هو واضح - كان من أجل تصوير فلم دعائي لأغراض سياسية.
احمد ابوزيد
11-07-2014, 11:55 PM
ولا يكتمل هذا الفصل دون الإشارة لنموذجين من ضحايا التعذيب، اعرفهما وعاصرتهما:
_ الأول، مهندس شاب اقاموا عليه الخد " حد الخمر " مرارا بالجلد علي مدى بضعة ايام، وفي الختمام استلمه احد افراد التعذيب يسمونه (......) ويقال انه تلقى تدريباته في ايران، استلمه (.....) وبدأ في تعذيبه ثم بدأ يضربه في موضع معين في اسفل خصيتيه، مع كل ضربة كان ذلك المهندس " يقذف " !! .. مع تكرار القذف، اثر كل ضربة، بدأ يقذف دما .. وبعد تكرار العملية قضى المهندس 6 اشهر في المعتقل، ذكر خلالها انه فقد الشعور بأي حساسية او انتصاب في جهازه التناسلي .. ولا نعلم ماذا حدث له بعد إطلاق سراحه ..
_ الثاني شاب صغير من مجموعة ابناء النوبة، ظل ينذف الدم من ذكره ويشعر بالآم مبرحة ويفقد القدره علي الحركة تماما كلما اراد التبول ، وذلك بعد التحقيق معه وتعذيبه .. وقد اشار الى ضابط معين برتبة العقيد ( وهو ايضا من الضباط الذين عملوا في جهاز امن نميري حتى انتفاضة مارس - ابريل 1985 الشعبية ) - اشار الى ذلك الضابط بأنه كان يدخل سلكا معدنيا رقيقا في فتحة البول في ذكره اثناء التحقيق معه لانتزاع معلومات منه ...
احمد ابوزيد
12-07-2014, 12:31 AM
(10)
واستمر الاعتقال :- أوراق ما بعد الواحة
في ديسمبر 1992 أطلقوا سراحي وخرجت من بيوت الأشباح. ولكن .. استمر اعتقالي !! نعم استمر الاعتقال .. ولا اعني هنا "الاعتقال النصفي" الذي يحدث دائما للخارجين من المعتقل او غيرهم، فلمثل ذلك الاعتقال إجراء ذو جانبين، الأول : التوقيع علي التعهد بعدم ممارسة اي نشاط سياسي، وعلي عدم مغادرة المدينة إلا باذن من جهاز الامن ، وعلي عدم ذكر ما حدث لك وما شاهدته في المعتقل لأي شخص.
والثاني : ان تحضر الى الامن يوميا ، وبعد فترة يكون الحضور في أيام معينة، ثم مرة في الإسبوع، في كل ذلك وعندما تحضر الساعة التاسعة او الثامنة حسب الأمر ، تبقى غي مكتب الاستقبال حتى الثانية او الرابعة بعد الظهر ، ثم يصدر لك الأمر ان تأتي غدا. وهكذا الى ماشاءالله، اضافة الى رقابة امنية مستمرة!! ولأن الحديث عن هذه الإجراءات قد تكرر كثيرا بحجم حدوثها للجميع، فإنني لا اقصد ذلك بالقول ان اعتقالي قد استمر بعد بيوت الأشباح ..
وعندما اطلقوا سراحي كانوا قد صادروا كل ممتلكاتي، من ابسط الأشياء الشخصية وحتى وسائل الحياة والمعاش التي املكها، واصبحت عمليا مقيدا بالتردد عليهم لاسترداد حقوقي ووسائل معاشي انا واسرتي التي لا علاقة لها بموضوع الاعتقال ، ان كان هنالك موضوع اصلا (فهم لم يحققوا معي ولم يواجهوني باسباب اعتقالي مطلقا) ، وبالفعل انفقت قرابة عام كامل مترددا علي جهاز الأمن وجالسا الساعات الطويلة في مكتبي الاستقبال الخارجي والداخلي برئاسة الأمن.
