المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لكي يولد السودان ثانية في مهد حقوق الإنسان المستدامة ..الصادق المهدي


محمد حسن العمدة
07-11-2006, 08:28 PM
الأزمة السودانية لا تزال تراوح مكانها بل تزداد تأزما يوما على يوم فبينما تشرق شموس العالمين لتبشر بأمل جديد وفجر أكيد تأبى شمس بلادنا إلا وان تكشر وتغلظ وتصلي بالجحيم خاصة في ظل نظام الخرطوم الحالي , فرغماً عن الكم الهائل من الاتفاقيات الثنائية من هنا وهناك إلا أن الواقع يزداد سوءً على سوء فأين المخرج ؟؟ المخرج أراه هنا في ورقة السيد الإمام الصادق الصديق عبد الرحمن محمد المهدي في ورقته التي اعمل فيها خلاصة فكره و تجاربه وسنين قضاها في توطين وتدعيم ونشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرياته الأساسية و محاربة و تعرية الشمولية والديكتاتورية بأي شعار تزملت او ثوب تدثرت فعمل على فضحها وكشفها وتغييرها , ما جاء في هذه الورقة تجسيد حقيقي لرغبة المجتمع السوداني في العدالة والمساواة واحترام حرية أبنائه وحريات الآخرين , رغبات وآمال وجدت مكانها في هذه الورقة في ان يكون لنا وطن متسامح واسع سعة فضائه وأرضه يعيش أبنائه وجيرانه في حب و تعاون سودان لا تخشى فيه أم على ابنها ولا ابن على أمه من سوء يحيق بكليهما سودان لا يجزع فيه الحمل الرضيع في خلاء وكلاء . انه السودان المتجدد الذي نحلم به جميعا نحلم فيه بالرفاهية والعدالة والمساواة والحرية التي كرمنا بها الله سبحانه وتعالى .
جاءت الورقة شاملة لكافة تجارب السودان السياسية منذ الاحتلال التركي البريطاني – أقول التركي لان مصر وشعب مصر كانا مغلوبين على أمرهم لا حول ولا قوة لهم – تعرضت الورقة في نكران ذات و تجرد لم نشهد لهما في تاريخ أحزابنا وقياداتنا مثيلا فالكل يمجد نفسه و يقدس تجاربه ولكن في هذه الورقة تجرد وتنزه الإمام عن الانوية والنرجسية مبرئا منهما حزبه , فهو يعترف بأخطاء حكومات الديمقراطيات الثلاث في شان جنوب السودان مبينا وكاشفا لملابسات الكثير من الأحداث التي أفرزت واقعا سلبيا تجاه الشمال مثل حادثة اغتيال السيد وليم دينق وأيضا في ممارسة الديمقراطية في الشمال مبينا لتناقضاتها مستعرضا لحادثة طرد نواب الحزب الشيوعي مخطئا لها وللحزب الشيوعي اختراقه للقضاء السوداني والقوات المسلحة , أيضا تعرض للاستعلاء الثقافي الذي مورس من قبل الشمال وضرورة الاعتذار عنه من اجل وطن ومستقبل واعد تسود فيه روح الإخوة والمساواة . وحيث كان للتركات الديكتاتورية نصيب الأسد في انتهاكات حقوق الإنسان السوداني فقد تناولتها الورقة وفقا لمعايير معترف بها عالميا سوا أكان على المستوى الاقتصادي ام السياسي ام الاجتماعي والثقافي مبينا للفروقات الكبيرة بين النظم الديمقراطية والديكتاتورية فبينما كانت أخطاء الأولى – الديمقراطية ناتجة عن اجتهاد وحسن نية كانت الثانية الديكتاتورية عن سبق إصرار وترصد , وفي كل الأحوال أثبتت الورقة بان النظم الديمقراطية كانت الأقل في مجال انتهاكات حقوق الإنسان الى درجة تقارب التلاشي مقارنة مع انتهاكات النظم الديكتاتورية وأثبتت أيضا أن التنمية والنمو الاقتصادي متلازمات مع حقوق الإنسان وحرياته أي أن الديمقراطية هي الأقدر والأفضل رغما عن سنين عمرها التسع بينما الديكتاتوريات بلغت واحد وأربعون عاما .
خلصت الورقة الى تقديم رؤية متقدمة تعتبر حتى الان هي الافضل من اجل ايجاد المخرج والحل المستدام جاءت المقترحات في ثماني محاور اساسية هي :
1/ الهوية السودانية، الشخصية الثقافية .
2/ الدين والسياسة.
3/ الديمقراطية المستدامة.
4/ التنمية الاقتصادية المستدامة.
5/ القوات المسلحة.
6/ اللامركزية.
7/ العلاقات الدولية.
8/ تقرير المصير.
9/ الحقوق النسوية.
في هذا البوست استعرض الورقة كاملة كما جاءت ومن ثم العمل على نقاشها وتناول ما جاء فيها وعرفة الرأي والرأي الأخر والذي قطعا سيجد طريقه إلى صاحب الورقة فهو من أكثر المتابعين لتناولات الشأن السوداني وعلى استدامة في طلب الرأي الآخر والرأي المؤيد وما بينهما فالي ورقة لكي يولد السودان ثانية في مهد حقوق الإنسان المستدامة

محمد حسن العمدة
07-11-2006, 08:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السودان
وحقوق الإنسان
مقدمة:
بدأت أفريقيا بعد الاستقلال بداية خاطئة، وفي واقع الأمر فإن بعض الدول الأفريقية قد انهارت فعلا، والسودان اليوم يتهدده هذا المصير المشئوم.. فالحرب الأهلية التي بدأت عام 1963م وكانت نزاعا محليا محدودا في عقدها الأول حتى عام 1972، وأضحت سلاما باردا في عقدها الثاني حتى عام 1982، تحولت إلى نزاع أخذ بعدا إقليميا في عقدها الثالث. ولكن، ومنذ منتصف التسعينيات وحتى اليوم، استفحلت الأمور وتردت إلى درك الحرب الأهلية الشاملة التي تلقي بظلالها على كل القارة.. أدرك الموت في هذه الحرب أكثر من مليون نفس، وأعاقت مئات الآلاف من السودانيين شيبا وشبابا ونساء وأطفالا، وشردت 3 ملايين نزحوا إلى مناطق أخرى داخل السودان، ولجأ أكثر من مليون شخص إلى الخارج، ودمرت البني الأساسية المادية والاجتماعية لكثير من أجزاء الوطن المنكوب.
كان الاقتصاد الوطني غداة الاستقلال مجديا حيث كان الإنتاج كافيا لمقابلة الاستهلاك الوطني ولمقابلة نفقات الاستيراد. وكان الميزان المالي الداخلي يحقق فائضا يكفي لتمويل برنامج معقول للتنمية، وكان الميزان الخارجي يميل بكفته لصالح السودان مما مكنه من توفير رصيد معتبر. كان دخل الفرد يساوي 550 دولار ( بدولار تلك الحقبة ) وهو ما يساوي 3700 دولار بقيمة دولار 1998م . وكان الجنيه السوداني يساوي 3.3 دولار ثم انمحق إلى قيمته الحالية المساوية لـ 0,04 من السنت! . وتسجل اليوم كل المؤشرات الاقتصادية بشأن الاقتصاد السوداني أرقاما سالبة تطير لب الحكيم، وظل العجز سمة ملازمة للموازنة الداخلية بسبب التدني المريع في الدخل القومي والناتج عن الانهيار المتواصل في الإنتاج، والصرف الإضافي الضخم لتمويل تكاليف الحرب المتسعة النطاق، ولتمويل أجهزة الأمن المتعددة والآخذة في التوالد والازدياد على طول عقد "الإنقاذ". ولتغطية هذا العجز الهائل استمرت الحكومة في الاستدانة وفي طبع المزيد من العملة، لذلك قفزت الكتلة النقدية من 17 بليون جنيه في عام 1989م إلى 1600 بليون في 1998م، واتسع عجز الميزان الخارجي فصار في المتوسط 2 بليون دولار سنويا طوال عقد "الإنقاذ" بعد أن كان 700 مليون دولار. وصار يتم تمويل هذا العجز بشراء الدولارات من السوق الأسود، وبتغريب ثروة المجتمع السوداني من الذهب.
واحدة من تركات النظام الاستبدادي الثاني في السودان (69-1985م) هي محقه لفائض الميزانية، مما جعل التنمية معتمدة على العون الخارجي والذي جاء من الغرب والشرق والخليج. ولأسباب عديدة جفت مصادر هذا العون الخارجي في حقبة "الإنقاذ"، ولكن النظام استفاد من 1,5 بليون دولار جلبها النظام الديمقراطي السابق. وفي حقيقة الأمر، فإن العون الإنساني، من مختلف المصادر الأجنبية، قد زاد في هذا العهد الاستبدادي بالرغم من جحوده. نتيجة لكل ذلك توقفت التنمية في السودان، واستمر التضخم في الانطلاق بسرعة رهيبة، وطارت الأسعار إلى أن بلغت زيادتها في المتوسط خلال عقد "الإنقاذ" 4000% .. بينما ارتفع دخل المواطنين في المقابل بمعدل 500%.
تركة أخرى من تركات الاستبداد الثاني (69-1985م) هي الدين الخارجي الذي بلغ 8 بلايين من الدولارات ونما مع عدم السداد والفوائد المركبة المتراكمة ليصبح اليوم 20 بليون دولار. نتيجة لهذه التطورات صارت الحياة جحيما لا يطاق، إذ تقلصت أجور المستخدمين (الموظفين) لتغطي 3% من مصروفاتهم الضرورية، وقفزت نسبة المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 95% . دفعت هذه الظروف المأساوية أعدادا هائلة من السودانيين لهجر الوطن بوسائل قانونية وغير قانونية باحثة عن ملجأ اقتصادي، كما دفعت أسباب عديدة أخرى أخوة لهم إلى اللجوء بأعداد غير مسبوقة.
أقام نظام "الإنقاذ" دولة بوليسية قمعية اعتبرت كل مواطن لا يساندها عدوا للدين والوطن. وفي ظل تبني نظام الخرطوم لهذه السياسات القمعية كان لزاما عليه إعطاء أولوية قصوى للصرف العسكري: على القوات المسلحة الرسمية، وعلى ستة تنظيمات عسكرية موازية للقوات المسلحة قام بإنشائها، ولم يكتف النظام بذلك فقد شجع تكوين المليشيات القبلية والتي بلغت في مجملها خمس عشرة مليشيا. وكان طبيعيا أن يتجاوز النظام القمعي مؤسسة البوليس الرسمية، فطفق ينشئ الأجهزة الأمنية خارجها حتى بلغت في حصيلتها خمسة أجهزة سخرها في حرب مواطنيه المدنيين العزل. وفي مواجهة هذا القمع المنظم تحول الضحايا المدنيون للمقاومة المسلحة، فأنشأت كل الأحزاب السياسية والتكوينات الإقليمية السياسية جيوشها الخاصة، وزاد الجيش الشعبي لتحرير السودان عددا وعزيمة لمقاومة عدوانية النظام العسكري المتزايدة.
وكذلك كانت أيديولوجية النظام الأحادية الضيقة حافزا للقوى المعارضة لحمل السلاح، إذ سمى مجهوده الحربي جهادا، وبشر مقاتليه بإحدى الحسنيين: النصر على الأعداء الكفار أو الشهادة!. فاتسع الخرق على الراتق، وانفتحت أربع جبهات مقاومة مسلحة في السودان: في الجنوب والغرب والشمال الشرقي والجنوب الشرقي. أما في الداخل فقد فشلت آلة النظام القمعية في تدجين المواطنين العزل الذين واجهوا النظام بشجاعة كافأهم عليها النظام بقسوة زادت سجله الأسود سوادا في مجال انتهاكات حقوق الإنسان، فاستحق 8 ادانات من لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
ومن جهته فقد أوهم نظام الخرطوم نفسه بأنه الطليعة الحامية للحقوق الإسلامية، لذلك ارتبطت سياساته الإقليمية والدولية بروابط قوية مع قوى الإسلام الهجومي militant Islam.

محمد حسن العمدة
09-11-2006, 06:09 PM
فإقليميا: ساند النظام تنظيم الجهاد في إرتريا، وجبهة تحرير الارومو والمجموعات المعارضة الأخرى في أثيوبيا، بل وحتى جيش الرب للتحرير في يوغندا (وهو جيش مسيحي، بدعوى التشابه بينهما في منطلق الحماسة الدينية!)، كذلك ساند عدة مجموعات اسلاموية عسكرية في شرق وغرب أفريقيا والقرن الأفريقي.
أما دوليا: فإن سياسات النظام وضعته في خانة الأنظمة ذات الأجندة الإسلاموية المتطرفة وعلى وجه التحديد النظام الإيراني وسياساته الإسلاموية العسكرية في فترة ما قبل الرئيس خاتمي، والنظام البعثي العراقي وادعاءاته الإسلامية حينما قرر الانتساب للشعار الإسلامي –مخاتلة.. والعديد من المنظمات العنيفة، والتي قررت تبني السياسات الإرهابية وسيلة لتحقيق أهدافها. ولقد ذهب النظام في سياساته التوسعية إلى مدى أبعد إذ كون ما سمي بالمؤتمر الشعبي العربي والإسلامي.. ذلك المنتدى الذي يشكل قاعدة للتدخل العالمي في شئون الغير.. هذا السلوك جعل من السودان حقلا للعنف ومفرخة لثقافة العنف على الصعيدين الإقليمي والدولي، ودفع المجتمع السوداني الثمن.
تضم أفريقيا في أحشائها 5 مليون لاجئ أفريقي اليوم، هذا عدا اللاجئين الأفارقة خارج أفريقيا والذين تنامت أعدادهم في العقد الأخير. اللاجئ وفقا لتعريف منظمة الوحدة الأفريقية هو: الشخص الذي خرج من وطنه بخوف مبرر من الاضطهاد بسبب الدين أو العرق أو النوع أو الانتماء السياسي. هناك أسباب أخرى للجوء هي الاعتداء الخارجي والإفقار الاقتصادي.
أما عدد النازحين في إفريقيا اليوم فيقدر بـ 15 مليون تزيد أو تنقص قليلا . ويقدر عدد اللاجئين السودانيين في أفريقيا والأجزاء الأخرى في العالم بثلاثة ملايين، بينما يقدر عدد النازحين السودانيين بخمسة ملايين. هذا العدد الضخم من اللاجئين والنازحين في السودان مع ريبة المجتمع الدولي في حسن أدائه تجاههم شكلت السبب الوحيد في اختيار السودان مكانا لانعقاد المؤتمر الوزاري لمنظمة الوحدة الأفريقية في عام 1998م برغم قرارات الحظر الصادرة من مجلس الأمن. بكل المقاييس، أصبح السودان اليوم مسرحا لأسوأ كارثة إنسانية في العالم.
كيف حدث هذا؟
وما هو المخرج؟
هذا ما ستحاول هذه الورقة الإجابة عليه.

