تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر محمد المكى وموضوع الهويه . الغابه والصحراء


imported_شوقي بدري
17-06-2006, 11:17 AM
اهلنا قالوا الزول ما يقنع من الدنيا . يشرفنى ويثلج صدرى ان مبدع فى قامه الاستاذ محمد المكى ابراهيم يتطرق لروايه الحنق فى صحيفه السودان الدوليه والهويه الجامعه. ولتعميم الفائده نعيد نشرها . بدون إذن المبدع محمد المكى ولا اظنه يمانع . فانا فى الحسبه خال ابنائه واهل بيته ينتمون الى قبيله الرباطاب .
اهديت نسخه من روايه الحنق للاستاذ محمد المكى فى سنه 71 عندما كان فى سفاره استوكلهولم مع دكتور فرانسيس دينق والعجيب انه يذكرها .
الاهداء فى الروايه كان الى مليكى شاكا الى دمائى الافريقيه الفائره الى عنصرى الزنجى الاقوى الى شقيقتى انجيلا ديفس .
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

عزيزي الاستاذ شوقي بدري
هذا هو الجزء الذي استشهدت فيه بروايتك الرائعة- اذا لم تكن قد اطلعت عليه من قبل
جزيل شكري لك وللاخ الجزولي
م المكي


أربعون عاماً على الغابة والصحراء..دور الإثنية في الهوية عربٌ متأفرقةٌ أم أفارقةٌ مستعربون؟( 2-2 )

في كل الأحوال ليس ذلك مبحثا مهما والأهم من ذلك واشباهه هو تلك الاشارات التي قدمتها الحركة عن دور الاثنية في تحديد الانتماء فانه من حقائق الدنيا ان الفرز بين الجماعات يتم على ابسط اشكال الانتماء وخاصة في الظروف الاستثنائية كظروف المواجهات والصدام وكثيرا ما يحدث الاصطفاف على اساس القبيلة او العنصر او لون البشرة ويتمايز الناس في الأحوال القصوى بألوان اجسادهم وسحنهم واشكالهم. ولكن السودانيين ذوي الأصول العربية لم يروا في الاثنية حائلا يحول دون اصطفافهم مع الجانب العربي والتماهي التام بذلك الجانب ولهم في ذلك تبريرات كثيرة كما لهم بعض العذر.



يقول البعض ان ذلك التماهي سببه نوع من عمى اللون الذي فرضه على عرب السودان فرط رغبتهم في الانتماء الى السلالات العربية. وهو تعبير مشحون بقدر من السخرية والاتهام ولكن حقيقة الأمر أن عرب السودان فقدوا ذاكرة اللون، ففي المناخ الأفريقي الذي اقتحموه كانوا وحدهم بمواجهة كتلة لونية تتشكل بكاملها من الالوان السوداء فأضحى الآخر بنظرهم هو الأسود و(النحن) هو ما ليس بأسود. وفي حظيرة نفي السواد هذه أدخلوا كل الظلال الممكنة للسواد مثل (الخضرة) والسمرة والزرقة وكلها مسميات لدرجات من السواد او بالأحرى هي اشكال متنوعة من نفي السواد. إلا أن الدنيا لاتثبت على حال والذين قدموا الى السودان بإهاب عربي فاتح السمرة انتجوا عن طريق اختلاطهم بأهل البلاد القدماء اجيالا من المولدين اخذوا عنهم درجات متناقصة من لون الاهاب وذلك أمر ملاحظ من جيل الى جيل حتى في اطار العائلة الواحدة فالجد في غالب الأحوال هو الافتح لونا من الحفيد الا اذا دخلت على العائلة دماء جديدة او اذا لعبت الكروموزمات الموروثة لعبتها الاعتباطية وغيرت من ملامح الحفيد.






يحضرني في هذا الصدد مشهد من رواية (الحنق) للروائي السوداني شوقي بدري (صادرة عام 1970) حيث تحدث ملاسنة غاضبة بين شيخ سوداني وعربي من الشام (خواجة في نظر السوداني) إذ يقول السوداني:



- يبدو أنك خواجا قليل أدب.يجب أن تعرف مع من تتكلم .نحن أسياد البلد وأسيادك أنت أيها الخواجا القذر.



فاستشاط الخواجا غضبا وقال ردا على كلامه الأخير:



- أنا عربي ابن عربي ولست عبدا مثلك يا عبد.



وهنا هجم عم خليفة بقامته القصيرة وجسمه الضعيف وأراد أن يصفع الخواجا الذي دفعه فتعثر وسقط وأقام عثرته بعض الحاضرين وفصلوا بينهما.



يقول شوقي بدري في بقية المشهد:



كاد الأمر يمر بسلام بالرغم من الإهانة الكبيرة التي وجهت إلى كل السادة في البلدة في شخص العم خليفة إلا انه كان للعم خليفة ابن أخ ولسوء الحظ بلغه ان الخواجا قد سب عمه ووصفه بأنه عبد وضربه مستغلا ضعف جسمه حتى سقط على الأرض.ولم يكلف الشاب نفسه مئونة الذهاب للاستفسار عن عمه والسؤال عما حصل بل ذهب مباشرة الى الدكان وصرخ في وجه الخواجا:



- اذاً أنت تتطاول وتصف السادة بأنهم عبيد وتتجرأ بضربهم كذلك .سأشرب من دمك.



وينفذ الشاب تهديده العنيف فيذبح الخواجا ذبح الشاة ويمشى إلى المشنقة متبخترا طالبا من عشيرته ان يعرضوا شواهد ثباته على جمهور الشنق في رسالة دامية من وراء القبر تتمثل بعرض مخلفاته النظيفة بعد سقوطه في قاع المشنقة.



انه تصوير درامي لحالة حقيقية سائدة بين السودانيين.وقد تكون حالة متطرفة ولكنها ممكنة الحدوث وأجد في تصوير شوقي البليغ تعبيرا حقيقيا عن الحالة الاثنية التي كانت سائدة في الستينيات وما قبلها.



لقد ذهب الكثيرون الى التشكيك في واقعة الانتماء العربي للسودانيين على وجه الاطلاق وهو أمر لايحتمل التشكيك ولكنه يسمح بتنسيب النسب وتحديد الانصبة بالطريقة الاحصائية وهو ما قام به البريطانيون في الاحصاء السكاني الأول عام 1956 ووجدوا في نهايته ان 39 بالمائة من أهل السودان يعتبرون أنفسهم أبناء سلالات عربية. ولا يعني ذلك ان تلك النسبة من السودانيين حقيقة عربية الأصول ولكنه يعني ان 39 % من أهل السودان عرب او ابناء عرب أو يريدون ان ينسبوا انفسهم الى العرب . ولم يكن موظف الاحصاء يجادل الناس في اختياراتهم التي يعلنون عنها . واذكر ان موظفي ذلك الإحصاء دخلوا علينا فصول الدراسة وطلبوا منا تسجيل أنفسنا وقبائلنا للاحصاء ولا انسى ان زميلا لنا من اهل السمرة الرقيقة واللسان الفصيح وقف امامنا واعلن لموظف الاحصاء انه ينتمي الى قبيلة الدينكا.وحين ناقشناه في ذلك اقنعنا بالدليل القاطع انه فعلا من قبيلة الدينكا فقد كان اجداده من مشاهير المشاركين في ثورة 1924 وثابت انهم ينتمون الى تلك القبيلة.



