imported_عبدالله الشقليني
07-03-2006, 09:10 PM
كأس مُترعة بأخلاط الهويـة
(أيام مع الراحل/ دكتور وولتر كونيجوك )
كتبت لمحة منها في :
( دكتور وولتر هل تذكرني ) .
(1)
منذ فبراير وإلى يوليو 2005 م ، جلس الحُزن على كُرسي مملكة يرغب أهلها أن تتفكك . السودان.. في أرجوحة تتحرك بين صراع أهله وأياد طوال من الخارج و من الداخل تُحركها المصالح . للخير أم للشر ..لم نعُد نوقن من المصائر المُغلفة ( بالسلوفان ) اللامِع .
رحل من قبله ( الخاتم عدلان ) و (الشيخ البُرعي ) ، ثم رحل هو ومن بعده بأشهر قليلة رحل جون قرنق ديمابيور . كأن التاريخ قد أغلق نافذة تُضيء كهف مُظلم ظللنا نبحث فيه عن مَخرج .
الخاتم منذ الستينات رقمٌ سرقته السياسة رغم باعه المُتفَرِد ، عن الآداب والفلسفة ، بل عن دُنيا القص والترجمة ، رغم أنه تآلف مع بنيته الإبداعية قبل رحيلة بعُدة سنوات . سرقت السياسة من قبل ( عبد الخالق محجوب ) الذي بدأ الترجمة في أواخر الأربعينات من القرن الماضي في مصر عندما كان يدرُس فيها . دخل عالم السياسة في ذلك الزمان وذاق مشقة الخيارات الصعبة .
البرعي تعلم الفقه في الخلاوى ، ثم خلف والده في رعاية الطريقة ستين عاماً قبل وفاته ، تميز برفقته بالمُريدين و بشعره في المديح النبوي والترغيب بالكلم الطيب .
وولتر كونيجوك كان سياسياً منذ أيام دراسته الجامعية ، وكان من قادة
( ANF ). تخرج متخصصاً في الاقتصاد السياسي . ابتعثته جامعة الخرطوم لماجستير في احد جامعات إنجلترا ثم أكمل الدكتوراه في أكسفورد . عاد لتكوين حزب وصار وزيراً للعمل أيام حكومة الصادق المهدي في أواخر الثمانينات ، ثم استقال بسبب بطء إلغاء قوانين سبتمبر أوما كان يسميه بالتسويف أو بمكر الائتلاف الذي لا يسمح بالقرار الحازم ! .
عند رحيله في العاشر من أبريل 2005 م ، كان صدمة لكل من عرفه . انسكبت الذاكرة بما بها من طيوب الماضي : وقلقه وتناقضات الحياة وانفلات الدُنيا . كان رفيقنا في غرفة السكن خلال عامنا الجامعي الأول عدة أشهر ، ثم افترقنا فقد بدأت نُزر تفرقة السكن وفق الكليات ، وتقوقع الجميع في تعلُم المهنة ، بعيداً عن موسوعية التعليم الجامعي . هموم صغيرة ثم انغلاق الفكر على التحصيل مع ضيق الأفق ، لكن على أيامنا لم يكُن السكن أو الطعام أو سبل المواصلات من هموم الطلاب . الجميع يسكنون ويستطعمون ويتلقون الدرس في مكان واحد . ويقضون وقتهم في المكتبات أو النشاطات الفكرية أو السياسية أو الترفيهية فالوقت لا تُكدره المشاغل . عالم الطلاب بعيد عن عنت الحياة بما وفرته الدولة لرفاهية طلابها ، بالخصم من عائدات الثروة على قلتها ، والأهل في الأرياف يبتعدون عن حياة الرفاهة ، ولكن الدور مفتوحة لكل أهل السودان . من كان من أسرة متواضعة الدخل علمته الدولة وفق إنجازه وتحصيله . لم يشعر أهل أقاصي السودان بأن العلم حكراً لفئة أو عنصر أو عرق أو طبقة . في تلك البيئة عاش الراحل مُتفاعلاً وله رؤاه .
(2)
صفحة من الحياة مع الراحل دكتور ( وولتر كونيجوك ) عشنا أيامها واشتركنا غرفة من غرف داخليات الطلاب سوياً .كان هو قد قدم من جامعة ماكرري ولاختلاف النُظم في جامعة الخرطوم بدأ من الصفر . يكبرنا هو بعدة سنوات وأفسحت الدُنيا بُرهة لنجتمع نحن جميعاً في كأس مُترع بأخلاط الهوية . لو وجدنا الوقت لإستدراج الذاكرة لكتبنا مادة ثرية حول الاختلاف والتنوع والثراء ثم الصراع . إظهار الخلاف واحتجاب المحبة التي نبعت من العُشرة الطويلة والاعتياد .دنيا غير دنيا اليوم ! .
كتبنا تلك الصفحة من قبل في المنتدى الأدبي في سودانيات ، ورحلت بهدوء لظلال النسيان . عندما التقيت الصديق خالد الحاج قبل وداع العام المُنصرم على صفحة الجميلة من صُدف التاريخ المُحببة إلى النفس ، فاتحته بأن نقوم بعرض بعض الموضوعات على منتدى الحوار، فالأحباء عنه يقرءون وينعمون علينا بثراء تداخلهم التفاعُلي ، وهو ما نُحب .
لُطفاً ، نُعيد اليكم صفحة من عُمرنا مع الراحل الأكرم : دكتور وولتر كونيجوك خلال العام 1970 م ، لعلنا نُضيء مكاناً نعرف منه أين نحن في أذهان بعضنا في هذا العالم الشاسع الذي نُكثفه في كلمة ( وطن ) :
ونواصل .