محمد حسن العمدة
09-11-2006, 06:48 PM
أشار المؤرخ الشهير آرنولد توينبي في كتابه العلمي الناضح بالمعرفة (دراسة التاريخ) إلى دور التحديات التي تواجه المجتمعات في قيام وسقوط الحضارات، وقرر أن التحدي إذا كان بقوة مناسبة فإنه يحدث استجابة خلاقة وبناءة في المجتمع. وإذا كان ضعيفا فلن يكون محفزا لإحداث تلك الاستجابة، أما إذا كان أقوى مما ينبغي فإن آثاره ستكون وبالا يحيق بالمجتمع.
إذا كان للخبرة السياسية السودانية أن تفاخر بأنها لا تدانيها خبرة من حيث النوع أو القوة، فإنها اليوم تواجه بتحد كبير إما أن ترتفع إلى مستوى التعامل معه بنجاح فتصنع تاريخا خلاقا، أو تسقط في مواجهة التحدي فتهوي بها الريح في مكان سحيق.
هذه الورقة هي مساهمتي في مؤتمر "حقوق الإنسان في فترة الانتقال" القادمة في السودان.
هذه الورقة:
1. ستجري مسحا لتاريخ السودان الحديث من وجهة نظر حقوق الإنسان.
2. تشير إلى التركات التي خلفتها سبعة أنظمة تعاقبت على حكم السودان في تاريخه الحديث.
3. تقترح السياسات والمؤسسات المطلوبة للتعامل مع هذه التركات لتحقيق العدالة وحماية حقوق الإنسان.
4. تقدم مفهوما لحقوق الإنسان المستدامة، وتقترح كيفية استيعاب هذه الحقوق لمولد السودان الجديد.

***












القسم الأول
دروس التاريخ الحديث

يجيب هذا القسم على السؤال السابق: كيف حدث هذا؟ فيغطي التركة البريطانية، وتركة الأنظمة الديمقراطية، وتركة الأنظمة الأوتقراطية.

الباب الأول
التركة البريطانية

غزا البريطانيون السودان عام 1898م باسم خديوي مصر وأقاموا حكما ثنائيا – اسما – بريطانيا في حقيقته ، ولقد صنع البريطانيون السودان الحديث وزودوه بنظم حديثة في مجالات القانون و الاقتصاد و التعليم و الخدمة المدنية والبوليس و الجيش أما الإدارة السياسية التي اضطلعت بأداء هذه الإنجازات فقد كانت مجموعة صغيرة مجتهدة رفيعة المستوى0 وحينما حتمت الظروف الوطنية والعالمية استقلال السودان أجرى البريطانيون انتقالا ديمقراطيا مرتبا تم خلاله تسليم السلطة إلي سلطة وطنية منتخبة0
أما في جانب المآخذ فلقد كانت قاعدة التنمية التي أحدثها البريطانيون ضيقة للغاية إذ أهملت من أجزاء الوطن ما أبتعد عن المشاركة المباشرة في إنتاج و ري و ترحيل القطن، و قد تعرض الجنوب للكثير من ذلك الإهمال في جانب التنمية و أكثر من ذلك فقد اتسمت السياسة البريطانية تجاه الجنوب بمحتوى عنصري سالب وهذا ما يجعلها أكثر النقاط سوادا في تاريخ بريطانيا الإمبريالي0 بعض المثقفين الجنوبيين يقولون _ وبتعبير د0 فرانسيس دينق: خطأ البريطانيين القاتل هو أنهم حينما انسحبوا من السودان لم يقيموا حاجزا دستوريا ليفصل شمال و جنوب السودان من بعضهما 0
السياسة تجاه الجنوب
يكمن الفشل الحقيقي للسياسة البريطانية تجاه الجنوب في تبنيها لسياستين على طرفي نقيض:
• الأولى: ما عرفت بسياسة الجنوب 1920 و بيانها أن على حكومة السودان حماية الجنوب من التأثير الإسلامي، و تقترح تلك السياسة أن يوضع في الاعتبار إمكانية اقتطاع الجزء الجنوبي الأسود من السودان من الشمال العربي و إلحاقه في النهاية بنظام ما من أنظمة وسط أفريقيا . وسعيا في هذا الاتجاه فقد أعفى حكام المحافظات الجنوبية الثلاثة في 1921 من الالتزام بحضور كل الاجتماعات السنوية التي كانت تعقد في الخرطوم للحكام وبدلا من ذلك فقد تعين عليهم عقد اجتماعاتهم الخاصة بهم في الجنوب وان يكونوا على اتصال برصفائهم في كينيا و يوغندا. وفي عام1922 م تم إصدار قانون الجوازات و التصاريح الذي منح الحاكم العام حق إعلان أي جزء من السودان "منطقة مقفولة" . وباختصار فقد هدفت سياسة الجنوب إلى منع استخدام اللغة العربية في الجنوب و منع التبشير الإسلامي و في المقابل تشجيع التبشير المسيحي و إقامة ستار حاجز بين الشمال و الجنوب .
• والثانية: السياسة الثانية المناقضة لـ"سياسة الجنوب" كانت على النحو التالي: في عام 1946م تبنت الإدارة البريطانية سياسة فحواها : "بالرغم من أن سكان جنوب السودان هم من الأفارقة و الزنوج إلا أن تضافر عوامل الجغرافيا و الاقتصاد جعل من ارتباط الجنوبيين في مستقبل تطورهم بالشرق الأوسط وشمال السودان المستعرب قدرا مقدورا ، و ما يجب التأكد منه هو أن الجنوبيين سيهيأون بالتعليم والتنمية الاقتصادية ليقفوا على أرجلهم في المستقبل أندادا لشركائهم الشماليين في النواحي الاجتماعية والاقتصادية في سودان المستقبل" .
ولقد تجسد التعبير الأقوى عن هذه السياسة في مؤتمر جوبا المنعقد في يونيو 1947، إذ شارك فيه بجانب موظفي حكومة السودان البريطانيين والموظفين الشماليين، موظفون جنوبيون، وعدد من زعماء القبائل الجنوبيين بالإضافة إلى زعيم قبلي شمالي واحد. انتهى المؤتمر بأن قرر في أمرين هما: أن الشمال والجنوب يكونان دولة واحدة، وأن الجمعية التشريعية المقترحة يجب أن تمثل كل السودان. وبنظرة سريعة إلى محاضر جلسات المؤتمر يتضح أن هناك تحفظات أساسية أبداها ممثلو الجنوب، ولكنها لم تجد من المسئولين البريطانيون آذانا صاغية لأن قرارات المؤتمر كانت قد أعدت سلفا.. هذه التحفظات يمكن إيجازها في الآتي:أولا: أن الجنوب لا يستطيع بعد أن يقرر بشأن مسألة الدولة الواحدة. ثانيا: أن الجنوب لم يتهيأ بعد للمشاركة في الجمعية التشريعية كما هو الحال في الشمال . لقد ذهبت هذه التحفظات أدراج الرياح، وقد أعطى السيد محمد صالح الشنقيطي -أعلى الحضور من الشماليين- عدة ضمانات وإبانات، ولكن مع حسن نواياها، فلا يمكن اعتبارها ممثلة للشمال ولا ملزمة له.
التعامل مع الدور المصري في السودان في خطابه لسير ونجت قال لورد كرومر :"إننا ندير السودان لحد كبير بالمخادعة" . بهذه الطريقة تمكن البريطانيون من إقصاء مصر من دورها كشريك في إدارة السودان. ولقد نشأ الدور المصري في السودان من رؤى وتصورات محمد علي الاستعمارية الفضفاضة، وتطور مع الانسحاب البريطاني من مصر ليصبح ثابتا من ثوابت القومية المصرية الحديثة. لذلك دمغت الطريقة التي تعاملت بها الحكومة البريطانية مع الادعاءات والمصالح المصرية، دمغت السياسة المصرية تجاه السودان بالشك والقلق والمرارة.
هذان الوجهان من التركة البريطانية في السودان –تحديدا: سياسة الجنوب والتعامل مع الدور المصري في السودان- أورثا الدولة السودانية الوليدة قنبلتين زمنيتين تهددتا استقرارها. انفجرت إحداهما في حرب أهلية طويلة الأجل، ولازمت الثانية العلاقات السودانية المصرية فحقنتها بجرعات عالية من التوتر والشك المتبادل.

الباب الثاني

كمال علي الزين
10-11-2006, 06:26 PM
الحبيب ود العمدة ..

يظل الإمام الحبيب الصادق المهدي .. ذلك .. الكنز المخبأ .. تحت عباءة السياسة والإمامة ...

قراءة السيد صادق .. للواقع .. من زوايته تلك .. التي .. يصعب .. أخذ إحداثياتها .. لا علاج لها .. سوى الكتابة ..

وإستدعاء سيد صادق .. الأكاديمي .. الفذ ..

نتابعك .. وندعو له بطول العمر .. فمازال .. الوطن .. بحاجة إليه ..


همسة :

البعض ممن لا يفهمون .. ما يقوله .. الإمام .. يروجون لنكتة .. أحبها .. :

واحد من إنصار الغرب .. جا صلى العيد مع الإمام الصدق المهدي .. وبعد خروجه راح .. يحكي لأحد أقرباءه عن الخطبة ..

وما جاء فيها ... فقال :

والله سيدي .. قال جنس كلام .. هو يتكلم ونحنا نبكو .. هو يتكلم ونحنا نبكو ..

فسأله قريبه : وسيدي قال شنو ؟؟

رد صاحبنا بسرعة :

هو كلام سيدي .. بتفهم ..


ربما .. يجدر بسماحته .. أن يكتب الكثير .. فأوان فهمه .. قد يأتي .. ربما .. هنالك أجيال .. تنتظر .. وستفهم ..

محبتي وأمتناني ..

محمد حسن العمدة
12-11-2006, 05:34 PM
ربما .. يجدر بسماحته .. أن يكتب الكثير .. فأوان فهمه .. قد يأتي .. ربما .. هنالك أجيال .. تنتظر .. وستفهم ..

الاخ كمال تحياتي

نعم دائما ما اقول ان مشكلة الامام المهدي هي انه اتى قبل زمانه والاغرب ان كثيرا ممن لا يحبون فهمه لا يريدون قراءة ما يكتب بل ورثت اليهم اراء لقنوا لها تلقينا دائما اقول ان على المرء قبل اصدار ارائه ان يطلع ويقرا ومن ثم يقرر بحياد من دون تاثير مسبق ومعظم الذين اجادلهم في الرجل اسالهم هل قراتم له ؟؟ وكل الاجابات دائما بلا !!!

تشكر على المرور ولك الود

محمد حسن العمدة
14-11-2006, 09:23 PM
*********

محمد حسن العمدة
15-11-2006, 06:34 PM
تركة الحكومات الديمقراطية

في هذه السنة (1999) بلغت الدولة السودانية الحديثة الناشئة عام 1956م عامها الثالث والأربعين. سنتان من عمرها قضتهما في حكم انتقالي، وقضت تسع سنوات في حكم ديمقراطي تقاسمته ثلاثة أنظمة، وقضت بقية عمرها في أسر الحكم الأوتقراطي الذي تقاسمته 3 أنظمة.
أجرى بروفسير على مزروعي في مقاله العلمي الثر "الدولة الأفريقية كلاجئ سياسي" تحليلا عميقا للأزمات التي أعيت الدول الأفريقية منذ استقلالها، وأشار إلى الوظائف المناط بالدولة القيام بها والتي إن أخفقت في تحقيق أي منها تصير نهبا للأزمات، تلك الواجبات هي:
1. السيادة على الأراضي الوطنية.
2. السيطرة على الثروة.
3. جمع الإيرادات.
4. إقامة البني الأساسية القومية.
5. تقديم الخدمات الاجتماعية.
6. حفظ القانون والنظام.
عاملان تسببا في أزمة الدول الأفريقية بعد الاستقلال هما: ضعف مؤسسات الدولة الحديثة، وضعف التجانس القومي. هذان العاملان عرقلا الأداء الديمقراطي لأن القبضة الحكومية تقل في الديموقراطية بصورة كبيرة تؤدي للفوضى بينما ترتد الأنظمة التسلطية البديلة في الاتجاه الآخر في إحكام القبضة الحكومية مما يؤدي للطغيان و الاستبداد و في كلتا الحالتين – الفوضى و الطغيان – تتردى الدولة إلى مستنقع الفشل . والديمقراطية كنظام حكم بالغ التقدم سبقتها تجارب أعطتها هذا الرسوخ في الغرب ، تلك التجارب تمثلت في قيام الدولة القومية في أعقاب معاهدة وستفاليا 1648م و الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر والدرجة العالية التي بلغها المجتمع الغربي في مجال التربية و التعليم و غيرها من التجارب و الإنجازات التي لم تجد طريقها للكثير من الدول الأفريقية التي نالت استقلالها عن طريق ديمقراطي . و في المقابل تضافرت عوامل ضعف مؤسسات الدولة و عدم اكتمال القومية ، و الاقتصاد المتخلف و النزاعات الدينية والعرقية ، لتعصف بالديمقراطية و تجعلها صيدا سهلا للانقلابات العسكرية و أنظمتها الاستبدادية التي تتبارى في إهدار الموارد القومية في صرف عسكري و أمني شديد التبذير و في انتهاكات وحشية لحقوق الإنسان و حرياته الأساسية و في الفساد الشامل و المحاولات الرعناء لحل المشاكل القومية بفرمانات وهذا ما أسلم هذه التجارب للفشل . أما في السودان فقد كان أداء الديمقراطية أفضل بالمقارنة إلى الديمقراطيات الأفريقية الأخرى و بالطبع أفضل كثيرا من أداء الأنظمة الاستبدادية في السودان .
إيجابيات الأنظمة الديمقراطية في السودان المستقل :
حققت النظم الديمقراطية الثلاثة التي حكمت السودان ( 56 – 1958 ) – (65 –1969 ) – ( 86 – 1989 ) الآتي :-
1 / أنجزت الانتقال الناعم للسلطة من الإدارة البريطانية للدولة الوطنية المستقلة .
2/ حافظت على دولة الرفاهية الحديثة القائمة على الانتخابات الحرة النزيهة واستقلال القضاء وحيدة الخدمة المدنية والقوات المسلحة وحرية الصحافة .
3 / أدارت الاقتصاد الوطني بطريقة عقلانية .
4/ حافظت علي سياسة خارجية غير منحازة علي صعيد الحرب الباردة ومتوازنة علي صعيد التزامات السودان العربية والأفريقية .
5/ حافظت علي مستوى جيد من احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتسامح تجاه التعدد الديني والسياسي الأمر النادر في ظروف العالم الثالث . وبسبب من هذا السلوك المتسامح فقد دخلت التنظيمات العقائدية الشيوعية و الإسلاموية إلي البلاد و تم التعايش معها بينما قمعت بحزم في أقطار عديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية .
6/ تم الاعتراف بالطبيعة الثقافية والسياسية للحرب الأهلية بين الشمال والجنوب وأثمر هذا الاعتراف حقيقة هامة وهي أن كل جهود ومحاولات الحل السلمي للنزاع تمت في الفترات الديمقراطية، وعلي وجه التحديد :-
1/ مؤتمر المائدة المستديرة – 1965
2/ لجنة الإثني عشر – 66 – 1967
3/ مؤتمر كل الأحزاب السودانية – 1967
4/ إعلان كوكادام – 1986
5/ ندوة الوفاق الوطني – 1987
6/ مبادرة السلام السودانية – 1988
7/ البرنامج الانتقالي السوداني – 1989
8/ عملية السلام السودانية والتي توجت بالاتفاق علي عقد المؤتمر القومي الدستوري في سبتمبر 1989 م