اذا كان السودانيون يخترعون أنسابهم اختراعا فانهم ليسوا اول من يقدم ذلك النوع من الادعاء فقد سبقهم الى ذلك اقوام واقوام. ويقول بربر المغرب انهم من اصول حميرية هاجروا الى المغرب وعند البعثة النبوية بعثوا وفودهم الى الرسول الكريم ليبايعوه ويصبحوا من بين صحابته الأوائل. وتحت ذلك الاعتقاد قدم البربر خدماتهم الجليلة للدين الاسلامي حيث عبروا به المضيق أول مرة الى الجزيرة الايبيرية وعادوا وعبروا المضيق مع الموحدين والمرابطين لينقذوا الاندلس الاسلامية ويطيلوا عمرها الى قريب من ثمانية قرون.



ولكنه مستحيل عقلا ان تكون كل انساب السودانيين مختلقة اختلاقا فهنالك نواة صلبة من الحقائق الإثنية هي التي حفزت الآخرين للاقتداء بها في وضع انساب مزيفة تماهيا بالآخرين.ومن السيناريوهات الممكنة الحدوث ان يكون السودان قد لعب دور الملاذ الأخير للعرب الهاربين من وجه السلطان والمطلوبين واصحاب الثارات والمهدرة دماؤهم لأي سبب من الأسباب.وقد يكون ذلك سببا في وجود هذه العائلات والقبائل والأفخاذ التي ترتفع بأنسابها الى علياء الانساب العربية الشريفة مثل كبار الصحابة واهل البيت النبوي والمنسوبين الى دوحتهم كالعباسيين وانصار المدينة. وهنالك من يغالط في ذلك باعتبار انه ليس هنالك ما يحمل تلك القبائل النبيلة على الهجرة الى بوادي السودان ولكن ذلك ليس صحيحا لكونه يتجاهل احتمالات الاضطرار والامعان في الهرب من سلطان جائر او جريرة فعل قام به ذلك الهارب المطلوب. ومعروف في التاريخ العربي ما اضطرت اليه سلالات الدوحة العلوية من الهرب والتخفي والتبعثر في المنافي وقصي الملاذات. ففي صدر العصر العباسي هرب احد ابناء الدوحة العلوية الى المغرب ليقيم فيها دولة الادارسة ومع بعد الدار وشط المزار امتدت اليه يد الخليفة العباسي هارون الرشيد ودست له السم في محاولة اغتيال. والواقع ان المنتسبين الى النبلاء العرب موجودون في كل بقاع العالم الاسلامي خارج الرقعة العربية كما هو الحال في باكستان وافغانستان وايران. ومن المشاهد في مثل تلك الاحوال ان يحافظ النسل على الأصل ضاربا عرض الحائط بما اصابه من تغيرات الاهاب واللسان فتجد قرشيا باكستانيا اوعلويا ايرانيا لايتحدث العربية وتجد شريفا حسينيا او حسينيا اسود الاهاب أو أسمره . وليس ذلك امرا جديدا غير مسبوق فهنالك شواهد مماثلة في التاريخ منها ما رواه ابن شداد كبير قضاة صلاح الدين الايوبي ورفيق غزواته ومترجم سيرته في السفر الرائع الذي يحمل عنوان سيرة ابن شداد.ومعروف عن صلاح الدين انه كان كرديا سنيا عباسي الهوى وبعد ان قضى على الدولة الفاطمية (الشيعية) في مصر والشام استدعى خليفة من سلالة العباسيين ليصبح خليفة على مصر. ويروي ابن شداد تفاصيل الاستقبال الباهر الذي أعد للخليفة العباسي وخروج مصر كلها لذلك لتجد ان الخليفة المرتقب رجل أسود اللون.



هل يظل ذلك الخليفة عربيا من بني هاشم ام يتغير انتماؤه ويتحول الى اثنية مغايرة؟ وكان الامام المهدي منسوبا الى دوحة الحسن بن على عليهما السلام فهل يحول سواد بشرته دون ذلك الانتماء؟ والمراغنة ينتمون الى دوحة الحسين بن على عليهما السلام وهم على ما نرى من سمرة البشرة وخضرتها فهل يحرمهم ذلك من نسبهم الشريف؟.



هنالك من السودانيين المعاصرين من يقف عند حدود الاهاب فمتى وجده مخالفا للاهاب االعربي تنازل عن دعواه واكتفى بنسبة نفسه الى السودان او لأفريقيا وهنالك من يتخذ الموقف النقيض مؤكدا ان عروبة فاغمة تختبيء تحت اهابه الأسود وفي تلافيف عقله وداخل وجدانه ولم لا؟.



هنالك قول مأثور يقول ان الناس مؤتمنون على أنسابهم وهو ما يطابق عنصر الاختيار الذي تنطوي عليه مسألة الهوية في كثير من الظروف فداخل شروط معينة يمكن للانسان ان يختار هويته وليس من حقنا ان نغالطه في خياره ومع ذلك فهنالك حد أدنى يعرفه الناس ويحسونه ليصدقوا ذلك الخيار. وفي الحالة السودانية ليست العبرة باللون واللسان وانما الرغبة الصادقة في الانتماء فهنالك سودانيون يختارون أنفسهم عربا وآخرون يختارون انفسهم افارقة وهنالك كتلة ضخمة من الذين يرون ان كلمة سوداني تعريف تام بالهوية وإشارة الى مرجعية ثقافية تعرف نفسها بنفسها والى هذه الكتلة ينتمي تيار الغابة والصحراء مؤمنا ان شعوب السودان واقوامه قد تضافرت على صنع ثقافة سودانية مميزة لها ذوقها الخاص في الملبس والمشرب والمطعم ولها فنونها ووجوهها الثقافية الكثار وبمقدورها ان تباري اي ثقافة من الثقافات فتثبت تميزها وقدرتها على التفرد والابداع.



عرب متأفرقة أم أفارقة مستعربون؟



إنني أحاول أن أثبت هنا شعور الانتماء العربي الذي يسود بين السودانيين. ورغم ما يتعرض له من نقض وانتقاص فانه يظل قويا في النفوس وكل ما نريده هو أن يسودهم شعور مماثل بكونهم أناسا سود الاهاب وذلك ما ينسبهم إلى لحمة السواد التي تجمع سود أفريقيا بسود أمريكا واستراليا وبالجيوب السوداء في إيران والهند وهي نسبة مرئية مؤكدة لا مهرب منها ولا مناص.وقد رأينا في الغابة والصحراء طريقة نبيلة لمواجهة هاتين الحقيقتين: حقيقة العروبة والأفريقية.



