مشاهدة النسخة كاملة : *** مقتطفات منوعة من ارشيف سودانيات ***
imported_فيصل سعد
06-01-2008, 01:20 PM
الخميس سبتمبر 22, 2005
عصمت العالم عبد الرحمن
وانحتى بروفايل عشقى اليك..على وجه القمر..!!
هل فكرت يوما..ان تنحتى..على افق اللحظة..تشكيل الحس.. وان تمنحيه من عتق عمق سكون الفنان..لمحة من أكليل..أنبثاق الفكره..وتسكبى شلال ..عشق زمن قدرنا..
وتستنطيقين من صمت ملامح ما شكلت..حقيقة الكلام..ومشهدا...من صدق الحديث..
وأطر.رونق ..منحتيه من ديكور استلهامك.المدى..وخلفية من رشق حسك الاذابة والسحر..هل يفلت النهار من غياهب المساء والسهر.وهل يحتضر ضىء تلك المصابيح
الضياء...عند وثبة الفجر.. وهو يوزع قطرات كل ذلك الضياء..ليخرج النهار من رحم دفق ذلك الصباح...وينتشر..على مدى الابصار...هل علقتى رسمك على رسمى.ومضيت اسمى على اسمك..ولونت كل تلك الزوايا ..برغبة حبى .لبنفسج اللون الموشى على افراح نطق الحب..وذلك الاخضرار.حيث احس خرير الجدول الرقراق.وهو يجرى على صبا الشوق الصبابه..ويندلق على خبايا حس خفق النبض حين تعتريه لهفة الاشواق...
اتركى الالوان تعربد كما تشاء .بلا قيود ...دعيها ترقص رقصة المساء على انامل..ما دفقت..منها اليك..بحس ايقاعها الدفيق...دعيها تستفيق .وهى مترعه..من فيض حسك الانيق..ونشوة المساء حينما منحتها من رقيق حسك الشفيف..أسرار ابداعك الوحى..والهيام..والرؤى...
ولننتظر فى معرض الهوى.حين تعرضين ..لوحة..جموح ذلك الهوى..واعصاره الاشتياق والحنين...
وانت ترسمين..توقف فيدياس
كى يرى..ماذا تخط فرشاتك الهوى.
وانقطعت انفاسه..ولم يعد يستيبين..
قد اغرقته امواجك الحنين..
وانت تدلقين..امتداد النهر..
انه الحياة....
واحس ان خفق نبضه.هوى..
لانك الهوى..والحنان..ولهفة السنين
وحين تبسمين.يسقط القمر..
ويحتضر..
ويدمن السهر..وينكسر..
لانك تبرقين..
لانك البدر..
وسيدة النهار..والمساء.والسهر..
اليك . واليك..انت وحدك... فى علو سماك..وفى افلاكك المدارات.
imported_فيصل سعد
06-01-2008, 01:32 PM
الاحد مارس 27, 2005
أبوجهينة
فُرْجة .. تحت إكراه الكلب
منتجع آسبن .. ولاية كلورادو ..
ثمانينات القرن المنصرم.
غمرني هذا البياض المنتشر بلا حدود و الذي يبهر العينين .
الجليد يغطي كل شيء ..
الذي إعتاد النظر إلى غباش الأشياء صيفا و شتاءا ، من ماء النيل العكر .. و الغبار و الكتاحة .. إلى لون جدران البيوت المعطونة بزخات المطر المعانق للتراب ... و شوارعنا المتربة .. يتفاجأ بهذا الإبهار ...
الجبال هنا حتى قممها .. بيضاء ..
أسطح المنازل و مداخلها تزحمها كتل الجليد ..
فروع الأشجار تئن بثقلها الأبيض و تتساقط قطرات بتراخٍ تخفف العبء عنها ..
جرافات الثلج العملاقة في حركة دؤوبة ..
في الطائرة من ( دنفر كلورادو.. حيث كنت أسكن ) إلى منتجع ( آسبن ) للتزلج التي أتيتها بدعوة من صديقي الأمريكي الأسود ( هارولد ) .. رحت أحدق في منظر المنتجع ذو الشاليهات الخشبية ترقد في إستكانة في حضن الجبال المكسوة ببياض الثلج.
الدخان يتصاعد من المداخن يتلوى في كسل كالأفاعي ... لتنتهي إلى لا شيء في الفضاء ..
الأشجار تبدو و كأنها أذرعة غرقى تتشابى طلبا للنجاة وسط خضم زخات الثلج المتراكم .
ركاب الطائرة خليط من عدة أجناس و أعمار ، لا حديث لهم إلا عن التزلج و عن الطقس.
ظننت أن المنتجع سيكون كثلاجة كبيرة ، لذا أخذت معي كل ما أملك من ملابس صوفية و جوارب و أغطية رأس و قفازات ، و لكنني فوجئت بأن وقت تراكم الجليد لا يكون الجو باردا بقدر ما هو عند ذوبان الجليد.
أحب عندما أن يكون الجو باردا التدثر بالصوف و الملابس الثقيلة ،، فالإحساس بالدفء شعور يجعلني أحس بأنني في صحة و عافية بدرجة عالية ،، أو كأنني محاط برعاية شخص حميم ...
ما زال صديقي يغط في نوم عميق ...
تمتد صداقتي لهذا الإفريقي الأمريكي لأكثر من خمسة أعوام و حتى يومنا هذا ..
عفوي ، و مؤدب ، كريم و شهم ، أحس أحيانا كأنني أعرفه من السودان ....
عندما أتى لزيارتنا في أسبانيا ذات صيف ضمن فريق عمل ، تكفلت بأن أكون دليله في البلدة السياحية الصغيرة ( ماربيا ) بمنطقة الأندلس قبالة السواحل التونسية ، و سكن معي في السكن المخصص لي ...
من دون أغنياتنا التي تذخر بها مكتبتي الموسيقية .. كان يترنم بلكنة محببة بمقدمة أغنية الطير المهاجر .. أَحَبّها أكثر عندما ترجمتُ له كلماتها و حدثته عن شاعرها و مغنيها ..
و هاهو يرد تلك الضيافة بهذه الرحلة ... أتى خصيصا من لوس أنجلوس ..
أمازحه دائما بأن أصوله لا بد أن تكون أثيوبية .. فهو كثير الشبه بالجمايكيين .. بشعره المجدول كضفائر ستيفي واندر ..
يرد بضحكة قصيرة ، فهو قليل الحديث ..
إلتفتتْ شابة تجلس أمامي تسألني عن أيهما أرخص : الشاليهات أم الفنادق ..
تجاهلت سؤالها و كأني لا أجيد الإنجليزية .. رغم أنها إستمرتْ بإنتظار الإجابة ..
هنا لا يغضبون إن لم تجب على السؤال أو إن تجاهلت السائل ...
شردت بعيدا بأفكاري ..
تملكني إحساس غريب و أنا أتأمل كتل الجليد ،، تذكرت تلال رمالنا في قريتي بالشمال في مقارنة تلهث خلف الذكريات البعيدة ..
تلال من رمال بلون الشفق تمتد إلى مالا نهاية ..
نهرع إليها يوم الجمعة حفاة الأقدام ، تسبقنا صيحاتنا ..
تكون الرمال باردة عند زوال الشمس ،، تجعلنا ننسى حرارة الجو التي تلهب أرجلنا طيلة النهار.
قفزت صورة ( زبيدة ) إلى مخيلتي ،، بضفائرها الطويلة ،، دائما ترمح في المقدمة بقوامها النحيل و شعرها الأسود المسترسل بهمجية يتطاير مع الريح و هي تطلق تعليقاتها دونما توقف .
نتدحرج على الرمال في عبث طفولي .
الرمال تملأ الجيوب و العيون.
مشاعر الحب في قلوبنا الصغيرة البريئة نترجمها إلى إهتمام و عناية برفيقات الطفولة.
تخيلت جموع السياح الذين في الطائرة يتدحرجون معي على تلك الرمال النقية ،، و يأكلون (الدفيق ) ،، و يشربون من ماء النيل العكر بطميه الداكن، و ينصبون الفخاخ و الشراك للعصافير و القماري ، و يأوون معنا الى بيوتنا عند مغيب الشمس ، لينتهي اليوم ، فتنام القرية في سبات لا يقطعه إلا نباح كلاب بعيدة أو نقيق ضفادع على حواف الجداول.
تخيلتهم يستريحون في راكوبة ( جدو فرح ) في انتظار صينية الغداء العامرة بخيرات الساقية و من عرق ( الترابلة ) ، يستمعون لتعليقات (عم حامد) عندما يسمع صوت (كبابي ) الشاى فيقول : قواديس الكيف اتطاقشن.
يتنامى الى الأسماع ليليا صوت الطمبور ينساب عبر صفحة النيل الهادئة في ليلة قمرية من الضفة الشرقية تمازج صوت كروان يجلجل صوته كايقاع متناغم مع صوت أوتار الطمبور الحزين.
أفقت من شرودي على صوت صديقي و هو يصحو على تنبيه المضيفة بربط الأحزمة إستعدادا للهبوط ..
هاى جاليليو ،، أخيرا وصلنا ؟
كان يحلو له أن يناديني بهذا الإسم.
لم نجد مكانا نسكن فيه..
الموسم في أوجه ..
مشاهير النجوم و الساسة و رجال المال و الأعمال يعج بهم المنتجع.
إقترح صديقي أن نفترق للبحث عن سكن حتى يسهل البحث عن سرير واحد بدلا من طلب سريرين في وقت واحد ..
مضى لحال سبيله بحثا عن سكن ..
وجدت بعد لأْى و جهد سريرا في غرفة مع شخصين ( رجل و إمرأة ) معهما كلب من نوع ( جيرمان شيبرد ) في حجم طفل يمشي على قدمين،، مربوط بحافة السرير بسلسلة غليظة لم تجعلني مطمئنا كثيرا ،، فقد قابلني الكلب مقابلة غير ودية و كشر عن أنياب كنصال مسنونة و عينان تقدحان كراهية .
لم أنم طوال الليل من حشرات صغيرة تشاركني الفراش و كلب يحملق بعينين تبرقان في الظلام نحوي.
كلما تحركت ،، أحدث السرير صريرا ،، فيزمجر الكلب ،، فتسكته المرأة بسيل من الشتائم و تختمها بكلمة فرنسية سوقية ، تظن أنني لا أفهمها.
عند أول شعاع من الشمس ،، بدأ الرجل و المرأة في الإستعداد للخروج ...
و الكلب يراقبني عن كثب و بشكل لصيق ، يبدأ نظراته من أخمص قدمي ثم تستقر تماما على عيني في تحدٍ سافر لا أدري كنهه ..
الرجل شاب هاديء قليل الكلام ،، و المرأة تبدو أكبر سنا و لكنها جميلة ،، حسبتها لأول وهلة احدى ممثلات هوليوود.
الحياة روتينية في هذا المنتجع ،، طوال النهار تزلج من أعلى الجبل لأسفله ،، ثم الصعود بالتيليفريك ،، و النزول ،، حركة دؤوبة و سيل لا ينقطع من المتزلجين .
في الليل تعج الحانات بالمصطافين من شتى أنحاء أوروبا و أمريكا.
تخنقك رائحة التبغ و الكحول.
دخلت غرفتي نهارا بعد أن تركت صديقي يمارس هواياته ،، و رغم أنه ظل يناديني بالحاح لكى أواصل تصويره بكاميرا الفيديو حتى يتباهى برشاقته أمام زوجته ،، إلا أنني فضلت الهروب و طلب الهدوء و الراحة.
وجدتها وحدها ..
كلبها مربوط كالعادة .. ما أن رآني حتى وقف متحفزا على قوائمه الأمامية و هو يكتم نباحا ..
زمجر فأسكتته بأشارة منها ،، فأطلق صوتا متحشرجا و كأنه يعترض على عدم السماح له بمهاجمتي.
خرج رجل ضخم الجثة من الحمام ،، يربط فوطة الحمام فقط حول خاصرته .. لم أره من قبل ..
لم يكن نفس الرجل الذي رأيته بالأمس مع المرأة ..
نظر الي غير مندهش ..
بل لم يفهم سبب دهشتي التي أجبرتني أن أنظر اليهما ،، ناقلا بصري بينهما.
تحدث مع المرأة بطريقة توحي بأنها يسألها عني أو كأنه تضايق من حضوري في هذا الوقت.
أحاطها بذراعيه ،، و أعمل فيها تقبيلا و ضما و شمّاَ و كأنه من مقاتلي الفايكينج القادمين من معركة أستغرقت شهورا لم يعاشر خلالها أنثى.
تجاهلا حضوري تماما ،، و تكفل الكلب بمراقبتي دون أن يعيرهما التفاتا.
هممت بالخروج ،، فزمجر الحيوان الرابض و كأنه يحثني على متابعة هذا العبث.
إن كان الرجل الغائب هو زوجها فمن هذا الفحل ؟
ربما عشيقها المتيم. هكذا أسكتُّ فضولي ..
القيت نظرة أخيرة عليهما و هما لاهيان في عوالم أخرى .
و إنسحبت و أنا أتلفت متوجسا خيفة من إنفلات الكلب بغتة.
في الغد .. إنسحبت من مكان التزلج إلى غرفتي مرة أخرى ..
لم يكن نفس عاشق الأمس معها .. بل كان رجلا آسيويا ..
هو أيضا لم يعرني كثير إنتباه ..
ظلا يمارسان ما بدا لهما و كأنني شبح من الأشباح المتطفلة ..
أخبرت صديقي ( هارولد ) بما يحدث ..
هز كتفيه بلامبالاة ... قائلا : بعض النساء يزداد شبقهن في هذا الفصل ..
في اليوم قبل الأخير لنا بالمنتجع .. أصيب ( هارولد ) في قدمه اليمنى ..
فأنسحب معي للغرفة يجرجر قدمه المصابة ..
وجدنا زبونا آخر معها .. كان في حجم مصارعي السومو اليابانيين..
أطلق ( هارولد ) ضحكة إستهزاء .. تجهم وجه الرجل..
قالت المرأة : What is funny Nigger ?
تقدم ( هارولد ) منها محاولا إفحامها بطريقته ..
قالت شيئا باللغة الفرنسية لم أسمعه جيدا ..
قفز الكلب أمامنا مزمجرا .. أسنانه بارزة كالنصال .. و اللعاب يسيل من جانبى فمه .. أعطى ظهره للباب و وقف أمامنا وجها لوجه.
عيناه في لون الجمر ..
قالت المرأة : لو تحرك أحدكما من مكانه فسيمزقه الكلب إربا..
ثم خلعت ملابسها قطعة تلو الأخرى في بطء يحاكي إغراء فتيات ( الإستربتيز ) ..
و جاراها الرجل في عُرْيها .. و بريق التشفي يطل من عينيه ..
وقفا أمامنا كيوم وُلِدا ..
و الكلب ينقل نظراته بيني و بين ( هارولد ) ..
أصابني الغثيان بعد أن خمّنْت ما ينويان فعله ..
رغم أن الكلب يقف حائلا بيني و بين الباب .. إلا أنني حاولت أن أخطو ببطء نحوه لأنجو من هذا الإذلال .. ..
قال (هارولد) : Do not even think about it.
لم تنقطع زمجرة الحيوان المكتومة .. أحسست أنه كان يتحين هذه الفرصة لينتقم مني أنا بالذات .. فقد كان يكن لي شعورا معاديا واضحا منذ أن رآني ..
مارس الإثنان أمامنا كل أنواع الجنس .. طبقا كل شاردة أو واردة من حيل المتعة ... و هما يختلسان النظر إلينا بين الفينة و الأخرى .. ( هارولد ) يتابعهما و كأنه يشاهد مباراة (هوكي) ..
و الكلب الرابض يحثنا بزمجرته على المتابعة ..
همس لي (هارولد) دون أن ينظر إلى : Free action
أسكته الكلب بزمجرة بوتيرة أعلى ..
و هي لا زالت مستلقية .. أمرت الكلب بنفس اللغة و بلهجة آمرة .. فركض نحوها يلعق يدها الممدودة نحوه و الرجل يربت على راسه : Good boy ..Good boy
عندما خرجا قلت لصديقي : أيمكننا مقاضاتها ؟
قال : Are you Kidding ?
ثم أضاف : سيقولان أننا دخلنا عليهما و هما في خلوة فهاجمنا الكلب.. ثم لِم تقاضيهما ؟ فقد شاهدتَ إثارة مجانية ..
و ضحك ضحكته القصيرة ..
في طائرة العودة .. مازحني ( هارولد ) كثيرا عن تلك القصة ..
كان يحاكي زمجرة الكلب كلما أراد أن يتنصَل أو يتهرب من إجابة إحدى أسئلتي ..
imported_فيصل سعد
06-01-2008, 01:47 PM
24/08/2005
عبد الله الشقليني
عَروس سِميحَة وُ بِتْ نَاس وخَدَّامَة
في ذهن ( بكري ) أنه نَمِر ، لكن حقيقة أمره عُصفور صغير في مَهب ريح الدنيا ، تركته أُمه لرياحٍ عاتية . حَدَّثَ نفسه بأنه مُقبِلٌ على عُنوسة مُفرِطة . رفيق هو بوالدته باراً بها ، واخوته أكثر من صحاب . قذفت به الدنيا إلى المملكة السعودية أواخر السبعينات ، في زمن تتغنى الأفراح المُنفَلِتة من العُرف والتقاليد :
( .. السافَر جَدَة وخلاني براي ..)
الأفق عند الهُروب من الوطن حِزمـة ألوان . الصارِخ فيها والرمادي يترافقان . حياته الجديدة في حقيقتها بُنٌ يتراقص على ( قَلاية ) تُدهِنه بالحريق . تلَطفت الدُنيا بأسرته ، فقد كان أكبر الأبناء سناً . ركِب ( السودانية ) طائرة في العُمر الجليل ، خِبرة وتفوق كما يقول الإعلان عنها ! ، و ( إن شاء الله ايروييز ) كما تقول ( سوداناو ) الإنجليزية على مُغلفها أيام ( بونا ملوال ) وزيراً للإعلام ، قبل إعفائه من المنصب بدعوى النهل من الدراسات العُليا .
المملكة في السبعينات سيدة تنشُد العِمران وتبحث عن شخصية مُميَّزة . الصحراء ذات طموح وكبرياء من مواضي التاريخ . ذات نفس شرِهة تطمح أن تتنَعّم لتبتني صرحاً من بنايات ودور عبادة وطرق وخدمات متقدمة . قَدم مندوبو الخدمة الحكومية من المملكة طلباً لتوظيف الخبرات السودانية . مقابلات قصيرة ، يطلبون بعدها الشهادات الجامعية ووثائق السفر . وجد ( بكري ) أن راتبه وفق النُظم سيصبح خمسة آلاف من الريالات .
ـ الحَمد والشُكر لله .
قال لنفسه .
بعد أسبوع تَسلّمَ وثيقة السفر وعليها إذن الدخول للمملكة . من مطار الخرطوم الدولي غادر بعد أيام . يومان من بعد ثم تسلمَ مليوني ( هَلَلَة ) بدائل للخدمات . بعدها بدأ العُمر مُشرقاً أوله ولا يعرِف كيف يكون الآخر ! . اقتطع من الزاد إلى أسرته وغطى الضروريات ثم تسلق سُلم الكماليات درجة.. ثم درجات . أبطأ الواقع ، و دخلت الأمنيات بيت الأحلام التي لن تتحقق قبل فوات الأوان . مرت السنوات وتضخَّمت العُنوسة في ذهنه ، وشهد بها العَدو قبل الصديق . بحثت له الأم عن شريكة عُمر ، وبحثت أخوات كانَ عن الصويحباتَ :
ـ هذه جميلة ولكنها مُستَحيلة كما قال شاعرنا . تلك مغرورة .
( سوسن ) قصيرة الشَعر ، واختلاط أعراق ! . ( راقية ) بنت قبائل ! ، لكِن
( مَخطوبة ) . ( نرجس ) ( دَلوعَة ) و ( صباح ) ( مَشكِلتَا عَضم الشيطان ! .
في إحدى العطلات السنوية زار صديقه عثمان الذي يعمل في مؤسسة حكومية في الخرطوم . لم يلقَ الترحاب اللائق إلا بعد أن تأكد الجميع أن الضيف القادم من السعودية ، وليس من ( المسعودية ) ! . لن نُقلل من شأن قُرانا والضواحي التي عرفت النِعمة قبل أن يعرفها الآخرون ، لكن للبشر طبائع !. النُفوس تُحب المال ، والعودة للفلكلور المُدجج بالنِعمة والبطر هي السِمة الغالبة في ذلك الزمان . البَذخ الماسِخ .. تشاهد فُستان الرقيص تُغطيه أوراق الدولار الأمريكي حِياكَة ! ، أو قلائد الذهب التي تفترش الشَعور والصدور و المَشَاعِر .. . الجمال عندهم مقياسه الكَثرة . العروس لَمَنْ ترقُص :
( زي ما بقول ود الفتيحاب العينُو حارَّة : عِلبَة بنسُون ! ) .
السِعة في غير مكانها الطبيعي المُتحَضِر . حِس الاستهلاك أضخم من ترتيب الأوليات ، وهنا تدخُل المأساة البيوت من أبوابها الواسعة . تلك بِدعة استهلاكية وعلى الجميع اتباع النهج . يبدع البعض في المُحدَثَة أو ( الصَرعة ) ويأتي المُقلِدون من بعد ! . كثير من العذراوات يمُتنَ من الحسرة ، كما يقول المثل المصري :
ـ ... في الآخِر ناس تموت في الرِجلين !
نعود إلى صاحبنا (بكري ) كما يوصفه حاسد إذا حَسد :
ـ الشِبشِب العَالي وريحة ( الكاشيت ) تملا البَكَاسي ، يالا .. ناس المملكة وصلوا !.
نظر جوار صديقه فلمح زميلة عمل بهره جمالها . تجذبك أنتَ من حيث تدري ولا تدري . رقة وهندام ، ولطف وبسمة مُشبعة بالحنين ، وسقط قلب صاحبنا في فراغ جوف الصدر ، كأن مقعده على طائرة تُوشك الهبوط .سوار رقيق حول معصم الفاتنة بزُخرف لن تَعرف تفاصيله إلا حين تُمسِك اليد الناعمة بين أصابِع اعتادت الجَفوة وعمل الصحارى . ملمس الفرو ونُعومة الحرير تُحرك قاع الذهن بأن الحُلم يا ولدي قادم :
( لن نصوم ونُفطِر على بَصلة ) .
ترقق ( بكري ) في الحديث ، وعلا الإبهار . عيناها تبرقان بوهج وتتحدث هي باهتمام . سهام العيون تقتال النفوس التي عطَّشتها حياة العزوبية :
( رُجَال سَاكِتْ ! ) ، وقد قدمت لأرض النيل ومنبع الخُضرة .
ـ يا الله .. إنتي وين من زمان ؟
همس لنفسه سراً ، وتفتحت الدنيا بمصابيحها وتجسد الحُلُم امرأة مُكتملة الإقمار ، تعوِّض ما مضى من العُمر . سيبدأ العُمر الزاهر من هُنا ..
ـ يا فرحَتي الكُبرى ! .
قال لنفسه :
ـ رُبَّ صدفة خير من مواعيد الدُنيا . لولا وصية صديقي أحمد ، لما تيسر لي أن أشاهد امرأة ارجوا أن تكون من النصيب . العُطلة السنوية دوماً لا تكفي . خيارات الآخرين دوماً لا تصلُح . هذا العام ( عِرِس طَوالي ) ، وضحك الملاك القابِع في ذاكرته :
ـ ( إنتُو يا العَزابة كَلامكُم عَجيب ) !.
حاول ( بكري ) أن يتماسَكْ وهو في ارتجاجٍ عظيم :
ـ ما تعرفنا ..
( لم يذكر الآنِسة ) فقد اختلطت الفرحة بمشاعر الحرمان .
ردت الفاتنة بيسر وثبات :
ـ انتصار .
قال لنفسه :
ـ ( أنا ربنا رادني ساكِت رغم أني مُقصِّر معاهو ! . الله ينعَلَك يا إبليس )
ثم تنفس عميقاً وقال :
ـ أنا ( بكري صدِّيق المُبارك ) ...، صُدفة غريبة جَمَعتنَا ...
بُهِتت الحسناء التي أمامه من تركيبة حديثه وتراجعت نفسها الطَلِقة ، وبدأ على وجهها مسحة من تردد كأن أريحيتها مع الضيف قد تجاوزت الحد . تراجعت العيون التي تُرحِّب ، وحلّت نظرات التوجُس وخبأ البريق .( الله ..) .أحس ( بكري ) أنه قد أخطأ ، وأن لسانه قد فضح المشاعر . انهزم الأوتوكيت المُتصنَّع وتشتت الأفكار . غاص صاحبنا في وَحل لا يعرف كيف يَخرُج منه ، وبعد تردُد أفصح :
ـ آسف .. ما قصدي .
هُنا خاطبته نفسه الأمارة بالحُب :
ـ إنتَ قاصِدا يا المَطمُوس .
ردت الفاتنة باقتضاب :
ـ معليش .
تغير الطقس و انكبَّت الفاتِنة تُدون في أوراق أمامها . تحول جسد صاحبنا من ضيف رقيق الحديث إلى تمثال خشن يتعين تجنبه . عاد صاحبنا لمُحادثة صديقه ، وبدأ أن المُعاملة الحازمة من جانب ( انتصار ) قد أثلجت صدره . قالت له نفسه :
ـ خِلقَة وأخلاق ! يا سلام ، لكن أنتَ ما عِندكْ لَفِظ !. الشُغُل وسط العَزابة في المملكة بَوَظكْ يا الحبيب !
مضى الحديث سلساً مع صديقه ، وبدأ ( بكري ) مُقسَّماً بين صديق تجمعه العُشرَة ، وامرأة إلى الجوار هبطتْ من الأحلام إلى الواقع ، يختلس النظر إليها بين فينة وأخرى وتذكَّر .. ليته لم يتذكر . هاجس هبط عليه فجأة فقال :
ـ أنا نسيت يا أبو عفان .. ، عِندي جواب ودولارات وصية من
زميل معانا في المملكة ، زوجتو إسِمها ( انتصار عبد المَحمود ) بتشتغِل معاكم في المؤسسة ) ؟ .
ضحك ( عثمان ) قائلاً :
ـ صاحبَك الفي السُعُودية دة مُبَرِّك ليهُو فَكي ؟.
رد صاحبنا :
ـ ليه ؟
استدار ( عثمان ) بفرح إلى ( انتصار) وهو يقول :
ـ البُشارة يا مَدام ( انتصار ) .. أخونا ( بكري ) جايب المَصاريف !.
( بُهِتَ الذي أحَبْ ) .
الآن.. ترنح الحُلم من سيل الرصاص الكثيف . ريح تلُف مزرعة الفرح ، تقتلِع النبات من جذوره . نظرت نفس صاحبنا إليه بسُخرِية وهي تقول :
ـ الله .. طلَعَتْ مرتْ صَاحبَكْ ، يالا سَلِّم الوَصية وأركَبْ الظَلَط ، إنتَ ما عِندَكْ نصيب يا المنحُوس .
هبطَ آدم من جنه أحلامه .. ( وَقَعْ في الوَاطة وسَفَّ التُراب ) ! .
مضى النهار بما مضى من الحسرة ، و في جلسة قهوة المَغربية ، رمى ( بكري ) بشباك الصيد التقليدية ، وسأل والدته :
ـ يالا يا حَاجة .. شُوفِي لينا عروس .
ردت الحاجَّة وهي تتبسم :
ـ عِندي ليك عَروس سميحَة وبِتْ ناس و ( خَدَّامـــة ) .
imported_فيصل سعد
06-01-2008, 02:12 PM
السبت يونيو 18, 2005
Garcia
احلام ضائعة ../ قصة قصيرة
تردد كثيرا قبل ان يقدم على تحديد موعد مع الطبيب النفسى, وفجاءة قرر ان يتصل ويحدد موعد فى اقرب وقت . وعند دخوله للعيادة كان اول الحاضرين وبعد ان قدم نفسه للسكرتيرة طلبت منه الانتظار
قليلا, جلس وبدا يفكر ان مجتمعنا مازال متخلفاعندنا احكام جاهزة لكل شئ ..
( كل من يدخل عيادة طبيب نفسى امامجنون او لديه ارق قاتل) ..
فى اثناء ذهنه الشارد انقذته السكرتيرة بان يدخل للطبيب , جلس فى الكرسى بعد ان حيا
الطبيب بتحفظ ..
_ اعتقد هذه اول مرة تقوم بالكشف عندنا.
_ نعم
_ قل لى بماذا يمكننى مساعدتك.
- مايؤرقنى شئ ربما يضحكك.. انما المشكلة اننى لم احلم منذ فترة طويلة جدا, وان طلبت
ان اكون دقيقا فهى 11 سنة, و 7 اشهر و13 يوما ..
- نظر له الطبيب مندهشا ... يبدوانك دقيق فى حياتك , لكن قل لى هل انت متاكدانك لم
تحلم خلال تلك المدة ؟؟؟
- متاكد مثلما انت امامى الان .
- وهل الاحلام ضرورية جدا بالنسبة اليك , وربما انك تحلم وبمجرد استيقاضك تنساها .
- لا .. لا انا من عينة الناس الذين يحفظون الحلم بالتفاصيل الدقيقة والمملة .
استمر الحديث بينهما زهاء ساعة كاملة , وقال له الطبيب ان يمر عليه بعد اسبوع
فحالته ليست تدعو للقلق برغم انها فريدة من نوعها .
عاد لمنزله بعد جلسته الاولى مع الطبيب النفسى من غير اجابة كافية , وبعد ان اخذ حماما منعشا تذكر انه منذ مدة لم يشاهد التلفاز , وهو من انصارالمقولة القائلة : ان التلفاز لا يجلب سوى
المصائب ..
جلس امام التلفاز بعد ان هياء لنفسه كوب من القهوة بالحليب , ظهرت له على الشاشة
المذيعة التى كانت ناقلة للاخبار المؤلمة وخاصة الوفيات تذيع خبر الموت والابتسامة لا
تفارق شفتيها وكان الموت خبر مفرح , ويكفيها انها اذاعت مقتل الحريرى , ووفاة الفنان
احمد ذكى واخيرا مقتل الصحفى سميرقصير ..
لم يكمل سخطه عليها حتى اذاعت مقتل 80 عراقى بالفلوجة - واستشهاد 8 مواطنين ب
مدينة جنين - اضافة للخبر الذى تصدر الفضائيات وهومعاناة سكان دارفور والصور
التراجيدية التى كانت كافية ان يتحرك المجتمع الدولى ولكن بعد خراب مالطة ..
ما اقبح الانسان حين يكشف عن وجهه القبيح ويقتل بدم بارد , ماالذى حدث فى الدنيا قتل
دمار .. اغتصاب .. اختطاف , ماهذا المصير البائس للانسانية .. من غيرنا يتجرع
الهزيمة والالام والهوان والذل والعذاب , لمن نتوجه بشكوانا وخيباتنا .. اه واه ...
الشكوى لغير الله مذلة ..
قبل ان يطفئ التلفاز سمع المذيع يقول [ مشاهدينا فى كل مكان تصبحون على خير ]
صاح فى وجه المذيع وكانه جالس امامه ,
من فين اجىالخير وانتو اخباركم اسواء من الجحيم نفسه, لعنه ولعن كل الرؤساء والملوك
واقفل الجهاز بغضب , تناول كتابامن على رف المكتبة [ صور المثقف - ادوارد سعيد ]
نظر لصورة المؤلف فى الغلاف بكل اسى وقال { ما اعظمك يا ادوارد سعيد .. لو كنت
على قيد الحياة لكتبت عشرات المقالات والكتب بعبقريتك المعهودة ونقدك اللازع لامريكا
وللحكومات العربية واسرائيل ] ..
وبعد ان باغته النعاس وضع الكتاب على التربيزة .. وتمدد لينام عسى ان يحلم باحلام اجمل من الواقع المرير ...
[ انتهت القصة ... ولم تنتهى معاناة سكان دارفور, الفلوجة وجنين ]
imported_فيصل سعد
07-01-2008, 08:58 AM
الاحد سبتمبر 25, 2005
خالد الحاج
ثقافة البكاء:
علم البكاء "البكالوجيا"
كما ذكرت سابقآ عزيزتي ندي البكاء ثقافة وفن، وليس كل باك "بكاي"
وهو لا يمكن ربطه كثقافة بكلمات مثل -الخيانة- طيارة العين-المراهقة المتأخرة-
إلي آخر المسميات التحبيطية التي ينشرها "الكافرون" بعلم البكالوجيا.
البكاء كثقافة لا يتعلق باالفئة العمرية.
البكاء لا يرتبط بفلسفة دينية.
البكاء رديف للحرية.
وهو غير مرتبط علي الإطلاق بالجندر إذ أننا نجد الكثير من مشاهير البكايين نساء ، وأسألوا مي هاشم
أما المسألة الدينية فيتجسد عدم إرتباطها بثقافة وعلم البكاء في أسلوب "الكيزان" في البكاء
والكوز "حريف البكاء" يعلق علي إمرأة جميلة كمثال بالقول (والله زولة أخلاقها عالية) وهذا المعني يعني "إنها شديدة شدة الحرامي
البكاء قديم قدم الإنسان فقد إقتتل هابيل و قابيل نتيجة لبكية "مرة" !! مرورآ بالبكايين العذريين (قيس ليلي وجميل بثينة) وغيرهم في الثقافات الأخري مثل شمسون ودليلة وروميو وجوليت حتي بوف دادي وجنفر لوبيز
البكاء غير مشروط بالحالة المدنية للبكاي فأشهر البكايين والبكايات متزوجين (كلنتون وعمر البشير والأمير شارلز وعثمان لبط و علي المكسر)
البكاي والبكاية عادة ما يكونون مصابين بآلام الغضروف (لزوم التلفت وكدا) ومن علامات البكاء الخفية تمرير اليد علي شعر الرأس في حركة لا أرادية توحي بقرب نزول الدموع(الدموع هنا مجاز) مع ترميش في العيون ينتقل إلي ترميش بعين واحدة عند البكاي الخبيث. (أسعد البرير نموذج)
ونواصل..
الأعزاء
ندي والمسافة..
عساكم بخير..
نواصل هذه المرة بعنوان :
خواطر بكاي:
نصائح:
البكاء الصامت من أسباب تقرحات الإمعاء .
وهو دليل علي قلة الحيلة ومن علاماته الإنطواء "خالد الحاج"
أنواع البكايين/يات
المساسقة : "من ساسق يساسق أي كترة طلتو" هي عنوان للبكاي المعتق (معتصم الطاهر نموذج) .. وهذا النوع من البكايين خطر وتلعب الخبرة دور هام هنا.
الشتارة : وهناك نماذج للبكاي السيئ والبكاي السيئ عادة ما (يجيب النبيشة لأعضاء الجمعية) ومن النماذج المعروفة -أبو الحسين- أبوساندرا- فكلاهما يغني "لست ريدو"
وطبعآ لا مانع في ذلك مبدءآ ولكن هو نوع من البكاء الفطير خاصة عندما يصير معلن
بالإضافة لذلك فهو يؤلب علينا "ستات ريداتنا" والبكاء في "ست الريد" هو نوع من الإستشراق وهو دخيل علي ثقافة البكاء في المجتمع السوداني.
الهضربة: وهي عدم التركيز والقفز بالزانة من "بلومة "لأخري وبلومة هي كلمة جميلة
لوصف ملهمة البكاي ومنابع دموعه. "عثمان حمد نموذج"
الدروشة: وهنا المقصود المعني الصوفي للكلمة وهو أن يكرس البكاي حياته ونشاطه
للبكاء وهي مرحلة متأخرة جدآ يجوز فيها الرثاء (عصمت العالم وشقليني ) نماذج.
الشمشرة : وهذه مرحلة وسيطة نحو الدروشة والبكاي/ة هنا يصرح بمكنونه دون مخافة العواقب ويكون عرضة للنقد والنقد الهدام (قمر 14 ومي هاشم ومهند الجيلي ) نماذج.
الخلخلة : دي حقتي براي وخلخلة من "خال" وهذه الحالة لا تشرح
ولا تنفع فيها الجراحة.
ومنتظر أسعد البرير عشان أكمل الخوطر...
مش بالله يا حنينة؟
و الدموع دى ما تديك الدرب
قربت تغرقنا
اقتباس:
يشهد الله سباحة بس..
حالتى لسة ما بديت فى بوستات استاذ عصمت
حالتي دي عامل حساب شيل الحس وبرد بي حذر؟؟؟
الشكية لله
_________________
هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها، وبها تُخَلِّصُ أرضَنا
من رجْسِها، حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.
مداخلة معتصم الطاهر :
عزيزنا ست الفراش
بمناسبة الحكومات الجديدة
كدى وزعى لينا حكومة البكائيين
عارفين البروف الرئيس ..
وعصمت النائب الأول ..
وخالد رئيس البرلمان ..
لكن انا وأخوى عكود ما عرفنا موقعنا من الاعراب!
_________________
بقيت الوليد المخالف القبيلة
مشنّق هواى ..
وابارى القمارى البتقطع تذاكر لحفل الخريف ..
مداخلة ندى على :
غايتو كما كتب الاخوة معتصم الطاهر و المسافة كفيت و اوفيت يا خال، و قمت بتحوير هذا البوست الذى ابتدرته للتضييق على البكايين (اختلف معك فى حكاية انه موضوع غير مربوط بالجندر)، الى بوست تعليمى عديييل كدة، و كمان أطرت لحكاية البكا دى.
بعد كدة ما فاضل ليك الا تجيب مانفستو الجمعية القال عليها استاذ عصمت..
مداخلة عكود :
يا ندى البحّيت لزومو شنو؟
الحكاية بتجر أسماء كتيرة..
والسترة واجبة،
ألذّ حاجة، إنو حنينة عاملة كأنو الموضوع ولااااا خاسّيها
النصيحة يا خال، إنت بالغت في حكاية العوم دي،
عكــود
_________________
لن يمل الحزن من عينيك أبدا
فتعلم كيف بالدمع تغني للجمال
-عبدالله جعفر
مداخلة المسافة :
اقتباس:
أما المسألة الدينية فيتجسد عدم إرتباطها بثقافة وعلم البكاء في أسلوب "الكيزان" في البكاء
والكوز "حريف البكاء" يعلق علي إمرأة جميلة كمثال بالقول (والله زولة أخلاقها عالية) وهذا المعني يعني "إنها شديدة شدة الحرامي" :D:D:D:D
منوعات ، نماذج و مقاطع مختارة في غناء ((جمعية البكالوجيا)) :-
غناء الحقيبة ملهمهم و عشقهم الابدي و فنانهم المفضل هاشم ميرغني.
كـتير الـدمعه فـي عـينيك تشوفيني وتخبيها
تـخافي عـلى أشيل همك وعيونك تحكى بالفيها
وقـدر مـا يقولوا ليك عني عشان ريدتنا تنسيها
تـداري الآهـه بـالبسمه وريـدتك لي تزيديها
ودائـمـا ده الـمبكِيكِ وعـشان أهـلكِ بـخليكِ
أحـاول وبـرضى ما قادر عشان أنسى وأنسيكِ.
غـريبه نـعيش زي الأغراب وما نتهنى بالريده.
يعني ما مشتاقة لي و لا ما عارفه العلي.
حان الزفاف و انا حالي كيفن بوصفه.
ما مصيره الحي يلاقي.
زي ورد في عز نداه خوفه بكرة يزوره صيف.
ووب علي البكاء ما بجيبو لي وينو عيني.
عـشان عـارفني بـستناك أبـيت ميعادنا توفيهو
أريـتك كـنت جـيت ساكت وشلت قليبي بالفيهو.
اشيلك مرايا و اعاين فيك براي.
عاجبانى الصداقة الصداقة الوفية.
كلما سألت عليك بقولوا مشغولة.
يدوم سعدك مع غيري.
حبيبي فاكرك معايا.
تبقى الصداقة قرابة و نكسب الودين.
قادر ربنا الخلاق اداك الخلقة و الاخلاق.
عيوني هم السبب في اذاي و هم العيونى.
الشجر اقلام جميع و النيل مداد لو كتب اشواقى ليك ما عددها.
ان جرت برضك عادل ظلم الجميل مغفور.
لو وشوش صوت الريح في الباب يسبقناالشوق قبل العينين.
انا قلت حبنا راح مر الزمن و طواه.
ما لقيت في دنيا الناس ساكت شبه زيك.
نحنا في هواك يا غالي لا بنطيق فراق لا بنحمله.
انا ابقى بحرماني راضي و في هواك اموت شهيد.
صحّيتي في نفسي الوجود
ورجّعتي لعيوني النهار.
مين غيره البيزرع ايام عمري جنة.
ابتساماتك عزيزة احضن الاهات عشانها.
وراء البسمات كتمت دموع بكيت من غير تحس بي.
انا حبي ليك فاق الظنون و اخلاصي باقي مع الزمان.
انا انا في التمني ديمة هديلي ساجع.
جنوا في ريدك كل الشافوك.
القوام اللادن و الحشا المبروم
و الصدير الطامح زي خليج الروم.
بتتبدل مع الايام حرام يا غالي تتبدل.
الـخلانى أحـبك أكـتر إنـه حـنانك ليّ ما اتغير.
مـا اتـعودت أخـاف مـن قبلك إلا معاك حسيت بالخوف
أعـمل ايه ما القسمه إختارت وكل الناس حاكماها ظروف.
جـينا مـا لـقينا في عيونك ذكرى ساكت للمحبه.
بس أنا المقسوم لي صدودك
يا حياتي وأملي اللي راح.
الذ شي قربه غزل النظر في جماله.
أمر شي بعده و جفاه او اهماله.
ما اظنه زلال يروينا غير ذلاله..... و نواصل..
_________________
اذا عادت بنا الايام الى الماضي
كتبت على ثوان العمر شعرا لا يدانيه
غناء الطير و همس الماء و وشوشة الضياء فيه ركبت زوارقي ابحرت فى شعر لها مجدول
جعلت مشاعري جندول
مداخلة المسافة 2 :
الاخت العزيزة ندى علي:
بعد السلام و التحايا الطيبة،
اولا انتوا الواحد ما يهظر معاكم و لاشنو، طيب لو الاعجاب بالبوست بجيب البكاء فأشهدي لي بذلك اما مسألة اي نوع دي نخليها لتقييم العميد و القائد الاعظم للجمعية.
ثانيا موضوع ال political correctness ما لافق هنا و ما عامل ماتشينغ و ما عنده علاقة باصول و قواعد البكالوجيا على حسب محاضرة عميد البكاء الاول السابقة - بعدين يا ندى ديل ناس الله فاتحها عليهم مالك جاية تضيقيها.
ثالثا حقيقي البوست خرج من يدك و من يدنا جميعا و اصبح ملكا مشاعا لجميع البكائيين/ات المتداخلين/ت هنا و دا دليل صحة و عافية و اثراء للحوار و رغم خروجه من يدك لكنك لا تفقدي ترشيحنا و دعمنا لك بمنصب Assisant Depuy Vice-President للزعيم بس مطلوب شوية شفافية بان تعلني انك بكاية و مافي عوجة تب ( لا عيب لا حرام) و مبروك مقدما و ليك علي انا اجيب ليك الاعضاء و العضوات المعانا هنا كتار ماسكهم بعض الخجل و الحياء و غالبهم الصبر و مهضرب بيهم البوست دا حاميهم الغمدة و على رأسهم ... ، .... ، ........ ، .... ، و لى بكرة كان ما ظهروا بفك النقط دي حروف.
اما النجم "حمدي ابجقادو" ما تصدقي كلامه و صموده المفتعل ما ياكلك حنك و يتراشق بالملتيميديا دا بكاي بدون درجة .. ولولا عظمة و شموخ و مقدرة خالد الحاج العلمية و العملية بكالوجيا المنصب ما كان بطير من حمدي باخوي و اخوك و نحنا مثبتينوا و حايشنوا ما يتمرد و يخش الغابة عشان كدة لازم تعملوا ليه حساب معاكم في الرئاسة بدرجة مستشار بكالوجيا بكامل المخصصات.
انا ذنبي ايه يا زمان بالجور حكمت علي
ضيعت كل الكان و اهديت جهنم لي
لو كنت بس انسان لو كان عرفت البي
كم في الغرام مأسور ما لاقي لحظة سراح
الود و التقدير.
_________________
اذا عادت بنا الايام الى الماضي
كتبت على ثوان العمر شعرا لا يدانيه
غناء الطير و همس الماء و وشوشة الضياء فيه ركبت زوارقي ابحرت فى شعر لها مجدول
جعلت مشاعري جندول
imported_مهند بشير
07-01-2008, 10:01 AM
الاحد سبتمبر 25, 2005
خالد الحاج
ثقافة البكاء:
علم البكاء "البكالوجيا"
كما ذكرت سابقآ عزيزتي ندي البكاء ثقافة وفن، وليس كل باك "بكاي"
وهو لا يمكن ربطه كثقافة بكلمات مثل -الخيانة- طيارة العين-المراهقة المتأخرة-
إلي آخر المسميات التحبيطية التي ينشرها "الكافرون" بعلم البكالوجيا.
البكاء كثقافة لا يتعلق باالفئة العمرية.
البكاء لا يرتبط بفلسفة دينية.
البكاء رديف للحرية.
وهو غير مرتبط علي الإطلاق بالجندر إذ أننا نجد الكثير من مشاهير البكايين نساء ، وأسألوا مي هاشم
أما المسألة الدينية فيتجسد عدم إرتباطها بثقافة وعلم البكاء في أسلوب "الكيزان" في البكاء
والكوز "حريف البكاء" يعلق علي إمرأة جميلة كمثال بالقول (والله زولة أخلاقها عالية) وهذا المعني يعني "إنها شديدة شدة الحرامي
البكاء قديم قدم الإنسان فقد إقتتل هابيل و قابيل نتيجة لبكية "مرة" !! مرورآ بالبكايين العذريين (قيس ليلي وجميل بثينة) وغيرهم في الثقافات الأخري مثل شمسون ودليلة وروميو وجوليت حتي بوف دادي وجنفر لوبيز
البكاء غير مشروط بالحالة المدنية للبكاي فأشهر البكايين والبكايات متزوجين (كلنتون وعمر البشير والأمير شارلز وعثمان لبط و علي المكسر)
البكاي والبكاية عادة ما يكونون مصابين بآلام الغضروف (لزوم التلفت وكدا) ومن علامات البكاء الخفية تمرير اليد علي شعر الرأس في حركة لا أرادية توحي بقرب نزول الدموع(الدموع هنا مجاز) مع ترميش في العيون ينتقل إلي ترميش بعين واحدة عند البكاي الخبيث. (أسعد البرير نموذج)
ونواصل..
الشِي دا اقصد البوست دا لازم يرجع تاني
يا اخوانا في بكَايين انتو ما عارفين قصصم
يا خال الحقنا بالحصه التانيه
عشان في ناس بيعينم لو ما ظهرو حيكون في كلام كبير
كبير أقوي
معتصم الطاهر
07-01-2008, 11:50 AM
الروابط يا ف .س.
imported_خالد الحاج
08-01-2008, 04:41 PM
الشِي دا اقصد البوست دا لازم يرجع تاني
يا اخوانا في بكَايين انتو ما عارفين قصصم
يا خال الحقنا بالحصه التانيه
عشان في ناس بيعينم لو ما ظهرو حيكون في كلام كبير
كبير أقوي
سلامات يا مهند
تنظير زي ده داير مزاج رايق لكن بكمل ليك الحكاية في بوست منفصل:D
يا فيصل والله بتتذكر ليك في جنس بلاوي .. دي أيام الصفاء يا فيصل
أعمل حسابك من البحيت يوم بتتلدغ :D
imported_فيصل سعد
09-01-2008, 06:48 AM
اكتوبر 03, 2005
إلى الأحباب:
خالد،الشقليني، حمدي،ندى، ماريل، بندرشاه، قارسيا، أبي جهينة، أحمد أمين، ناصر، ألفيا، عكود، المعتصمين و(إلى إشراق بالطبع)
وثباً نحو القمم الألف!!
عالم عباس
(1)
هذا الجَسَدُ، و هذا الجِسْرُ، وهذا الجوهَرْ.
هذا الجَسَدُ، الجِسْرُ،الأرضُ، الأُنْثَى
المِرْآةُ، المَرْأةْ.
مزرعةُ الله الأولى، قنطَرَةٌ,
تعْبُرُ ما قد كان إلى ما سوف يكونْ
عَقْدُ قرانِ النشأةِ و الصيْرورَةِ
رُوحِ القُدْسِ النُّورانيِّ
بصلصالِ الحَمَإ المسنونْ.
امتَزَجَا، اخْتَلَجَا،
هاجا، ماجا،
في جوفِ الصَّدَفِ الكَوْنِيِّ،
الحافظِ سِرِّ الله المكنونْ,
سِرّ الله الأعظَمِ,
هذا النورِ الرّعَّاشِ الطينْ!
