تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : الشريف حسين الهندي و مقتطفات في الصمود و الجسارة و التفاني في حب الوطن


فيصل سعد
12-01-2015, 10:32 AM
قال الشريف حسين الهندى فى رسالة الى شباب الحزب :

ليعلموا الاتى : ان حزبهم هذا هو المؤتمر العام للشعب السودانى . وان حزبهم هذا هو الحركة الشعبية السودانية الاصيلة . وان حزبهم هذا هو الوطن مصغرا وهم الحزب مكبرا . وان حزبهم ليس حزب طبقة اطلاقا . وان حزبهم هذا هو حزب الحرية والديمقراطية ، ليس فى قطره فقط بل لكل الاقطار الاخرى .ان حزبهم هذا هو حزب الحريات العامة ، حريات النشر والعقيدة والفكر وحريات الصحافة . ان حزبهم هذا هو حزب استقلال القضاء . ان حزبهم هذا هو حزب الاشتراكية النابعة من ارضهم ، الملتصقة باقتصادهم الموزعة للثروة عليهم جميعا بلا طبقة وارثة لطبقة . ان حزبهم هذا يأتى فى طليعة القوى التقدمية فى المنطقة العربية باعتراف الجميع . ان حزبهم هذا يقف ضد الاستعمار ..

فيصل سعد
12-01-2015, 10:39 AM
"إن الرجال و الأنفس و الأرواح كلها ذاهبة، و تبقى الأرض، و يبقى الوطن، و يبقى الشعب، و يبقى التاريخ"

-- الشهيد المناضل الشريف / حسين الهندي --

فيصل سعد
12-01-2015, 10:42 AM
من أقوال الشهيد المناضل الشريف / حسين الهندي الخالدة :

* نحن حواري الشورى لا الإستبداد و أنصار الحوار الوطني لا الكبت .

* نحن أهل الرأي و الرأي الأخر .

* نحن أصحاب صناديق الاقتراع و صناديدها و إن أتت بغيرنا.

* نحن الأحرار الديمقراطيين المتحررون فكراً ونضالاً ومساراً.

* نحن الاشتراكيون بالالتزام نحن قضايا الكادحين من عمال و زراع .

* نجوع و نأكل أصابعنا و لا نأكل قضايانا الوطنية.

عبد المنعم حضيري
12-01-2015, 10:45 AM
رحم الله الشريف الهندي رحمة واسعة بقدر خدماته التي قدمها للسودان أرضاً وشعباً

ونسأل الله أن يقيل عثرة حزب الوسط ليعود كما كان في سابق عهده

تحياتي

فيصل سعد
12-01-2015, 10:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

عودة الهارب .. بقلم الشريف حسين الهندي - يوم 11 مايو1958 ردّه على مقال جريدة "الأمة": "الهارب"



"بالخط العريض" وفى صدر الصحيفة الأولى وبالمانشيت البارز، أبرزت صحافة الحكومة إكتشافها الأثري، عن سلفيتي الزراعية، كأنها أطلقت قمراً صناعيا ثالثاً، ثم تخيلت أني قد هربت، وخالت أنها قد انتصرت، وعاشت على هذه النشوة أسبوعا كاملا. ولو كانت الديون تحمل الناس على الهروب، لارتحنا من وجوه كثيرة كانت ولا تزال.. مصدرا لشقاء الكثيرين، ولرحل عن هذه البلاد سادة و لبيعت سرايات وتهدمت دوائر؛ فإن حياة بعض الناس سلسلة متلاحقة من الديون، من عهد فليبيدس وكونتيمخالوس، إلى عهد الكريدي ليونيه..

و لو كان هؤلاء يستدينون من الحكومات و البنوك و الشركات فحسب، لسكتنا .. ولكنهم يخطفون اللقمة من الجائع .. لأنه جاهل، ويحوِّلون حبات عرق الكادحين إلى سلاسل من الذهب يكنزونها، و يتنعمون على حساب حقوق المزارعين المتراكمة، ويأكلون أموال الأيامى واليتامى ظلما، ويملأون بطونهم المستكرشة سُحتا و طعاما ذا غُصَّة، و سيصلون بعد ذلك سعيرا وعذابا أليما .. وها هم أولا لم يهربوا للآن.. يصبحون على معونة ويمسون على قرض .. و يبيتون على مؤامرة يخفُّون عند الطمع و يثقلون عند الفزع، يتعاظمون كما تتعاظم القياصرة، و يتفاخرون كما تتفاخر الأكاسرة، و أفقر الفقراء فى هذا البلد أريح ضميرا، وأحسن عند الله مآبا..

نعم إنني مدين لجمهورية السودان و ليس في هذا ما أخجل منه .. وعندما كتبت ما كتبت، و سلكت فى حياتي السياسية ما سلكت، لم أكن أجهل هذه الحقيقة، و لم أكن أعتقد أنكم لن تشهروا هذا السلاح عليَّ؛ فإن التهديد، خاصة من أخص خصائصكم .. و لم أكن أعش في المريخ، حتى أن هذه حكومتكم، و وزير ماليتها وزير ماليتكم، وأن أمورها تدبر بليل في سراياكم.. وحتى لو كان فى إمكانكم أن تبيعوا البيوت و الممتلكات، فلن تستطيعوا سد منافذ الهواء؛ كما لن تستطيعوا كبح جماح هذا القلم.. فلقد قررت أن أقف بجانب الشعب السوداني، لا أتزحزح ولا أتحـول، ولا أساوم حتى لو أمسك جميع سادتكم، بأطراف هذا القميص المتسخ، الذى يعلوه غبار السفر، يريدون انتزاعه مني..

إن أزهري لم يمنحني سلفية، و لو كان أزهري يمنح الأصدقاء و يمنع الخصوم، لما كنتم الآن في مثل هذا الموقف، الذي ترهبون فيه و تستَعْدون أدواتكم على الناس.. ثم إنني لم أكن في الحزب الوطني الاتحادي، عندما كان الأزهري في الحكم.. فلقد دخلت الحزب الوطني الاتحادي صبيحة إسقاطكم لحكومته القومية.. ومن يومها وضعت يدي في يده.. ولئن تقطع يدي فلن أسحبها من يده، ومهما بطشتم أو نكلتم فستبقى يدي في يده، تشد من أزره وتعاون في أمره، حتى تبلغ ملتقي البحرين، أو نلبث حقبا.. فاذهبوا إذن و ابحثوا عن رجل آخر تهددونه أو بضاعة تشترونها، أو نخاسة تقيمونها بدراهمكم البخسة ، وأسلحتكم الصدئة..

لو كنت أنشد الثراء لسلكت طريقا يحذقها بعض الناس، حتى اغتنوا مظهرا و افتقروا مخبرا، و لكنت قد سعيت وراء سراي الشريف يوسف الهندي بوابور المياه، و وراء هبة الثواب المهداة إليه من أخيه؛ وهذه طلاسم تعرفونها جيدا، و يعرفها معكم فضيلة مولانا الشيخ /حسن مدثر، قاضى القضاة السابق.. وأرجو الاّ تضطرني الظروف لفك رموزها، حتى لا تخِف موازين بعض الناس..

إذا فبيعوا ما تشاؤون و نكِّلوا بمن تشاؤون؛ فقط.. نفِّذوا كل ذلك في صمت و اسكتوا صبيانكم، حتى لا تحملونا على ارتياد مسالك تعففنا منها زمنا طويلا، و إبقاء على صلات لا أظن أن صبيانكم يعرفونها؛ وإلاّ.. فلن يكون وقود هذه النار التى تشعلونها إلا صحائفهم البائرة؛ بل سيكون وقودها الناس والحجارة.. ولن تسكتنا يؤمئذ قوة؛ فما أكثر ما نعرف، وما أكثر ما نكتم..

ثم أنني لن أهرب ! وأنتم تعرفون ذلك جيدا؛ فلم يهرب عمي.. يوم استشهد في مشارف سنار مقبلا لا مدبرا.. ولم يهرب أبي، عندما قذف بحصانه فى وابورالإنجليز بكرري، عندما ثبت من ثبت، وهرب من يعرفه كبراؤكم ‍و مما سجله التاريخ .. و أخيرا.. فإنني ما زلت محررا بجريدة "العلم"، وهى صفة أعتز بها، وأحرص عليها، ولن أبدلها بملئ خزائنكم ذهبا، أو حشو ثيابكم حطباً..

فيصل سعد
12-01-2015, 10:59 AM
"نحن نحترم رجال الدين ما التزموا جانب الدين، و اعتصموا بدينهم و ربهم إبتغاء مرضاة الله، و لكننا لن نهادن الكهنوت السياسي و الرهبنة . وعندما نتعرض لزعيم ديني ، أصبح زعيما دينيا - سياسيا، فإننا لا نتعرض لمسائله الخاصة، فهي ملكه. إننا لا نتحدث عن طعامه و شرابه وعواطفه.. وإنما نتحدث عن مدى صلته بالمجتمع الذى يعيش فيه، و مدى تأثيره السياسي على طائفة من المواطنين، بغض النظرعن الأسلوب الذى يتبعه، لأنه سياسي على كل حال"

- الشريف حسين الهندي -

فيصل سعد
12-01-2015, 11:40 AM
البرنامج الاقتصادي للإنقاذ الوطني
الشريف حسين الهندي

تمهيــد

الاختناقات الاقتصادية(سلع وخدمات)بين الحكم والإدارة

كل مهمة هذا النظام (مايو النميري ) أن يحـكم ، ليس مهمته أن يديـر شئون البلاد بل أن يحكم بالقهر!! وطالما هو مستمر في الحكم ، طالما هو مستمر في القهر .. لا يهم أن يكون هناك مـاء أو أن تكون هناك كهرباء أو أن تكون هناك خدمات أو أن تكون هناك سـلع ولا يهمهم أن تكون هناك اختنـاقات .

وفي واقع الأمر ، إذا بدأنا نعد - ونحن الآن في مرحلة العد التنازلي ، ولكننا كنا في مرحلة العد التصاعدي (منذ بداية هذا النظام) وأصبحنا نعد يوما بعد يوم ؛ إذا أصبحنا نعد الآن .. مجمل الاختناقات الموجودة ، والتي تطفح على السطح ، لعجزنا عن العد ، ولقلنا أن شعبنا يعيش الآن في خناق وفي اختناقات متكررة متجددة ، وفي كل يوم ! وهو لا يبرح من اختناق ، إلاَّ لكي يقع في اختناق آخر .

وفي الحقيقة .. إن مرد هذا الاختناق للسلطة نفسها ، لأنها سلطة جاهلة وواهية ، وغارقة في مشاكل أخرى لاتهم المواطنين . ليس هناك حلول أساسية وجذرية لهذه الاختناقات ، إلاَّ إزالة هذه السلطة ، إزالة جذرية ؛ وأن يأتي الشعب بسلطة تهتم بمشاكله فتزيلها ، وباختناقاته فتزيحها . هذا هو الحل الوحيد ، لهذه المأساة التي يعيشها الشعب السوداني ، والتي يسميها النظام وتسميها صحفه … اختناقات !

مراحل البرنامج الاقتصادي للإنقاذ الوطني

لو استطردت في شرح المشاكل المعيشية والاقتصادية التي يعانيها السودان ، والافلاس الذي حدث فيه؛ بأرقام ونماذج مختلفة ، لأخذ هذا الحديث مئات الساعات . ولكن ، حقيقة الأمر أننا ، أنا وأنت والسودانيين وبقية العالم ، والمجتمع الاقتصادي والمصرفي بأكمله والدول ، نعرف أن السودان مفلس اقتصاديا لا ينقصه إلا إشهار إفلاسه . وبالتالي … فهذا الحديث عن الافلاس الاقتصادي وانعدام السلع وندرتها ، حقيقة واقعة . وكثيرا ما يقول لنا الناس: لماذا تتعبون أنفسكم ، وهذه السلطة منهارة اقتصاديا‍؟ والاصلاح الاقتصادي من بعدها مستحيل أومعجزة … أوما يشبه المعجزة‍‍‍.

لكننا نحن وطنيون ، لا يمكن أن نقتنع بهذا المنطق . ونحن نعتقد أن استمرار السلطة يوما واحدا، يشكل سنة كاملة من زيادة الانهيار الاقتصادي . وبالتالي ، فنحن كمواطنين - وبالدرجة الأولى - مطلوب منا فورا انهاء هذه السلطة .. لأن بداية نهايتها موجودة الآن . وبذلك ، لكي لا تتضاعف المشاكل الموجودة الآن ، اقتصاديا وإداريا ، وأدائيا ، وأخلاقيا ؛ فيصبح اليوم سنة كاملة من الانهيار ، فواجبنا كمواطنين أن نتصدى لقضايا بلادنا؛ مثلما واجبنا كمواطنين أن نتصدى للدفاع عن حدودها .. إذا اجتاحها عدو . فلا عذر لنا أن نقول إن الموقف ميؤوس منه للدرجة التي تدفعنا للتخلي . الواجب الوطني يتهمنا بالخيانة إذا قلنا ذلك . هذا في المقام الأول . في المقام الثاني ، لقد قلنا – وأنا أؤكد لك – إن المشاكل الاقتصادية الموجودة في السودان الآن ، والتي بلغت حدا يرى الكثيرون أنه لا حدود له ، نحن لدينا له حدود محددة . وأنا لا أستطيع الآن أن أشرح لك الحلول المحددة . ولكن ، سأعطيك أربع أوخمس نقاط تشكل برنامجا اقتصاديا للانقاذ .. على ثلاث مراحل ، يطبقه حكم قومي مجمع عليه من جميع السودانيين ، لكي ينجح .