ومع ذلك فقد كان هنالك انتقاد للافرو- عروبية يركز على أنها شأن يخص شمال السودان ويستثني جنوبه ولا بأس من الاعتراف بذلك فليس في الدنيا بلد متجانس في كل شيء ولا بأس أن يكون الجنوبيون أفارقة اقحاحا يعايشون أفارقة عربا في وطن واحد على أساس المواطنة والتساوي في الحقوق والاعتراف المتبادل بالتمايز الثقافي الذي ينشأ عنه الثراء والتنوع وتعدد المواهب الوطنية..



عرب متأفرقة أم أفارقة مستعربون؟



لقد لاحظنا منذ أربعين عاما ان هذا السؤال ليس مقابلة بين حدين تقتضي صحة احدهما خطأ الآخر اي انهما يتبادلان الاقصاء والاستبعاد فواقع الحال ان عرب السودان الاوائل تعرضوا للأفرقة ليس فقط في طريقة العيش ومرتكزات الحضارة بل ايضا في الانتماء العرقي وما ينتج عن ذلك من السحن والسيماء.ولا يتعارض ذلك مع وجود افارقة مستعربين بل هو منطقيا يستدعيه مؤكدا وجود وجهين للعملة. ولكن العلاقة بين هذين الوضعين ليست تجاورا سلبيا أو ما يسميه الغربيون (جوكستابوز) وانما هو عمل من أعمال التفاعل المستمر بين الفريقين فمن عام الى عام تنعقد الوف الزيجات وتخرج القصائد والاغاني والرقصات وتتخلق اللوحات والتماثيل ويجدد الناس مفردات الكلام وتفسير الدين ومن كل ذلك تولد وتتجدد ثقافة سودانية وامة سودانية تزداد تلاحما مع الايام وتزداد احتراما لمكوناتها الأصيلة.

محمد المكي ابراهيم





أخبار مرتبطة:
أربعون عاما على الغابة والصحراء .. دور الإثنية في الهوية (1 من 2) عــرب متأفرقــة ام افارقــة مستعربـون؟ -محمد المكي ابراهيم

رجوع



::: جميع الحقوق © 2006 محفوظة لصحيفة السودان الدولية والهوية الجامعة :::

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ,,,,,,,,,,,,,,,,
عزيزنا ومبدعنا ود المكى

لك الحب والتحية

آسف للتأخير . أنا لا أمتلك أى نسخة من رواية الحنق . الأخ مجدى الجزولى (ويرسل سلامه ) تكرم بانزال هذه الصفحات المستلقية التى فشلت فى استعدالها . قصة العم خليل حقيقية وهو جدنا . والدرديرى المذكور هو الدرديرى خالنا والد الدكتورة سيدة الدرديرى .الأخ أرصد يبلغك عظيم السلام
تحياتى لأهلى بطرفكم

شوقى .



جدتنا رابحة أبتر نظمت قصيدة لأكثر من أربعين بيت تنعى

فيها قاسم أبتر الذى ذبح الخواجة أمام أسرته فى تلودى جبال النوبة اثر سوء فهم بسيط مع عمه خليل أبتر . وبدون أن يتأكد من الاساءة التى لحقت بعمه ذبح الخواجة . قاسم وقتها كان يستعد للزواج من بنت عمه أمينة خليل أبتر . وبعد شنق قاسم تزوجت أمينة ابراهيم بدرى وصرت أنا ابنها الرابع من خمسة عشر ولدا .
آل أبتر كانوا من كبار البحارة . وهؤلاء من أبحروا فى النيل بسبب درايتهم بالمراكب الشراعية الضخمة . وبالسلاح النارى أسسوا الكبانيات وحكموا جنوب السودان وجلبوا الرقيق بالالاف . تعاونوا فى الأول مع الزبير باشا ثم حاربوه وحاربوا ابنه وكانوا السبب فى قتل ابنه سليمان وفى خراب الجنوب وقتل أهله . ولقد عمل معهم أبوقرجة الذى نصبه المهدى أميرا للبحرين فى حصار الخرطوم .
جزء اخر من آل أبتر عرف بالنهاضة . كانوا ينهضون على ظهور الخيل وينتظرون النوبة عندما ينزلون للزراعة فى أول موسم الأمطار ويقتلون البعض ويأسرون الأطفال
والشباب ويسوقونهم كرقيق . ولهذا ولأن قاسم كان يعيش فى المجد الغابر والاحساس الكاذب بأنه الكل فى الكل وأن الخواجة لا يعدو أن يكون كلبا مسيحيا فقام بذبحه . ومشى بثبات نحو المشنقة وطلب أن يعلق سرواله فى السوق بعد شنقه . ففى العادة أن يتبرز الانسان ويبول بعد الشنق . والسودانيون كانوا يمتنعون عن الأكل لفترة قبل الشنق ، مثل ود عدلان أمين بيت المال الذى رفض نزع غلال اهل الجزيرة وتسلط يعقوب جراب الرأى . ووضع الحبل حول عنقه بنفسه وطلع على الكرسى .
السودانيون كانوا ولا يزالوا يذهبون الى المشنقة بثبات . مثل جركويك من نوير غرب اللاو الذى أخرج رمحه مخترقا صدر المفتش الانجليزى . وسبب ثورة النوير . والسبب هو شرف شقيقته . وقتل الانجليز الأبقار بالطائرات فسلم جركويك نفسه فى ملكال . والمفتش قوين بيل فى كتابه ( ظلال على الرمال ) ذكر أن السودانيين عندما كان يبلغهم خبر شنقهم يتلقون الخبر باستخفاف . ويمشون الى المشنقة بثبات .
رابحة قالت فى رثاء قاسم
دفنوا فى المساء والأمة مرصوصة
راح خبر الخطر
الكبدا ممغوصـــــة

نشروا فى الجريدة قالوا الصبى قسوم
راح الخبر للدرديرى فى الخرطوم
أبكن يا عماتو البرمكى المعدوم