(2)
يا آدمَ هذا العَصْر،
مِنْ عَرْشِكَ يا جبروتَ المخلوقِ الخالِقِ
يا جبّارَ النَّشْوَةِ,
يا نَزَّاعَ الشَّهْوَةِ,
يا وَقَّادَ الجُرْأةِ,
يا آدمَ هذا العصْر,
مِنْ أضلاعك خَلَقَ اللهُ المرْأةَ.
(3)
هذا جسدي
قنطرةٌ أخْرَى،
شمْسٌ، رِدَّةْ.
رِدَّةُ هذا النورِ إلى الأصلِ الطينْ!
حُمَّى جسدي يشْعِلُ مِقْبَاسَ الرَّعْشةِ
مِنْ حُمَّاكِ و قدْ أخَذَتْكِ الرَّعْدَة,
كان العَرَقُ المُتَقَطِّرُ من نهديكِ
لآلئَ طَلٍّ، تَتَجَمَّعُ مثلَ الدَّمعِ
عَلَى كِمِّ الورْدَةْ.
و النَفَسُ اللاَّهِثُ في إيقاعٍ
يَتَسارَعُ خَفْقاً,
كجناحَيْ رُخٍّ عملاقٍ عجلانْ
يهوي بي لقرارٍ مَثْقوبٍ,
لا قاعَ لَهُ، لا جدرانَ ولا شُطْآنْ.
(4)
يعلو صدرُكِ يرفَعُنِي,
نحو القمَمِ العصماءِ الفاتنةِ الوَحْشَةْ،
اجْثُمُ في قمتِهَا وَحْدِي,
رَبُّ الأربابِ “ زيوسُ “ على جبل الأولمبْ!
(5)
نَحْلَةُ وَلَهِي الجامحِ تَشْتَارُ جَنَاكِ
تَمْتَصُّ رحيقَكِ,
في صَبْرِ النحلِ الظَّامِئِ,
و الواثِقِ بالإمكانْ.
بالصبرِ المُتَمَكِّنِ،
و الممتلِئِ بذاكَ الشيْءِ المُبْهَمِ
و الريَّانْ
صَبْرِ الحُلُمِ النَّافِذِ
و الكامِنِ منذ التكوينِ الأوَّلِ
و المُتَجَذِّرِ في أعماقِ النَّحْلِ
المخْبُوءِ بأرْدانِ الرَّيْحَانْ.
(6)
وعلٌ برّيٌّ ها أنذا أرْعَى مَرْجَكِ
أتَمَرَّغُ في أدْغالِكِ,
حُرّاً أمْضِي في أحراشِكِ
أسْعَى بين النَّحْرِ و بين الصدرْ.
أرْكُضُ بين الصدر وبين الخصرْ.
أصْعُدُ من حيث الخِصْرِ العاري
و إلى حيث النَّحْرِ النادي
أقْتاتُ الرمَّانْ,
الرمَّان المُتَهَدِّلِ بِكْراً,
عنقودَيْنِ رشيقَيْنِ,
عصفورَيْنِ حبيسَيْنِ، طليقَيْن,
يفِرَّانِ، و يرتعِدانِ، و يرتجِفَانْ.
ينتفِضَانِ، يرِفّانِ، يعودانْ,
يفرّانِ بلمسَةِ رفْقٍ حانيَةٍ
مِنْ شفَتَيْ إنسانْ.
أمْتَصُّ رحِيقَك,ِ
أرْشُفُ ريقَكِ,
أتلَمَّظُ شفتيكِ,
لساني ألْفُ لسانٍ و لسانْ.
مغمورٌ بالدهشاتِ،
و مسحورٌ بالصمْتِ،
و منْجَذِبٌ في ملكوتِ الحُسْن،
و مُنْبَهِرٌ بالألوانْ!
(7)
و أنْتِ ترْفُلينَ نحو مضجَعِي،
مليكةً في مِهْرجانْ,
على جبينها تاجٌ مُرَصَّعٌ
لآلئاً من عَرَقٍ، و ألَقٍ،
جُمانْ.
و في يمينها يهْتَزُّ صَوْلَجانْ.
تأوَّدَتْ قامَتُها، غُصَيْنَ بانْ.
بصدرها الباذِخِ و الشامِخِ,
و المُهْتزِّ كِبَراً، تَعَالِياً
وعنفوانْ.
قمقمان، قِمّتانْ.
قمَّةٌ من بَهْرَجٍ و عسجَدٍ,
و قمّةٌ زَبَرْجَدٌ و كهرمانْ.
تَصَنْدَلَ المكانُ من
حضورِها الطاغي,
و مِنْ أريجِ مِسْكِهَا تَعَتَّقَ الزمانْ.
ثَمِلْتُ،
ليس من نبيذِ ثغْرِهَا، و ذُقْتُهُ,
و مِتُّ و احْتَرَقْتُ،
بين خصرها وصدرها ونحرها،
علوْتُ, بَلْ هبَطْتُ، بل علوْتُ,
ثُمَّ طِرْتُ, صِرْتُ
ريشةً، هباءةً، و صخرةً,
و حِمَمَاً تفورُ،
زَبَداً، حديقَةً
صاعِقَةً
بُرْكانْ
عنادِلاً، عناقداً
و "بُرْتُكانْ" !
( 8)
يا أنَّةَ التوَجُّسِ الراهبِ
و التمَنُّعِ الراغبِ
و التمزُّقِ الرهيبْ.
يا آهَةَ الأسى التوّاقِ
و التعلُّقِ الجامحِ
و التوازُنِ العجيبْ.
يا صرخةَ التمرُّدِ المحرومِ
و التوتُّرِ المكظومِ
و التولِّهِ الجديبْ.
أنْتِ على يَدَيَّ طينةٌ عجينةٌ
في مَيْعَةِ الصِّبَا
يلْهُو بها الخزّافُ
في إسماحَةِ الحبيبْ.
في براءة الدَّهشة، صانِعاً دُمْيَتَهُ،
و غافلاً، و ليس ثَمَّ من رقيبْ.
مُنْتَشِياً بها فلا يحسّ غيرَهَا
و غارِقاً جذلانَ في انشغاله الدؤوبْ.
حتى إذا دنا،
ما كَلَّ أو وَنَى,
لكِنَّهُ، إذْ خانَهُ
في الوجد برقُهُ الكذوبْ
هوى، مُجَرَّحاً، منهزماً,
و في الفؤادِ من جراحِهِ
نُدُوبْ!
و في قميصِهِ مِنْ قُبُلٍ
ثُقُوبْ !!
(9)
بهرةٌ و ائتِلاقْ
صُدْفةٌ و اتِّفاقْ
صَوْلةُ الجهرِ في السِّرِّ،
و السرُّ في الجهرِ،
في نغمٍ مُفْعَمٍ، و اتِّساقْ.
حتى إذا ما دنا النحرُ للنحر،
و التأَمَ الثَّغْرُ بالثغر،
و الْتَحَمَ الصدرُ بالصدرِ،
و التصقَ الخصرُ بالخصرِ،
و التفَّتِ الساقُ بالساقْ،
فيا له مِنْ تلاقٍ,
و يا له مِنْ مَساقْ!!
(10)
غاب في وجْدِهِ الضَّارِعِ يغفو،
فمالَهُ مِنْ فَوَاقْ.
و مضى للسماواتِ روحٌ
مُجَنٌَّّح، مشتاقْ.
مُمْتَحَنُ الصبْرِ، يكْبُو,
مُعَذَّبُ التَّوْقِ، يهفُو
سكرانُ، لا يصحو
ومدنِفٌ ما أفاق .
و انْتَهَى حيثُ مُنْتَهَى كُلِّ روحٍ
مُحَرَّراً مِنْ وَثَاقْ.
و على الأرضِ بَعْدُ رمادٌ
و آهةٌ، و شظايا
و بقايا جَسَدٍ واحِدٍ
مِنْ حبيبَيْنِ ما يستفيقانِ
مِنْ ضرامِ العِناقْ !!
أكتوبر-97
imported_فيصل سعد
09-01-2008, 06:55 AM
عاشِقٌ فيِ ِ نُقْطةِ التفتيْش . . (قصيدة )
السفير / جمال محمد ابراهيم
(1)
قلت ُ لِجفْنيّ ، أن ْ لا يغمضَا ،
و لِقلبيَ ، أن ْ لا ينام ْ . .
إلا ّ إذا جئتِني أنت ِ في الحُلْم ِ ،
محمولة ً في الغمَام ْ . .
فلا أكتفي مِنك ِ . .
لا أكتفي مِنك ِ ، يا امرأة َ الرّيح ِ ،
إلا ّ إذا صِرت ِ جملة ً في الكلام ْ
أو ثورة ً في الضلوع ِ . .
فآتيك ِ فيْ الفجْر ِ ، فارسك ِ
الذي يحرسك ِ . .
مثلمَا قال مَحْجوب ُ ، ذات َ عامْ . .
يا امرأة ً حُزنُها مُستدامْ . .
(2)
في ُنقطة ِ التفتيش ِ ،
لمْ ُيشهرْ الجنود ُ أسلحتَهُمْ
إذ ْ لم ْ تكُن بِِِطاقتي ، إلا ّ قصيدة ً عنوانُها :
أشهد ُ أنْ لا عِشق َ إلا أنت ْ،
فأطلق َ الجنود ُ سراح َ قلبي
بعد َ أنْ تأكدّوا أن ّ لِيْ تأشيرة
تمنحُني حقّ َ أن ْ أهواك ِ ،
دون َ خلق ِ الله ِ أجمعين ،
أو أموت ْ . . . .
(3)
إختارك ِ المساءُ ليْ ، قمرًا أُحبّه ُ . .
ُيسدل ُضؤَهُ الفضي ّ فوْق َ عُشب ِ خاطري ،
فتهرب النجوم ُ من يديك ِ ، خِلسة ً . .
حتى ينفتح الحلم ُ عن فردوس ِ قلبك ِ الحميم ،
ثم ينقضي الكابوسُ . .
في السحاب ِ الماطر ِ
و تصبح الأحلام ُ مثل َ الماءِ و الهواء ِ . .
لكل من أراد . .
لكل من أراد يا حبيبتي . . إلا الذي يخشىَ عليك ِ أن تغادري!
(4)
إننّي ُأبصِرُ في إبْصَارِهَا . .
هَلْ ترَىَ يَخرُج إبْصَارُها مِن ْ مُقلتيّا . . ؟
إنني أشهَق ُ في أنفاسِهَا ،
كيْف َ أنفيْهَا إذَن ْ ، مِنْ رئتياّ . . ؟
سَكنَ الشِّريان ُ في شِّريَانِها
يتسَاقىَ عشقهَا ِمن ْ راحتيّا
هَذهِ الرائعة ُ الجافية ُ الحالمةُ ُ
القلبُ بهَِا أضْحى َ شقيّا
يونيو 2005
imported_فيصل سعد
09-01-2008, 07:03 AM
مارس 12, 2005
حكاية رجل مات في الربيع
قصة قصيرة
أحمد الملك
منذ حوالي العام، منذ ان انتقلت للسكن في هذه المدينة الصغيرة وانا أراه كل صباح طوال ايام الاسبوع، اجده دائما يجلس في مدخل البيت يراقب اسراب الحمام التي تمرح فوق الغابة الصغيرة المسماة : حديقة الكتّاب ، في انتظار موزع البريد الذي يحضر دائما في العاشرة صباحا، لا اجد تفسيرا لشعوري بالحزن عند رؤيته، سوي احساس غامض ينتابني كلما التقيته، بأنه انسان وحيد، ليس فقط في هذا العالم، بل انه محكوم بوحدة ابدية حتي لو عاش في عوالم اخري .
أشعر كما لو ان العالم كله يشاركني نفس ذلك الشعور، وانا اعبر في طريقي لمدرسة اللغة الهولندية التي ادرس بها، اعبر امام دار العجزة، اري كبار السن يراقبون المارة من الشرفات الغاصة بالزهور، اتذكر كلما مررت امام دار العجزة، قصة صديقنا الذي لم يبلغ العشرين من العمر وكان يسكن معنا في بيت واحد قبل سنوات، كان مهملا لا يهتم بنظافة البيت، وكان يجد دائما اعذارا واهية ليتهرب من اداء واجباته المنزلية، وكنت اجد اهماله مفيدا احيانا، ففي اليوم الذي يقرر فيه ممارسة واجباته تكون النتيجة طعاما لا يصلح للاستخدام الادمي.
كان صديقنا أحمد يضيق ذرعا باهماله وذات مرة اعلن ان مثل صديقنا المهمل هذا ينبغي ان يترك ليعيش في الصحراء حيث لن يكون هناك التزامات عليه القيام بها ! تصادف وجود زائر معنا ينتمي لمنطقة الصحراء في المغرب العربي فرد بغضب :
انتم تجهلون الصحراء ، هذا لا يستطيع ان يعيش يوما واحدا في الصحراء! ،
قال صديقنا احمد مندهشا : يعني انه لن يستطيع العيش حتي في الصحراء .
فقال الصديق الزائر : لا يستطيع .
فقال صديقنا أحمد ضاحكا : ماذا ننتظر اذن لنأخذه الي دار العجزة !
حين اعود في نهاية اليوم ، اجده جالسا بحزن في الحديقة الصغيرة امام البيت، رجل في حوالي الاربعين من عمره، ممتلئ الجسم قليلا، اسود البشرة، او بصورة ادق كما نقول في السودان، أخضر، وتذّكرني كلمة اخضر بابن عم كان يعيش في امريكا مع زوجة امريكية، وذات مرة زاره والده هناك، وكان والده أسود البشرة، قالت الزوجة الامريكية حين رأته اسودا وليس اسمرا مثل ابنه،
your father is black !
والدك اسود اللون !
فرد عليها قائلا :
No, he is green !
كلا انه أخضر !
أجده جالسا في الحديقة الصغيرة في شمس ابريل الباهتة التي بدأت علي وقع خطواتها تدب خطوات الحياة في العالم المثقل تحت وطاة شتاء قاس، احييه من علي البعد ، افكر أنه يستذكر تفاصيل الحياة ، في ذلك الوطن البعيد الذي مزقته الحروب الاهلية، غروب الشمس في المحيط، ومزارع الموز، و اشارات زمان سعيد بدأت تفاصيله تنسرب من الذاكرة .
يرتفع احيانا جهاز تسجيله بصوت عال، خاصة في عطلة نهاية الاسبوع، موسيقي شبيهة بموسيقانا، وان كان ايقاعها اسرع قليلا، اشبه بالموسيقي الاثيوبية، فجاة أتي الصيف، تتحول المدينة من حولي مع ارتفاع درجات الحرارة الي غابة من الزهور والاشجار، يستغرقني نفس برنامجي اليومي، لا يغير من رتابة الحياة سوي تقلب الطقس، يعطيك احساسا حين يتحسن فجأة ، تشرق الشمس ويتوقف المطر تشعر بالفرح، ان ثمة اوقاتا تستحق ان تعاش، ان ثمة ذكريات يجب ان نعيشها مرة اخري ، ان عجلة الزمان تصبح في متناول احلامك، لا تنتبه الي انك غارق في وهم الفرح الصغير، الذي يعتاش عليه الناس هنا، شمس مشرقة لساعات قليلة تصبح مناسبة للفرح.ارتفاع غير متوقع في درجات الحرارة يجعل الناس يتحللون من ثيابهم ويهرعون للشواطئ .
فجأة شعرت بخلل في ايقاع الاشياء من حولي ، وانتبهت الي انني لم اري جاري الصومالي منذ ايام، لم التقيه في صباحات انتظار ساعي البريد حيث الرسالة التي لن يقرأها مطلقا ولن يستبيح دفء حروفها التي تعبق برائحة الوطن البعيد . اختفت موسيقي نهاية الاسبوع وجلسات الخامسة مساء في حديقة زهوره الاخيرة .في ربيع الوحدة الاخير، الوقت الاسوأ للموت في زمان يعود فيه العالم تدريجيا لصخب الحياة بعد فترة موات الشتاء، كان رجال الشرطة قد اقتحموا البيت بعد بلاغ من بعض اصدقائه الذين اعتاد السهر معهم احيانا، ليجدوه ميتا في فراشه . جهاز الموبايل ايضا كان يلفظ انفاسه الاخيرة، مطلقا صفيرا متقطعا يعلن ان بطاريته تحتاج للشحن، وعلي شاشته الصغيرة عبارة 7 missed calls .
imported_فيصل سعد
09-01-2008, 07:31 AM
الحركة التفاعلية ... بين الذات و الموضوع
الطيب بشير
في اطار اهتمام الدراسات الانسانية باستكناه الانسان و سبر أغواره ، حفلت العلوم بالعديد من الكتابات الساعية نحو بناء نظري يثبت أو ينفي المقولات المتبناة من السابقين ، كل حسب مدرسته ، و لعل أبرز الاسهامات في تحليل حركة الانسان يمكن تقسيمها لاتجاهين هامين هما
1/
حركة الانسان تجاه غيره من البشر و كيفية التعامل مع الناس و الأشياء ، أي المجتمع ، و دراسة هذا التفاعل بأدق تفاصيله و تباينات مكونات حركة الفعل، و هو السوسيولوجي ، لاحظ أن هذه الحركة تجاه المجتمع تشمل حضارات الأمم بتاريخها و حاضرها و غدها ، تشمل كل ثقافات المجتمعات و الأمم ، بتباينها و تطابقها منذ طرفة بن العبد الى أحلام مستغانمي
2/
حركة الانسان تجاه نفسه أو ما يعتمل داخل هاتيك النفس و هو الأهم . لقد شبه العلماء الانسان بجبل الجليد الغاطس في الماء و لا يبدو منه غير جزء يسير من رأسه ، هذا الجزء ، على ضآلته ، هو كل ما يظهر من الانسان لأخيه الانسان و هو بالتالي يمثل كل ما يملك علماء الاجتماع حين يعمدون لدراسة الانسان . أما الجزء الغاطس ، و هو الأكبر و لعله الأهم ، فهو المحرك لما يتمظهر من سلوكيات ، و يتوقف على سلامة بنائه و كفاءة أدائه كل حركات و سكنات الانسان لتأتي آخذة شكل و لون و طعم سيكولوجية الفرد .
يبدأ التكوين النفسي للطفل قبل ولادته ، لذلك يجب الاهتمام بصحة الحامل و ابعادها عن أجواء التوتر . وينصح الأطباء بمخاطبة الجنين باعتباره شخصآ ماثلآ أمامك و التحدث اليه من وقت لآخر الشيء الذي يساهم في شعوره بالانتماء .
هنالك خلاف أكاديمي كبير و صراع علمي متجدد بين "مذهبين" فيما يتعلق بالسلوك هما البيئة و الوراثة و مساهماتهما في تشكيل أنماط السلوك المتباينة . يرى القائلون بأهمية العامل الوراثي أن المجرم يولد و في تركيبته الخلقية ، بفتح الخاء ، مورثات تدفعه باتجاه الجنح و المخالفات . و يعتقد أصحاب الرأي الآخر أن البيئة التي ينشأ فيها الفرد هي المسؤولة عن مظاهر سلوكه حيث - يتعلم - فيها طباعه و هو ما يعرف بـ Socialization
لقد شبه العلماء الانسان بجبل الجليد الغاطس في الماء و لا يبدو منه غير جزء يسير من رأسه برغم حرص المنهج العلمي على عدم الخلط بين البحث العلمي و الالتزام الديني ، الا أن المسلم لا ينفك يجد اشارات في القرآن لما يثبته العلم الحديث لاحقآ ، فمثلآ الآية التي يقول معناها ـ و جعلنا الأرض مهادا و الجبال أوتادا ـ ليأتي العلماء لاحقآ و يحدثونا أن الجزء الظاهر من كل الجبال المعروفة ، مهما بلغ طولها ، فان هذا الذي يظهر منها ليس سوى جزء يسير فيما يختفي أغلبها تحت الأرض ! أوليست هي ذات طريقة الوتـد ؟
الجزء الغائب من شخصية الانسان ـ باقي الوتد ـ يتكون من تجاربه الحياتية اليومية و تترسـب الخبرات السيئة في قاع اللاشعور و تبقى فيه بانتظار مثير لحظي قد لا يبدو كافيآ لمن يرقب الجزء الظاهر من جبل الجليد كما قد يتأخر في الظهور تمامآ مثل بركان كامن . لذلك يعمد الفريق المعالج للمريض النفساني الى جلسة طويلة و مريحة يتحدث فيها عن نفسه باسهاب ابتداء بيوم ولادته و ما اذا كانت طبيعية أم قيصرية ، مرورآ بكل مراحل حياته حتى لحظة دخول العيادة و لا يتوقف عن السرد الا اذا تعب أو دخل في انفعال لاجترار الماضي وهذا بالطبع يضر بتركيزه .
و هو الآخر مثار جدل أكاديمي هائل ، يقع في حيز الاستفهام عن موضوعية البحث و تأثرها بحيدة الباحث ، و هل من الممكن ، عمليآ ، توافر حيدة تامة أم أن الأمر نسبي ؟
ان مجرد اختيار الباحث لموضوع بعينه يمكن أن يشكل بداية الانحياز ، أما اذا تم تكليف عدة باحثين بذات الموضوع فان الاختلاف في التناول سيأتي متحيزآ لفئة أو متحرفآ لمجموعة تختلف باختلاف حيوات الباحثين المكلفين . هـب أن الجهة المسؤولة من مشكلة المواصلات في مدينة ما كلفت باحثين بدراسة الأمر ، و كان أحدهما ميسورآ و الآخر فقيرآ ، ستأتي توصيات الفقير أقرب لما يلي :
* زيادة عدد البصات و اصلاح شأنها
** تكييف محطات انتظار الركاب
*** دعم تذاكر الموظفين و الطلاب
و سيكتب الثري ما يراه هو هامآ ، فيوصي بــ :
* سفلتة الشوارع و فتح المزيد
** تأهيل محطات الوقود و لخدمات
*** تشييد المزيد من مراكن السيارات
Parking spots
و هكذا ،
لكن المثال ليس تدليلآ على الانحياز بقصد التضليل ، مثل أن يعمد تجار البـن لدعم أبحاث تنفي الصلة بين شرب القهوة و ارتفاع ضغط الدم ، و ما الى ذلك من الوريقات التي يفترض فيها العلمية و بالتالي الحيدة فيما تعج هي بالغرض النافي للموضوعية، بقدر ما هو تأكيد لأن خلجات النفس البشرية حاضرة دائمآ ، مهما نزعنا الى العلمية و تشبثنا بالحيدة سيطل الذاتي محاولآ توجيه السلوك . هنا يختلف الناس و تتباين استجاباتهم لنداء ـ النفس ـ و هنا فقط يظهر سلطان الجزء العائم من جبل الجليد ـ الوتـد ـ .
ثقافة الصحة النفسـية عندنا قاصرة ، يستحي الكثيرون من زيارة الطبيب النفسي ، هذا الذي يعنى بالجزء الأكبر من شخصيتنا ، فيما يتعجلون التداوي لأي علـة جسدية بائنة .
كذلك يسعى أهلونا لمداراة أي مظاهر مرض نفسي خوفآ من كلام الناس ، و كل شيء يمكن معالجته بيسـر حين يكون صغيرآ ، و على العكس تمامآ يتأخر علاج المريض و تسـتمر محاولات ابعاده من الناس كأن المهم هو سمعة الأسرة و ليس صحة المسكين هذا .
قد يكون الأمر اكتئاب بسيط لا يتعدى علاجه جلسات معدودة ، لكن جهل البيئة المحيطة بالمريض هو الذي يزيد من تدهور الحالة ، فحين يطرأ تغيير طفيف على سلوك المكتئب يتهامس من حوله :
* و الله فــط سـطــر
** فلان سـحـلـب ، سمعتو بيتكلم برااااهو
*** بسسسسسم اللاهي ، مااااالك آآآجـنا ؟
و المصيبة هي محاولات معالجة ـ المشـكـلـــة ـ !! حيث تعمد بعض العائلات لعلاج مشكلة العائلة و ليس المريض ، فيقوموا بحـبسـه في غرفة ظانين أنهم بهذا يحلون ـ المشـكـلــة ـ ، و الواقع أن التدهور يزداد بعدها بصورة مذهلة . نأتـي لـمحاولة العلاج عند شـيخ أو فـكـي ، و معلوم أن بعضهم غير مؤهل لذلك ، فتصـور أن المكتئب المسكين جاءت به أمه للعلاج عند شيخ متمكن و مشهور يعرف أسرار القرآن و يميز تلبس الجان ثم لم تجد الشيخ بقريته ، تتفضل سيدة أخرى بقولها :
* ولدك وديهو لي راجل أم بعيبيشة ... و الله لحاقآ .
** تقوم ـ ست الرايحة ـ تسافر لي خليفة أبوهو ، اللي ما عرف أي حاجة لســة ، فيأمر بجلد المكتئب البائس مرددآ :
أخرجي
أخرجي
و هنا فقط يجن الصبي و تزداد علته سـوءآ
المجنون ... المجنون ... المجنون
يتردد الهتاف بشكل ايقاعي ..
أو يتعامل الكبار مع الشخص المبتلى باعتباره فاقدآ للأهلية ..
و في كلا الحالين يعتمد المجتمع على سلوك المريض لتشخيص حالته ..
هو اما شخص متسخ الثياب و كثير الملابس ..
أو كثير الكلام مع حركات عصبية .. و ضحكات مريبة و سـهوم ..
أو عدواني / انطوائي ، بحسـب الحال ..
و لكن .. هل هذا ـ فقـط ـ هو من فقد عقله ؟
هل يوجد في المجتمع أشخاص على درجة من انضباط الفرد الظاهري ، ثم يتبدل سلوكهم ؟
ليس كل ما يقوم به المرء من حركات أو ما يأتيه من سكنات يأتي متوافقآ مع الاطار الدلالي لتلك الحركات و السكنات. لذا فمن العدل أن تفهم الآخر قبل الحكم عليه ، فالتقييم الظاهري قد يخدعك ، و تحضرني هنا نصيحة طبيب العيون الذي شرح لي تمرينآ لتقويم البصر يقتضي أن أمسك قلم رصاص و أقربه من عيني ثم أبعده على امتداد يدي و أكرر العملية مركزآ بصري على سـنة القلم و متجهآ ناحية الجدار حتى لا يجذب انتباهي شيء آخر ..
طلب مني طبيبي ، و هو يضحك ، أن أقفل باب الغرفة قبل التمرين ..
كذلك ليس كل من تبدو عليه علامات العاقلين في مظاهر سلوكه يمكن الثقة في صحته النفسـية ، و لك أن تراجع بذاكرتك صورة أحد كبار البلد و هو يتهجـم على صبية في سـن بناته ، ان لم نقل حفيداته ، فهذا الكهل لا ينطلق من فحولة زائدة و لا كبت جنسي بقدر ما هو صراع دوافع بداخله برز في متنفس يستهجنه المجتمع و لا يرعوي المأزوم من - انطلاقات - أحزانه تلك ..
ثم جنود الأمن الذين يقومون بتعذيب الخصوم السياسيين ، في هذا العهد و قبله .. في السودان و غيره ، هم أناس مشروخي الروح و يحرك أحقادهم نحو المجتمع وجود نجومه مقيدين تحت رحمتهم ، فهذا هو المحامي الكبير مقيدآ يلهث في الحـر و ذاك الصحافي الشهير يتألم طالبآ فرصة لقضاء الحاجة .. و هو يضحـك بتشفي بائس !! .. و يضربهم و يسيء اليهم بأبشع الألفاظ .. فهل يمكن أن نصنفه مع الأسوياء مهما أقام الصلاة أو تزيا بلامع النجوم ؟
و المرض النفسي الذي يستهدف العقل و يؤثر بالتالي في السلوك لا يمكن أن يشمل النفاق و الانتهازية لأنها سلوكيات تحتاج ذهن وقاد و ذكاء حاد ، فضلآ عن أنها نسبية فما تراه أنت نفاق يعتبره غيرك ديبلوماسية و ما تراه الانتهازية المطلقة يسميه سواك ـ فهلوة / تفتيحة ـ و يعنى بعلاجها الأخلاقيون و الروحانيون بحسب دين و ثقافة العميل ..لكن الزول الكاضم و فجأة يضحك و يتكلم براهو دة مريض نفسي لو قاعد في الجيزة و لا التكلة و لا نيويورك .. ما فرقت ..
و ليس أشقياء الأمن و زبانية التعذيب وحدهم ، فالأستاذ الجامعي الذي يستعرض معارفه بإزدراء طلابه و تسويد صحائفهم إنما يصدر عن ثمة سـوءة في بناء شخصيته النفسية و إن خالها تخفى على الناس تعلم.. و الطبيب المتخصـص حين يهتاج في وجه مرضاه إنما يعبر عن شرخ ، مهما تضاءل ، يكمن في قاع اللاشـعور و يبعث فيه شهوانية التشفي و إن تخفى في زي مقبول إجتماعيآ..
الفصـل الإجرائي بين المؤثرات الإنسانية (الذاتي) و بين الهدف الإنتاجي المجرد (الموضوع) يعد تهويمآ في الخيال .. لكن كبح الذاتي في حدود ، رغم نسـبيتها ، يعتبر أنجع الوصفات وصولآ بقيم البحث لغاياتها المرجوة ..
imported_فيصل سعد
09-01-2008, 07:37 AM
كتاب الاغاني 2/ المواعيد في الشعر الغنائي السوداني ...
خالد عبد الرحمن 3mk-Tango
مواصلة لرصد ومتابعه مستمع عادي .. تمر عليه في اليوم كميه كبيرة من الاغاني والكلمات ... اتوقف عند الاغاني التي تحكي عن لقاء المحبين ... او المواعيد ..
لم استطيع ان افصل هذه المرة الشعر الغنائي الي مراحل وان كانت هناك مراحل فان المواعيد لم يكن معظمها الا احلام عند كتاب الشعر الغنائي الاوائل في الحقيبة ... وذلك ايضا لطبيعة الحياة والمجتمع ... فان رؤية المحبوب فقط من ( رقراق ) الباب كانت تلهب المشاعر وتسكر شيطانه الشعر ويتحاور ويتباري المتبارون في القاء الجميل منه .. من بديع الخيال ( اليست ان اجمل الشعر اكذبه ؟ ) واكيد لو كان حال اهل الحقيبة مثل حال اليوم لكنا سمعنا الكثير عن اللقاء الحقيقي .ولكن معظم اغاني الحقيبة كانت تتحدث عن الرؤية او المشاهدة.. وان لم يخلو الامر احيانا من لقاء او مواعيد ... ولكن البحث عنها يحتاج الي حازم عتيق .. مرة اخري ودائما ..
اما الشعر الغنائي الحديث فهو ملئ بالكثير من اللقاءات .. ويمكن تقسم هذا اللقاء الي قسمين :
...
1/..لقاء تم فعليا بين الحبيب والمحبوب . وهذا ايضا يمكن تقسيمة الي : لقاء صدفة ..ولقاء مدبر ...
2/..ولقاء لم يتم وكان خلف الميعاد فيه لظروف مختلفة او كما يقال بمصطلحات مختصرة ( شراني وشريتو علي حبل الانتظار ) ...
نبدا في الغناء الحديث برائد المرحلة الكاشف :
الليلة لاقيتو ملاء السرور قلبي وبي اسمو ناديتو
وهو من اللقاءات المدبرة والتي تمت فعليا وفيها يتم نقل صورة عن كامل المشاعر والخلجات ..
ومن اجمل لقاءات الصدفة ما كانت تحمل اسم صدفة لوردي :
صدفة واجمل صدفة يوم لاقيتو اسعد يوم يومي الحبيتو
وايضا الطيب عبدالله في اغنية تحكي كلها عن اللقاء والانتظار بشكل عميق ( وهي سبب كتابتي لهذا البوست )
لقيتو واقف منتظر تشتاقي عيوني لطلعتو
نفس الملامح والشبة .. والمشية زاتا ووقفتو
اللهفة والتوب والقوام واوصاف حبيبي وروعتو
تاريهو يا قلبي الحنين
راجيك بي شوق السنين
ياربي واقف من متين ؟
لكن اه يخلق من الشبه اربعين
من كم سنة لا هو عارف لا انا
سايقني في بحر انتظار ما عدي في ليلو الهناء
واعدني بي لحظات شجون
تشتاقا كل الامكنه
وانا في مسار الشوق لقيت
ميعادو فرهد كم سناء
ياربي جيت قبل الميعاد ولا الزمن غفلني زاد
قصة يغيب ما اظن تكون ولا اظن تدور يوم في اعتقاد
جاييهو من مشوار بعيد
كايس عليهو بلاد بلاد
مرسالو لي دائما يقول
القاهو في نفس الميعاد
انا ديمة يا اجمل ميعاد راجيهك وانت علي تطول
امشي واكوس في كل بيت
واسال صحابك وكل زول
ويقولوا لي هنا هسة كان
عنك بيسال وليك بدون بدور
والقاهو في نفس الميعاد
ما اظنو تاني علي يطول
لقاءات مختلفة لا تخرج عن التصنيفات السابقة ولكم حرية وضعها في المكان المناسب :
من غير ميعاد واللقياء اجمل في الحقيقة بلا انتظار ...
رجيتك وفي انتظار عينيك كملت الصبر كلو
انا واشواقي والساعة ميعادك جينا من قبلو ... ...
طال انتظاري ليلة السبت ... يا حلوه العينين يا انتي ...
انسيتي وعدك بالقاء هنا ؟ .. كم مرة بالله اوعدتي ...
قابلتو دون استار وسعدت بيهو مرار
هل من عودة لي ... ؟
ماذا اجد عندكم من لقاءات وماذا حدث معكم فيها ؟
واي اغنية كانت تعبر عنكم ؟
imported_فيصل سعد
09-01-2008, 07:50 AM
الاحد ابريل 10, 2005
مايا والبرتقال .. القصة الكاملة ..
معتصم الطاهر
كانت الساعة تقارب منتصف النضوج عندما أثمر باب المكتب عن برتقالها ..
كنا ندير فناجين الحوار مع زميلات بينهن زميلة أوسعناها أقداحا مُرة لرضاها أن تكون زوجة ثانية مال زوجها إلى الأولى مكانا وزمانا.
حضورها .. كأن نوراً خرق قامة النهار ..
كأنها خرجت غضة من شجرة حلمى ..
حلمى ذلك الذى كنت أحمله صبياً ،
سماحا .. ليس كحلمى تماماً ،
فهو لا يملك كل ذلك الخيال الخلاق ليرسم مثلها فى يقظته .. أو حلمه ..
..كل مآذنى أعلنت صلاة الانتباه ..
نواقيس الدهشة أعلت رنينها ..
ونداء يهتف بى " لا تقرب هذه البرتقالة فتكون من العاشقين"
.. حتى شياطين الإنعتاق حذرتنى أن لا أقرب هذه الشجرة ..
وهاتف داخلى يشدنى .. وملائكة العذوبة تسجد ..
الا قلبى أبى واستكبر …
همست لنجلاء زميلتى - والتى يظهر من مواسم الإنبات أنهما من نفس الحديقة ..
قلت بأرق الساعد والمعول .. جاداً بأكثر ما تحمل الأشجار من ورق :-
" أرجوك .. وأحذرك .. ثم أحملك مسئولية ما يحدث
.. إذا أثمرت هذه البرتقالة فى مكاتبنا مرة أخرى!
ضحكت نجلاء وقالت:-
" لا تدنو منها إذن ، فليس هناك ما هو أدنى من الأرض لتنـزل إليها .."
.. كانت هنالك ملائكة أخرى تسبّح داخلى ..
مساء ذلك اليوم جلست أحكى لأطفالى قصة الخلق ..
وحواء المخلوقة من ضلع آدم القريب من فلق البذور ..
كأننى تعمدت تناسى قصة الشجرة المحرمة ..
****
صباح الغد أشرقت الشمس بلون البرتقال ..
"المشردون " على رصيف النهر خدودهم برتقالية الملمس واللون ..
تبادلوا بينهم قشور البرتقال ونزلوا إلى الشاطئ يمرحون ..
شرطى المرور يشير بشريحة من البرتقال ..
حتى الأسفلت كان بلون البرتقال ..
وضعت أمامى السكرتيرة عصير برتقال .. اعتذرت ..
فأنا منذ هذا الموسم سلة برتقال ..
البرتقال مواسمى معها
لون الإدهاش منها
شرائح الحديث معها
مذاق اصطفانى طويلا ..
وسادتى و فطامى
تضاريسها وأطلس اشتهائى
رضاب الينابيع التى ما قتلت صبابة
سألت نجلاء عنها ضحكت ..فقد كانت هى تسأل عنى مساء الأمس ..
قالت:" تعجبها .. يعجبها نضوجك ، هذه ليست مايا التى أعرفها .. أسئلتها لم تدع للنوم طريقا إلا أقفلته "
وأنا فتحت أمامى مواسم و فصول من الـ …لا أدرى تحديدا ..
وقبل أن ينضج داخلى البرتقال كانت تزورنى فى المكتب ،
هى ليست من اللاتى يختلقن حجة أو سببا ..
قطرات قليلة من رضاب التلقائية ..
.. ترتيب لوضع الألوان ..
ثم ..إنعتاق
و تذكرنا أننا تعارفنا منذ مئات السنين .. وتأخرنا دهورا لنلتقى ..
وخرجنا معا .. أنتهى بنا المشوار إلى حديقة الغابة،
لنواصل حوارا لم نبدأه
ولنكمل حديثا لا نهاية له .. لولا غيرة شمس ذلك اليوم وتحرُش غسقها بنا .
ولأننا من تلك الذات الواحدة أو من عناصر ذرة الماء تلك ..
فلو أسرعنا قليلا لالتقينا منذ ذاك الضلع قبل ان يعوج ..
لأن.. ولأن .. فهكذا سريعا كان هكذا حب .. انتظرناه حتى تواجد أمامنا ،
لم يكن واقعا قاسيا .. فقط تأخرنا بعض سنين لنلتقى ،
خلال تلك السنين أنبتت فى داخلى زوجة وجدت فى بعض ما تمنّت ..
ووجدت فيها خير الجروف والحدائق ..
اخترتها دون كل من حولى وحولها .. أحببتها، وأثمرنا أزهارا وفواكه ..
أحبها.. قبا ان تلتقى عيونى ومايا
***
ردا لتلك الزيارة دعوت نجلاء أن نزورها فى الجامعة ..
وعندما خلينا لبعضنا حاولت أن أقود النقاش نحو تفسير العلاقة أو تبريرها ..
عرفت أنها لا تريد تفاصيل الحوار وخاصة أننا لا نعرف أين نقف الآن ..
و أننا نحس بهذا الذى داخلنا وبيننا ولا نريد أن نفسده بأى تفسير غير مبرر ..
تعددت لقاءاتنا ،
فكلما تمنيتها وجدتها أمامى ..
وكلما اشتقتها ذهبت عندها
وما أكثر ما تمنيتها وما اكثر ما اشتقتها ،
لم يكن غريبا أننى كلما تمنيتها توقعتها ويصل ندائى إليها فتحضر ..
تدرك شوقى قبل أن أحسه .
كنت مكشوفا أمامها وواضحا بما هو مقدَر .. وبرغبتى ،
كانت ناضجة .. طاعمة فى مكان " المساخة " وشفافة فى زمن العتمة
..مستجيبة لا منقادة..
ألم تكن أول من خطى نحو هذه العلاقة عندما كنت أهذى مع قريبتها .!!
علمتنى أناقة الحوار. .
حديثها كما أعد لعرس الكتابة ..
تقبلت حديثى الحافى على رمل نفسها المبتلة ..
أنبأتنى بأسمائى كلها ..
فذهبت بها إلى الهشاب لأعرف البرم عليها وأغيظ السيسبان.
تحفظ من الشعر مقاطع حميمة ..
وأقرأ عليها مقاطع الشعر النضالى وأبيات من قصائدى الصدئة.
كنا نلتقى فيسعى برتقالها بين يدى وفمى وعيونى و .. كلّى ..
قال صديقى :" كأنها أخذت عيونها وكوت بها صفحة وجهك وجنوبه ..إنه جزاء من يكنـز الحب والجمال" ..
- هل يظهر ذلك على ملامحى ..؟
- " نعم ، كما الوحم فى أول شهور الحمل يعرفه من كابده "
- ضحكت للتشبيه ولم أخجل من الشبهة ..
***
رغم العلاقة الحميمة مع زميلتى نجلاء، لم يقربنا حبى لمايا أكثر ، فكأن علاقتنا واقع فرض عليها .. ولكنها ظلت أحد وسائل التواصل بيننا .. رغم أنها دعتنا معا إلى مناسبات عامة وخاصة وكانت تجلس معنا .. لا أعرف فكرة من هى ، لكنها أزاحت عنى شعور الاختباء وأشبعت ولو قليلا حاجتى لأن أعلنها على الملأ وأخفيها عن الجميع .. أما هى فقد رغبت دائما أن لا تتوسع دائرة من يعرفون العلاقة ..
أسرة نجلاء والتى تسكن معها حبيبتى فى فترة دراستها .. تقبلتنى كزميل وصديق لنجلاء ولكن ما بينى و مايا لم يخفى على فطنة أختهم الصغيرة ،
وبقى الحال كما هو عليه ..
ظننا أننا قد ملكنا العالم كله وأنّ الدنيا كلها ملك يدينا وأننا بعدنا عن سكانها وعلى مقعدنا المأثور فى تلك الحديقة فرشنا من أحاديث ونثرنا عليه من حب ونقاش وتهربنا من الحديث عن مستقبل العلاقة خوف القادم وجمال الحاضر ..
وظننا أننا ابتعدنا عن الجميع لا أحد يمكنه أن يعرفنا فى ذلك الموقع حتى جاء ذلك اليوم الذى حيانى فيه أحدهم بلقبى الوظيفى فضحكنا جيدا ..
- "وتظن أنك ابتعدت عن العيون والمعارف"
أحد حراس الحديقة تعمد مضايقتنا ..
..فى الغد لما كنت وحدى سألت رئيسه :
لماذا يضعون الحيوانات المفترسة فى الحدائق ..
لماذا يصنعون الأقفاص الاجتماعية ..؟؟
لماذا يضعون البرتقال فى السلال ؟؟
لماذا يسورون الحدائق ؟؟
هذا الموقف جعلنى أفكر فى أننا جزء من مجتمع وتقاليد وتراث ولكن هذا المجتمع لا يمكن أن يفهم أو يحس بما نحن فيه .. لن يفهمنا ..
لا أعرف هل كنت أغالط نفسى.. أم أرضى كبريائى
.. أو هى أنانية التملك!!
****
عندما حانت العطلة ذهبت لوداعها ..
جعلنا للوداع طعما حلوا .. ومختلفا .. بمذاق البرتقال .. كما لكل شىء فى حياتنا ..
تلك البنت تعرف كيف تجعل للأشياء والمواقف طعم الأحلام ..
أليست هى التى خرجت من حلمى .. أليست هى خلقى الذى لم أستطع إنجازه ..
ذات أريج كنت متلبسا بها .. واسترجع الفواح من خواطرى
انتابنى عطرها .. ذاك الناضح من مسامها ..
شعرت بالزهر حولى يقرأ ذاكرة الفواح فى خاطرى
بعضه افرج الشفاه اندهاشا
وبعضة ضمها تأهبا للقبل
أدانت وردة - حجبتها عن خواطرى فراشة - تسلط الألوان
حملت شوقها فى سلة من اللحاق ..
ووجدتنى ألحق بها ..
والتقينا وقضينا نهارا فى قضاء بعض حوائجى ولقاء بعض الأصدقاء ..
سألتنى قبل أن ألقاهم :"هم أصدقاؤك ويعرفونك فكيف ستعرفّنى؟إنه وضع حرج لنا "
عندما التقيت صديقى .. عرفتها " مايا حبيبتى ".. هكذا بكل فخر وبساطة .
ولكن عندما التقيت بصديق آخر كانت معه خطيبته وزميلتها السابقة سألتنى تلك " ماذا تفعل مثلها معك .. يجب أن تبتعدا عن بعضكما رغم هذا الحب الذى أراه " …كان صديقى هذا قد طلق زوجته ..
زرنا إحدى قريباتها فى مكتبها ، وكانت قريبتها كما الكثيرين فى طريقها لأمريكا وسألت مايا أن تلحق بها ..
- " أما يكفى أمريكا ما أخذت .. لن أفرط فى حبيبتى .."
بعد خروجنا قالت لى مايا "لقد حولت اسمى إلى كنية لك وأخذت راحتك فى هذا اليوم .. من تريد أن تقابل بعد ؟؟ نحتاج بعضنا بقية اليوم " ..
كنت أود مقابلة صديقاتها قالت لى " لا أستطيع .. يكفى أن سمر قالت أننى منذ عرفتك .. لا أعرف طعما لأحد غيرك .. توبخنى بأنى لم أعد أستطعم غيرك !"
- " وهل هذا صحيح ..؟ "
- إنه من حوار البنات ولا يدخل فى جدية العلاقات .. ثم " أن هذه من الأمور الخاصة التى اتفقنا أنها لا تدخل النقاش .. "
أذكر أنها من قال ذلك ولكنا لم نتفق عليه ..
أو أنني لم أضع له أهمية ولا أعرف بيننا شروطا أو غيرها ..
- "لو كان هذا صحيحا وشعور حقيقى فأن هذه العلاقة خطأ وشعورك نحوى خطأ فإذا لم .."
قاطعتنى بأننا اتفقنا أن لا يتدخل أحد فى خصوصيات الآخر ..
وهل هذه خصوصيات ؟ وهل هى آخر ؟ وهل وافقت أنا على هذا ؟ ..
و هل من الخصوصيات أن تحبك من تصلى وتطلب السماح كل يوم من زوجتى التى لم ترها ولم تعرفها ؟؟
تصلى طلبا للغفران من خطيئة الحب الذى شاركت فيه أخرى ..
بقدر فخر الرجولة فى أن أختصر فى عيونها كل الرجال ..كان هذا سببا كافيا لأبتعد عنها لو استطع ..
ما أحببتها لأبعدها عن الكون،،
لا أعرف إلى أين تقودنا هذه العلاقة التى أعمتها عن غيرى وحرمتها منهم ،
.. صارحتها بتفكيرى
و" إننى أحب أن أكون أجمل ما فى دنياك وأن أجمَلها لك أكثر ..
لكن أن أكون كل دنياك .. خاصة الآن وأنت تأخذين جزءا يسيرا منى .. تستحقين أكثر .."
- "تقصد دون ارتباط رسمى " ضحكت وأعطتنى برتقالة ..
سألتنى ذات موسم برائحة المانجو " هل يمكن أن يحب الإنسان أكثر من واحد ؟"
لا اعرف لماذا أخذت السؤال بشكل شخصى..
أجبتها: " لا أعرف جيدا ..ولكنك حبيبة القلب الأولى والمساحة التى تحتلينها فى قلبى لو لم تتركها "هى" خالية أو أهملت فى مفتاح قلبى لما وجدت مساحة لتدخلين .. أقول لك .. أظنك كنت فى القلب قبل أن يخفق، أو ربما تكونين قد عرفت حل الشفرة" ..
وذهبت خواطرى قريبا .. أقرب من حبل الحبيب ..
وأنا مشغول بها عنها فاكهة من الزمان .. وعيناى تحتسيان الدهشة من برتقال حدائقها
نشبت بيننا برتقالة
أخذتُ الأمر بمنهى الرحيق
ولكنها كانت برتقالة جداً منى
حتى أن اللون كان ينضج فى برتقالها
اعتذرت لها بكل رضاب الرياض
حتى سكت منها البرتقال … وأومأت ببرتقالها راضية
كنت صادقا فى حبها ووفيا معها ومع زوجتى فعند ما ألتقيها لا أخونها مع زوجتى ؟ .. لم أقصد توزيع زمنى أو العدل بينهما فلك سبيل ولكل طعم .. فمايا بطعم البرتقال وزوجتى بطعم الحليب ..
نبهتنى زوجتى ذات يوم .. بداخلها دائما ذلك الإحساس بوجود امرأة فى حياتى .. تعرف أنها تركت مساحة خالية فى القلب أو أهملت مفتاحه .. تعرف أننى فى حاجة لها أكثر من أى وقت مضى .. أحتاج اتزانا .. وزنة .. خريفا آخر ومواسم للإنبات .. تخصيبا دون تسميد .. أحتاج فاكهة لكل المواسم القادمة ..
فما دمت أعاملها دون تغيير ودون تأنيب ضمير .. لا أدرى كيف!! فسأعود .. فعليها بالصبر ..
****
نتيجة الامتحانات لم تكن كما سابقاتها ورغم مبررات سلمى الواهية وأن علاقتنا ليست السبب .. لم تستطع أن تجد القناعة فى نفسها لتقنعنى .. فقد حازت الدرجة القصوى فى حبى .. هكذا بدأت أحس بالذنب والحب كما تحس هى تجاه أسرتى ..
-" ماذا ترى صديقاتك .."
- " إنهن لن يقاضيننى .. فمن يراك تبتل قطرة فمطرا لا يملك حق القضاء ،، ومن يأتى للعدالة يجب أن يأتى نظيف اليدين .."
- " وهل تبقى علاقتنا هكذا ؟ لقد بدأت آثارها السالبة .."