المرحلة الأولى

علاج الميزان السلعي

معالجة الميزان السلعي بزيادة عرض السلع - في البلاد - على طلبها؛ بحيث لا تكون هناك ندرة للسلع ، ولا سوق سوداء ولا متاجرة بها؛ وبحيث تعود حلقة السلع التي انقطعت فتواصل دوراتها؛ وبحيث يكون المعروض من السلع في الأسواق أكثر من الطلب عليها . نحن في المدى الأول سوف نستورد كميات كافية من السلع ، تجعل المواطن السوداني واثقا أنه كلما طلب السلعة وجدها . ولا يجد نفسه مضطرا للتخزين المنزلي ، كما يحدث الآن في السودان .

مثلا : كلما وجد مواطن سلعة ، بدلا من أن يشتري حاجته منها ليوم أولأسبوع ، كان يشتري حاجته لسنة؛ لأنه في داخله يعتقد أنه لن يجدها مرة أخرى . وهو يتنافس فيها مع آخرين ويرفع سعرها . ويستغل ذلك تجار السوق السوداء . نحن سنطرح السلع الأساسية – حتى شبه الأساسية والرأسمالية وشبه الرأسمالية – بالدرجة الكافية التي تحدث زيادة في عرضها على طلبها … وبالدرجة التي تطمئن أي مستهلك لها ، أنه كلما أرادها وجدها ، فهو ليس مضطرا لتخزينها . وبذلك فنحن لدينا دراسة عن السلع المطلوبة والناقصة وغير الموجودة؛ ونحن نعرف مقدارها نقدا بالتقريب . ونحن باتصالاتنا، نستطيع إن نؤكد إننا قادرون على تأمين المبالغ اللازمة لشراء كل السلع التي تعيد التوازن السلعي في السودان ... أي التوازن بين السلع والأسعار . والتوازن بين العرض والطلب. بل وزيادة العرض على الطلب في المرحلة الأولى؛ والمبلغ الذي يؤمن هذا والذي قد يفوق البليون دولار، أنا اؤكد لك إننا سنؤمنه .

ونحن سنجعل كل رخص الاستيراد مفتوحة .. أي إلغاء الرخص ، بحيث لا تحدث تجارة رخص ... نسجل الاستيراد فقط في المرحلة الأولى، ونجعله مفتوحا . وفي نفس الوقت ، نحن لن نحارب التجار بإدخال السلع في البطاقات ، وبالمحاكم المدنية ، وبالتسعيرة ، وبتفتيش المخازن ، لأن هذا هو مطلب التجار فعلا . إذا ما أدخلت السلع في التسعيرة ، اختفت وزاد سعرها .. وزاد ربح التاجر منها . نحن سنعالج المشكلة . وأنا لا أقصد أن نحارب التجار . فنحن نطلب التعاون معهم ، ولكن السياسة التي سنطبقها هي: أن نجعل السلع تفيض على السوق؛ بالدرجة التي تجعل المواطن يجدها في كل محل وفي كل إقليم .. وفي كل عاصمة؛ وبحيث لا يستطيع التاجرأن يستغل انفراده بها .. كما يحدث الآن . وفي ذات الوقت بدون أن نحرم التجار من الاستيراد ، ستستورد الحكومة جميع أنواع السلع كاحتىاطي واقي؛ يكون موجودا لديها تطرحه في السوق إذا ما شعرت بأن التجار يريدون الاستغلال ورفع الأسعار. وعند ذلك لن يصيب التجار الا الخسارة ماديا . وأنت لا تحارب التاجر بالتسعيرة والبطاقات - التي تخلق السوق السوداء - لأن هذا مطلبه هنا .. حيث يربح . أنت تحاربه بالخسارة المادية . فإذا كان يخزن سلعا، واستوردت أنت عشرة أضعاف المطلوب منها ، عند ذلك سيضطر لبيعها خوف الخسارة .

نحن مستعدون أن نجلب للسودان ما هو ناقص من السلع؛ و بالأحرى .. ما هو مطلوب؛ لأنه ليس هناك سلع في السودان اطلاقا . وفي مدة لا تتجاوز الأسابيع، بحيث يحدث تشبُّع كامل من كل هذه السلع؛ و بحيث يزيد العرض على الطلب زيادة كبيرة واضحة؛ وبحيث يطمئن المواطن فلا يشتري اكثر من حاجته ، ليخزنها منزليا؛ وبحيث يخاف التاجر، فيكتفي بالربح الزهيد . وبعد أن نطمئن إلى أن حلقة التجارة التي انقطعت قد عاودت دورانها مرة أخرى؛ وأن كل المخازن (سواء مخازن المستوردين أو مخازن تجار الجملة او تجار القطاعي أوتجار الأ قاليم، أو تجار القرى في الأقاليم ، ومخازن الحكومة نفسها) ، قد تشبعت بالسلع ، نعد الاحتياطي الواقي ، ونعيد - بعد ذلك كما قلت لك - التوازن بين العرض والطلب . أما في البداية ، فلابد أن نزيد العرض على الطلب بحيث ندخل الاطمئنان للمستهلكين ، و نوحي بالخوف للتاجر الذي يريد أن يراهن على السوق السوداء ، و نقضي على التخزين المنزلي الذي هو أخطر أنواع التخزين .

سؤالك الطبيعي هو: من أين لكم هذه المبالغ والبلاد مفلسة ؟ وأنا لا أسمي ممن سنجد العون . ولكن الذي أقوله لك ، إننا مصدر ثقة بالنسبة لاستعمال الأموال العامة لمصلحة الشعب … وقد كنا كذلك . ونحن نعرف الآن مصادر النقد السائل ، و محلات وجوده .. كما نعرف مصادر انتاج السلع وتصديرها واسعارها الحقيقية؛ ونحن اثناء عملنا للمعارضة ، لا نعمل اعلاميا وتدريبيا فقط ، وإنما دراسة أيضا ، وتلمسا لحل المشاكل الموجودة الآن ، واتصالات بهذا الخصوص . والذي أريد أن أؤكده لك، أننا نعرف بالضبط درجة النقص في السلع ، ونعرف بالضبط قيمتها ، ونعرف من أين تأتي وبسرعة ، ونحن نستطيع أن نؤكد أن لدينا تأكيدا ممن لا يمكن أن يرتفع الشك إليهم .. بأن ما هو مطلوب - لكي يعيش الشعب السوداني معيشة إنسانية - متاح إذا ما كانت هنالك في السودان، سلطة مسؤولة ومستقرة ومطلوبة شعبيا . هذه هي المرحلة الأولي.


في المرحلة الثانية:

الاستمرار في استراتيجية التنمية

والاستمرار في تأمين سلامة الاقتصاد السوداني. نحن سندرس كل مسائل التمويل الادخار والاستثمار(الخاص والعام والأجنبي) ومتطلبات مشاريع التنمية عندنا : الانتاجية والبنية التحتىة؛ المخطط لها أوالمقترحة الآن. وسنصلح أي مشروع تطرق إليه عناصر الفساد والخلل. وسنوقف أي مشروع خلق من أجل الرشوة فقط .. ولا إنتاجية ولا ربحية له؛ والفاشل من حيث الجدوى الاقتصادية. وسوف نرشد التنمية ، ولكننا لن نوقفها؛ بالأحرى سنزيدها. ونحن أيضاً متأكدون من أن الأموال التي تصرف على تنمية نزيهة لمصلحة الشعب السوداني … ستكون موجودة.

في المرحلة الثالثة:

أعادة التوازن الاقتصادي في الموازين غير الميزان السلعي أعلاه


توجب علينا - نحن السودانيين - أن نشترك في معالجة اقتصادنا المنهار ، لا أن نعتمد على الخارج فقط؛ لأنك تعرف أن المعونات والهبات التي تأتي من الخارج ، إنما تأتي من وفورات الشعوب الأخرى؛ لأن الشعوب الأخرى نفسها، يمكن أن تنفق وفوراتها في زيادة دخول أفرادها ، أو زيادة الأجور فيها ، أو زيادة الرفاهية ، وأنت ترى الآن المعارك التي تدور حول زيادة الأجور في العالم ، ولكي تنخفض معدلات التضخم. نفس الدول التي تدور فيها هذه المعارك ، هي التي يقصدها السودان لكي تعطيه ، وهو يصرف أمواله سفها.

في هذه المرحلة نحن سنعيد التوازن الاقتصادي في الموازين الداخلية والخارجية للسودان؛ بمعني أننا نعيد التوازن في الميزان الداخلي (الميزانية) .. بين الصرف والدخل؛ ونعيد التوازن في (سعر الجنيه السوداني) .. على مستوى سعرالعملة الأجنبية؛ وفي الميزان الخارجي (ميزان المدفوعات) .. بين التصدير والإستيراد. ولن نعيد هذا التوازن بالقسر إطلاقاً . ولن نحرم أي طبقة من أي مميزات لديها الآن.

لن نطلب "شد الأحزمة على البطون" – وهو التعبير الشائع في السودان – لأنه في بلادنا لم تعد هناك بطون .. وبالتالي فلن تكون هناك أحزمة. ولكن هنالك في بلادنا صرفاً تفاخرياً .. أغلبه على الأمن ، وعلى استخبارات الجيش – ولا أقول على الجيش نفسه – وعلى الاحتفالات ، وعلى الرشاوي ، وعلى تنظيم سياسي فاسد .. مثل الاتحاد الاشتراكي؛ كلها مصروفات طفيلية وقشورية؛ سوف نشطبها بجرة قلم .

وأيضاً ، نحن نستطيع أن نجعل أسـعار السلع تنخفض بنسبة 300 بالمائة؛ وقد يدهشك ذلك؛ فالسودان الآن يستورد بما يسميه النميري "السعر المتوازي". والسعر المتوازي هو سعر السوق السوداء للعملة الأجنبية .. أي أن الدولار يساوي جنيهاً .. والجنيه الاسترليني يساوي جنيهين وربع الجنيه. وإذا نظرت إلى ذلك تجد إنه يزيد الأسعار100 بالمائة. وهذا ينعكس أيضاً زيادة في التكلفة ، والشحن البحري ، والتأمين ، وأرباح التجار ، والسوق السوداء . نحن سنؤمن العملة التي نستورد بها؛ بالسعر الرسمي للعملة السودانية .. أي بنصف السعر الذي تشتري به السلع الآن؛ ونطرحها في السوق بهذا السعر.

أما الآن ، فالتاجر السوداني يشتري بالسعر المتوازي .. كما تسميه الحكومة، أو بسعر السوق السوداء كما نسميه نحن؛ أي عليه هو أن يوجد العملة الأجنبية . وهذه أول حكومة في العالم تتنكر لمسؤوليتها في إحضار النقد الأجنبي لإستجلاب السلع الضرورية لبلادها . فالتاجر يذهب ويشتري النقد الأجنبي مقابل الجنيه السوداني، وقيمة الجنيه السوداني في الحضيض . والحكومة تسمح له بذلك . وبذلك يضيف كل فروقات أسعار النقد الأجنبي المشترى من السوق السوداء إلى السلع . فيصبح التضخم لدينا، زيادة على قلة السلع والسوق السوداء ، 300 % أو 400 % أكثر من التضخم المستورد من العالم .

إن مستوى التضخم في العالم مثلاً هو: 15% ، نحن يكون لدينا 300 % وأكثر . نحن سنبطل هذا النظام. وستكون لدينا العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد السلع، بالسعر الرسمي للجنيه السوداني . ذلك يرفع من قيمة الجنيه السوداني؛ ويترك المستورد السوداني أن يجد عملة أجنبية – عبر حكومته المسؤولة - من أجل شراء حاجاته .. سواء استهلاكية أو رأسمالية .

وهذا يدعو إلى تخفيض الأسعار عندنا - في اللحظة الأولى - وبمقادير خيالية .. لأن زيادة الاسعار الآن ، ناتجة عن الزيادة في العملة؛ وليست ناتجة عن الزيادة في سعر السلع نفسها؛ لأنك تذهب مثلاً في جدة، وتبيع الجنيه السوداني ب 3 ريالات؛ ثم تشتري الجنيه الاسترليني ب 9 ريالات؛ فكأنك اشتريت السلعة ب 300 % من قيمتها . أما إذا كان لديك جنيهات استرلينية، فإنك تشتريها بقيمتها، وبما فيها من تضخم .. قد يكون 12 % . فالتضخم الآن هو تضخم انعدام الرصيد الأجنبي الكافي للاستهلاك . وبالتالي .. فالحكومة تعطي رخصة لمن يحضر نقداً أجنبياً . والتاجر يشتري هذا النقد بتهريب الجنيه السوداني ، أو المحصول السوداني ، وبيعه في الخارج . ثم إحضار السلع من الخارج . وهذا يضيف 300 % أو 400 % إلى سعرها . وهذا يفسر لك كيف أن قلة تحتكر السلع فتخلق السوق السوداء . وكيف ترتفع أسعار السلع عندنا أكثر من بقية انحاء العالم .

وأريد أن أسالك وانت من لبنان ، وفي لبنان حرب … ليس في السودان عشرة بالمائة منها ، بل وسلسلة حروب متصلة : وانت تعلم أنه في لبنان، السلع أرخص منها في السودان، وأكثر توفراً منها في السودان . وأنت تعلم أننا - قبل الآن - كنا نزود أثيوبيا وأوغندا وأفريقيا الوسطي والتشاد .. بالسلع . والآن ، فبعض هذه البلدان - مثل التشاد - في حرب أهلية طاحنة . ومع هذا ، فهي التي تزودنا بالسلع .

حلنا للمشكلة الاقتصادية ذو ثلاث شعب : المشكلة العاجلة هي زيادة عرض السلع على طلبها؛ ثم التوازن بين العرض والطلب؛ ثم التوازن بين السلع والمال .. من نقد محلي وعملات أجنبية . ليس هناك الآن توازن بين السلع والمال ، السلعة ثابتة وغالية ، والمال قيمته منخفضة .. لأن كميات كبيرة من المال المطبوع - الذي ليس له رصيد - تجري وراء سلع قليلة . وهنا ترتفع الأسعار قطعاً .