المآخذ :
هناك العديد من نقاط الضعف التي اكتنفت مسيرة النظام الديمقراطي السوداني الحديث والتي سيتم تناولها تحت العناوين التالية :-
التعدد الثقافي :
لازم النظام السياسي السوداني الفشل في التعرف و الاستيعاب الكافي لحقيقة التعدد الثقافي . والواقع أن الوعي القومي السوداني في نشأته الباكرة في النصف الأول من القرن العشرين قام علي هوية عربية إسلامية وثيقة الصلة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا و لاسيما بمركزها الثقافي الأقوى – مصر – وافترض أن كل الهويات الثقافية السودانية الأخرى سيتم هضمها لا محالة وإذابتها في هذه الهوية . وكان الحال علي الصعيد الثقافي أفضل إذ بدأ الوعي بحقيقة الوضع الثقافي الخاص للسودان يأخذ طريقه ابتداء من ستينيات هذا القرن لكثير من الكتاب والشعراء والفنانين السودانيين الشماليين . ومن ثم انبثق المفهوم الذي سماه د . أحمد الطيب زين العابدين ( السودانوية ) وهو مفهوم تم التعبير عنه بمضامين شديدة الوعي بالبعد العرقي ومستندة علي أفريقية السودان تخللت أشعار الكثيرين من الشعراء السودانيين كما في قول محمد المكي إبراهيم :-
سبع حمائم .. سيل عمائم
نخل في البرية هائم
موكب إمكانات
أمتنا.. نار ودخان
وثن طبل قرآن
وقول محمد عبد الحي :-
سأعود اليوم يا سنار
حيث الرمز خيط من بريق أسود
بين الذرى والسفح
والغابة والصحراء
وكذلك في أشعار صلاح أحمد إبراهيم والنور عثمان أبكر وغيرهم من الشعراء .
وعليه يمكن القول بكثير من الثقة بأن النظام السياسي السوداني كان يعاني خللا أساسيا فيما يتعلق بالاعتراف بالتعدد الثقافي واستيعابه، ولم يتم الانتباه لهذا النقص إلا تحت قعقعة السلاح. وهذه القضية تجرنا للحديث عن نقطة أخرى في تاريخ السودان الحديث لم يتم الوعي بها والتعامل معها بشكل كافي وهي تلك المتعلقة بالرق.
خلافا لما هو متوقع، فقد طبقت الإدارة البريطانية في السودان سياسة اتسمت بالتسامح تجاه ممارسة الرق، كما ظلت الحركتان الأكثر تعبيرا عن الوعي السياسي السوداني في الشمال: ثورة 1924 وحركة مؤتمر الخريجين، ظلتا صامتتين تجاه الرق. ولئن ماتت مؤسسة الرق في السودان ميتة هادئة، فقد خلفت وراءها كمية من الندبات النفسية والاجتماعية ستبقى وقودا للمشاعر والمواقف السالبة ما لم يتم علاجها علاجا ناجعا. هذا الأمر ملئ بالأساطير والأوهام والتحيز والمحاباة، وينبغي التعامل معه بكل تجرد وموضوعية. ومهما يكن من أمر، فإن كل توضيح وإبانة لا تغني أبناء المسترقين عن الاعتذار واستنكار ممارسة الآباء، ولا تغني أبناء ضحايا الرق عن المسامحة ونسيان الماضي الأليم، ولا بد للطرفين من التجاوز والعبور إلى بر الإخاء الإنساني الأساسي الذي يجمع بينهما.
التنمية غير المتوازنة:

محمد حسن العمدة
15-11-2006, 06:37 PM
التنمية غير المتوازنة:
المأخذ الثاني الخطير للنظام الديمقراطي السوداني الحديث هو فشله في إحداث إصلاح في بنية الاقتصاد الوطني لتوسيع قاعدة التنمية وفشله في مواجهة الحرمان الضارب بأطنابه في الكثير من أجزاء الوطن وقطاعاته. فالطبيعة غير المتوازنة للتنمية الاقتصادية في السودان الحديث قادت لنمو القطاع الاقتصادي الحديث على حساب القطاع التقليدي ولإغناء المراكز الحضرية على حساب المناطق الريفية وهذا ما أثرى الطبقات العليا والوسطى في المناطق الحضرية وأفقر بقية القطر. ونتيجة لذلك ساد التوزيع الظالم للموارد الاقتصادية بين أقاليم البلاد وفئاتها الاجتماعية المختلفة، فحدثت الهجرة من الأقاليم للمناطق الحضرية وتضاعفت قوة التعبير عن المظالم واختفى السلم الاجتماعي.
السلوك غير الواقعي تجاه الديمقراطية
تمثل الإخفاق الأساسي الثالث لأنظمة الحكم الديمقراطية في السودان في الموقف غير الواقعي لأجهزة ومؤسسات الديمقراطية نفسها تجاه النظام الديمقراطي. فالمتوقع من هذه الأجهزة والمؤسسات (الأحزاب السياسية، القضاء، الصحافة، النقابات، القوات المسلحة، وكل مؤسسات الديمقراطية الأخرى) أن تسعى في أداء دورها المنوط بها في النظام الديمقراطي الطبيعي.
ولتحليل هذا النوع من السلوك تجاه الديمقراطية نبدأ ببحثه في قطاع مهم هو الطبقة المتعلمة. في كثير من أقطار العالم الثالث تعطى الطبقة المتعلمة الديمقراطية ترتيبا متدنيا في سلم أولوياتها التي تأتي في مقدمتها قضايا التنمية الاقتصادية، التحديث، الوحدة الوطنية، وهكذا . ولقد تأثر قطاع كبير من النخبة بأفكار المفكرين الكلاسيكيين –أمثال جان جاك روسو.. تلك الأفكار التي ترى أن كرامة الإنسان وحريته يمكن تحقيقها فقط من خلال المساواة مما يستدعي الثورة الشاملة في المجال السياسي والأخلاقي واستلهام إرادة الجماهير كمصدر للشرعية وهذا ما أعطى المبرر النظري لدكتاتورية الحزب الواحد كممثل لجموع الجماهير وبالتالي كممثل للإرادة العامة للأمة .
ولقد سخر ماركس من الدولة البرجوازية الديمقراطية وإن كانت أفكاره عن أداة التغيير السياسي –الحزب- ومستقر القوة السياسية –الدولة- فضفاضة للغاية. وقد اضطلع لينين بمهمة بناء الحزب الاشتراكي والدولة ولكنه قلب الماركسية رأسا على عقب، إذ جعل للسياسة (الحزب والدولة) الدور المفتاحي بدلا عن الاقتصاد. وقد بلغ الحزب اللينيني نهايته المنطقية عند ستالين، إذ أصبح أكثر التنظيمات الحديثة فعالية في التعبئة السياسية. كما أصبحت الدولة اللينينية كما أحكمها ستالين أضخم آلة سياسية في القرن العشرين.
ومن النظام السياسي ونظام الحكم الستاليني استعار كل من هتلر وموسوليني أنظمتهما لخدمة أفكارهما الفاشية. هذه الأفكار الثورية في اليمين واليسار جذبت قطاعا عريضا من المثقفين في العالم الثالث، وحرمت الديمقراطية من حماسة وسند العديد من العقول النيرة. والمشكلة الأولى التي تحتاج إلى وسائل جديدة لمعالجتها هي: كيف نعطي النظام الديمقراطي شرعية في أعين هذا القطاع من المثقفين.
كاتب عربي هو الأستاذ جورج طرابيشي نشر مؤخرا كتابا اسمه "في ثقافة الديمقراطية" قال فيه: "نحن ننتمي لجيل وقع ضحية خدعة ماكرة فحواها أن الديمقراطية كانت بحاجة لتقويم وتصحيح، بعد أن أصبحت الثورات ومنها ما شهدته بعض الدول العربية من أنظمة ديكتاتورية دموية وبعد سقوط التجارب الاشتراكية وانفجار الجسم النظري للماركسية نفسها اكتشفنا أن الديمقراطية إفراز بنيوي متقدم لمجتمعات متقدمة وأنها دون أن تكون كاملة، هي النظام السياسي الأرقى والأكثر عقلنة بين الأنظمة التي اخترعتها البشرية عبر مسارها التاريخي الطويل". وهو يرى أن إعادة اكتشاف فضيلة الديمقراطية تكاد تشكل السمة الأكثر تمييزا للوعي النقدي لجيله في نهاية القرن العشرين، بل إنها تحولت فعلا إلى أيديولوجيا بديلة عن الأيديولوجيا الثورية أو القومية الآفلة شمسها .
الأمر الثاني: هناك مشاكل لا يمكن حلها وفقا لقانون الأغلبية الميكانيكية. عدم المقدرة على تمييز هذا النوع من المشاكل يمثل إخفاقا ثانيا. ففي ظروفنا تقوم الاختلافات على أسس دينية ولغوية وعرقية مما يشكل تصدعا في المجتمع لأن الناس لا ينقسمون حيالها على أساس أيديولوجي مثل الانقسام بين اللبرالية والاشتراكية ولا بناء على المصالح كما في الطبقات الاجتماعية. إلى ذلك أشار آرثر لويس حين قال: ستحقق الحكومات الأفريقية قدرا عاليا من الشرعية لو تمت الانتخابات البرلمانية وتم تعيين الموظفين في الوظائف العامة وتوزيع الموارد المالية العامة على المجموعات الصغيرة المتميزة ثقافيا –لو تم كل ذلك على هدي من مبدأ النسبية) . وقد نحل عالما الاجتماع –ليفارت وليهامبروش لهذا المفهوم اسما هو: ديمقراطية إتخاذ القرار بوسائل توفيقية Consocietal Decision Making، واحتجا قائلين: "تستقر الديمقراطية في الأقطار الممزقة ثقافيا إذا استخدمت ديمقراطية إتخاذ القرار التوفيقي بدلا عن الديمقراطية التنافسية والتي يصنع القرار فيها بواسطة الأغلبية على غرار الفائز يأخذ الكل" .
الخلاصة أنه في المجتمعات التي توجد فيها مثل هذه المجموعات الموصوفة –والقائمة على التراث- تحتاج الديمقراطية إلى إدخال مفاهيم ومؤسسات للتوازن.
العلاقة مع القوات المسلحة
الفشل الرابع الكبير للنظام السياسي الديمقراطي يتعلق بالعلاقة مع القوات المسلحة. فالتسليم بأن القوات المسلحة ستقوم بمهامها المناطة بها بحكم القانون وتوقع انضباطها في تلك الحدود في ظروف عالمنا الثالث سيورث المشاكل كما اكتشفنا ذلك بصورة مؤلمة في السودان. فقد كان على النظام السياسي في فجر الاستقلال أن يضع دور القوات المسلحة في الاعتبار وأن يتخذ قرارات أساسية بشأن هذا الدور. والخيارات المتاحة تجاه القوات المسلحة ودورها في النظام السياسي تنحصر في ثلاثة خيارات هي: الأول: أن تلتزم بواجباتها الدستورية والقانونية كذراع دفاعي خاضع للقوة التنفيذية المنتخبة، كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية وهذا هو الوضع الأمثل ولكنه وضع متقدم أخذ من الغرب قرونا للوصول إليه.
الثاني: وهو الإجراء الأقصى الذي طبقته كوستاريكا في أمريكا اللاتينية وهو إلغاء القوات المسلحة باعتبارها مهددا للنظام السياسي.
الثالث: هو استيعاب القوات المسلحة في العملية السياسية فيما سماه ازيكيو –الرئيس الأول لنيجريا: السلطة ذات الرافدين Diarchy، ومن المعلوم أن نظام الحكم في كل من تركيا ومصر قد استوعب القوات المسلحة وأشركها في العملية الديمقراطية المدنية- وهذا هو مفهوم الدياركيه: نظام حكم مشترك مدني عسكري.
الفشل في الوصول لهذا الدور المتفق عليه للقوات المسلحة في السياسة كلف السودان ثمنا باهظا، وسنرى فيما بعد فداحة الثمن.
وخلافا لعمل الانقلابات العسكرية، فقد مارست القوات المسلحة قدرا عاليا من صلاحيات السلطة التنفيذية المدنية، هذه الحقيقة مكنت القوات المسلحة من إدارة الحرب الأهلية بطريقة فيها الكثير من التخبط، وارتكبت أخطاء أساسية قاتلة أضطرت الحكومات المدنية المنتخبة إلى قبولها مكرهة. أذكر هنا ثلاث وقائع مهمة:
الأولى: في أثناء الديمقراطية الثانية (64-1969م) أصبح القادة العسكريون في الجنوب محبطين بسبب النشاطات السياسية للمثقفين الجنوبيين إذ اعتبروهم طابورا خامسا لحركة أنيانيا المسلحة. فتم جمع عدد من المثقفين الجنوبيين وتصفيتهم في كل من جوبا وواو عام 1965م، وكانت الحكومة المدنية في ذلك الوقت برئاسة رئيس الوزراء محمد أحمد محجوب، وكنت حينها الرئيس المنتخب لحزب الأمة والذي كان المحجوب ممثله في الحكومة الائتلافية. وكان اصطدامي الأول برئيس الوزراء مرتبطا بمطالبتي أن تقدم الحكومة السلطات العسكرية المشاركة في الحادث للمحاسبة. وقد قاد هذا الاصطدام مع عوامل أخرى للانقسام في حزب الأمة في 1966م.
الواقعة الثانية: حدثت في أثناء رئاسة السيد محمد أحمد محجوب الثانية للوزراء في 1968م. فقد نظر بعض المسئولين العسكريين أصحاب الحماس الزائد إلى السيد وليم دينق رئيس حزب سانو على أنه خطر على الأمن. والسيد وليم دينق كان من أبعد رجال الدولة الجنوبيين نظرا، وقد شارك مشاركة قوية في عملية السلام في السودان، إذ عاد بكل شجاعة إلى السودان بعد سقوط النظام العسكري الأول (58-1964م) مباشرة وأسس حزبا سياسيا منظما فعالا داخل السودان –هو حزب سانو، ودخل في المناقشات المثمرة التي أفضت إلى تقديم أهم مشروع للحل العادل للحرب الأهلية عبر مؤتمر المائدة المستديرة، ولجنة الإثنى عشر ومؤتمر كل الأحزاب السودانية واللجنة الدستورية. ولكن بعض السلطات العسكرية في الجنوب نظرت له في ضوء آخر إذ اعتبرته متعاونا مع حركة أنيانيا العسكرية فتربصت به وقتلته أثناء قيامه بحملته الانتخابية أثناء الانتخابات العامة 1968م فحرموا السودان من أحد أعمدة السلام ورجل دولة شريف سعى من أجل بناء السلام والفهم المشترك في السودان.
الواقعة الثالثة: حدثت في فبراير 1989م. كرئيس للوزراء فقد تم تنويري بواسطة ضباط إدارة العمليات والمخابرات العسكرية عن تطورات الحرب الأهلية وتحديدا عن إخلاء الجيش لحامية ليريا وهي حامية تقع بالقرب من جوبا. وأمام كل القيادات العليا ونواب هيئة الأركان رفضت التنوير وطلبت من الاجتماع الرد على ستة انتقادات متعلقة بإدارة العمليات. وقد أقر الاجتماع بصحة الانتقادات، فطلبت منهم أن يجتمعوا ويصدروا توصية بالسياسات الضرورية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وبدلا من ذلك، ودفاعا عن أدائهم، سيسوا الموضوع وتجنبوا المحاسبة العسكرية وأتوا بمذكرة فبراير 1989م.
استقلال القضاء