أن أحبك وتبقى العلاقة هكذا خير من أن أفقدك .. لا سبب يجعلنى أتخلى عنك .. صديقتى قمر قالت لى "يجب أن نحتفظ بكل الأشياء الجميلة وما بيننا أجمل ما لاقيت "
.. هل نعلّب هذه العلاقة ؟ ولماذا لا نحتفظ بالعلاقة والحبيب..
- " تتزوجينى .."
كان رد فعلها سريعا ومفاجئا .. عيونها الشقية بدأت تأخذ لون البرتقال المر
..سريعا جدا بدأت تقطر رحيقها ..
وددت لو ..
لكنها قامت من جلستها ودخلت السيارة ..
لحقت بها وأوصلتها دون نقاش ..
مدّت يدها عند الوداع وتركتها قليلا فى راحتى دون ذلك الحوار الجريء بين أصابعي وأناملها ..
انصرفت دون أن تنظر خلفها حتى وصلت باب المنزل .. التفتت ولم أرى تعبير وجهها جيدا ..
فى الغد كانت قريبتها تحمل خطابا قصيرا " لقد اخترت فراقى وأفهم أسباب ذلك .. إذا التقينا مرة أخرى يكفينى منك السلام .."
قريبتها قالت لى " أعرض عن هذا ..
.. مجرد لقاؤنا كان عودة .. رفضت الانفصال ..
فكرة الحياة دون فواكه
فكرة الفواكه دون برتقال
ذات خروج الى المروج والهروب من المدينة فاجأتنى بما سكتنا عنه كثيرا
- " لا استطيع إرضاءك ولم استطع اقناع نفسى .. لن اقدر على اقناع المجتمع
لا سبيل .."
لم اطرح ايا من افكارى على طاولة الفواكه
حقيقة ترددت ..
خفت من كل الاحتمالات
وكما دخلت فى حياتى أخرجت نفسها .. دون أن تفارقنى .. اختفت عن عينى عينيها .. وعن مذاقاتى طعم البرتقال ..
من يعيد لى طعم الأشياء الأخرى ..
فكلما انتابتنى تشنجات الذكرى ملأت أنفى رائحة البرتقال ..
.. على أن أشفى من العلاقة لا الحب و أسعى لسرعة الشفاء
فما زلت أحمل إحساسا رقيقا نحو البرتقال .. فاكهة .. و..مايا ..
imported_فيصل سعد
09-01-2008, 08:14 AM
الرباطابية
شوقي بدري
أذكر أننى قديما رددت ردا غير لطيف فسألنى سودانى فى أبوظبى : ( انت رباطابى مش كده ؟ . ) فقلت له ( آى لاكين بتعالج ) . فضحك وتصافينا . فى بعض الأحيان أحس بأن الرباطابية نوع من الادمان أو المرض يصعب التخلص منها . وتجر على صاحبها كثير من البلاوى والمشاكل ، الا أننا لا نستطيع أن نقاوم الرد البايخ .
أظن أن الأمر يبدأ بالمنزل والناس الحولك . فاذا كان أهلك يحبون المطايب والأكل وينشغلون بها فاحتمال كبير أن يصير المرء ( بطينى) . واذا نشأ المرء فى منزل يقيم أهله الصلاة ويسهرون الليل فى العبادة فالاحتمال أن يصير المرء متعبدا تقيّا أكبر .
أذكر أن والدتى رحمة الله عليها سألتنى بعد الدافورى وأنا مندفع خارج الدار ( ماشى وين يا ولد ؟ ) فقلت ( السينما ) ، وقالت ( بى شكلك دى ؟ ) فقلت ( لا حأعمل مكياج فى الأول ) . فضحكت أحدى الزائرات فى المنزل من أهل أمى من دناقلة بيت المال وقالت ( ولدك ده يا أمينة طلع على أهلو الرباطاب .) .
منزلنا الذى كان يمتلأ بما يقارب من الثلاثين شخص بصفة دائمة وبأعمار مختلفة كان لا يسمح للشخص أن يعيش بدون أن يستخدم لسانه . حتى والدتى رحمة الله عليها كانت تتسلح بلسان الرباطاب لكى تتفادى المضايقات والأسئلة الكثيرة . وأذكرها ترد على شقيقى الشنقيطى عندما سألها ( كدارتى وين ؟ ) . قالت ( أظنى نسيتها فى بيت البكا يوم داك) .
أخونا حمودة النعيماوى بحجمه الصغير وعمامته الكبيرة كان يجوب سوق أمدرمان كسبابى . ومرة كان يحمل زوج من مراكيب النمر بربل فاخر ، والثمن كان سبعة جنيهات ، وهذه ثروة . والجميع يقلبهم بتحسر ويردونهم . فمد أحد أهل البادية يده والذى كان يرتدى ملابس بلون الأرض وينتعل ( شقيّانة ) وهى صندل من الجلد الغير مدبوغ بسيور فى قوة الفولاذ لتفقد المركوب . فأنتزع حمودة المركوب قائلا ( ها زول مالك ، ده بسولك الحساسية ) فضحك الجميع حتى البدوى .
أحد أهلنا الرباطاب حضر لزيارة قريبه المريض فى مستشفى أمدرمان . فرفض الحراس ادخاله بالرغم من الترجى . فتسلق الدرابزين . فأتاه الحراس مهددا ( أنزل بجيب ليك البوليس ) فقال الرباطابى ( ها الغبيان ده . بوليس فى شنو . أنا بدور أسرق لى مورود؟ ).
عندما ولد ابنى منوّا بيج خرجت لأحضار بعض الأغراض . وعندما كانت احدى الممرضات تفتح لى الباب اعترضنى دكتور بطريقة لاعبى كرة القدم الأمريكية وسألنى بطريقة حادة ( عاوز شنو ؟ ) فقلت له ( داير أخش أشيل لى تبيعة أفطر بيها ) . وعندما رأيت حيرته واصلت ( فى زول لو ما مجبور بجى المحل ده ؟ ) . وكانت الممرضة خلفه تقبض على بطنها وتقاوم الضحك . فى اليوم الثانى عندما شاهد الدكتور والتيم زوجتى فى المرور انفجر الجميع ضاحكون ولم تفهم أى شيىء الا حينما حضرت فى المساء . هذا الدكتور أشرف على والدة ابنى عثمان فيما بعد وكان لطيفا جدا فى الحقيقة .
عمنا الحنّان الرباطابى سكن بالقرب من حديقة الموردة . وكان الأهل من الرباطاب المشهورين بفتل الحبال والسعف يحضرون مرضاهم للعلاج فى أمدرمان . وأحد آل الحنان كان تمرجيّا . وبعد الرجوع من سهرة لطيفة فى حديقة الموردة وجد بعض الأهل من الرباطاب ومعهم مريض . ورفضوا الانتظار الى الصباح واصروا على الكشف عليه . والرجل كان متقطّع النفس . وبالنظر الى داخل جفونه كانت جفونه بيضاء دبلان بس . وعندما أصروا على أن يعطيهم رأيه قال لهم ( ده لو باكر قام فتل ، لومونى ) . وكنا فى أمدرمان نردد هذه الجملة لأى أمر ميؤس منه ، سيارة قديمة أو حمار أو صفقة .
سمية بنت أختى والمحاضرة الآن فى جامعة الأحفاد كانت ترضع ابنتها الصغيرة . وحضر زائر فى منزلنا ليهنىء شقيقتى الهام بمولودتها . فسأل سمية ( دى بت الهام ؟ ) فقالت سمية ( لا دى بتى أنا ) فقال الزائر ( انا كنت قايلها بت الهام ) فكان الرد ( وبت الهام أنا أرضعها ليه . أنا حليمة السعدية ) .
فى سنة 1980 نزلت فى مطار بيروت بواسطة الخطوط الجوية الاسكندنافية لأكتشف أن البلد مقفولة وممنوع دخول أى مسافر فيما عدا اللبنانيين والسوريين . وزوّدنى مسئول الخطوط بتذاكر لتناول الوجبات وتذكرة رجوع فى اليوم التالى . وسألنى أحد الجرسونات بعد أن استلم التذكرة ( ايش طلبك ؟ ) لكى أكتشف أن الشيىء الوحيد الموجود هو سندوتشات جبنة . وعندما تكرر السؤال فى الوجبة الثالثة قلت له عاوز تبّولة وبابا غنّوج ولحم مشوى مشكل مع سبانخ . وعندما قال أنه ليس هنالك أى شييء سوى سندوتشات الجبنة ، قلت له ( طيب بتسأل ليه وقت انت عارف؟ ) فرفض أن يعطينى أى شيىء .
وفى المساء استلقيت واضعا البالطو تحت رأسى والحقيبة بالقرب منى . وكل نصف ساعة يأتى عسكرى لايقاظى قائلا ( حضرتك مسافر ؟ ) وعندما تكرر الأمر قلت ( لا، أنا فى الحقيقة صاحب المطار الجديد ، نايم هنا عشان أحرسه ) فبدأ الجندى فى الصراخ والزعيق . على أثر صياحه جاء ضابط . فقلت له ( شخص غريب نايم فى مطار وجنبو شنطة ، حيكون شنو يعنى ) فضحك الضابط وصرف الجندى وأشاد بالجنود السودانيين الذين كانوا يحرسون المطار ووصفهم بالأدب والاتزان . وطلب منى أن أتجنب الردود التى قد تسبب المشاكل . ولكن الرباطابية لا تموت ابدا .
ابنى عثمان الذى فى الثامنة من عمره ورث هذه الرباطابية بالرغم من أنه مولود فى السويد . قبل مدة طالبته بأن يلبس الخوذة عندما يركب الدراجة . وعندما احتج قلت له ( عشان لمن تقع وتضرب رأسك ده بالترتوار حينفقش ومخك ده يطير) فرد ( ياتو مخ ، ما مجننى ما عندك مخ ما عندك مخ ) . عندما كان فى الثالثة شاهدته يقول لأطفال أكبر منه سنا يمرون أمام منزلنا . ( بتعملوا هنا شنو يا خ...... ) وعندما انتقلوا الى الرصيف الآخر واصل خ ....... وكمان جبانين) .
من أكثر الأشياء التى يكرهها عثمان أن يوصف بأنه أخ شقيقه الأكبر . واحدى المدرسات درجت أن تناديه باسم شقيقه . فقبض على يدها قائلا ( أنا عثمان ، عين ، ثاء ، ميم ، الف ، نون ما بتعرفى تتهجّى ) .
قبل عشرة أيام واحتفالا بمناسبة انتهاء العام الدراسى حضر أحد التلاميذ الكبار فى السادسة عشر من عمره بعد أن صرف جهدا كبيرا فى تشكيل شعره فى شكل قرون على طريقة ( البانك) وتلوين وجهه . فشاهده عثمان على الباب وقال ( هو المدرسة فيها حفلة تنكرية واحنا ما عارفين ؟ ) فضحك الجميع ودار الطالب على أعقابه .
قبل أسبوع حضر حسين خضر ود الحاوى لزيارتنا وهو كاتل بدلة . وعندما نادانى عثمان سألت من هو الضيف ؟ . فقال ( مستر بريسيدانت ) . فضحك حسين وقال لى ( الود ده رباطابى تمام . هسى رئيس جمهورية فكّر فيها كيف . البلد دى ملكية ) .
أحد أهلنا الرباطاب كان يعمل كمساريا . والكمسارى عادة يحتفظ بعدة قمرات فى القطار وبيقبض عليها عشرين قرش ، خمسة وعشرين قرش ، خمسين حسب التساهيل . فركب بعض النساء الكبار من معارفه . فزودهم بقمرة وهو متحسر على الفقد . وسألهم قبل تحرك القطار ( ارتحتو ؟ ) فأشتكى النسوة بأن اللمبة ما شغاله . فقال لهم ( لمبة فى شنو ، عاوزين تذاكرو ؟ . ) .
أحد الركاب جلس على سلم القطار مبرما شاربه . وعندما مرّ أمامه سيد الشاى للمرة العاشرة قال له ( يا جنا كب لى شاهى ) ليجد أن الشاى قد خلص . فسأل ، خلص كيف ؟ . فكان الرد ( أنا ما مريت قدامك عشرة مرات ، ما سألتنى ليه ، تبرم فى شنبك كأنك كايس محطة هنا أمدرمان ) .
الفنان النعام آدم استيقظ فى القطار وسأل عن المحطة ثم قال ( ما دام دخلنا الرباطاب أحسن تتحصنوا ، بدوكم عين ) فقال رباطابى واقفا على الرصيف ( انت يدوك عين فى شنو ؟ فى شنبك العامل ثلاثة الا ربع ؟ ) .
أحد أهلنا الرباطاب خرج ماشيا مع حفيده الذى ولد بعيدا من الرباطاب وأمه غير رباطابية . وعندما شاهدا الترولّى وهو عربة صغيرة يدفعها شخصين على قضيب السكة حديد ، أحدهما يهبط والآخر يرتفع . فقال الطفل ( ده شنو ده يا جدى الزى شراب السوسو ؟ ) فضحك الجد فرحا وقال ( انت رباطابى تب ) .
أحد الاخوة الشايقية تضايق من صراخ الباعة ( حبال ، حبال ، حبال ) فقال مستاء ( انت يا جنا محطتكم ده ما فيها غير حبال ؟ ) . فرد : فى طينا منبت بدور لو رفع .
وأحد المسافرين قال لبائع رباطابى ( ما عندك جنى جداد نى ؟ ) فكان الرد ( نى ليه بدور تركض فيه ؟ ) . فى سوق التمّارة فى أمدرمان يبيعون الحبال والجردقة والعطرون وأشياء كثيرة . عمنا الرباطابى سأله شخص لا يبدو كمشترى ( يا عمى الجنازير ديل للبيع ؟ ) فكا ن الرد ( لا يا ود أخوى غسلتهن ، شاريهن راجيهن ينشفو )
كثيرا ما أحاول أن أتجنب الردود التى تسبب المشاكل ، ولكن الرباطابية لا تموت . مدير كورس اللغة فى شمال بوهيميا ( زلاتوهلافيك) كان يصطدم كثيرا بالسودانيين فى كل المراحل . فنادانا لكى يطلب منا الانصياع للاوامر ، بعد الثلاثة شهور الأولى من الدراسة . والتفت الىّ قائلا ( انت يا مستر بدرى لامين تتكلم معاى فاكر نفسك حاجة كبيرة . ؟) وبدون أن أقصد كان ردى ( ومال شنو ) وانتهى الأمر بطردى من الكورس وأكملت فى ثلاث كورسات مختلفة . وانتقلت الى مقاطعة مورافيا .
عند الحضور من كوبنهاجن الى السويد بالعبّارة يتعرض المرء بعض الأحيان لاستفزاز ومضايقات رجال الجمارك والبوليس . وأذكر الأسئلة مثل : جاي من وين ؟ وأرد عادة : من الباخرة . ويواصلون ، والباخرة جاية من وين ؟ . ) فأرد ( ما عارف نسيت أسال ) وينتهى الأمر باستفزازات متبادلة . وينتقل هذا الى المدينة لأن الكل يعرفون بعضهم . وتطور الأمر لأن كتبت خطابا لمدير البوليس ونسخة لوزارة العدل وصحبت المحامى بيرتل لياندر الى اجتماع مع مدير البوليس الذى دعانى الى فنجان قهوة وكيك وطيب خاطرى وقال لى ان الأمر لا يخرج من كونه عمل روتينى . ثم ذكر لى أنه قد عمل فى منظمة البوليس الدولى لعشرة سنين وكان صديقا حميما لممثل السودان لأنهم يجلسون حسب الحروف الأبجدية فى المؤتمرات والمحاضرات والحفلات . ورفض الرباطابى أن يموت . فقلت لمستر فيلى آندرسون ( ما هو اسم صديقك الحميم الذى جلست بجانبه عشر سنوات ؟ .) وعندما قال أنه لا يتذكر ، قلت له ( لاكين مؤكد بتذكر اسم ممثل أمريكا وكندا وألمانيا وانجلترا , وديل ما بيقعدوا جنبك ، ولا شنو ؟ . ويمكن كمان مذكر اسم نسوانهم وأولادهم . لاكين السودانى المسكين ده ما عرفتو ) فصار لون السيد فيلى أحمرا .
وفى الطريق لامنى المحامى بشدة قائلا أن مدير البوليس كان يتوسط معى ويريد أن يصير صديقى . فقلت له ( اننى لم اقدم طلبا للحصول على صداقته . ) المشكلة أن بيرتل لياندر من مشاهير المحامين فى مدينتا هو ابن لرجل بوليس . وكان يحسب أننى أتطاول على البوليس وابحث عن المشاكل . والأجانب عادة يبدون خوفا ورهبة من البوليس . فشرحت له عن الوضع فى السودان وعن عدم خوفنا من البوليس . وحاولت أن أشرح له من هو الرباطابى ، وكيف نجد صعوبة فى أن لا نرد . فاقترح علىّ أن يذهب معى الى السودان لفترة اسبوع لكى يأخذ فكرة ، خاصة بعد مواجهة مع مفتش البوليس برور بيورك .
ذهبت مع خالد محمد أحمد صلاح بخصوص اقامته . فاشتبكنا مع هذا المفتش الذى قال لى ( لقد تعبنا منكم ) . فقلت له ( ان عدد السويديين الذين يتركون السويد أكثر من عدد الأجانب الذين يحضرون للسويد . ) فقال ان السويديين الذين يتركون السويد هم بشر بكفاءآت عالية . فقلت له انك لا بد تقصد نجوم أفلام الجنس وراقصات الاستربتيس السويديات . هؤلاء مؤكد صاحبات كفاءآت عالية . فاكتفى بأن قال ( هذا الشخص لن يتحصل على اقامة الا فوق جثّتى ) . وعندما تحصل خالد على اقامة قمت بتصويرها وأرسلت اكليل جنائزى للمفتش ، فشرفنى ( بكبسة) فى المكتب . وأحد أسئلته كان ( اليافطة تقول استيراد وتصدير . ماذا تصدرون وماذا تستوردون ؟ . ولا أدرى أى شيطان جعلنى أقول له : نخّاسات سنون مستعملة . ولم يتمالك رفيقه الطويل القامة من الضحك ، وواصلت قائلا : ( انت بوليس أجانب . ايه دخلك بالتصدير والاستيراد شنو؟ هل أنت الغرفة التجارية أم المجلس البلدى ، أم وزراة التجارة ، أيه دخلك ؟ .
عندما رافقنى المحامى بيرتل لياندر الى السودان فى يوم السبت 13/12/1986 ذهبنا الى زيارة سكر كنانة . مصحوبين بابن العمة التجانى محمد التجانى وقيع الله من أهل رفاعة . ووالده جعلى ، الا أن تأثير والدته الحنيتى يبدو أنه قد طغى عليه . فعندما شاهد بيرتل النيل مكسوا بنباتات الديس بأزهارها الجميلة ، أوقفنا السيارة والتقط عدة صور من الكبرى . وعندما عبرنا الكبرى أحاطت بنا مجموعة من الجنود و شاويش بشنب ضخم ويلوح بعصا ابنوس أمام وجه السويدى . وارادو اعتقالنا قائلين ( ان الخواجة قد صور الكبرى . ) فخرج التجانى من العربة وكان قديما مساعد محافظ فى حكومة نميرى . وهو مؤلف كتاب ( الخيار الصعب ) ، وقال لضابط الأمن الذى استلم الأمر ( الخواجه ده صور الكبرى ده كيف ، بس فهيمونى ؟ . ) وقبض على يدىّ الخواجة من خلف ظهره ورفعهم عدة مرات قائلا ( الخواجة ده بيطير ، الخواجة ده هيلكوبتر ، كيف صور الكبرى ده وهو واقف فوقو ؟ الخواجه ده صور القش من فوق الكبرى ، ما بتفهموا ؟ ) وكان يقول لأحد الجنود ( الكبرى ده بنيتو انت ؟ ولا بنوه خواجات زى الواقف قدامك ده ؟ ، ولمن بنوهو ما صوروا ونشروا فى كتبهم ومجلاتهم وكتلوجاتهم . ويلتفت الى الشاويش قائلا : ( فى حاجة اسمها ستلايت ، انت واقف شنبك ده شايفنو بالستلايت ، وجاى تكورك الخواجه صور الكبرى ، هو الكبرى ده سر حربى يعنى ؟ . )
وبالرغم من أننى كنت أترجم كل الكلام للمحامى الا أنه كان مخلوعا ويحدق فى الأسلحة فى أيدى الجنود . وحاولت أنا أن أرضى ضابط الأمن الذى كان يصر على أخذنا الى الرئاسة ، والتجانى يقول ( نمشى السما الأحمر ذاتو ، يلاّ ) وفى الطريق حاولت أن أتوسل الى ضابط الأمن بعد أن عرفت أنه من أم جر . وسألته عن أستاذى فى الوسطى محمود برّات مؤلف كتاب ( جنوح الأحداث) وخريج الجامعة الأمريكية علم النفس وشقيقه عبدالله برات الداعية الاسلامى الا أنه لم يقبل ، والتجانى يقول ( نمشى أى حته ، فى زول فى السودان ده انحنا ما بنعرفو . ) وعندما وصلنا الى القاعدة انتصب قائد القاعدة وقطع تعظيم الى التجانى لأنه كان من حرس التجانى عندما كان القائد ملازما .
وبعدها صار بيرتل يقول لى انه فهم موضوع الرباطابية . واننا لا نستطيع أن نرد بسهولة .
من الأشياء التى تذكر عن الرباطاب هى العين . فى سنة 1963 كنت فى زيارة كمال ابراهيم بدرى فى مشروع بركة العجب خارج القيقر . وبينما نحن جلوس فى العصر فى البيّارة أتت الأغنام مع الراعى . فعندما شاهد حمل صغير والدته انطلق كالسهم . فقلت ( لا حولى الشيى فاكينو بى نبلة ؟ .) فدخلت رجل الحمل فى شق فى الأرض لأنه كان فى أبريل قبل هطول الأمطار وارتطم جسم الحمل بالأرض . فقام موسى صراف المشروع وصاحب الحمل وانصرف لحاله . وبعد مدة عندما أتى فى الفجر ليرافق معتصم السواق الى كوستى لأن موسى فى طريقه الى الجزيرة أبا لزيارة أهله . وعندما شاهدنى فى السيارة رجع . وعرفت فيما بعد أنه أخذ لورى .
العميد يوسف بدرى رحمة الله عليه كان يقول للناس بعد أن يشيد بمظهرهم ( آها هاك رموشى ) ويتظاهر بأنه ينزع بعض رموشه , ويقال أن ذلك يوقف عين الرباطابى . سمعت أن رباطابى شاهد خواجه يرتدى شورت وكرعينو غلاد فقال ( الخواجة رجلينو زى بطن السخل الشبعان . ) فأدخل الخواجة رجله فى فتحة فى غطاء أحد المجارى التى تصرف المطر وعندما أخرجها كانت مظلطة . الكلام عن الرباطاب لا يكمل.
imported_فيصل سعد
09-01-2008, 08:22 AM
نضج الزاد وغاب الأكلة
ود قاسم
العرب الرحّل كانوا يمرون من هنا ، يحملون أغراضهم ونساءهم فوق ظهور ثيرانهم . تنطلق ماشيتهم بطول الطريق وكأنها نالت تدريبا مسبقا على الحركة الجماعية . نحن اعتدنا على مرورهم من هنا في مثل هذا الموسم ، فلا تزعجنا حركتهم ، وزروعنا ليست خضراء لنخشى عليها من هجمة مواشيهم ، فقد انتهى موسم الحصاد ، ولم يبق إلا التبن لنبيعه للعرب الرحّل لترتع فوقه مواشيهم وتنصب إلى جواره بيوت الشعر ، وتنتشر رائحة اللبن المخثّر والسمن البلدي . والترعة ممتلئة لسقيا الرعية ، وشجرة الطلح تلك باقية أبد الدهر تمد ظلها رغم أنف الهجير ..
تتجول تلك البنت في قريتنا ، لتبيع الروب ، واللبن المجفف المعروف باسم ( الإقط ) ، والنبق المطحون المعروف بإسم ( التابوت ) .. شعرها متناثر فوق أكتافها ، لا يلاقي منها أدنى اهتمام ، وبروز صدرها يتقدمها فلا تواريه إلا بقليل حياء . وفي أذنيها قرط فضي يسمونه ( فِدوة ) ، ويلف يدها سوار يسمونه ( جبيرة ) .. كنت وأنا أجلس داخل الدكّان الذي يمتلكه والدي أراقب هذه البنت رائحة وغادية . وحين أجد فرصة أناديها :
بت العرب !
فتأتيني ظنا منها أنني سأشتري منها قرعة من الروب ، لكنّي أقدم لها قطعة من الحلوى ، فتأخذها وتهديني ابتسامة صافية .. ثم تملأ لي قرعة من الروب ، تقدمها لي وطرف إبهامها منغمس في الروب . تغريني بابتسامة أخرى ، لكني أتذكر وصية أمي :
ما تشربوا روب العرب ، ديل عمرهم ما بيستحموا .
تردّ بنت العرب :
ماك داير؟
أردّ عليها بحركة من رأسي ، فتفهم أنني أرفض هديتها . لكنّها تراقب عيناي وهما تتحركان في كل اتجاهات جسدها ، فتسحب قرعة الروب ، ثم تعيده إلى ( السعن ). أسألها لماذا لا تشرب الروب بدلا عن إعادته إلى ( السعن ) ، فترد عليّ :
حلّابة ما شرّابة ...
ولا أفهم قصدها ، فتنصرف دون أن تقول المزيد .. ودون أن تودعني .
يتكرر هذا المشهد كل يوم منذ وصول العرب الرحّل إلى قريتنا وحتى تاريخ عودتهم إلى ديارهم . ينزلون إلى هنا كل عام ، والبنت تكبر ، وتأتيني في الدكان لتسلّم عليّ دون أن أناديها . تمدّ لي يدها وتقترب مني أكثر ، وتناديني بإسمي . ومنها تنبعث رائحة الروب ، فأشتهيه ، وهي لا تقدمه لي . سألتها لماذا لا تقدم لي قرعة ممتلئة بالروب . قالت :
إت ماك داير روبنا . إت عايفنا .
تبسمتُ تبسما عنى لها أمرا ، فقالت :
هسة كان داير بدّيك قرعة ملانة .
قلت :
داير .
فملأت القرعة ومدّتها لي ، وطرف إبهامها مغمور في الروب . فأمسكت القرعة من جهة يدها ، وضغطت على يدها ، ثم داعبت إبهامها في وضعه ذاك .. فلم ترد ، ولم تبد تجاوبا ، ولم تمنعني .
ملأت المغرفة من جوال السكّر ، وجعلته في قرعة الروب ، ثم أدرته بالقلم الذي كنت أسجل به ديون زبائن الدكان . واحتسيت نصف القرعة ، ثم قدمتُ لها النصف الآخر . شربت ، ومسحت فمها بكم فستانها ،
وقالت :
أتاري الروب بالسكر حلو خلاس ..
ثم انسحبت من أمام الدكان ، وهي تواصل مشوارها عبر أزقة القرية لتبيع ما تبقى من الروب .
كل يوم تأتيني ( عاشّة ) ، تقف أمام الدكان وكأنها تريد شراء شئ ، ثم تملأ لي قرعة من الروب بنكهة إبهامها المغمور فيه ، نضيف إليه شيئاً من السكر ، ثم نديره بقلم الكتابة ، ونقتسمه سويا . ثلاثة مواسم ظلت ( عاشّة ) تأتيني فيها كل يوم وتبقى معي مدة لا تقل عن عشر دقائق ، استنشق فيها رائحة الروب والسمن التي تفوح من جسدها ومن جلبابها ، ونحتسي سويا قرعة الروب بالسكر بنكهة إبهام ( عاشّة ) ، وفي كل يوم كانت ( عاشّة ) تقترب مني اكثر فتتيح لي المزيد من الفرص ، فأملأ رئتاي من عبق الروب والسمن البلدي .
سالت ( عاشّة ) مرة :
( عاشّة ) إنتي ما جاك راجل ؟
قالت :
والله الفريك نجض بس وين البياكلوه ..
كنت أنتظر العطلة الصيفية بشوق عارم للقاء ( عاشّة ) ، والصيف لا يبرد هجيره إلا بعد تقاسم القرعة من الروب مع ( عاشّة ) . وفي تلك السنة كان الحصاد وفيرا ، وكان لدينا الكثير من التبن ، وكانت الترعة ممتلئة بالماء ، وكان الحرّ قائظا ، لكن العرب الرّحل لم يزوروا قريتنا في هذا الموسم . وبتكرار سؤالي أجابني والدي :
المشروع يا ولدي ، الحكومة سوّت ليهم مشروع . ارتاحوا الحمد لله ...
قلت في نفسي :
ومن يريحني أنا من الأضرار التي جلبها لي هذا المشروع ؟
imported_فيصل سعد
09-01-2008, 09:07 AM
المجادعات الحميمة لابوذر الكامل عكود في سودانيات
المنهج المجاز في الابداع التلقائي و اصول النجر المدوزن
و نوح البلابل و هش القمري و الحكمة المعتقة
آخواني العزازالنتكرب ونتحزّم
أبو جعفر خلاص، دمّو فار واتقسّم
النقدحلو الزناد، نخلّي الينوش ويلِم
وما جابني ليكن إلا إزدياد في عشم
جابتني الفيكم من زماااان محريّة
وقبل عزق الأرض ديمي نفتّش الطوريّة
سبايقنا الكبار ندورا تملّي نديّة
بالوزّين تكاكي، وتكون دوام مسقيّة
رزمة نحاسكن، دقّت جوّه قليبي ده الموجوع
وطنابيركن، صحّى رنينا أشواقي وصِبِح مفجوع
فاضن عويناتي، سالَن في الفَرِش دموع في دموع
من شوقِن لي سَماح زولاً..أهيف ضمير..مفدوع
كان ما جيتكُن، ما ظنّيت صلاتي تتم في خشوع
عبدالله الحبيب أعلَنتَ البيات في الصيف
وإت عارف بلاك مُركبنا تب بتقيف
يا الروّاسي الحكيم، اغرس المِدرَة فوق القيف
وخُت حٍملَلك عليها، شان ننساب.. يتم الكيف
وقَبُل نمشي الغريق، لازم نَهَزم الزيف
هَيْ والله الأسود دِيمه بتَصُد لعرينا
محمّلة بالغنايم من ريل خلا ووزّينا
تتناقّز الأشبال فرح..وتنسى كل ضغينة
واللبوة أم لغود..تتغنّج وتبقى حنينة
بلابلنا دوام تطير..لي كل معنى ومطــرح
تقصد وارف جناينك ومن الجمال تتصفّـح
ترجع لي صديرنا ملانة..تعيد الغنايم وتشرح
والقَرعَة أم لبن..بالسَمْنَة ديمــة بترشـح
بكانك فاضي ما بيقدر يسدّوا رجال
هيبتك..متل أسد الخلا الجفّل الخيّال
إسمك..نهايتو الريدة وبدايتو جمال
وجيهك..بيهو إتباختنا وبِقالنا الفال
حباب جيتك، تشرّفنا وتعدل الحال
زغردي قوت القلوب الليلة..جرّي النم
فوق مجلس..بالجمال عامر وخاتي الذم
سودانيات ديارنا..وما لينا غيرا عشم
حالفين باليمين..محل الناقصة تب تنتم
شلّاخ الخِدُود في اللمّهَات يا سَمَاحْتُو
ماركة الحنّيّة والزمن القبيل بي حلاتو
الما عندو أم..اليتعَصِر علي خالاتو
يبكي ويتنخج قدّامن..علي الزمان الفاتو
شادّين الرِّكَـاب لو نلحق عجاج حَادِينَــا
كاربين السَـرِج شان القافية ما ترمينَــا
إنتوا أهل الجَدْعَة..ملوك القوافي الزِّينَــة
بِهَضْلِم الفانوس كان ضَوَّى وحِدَاهو رَتِيَنة
كل من نُورا ضوّي..ليها التِلِتْ في عِقولنا
وكل ضَامْرة حَشَا..سالت فِي شَانَا عيونّا
نَرْكِزْ في البُطَان..وإن قَطّعوهَا ضُهُورْنا
والصِقير كان جَنّ ما بيقدر يَضُوق مَاعُونّا
مرحبتين حباب تَرَبْ شيخنا الجليل البدري
إنتوا أهل العِلِم والأدب الأصيل من بدري
بحرك مِدْرَتين...شيماتو لاوية وتجري
وإن قرّبْ عليها..تشيلك وإنت ما بتدري
دحين يا شوقي أخوي ما جبت لك خبريّة؟
نحن نحاسنا ضارب..ما بنعرفا الصقريّة
حتّى صغيرنا مُو هوّاب..كُلْ شَغَلَتنا بالزِنديّة
وود العود.. باااارد شرابو بعد اللحم والشيّة
فوقك الصالحين، بي جاهُن تطيب وتفرهِد
تعود شوقي الزمان، فارساً يصول ويحدِّد
يشوف عوجة الجار، والغارم ديونو يسدِّد
يجود بكامل المال، ومحل الرهيف تتقدّد
اللوم ماهو شبهك أخوي،
وما بنلوم الصاحِـب
إلا الفرح بي جيتك،
خَلانا نجـري نقَــارِب
شان نشوفو كَرْ الفارس..
فوق لي حصانو الكارِب
والعين ما بتمِلّهَا شوفتك
وما بتتعلّى فوق الحاجِب
حبابك سارة، أبيـض الدريـب الجابـك
أم نمّةً طاعمة، عاشقين دوام لخطابــك
شرّفتي البُكان، وازددنا نـور بجنابــك
وين باقي الشباب، لي شِنْ تَكُرْمِي عَقَابِك؟
بهّر قمرنا الليلة، بعد ما فات غياب يومين
جفّف دمعةً حفرت، فوق الخد درِب سكّين
وإن كان ما بخاف من لوم وكيد حاسدين
كُْتْ لي إسمو بذكر، واقول دَقُر يا عين
سكنت ريدتو جوّه الجوف،
سانـدة قليبي بلا الآرنيـق
أبيض برقو، يشلع نورو،
طاعم لهجو زي تَمْر الكُرِيـق
ضامر عودو، نايرة خدودو،
ما بتشكي العيون من ضيق
كُتْ بسرح ولي خصالو أعدّد..
بس خايـف من المحّيـق
طيفك يا الغزال يا الشارد هناك في البيد
قلّق منامي الليلة وفي نص الليالي صحيت
من صَدّك ونفورك فَتّرْ كلاب الصيد
لا قَِنْعَن وِصَالُو لا جَابَن عَمَار للبيت
فوق سرجك خَلَفْ وبالتمباك حشيت قدّومَك؟
ماك خايف مسيلو فوق الزاملة ويملا هدومك؟
مالو البرنجي كان شعللتو..أو حشيتو كدوسك؟
ماك عارف السعوط مع البنات بعطّل كوسك؟
من مساوي طينتِك المِن محاية الخلفاء شاربـة
ما ها غريبة فيكي، عباية التصوّف كاربــة
في حب الرسول بتذوبي، ولي أهل الله طالبـة
يضوّوا لِك طريقك، مِرْتِق من الدروب السالبة
يعجبني اللهيج لمّـن يكـون بالكَسْـرَة
طرّاني البلد، البِ فراقا ضُقنا الحَسْـرَة
شاحد الله الكريم، قريب تكون السَفْـرَة
لقريرنا الحنين، ونمدح...تتم الحَضْرَة
بيكاسو الجميل، حباب شِعر الدمار الشامل
قدر ما قتّ أركز، واعض الصبر وأحاول
يلوح لي خيال عيونو، وفي منامي أزاول
تحلف تقول نظراتو بدّلت السِهام بِ قنابل
imported_فيصل سعد
09-01-2008, 09:42 AM
WIDTH=400 HEIGHT=350
imported_عبدالرحيم ابراهيم العبيد
09-01-2008, 10:58 AM
أندهاش أنبهار
لاشئ 000000ولكــــــــــــــن
ود الوز عــــــــــــــــــــــــــــوام
كلك مشاعـــر صادقـــه حـــــب
لقـــد كشــــفت عـــــن حقيقــتك
(دمـك عســــــــل )
نفســــي أغمض عيونـي و أفتحها
(والقــــاك أمامـــي )
imported_فيصل سعد
09-01-2008, 11:45 AM
أندهاش أنبهار
لاشئ 000000ولكــــــــــــــن
ود الوز عــــــــــــــــــــــــــــوام
كلك مشاعـــر صادقـــه حـــــب
لقـــد كشــــفت عـــــن حقيقــتك
(دمـك عســــــــل )
نفســــي أغمض عيونـي و أفتحها
(والقــــاك أمامـــي )
التحية لك ايها الصديق و ما قلت الا الحق في حق اخونا عكود و اسمح لي ان اخصه بهذا الاهداء مشتركا مع جميع مشاركي و زوار هذا البوست.
WIDTH=400 HEIGHT=350
عكــود
09-01-2008, 05:25 PM
ألف شكر يا الغوّاص . .
يا سلاااام رجّعتنا لي زمن سمح بالحيل،
قريت كل المقتطفات مرّة تانية وكأنّي أقراها لأوّل مرّة.
ستعود مثل تلك الأيّام مرّة تانية بإذن الله
وأرى تباشيرها قد بدأت.
أمّا مقتطفات المجادعة،
فلك شكري الجزيل على مجهودك في لقّيطها
وأكيد ما مجهود ساهل، أخير منّو لقّيط تمر الهبوب :D
بصراحة، أدّيتني فرصة أحفظ درّابي ده علي،
وزي ما قلت ليك ما محتفظ بيهو،
لأنّو كان قطع أخدر . .
وما شايفلو قيمة كبيرة.
على كل حال . .
كمبيوتري أولابو. .
والفضل من بعد الله لك.
لك ولعبد الرحيم ألف تحية ومحبّة،
لإعطائي وما أكتب أكثر مما أستحق ويستحق.
وردي و ود الأمين، في السلك تمام.
imported_خالد الحاج
09-01-2008, 05:34 PM
سلام يا فيصل..
حاول ما تنزل إتنين فيديو في صفحة واحدة.
وإن فعلت أحرص علي أن يكون واحد فيهم بس (أتوبلاي) .:mad:
راجع البوست ده
http://sudanyat.net/vb/showthread.php?t=6841
جننتني جن يا أخي :D
imported_خالد الحاج
09-01-2008, 08:44 PM
عذرا اخونا و حبيبنا العزيز و تبرا من الجن :D:D
عاجل الشفاء امنياتنا و دعواتنا ، بس يا كمبورة انا
شايت كل فيديو في صفحة لوحدها و ان قصدت ما
نشوت اتنين فيديو في بوست واحد، فسمعا و طاعة.
لوووووووووول :D
الإستاندر يا فيصل بعد كل 15 مداخلة السستم بيقلب صفحة جديدة
يظهر إنك عامل نظام براك..
يا زول ولا يهمك بس إنت أديني الإذن أصلح :o
imported_فيصل سعد
09-01-2008, 08:56 PM
لوووووووووول :D
الإستاندر يا فيصل بعد كل 15 مداخلة السستم بيقلب صفحة جديدة
يظهر إنك عامل نظام براك..
يا زول ولا يهمك بس إنت أديني الإذن أصلح :o
سوري يا ابن العم ، معاك كل اذونات الصرف و التصرف :D:D علي باليمين و وحياة خوتك الغالية العزيزة الصفحة الاولى في هذا البوست قدامي هسة فيها عدد 20 مداخلة. ما نطول عليك و نشغلك لكن اتصرف يا حبوب و صلح بمزاج ...
imported_فيصل سعد
11-01-2008, 09:02 AM
مارس 04, 2005
إنتفاضات الاحتباس الاهتزاز..!!
عصمت العالم
وهزيع الريح .. خواء العدم .. وذاك الصمت المجدول.. يرتحل الليل على عجز الادراك بانه ظلال ستار..! وينبثق الفجر على اطلال ضياء ممهور. لتظل اللحظة بين فلق الاثبات والتوهان..اشعارا اخر لغياب زمان يرتحل فى ديجر خواء النفس ..هبوب رياح..تلثمت بخواء الهجر... لتحل اللعنة اللطيف..لتقذفك الى قاع النسيان.. اضافة من رحم المجهول .بلا عمق النأصيل..فتبقى رمادا منثور يتحلق بكل الافاق..يتناثر بلا ميعاد..ليظل هباب كل اللحظات..ويحتسى كؤوس الفشل الاساقط..لانه رفات ماضى مجهول..وتتواصل كل الصرخات من رهق مكتوم..لتطل الاه فى قمع مكتوم...ويتنفس فيك طيفا من وهج النور.تتشابى اليه وتدور..تتساقط صريعا للأخفاق..وتغمض عيناك على ضباب وميض النور..لتظل هى فى مدى دواخلك ذاك الرعش الترطيب.والقبس الومضه على افق سماك..يتعذرويتاجل منك اليها زمان .يتبعثر شجو وشجون..وتقتحم اللحظة فى عنفوان الاخذ..اشتعالا من سناء الايراق..ليظل لهيب النار هو الاشعال القهر..وستظل كل الابعاد فى مناجاة الصبر..وستظل كل شروحات الايمان خيوطا من غزل التيه..ولتبقى النظرة الطيف..هى المحور وامان الحس..!والنهر يفيض بالموج..ياخذه المد لضفاف الشط..يرتطم بها فى غزل مكشوف..ويرتد منها بعشق مفضوح..ولا نملك إلا ان نعلق رفات الصمت على افاق انبلاج النور..لا نملك إلا ان نبدا الابحار فى علو الموج..نسترخى لزمن الاقدار لتشتعل كل الاواربحريق لهيب اللهفة النار ..وذلك الاحساس بانك خارج دائرة الحسبان..
كظلال الاطلال..ملامح ترتسم بغموض الغيب...لتبدا فيك رحلة الفجع الوجع..تنخر فى ذاتك بسنان التمنى العجز..ليبدا نزف الاخفاق المر..لتحس بضعف القدرة فى ان تعيد رسم احداث الايام..بشكل يتالف وازيز الشوق..لتاتى فى نهاية طواف القدر العابث..تسترجى مواربة الخلسة .لتلتمس عيناك صبح التبيان..وتصيبك شهقة انسكاب النور ..فيحتل مساحات نظرك انتشار ظلام الظل..وتتجمد فى توقف تام..كل الرعشات..ويطل الادراك بانك قد غامرت فى ارتياد علو الموج..لا زمن لك ولا حق فى الابحار.وهنا يرتد اليك الليل فى ركب الحيرة والاحباط...وترى النبض مسفوحا على رشح ميؤس ..والعتمة ديجر من صمت محسوس..لتظل مشانق ذاك البعد العشق معلقة على الاستار..لتتارج كل فيوض الذبح الحس..وليندلق كل النزف الهمس ....ليظل الزمن هو الفصل للأستشعار..ليموت شبق النظرة العاجز على افق رمح الاستهلال..لينوح الليل بدموع .تخترق نياط القلب...ليبوح القلب بثقل الحمل..ويبدا افراز انين الرجفة.لتندلق الاشواق .لتفضح شوق اللحظة بين حرارة انفاس ..وحميم عناق..ليرتحل اليك فى مجمع إرتشاق الصدق..فيوض اختزان صدق همس الحس..يتهادى امام نظر العينين.يتشابى لكى يبقى..جزءا من احتواء الخاطر المزحوم..وليبقى دفقا سافر ينتمى لزمن الرهبةوالتبيان,,وتتبعثر مسافات احتدام الرؤية..وانبعاث الشوق.. ليظل التارجح بي الواقع والمفروض ..وتوهان القادم الشارد من كل ظنون..وتصطفق امواج البحر لكى بعلو الطوفان..ويشتد ارتفاع الموج المد....!!! حيث كثافة الاغراق...!
imported_فيصل سعد
12-01-2008, 12:05 PM
http://www.l44l.com/up/uploads/6eb0af3fcf.jpg (http://www.l44l.com/up)
imported_فيصل سعد
13-01-2008, 11:32 AM
سفير "مِنلِك" في بيت الخليفة التعايشي . .
معالجة قصصية لما روى يوسف ميخائيل . . *
مهداة إلى روح أحمد حسن مطر :أول خبير في المراسم بعد الإستقلال* *
جمال محمد إبراهيم
قال يوسف أنه كان مع جماعة من علية أمراء التعايشة ، يقضي السهرة في هذه المدينة الترابية الكئيبة ، أم درمان . ذلك كان في أطراف ميدان "العرضة" . في خدمة الأمراء ، نفرمن الرجال و من النسوة البارعات في فن الضيافة و ترتيب الجلسات الحميمة ، تتخللها كؤوس الخمر المسكر ، و الجعة البلدية التي تنفخ البطن و لا تكاد تصل إلى الرأس ، تريحه . " خادم الله" ، كان اسمها ، صاحبة الحان . يأتي القوم إلى الحان ، بعد نهارات مليئة بالصراخ و اللهاث و الهرولة . يوسف : يطلبك "خليفة المهدي" لتخط رسالة "الخليفة" إلى خديوي مصر . الأمير آدم : يطلبك الأمير يعقوب في أمر مستعجل . يريدك عنده قبل صلاة الظهر . شيخ الدين ، وحده الذي يهتم بما لا يهتم به الأمراء عادة : إذهبوا إلى المسئول عن النحاس و " أم بايا" . يريد أن يزاد له في أقداح العصيدة ، فالتلاميذ قد زاد عددهم ، و الطبول الضخمة ، لا يعالجها ذو بطن ٍ خاو ٍ . النهار مليء بالأوامر و التوجيهات . الأمسيات هي الملاذ الآمن ، بعيدًا عن طلبات "الخليفة" و ضغوط التجهيزات الإدارية و العسكرية و شئون بيت المال و بناء الطوابي . كانت جيوش الإنجليز في طريقها إلى حلفا ، تعد لدخول السودان ، وفق روايات الشارع ، و الشائعات التي يروج لها رجال الطابور الخامس ، المناوئين سرا لحكم "الخليفة" ، من أبناء القبائل الصغيرة في مناطق الشمال .
- لكن ما علينا و الشائعات . . أسقني يا "خادم الله" ، و غدًا أمر آخر . . !
في حديث هامسٍ و بصوت خفيض ، أسر الأمير آدم إلى يوسف ، أن رسالة قادمة إلى " الخليفة" من ملك الحبشة ، يقال إنها من الأهمية بمكان . قال له يوسف ، غير مصدق :
- يا سيدي آدم ، أرجو أن لاتكون هذه الحكاية من وحي سقاية " خادم الله". . !
- لا و الله . . لقد بلغنا "أحمد ود علي" ، أمير الجيش في القلابات ، برسالة و صلت البارحة ، أن مبعوثا خطيرا من طرف " مِنلِك" ، ملك الحبشة ، هو الآن في طريقه إلى " البقعة " . .
- أيها الأمير . . لقد كنت أنا في حضرة "الخليفة" ، وقت صلاة العصر . ما ذكر لي عن الأمر شيئا و أنا قاريء رسائله ، و كاتب جلها . . !
- ليس كل مقرب ٍ من "الخليفة" ، ُيتاح له معرفة كل معلومة . لذا أنا أهمس إليك همسًا ، و لا أريد الأمير موسى - هذا المشغول بالصبايا المليحات في دار "خادم الله" - أن يسمع وسوستي لك . . !
- هذا لعمري أمر عجبا . . ! لم نعهد ملوك الحبشة يبدون حسن النوايا لا قبل و لا بعد قتالنا لهم . . !
- لقد سألني "خليفة المهدي" ، أن أسمي له من يرافق الرسول الحبشي عند دخوله أراضينا و حتى مسيره إلى أمدرمان . أصدقك القول إني رشحتك مع خمسة آخرين . إختار" الخليفة تور شين" إثنين ، لست أنت منهما . أسر إلي أنه يريدك لتكليف آخر هنا في البقعة .
- و من الذين عهد إليهم بمرافقة السفير الحبشي ؟
و ضحك الأمير آدم و غمز بعينه :
- هل كنت تتوقع أن يختار"الخليفة" لمهمة مثل هذي رجالا من جماعتنا ؟ كلا ! أولاد البحر هم خير من يفهم في مثل هذه الأمور . لقد إختير للمرافقة محمد عثمان حاج خالد و إدريس عبد الرحيم . . من أعيان البلد المرموقين . .
- أعرف كم يثق فيهما "الخليفة" . . !
2-
نودي على إبراهيم رمضان ، القريب من ديوان "الخليفة" . جاء الرجل مهرولا و دلف إلى مجلس "الخليفة" . كان الأمير يعقوب كالعادة ، في معية "الخليفة" . مثل ظله ، لصيقا به . إبراهيم رمضان رجل حاذق ، يقوم بمهام التجهيزات المراسمية و شؤون الضيافة ، ينجزها كما ينبغي . رجل من أهل البلد ، من قدامى المواليد الذين حلوا بالبلاد ، قبل قدوم جيش محمد علي باشا . قال "الخليفة" موجها حديثه لإبراهيم :
- إبراهيم . . رسول "مِنلِك" ، قادم إلينا هنا في البقعة . . !
ثم التفت إلى شقيقه :
- قل لي يا يعقوب . . هل خرج حاج خالد و إدريس ، لملاقاة الرسول ووفده ؟
يدرك " الخليفة" أن المسائل الأمنية ، هي مما اختص بها الأمير يعقوب .