تبكيك أمينة الماها عزاية
العريس اندمر وحصانو فى الشاية

ياود رجال بحارة
يوم أهل نقارة
بالرغم من أن قاسم كان يحسب أنه يسير فى خطا جده ادريس أبتر الذى عرف بدقر الخيل وحاكم الرجاف واسماعيل أبتر . ويعتبر قاسم بطل فى وسط أسرته لا يزالوا يتناقلون سيرته كفارس ، الا أنه حرم أسرة من ربها .
جدتنا رابحة أبتر نظمت قصيدة لأكثر من أربعين بيت . تنعى فيها قاسم أبتر الذى ذبح الخواجة أمام أسرته فى تلودى جبال النوبة اثر سوء فهم بسيط مع عمه خليل أبتر . وبدون أن يتأكد من الاساءة التى لحقت بعمه ذبح الخواجة . قاسم وقتها كان يستعد للزواج من بنت عمه أمينة خليل أبتر . وبعد شنق قاسم تزوجت أمينة ابراهيم بدرى وصرت أنا ابنها الرابع من خمسة عشر ولدا .
آل أبتر كانوا من كبار البحارة . وهؤلاء من أبحروا فى النيل بسبب درايتهم بالمراكب الشراعية الضخمة
. وبالسلاح النارى أسسوا الكبانيات وحكموا جنوب السودان وجلبوا الرقيق بالالاف . تعاونوا فى الأول مع الزبير باشا ثم حاربوه وحاربوا ابنه وكانوا السبب فى قتل ابنه سليمان وفى خراب الجنوب وقتل أهله . ولقد عمل معهم أبوقرجة الذى نصبه المهدى أميرا للبحرين فى حصار الخرطوم .
جزء اخر من آل أبتر عرف بالنهاضة . كانوا ينهضون على ظهور الخيل وينتظرون النوبة عندما ينزلون للزراعة فى أول موسم الأمطار ويقتلون البعض ويأسرون الأطفال والشباب ويسوقونهم كرقيق . ولهذا ولأن قاسم كان يعيش فى المجد الغابر والاحساس الكاذب بأنه الكل فى الكل وأن الخواجة لا يعدو أن يكون كلبا مسيحيا فقام بذبحه . ومشى بثبات نحو المشنقة وطلب أن يعلق سرواله فى السوق بعد شنقه . ففى العادة أن يتبرز الانسان ويبول بعد الشنق . والسودانيون كانوا يمتنعون عن الأكل لفترة قبل الشنق ، مثل ود عدلان أمين بيت المال الذى رفض نزع غلال اهل الجزيرة وتسلط يعقوب جراب الرأى . ووضع الحبل حول عنقه بنفسه وطلع على الكرسى .
السودانيون كانوا ولا يزالوا يذهبون الى
المشنقة بثبات . مثل جركويك من نوير غرب اللاو الذى أخرج رمحه مخترقا صدر المفتش الانجليزى . وسبب ثورة النوير . والسبب هو شرف شقيقته . وقتل الانجليز الأبقار بالطائرات فسلم جركويك نفسه فى ملكال . والمفتش قوين بيل فى كتابه ( ظلال على الرمال ) ذكر أن السودانيين عندما كان يبلغهم خبر شنقهم يتلقون الخبر باستخفاف . ويمشون الى المشنقة بثبات .
رابحة قالت فى رثاء قاسم
دفنوا فى المساء والأمة مرصوصة
راح خبر الخطر الكبدا ممغوصـــــة

نشروا فى الجريدة قالوا الصبى قسوم
راح الخبر للدرديرى فى الخرطوم
أبكن يا عماتو البرمكى المعدوم

تبكيك أمينة الماها عزاية
العريس اندمر وحصانو فى الشاية

ياود رجال بحارة
يوم أهل نقارة
بالرغم من أن قاسم كان يحسب أنه يسير فى خطا جده ادريس أبتر الذى عرف بدقر الخيل وحاكم الرجاف واسماعيل أبتر . ويعتبر قاسم بطل فى وسط أسرته لا يزالوا يتناقلون سيرته كفارس ، الا أنه حرم أسرة من ربها .

imported_عجب الفيا
20-06-2006, 07:09 AM
[مكرر

imported_عجب الفيا
20-06-2006, 07:12 AM
الاستاذ شوقي بدري
عودا حميدا
وتحياتي عبرك الى مبدعنا الكيبر محمد المكي ابراهيم ،

القصة التي استشهد بها محمد المكي من رواية الخنق واكدتها انت بهذه الاضاءة تؤكد ان الانتماء شعور وجداني وقناعة تنبع من داخل الانسان لا تحددها االسياسية والايدلوجيا .
اعتقد ان طرح محمد المكي طرح مقنعا جدا ،وقد لخص المسالة في كلمات بسيطة سهلة جامعة ممتنعة بقوله :

" هنالك قول مأثور يقول ان الناس مؤتمنون على أنسابهم وهو ما يطابق عنصر الاختيار الذي تنطوي عليه مسألة الهوية في كثير من الظروف فداخل شروط معينة يمكن للانسان ان يختار هويته وليس من حقنا ان نغالطه في خياره ومع ذلك فهنالك حد أدنى يعرفه الناس ويحسونه ليصدقوا ذلك الخيار. وفي الحالة السودانية ليست العبرة باللون واللسان وانما الرغبة الصادقة في الانتماء فهنالك سودانيون يختارون أنفسهم عربا وآخرون يختارون انفسهم افارقة وهنالك كتلة ضخمة من الذين يرون ان كلمة سوداني تعريف تام بالهوية وإشارة الى مرجعية ثقافية تعرف نفسها بنفسها والى هذه الكتلة ينتمي تيار الغابة والصحراء مؤمنا ان شعوب السودان واقوامه قد تضافرت على صنع ثقافة سودانية مميزة لها ذوقها الخاص في الملبس والمشرب والمطعم ولها فنونها ووجوهها الثقافية الكثار وبمقدورها ان تباري اي ثقافة من الثقافات فتثبت تميزها وقدرتها على التفرد والابداع. "

imported_عجب الفيا
21-06-2006, 07:03 AM
الاستاذ شوقي بدري
الاصدقاء القراء
لا نستطيع ان ندرك القيمة الحقيقة لمساهة الغابة والصحراء الا اذا نظرها اليها على الخلفية الثقافية التي انبثقت عنها لقد كان اهل شمال السودان يظنون انهم عربا اقحاحا ،
فقال لهم اهل الغابة والصحراء انت لستم عربا فقط بل مزيج من العرب والافارقة تشكل عبر التاريخ الطويل !
عليكم الاعتراف ايضا بامتدادكم الافريقي وجذوركم الافريقية .

ولكن رغم بداهة هذه النظرة وواقيتعها تعرض طرح الغابة والصحراء الى كثير من التشويه المتعمد والقراءات الايدلوجية الخاطئة .
فمن ظنوا انهم عربا اقحاحا قالوا انه مؤامرة ضد العروبة والاسلام .
ومن لم يرض الا بافريقيا انتماء قالوا انها تكريس لهيمنة الثقافة العربية والاسلامية .
وكلا الفريقين صاحب نظرة احادية يرى الاشياء اما سوداء واما بيضاء
وهي نظرة غير جدلية وغير تاريخية