فكما ذكرت سابقا كانوا قد انتزعوا مني مفاتيح المنزل عند الاعتقال ورفضوا جرد محتوياته، ونصبوا منه شركا (فخا) لاعتقال كل من يقترب منه .. وبعد اسبوعين من اعتقالي وصلتني معلومات بأن زوجتي ذهبت الى المنزل في مساء نفس يوم الاعتقال ، فمنعوها من الدخول حتى لمجرد ان تأخذ ملابسها هي وطفلتها وما يحتاجونه وقاموا بتهديدها من ان تحضر مرة اخرى، وذلك عندما رأت افراد الحراسة المقيمين بالمنزل وقد ارتدوا ملابسي ، ووجدت ان طلمبة المياه " الموتور " منزوعه والمياه تتدفق الى الشارع وفضاء البيت. واجهتهم بتلك الملاحظات وسألتهم عن الذي سمح لهم بذلك؟!! وعلمت ايضا انه في نفس الوقت ، الذي هاجمني فيه الفريق الذي اعتقلني برشاشاتهم ذهب فريق آخر الى المنطقة الصناعية وانتزعوا سيارتي الاخرى من الميكانيكي الذي كان يقوم بصيانتها .. واستطرادا في امر السيارتين واذكر ان الاولى، التي كنت اقودها لحظة الاعتقال، اعطوها اولا "للضابط" (امجد) ثم اصبحت تابعة بقسم "امن الجهاز" لتعمل في بيوت الاشباح في نقل المعتقلين من والى رئاسة الأمن ومراكز التعذيب الأخرى، ثم اعطوها للجندي "وليد حسن" عبدالقادر (عبد اللطيف) لينفذ بها مهمات امنية في حي مرزوق ومنطقة الثورة بأمدرمان، حيث يسكن، واخيرا لاجندي "بدر الدين" الذي يسكن في الصحافة واحيانا مع شقيقه في حي الزهور ، لاستعماله الشخصي ، الى ان تدمرت تماما علي يديه !! .. والسيارة الأخرى التي أخذوها من المنطقة الصناعية اعطوها لأحد ضباط الأمن في مدينة "ودمدني" وهو الضابط "ياسر او اسامه حسن السيد" يسكن مع اهله في حي الصحافة. وبعد ان اكمل درايتح في جامعة القاهرة/ فرع الخرطوم التحق بجهاز الامن وتم نقله الى "ود مدني." واعطوه هذه السيارة لاستعماله الشخصي. فكتن يتنزه بها مع خطيبته في اوقات فراغه ويفتخر امام الناس بأنها سيارة فلان وقد انتزعناها منه !!
-----------
يتبع
احمد ابوزيد
12-07-2014, 03:39 PM
بعد شهر من إطلاق سراحي حضر احد عناصر الأمن بدراجة بخارية الى منزل اهلي. وعند الباب الخارجي وجد صبيا وطلب منه ان يخطرني بأن اذهب قبل نهاية اليوم "لاستلام المنزل من افراد الحراسة الموجودين فيه .. ايضا استطرد الحديث حول هذا المنزل لأشير الى ان صاحبه هو الأخ المرحوم الدكتور محمد علي عبدالرحمن "باحث ومدير سابف لمركز ابحاث الطاقة بالمجلس القومي للبحوث ومحاضر بكلية الهندسة بجامعة الخرطوم بالسودان." وكان قد بدأ في بنائه بهد ان انتقل الى جامعة الظهران بالسعودية استاذا وباحثا في علوم الميكانيكا والطاقة الشمسية، وبعد ان تزوجت اتفق معي علي ان اسكن فيه لصعوبة الإيجار ، وفي نفس الوقت لأقوم بالإشراف علي إصلاح الأخطاء التي رافقت بنائه في غيابه .. ورغم إنني ابرزت لهم شهادات المنزل وسجله، الا انهم اصدروا قرارا بمصادرته .. وحضر الرجل