محمد حسن العمدة
15-11-2006, 06:43 PM
استقلال القضاء
مشكلة أخرى متعلقة باستقلال القضاء. فمن المعلوم أن مبدأ استقلال القضاء مبدأ أساسي من المبادئ الديمقراطية، ولتحقيق هذا المبدأ يجب أن يتميز القضاة بالحياد. ولكن بعد ثورة أكتوبر 1964م أصبح سياسي ناشط هو السيد بابكر عوض الله رئيسا للقضاء، فلم يحترم قدسية المنصب واستمر في نشاطه السياسي الراديكالي وأطاح بحيدة القضاء.
وما حدث في عام 1965م أثناء رئاسة السيد محمد أحمد محجوب للوزارة للمرة الأولى كان واحدا من الأحداث التعيسة في تاريخ السودان. ففي إحدى حلقات النقاش بكلية التربية جامعة الخرطوم اتهم طالب يساري بقذف السيدة عائشة زوج النبي (ص)، هذه الحادثة قادت إلى مظاهرات نظمتها جبهة الميثاق الإسلامي سلف الجبهة الإسلامية القومية اليوم. وقد ذهبت المظاهرات إلى رئيس مجلس السيادة وكان وقتها السيد إسماعيل الأزهري والذي أعلن تأييده لمطالب المتظاهرين: حظر الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه الاثنى عشر من البرلمان كما أيد هذه المطالب بعض قادة حزب الأمة. وقد كانت لي تحفظات ومعي السيد محمد أحمد محجوب على هذه المطالب ولكن القرارات الكفيلة بتنفيذ هذه المطالب حازت على السند البرلماني المطلوب. وهذا يوضح التعسف في استعمال الأغلبية الميكانيكية دون تبصر، وهناك واقعة أخرى تصرفت فيها الأغلبية بنفس هذه الطريقة التعسفية غير المتوازنة وذلك حينما قررت حل البرلمان في عام 1968 وذلك بالاستقالة من الجمعية التأسيسية. وفي كلتا الحالتين فقد خانت الأغلبية البرلمانية روح الديمقراطية.
لقد كان لحل الحزب الشيوعي عواقب خطيرة، فقد استأنف الحزب لدى القضاء ضد قرارات البرلمان،وأعلن القاضي المعني عدم دستورية القرارات وكان عضوا خفيا في الحزب الشيوعي، وكان رئيس القضاء مشتركا في الحزب الشيوعي، ونجم عن التعارض الخطير بين السلطة التشريعية والسلطة القضائية إضعاف خطير لنظام الحكم الديمقراطي. كما دفع الحل التعسفي للجمعية التأسيسية الحزب المتضرر إلى معارضة راديكالية وتكتيكات خارج البرلمان وكلا الإجراءين نخرا في شرعية النظام الديمقراطي وصبا في مصلحة انقلابيي مايو 1969م.



الباب الثالث

محمد حسن العمدة
15-11-2006, 06:46 PM
الباب الثالث
تركة الحكومات الأوتقراطية
السودان الحديث ابتلي بثلاثة أنظمة أوتقراطية أسست بثلاثة انقلابات عسكرية (58-1964م) – (69-1985م) – (1989-…)
الأوتقراطية الأولى (58-1964م)
قام النظام الأوتقراطي الأول في السودان إثر انقلاب جنرالات تم بالتعاون مع رئيس الوزراء في ذلك الوقت السيد عبد الله خليل. ولم تكن لذلك النظام أيديولوجية سياسية معينة فكون أوتقراطية عسكرية بسيطة ولكنه لم يكون حزبا للجيش ولم يقم دولة بوليسية.
وأصل نشأة الانقلاب بدأت عام 1958م حينما انتاب حزب الأمة –صاحب الأكثرية النيابية- القلق من عدم الاستقرار السياسي في السودان، فقد كانت هناك صعوبات بين شركاء الائتلاف القائم وقتها بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي. وبينما كان السيد عبد الله خليل رئيس الوزراء والأمين العام لحزب الأمة من أنصار استمرار هذا الائتلاف وتقويته، كان السيد الصديق المهدي رئيس الحزب يرى إن استقرار السودان سوف يتحقق بصورة أفضل إذا تم الائتلاف مع الحزب الوطني الاتحادي برئاسة السيد إسماعيل الأزهري. وقد بدأ أعضاء حزب الأمة في البرلمان في جمع إمضاءات لمساندة تغيير الائتلاف. وكان رئيس الوزراء والذي كان ضابطا سابقا في الجيش قد ناقش قبل ذلك في مجالس حزب الأمة القيادية إمكانية تسليم السلطة للجيش تجنبا لعدم الاستقرار المتوقع ولتتم كتابة الدستور في جو بعيد عن المناورات الحزبية. وقد ناقشت قيادة حزب الأمة هذا الخيار ورفضته. وبينما تطورت الاختلافات في حزب الأمة حول مع من يتم الائتلاف، ونشأت تكتلات متنافسة، قام رئيس الوزراء –في غياب رئيس الحزب بالخارج- بعقد صفقة مع القيادة العليا بالقوات المسلحة للاستيلاء على السلطة وتعليق الدستور وإجراء إصلاحات معينة وإدارة البلاد على أساس مؤقت. وإذا كانت هذه تقديرات رئيس الوزراء فإن قيادة الجيش كان لها تقديراتها وخطتها الخاصة. وقد قام القادة العسكريون في القيادة الشمالية والشرقية بما يشبه الانقلاب الذي أمكن معالجته بمساومة مع القيادة العليا للجيش كان من نتائجها أن تحول الاستلام المؤقت إلى استيلاء على السلطة وتسمية أنفسهم "ثورة". وبالرغم من أن نظام نوفمبر 1958 لم يكن له برنامج سياسي سوى إدارة البلاد وحفظ القانون والنظام إلا أنه في سبيل ذلك علق الحريات الأساسية وأنكر حقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا ووضع أقاليم البلاد تحت إمرة القادة العسكريين الإقليميين. وفي الجانب الآخر فقد فوضوا بعض السلطات المحلية والإقليمية لمجالس الحكم المحلي ومجالس المحافظات، وقاموا بتعيين وزراء من التكنوقراط في الوزارات الفنية كالزراعة، المالية، الصناعة، التعليم، الصحة..الخ. وسمحوا للأعمال أن تسير سيرها الطبيعي.
لقد كان الخطأ الأكبر الذي وقع فيه النظام الأوتقراطي الأول –بالإضافة إلى تعليق الحريات الأساسية وإنكار حقوق الإنسان- هو سياسته نحو الجنوب.
نصت الاتفاقية الأنجلو-مصرية 1953م على إعطاء حق تقرير المصير للسودان على أن يتم عبر الاستفتاء الشعبي. وحينما ناقشت الأحزاب السياسية السودانية إمكانية إعلان الاستقلال بمرسوم برلماني بدلا عن الاستفتاء ساند ممثلو الحزب الليبرالي (حزب الجنوب) هذا التحرك واشترطوا في المقابل أن يعطى الجنوب وضعا فيدراليا في الدستور. وقد تم وعدهم بواسطة حزب الأمة وآخرين باعتبار وضع الجنوب الفدرالي عند كتابة الدستور. ولما وقع انقلاب نوفمبر وضع نهاية لكتابة الدستور ولذلك الوعد، هذه إحدى النتائج السلبية.
حل الانقلاب البرلمان وأطاح بالحكومة المنتخبة وحل الأحزاب السياسية، وفي كل هذه المؤسسات كان للجنوب تمثيلا. بعد الانقلاب أسكتت هذه الأصوات، هذه نتيجة سيئة ثانية.
كان تكوين المجلس الأعلى للقوات المسلحة –الجسم الحاكم- خاليا من أي مشاركة للجنوبيين الذين اقتصر تمثيلهم على مقعد وزاري واحد –على ضعف المنصب الوزاري في النظم العسكرية- شغله السياسي الجنوبي المخضرم السيد سانتينو دينق. وكان ضعف التمثيل الجنوبي في الحكم الأوتقراطي سيئة ثالثة قادت لغيرها، إذ تزايد خروج السياسيين الجنوبيين إلى المنفى وكونوا مع آخرين الاتحاد الوطني السوداني الأفريقي (سانو) وجناحه العسكري (أنيانيا). لتبدأ صفحة دامية في صفحات التاريخ السوداني إذ لم يعرف السودان قبلها عنفا بين شطري البلاد إلا تمرد أغسطس 1955م.
قبل فترة الحكم الذاتي (1954م) دار جدل كثير في مجالس حكومة السودان حول الحاجة لتدابير خاصة تحمي المصالح الجنوبية في فترة الحكم الذاتي المتوقعة وإن لم يتم تقرير شئ محدد، و حينما تم الانسحاب البريطاني صارت عملية السودنة عملية لإبدال البريطانيين بعناصر سودانية شمالية، و اختلط الحكام الجدد مع التجار الشماليين – ( الجلابة ) – الذين سيطروا على النشاط التجاري في الجنوب . وفي ذلك الوقت كانت القيادة الجنوبية للجيش تتكون من المجندين المحليين بينما كانت الأغلبية الساحقة من الضباط من الشمال . و في 18 أغسطس 1955 م رفضت بعض الفرق الجنوبية في توريت إطاعة بعض التعليمات الإدارية العسكرية و تمردت و قتلت جملة من الضباط الشماليين و العديد من الإداريين الشماليين، وكثيرا من التجار وعائلاتهم. وانتشر التمرد في المدن والحاميات الأخرى، وفيما بعد سحق التمرد وألقي القبض على كثير من الفرق الجنوبية المشاركة وتمت محاكمتها وعقابها.
وفي مارس 1963م كان مقررا أن يحضر الجنرال عبود رئيس الطغمة العسكرية افتتاح منظمة الوحدة الأفريقية بأديس أبابا، وكإجراء لحسن النوايا أعلن العفو عن الفصائل الجنوبية التي كانت في السجن بعد تمرد 1955م، ولم يكن ذلك العفو ضمن سياسة أوسع بل كان حدثا معزولا، إذ اتسمت سياسة النظام تجاه الجنوب بالقمع والحرمان من حقه في التمثيل السياسي، واتخذت سياسة تثاقف متسلطة High-handed acculturation، لذلك لم يكن مستغربا أن تلتحق الفصائل التي أطلق سراحها بأنيانيا، وأن تستعر المقاومة العسكرية.
اتسم الجنوب بوجود مكثف لبعثات التبشير المسيحية منذ الاستعمار وكان على رأس تلك المؤسسات رجال دين أوربيون، اتهمتهم الطغمة الحاكمة بإغواء و مساعدة المقاومة المسلحة التي تقودها حركة انيانيا فقررت طردهم جماعيا في مارس 1964 م – و حين ازداد الوضع تدهورا لجأت الحكومة لخيارها الوحيد الذي درجت علي اتخاذه : العمل العسكري – و في أبريل 1964 م أصدرت كتيبا بعنوان ( مسألة جنوب السودان ) أوضحت فيه أن المشكلة في جوهرها مشكلة سياسية اقتصادية ثقافية و لا يمكن حلها بأسلوب عسكري ، و أنه يجب أن تتم مناقشتها علي نطاق واسع و بحرية تامة لإيجاد حل مناسب لها. و قد رأت السلطة الحاجة لنقاش واسع للمشكلة و تم تعيين لجنة قومية لتفعل ذلك و سمحوا ببعض إجراءات النقاش الحر حول المشكلة كموضوع قومي . و كما هو متوقع في مثل هذه الظروف فقد تجاوز النقاش النطاق و عجت الجامعة بتجمعات و مجموعات النقاش و كانت خلاصة الرأي بشأن المشكلة تأييدا لوجهة النظر القائلة باستحالة وخطأ الحل العسكري . و استحالة التوصل إلى حل في غياب الحريات الأساسية . لقد قادت مشكلة الجنوب إلي النظر إلى المرض لا العرض و اتجهت الأبصار إلى المطلب القومي: الديمقراطية . عند هذه النقطة تحركت الطغمة العسكرية لقمع النشاط السياسي بجامعة الخرطوم و قاد القمع العنيف للحشد الذي يناقش القضية إلي مقتل أحمد القرشي طه في 21 أكتوبر 1964م و الذي أصبح النقطة المفضية للانتفاضة و التي أطاحت في النهاية بطغمة نوفمبر .
الأوتقراطية الثانية (69-1985م)[