- نعم يا "سيدي ". .
- عليك يا يعقوب أن ترأس بعثة الشرف ، تلازم الضيف الجليل بعد وصوله و حتى تأهبه للمغادرة ، و تؤمن لهم الحراسة اللازمة .
- نعم . . تم ترتيب كل شيء ، و الآن نريد أن نعهد لأخينا إبراهيم ، بعد موافقتكم ، بمهمة إخراج الضيافة وترتيب بقية تفاصيل الوفادة . .
كان الأمير يعقوب ذكيا في إدارة أمور الحكم ، و يعرف كيف يرضي شقيقه الخليفة ، ثم هو يمضي يفرض رؤيته وفق مزاجه ، لا مزاج " الخليفة " . نظر حوله في حذر بلا مبرر ، ثم صاح في إبراهيم رمضان ، يملي عليه تفاصيل برنامج زيارة الوفد :
- عليك يا إبراهيم ، أن تتخير أحسن منزل يحل فيه ضيوفنا . ليس بعيدا فيعسر سيرهم إلى "الخليفة" وقت يطلبهم ، و ليس قريبا بما يتيح لهم النظر فيما لا نريد لهم أن ينظروا فيه . أوصيك بتفاصيل أعرف أنها لن تغيب عن بالك ، لكني أقولها لك رغما عن ذلك . . !
- إني أسمع و أطيع سيدي الأمير . . !
- هيئوا للضيوف خرافا حية ، لهم أن يذبحونها بالطريقة التي يريدون ، ذلك أنهم لا يأكلون ذبيح الإسلام . . ! وجه موالينا ، أن يعدوا لهم ما طاب من خمر . يفضل هؤلاء القوم خمرا من البلح
ثم احضروا لهم من يجيد الخدمة من أولادنا ، و يحسن الطهي و تقديم الأطعمة و جلب الخبز الأفرنجي من فرن الشوام و ترتيب الموائد بما يليق بهؤلاء القوم ، إذ هم أهل ضيافة راسخة و كرم معلوم . علينا أن نريهم بضاعة خيرا من بضاعتهم . أحسنوا النظافة في مكان الضيافة . رتبوا المفارش في أحسن زينة . لا تفارقهم يا إبراهيم ، إلا لساعة الراحة و النوم ، ثم من بعد ترافقهم ، قدما لقدم ، إلى حضرة سيدي " الخليفة " ، ساعة يطلبهم .
3-
أنجز إبراهيم مهمته خير إنجاز . سكن الوفد إلى الغرب من الجامع ، ليس بعيدا عن بيت يونس الدكيم ، و كان لشيخ الدين ، نجل "الخليفة" ، الفضل في هذا الإختيار . أما إبراهيم فقد كان مثالا لرجل المراسم الضليع في التجهيز لراحة ضيوف "الخليفة" ، القادمين من بلاط مِنلِك . هذا ملك من سلالة ملوك قدامى ، لهم رسوخ في إدارة الحكم و السياسة ، مثلما لهم باع في معرفة طبائع الممالك و الملوك ، و يعرف إبراهيم ، أن أجداد هذا الملك ، هم الذين آووا صحب الرسول (صلعم) ، حين ضيق الكافرون عليهم في قريش ، و الرسالة بعد في أول عهدها . أحسن ملك الحبشة وقتذاك ، وفادة صحب الرسول (صلعم) ، و أنزلهم خير مكانة . ، حري أن يلقى موفد منِلك ، ملك الحبشة الآن ، من الضيافة أحسنها ، و من الرفقة آمنها ، و من المأكل و المشرب أطيبه .
بذل إبراهيم رمضان قصارى جهده ، فأفلح في توفير الراحة للضيف الكريم و مرافقيه ، و قد بلغ عددهم خمسة عشر شخصا . كانت اللغة عقبة كبيرة أول الأمر ، لكن سرعان ما تغلب عليها القوم . عثر إبراهيم على من يعينه في الترجمة من لغة الأحباش ، كما كان في معية رسول مِنلِك ، من يفهم العامية العربية فهما دارجا ، " يمشي الحال" ، كما يقال .
يوم الإثنين ، بعد صلاة الظهر ، أخذهم إبراهيم إلى مجلس "الخليفة" ، في بيته شرق الجامع . دخلوا عليه ورؤوسهم إلى الأرض ، و الأيدي على الصدر . تلك تحيتهم في
مجالس الملوك . لم يألف الحاضرون في مجلس "الخليفة" ، تحية كهذي . كلا ، و لا "الخليفة" . بلغ به الرضا مبلغا و هو يرى الضيوف يبدون من الإحترام ، ما لم يعهده من أبعد مواليه . درج القوم ، و الأمراء خاصة من أهليه ، يخاطبونه بغير ألقاب الإحترام ، يلتزم بها الرعية أمام واليهم وراعي أمورهم . سمع بعضهم يناديه " تور شين " و ما استنكفها . وحده إبراهيم ، الذي يمتعض ، حين يرصد تبسط الأقربين في مجلس "الخليفة" ، يخاطبونه باسمه مجردا من هالة الإحترام . يجد إبراهيم عنتا في إقناع أمراء الغرب الأقحاح ، بالإلتزام بقواعد المراسم ، وحرفية المجاملات في أدنى صورها . يعقوب لا يفارق عبوسه في حضرة الخليفة . الدكيم بلحية كثة و لباس غير مرتب . أبو كدوك بتقطيبة و فم مزموم على الدوام . موسى يمد رجليه في حضرة "الخليفة" ، لا يبالي .
يضحك " الخليفة " ، يناكف إبراهيم ، مدير المراسم و يسخر :
- أنت يا "ود الريف " ، لا تعرف أساليبنا . تخال قومي يتبسطون معي و حقيقة الأمر ، أنا أعرف ، مثلما هم يعرفون ، أنهم يهابونني . نحن في طبعنا ، بداوة لن تمسخها إقامتنا في "البقعة" . . !
- أنا سادن الفجوة ُتحفظ بين الراعي و الرعية . لا أريد لها أن تقصر وإلا قصرت معها المهابة . أنت كلفتني بهذه الشئون ، ليتك ، يا " خليفة المهدي " ، تتركني أنجز مهمتي حتى تكون مكانتك في مثل مكانة ملوك الفرنجة الأبعدين ، أو في مثل مكانة ملوك الحبشة الأقرب إلينا . . !
ضحك " الخليفة" حتى بانت نواجذه ، و اتكأ على " عنقريبه " سعيدا فرحا . نظر إلى إبراهيم و قال :
- صدقت يا " ود الريف" . . ! أحس المهابة كاملة الآن ، و أنا أرى قبالتي رسول " ِمنلِك" ، يحني هامته إجلالا ل"خليفة المهدي " ، و يتبعه مرافقوه في هذا المسلك . . !
ثم خاطب الرسول ، مرحبا :
- أدعوكم إلى الجلوس . . و لكن ُقل لي يا سفير مليك الحبشة ، ما مغزى إحناء الهامة عند السلام . . ؟
- مولاى . . هذا سلام الطاعة للملوك . . !
تبادل الوفد عبارات المجاملة و الحديث عن الرحلة و مشقة السفر ، من الحبشة إلى أم درمان . ثم دعا الأمير يعقوب بقية الوفد إلى تناول أقداح الشاي ، و أنبأهم أن "الخليفة " سيختلي في القاعة الصغيرة المجاورة ، مع رسول الملك " ِمنلِك" ، للتباحث حول فحوى رسالة الملك إلى " الخليفة " . تلك ترتيبات أشرف عليها إبراهيم رمضان ، مدير مراسم " الخليفة عبد الله " . لا يخالف الأمراء توجيهات مدير المراسم ، و لا يجرؤ حتى الأمير يعقوب على ذلك .
4 -
لم يغب عن بال إبراهيم رمضان ، أن يوعز "للخليفة" ، أن برنامجا مصاحبا قد أعد للوفد الحبشي ، و أنه لا بد أن يشرف المناسبة بنفسه . قام رجال " الترسانة" بالتجهيزات اللازمة ، بعيد صلاة . أعدوا برنامجا لألعاب نارية ، تطلق من المدافع ، تضيء السماء من فوق مقر الوفد ، ليس بعيدا من "هجرة" يونس الدكيم ، حيث يتسع المكان لأعداد من الناس تشارك في الألعاب أو تشارك بالحضور و التفرج على فعاليات لم يألفوها من قبل في أم درمان . يرى الناس المفرقعات تصمّ الآذان ، ترتفع إلى السماء تضيئه كما النجوم ، يصرخون مهللين مع كل فرقعة مدوية . سرّ وفد ملك الحبشة سرورا كبيرا .
في صبيحة يوم الثلاثاء ، كانت الجولة الرئيسية للوفد في المدينة . المرافق الرئيسي هو الأمير يعقوب ، و لكن لا بد أن يكون مدير المراسم حاضرا هناك أيضا . دخلوا إلى " بيت المال" . عاينوا المحفوظات و المكنوز ، و نظروا في الدفاتر و السجلات . كان مهما عند "الخليفة" ، أن يُرِى الوفد كيف تدار وزارة المالية في دولة المهدية . أخذوا الوفد بعد ذلك ، في جولة إلى "الورشة الحربية " . الدولة المهدية تعد لأعدائها ما استطاعت من قوة ، ولا بد أن يرى رسول " مِنلِك" ، حسن هذا الإعداد . الشائعات قد بلغت بلاد الحبشة ، تردد أن جيوش الفرنجة قادمة لسحق جيوش المهدية . أما تناولت رسالة الملك الحبشي التي حملها رسوله أمر هذه الحملة القادمة ؟ كان يوسف يعرف ذلك ، فقد سمع الرسول يحدث "الخليفة" حولها .
جاء الوفد إلى السور . . و عاينوا بوابة "عبد القيوم" و الطوابي ، و قد شرع البناءون في تشييدها قبالة النيل . أخذهم إبراهيم رمضان إلى السوق الكبير . نظروا في أعمال الصاغة و الأقمشة المستوردة من المملكة المصرية ، أعجبتهم فابتاعوا بعضا منها .
5 -
كتب يوسف في مذكراته ، أن ملك الحبشة بعث برسالة ، جد هامة مع سفيره إلى " الخليفة عبد الله التعايشي" . قال الرجل فيما حكى ، أن "الخليفة " كان حريصا على الإختلاء بسفير " منلِك " ، يسمع منه فحوى الرسالة . غير أن يوسف يروي ، و كأنه كان حاضرا تلك المقابلة الخاصة . ترى هل كان ترجمانا للخليفة ، ينقل للرسول ما يقوله الخليفة ؟ هل كان يوسف من بين خدام "الخليفة" ، ممن يباح له اقتحام خلوته مع جلسائه ، يقدم الأطعمة و المشروبات ، دون أن يقحم نفسه في الذي يدور من حديث بين "الخليفة" و ضيوفه ، فيسمع ما لا يراد له أن يسمعه ؟ لا تفصح المذكرات عما جرى تفصيلا . لكن الذي عرفناه ، أن ملك الحبشة " منلِك " ، بعث مع رسوله علما فرنسيا ، و حمل رسوله رسالة ، فحواها أن فرنسا تعرض حمايتها لدولة " الخليفة " ، و لكن ملك الحبشة ، يريد للأمر أن يبقى في السر . ما كان أمر حملة "كيتشنر" قد شاع بعد . و ما كان مليك الحبشة يمضي على هذا النحو في إبداء حسن النوايا ، و مشاعر الصداقة ، يحملها نيابة عن فرنسا ، دون أن يكون وراء مسعاه هذا ، إرادة أقوى و أكبر . بين فرنسا و بريطانيا ، ما صنع الحداد في " فشودة " ، قبيل سنوات عديدة ، من مرارات .
فهم " الخليفة " الرسالة ، ثم طوى العلم الفرنسي و حفظه تحت إبطه .
- أنقل لمليكك تحاياي ، و قل له إني أقدر له حرصه على سلامتنا جميعا ، و إني أقبل الراية الفرنسية . أحفظها عندي الآن ، لكني سأدير الأمر مناصحة بيني و الأمراء ، ثم نقرر بعدها أي سبيل نمضي . .
سعد الرسول بالرد ، سعادة عظيمة .
- سأنقل لمليكي تحاياك يا " خليفة المهدي " العظيم ، و نحن شاكرون لكم حسن الضيافة . .
ثم نادى " الخليفة" إبراهيم :
- هل أنجز يوسف تحضير هدايانا لمنلِك المبجل و لسفيره ؟
- مولاي و " سيدي" . . هاهي مشغولات الذهب الصافي ، من مكنوزاتنا التي جلبناها من جبال "بني شنقول " . . !
قبل الرسول هدية "الخليفة " راضيا مبتسما ، ثم غادر بيت الخليفة متبوعا بحاشيته و مرافقيه ، يقودهم مدير المراسم : إبراهيم رمضان .
6-
لما بلغ "الخليفة" نبأ الجيوش الغازية تزحف على مشارف حلفا ، نادى على الأمراء جميعهم من كردفان و دارفور . جاء من الغرب - على ما ذكر يوسف - كافة التعايشة و العربان ، من الهبانية ، إلى الرزيقات و المحاميد و أولاد حميد و المعاليا ، و بقية القبائل من دار سلا " إلى " "تامة" و "برقو " و " برنو " و " زغاوة " و " مغاوة " و " قمر " و كحيا " و مسبعات " و "كنجارة" " . وقع نزوح كبير إلى البقعة : أم درمان . جاء القوم لنصرة " الخليفة " ، و قد بلغهم أن الكفرة به متربصون .
ساعة التناصح ، قال يعقوب بصوت قوي :
- القتال ، القتال . . !
ووقف معه أمراء الغرب كافة . جاء صوت واحد يترجى ، يقول "للخليفة" :
- لا . . ! لا . . يا "خليفة المهدي" . . أقبل أن ترفع الراية التي جاءتك من " منلِك " ، ففيها خلاص الدولة . . !
ذلك كان صوت " شيخ الدين " ، نجل "الخليفة" و أذكى الأمراء .
ولكن ضاع الصوت الواحد وسط قعقعة السيوف و الرماح ، و صخب البنادق . .
إنتهت
* المادة التاريخية مستقاة من مذكرات يوسف ميخائيل: من أواخر العهد التركي و المهدية بالسودان –المكتوبة عام 1934– من منشورات دار النصيري للنشر – لندن (بدون تاريخ و يرجح أن تكون في التسعينات من القرن الماضي ) .
* * الراحل أحمد حسن مطر، كان من بين المطلوبين في حادثة إغتيال السير لي ستاك ،عام1924
و ظل في حالة فرار لأكثر من عقدين ، أعاد خلالهما صياغة شخصيته كرحالة، ثم خبير مراسم في أمريكا اللاتينية، وعاد قبيل الإستقلال ، فكان هو الرجل التنفيذي الذي أشرف بخبرته ، في الترتيبات المراسمية التي ارتبطت برفع علم الإستقلال ، وإجراءات اعتماد السفراء في السودان المستقل .
الخرطوم – مايو 20
ناصر يوسف
13-01-2008, 12:20 PM
هذا جهد راقٍ
جهدٌ خرافي
لا يقوي عليه إلا من له درجةً رفيعةً من الذوق العالي رفيع الإحساس
شكراً لك أخي العزيز فيصل سعد علي هذا الدسم المنقي المُنَقَح
شكراً وكفي إن كانت شكراً تكفي
عكــود
13-01-2008, 01:04 PM
سوري يا ابن العم ، معاك كل اذونات الصرف و التصرف :D:D علي باليمين و وحياة خوتك الغالية العزيزة الصفحة الاولى في هذا البوست قدامي هسة فيها عدد 20 مداخلة. ما نطول عليك و نشغلك لكن اتصرف يا حبوب و صلح بمزاج ...
سلام يا الحبيب،
كلامك صاح . .
وكلام الخال صاح.
قل لي كيييييف؟
الحكاية من إعداداتك الخاصة، الإفتراضي 15 مداخلة في الصفحة وحسب كلامك عندك 20 مداخلة في الصفحة.
الحل شنو؟
أمشي عدّل إعداداتك بإتباع الخطوات التالية:
أسفل صفحة المنتدى، في الجهة اليسار، هناك مستطيل أفتحو --> لوحة التحكّم --> إعدادات وخيارات --> تعديل الإعدادات --> خيارات ظهور المواضيع --> عدد المشاركات التي ستظهر في الصفحة الواحدة --> (حتلقاها عندك 20 مداخلة)، غيّرها لـ إستخدام الإفتراضي.
وتمتّع بمشاهدة ممتعة.
عكــود
13-01-2008, 01:06 PM
هذا جهد راقٍ
جهدٌ خرافي
لا يقوي عليه إلا من له درجةً رفيعةً من الذوق العالي رفيع الإحساس
شكراً لك أخي العزيز فيصل سعد علي هذا الدسم المنقي المُنَقَح
شكراً وكفي إن كانت شكراً تكفي
أؤكّد على كلامك يا ناصر . .
وفيصل الله يديهو ألف عافية،
(بس مش عافية حسن:))
imported_فيصل سعد
14-01-2008, 07:26 AM
هذا جهد راقٍ
جهدٌ خرافي
لا يقوي عليه إلا من له درجةً رفيعةً من الذوق العالي رفيع الإحساس
شكراً لك أخي العزيز فيصل سعد علي هذا الدسم المنقي المُنَقَح
شكراً وكفي إن كانت شكراً تكفي
شكرا حبيبنا ابو رحيق على كلماتك الطيبة ،و التى صارت نادرة حاليا :D:Dو رغم انه نحن ما محتاجين شكر للنهوض بمنبرنا، الا ان هذا الاطراء يسر و يفرح و يبهج و هو ياتينا من قلبك العامر بالحب و الامل و الصفاء الحميم و دم طيبا و بخير و الشكر لاخونا عكود بنفس القدر.
imported_فيصل سعد
14-01-2008, 07:28 AM
(بس مش عافية حسن:))
اقوم ارد عليك :D:D تقوم ترفدني :D:D بالله دا عدل دا :confused::confused:
imported_فيصل سعد
16-01-2008, 06:02 AM
ارسل: الاربعاء اغسطس 31, 2005
رواية رماد الماء لعبدالعزيز بركة ساكن
ebade
الي عفاف عباس
الي الصادق حسين
في ذكري الأيام القادمات
أيام الريح
حينما كنا نعد الشباك
لإصطيادنا
واللعب بنا
ونحن أطفال ذو أجساد نحيلة
متعبة كالقطط الضالة
أدين كانت تحمل حزمة من خشب الوقود
أدين تركت الحزمة تقع علي قرعتي
وقالت أدين :
تستطيع أن أردت أن تقول
وقالت أدين :
انني لست أبن رجل
وقالت أدين :
انني أبن الأنناس
ولذلك سأذهب الي بلاد الأنناس ، يا أدين
أدين
أووه
أووه
أدين
عن قصة شعبية من قوم إلجا
السودان بيت التعب
مقولة عن قبيلة الفلاني
فها أنا أجند جميع قبائل الشمال بقيادة (نبوخذ ناصر) عبدي ، واتي بها الي هذه الارض فيحتاحونها و يهلكون جميع سكانها مع سائر الامم المحيطة بها ، واجعلهم مثار دهشة وصفير وخرائب أبدية ، وأبيد من بينهم أهازيج الفرح والطرب وصوت غناء العروس و العريس ، وضجيج الرحي ونور السراج فتصبح هذه الارض فقرا خرابا و تستعبد جميع هذه الامم لملك بابل طوال سبعين سنة ،
الكتاب المقدس
أرمياء 25
السـلم هو جثة الحرب .................................................. ........... 1
لا شئ ، لا شئ
لا شئ غير هياكل الأشجار المحترقة ،
أشجار الحبحب ، المهوقني والمانجو والتك العملاقة ،
لا شئ ، غير ، هياكل من الفحم والرماد ،
أما القشدة والأناناسات ، البابايات وغيرها من الشجيرات الهشة والتي كانت تنمو علي جوانب التلال الخصيبة الممتدة ما بين الدغل الأوسط والشرقي عبر قري :
لا لا،
شاري ،
فترا ،
وكهوف الكا المتفرقة فيما وراء بحيرة التماسيح ، قبيلة الكا المرعبة ، تمتد خلفها سلسلة جبلية وعرة يقولون أنها أم البحيرات تحتضنها منذ أن خلق الله رجلاً أسود جميلا وسيدة سوداء ورمي بهما من السماء في افريقيا: علي قمة شجرة جوغان ، هذه الشجيرات الهشة لا وجود لأشباح هياكلها ، لأن النيران ، التهمتها تماماً ،
تلك النيران التي يطفئها المطر ثم تشعلها قذائف الراجمات وقنابل الأنتينوف البرميلية والشحنات النووية الصغيرة محدودة الأثر، والتي تمت صناعتها لتفعيل الحروب التقليدية التي تحدث في رقعة من الأرض محدودة: عشرة أعوام علي التوالي ، الأرض سوداء: ليس نتيجة خصوبة أو أن الله خلق لها طيناً في بشرة الانسان ، ولكن لأنها محترقة ، أيضاً: تتناثر عليها بين مكان لآخر شظايا المقذوفات المدفعية: الهاون/ الرجمات / الدوشكا / م د ،
فوارغ فوارغ فوارغ ،
جثث الالآت العسكرية الثقيلة ، إطاراتها ، هياكلها ، خوذات العسكر ، البنادق المهشمة ، الألغام الفاسدة والتي هي طفلات غير شرعيات لألغام لئيمة صامدة تنتظر تحت الأرض :
تسبح بحمد الله عسي الله أن يرزقها عثرة ،
هياكل عظمية ، هياكل عظمية يا حبيبتي
هياكل عظمية ،
قطط مشوية ،
قردة مشوية ،
صقور مشوية ،
أرانب مشوية ،
أسد ، كلب ، قط ، ولد ، ولد ، ولد ، نساء مشويات ينمن قرب جنائز الآلة ،
أشجار مشوية ،
أحذية ، وأحذية عليها بقايا أرجل بترتها الألغام،
أحذية تدوس علي أزرار دبابات هالكة ،
أحذية هالكة ، أحذية عسكر ياحبيبتي ،
عسكر ، أموات ،أموات
مقابر جماعية ، هاونات معطوبة ،
جندي محترق نصفه الأعلي ، نصفه الأسفل في الخندق ، سحلية لا رأس لها ، سحليتان ، خوذ حديدية بداخلها روؤس ، حراب ودروع من جلد وحيد القرن ،
نمل شديد السواد منكمش علي نفسه ، و الأرض سوداء ،
ويدل علي وجود القرية الأواني الفخارية والتي دائما ما يحملها البشر البائدون مهمة ان تعلن عنهم في الزمن القادم ، زمن ليس بزمانهم ، ويدل عليها الأطفال المقـليين المشويين المتناثرين بين هنا وهنالك ،تدل عليهم بقايا كهوف
تدل عليها قرب الماء المشوية ،
تدل عليها الأغنام و الأبقار المشوية ،
تدل عليها الدجاجات و التي هي ريش الآن منثور ، يدل عليها طفل علي صدر أمه ، هيكلان يحتضنان تحت هيكل شجرة ويتساقط الرماد منها :
عليهما ،
سلاما،
سلاما،
كلما عبثت بها ريح لم تمت ، وهل تموت الريح ،
ثم ، ثم ، عند منتصف الوادي وعلي بعد مسيرة أيام قليلة من مدينة نيلو الحدودية يوجد حطام لمبني ، شيد من الحجارة والمواد المحلية الأخري ويبدو أنه المبني الوحيد بالوادي شيد بالحجارة ، المبني المهدم ، ولكنه علامة تدل علي أثر إنسان واضح أيضا أنه ، أتخذ في وقت ما حامية مؤقتة للجيش ، فبقايا موتهم تدل عليهم ، تشير لأى حياتهم السابقة ،
خنادق ، فوارغ القذائف ، صفائح الأطعمة الجاهزة بعضها فارغ و بعضها محترق بما فيه ، هياكل عظمية ، خوذات الحديد بها جماجم ناضجة ، بقايا سترات عسكرية ، جسد مشنوق علي شجرة مانجو وهي علي شئ من الخضرة ولو أن اوراقها مشوهة وبليدة تنمو علي أشكال مرعبة: الجثة المشنوقة ،
جسد جاف تماما ، ولم تمسسه حتي الأطيار الجارحة أو الديدان ، لشاب في مقتبل العمر لم تنبت له لحية بعد ولا شوارب ، كان عاريا وعلي عنقه تتدلي تميمة كبيرة بين نابين لنمر أبيض كالبرد شعره مرسل ، أشقر وأيضا وبسهولة يمكن التأكد من أن له عين واحدة فقط ، الأخري مفقوءة وإذا جاز – وهذا مستحيل بالطبع – لأحد أبناء القرية أن يصحو من موته أو يأتي من حيث أدخره الله ورأي هذه الجثة لصاح في ألم قائلا :
أنه بانارودنا ،
أنه دائما أسواء الناس حظاً ،
كانت الريح تدور في المكان تصر صريرا مرعبا وهي تعبث برماد الأشياء لتعمي أعين الموتي الفارغة ، أعين الدبابات المحترقة ، اعينها السرية جدا ، لا أثر للحياة في الأرض لا إنسان ولا حيوان ،
ولكنك ياحبيبي: إذا تطلعت الي السماء بعينيك الحلوتين لرأيت من وقت لآخر اسرابا من النسور الصلعاء تدور في حلقات ، فاردة أجنحتها لتحملها تيارات الهواء حيثما شاءت ، هنالك أيضا اسراب الطيور المهاجرة تعبر المكان متجهة نحو الجنوب أو الشرق ، نحو الغرب ، أنها لاتهبط اطلاقا: أما في الليل ، والليل ياحبيبتي زهرة تعشينها دائما
والليل ياحبيبتي قنديل ، والليل نعاس لذيذ وقبلة ، أما في الليل وبعد أن يختفي آخر شعاع خصه الله بالشمس ، وهو خير الخاصين عندها ياحبيبتي ....، عندها يحيا الموتي يتمطون ، فتطقطق عظامهم الجافة العطشي ميقظة البنادق والالآت الحربية المعطوبة فيرعون الألغام ، ويبنون الحواجز الترابية والاسلاك الشائكة ، يطلقون قذائف الهاون والراجمات في الهواء فيحيلون الليل الساكن الساكت الشاجي ، ليلك الجميل ليل عينيك السنجابيتين ، فيحيلون ليلك جمرة كبيرة مستعرة ، يقتلون بعضهم البعض ، وهو ينشدون ممجدين الظلام والكلاب الضالة ، لاعنين مثقاب الداعرات بمنهاتن وبومباي ومدينة ودمدني وتسني ، حتي اذا بزغ الفجر بلياليه العشر ، عادوا الي موتهم :
ماتوا فيه موتاً أسكت وأسكن من موتهم الأول ،
وفوق الأرض بقليل ، ودون السماء الي أعلي الهضبة توجد البحيرة ، حليقة من العشب والشجيرات التي كانت تحيط بها في زمان ما قبل ،
ماء البحيرة غاية الصفاء ويمكن رؤية قاعها بكل سهولة ويسر ، ولكن الموت الموت ، الموت لمن شرب من مائها لأن شيطان كيميائي ينوم فيها منتشراً بين مسام مائها ،
المطر يهطل بين الحين والحين ليسقي الأرض التي لا ترتوي ، ويغسل الأشجار والآليات والجثث من الرماد والأغبرة العالقة بها ، يداعب الموتي مضيئاً إياهم بالبرق وهي لعبة يسميها الأطفال فيما قبل : غمضت لبدت ،
وتنبت نباتات غريبة لا عهد للوادي بها ، تجري الخويرات بماء أسود ، ثقيل لتصب في النهر البعيد في البلاد المجاورة فتخنق الأسماك ويصاب المواطنون بالأسهال والذي يعالج : بالموت،
يا حبيبتي الموت ، البارد الذي لا دم فيه والذي هو ،
ثمن السلام الدائم ،
مقتل الحارس
الوقت منتصف النهار ، وهو مرهف عطشان وجوعان يمضي الي الأمام ولن يشرب ، ولو قليلاً من الماء ، لأن التجربة علمته أن شرب الماء علي الجوع يصيبه بالتواء في أمعائه ، ، حدث له ذلك عدة مرات ،
الماء موجود في الأمكنة حوله ولو أن المطر قل هطوله في الثلاثة أيام الأخيرة ، برك الماء لم تجف ، الخويرات الصغيرة مازالت تحتضن بعض من الماء ، تجري الخويرات عند هطول المطر اتجاه بحيرة التماسيح وهي بحيرة صغيرة غير موضحة في الأطلس ، لا يعرفها الجغرافيون ولكن الخريطة التفصيلية للمنطقة المقفولة والتي سرقها من دار الوثائق القومية ، تبين البحيرة ، تعطي أدق التفاصيل عنها ، عمقها ، مساحتها ، العدد التقريبي للتماسيح التي تسكنها ، أصلها ، فصلها ، فالتماسيح هي ما يميز هذه البحيرة عن غيرها ، التماسيح الأشرس في القارة كلها آكلة لحوم البشر ، وتسببت هذي التماسيح قبل عشرين عاماً في إبادة قرية بأكملها حينما زحفت في جماعات جائعة نحو القرية تختطف الأطفال والنساء والشباب أيضاً ، تسعة وتسعين تمساحاً ، وكان هذا سبباً ذكرته الحكومة المركزية في الشرق في تعليلها لنقل مائة قرية من الدغل الشمالي والأوسط تخوم المدن الحضرية في الشرق ولو أن الهدف الأساسي من الترحيل بالتأكيد لم تقله الحكومة وتتهم كل من يشير إليه بالتحريض وإثارة الفتن وموالاة الدول المعادية بل الخيانة العظمي ، وكان سبب الترحيل يتمحور حول مسح الدغلين ، تتضيع هويتهم الثقافية والعرقية ودمجهم في ثقافة الأغلبية الحاكمة في الشرق بل ، كما يؤكد بعض الدغليين الذين نالوا ، قدراً من الثقافة : تجنيدهم لحماية ثقافة الشرقيين وتبنيها والدفاع عنها ومحاربة ثقافتهم الخاصة ، بدعوي أنها ثقافة وثنية ، قديمة وبائدة ، وما برم بجيل غير صنم شيده الشيطان علي شط النهر العجوز ، غير أن كثيراً من القبائل قاومت الترحيل وأعتصمت بالدغل والأحراش ،
كان يحمل علي ظهره سريره الجوال وناموسيته وبعض الملابس ، بعض الأطعمة المعلبة والمجففة التي زودته به أمه ، أمه التومة ، كان اسمها قبل التهجير أنجو دورنا ، هجرت وهي صغيرة مع أسرتها من أواسط الدغل الأوسط ، وهي الآن تنكر أصولها ، جدتها كما هو مؤكد لكبار المهجرين من قبيلة : الكا ،
يحمل ضمن أمتعته كاميرا كوداك ، حديثة ، غالية الثمن ، لديها قدرة علي إلتقاط صور الأشياء وتسجيل أصواتها من علي بعد سحيق ، تستطيع العمل في كل الظروف وتحت الماء ، عند العاصفة ، تحت درجة حرارة عالية ، عند درجة رطوبة عالية ، بالليل ، بالنهار ، تعمل وحدها ببرمجة بسيطة سهلة ، وتستطيع أيضاً ، كانت خفيفة الوزن صغيرة الحجم ، و وذا أضيف الي الحمل سلاحه الشخصي وهو مسدس صغير ماركة النجمة ، سيزن الحمل ثلاثون كيلو غراماً فقط أي نصف وزنه هو بالتمام ، حدد هذا الوزن مسبقاً بصورة علمية مدروسة أخذت في الاعتبار المسافة ، نوعية التربة ، وعورة المسالك ، حالة الطقس ، وفوق ذلك كله وزنه الشخصي واعتبارات الضرورة
هو رجل شجاع وثري جدا من أسرة مجزرة في المال ، مجزرة في الترحال والمغامرة ، يكفي أن جده الأكبر ، تيه تيه ، أكله دب في أحراش التبت ، كيف ، لا أحد ، كان يمشي متوغلاً في أحراش الغابة عبر تربتها الصخرية الحمراء علي أشواك السنت ، النخيل المتسلق ، أشواك الأيفوربيا المتوحشة ، حذاؤه الكولمان الجيد سيقيه لدغات الثعابين السامة ، العناكب والقراد أيضا : السحالي ، ذات الحذاء الذي سيخوض به برك الماء الراكدة ، حقول الطين الحمراء ، سيجد نفسه في مواجهة أرض فضاء شاسعة ، ذلك لأول مرة منذ أن أطلق ساقية للمسافة ، عندما تسلق ضفة الخور الترابية العالية ، رأي علي البعد مبني تحيط به أشجار عالية خضراء ، جلس علي حجيرة ، وأخذ يتفحص تفاصيل الخارطة ، فهي تشمل أدق خصائص المكان : علاماته ، قناطير التراب ، ضفة الخور العالية ، وقف عليها قبل قليل ، وجد المبني ، كتب في تفسيره : مستر ومسس جيني ، البدائيان ، عندما أدار صفحة التفسيرات التفصيلية وجد كليمات تشير الي تاريخ تشييد المبني ، مواد بنائه ، بناؤه ، وعن ميول جينس البدائية ، أصلهما أمريكا
إنهما عالمان خطيران في السلاح الحديث ، أختفيا في ظروف غامضة
وهنالك أقاويل غير مؤكدة بل وخيالية عن أحفادهما ولو أن الشروحات بدأت غريبة ومثيرة للأسئلة وروح المغامرة ، الا أنه لم يقف عندها كثيرا فهو شخص عملي ولا هدف له الآن غير استكمال الجزء العملي من رسالة الدكتوراة ، التي سيقدمها بعد شهرين للمجلس العلمي ، بعد ذلك بشهرين ستناقش الرسالة ، اذا قبلت ، سيتحقق حلم عمره ، يصبح محاضراً في الحياة البرية ، كما أنه لا يميل إلي ما يسميه بساخافات الخواجات ، بدائية ، مشاعية ، وجودية وأشياء أخري يجد نفسه مدفوعاً لقراءتها دون لذة بل ويستطيع أن يقول لصديقه الصادق الكدراوي : انني لا أفهم فيها شيئاً ،
عندما أدرك بوابة المبني ، المصنوعة من قنايات البامبو ، أنزل ما بظهره من حمل ، علي كومة من المحاريب ، تمطي ، تفحص المكان بعين سائلة ، الباب القديم ، الغارق في بركة من الوحل ، المكان شائخ ومهجور هجراناً تاما ، صامت كلوحة رديئة : كجثة ، ولا أثر لإنسان ،
تمتم بتعويذتين قصيرتين تفيدان في دخول الأماكن المهجورة المعزولة والتي كثيراً ما يسكنها الجن والشياطين وخلافهم من العفاريت ، تبسمل ، تلي بصوت مسموع أسماء أهل الكهف: مكسيما ، ثمليخا ، مرطونس ، نينوس ، ساريولس ، ذو نواس ، فليستطيونس وهو الراعي والراعي واعي ، ، قمطير أو حمران أو ريان هو كلبهم ، ثم توكل علي الله والله خير من يتوكل عليه ، دفع الباب ، لكن الباب إنهار إنهياراً تاماً ، متكوماً علي بركة من الطين مصدراً هديرامفزعا مما جعله يقفز مبتعداً عن رشاش الماء وشظايا البنيان المهدود ، ولكن لا يستطيع الدخول ، فجثة الباب أصبحت عقبة تمنعه الولوج ، لأن شجرة شوكية عملاقة ، نمت خلف الباب مباشرة مغطية مساحة شاسعة من الأرض ، كانت شبة زاحفة ، لم ير مثلها في حياته من قبل ، المبني يتوسط سياجاً ضخماً من أعمدة التك والمهوقني ، تتعارض عليها عيدان القنا والبامبو مكونة مربعات صغيرة تتشعبط عليها المتسلقات الاستوائية دائمة الخضرة ، ذات أزهار جذابة ، وأوراق كثيفة عريضة تعتم السياج فلا يمكن رؤية ما بالداخل ،
تمشي قليلاً لصق السياج محاولاً تفحص ما بالداخل المحريبات وعشيبات الحسكنيت وما يسميه قوم الدغل الأوسط بالماجا وهي عشبة لها أشواك تنطلق كالسهام نحو الفريسة أو كل شئ يمس الماج ، لكنه رغم هجوم الماج والحسكنيتات وأشواك النخيل المتسلق ، استطاع أن يميز الصخور الحمراء التي بني منها المبني القديم المشحون بأسرار أزمنة تليدة ذات شيخوخة بائلة تحيط به أشجار المانجو والموز وفي فنائه هنا / هناك تري بعض نبتات الأناناس ،
هو لا يعرف شيئاً عن مستر ومسس جين البدائيان ولا يعرف شيئاً عميقاً عن البدائية غير أنها مرحلة تتعلق بأجدادنا القدماء كما تعلم من معلم التاريخ في المرحلة الابتدائية ، غير أنه شئ ليس من اهتماماته ، ولكنه لم يتردد ثانية في الولوج داخل المكان عندما وجد معبراً صغيراً يمكنه من الدخول اذا حمي راسه وظهره وأستخدم كفتيه في الحبو ، وفعل ، هربت بعض الأرانب البيضاء والسحالي من قرب رجليه ، قردان من علي شجرة مانجو يرقبانه بحذر واستغراب ، لم يرهما ، دار حول المبني دورات عدة ، كانت نوافذه الكبيرة مغلقة ولا منفذ للداخل غير أبواب موصدة ، وحسب تقديري يحتوي المبني علي ما بين ثلاث الي أربع حجرات ومطبخ بالاضافة الي قاعة كبيرة في الوسط وحجرات أخري صغيرة متداخلة في ذات المبني الأساسي ، توجد بناية خارجية عرف أنها تمثل مرحاضاً ، جذب باب المرحاض للخارج صر ، صريرا بائسا ، ودون أن يقرأ احدي التعويذات السبع ، التي تفيد في دخول الأماكن المغلقة المهجورة ودون أن ينادي بأسماء أهل الكهف أو يذكر مرطونس ، يا صاحب البقية ، وبين ما هو في شأن أن يقول بسم الله ، اذا به يسمع شيئاً ، وقبل أن يتبين مصدر الصوت ، سمع الفحيح ،
قفز للخلف بحركة رياضية مشهراً بندقيتة الصغيرة ماركة النجمة مصوبا اياها نحو ظلام المرحاض ، لم يسمع شيئاً ، عندما استدار للرحيل ، خرجت ، كانت حية شديدة الضخامة جلدها يتوهج مع شعيعات الشمس المتسربة بين أفرع الأشجار ، كانها خيط سميك من الحرير مسقي بزيت نقي أسود ، طولها يفوق المترين ، ولم ير مثلها في حياته ، كانت جميلة ومرعبة سيطلق النار إذا هي حاولت مهاجمته أو مالت نحوه ، هو لن يبادر ، دارت الحيه السوداء الجميلة المرعبة حوله نفسها دورة واحدة ثم تكومت ، سكنت ، عدا مؤخرة ذيلها والتي أخذت تبصبص كذيل كلب فخور بسيده ، إنسحب من المكان بسرعة معيداً بندقيته إلي جرابها في حزامه الجلدي ، هو رجل شجاع وعقلاني وحينما يكون داخل المدينة ، لا يؤمن بالتعاويذ والتمائم ويسميها شعوذة ودجل وتخلف في الجهة الجنوبية توجد شجرة فيكس إلستكا ، أوراقها غزيرة ، سميكة جميلة ، لايوجد شئ تحت الشجرة ، مرت سحلية صغيرة صفراء منزعجة امامه ، اختبأت تحت أجمة من العشب ، ثعبان صغير يتسلق شجرة قشطة ، قفقفة صقر تأتي الي مسمعه من بعيد ، الساعة تشير الي الثالثة بعد الظهر ، الشمس دافئة نسبة لارتفاع درجة الرطوبة ، نصب سريره الجوال بعيد عن المبني ، ولأن أسراب الباعوض أخذت تحلق في كتلة كبيرة حوله ، نصب أيضاً ناموسيته أشعل النار في كومة من الأعشاب في أرض فضاء قربه حتي لا تحترق الغابة ، قام بقطع بعض الأخشاب والشوك وصنع منهما سياجاً صغيرا حول سريره ، اعتاد أن يفعل ذلك كل ليلة منذ الثالثة أو الرابعة بعد الظهر ، أخرج خرطته وأخذ يدرسها بدقة متناهية وكانه يراها لأول مرة ، تقول الخريطة : ان هذا المكان يبعد عن أقرب قرية حضرية مسيرة 15 يوماً مشياً علي الأقدام دون توقف ، أي حوالي 54 ميلا ، وتوجد بعض القبائل البدائية في مساحة ليست بالبعيدة ولكنها غير محددة بدقة ويمكن الوصول لها بسهولة أكثر من الدول المجاورة ، حيث لا تبعد عنها أكثر من عشرة أميال ويبعد هذا المكان عن بحيرة التماسيح حوالي الخمسين ميلاً عن طرق شائكة وجبلية ، لأن البحيرة تقع بين منخفضين ، ثلاثة جبال تحيط بها من جهة الشرق الجنوب والغرب ، المدخل الوحيد للبحيرة عبر النهر الذي ينبع منها أو عبر مسلك الخويرات الصغيرة التي تصب فيها وهذا هو المسلك الأكثر أمناً ، لأن بنهر البحيرة توجد أيضاً بعض التماسيح الخطيرة ، وكل الأقليم يقع في المنطقة الاستوائية ، دائمة الخضرة ، دائمة الأمطار ، كثيفة الأشجار توجد بها كل ما خلق الله من حيوان : خصيصاً للمناخ الاستوائي وتندر بها الأفيال والأسود وغيرها من الوحوش ذات الأجسام الضخمة والقلة الموجودة منها تعيش في الأماكن التي تقل بها الأشجار أي الأماكن الكاشفة عن الأرض ، بها من الطيور الطنان ، طوقان ، براكيت ، مفو ، الطاؤوس ، بوقير ، الوروار ، عشرات من الأطيار الجميلة والنسور وأطيار لا يعرف لها اسما ولكنه يخاف : البوم ، يعرف ما يحدث غداً ،
يعرف الشر المتربص بالانسان ، البوم ،
لا يصرخ عبثاً البوم يصرخ : ليقول
وبمنطقة الدغل توجد بعض التجمعات البشرية التي قاومت التهجير الحكومي خلال الخمسين سنة الماضية ، ودخلت الحكومة في حروبات عرقية قصيرة حسمتها الأمم المتحدة بأن يهاجر من يريد الهجرة طائعاً ويترك بغابته من شاء طائعاً ، وهددت دولة لها قوة عسكرية ، تستحق احترام الجميع بأنها ستتدخل اذا واصلت الحكومة الشرقية سياسة التهجير بالقوة ، أعلنت الحكومة المركزية في الشرق ما أسمته سياسة المنطقة المقفولة ، من يدخلها غير داعية أو بدون تصريح أو تفويض حكومي يعرض نفسه للسجن أو الجلد أو الثلاثة معاً ، ولكن من دخل هذا الدغل المحرم دخوله يعرف الجميع أن له عقوبة واحدة : أن يختفي للأبد ، أذا قبضت عليه الحكومة المركزية بالشرق ، وكان سلطان تيه يعرف ذلك جيداً ، ولكن سلطان تيه بالذات لا تشك السلطة في عدم ولائه ولو أنه من جذر دغلي بحت الا أنه له أبدا بما يدعي سريا بالقومية الدغلية) أو ما تسميه الحكومة (بالدغليين) وأنه ملكي أكثر من الملك ، لذا حصل علي تصريح موقع من رأس السلطة مباشرة ،
سلطان تيه شاب كثير الترحال ، وكان يقوم برحلاته بصحبة صديقه الصادق الكدراوي ، عبر البلاد الكبيرة شرقاً وغرباً بالقطار ، بالسيارة ، ركبا الحمير و العجلات واحتال عليهما لصوص وواجها النهب المسلح في الجنوب و الغرب ، وكان الصادق الكدراوي وهذا كما يؤكد سلطان تيه نفسه : عيني التي تري ، واذني التي تسمع ، وعقلي الذي يحلل ، ولكن يعترف سلطان تيه أن الصادق الكدراوي هو : دليلي إلي عالم المرأة ، الغامض ،
هو شخص ليس بالإمكان الإستغناء عنه ، تخلف الصادق الكدراوي في هذه الرحلة نتيجة لإصابته بداء التهاب المفاصل المؤلم ، كانا من اسرتين غنيتين ، كانا منعمين وكان الصادق الكدراوي ذو حظوة لدي النساء وطارح نفسه كمشروع للحب و العلاقات البناتية ، مشروع كما يقول الصادق : قومي ،
و ، أقسم بينه وبين نفسه : أن يعاشر من كل قبيلة في البلاد الكبيرة ، امراة ، و أضعف الإيمان قبلة عميقة ، أنها دعوة من أجل توحيد البلاد عاطفيا ، بلاد بها عجز الدين و المنطق والثقافة و العرق : فلنجرب المراة ،
لا يحبان السياسة لا يحبان التحدث في الجنس و القبيلة والعرق ، المال ، الفقر ، الدين ، أنهما مواطنان في البلاد الكبيرة : حسبهما ذلك ،
تضع علي النار مزيدا من الاشواك وأحطاب السنت الخضراء عل دخانها يطرد الباعوض و الحشرات الصغيرة الطائرة ،
توضأ بماء المطر ثم شرع يصلي العصر ، ثم أخرج مسبحته و أخذ يردد بعض أسماء الله الحسني ، اعتاد ان يتلو بعض الأوراد ، التي أخذها عن أبيه و الذي يتبع طريقة صوفية لها طقسها الخاص و العميق ، الآن ومنذ أن بدأ رحلته نحو بحيرة التماسيح إستعاض عن الأوراد بتعاويذ تفيد في تجنب الأرواح الشريرة : في المدينة كان يكفر بها ،
وبعد أن حوط نفسه آمنا شرور الأشرار ، أدار مؤشر الراديو الصغير الي الـ BBC الاذاعة الوحيدة التي يصدق اخبارها ويثق فيما تقوله من خبر ويراسلها ايضا ، مثل كل ليلة قضاها بهذا الدغل كانت الذئاب تحوم حوله وهي تقفقف ، ومسدسه ماركة النجمة دائما معد لإطلاق النار لكنه لم يستخدمه الي الآن ، هو شخص حسن الحظ ، لم يهاجمه الي الآن حيوان مفترس نعم ، يقل بالغاب الجاموس : هي حيوانات عدوانية بطبعها ولكن الذئب ،، ولكن كلب ، السبع ، اللبوءة ،