أهذا يعني إعادة الثقة الداخلية والخارجيه بالجنيه السوداني ؟

إعادة الثقة الداخلية والخارجية بالجنيه السوداني، لا تحدث إلا بتغـيير السلطة الحالية . والسلطة التي تأتي، واجباتها هي التي قلتها لك . ولا يمكن أن تتم تنمية في السودان إلا إذا تم هذا ، لأن أي تنمية تتم في السودان الآن ستكون نسبة التضخم فيها 400 بالمائة؛ لأنه حتى المواد الداخلية ترتفع أسعارها، لأن مكوناتها من الخارج. حتى العامل السوداني يرتفع أجره، لأنه يعيش من هذه السلع الغالية . فأنت عليك أولا أن تزيل هذا التضخم المصطنع ، الذي هو تضخم عملة؛ بأيجاد الثقة لدى المستهلك السوداني ، وبأيجاد التعاون مع التاجر الذي سيشعر أنه سيخسر كل رأسماله ، وبانعدام السوق السوداء .

ثم بعد ذلك عليك أن تدرس مشاريع التنمية واحدا واحدا ، ودراستنا لها قد انتهت . فتعيد إدارة وتسيير وتنظيم ما هو مفيد ، وتلغي ما هو غير مفيد . وتذهب في التنمية ، لأن التنمية لا تتوقف ، وثالثا ، عليك إن تعيد الاقتصاد السوداني نفسه إلى التوازن .. توازن داخلي بين الصرف والدخل، وتوازن خارجي بين التصدير- الذي يأتي بالعملة الأجنبية - وبين الاستيراد الذي يتطلب العملة الأجنبية . كل هذا دون أن تضغط على جماهير الشــعب ، لأنه لم يبق لديها ما يضغط عليها به . هي الآن في حالة جوع ، فلا يمكن لك أن تطلب منها شيئا . ونحن درسنا هذه المشكلة وأعددنا نفسنا لها ، وأنا أؤكد لك أن كل ما هو مطلوب منها موجود فعلا . الفرق هو ذهاب هذا النظام . لكنه بوجود هذا النظام لا يمكن أن تحدث سياسة مثل هذه .

فحوى كلامكم أن الدعم الاقتصادي الخارجي للسودان، سيتوقف على وجود نظام حائز للثقة الدولية؛ لكن البرنامج يثير تعليقا لابد منه .. بصفتكم وزير مالية سابق، فأنتم تعلمون أن مثل هذا الطرح سوف يصطدم مع برنامج صندوق النقد الدولي ، سواء الموضوعة للسودان أو للدول التي تعيش حالات مشابهة .. وذلك بالنسبة لنقطتين : تخفيض قيمة العملة ، والحد من توفير السلع للمواطنين .. في السودان كما في مصر أولا .

أولا، أنا لم أقل أن النظام يحوز على ثقة الدول؛ وإنما قلت إن النظام يجب أن يحوز على ثقة السودان . والمفروض إنه إذا حاز بثقة السودانيين ، فسيحوز على ثقة الدول . وثانيا ، أنا أعرف كل مشاورات صندوق النقد الدولي، التي اشتركت فيها قرابة خمس سنوات . صندوق النقد الدولي يدعو لتخفيض قيمة الجنيه السوداني، وليس في هذا ما ينفعنا اطلاقا . ولقد خفض السودان قيمة الجنيه ثلاث مرات من غير اعلان . وهو في طريقه للتخفيض مرة رابعة . أنت تخفض الجنيه السوداني إذا ما شعرت أن سلعك الزراعية – المنتجة لديك – تجد تنافسا من دول أخرى تنتج نفس السلع؛ فتخفض سعر الصرف عندك لكي تبيع أكثر . والعكس حاصل عندنا الآن ، السلعة التي ننتجها أسعارها مرتفعة جدا في العالم ، ولولا الأداء السيء للنميري في ال 10 سنوات الماضية ، لكنا الآن نساوي دول النفط أرصدة .

سلعنا … مثل القطن والفول والسمسم والصمغ ، ارتفعت أسعارها سبعة أضعاف عما كانت عليه عام 1969 . ولما انتاجها انخفض إلى الرشوة لم نستفد منها شيئا . وبالتالي ، حتى لو خفضنا سعر الجنيه فهذا لا يفيد . نحن نخفض الجنيه إذا كانت سلعنا في السوق متنافسة مع سلع دول أخرى أرخص منها . وإذا خفضت نيجيريا مثلا عملتها ، ربما نخفض .. إذا خفضت غانا ، أو دولة تنتج القطن .. وهذا ليس حادثا .

ونحن نستطيع إن نقنع صندوق النقد بذلك . صندوق النقد في السودان يضغط دائما باتجاه إن هنالك صرفا تفاخريا أكثر من الدخل ، وإنه ليس هناك دخل . وهو يعلم إنه لو طلب تخفيض الصـرف ، فهذا غير ممكن . لأن الصرف ياتي من فم واحد ، وبلا دراسة . ولا وجود لوزارة مالية لكي تحجب الصرف . وبالتالي ، فأي ترشيد للصرف التفاخري لن يكون مرفوضا لدى صندوق النقد الدولي .

ثم إننا في حالة طوارئ ، ولا يعني هذا إننا نوافق على كل الذي يقوله صندوق النقد ، أوعلى كل الذي تقوله بعثته التي تحضرإلى السودان. نحن نستطيع أن نختلف مع هذه البعثة وأن نذهب إلى صندوق النقد رأسا ، ومهمته هي التوازن الدولي ، ونقنعه بهذه القضية . لأنها قضية واضحة اقتصاديا . وأنا لا أعرف كيف وافق صندوق النقد على الاستيراد بدون عملة . وكيف سيوافق الآن على الاستيراد بالسعر الموازي وهو عدم الاستقرار . إن صندوق النقد الدولي مستشار ، ونحن نعرف سياسته . ونحن متأكدون أننا إذا شرحنا سياستنا والمصادر التي سنأتي منها بتمويل السياسة المتفق عليها ، وتكون هذه السياسة حكيمة اقتصاديا ، فإن صندوق النقد سيوافق عليها ، وبل ويساعد في تحقيقها .

أنا أقول إن برنامجنا الاقتصادي سيكون مقنعا للذين يملكون المال السائل ، وللذين طالما ساعدوا السودان وذهبت أموالهم هدرا . إنهم يرون أنفسهم يدفعون ، ويرون السودانيين يجوعون ويهجرون بلادهم . لكننا لن نضع خطة للشحاذة . بل سنضع خطة اقتصادية للانقاذ والتنمية في بلد موارده التنموية لا حدود لها . وسنقنع بها الذين يملكون النقد السائل ، بل قد أقول لك أننا أقنعنا بها أكثرهم الآن . وسنقنع بها الرأي العام الاقتصادي في العالم، والمؤسسات الدولية ، بشرح الحالة الراهنة ... لأن هذه البعثات عندما تذهب للسودان تعطي ارقاما خيالية ، أوتحجب عنها الوقائع ، فتذهب ل 7 أو8 أيام ، و تحضر بأرقام غير صحيحة وباستقراءات غير صحيحة .

نحن سنشرح الموقف وسنشرح خطتنا، وهي الخطة الوحيدة للعلاج . ونحن واثقون إن دوائر المال في العالم والمؤسسات الاقتصادية ، والدول التي تملك المقدرة على مساعدتنا سوف تقتنع بها . وإلا فما مصلحتها في سودان مفلس لا تستطيع استرداد ديونها منه ؟ ويخل هو نفسه بالتوازن الدولي ويزيد الأزمة الاقتصادية العالمية، ولا تكون منه فائدة ، كان سيكون "سلة خبز" في وقت انتشرت المجاعات ، أومحلا لزيادة الرقعة الزراعية في وقت انخفضت فيه في العالم . ما الفائدة إذا استمر السودان على هذا النحو ؟ أنا واثق أنه حتى التجار السودانيين سيتعاونون كلهم ويكتفون بالربح البسيط فقط، ويغيرون من أساليبهم كلهم لمحاولة انقاذ بلادهم ... لأنه ما هي مصلحتهم في مستهلك سوداني ليس لديه ما يشتري به ، أويجد سلعة ليس له طاقة على مشتراها؟

إن مصلحة متوسطي الحال وصغار التجار – الذين نمثلهم – هي أن يكون هناك رواج اقتصادي ، وزيادة في البيع ، وقلة في الربح ، بحيث أن زيادة البيع تحل محل زيادة السعر. أما في بلد كلها سوق سوداء لن يستفيد منها إلا – كما هو حاصل الآن – أصحاب 10 أو15 أضعاف السعر. أما في بلد بها السلع متوفرة وبها مستهلك أومزارع يأخذ فوائد انتاجه لنفسه ، وتزداد انتاجيته بزيادة مقومات الانتاج من الحكومة ، وبالقيام بواجباتها بإحضار كل مقومات الانتاج ، وإعطاء المزارع حقوقه في الانتاج بسعرها الأصلي العالمي ، فذلك يزيد قوته الشرائية . ويقابل ذلك طرح السلع ، فسيحدث الرواج الاقتصادي . وبذلك ، حتى التجار سيتعاونون . لأنهم وطنيون في المقام الأول؛ والمزارعون سيتعاونون لأن روحهم المعنوية سترتفع؛ ويجدون أسعار سلعهم (وأسعارها في العالم عالية) . وما يجدونه منها في السودان ، لايساوي 10 بالمائة ؛ نتيجة لأن الحكومة ليست لديها مقومات للأنتاج ؛ لا آلات ولا مخصبات ولا مبيدات حشرية ولا إدارة .. ولا أداء . ولها تسويق مرتش مع السماسرة . فيعود كل ذلك بفقر على المزارع ، فيترك الحقل الزراعي ، ويهاجر لكي يعمل في الخارج .

الانتعاش الاقتصادي وعودة الكوادر واليد العاملة المهاجرة

في سنة 1968 - وكنت في وفد يطوف الدول العربية - كانت كل دولة عربية أصل إليها ، تطلب مني مئات من المدرسين والمهندسين والأطباء والمهنيين والفنيين السودانيين. وكانت حاجة بلادي تدفعني لكي لا أعطي إلا العشرات. أما الآن فكل هؤلاء - من أعلى المستويات وحتى العامل الزراعي - قد هجروا السودان وذهبوا للخارج . ونحن في أشد السرور أن يشترك إخواننا في التنمية في البلاد العربية ؛ ولكن إخواننا يعلمون أن التنمية في بلادنا أيضا ، ستفيد المنطقة العربية نفسها .

وأنا واثق .. إنه بعودة الاستقرار السياسي والاستقرار الاقتصادي والاستقرار المعيشي ، ومع توفر السلع ورخص الحياة في السودان ، فسيعود العدد الكبير من هؤلاء ، الكافي لإنعاش التنمية في السودان ؛ ولإحداث الاستقرار الاقتصادي ؛ والكفاءآت التي تستطيع أن تعدِّل السياسات الفاسدة والجاهلة الموجودة الآن . هذا العدد سيعود . وسيبقى في البلدان العربية عدد آخر يكفي لمشاريع التنمية فيها ، ويساعد أيضا بدخوله الخارجية على إنعاش الاقتصاد السوداني ..

فيصل سعد
12-01-2015, 11:44 AM
احقاً مات الشريف ؟ أحقاً خلت منه الساحة ؟

بقلم: صلاح احمد ابراهيم
مجلة الدستور

هكذا نقف بإزاء المنية - مستهولين غير مصدقين - من حيث لا ينبغى لنا ، وكم رأينا مصرع كبير وعزيز ولو كان موت فقيدنا الراحل موت شخص عزيز وحسب ، لأسينا وحزنا ثم عدنا لواجبات الحياة باعتبار ماحدث جرحاً شخصياً وألماً خاصاً . اما ان نفتقد فجأة رجلاْ كان يصنع الأحداث ، وقائداً يحرك الجماعات ، وزعيماً يُرجع إليه ، ورائداً تُنتظر منه المبادرات ، فان الفقد يتخذ أبعاداً تتخطى الشخص الى الشخصية ، والموت يلقي باسئلة تتعدى المفقود الي المفتَقد فلا غرو ان أخذنا نردد (وفي خواطرنا تضطرب الاحتمالات) : " أفي هذا المصاب الجلل بداية انقشاع المأزق ام بداية تفاقمه؟" .. نردد مستهولين غير مصدقين لا من حيث الحقيقة بذاتها ولكن لما سينجم عنها :

احقاً مات الشريف ؟ أحقاً خلت منه الساحة ؟ نحن بنو الموتى فما بالنا نعاف ما لابد من شربه.. ان الحياة قصيدة ابياتها اعمارنا والموت فيها القافية .

اين الأكاسرة الجبابرة الالي كنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا

وكما قيل :فان حياة بعض الناس موت ، وموت بعض الناس حياة .. كان رحمه الله رجلاً كبيراً بحق .. وكان رحمه الله رجلاْ كريماً .. وكان رحمه الله رجلاْ حليماً .. وكان رحمه الله رجلاْ مقداماً .. وكان رحمه الله رجلاْ متواضعاً وزعيماً .. وكان رحمه الله رجلاْ ذكياً وموهوباً .

هذا بعض ما اصفه به ، وما وصفته به لأنه مات .. الموت من بعد يستثير النزعة للمبالغة في ذكر محاسن من مات ، ولكن وصفته بما عرفت عنه وبما هو حق وصفه علي المنصف . فالمنحاز بدءاً يبالغ .. ولكن المنصف يشهد .. وصفته بعد مماته بما كنت اصفه به ما اقتضتني المناسبة في حياته ، ووصفته به وانا من يعرف بنو وطنى اجترائى بقول الحق عن كل من تعرَّض للمسئولية العامة وتصدى للامانة ، لم استثن احداً .. ولم اداهن احداً .. لأنه لا غرض لي عند احد. ولا مقصد لي غير الحق .. وفي خلال ذلك اخطىء واصيب وضميرى في الحالتين مطئمن .