من الظهران الى الخرطوم خصيصا لمناقشة امر منزله مع السلطات. ولما وجد ان مسئولا هاما في النظام كان طالبا لديه في إحدى كليات الهندسة، ومن اهله النوبيين، هو العميد مهندس عبدالرحيم محمد حسين "ذهب اليه مباشرة. فأستقبله المسئول بحفاوة ووعده بإعادة منزله اليه فورا .. فعاد الدكتور الى مكان عمله لتذهب زوجته مع زوجتي للعميد عبد الرحيم لمتابعة إجراءات اعادة المنزل. وقد تعامل معهن العميد، علي غير عادة اهل السودان، غي تعاملهم مع النساء "بفظاظة وخشونة خاصة مع زوجتي، حيث شتم لها اهلها وختم حديثه لها بأنكم "اسرة غريبة، الأخ الأكبر في صفوف معارضة خارجية مسلحة ويريد غزو السودان، والثاني تم اعدامه لإشتراكه في انقلاب عسكري ضد السلطة، وزوجك معتقل لأنه يعمل في صفوف المعارضة ..الخ" ورفض تسليمهن المنزل متنكرا لوعده للدكتور .. وفيما بعد تدخل احد اقربائنا - وهو من قيادات حزب الجبهة - وأكد للسلطة بان المنزل يخص ذلك الرجل بالغعل ولا يخصني أنا ولا اي حزب معارض لهم، فوافقوا علي اعادته بعد إطلاق سراحي .. وفي منتصف مارس 1994 ذهب الدكتور محمد علي الى السودان لمعاودة والده المريض، وانتهز تلك الفرصة ليرى ما حدث لمنزله بنفسه، فكانت صدمة كبيرة أن يرى إلى اي حد يستهتر النظام وجهاز أمنه بحقوق الناس وممتلكاتهم الخاصة، وهي الصدمة ، التي تفاعلت مع الملاريا التي التقطها في تلك الزيارة، لتفتك بطحال العالم الشاب ويغادر الحياة في 5 ابريل 1994.
احمد ابوزيد
12-07-2014, 04:58 PM
ذهبت مباشرة في ذلك اليوم ، ومعي بعض الإخوة، لاستلم المنزل الذي وجدناه في حالة لا توصف من الفوضى والدمار : في الجدران والأرضيات، وفي الأبواب والشبابيك، واغلب محتويات المنزل كانت غير موجوده : معدات المطبخ حتى انابيب الغاز - الأجهزة الكهربائية والإلكترونية - مراوح السقف واجزاء مكيف الهواء - الستائر - كل الملابس من البدلات الكاملة وحتى الجوارب والمناديل - معدات تصوير فوتو غرافي كاملة - كتب وأوراق وأرشيف الصحف المحلية "تابعة للنظام" ومصاحف واشرطة تسجيل وحقائب، إضافة الى قطع بعض الأثاث وقسم كبير من الباقي منها تم تدميره .. وبعد ان كتبت قوائم بكل شئ سألت أفراد الحراسة : هل هي اسلاب وغنائم من عدو كافر قمتم باعتقاله؟ ولم تكن لهم إجابة سوى إنهم لا يعرفون شيئا و إنهم استلموا المنزل ممن سبقوهم في الحراسة هكذا..
قررت بعد فترة مضطرا ان الجأ لحساب بالعملة الصعبة يخص شقيقي المغترب. ولكنه بإسمي لتسهيل عملية التحويل وذلك في بنك النيلين/ فرع ميدان الامم المتحدة، وهناك اخطرني المسئول في البنك بأن هذا الحساب قد تم تجميده بأمر من جهاز الأمن العام صدر في 25 مايو 1992 !! .. وهكذا لم اعد املك شيئا من متاع الدنيا سوى الجلابية "الجلباب السوداني" الذي كنت ارتديها عند خروجي من المعتقل ..