هل لدعوات أمه الطيبة التومة شأن ، والا ، ما سبب سكون حية المرحاض السوداء والتي كان بامكانها فعل ما تشاء ، حلق عليه وطواطان ، ضحك في ذات نفسه ، كان طفلا في سن المراهقة يصحبه عدد من اصدقاء الطفولة المراهقين يحملون مسحوق لحم الوطواط ، مخلوطاً برماد زيل السحلية وهم يختبئون خاف نباتات العشر ، علي ضفة خور المقابر الكبير حيث يقضي الناس حاجاتهم وكانوا ينتظرون ، نفيسة ، الجميلة بنت الاستاذ القادمة حديثاًَ من المدينة الكبيرة ، ستأتي في صحبة والدتها لقضاء الحاجة ، سيضع الأطفال المراهقون خليط الوطواط والسحلية علي بول نفيسة الجميلة حتي لا تستطيع نفيسة الجميلة النوم ما لم يضاجعها أكثر الصبية حظاً ولسخرية القدر جاءت أخته الرضية وتبولت بمكان لم يره منها هو ، كانت جميلة ، دائما ما يحلم صديقه حماد بمعانقتها ، كان حماد في موقع ليس بالبعيد عنها ، عندما قضت حاجتها وغادرت انزلق حماد من تحت العشرة وصب مسحوق السحلية وصب مسحوق السحلية و الوطواط علي موقع بولها، ثم لما تأكد من أنها أختفت عن الأنظار ، ذهب الي مكمن صديقه ، همس في إذنه ، كانت نفيسة هنالك ، وسكبت مسحوق علي بولها ، هيا ، لنعد ، هل سأكون محظوظا الليلة ، وكان سلطان تيه يعرف نفسه بأنه الأكثر حظا بين اصدقائه ، وسأفوز الليلة أنا بنفيسة ابنة الأستاذ ، عندما التقي صبيحة اليوم الثاني ، بادر سلطان تيه رفاقه في فخر ، جاءتني نفيسة في منتصف الليل بعد أن نام كل من في المنزل ، وصحبتني الي منزلها حيث تنام وحدها بالبرندة ووالديها ينامان (بالعوضة) وأنها وأني وأنها و...و فضحك عليه الأطفال المراهقون ضحكا اثار شكوكه ، ولم يعرف مكيدة حماد الا بعد أعوام كثيرة علي الحادثة يبدو لسلطان تيه خلف ظلال النار بعيدا خلف شجرة صغيرة خيال شخص ، وقبل أن تتأكد الرؤية اختفي الخيال ، هل هي أشباح الليل ، أو لربما دب النعاس في عيني ، ولكن عندما تناهي لمسمعه عواء ذئاب في ناحية اختفاء الشبح أمعن النظر ، فترائي لناظراه ما يشبه ومضة برق خاطفة ، ك ، زناد ، أو ، اشعال عود ثقاب ، لكنه يعرف علي الأقل خمسة أنواع من الحشرات التي تضئ اثناء طيرانها : كلها توجد بالدغل ، عواء الذئب يصبح أكثر افزاعا هل اصطادت فريسة ما ، أم أنها تحوم حول أشخاص/بشر كان بعضهم قربه قبل قليل ،
هو رجل شجاع ، طوال هذه الأيام التي قضاها عابرا الدغل لم يصدف أن قابل أحدا ، غير رجل واحد : قابله قبل يومين ، رجل عاري كالشيطان مشعر طويل القامة ، تصادفا ذات صباح عند خور كثيفة أعشابه ، في طول الانسان و يبدو أن الرجل كان يعد شركا بدائي لإصطياد حيوان صغير ، بينما هو يفعل ، إذا بسلطان تيه يخرج اليه من بين الأعشاب ، فزع الاثنان ، هرب سلطان تيه ناحية ، هرب الرجل ناحية ، تاركا وراءه شركا مصنوعا من صوف ذنب الزراف ، بينما سلطان تيه يهرب بعيدا لم يلاحظ أن امراة جميلة كأنها من قبيلة الكا كانت هي الآخري تعد شركا في موضع ليس بعيد عن شرك الرجل ، وأنها لم تهرب بل كانت تنظر الي سلطان تيه وهو يهرب وعلي ظهره حمله ، في برود تام ودون أدني اكتراث وكأنها تري هذا المشهد للمرة المليون ،
وفقا للخريطة ، لا توجد قرية قريبة من هذا الموقع ، قرية لا لا تقع علي بعد يومين ونصف اليوم في إتجاه الغرب ، من أين أتي الرجل الغريب ، كانت الذئاب تعوي ، أقفل الراديو ولو أن البرنامج كان سيثير أنتباهه في الحالات العادية ، فهو متابع جيد للبرامج العلمية ، دار حول سريره عدة دورات دون سابق تفكير أخذ يردد تعويذة سرية تفيده في تحويط المكان ،تبدأ ، بـ ، ايلاف قريش ، تنتهي ،
أصبحنا بالحديد ،
أمسينا بالحديد ،
ما نفع إلا ربنا الشديد ،
كان شجاعا ، ذكيا ، كان عقلانيا في تفسيره للظواهر الغريبة ، أو ، التي تبدو غريبة والمخافات ،
تتجمع بعض السحابات فتخفي النجوم الكثيرة جدا ، النجوم التي تساوي عدد نجوم المدينة مضروبا في ، بالدغل لكل نبتة ، نجم ، هل خلقت هذه الأنجم من أجل الغابة فقط ، نجمة من أجل كل صفقة ،
لديه خوف فطري من المطر ، لأن المطر : لا يفرق بين الصالح والطالح ،
لأن المطر : يهبط علي الجميع ،
لأن المطر : يعمق غربته ووحدته ،
لأن المطر ثلاث مخافات ،
مخافة من فوق : الماء
مخافة من تحت : السيل
مخافة من حيث لا يحتسب : الصاعقة ،
إذا جاء المطر، سيدخل إلي البيت المهجور : الأفعي ،
وما يمنع البيت من أن يكون مسكونا بالجن ، من يدري ،
خلط بين تعويذتين لا يستحب الخلط بينهما ، أخذ تعويذاته السرية ، حسيس النار ، خلف صمت الراديو الصغير : خليط التعويذتين ، دخل ناموسيته ، أدار الراديو مرة أخري كان شجاعا ،
لا يدري كيف قفزت حادثة وفاة والده الي رأسه بالذات ، حادث السير المشؤوم كانت رأسه ، سحقت تماما علي الأسفلت هو ـ سلطان ـ والسائق نجيا من الموت وكان والده سينجو لولا أن قفز من العربة في اللحظة التي انحرفت فيها سيارة نقل ثقيلة نحو عربته الصغيرة والتي كانت بصدد أن تتخطي عربة النقل ، هو نفسه – سلطان – اذا كان قرب الباب لما تردد لحظة في القفز ، ، كل حمولة الشاحنة مرت علي رأس والده الأشيب ذو الصلعة ، الملانة بالفكاهة والحكاوي الملانة بأسرار الصوفية وكلام الله ، كان أبي رجلاً مرحاً متديناً ،
جاء وحده : ذئب ضخم عجوز ، يدور حول النار علي بعد متيرات قليلة عن مركزها كان يرقبه عبر مسام غزل الناموسية ، يعرف أن الذئب يعجز عن مهاجمته وإختراق سياج الشوك الذي حصر به نفسه ، لكنه متيقناً من مقدرة هذا الذئب العجوز علي القفز فوق سياج الشوك والسقوط عليه مباشرة ، تمزيقه ثم أكله ، كل شئ ممكن الذئب العجوز يحفر بقوائمه الخلفية خنادق صغيرة وهو يقف مستديراً حول النار ، بينما كان يغادر المنزل ليؤسس الخطوة الأولي لرحلته ، دعت له أمه التومة بأن يحيطة الله برعايته ويعيده سالماً غانماً ويقيه شر (الكا) أكلة لحوم البشر ، بالتاكيد ، كانت في غيبوبة عن أصلها من جهة جدتها ، لولا بعض الحياء لأوصته بأن لا يقترب من أية امرأة خاصة اذا صادفها في الغابة متهيئة للمواقعة ، هكذا يصطاد (الكا) فرائسهم ، اذا واقعتها التصقت بها واذا التصقت بها ، بظفرها ثقبتك في عدة مواضع قطعت شريانك والنهاية ، كانت لا تريده أن يذهب الي بحيرة التماسيح ولأنها تعلم أنه سيذهب طالما أراد ذلك ، فلم تقف في طريقه كي لا تصيبه لعنة عقها ، هي لعنة يعجلها الله في الدنيا قبل الممات : لعنتان ،
لم يكن في ذهن أمه أبداً : هذا الذئب العجوز ،
دار دورتين سريعتين حول سياج الشوك ثم أختفي ، فجأة عاد مندفعاً نحو السياج الشوكي مقذوفاً في اتجاه سلطان تيه ، في تلك اللحظة أطلق سلطان رصاصة ولكنها أخطأت الذئب العجوز الجائع ، ألحقه رصاصة أخري ، عوي الذئب عواء حزيناً ،
سقط ،
علي بعد أمتار قلائل من سرير سلطان ، ثم أطلق ، علي صدره رصاصتين اخيرتين
أهل الكهف
لا يدري متي خلد للنوم ، عندما استيقظ كانت الشمس ، علت هامات الأشجار ، ولأنه ينام في موقع فضاء ، أصابته أشعة الشمس من اتجاهات عدة ، قربه علي بعد ثلاثة أمتار تر ، جثة الذئب :
قذرة ومتضخمة وعنيدة ،
حوله ولكن خارج السياج كانوا : جميعهم علي ما يبدو – ذكور ، يحيطون خصورهم بقلائد من الخرز وأنياب الحيوانات المتوحشة ويخفون ما بين السرة وما فوق الركبة بقليل ، بجلود أو أردية من النباتات ،
من أعناقهم تتدلي التمائم ،
يقفون حول السياج حاملين حراباً لها مقابض طويلة من القنا ، البعض يحمل سهاماً البعض يحمل فؤوساً وأسلحة بدائية ،
ينتعلون جلوداً سميكة ، ربما كانت مصنوعة من جلد فرس البحر أو الجاموس ، سود مثله ، غير أن قامتهم عالية بعض الشئ وأجسامهم نحيفة متناسقة تشع :
قوة ورشاقة وكأنهم نمر ،
تقاطيع وجوههم وسيمة قاسية وحادة ، بدأ من الواضح لديه أنهم محاربون من قبيلة بدائية تقيم بمقام ليس ببعيد سمعوا إطلاق الرصاص أو رأوا لهب النار بالليل ، ويستطيع أن يؤكد لنفسه أنهم ليسوا أكلة لحوم البشر: (الكا) تقيم بعيد جداً عن هذا الموضع ، حسب وعيه بجغرافية المكان السكانية ، ربما كانوا من قبيلة (لا لا) ،، ولكن السؤال الساخن الآن هو – ماذا سيفعلون بي- هل سيرمونه بالحراب ، اذا خرج من ناموسيته ظناً منهم أنه سيبادرهم بالهجوم ، - هل أبدأ أنا باطلاق النار ، رصاصتان في الهواء ترعبهم فيهربون فزعاً ، ثم أهرب أنا بدوري أم أنتظر لأري رد فعلهم ، لا ، لا ، ، يكون ردي متأخراً ، بعد فوات الآوان – تريث يا سلطان تيه ، تريث ، أتري ما سيكون تصرف الصادق الكدراوي أذا كان في ورطتي ،أو اذا كنا معاً لابد أنه سيختلق فعلاً يجعلهم يرمون أسلحته ويعانقوننا واحداً واحداً ومن ثم يأخذونا الي مساكنهم ويؤمنون لنا الطعام والشراب ثم يكرموننا بأجمل فتاتين في القرية كعادة كثير من القبائل البدائية في كرمها للضيف ، ولكن أين الصادق الكدراوي ، أطلق الرصاص في الهواء وأنتظر .... تريث لا تفعل شيئاً أن كثيراً من القبائل البدائية لها طبع مسالم ، أطلق ، لا تنطلق ، كانوا صامتين كأنهم يستنبطون ما يدور في ذهنه ،
بعيدا عن ذهن سلطان تيه كان الصباح جميلاً ومشرقاً ، طيور زرقاء ذات مناقير حمراء ترك علي أغصان شوكة ، تغرد نغماً خفيفا حلواً ثم تطير فجأة نحو الغرب ، من بعيد يأتي نشيد المغني : طائر صغير الحجم له ذيل طويل ، به لونان في الغالب الأزرق والأبيض ، كان نشيده الحلو يعمق براءة الصباح : يزيده بهاء ، سلطان ، تعلم التفاؤل بسماع المغني منذ أول صباح عانقه بالدغل ولو أنه لم يراه غير مره واحدة نسبة لإختبائه بين أوراق الأشجار العريضة ،
وبعيداً عن وعيه المشوش بالمأساة : ايقاع الطبل الآتي من عمق المسافة جميل أيضاً ، يحتاج لكي يتبول ، يعلو صوت الطبل ويقترب ، كلما دنا أكثر اتضح صوت الجوقة التي تتبع الايقاع والنشيد ، وبأسرع مما توقع :
ظهرت طلائعهم بين الأشجار الغزيرة ،
عندما دخلوا الأرض الفضاء ، عدهم ، واحداً واحداً ، من داخل ناموسيته وكانوا عشرين شخصاً من بينهم أمراة جميلة سوداء ، تلبس رداء جيد الصنع من الجينز ، صدرها عاري ، عليه ثديان نزقان ، تتدلي ما بينهما تميمة كبيرة الحجم ، من العاج ، من بينهم ، رجل أبيض البشرة ، يلبس مثلهم : أشقر ،
عيناه خضرا وأن كقط ، في الحق كانت له عين واحدة والأخري مفقوءة ويبدو كما خيل لسلطان تيه أن هذا الأبيض حوري ، الحواري كما يعرفه سلطان تيه ، ليس من الجن بل هو مولود نتيجة طفرة وراثية من أب وأم اسود ، الطفرة هي نتيجة تفاعلات كيمائية أو فيزيائية في الجينات وهذا بالضبط ما تعلمه من أستاذ الأحياء بالثانوي ،لكن قفزت في وعيه مسألة مستر ومسس جيني : ، يكون هذا من مخلفاتهما،
أنفجر الصمت بوصول القادمين ، أخذ الجميع في شرب شئ أتي به القادمون في قرب كبيرة من الجلد وأوعية من القرع و الفخار ، كانت رائحة المشروب ذكية أثارت فيه شهية الشرب وشهية الشرب كشهية الموت ،
تبدأ بآكلان في القلب ، لا تنتهي الا بنهاية الجسد ،
كانوا لا يأبهون به وكأنه لم يكن ، هو يهتم بكل تفاصيل فعلهم ، حصلات الأشقر المجنونة ، أسنة رماحهم ، اطيارهم الراكة علي شوكة ، ذئبهم أو ذئبه ، لا فرق ، طبلهم الذي صمت ونام علي شجرة عرديب طفلة ، سمائهم الزرقاء ذات السحيبات البيض الخفيفات ، هونفسه : أسيرهم،
القابع تحت ناموسيته يرغب الموقف ويؤسس لفعل ،
أما أن ينجيه ،
أما أن يميته ، أما أن يخوزقه ،
والعياذ بالله من الخازوق ، لوقوعه في مسافة ما بين النجاة و الموت ،
وقف الجماعة لشخص قادم احتراما ، ظهر من بين الأعشاب يمتطي حمارا وحشيا اليف ،
يلبس رداءً ثقيلا حول خصره ، تتدلي علي جانبي الحمار وعلي صدره تمائم وعقود ، علي كتفه فراءً ناعم يغطي كثيرا من صدره ، من الواضح أن القادم ذو شأن ، كان كبيرا في العمر ، وبدأ عليه التعب والإرهاق ، فيرفقة جماعة راجلة وحامرة أيضا،
جلس الجميع في دائرة ، في احدي طرفيها القادم : الكهل ،
وبعد مداولات طالت ، برطانة لا يفهم سلطان تيه منها شيئا ، أزاح المحاربون الشبان الأشواك ، قام نفر منهم بجر جثة الذئب الي حيث الطبل القابع الساكن الساكت تحت العرديبة الطفلة ، حدث ذلك برفق شديد ، أدي الجمع صلاة صامتة في شكل رقص حزين ، اتبعته نقرات خفيفة علي الطبل أداها الأبيض الأشقر الأعور ، مخلفات آل جيني ، أو كما يظن ،
يبدو أنني قتلت شيئا مهما ، شيئا مقدسا ،
تورطت يا سلطان تيه ،
أين الصادق الكدراوي ،
هل سيقتلونني ، كما قتلت ،
هل يربطونني لأبناء الذئب لينتقموا مني ،
هل ، هل ،
أخذ بعض المحاربين يسلخون الذئب ، بينما اتجه الرجل الشيخ نحوه ، معهم الفتاة الناهد الجميلة وبعض المحاربين ، وقفوا حوله في حلقة ، كان رجلاً شجاعاً سلطان تيه وهو يرتعد من الخوف في انتظار المصير المجهول ، لا وقت لديه لقراءة التعاويذ أو ذكر أسماء أهل الكهف وكلبهم ، بينما في شتاته اذا بصوت الفتاة يأتيه بكل وضوح :
Who is there
بلغة انجليزية سليمة دون اية لكنة ، كأنما هي لغتها الأم ، أحس بطمأنينة بالغة وكأنما قفز من حضن الغول الي حضن أمه مباشرة ودون مقدمات أزاح الناموسية ببطء وأطل بوجهه نحو الجمع والذين كانت دهشتهم أكبر لتبينهم أنه ليس الا رجلاً أسود مثلهم ، وجهه كأوجههم ، كل شئ فيه فيهم الا أسلوب لباسه الذي رأوه من قبل عند مسس ومستر جيني في أيامهم الأولي ورأوه بين حين وآخر يلبسه الصيادون ورآه من يذهب منهم للمدينة حيث يلبسه الشرقيين ، يلبسه الحكوميين والذين كثيراً ما اصطدموا بهم ، يلبسه العسكر الحكوميون ،
رأوا فيه شخصاً عادياً وربما كان صياداً ضل طريقه ،
من أنت ،
Who are you,
قال إنه باحث اكاديمي في طريقه الي بحيرة التماسيح لأنه يعد رسالة مهمة عن التماسيح ، فضحكت الفتاة فجأة ضحكاً أثار غيظه ، ضحكاً أثار فضول اصحابها ، أرتفعت أصواتهم احتجاجاً لعدم الفهم وأنهم يريدون ترجمة فورية لما يقال ، نظرت نحو الشيخ المنتظر تفسير ما يضحك ، رطنت ، وما أن خلصت من القول حتي أندلق الجميع في وحل الضحك ، ثم تحدث الكواكيرو وهو الشيخ بلغة لا لا ، قالت المترجمة لسلطان تيه ،
يقول الكواكيرو انك صائد تماسيح وانك صائد ماهر وقتلك للحارس دليل ، أكد سلطان تيه انه دارس اكاديمي ، استمات في برهنة ذلك لأنه يعلم أن الدغليين لا يحبون اثنين : سلطات الشرق ،
والصيادين ،
طلب منهم فحص متعلقاته ، طلب منه الكواكيرو أن يعطيهم السلاح الذي قتل به الحارس ، أمن المسدس بهدوء وأعطاه للفتاة ، ناولته بدورها للكواكيرو ، قلبه يمنة ويسري ، بكل حرفيه أخرج خزانة الرصاص ، ثم أعطي المسدس والخزانة لأحد المحاربين ، وضعه في سلة من السعف ، قاموا بفحص معداته بدقة متناهية ، فحصوا كفتي يديه وكتفه ، وجدوا علب طعام محفوظة وجدوا كتباً بها تماسيح مصورة ، كاميرا ، فأس صغيرة ، مدية صغيرة ، أقلام ، لم يجدوا أنياباً نادرة أو عاجاً أو جلد حيوان نفيس أو مصل حية ،
ولكنك قتلت الحارس ،
أتدري ما عقوبة ذلك أذا كنت صيادا ،
لكنك طالب علم ،
نحن نقدر لك ذلك ،
ولو أنك تدرس شيئا تافها لا فائدة منه ، ترجي شيئا تسكنه خمسون روحا شريرة ،
لكنك قتلت الحارس ،
نعرف أنه لولا قتلك له لقتلك ، أنت تدافع عن نفسك نعرف ذلك ،
ولكن هذا لا يسقط عنك عقوبة قتل الحارس ، فأنت قتلت الحارس ،
عقوبة ذلك في العادة أن تحل روحه فيك وأن يحل جسده فيك ،
أما روحه فأنها في اللحظة التي قتلته فيها ،
دخلتك ،
أما جسده ،
نقوم بحبسك أعلي الجبل الي أن تأكل آخر قطعة منه ، عندها سيحل جسده فيك حينها ،
سنطلق سراحك : مذؤباً ،
أولاً ، سارت مجموعة المحاربين الشبان يحملون شرائح لحم الذئب علي عصي طويلة من البامنو ، كل أثنين يحملان قناة واحدة طويلة ، تتدلي علي جوانبها شرائح اللحم وهي تقطر دهناً ، كان حيواناً شحيماً ، تبعه حامل الايقاع ، الرجل الأبيض ذو العين الواحدة القطية والخصلات الشقراء ، يقرع الطبل بإيقاع حزين مهدور ممل خفيض ، ثم ، سلطان تيه وعلي ظهره حاجياته كلها ، خلفه مجموعة من المحاربين الشبان يحملون حرابعهم وعصيهم ، يغنون لحناً حزيناً موقعاً بطبل الرجل الأشقر الأعور ، أصواتهم تعلو فجأة حتي تصبح ، الهتاف ثم تنخفض فجأة لتصير ، الهمس
همساً عميقاً ،
وفي حركة أخري تتدرج أصواتهم ما بين الهمس والهتاف ، تتنقل من الأول للأخير بكل سلاسة وحرفية ، ثقافتهم في مجال الغناء والموسيقي أحلي والا وجد أسماً مناسباً لما يقومون بأدائه أما الآن ، فهو يسمي ذلك هارموني أو يسميه تماهي لو استطاع أن يمتع نفسه بذلك دون تعارف لتمكن من طرد كثير من السؤالات السوداء ،
كيف تتحدث هذه الصبية المتخلفة اللغة الانجليزية وكأنها لغتها الأم ، ولكن عندما هدأت أعصابه قليلاً ، اطمأن قلبه ، عاد وربط ذلك بمستر ومسس جيني ،
ما هو مصيري ،
أنت في ورطة – هل سأخرج سالماً من هذه الورطة ،
ما بين القرية والغابة أرض تخلو من الأشجار الضخمة ، لكنها مغطاة تماماً بالاعشاب الناعمة ذات الأشواك الدقيقة وبعض المهوقنيات والتك في أعمار صغيرة ، بدأت له القرية من علي البعد وكأنها قباب صغيرة مصنوعة من مادة بنية ، شكلت لها خلفية طبيعية في هضبة عالية خضراء عليها الأشجار زاهية الخضرة تحرسها ، وكما هو موضح في الخارطة يوجد منبع مائي صغير أعلي الهضبة ، وهاهو الجبل يفوق تصوره ، في الحق لم تكن لديه تصورات مسبقة عن المكان ، كل تصوره كان ينصب علي بحيرة التماسيح ، موقعها بين الجبال ، شكلها ، مائها ، تماسيحها ، رمال التماسيح البيضاء الباردة وتحتها يرقد بيضها ، كاميرته وهي تسجل حركة التماسيح وعلاقتها الأسرية والجنسية والغذائية ، الآن وجد نفسه في موقف يجبره علي اجلال جمال المكان واحساس تفاصيل عظمتها ، كلما اقترب أكثر من القرية ، تميزت الألوان الحجرية الزاهية التي طليت بها الكهوف ، ثم جاء أطفال القرية وكأنهم النعام بسوقهم الغبشاء وأعينهم النجلاء ، رؤوسهم عليها قنابيرهم ، ليسوا كما رأي من أطفال ، كانوا هادئين وطيبين ، لاحظ ذلك عندما اقتربوا من موكب المحاربين ، جلسوا علي جانبي السبيل علي العشب احتراماً لموكب الكبار ، ولو انهم ، شحنوا بالفضول ، كانوا يحملقون في لحم الذئب وقاتله بعيون سئآلة وحب استطلاع يكبته الأدب و الطقس ، هكذا تراصوا الي مدخل القرية ، النسوة الجميلات حزاني وهن يجلسن علي قارعة الطريق أيديهن علي رؤوسهن ، أنغام الإيقاع القطي الحزين : يبكين ،
يصدرن مواء عميقا ، جعله يحس حقيقة الجرم الذي ارتكبه ، ثم يعلو صراخهن ونقعهن عندما يمر أمامهن موكب لحم الحارس المقتول ،
دن ، دم دم ، دم ، دن ، دم دم ، دن
كان الرجل الأبيض ذو العين القطية جميلاً وهو يدق الطبل ،
حزين جداً ،
طاف الموكب الحزين كثيراً أزقات القرية نهرته كلابها ، هربت من بين أرجل المتوكبين ، دجاجاتها البرية المستأنسة وهي تكيك ، الي أن توقف أخيراً أمام دار ذات فناء متسع ، دخل اللاحمون بذئبهم : دخل هو ،
كان شجاعاً وهو يحس برعدة الخوف تصعقه في عمق السؤال ، ذات السؤال الجبان : بئس المصير ، أنت في ورطة ،
ماذا سيفعلون بي ،
أين الصادق الكدراوي ،
وبدخوله واللاحون في الدار ذات الفناء المتسع ، تفرق المحاربون وتفرقت النائحات يتبعن صغارهن النعام وأصواتهن تختفي تدريجياً ، تتلاشئ تماماً ،
وسط فناء الدار توجد مظلة كبيرة من البامبو مسقوفة بحصير ناعم بدقة وأناقة ذكرته بالكنيسة التي في أحد أحياء المهجرين في الشرق ، توجد بالمظلة مقاعد خشبية مصنوعة من أحطاب العرديب والمهوقني ، بعض الشيوخ يجلسون بالمكان ، طلبوا منه إنزال ما بظهره ، أن يجلس علي أحد المقاعد الخشبية ، أن يشرب ما قدم اليه ، أن يستمع للقول المترجم بواسطة الناهد ، أن يرد ، أن يقال اليه أخيراً ، اتبع هذين المحاربين الي كهفك ، هنالك أعلي الهضبة ،
يخرج وعلي ظهره حاجياته ، لمح ما يشبه عربة جيب في مظلة من البامبو عند ركن بعيد بالدار اذا جاء بعربة كهذه هنا ، ماذا يفعل هؤلاء البدائيين بها ، لا تشغل نفسك بأمور جانبية يا سلطان ، الأهم كهفك ، ذئبك ، سجنك ، بحثك ، طعامك ، فليكن الجيب أو فلتكن طائرة نفاثة ، لا تشغل نفسك ، لا ، لا ،
الناهد ذات الصدر العاري بارعة جداً في التحدث باللغة الانجليزية ، ذات مهارات ترجمانية عالية ، وكانت تستخدم اصطلاحات لا يعرفها هو : القارئ المواظب علي اللغة الانجليزية وكثيراً ما كان يردد ،
أسف ، أسف ،
تعيد صياغة السؤال بلغة أسهل وكلمات أبسط ولو أنها كانت لا تدري اية لغة هي الأسهل وأيها ، المهم كانت تقوم باستعمال مترادفات تسهل علي معرفة السؤال وبالتالي الاجابة ، هي جميلة ، جامحة ورشيقة ، ينقصها فقط شخص كالصادق الكدراوي ليقيس مدي تماشي مؤهلها الجمالي الظاهر مع .......... الامتاعية ، أو كما يسميها الكدراوي : إيقاعها السري ما دون السري ،
سوداء وربما كانت أكثر سواداً منه ، بشرتها ناعمة ملساء ذات لمعان خفيف ساحر وكأنها مدهونة بزيت سحري ، كانت جميلة ، في زيها البسيط المكون من رداء الجينز الأزرق الباهت والخرزات الملونة ، قالت له وهما يسيران خلف المحاربين : انت ستبقي بالكهف دون حراسة ، ويجب عليكأن ألا تحاول الهرب ، لأن القبيلة تحيط بالجبل بيوتها ، ولأن الذئاب تحيط بالقبيلة ، ولأن برم بجيل يحيط بالذئاب ، وأنت بغير سلاحك ، فمن ينجيك ، ولعنة الحارس تطاردك دائماً ، طالما لم تكن أنت جسده ولأن روحه تريد أن تستقر في جسده هو بالذات جسدك أنت ،
أنا لا أفهم شيئاً ،
قالت الحسناء ذات الجينز الباهت ، عليك أن تأكل كل قطعة من لحمه يؤتي اليك بها ، عليك أن تفترش جلد الذئب لحافاً لك ، عليك أن تحتفظ برأسه معلقة علي باب كهفك ، عليك أن تلبس نابيه قلادة ، عليك ثم عليك ،
كان تعباً ومرهقاً من جراء المشوار الطويل والحمل والخوف من مفاعيل المشروب في جسده فلم يقل شيئاً ،
فقط يريد أن ينام
لا أكثر ،
يريد أن ينام ، آه ، همم ، م ، م م ،
يقع الكهف في قمة الهضبة ، كهفاً كبيراً ، ..... ، حفر في صخر ضخم ، لا يستطيع سلطان تيه أن يتخيل ، مجرد تخيل : كيف حفر هذا الكهف ، من الذي حفره ولماذا ، في الحقل الدغليون أنفسهم لا يعرفون تاريخاً أو حدثاً أو شخصاً يؤرخ لهذا الكهف ولكنهم يعرفون كيف يستخدمونه ، غمره احساس أولي بأن هذا الكهف هو مسكن ما يعرفهم بأهل الكهف ، ولو أنه مدرك في وعي حقيقي أن أهل الكهف كانوا علي بعد آلاف الأميال من هذا الموقع ، علي مدن ترقد ، نحو البحر الأبيض المتوسط ، في قمة الهضبة أرض مسطحة متسعة تمتد علي مدي ما يبصر ، بها غابات وجبيلات ، مجاري مائية ، وحيوانات ، وعين أو بحيرة ، قرأها في الخارطة :
وما لم يعلم ،
ليس لديه ما يقوله لها ، لا شئ فقط يريد نوما هادئا عميقا وعندما يستيقظ فليطعموني عظام الذئب لا أبالي ،
كان شجاعا وهو يحس بفراغ الكهف يسري في قلبه ، كالاكلان البارد المرعب ، كما لو أن حية انزلقت علي ظهره وهو عاري ، كان يخاف في شجاعة منقطعة النظير، رهبة الفراغ ،
في هذا الركن كما تري كومة من الأحطاب الجافة ، بامكانك استخدامها للتدفئة وطرد البعوض والذبابة الرملية وذبابة النوم وهي توجد بكثرة في هذه البلدة ، تحتاج النار للاضاءة ، يقول الجد برم بجيل ،
الضوء ،
رجل شجاع ،
حارس أمين ،
وامرأة لا ، تكذب ،
لا يريد أن يعرف من هم لالا ، لا يريد أن يعرف من هو جدهم برم بجيل ،
لا يريد أن يعرف من هو الضوء ، يريد فقط أن يبقي أحد المحاربين بجانبه ،
سنعود الآن تاركين لك مدية ورمح وعصاة ، تحتاج بين الحين والآخر للدفاع عن نفسك من يدري ، لا لن يقرب الحارس كهفك هذا أبداً ، لأنه لا يوجد في قمة هذا الجبل غير الأرانب والثعابين وبعض الغزلان ،
هل تريد شيئاً ،
كان الكهف كبيراً وخالياً ، يحس الآن بصداع حاد ، في حاجة للذهاب للمرحاض هنا كل مكان لا يراك فيه أحد : مرحاض ،
أينما اختليت بنفسك أنت في مرحاض ،
بسم الله ،
تبول ،
سوف آتيك أيضاً غداً ، تحتاج لشئ ، علي كل ، سيداول المحاربون علي مدك بالماء ، الطعام وما تريد ،
الشمس تغيب الآن ، خلفها شفق في لون الدم ، أو ، البرتقال وفقاً للحالة النفسية للمشاهد ونبض قلبه ، يود لو أستطاع أن يجعل الشمس لا تغيب ، أن تبقي جمرة مشتعلة ، نور يضئ به ظلمات الخوف ، تبعد عنه مسافات ، كلما غامت الرؤية كلما أحس بوحدة أحجر ، كلما أحس أكثر : بفراغ الكهف ،
ليالي طويلة قضاها في ظلمات الدغل محيطاً نفسه بالتعاويذ والعصي والصلاة ، تحوم حوله المخافات ، لأول مرة في حياته يحس : الخوف ،
اذا ، هل كنت أستمد شجاعتي من المسدس ، أخذ المسدس ، أخذت الشجاعة ،
أم أن فراغ الكهف هو الذي أشعل قصاصات الخوف فيه ، أو ، الأحطاب ثم صلي صلاة المغرب ، قرأ جهراً كلمات من حزب الأمان كان ، حفظها عن أبيه عرضاً ونتيجة لتكرار واله لها ليلة تلو ليلة ومخافة تلو مخافة ، وما أكثر مخافات ، وآلده ما كان يهتم بقراءة وآلده اهتماماً فعلياً ، يري فيها شيئاً مكرراً مملاً ، الآن ، أمام جلال الفراغ ، الأمر يختلف ،
من بين أوراد وآلده يعشق صلاة النقطة ، يعشق لغتها الصوفية الشفيفة ، ولكن لا يحفظ منها أية كلمة ولو أنه يحس موسيقي روح لغتها تحلق الآن ، تملأ الكهف غناء صامتاً ، ولو أنه يتلمسه الآن : بنبض قلبه ،
لماذا لم يصبح شخصاً متصوفا بصورة جادة وقاطعة كوالده ،
النار كانت شهية ودافئة فهدأ ، شاء أن يرتب أفكاره بصورة منتظمة ، عندما يقضي مدة سجنه سيذهب مباشرة الي بحيرة التماسيح ، كم من الوقت سيقضيه هناك
يريد أن يعود للمدينة : الآن ،
وطواط يزعجه ضوء النار ، يخرج مندفعاً نحو الخارج ، لم يستطع سلطان تيه أن يتبين أن رائحة جسده أصبحت سيئة ولا تطاق ، ربما ، لأن رائحته توحدت برائحة الكهف ، برائحة الذئب ، لحمه المجفف ، رائحة الخوف ،
قالت له نفسه : هنا وضع أهل الكهف رؤوسهم المتعبة قبل أن يخطوا نحو نومتهم الطويلة ، لابد أن كلبهم كان آخر النائمين ، ولابد أنه نبح كثيراً قبل أن ينام ، لابد أنه أكل عدة أرانب كبيرة في طريقه الي النوم ، لابد أنه تذكر كلبة حاول أن يلتصق بها ، وكلبة سيلتصق بها غداً وكلبة أخري وكلبة ،
لابد أنه قبل أن يرقد واضعا رأسه بين قائمتيه الأمامتين محنيا اياه جهة اليسار قليلاً وفوق عينيه تحوم ذبابتان ،
ماذا لو كانت رنا الآن معه ،
نعم ، رنا
الصبية بنت الجيران التي كان يحبها في سرية قضم قطعة حلوي خطفها طفل مستغفلاً والدته ، يقضمها في توحش مصموت ، بين الراكوبة وباب الشارع ، في سرية ابتلع لعابه الحلو في سرية مسح شفتيه وجانبي فمه وهو عائد الي موقع مخطوفته ، في سرية انطبع لون الحلوي الأحمر القاني علي لسانه كشاهد خبيث علي الإختطاف ،
ماكان الأمر يحتاج لكل هذه السرية لأنه لا يوجد من يغضبه حب سلطان تيه لرنا ، ورنا ذاتها كانت ستسعد كثيراً اذا عرفت أنه يحبها ، وما كانت ستبخل عليه بما شاء من تواصل والأبعد من ذلك ، وهذا شئ لن يعلمه وسوف لا يخطر بباله الي الآن وهو أنها لا تمانع أن تعطيه نفسها ،
هكذا بكل بساطة ،
اذاً وفر علي نفسه الليالي التي قضاها مؤرقاً يرسم نهديها وردفيها وبسمتها في فراغات حجرته ، يرسم صوتها ثم يستدعيها لتنام قربه الي أن يؤذن الصبح : فيغتسل شاوياً نفسه بالماء البارد ،
لوفرت علي نفسك عذابات الاستمناء ،
اذا كانت تنقصه الخبرة ، وهي الكنز الذي تهديه المغامرة والتجربة والوقت للانسان ، يمتلكه صديقه الصادق الكدراوي ،
لا لم يكن خجولاً ، بل هو جرئ ولكنه لا يعرف : كيف ومتي يستخدم جرأته ، فيم ومع من اذاً ان مشكلته الحقيقية هي مشكلة ايقاع ،
كروانان يتناديان يفرق بين نداءيهما نداء بوم أجش ، والبوم نذير شؤم والكروان فأل خير ، سيصلي صلاة العشاء ،
كيف هرب عنه النوم والتعب ، في المكان الذي هيأه لصلاة المغرب ، صلي العشاء ، وفي الحق لم يكن منتبها تماماً لما يقرأ ويفعل في صلاته ، كان منشغلاً بشكل تام عن الله ، هو الآن يقوم بأداء حركات اعتاد عليها ، باله منشغل بمشاكل الوحدة والخوف ،
كان عواء الذئب يأتي من بعيد ، من كل أتجاهات الظلام ،
الست ،
البحيرة
في ايقاع بطئ ، كانت تدور عقارب انتظاره ، ثقيلة باردة مذئوبة بشواء الحارس وعفن جلده المدبوغ ، كانوا لا يطعمونه سوي : مرق الذئب ،
شواء الذئب ،
دهن الذئب ،
لحافه ، فراء الذئب ،
مذبته ، ذيل الذئب ،
عندما يستيغيظ ناظراً لضوء الفجر عبر باب الكهف الكبير المنغلق بأغصان شوكية ، يري وجه الذئب المحنط المعلق علي بوابة الكهف محملقاً بعينين مفرغتين من الداخل ، نحوه ، نحو أهل الكهف الذين استيغظوا في وقت سابق وذابوا في المكان ،
كل شئ ، الذئب ،
بين حين وآخر ، تزوره الفتاة المترجمة تسأله ما اذا كان يريد شيئاً ، ثم تنصحه بأن يأكل كل ما يؤتي اليه به ، من أشياء ذئبية ، لأن هذا يعجل باطلاق سراحة وأن لحم الذئب مفيد لجسد الانسان وأنه يجعل القلب أكثر ثباتاً والاقدام أكثر قوة ، والعينين أكثر رؤية ، لم تقل له أنه محرم أكله علي قبائل الدغل كلها ،
لأنه جدهم في الروح ،
بدأ يلاحظ أن وزنه أخذ في الزيادة بصورة واضحة ، أرجع ذلك لعدم ممارسته الرياضة وأن الطعام شديد الدسامة وأن الذئب كان شحيماً جداً ، أرجع ذلك للطمأنينة النسبية التي حسها بعد قضاء أسبوع كامل بالكهف واعتياده علي المكان ،
إذ قال لنفسه ، سأقوم باستكشاف المكان والا أصبحت فيلاً آدمياً ، دعني أمشي هنا وهنالك ، لماذا لا أبحث عن العين المائية ، ربما رفهت عن نفسي بدهشة الاكتشاف ولم لا ،
لبس نعله الواقي الثقيل ، الكولمان ومضي تاركاً الشمس خلف ظهره ، نحو مغرب الشمس لأنه اذا فشل في الوصول الي العين غرباًَ ، اتجه شرقاً ثم بقية اتجاهات الدنيا الكثيرة ، فلديه من الزمن ما يكفي للدوران حول الجبل كله ألف مرة ، لديه من الزمن مايكفي لأكل ذئب كبير عجوز قذر ،
كان يحاول أن يضع علامه علي طريقه يهتدي بها عند العودة ،
علي الأشجار ، كان يكثر فرعاً كبيراً ، أو يربط منديلاً أو يلاحظ تميز صخرة ، الي آحر ما صنعه من لغة ترشده سبيل العودة ، كان يرسم المكان في ذاكرته :
ينحت علاماته في ذاكرة المكان ،
الحيوانات التي تلتقيه في الطريق هي الأرانب ، فئران الجبل الكبيرة الحجم ، الصبرات ، السناجب ، الثعالب : هي لا تمثل له مخافات فعلية ،
بل أنه حاول أن يصطاد أرنباً كبيراً أبيض الفراء ، فشل في ذلك ،
في الحق كان هو المخافة ، فزاعة الأرانب والفئران المسكينة ، هل لأن رائحة الذئب تفوح من جلده ، هل لأن روح الذئب ، هل لأنه ،
تأكد أنه يمشي نحو العين ، عندما شاهد أمامه علي بعد ميل واحة تجمع أشجار ذات خضرة متميزة وقامات قال أعلي مما يجاورها ، وكلما أقترب من المكان وافته الريح ببرودة الماء ورائحته ، عطن أوراق وفريعات الأشجار المتعفنه بفعل ماء المد ،
يشق الأعشاب الكثيفة الخضراء قافزاً هنا وهنالك متخطياً عشبة شوكية وقنفذاً صغيراً أو نتوءآت صخرية ، فإذا به يجد نفسه في مواجهة عين ماء ساحرة ولكنه لم يقترب كثيراً من موضع الماء لأنه يعرف أن التماسيح التي تعيش في هذه الأنحاء غالباً ما تكون شرسة وشرهة وذات شهية منقطعة النظير للحوم البشر ، جلس تحت شجرة وارفة لا يدري ما فصيلتها أو اسمها ولكنه ، شاهد منها كثيراً في هذه الأنحاء ، لها ثمار زرقاء صغيرة مرمية تحتها كثيرة ، بعضها يابس منكمش علي ذاته كحبات النبق وبعضها ما يزال رطباً ، أخذ واحدة وتذوقها ، كانت حامضة ، حامضة جداً ، رماها بعيداً في عشب المحريب ، البحيرة هادئة ، سطحها منبسط مصقول كالمرآة ، عندما تهب عليه نسيمات هادئات يتموج في بطء وانتظام مكوناً أمواجاً طفيفة لا تكاد تلاحظ ، كتموجات خصلة حورية مسدلة علي ظهرها ، كان يترقب بين لحظة وأخري أن تطل أنف تمساح مهشمة صقل السطح أو يخرج تمساح بكامله من الماء زاحفاً نحو رمال الشاطئ ،الرمال البيضاء الشهية ، التي لها لمعان حلو وهي تعكس ضوء الشمس المنسرق اليها عبر أغصان وأوراق الاشجار العالية الخضراء ، كانت تفصله عن البحيرة عدة شجيرات ظليلة كثيفة الأوراق وهي لا تمنعه من مراقبة البحيرة ولكنها تحميه من أن ينتبه لوجوده من جهة البحيرة ، إذ بامكان التماسيح الخروج ما شاءت والرقاد واللعب علي الشاطئ الرملي أيضاً دون أن يزعجها وجوده ، كان يعرف أن التماسيح تفضل الشواطئ الرملية لأنها ستضع بيضها فيها وتظل تراقبه وتحميه الي أن يفقس ،ولو أن هذا الفصل ليس بفصل التبييض ، إلا أنها ، تخرج للبحث عن فريسة ما علي الشاطئ ، يظن أنه لو دقق النظر علي سطح الماء سيتمكن من رؤية أنف التمساح ،، كان يعلم ، كباحث في الحياة البرية أن الوقت الذي يقضيه التمساح خارج الماء أكثر بكثير من الزمن الذي يقضيه بداخل الماء اذاً كان مترقباً يقظاً لكل بادرة تشير علي أن هناك : فك مفترس ،
عندما أطل وجهها ، بين شجيرات الشاطئ الخيمية وأعشاب المحريب العطري ، وسط مهرجات الفراشات والعصافير والتي أخذت تهرب في كل صوب وجه ، عبر خشخشة أوراق الأشجار المتساقطة علي الأرض ، عبر خياله المشحون يترقب ظهور تمساح بين حين وآخر ، عبر عصارة الذئب تسري في شريانه في صمت خبث ،
أطل وجهها ،
ووجهها الأبيض المسقي بورديه خفيفة هي سريان دم الشمس عبر شعيراتها الدموية الرقيقة ، ثم ، اندفعت كلها خارجة من بين الأشجار ، كأنها جنة حقيقية : مثلما في خياله منذ الطفولة الأولي وقصص كامل كيلاني وأحاجي جدته عن الجنة التي تسكن شاطئ النهر ،اذا هي جنة بكل ما يشاء لها من توصيف وتخيل ، كأن شعرها الأشقر مسدل علي كتفيها وظهرها هابط الي مادون عجزتها قليلاً ، فارعة القوام بجسد مهر جسد نزق مشاغب ، صدرها عاري ونهداها منتصبان مكتنزان منفعلان كأنهما نسرين يهمان بالطيران ولكن تمسك بهما شباك الصياد ، فلا هما يستسلمان ولا هما ينفكان ، كانت تلبس رداء من القصب الناعم يبدأ من وسطها وينتهي مادون الركبة ليفسح المجال لصراخ الفخذين الجنينين الثائرين ،
بالتأكيد هو رجل شجاع ،
ولكنه كان في طريقه للانسحاب من تحت الشجرة وحمل خطاه في خفة والهروب بعيداً لولا أن ظهرت خلفها ، من بين الأشجار الفتاة المترجمة ،
فلوباندو ،
كانتا جميلتين ورشيقتين ، يحطن خصورهن بفساتين من القصب ، رآها ذات مرة تلبسها فرقة شعبية في مسرح المدينة ، الآن لا يحتاج الأمر عنده ولو للقليل من إعمال الفكر والتحرر ، يا ، انها أخت الأبيض المتوحش ، مخلفات مستر ومسس جين ، يا لهذا الجمال الضائع في الأحراش ، في صدأ الرطوبة النتنة والتخلف وردة العفن ،
ولولا أن خذلته مخيلته لضعف تعاني منه لقال شعراً ، أو شيئاً قريباً من الشعر ، خلعتا أقصابهما وقلائدهما ، أضحتا عاريتين ، كتمثالين من البرونز والعاج ، والحق أنه لأول مرة في حياته يري امرأة بالغة وهي عارية تماماً ، ولأول مرة تصعقه قشعريرة كهرباء ، الجسد الأنثوي ويحس بفوضوية تامة بألوهية الموسيقي المنبعثة في تفاصيل التفاصيل والتي يفرض عليها الجسد :
ربوبيته وشيطانيته ، أيضاً ،
الجسد ،
نشيد انشاد الأنسان ،
والجسد ،
قرآن الروح ،
هكذا كان يعرفه صديقه الصادق الكدراوي ، العارف بالمرأة ، كان يستحلي التعبير لصوفيته ولكنه لم يفهمه سوي في هذا : الآن بالذات ، ذات لحظة الصقع ،
ذات لحظة الانشاد لبعظيم ،
الموسيقي تهب كالعاصفة ، مثل درويش ثمل يدور به خمر الايقاع ، فيصبح دوارة ،
لا تستريح ،
موسيقي ،
موسيقي ،
لا تستريح ،
الجوقة عباقرة ، الحانهم عطر ، أوتارهم سبائب الجنيات وعصب عشاقهن ،
تتسرب الموسيقي عبر مسام جسده متحولة الي راح : لا يسكر ولكنه يذهب بالعقل ، كانت لغة الجسد معقدة عصية وموسيقاها : صقع ،
أمرأتان عاريتان ،
أمرأتان عاريتان ،
سيحاول أن يؤكد لنفسه حقيقة الرؤية ، الفتاة المترجمة أخت الأبيض المتوحش ،
تلك هي بطونهم ،
تلك هي أفخاذهن ،
تلك هي أردافهن ،
تلك هي الجذر السوداء ،
شعورهن السرية أمرأتان ،
حقيقتان ،
عاريتان علي شطء البحيرة ،
كانتا تضحكان وهما تتحدثان باهتمام بالغ ، علي الرمال الشهية البيضاء ، رقدت الفتاة المترجمة علي ظهرها موسدة رأسها قطعة خشب صغيرة ، كان جسدها يشع عظمة وموسيقي ، جلست الفتاة البيضاء ذات الخصلة الساحرة ، تفحصت عانة صديقتها جيداً وهي تترنم بلحن ، ساعدت رطوبة البحيرة في نقله الي مسمعه بصورة حسنة ، كان لحناً رائعاً ، وعندما فرغت اضجعت هي أيضاً علي ظهرها ، علي الرمل الأبيض الشهي وأخذت الفتاة المترجمة تعمل في عانتها ،
كان يراقب الأمر بعينين جاحظتين وأذنين مفتوحتين وصمت موقوت ، صرخ في
ذاته ،
أنت موعود يا سلطان تيه بليالي حمراء : موعود بأجساد بكر ،
ياحبذا اذا كان معي الصادق الكدراوي ،
لكنا في هذه اللحظة ملتصقين بهما كقرادات البقر ،
مر ليس ببعيد عنه ثعبان ضخم ، انزلق نحو البحيرة ، سحليتان تتخصبان قرب رجله ،
قرد صغير تسلق الشجرة التي يجلس هو تحتها الآن ، ولكنه لا يلاحظ شيئاً ، ثم ، قفزتا في لحظة واحدة ، بحركة رياضية ومن علي ساق مهوقني مرمري علي الشاطئ قفزتا في الماء ، وتطاير الماء في الهواء وكأنه ذعر متفاجئاً بهما ، وهكذا تحول سطح البحيرة من هدوء وسكون الي أمواج دائرية كبيرة ، رشاش ماء ، ضجيج ضرب أكف وأقدام ، الفتاتان الجنيتان ، كانتا أمهر مما رأي من سباحين مثل دلفينين مسحورين : تلعبان في الماء بكره ويبدو أنها ثمرة لشجرة ما ،
ثم غطستا في الماء معاً ،
ثم خرجتا معاً ، ثم غطستا ثم خرجتا ،
جلستا علي رمل الشاطئ تستجمعان أنفاسهما قبل أن تشرعان في غناء بهيج ، قبل أن تلتقطان بعض العصي الناشفة من تحت الأشجار ، ترصانهما علي عودين كبيرين تمكنتا بعد جهد من جرهما الي الماء ، مبقيتان نهايتهما علي الرمال ، ثم ، أخذت الفتاة المترجمة أثنين من العصي ، أخذت تطرق بهما علي بقية العصي المرصوصة علي العودين الكبيرين المنطرحين علي الرمل والماء ،