كان الشريف حسين الهندي اريحياً وهاباً .. بذل ماله لأجل مجده .. يقضي الحاجات ،ويكلاً المحتاج .. ويقيل العثرة .. ويدعو الجفلي .. بابه مفتوح وقاصده ممنوح .. ويده ندية . وكان الفقيد ذكياً موهوباً .. ذا ذاكرة حفيظة لا تفلت منها الاسماء او الارقام ، خطيباً ذرباً بلغتين .. قوي العارضة قديراً علي التاثير .. محنكاً في مجالي عمله : المال والسياسة ، حسن التدبير .. واسع المصادر باسلوب تميز به وتفرد ..

وكان الشريف حسين رجلاً مقداماً .. يجابه صلداً عند المجابهة، ويلاين مرناً عند الملاينة .. ولكنه دائماً يقتحم الموقف الصعب .. ويتصدى للمأزق الحرِج .. ملء العين والبصر؛ لم يقصِّر فى نشاطه الاعلامي والعسكري والتنظيمي .. بعزيمة صادقة؛ فاذا هو بمفرده جيش عرمرم يضرب القدوة في المثابرة والمصابرة والتحدي؛ لم يرأف علي نفسه ولعل ذلك بعض ما اودى بحياته وهو فى ذروة العطاء .

فمضى الشريف حسين الي رحاب ربه .. بعد ان ترك من بصمات العمل القومى والحزبي ما يصعب تكراره .. ولندع صلاح ذلك الكاتب والمقاتل العنيد الذي لا يعرف المحاباه او المجاملة ..لندعه يتكلم في الشريف وعن الشريف ليعرف ابناء وطني .. ورفاق دربي - وقد تفرقت بهم السبل - أي خسارة تلك التي المت بهم وعن أي فقْد نحن نتكلم ..انه فقْد امة .. نعم فقْد امة بكاملها .. نبحث عنه اليوم في ليالينا المظلمة فلا نجده .. ونجمع نثار هتاف قديم .. فلا نرى غير اصداء بعيدة .. بعيدة ..

يكفينى هنا والحزن منيف .. ان احني رأسي اجلالاً .. لرجل مقاتل بحق.. لم يضن بدقيقة من وقت أو ذرة من نشاط في سبيل ما نهض فى سبيله حتى خر في ذلك صريعا؛ لقد كان صوتاً عاليا من أصوات المعارضة السياسية في السودان ... بل اعلاها صوتا .. وكان وجهاً مبرزاً للمعارضة السياسية في السودان ، وفي مواقف ومنابر، وجهها الوحيد .. وكان بجانب ذلك نموذجاً مجسداً للتفاني والبذل والاصرار .. اتفق المرء ام اختلف في شىء احنى رأسي اجلالاْ للعزيمة لم تهن .. وللشجاعة لم تنخذل .. وللسماحة التي دأبنا على تسميتها بالخلق الاصيل تزين الساحة .. احني رأسي اجلالاْ لجوال حمل قضيته علي العاتق واغذ السير .. في ليل ونهار .. في عافية ومرض .. في غربة ممضة ووحدة مريرة .. وفي الجوانح لهفة محلاْ عن مائة، وفي الفؤاد نيل ونخيل ودار وعفاة .. وفى المسامع أصوات احبائه الذين خلَّفهم على عجل من ورائه .. يحول بين الوصال والاتصال حديد علي كتف وحديد علي الصدر .. وحديد علي الساعد ..وحديد علي النعل .. واه من الليل ووحشة الطريق .

لاينبغي لشامته ان يقر عينا او يهدأ بالاً .. بهذا الفقد الفاجع .. والامل المهيض .. فالموت عظة الغافل والمغرور .. يطول الاعزل .. ويطول العزيز ولو كانوا في بروج مشيدة .. ولا ينبغي لشامته ان يقر عيناً ويهدأ بالا .. فإن مالا يذهب قط باق هناك. الافراد مهما بلغ شأوهم وعظم شأنهم وجلَّ عطاؤهم هم بضعة شعبهم الولود .. اذن فما مات الشعب ولا مات تصميمه .. وها المارد يتحرك، والجبل يتململ، والتنور يفور.. ولعل في هذا الفقد ما يوقظ الهمم .. وما يزيد الشعب المناضل حمية علي حمية وهو يرى الغائب آيب، ولا تزال تحكم الوطن النبيل المعايب :

قل لمن عربد في الشعب طويلاْ لعنة التاريخ في إسمك تلصق
عبثاً تطلب منا المستحيـــلا نحن قناصك والسيف المعلَّق

حين كان العمل يتطلب من الشريف حسين الهندي رفع الصوت بالكلمة المرة .. جهر بصوته .. وحين كان العمل يتقضي حمل البندقية تحامل على ألمه .. وحمل البندقية موغلاً في الصحراء .. وحين كان العمل يتطلب منه سهر الليل، تحمَّل اعباء مرض السُكَّر واعياء القلب والبدن وسهر الليل .. وحين كان العمل يتطلب منه الصبر على الجدل .. صبر وجادل حتى تعبت منه اللهاة .. كان في كل مكان؛ وفى كل عمل؛ ولقد كان بإمكانه (لو شاء) .. ان يعيش مرتاحاً في بحبوحة بما تحت يده من مال؛ ولكنه آثر عيشة الجندي المقاتل في اخشوشان الجندي المقاتل ومات - حين مات - في ميدان القتال ما بين الجبهة والجبهة .

فيا رفقة فقيدنا المناضل المقاتل .. تراثه النضالي المقاتل، امانة في اعناقكم؛ فلا تهِنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون .. ضعوا ايديكم في يد شعبكم .. وفي يد أخوة آخرين - بالغاً ما بلغ الخلاف أو الاختلاف - حتى تنجلي غمة الوطن .. سدوا الثغرة وكونوا علي ما كان عليه حزماً وجرأة وثباتاً واصراراً؛ فالمسئولية بأكملها انتقلت اليكم بعده .. ابقوا الراية خفاقة والمشعل عالياً والصوت كما كان جهيراً .

فيصل سعد
12-01-2015, 12:11 PM
في رثاء المناضل الثائر الجسور الشريف حسين الهندي


محمد حامد السقاي

خبر الشوم بلغ الليلة جابو الناعي
قال مات الهمام ناير البصيرة الواعي
إندك الأساس و خر السقف مداعي
و انفرط القطيع بقى لا دليل لا راعي

الموت ســنة لكن الفقد مو هين
يا الهــندي المجرد حاد سقايتو تزين
رحــيلك لوع العــنقالي و المتدين
و كم جريت وسـم بين الحواجب بين

السـودان نُكِب يا الدخري فيك يوم فقدك
و يا صلب الشكيمة المُتَّ حافظ عـهدك
الأراضـين تعج يتوم ربَّعُولك لحدك
إهتزت جبال مكة و ضـرائح جـدك

أب دربــا زلـق البـاروه ملوا و فتروا
من جارحات جوارحه الجارحة لانوا و كسروا
كتار الطـلبوا أسـباب الوصـول لي قـدرو
كل القاسو صـد بالحسـرة قال : ماني قدرو

قداد الدروب شـرك المصـايد هبرو
أب عوما قَرِف بحر المخـاطر عبرو
ماظـنيتو مات بي هينة ، شايل وبرو
ملك الموت أكيد بي غفلة غفَّا وغدرو

نارك يا الشريف بين الجوانح سارجة
رمَّلت المنابر و المحـافل القاجة
فارس أمات حجول الما بتقبـِّل لاجة
خليت الرجال دمـاعه تدفر سـاجة

عهدك كان رخا و كم من نعيمو غرفنا
و رايك في المحـافل يا الشريف شرَّفنا
نحن وراك زي ما قالوا عشـنا و شفنا
يا ود ابدروع قرقر وراك أب عفنة

رقد فحل الصهب تلب التقيلة اب غارب
و تمساح لجة اب موجـا بلعلع كارب
قول لي الطال عرض و انغر سما الهارب
كان عمرو طـال ما بنبرم لك شارب

رقد الليـلة تقالة القلوب الجـازعة
فاضت روحو لي باريها صـدت راجعة
قدر السـيد نفد غار الزوامل الراتعة
شال تلب الحمول خلى المجافلة و ضالعة

من تبيت حصـيف قط ما بتقوم في هايفة
و نفسـك للصغاير و الرغالات عايفة
في النـوم و الثبات عينك مفتحة شايفة
من نعش اب كريق قالوا المرافعين خايفة

كـباس الدهم فرتاق جحافل العوق
و قشاش دمعة المتموم مغص مخنوق
أب فهما بحـل عقد الزرد مطبوق
وراك الكـبدة تنزف و القلب محروق

قنديل الكبس أب ضوا مو ممحوق
واب قدرا على عالي الكواكب يفوق
أظنك ياالشريف زايد عليك الشوق
و هزاك الحنين للأزهري و زروق

أملـنا المروق من الظـلام بي شروق
و لكن الكـريم تدبيرو مو مسـبوق
غفانا القـدر قبل الهـنية نضــوق
و جاب أمل الخلاص شايلنو في صندوق

في السودان بشوف كل النفوس موجودة
و كانت عايشـة آمالا عليك معقودة
لكن شن نسـو ما تمـت المعدودة
حكم السيد رضا و إرادتو مي مردودة

فوضـنا الأمر فيــك للكريم مولاك
و تاريخـك بخلد لي النشــور ذكراك
سائلنوا الكــريم الأخلصـك حباك
يبرد مــرقدك و عقب الجنان مثواك

الشاعر: عبدالله الطيب


البطل المصـاب الفراقو ما بنسد
أب خلقا رضية المحاسنو ما بتنعد
يا حليـل الشريف الوفى ما وعد
الجـرح المغـور الليـلة إتجدد

تاني منو براك بعرف كلام الجد
يا بحر المحيط الما بحبسك سد
فوق الطنـدبة بتمرق الحد
ضقنا الويل بي وراك وصلنا الحد
فينا الضاع كتير والباقي إتشرد
كل يوم الأمل في نفوسنا يتجدد
راجين جـيتك بعدالعذاب نسعد

بي موتك ياالشريف ماتت معاك آمال
فقـدوك العدامى وعليك شـوقنا طال
ميتك سمحة ماك المرتشي المحتال
كل الحي بموت لو قصر العمر أو طال

فتحت خشم بيوت قبال يا الشريف ما تقوم
يا ضـراع الضعيف .. يا نصرة المظلوم

يوم مـت يا الشريف آمالنا إتوفت
بي حالتنا الكئيبة ، كل الدول عرفت
في مفترق طـرق خليتنا نتلفت
راجين جيتك ... وانت قافلتك قفت

من قم يا الشريف حاشـاك ماكا جبان
مادرت تعيش سعيد وباقي البلد تعبان
بيتك بالعدامى طــول الوقت مليان
ضيفانو الألوف ريقـان خلف ريقان

ياحليل الشريف الخيرو ما دابو
راجنو الألوف لي جيتو بتشابو
أب رايا سديد كل الدنيا بتهابو
ما جروا القلم راجعـوا حسابو

من قمـت ياالشـريف بلدنا إتقـدم
حتى الكـان عدو من بعدك إتنـدم
كل يوم الديـون في ضهورنا تتردم
قاسينا الشدايد ما عارفين نصل يوم كم

فيصل سعد
12-01-2015, 12:34 PM
رحم الله الشريف الهندي رحمة واسعة بقدر خدماته التي قدمها للسودان أرضاً وشعباً

ونسأل الله أن يقيل عثرة حزب الوسط ليعود كما كان في سابق عهده

تحياتي

حياك الله اخي منعم
و كن بالف خير ..

فتح العليم
12-01-2015, 12:56 PM
من أقوال الشهيد المناضل الشريف / حسين الهندي الخالدة :

* نحن حواري الشورى لا الإستبداد و أنصار الحوار الوطني لا الكبت .

* نحن أهل الرأي و الرأي الأخر .

* نحن أصحاب صناديق الاقتراع و صناديدها و إن أتت بغيرنا.






* نحن الأحرار الديمقراطيين المتحررون فكراً ونضالاً ومساراً.

* نحن الاشتراكيون بالالتزام نحن قضايا الكادحين من عمال و زراع .

* نجوع و نأكل أصابعنا و لا نأكل قضايانا الوطنية.

تحياتي فيصل .
التحية عبرك لهؤلاء الساسة الذين سطروا عبر تاريخهم الكثير من المبادئ والقيم والتحية لنضالاتهم خلال كل الحقب العسكرية ، مصيبتنا أن العسكر هيمنوا على السياسة وحرموا امثال الشريف الحسين الهندي من أن ينالوا حظهم لتطبيق برامجهم الاصلاحية والسياسة وأن قدر الله لنا أن حكمنا هؤلاء الساسة لتغير واقعنا إلى الافضل . نحي عبرك نضال الشهيد الشريف الحسين الهندي ونسأل الله العظيم أن يبلغه الجنة .
شكراً لتذكيرنا بهؤلاء العظماء .
وأنشاء الله لي عودة للتعليق على كافة مشاركاتك تجاه المناضل .
كن بخير

فيصل سعد
12-01-2015, 01:30 PM
لك الشكر اخي فتح العليم للمرور و للمشاركة في
هذا البوست.. و منتظرين عودتك قريبا..