كنت في حوجة لبعض الراحة والعلاج الطبي قبل أن ابدأ مشوار المطالبة بممتلكاتي وحقوقي، خاصة وان الصحف كانت قد نشرت خبرا بأن ادارة الأمن قد افتتحت مكتبا في مباني الجهاز لإستقبال المواطنين المتضررين من ممارسات جهاز الأمن .. رغم ان احد المواطنين "احتفظ باسمه" قد روى لي ان ذلك الخبر مجرد دعاية ومحاولة لتلميع صورة الأمن وسمعته المتردية، وروى لي تجربته - وهو موثوق - انه عندما تقدم بشكواه حول ما جرى له، وطالب بممتلكاته، وعاد إليهم في الموعد الذي حددوه له، وفي الطريق الى ذلك المكتب - وهو ملاصق لمكتب الإستقبال الداخلي - وعلي جدرانه بجوار أللافته المكتوب عليها " مكتب شكاوي " وجد رجلين رافعين ايديهما و وجوههما علي الحائط وبعض الأفراد يجلدوهما " اي كانا في حالة استقبال " واضافة الى انهم لم يعيدوا له شيئا من ممتلكاته بعد شهرين من المقابلات والمناقشات. رغم ذلك ، قررت الذهاب إليها شاكيا ومطالبا خلال شهر رمضان الكريم، فكتبت قائمة بالمفقودات وأرفقتها بمذكرة للسيد مدير جهاز الأمن العام يوم الخميس 11 رمضان 1413ه
4 مارس 1993م وذهبت بها الى رئاسة الجهاز ، وبعد ساعة من الانتظار في مكتب الاستقبال استلموا مني المذكرة. و طلبوا أن أعود إليهم في يوم السبت 3/6 .. وفي يوم السبت، وفي مكتب الاستقبال، تحدث معي المشرف علي الشكاوي بالهاتف من مكتبه وقال لي إنهم يحتاجون لبعض الوقت للتحقيق حول ما جاء في المذكرة. واتفقنا علي ان اعود لهم في آخر يوم من رمضان .. عدت اليهم وكان مصادفا ليوم الاثنين 3/22 ولم أجد أحدا سوى الجندي " بكري " في الاستقبال الداخلي .. رجعت إليهم يوم السبت 3/27 وأيضا لم أجد أحدا .. وفي العاشرة من صباح الاثنين 3/29 تمكنت ولأول مرة من مقابلة الرجلين المسؤلين عن مكتب الشكاوي: الأول جندي يقوم بمهمة توصيل الشاكي من مكتب الاستقبال الى مكتب الشكاوي و احيانا يقوم برد المكتب شفاههة للشاكي غي مكتب الاستقبال، والثاني هو الضابط بجهاز الامن " الملازم بابكر " و لكنه يوحي لك بأنه قانوني مختص بالحكم بين الجهاز و المواطنين .. المهم كان ملخص ما قاله لي : " ان ادارة جهاز الامن اقتنعت بأن هنالك تجاوزات فردية بحقي قد حدثت، وانها بعد التحقيقات حصرت المسؤولية في خمس عناصر من افراد الحراسة الذين كانوا يقيمون بمنزلي ، وان ادارة الامن حاسبتهم اداريا وطردتهم م الخدمة، وانها علي استعداد لتزويدي بأسمائهم لكي ارفع ضدهم دعوى قضائية" !! ..
احمد ابوزيد
12-07-2014, 10:34 PM
وأضاف الملازم "بابكر " ان الادارة لم ترد عليه حتى الآن حول توصيته بشأن اعادة السيارتين وبقية الممتلكات ، اما معدات التصوير الفوتوغرافي فهي بحوزة جهاز الأمن وقد رفضت الإدارة إعادتها" !!.. قلت له انني سأنتظر الرد ولن اقبل شيئا دون شئ، اما بخصوص دعوى قضائية ضد افراد من رجال الأمن فإن ذلك قرار غير منطقي قانونا ولا شرعا ولا عقلا. إذ انني لا أعرفهم ولم أكلفهم بالإقامة في منزلي وأنني فقط اعرف جهاز الأنن ككيان وانه وهو الذي انتزع مني المنزل والسيارات بواسط موظفيه، بالتالي إذا كانت هنالك دعوى قضائية فإنها تكون ضد جهاز الأمن " رغم يقيني بأنه لم تعد في السودان محكمة او هيئة قضائية يمكنها إستقبال دعوى من هذا النوع ". .. وهكذا ظللت في مثل هذا الجدل مع الملازم بابكر في يوم الأثنين من كل اسبوع طوال شهرين آخرين ، ودائما كان يختم حديثه بأنه "لم يستلم ردا علي توصياته حتى الآن".