imported_عبدالله الشقليني
21-06-2006, 06:52 PM
الأحباء
شوقي
والفيا
وكل القراء

لقد نقل العزيز شوقي الكثير من الوقائع التاريخية ،
وقرأت ما كتبه الشاعر الفخيم محمد المكي إبراهيم ،
وهو في ضوء مقال لصحيفة يتنقل برشاقة بين البؤر الهامة ،
في شأن الهوية ، فإنني أراه ملمحاً يقف في حدود مقال
صحافي لا غير . تأرجحت الرؤى فيه كثيراً ، ومرّ الشاعر محمد المكي
على تاريخ السودان مروراً عاصف ، ولم يتوقف على مفاتيح
تلك التركة الهائلة بآدابها وثقافاتها وموسيقاها وأعراقها ،
وأريحية شعوبها التي تمدد فيها المهاجرون من كل الأصقاع بلغة التسامح ،
ولم يتم قفل أبواب التلاقُح في بعضهم .
هنالك الكثير الذي لم يدونه التاريخ :
* لم سادت العامية المتخلقة من العربية وهي في تنوعها و في جميع أطراف السودان ،
ولم يتسنى تخليق لغة كالسواحيلية مثلاً كخليط أنتج جنساً لغوياً جديداً
من لغات إفريقية وعربية .؟
* ما موقف الموسيقى ؟
هنالك الكثير من شعر الرجز في صياغة الجراري في غرب السودان
وأغلب موسيقى أو غناء الرُحل أشبه في تكوينه بالرجز ،
ولديهم الكثير من ملامح السلم السباعي والسداسي متخلق من موسيقى
تشبه موسيقى العرب الرحل في أنحاء الجزيرة العربية والبربر كذلك ؟.
* لم تغلب الرُحل في تاريخ السودان السحيق على حضارات زراعية مُستقرة ؟
* هنالك مباحث في طور التخليق ،
ترى أن عامية البُطانة واللغة العربية هما فرعان من أصل واحد تخلقا ، ما الرأي ؟ .
* الهجرات من جميع أنحاء إفريقيا والجزيرة العربية وجدت مجتمعاً متسامحاً
وهي هجرات سابقة على الإسلام ، بل سابقة على لغته العربية !

*مبحث الهوية موسوعي ، ولا يصلُح ابتساره في تآخي عرب وأفارقة ،
فتلك أحلام يسعى كثير منا في قولبة واختصار الطريق إلى الهوية عبر مقولات حالمة ،
و عند تفكيكها لن نجد مُستند نستنِد عليه في التأسيس للغة أو الثقافة ،
بل نراوح مكاننا في البحث والرجوع تدهوراً إلى هوية العرق
والقبيلة بكافة ارتداداتها غير الإنسانية ،
وبالرغم من أنها أصبحت لغة العصر الذي ركبته صرعة العنصرية المُتدهوِرة
كما حدث في يوغسلافيا وما يحدث في أوروبا الآن ضد الهجرات والأعراق الأخرى !!!
*يحتاج الموضوع للكثير من المباحث ، ولا أثق في المراجع التاريخية عندنا
لأن كتابها موصومون بالكسل في تقصي المصادر الأخرى ...

ليت لي زمن ..
شكراً لكم

imported_عجب الفيا
22-06-2006, 02:59 AM
عزيزى الاستاذ الاديب الشقليني كتبت :

" في شأن الهوية ، فإنني أراه ملمحاً يقف في حدود مقال
صحافي لا غير . تأرجحت الرؤى فيه كثيراً ، ومرّ الشاعر محمد المكي
على تاريخ السودان مروراً عاصف ، ولم يتوقف على مفاتيح
تلك التركة الهائلة بآدابها وثقافاتها وموسيقاها وأعراقها ،
وأريحية شعوبها التي تمدد فيها المهاجرون من كل الأصقاع بلغة التسامح ،
ولم يتم قفل أبواب التلاقُح في بعضهم ." - انتهى .
طبعا يا استاذ عبد الله هو مقال صحفي لا غير اقرب الى الخاطرة ، كتب بمناسية محددة وهي مرور اربعين سنة على الغابة والصحراء وليس بحثا اكاديميا ومع لك فالعبرة بالمحتوى وليس بالشكل . وقد لخص المقال كل القضايا التي اشرت اليها في اسلوب سهل جامع مانع حينما قال :

" وفي الحالة السودانية ليست العبرة باللون واللسان وانما الرغبة الصادقة في الانتماء فهنالك سودانيون يختارون أنفسهم عربا وآخرون يختارون انفسهم افارقة وهنالك كتلة ضخمة من الذين يرون ان كلمة سوداني تعريف تام بالهوية وإشارة الى مرجعية ثقافية تعرف نفسها بنفسها والى هذه الكتلة ينتمي تيار الغابة والصحراء مؤمنا ان شعوب السودان واقوامه قد تضافرت على صنع ثقافة سودانية مميزة لها ذوقها الخاص في الملبس والمشرب والمطعم ولها فنونها ووجوهها الثقافية الكثار وبمقدورها ان تباري اي ثقافة من الثقافات فتثبت تميزها وقدرتها على التفرد والابداع. "



مودتي

imported_عجب الفيا
22-06-2006, 03:16 AM
الاستاذ شوقي ،
الاخوة الاعزاء

اهدى هذه المقالة لاستاذنا محمد المكي بمناسبة مرور اربعين سنة على صيغة الغابة والصحراء : نشر المقال بمجلة العربي عدد اكتوبر 2004
الغابة والصحراء :: جماليات الثقافة السودانية

" إلى الذين يرون الأشياء أما بيضاء أو سوداء "
مصطفى سعيد


سألت إيزابيلا سيمور ، مصطفى سعيد ، بطل رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال ) : ما جنسك ؟ هل أنت أفريقي أم آسيوي ؟ فأجابها أنا مثل عطيل ، عربي أفريقي . فنظرت إلى وجهه وقالت : نعم أنفك مثل أنوف العرب في الصور ولكن شعرك ليس فاحما مثل شعر العرب .

وذات السؤال الذي واجهه مصطفى سعيد روائيا في لندن واجهه واقعيا الشاعران المبدعان محمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر في ألمانيا في رحلتهما إليها في الستينات حيث عبر النور عن حيرة الأوربي في تصنيفه بقوله (( أنه يرفض هويتي الأفريقية حين أفكر ، ويرفض هويتي العربية حين أكون )) . عبارة مشرقة ولا شك تلخص في أسلوب فلسفي رشيق ازدواجية الهوية الثقافية والأثنية للإنسان السوداني . أما محمد المكي إبراهيم فقد جادت قريحته شعرا لتوصيف الواقع بقوله في قصيدته الرائعة ( بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت ) والتي تعتبر من عيون الشعر العربي الحديث :
الله يا خلاسية
………..
يا بعض عربية
وبعض زنجية
وبعض أقوالي أمام الله

وهكذا قد تنبهت الطلائع المثقفة من السودانيين باكرا إلى الخصوصية الثقافية والأثنية للذات السودانية . وقد برز الوعي بهذه الخصوصية أكثر حدة في الخمسينات والستينات مع المد الثوري لحركات التحرر الوطني ودعوات القومية العربية والاتجاهات الزنجية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية . ففطن نفر من هؤلاء المثقفين إلى أن السودان يمتاز بخصوصية فريدة لا تتوفر في غيره من دول المنطقة ، فهو يجمع

بين الانتماء العربي والأفريقي في آن معا . فتفتق وعيهم عن صبغة يصفون بها هذه الحالة الفريدة . وحيث أن معظمهم كانوا شعراء فقد هداهم حسهم الشعري إلى صيغة شعرية ذات دلالة رمزية عميقة وهي صيغة ( الغابة والصحراء ) . الغابة إشارة إلى العنصر الأفريقي والصحراء إشارة إلى العنصر العربي . وذلك للدلالة على ذلك التمازج الثقافي والأثني .