فيصل سعد
12-01-2015, 02:29 PM
http://www.sudanyat.org/vb/uploaded/266_1421069256.jpg

فيصل سعد
17-01-2015, 04:11 AM
الشريف حسين الهندي يتحدث
عن الحزب الإتحادي:

http://youtu.be/SRCBXawkkpQ

فيصل سعد
17-01-2015, 04:12 AM
الشريف حسين الهندي يتحدث عن
الحزب الشيوعي و الاخوان المسلمون:

http://youtu.be/WHB2VQClOWU

فيصل سعد
17-01-2015, 04:13 AM
الشريف حسين الهندي يتحدث عن
الخطة الإقتصادية:

wmv: http://youtu.be/TNXvgoy9_xc

فيصل سعد
17-01-2015, 04:15 AM
الشريف حسين الهندي يتحدث عن
الصادق المهدي و المصالحة الوطنية:

http://youtu.be/C9kGbriQ51s

فيصل سعد
17-01-2015, 04:39 AM
تسجيل صوتى للمناضل الشريف حسين الهندي
دروس و عبر في المعارضة و التصدي و تعرية
القهر و الظلم و الفساد و الاستبداد:

http://youtu.be/DoDiSOyne8A

فيصل سعد
19-01-2015, 08:32 AM
نشر بوساطة الفاتح محمد الأمين
في "الوطن" يوم 07 - 06 - 2014


الصندوق الأسود للقطب الاتحادي والرمز الوطني الشامخ المرحوم الشريف حسين الهندي , هو رفيق دربه في المنشط و المكره الأستاذ فتح الرحمن البدوي محمد .. عرفني به الأخ الكريم الأمين الشريف الهندي مستشار والي الجزيرة الذي انسلخ من حزب الدقير , وكفر بالأحزاب جملة وتفصيلا ( بتّاً بي الله ) كما يقول إخواننا في غرب السودان ! وأبلغني بأنه مستقل حاليا ولسان حاله يقول : إذا رأيت الأحزاب بما فيها الحزب الحاكم ففر منها فرارك من الأسد !


قليل من الناس يعلم أن الشريف حسين الهندي كان اسمه الحركي ابان المعارضة المسلحة هو ( الحاوي ) وله اسم حركي آخر هو ( ود اب درعين ) .
وما لا يعرفه الناس عن حياة الشريف الخاصة أنه كان شاعراً عاطفياً رقيق الحاشية كما وأنه مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وآلف أغنية ( ما شقيتك أنت الشقيتني ) للفنان حسن سليمان بالمشاركة مع الشاعر حسن خضر في مجادعة شعرية , وكذلك أغنية ( سَكِرَ السمّارُ ) لعبد العزيز داوود .
ويقول عنه محدثي : إنه قارئ نهم ومثقف من طراز فريد , وبارع في اللغة الإنجليزية نطقا وكتابة , لا يأكل كثيرا ولا يهتم بإرتداء الملابس الفاخرة وكان يقول ( المال محطة وليس مخزناً ) !

مع الصور التاريخية النادرة التي أمدني بها الأخ فتح الرحمن البدوي والمعلومات الخاصة جدا أجد صعوبة بالغة في نشر المعلومات على حساب الصور ولذلك رتبت لنشر المادة على عدة حلقات .
وأشكر بالطبع أخي الشريف الأمين الهندي الذي أكرم وفادتي وبرني بصورة نادرة للشريف حسين الهندي عندما كان طالبا في كلية ( فكتوريا ) بالإسكندرية مطلع الأربعينات ضمت الهادي عبد الرحمن المهدي ومأمون بحيري وسعد أبو العلا وجميعهم بالزي الأفرنجي بالإضافة إلى الفاضل المهدي والد مبارك المهدي وأظنه كان زائرا وغيرهم .

ومن المناسب أن أبدأ هذا السفر بالخطاب التاريخي الذي بعثه الشريف حسين الهندي في 11/7/1956 للرئيس اسماعيل الأزهري رئيس الحزب الوطني الإتحادي طالبا الإنضمام إليه والذي رد عليه بعد ثلاثة أيام بخطاب رائع يقول فيه أنه تشرف بهذا الإنضمام كما تشرف الخريجون من قبل بهدية الشريف الهندي العظيم طيب الله ثراه .. وهذا هو نص الخطاب

بسم الله الرحمن الرحيم


الى السيد الرئيس اسناعيل الازهري رئيس الحزب الوطني الاتحادي :تحية طيبة واحتراما .

لعله من نافلة القول أن اكتب اليكم الآن لأعلن انضمامي عضوا في الحزب الوطني الاتحادي العتيد فلقد ظللت طوال الفترة الماضية متجاوبا معكم باحساسي مؤيدا لكم في جميع الخطوات التي مشيتموها بخلق حركة سياسية بعيدة عن مزالق الخضوع للاشخاص . سياسة تهدف لمصلحة الوطن وحده ولعلكم تدركون دون شك ان هذا التأييد ينسحب على ماضي كفاحكم الصلد الجاد لاستخلاص حرية البلاد من أيدي غاصبيها والنفعيين فيها لتوطدوا للبلاد أركان استقلالها ودعائم حريتها . ولقد أردت بإشهار انضمامي في هذه الفترة بالذات أن اؤكد مبدأ هاما لمن تزاحم في رؤوسهم شئ الولاءات . ولقد كنت ولا أزال أعتقد ان كلا الزعامتين الدينية والسياسية تستطيعان السير جنبا الى جنب من اجل اسعاد المجتمع دون ان تتغول احداهما على الآخرى . إذ لكل من الزعامتين رسالة فالزعامة الدينية رسالتها روحية بحته تهدف الى اصلاح النفس وتقويم الخلق ورسم الطريق الى الله ، أما الزعامة السياسية فرسالتها تنظيم حياة المواطن اليومية من عمل وتعليم وأمن ورخاء ورسم سياسة داخلية وخارجية تؤمن الشعب وتنظم علاقاته مع سائر الشعوب . ولا اعني بقولي هذا أن أجرد الزعامات الدينية من حقوقها وإنما أحدد هذه وتلك . فالزعامات الدينية من واجبها ان تتدخل عند الازمات لترفع الروح المعنوية عند شعوبها، اذا كانت شعوبها تواجه عدوا خارجيا وان تتدخل لإصلاح ذات البين بين جماهيرها , فتوحد كلمتهم وتجمع شتاتهم دون تفريق او تفرقة ولكنها اذا انغمست في السياسة اليومية من عزل زيد وتولية عمرو ومباركة هذا الحزب ومحاربة الحزب الآخر اذا فعلت شيئا من ذلك فانها تفقد احترامها وتهدر كرامتها بل إنها تثيرها فتنة لا يرضاها الله ولا عباده..
ويوم ترضى الزعامة الدينية هذا المسلك فلن تكون في الدين في شئ بل إنها تتحول الى حركة مخربة هدامة والى حركة مصلحية بحته تهدف إلى إرضاء مصالحها الخاصة , وشهواتها الذاتية ويحق لنا عند ذلك ان نقول لها لقد تنكبت الطريق وانحرفت عن الهدف.
هذا هو رأيي الذي آمنت به وأؤمن به وعهدي الذي عملت وسأعمل عليه ما حييت . ولا أظنني أكون قد تنكرت لوضعي الاجتماعي او جافيت التراث الذي انتمي اليه , فلقد كان والدي رحمه الله أول من نادى بهذا وأول من دفع ثمنه فلقد حاربه الاستعمار واعتقل وسجن وحددت اقامته حتى توفاه الله . لقد أهدى والدي للخريجين دارهم التي نشأ في أروقتها مؤتمر الخريجين العتيق الذي اضاء الشعلة الوطنية وفيها تكون أول وفد سياسي خرج للعالم يعلن مطالب شعب السودان . وانبعثت شرارة الحركة الوطنية التي صنعت السودان الحديث . والذي دفعني لاستعراض هذه الحقائق هو أنه بمجرد هنا الاهداء تم توجيه والدي لأكبر أبنائه للانضمام الى مؤتمر الخريجين في وقت عنت فيه الرقاب وانحسرت الوجوه امام المستعمر الغاشم . وفي كل هذا ما يؤيد رائيي في آن والدي كان يعلق آمالا كبارا على الحركة الوطنية المتمثلة في الحزب الوطني الاتحادي.
أما أنت ايها السيد الرئيس فإن كانت المعركة ضد الاستعمار والمستعمرين من أجل حرية البلاد واستقلالها , فقد انتصرت على الاستعمار والمستعمرين . ونشرت لواء الحرية وجلبت استقلال البلاد . أما اذا كانت المعركة من أجل كراسي الحكم فقط بعد أن أتممت الرسالة ولم تترك بقية تعمل ومع غلبك اليوم، ستنتصر غداً بارادة الله وارادة شعبك الذي لم يتخل عنك لحظة والذي جعل لك في سويداء القلوب مكانا أرفع وأجل من كراسي الحكم . فاذا كانت حكومتك قد أسقطت غيله وغدرا فرب نجاح أشرف منه الفشل سلام الله عليك.

المخلص / حسين شريف الهندي
11/7/1956

هذا وقد رد عليه الرئيس الازهري بالخطاب التالي:-

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى الشريف حسين الهندي تحية واحتراما وبعد ,,
تسلمت بيد الشكر خطابكم الوطني الرائع والذي تعلنون فيه انضمامكم للحزب الوطني الاتحادي الذي أتشرف برئاسته , وإنني باسم لجان الحزب الوطني الاتحادي وباسم جماهيره أتقدم لكم بوافر الشكر علي جميل شعوركم وصادق إخلاصكم وإن الحزب الوطني الإتحادي يتشرف بانضمامكم إليه كما تشرف الخريجون من قبل بهدية الشريف الهندي العظيم طيب الله ثراه .


هذا وتقبلوا شكرنا واحترامنا .

المخلص / اسماعيل الأزهري
رئيس الحزب الوطني الاتحادي
13/7/1956 م

تاريخ حافل

يقول محدثي الأستاذ فتح الرحمن البدوي « كان الصراع في ذلك الزمن محتدما بين الإتحاديين والطائفية السياسية ( الختمية والأنصار ) وكانت هذه الفترة مرحلة عمل جاد للشريف حسين الهندي فقد قاد الحملة ضد الطائفية السياسية رغم أنه كان ينحدر من طائفة دينية مشهورة , وكان يسانده في هذه المرحلة يحيى الفضلي وعبد الماجد أبو حسبو وقد أنشأوا صحيفة ( النداء ) وكانت هي الصوت الصارخ ضد الطائفية السياسية وقد بدأت صلته بالشريف حسين كتلميذ بمدرسته الفكرية فأنا لست طائفيا رغم أنني حفيد غلام الله بن عائد الركابي وهو شريفي حسيني وأجدادي هم أولاد الشيخ إبراهيم البولادي جدي التاسع الذي أدخل المذهب المالكي للسودان هو وأشقاءه الثلاثة عبد الرحمن وعبد الرحيم وإسماعيل وأقاموا المدرسة المالكية في السودان وقاموا بتدريس مختصر خليل ورسالة أبو زيد القيرواني وكل الفقه المالكي وتخرج على أيديهم أغلب علماء وشيوخ السودان وكانوا يقطنون في جزيرة ( ترنج ) جوار نوري ومروي وانتشروا بعد ذلك في كل مناطق السودان وهم أشراف من اليمن من منطقة اللحيا , ولغلام الدين مسجد في دنقلا , ومن أحفاده المشهورين في السودان مكاوي أكرد وسيد أحمد الحسين ود . إبراهيم حاج موسى

الشريف حسين والجزيرة أبا

قاد الشريف حسين العمل السياسي بعد إنقلاب 17 نوفمبر 1959 في الجزيرة أبا ثم خرج من السودان إلى مصر , وقام الرئيس جمال عبد الناصر بالتنسيق معه لنقل السلاح لدعم( باتريس لوممبا ) في الكنقو فكان ينقل السلاح من مصر ومن مصادره الأخرى إلى هناك وقد تمكن الشريف أثناء قيامه بمهامه العسكرية من إخراج أسرة لوممبا بعربة خضار داخل الطائرة إلى مصر . وعاشوا فيها منذ ذلك الحين ثم تفرقت بهم السبل وكانت هناك قيادات موجودة في الخرطوم أمثال ( دي زنجا ) وكانوا يقيمون في بري وشارع الجمهورية جوار عمارة ( بابا كوستا ) .
والشريف أدخل أيضا زعماء حركات التحرر في جنوب أفريقيا وعلى رأسهم مانديلا وزملاءه بأسماء وهمية إلى الخرطوم . وعاشوا في مكان سري في منطقة بري . وقد أقنع الشريف حسين أحمد خير المحامي وزير الخارجية بحكومة عبود وهو خاله بعد أن قدم له مانديلا ورفاقه بحمياتهم فأصبحوا بذلك محل اعتبار عند الشريف وأحمد خير ورجعوا إلى تنزانيا وكان اسمها زنجبار ثم عادوا للمرة الثانية للسودان ومنحهم أحمد خير جوازات سفر سودانية خاصة ودعمهم الشريف حسين بالمال وكان هذا محل تقدير عند كل الثوار وكل من له علاقة بحركات التحرر في أفريقيا التي كانت تصارع الأنظمة العنصرية .

ثورة أكتوبر

بعد ثورة أكتوبر عاد الشريف من القاهرة وقاد الحراك السياسي مع قيادة الحزب الوطني الإتحادي وقام بتمويل الحملة الإنتخابية للإتحاديين وقد كان تاجر جمال وكان المال بالنسبة له غير ذي قيمة إلا إذا وضع من أجل الجوانب الإجتماعية والإنسانية وكان يصف المال بأنه محطة وليس مخزناً .
وفي أكتوبر خاض الإنتخابات في منطقة الحوش الوسطى وفاز بالدائرة وحصل على أعلى نسبة أصوات لنائب برلماني في السودان بالإشتراك مع الخليفة شريف في منطقة أبو حجار وهو ينتسب لحزب الأمة .