احمد ابوزيد
12-07-2014, 11:06 PM
شهدت الفترة من اواخر عام 1992 ومطلع العام 1993 حملات عالمية ومحلية واسعة ضد حكومة السودان حول أوضاع حقوق الإنسان المتدهورة فيه ، كذلك شهدت استجابة فيها قدر كبير من التحايل والتمويه مع استمرار ذلك التدهور .. ومن صور تلك الاستجابة المتحايلة الإعلان عن إفتتاح مكتب لإستقبال شكاوي المتضررين من ممارسات جهاز الأمن، " وانت الخصم والحكم " !! ثم الإعلان عن تشكيل " لجنة حقوق الإنسان " بالمجلس الوطني الإنتقالي " البرلمان المعين " والتي اعلنت ايضا استعدادها لإستقبال شكاوي المتضررين من الأمن، ثم لجنة حقوف الإنسان بإتحاد المحامين "المعين" و التي أعلنت ايضا استعدادها لاستقبال شكاوي المتضررين من الأمن، وعقد مؤتمر عالمي لحقوق الإنسان في الإسلام .. وهكذا، كانت "موضة" تلك الفترة .. وعلي ذلك وعندما يئست من جهاز الأمن ومكتب شكاويه، وأيقنت ان الملازم بابكر لا حيلة لديه سوى توصيل ما يقال له قررت الذهاب الى " المجلس الوطني الانتقالي" .. وفي هذا ايضا اذكر ان عددا من المواطنين كانوا قد ذكروا لي أن هذه اللجنة تقوم بإحالة شكوى الشخص الشاكي الى جهاز الأمن وان جهاز الأمن دائما يرد عليها بتبريرات تعني في النهاية ان هذا الشاكي لا قضية لديه ضد الجهاز !! ، ومع ذلك ذهبت للمجلس الوطني في يونيو ، ولأنني لا اعرف اسماء أعضاء لجنة حقوق الإنسان بالمجلس، طلبت مقابلة مولانا الأستاذ "حسن اسماعيل البيلي" ( أول وزير عدل في هذا النظام ) ، والذي استقبلني واكرمني مشكورا وقادني بنفسه الى مكتب اللجنة داخل مباني المجلس الوطني، حيث قام بتقديمي لعضو تلك اللجنة، السيد عيدروس "فاستلم مني "عيدرو" مذكرتي ووعد بالنظر فيها .. بعد اسبوعين من ذلك بلغني ان جهاز الأمن يريد إعادة ممتلكاتي ، فذهبت إليهم والتقيت بالملازم بابكر، وقال لي بأنني سأستلم إحدى السيارتين الآن وقادني الى فناء داخلي بين مباني الجهاز ، حيث كانت السيارة قابعة وقد وجدتها في حالة لا توصف ألا بأنها تنتظر من يحملها الى المقابر : نزعوا منها كل شئ ذي فائدة وبلا أوراق او لوحات وما تبقى مدمرا كليا "الابواب - المقاعد - الموتور" ..الخ .. و دخلت في جدال آخر معه استغرق يومين لأنني رفضت استلام شئ دون شئ، ورفصت ان استلم حطام عربة كانت في حالة ممتازة عندما انتزعوها دونما سبب او حق .. وبعد يومين من النقاش قال لي بابكر ان ادارة الجهاز "تؤكد لك انك سوف تستلم كل شئ تباعا وان ابدأ الآن باستلام هذه العربة، ويمكنك بعدها إعداد قائمة بتكلفة صيانتها لتعود كما كانت، ليقوم الجهاز بتسديدها لك" .. فاستلمتها وحملتها إلى المنطقة الصناعية مباشرة ..
احمد ابوزيد
12-07-2014, 11:24 PM
وقد إتضح لي تمام الوضوح ، فيما بعد ، إنهم استهدفوا إسكات صوتي وامتصاص الصدى الواسع الذي وجدته مذكرتي والتعاطف الذي وجدته حتى وسط بعض رموز الأمن ومناصري السلطة، بالإضافة الى التخلص من عربة محطمة ومحسوبة عليهم .. ذلك بأنهم رفضوا تسديد ما يمكن من إصلاح حالها ، ثم اشاعوا ان السيارة الأخرى قد سرقت بعد ان احضروها من مدني الى الخرطوم ، وكذلك رفضوا إعادة بقية الممتلكات والتعويض المادي والتدمير في المنزل والأثاث. وبعد أن اكتشفت تجميد الحساب المصرفي بقرار من إدارة الجهاز وكتبت لهم طلببا لرفع الحظر ، ايضا لم أجد إجابة .. هذا وقد وصلتني إشاعة من داخل جهاز الأمن ان المدير قد اتخذ قرارا بإعادة ممتلكاتي كلها وتعويضي ماديا عن كل الأضرار والخسائر، إلا ان احد التنفيذيين من ضباط الأمن يعارض ذلك القرار ، و قام بتجميده !! اذكر هذا هنا ان كان هنالك من يريد تصديقه وتصديق ان السيارة الأخرى قد سرقت من الأمن .. ( ملحق رقم 3 "اوب" : المذكرة المرفوعة لمدير جهاز الأمن.