ولعل من دلائل التوفيق على حسن اختيار هذه الصيغة الرمزية أن تعبير ( الغابة والصحراء ) لا يتطابق فقط مع توزيع المناخ الجغرافي في السودان بل يكاد يتطابق مع التوزيع الديمغرافي للسكان . فالمعروف أن مناخ السودان يبدأ في التدرج من مناخ صحراء في الشمال ثم يتحول إلى شبه صحراء ثم سافنا فقيرة وأخرى غنية في الأواسط إلى أن ينتهي عند الغابات المدارية في الجنوب . وبذات القدر نجد السكان يتوزعون على هذا النحو إذ نجد العنصر العربي غالب في الشمال مع بعض الاستثناءات ثم يبدأ في التقلص كلما اتجهنا مع بعض الاستثناءات أيضا إلى أن ينتهي إلى غابة العنصر الأفريقي الزنجي في الجنوب .

ومثلما اهتدت تلك المجموعة إلى رمز ( الغابة والصحراء ) اهتدت أيضا إلى نموذج تاريخي يجسد هذا التمازج العربي الأفريقي على أرض الواقع فكانت سنار . وسنار هي عاصمة مملكة سنار أو سلطنة الفونج والتي عرفت أيضا بالمملكة الزرقاء أي السوداء . فالسودانيون يستعملون الأزرق كمرادف للأسود . ومنه جاء اسم النيل الأزرق أي الأسود . وذلك لشدة اعتكار مياهه من كثرة الطمي . ويقولون رجل أزرق يعنى أسود . وكانت العرب تستعمل الأخضر في ذات المعنى ، فتقول رجل أخضر أي أسمر أو أسود . وكذلك يفعل السودانيون وهذا مثال على الخصوصية اللغوية لأهل السودان .

ويرجع اختيار مملكة سنار أو السلطنة الزرقاء ( 1504 – 1821م ) كنموذج معادلة الهوية السودانية إلى أنها أول مملكة سودانية تكونت بتحالف القبائل العربية والقبائل الأفريقية و كانت النواة الحقيقية للسودان المعروف الآن . ولعل الفضل في رواج مفهوم سنار كنموذج لهذا التمازج يعود إلى الشاعر المرهف د. محمد عبد الحي الذي يعتبر أحد أبرز رموز الحداثة الشعرية في العالم العربي وديوانه المشهور ( العودة إلى سنار ) خير دليل على ذلك حيث يقول في ذات السياق :
وكانت الغابة والصحراء
امرأة عارية تنام
على سرير البرق في انتظار
ثورها الإلهي الذي يزور في الظلام

والثور الإلهي هو الثور المقدس عند الدينكا أكبر القبائل الزنجية في الجنوب ويرمز به هنا إلى البعد الديني في الوجدان السوداني .

وإذا كان صيغة الغابة والصحراء قد ارتبطت في البداية بمجموعة بعينها من شعراء الستينات هم محمد عبد الحي ومحمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر وصلاح أحمد إبراهيم ، فإن هذا التوصيف للثقافة السودانية قد وجد قبولا ورواجا بين أغلب المثقفين والكتاب في تلك الفترة وتردد في أشعار الكثيرين منهم . وربما يرجع نجاح مفهوم ( الأفروعربية ) المطروح من خلال رمزية ( الغابة والصحراء ) آنذاك إلى الوعي القومي السوداني الذي أفرزته الظروف والتحولات السياسية والاجتماعية التي قادت إلى ثورة أكتوبر 1964م .

والحقيقة أن جذور الوعي بالتوصيف ( الأفروعربي ) للهوية السودانية ترجع إلى عشرينات القرن الماضي حيث تكوين جمعية اللواء الأبيض التي قادت ثورة 1924م ضد الإنجليز وإلى دعوة رائد التجديد حمزة الملك طمبل في كتابه ( الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه ) الذي صدر سنة 1928م حيث ناشد شعراء مدرسة الأحياء الشعري السوداني من أمثال محمد سعيد العباسي عدم الاكتفاء بتقليد الشعراء العرب القدامى والالتفات إلى البيئة السودانية المحلية وتصويرها في أشعارهم . وتأسيا بأفكار حمزة الملك واصلت جماعة مجلة ( الفجر ) في الثلاثينات ومن أبرزهم معاوية نور وعرفات محمد عبد الله ومحمد أحمد المحجوب رئيس الوزراء الأسبق الدعوى إلى أدب قومي سوداني يعبر عن الذات السودانية ببعديها العربي والأفريقي في هذا السـياق كتـب المحجـوب بمجلـة الفجـر الصـادرة فـي 16/6/1935م يقـول " نحن إن نادينا بقيام الأدب القومي للطبيعة المحلية فإنما ندعو إلى خلق شعب بكيانه يعبر عن مرئياته من سماء زرقاء أو ملبدة بالغيوم ومن غابات وصحراوات قاحلة ومروج خضراء ومن إيمان بالكجور والسحر إلى إيمان بالله وحده لا شريك له " .
وفي الخمسينات أعاد الشاعر الفحل محمد المهدي المجذوب إحياء أفكار حمزة الملك وعمل على عكس مظاهر الحياة السودانية في أشعاره وأدخل إنسان الجنوب لأول مرة إلى معادلة الثقافة السودانية في قصائده التي عرفت بالجنوبيات . وقد عبر المجذوب في هذه القصائد عن إنسان جنوب السودان وأعلن صراحة عن العرق الزنجي الذي فيه وهو الذي ينتمي إلى أرومة شمالية تعد نفسها أكثر عرب السودان عروبة حيث يقول في إحدى هذه القصائد .

وعندي من الزنج أعراق معاندة
وأن تشدق في أشعاري العرب

ومن شعراء القصيدة الحديثة الذين سبقوا شعراء ( الغابة والصحراء ) إلى الالتفات إلى الجانب الأفريقي في وجدانهم الفيتوري ومحي الدين فارس وتاج السر الحسن وجيلي عبد الرحمن ومحمد عثمان كجراي . فقد كرس الفيتوري دواوينه الشعرية الأولى للتغني بأفريقيا وأمجادها فكتب ( عاشق مـن أفريقيـا ) و ( أغنيـات أفريقيـا ) و ( اذكرينـي يا أفريقيا ) .