في هذا الحين فقط أحس بخطورة المسألة حين سماعه لهذا الايقاع المجنون وقبل أن يفيق اذا بالفتاة البيضاء ترقص ،
في البدء كانت تتحرك في هدوء ، تثني وسطها مع الابقاء علي الرجلين ثابتتين ، علي الرمال والإحتفاظ بالصدر ساكناً ، في الحق بهذه الرقصة البسيطة المعقدة ، أثارت فيه غرائزا أقل ما يمكن أن توصف به : أنها ،
غرائز جنسية ،
والدليل العملي علي ذلك ، إنتعاظ مفعاله بلذة مصحوبة بحرقان طفيف ، وقبل أن يفيق انتقلت الراقصة البيضاء الي مرحلة أخري ، مرحلة أكثر عمقاً ومأساة ، حينما أخذت عنقها ناحية اليسار قليلاً ، اندلق شعرها الأشقر علي نهدها الأيسر ذو الحلمة الكبيرة الصفراء في ذات اللحظة التي أرتعشت فيها قدمها اليمني في انفعال ، وهي ترتكز علي مقدمة أناملها محركة الجانب الأعلي من فخذها مع حركة ايقاعية للصدر كله ، استمرت علي هذا الحال ثوان معدودات ، أو خيل اليه ذلك ،
ثم ، عادت ، حركت الوسط فقط فقط ثم ، خلطت بين الحركتين الوسط / الفخذ / الصدر ، وعلي حين غرة غيرت الفتاة المترجمة الايقاع : أسرع / أخف / أرقص / أمتع / أصوف ،
يا إلهي ،
يا مالك الملك ،
كان يمسك بيديه درويشان ، يدوران به في مدار حلزوني عكس اتجاه دوران الأرض والقمر والشمس ، عكس انطلاق المجرة كلها في فلكها الغير متناهي ،
كانت جلابيبهم المتسعة الرقيعة الصفراء الحمراء البيضاء السوداء الخضراء ، تزأر وهي تعض الريح هنا وهناك ، ومن السماء مباشرة حيث يصعد نشيد الدرويشين : تسقط أناشيد ، هي : عصارة أنوثة كل بنيات الدنيا ، السابقات / الحاضرات / الآتيات بمشيئة ،
الله ،
يدور الجسد الشهي المنقوط من السماء ،
لماذا ،
لم يكن يدر ، من قبل ، أن هذا الجسد لم يخلق الا : للرقص ،
كيف طوعت هذه الوحشية البيضاء كل مادة الحياة : حركة ،
رقصة البحيرة 5
الصفراء، في ذات اللحظة التي ارتعشت فيها قدمها اليمني في إنفعال ،وهي ترتكز علي مقدمة أناملها محركة الجانب الأعلى من فخذها مع حركة أيقاعية للصدر كله، استمرت علي هذا الحال ثوان معدودات ، أو خيل إليه كذلك ،
ثم ،عادت ،حركت الوسط فقط ثم ،خلطت بين الحركتين الوسط /الفخذ /الصدر ، وعلي حين غرة غيرت الفتاة المترجمة الإيقاع : أسرع /أخف/ أرقص /أمتع/أصوف
يا إلهي،
يا مالك الملك ،
كان يمسك بيديه درويشان ، يدوران به في مدار حلزوني عكس اتجاه دوران الأرض والقمر والشمس ،عكس انطلاق المجرة كلها في فلكها الغير متناهي ،
كانت جلابيبهم المتسعة الرقيعة الصفراء الحمراء البيضاء السوداء الخضراء، تزأر وهي تعض الريح هنا وهناك ، ومن السماء مباشرة حيث يصعد نشيد الدرويشين : تسقط أناشيد ،هي :عصارة أنوثة كل بنيات الدنيا ، السابقات/ الحاضرات /الآتيات بمشيئة ،
الله،
يدور الجسد الشهي المنقوط من السماء ،
لماذا ،
لم يكن يدر، من قبل، أن هذا الجسد لم يخلق إلا: للرقص ،
كيف طوعت هذه الوحشية البيضاء كل مادة الحياة : حركة ،
كل عضلة فيها تؤدي استعراضا انسانيا راقصا، بعمق متفرد ، وكل عضلة فيها كانت تنشئ فهمًا بهيميًا ينفي ذاته ويتعالى علي كل: شيء ،
الرويد ح ، البحيرة ، الشبق ، الديمومة ، ينفي نفسه المتعالى عليها ،
كل عضلة مهرجان وثورة /عشرات النساء يؤدين أوبرا : الأبدية ،
ور به الدرويشان ، يمزقان نياط مدينته يسحرانه : عينا واذناً ،
كيف طوعت هذه الوحشية الروح في تموجات عضلات جسدها ،عبر إيقاع البنت المترجمة المسحور ، كيف استنطقت عصارة السر من علياء البنيان ،
لا، لا،
لماذا لم يعرف، أن روح الجامد الساكن المقاد هي ثورة الجسد ،
لماذا لا يؤمن ،
يدور به الدرويشان ،
لماذا لا تؤمن ،
ترقص ،
ترقص ،
ترقص ،
يدور به الدرويشان , تذوب الروح ،
ترقص ،
ترقص ،
ترقص ،
تذوب الروح وتصبح / الجسد ،
ترقص ، ترقص ، ترقص ، ترقص ،
ثم غاب عن الوعي ، أنامه ملكان ، أيقظه ملكان ،نظر به نحو البحيرة الساكنة شيطان الحاضر : الآن ،
وآ أسفاه ،
أين ذهبتا ، كم سنة نمت ،
***
بالكهف عاده الاحساس بالضياع بالوحدة بالخوف ، بالحزن ،
مكسـيما،
تملـيخـا،
مرطـونس،
نينوس ، ساريولس،
فليستطيونس،
قمطير ، حمران، أو ريان،
ماذا لو كانوا قربي الآن ، نائمون هنا ، ماذا لو أتت الفتاة البيضاء ،رقصت علي إيقاع شخيرهم المنغم بشهيق قمطير وهلوسة فليستطيونس وهو يرى في المنام أن ذئباً يتحرش باغنامه ،
هل كانوا سينقلبون قليلاً جهة اليسار، إذا هي أحنت رأسها قليلاً جهة الشرق اندفقت خصلاتها الشقراء علي نهدها ،وهل ، إذا انتهرت عضلة واحدة بردفها وأرقصتها بايقاع خفيف مموسق ،بزفير ثمليخا ذلك الحاطب التعب المرهق الذي استراح أو شاء له أن : ، أكل لحم الذئب المشوي شواءاً رديئاً، علي عجل وشرب قليلاً من جعة الأنناس قبل أن يأخذ كاميرته وملحقاتها ويغلق الكهف بغصن من الشوك كبير ويتجه بخطي عجلة نحو البحيرة ، سأقوم بتصويرهما هذه المرة ويجب علي الصادق أن يري مثل هذا الرقص الذي لا يشبه الرقص ،
في دخيلة نفسه ،كان يعرف أن الصادق سيهتم أيضا بسوق الفتاتين العاريات سيهتم بسوقهن سيهتم بالرقص ، سيهتم بسوقهن ،
كمن في مخبئه الذي قرب البحيرة، نصب كاميرا كوداك صوب موقع أداء الرقصة السابقة ، مرن نفسه بتصوير البحيرة إنحناءآت الأغصان بتاثير ريح خفيفة ناعمة، تهب من جهة الجنوب الغربي صور سرباً من أطيار ذات أرياش جميلة، وألوان زاهية كانت تحلق علي سطح البحيرة الممتد أميالأ في أفق ينتهي بأشجار عالية بعيدة ، ثم قرر أن يحتفظ بطاقة بطاريته الجافة لتسجيل رقص البنتين ،لربما سترقص اليوم الفتاة المترجمة ، ستحضران حالأ بين لحظة وأخري لقد حضرتا بالأمس في نفس هذا الوقت ذات البحيرة ،
ستحضران حالاً ، سترقصان حالاً ، بذات النشاط ،
كان يتلهي بالأشياء حوله وهو ينتظرهما ، ولكن الزمن سيمضي ممثلاً في عقارب ساعته واستدارات الشمس نحو الغرب وهو لا يحس بذلك أو كان يخدع نفسه ويسقطها في فخاخ إستراتيجية عميقة وبتكتيك عسكري كان يصدر لهما الأوامر :
ستحضران حالاً ،
حان حضورهما واستسلم ، لارهاب العاطفة وتخدير المخ، الموقع بالأمل في الحضور الفوري ، والرقص الفوري ، العري الفوري ،العُري العظيم المقدس ،
كان كمدمن في انتظار جرعة مخدر ، تأخرت ، كحبلي علي فراش الولادة ، في انتظار الطلق ، كان:كلا يدري ،
في تلك اللحظات تكثفت حاجات العمر كله في أمل واحد لا غير ، وضاق الكون بما فيه وانكمش، متمثلاً في عضلة تنتفض علي إيقاع بنت ، عضلة في ردف جنية، غناء الأطيار ، ألحان المغنين كلهم ، موسيقي الطبيعة، نغمة من فيه صبية البحيرة ،
لحظة هي : المدد عند الصوفي ،
وشاءت ألا تكون ،
وعندما وعي غروب الشمس نتيجة لإحتجاب الرؤية ، أصدر أمرًا ميدانياً حازماً لنفسه : سيطلع القمر وسيحضرن حالأ ،
نعم فليعلو القمر قبة السماء بعض الشيء ،نعم لا بأس ، فليصعد قليلاً ،
يومياً ، كان يشهد شروق الشمس علي شط البحيرة ، يشهد غروبها علي الشط الآخر، وينتظر بتلهف ميئوس مدمي طلوع القمر ثم ، يعود لأهل الكهف يشاركهم الغياب ،
الليلة قمراء ،
مضاء الدغل كله ، مظلم الأمل في غرف ذاته : مشتى الحزن ، القمر يضيء كل شيء إلا الحزن ، أنه يزفته ويطينه ،
يستطيع من امام كهفه أن يري بنايات القرية ، النار المضرمة بالكهف تستعر معها فراغات الكهف : وحدته ،
كان يستمع إلي راديو فرنسا الدولي، في الحق لم يكن منتبهاً لما يذيعه الراديو ، أيضا لم يكن منتبهاً لما يدور خارج الكهف، لأنه إذا كان منتبهاً لسمع صوت البنت المترجمة تنادي ،YOU MAN , YOU MAN
حركت الشوك المنسد به باب الكهف ، حينها صاح مذعورًا ،
من هناك ، من هناك ، إنس أم جان ،
وهب واقفاً علي ،رجليه وبيد مرتجفة أمسك فأساً قريبة منه ، قالت الفتاة المترجمة وهي تزيح الغصن الشوكي تماماً عن الباب،
أنا فلوباندو الفتاة المترجمة ، ناديتك من الخارج ولم تسمع ،
كانت تتحدث بهدوء وطلاقة ولغة إنجليزية راقية وأعصاب باردة كأنف كلب ، فبادرها ،
هل أنت وحدك ،
نعم وحدي ،
في الحق لا يدري لم سألها هذا السؤال ، ولكن للسؤال جذور متأصلة في عمق مأساته ،من تظن كان يجب أن يكون في صحبتها ، أم أنك تريدها وحدها ، جلست علي أرض الكهف ، بأدب، ضامة فخذيها، متخذة من ساقها اليسري مسنداً، قدم لها سريره الجوال كي تجلس عليه ،لكنها رفضته قائلة إنها تفضل الأرض لأنها تعودت علي ذلك ثم أضافت ، الأرض لا تؤذي أحدًا ،
إنها أمنا ،أمنا جميعاً ،وهكذا أيضا كان يؤمن مستر جين ،و مسس جين ،
نعم عرفته إنه البدائي،نعم ، كنت تقيمين معهما في المنزل أليس كذلك ،
نعم ، ليس بالصعب أن تتنبه إلي ذلك ،
نعم ،
في الحق هي تحب الثرثرة عندما يكون المثرثر فيه آل جين ، وهوأيضا يحب أن يعرف عنها الكثير ولكنه يحب أن يبدأ الكلام بالمقلوب : ليس بالأباء ولكن بالنسل ، الحفيدة وهل البنت البيضاء هي إبنتهما ،
سنيلا،
أين رأيتها، إنها سنيلا ،
صمت ، حسبما خيل له، لوقت قصير جدًا ،ولكنه ،في الحق: صمت لوقت طويل جداً، شرد فيه بكليته الواعية، إلي حركة مفصل الركبة المتزامن مع إهتزازة طفيفة للنهدين وحنية الراس جهة اليسار ،
سنيلا ، سنيلا ،
أنت تهذي ، هل تعاني من مرض ما
لا شيء علي الأطلاق ،
لماذا لا تجلسين علي السرير ، بالأرض هوام ،
الأرض لا تؤذي ، الأرض لا تؤذي ،
كانت تحدثه عن مسس ومستر جين البدائيان بشهية غنائية وبرؤية بسيطة صادقة ببصيرة كلب / طفل ،
في البدء كانا ملكين هبطا في غفلة عن العادي الي الأرض ، جاءا من حيث لا يدري أحد ،كنا أطفالُ تقتلنا الدهشة ونحن نري لونهما الأبيض ، لبسهما والوانه الزاهية والتي كانت تفعل فينا فعل السحر عيونهما الخضراء ، تشبه عشب الخريف ، عربتهما كل شيء ، كل شيء ، ولكن ،ما كان يثير القرية ويفتح شهية الكواكيرو شخصياً هو : الأمل المتمثل فيما يمكن أن يحدثه هذين الشخصين من تتطور ،
لابد،إنهما سينشئان بيتاً للتعليم،
لابد،إنهما سينشئان بيتاً للعلاج،
لا بد ،إنهما سيعلمان الدغلين طرقًا جديدة لكسب العيش والحياة الأفضل ،
لا بد،إنهما سيصبحان رسولين للحضارة والتقدم الذين تنعم بهما بلدهم ،
هكذا فعل البيض في الشرق ، هؤلاء البرص أصحاب العيون الخضراء يفعلون المستحيل ، إنهم سحرة لا يبارون ، ولكن يعلم أهل القرية أيضا أن الأبيضين ، يبدآن ببناء بيتاً لعبادة الرب المثلث ثم، جند لحماية البيت أو: يتاجران بالرقيق ،
في ذلك الحين سنحرقهما ،
الدغليون لا يعرفون أحداً يتوجهون اليه بأدعيتهم ويطلبونه ساعة المخافة ويحمونه في سريرتهم غير :برم بجيل،
اسمي سلطان تيه ،
فلوباندو ، فلوباندو،
أين سنيلا الأن، إنها في القريه الأن ، اليوم ليلة الأحتفال ب وز ،كما تعلم هو الحارس لجد القبيلة ، وهذا ما جئت لاجله،
من أجل سنيلا
لا من أجل ليلة وز ،
آه ،نعم،
اختلط علي الأمر، إذاً، هل سأذهب معك لمشاهدة الأحتفال،
للأسف، لا ،
لا يحضر الأحتفال الغرباء والأ اصيبوا بالعمي لأن وز سيري ،والا أصيبوا بالخرس لأن وز سيتحدث ، أما أنت بالذات، ردودا داما، ملعون ما لم تذئب ، ما لم تأكل كل لحم الحارس ،ما لم تتخذ فرائه لك فراشًا دائماً ، ما لم يسكن روحك ، ما لم تكنه،تكنه،تكنه،تكنه،
إذا ماذا تودين القول لي،
يجب عليك أن تنام هذه الليلة خارج الكهف، طالما كان القمر يمشي في السماء سيظل الجد وز يري دغله، مكشوفاً ، وسوف يراك لأن عينه القمر ،
حاول أن يتلقي الخبر بشكل جاد والا يسخر منه لأن السخرية ، تغضب فلوباندو وغضب فلوباندو يعني غضب السلف الحارس وز ،هذا يعني غضب القبيلة ،هذا يقود الي عدم رضاء الحراب والفئوس عنه ، وقبل أن تنهض جامعة جسدها من علي الأرض سألته
هل تريد شيئا، قال بصورة جادة و بصدق ،
نعم، فقط لو ترقصين قليلاً،
بعض من الرقصة التي أدتها سنيلا علي شاطيء البحيرة الأسبوع الماضي ولا شيء أكثر ،
عرفنا ذلك في وقت مبكر من صبيحة اليوم الرابع عشر ،
قالت له فلو باندو ، تتكيء بظهرها علي جزع دليبة، عملاقة بعيداً عن الكهف ،
أخبرنا بشأنها المحاربون الذين كتموا الأمر كما يجب عليهم أن يفعلوا عندما يكون الأمر مهمًا وخطيراً ، لأسبوعين كاملين كانوا يرقبون سلوك الغرباء ، أصحاب الحمار الكبير ، البرص ، وعندما جاء البناؤون وأخذوا في تشيد البيت الكبير كان المحاربون أيضا هناك خلف الأشجار في جحار الذئاب والحلاليف وعلي قمم الدليب والتبلدي الحبب يراقبون في صمت وينقلون ملحوظاتهم في إشارات صغيرة الي بعضهم البعض ، اجتمع مجلس المحاربين مرارًا وتكرارًا متباحثاً في شأن الغرباء ، هل نجبرهم علي مغادرة الأرض ، هل نسمح لهم بالبقاء ، هل نقتلهم ، هل نسجنهم بالكهف ، الي أن نستبين مقصدهم ، ولكن الكواكيرو ومعظم نوابه يرون أن قدوم الأبرص الي أرضهم لا يعني دائما : الصيد ، الكنائس ، الرقيق ، الحروب ، ربما يعني حياة جديدة متحضرة كالتي في الشرق ، أليست من صنع الأبرص ، المصانع المواصلات الحديثة ، المزارع الكبيرة الآلة الحربية ، الطعام الشراب اللباس أليس كل ذلك من صنع الرجل الأبيض في الشرق، ، مضي عهد الأستعمار ولا عوده ومضي قبله الأتجار بالرقيق ولا عودة ، مضت عهود مشابهة كالعهدين عهود كثيرة متباينة ، نعم ، ورثنا من تلك العهود الحزر والخوف ، ولكن ما يميزنا نحن في قبيلة
لا لا ،ولو أننا لانزال في وحل التخلف /الفقر /العوز ، إلا أننا نسعي بكل جد أن نصبح قبيلة ذات شأن ولو مقارنة مع قبائل الدغل الأوسط والشمالي ، ولن نكون كذلك إلا عن طريق العلم والمعرفة ، وبدأ ذلك واضحًا عندما ابتعثت القبيلة عشر من ابنائها للشرق لإكتساب المهارات العلمية/ الحديثة ، وانفقت عليهم من ذهبها الكثير ، ولكن هل عاد الأبناء ، هل تخلت القبيلة عن مشروعها الحضري ، ولكن هذه هي فرصة أخري ، قدم الأبرصين ، الي ديارنا ،أتصبح ضربة الحظ التاريخية ،بعد مداولات كثيرة ،قرر مجلس الكواكيرو إمهال الأبرصين زمنًا قبل الحكم عليهم ، قمران كاملان ، وعلق بندو مندو أحد المحاربين وصاحب كلمة مقدرة ، علينا أن نتفاءل ، وإذا كانوا غير ما نشاء، كانوا قتلة: قتلناهم ،
في اليوم الرابع عشر عند الفجر أعلمنا بوجود أبرصين بشرق أرض، لالا، بين خور السلاحف ووادي الأنناس ، وانطلقنا نحوهما ، أطفال ونساء وبعض المحاربين الذين ربما كانوا ينشدون الفتيات وهن ينشدن فتيانهم ، كنت في السابعة من عمري وتبقي لي من سن الحماية عامان ، لذا كان ما يشغلني هو : الأبرصان ولا شيء آخر ، ولا يشغلني الشبان ،
ظللت اجري بكل ما لدي من قوة ، أقفز فوق الأعشاب الشوكيه الصغيره ، اعثر بالحجارة وجذوع الأشجار ، وكان علي أن اري الأبرصين قبل أن يختفيا فجأه : يطيران في السماء أو يغطسان في الأرض ، كان علي أن اراهما قبل رفاقي جميعهم لأشير اليهم أنظروا ،
عندما اشرفنا علي خور السلاحف سمعنا نباح آلتهم ، فزعنا في باديء الأمر وتجافلنا كسرب الغزلان الذي فوجيء بالنمر ، تجافلنا في كل صوب وجهة ، وايضا بعد ما يتجمع السرب بعد مخافة ، تجمعنا ضحكنا علي بعضنا ، تشجعنا ببعضنا ومضينا نحو البرص ، سأكون صريحاً وواضحاً مع فلوباندو ، قال لنفسه أيضاً ، أقول لها أنا أحب سنيلا البرصاء ، وعندما استمعت لمقاله ، لم تندهش ولم يبدو علي وجهها أي انطباع يستطيع قراءته ، كانت عيناها عاديتان وباردتين وعندما تفوهت قالت ،
كل الناس يشفقون عليها مثلك ،
قال في انفعال ظاهر ،
لا ، ليس شفقة ولكني اُحبها ،
وصرخ هاتفاً،
I LOVE HER
قالت ببرود وهدوء ،
نعم كلنا نحبها ،جميع القرية وليس لها ذنب أن تصبح برصاء ،
عرف بينه وبين نفسه أن الأشكالية هي إشكالية لغة وتواصل ، وربما تعني كلمة حب عند فلوباندو الشفقة، لا أكثر ، هي ذات الأشكالية التي واجهت آل جين، في الماضي عندما شاءت مسس جين أن تعلم فلوباندو اللغة الأنجليزية وشاءت أن تتعلم لغة لالا ،فكانت كلمة حب ليس لها ما يقابلها في لغة لا لا ،غير كلمتين ، الأولي : ممارسة الجنس: طم ، الثانية : الشـفقة ِأشخ ، فضلت مسس جيني أن تختار المعني الأخير لتقابل به كلمة حب LOVE وكانت كلمة لالا المقابلة هي أشخ ، إذاً ما كان بإمكان سلطان تيه أن يجعل فلوباندو تفهم مقصده إلا إذا قال لها أريد أن أضاجع سنيلا ،
ولكن هل يريد سلطان تيه حقا أن يفعل ذلك ، ولو أن حبه لها ، يقود الي ذلك، ألا يحتاج الأمر لشىء من التكتيك والدبلوماسية ، بائس متشائم ، يغسل علي حجر بالشاطيء ملابسه الداخلية ، وكان محبطاً ، لا يدري كم مضي عليه وهو بالكهف ولا يدري كم تبقي له من سجن ولحم ذئب ، كانت تفوح منه رائحة الذئب ، من جلده ، ومن أنفاسه ، عرقه وصنان إبطيه ، بوله ، توقفت فلوباندو عن زيارته ، لا يدري سبباً لذلك ، كانت تؤنس وحدته بحديثها الذي لا ينقطع عن مستر ومسس جين وعن تأريخ الدغل وحروبه القديمة وأساطيره ، نشأة سكانه ، روابط الدم بينهم ،قبائل الدغل الأخري ، خصوماتها مع مع سكان الدغل الشرقي المتحضر ، عن برم بجيل ،
أهلي كثيراً ما يرسلونني مع المتسوقين الي المدن المجاورة كمترجمة ، سافرت كذلك الي كل دول الجوار علي حمير الوحش لتسويق الذهب أو شراء بعض الأبقار أو جلب البترول لعربة الجيب ،
إذاً هل سافرت فلوباندو في رحلة طويلة الي مكان ما ،
حتماً ستأتي وأن طالت وحدتي ،
هكذا أصدر قرارًا نهائيًا لنفسه بالأمل ، وتخيل مجرد تخيل أنها عادت ومعها الجميلة، جنة روحه، سنيلا ، كأجمل ما تكون ، بشرتها تشع نوراً ، نورًا ازرق، فمها يرتجف في انفعال وهي تقول له: أنا هي سنيلا ، هل تريدني ، إذًا ،أنا بين يديك ، أمرك يا سيدي ،
أريدك ، أريدك أن ترقصي ، هذا اقل ما يمكن فعله من أجلك ، ولكن أين البحيرة ، الرمل ، أين أطيار الكرووو كروووو ،أين عيد مابندوتييرا ،ثم ضحكت وتلاشت، إنها خدعتني ، لاحظ سلطان تيه أن ليس بالبحيرة أسماك ، ماؤها نقية صافية تتغلل بينها خيوط الصابون الرمادية مكونة جزيرة صغيرة من التلوث الكيميائي والذي يبدو غريباً، ليس من إهتماماته الفعلية صحة البيئة ولو أن الدراسة التي يجب أن ينال بواسطتها شهادة الدكتوراه كانت من منظمة السلام الأخضر العالمية، ولكنه باحث أكاديمي ذكي فحسب وليست له إنتباهات لغير آلية العمل الأكاديمي وليست روحه ، وكان يعرف في قرارة نفسه أنه كالكمبيوتر : يعمل بصمت /جدية واتقان ولكن بغير عاطفة ، وكان يستعجب لذلك ، أخذ ينشر ملابسه علي أشواك الأشجار والأحجار التي علي الشاطيء وكانت رائحة الذئب تذكم أنفه , سيبقي اليوم بطوله في الماء ، سيدلك جسده بالرمل والطين والصابون ، ولكن بأنفاسه : رائحة الذئب ، فويل لمن يقتل الذئب .
imported_فيصل سعد
17-01-2008, 12:36 PM
حُزن نبيل في عِوينَاتْ الوطن
مع الشاعر الدكتور / مبارك بشير سليمان
جامعة الخرطوم ، أوائل السبعينات من القرن الماضي .كُنت مع أحد الأصدقاء في الباحة بين بنايتي كسلا والقاش في مُجمع داخليات طلاب ( البركس ) التي كانت في الأصل ثكنات الجيش الإنجليزي قبل جلاء المُستعمِر . بناءان قاما في الستينات ، لكلٍ أربع طوابق ، في الطابق الأرضي من إحداهما غرفة عامة ، وفي الطابق الأرضي من الأخرى مُصلى وتجاوره بعض الغرف السكنية لطلاب الجامعة . الوقت قبل الغروب بقليل حين أخذ الصديق ( محمد علي ) بيدي فرِحاً وهو يقول : ـ
ـ أُعرِّفك اليوم على طالبٍ وديع نبيل ، وشاعر مُرهف الحِس ، يتقدمك عاماً دراسياً . هو في السنة الثانية في كلية الآداب و هو ( رُوميِتي في الغُرفة ) واسمه مُبارك بشير .
كان مُبارك حينها يرتدي جُلباباً أبيضاً ، يجلس على مقعدٍ ويديه تُقلب أوراقاً . أدار محمد علي مقبض الباب وصِرنا نواجه ظهره ، قام هو من مقعده للتفقد و التقت العيون ببعضها . لم يدر بذهني أن خيط الود الرفيع الذي بدأ يربطني به منذ اللحظة ، سينسج بُردة رائعة من رفقة صداقة جميلة ستُلوِن العمر . تتوهج بالفراق ، تَتقد ثم تُزهر باللقاء عندما تضمنا إلى صدرها بقعة من بِقاع وطنٍ ، غُباره حَنين على الرِفقة رغم عَنت ْ الحياة .
أمسكت يده وأنا أتطلع . هادئ الوسامة بسُمرة لون أليفة لمرآي آنذاك ،فنحن في مُقتَبل الشباب بين التاسعة عشر والعشرين من سنوات العُمرْ . عيناه واسعتان بِحَوَرٍ يُلْحَظ . تَبسَّم هو ، و من بعد كلمات التعريف الأولى استطرد محمد علي : ـ
ـ إنني سعيد إذ تخيرتني الصدفة و اقتسمت السكن مع مبارك و آخرين . هذا الصغير الذي تراه هو شاعِر ( عِويناتِك ) التي لحنها وغناها الموسيقار محمد الأمين !
قلت بفرح وإعجاب طفولي : ـ
ـ أتلك القصيدة العاصفة المُلتهِبة المشاعر ، كَتبها هذا العِمليق المتضمخ بالوداعة والهدوء والرقة واللطف ! .
كان لفوران الصِبا وصخبه ما يمنع صبري على المُتعة القادمة واستعجَلتها . بعد إلحاحي كتب مُبارك القصيدة قبل أن يقرأها علينا : ـ
عويناتِك تُرع لُولي وبحَار يَاقوتْ
مناحات ريدْ حَزاينية
بغازِل فيها مأساتي
وفي شَرَف العِبور ليها
بَموتْ وأكسِر شراعاتي
....................
تطفلت وسألته وأنا أسير دهشة لا أول لها ولا آخر ، فدروب الكلِمات كدروب الحواري في المُدن القديمة ، معانيها فاجأتني بصباح جديد آسر وأنا عند الغروب . محبة للحُزن تملَكتني لم أعرف لها سبباً ، فقلت : ـ
ـ أتفتح لي قلبك وتحكي قصتها ؟
صمت هو قليلاً وخاطبني بلغة حيادية : ـ
ـ هي قصيدة وفي باطنها كل شيء .
عرفت حينها أنني قد أسرفت الفضول ، فمائدة ذلك المساء كانت تكفيني أياماً وأسابيع ، فالغول الأكاديمي في شُعبة هندسة العمارة يأخذ كل وقتنا ، ويحرم الجميع من أُنس يُمتِِّع و حديث يعبُق إلفة . مصطلحات جديدة علينا تُمسِك بتلابيب النفس ، تحُضَّها لتتمرَّد على الكلام العادي والمسلَكْ العادي والأُنس والمَحبة التي اعتدنا من قبل . خرجت من بعد لقائه الأول وأنا مُشتتْ الذهن ، قرأت القصيدة مرة ، ومرات . فتبدت الدُنيا في ناظِريّ امرأة تنظر أنت عيناها ويتسع المَشهد لترى بُحيرة ماء وسط خُضرة . يسبحُ اللأوز فيها كاللؤلؤ الأبيض ، ولون الماء يتقلب ياقوتاً . اختلطت عليّ الرؤى والتفاسير .ضَحِكت عليّ سَذاجتي ، فاللُغة قد أسرجت أفراسها وانطلقت ، وأنا من ورائها ألهث أطلب اللحاق . قلت في نفسي أينعت أرض النيل فارِساً في شِعر الغناء عندنا ، فميلاد الإبداع الجديد من ذواكِر تراثنا الحضاري القديم . نُشيِّد نحن قوائمه إن أردنا بالقراءة والمناهِج المتطورة للآداب و العلوم . داهمني خاطر وقال لي : ـ
ـ أهو من أبناء ملوك الزمان ؟
سكن الخاطر حيناً ، وقلت لنفسي ربما هي قصيدة أثارت المشاعر و طفحت بي نشوة الصِبا وفوران الشباب وأحاسيسه المُتلاطمة بالتفَكُر .
بعد مضي أكثر من عشر سنوات وفي أوائل الثمانينات من القرن الماضي كان لنا موعدا في المنافي . هذه مستشفى ( إشبانداو ) في أطراف برلين الغربية قبل توحيدها . كُنت في غرفة للاستشفاء . أيام كانت الدُنيا من حولنا سلسة العبور من أقصاها إلى أقصاها بدون عوائق ، و قبل أن يصبح الأمن هو شُغل الدنيا الشاغل كما هو اليوم ، فالشّك الآن يرحل من النظرية الفلسفية المُترفة إلى تفتيش الملابس وتحسس البَشرة ، عندها يُنَبِه الذهن الجَسَدْ بوحي أخلاقه الموروثة آمراً غُدَّة تُفرز العَرَقْ أن تعمل ، فقد آن موعد التعدي على الخصوصية . يحين عند أول نقطة عبور .
فتح دكتور ياسين الحاج باب الغرفة وأطلّ عليّ بفأل الدنيا ، فزيارته برفقة السيدة الفضلى زوجته كانت مائدة مُترفة أنتظرها بصبرٍ قلق خلال عُطلة نهاية الأسبوع . قال لي وهو يضحك بعد أن تجاوز المدخل : ـ
ـ وصل صديق لكَ من السودان !
ودلف شاب في السُترة المُبطنة بعوازل الحرارة ، والمُعتاد لباسها هناك .أخذتني بضع ثوانٍ بين الدهشة والتطلُع قبل أن يحضنني ( مبارك بشير ) . الدنيا الآن تستبشِر والخطوب في ذلك الزمان قد أخذت حِصتها من جسدي ، وآن لها أن تُفارِق . الروح التي ضُرِبَتْ عليها المَسكنة قد أفاقت ونـزلت عنها أصفاد السنين . بعد أن اطمأن على مسيرتي للشفاء ، قلت له : ـ
ـ تعجلت دنياي أن نلتقي ولم يكن في الحُسبَان . لا أرى إلاّ نجوم سعدي قد تجمعَتْ لتمنحَ نَفسي المُتعَبة راحة اليوم وأنت معي .
بعد الطمأنينة عن الأهل ، نقل لي أخبار الأصدقاء والأحباء جميعاً فرداً .. فرداً ، وأودعني رسائلهم . تحادثنا طويلاً ، ورويت طرائف أن يكون المرء بين مُتعددي الثقافات والأعراق وقد جمعتهم غرف الطعام أو الغرف العامة . يلعبون الورق ، يتحزبون لأعراقهم ويخادعون بعضهم ويختلفون وتتناثر شظايا اللغات هنا وهناك ولكنهم يتفقون على اللغة الألمانية بحياديتها حكماً بينهم رغم ضعف ألسنتهم وغرابة نطقهم . تسامرنا ذلك اليوم طويلاً وضحكت من قلبي كثيراً . امتدح مُبارك طريقتي في الوصف ، وتمنى عليَّ أن أكتب عن تلك الوقائع . قبل ختام الزيارة أخبرني أنه مُبعَث لجامعة ( لايبـزِج ) للتحضير لرسالة ( الدكتوراه ) ، وسوف يغادِر برلين مضطراً بعد يومين . أهدى إليَّ نسخة من ديوان أشعاره الأول ، وقرأ لي منه قصيدة ( عُرس الفداء ) . قال لي إن الموسيقار المُبدع محمد عثمان وردي سوف يغنيها في أعياد الاستقلال القادمة . قرأ لي بصوته القصيدة وانسكب عصير الذكريات وتاريخ قصيدته الأولى منذ رأيته أول مرة . عرفت حينها كيف تُبني القصيدة الوطنية بمحبة تستلهِم تراث البطولة من أمجادنا الغابرة . استنهَضَتْ القصيدة أنفُسنا من الضعف الذي ألمَّ بنا حينها ، و يحتار المرء دوماً الآن كيف يقرأ الشُعراء المُستقبل بفكرهم ؟ . يقفزون عبر حواجز الزمن ويكسرون كل الحُجب . ما أحوجنا اليوم لنقرأ قصيدته مرة أخرى ونتأمل هذا الحُزن النبيل وهو يكسُو عِوينَاتْ الوطَنْ . على الإلفة بيننا والود رجوته أن نتواصل . ودَّعني وفي النفس إن الفرحٍ يحبو في وجه حُزن نبيل يُسابِق الريح . تطلعت للديوان الشِعري وقرأت ( عُرس الفداء ) مُجدداً : ـ
نلتقيك اليوم يا وطني ..لقاء الأوفياء
قد تنادينا خِفافاً ..
كطيور الريح في جوف العتامير
يا أرض البطولات وميراث الحضارات..
نُغني اليوم في عُرس الفداء
ها هنا ..يبتسم النهر القديم ...
لبعانخي ولتهراقا وللمهدي ..
لعلي عبد اللطيف..
لعبد القادر الحَبوب ..للقرشي
لصمود العُرس في كرري ..
وللموت الفدائي العظيم ..
نذكر اليوم جميع الشهداء ..
كل من خطّ على التأريخ سطراً بالدماء ..
نذكر اليوم جميع الشرفاء ..
كل من صاح في وجه الظلم لا ..
نحن أبناؤكِ في الفرح الجميل ..
نحن أبناؤكِ في الحُزن النبيل ..
سنغني لك يا وطني كما غنى الخليل ..
مثلما غنت مهيرة ..
تُلهم الفرسان جيلا بعد جيل
ونغني لحريق المَكِ في قلب الدخيل ..
للجسارة ..
حينما استشهد في مدفعه عبد الفضيل ..
نُكحِل اليوم مآقينا بمرواد الصلابة ..
وبإيمان كإيمان الصحابة
سوف نُفديك دواما..
ونناديك هُياما
فلتعِش حُراً أبياً في مهابة
عبد الله الشقليني
28/04/2005
_________________
من هنا يبدأ العالم الجميل
imported_فيصل سعد
20-01-2008, 11:23 AM
دروب الحزن .. ومسدار الحنين .....
مهند الجيلي بادي
الاحد سبتمبر 11, 2005
صَبْراً
دُروب الحُزن ،
خَلِيني ما تِستَعجلي
البكا والنواح ..
ما تِتْمسَكي الذِكرى البِتُوجع في القلب
أنا ما هَجرت الحُزنِ
إلا الحُزنِ ما كَفَّاني
لا حرَّقْ ضُلوعي أسى
ولا بلل مواجعي إِرتاح ..
أنا قُتْ أرتِبْ
حِزْمة الحُزنْ المُشَتَتة في غُنايّ
أقيف أبلّلْ دمعتي
في دفقة الشوق المَكَتّمْ في حَشايّ
وأكرُبْ خُطايّ
لي شروق داكْ الصباح ..
وقُبّال شهيق الوَقْفَة
ما يَمْلا الصَدُر
زفر الغُروب رُوحْ النّهار
وأنا لِسّة ماليني الصُراخْ
واللّهْفَة للجري في براحات القَصيدْ
شوق المَقيلْ
في ضُل غناوي الإلْفَة
والوعْد الجميل
قَبْل الرحيل
غِرِقْ النِهار
وأنا يا دُروب الحُزنِ خَيّرتِكْ
أن أمشي فيكْ
أو أغنيكْ
في ضجيج الصمت
بي زَحْمَةْ زَماناً فات ..
أنادي عليك
حَدْ ما يَمْلا صوتي مسام رِمالك دَمعْ
وما إخْتِرتي
إلا مسارب الغُنْوات ..
طَفَح وجعِك
زاد الشوق
إلى مِيقات مراسي الحُزن
إلى ضَحكات تَشِقْ صدر الضَلام فرحة
وكان حُزنِك
أكبر من فرح منتظرو بالسنوات
وما كفَّاني ..
مسدار الحزن وَجعة
ولا لازمْنِي في الخطوات
ولا إتبلت غَنَاوي الشوق على حلّقي
ولا سَكّت رضيع الإلفة في جوايّ
وراح الصوت
مُنادَاة الحنين هَلكتْنيّ
ونيران الصَبُر حرقتْنِي
مساءات الحزن مسكتْنِي
ما فكّتْنِي
قِيفَات الغُنا إتلقَتْنِي
وديك مدن الفرح هجرتْنِي
والزمن العنيد غالطني
ودروب الحزن في لُجتّها من طرف القلب جرّتْنِي
ما خَلّتْنِي .. رتبت الحزن جوايّ
ولا مَهَلتْنِي .. بلّيت الدموع بالشوق
ولا شُفتَ الصباح الراح ...
علمت القلب يصبر
يقول عَشمْ السنين بكرة
يعيش الوجعة بالوجعة
يمِدّ العين على بكرة
يمِدّ العين على بكرة
مرفق :
للجميع محبتي
بــــادي
_________________
وخرجت من وجعي
بآلاف التجارب ...
وامتهنت الصبر
وعشقت بلادي
ثم ملك الموت
وبقيت أحارب ...
مي هاشم
يا مهند
يحفظك الله ويغطيك..كلام مؤثر جــوّه الجــوّه
_________________
الحب والجمال منشأ الكون
انتقل الى الاعلى
أم سهى
مهند يا صديقي
سمعت الاغنية البتقول
.. انت تبرى من الألم.. الألم ما لينا نحن
مودتي وعميق تقديري
ولكلماتك .. الحزينة الأمل الكبير لتتجدد بشريات وتفاؤل وحب لا يموت
غيداء
مهند الجيلي بادي كتب:
أنا قُتْ أرتِبْ
حِزْمة الحُزنْ المُشَتَتة في غُنايّ
أقيف أبلّلْ دمعتي
في دفقة الشوق المَكَتّمْ في حَشايّ
وأكرُبْ خُطايّ
لي شروق داكْ الصباح ..
وقُبّال شهيق الوَقْفَة
ما يَمْلا الصَدُر
زفر الغُروب رُوحْ النّهار
وأنا لِسّة ماليني الصُراخْ
واللّهْفَة للجري في براحات القَصيدْ
شوق المَقيلْ
في ضُل غناوي الإلْفَة
والوعْد الجميل
قَبْل الرحيل
غِرِقْ النِهار
مهنـد..
قُبّال شهيق الوَقْفَة
ما يَمْلا الصَدُر
واصـل براحات القَصيدْ
وامتد في مطر القوافي
صـاهل غناء
وانفاس نشيـد
غيداء
Ishrag Dirar
مهند يا ود بادي
اعلم ان ايمانك الراسخ بالحب
سيهبك القدرة على طرق ابواب الفرح المضئ
واعلم انك تستطيع وبعزم الهوى فيك
ان تقطع مخاضة الحزن نحو افياء السعادة
دع الحزن لنا فانت لاتزال واعدا تحمل بشريات الفرح
ودي
اشراق
_________________
عيونا محبتك فيهن
بتبقى
وقدر ما يتوهن دموع الشوق بتجلوهن
مهند الجيلي بادي
العزيزة مي هاشم ،،
لك من المودة ما يغرقك ،،
وشكرا على حضورك الدوام الأنيق
حقيقة ...
ليس لي إلا أن أقف تجلة واحترام
لروحك الطيبة النقية
شكرا مي ...
مرفق :
معزتي ومحبتي
بـــــادي
_________________
وخرجت من وجعي
بآلاف التجارب ...
وامتهنت الصبر
وعشقت بلادي
ثم ملك الموت
وبقيت أحارب ...
أيزابيلا
هذا الجمال.....!!!!!
تكتب بطريقة توازى المزاج...
سأقتفى أثرك هنا
انتقل الى الاعلى
عروة علي موسى
بسم الله الرحمن الرحيم
ودبادي
أراك عميق الحزن تستجدي الدروب
تتوسد الذكرى وهاتيك الخطوب
وأراك أقدر ما تكون علي نسج الحروف
فحرف ( الحاء ) حرف الحنين والحزن والنواح
لا الحزن أدخلك الكفاية
ولا استطاع فحيحه أن يحرق القلب المباح
فالحزن أصغر من أن يوازي لوعتك
أو أن ( يرتب حزمة الحزن المشتتة في غنوتك )
واقف معاك ...
أحرق صقيع الغربة من نار لوعتك
وأتناوب الشوق ( لي شروق داك الصباح )
ما ديكنا صاح بي كتمة الحزن البتجرح في القلوب
والنيل هناك ماليه شوق لي نجمة الهجعة البتعرف وجعتو
ماليه شوق لي طلة البنت البترسم لوحتو
ما شوقها فاض وحنينها زاد لي زول وحيد في غربتو
غنيه يا ملك الحزن ... غنيه حزن الدروب
غنيه بي موال حزين يجرح قلوب
يرسم خيوط حزناً إرافقك فب الدروب
والله يا ملك الحزن ...
قد كنت تسأل آخر الأحزان
عن معني الحزن لتُحزِّن الأحزان في معني الحزن
قد كنت قالوا ...
لكنما الحزن النبيل وطوله
قد أخرجاك ذات مرة من حزن فانيةٍ لحزن هاج في وجهك
فقالوا ...
( واشوقي لي مرسى الحزن
وا شوقي لي لهفة رضيع الإلفة في جواك سكن
وا شوقي لي زولاً وطن ... )
بنت المطر
مهند ..
تحياتي
[ مساءات الحزن مسكتْنِي
ما فكّتْنِي
قِيفَات الغُنا إتلقَتْنِي
وديك مدن الفرح هجرتْنِي
والزمن العنيد غالطني
ودروب الحزن في لُجتّها من طرف القلب جرّتْنِي
ما خَلّتْنِي .. رتبت الحزن جوايّ
ولا مَهَلتْنِي .. بلّيت الدموع بالشوق ]
..
هذا الحزن .. المسيطر على كل مسارب الضوء
الواقف على كل منافذ الفرح
أمسكته بين يديك .. وحبسته بين حروفك
ليتك فككته وبعثته للريح .. وارحتنا منه .
_________________
ضللت عليك بي قولة الحق
ما عارف اني معاك .. بسواك !
لكن وحدك متغابي .. وطيب .. وغايظّني
نجلاء التوم
Nasir Yousif
مهند
تخنقنا الأحاسيس هنا وهناك
نحاصرنا المواقف هنا وهناك
فنضيق حتما من كثير عناء
وللقلم إختناقاته ، نكتمه صوته بعدم البوح
والبوح يصارع الحبس عله يخرج سيلا مندفق
فتجئ الكلمات تشاكل الحزن تشابه الألم تعتصر الآخرين
أنا لا أقول لك أطرد الأحزان من كتاباتك دعها تأتي كما تشاء كما تشتهي هي .. ولكني أتمناك فرحا بيننا دوما..
أطالع كتاباتك ومداخلاتك عبر بوستات هذا المنتدي ولكمم وددت أن ألتقيك للثناء والشكر لما تقدمه لي من إضافات معرفية ، شعورية ‘ ثقافية وحسية بشكل كبير ..
لك الشكر
مهند الجيلي بادي
سيدتي وصديقتي
أم سهى ،،
ولكلماتك .. الحزينة الأمل الكبير لتتجدد بشريات وتفاؤل وحب لا يموت
ما كرهت الحزن
وما أنشق الصدر بالآهات بعد ..
وما سئمت الحزن
سأبقى في قاتمات مواجعه
حتى يمل الحزن من حزني
ليرحل بلا عودة
فبعد علو الفرح صهوة الأيام
لا مجال للحزن ..
صديقتي ...
حتما أن الفرح آت
ووقتها .. وبعد كل هذا الحزن
سيأخذ عمق الدم في الجسد
يتسلل كل أماكن العطب يبث فيها الروح من جديد
وسأنتظر ذاك الميقات ..
لأقطع الأحزان ..
وأرتدي إحرام الحجيج إلى مفرحات الإيام
وأنحر بعدها موجعات الليالي إعلانا بأن عاد الإبتسام
صديقتي المحملة بالجمال
دعاش الحرف وقت جفاف الروح
الغيـــداء ،،
واصـل براحات القَصيدْ
وامتد في مطر القوافي
صـاهل غناء
وانفاس نشيـد
إتدفقي ..
وأمليني من مطرك
دعـــاش ..
إترافقي الشوق البكوسك
وكتين تشوف الروح
طشـــاش ..
وبيفقدك مد الحروف الحس
وبيسألك
أن كوني للروح الرُشــاش ..
يا أم حرف
في الحشا هَبّــاش ..
كثيف مودتي لك على حضورك المطر
وكيف لا وأنت الغيداء
مرفق :
حبي وتقديري
وصادقات الدعوات
بـــادي
_________________
وخرجت من وجعي
بآلاف التجارب ...
وامتهنت الصبر
وعشقت بلادي
ثم ملك الموت
وبقيت أحارب ...
حمدي اب جقادو
عزيزي مهـــنّد ود بادي
يامستطاب
عاشقك متل عطشان ..
مهاتيه رويحتو لي جرعة رهاب ..
ما بتلحق ..قال يصحا من سكرة هواك
قال يبتعد من سور ضيا ك
يلفا الشباب ما يحترق
بقدر يتوب ..؟ بقدر يتوب ..
لمن تتوب اليابسه من ريد السحاب ..
لما الشمس بعد الغياب .. ترجع شرق ..
كيف المتاب .. ؟
كيف المتاب والطيف صبح نور العيون ..
كيفن يحول بين العيون والنور حجاب ..
و انا عن أنا الفيك .. أفترق ..
يا مستطاب ..
أشواقي ريح شالتني ليك من الجذور ..
شتلتني في ساحل ضباب ..
ونميت هناك نوع من هواك ..
في عالم النور المذاب ..
سدرة عشق
ايها الحس الخرافه.........
فجأةً.. كانْبثاقِ القصيدةِ من شهقةٍ تولد تعبر الطريقَ المؤدي إلى القلب، ثم- كأنشودة- في دمي تسكن.. فجأةً.. تولد فجأةً.. تعبر فجأةً.. - قبل أن يعلن القلب أعْراسَهُ-
كالصدى في مهاوي الردى تختفي. مكثت هنا طويلا خربشت اشياء ربما شوهت صفحتك لكني كنت احاول ان ارتقي بنفسي لابلغ مداك رائع حزنك (جميل اجتراح في سديم اللغة) صعود إلى عتبة الجمال .. حتي أقاصي التهلكه...ظلمة خفيضة.. تعانق حفنة ضوء منح بمقدار ..نغم رمانسي خفيض يهامس مسامعنا ..اخيراً.....ينهشني صمت تفاصيل المفردات عن صدق الـ قول ..ايها المهـــنّد.. بعد كل هذا ماذا عساي ان اقول..!!
قطراتك هنا...كانت مختلفة كحلم مختلف..فادح...في وصوله وتجسده دواخلنا...شيء من اشتياق...لهكذا حرف...
وشيء من تقدير خاص بك...
ابقي شمس مابتغيب
حمدي اب جقادو
_________________
مهند الجيلي بادي
سيدتي الرقيقة
سيدة الخواطر
إشراق ضرار
الصبا يتسارق الحزن خفية
حينما يتوسط العشق المساء
شبقا إلى الوجع الجميل ....
صديقتي ..
ويبقى إقتفائي لرسم الآهة في ترهات الروح
صدى جديد
وجع جديد
وحلم مختلف
كما العيون في الشوارع
تحمل ما أختلف من صدى الأيام
قطعة من تصورات الحياة
ترتق ثقب رشح الحزن
أفئدة الإنتظار ..
صديقتي ..
هو رصف وبصمة من تواريخ
شرخت جدران الصمت
رافقت مواقيت دفق الوحيح
تربصا بسويداء الفؤاد (عن رضا)
.
.
.