(أيام مع الراحل/ دكتور وولتر كونيجوك )
كتبت لمحة منها في :
( دكتور وولتر هل تذكرني ) .
(1)
منذ فبراير وإلى يوليو 2005 م ، جلس الحُزن على كُرسي مملكة يرغب أهلها أن تتفكك . السودان.. في أرجوحة تتحرك بين صراع أهله وأياد طوال من الخارج و من الداخل تُحركها المصالح . للخير أم للشر ..لم نعُد نوقن من المصائر المُغلفة ( بالسلوفان ) اللامِع .
رحل من قبله ( الخاتم عدلان ) و (الشيخ البُرعي ) ، ثم رحل هو ومن بعده بأشهر قليلة رحل جون قرنق ديمابيور . كأن التاريخ قد أغلق نافذة تُضيء كهف مُظلم ظللنا نبحث فيه عن مَخرج .
الخاتم منذ الستينات رقمٌ سرقته السياسة رغم باعه المُتفَرِد ، عن الآداب والفلسفة ، بل عن دُنيا القص والترجمة ، رغم أنه تآلف مع بنيته الإبداعية قبل رحيلة بعُدة سنوات . سرقت السياسة من قبل ( عبد الخالق محجوب ) الذي بدأ الترجمة في أواخر الأربعينات من القرن الماضي في مصر عندما كان يدرُس فيها . دخل عالم السياسة في ذلك الزمان وذاق مشقة الخيارات الصعبة .
البرعي تعلم الفقه في الخلاوى ، ثم خلف والده في رعاية الطريقة ستين عاماً قبل وفاته ، تميز برفقته بالمُريدين و بشعره في المديح النبوي والترغيب بالكلم الطيب .
وولتر كونيجوك كان سياسياً منذ أيام دراسته الجامعية ، وكان من قادة
( ANF ). تخرج متخصصاً في الاقتصاد السياسي . ابتعثته جامعة الخرطوم لماجستير في احد جامعات إنجلترا ثم أكمل الدكتوراه في أكسفورد . عاد لتكوين حزب وصار وزيراً للعمل أيام حكومة الصادق المهدي في أواخر الثمانينات ، ثم استقال بسبب بطء إلغاء قوانين سبتمبر أوما كان يسميه بالتسويف أو بمكر الائتلاف الذي لا يسمح بالقرار الحازم ! .
عند رحيله في العاشر من أبريل 2005 م ، كان صدمة لكل من عرفه . انسكبت الذاكرة بما بها من طيوب الماضي : وقلقه وتناقضات الحياة وانفلات الدُنيا . كان رفيقنا في غرفة السكن خلال عامنا الجامعي الأول عدة أشهر ، ثم افترقنا فقد بدأت نُزر تفرقة السكن وفق الكليات ، وتقوقع الجميع في تعلُم المهنة ، بعيداً عن موسوعية التعليم الجامعي . هموم صغيرة ثم انغلاق الفكر على التحصيل مع ضيق الأفق ، لكن على أيامنا لم يكُن السكن أو الطعام أو سبل المواصلات من هموم الطلاب . الجميع يسكنون ويستطعمون ويتلقون الدرس في مكان واحد . ويقضون وقتهم في المكتبات أو النشاطات الفكرية أو السياسية أو الترفيهية فالوقت لا تُكدره المشاغل . عالم الطلاب بعيد عن عنت الحياة بما وفرته الدولة لرفاهية طلابها ، بالخصم من عائدات الثروة على قلتها ، والأهل في الأرياف يبتعدون عن حياة الرفاهة ، ولكن الدور مفتوحة لكل أهل السودان . من كان من أسرة متواضعة الدخل علمته الدولة وفق إنجازه وتحصيله . لم يشعر أهل أقاصي السودان بأن العلم حكراً لفئة أو عنصر أو عرق أو طبقة . في تلك البيئة عاش الراحل مُتفاعلاً وله رؤاه .
(2)
صفحة من الحياة مع الراحل دكتور ( وولتر كونيجوك ) عشنا أيامها واشتركنا غرفة من غرف داخليات الطلاب سوياً .كان هو قد قدم من جامعة ماكرري ولاختلاف النُظم في جامعة الخرطوم بدأ من الصفر . يكبرنا هو بعدة سنوات وأفسحت الدُنيا بُرهة لنجتمع نحن جميعاً في كأس مُترع بأخلاط الهوية . لو وجدنا الوقت لإستدراج الذاكرة لكتبنا مادة ثرية حول الاختلاف والتنوع والثراء ثم الصراع . إظهار الخلاف واحتجاب المحبة التي نبعت من العُشرة الطويلة والاعتياد .دنيا غير دنيا اليوم ! .
كتبنا تلك الصفحة من قبل في المنتدى الأدبي في سودانيات ، ورحلت بهدوء لظلال النسيان . عندما التقيت الصديق خالد الحاج قبل وداع العام المُنصرم على صفحة الجميلة من صُدف التاريخ المُحببة إلى النفس ، فاتحته بأن نقوم بعرض بعض الموضوعات على منتدى الحوار، فالأحباء عنه يقرءون وينعمون علينا بثراء تداخلهم التفاعُلي ، وهو ما نُحب .
لُطفاً ، نُعيد اليكم صفحة من عُمرنا مع الراحل الأكرم : دكتور وولتر كونيجوك خلال العام 1970 م ، لعلنا نُضيء مكاناً نعرف منه أين نحن في أذهان بعضنا في هذا العالم الشاسع الذي نُكثفه في كلمة ( وطن ) :
ونواصل .