أيام الدراسة

وزامل الشريف حسين الهندي كل من الإمام الهادي المهدي ومأمون بحيري وكمال عبد الله الفاضل والملك حسين وعبد اللطيف الحمد وزير مالية الكويت في كلية فكتوريا بالإسكندرية عندما قامت الحرب العالمية الثانية عام 44 قطع الدراسة وعاد إلى السودان وزاول عمله التجاري ثم أصبح بعد ذلك وزيرا للري في حكومة أكتوبر وهو الذي خطط لمشروع الرهد الزراعي على أن يتم الري بواسطة الري الإنسيابي لأنه أرخص أنواع الري وقد كان الري بالطلمبات مكلفا نسبة لسعر الجازولين وقطع الغيار . وذلك في حكومة محمد أحمد محجوب رئيس الوزارء وبعدها صار وزيرا للمالية وهو أول من أنشأ بند الإدارة العمومية ( بند العطالة ) وكادر الموظفين والعمال وقام بالإصلاح الزراعي حتى قال عنه عبد الخالق محجوب قولته المشهورة الشريف حسين الهندي وضع 3 قنابل في الإقتصاد السوداني لا يستطيع أحد المساس بها وهي الكادر والإصلاح الزراعي وبند الإدارة العمومية . وقد واجه الشريف نقدا لقراراته المالية من بعض الجهات ولكن من المؤكد أنه لم يجرؤ أي أحد للمساس بذمته المالية .

في عهد مايو

عندما قامت ثورة مايو لم تجد إلا ما هو جدير بالإعتبار والإحترام للشريف حسين الهندي بعد أن أجرت مراجعات للشئون المالية وبعد أن سرت شائعات ساذجة تقول أن الشريف شال الخزنة وهرب بها .

الصراع مع الصادق المهدي

بعد أن سقطت حكومة المحجوب في الجمعية التأسيسية وترأس الصادق المهدي الوزارة رفض الصادق المهدي أن يكون الشريف وزيرا للمالية وأتى بالأستاذ ميرغني حمزه بديلا له . وقام بتعيين الشريف وزيرا للحكومات المحلية , وفي تلك الفترة قام الشريف بتوزيع الأراضي السكنية والتي أصبحت تسمى امتداد وناصر والامتدادات الطرفية بالخرطوم للمواطنين في خطة إسكانية مشهورة وكانت مواصلات العاصمة تتبع لوزارة الحكومات المحلية فقام بتخفيض تذاكر المواصلات إلى نصف القيمة وكانت هذه بداية صراعه مع الصادق المهدي بسبب الغيرة . وبعدها تم طرح صوت الثقة في حكومة الصادق المهدي في الجمعية التأسيسية فسقطت الحكومة . وحاول الصادق المهدي عقد اجتماع للجمعية التأسيسية خارج البرلمان تحت الأشجار , وكانت هذه سابقة مشهورة ومحل تندر حاول من خلالها الصادق المهدي اسقاط محمد أحمد محجوب الذي عاد مرة أخرى إلى رئاسة الوزراء وقام بتعيين الشريف حسين الهندي وزيرا للمالية مرة أخرى . وكان الصادق المهدي قد رفض أيضا تعيين عبد الماجد أبو حسبو وزيرا في حكومته ولكن الرئيس اسماعيل الأزهري قام باستدعاء كل من أبو حسبو والشريف حسين الهندي وأديا القسم كوزراء من وراء ظهر الصادق المهدي رئيس الوزراء وقد تم تعيين الشريف وزيرا للمالية وأبو حسبوا وزيرا للإعلام وكان إبراهيم المفتي نائبا لرئيس الوزراء . حتى أن الفنان الكبير عز الدين يرحمه الله رسم كراكاتيرا وكتب تحته ( القندول الشنقل الريكة ) أيام الأزمة السياسية هذه .

فيصل سعد
22-01-2015, 03:21 AM
كلام في السياسة
محمد المعتصم حاكم
التيار 12 يناير 2015

(1)

الجمعة أول أمس كانت الذكرى الـ (33) لاستشهاد الشريف حسين يوسف الهندي في التاسع من يناير 1982م، حيث ترجَّل ذلك الفارس الأصيل عن صهوة جواده وهو في قمة العطاء بفندق (خالكيزا) في العاصمة اليونانية (أثينا) بعد ساعات من وصوله إليها قادماً من بيت الله الحرام مؤدياً فريضة الحج التي كانت بمثابة حجة الوداع الأخير، وهو في طريقه لمخاطبة أول وآخر مؤتمر لشباب وطلاب الحزب الاتحادي الديمقراطي الذين وفدوا من داخل السودان وكل بلدان العالم، ولكن مشيئة الله لم تمكنه من مخاطبة ذلك الجمع، حيث لاقى ربه في يوم وصوله ليفجع العالم كله بذلك الخبر المدوي الذي تناقلته كل وسائل الإعلام الدولية باعتباره زعيماً أفريقياً وعربياً فذاً كرَّس حياته داعماً ومسانداً لحركات التحرر العالمية من قبضة الاستعمار في كل مكان ومعارضاً لنظام الحكم في بلاده من أجل استعادة الحرية والديمقراطية للشعب السوداني الذي عاش على أمل عودته إلى أرض الوطن منتصراً للحق ولبناء الدولة الديمقراطية الحديثة، إلى أن جاء الخبر الحزين ليعم كل قرية ومدينة في السودان برغم صمت النظام المايوي الحاكم الذي ارتعدت أوصاله خوفاً وجزعاً من الجماهير التي اتجهت صوب (بري) مسقط رأس الشهيد في انتظار وصول الجثمان الطاهر الذي كرَّمه الله بأن أقيمت الصلاة عليه في ثلاث قارات، حيث الصلاة الأولى باليونان في قارة أوربا والثانية بالعراق في قارة آسيا والثالثة بالعاصمة الليبية طرابلس بقارة أفريقيا حتى وصوله إلى الخرطوم التي خرجت عن بكرة أبيها رجالاً ونساءً بجانب شلالات الجماهير التي تدفقت نحو العاصمة من الجزيرة وقراها، ليصاب نظام جعفر نميري بالذهول والرعب والخوف حينما حطت الطائرة المقلة لجثمان الشهيد أرض المطار المحاصر بالدبابات والعربات المصفحة خوفاً من الشريف حسين وجسده المسجي المسكون في قلوب ووجدان الجماهير التي اقتحمت المطار نحو الطائرة بعفوية وتلقائية وشجاعة عجز النظام في أن يواجهها في تلك الساعات العصيبة التي أكدت على عظمة الشريف وقوته حياً وميتاً، وكان خبر وفاته صاعقة وشلل مفاجئ قد أصابنا في العاصمة البريطانية (لندن) عبر ساعات كانت تمضي ببطء يحبس الأنفاس ودموع صمت تتدفق بغزارة ونحن نسير في أكوام الجليد في تلك الأمسية شديدة البرودة في اتجاه (البيت الكبير) الذي خصصه الشهيد الشريف حسين داراً لرابطة الطلاب الاتحاديين (بالمملكة المتحدة وإيرلندا)، حيث كنا في استقبال المعزيين من القوى السياسية والمعارضة والسفارات والجاليات العربية والأفريقية بلندن.

ولد شهيدنا ومعلمنا الشريف حسين يوسف الهندي في حي بري الشريف في منتصف عام 1924م، ورعاه وأشرف على تربيته خاله (أحمد خير) المحامي الضليع وأحد مؤسسي مؤتمر الخريجين، وأكمل الشريف حسين دراسته الجامعية بكلية فكتوريا بالإسكندرية واقتحم العمل السياسي في وقت مبكر بعد فوزه في دائرة (الحوش) بالجزيرة وآثر الابتعاد عن السودان بعد إنقلاب الفريق عبود عام 1958م، مقيماً بالقاهرة وصديقاً لكثير من المفكرين والكتاب والأدباء فيها وعلى رأسهم عباس محمود العقاد، كما كانت تربطه صداقة بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وبعد ثورة أكتوبر 1964م أصبح وزيراً للري ثم وزيراً للمالية حتى انقلاب نميري على الديمقراطية في عام 1969م، ليخرج من السودان إلى أثيوبيا معارضاً للحكم العسكري ويسهم في تكوين الجبهة الوطنية بحزبه الاتحادي الديمقراطي بجانب حزب الأمة والأخوان المسلمين، ثم شارك وخطط للثورة الشعبية المسلحة ضد نظام نميري في يوليو 1976م، وبعد فشل الحركة عاد السيد الصادق المهدي ومعه الدكتور حسن الترابي وأبرما مصالحة مع النظام المايوي ليبقى الشريف حسين الهندي على موقفه المعارض للشمولية والدكتاتورية وحكم الفرد حتى وفاته تاركاً من خلفه إرثاً فكرياً وتعاليماً ودروساً في الوطنية ستبقى أبد الدهر نوراً مضيئاً على طريق الاستقرار السياسي في بلادنا عبر الديمقراطية والتعددية الفكرية والتداول السلمي للسلطة لبناء الدولة السودانية العصرية الحديثة التي كان يتطلع إليها.

(2)

أمس تحدثنا عن السيرة الذاتية للشريف حسين الهندي، ومواقفه النضالية ضد الحكومات والأنظمة الشمولية، حتى استشهاده في التاسع من يناير عام 1982م، وعلى الصعيد الإنساني، والمقدرات الفكرية، والممارسة السياسية، كان شهيدنا موسوعة في التأريخ، والأدب، والبلاغة في مخاطبة الجماهير، وإعداد الكوادر الشبابية المميزة، التي كانت من أولويات اهتمامه في سنوات معارضة نظام جعفر نميري، التي أنشأ فيها تنظيمات طلابية وشبابية في داخل السودان، ومعظم عواصم العالم، فتعلمنا منه الكثير في ذلك الزمن الجميل، في بريطانيا، التي كانت محطتي الأخيرة في المعارضة، بعد العاصمة الليبية (طرابلس)، التي أقمنا فيها أول مؤتمر للحزب الاتحادي الديمقراطي في الخارج عام 1980م، وبإشراف مباشر من الشريف حسين الهندي شخصياً، الذي كان برفقة الأستاذ أحمد سعد عمر، ذراعه الأيمن في إدارة ملفات المعارضة السياسية، والعسكرية، بجانب الأستاذ محجوب محمد عثمان، السفير الحالي بوزارة الخارجية، حيث تم انتخاب اللجنة التنفيذية للحزب برئاسة الفقيد (حسن دندش)، وعضوية كلاً من عبد الوهاب خوجلي، والدكتور محمد خليل عكاشة، ومجدي حسن يسين، وزير الدولة الحالي بوزارة المالية، وعباس الجيلاني أميناً للتنظيم، بترشيح من الشريف حسين، نقله إلى الاجتماع المغلق، الأستاذ محجوب محمد عثمان؛ ليجد قبولاً، وترحيباً من كل الأعضاء، إلى أن تحول نشاطي إلى بريطانيا؛ لأعمل في مجلة الدستور، التي كان يرأس مجلس إدارتها- المغفور له- الأستاذ محمد عبد الجواد، ولقد عرف الشريف حسين الهندي بصفات تميز بها عن كافة السياسيين السودانيين؛ حيث ذلك الكرم الفياض، مع كافة شرائح الشعب السوداني، بصرف النظر عن اتجاهاتهم السياسية، ومناطقهم الجغرافية في كل أقاليم السودان؛ حيث كان يكلفنا- دائماً- بالبحث عن السودانيين المرضى، والنزلاء في مستشفيات لندن؛ ليعاودهم بنفسه، ويتكفل بمصاريف علاجهم، كما اهتمّ- عليه رحمة الله- بتعليم الطلاب في كل الجامعات البريطانية دون تمييز حزبي، إن كانوا من الحزب الشيوعي، أو الأمة، أو الاتحادي الديمقراطي، وكان من سماته الاستماع، والمناقشات الصحفية، في كل تفاصيل الشأن السوداني، والعربي، والأفريقي، وكان الشريف حسين مدرسة في الوطنية، وحب بلاده، لا يساوم في الثوابت والمبادئ، ولا يتهاون في مواجهة أية مخططات خارجية، تستهدف تقسيم البلاد، أو محاولة الاستيلاء على جزء منها، وأذكر- حينما- علم أن (لمعمر القذافي) أطماع في دارفور، ويسعى إلى الاستيلاء على جزء منها، قال قولته الشهيرة: (إذا أراد القذافي الدخول في دارفور فإن بندقيتنا ستقف صفاً واحداً مع جعفر نميري؛ حماية للوطن دون تفريط في شبر منه)، هكذا كان الشريف يعارض- بشرف-، ويسعي إلى التغيير نحو الأفضل في اتجاه الحرية، والديمقراطية، وحكم الشعب بالشعب، ولا يقبل أن يكون أداة لأي أطماع خارجية، حتى ولو كانت ليبيا التي تدعم المعارضة؛ من أجل إسقاط حكم جعفر نميري، فالحكومات تتغير برغبة الشعوب المخلصة، التي لا تساوم في شبر من أراضيها، والوصول إلى كراسي الحكم- فعليه رحمة الله- كان الشريف حسين الهندي مدرسة في التمسك بالثوابت الوطنية، التي تختلف حولها المعارضة مع الحكومة، فالخلافات السياسية ما بين الطرفين ظلت- دائماً- حول الكيفية التي يمكن أن يحكم بها السودان، وليست حول من يحكمه؛ حيث ما زالت تلك الإشكالية قائمة حتى اليوم، إلى أن تتوحد الرؤية السودانية حول نظام حكم ديمقراطي تعددي مستقر سياسياً عبر التداول السلمي للسلطة في دولة الوطن، التي تحترم الرأي والرأي الآخر، ولا تقبل حكم الفرد، والشمولية، ودولة الحزب، التي تمهد للمخاطر، والتدخلات الخارجية.

ألا رحم الله- الشريف حسين يوسف الهندي، الذي تعلمنا منه الكثير، في تلك الأزمان الماضية، ولكننا نحن- معشر الاتحاديين- قد فشلنا في أن نحافظ على البيت الواحد، وتبعثرنا في عدد من الأحزاب، والمنابر الصغيرة، وترك بعضنا الأصل الذي أبقاه الشريف موحداً، وعسى أن تكون ذكراه في هذا العام، فيها وقفة مع النفس، ومراجعة، وجرد حساب للماضي، يفتح الطريق أمام وحدة الصف، ولم الشمل، الذي يعيد إلى الاتحاديين أمجادهم، وإلى الوطن النماء، والاستقرار المستدام.