هكذا ظللت اتردد عليهم طوال الشهور التالية دون جدوى ، وحتى الملازم بابكر لم يعد يقابلني ..
و وقع لي حادث آخر ومعي آخرين، ليس هنا مجال سرده، فلم يكن امامي سوى الخيار الأصعب الذي لم يخطر ببالي مطلقا أنني سألجأ إليه في يوم من الأيام : خيار الخروج من الوطن الى بلاد الله - التي مهما وصفها الناس بالواسعة - فأنها لن تسعنا مثله، مهما طالت الهجرة .. نسأل الله - ختاما - ان يجعل أيامنا نحو العودة و الإستقرار والالتئام اقصر .. و اقصر .. اللهم آمين.
دار عزة للنشر والتوزيع
الخرطوم - السودان
احمد ابوزيد
12-07-2014, 11:31 PM
شهادة
لقد كنت من زوار هذا المنزل وكنت شاهد عيان لهذه الممارسات غير الكريمة وغير الأخلاقية والغريبة عن قيم وأخلاق الشعب السوداني ..
الرصد والنشر ليس للتشفي ولكن لنسجل في ذاكرة هذا الشعب الأبي هذه الممارسات والتصرفات لكي تأخذ طريقها للقضاء العادل في يوم من الأيام.
الى كل الأصدقاء الذين زاملتهم في هذا المكان الكريه .. كل زوار هذه الدار .. والرحمة لمن استشهد داخلها وننتظر إفادات الآخرين . د. فاروق محمد ابراهيم .. وسليمان خضر وكل الشرفاء زوار هذا المكان الموحش والعار والخزي لحراسها وزبائنتها .. وكل محبتي وتحياتي للشعب السوداني.
نور الهدى محمد
احمد ابوزيد
12-07-2014, 11:44 PM
جمرات (١)
أوراق من الواحة، تجربة صحفي في بيوت الأشباح، هي "مذكرات ابننا محمد عتيق" حفظه الله من كل سوء نشرتها صحيفة "الفجر" اهداني صورة منها ارفقها بخطاب ودود يقول في بعض فقراته أن "الخرطوم" لا تصله في زيورخ حيث يقيم، ولكن الإخوة في لندن أطلعوه علي "مشاغباتي" فاستمتع منها بالخشنة منها واللطيفة ودوني المذكرات. ترك لي حرية طبعها في كتاب ان شئت وإهدائها لمن اشاء قرأتها وانا ارتعش وارتجف مما تعرض له المعذبون في بيوت الأشباح من إهانة وتعذيب علي ايدي اولئك الزبانية الذين ( ارضعتهم امهاتهم العقد الغريبة والانحرافات النفسية ) .. واذا كان صاحب المذكرات أهداها إلى شهداء الحرية والكرامة وعلي رأسهم شهداء ٢٨ رمضان وأسرهم .. فإنني اهديها لواحد من ابنائنا هو الاستاذ فتحي خليل نقيب المحامين ورئيس لجنة حقوق الانسان .. في عهد خلافتهم المتأسلمة التي مرغت كرامة السودان وابنائه في الوحل ..! !
محمد توفيق
جريدة الخرطوم العدد ١٦٩٩
السبت ١٠\١\١٩٩٨
احمد ابوزيد
13-07-2014, 12:34 AM
(هذه التوطئة كان لابد ان تكتب، تجاهلتها في الأول لأهمية ما بهدها ، ولكن هذا حق الكاتب علينا فرأينا في إيرادها شئ من الوفاء لأهل العطاء)
" احمد ابوزيد "
توطئة :
( هذه الأوراق : لا تستهدف بطولة
شخصية لصاحبها فهو لا يدعيها
لنفسه اصلا ... و لا تدعي إنها جزء
من نشاط المعارضة السياسية
حتى ولو صبت في مجراها ...).