محمد حسن العمدة
18-11-2006, 11:13 AM
*******************

محمد حسن العمدة
20-11-2006, 10:35 AM
الأوتقراطية الثانية (69-1985م)
فتح نظام مايو – النظام الاوتقراطي الثاني – صفحة الأنظمة الشمولية المشؤومة، وذهب تطارده اللعنات على سنته البائسة كأول نظام شمولي في السودان الحديث. كان انقلاب مايو انقلاب عقداء ساندته التنظيمات العقائدية اليسارية: الشيوعيون والناصريون. أما الناصريون فكان وجودهم محدودا في المجتمع السوداني: حفنة من المثقفين وضباط الجيش الذين تربطهم بأجهزة المخابرات الناصرية الروابط. وأما الحزب الشيوعي السوداني فقد كان تنظيما جيد التأسيس، واسع الحضور في قطاعات المجتمع السوداني الحديثة ونقاباته واتحادات مزارعيه، بل كانت له قاعدة شعبية أتاحت لأمينه العام السيد عبد الخالق محجوب مقعدا برلمانيا مركزيا في أم درمان. ومهما كانت وجاهة الأقوال حول موقف الحزب الشيوعي من الانقلاب، فمن المؤكد أن الشيوعيين وتابعيهم من اليسار السوداني منحوا النظام الجديد سندا سياسيا قويا. وإذا تبعنا لسان الحال ونحينا جانبا لسان المقال فإن مشاركة الشيوعيين لذلك الانقلاب تجلوها الحقائق التالية:
1. كان الكادر العسكري للحزب مشاركا في الانقلاب وأصبح قادتهم أعضاء في مجلس قيادة الثورة.
2. في 25 مايو والانقلاب في مهده، قررت اللجنة المركزية للحزب المشاركة في حكومة الانقلاب مما جعل مشاركتهم سياسة رسمية للحزب.
3. أصبحت واجهات الحزب الشيوعي: اتحاد النساء السوداني، واتحاد الشباب السوداني وغيرهما.. المنظمات المدنية المساندة للنظام الجديد.
4. كانت سياسات النظام الجديد الداخلية والخارجية نسخا كربونية من برنامج الحزب الشيوعي.
5. الخبرات المستخدمة في هندسة الدولة الشمولية كانت مجلوبة من مصادر شيوعية على نمط دول شرق أوربا ومن الناصرية.
6. أصبح الراعي السوفيتي للحزب الشيوعي السوداني هو الأب الروحي للنظام الجديد.
كان هناك تناقض أساسي بين الشيوعيين وبين حلفائهم في نظام مايو، فقد رأى نميري –وشايعه الناصريون وشجعوه- في نفسه "ناصرا سودانيا" عقمت من بعده السياسة السودانية. وفي الجانب الآخر فقد كانت للحزب الشيوعي نفس النرجسية والتمحور حول الذات، وكان مصرا على تأكيد ذاتيته التي أراد لها أن تسود أداء النظام، واعتبر الحزب مشاركته للنظام طورا من أطوار نموه السياسي، لذلك لم يكن هناك مهرب من الصدام بين هاتين النظرتين المنكفئتين على الذات، وجاءت تلك اللحظة في يوليو 1971 حينما انتهى فشل الانقلاب الشيوعي إلى مذبحة رهيبة حاقت بقادة الحزب مذكرة إياهم بالوحشية التي مارسها النميري مع معارضي النظام والتي سبق أن أطلقوا عليها تعبير العنف الثوري- ولات حين تذكر!.
تشمل تركة النظام الأوتقراطي الثاني خمسة مناحي هي:
أولا: فتح النظام الفصل الأول من التاريخ الدموي في السودان الحديث، وشمل القمع بلا رحمة المعارضة في الجزيرة أبا وفي ودنوباوي، ولاحقا طال الحزب الشيوعي.
ثانيا: أقام الدولة الشمولية الأولى في السودان ووضع أدواتها وهي:
• أيديولوجية رسمية تنفي الآخر ولا تحتمل المنافسة. حزب متحكم يقمع كل المخالفين. دولة بوليسية تحميها آلة أمنية ضخمة لا تحكمها قيم أخلاقية ولا قانون طالما أنها تحطم أعداء النظام. تسييس مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية لصالح السياسات الحزبية للنظام وحزبه الوحيد. ثالثا: أدار النظام الاوتقراطي الثاني الاقتصاد بصورة غوغائية أورثت البلاد عددا من التركات الاقتصادية بيانها كالآتي: قبل انقضاض النظام المايوي على السلطة كان الاقتصاد السوداني مختلطا: قطاع عام بلغ من الجدوى ما مكنه أن يساهم بأكثر من 40% من الإيرادات الحكومية من فائض أرباحه، وقطاع خاص بلغ من جدواه أنه يساهم بأكثر من 60% من صادرات البلاد. فلما جاء النظام الجديد وسع القطاع العام عبر إجراءات التأميم والمصادرة، ووضعه تحت إدارة محاسيبه من السياسيين الحزبيين الذين حطموا جدواه، واستمر هذا الطور من الإدارة الاقتصادية عامين (69-1971). الطور الثاني استمر عقدا من الزمان (72-1982م) .. هذا الطور تنزلت عليه بركات اتفاقية السلام 1972 وفيه دخل النظام سياسة التحرير الاقتصادي ورفده الغرب ودول الخليج العربي بمساعدات تنمية بلغت 8 بليون دولار بالتمام، وفي هذا الطور أصبحت الإدارة الاقتصادية أكثر عملية فتم بناء عدة مشاريع للتنمية والبنيات الأساسية كما تم اكتشاف البترول في عام 1980. الطور الثالث: (82-1985م) في هذا الطور ارتد النظام إلى النظريات في إدارة الاقتصاد ولكنه اندفع هذه المرة في اتجاه أيدلوجي معاكس نحو السياسات الاقتصادية الاسلاموية. فبحلول عام 1982 فشلت سياسات النظام الاقتصادية وكل المساعدات الاقتصادية الخارجية في تحقيق تنمية مستدامة، وأبعد من ذلك فقد هبطت قيمة الصادرات السودانية في أيام النظام الأخيرة إلى نحو 300 مليون دولار وهو نصف ما كان عليه الحال في الستينيات. وانقلبت أرباح وفوائض الموازين المالية الداخلية والخارجية عجزا سنويا مستمرا بين 40% إلى 45%. وفي عام 1983 عدلت الحكومة قانون البنك المركزي ليسمح بتجاوز الانضباط المالي واتجهت نحو الاقتراض غير المحدود من النظام المصرفي وطبع النقود. وابتدأ مسلسل الانحدار في قيمة العملة الوطنية و"تقزم" الجنيه الذي كان يساوي 330 سنتا فوصلت قيمته إلى 14 سنتا في عام 1985. وأصبحت التنمية معتمدة على العون الخارجي بعد أن كانت تعتمد على فائض الميزانية قبل الانقلاب. واحدة من التركات المحزنة للنظام المايوي هي الدين الخارجي المتنامي والذي بدأ ب 8 بليون دولار ونما بسعر الفائدة المركب بمعدل بليون دولار سنويا حتى بلغ اليوم (يناير 1999) 20 بليون دولار. وأطلت ظاهرة مدمرة جديدة ولدها غياب المحاسبة مع السلطة المطلقة التي تتيحها الدكتاتورية لمنسوبي النظام- تلك الظاهرة هي الفساد الذي أصبح قاعدة في العهد المايوي بينما كان استثناء فيما سبقه من عهود. التركة الرابعة: التعامل مع الإسلام والشريعة الإسلامية كأداة لإكساب النظام شرعية لا يمتلكها ولإرهاب الخصوم. كان إمام الضلالة، والرائد الأول في هذا المجال هو الجنرال الباكستاني ضياء الحق، بينما كان النميري هو أول سوداني في العصر الحديث يسلك هذا المسلك، وذلك حينما رأى أسس شرعيته تنهار الواحدة تلو الأخرى، فقد أقام نميري شرعيته على استغلال الاشتراكية، ثم اتجه إلى الاعتماد على الوحدة الوطنية كما حققتها اتفاقية 1972، وفيما بين 72-1982م أهدر نميري كل ما أنجزه. وقاده حسه الانتهازي، مع تباشير الصحوة الإسلامية في الداخل والخارج، إلى امتطاء جواد الإسلام. فخلف للسودان تركة إسلاموية انتهازية مخزية. التركة الخامسة المهمة: الحرب الأهلية: ومن السخرية المرة أن ما تم الترويج له كأبرز إنجازات النظام المايوي، الأداء الاقتصادي واتفاقية السلام- ارتدت لتشكل أسوأ مخلفات النظام: الكارثة الاقتصادية، وكارثة الحرب الأهلية. في بدايته، كان النظام المايوي أعرجا من الناحية الإثنية إذ كان كل أعضاء مجلس قيادة الثورة من الشمال، وبمبادرة من الحزب الشيوعي عين النظام القيادي الشيوعي السيد جوزيف قرنق ليكون مسئولا عن شئون الجنوب، فقام بإصدار سياسة للجنوب حوت تسع نقاط اتسمت بالوعي السياسي. وتم وضع تلك السياسة في أضابير النظام الخلفية لحين تسوية الصراع الناشب بين نميري والحزب الشيوعي، وبعد الأحداث الدموية في يوليو 1971 ساهمت عدة عوامل في تهيئة الجو لتنفيذ سياسة سلمية تجاه الجنوب، فمن جهته احتاج نميري لقوى بديلة تسنده وفي الجانب الآخر كانت القوى الغربية وحلفاؤها في المنطقة في تشوق لمكافأة نميري على بطشه بالشيوعيين، فتم التوصل إلى اتفاقية سلام وقعت في 1972 بعد مفاوضات سلام تمت بأديس أبابا بوساطة فعالة من الإمبراطور هيلاسيلاسي ومجلس الكنائس الأفريقي وضعت حدا للحرب الأهلية على أساس من الحكم الذاتي الإقليمي للجنوب، وانبنت في جوهرها على نتائج الجهود التي قامت بها النظم الشرعية السابقة وعلى وجه التحديد قرارات مؤتمر المائدة المستديرة وتوصيات لجنة الاثني عشر ونتائج مؤتمر الأحزاب السودانية . فيما بين 80-1983م دفعت نميري عدة عوامل للتنكر لاتفاقية السلام وقذفت بالسودان في أتون الحرب الأهلية التي أصبحت أخطر بما لا يقاس من تلك المنتهية في 1972. تلك العوامل هي: الدكتاتورية: فالدكتاتورية بطبيعتها لا تسمح بتقاسم السلطات ومن بديهياتها أن تسير السلطة من أسفل لتستقر في أعلى الهرم كما يجري الماء في بديهيات الطبيعة من الأعلى للأسفل! وعلى هذا النحو كان نميري كثيرا ما يسلب سلطات وصلاحيات المجلس التنفيذي للجنوب ويؤثر على انتخاب رئيسه، وحينما عارض المجلس قرار بناء مصفاة البترول في مدينة كوستي بدلا عن مدينة بانتيو رأى نميري أن المجلس قد تعدى الحدود فاستمع إلى رأي جنوبي ذي مصلحة –الجنرال جوزيف لاقو- وانتهك الاتفاقية بمرسوم متغول وقسم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم. بالرغم من أن التوجه الغربي لنميري ساعد في التوصل إلى اتفاقية 1972م إلا أن الانحياز للغرب جاوز المدى ليرتبط باستراتيجيات الغرب في شمال أفريقيا والبحر الأحمر وقام حلف مضاد وموالي للشرق ضم ليبيا وأثيوبيا واليمن الجنوبي وتم التوقيع عليه في عدن.. هذا الحلف أعطى حماية إقليمية ودولية لمعارضي نظام مايو. العامل الثالث الذي عمق تلك الحرب هو ذلك الانقلاب الأيديولوجي الثقافي الذي دخل فيه نميري في سبتمبر 1983م، إذ زود الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان بمبررات إضافية لمواصلة القتال بضراوة فائقة أحدثت نقلة نوعية في الحرب الأهلية في السودان يمكن تلخيصها في الآتي: في الحرب الأولى: لم يزد عدد مقاتلي أنيانيا عن 3000 مقاتل ولم تقع في أيديهم أي حامية عسكرية أو مدينة ولم يتمكنوا من عرقلة السكك الحديدية والطرق البرية والنقل النهري. وقد طفت الجنوب كله –كرئيس للوزراء – مستعملا السكك الحديدية والطرق البرية والمراكب والطائرات بدون أي موانع، ولم يكن لهم سند إقليمي أو دولي واضح ولم تتعد أسلحتهم النوع الخفيف. وفي المقابل: في حرب الجيش الشعبي لتحرير السودان: استطاع الجيش الشعبي حشد عدد من المقاتلين بعشرات الآلاف بتدريب وتسليح متقدم، واحتلوا منذ البداية مدنا وحاميات عسكرية وعطلوا مشاريع التنمية وقطعوا الطرق البرية والسكك الحديدية وعطلوا النقل الجوي، ومنحهم التعامل الأحمق والانحياز السافر الذي تورط فيه نميري- حلفاء إقليميين ودوليين. استفاد نميري من تحضيرات الديمقراطية الثانية ومن ثمار تحطيمه للشيوعيين في إنهاء تمرد محدود ولكن نظامه الاستبدادي طعن الوطن في مقتل وأضاع فرصة السلام التاريخية وأورث البلاد حربا أهلية جعلت السؤال الأول حول السودان: يكون أو لا يكون!. جاء انحدار وسقوط نظام مايو في أبريل 1985م على النحو التالي: دفع القمع الوحشي والاضطهاد الذي تعرض له الأنصار في أعقاب مجزرة الجزيرة أبا وودنوباوي في مارس 1970م آلاف الأنصار للهجرة إلى أثيوبيا مترسمين خطا الإمام الهادي (في هجرته في مارس 1970)، بينما هجرت قيادات عديدة الوطن وكونوا في المنفى الجبهة الوطنية المعارضة، منهم: الشريف حسين الهندي –الرجل الذي أصبح زعيما للحزب الاتحادي الديمقراطي بحكم الأمر الواقع بعد وفاة السيد إسماعيل الأزهري في 1969م- والدكتور عمر نور الدائم- والذي كان وقتها الرجل الثاني في قيادة حزب الأمة- والسيد عثمان خالد –ممثل جبهة الميثاق الإسلامي في الخارج. وفي عام 1972 كنت ما زلت رهن الاعتقال، ومن هناك أرسلت رسالة لدكتور عمر ليبحث إمكانية التعاون الليبي معنا، ونجح ذلك الاتصال، ووافقت ليبيا على مساندة الجبهة الوطنية ومنحتها التمويل والتسليح والتدريب. وحينما أجيز الدستور –الذي تضمن اتفاقية أديس أبابا 1972م- أطلق سراحي في مايو 1973 نتيجة لذلك. وما بين إطلاق سراحي في مايو 1973 وسبتمبر 1973 نظمت مع آخرين انتفاضة سبتمبر 1973 (شعبان) والتي قمعها النظام بقسوة شديدة وأبطل الحرية النسبية التي سمح بها بعد إجازة الدستور الجديد. ولتضييق نطاق القوى المشاركة في الانتفاضة والتقليل من شأنها ألصقها النظام بجبهة الميثاق الإسلامي. ومهما يكن من أمر فقد تم اعتقالي في ديسمبر 1973م مرة أخرى وأطلق سراحي في أبريل 1974. وسمح لي بمغادرة البلاد لأسباب طبية. وفي المنفى قمنا بتنظيم الجبهة الوطنية وبتنظيم مؤيدينا في قوة مقاتلة ذات كفاءة عالية قوامها من المجاهدين الأنصار مع بعض المجاهدين من جبهة الميثاق الإسلامي. وفي يوليو 1976 أعددنا انتفاضة مسلحة كادت تطيح بالنظام واستجاب لها نميري بقمع وحشي، وحينما انجلى الغبار أدرك أن المعارضة لها أنياب وقدرات سياسية، فاقترح مصالحة وطنية. ومثلما هو الحال في اتفاقية أديس أبابا 1972، لم تكن لنميري رغبة حقيقية في التنازل عن سلطاته، وأراد أن تقوي المصالحة الوطنية من شرعية حكومته، واكتشفنا هذه الحقيقة المحبطة بعد حوالي السنة، ولكن بقي من عملية المصالحة الوطنية أمران: هما عودة عدد كبير من قيادات المعارضة من المنفى للسودان بسلام، والأمر الثاني: منح هامش كبير من الحرية السياسية سمح بعقد انتخابات نقابية في جو من الحرية النسبية لا سيما وسط المهنيين (الأساتذة- الأطباء- المهندسين- الكتبة- المصرفيين، وهكذا) ووسط طلاب التعليم العالي. فشل السياسات الاقتصادية للنظام نتج عنه ارتفاع مخيف في معدلات التضخم وارتفاع في الأسعار بلغ 1000% في المتوسط بين 70-1980م.. هذه الظروف دفعت النقابات المكونة حديثا إلى نشاط نقابي مكثف. وأهم نزاع نشب بين الجسم النقابي والنظام بعد تلك التطورات هو نزاع النظام مع الجهاز القضائي، وما أطلق عليه نميري الثورة التشريعية في سبتمبر 1983م لم يكن إلا وسيلة لوضع القضاة في موقف دفاعي. وبعد فترة من التعبئة خرجت الاتحادات الطلابية المكونة حديثا وعلى رأسها اتحاد طلاب جامعة أم درمان الإسلامية للشارع مبشرة بانتفاضة أبريل 1985م. وبدأت النقابات المهنية وبخاصة أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسون والمحامون والصرافون في التظاهر ضد النظام، وقامت الأحزاب وخاصة حزب الأمة بقيادة وتنسيق هذه الأنشطة، والتحقت بالمظاهرات ونادت علنا بسقوط النظام وزودت الحركة بنص الميثاق الوطني للتحرير، وخاطبت علنا القوات المسلحة بمساندة مطالب الجماهير والإطاحة بالنظام المايوي وتمهيد الطريق للديمقراطية في السودان، وفي 6 أبريل 1985 قامت القوات المسلحة مجتمعة بالاستيلاء على السلطة وفتحت الطريق للديمقراطية الثالثة بعد فترة انتقالية مداها عام واحد. تركة الشمولية الثانية (الأوتقراطية الثالثة (1989م-…) البرنامج الإسلاموي:

محمد حسن العمدة
23-11-2006, 10:41 AM
**********

محمد حسن العمدة
03-12-2006, 08:21 PM
تركة الشمولية الثانية (الأوتقراطية الثالثة (1989م-…) البرنامج الإسلاموي: يشكل برنامج "الإنقاذ" الإسلاموي أكثر المداخل أهمية للنظر في تركة نظام "الإنقاذ" الشمولي ولذلك سنبدأ حديثنا عن تركة النظام عبر هذا المدخل. يعتبر المسلمون الإسلام الرسالة الثالثة والأخيرة في قافلة الأديان الإبراهيمية ويعترف القرآن بالأديان الإبراهيمية الأخرى ويسمي أهلها "أهل الكتاب" . والإسلام يعترف للإنسان بالكرامة من حيث هو إنسان، ويعطي اعتراف الإسلام بكرامة الإنسان من حيث إنسانيته وبالتعدد الديني والحرية الدينية النموذج الأوضح لتسامح الإسلام والذي يتكامل فيه العقل والوحي. وهذا ما يدعم الرأي القائل بالطبيعة اللاهوتية الناسوتية، أو اللاهوتية العقلانية للإسلام والتي تعطي العقل مجالا للعمل والاجتهاد، وتعطي العطاء الإنساني الإيجابي مجالا للاستصحاب. ونتيجة لذلك تمكن المفكرون والحكماء المسلمون بدون سلطة كهنوتية من تطوير مدارس إسلامية مختلفة من خلال علم الكلام (الفلسفة الدينية).. ولقد طور الفلاسفة المسلمون مدارس الفلسفة اليونانية وعدلوا نظام الأفكار ليتصالح مع حقائق الوحي والعقل. ولقد خبر المتصوفون المسلمون مفاهيم وحدة الوجود القادمة من الرؤى الدينية الشرقية –خاصة الهندية- وحقنوا بها الفكر في العالم الإسلامي. وعلى صعيد آخر نزل الفقهاء المسلمون الأحكام الواردة في النصوص على الواقع الاجتماعي وطوروا مدارس عديدة للتشريع الإسلامي. هذه الحيوية الفكرية يمكن من خلالها رؤية الطريق المزدوج الذي فتحته الحضارة الإسلامية والذي أثرت من خلاله وتأثرت بحضارات العالم الأخرى. ولكن في ثلاثة مجالات: نظام الحكم، والاقتصاد، والعلاقات الخارجية، تبنى التطبيق الإسلامي لحد كبير الأنظمة التي طورتها الحضارات الأخرى. فأصبح نظام الحكم بعد فترة ابتدائية قصيرة نظاما ملكيا توسعيا، كما أصبح النظام الاقتصادي إقطاعيا – رأسماليا، وكانت العلاقات الخارجية علاقات حرب باردة مع الإمبراطوريات المعاصرة. وقبل أن تسود هذه النظرة العملية Pragmatic احتجت عليها أصوات مثالية عديدة. وقد نبه أبو ذر الغفاري إلى ظهور النمط الإقطاعي- الرأسمالي واحتج عليه بشدة، بينما نبه الخوارج إلى خروج السياسة عن حظيرة الدين إذ كانوا يرون أن الدولة في الإسلام دينية. ومن الثابت أنه ليس في الإسلام نظام حكم معين ولكن هناك مبادئ أساسية عامة يجب الالتزام بها وتحقيقها مثل المشاركة (الشورى) والعدل.. وهكذا. ولا نظام اقتصادي معين، وإنما مبادئ عامة مثل إيجاب زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع. وتجاهل تلك المبادئ الهادية يولد الاحتجاجات المستمرة للمصلحين والثوريين. في التاريخ المعاصر، تجدد قلق المسلمين في بداية القرن العشرين حول أوضاعهم. فالخلافة الإسلامية تم إلغاؤها عام 1924. ومهما كانت عيوبها، فإنها كانت تشكل رمزا معنويا حاميا للمسلمين في نظر الكثيرين. وفي شبه القارة الهندية تملك القلق أبا الأعلى المودودي على المسلمين الذين تغمرهم أغلبية هندوسية مما دفعه لصنع درع فكري بناءً عليه: الإيمان بالله يعني الإيمان بقدرته الكلية والتي تترجم سياسيا إلى مبدأ الحاكمية وهو ما يعني أن السلطة والتشريع وغيرها لله وحده، والمؤمنون بهذا الاعتقاد هم حزب الله ومن عداهم حزب الشيطان. وفي مصر: اصطدمت حركة الأخوان المسلمين بالسلطة الثورية للرئيس جمال عبد الناصر، وتعرضت مرتين لقمع شديد، وتحت ظروف المرارة والإحباط طور بعض قادتها –وخصوصا الأستاذ سيد قطب- موقفا احتجاجيا راديكاليا واستندوا بشدة على أفكار المودودي. وفي إيران طبق الشاه رضا خان وابنه محمد برنامجا علمانيا متطرفا، وكانت المؤسسة الدينية الشيعية مستقلة نسبيا فتصدت لسياسات الشاه وأنتجت أيديولوجية الإمام الخميني الإسلامية الراديكالية. هؤلاء الثلاثة: المودودي، وقطب، والخميني أصبحوا المصادر المعتمدة للفكر الديني للإسلام الهجومي militant. ومن حينها أخذت حركات الإسلام الاحتجاجية أيديولوجيتها من هذه المصادر. لقد أخذت الجبهة الإسلامية القومية في السودان في فترة تكوينها الأولى موجهاتها من منابع الأخوان المسلمين المعتدلة، ومن المثال الشيوعي في تنظيم القوى الاجتماعية الحديثة، وحتى من حزب الأمة في تطوير جناح اقتصادي لمساندة نشاطه السياسي وفي تكتيكات الضغط الشعبي للتأثير على القرارات السياسية. هذا الاقتباس خدمها كثيرا وطورها لتصبح تنظيما سياسيا جيد التنظيم، معتدلا وناجحا. وتدريجيا تأثرت بحركات الاحتجاج الإسلامية الراديكالية والتي سادت مجتمعات المهاجرين المسلمين في الغرب.. هذه النزعة الراديكالية جرتها لعمل الانقلاب ولونت البرنامج السياسي لنظام "الإنقاذ" الذي أنشأته، فطلبت من المسلمين في السودان التسليم ببرنامجها الحزبي وإلا فسوف يتم تصنيفهم أعداء لله ويتم قمعهم بلا هوادة. أما غير المسلمين فيجب عليهم قبول النظام الجديد وسياساته الاسلاموية وإلا فسوف يكونوا هدفا للجهاد. ثقافة العنف: التركة الثانية المهمة من تركات نظام "الإنقاذ" هي تأسيس ثقافة العنف في السودان بمقاييس غير مسبوقة، وتعطي النقاط التالية مثالا شديد الدلالة على حجم المشكلة وتفشي هذه الثقافة بسبب "الإنقاذ": القوات المسلحة: لكي تساند البرنامج العسكري للنظام فقد تم تعديلها لتصبح طرفا في الأيديولوجيا الجديدة. تم إنشاء قوات شبه عسكرية أخرى مثل قوات الدفاع الشعبي وصار عدد التنظيمات العسكرية وشبه العسكرية 7 تنظيمات. صار عدد المليشيات القبلية المسلحة 10 مليشيات. تصاعدت الحرب الأهلية وصارت أكثر مرارة بدخول العامل الديني. ولتدجين المواطنين المدنيين أنشأ النظام خمسة تنظيمات للبوليس والأمن متجاوزا قوات الشرطة القومية. دفع تجييش السودان المعارضة للاستجابة بنفس الطريقة فحملت السلاح لتكون مع الجيش الشعبي لتحرير السودان 10 جماعات عسكرية أخرى. الارتباط بالإرهاب العالمي: التركة الثالثة لنظام الإنقاذ هي ارتباط السودان بالإرهاب العالمي. الإرهاب هو استخدام العنف لتقويض سلطة شرعية أو لترويع المجتمع المدني.لقد قادت الأيديولوجيا الإسلاموية المتطرفة إلى تكاثر حركات الاحتجاج الراديكالية. وانتظمت هذه الحركات في شبكات قومية وإقليمية وعالمية بدرجة عالية من التخطيط والتنسيق المتبادل، وأصبح السودان مركزا مهما لمجموعات كثيرة من هذا النوع وأعطي الجواز السوداني للعديد من الأجانب للتغطية عليهم ولتسهيل تنقلهم بينما تورط سودانيون في عدد من الأحداث الإرهابية على نطاق العالم. وهكذا أورثت "الإنقاذ" السودان صيتا سيئا وتركة خبيثة. الدولة الشمولية: وسيرا على خطى مايو أقامت "الإنقاذ" الدولة الشمولية الثانية في السودان الحديث بكل مقوماتها: الأيدلوجيا الرسمية- الحزب المتسلط- الدولة البوليسية..الخ. ومع ذلك فهناك فروقات كبيرة بين النظامين المايوي و"الإنقاذي": فالنظام المايوي كان حكما للفرد بينما "الإنقاذ" حكم أقلية أخطبوطية. النظام المايوي مارس قمعا رسميا بينما "الإنقاذ" مارست قمعا انتقاميا. النظام المايوي كان متأرجحا في أيديولوجيته، بينما نظام "الإنقاذ" أحادي التفكير.
الأداء الاقتصادي:

محمد حسن العمدة
05-12-2006, 10:36 AM
الأداء الاقتصادي التركة الخامسة المؤذية للسودان هي تحطيم الاقتصاد الوطني. وللوقوف على حجم التردي والدمار الذي أحدثته "الإنقاذ"في الاقتصاد الوطني فإننا نجري هنا بعض المقارنات: تدني الإنتاج الزراعي والصناعي بالمقارنة مع مستوياته في سنوات الديمقراطية، وقد نشر هذا في دراسة مقارنة مأخوذة عن المعلومات الرسمية المنشورة. هبطت الصادرات في عهد "الإنقاذ" إلى نصف قيمتها خلال العهد الديمقراطي. عجز الميزانية الديمقراطية الداخلي لعام (88-1989م) بلغ بليون جنيه بينما بلغ العجز في ميزانية "الإنقاذ" الأخيرة (79-1998م) 300 بليون جنيه. عجز الميزانية الديمقراطية الخارجي لعام (88-1989م) بلغ 700 مليون دولار بينما العجز الخارجي في ميزانية "الإنقاذ" الأخيرة (97-1998م) بلغ أكثر من 2000 مليون دولار. دعم ميزان المدفوعات الخارجي في العهد الديمقراطي بلغ 800 مليون دولار سنويا ودعم التنمية بلغ 3,5 بليون دولار، بينما توقفت كل هذه الأشكال من المساعدات الخارجية، وإن زادت المساعدات الخارجية الإنسانية. ولتغطية عجز الميزانية الداخلي اتجه نظام "الإنقاذ" للاستدانة من النظام المصرفي ولطباعة النقود بمعدلات فلكية: فصارت الكتلة النقدية في 1998م 1600 بليون جنيه، بعد أن كانت في 1989م 17 بليون جنيه. ولتجسير الفجوة في الميزان الخارجي اتجه نظام "الإنقاذ" لشراء الدولار من السوق الأسود ونتيجة لذلك أصبح سعر الدولار في 1998م 2400 جنيه، بينما كان في عام 1989م 14 جنيه. وقاد التضخم مع تدني قيمة العملة إلى ارتفاع الأسعار في المتوسط خلال العقد الأخير إلى نسبة بلغت 4000% بينما ارتفع الدخل بنسبة 500% فقط. وتوالت النتائج الكارثية للحقائق السابقة، وبمعدلات لم يشهدها السودان على طول تاريخه: الفساد – انهيار القيم الأخلاقية- تمدد حزام الفقر ليشمل 95% من المواطنين السودانيين يعيشون تحت خط الفقر- هجرة تصيح: الجحيم هو السودان، سببها قمع الدولة البوليسية وسياسات الإفقار الاقتصادي. ونسبة لعجز الميزانية ولتوقف العون الخارجي الموجه للتنمية، فقد توقفت التنمية الاقتصادية في السودان واستمر الدين الموروث من النظام المايوي في الارتفاع خلال الفوائد المركبة ليصبح 20 بليون دولار. الخداع: كانت الفطرة التي ولد عليها مولود الجبهة الإسلامية القومية غير الشرعي في 30 يونيو 1989م هي الخداع. فمنذ يومه الأول درج انقلاب الجبهة القومية والنظام الذي صنعه على المخادعة بصورة منهجية، إذ قام الانقلاب نفسه على خدعة استغل فيها صناعه التنوير الذي قدمته القيادة العليا للجيش فيما يتعلق بمذكرة فبراير 1989م ليوقروا في الوهم أن إنقلابهم هو استلام للسلطة بواسطة القيادة العليا للقوات المسلحة. وذهبوا في هذا المنحى المخادع، فألقوا القبض على كل قيادات الأحزاب بما فيهم قادتهم. وخاطبوا الأمة بخطاب علماني في بيانهم الأول إمعانا في التمويه، واستمر نهجهم المخاتل المخادع في كل تفصيل من تفاصيل أدائهم اليومي قل أو كبر. وطال ذلك الخداع حتى قيادة الانقلاب والنظام فلم يعد يعرف من الحاكم وما هي الجهة التي تصنع القرار!.. مع أن النظام يتدثر بالشعار الإسلامي، ومن المعلوم أن الإسلام يقيم هذه العلاقة –بين الحاكم والرعية- على أساس من الوضوح والمباشرة يدخل فيه الحاكم في عقد شخصي مباشر مع مواطنيه (البيعة).. هذا السلوك المتواصل في الخداع والمراوغة جعل الشعب السوداني يرى فيها معكوس مقولة الصديق عن النبي(ص): إن كان قال فقد صدق.. فأصبحت: إن كانت "الإنقاذ" قالت فقد كذبت!. السياسة تجاه الجنوب: التركة الأخيرة والمهمة من تركات نظام "الإنقاذ" هي سياسته تجاه الجنوب، ويمكن تلخيص هذه التركة الكارثية في خمس نقاط: أجهض النظام بانقلابه عملية السلام المتقدمة والتي وصلت تقريبا إلى نهايتها. اتخذ النظام هوية أيديولوجية-ثقافية ضيقة التعريف للسودان حصرته في الهوية العربية الإسلامية واستبعدت الهوية الثقافية للمواطنين الآخرين، فقمعت ووسعت حدة المقاومة لدرجة غير مسبوقة. أضفى النظام صبغة دينية على الحرب الأهلية فاستقطبت سياسة الجهاد المجتمع السوداني وانداح أثر هذا الاستقطاب إقليميا بمجهود النظام السوداني في إيقاظ واستغلال التباين الديني داخل أراضي جيرانه. وباعتقاد النظام أنه مالك الحقيقة الوحيد وبتقديسه للذات وتمحوره حولها وبعدم مقدرته على تقدير الآخر والحوار معه، حول النظام حواراته مع الآخرين إلى حوار طرشان. دخل النظام في مفاوضات السلام في بادئ الأمر مع الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان عبر وساطة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر كتمرين علاقات عامة إذ لم تكن للنظام أي خطة سلام. وكان ذلك واضحا في مداخلات أعضاء وفده المتناقضة. ثم أصبحت الوفود التي يرسلها النظام للمفاوضات اللاحقة تعمل بإصرار على جر الطرف الآخر لقبول برنامج الجبهة الإسلامية القومية نحو الجنوب. وقد أفضت المفاوضات التي رعاها كارتر إلى لا شئ وشاركتها في عدم الجدوى ثلاث جولات أجريت بأبوجا بوساطة الحكومة النيجيرية. وفي 1993م شجع النظام شركاءه في الإيقاد للتوسط فقبلت الإيقاد رعاية المفاوضات مفترضة النسق المألوف المعتاد من عدم الجدوى التي تصير إليها محادثات الطرفين. ولكن في عام 1994م تقدم الراعون في الإيقاد بخطوة إيجابية إذ اقترحوا إعلانا للمبادئ دعوا الطرفين لقبوله وقد نصت نقاط الإعلان الست على سودان موحد متعدد الثقافات والأديان، ديمقراطي، علماني يجب الاتفاق عليه وإذا فشلا في ذلك يتحتم منح الجنوب حق تقرير المصير. وقد قبلت الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان فورا إعلان المبادئ بينما رفضه نظام الجبهة الإسلامية القومية بشدة.

***
القسم الثاني السودان اليوم

محمد حسن العمدة
06-12-2006, 08:48 AM
****************************************

محمد حسن العمدة
07-12-2006, 06:53 PM
القسم الثاني
السودان اليوم
يعنى هذا القسم بتوصيف الوضع الراهن في السودان و يغطي رؤية التجمع الوطني الديمقراطي حول الخروج من المأزق السوداني (مقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية) وسياسات النظام التي استجاب بها للموقف الجديد (اتفاقية السلام من الداخل والدستور الجديد)، ثم يورد الطرق المحتملة لإسقاط النظام وإمكانية التحول الديمقراطي. الباب الأول رؤية التجمع عقد التجمع الوطني الديمقراطي –المظلة الجامعة للقوى السياسية السودانية بما فيها الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان- العديد من المؤتمرات الموفقة في نيروبي أبريل 1993، وشقدوم ديسمبر 1994م، والتي توجها مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية في يونيو 1995م. قرارات مؤتمر أسمرا اتخذ مؤتمر أسمرا قرارات مصيرية نشرت في 23 يونيو 1995م، يمكن تلخيص أهم تلك القرارات فيما يتعلق بحقوق الإنسان تحت ثلاثة عناوين: تقرير المصير: حق تقرير المصير حق طبيعي ديمقراطي للشعوب وينبغي ممارسته في مناخ من الشرعية والديمقراطية وتحت إشراف دولي وإقليمي. لشعب جنوب السودان –بحدوده القائمة في أول يناير 1956م- أن يمارس حقه في تقرير المصير قبيل انتهاء فترة الانتقال. أما مناطق جبال النوبة والانقسنا ومنطقة أبيي فإن حقوقها ستحدد وفق إجراءات معينة. أما فيما يتعلق بمحتوى تقرير المصير فإن الخيار فيه سيكون بين الوحدة –في شكل فيدرالي أو كونفدرالي- أو الانفصال. يجب أن يتم تقرير المصير بعد فترة انتقالية يتخذ خلالها التجمع الوطني الديمقراطي التدابير الكفيلة ببناء الثقة وإعادة هياكل دولة السودان على نحوٍ يجعل الوحدة الخيار الأفضل. الدين والدولة: لا بد أن تحكم علاقة الدين بالدولة الأسس الآتية: تضمّن حقوق الإنسان كما عرّفتها المواثيق الإقليمية والدولية في دستور السودان. تؤسس الحقوق والواجبات القانونية على المواطنة، كما يمتنع التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو النوع أو الثقافة. تحترم الدولة المعتقدات الدينية للمواطنين والتي ينبغي أن تمارس في جو من التعايش والتسامح المتبادل. كما لا يجوز لحزب سياسي أن ينظم على أساس ديني. إسقاط نظام "الإنقاذ" : تتضافر الجهود وتتصاعد لإسقاط نظام الخرطوم- بما فيها العمل العسكري. أما بقية القرارات فقد تعلقت بشكل الحكومة الانتقالية، اللامركزية، وعلاج القضايا الإنسانية، وهيكل التجمع، ومقومات سودان المستقبل.. علاوة على ذلك فقد فتحت مقررات أسمرا مجالا للتحول الديمقراطي السلمي عبر عملية الإيقاد. الباب الثاني حلول النظام: السلام من الداخل والدستور استثمر النظام السوداني سقوط نظام منقستو في 1991م، فأحرز تقدما عسكريا في الفترة ما بين 91-1994، واعتقد أن بإمكانه حسم الحرب الأهلية في الجنوب عسكريا، لذلك فقد تشنج في رفض إعلان المبادئ الذي قدمته دول الإيقاد في 1994م وفي شجب قرارات أسمرا في يونيو 1995م واعتبرهما خيانة للدين والوطن. ولكن التطورات التالية دلت على الفشل التام لسياسات النظام: جمعت قرارات أسمرا المصيرية كل القوى السياسية السودانية المعارضة حول برنامج سياسي وبرنامج عمل موحد. كما أن موقف النظام السلبي من إعلان المبادئ قارب بين دول الإيقاد وبين التجمع الوطني الديمقراطي، هذان العاملان أديا إلى تصاعد العمل العسكري المضاد للنظام، وإلى نشوء جبهتي قتال جديدتين: في الشمال الشرقي وفي الجنوب الشرقي. وجدت الأنشطة المعارضة للنظام داخليا منذ قيامه، ولكن، لأول مرة في عمر النظام قدمت له القوى السياسية بالداخل مجتمعة مذكرة مشتركة في أبريل 1996م، ذكرت المذكرة فشل سياسات النظام وطالبت بتنحيه عن السلطة، بل وساندت كل قرارات أسمرا ما عدا المتعلقة بالجانب العسكري. أسفر هذا الجو السياسي المتوتر عن مظاهرات للطلاب في سبتمبر 1996م. وليتجاوز النظام عزلته اليائسة، ويغطي عجزه حيال قضيتي السلام والتطور السياسي نفذ خطة جديدة تستند على محورين: الأول: مراجعة موقفه من إعلان المبادئ، والقيام بعملية سلام من الداخل يقبل فيها حتى بعض قرارات أسمرا التي كان قد تشنج في إدانتها من قبل. الثاني: مخاطبة نداءات التطوير السياسي بالدستور الجديد. ونتيجة لذلك عقد النظام اتفاقية السلام من الداخل مع سبعة من الفصائل المنشقة في أبريل 1997م، كما نشر مسودة لدستور جديد يكون ساريا في يناير 1999م. لقد توحدت المعارضة السودانية في رفضها للمشروعين، فما هي الأسباب؟ اتفاقية السلام من الداخل: لا شك أن هذه الاتفاقية تحوي عدة إيجابيات منقولة من قرارات أسمرا هي: 1/ الفصل الثالث (3-2-1): المواطنة هي أساس الحقوق ويشارك جميع السودانيين بحكم مواطنتهم على وجه المساواة في المسئوليات السياسية. 2/ الفصل السابع (7-10- 1إلى : يقر ممارسة مواطني الولايات الجنوبية لحق تقرير المصير في استفتاء حر وعادل تشرف عليه هيئة الانتخابات العامة أو لجنة خاصة به، ويتم تحت مراقبة منظمة الوحدة الأفريقية، جامعة الدول العربية، الأمم المتحدة، كيانات دينية، دول الإيقاد، منظمات طوعية سودانية ودولية وأي دول أخرى.. يتم فيه الاختيار بين الوحدة والانفصال. ولكن تلك الإيجابيات ذهبت أدراج الرياح بل انقلبت لنقيضها بسبب الآتي: العناصر الجنوبية الموقعة على الاتفاقية منشقة عن تنظيمين أساسيين هما: الحركة الشعبية لتحرير السودان، واتحاد الأحزاب السودانية الأفريقية (يوساب). أي أنها عناصر أقلية. أعطت الاتفاقية تلك العناصر حقوقا سياسية ودستورية وإدارية جعلت لها اليد العليا فيما يختص بقضية السلام. مما يعني وقوع أي تفاوض مع تنظيمات الأغلبية تحت رحمة تلك اليد العليا وأيلولته إلى الفشل. ففي الفصل الخامس من الاتفاقية (5-1-أ إلى د) يرد وصف لتكوين المجلس التنسيقي للولايات الجنوبية من الفصائل الجنوبية الموقعة على الاتفاقية، وظائف ذلك المجلس هي :الإشراف العام على تطبيق الاتفاقية وكل ما يتعلق بالسلام. وفي الفصل الثامن (8-2-أ) يرد: لا يجوز عرض أي تعديل في نص هذه الاتفاقية على المجلس الوطني بدون الرجوع لمجلس التنسيق. وهذا يوصد الباب أمام الاتفاق مع التيارات الأم: الحركة الشعبية ويوساب، فكيف يعقل أن يوافق القلب على تحكم الأطراف، أو أن تقاد الدابة جرا من ذيلها!. فكرة تقرير المصير كما جاءت في قرارات أسمرا 1995م توجب قيام فترة انتقالية –تخاطب فيها كل مظالم الماضي، وتجري إصلاحات هيكلية معينة، لا مجرد إتاحة المشاركة في المؤسسات القائمة. إن تقرير المصير حسب مقررات أسمرا يعطي الوحدة فرصتها الأفضل، أما إجراؤه تحت نير سلطة الجبهة بطرحها الأحادي الأيديولوجي الضيق وتعريفها القاصر للهوية الثقافية السودانية فسيؤدي حتما للانفصال ولعلاقات متوترة بين دولتي الشمال والجنوب المنفصلتين. تجئ الاتفاقية ضمن بناء دستوري غير ديمقراطي تطاله تقلبات السلطة المتجبرة على نحو ما فعله نميري ببنود اتفاقية أديس أبابا وبدستور 1972م. أمر آخر يجمع هذه الاتفاقية مع التجربة النميرية وهو الهشاشة والضعف الملازمين لأي اتفاق تبرمه أقليه غير شرعية في غياب ممثلي الشعب الشرعيين. الخلاصة: اتفاقية السلام من الداخل ليست اتفاقية سلام: إنها مشروع للانفصال ومدخل لحروب دائمة بين قبائل الجنوب ولحروب حدودية بين دولتي السودان المنفصلتين. لا بديل عن اتفاق سلام شامل تشارك فيه القوى السياسية التي تمثل السودان بكل ألوان طيفه السياسي، ولا بد من تضمين هذا الاتفاق دستور البلاد الشرعي.
الدستور الجديد:

محمد حسن العمدة
12-12-2006, 03:40 PM
الدستور الجديد: لا يحقق الدستور الذي بدأ العمل به في يناير 1999م تطلعات السودانيين للأسباب التالية: لأنه مولود غير شرعي، فقد أوكل النظام أمر كتابته للجنة عينها وسماها "اللجنة القومية لكتابة الدستور" قاطعت القوى السياسية السودانية هذه اللجنة وإن كانت ترى أن رئيسها وكثيرا من أعضائها لا يمكن دمغهم بالجبهوية. نفس الشيء ينطبق على اللجنة الفنية للدستور. وقد قدمت اللجنتان مسودة الدستور والتي غيرها النظام من دون أدنى مراعاة للجنتين، وأبدلها بدستور يحمل أنفاس الجبهة الإسلامية ورؤيتها الضيقة، وهرع به إلى المجلس الوطني ليبصم عليه، ويعرضه على استفتاء صوري لم يسمع به المواطنون دعك عن المشاركة!. لقد كانت مسودة الدستور التي قدمتها اللجنة القومية متقدمة كثيرا على تلك التي عرضت على المجلس الوطني، ولكنها كانت معيبة فيما يختص بالآتي: المادة 6: استصحبت مفهوم أبي الأعلى المودودي حول الحاكمية الإلهية الذي يفضي إلى الثيوقراطية ويتيح للبشر ممارسة سلطانهم باسم الله. ما من مؤمن ينكر قدرة الله الكلية، ولكن الحاكمية -السيادة- مفهوم سياسي وهي للشعب. وفي هذا السياق روى الطبري –المؤرخ الإسلامي المعروف- حادثة جادل فيها صحابي شهير معاوية –أول الملوك المسلمين- بألا يصف المال العام بأنه مال الله بل مال الناس. المادة 84 تنص على :"الشريعة والعرف مصدرا التشريع". يجب توسيع هذا البند ليشمل الأديان السماوية والتشريعات الإنسانية النافعة بالإضافة لما سبق، وهذا المفهوم تقره المبادئ الإسلامية ويتطلبه العقل.
• مسودة اللجنة لا تترك مجالا للمساءلة عن تجاوزات الماضي، بل تقر المواد من 203 حتى 206 وتقنن المؤسسات والأوضاع السابقة كلها.
1. استصحب الدستور الجديد كل تلك السلبيات والمآخذ وتجاوزها إلى مصادرة كل أوجه الحرية والتسامح المضمنة في مسودة اللجنة القومية، وخاصة:
I. المادة 33 التي تمنع إخضاع شخص للتعذيب والعقوبات القاسية اللاإنسانية والحاطة لكرامة الإنسان.
II. المادة 35 والتي تمنع الاعتقالات التعسفية.
III. المادة 28: والتي تكفل حق التقاضي للمواطنين أمام المحاكم الطبيعية وليس المحاكم الخاصة.
IV. المادة 30 والتي تعطي المواطنين حق الانتصاف من الظلم الإداري.
V. المادة 24 والتي تكفل حرية التنقل.
VI. المادة 45 والتي تمنع التمييز بسبب الولاء السياسي.
.. كل هذه المواد حذفت من الدستور الجديد، والأهم من ذلك:
VII. المادة 41(1) من مسودة اللجنة التي تنص على الآتي: "للمواطنين الحق في التنظيم لأغراض سياسية وثقافية ونقابية وعلمية وعلى الدولة كفالة هذه الحقوق، ويجب ممارستها عبر ضوابط قانونية مناسبة". استبدل الدستور الجديد هذا النص الواضح بالآتي:
- المادة 27(1): للمواطنين حق التوالي والتنظيم لأغراض ثقافية أو اقتصادية أو مهنية وفقا للقانون.
- المادة 27(2): يكفل للمواطنين الحق لتنظيم التوالي السياسي بشرط:
(أ) أن يقوم التنظيم على الشورى والديمقراطية في اختيار القيادة.
(ب) استعمال الدعوة لا القوة المادية في التنافس مع الآخرين.
د. المواد 6، 7، 9، 15، 17، و19 تعمم الواجبات الإسلامية على جميع المواطنين. لكل تلك الأسباب مجتمعة لفظت غالبية أهل السودان هذا الدستور الجديد.




الباب الثالث
سيناريوهات إسقاط النظام
وإمكانية التحول السياسي

محمد حسن العمدة
25-12-2006, 07:56 PM
الباب الثالث
سيناريوهات إسقاط النظام
وإمكانية التحول السياسي
في السودان اليوم استقطاب حاد بين النظام واتفاقيته للسلام ودستوره الجديد من جهة، وبين التجمع الوطني الديمقراطي وغيره من القوى المعارضة التي تعمل على إسقاط النظام من جهة أخرى.
الطرق المحتملة لإسقاط النظام:
(1) السيناريو الأول: تصعيد الضغط العسكري في جبهاته الأربع مما يمهد لإسقاط النظام على نحو ما حدث في أثيوبيا منقستو أو زائير موبوتو.
(2) السيناريو الثاني: تصعيد الضغط السياسي نحو انتفاضة شعبية على غرار ما حدث لسودان عبود 1964 أو سودان نميري 1985م.
التحول السياسي:
حدثت في العقد الأخير وما قبله تحولات سياسية ديمقراطية في العديد من دول العالم مثلا: تشيكوسلوفاكيا وبولندا في أوربا الشرقية، الأورجواي والأرجنتين في أمريكا اللاتينية، بينين والنيجر وتوجو في أفريقيا، وغيرها.. هل من أمل أن يحدث مثل هذا التحول السياسي الديمقراطي في سودان اليوم؟
مبادرة الإيقاد، منبر شركاء الإيقاد، ومذكرة التجمع بالداخل:
أ- مبادرة الإيقاد:
إن مبادرة الإيقاد وإعلان المبادئ الذي تمخض عنها تمثل أكثر الوساطات في النزاع بين نظام الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان جدية ودأبا. ولكن المحادثات التي جرت خلال سبعة أشواط لم تتقدم شبرا نحو السلام حتى بعد قبول نظام الخرطوم لإعلان المبادئ، نعم لا يزال هناك اتفاق على لقاءات قادمة تحت مظلة الإيقاد، ولكن ومنذ مبادرة الإيقاد في 1994م وحتى الآن حدثت تطورات هامة ينبغي استصحابها في المبادرة وإلا فقدت صلاحيتها، تلك التطورات هي:
• نتيجة لقرارات أسمرا يونيو 1995م، ولاتفاقية السلام من الداخل أبريل 1997م، يوجد الآن إضافة للنزاع الشمالي/الجنوبي نزاعات شمالية/شمالية، وجنوبية/جنوبية.
• تقلصت مقدرة دول الإيقاد في التصرف بروح الفريق المتعاون بسبب الحربين الإقليميتين: حرب القرن الأفريقي، وحرب البحيرات، وانفتح المجال لتحالفات جديدة وللأطراف ذات المصلحة الصيد في الماء العكر.
• بعض دول الجوار الجغرافي والحضاري والتي لم تشترك في مبادرة الإيقاد يهمها السلام والاستقرار في السودان ويؤثر عليها مما يجعلها تتطلع بحق لمشاركة مناسبة.
• إن مبادرة الإيقاد حتى إذا أمكن إحياؤها تخاطب اثنين من أطراف النزاع وتغفل الآخرين ولكن أهم عيوب المبادرة أنها تعطي الجبهة الإسلامية القومية حق تقرير مصير السودان. إن أجندة الجبهة الأحادية الحزبية الضيقة لا تدع خيارا لمن يرى الهوية السودانية في ظل التعددية والتنوع، سوى الانفصال. إن احتمال الانفصال عقب ممارسة ديمقراطية عبر استفتاء حر ونزيه صار واردا ومقبولا لدى كافة القوى السياسية السودانية، ولكن تقرير المصير إذا تم إبان سلطة الجبهة، فلن يؤدي للانفصال الحتمي وحسب، بل سيؤدي إلى حروب قبلية جنوبية جنوبية، وحروب أخرى بين قبائل التماس، أما العلاقة بين نظام الجبهة بعد تخلصه من كعب أخيل، وبين دولة الجنوب المنفصلة، فستكون أسوأ من علاقته الحالية بدول الجوار.
إذن فمبادرة الإيقاد بشكلها الحالي ليست مسلكا صالحا نحو السلام والاستقرار في السودان.
ب- منبر شركاء الإيقاد
انعقد منبر شركاء الإيقاد (وهو منبر لأعضاء المجتمع الدولي التالي ذكرهم: مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرىG7، الدول الاسكندنافية ومصر) في روما في نوفمبر 1998م. وقام خلال لجنته الوزارية بالسعي لسد عجز تحرك دول الإيقاد، ومع أن عمل شركاء الإيقاد يتم تحت مظلة الإيقاد، إلا أنه سيضيف للمبادرة الإقليمية صبغة دولية. ومن ناحية أخرى فإن أربعا من المنظمات الطوعية الدولية الشهيرة هي: أوكسفام- أطباء بلا حدود الفرنسية- كير CARE، ومنظمة حماية الطفولة، عبرت عن إحباطها بسبب المأساة الإنسانية السودانية المتفاقمة بسبب انهيار عملية السلام باعتباره المفتاح الرئيسي لحل تلك المأساة. تقدمت تلك المنظمات في ديسمبر 1998م بخطاب إلى الأمين العام للأمم المتحدة جاء فيه (يتطلب الدور السياسي الأنجع، ضمن أشياء أخرى، تعيين ممثل دائم للأمين العام للأمم المتحدة، وتوجيه الضغط الدولي نحو تدعيم عملية الإيقاد والتكامل معها).
وإذا فشلت الأطراف المتنازعة في التخلي عن مواقفها المتصلبة، وشلت الوسائط الإقليمية، فإن المأساة الإنسانية السودانية المتصاعدة ستؤدي حتما إلى تدويل قضية السودان.
ج- مذكرة التجمع الوطني بالداخل
في التاسع والعشرين من ديسمبر 1998م قدم التجمع الوطني الديمقراطي بالداخل بالاشتراك مع أحزاب معارضة أخرى، ونقابات وشخصيات وطنية بارزة مذكرة لنظام الخرطوم. ولقد مثلت المذكرة الرؤية السودانية للتحول الديمقراطي السلمي، جاء فيها الآتي: إن الخروج ببلادنا من أزمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والأخلاقية وقفل باب العنف السياسي وخلق المناخ لوحدة وطنية حقيقية تسد الطريق أمام التدخل الأجنبي في شئون بلادنا، لا يمكن أن يتحقق إلا بتكوين حكومة قومية انتقالية يرتضيها الشعب وتمثله وتكون أوجب مهامها:
I. تصفية دولة الحزب الواحد لصالح دولة السودان الوطن الديمقراطي الجامع.
II. عقد مؤتمر دستوري يضم جميع الأطراف يعمل على:
1/ إقرار اتفاق سلام شامل وعادل ودائم يضع حدا للاقتتال ويقر حق تقرير المصير لأهلنا في الجنوب في مناخ ديمقراطي.
2/ وضع أساس ديمقراطي راسخ ومتين لحكم البلاد.
3/ وضع أسس عادلة لمساءلة شاملة لكافة المخالفات التي اقترفت في حق الشعب.
4/ وضع أساس متين للعلاقات الخارجية.
5/ وضع الأسس والقواعد اللازمة لإجراء انتخابات عامة.
III. إجراء الانتخابات العامة تحت رقابة إقليمية ودولية وتسليم السلطة فورا للحكومة المنتخبة.
إن المزاج السوداني على صعيد الفرد والمجتمع مشدود لقيم التسامح والاعتدال المتسقين مع النظام الديمقراطي في الحكم. ويبدو أن السودان على موعد مع الديمقراطية لن يخلفه. فعلى الرغم من قصر فترات الحكم الديمقراطي في السودان وتطاول أعمار الديكتاتورية إلا أن الديمقراطية تبدو كأنها القاعدة والدكتاتورية هي الاستثناء. وإنك لترى النظم الديكتاتورية في السودان –ومنها النظام الحالي- تضطرب في مقعدها اضطراب الجالس على أسنة الرماح، وتصحو مذهولة كل صباح كيف أمكنها البقاء!
يشهد العالم الآن هبة ديمقراطية جعلت النظم الديمقراطية تتساقط كأوراق الخريف، إذن فالاعتبارات الوطنية والمناخ الدولي يؤكدان لا محالة بأن نظام طغمة الخرطوم إلى زوال. أيكون ذلك عبر إسقاط النظام أم من خلال التحول السياسي لا أحد يعلم، ولكن المؤكد أن فجر التحول الديمقراطي قد آذن بانبلاج، وأنه سيتم عبر فترة انتقال.

***
القسم الثالث
ضرورات الميلاد الثاني