عبد المنعم حضيري
24-01-2015, 07:36 AM
[QUOTE=فيصل سعد;623642]نشر بوساطة الفاتح محمد الأمين
في "الوطن" يوم 07 - 06 - 2014
وما لا يعرفه الناس عن حياة الشريف الخاصة أنه كان شاعراً عاطفياً رقيق الحاشية كما وأنه مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وآلف أغنية ( ما شقيتك أنت الشقيتني ) للفنان حسن سليمان بالمشاركة مع الشاعر حسن خضر في مجادعة شعرية , وكذلك أغنية ( سَكِرَ السمّارُ ) لعبد العزيز داوود .

سكر السمار ..... يا الله يا فيصل

ياخي دي معلومة أول مرة أعرفا .... إنو شاعر بهذا الحس وهذا الإرهاف

يعني قرض الشعر عندهم (آل الهندي) ميراث فطري.

تحياتي يا فيصل ...وواصل بالله

عبد المنعم حضيري
24-01-2015, 08:09 AM
تعرف يا فيصل الشعب السوداني غير محظوظ ...... يعني لو كان ما هو متاح اليوم من ميديا ووسائط نقل متاحاً في زمان الشريف لكانت خطبه وأقواله ومعارضته آتت أكلها في إجتثاث نظام الديكتاتور نميري في سنواته الأولى.


كسرة: سمعت مرة في برنامج حتى تكتمل الصورة للطاهر التوم حلقة عن جهاز أمن نميري ذكر فيها بأن الشريف تم إقتياله بالسم بواسطة جهاز الأمن .... ما مدى صحة هذا الكلام؟

تحياتي

فيصل سعد
28-01-2015, 03:43 AM
سمعت مرة في برنامج حتى تكتمل الصورة للطاهر التوم حلقة عن جهاز أمن نميري ذكر فيها بأن الشريف تم إقتياله بالسم بواسطة جهاز الأمن .... ما مدى صحة هذا الكلام؟

تحياتي

سلامات يا منعم، ما عندي فكرة عن هذا الموضوع،
لكن اكيد ساسال و اتقصى و برجع ليك..

فيصل سعد
28-01-2015, 03:58 AM
الحزب الاتحادي والجبهة الوطنية :
الشريف حسين الهندي

و نحن -كما ذكرنا - نعتقد ان الحزب ( الحزب هو الوطن مكبرا وان الوطن هو الحزب مصغرا) ولا نفصل بين قضية الحزب وبين قضية الوطن . خاطبتنا ازمة الوطن و اتجهنا نحو الوحدة - وحدة القوى الوطنية ضد هذا الانقلاب - لم تخالجنا احلام الحكم و لم نعتقد ان هذا البلد ارث لاحد ، فنحن و حزبنا الذى نمثله هو حزب اصيل يمثل كل قطاعات الشعب السودانى المختلفة من زراع وعمال و مثقفين وطنيين ومن رأسمالية هى وطنية صغيرة لم يكن يمثل مصلحة معينة من اجل الحفاظ على الحكم لذلك ..اتجهنا نحو الوحدة الوطنية ضد هذا النظام .

ذهبنا نحن - لا من خوف و لا من جشع و لكنا نحن الذين صنعنا الجبهة الوطنية . ذهبنا لبقية الذين ابتلوا بهذا النظام مثلما ابتلينا ابتلوا فى حرياتهم الشخصية و الديمقراطية و القومية و الوطنية و الدينية وكونا نحن الجبهة الوطنية . كان حينذاك السيد الشهيد اسماعيل الازهري في السجن ؛ وكنا نعمل باستشارة كاملة و بتفويض منة . و التقينا عند ذلك بالامام البطل السيد الامام الهادي المهدي ، و هذا للحقيقة و للتاريخ .. و بدون تعصب .
و لم يكن دور الحزب الاتحادي الديمقراطي فيها دورآ ثانويآ ؛ كان دورآ اوليأ .. لانه الذي سعي لها ؛ وهو الذي انشأها . و لكن التاريخ ..تاريخ؛ و الوطن .. هو الوطن ؛ لايمكن ان يكذب الانسان علي التاريخ ؛ ولا علي الوطن . و لا يمكن ان يتعصب في سبيل وطنه تعصبا حزبيا او طائفيا . انا و امامكم و الله و التاريخ .. اشهد علي ان الامام الغائب ( وامره عند الله مستشهدا كان او موجودآ) وجميع الذين يتبعونه- و من ذلك الوقت و الي اليوم - كانوا يقفون مع القضية الوطنية ، والقومية السودانية العربية الاسلامية . هذا امر لاشك فيه ؛ وهو جزء من صفحات التاريخ المسطورة والمكتوبة للسودان ؛ يجب ان يعلن ويجب ان يعرف به .. نحن الذين لا يمكن ان نكذب علي التاريخ .

الحزب ومعركة الجزيرة ابأ :

وقف الحزب وقاتل وعارك ؛ سواء كان بكلامه ، او سواء كان في معركتة الشهيرة في الجزيرة ابأ .ونحن كنا جزء من هذه المعركة ؛ جزءا منها بكل ما تحتوية المعركة من معاني - اذا كانت المعركة تحتوي الاسلحة ، وتحتوي التدريب .. و ساعات النضال الرهيبة ؛ او تحتوي المال ؛ كان الحزب الاتحادي الديمقراطي طليعآ في ذلك . كان الامام الغائب - السيد الهادي المهدي - اصيلآ في انتمائه حتي حدثت معركة الجزيرة ابا. وفي هذه المعركة قتل الالاف ، ودفنوهم احياء ، وانتهكت الاعراض وستظل في تاريخ هذا الوطن ، معركة الجزيرة ابا ، معركة اساسية فاصلة ؛ لان المواطنين السودانيين عاركوا فيها ؛ ولايهم .. هل كانو انصارا ام كانوا من اية جهة وطنين عاركوا هذا النظام في مارس 1970م ؛ واعطوا ارواحهم فداء لهذا البلد .
لقد كان حذبكم - في ذلك الوقت - ليس ذيليا ، كان طليعآ وقياديآ في هذه المعركة وهولا يتنصل منها والي الابد ؛ بل انه يتشرف بها .. كصفحة من تاريخ الكفاح الشعبي البطولي السوداني . وذهب الامام - غائبا كان او مستشهدا لايهم - بل المهم انه وقف مع المبادي الحقيقية لجماهير الشعب السوداني ؛ وضرب بالقنابل وتألبت عليه الدول وكل القوي . كنا نحن في هذه المعركة .. وذهب هو ( ونحن لانعرف التاريخ ولانعلم الغيب - مستشهدآ هو او موجودا ) .. لكنه ان كان موجودا فقد ادي واجبه ؛ وان كان مستشهدآ .. فلقد قابل ربه بالاماني الحقيقية لجماهير الشعب السوداني . ولقد ضحي - ولايزال يضحي انصاره- في سبيل الحرية والوطنية السودانية .
كانت هذه صفحة ولم تمر علي مايو سنة ؛ لم نمهلها سنة .
في اجتماعكم هذا حدثت اسئلة : هل نحن مجندون ؟هل نحن دمويون ؟ نحن لسنا دمويين اطلاقآ . نحن من القطاع الانساني الاصيل في الشعب السوداني ؛ نحن ديمقراطيون ؛ ونحن من انصار الحرية . نحن لانفصل المعارك السياسية بالسلاح نحن تربينا علي الديمقراطية ؛ وعلي الدستورية وعلي الشرعية ؛ هكذا عاركنا الاستعمار . وانا لا ازال اذكر - عند التقاء السيدين - ذهبت ومعي الاخ عبد الماجد ابو حسبو ( الموجود الان في لندن ) ومعنا قائد حامية الخرطوم - وانا لا اريد ان اذكر اسمه لانه موجود في السودان - وبعد الالتقاء ... وغدآ كان ستكون الانتخابات ؛ وغدا ... كنا نعلم ان حكومة السيد اسماعيل الازهري ستسط ، ذهبنا للرئيس الشهيد ولنا له لماذا تسقط ؟ هذه حكومة وطنية اتت بالسودنة وبالجلاء ؛ واتت بالحرية وبالاستقلال لماذا تذهب ؟ الان جزءآ من الناس اتفق علي ان المائدة قد جهزت لهم !وانهم يريدون ان يلتهموها ؟ واننا تحررنا من الاستعمار الخارجي ، وبدات صفحة من الاستعمار الداخلي ؟
وعرض قائد الحامية علي السيد الئيس - رحمه الله - ان نسبقهم بانقلاب عسكري وطني ؛ يفسد مخططاتهم ؛ وتسلم السلطة للحزب الوطني الاتحادي ، للحفاظ علي المكاسب الوطنية ؛ ولكن قال يومها الرئيس البطل الشهيد : " حاشا لله ان نشارك في واد للنظام الديمقراطي بانقلاب عسري ..مهما كان نوعه ؛ وخير لنا ان نسقط ويعيدنا الشعب السوداني مرة اخري .. بالطريق الديموقراطي " و هكذا كان الرئيس الخالد !

فيصل سعد
03-02-2015, 02:23 AM
مِـن شُـهَـداءِ المَنَافـي: في ذكرى الشريف حسين الهندي ..

بقلم: جمَال مُحمّد ابراهـيْم
[email protected]

أقرب إلى القلب:


( هذا الرجل الذي ولد في افريقيا وأحبّها، وحالف آسيا وحمل همّها، ومات في أوروبا ، يذكرنا بعشرات النبلاء أمثاله، الذين تساقطوا قبله في الغربة، وسيتساقطون  بعده في الغربة، كي يردّوا الوطن إلينا من غربته. . !ّ لأجلهم جميعا أصلّي، وصوتيَ الريحُ وقلبي قصبةٌ مثقوبة. .) 

غادة السمّان 
في نعي الشريف حسين الهندي


(1)

التاسع من يناير عام 1982، رحل من مقامه المؤقت في أثينا، وجهٌ  من أنبل الوجوه السودانية التي تركت بصماتها على الصفحة السياسية في سودان الستينات والسبعينات من القرن الماضي، فكانت  حفراً عميقاً لا تمحوه رياح النسيان، ولا تتخطاه الذاكرة ..


الشريف حسين  الهندي. .(1924-1982)

هذا رجل خرج من بيت  طائفي شامخ ، إذ الشريف الهندي هو ثالث ثلاثة  من أهم أعيان البلاد. السيد عبدالرحمن المهدي .السيد علي الميرغني. السيد الشريف يوسف الهندي وهو أول من رحل منهم في عام 1942. هاهي الأعوام تطوي نفسها على ذكرى إبنه الشريف حسين الذي امتهن السياسة بعيداً عن الطائفة، وقد رحل عام 1982 عن عمر لم يتجاوز الثامنة والخمسين. يتذكر جيلي أن الشريف حسين هو أشهر وزير مالية مرّ على البلاد. هو الذهن السياسي والاقتصادي المتقد، من بين قيادات الاتحادي الديمقراطي. يتذكر جيلي "مشروع محاربة العطالة"، وهو بند الإدارة العمومية  الذي عرفناه بـ"بند الهندي"، مثلما يتذكر جيلنا دور الراحل في أشهر قمة عربية في تاريخ الشرق الأوسط القريب، هي قمة اللاءات الثلاثة في الخرطوم، التي جمعت قيادات العرب في أعقاب هزيمة يونيو 1967 من طرف إسرائيل. .

عن دبلوماسية الرجل، أحدثكم في ذكراه الثالثة والثلاين..

(2)

كان الجرح العربي  ينزف كبريائه بلا توقف بعد 5 يونيو 1967. سخر الإعلام الغربي من عبد الناصر ومن شعب السودان الذي يحتفي بعد الهزيمة بأسابيع،  بزعيم مهزوم . غير أن الخرطوم حققت نصراً دبلوماسياً، رفع المعنويات العربية إلى آفاق  لم تخطر على بال، بانعقاد القمة العربية فيها.
رحلات الشريف حسين المكوكية بين القاهرة وجدة والخرطوم  وفي ساعات حاسمة، هي التي حققت أهم منجزات تلك القمة، وهي استخدام سلاح البترول في وجه الغرب الذي ناصر إسرائيل. " لا صلح ، لا تفاوض، لا اعتراف" بإسرائيل، كانت هي المسلمات المقدسة التي توافق عليها قادة البلدان العربية، التقدمي منهم والرجعي، بمقاييس سنوات الحرب الباردة . الإنفعالي المتحمّس في غير شططٍ مثل رئيس الجزائر بومدين، والدبلوماسي الهاديء هدوء الاستسلام، مثل التونسي بورقيبة وممثله "المنجي سليم". يذكر الشريف حسين في مذكراته  بعنوان "لوطني وللتاريخ" ( الخرطوم ، 2006) في تراجع اعتذاري منه عن وصفٍ قاسٍ ولاذع أطلقه الشريف على التونسي "المنجي سليم" ، فسمّاه "المُهلك سقيم". في ساعات الفوران تلك ، لم يكن موقف الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة  مقبولاً، وإن  بدا بعد ذلك بسنوات موقفا عقلانياً  واقعيا، مقارناً بما أقدم عليه  الرئيس المصري السادات في تحطيم أولى لاءات الخرطوم، في ابتداره التفاوض مع إسرائيل.
كانت مهمة الشريف حسين في الإعداد لقمة الخرطوم من أصعب المهام، وتتصل بإدارة حوار غير مباشر بين العاهل سعودي هو الملك الراحل فيصل والزعيم العربي  الكبير جمال عبدالناصر، ونعلم أن كل واحد منهما أعطى ظهره للآخر، وبينهما ما صنع الحداد في حرب اليمن التي استعرت لسنوات. حضور الزعيمين إلى الخرطوم هو ضمان نجاح المؤتمر.. بذل الشريف الهندي وقد كان وزيرا للمالية، ومحمد أحمد المحجوب وزير الخارجية، جهداً خارقاً لمعالجة ملف حرب اليمن، وجرت لقاءات عديدة في جدة والقاهرة وبيروت وصنعاء لاحتواء الأزمة،  والتي اقتضت آخر الأمر، إنسحاب القوات المصرية من اليمن..