إنها مشاهدات تجربة عاشها صاحبها لحظة بلحظة كصحفي وكإنسان وظلت حبيسة الصدر و الذاكرة لشهور طويلة ... إذا كانت الصدور قادرة علي الإحتفاظ بها لفترات اطول ، فإنها تستطيع ان تتسرب من الذاكرة بمرور الزمن، اضافة الى ان الضمير (الإنساني والمهني) لا يتوقف عن الضغط لتخرج التجربة للناس، ومع الزمن يتحول الضغط الى صخرة صغيرة تصعب مقاومتها فتجبرك علي مغالبة كل الظروف لتعمل علي روايتها كما هي، دونما اي تدخل حتى ولو بالتعليق او التحليل إلا في حدود ضيقة جدا وعندما لا يستقيم الحديث بدونه.
فإلى الأخ الصحفي فيصل محمد صالح وبقية الإخوة - الذين أرسلوا لي ، فور خروجي من بيوت الأشباح، يستحثوني علي كتابة تجربتي - المعذرة علي الإستجابة المتأخرة. إذ كان من الصعب جدا ان اكتب سطرا واحدا بإطمئنان ، طالما كان هناك من سيداهمونك ليلا ونهارا بالتفتيش والمصادرة حتى للرسائل التي بينك وبين زوجتك. و عندما تشير لهم بأنهل رسائل شخصية وخاصة يقولون لك: " وهذا بالضبط ما نريده!!" .. ولعل في الإستجابة لدعوتهم الان ما يجلب بعض الراحة للضمير عندما تخرج هذا المشاهدات للناس .. ومشاهدات شخص واحد في مكان واحد ، خلال ٧ اشهر ، هي لا شك قطرة من سيل يهدر بجنون جارفا معه آدمية وحقوق خلق كثير في بلادنا ، ويجرف معه في ذات الوقت كثيرا من الشعارات والمواقف المرفوعة نظريا ، وبأيدي رافعيها أنفسهم ، ليتكشف زيفها وانتهازيتها .. ولكنها - المشاهدات - دقيقة في كونها تعطي صورة وافية عن حقيقة المعتقلات السرية في السودان وما يجري فيها ، خاصة وإنها موضع نفي وإنكار دائمين من المسئولين عنها "من اركان النظام السوداني". هذا ، وقد اهملت في الرواية الكثير مما حدث لي لمصلحة ابراز ما كان يحدث للآخرين ، وللتأكيد علي ان اسماء المعتقلين التي تبرزها أجهزة الإعلام ونشرات المنظمات الدولية وصحافة المعارضة السرية في الخرطوم هي اسماء الزعماء السياسيين والنقابيين والصحفيين المعروفين، وهم أقل من 1% من مجموعة المعتقلين الذين تعج بهم الواحة او الواحات - في كل وقت ولا يعرفهم احد ...
اخيرا ، اشترك مع الصديق فيصل والبقية في إهداء هذه الأوراق لكل سودانية وسوداني في كل مكان ، ولكل الذين ترددوا علي تلك "الواحة" والذين فيها الآن . ومعهم جميعا نهديها لكل شهداء الحرية والكرامة، وعلي رأسهم شهداء حركة ٢٨ رمضان ، وأسرهم هؤلاء الشهداء في حركتهم " حركة اسر شهداء رمصان " وهي ترفع يوميا في وجه النظام وثائق الادانة لأكبر هدر جماعي لحقوق الحياة ، وحق المحاكمة العادلة ، والدفاع ، ارتكبه ذلك النظام بسؤاله " أين دفنتموهم"؟
محمد عتيق
المهجر - ٢١ اكتوبر ١٩٩٤
احمد ابوزيد
13-07-2014, 12:51 AM
انتهى سردي لهذه الأوراق. التي ارجو ان لا تكون اعادت ذكرى مؤلمة للبعض ، وازكر بأن هنالك من داخل المعتقلات الآن فنسأل الله العلي القدير ان يفك قيدهم الإخوة في حزب المؤتمر السوداني وحزب البعث العربي الإشتراكي والحزب الشيوعي السوداني. وكل شرفاء بلادي. لهم التحية.
ولكم مني خالص الود، والتقدير علي المتابعة والإنتظار الطويل. فلكم العتبى حتى ترضو. وكامل احترامي للجميع. دمتم
vBulletin® v3.8.8 Beta 2, Copyright ©2000-2026