وسيأتي موسم إنبلاج الفرح بلا رحيل (كما يقول العالم)
ستهداء المواجع .. ستنتهي
ويكون لقاء المروج الفرح
احتضان موجة غلبها الرحيل
فرست على حضن شاطئها لتحط آخر أحزانها عليه
مرفق :
محبتي ومودتي
بـــــادي
_________________
مهند الجيلي بادي
إيزابيلا ،،
حضور بهاء
ورشفة الحنين
تطفء الظمأ
شكرا على تلك المزاجيات
وسلمت على غيمة الحي تلك
مرفق :
محبتي ومودتي
بـــــادي
imported_فيصل سعد
26-01-2008, 08:47 AM
الهكر والكبرت على والفاض عن الحاجة
عثمان احمد
الاحد مايو 08, 2005
والكبرت على..
والفاض عن الحاجة
المنسي في الدولاب والجوا تلاجة
والفي الزقاق مركون فردا وأزواجا
الكرسى في الحمام ..
البمبر المكسور ..
او باقي دارجة
وال.. بالهوام مسكون
والارضه وازعاجها
ما كان غداً حيكون
للصابر الممكون..
يسدوا كم فرقة
و يسدوا كم حاجة
الناس إذن بالناس..
ماتقيفوا فراجا
خوفي المدن تنداس..
لو دونما احساس
اتعلت ابراجا
كم من ولد.. لا ام..
لا بيت.. ولا حاجة
ياحليلو ما بيحلم ..
مدرستو قد فتحت..
قداموا ادراجا
ولا بحس بالعيد..
لو مرّ أو ما جا
يتوسد الطرقات
والحمى سهراجه
هوج الرياح في الليل ..
ساكيهو كرباجا
الجمرة تحت العين ..
مابكرة نتفاجا
الغبن ذو حدين
والفتنة مزواجه
الواحَد يبقي اتنين
والستة افواجا
طقس التسامح زين
القمرة وضاحة
والشمس وهّاجة
فلتفتح الاديان
بيناتنا نفاجا
نتدفا بالحسنى وبالسلم نتناجى
كل العشم ياريت..
ما يبقي زول محتاج..
ماتبقي محتاجة.
شعر استاذ / محجوب شريف
imported_فيصل سعد
16-03-2008, 09:09 AM
المجدلية
الاثنين 10 اكتوبر ،2005
فوائد الصمت
* الصمت يمنحك طاقه قويه للتفكير بعمق في كل مايحصل حولك والتركيز بعقلانية على إجابتك .
* الصمت يجعلك تسيطر على من امامك من خلال نظرات محملة بمعان غير منطوقه تجعلهم حائرين في تفسيرها .
* الصمت المصحوب ببعض الحركات والايماءات يرغم من امامك على البوح بما داخله فيقول اكثر مما يريد فعلا .
* الصمت عند الشجار مع الآخرين يولد لدى الاخرين شعورا بالغيظ الشديد لانهم يعتبرونه هجوما مستترا ، فتكون الاقوى من دون كلام ولا تعب .
* الصمت هو الحل الافضل امام المشاكل الزوجية التافه.
* الصمت في المواقف الصعبة يولد الاحترام ، بعكس الصراع و الجدل الذي يولد التنافر والحقد .
* الصمت يدمر اسلحة من تتشاجر معهم ويجردهم من القدرة على مواصلة الكلام .
* عندما يصمت شريكك اصمت فيتساءل عن سبب صمتك ويبدأ هو بالكلام .
* الصمت يعلمك حسن الاستماع الذي يفتقده الكثيرون .
* الصمت فن حاول اتقانه ولن تفشل ابدا في تحقيق ما تريد في أي وقت وفي أي موقف .
*إن كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب.
________________________________
من يريد قطف الورد يتحمل وخز الشوك
imported_فيصل سعد
02-04-2008, 04:10 AM
الاثنين ابريل 11, 2005 5:41 pm
القصص الكاملة ... اطياف البنفسج
Bayan
(الى سمر برعى للذكرى)
"سجيمان قال اى حاجة تفكها فى النت بتتقرى .. عشان كدا اتشجعتا انشر قصتى التانية التى اتمنى ان تنال اعجابكم . هذه القصة اول شئ اطبعه بنفسى وكنت لا اعرف اين مفاتيح علامات الترقيم ولذلك نعتذر للسليقة "
موت البنفسج :
جلست افرك قدمي المتصلبتين من الوقوف الطويل و أمامي
كوب لبن و وكانت عقارب الساعة تشير الى الواحدة صباحا وقبل أن أرتشف
كوب اللبن رن جرس الهاتف فتجاهلته لأني اعرف لا أحد يتصل هذا
الوقت إلا المستشفى و لكن مرة أخرى رن بإلحاح تبا لهذه الآلة
و رفعت السماعة لينطلق صوت صديقتي منار قائلا: يجب أن تأتى ألان
قلت لها: حرام عليكم يا ناس لقد وصلت قبل نصف ساعة فقط
فردت: منار تعالى و بسرعة تعالى ألان قبل فوات الأوان
وتسارعت دقات قلبي فسألتها ماذا هناك
فقالت لى: تعالى وستعرفين و ووضعت السماعة و ارتديت ملابسى بسرعة
و ذهبت إلى الحوادث و التقيت بصديقتي أمام الباب و كان القلق يباديا فى
حركاتها و أخذتني إلى باب جانبى عادة يقود إلى وحدة يحضر فيها المساجين
للعلاج و بدأت أنفاسي فى التسارع هل ياترى حدث شئ لعصام
فجذبتها من يدها و سألتها : هل عصام هناك لم تقل شئ ووصلت إلى غرفة
الإسعافات ووجدت عدد من الأطباء حول مريض لا يظهر إلا جزء قليل من وجهه المغطى بالضمادات المليئة بالدم و لم أتبين ملامحه و عندما اقتربت وجدتهم يقومون بعملية لتنشيط القلب و قبل أن اعرف شئ جذبتني إلى الخلف يد بقوة حتى كدت أن اسقط و عرفت يا للهول وصرخت روحى صرخات داويه و بدأت أحس بالانهيار و أنني أهوي فى حفرة لا قاع لها عصام ما الذى حدث له لماذا هو هنا هل حاول الهرب تساؤلات تساؤلات تدق فى رأسى كالمسامير و حاولت أن أتمالك نفسى يجب إن أكون قوية يجب ألا انهار و بالفعل تمالكت جماع نفسى وو قفت انظر إلى عصام وهو مسجى لا حول له ولا قوة و فجأة صرخ الطبيب فرحا الحمد لله أنني اسمع دقات القلب وبعد قليل بدأ جهاز القلب فى اخراج اصوات نبض ولكنه ضعيف و بدأ الرسم البيانى فى التعرج و اقتربت منه و ناديته بلهفة: عصام
وأكاد اجزم أنني رأيت اختلافا فى الرسم البيانى و كذلك صوت النبض تغير أذن هو يسمع ولا أدرى من أين أتت لي هذه القوة و صرت اطمأنه و أكد له أنه بخير و كل شي سيصير على ما يرام و مسكت يده و يالهول ما رأيت أصابع دامية مالذى حدث لك يا رمانة قلبى و نظرت إلى الطبيب المناوب متسائلة فأشار برأسه إلى الخارج و تبعته إلى الخارج و أخذني إلى ركن و قال لى ل: لقد احضره رجال عرفوا أنفسهم بأنهم من جهاز أمن الدولة و عندما طالبناهم بالبلاغ قالوا هذا أمر يخص أمن الدولة و لا دخل للشرطة فيه و عندهما رفضنا تقديم أي خدمات له حتى يأتى البلاغ أخبرنا احدهم انه طبيب و بالفعل عندما اقتربنا منه بصعوبة تعرفنا عليه و بالفعل بدأنا فى إسعافه إلى أن يخبر قائد السلاح وسألته كيف حدث له هذا الحادث فنظر إلى بدهشة متسائلا : أي حادث؟
فنظرت أليه بدهشة قائلة: الذى ادخله فى غيبوبة
فرد لا يوجد حادث يا دكتورة هذا حدث جراء التعذيب
فسألته: لا اصدق لماذا يعذب انه فقط كان سكرتيرا للنقابة
فرد الطبيب هذه االاصابات أتت جراء التعذيب أين تعيشين يا دكتورة؟
هذه الأيام نستقبل عدد منهم دائما ولكن هذا أول طبيب إلى ألان انهم يعذبونهم ليعترفوا
فسألته بماذا ؟
فنظر إلى لبرهة و ذهب إلى الغرفة و هناك كان المريض فى حالة مستقرة و بعد قليل أتت صديقتى و جلست قربى و عندما خلت الغرفة كانت تحمل آلة تصوير و صارت تأخذ صور لعصام و رفعنا الغطاء و أصبت بحالة من الغثيان كانت آثار السياط و حروق من الراجح إنها ناجمة عن أعقاب سجائر و بعد ذلك سمعنا طرقا على الباب و فتحت الباب لأجد أمامي قائد السلاح الطبي و تمالكت نفسي و رفعت له التحية واخفت صديقتي الة التصويرو خرجت و دخل الطبيب المناوب و اخبر القائد انهم يحتاجون إلى فتح بلاغ في الشرطة لتكملة الإجراءات و لكن القائد اخبره أن هذا مستحيل و ألان علينا نحاول إنقاذ حياته و اقترب القائد من المريض و صار يفحص بعض الأشياء و ينظر إلى الرسومات البيانية و اخبره الطبيب المناوب انهم ينتظرون صور الأشعة و كذلك يريدون رسم للمخ
و لكن المريض فى غيبوبة منذ حضوره و أن الرجال الذين أحضروه
غير متعاونين حتى نعرف مالذى حدث له
فرد القائد أعطني مهلة أعرف مالذى حدث و خرج و بعد نصف ساعة أتت
صور الأشعة لنجد أن المريض لديه عدة كسور فى مناطق مختلفة و بينما كنا
ننظر إلى الصور بدأ جهاز القلب فى اصدار صوت إنذار و هرعنا للمريض
فى محاولة يائسة لإنقاذه و كنت
اعرف انه يقاتل من اجل حياته و لكن هيهات و أعلن الطبيب المناوب موته و
مادت الدنيا بى و استسلمت لا أريد أن استيقظ أبدا فى عالم غيب منه عصام .
نشوة البنفسج:
كان ذلك فى زمن أراه ألان بعيدا ربما قبل عشرات السنين وربما كان
بالأمس و ربما لم يحدث بعد كان الصباح باهرا و خرجت أتمشى على ساحل البحر
انظر إلى زرقة السماء و البحر يلتقيان هناك فى مدى الرؤية و كأنه مرآة و لكن لا
تستطيع أن تميز أيهما الحقيقة والخيال و أنا مغموسة فى لحظة الاندهاش
هذه أبصرته يأتى من الناحية الأخرى و بنطاله مطوى لعند الركبة و يرتدى فانلة و عندما و قع بصره على بسرعة انحنى ليرجع بنطاله و عندما اعتدل واقفا كنت قد وصلته فرحب بى و قال لى ضاحكا: مالذى أتى بك فى هذا الصباح إلا تخشى على شعرك من التجعد؟
ونظرت أليه بدهشة فقال لى انه سأل أحد الطالبات لماذا لا يذهبنا إلى البحر فأخبرته
بأنهن يخشين على شعورهن من التجعد
وضحكت و قلت له :لا يمكن أن أضحى بألا أرى هذا الإشراق من اجل شعرى
و جلسنا هو على حافة الماء و أنا قليلا بعيدا عن الماء و ران الصمت بيننا و كنت
انظر إلى السماء حيث عدد من الطيور بدت و كأنها تقدم عرضا تشكيليا و كان
فقط صوت الماء و الطيور معزوفة إلهية لا يمكن بإفسادها بصوت أنساني و جلسنا
لبرهة نتملى هذا الجمال الباهر و نظرت إليه كم يبدوا وسيما و كأنه جزء من
هذه اللوحة الرائعة منذ فترة و نحن أصدقاء و كم أرقنى شعورى نحوه ولكن هو
هكذا هذا النوع من الناس الذين دائما يعطون من يعرفهم إحساس انهم جد مهمين
له و كنت أراه مع عدد من البنات يعاملهن معاملة تحسبها خاصة و لذلك كنت
أتتجنبه كثيرا و فجأة قطع حبل أفكاري قائلا: هذا صباح جميل جدا أنا آتى هنا
أنظر شروق الشمس و عادة أكون وحدى أنا سعيد بأنك اليوم معي و شكرته
على مجاملته فأردف قائلا أكون صريح معك لقد كنت أفكر فيك و عندما ظهرتى
لى كنت أظن أننى احلم ألان أحس و كأننى احلم و تسارعت دقات قلبى و فجأة أتت
موجة كبيرة و غمرته بالماء فتراجع إلى الخلف و هو يضحك و صار يجلس قربى يكاد
كتفه يلامس كتفى و نظر إلى و راعنى قربه منى فجأة وجدت عيناي مسمرتان فى
عينيه بسرعة أدرت وجهى إلى الأمام فصمت قليلا ثم قال أقرأ ىهذا
و كتب بالانجليزية على الرمل uoy evol I.
فقلت له لا أفهم !
: اقرأيها من اليمين إلى الشمال
و عندما فعلت و جدتها احبك و الجم لسانى لم استطع أن أقول شئ لفترة
طويلة تمنيت أن يقولها لى و ألان بدون مقدمات ها هو يقولها لى و أنا لا
أستطيع أن أقول له شئ و فجأة أتت موجة عالية أخرى و مسحتها و
أنا أحدق غير مصدقة و فجأة وقف و قال: أنا اكتب و البحر يمسح و
مد لى يده بتلقائية ليساعدنى على الوقوف و عندما و قفت لم يترك يدى
و أنا لم اسحبها و مشينا فترة و يدى فى يده و أحسست أننى ملكت العالم
و كذلك لا أخشى إذا شاهدنى أحدهم و يدى فى
يده فنظر إلى و قال: أنت أمراة غامضة و لا تتحدثين كثيرا اليس كذلك؟
ونظرت اليه و قلت له: بالعكس أنا واضحة جدا و لكن حقيقة قد فاجأتنى
ونظر لى برهة ثم قال: اهى مفاجأة سارة ام غير سارة؟!
قلت: فقط مفاجأة .
: كنت اعتقد انك تعرفين شعورى تجاهك!!
و كنا الان قرب بيت الضيافة فترك يدى و مشينا سويا و دخلنا
لنجد عدد من الطلاب يشربون الشاى و ذهبت إلى غرفة الطالبات
و استلقيت على فراشى وكنت خائرة القوة فأغمضت عينيا و صرت ا
سترجع تلك اللحظة فى ذلك الصباح الباهر الذى لا أعرف ألان هل هذا حقا
حدث فى الماضى البعيد أم فى الحاضر أم فى المستقبل و تشظت روحى و تكسرت
إلى آلاف الوحدات .
غياب البنفسج :
عصام و أنا و أنا وعصام شئ واحد هكذا كنت أحس لا شئ يفرقنا
نقضى كل أوقات فراغنا معا أينما تجده تجدنى و أينما يكون أكون إلى أن حدث
الانقلاب العسكرى الذى قبله بقليل كان قد عقد قراننا لحين اكمل تدريبى
و نكمل مراسيم الزواج و اعتقل عدد كبير من الناس و كل اللجان النقابية
و كان عصام سكرتير نقابة الأطباء و شق على عدم رؤيته و كأن عالمى
قد بتر و قطع و بكيت ليلتها حتى جفت الدموع و حاولت أن اعرف أين ذهبوا به و لكن
كل المحاولات لم تفلح إلى أن أتى شخص يحمل لى رسالة قصيرة منه يخبرنى أنه
بخير و يفتقدنى بشدة و هو لا يدرى متى يستطيع أن يكتب لى مرة أخرى
و طلب منى أن أعدم هذه الرسالة لانه ممنوع أن يكتبوا لأى شخص و
لكن لانه يعرف أننى سأكون قلقة عليه جازف و كتب تلك الرسالة و بعدها
مر اكثر من شهر و أنا لا أدرى عنه شئ و كان الحزن يأكلنى و أيامى دونه
خالية و صارت سلوتى هى ذكرياتى اجترها و كأنها شريط سينمائى وكل
شئ يذكرنى له الشوارع و الأشجار و الحافلات ولكن كان كل الناس
يقولون لى من المؤكد سيطلق سراحهم قريبا و هذا ما يحدث فى كل الانقلابات
عندما يستتب الأمن يطلق سراحهم و كنت أعيش على هذا الأمل و بعد مرور
اكثر من ثلاثة اشهر استلمت رسالة أخرى منه و كانت حزينة و يخبرنى
انه يعيش على الذكريات و أنه كان يظن أن الأمر سينتهى بسرعة ليعود
هو مرة أخرى لى و بكيت ليلتها خوفا عليه و شوقا له . .
أشراقة البنفسج:
كان الليل يلف بمعطفه الدنيا و كان عصام يجلس فى كرسى فى
منتصف الحديقة وهو عاقد يديه فى صدره و ينظر إلى الأمام و انا اقترب منه لم يغير
جلسته و بدى و كأنه لا يرانى لوحت له و لكن كان مستغرقا فى التفكير أنا أخطو
إلى الأمام و لكن المسافة بينى وبينه تتباعد و أنا ألوح له و لكنه لا يرانى و ركضت نحوه
و صرخت بأسمه و لكن لا الركض يقربنى له و لا صوتى ينبهه إلى وجودى و صرت
اصرخ باسمه ولكنه لا يسمعنى أناديه وهو لا يسمعنى اركض نحوه و لكن لا اصل أليه
و خوفى يأكلنى لماذا أنت بعيد هكذا لماذا لا ترانى يا رمانة قلبى و بكيت من اليأس و
الاحساس بالخيبة ملأنى فسقطت على الأرض وعندها رأ يت يده تمتد لى مثل تلك
المرة عند شاطئ البحر عندما ساعدنى على الوقوف و عندما مددت يدى
له بدأت فى السقوط إلى هوة عميقة و أنا أهوى و أناديه و أناديه إلى أن
بح صوتى و هو يمد يده و لكن لا يلحق يدى و أنا أبكى و اصرخ و استنجد به
و فجأة سمعت صوت ينادينى منار قولى بأسم الله و استيقظت من هذا الكابوس
و فرحت أنه كان كابوس و صارت دموعى تسيل دون توقف ماذا يعنى هذا الحلم؟
لقد قال لى رمانة قلبى أن الانسان عندما يحب شخص يكون هناك رباط
روحى بينهما و عندما تركز ذهنك فى تذكر ذلك الشخص يمكن أن تنقل له أفكارك
و ضحكت عندما قال لى ذلك و أعتبرتها طرفة فقال لى : أتذكرين عندما آتيت إلى
شاطئ البحر دون ميعاد فقلت له نعم فقال: لقد ركزت روحى عليك و فجأة
رأ يتك أمامى هكذا يحدث الحدس و ضحكت مرة أخرى غير مصدقة
و قلت له: هذه تسمى صدفة و الصدفة فى الحقيقة اجمل من ألف ميعاد
كما يقول ذلك المغنى .
هل ياترى رمانة قلبى يذكرنى كما أذكره ؟و هل تعذبه هذه الذكرى كما تعذبنى؟
وهل يشتاق إلى كما اشتاق اليه ؟
آلاف الأسئلة و لكن لا أجد إجابات لها ربما اعرف عنه شئ فى الغد فأنا
ممتلئة به و خياله لا يراوحنى .
خوف البنفسج :
اليوم مرت ستة اشهر على اعتقاله و لا خبر عنه هكذا وكأنه
خارج العالم و صار الخوف يملأنى على الرغم من انه لا تمر لحظة و إلا اذكره أو
بالأحرى فأنا لا أنساه حتى اذكره دائما على بالى و لكن اشد ما يرعبنى أننى
أحيانا افشل فى استرجاع وجه رمانة قلبى و أطيل التفكير و لكن دون
جدوى يستعصى على استرجاع ملامحه فأستعين بصورته التى احملها فى
حقيبتى حتى فى احلامى لا أرى وجهه .
اليوم قررنا عدد من اسر المعتقلين أن نكتب للنائب العام عن المساجين السياسيين
المعتقلين دون توجيه تهمة محددة لهم و قد كتبنا عريضة و فيها ذكرنا أن
فى اعتقالهم دون تهمة موجهة و محاكتهم يعد تعدى على حقوقهم المدنية
التى يكفلها الدستور و الأعراف الدولية.
وذهبنا مجموعة كبيرة من الاسر و سلمنا تلك العريضة للنائب العام و
ترجمناها إلى الانجليزية و أعطيناها لمندوب الأمم المتحدة
و عندما قابلت عدد من الأسر الأخرى أحسست بأننا ليس وحدى بل
هناك عدد كبير من الأسر تعانى مثلى تماما سألتنى أحد السيدات عن رمانة
قلبى فقلت لها: أن زوجى معتقل و رنت فى ذهنى كلمة زوجى فملأنى
الفخر أن أكون زوجة لرجل فقد حريته من اجل الآخرين أن غدا لناظره
قريب يوما ما سيخرج رمانة قلبى و يصبح حرا يجب
الا يموت الأمل فى دواخلنا فمن أنا بغير هذا الأمل
تشظى البنفسج
أخبرنى رمانة قلبى يوما انه قرأ فى روية للرزاز الذى كان يعجبه كثيرا
: (كنا نقول الحياة جداران…جداران متقابلان… جدار يصطف أمامه
الخاسرون وصدورهم مشروعة و أيديهم مغلولة وعيونهم معصوبة . و
جدار يقف ازاءه المنتصرون يسددون بنادقهم نحو الجدار الآخر .)
و دهشت لهذا الوصف للحياة أضاف رمانة قلبى أنه
حتما سيختار جدار المنتصرين و لكن النصر مسألة نسبية قد يموت إنسان
و لكنه يكون منتصر و قد يعيش الإنسان و لكنه منهزم أن الحياة لا تعنى
الانتصار . و نظرت أليه و قلت له: أنظر إلى الطبيب الفيلسوف. !!
و تبسم رمانة قلبى و أضاف أن الحياة و الموت يختلفان عند فهم الطبيب
الذى يحارب الموت عندما يهزمه الموت و يموت المريض يكون هذا انهزام
ولكن عندما يشفى المريض و يحيى يكون هذا انتصار. ولهذا يكون الموت
و الحياة مسألة نسبية من موقف لاخر .
و صرخت فيه اقسم يا رمانة قلبى اننى كثيرا لا أفهمك و لكنى أحاول فقط
من أين تأتيك هذه الأفكار الغريبة ؟
فى صحوه و زهوه و تشظيه يبقى رمانة قلبى رجلا يملك القدرة على
الإدهاش على الأقل أ إدهاشي أنا بآرائه الغريبة و أفكاره العجائبية التى تملأنى
فخرا كأم تراقب طفلها و هو يخطو خطواته الأولى حتى إذا كنت اعجز عن
فهمه أحيانا إلا أنني احبه كثيرا.
و أخذنى رمانة قلبى يوما لزيارة جدته و بمجرد دخولنا غرفتها
رفعت رأسها
و قالت: (جيت يا المبروك تعال المعاك دى منو) تقدم منها رمانة قلب
فأحتضنته و قبلت رأسه و طلبت منى أن اقترب و أجلستنى قربها و
صارت تتحسس شعرى ووجهى وهى تقولكدى كدى شعرك ناعم
و عيونك كبيرة….. ندهت الله فى بيته عشان المبروك يبقى حكيم
و كمان يلقى بت الحلال السمحة الشعرها ناعم و عيونها كبار و الله
حقق النديهة)
ضحك رمانة قلبى جلسنا قليلا معها و عندما قامت للصلاة تركناها و
سألته : كيف عرفتك و هى لا ترى ؟!و كيف عرفت أنك ليس وحدك؟
ضحك رمانة قلبى و قال لى: انها امرأة مدهشة تعرف كل من يدخل عليها
و لا أحد يعرف كيف . سألته هل ولدت عمياء؟
_ لا لقد فقدت بصرها وهى فى نهاية الخمسينات
و لا يوجد سبب عضوى لذلك.
وذهبنا بعد ذلك لرؤية عمته و جلسنا معها و عندما اردنا
الرجوع ذهبنا الى جدته و و قبل ان نخرج ناولها أقراص فايتامينات
قائلا لها: هذ ا دواء للسكرى و الضغط يا جدتى. و شكرته الجدة و
خرجنا وسألته لماذا قال لها انها ادوية للسكرى و الضغط بينما هى فيتامينات
فرد ضاحكا : أن جدتى تعتقد أنها إذا تناولت أدوية السكرى و الضغط فلن تصاب بهما أبدا
دموع البنفسج:
و تعز على لحظات الوداع مازلت اذكر يوم قررت السفر الى مدينتى فى
الشمال و كان تلك أول مرة نفترق أنا ورمانة قلبى وصلت الى محطة القطار فى
الصباح ووجدته ينتظر على الرصيف و كان الحزن جليا على قسماته و عندما
وجدت حجزى فى القطار جلس معى الى أن بدأ المسافرون فى التجمع و بعدها
نزل الى الرصيف ووقف قبالة النافذة و كانت لحظات تحرك القطار قد أزفت
و معها بدأت نذر دموع فى عينيه و راعني ذلك و أحزنني أن رمانة قلبي ليس
مثله رجل فهو لا يخجل أن تدمع عيناه و لا يخذيه أن يرى الناس حزنه
وتشتته و انطلق القطار و لوحت له ووقف الى آن تحول الى نقطة صغيرة فى
مجالي البصري ورجعت فى مقعدي و أنا أغالب دموعي و حزني
و أحس بشوق عارم لرمانة قلبي و ولكم افتقده
و أخبرنى رمانة قلبى أنه يوما كان مناوبا فى الحوادث عندما أحضر شابا
على مشارف الثلاثينيات و هو فى غيبوبة
و كان مصابا بالملاريا الخبيثة و وكان معه والده الذى كان ينظر الى رمانة قلبى
و كأنه اله و يتوسل اليه أن ينقذ ابنه و قد فعل رمانة قلبى المستحيل و لكن توفى
ذلك الشاب و كان عليه أن يخبر والده و قد شق عليه ذلك و لكن لم يجد بد من
أن يخبره و لكن الشيخ لم لم يتحمل الصدمة و بدأ فى بكاء مرير و كان
يسأل ابنه: الم ارعاك حتى كبرت ؟ هل قصرت فيك؟ لماذا تموت هكذا اوليس
من واجبك أن تدفننى يا بنى؟ الا تفهم لقد فرحت بميلادك وقلت تكبر و تساعدنى
و عندما اموت تدفننى و ترعى اخوتك من بعدى فها أنت تذهب دون أن تؤدى واجبك نحوى
كما اديت أنا واجبى نحوك و اخبرنى رمانة قلبى أن ذلك الرجل صار يكرر ما يقوله
مما اورثه الحزن و فجأة عنى له أن الاطفال هم ثروات الاباء و يتم أدخارهم ضد عوادى الدهر
و قال : أنه لأول مرة يعرف او يأبه للنظر الى هذه العلاقة فأن من المفترض أن يدفن ألابناء
الاباء و ليس بالعكس و أحس كيف أن الاب الذى يدفن أبنه يكون أبا تعيسا و كيف أن
الابن أذا مات قبل أن يدفن أباه يكون قصر فى واجبه تجاهه و أخبرنى رمانة قلبى أنه فى
ذلك اليوم تغيرت نظرته الى والده و صار يقترب منه أكثر وهو فى داخله يتمنى الا
يحدث لوالده ما حدث لذلك الاب المكلوم.ولكن بالمقابل لا يريد أن يدفن والده.
أحلام البنفسج:
عن طريق صديق لصديق عرفنا أنه قد تشكلت لجنة لحقوق الانسان فى مجلس
الشعب الغير منتخب و هذه اللجنة يترأسها أستاذ جامعى شهير و بعد مجهود التقيت
بهذا الاستاذ و أخبرته عما حل برمانة قلبى وطلبت منه المساعدة و طلب منى ان اكتب
ما شافهته به و بالفعل ذهبت و كتبت لأكتشف بعد فترة أن الحكومة قامت بحل هذه
اللجنة عندما صارت حقا تنظر فى تجاوزات حقوق الانسان و هى كانت فقط تريده لجنة
صورية لزر الرماد فى عيون أمريكا التى لا تفتأ تتحدث عن تجاوزات و انتهاكات تقوم بها
حكومة السودان تجاه رعايها و هكذا وأد الحلم و هو فى بداياته. بدأت الايام تتحول الى
اسابيع و ألاسابيع الى شهور و لا بارقة أمل تلوح فى الافق ليتغير هذا الحال المقلوب
و بدأت الاحزان تتكالب على و أنا لا ارى آخر لهذا الليل الممتد و بدأت قصص عن
أفراج على بعض المعتقلين و لكن رمانة قلبى لا يعود و كنت أفتقده و ايضا لا تأتى
منه اى رسائل كتبت الى الهلال الاحمر و الصليب الاحمر و لكن دون جدوى كل
هذه المنظمات فشلت فى اجبار الحكومة على تطبيق قوانين حقوق الانسان و كتبت
الى رئيس الجمهورية و نوابه و لكن كل النداءات وقعت فى اذن صماء من يسمع
فى هذه الحكومة التى فتكت بهذا الشعب و اذلتهم بدواعى دينية ذائفة و سمعت
ان صحيفى الميدان الشيوعية تنشر اسماء المعتقلين و سعيت لهم و بالفعل نشر اسم
رمانة قلبى و سلمت هذه القائمة الى منظمة العفو الدولية و لكن لم يحدث أى تغير
و صرت اجتر أيامى و ذكرياتى و يمضغنى احساسى بالعجز و الهوان .
أمنيات البنفسج:
ليت لى يا رمانة قلبى عيون زرقاء اليمامة لاخترق المسافات
و أراك أو ليت لى بساط الريح لأطلب منه أن يأخذنى
فى طرفة عين اليك أو ليت لى طاقية أختفاء لألبسها و آتى اليك ليت
لى …. ليت لى …. حزنى يغالبنى ها أنا ذى أهذى و لكن تأبى الايام
ألا أن تتطاول و يأبى هذا الليل أن ينجلى وأنا عاجزة تما ما
عن أن أفعل شئ ليغير هذا الواقع المرير الذى ما عدت اطيقه
اصبحت أجتر ذكرياتى و أيامى معه حتى ملتنى حياتى و هذا الظلام
الجاثم على ربوع بلادى لا يراوح مكانه و تحول الشعب الى رهينة
فى يد هؤلاء الاوباش يفعلون به ما يحلوا لهم و صرنا مقسمين
الى قسمين قسم يقف أمام الحائط معصوب العينين و مقيد اليدين
و قسم يقف يحمل بندقية مصوبى الى القسم الثانى و يا ويلك
لو كنت من القسم المعصوب العينين فلا نصير لك و لا منقذ
اما آن لهذا الليل أن ينقضى هيهات هيهات..
ذات يوم من أيام البنفسج:
بكيت كما يبكى الوليد ولم تكن جليد و أبديت الذى لم تكن تبدى
كتبت هذا لرمانة قلبى عندما ذهبت فى تبادل طلابى الى لندن و بكى رمانة قلبى
أمام الجميع و أحسست بالسعادة و الحرج فى آن واحد عندما تضاحك
زملائى على هذا الموقف الغريب . فكتب لى أنه ايدا لن يذهب بعيدا عنى
كما فعلت أنا وأنه لا يطق فكرة أنه يوما ما سيكون بعيدا عنى و هذا يعنى أنه
يحبنى أكثر من حبى له و هو لا يخجل على موقفه هذا و هو لا يهتم بما
يقوله عنه الاخرين وهو ينتظر أن تنقضى فترة الفراق هذه بأسرع ما يمكن
حتى أعود مرة أخرى اليه و أخبرنى أنه يفكر فى مسألة نسبية الزمن إذ أن
الأيام قد تتطاول و أيضا قد انقضى كبرهة من الزمن و أن المسألة النفسية هي
آلتي تحدد طول الزمن و قصره و آن الإنسان قد يعيش زمن قصير و حافل و
كذلك قد يعيش زمن طويل و خاوي . و عندما عدت بكى رمانة قلبى فرحا
و قال لي أيضا الدموع نسبية قد تتساقط لفرح آو لحزن و ضحكت جزل
من حبيبي الطبيب الفيلسوف
تساؤلات البنفسج :
يا رب الحزن فى الدنيا أم الحزن فى داخلي يتابعني أينما
حللت أو رحلت احمل وحدتي و شقائي
هل يعقل أن يعجز الإنسان من أن يفرح؟! هل حقا قد تجف
ينابيع الفرح من داخل الإنسان؟!
رمانة قلبى بعيد و لا تمر لحظة و ألا هو فى خاطري حتى رسائله
أنقطع و أعدمت سبل التواصل و لكن من أبعده عنى لن
و لم يصادر ذاكرتي سيبقى فى قلبى ووجداني ليوم مماتي.
ما بعد موت البنفسج:
عقارب الساعة تشير الى الرابعة و النصف من
يصدق أن كل هذا حدث فى اقل من ثلاثة ساعات
آه يا رمانة قلبى تباعدت بين الأيام وها أنت مسجى و مغطى
بغطاء ملطخ بدمائك يا رمانة قلبى هل العالم وصل الى نهايته ؟
نعم لقد أ نتهى عالمى وتوارى بتواريك
و غيابك عنه هل ستجف دموعى لا أعتقد ذلك
سأبكى عليك ما حييت وانا فى هذه الحالة دخل الى الغرفة رئيس
السلاح الطبى و كان القلق يبدو عليه و ذهب الى الجسد المسجى و اخبر
الطبيب المناوب ان يستخرج شهادة وفاة و سبب الموت ملاريا وصرخت
كالملسوعة : خاف الله يا رجل الا ترى الدماء الا ترى يديه الداميتان و ذهبت
الى رمانة قلبى وسحبت الغطاء انظر ايها الرجل و أخبرنى هل يعقل ذلك؟
يا زباينة تقتلون و تكذبون بأسم الدين انا لن اسكت ابدا ونظر الكل الى فى
دهشة و نظرت الى ذلك المجرم وو قلت له أن هذا الرجل الميت زوجى و انه
لن يكنس تحت السجادة و يخفى لا و الف لا لن يكون رقم فى سجلاتكم و لكن
أنا لن أصمت ابدا وو احسست بيد تجذبنى الى الخارج و و قررت ان اذهب
الى منزل رمانة قلبى و احضر والده و بالفعل أخذتنى صديقتى و ركبنا سيارة
لتنهب بنا الارض و الخرطوم نائمة و جلاوزتها لا ينامون كل الكبارى مغلقة و لكن
كانوا يتركوننا نمر بعد ان يروا بطاقتنا و البذات العسكرية
و عندما وقفت السيارة أمام المنزل جلست و انا ابكى و فجأة انبثق صوت
المؤذن لصلاة الفجر ولا أدرى لماذاا أحسست أن صوته حزينا و كئيبا
واحسست به يتغلغل فى روحى و دعوت ا الله أن يعطينى الصبر حتى
اقوم بمهمة توصيل هذا الخبر الشؤم الى والد رمانة قلبى الذى أبى الدهر
الا أن يجعل والده يدفنه بدلا أن يدفن هو والده و خرجت من السيارة
ووقفت امام ألباب احاول أن اتمالك نفسى المشتتة المعذبة و فى هذه اللحظة
فتح الباب و كان والد رمانة قلبى خارجا لأداء صلاة الصبح و ظهرت المباغته فى
وجهه و دون أن أشعر أرتميت فى أحضانه و بدأت فى نشيج طويل وهو
يسأل : مالك يا ابنتى؟!
, اخبرته أن ابنه فى المستشفى ولم أقوى على أن اخبره أنه مات و فى
لهوجة طلب منى أن ادخل و دخلت وجاءت أمه مندهشة تستطلع الخبر
ولك تمالكت نفسى و اخبرتها أن عصام مريض و ركضت أمه لتوقظ
أخاه و بعد قليل خرجنا أنا و والده , وشقيقه و أتجهنا الى المستشفى
و عندما اقتربنا من المستشفى طلبت من صديقتى أن توقف السيارة و بكلمات
متقطعة أخبرت والد رمانة قلبى ما حدث و جلسنا فى صمت وعندما
دخلنا رفض الحارس أدخالنا و كان هناك عدد كبير من الناس و طلبت من
والده أن يبقى فى الخارج و دخلت انا وصديقتى ووجدنا الطبيب المناوب
و أخبرنا أنه رفض أن يوقع شهادة الوفاة و أخبرته بأن والد رمانة
قلبى فى الخارج فطلب منى أن نذهب و نفتح بلاغ فى البوليس
حتى يتم التحفظ على الجثة و تشرح
فيما بعد وبذلك لا يمكن بعدها أخفاء وتغطية هذه الجريمة البشعة
و بالفعل ذهبنا و فتحنا بلاغا.
عبور البنفسج:
عبر رمانة قلبى وادى الموت سائرا فى ظل الموت لا يرى شرا
و لا يحس شرا **و لكن انا هنا فى وادى الحياة جريحة القلب ابحث
عن العدل و لكن دون جدوى ان وادى الحياة لا يشبه وادى الموت
فأنا اسير و انا ارى شرور هذا العالم و احسها بكل كيانى
و ابحث عن ثأرى لكن دون جدوى يصرخ عصفور روحى
و ينتفض و لكن دون جدوى يعلكنى حزنى مثل دولاب النار و
لكن دون جدوى من انا حتى ارد هذا الدوار؟ *
ونفيت نفسى حملت حقائبى و ارتحلت احمل الامى معى
يا رب الحزن فى الدنيا او الحزن فى دواخلى لا يفارقني.
(هذه القصة قصة خيالية أذا تطابقت مع أى قصة معروفة فهذا من قبيل توارد الخواطر)
نجاة .
imported_فيصل سعد
13-04-2008, 10:32 AM
فى علايل "اب روف"
مقتطفات من كتاب "عنف البادية" .. وقائع اللحظات الأخيرة فى حياة السكرتير العام للحزب الشيوعى السودانى ..
د. حسن الجزولي
ظل عبد الخالق يتتبع الأزقة المظلمة الخالية، ويتجنب الأماكن المضيئة والمطروقة، حتى عبر، بسلام، حى القماير وحى الكبجاب الكائنين فى الجزء الشمالى الشرقى من أمدرمان القديمة، ومن هناك دلف إلى حى أب روف من جهته الشمالية الغربية. كان حظر التجول قد أًعلن، وكان عبد الخالق يسمع، فى ذلك الوقت المتأخر من الليل، أثناء سيره وسط الأزقة الضيقة، أجهزة الراديو والتلفزيون تردد من داخل البيوت المتقاربة نداءات جهاز الأمن ووزارة الداخلية للمواطنين بمساعدتها فى القبض على قادة الحزب الشيوعى، وتهديد كل من يأوى أحداً منهم.
فى العتمة طرق منزل أحد معارفه من الشيوعيين. فتح الرجل الباب، ورحب بعبد الخالق، والأسى ملء عيونه، ووقف يتحدث إليه فى تلك العتمة همساً. شرح له بلباقة أنه، وبحكم موقعه الجماهيرى فى العمل السياسى خلال الأيام الثلاثة الماضية، أضحى (مكشوفاً) لرجال الأمن الذين يتوقع وصولهم، بين كل لحظة وأخرى، لاعتقاله وربما لتفتيش المنزل أيضاً، ولذلك فليس من الحكمة أن يورط عبد الخالق بإيوائه أو حتى بالاقتراب منه فى مثل ذلك الظرف. تفهم عبد الخالق الموقف وشكره ومضى فى طريقه.
فى غضون ذلك كانت أرتال الدبابات والمصفحات العسكرية تجوب شوارع العاصمة وتنشر الرعب فى النفوس. وكان جنود السلطة العائدة يجوسون بين الأزقة، ويداهمون المنازل، مدججين بالبنادق الرشاشة، وكل أنواع الأسلحة الخفيفة، بحثاً عن المطلوبين. وقد نشط كل من جهاز الأمن القومى حينها واقسام وزارة الداخليه فى تعقب الشيوعيين ومن شايعهم، وامتدت الملاحقات إلى كل أنحاء العاصمة والاقاليم، حتى بلغ عدد المعتقلين، خلال بضعة أيام، آلاف المواطنين والمواطنات من 83 مدينة وقرية.
حى أب روف يقع فى الجزء الشرقى من مدينة أمدرمان، على الشاطئ الغربى لنهر النيل. يحده من الشمال حى الكبجاب وحى القماير، وتتداخل معه من الغرب عدة أحياء كالهجرة وسوق الشجرة والخنادقة وود أرو، أما من ناحية الجنوب فيتداخل مع حى بيت المال تداخلاً شديداً. ويعد حى أب روف من أعرق أحياء المدينة، فقد تأسس فى أعقاب انتصار الثورة المهدية، ومع بدايات نشوء أمدرمان نفسها، متخذاً اسمه من اسم الأمير أب روف، أحد قادة الثورة المهدية. ومن أقدم وأشهر الشخصيات التى سكنته رابحه الكنانية التى عاشت حتى منتصف الخمسينات، وكانت قد اكتشفت، على أيام الثورة المهدية خلال الربع الأخير من القرن 19، تدبير الادارة الاستعمارية التركية لمباغتة جيش المهدى فى قدير، فتسللت فى نفس الليلة مشياً على الأقدام لمدة 12 ساعة كى تبلغ المهدى بأمر الهجوم العسكرى الوشيك، وبهذا أنقذت الثوار من ابادة محققة .
ويُعد حى أب روف، ضمن جملة أحياء أخرى بأمدرمان القديمة، رصيداً تقليدياً للحزب الشيوعى بما لديه فيها من وجود مميز، وهى الأحياء التى شكلت خارطة (الدائرة 22 أمدرمان الجنوبية)، حيث فاز عبد الخالق، عام 1968م، على منافسه أحمد زين العابدين مرشح الحزب الوطنى الاتحادى، فقد أحرز عبدالخالق 7665 صوتاً بينما نال الآخير 7122 صوتاً. وكانت تلك الدائرة تضم، بالاضافة إلى أب روف، الأحياء التى تقع على طول الشريط الحدودى الموازى لنهر النيل والذى يضم أحياء بيت المال والملازمين والموردة حتى مدينة الفتيحاب، وإلى ذلك أحياء بانت والعباسية وحى الضباط وأب عنجة وغيرها. وقد نافح أعضاء الحزب وأصدقاؤه فى تلك الأحياء، ومن بينها أب روف وبيت المال، عن دار الحزب الكائنة داخل بيت المال، متصدين، ببسالة نادرة وتضحية جمة، للهجوم الذى شنته عام 1965م، على الدار وعلى الشيوعيين بالسلاح الأبيض، القوى والجماعات المعادية للحزب، آنذاك، بقيادة الأخوان المسلمين وحزب الأمة، والتى سعت لحل الحزب، وحظر نشاطه، وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية، وذلك فى أعقاب حادثة معهد المعلمين العالى الشهيرة التى تعرض فيها أحد الطلاب فى ندوة سياسية لبيت النبوة، فسارعت تلك القوى والجماعات تنسبه فى لهوجة مفضوحة للحزب الشيوعى.
كان حسين أحمد عثمان الكد، وشقيقه التوأم حسن، من أبكار خريجى كلية غردون التذكارية، ومن المثقفين اليساريين، بمعايير ثلاثينات القرن الماضى، الذين أسسوا جمعية أب روف للقراءة، وتأثروا بفكر الفابيين FABIANS فى بريطانيا. وكان حسين حتى وفاته فى منتصف ستينات القرن الماضى صديقاً لعدد من الماركسيين، من بينهم قريبه وسكرتير الحزب الشيوعى السودانى عبد الخالق محجوب، والصحفى وعضو لجنة الحزب المركزية محجوب عثمان، وآخرون.
ومنذ ما بعد ظهيرة يوم 22 يوليو كانت أسرة حسين الكد بحى أب روف، على مقربة من شاطئ النيل، تواجه ظرفاً عصيباً. فقد ادلهمت الخطوب عليها دفعة واحدة، حيث كان ابنها الضابط خالد حسين الكد قد أعيد إلى الخدمة بالقوات المسلحة السودانية بقرار من القيادة الجديدة عقب نجاح انقلاب 19 يوليو مباشرة، وبذلك تم إلغاء قرار تسريحه السابق، الأمر الذى كان مصدر سعادة للأسرة. لكن ها هى الأنباء ترد إليها، وإن كانت غير مؤكدة، بأن خالد قد قتل أثناء المعارك الشرسة التى ظلت دائرة منذ عصر ذلك اليوم، 22 يوليو. فهناك من يقول إنه قتل بكبرى شمبات! وآخرون يؤكدون إصابته قرب إحدى محطات الوقود.
من جهة أخرى تضاربت الأخبار أيضاً حول مصير ابن الأسرة الآخر والشقيق الأصغر لعبد الخالق، الرائد محمد محجوب عثمان، والذى تم تعيينه عضواً بمجلس قيادة الثورة فى انقلاب 19 يوليو أثناء وجوده خارج البلاد. وكان من المفترض أن يطير من برلين الشرقية إلى لندن، ليكون برفقة بابكر النور وفاروق حمد الله فى طريق العودة إلى الخرطوم على متن نفس طائرة الخطوط البريطانية التى اختطفتها سلطات القذافى وأجبرتها على الهبوط بمطار بنغازى ليعتقلا هناك تمهيداً لتسليمهما للنميرى عقب عودته لينكل بهما! وسوف يتضح فى ما بعد أن محمد محجوب لم يتمكن، لأسباب فنية، من اللحاق بتلك السفرية المشئومة.
أما من الجهة الثالثة فها هو عبد الخالق أيضاً تهدر الدبابات والشاحنات فى أثره، ويضج المذياع والتلفزيون بنداءات جلاديه إلى المواطنين ليساعدوهم فى القبض عليه.
فى تلك الساعة المتأخرة من الليل كان الأديب المعروف طه الكد، الشقيق الأكبر لخالد، يجلس مهموماً مغموماً على كرسى بفناء منزل الأسرة، يحاول متابعة الأخبار من راديو ترانزيستور، وذهنه مشغول بأفكار مبعثره ولا يكاد يقوى على التركيز، وإلى جانبه يستلقى خاله محمد التجانى على سريره، ومسبحته تكر بين أصابعه، بينما شفتاه تنثران الأدعية، وعيناه معلقتان بالسماء البعيدة.
وفى الجزء الداخلى من البيت كانت الهموم تجثم على صدور جميع أفراد الأسرة بعد أن رأوا، أول المساء، وجه النميرى يطل من شاشة التلفزيون، بعينين تقدحان شرراً، وحنجرة ترغى وتزبد كالثور الهائج، وتتوعد الانقلابيين والشيوعيين، وتطالب بالقبض عليهم "واحداً واحداً"، لافظاً بطريقة غريبة إسم ابن الأسرة "خالد الكد و .. something"، على حد تعبيره.
كانت زخات الرصاص وانفجارات الدانات ما تزال، أنذاك، تاتى متقطعةً يحمل صداها نيل أمدرمان، الصامت الحزين هو الآخر، طوال مساء وليل ذلك اليوم. كان الظلام دامساً، وحركة الشارع قد خبت تماماً مع حظر التجوال والوقت المتأخر من الليل.
وكان لحوش آل حسين الكد، على عادة بيوت أمدرمان العتيقه فى إشهار كرم الضيافة، باب مفتوح فى كل الأوقات، ولا يغلق إلا فى الهزيع الأخير. وعبر هذا الباب الغارق فى العتمة انتبه طه فجأة إلى حركة آتية، فى تلك الساعة، من جهة الشارع الغارق، هو الآخر، فى العتمة، فوضع جانباً جهاز الترانزيستور الذى كان ما يزال يكرر، بشكل رتيب، نداءات وزارة الداخليه وجهاز الأمن للمساعدة فى القبض على عبد الخالق ومجموعته، ونهض ليستجلى مصدر تلك الحركة قرب الباب المفتوح، فلاحظ طيف شخص يدلف إلى داخل الفناء. ظل طه واقفاً يحاول بصعوبة أن يتبين ملامح ذلك القادم كلما اقترب رويداً رويداً من الهالة الشاحبة التى ينثرها، بالكاد، ضوء المصباح الخافت فى الفيراندا العتيقة على جزء من الفناء. ولما اقترب القادم أكثر رأى طه فيه رجلاً يرتدى جلباباً أبيض ويضع عمامة تخفى جزءاً كبيراً من رأسه ووجهه ويتلفع بملفحة سمنية وينتعل حذاءً أبيض.
كان محمد التجانى، خال طه، مازال مستلقياً على السرير ممسكاً بمسبحته، غير منتبه للقادم حتى بعد أن ألقى بالتحية عليهما. وعندما لم يعد يفصل بين طه وبين القادم سوى خطوة أو خطوتين ظهرت بوضوح ملامح عبد الخالق لطه الذى ألجمته المفاجأة لبرهة بددها فوراً بأن اندفع نحو ابن خاله معانقاً له فى صمت، وجسده يهتز من شدة الانفعال لفترة طالت، حتى انتبه محمد التجانى فنهض هو الآخر يعانق عبد الخالق بتأثر شديد، ثم ما لبث ثلاثتهم ان دلفوا من فورهم، عبر الفيراندا، إلى داخل الديوان.