لم يكن الشعراء هم الوحيدون السابقون إلى ا قرار النظرة الأفروعربية للثقافة السودانية . فكان هنالك العديد من الكتاب والأدباء والمؤرخون الذين انطلقوا في كتاباتهم من هذه النظرة ومن أبرزهم جمال محمد أحمد ومحمد عمر بشير ويوسف فضل ومحمد إبراهيم سليم وحامد حريز ويوسف عيدابي وغيرهم كثر .

وكان المفكر والأديب الفذ جمال محمد أحمد يعمل في صمت العلماء بعيدا عن أية نزعات شوفينية في التعريف بالأدب والثقافة الأفريقية وفي كشف العلاقات التاريخية والأثنية بين العرب والأفارقة منذ القدم . فكتب ( وجدان أفريقيا ) وهو كتاب عن الأديان في أفريقيا وكيفية تعايش الإسلام والمسيحية مع الديانات والمعتقدات الأفريقية المحلية و ( سالي فو حمو ) وهو في الأدب الشعبي والحكايات والأحاجي الأفريقية . وكتب ( عرب وأفارقة ) و ( في المسرحية الأفريقية ) و ( مطالعات في الشئون الأفريقية ) الذي صدر عن دار الهلال بمصر سنة 1969م وترجم عن بازل ديفيدسون ( أفريقيا تحت أضواء جديدة ) وغيرها من المؤلفات والترجمات . وكان لموقف جمال محمد أحمد المتوازن من الأصول العربية والأفريقية للثقافة السودانية التأثير في جيل كامل هو جيل الستينات الذي ينظر إلى جمال نظرة الأستاذ المعلم . فعضوية جمال في مجمع اللغة العربية بالقاهرة لم تمنعه من رد الاعتبار للثقافة الأفريقية والتعريف بها . وبتأثير من جمال ألف صديقه الأديب والقـاص علـى المـك ( نمـاذج مـن الأدب الزنجـي الأمريكـي ) وترجـم مـع صـلاح أحمـد إبراهيـم كتـاب

( الأرض الآثمة ) لباتريك فان رنزبيرج . كما أصدر محمد عبد الحي كتاب ( أقنعة القبيلة ) في الشعر الأفريقي الحديث .

وعلى الرغم من بداهة التوصيف الذي تطرحه صيغة ( الغابة والصحراء ) وعلى الرغم من أن القول بأن السودان بلد عربي أفريقي ثقافيا وعرقيا هو من المسلمات التي لا يمكن المجادلة حولها . إلا أن أصحاب هذا الاتجاه قد تعرضوا لحملات من النقد وصل في بعض الأحيان إلى حد التشويه المتعمد والاستنتاجات الخاطئة لآرائهم من بعـض ذوي النزعـات الأيدولوجيـة والشوفينيـة . فالإسلاميـون رأوا فـي صيغـة ( الغابة والصحراء ) دسيسة علمانية للحد من دور الإسلام في المجتمع السوداني . وبعض القوميون العرب رأوا فيها محاولة لتحجيم انتماء السودان للعروبة والإسلام .

أما بعض أهل اليسار فرأوا في نموذج ( مملكة سنار ) الذي تطرحه ( الغابة والصحراء ) كمثال للتعايش السلمي والتعددية الثقافية ، استمرارا لتكريس هيمنة الثقافة العربية الإسلامية على الثقافات الأخرى . وربما رأوا فيها ثغرة تعطى المجال لبروز مشروع الدولة الدينية .
لذلك عمد أصحاب هذا الاتجاه إلى إنشاء تجمع مناوئ من المبدعين باسم ( آباداماك ) في أواخر الستينات . وقد أخذ هذا التجمع اسمه من أحد آلهة مملكة مروي النوبية القديمة وكأنهم أرادوا بذلك أن يقولوا لأهل ( الغابة والصحراء ) إذا كنتم ستعودون بنا إلى ( سنار ) فنحن سنعود بكم إلى أبعد من سنار ، إلى مروي أقدم حضارة سودانية أفريقية . إلا أن توجهات ذلك التجمع لم تخرج في مجملها عن مقولات وأطروحات ( الغابة والصحراء ) فلم يجد أصحاب هذا الاتجاه في النهاية بد من الذوبان في التيار ( الأفروعربي ) الكاسح والذي تفرضه معطيات الواقع المتشابكة أكثر مما تفعل الشعارات والأيدولوجيات .

والحقيقة عندما نادى دعاة الأفروعربية بالعودة إلى ( سنار ) للتعبير كرمز للتعبير عن واقع حال الهوية السودانية لم يقصدوا بذلك العودة إلى نموذج الدولة الدينية الذي كان مطبقا في مملكة سنار كما لم يقصدوا تجاهل الحضارات والممالك السودانية السابقة على سنار . وإنما هدفوا ببساطة إلى تقديم نموذج من تاريخ السودان يرمز ويعبر عن التعايش والتمازج السلمي بين الثقافات السودانية المختلفة . وقد رأوا في سنار الخلاصة التي تلتقي عندها كل حضارات السودان القديمة والمعاصرة . والعودة إليها هي بالضرورة عودة إلى مروي وكرمة النوبية وعلوة والمقرة المسيحية .

ففي ديوانه ( العودة إلى سنار ) يستلهم محمد عبد الحي الكثير من الرموز والأساطير من الحضارات النوبية القديمة . وفي ديوانه ( السمندل يغني ) توجد قصيـدة بعنـوان :
( مروي ) في إشارة إلى الحضارة المروية القديمة وفي الصفحة المقابلة مباشرة توجد قصيدة أخرى باسم ( سنار ) في إشارة إلى مملكة سنار .أكثر
من ذلك ان محمد عبد الحي في دراسته القيمة من أسطورة ( الشيخ إسماعيل صاحب الربابة ) وهو أحد متصوفة مملكة سنار يذهب أبعد من ذلك ويحاول إيجاد وشائج بين سيرة الشيخ إسماعيل وبين سائر الثقافات والحضارات القديمة بما في ذلك التأثر بالتراث اليوناني القديم حيث يرى أن الشيخ إسماعيل هو في الحقيقة أورفيوس سوداني . ويخلص إلى أن سيرة الشيخ الصوفي تمثل اللاوعي الجمعي أو الذاكرة التراثية للإنسان السوداني حيث تلتقي عندها الثقافة العربية الإسلامية بالثقافات اليونانية والنوبية والمسيحية .

لكن يبدو أن البعض يأبى إلا أن ينظر إلى الواقع بعين واحدة ، فيرى الأشياء إما بيضاء وإما سوداء ويعجز أن يرى الرؤية الرمادية التي تفسح المجال للنظرة التعددية المتسامحة .

وللتاريخ نقول أن شعراء ( الغابة والصحراء ) ليسوا جماعة تربطهم رابطة أدبية أو يجمع بينهم أي تنظيم أو حزب سياسي ولم يصدروا حتى بيان مشترك يعلنون فيه عن توجههم وإنما هم نفر من المبدعين التقت أفكارهم في غير ما اتفاق حول رمزية الغابة والصحراء للدلالة على خصوصية الهوية السودانية .