( 3)

الذي هدّ كتف الأمة العربية، وربما كان واحداً من أسباب انكشاف ضعفها وتشتت  كياناتها، هو ملف حرب اليمن، التي تقاتلت فيها قوات عربية  مع نفسها ، وزادت معها هوة الاختلاف بين السعودية ومصر.  لكأن الصراع كان بين رأسين يتناطحان على قيادة وطن عربي  منقسم على نفسه. كان ذلك ملفاً حساساً للغاية.
ليس بين الدول العربية من يملك كفاءة تعينه ليقول للطرفين أن كفا عن هذا النزف وذلك التصارع المجاني، الذي لا يخدم إلا أجندات  ومصالح تخصّ آخرين، فيما حرب الأيام الستة هزيمة مهينة من خجلنا أسميناها "نكسة يونيو1967".  حين جمع المحجوب ومعه الشريف حسين بين زعيمين، هما الملك فيصل والرئيس عبدالناصر، في داره ذلك المساء الخرطومي الحار، لم يسخر القدر من جهد صادق ومسعى جاد، لتجاوز إحدى محن العرب القاتلة. أدمعتْ عيون حادبة  وخفقت قلوب واجفة، خوف أن لا يسفر الجهد عن نتائج ولا يحقق المسعى مراميه. 
إنتهى المساء وقد تحققت المعجزة..  وتصالح التاريخ العربي مع نفسه. .

( 4)

إن كان للشريف حسين- القادم من الحزب الاتحادي الديمقراطي- دوره الرئيس في المساندة المادية التي تنتظرها الدول العربية المهزومة، فإن لوزير خارجية السودان السيد محمد أحمد محجوب- القادم من حزب الأمة- دوره الشامخ في ترسيخ الدعم السياسي والمعنوي، لزعماء أمة أثقلها ذل الهزيمة المروّعة. .
ما كان مُمكناً أن يلتقي الزعماء العرب إلا في الخرطوم. الخرطوم هي محور الوسط بين مشرق عربي ومغرب عربي افريقي، وهي الأقرب إلى مصر. . الخرطوم برغم فقر اقتصادها، لكنها كانت  تمور بحراكٍ سياسي لا تقيّده أشراط، وتتنفس فيها الحريات  كلها: في التعبير. لا لسان يقطع فيها ولا رأس يبتر، وفي الآراء لا حجر ولا رقابة ولا كسر للأقلام. السودان هو قلب القارة الأفريقية  الناهض بعد  ثورة 21 أكتوبر 1964، وقد هبّت عليه نسائم الديمقراطية،  بعد زوال حكم عسكري دام لسنوات ست. ولو جاز لنـا أن نعتمد لغة اليــوم ،  لقلنا أنهُ البلد الأول الذي دشن مواسم "الربيع السياسي والاقتصادي" في الشرق الأوسط والقارة الأفريقية قاطبة. .

(5)

بين قوسين سودانيين كبيرين : الشريف من هنا والمحجوب من هناك،  حققت الخرطوم بدبلوماسية صادقة لاءاتها التي دخلت التاريخ العربي، في قمة  لم تسبقها قمة مثيلة، ولا جاءت بعدها أيضاً قمة  حققتْ تلك اللحمة وذلك التضامن والسمو إلى آفاقٍ جمعتْ الأمة العربية، في تلاقٍ قويٍّ حول قضيتهم المركزية : قضية  العدوان الاسرائلي على الأمة العربية والأفريقية على حدٍّ سواء. . تلك القمة التي استضافتها الخرطوم عام 1967، كانت صحوة عربية أصيلة. .

عن الضيافة والمقتضيات المراسمية التي تجاوزتها تلك القمة في الخرطوم،  كتب الشريف حسين في مذكراته: (.. وسطعتْ الخرطوم- الجميلة ..البسيطة .. الأصيلة - فوق كل عاصمة- وسيطر شعبها على كل المواقع ، وامتلك أحاسيس الملوك والرؤساء والوفود ، بل وكل العالم. ولم يعد أحد ينظر إلى غرفته ، أو يفكر في وليمة، أو يتأمل في فندق، أو حتى يحسّ بأيّ قصور- إن كان هناك قصور. ولم تكن هناك أيّ إجراءات أمن. كان الشعب السوداني هو أمن الموقف، احتفى بكل الرؤساء، وكل الوفود وكل الأجانب، في ديمقراطية ومودة وإلفة نادرة ، وسيطرة على كل الشوارع: فأصبح هو المأوى والفندق والقصر والمضيف والأكل والشرب وعاش وعايش الجميع في مثل هذا المستوى ، حتى انتهت كل المؤتمرات..)
(6)
في ذكرى رحيل سياسي مثل الشريف حسين الهندي،  تقف كلماتي عاجزة  كسيحة بكماء، وقد آثرتُ أن أحدّث عن دبلوماسية  رجلٍ شهدتْ له العواصم العربية  بحضورٍ ساطع، وببسالةٍ مُقدرة في الدفاع عن الحقوق، وبذكاءٍ خارق في اجتراح الخيارات،  في مواجهة التحديات المصيرية، لأمةٍ مثخنة الجراح. . 
بعد سنوات لمعانه ذاك، وقع انقلاب مايو عام 1969 فخرج الرجل معارضاً  لم تنكسر له قناة. رجلٌ آثر الغربة على البقاء في وطنٍ منهوب . آثر الجهاد السياسي طريقاً  لحياته، وانتماءاً صادقا لوطنه، ومعارضاً قوي الشكيمة. كان الوحيد الذي شكك في تودد نظام شمولي لتحقيق مصالحة اشتم فيها الراحل مكائد لاحتواء توجهات المعارضة وكسر شوكتها. 
أكملت غادة السمان مقالها الحزين عنهُ فكتبتْ : (ذلك الشهيد في فندق الغربة، مدّ يده من نافذة غرفته المُعتمة، ليفكّ جرحي قطعة بعد أخرى. . وهاأنذا أتذكرهم صديقاً بعد الآخر، أولئك الذين يموتون في فنادق الغربة قبل أن يشهدوا فجر تحرر أوطانهم. . أولئك الذين ضحوا بأموالهم وبيوتهم وأسرهم وسلامتهم الشخصية، ورفاق طفولتهم، ورضوا بالغربة وعاءً  مُراً للنضال العذب. .)

رحل الشريف حسين شهيداً في غربته، وقد سكن حبه لوطنه عميقاً في وجدانه. .


الخرطوم- 29 يناير 2015- نقلاً عن صحيفة "الرأي العام"

أبو أماني
05-02-2015, 10:58 PM
الشريف حسين الهندي [آحOLOR="DarkRed"][/COLOR]يتحدث عن
الحزب الشيوعي و الاخوان المسلمون:

http://youtu.be/WHB2VQClOWU

ننشكر يابن الاكرمين علي هذه الومضة النابضه ولا غرو أن تأتي من جانب سليل قامة اعلامية تحمل إسم الراحل المقيم العم سعد احمد الشيخ رحمه الله وهو مؤسس منبر ( سونا) لك صادق الحب

أبو أماني
08-02-2015, 06:52 PM
تعرف يا فيصل الشعب السوداني غير محظوظ ...... يعني لو كان ما هو متاح اليوم من ميديا ووسائط نقل متاحاً في زمان الشريف لكانت خطبه وأقواله ومعارضته آتت أكلها في إجتثاث نظام الديكتاتور نميري في سنواته الأولى.


كسرة: سمعت مرة في برنامج حتى تكتمل الصورة للطاهر التوم حلقة عن جهاز أمن نميري ذكر فيها بأن الشريف تم إقتياله بالسم بواسطة جهاز الأمن .... ما مدى صحة هذا الكلام؟

تحياتي

فعلا يا حضيري هناك لغط حول هذا الأمر خصوصا تشابه الوقائع السياسية المتكررة بنفس السيناريو .. جون قرانق رغم سنوات تمرده المريرة وما تحمله من مآسي بحق الشماليين إلا إنه بعد التسوية وعودته للخرطوم عودة الأبطال بفضل الكاريزما التي يتمتع بها السودانيون من سماحة وتسامح .. أسقط في يد دولة الفساد وأم الإمبيريالية العالمية يو إس أيه.. وفشل مخطط البنتاغون الذي كان يظن أن عودة جون قرانق للشمال كارثة ظنوا إننا سنستقبله باللعنات والبيض الفاسد كما يفعلوا هم .. حتى يحصلوا على ذريعة التدخل الشرعي في السودان بحجة حسم الصراع .. لذا تمت تصفيته (وكان للباقي ..! خلى الطابق مستور) .. كذلك نجد في سيناريو ال ... شهيد الزبير عظات وعبر بعد أن صحى ضميره العسكري وواجه الأوغاد بالحقائق الدامغة وهددهم كانت نهايته بتمثيلية يندي لها الجبين .. وما بعيد أن يكون الشهيد الهندي من بين هؤلاء..أرسلوا كلابهم إلى بريطانيا حتى لا يأتي السودان حيا فيشع تأثيره وتأثير مريديه .. ويقلب الطاولة على نظامهم المتهالك .. لنا الله يا..الحبيب..وهو الوكيل.. تحياتي.. أعد قريبا بنشر بعض الوقائع الوامضة بحق هذا الرجل السنديانة رحمه الله ولك ولفيصل إبن سعد كل الحب.. :cool:

أبو أماني
08-02-2015, 06:59 PM
تعرف يا فيصل الشعب السوداني غير محظوظ ...... يعني لو كان ما هو متاح اليوم من ميديا ووسائط نقل متاحاً في زمان الشريف لكانت خطبه وأقواله ومعارضته آتت أكلها في إجتثاث نظام الديكتاتور نميري في سنواته الأولى.


كسرة: سمعت مرة في برنامج حتى تكتمل الصورة للطاهر التوم حلقة عن جهاز أمن نميري ذكر فيها بأن الشريف تم إقتياله بالسم بواسطة جهاز الأمن .... ما مدى صحة هذا الكلام؟

تحياتي

فعلا يا حضيري هناك لغط حول هذا الأمر خصوصا تشابه الوقائع السياسية المتكررة بنفس السيناريو .. جون قرانق رغم سنوات تمرده المريرة وما تحمله من مآسي بحق الشماليين إلا إنه بعد التسوية وعودته للخرطوم عودة الأبطال بفضل الكاريزما التي يتمتع بها السودانيون من سماحة وتسامح .. أسقط في يد دولة الفساد وأم الإمبيريالية العالمية يو إس أيه.. وفشل مخطط البنتاغون الذي كان يظن أن عودة جون قرانق للشمال كارثة ظنوا إننا سنستقبله باللعنات والبيض الفاسد كما يفعلوا هم .. حتى يحصلوا على ذريعة التدخل الشرعي في السودان بحجة حسم الصراع .. لذا تمت تصفيته (وكان للباقي ..! خلى الطابق مستور) .. كذلك نجد في سيناريو ال ... شهيد الزبير عظات وعبر بعد أن صحى ضميره العسكري وواجه الأوغاد بالحقائق الدامغة وهددهم كانت نهايته بتمثيلية يندي لها الجبين .. ثم الشهيد إبراهيم شمس الدين رحمه الله وغيرهم كثر .. وما بعيد أن يكون الشهيد الهندي من بين هؤلاء أرسلوا كلابهم لبريطانيا حتى لا يأتي السودان حيا فيشع تأثيره وتأثير مريديه .. ويقلب الطاولة على نظامهم المتهالك .. لنا الله يا..الحبيب..وهو الوكيل تحياتي.. أعد قريبا بنشر بعض الوقائع الوامضة بحق هذا الرجل السنديانة رحمه الله ولك ولفيصل إبن سعد كل الحب.. :cool:

فيصل سعد
20-02-2015, 10:08 AM
كلمة : أين وقفت :

بقلم المهندس حسن بابكر (المهندس) - نائب

وقفت بالأمس فى الجمعية التأسيسية ضد قرار تعديل الدستور وحل الحزب الشيوعى . لا دفاعا عن الشيوعية ولكن دفاعا عن الوطنى الاتحادى وجماهيره . وقفت دفاعا عن الحرية والديمقراطية وقفت بجانب أساتذة الجامعات وهم منارات العلم وطلابها رجال الغد المشرق . وقفت بجانب الصحفيين والمحامين وهم الذين دافعوا عن حرية هذا البلد المنكوب فى أحلك الظروف . وقفت بجانب العمال والمزارعين والكادحين الذين وقفوا فى الماضى وسيقفون فى المستقبل دفاعا عن حقهم فى الحياة وهو حق هذا الشعب . وقفت بجانب الموظفين وهم الطبقة المستنيرة فى هذا القطر ، ولا يستطيع مكابر أن ينكر دورهم العظيم فى معركة الحرية الثانية وسيقفون فى معركة الحرية القادمة . وقفت بالأمس بجانب كل من له ضمير فى هذا البلد بعقل لم تطمسه الأغراض ، وتحول بينه وبين الرؤية الصادقة . وقفت مع كل هؤلاء لكى لا أسجل فى تاريخ حياتى أنى كنت يوما حربا على الحرية والديمقراطية .


عاشت الحرية وعاشت الديمقراطية
وعاشت ذكرى شهداء اكتوبر
وعاش الأحرار فى كل مكان

الأيام 23 نوفمبر1965