وهذا ما جعل عبد الحي ينفي أن تكون هناك مدرسة شعرية باسم الغابة والصحراء في حوار معه أجرى معه سنة 1984م ظنه البعض تراجع عن فكرة الغابة والصحراء يقول عبد الحي " إن مدرسة الغابة والصحراء أمر مضحك فإذا كان هنالك بعض الشعراء والمتشاعرين كتبوا قصائد محشوة بالغابة والصحراء دون أن يكتبوا شعرا رصينا لا توجد مدرسة أو منهج لكل الناس الشعر هو الشعر " فالغابة والصحراء بالنسبة له مفهوم وليست مدرسة شعرية . وهذا المفهوم عنده ليس حصرا على السودان وحده كما يقول في ذات الحوار بل " يمتد إلى الصومال وإريتريا وشمالي أثيوبيا وشمالي نيجريا ومالي وغانا والسنغال … الخ أنه شعب يكتب باللغة ويدين بالدين الإسلامي وهم داكنو الجلد امتزجوا بثقافتين الثقافة العربية والثقافة الإسلامية … الثقافة هي الأساس وليس بالتوالد " .

وفي سبيل البحث عن صيغة أكثر شمولية لاستيعاب الكل المركب الذي تموج به الساحة السودانية الثقافية أوجد نفـر مـن المثقفيـن فـي الثمانينـات صيغـة جديـدة هـي ( السودانوية ) وهي لا تختلف في أطروحاتها وفي نظرتها عـن ( الغابـة والصحــراء ) إلا أنهــا رأت فــي هــذه الصيغــة الجديــدة خروجــا عــــن ثنائيـــة ( الأفروعربيـة ) ومن أبرز دعاة ( السودانوية ) الشاعر كمال الجزولي والدكتور نور الدين ساتي و للبروفيسور أحمد الطيب زين العابدين . ومع ذلك هنالك من لا يتحمس لكل هذه الصيغ والنظم الجمالية ويفضل الاكتفاء باسم السودان للدلالة على الحالة الثقافية التي يمثلها ومن هؤلاء الدكتور حيدر إبراهيم علي وغيره كثر .

ومهما كانت الصيغ المطروحة ومهما تبدلت الشعارات والمواقف ستظل ( الغابة والصحراء ) هي الناظم الجمالي الأكثر جاذبية وشاعرية في التعبير عن واقع الهوية السودانية . فالصحراء موجودة والغابة موجودة وما بينهما السافانا كذلك . وهل الحرب الدائرة الآن إلا نتيجة اختلال في المعادلة بين ( الغابة والصحراء ) ؟

عبد المنعم عجب الفيا

imported_شوقي بدري
25-06-2006, 01:20 AM
الأعزاء
عبد المنعم عجب الفيا وعبد الله الشقليني
لكم الحب والتحية.
عندي موضوع يتطرق لتغّول الثقافة العربية واللغة العربية الدخيلة في المجتمع السوداني علي الثقافات واللغات الأصلية في المجتمع.
من المفروض أن يحدث تعايش ولكن من احتضنوا اللغة العربية والثقافة العربية أحسوا بأنها مثل الدين الإسلامي تنفي أو تلغي ما قبلها . وكثيرون اعتبروا أن الابتعاد من الثقافة العربية واللغة العربية والإنتماء العربي جريمة إن لم يكن كفرا .
ما نحن بصدده هو أن نقبل الجزء الأفريقي فينا ونعطيه فرصة ليعيش داخلنا وأن نحترم أشقاءنا في الوطنالذين لا يتحدثون العربية كلغة أم ولهم ثقافة وإنتماء غير عربي.

عزيزي عبد المنعم
أنا أحس وأعرف قدر إعجابك بالأستاذ الكاتب العالمي الطيب صالح والطيب قد وضع الأدب السوداني في الخارطة العالمية إلا أن الطيب صالح يتجاهل كلية الجانب الأفريقي فيه ولا يشير إليه إلا عرضا .
سأعود لهذا الموضوع بإسهاب عن قريب.
لكم التحية والمودة

شوقي

imported_عجب الفيا
26-06-2006, 08:37 AM
شكرا استاذنا شوقي على التعقيب واسمح لي في هذه العجالة ان اعلق بالاتي :

عندي موضوع يتطرق لتغّول الثقافة العربية واللغة العربية الدخيلة في المجتمع السوداني علي الثقافات واللغات الأصلية في المجتمع.

الاستاذ شوقي بدري صعب جدا ان تصف الثقافة العربية في السودان بالدخيلة لان في هذا اقصاء مضاد ، اقصاء للعنصر العربي السوداني الذي اصبح جزء لا يتجزاء من تركيبة اهل السودان .
ما تصفه بالتغول يرجع الى عدة عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية واهم هذه العوامل هو مكنيزم حوار الثقافات فالثقافة الاقوي هي التي يكون لها نصيب الاسد في المحصلة الاخيرة .
لكن سيادة الثقافة العربية ينبغى الا يقف عائقا امام احتفاظ الثقافات الاخرى بكافة الحقوق والضمانات .وهذا ممكن ان يبدا بابسط الحقوق مثلا حق بث الاغاني باللهجات المحلية جنب الى جنب مع اغنية امدرمان العربية في الاذاعة القومية والتلفزبون وهذا اضعف الايمان .
ما نحن بصدده هو أن نقبل الجزء الأفريقي فينا ونعطيه فرصة ليعيش داخلنا وأن نحترم أشقاءنا في الوطنالذين لا يتحدثون العربية كلغة أم ولهم ثقافة وإنتماء غير عربي.

هذا بالضبط ما نادي به تيار الغابة والصحراء وجملة رد الاعتبار للجزء الافريقي هي حرفيا ما قاله محمد عبد الحي في احد مقالاته في التعريف بالغابة والصحراء .

عزيزي عبد المنعم
أنا أحس وأعرف قدر إعجابك بالأستاذ الكاتب العالمي الطيب صالح والطيب قد وضع الأدب السوداني في الخارطة العالمية إلا أن الطيب صالح يتجاهل كلية الجانب الأفريقي فيه ولا يشير إليه إلا عرضا .
سأعود لهذا الموضوع بإسهاب عن قريب.
لكم التحية والمودة

طالما انه يشير الى الجانب الافريقي فيه (عرضا ) فهو بالتالى لا يتجاهله كلية .
مصطفي سعيد اشهر شخصية صنعها الطيب صالح أمه من الجنوب . وكان يقدم نفسه في المجتمع الانجليزي كمثقف افريقي . وكل مؤلفاته كانت عن افريقيا .وعندما سئل عن جنسه اجاب انه عربي افريقي .
ونسبة لضيق الوقت الان سوف اعود فيما بعد للحديث باستفاضة عن هذا الجانب .
مودتي

imported_فيصل سعد
13-05-2008, 07:59 AM
شكرا شوقي و المتداخلين لهذه المادة الدسمة..
سنعود بمداخلة بعد قراءة فاحصة..