لم يكن طه الكد فى الواقع منتمياً للحزب أو حتى مناصراً لأيدولوجيته، بل يمكن القول بأنه كان مناوئاً للماركسية، انطلاقا من قناعاته الفكرية، ونشأته المحافظة، ورؤيته الخاصة للثقافة العربية الاسلامية، اٍضافة الى أنه لم يكن لديه فى الأصل أى ميل إلى السياسة ومعتركاتها، بل كان منصرفاً عنها بكلياته إلى الأدب العربى الكلاسيكى، وبخاصة الشعر العربى بأغراضه وعروضه وأوزانه وقوافيه القديمة التى ظل شغوفاً بها، منافحاً عنها، ومعتزاً بذلك. ومع هذا فقد كانت له، فى المستوى الانسانى، علاقاته الحميمة بكثير من الشعراء والأدباء الشيوعيين، كما كانت تربطه بابن خاله عبد الخالق وشائج من المودة والاحترام. وربما يعود ذلك إلى قدرات عبد الخالق الفذة، وإحاطة موسوعيته بالثقافة العربية الاسلامية منذ بواكير صباه، من جهة، وما عرف عنه من شجاعة وبسالة وصمود، من الجهة الأخرى، وإعجاب طه واحتفائه، أصلاً، بمثل هذه الملكات والخصائص الشخصية، من الجهة الثالثة، علاوة على صلة الرحم التى يعتز بها طه أيما اعتزاز، من الجهة الرابعة، بغض النظر عن الاختلاف فى الرأى والفوارق فى الأفكار.
وثمة عامل إضافى لا يقل أهمية بالنسبة لطه، فقد كان عبد الخالق على علاقة حميمة ووثيقة بحسين أفندى الكد أوان حياته. ولا غرو، فقد كان والد طه، كما سبق أن أشرنا، من كبار المثقفين فى زمانه، وأحد أبرز مؤسسى (مدرسة أب روف) اليسارية، بمعايير ثلاثينات القرن الماضى، والتى انتمى إليها أيضاً توأمه حسن الكد وحماد توفيق وابراهيم يوسف سليمان ومكاوى سليمان أكرت وغيرهم. وكان عبد الخالق ".. كثيراً ما يقضى أوقاتاً طويلة مع والد طه كلما زار حوش أبناء عمته بابى روف، حتى أنه خلال فترات اختفائه فى سنوات سابقة، كان يحرص على زيارة حسين أفندى الكد، حيث يقضى معه فترة طويلة ثم يغادر عند منتصف الليل).
وإذن فقد كان لدى طه ألف سبب فى محبته لعبد الخالق.
ـ "لو كنت أعرف مكاناً آخر فى هذا الظرف لما اضطررت للحضور إليكم وأنا أعلم وضعكم حالياً" قال عبد الخالق لطه.
فرد طه بصوت مزيج من الانفعال والحزم:
ـ "ثق يا عبد الخالق .. والله لن أتخلى عنك أبداً حتى لو قطعونى اٍرباً اٍرباً"
ثم أضاف قائلاً له:
ـ "هذا بيتك ياعبد الخالق .. الله الله.. ولكن يجب أن نبحث عن سلامتك" .
ولكن للخاتم عدلان رأى لا نتفق فيه معه حول أن لجوء عبد الخالق إلى طه الكد هو لجوء "لرابطة الدم بعد أن لم تسعفه رابطة الانتماء الحزبى عند بعض الرفاق الذين كانوا يستجدونه استجداءً لزيارتهم فى منازلهم فى ليال غير تلك الليلاء. ولم يكن عبد الخالق ليذهب إلى طه، ثم يبقى ثلاثة أيام فى منزل قريبه ذى المنصب الحكومى الكبير، وبعلم ذلك المسؤول الكبير، لولا أن تلك الأبواب قد أغلقت فى وجهه"
وأخشى أن هناك تناقضاً فى هذا الكلام. فمن ناحية، وبعد أن يؤمن الخاتم نفسه على أن ذلك السلوك بدر من (بعض الرفاق)، يعود ليعممه على مجموع الحـزب، وهذا غير منطقى. أما من الناحية الأخرى فإن أحداً ممن لامسوا عبد الخالق عن قرب فى تلك الأيام لم يقل إنه أشار لشئ من ذلك أو أنهم أحسوا بأنه ينطوى على مثل هذا الشعور. ضف إلى ذلك أن المصادر المشار إليها أثبتت مشاركة شيوعيين آخرين، قدر معرفتهم واستطاعتهم، فى الجهود التى بذلت لإيواء عبد الخالق وحمايته. وبالتالى فاٍن حق لنا الاحتكام لوقائع الافادات التى وردت وسترد لاحقاً فى هذا الخصوص والتى اٍجتهدنا قدر ما نستطيع للحصول عليها واٍخضاعها للفحص، فانها لاتشير قط الى ثمة أية شبهة فى تردد بدر من شيوعيين أعضاء حزب تجاه قيم المروءة والشهامة والبسالة لكى يخفوا للذود عن سكرتيرهم العام وقائدهم الفكرى من أجل حمايته، وبالتالى فاٍننا نخشى على الخاتم من هذا التفسير الوحيد الذى أبرزه.
أوضح عبد الخالق لطه حاجته للبقاء فى أب روف لثلاثة أيام على الأقل، ريثما يتمكن من إعادة ترتيب الاوضاع فى ظروف التطورات الخطيرة التى كانت تجتازها البلاد آنذاك، ".. وأنه فى حاجة للقاء أحد أعضاء الحزب ممن يقطنون بالحى حتى ينسق معه ومع طه ما يستوجب عمله، وأن الأمر يحتاج لكثير من العجلة، واستطرد بالانجليزية : Things are moving very fast.
وهناك رواية أخرى لملكة الكد، الشقيقة الصغرى لطه وخالد، تؤكد "أن عبد الخالق .. لم يطلب من طه سوى أن يوفر له بأقصى سرعة أى وسيلة لمركب.. ينقله الى الطرف الآخر من نهر النيل عند الخرطوم بحرى! فطمأنه طه بتدبير الأمر مع بعض (مراكبية أب روف) صباح اليوم التالى"
وإذا تركنا مؤقتاً رواية الرفاعى، وتعاملنا مع رواية ملكة، فمن خلال قرائن الأحوال ومنطق الأحداث نجد أن هناك احتمالين لرغبة عبد الخالق فى الانتقال إلى الضفه الأخرى من النهر: الأول أنه كان يريد الوصول إلى حلة خوجلى، حيث الخليفه النور، أحد خلفاء السيد على الميرغنى ووالد زوجة فاروق عثمان حمد الله، والذى قيل إن علاقة وثيقة كانت تربط بينه وبين عبد الخالق. ولكن أفراداً من أسرة الخليفه ينفون هذا الأمر. ورغم ذلك يظل الاحتمال قائماً، حيث أن فى أسرة عبد الخالق من يؤكد تلك العلاقة! أما الاحتمال الثانى فهو أن عبد الخالق كان يريد الوصول إلى بيت صديقه محمد نور السيد الذى رأينا، فى ما تقدم، أنه كان قد أسند اليه مهمة البحث له عن منزل بديل لمنزل (ص. أ) بالخرطوم/2، والذى كان قد أصبح قبلة الناس، مما أعاق أداءه لمهامه. وهكذا فإن من المحتمل أن يكون عبد الخالق قد قصد الاتصال بصديقه القديم لينقله الى ذلك المنزل، واثقاً من قدراته المجربة.
قضى عبد الخالق بعض ليلته تلك فى فناء منزل حسين الكد، بينما نام بقربه كل من طه وخالهما محمد التجانى، فكأن ثلاثتهم "فى جفن الردى وهو نائم"
وقبيل فجر الجمعة 23 يوليو انتقل عبد الخالق إلى داخل (الديوان) لبعض الوقت. وهنالك ظل رابط الجأش، يتابع الأحداث، فى صمت، من خلال جهاز الراديو. وكان، كما نقل عنه طه، "هادئ النبرات، ثابت الجنان، تشى قسمات وجهه بصرامة وحزن عميقين"
ولأنه لم تكن لتخفى عليه فداحة الاخطار التى كانت تحيط بمنزل يُتوقع أن يقتحمه عسكر السلطة فى أى وقت بحثاً، على الأقل، عن خالد، ضمن من انطلقوا يبحثون عنهم منذ أول المساء، فقد ناقش الأمر مع طه الذى اقترح، فى البداية، الانتقال إلى منزل خالهما محمد التجانى، الكائن على تخوم منطقتى القماير والكباجاب شمال حى أب روف. (ولكن محمد التجانى أبدى كثيراً من التردد رغم العاطفة التى يكنها لعبد الخالق)، وبإزاء ذلك اقترح طه الانتقال إلى حوش عمه حسن الكد، فمع كونه يقع على مرمى حجر فى الجوار، إلا أن المنصب الخطير الذى يشغله ابن عمه كمال فى أجهزة النميرى الأمنية ربما .. ربما تعصم ذلك الحوش بالذات عن التفتيش.
هكذا بدت الخيارات ضيقة إلى ذلك الحد.
وكان عبد الخالق، عندما يرى قريباته منتحبات جزعاً على مصيره ومصير خالد ومحمد، يعمد إلى تجاهل حزنه هو الرابض فى جوفه كالجبل، ويروح ينهمك فى ملاطفتهن وممازحتهن ليبدد عنهن رهق الأحزان الجاثمة على صدورهن. وما أن يهدأن قليلاً حتى يعود إلى ارتشاف قهوته ومتابعة إذاعة أم درمان التى كانت تنقل أخبار المحاكم العسكرية الميدانية التى تشكلت على عجل لتطال بأحكامها غير العادلة العديد من قادة ورموز يوليو، عسكريين ومدنيين، بينما سحابة من الحزن العميق لا تخطئها العين تلوح على محياه، وترتسم على تقاطيع وجهه، علاوة على تعب كل تلك الأيام.
ما لبث عبد الخالق أن تسلل مع طه، قبل شروق الشمس، إلى منزل حسن الكد. وهو المنزل الذى سيسمع فيه، عبر جهاز الترانزيستور، نبأ إعدام هاشم العطا وعثمان أبو شيبة ومحجوب (طلقة) وعبد المنعم الهاموش وغيرهم من الضباط الشيوعيين والديموقراطيين رمياً بالرصاص، والذى سترد إليه فيه معلومات غير مؤكدة عن إقدام النميرى على تنفيذ حكم الاعدام شنقاً حتى الموت، بسجن كوبر جنوب شرق الخرطوم بحرى، على الشفيع أحمد الشيخ، الرجل الثانى فى الحزب وعضو لجنته المركزية ورئيس إتحاد عام نقابات عمال السودان ونائب رئيس الاتحاد العالمى لنقابات عمال العالم والحائز على وسام النيلين من حكومة السودان ووسام لينين من الاتحاد السوفيتى قبل ما لا يزيد على العام فقط من ذلك، بالاضافة إلى جوزيف قرنق، عضو سكرتارية اللجنة المركزية. ومما زاد من احتمالات صحة تلك المعلومات القرار الذى صدر وتم بثه عبر الاذاعة والتلفزيون بتجريد الشفيع من وسام النيلين.
وسيبدى عبد الخالق غضبه الشديد من تلك الأخبار، خصوصاً إعدام الشفيع وجوزيف، وذلك لمعرفته الأكيده بأن أية محكمة، بأدنى قدر من العدالة والانصاف، ما كانت لتنزل بهما مثل هذه العقوبة الفظيعة، وسيظل يردد أنهما لا صلة لهما بما جرى، وأنه إذا قدر له أن يعيش فإنه لن يترك ما فعله النميرى ونظامه يمر بدون عقاب.
كما سيستطرد عبد الخالق قائلاً لطه، فى ذلك المنزل، إنه ليست لديه ولا للحزب أدنى علاقة بتدبير الانقلاب، و"أنا لن أنكر مسئوليتى .. لأنهم سوف يقولون إن عبد الخالق خاف وأنكر، سوف أدافع دفاعاً سياسياً إذا قبضونى، ولكن أحملك أمانة أن تقول عنى حين تكون فى مأمن أننى رفضت فكرة الانقلاب، وأننى سمعت به فى الراديو كأى مواطن آخر" .
وبهذا الصدد فإن ثمة حديثاً ظل متداولاً فى أروقة الحزب بصورة غير رسمية عما يسمى (بوصية عبد الخالق)، وفحواه أن عبد الخالق كتب بعض الملاحظات فى كراسة قام طه الكد، فى وقت لاحق، بتسليمها لمحمد ابراهيم نقد الذى انتخب سكرتيراً عاماً بعد إعدام عبد الخالق، وذلك حين التقاه طه فى مخبئه لأجل هذا الغرض. غير أنه لم يصدر عن قيادة الحزب ما يشير لهذه الكراسة. بل لقد أبدى كل من استفسرته عنها من القياديين دهشته نافياً نفياً قاطعاً معرفته أو حتى سماعه بها فقد أشار التجانى الطيب إلى أنه لا علم له "بأية وصية مكتوبة من عبد الخالق سلمت بصورة أو بأخرى لمركز الحزب" . كما نفى يوسف حسين، عضو السكرتارية المركزية، علمه بأية وصية من عبد الخالق، سواء كانت كتابة أو شفاهة .
على أن للخاتم عدلان، أيضاً، إفادة مغايرة يؤكد من خلالها أن عبد الخالق سلم أوراقاً لطه طالباً منه ألا يقرأها "وعندما سألته بعد ذلك بسنوات: هل قرأتها ياطه؟ قال لى: أنا أبوك يا حسين أنا أحنث بالقسم؟ أنا أخون الأمانة"؟ ويضيف الخاتم أن طه قام بالفعل، بعد فترة من الأحداث، بتسليم تلك الأوراق إلى نقد وهو مختفى، و".. سألته شخصياً عنها فأكد لى أنها موجودة معه"
لكن محمد ابراهيم نقد، السكرتير العام للحزب، ينفى "قصة الوصية جملة وتفصيلاً، بل ويؤكد أنها محض أسطورة .. عبد الخالق لم يكتب شيئاً ولم يكلف طه بحمل أية رسالة إلى قيادة الحزب، كتابةً أو شفاهة، وربما اختلط الأمر لدى البعض، فطه قد سلمنا بالفعل كراسة .. ولكنها الكراسة التى تحتوى على إفادته هو نفسه، أى طه، عن الأيام التى لازم خلالها عبد الخالق بأب روف.
ومن جانبه يفيد كمال الجزولى الذى ربطت بينه وبين طه علاقة صداقة خلال السنوات التى أعقبت عودة كمال من الاتحاد السوفيتى فى أغسطس عام 1973 وحتى وفاة طه فى ديسمبر عام 1977م، قائلاً: "لا أستطيع بالطبع أن أنفى أو أؤكد فأنا لم أكن حاضراً تلك الأحداث. لكن طه حدثنى كثيراً، وفى مناسبات مختلفة، عن وقائع تلك الأيام. وأذكر أن أطول تلك الأحاديث، وأكثرها استفاضة وتفصيلاً، كانت بعد يومين تقريباً من هزيمة حركة الثانى من يوليو عام 1976م بقيادة محمد نور سعد. وكنا عدنا سوياً، فى الظهيرة، إلى أم درمان بعد أن قضينا بعض الوقت مع بعض الأصدقاء فى زيارة اجتماعية إلى منزل الكاتبة خديجة صفوت بمنطقة العمارات بالخرطوم، فعرج معى إلى منزلنا بحى بانت جنوب أم درمان، حيث تناولنا الغداء، وأمضينا الساعات التالية، حتى أول المساء، وهو يحدثنى عن أدق تفاصيل تلك الفترة التى كان خلالها لصيقاً بعبد الخالق بأب روف. وأخبرنى فى النهاية بأنه قد ضمن كل ذلك فى (كراسة) سلمها للحزب فى وقت لاحق. لكنه، على كثرة التفاصيل والاستطرادات التى أوردها فى حديثه، والزمن الطويل نسبياً الذى استغرقته مؤانستنا، لم يذكر لى أى شئ عن (كراسة) أو وصية أو رسالة أو مذكرة طلب إليه عبد الخالق تسليمها للحزب.
أما سعاد ابراهيم احمد، عضو اللجنة المركزية، فتقول إنها لم تطلع على وصية من عبد الخالق، وإن أحداً لم يثر أمرها معها وسط الضغوط والمهام التى كانت تواجه الكادر القيادى فى تلك الفترة إلا أنها تشير إلى أن عبد الخالق .. ربما يكون قد رتب بعض الأمور التنظيمية ومن بينها مسألة القيادة ، فقد كان يكن احتراماً عميقاً وثقةً فى شخصية قاسم أمين، ومن الممكن أن يكون قد أشار إلى ذلك فى تلك الرسالة.
ومع أن سعاد لم تؤكد أو تنف وجود تلك الوصية، إلا أن إفادتها تضمنت (إيحاءً) فى غاية الخطورة ، ومن شأنه أن يثير جدلاً واسعاً وأسئلة مقلقة. فهل الحزب قائم، من حيث بنيته الفكرية والتنظيمية، على المؤسسية أم على شئ آخر؟ وهل يعقل أن عبد الخالق الذى وهب عمره لقضية التغيير الاجتماعى التى تعتبر فى مضمونها من أوثق القضايا بمفاهيم الحداثة، يمكن أن يكون قد (أوصى) بأن تؤول القيادة من بعده لشخص محدد؟
وفى شأن "الوصية"، تؤكد فائزة أبو بكر عضو فرع الحزب بأبروف ضمن إفادتها للكاتب بأن عبد الخالق وقبل انتقاله للمنزل الثالث والأخير الذي تم اْعتقاله منه قد أودع لديها (قصاصات) صغيرة الحجم تشير فائزة إلى أنها ربما تكون ملاحظات مهمة حرص على تسجيلها في فترة اختفائه بأبروف، ثم تضيف: "للأمانة لم أطلع عليها، وبعد فترة من تلك الأحداث قمت بتسليمها للمرحوم طه الكد".
بهذه الإفادة لفائزة فإن قصة (وصية عبد الخالق) تزداد غموضاً ضمن مجمل أحداث تلك الفترة على ماهى عليه من تعقيد وإرباك فبينما يشير الخاتم عدلان إلى أن طه قد أكد له أن عبد الخالق سلمه كراسةً طالباً منه أن لا يطلع عليها، وأنه سلمها نقد فيما بعد حسب رغبة عبد الخالق ، فهاهي فائزة تشير إلى أن (قصاصات ) أخرى كانت بحوزة عبد الخالق قامت هي فيما بعد بتسليمها طه الكد . السؤال هو أن افترضنا صحة رواية طه للخاتم بأنه سلم كراسة اْستلمها ( يداً بيد) من عبد الخالق وأودعها نقد، فهل تكون تلك (القصاصات) التي سلمتها فائزة لطه فيما بعد ضمن تلك الكراسة؟ ولماذا لم يشر طه الكد إلى ذلك في حديثه للخاتم عدلان؟ وإن لم يكن الأمر كذلك، فما هو إذن مصير تلك القصاصات التي سلمتها فائزة إلى طه الكد، حسب إفادتها؟
عندما دلف عبد الخالق وطه من الباب الخارجى إلى فناء منزل عم الأخير كان الفتى بابكر حاج الشيخ، الشقيق الأصغر لزوجة عم طه، ينام بحوش المنزل، فأيقظه طه هامساً له أن برفقته عبد الخالق الذى ينبغى أن يقضى بعض الوقت هناك، طالباً منه أن يتكتم على الأمر. وعلى حين ربض عبد الخالق غير بعيد فى الجزء المعتم من الحوش، بدا لطه أن الفتى شد قامته، وشمخ برأسه، قبل أن يؤكد له بعزم أنه لم يعد يافعاً حتى يثرثر بأمور كهذه.
والواقع أن طه الذى كان يتحوط ، خلال تلك الأيام، لكل شئ، قام فى وقت لاحق بصرف خدم المنزل، كما حرص على تجنب الضيوف بقدر الامكان.
لم يكن هناك إذن من كان يعلم بأمر عبد الخالق سوى أفراد الأسرة القلائل من أقربائه. فبالاضافة الى طه وخاله محمد التيجانى وبابكر حاج الشيخ كانت هناك شقيقات طه: بتول وصفية وملكة. لكن، فى ما بعد، وضع طه، بطلب عبد الخالق وتوجيهه، قلة من عضوية فرع الحزب بأب روف فى صورة ما يجرى. وقبل ذلك كانت ثريا الشيخ، زوجة شقيق عبد الخالق الأصغر محمد محجوب، والتى لم تكن قد التحقت، بعد، بعضوية الحزب، قد زارته لبعض الوقت، وكان عبد الخالق يصبرها مشجعاً ويذكرها ببعض الآيات القرآنية "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"، وذلك عندما كانت تنتحب ولا تستطيع كتمان جزعها .
ظل الفتى بابكر يقوم على خدمة عبد الخالق طيلة فترة وجوده هناك. ولم يكن بابكر فى واقع الأمر عضواً بالحزب، إلا أنه كان على المستوى الشخصى معجباً بشخصية وثقافة وبسالة عبد الخالق، فتعاطف مع الحزب كأغلبية شباب تلك المنطقة من أم درمان القديمة الذين حملوا عبد الخالق إلى مقاعد الجمعية التأسيسية عام 1968م. هكذا، ورغم فارق السن، نشأت علاقة حميمة بين بابكر وبين عبد الخالق فى تلك المدة الوجيزة بصالون حوش حسن الكد، وتحت ظروف ذلك الكرب، ورهق الساعات بل الدقائق التى كانت تمر ثقيلة متباطئة، والمصير المفزع الذى كان يدنو من عبد الخالق رويداً رويداً! فقد عمل عبد الخالق على إزاحة حاجز الهيبة والرهبة من نفس الفتى تجاهه، ورفع غطاء الكلفة عن علاقتهما، حتى خيل لبابكر أنه يتعامل مع صديق قديم حميم، يتقاسمان السيجارة الواحدة (تخميسة)، ويستدعيان ذكريات تلك الحملة الانتخابية الأنيقة. ومن بينها ذلك الحادث الذى كاد أن يودى بحياة بابكر لحظة اٍعلان النتيجة، عندما تهجم أحد الاتحاديين على بابكر بفأس حُمل على أثرها إلى مستشفى أم درمان، حيث ظل طريح سريرها لأيام زاره خلالها عبد الخالق للاطمئنان على صحته، فعد بابكر ذلك اليوم من أسعد أيام حياته.
سأله عبد الخالق عن شقيقه الأمين، وعن طبيعة عمله بتلغراف الخرطوم، وعن هواياته، وعن كيفية قضائه لأوقات فراغه. ودرءاً لأى التباس قد ينشأ فى ذهن الفتى الذى قد يكون منفعلاً فقط بقيم البسالة، دون أية دراية بمقتضيات العمل السياسى السرى، شرح له عبد الخالق أنه ليست للحزب أو له شخصياً علاقة بالانقلاب، وهو لم يلجأ للاختفاء فى تلك الظروف، خوفاً، ولكن واجبه القيادى يقتضيه الاختفاء فى مثل تلك الظروف حتى يستطيع أن يتحرك بحرية باتجاه إنقاذ ما يمكن إنقاذه والتقليل من حجم الكارثة بقدر المستطاع . ويروى بابكر أن عبد الخالق، عندما أذيع خبر إعدام هاشم العطا ورفاقه الضباط، تأثر تأثراً بالغاً، حتى أنه لاذ بصمت مفاجئ، واستلقى على سريره منكفئا بوجهه على عمامته لفترة طويلة، حتى خيل لبابكر أنه قد غط فى نوم عميق.
وفى صبيحة السبت، وبينما كان بابكر يتهيأ للذهاب إلى عمله، أخطر عبد الخالق بأنه سيطلب إذناً بالخروج مبكراً من العمل فى ذلك اليوم، كى يعود سريعاً ليكون إلى جانبه. فأوصاه عبد الخالق بأن يجلب معه، عند عودته، بعض الصحف والسجائر، كما طلب منه موافاته بإحصائية عن برقيات التأييد التى وردت لسلطة 19 يوليو والجهات التى بعثتها. لكن بابكر، عندما عاد للمنزل، وجده مقفلاً، وعند ذهابه للاستفسار فى حوش حسين الكد عرف أن عبد الخالق قد غادر الى مكان آخر .
كان عبد الخالق، عندما غادره بابكر إلى عمله، مايزال مشغول البال بأمر الضفه الشرقية، حيث عاود سؤال طه عما إذا كان قد فعل شيئاً بهذا الخصوص. ويبدو أن طه كان قد تراجع عن فكرته الأولى حول ترتيب المسألة مع بعض (مراكبية اب روف)، حين استشعر خطورة تلك المغامرة على حياة عبد الخالق. وكان من المحتمل، بالفعل، أن يكون شاطئ اب روف قد أصبح مرصوداً أيضا من قبل الدوريات العسكرية وعيون العسس التى انتشرت مبثوثه فى كل الأمكنة. فنقل هواجسه تلك لعبد الخالق الذى لم يشاطره الرأى، بل كان يبدو متيقناً من سلامة (العملية)، ولكنه ساير طه، على أية حال، وصرف النظر عن المسألة برمتها.
أصر عبد الخالق، بعد ذلك، أن يتحول من منزل حسن الكد، حيث قدر أن لهاث أجهزة الأمن فى البحث عن خالد الكد لن يلبث أن يدفعها، إن عاجلاً أو آجلاً، إلى مداهمة ذلك الحوش، رغم المنصب الأمنى الرفيع الذى يشغله إبن الأسرة كمال.
كان طه وقتها يكاد يكون قد انصرف تماماً عن كل شئ، بما فى ذلك حتى مشكلة شقيقه خالد، وركز كل جهده فى إنقاذ ابن خاله عبد الخالق، فأجرى، بتوجيهات الأخير، بعض الاتصالات مع القلة التى لم يطالها الاعتقال بعد من أعضاء فرع الحزب بأب روف. وبالنتيجة تقرر نقل عبد الخالق إلى منزل آخر لا يبعد كثيراً، لكن الشبهات لا تحوم حوله كون مالكه هو أحد رجالات حزب الامة.
قبيل ظهيرة السبت الرابع والعشرين من يوليو كانت العربة التى يقودها المرحوم بكرى السمانى تقف ملاصقة تقريباً لباب منزل حسن الكد. وكان يجلس إلى جواره شقيق زوجته فضل البلولة (أحد أعضاء فرع الحزب بالحى). ومنذ ذلك اليوم أطلق طه إسم (الفحل) على بكرى الذى لم يكن عضواً بالحزب ومع ذلك تبرع بتنفيذ نقل عبد الخالق بعربته، بل وأصر على قيادتها بنفسه. وعلى حين وقفت صفية، إحدى شقيقات طه، تراقب الشارع ريثما يخرج عبد الخالق ليستقر بالعربة، كان هو يلح فى إبعاد طه عن المكان تحسباً لأى طارئ بعد أن رأى حرصه على مرافقته والبقاء إلى جانبه .
هكذا، وفى وضح النهار، انطلقت العربة تشق أزقة ذلك الحى الشعبى، وعلى مقعدها الخلفى جلس الرجل الذى كانت تبحث عنه أرتال عسكر مايو وعسسها، بجلبابه الأبيض وعمامته البيضاء بعد أن أحكم لف ملفحته السمنية حول عنقه ورأسه و صفحتى وجهه. وفى ما بعد حرص طه على رش منزل عمه بمادة تمحو آثار عبد الخالق فى حالة اصطحاب رجال الأمن لكلابهم البوليسيه.
أوقف بكرى العربة ملاصقة أيضاً لباب منزل قطب حزب الأمة، ونزل عبد الخالق ليجد فى استقباله فائزة أبوبكر العضو بفرع الحزب بالحى وإٍبنة صاحب المنزل، حيث قضى وسط أسرتها الصغيرة ما تبقى من ذلك اليوم حتى فجر اليوم الذى يليه. وقد أفادت فائزة لاحقاً بأن "عبد الخالق قال لى بالحرف: أنا ما عندى علاقة بالانقلاب وبختفى ليس خوفاً من الموت ولكن من أجل أبناء وبنات الشعب السودانى وربنا يقدرنا نقدم ليهم ما يطورهم ويسعدهم، وكانت هذه كلماته الأخيرة لى"
ما كاد ينقضى وقت قصير منذ وصول عبد الخالق إلى هذا المنزل حتى حدثت واقعة اعتقال لأحد الذين يقطنون المنزل الذى انتقل اليه عبد الخالق ،ذلك المنزل المأهول بعدة أسر صغيرة من عائلة واحدة كبيرة، كأغلب منازل أمدرمان القديمة، وعلى الرغم من أن اعتقال ذلك الشخص قد تم من مكان عمله بالخرطوم الا أن ذلك قد جرى دون أن يفطن رجال الأمن لوجود الشخصية المحورية فى حملاتهم المحمومة بمنزل ذلك المعتقل، بل ولم يخطر لهم ذلك أصلاً.
لكن عبد الخالق وما أن ورد خبر الاعتقال، حتى طلب من طه الذى كان قد وصل آنذاك الاسراع بنقله الى منزل خالٍ من السكان. والواقع أن عبد الخالق كان قد اقترح ذلك قبل مغادرة بيت حسن الكد، إذ يبدو أن إقدام النميرى على إعدام قادة الانقلاب من العسكريين، وعلى البطش بالمدنيين، جعله يفكر جدياً فى تسليم نفسه للسلطة المهتاجة، والتى قدر أنها لن تبرأ من سعارها، أو تتوقف عن دمويتها وبطشها بالشيوعيين والقوى الديمقراطية، إلا بالقبض عليه. وقد حاول طه، جهد طاقته، أن يثنيه عن قراره ذاك، إلا أنه تمسك به كقرار نهائى. فطلب منه طه التريث حتى يتم تدبير منزل مناسب، لكن عبد الخالق واصل إلحاحه على أن يتم ذلك فوراً فخرج طه وأجرى اتصالات نتج عنها، على عجل، تدبير منزل أهله على سفر. ".. ويمكن القول هنا أن عبد الخالق كانت تشغله فى تلك اللحظات .. الطريقة التى يفدى بها حزبه ورفاقه، حتى اٍذا اقتضى الأمر تسليم نفسه لموت محقق. ويمكن أن يقال .. إنه كان يفكر فى تقديم نفسه قرباناً لحزبه، ولكنه لن يكف عن أن يكون شهيداً لهذا السبب .. فإن جميع الشهداء بالمعنى الواسع للكلمة هم بطريقة ما وبمعنى من المعانى قرابين".
ولا بد أن عبد الخالق قد أحس بصورة أو بأخرى أن الأمر قد قضى، وأن الخناق أصبح يضيق تماماً، فلم ينتظر، حيث غادر منزل قطب حزب الأمة على عجل برفقة شقيق فائزة أبوبكر،التى قالت "لم يأت أى أحد ليغادر معه ولكن ذهب معه معاوية شقيقى وقد كان وقتها وزير دولة وفيما بعد أصبح وزيراً للتشييد والأشغال وتوفى عام 1978، وكان صديقاً لعبدالخالق، وقد ذهب معه سيراً على الأقدام الى المنزل الذى انتقل اليه، والذى كان قريباً من منزلي، "
هكذا انتقل عبد الخالق، فجر الأحد الخامس والعشرين من يوليو، إلى هذا المنزل الأخير الذى سيعتقل منه، والذى دبره المرحوم عثمان مصطفى عبد الرحمن ، أحد أعضاء فرع الحزب بأب روف، ويمتهن حرفة النجارة، والذى تؤكد فائزة أنه بذل قصارى جهده من أجل تأمين عبد الخالق، وقد وقع اختياره على ذلك المنزل باعتبار أنه لا تحوم حوله أية شبهات، وأنه مملوك لعمه المرحوم الطاهر حاج حمد الذى كان وقتها يرافق زوجته فى رحلة علاج بالقاهرة.
imported_فيصل سعد
25-06-2008, 08:13 AM
الدايات - أمدرمان
شوقي بدري
الابن/ الأخ أمير الشعرانى كتب موضوعا جميلا عن الدايات أمدرمان . ولكن يبدو أن بعض المعلومات قد حجبت عنه . ويمكن وأنا فى السويد أقول من الذاكرة . قديما لم تكن تذكر كلمة داية بدون أن تذكر السيدة المشلى . وهى أول قابلة قانونية فى السودان متدربة. وأتت الى السودان مع بداية القرن الماضى . وكالعادة يشاد بكثير من الناس بحق أو غير حق وينسى أصحاب الوجعة الأصليين .
اقتباس
(الدكتور عبدالرحمن عتبانى ، المؤمن بفكرة قيام المستشفى بلا حدود، كي يبلغ هدفه النبيل كان لا بد له أن يتجاوز الأسلوب الديواني البطئ، حيث اتصل مباشرة بالزعيم اسماعيل الأزهري رئيس مجلس الوزراء آنذاك الذي تحمس للأمر، فخصص على الفور أراض شاسعة للمستشفي والمدارس الملحقة، وشاء الله تعالي أن يولد للزعيم الأزهري ولداً بالمستشفي بعد افتتاحه بعام واحد هو الراحل محمد اسماعيل الازهري.
بعد أن استلم الدكتور عبد الرحمن العتباني أراضي المستشفي، جند شقيقه المهندس حسن عتباني لتجهيز الخرائط ومراقبة تنفيذ المباني، وقد استغرق التشييد زمناً وجيزاً بلغ ثمانية أشهر من يناير حتي أغسطس 1956م ليبدأ المستشفي عمله فعلياً بأول ولادة في 1/6/1957م، ويتم افتتاحه رسمياً في 15/6/1957م، لتنهال عليه التبرعات التي استهلها المرحوم عبد الله خليل بطلمبة مياه لري الاشجار في عام 1958م) .
الدايات ارتبطت فى السودان بست بتول ، وهى بتول عيسى ، من بنات رفاعة ومن أول خريجات مدرسة رفاعة . ولقد عملت بطريقة متواصلة ومتبرعة كمعلمة فى مدرسة الدايات لمدة سبعة وستين سنة . ولهذا كرمتها الأمم المتحدة كأعظم قابلة . ولم تكرم فى السودان .
ست بتول كانت قوية ممشوقة القامة ، شاهدتها فى سنة 1960 وهى متقدمة فى السن ، تحمل الكوريك لفتح جدول بعد المطر . وهى والدة الرجل النبيل الصناعى ادريس الهادى صاحب الورش فى أمدرمان ومصنع اللحام والهواء السائل . من أبنائه أحمد ومحمد وعلى . وحفيدتها متزوجة من كمال عبدالكريم ميرغنى . وكانت تسكن فى السردارية أمدرمان على بعد ما لا يزيد عن أربعمائة متر من مدرسة الدايات . وجارتها اللصيقة ، وفى المنزل المجاور من الجهة الشمالية ، كانت ست السرّة أو حاجة السرة ، وهى قصيرة القامة نحيفة مشلخة ، هادئة . ولها بنت بالتبنى بيضاء اللون .
من الدايات المشهورات قديما فى السودان ، وزنو ، بت التمّارى ، ست دنيا . وهى امراة جهورة الصوت ، تثير الرعب حتى فى الرجال . وزينب جالدونق ( والتى تعنى بلغة الشلك : الرجل الكبير) والتى حاربت ختان البنات بعنف ، على عكس أغلب الدايات اللائى صرن ثريات من جراء ختان الاناث ، عدلة النفاس ، وعدلة الموت . ومن عملت كذلك بتفانى الخواجية هيلبس . أشهر داية على الاطلاق كانت الخالة قسايا والدة الأخ عبدالقادر الحبر .
القول بأن الدكتور عبدالرحمن عتبانى هو الذى انشأ الدايات ، قول خاطىء .لأن دكتور عتبانى لم يكن من الرعيل الأول الذيت تخرجوا فى العشرينات أمثال على بدرى ، ومحمود حمد نصر الذى هو كذلك من رفاعة ، وحسين أحمد حسين الذى أشتهر كطبيب عيون ، وشقيقه أول مديرى البوليس . والمثل يقول ( العين بحسين ) اشارة الى دكتور حسين ، وان كان الصحيح هو العين باليغلب حسين . ومن ذلك الرعيل الدكتور التجانى الماحى ودكتور الباقر ثم تلاهم دكتور النور عبدالمجيد ودكتور نابريه ..... وكثيرون . وأشتهر عبدالعزيز نقد كحكيم باشى أمدرمان بالشورت الأبيض والشرابات . وفى أيامه كانت المستشفى تعمل كالساعة السويسرية وكل شيىء فى مكانه ، والأكل والعلاج مجانى للجميع . وعندما كان الأستاذ عبدالرحمن على طه وزيرا للمعارف ، وعلى بدرى وزيرا للصحة ، وهذا فى أيام الاستعمار ، كانت ميزانية الصحة والتعليم أكثر من 25 % من ميزانية الحكومة . والأستاذ عبدالرحمن على طه طرد وكيل الوزارة البريطانى من عمله . وطلب من صهره على بدرى أن يطرد وكيل وزارة الصحة البريطانى اذا اعترض .
والقول أن أخيه المهندس عتبانى قد قام بالبناء ، هذا قول خاطىء أيضا . لأن المنشآت الحكومية كانت تدرج فى خطة البناء وتنفذها مصلحة الأشغال . ولا ترتبط بشخص . ومدرسة الدايات بدأت فى العشرينات وليس فى سنة 1957 كما ذكر العزيز أمير . ولمحاربة دايات الحبل . والحبل يا سادتى هو حبل يربط فى مرق الغرفة لكى تشد الحامل نفسها وهى باركة . وتضع الداية قدمها على ظهر الحامل وفردة قديمة حول البطن حتى تساعد عملية الولادة . ونسبة للضغط وتعقيدات الختان الفرعونى ، قد يحدث تمزق حتى بعد اكمال القطعة والوربة ( عملية الفتح ). وكثيرا ما يؤدى هذا الى الناسور البولى ، وهو عدم التحكم فى البول ، ما يجعل النساء معزولات . وهذه المشكلة موجودة بكثرة فى الصومال وأثيوبيا . ودكتور أبّو كان أول من التفت الى هذه المشكلة وطلب بابتعاثه الى انجلترا للتدرب على العملية البسيطة . ثم تدربت دايات على يده .
الدايات كانت تحد بدار الرياضة من الجنوب ، ومنزل آل سوار الدهب ومنهم أسامة الذى كان فى عمرنا . ومنزلهم كان يستقبل كثير من الزائرات ويطرق الباب باستمرار لطلب شربة ماء أو ابريق وضوء لأن منزلهم هو المنزل الوحيد الذى كان يواجه بوابة الدايات الجنوبية . ومنزلهم كان من الطرطشة السوداء . وواجهوا مسؤليتهم الأمدرمانية بنجاح .
ومن الشمال الغربى كان منزل حاج الأمين ، منهم الشاعر عبدالمجيد ، وفاروق وآخرين . وحبوبة حميدة ست العرديبة ، والدة أحمد هبّار ، أبو الأمينة ، وأبو بكر حاج الأمين ( طكس) . ويليهم منزل العم الطيب والد القائم مقام الزين حسن ، وعمر الطيب لاعب الموردة وآخرين . ثم منزل المفتش . وبالرغم من أن حائطه من الجالوص الا أن المنزل حوى على حديقة غنّاء. وبعد منزل المفتش هنالك مدرسة المعلمات المشهورة . ومن الجهة الغربية واجهت الدايات مكاتب الحزب الجمهورى الاشتراكى ، وحتى الستينات كان حمزة فراش النادى يبيع شربات الليمون من أمام المكتب فى أيام مباريات الكورة .
لقد نشأنا فى أمدرمان ووجدنا الدايات كمؤسسة قديمة متواجدة ، والترام كانت له محطة أسمها الدايات . وهى المحطة التى بين السردارية وكاس كمرى.
المبنى الذى شيّد بعد الاستقلال مباشرة هو الزائرات الصحيات . وهذا المبنى الذى يقع جنوب الدايات وعلى نفس شارع بوابة عبدالقيوم .
الأخ العزيز عبدالرحيم الشيخ ( ود النخيل ) ، وهو وشقيقه ابراهيم الشيخ رحمة الله عليه من ظرفاء أمدرمان . وخيلان محمد والفاتح ومصطفى النقر لاعبى الكرة ، ذكر فى برنامج دكتور عوض التلفزيونى أنه ولد فى مستشفى الدايات . ومنزلهم على بعد خطوات من المستشفى . وأظن أن الأخ عبدالرحيم مولود سنة 40 أو 41 . وهنالك من هو أكبر منه فى أمدرمان ولدوا فى الدايات .
البريطانى هوفل ، وهو اخصائى أمراض النساء والولادة بمستشفى أمدرمان فى العشرينات والثلاثينات هو الذى قدم كثيرا للدايات ، وتعليم الدايات . ولقد كان فى أمدرمان اثنين من التيمان عاشوا حتى السبعينات عرفوا بتيمان هوفل ، أو تيمان الاسبتالية ، وكانا ينامان فى الركن الجنوبى الشرقى . ويبدأ أحدهم الكلام ويكمله الآخر خاصة الشتائم . أحدهم طويل والآخر قصير . بعد رجوع هوفل لأهله طردا من المستشفى . وأمهما تركتهما فى المستشفى بعد الولادة . وتكفل دكتور هوفل برعايتهما ، ووجد كثير من الدايات أسر لأطفال هجرهم أمهاتهم بعد الولادة .
عندما بدأ يوسف بدرى عمله كأول صيدلى فى الثلاثينات ، أصطدم بالماترونة الانجليزية التى كانت تتدخل فى عمله ، لأنها كانت تحب مستشفى أمدرمان وتتفانى فى خدمته ، وعندما طلب منها يوسف بدرى عدم التدخل ، اشتكت لدكتور هوفل الذى قال ليوسف بدرى أنها ككل السيدات تحب أن تسيطر فى منزلها ، وهى تحسب أن المستشفى منزلها . وعندما قال ليوسف بدرى ( مرتك فى البيت مش هى العاوزة تقرر ؟) ، رد يوسف بدرى بأنه غير متزوج . فضحك دكتور هوفل وقال ( عشان كده . بعدين لمن تعرس حتعرف ) . الدكتور هوفل كان رجلا نبيلا متفانيا . ولسوء الحظ ان الانجليز كانوا يؤدون عملهم خير منا . ومدرسة الدايات تدين له بالكثير .
التحية
شـــوقى
Ismat
25-06-2008, 02:25 PM
البد يع الفنان ..العزيز فيصل سعد..
اعلم انك شذى فواح العطر.وانت تضوع بكل ذلك العتق..ياصديقى..اعدتنا لصفاء تلك الايام.المرافىء حيث كانت الاتكأه على ازهار ربيع الدنيا..وانفاس ذلك اللهيب السحر..إستنشاق مسترسل حين يطل القمر من خبايا غفوته.وينشر ضيائه اللجين ..ويغطى كل مكامن الوجدان..وهو ينقر على اهداب الرؤيا.اان تعجل بفتح كل البوابات..
فيصل..
انت تعيد ظلال الماضى من اول..يعطيك العافيه..فهذا إبحار عكس التيار فى قدرات بالغة الاعجاز..
كم اشجانا ذلك واسعدنا .وزرع فى جدب ايامنا زهور مترعة من ندى الماضى..
فيصل..
ما اروعك.وانبلك..وانت تسقى بكل ذلك المد المزن..عميق المحبه..وكثيف الاعزاز؟؟؟
imported_فيصل سعد
30-06-2008, 05:55 AM
كثيف الود و التقدير ايها الحبيب الاديب الاريب
و الشكر الجزيل على الاطراء و الثناء و دا من اصلك
و معدنك الطيب الاصيل و تاكد باننا تلاميذ مدرستكم العامرة التليدة.
imported_فيصل سعد
14-07-2008, 02:14 AM
معلقة الإشارات/محمد عبد الحي
الاربعاء 15 يونيو 2005
غيداء
معلقة الإشارات
(قصيدة نبوية فى مقَــام الشّعــر وَ التاريـــخ)
1- إشَــــارَة آدَميَّـــــــة
بِالأسْمَاءْ
نَسْتَدْعى العَالَمَ مِن فَوْضَــاهُ :
البَحرُ. الصّحْرَاءْ.
الحَجَرُ.الرّيحُ.الَماءْ.
الشّجَرُ.النارُ.الأُنْثَى.
والظّلمَةُ. والأضــواءْ.
ويجىءُ اللهُ
مُلتَفّاً بالأسْمَاءِ الحُسْنى – بالأسْمَاءْ.
هَذا مَوْلِدُ رؤيَاه
2- إشــــارة نوحِيّــــة:
أكادُ أنُ أصْرُخَ فى وجه الإلهْ
كيف استَرَحْتَ بَعد أن أَطلقتَ
مِن عقالِهِ رُعبَ الميَاهْ
على حُقولٍ نَزَعَتْ بقطراتِ
عَرَقِ الجَبينْ
عَبْرَ مَفَازَة السنينْ
شريحةً مِن خُضْرَةٍ
من بِين فكَّىْ أسَد الَمحْلِ؟..
: لَماذا يبدأ الَمتاهْ
ثانَيةً ؟ لكنَّنى أقولْ.
وكلُّ شىءٍ مالَ للأُّفولْ :
يا برقُ أبرقْ
فى دُجَى غَضَبه
لكى تنيرَ هذه القصيَدهْ :
المرْكبَ الحُبلَى بكلَّ ضعْفِنَا
وشوقِنَا لأرضِنَا القديِمة الجَديدهْ.
3- إشارَة ابَراهيميّـــــة :
هَل سَيأتى؟
هل سيأتى عبَر ليلِ الكَلامِ؟
عبَر صَمتِ الكَلامِ
والوردةِ الكوكَبيّهْ
فى مَركَز الليَّلْ
لامعاً مثلَ صَفحَة السَّيفِ
فى لحمِ الظَّلامِ؟
هلْ سَيأتى مَلاكُكَ الآخرُ الليلةَ ؟ إسْمَع!
صَرخةُ الصَّقْر ، والبَشائُر الوَحشيهْ.
رغوة’’ من دماء كَبشٍ ذبيحٍ فى بُروجِ النُّجومْ.
وخيول’’ نورَّية’’ فى الغيومْ
لُغَة’’ فى الرياحِ من لَهَب أخضرٍ عَلى الأشجَارْ
طائرُ الليلِ هارباً يستحيلُ رمَاداً
فىِ مَرايا النَّارْ
4- إشارَة مُوسَويَّة :
الرمَادْ
فى الصباحِ البِكرِ يِلتمُّ ويعلُو
شجراً أخضرَ فى النور النَّقىْ
ثمراً أحمرَ فى الغُصْنِ النَّدى
طَائراً أبيضَ ، ينبوعاً سَخىْ
كلُّ شىءْ
حُلُم’’ يخبر’ عن أرَضِ الَمعَادْ
5- إشارَة عيسَوية :
هذا رنينُ قدمَ الفجر عَلى التّلال وَالأشجارْ
يخبرُ كَيفَ مرَّت الرِّياحُ علَى القيثارْ
واعتنقَ الملاكُ والعذراءْ
تحتَ سُقوف النّارْ
وضَجَّةِ الشارعِ والغبَارْ –
وافْتَرقا
إلى سمائِهِ ، وَهىَ إلى جَسَدِهَا المقهُورْ
وبَدَأتْ أغنيةُ الدمِ التى تُضِىءُ فى حنجرِة العُصْفورْ
6- إشارَة محَمَّديَّـــة :
فَاجَأتْنا الحَديقةْ
فاجأتْنَا الحَديقةُ
انعقَدتْ وَرْداً ونَاراً فىِ قلبِهَا الأضْواءُ
والخيولُ النُّوريُّة البيضَاءُ
والطّواويسُ نَشَّرتْ
فى بِلاد الصَّحوِ ريشاً مُنَسَّجاً
كلُّ شىء فى غصونِ الحقيقَةْ
آسُ نارٍ ، وموجَة’’ فى بِحَارٍ عَميقةْ
منْ لهيبٍ ومن جَمَالٍ ويُمْنٍ
يَسقط’ الطّيْرُ قبْلَ
أن يُدرِكَ السَّاحِلَ مِنهَا
مُستَقبلاً فى ابتهاجٍ حَرِيقَهْ.
فاجَأتنا الحَديقة’ الزّهْراءُ
أشرقَتْ فى مَركَزِها القُبّةُ الخَضْراءُ
وتوالَتْ بُشرىَ الهوَاتفِ
أنْ قَدْ وُلِدَ المصطَفى وَحقَّ الهَنَاءُ ،
واَكتَسَتْ بالنُّورِ الجَديدِ
من الشمسِ ابتهاجاً وغنَّتْ الأسْمَاءُ.
7- إشـــَارَة
شَمْس’’ مِنَ العُشْبِ ووَرْقَاوانْ
تُغَنِّيانْ
قبلَ بداية الزَّمانْ
بَعْدَ نهَايةِ الزَّمانْ
تَحْتَرِقَانْ
عَلى فُروعِ البَانْ.
imported_فيصل سعد
28-09-2008, 01:48 PM
من روائع استاذنا الراحل الدكتور علي المك :
ذهب خمسة صبية الى النهر... اصطادوا سمكة... رجعوا اسيانين الى الحي اربعة... قال النهر :
اخذو مني روحا .. اخذت منهم روحا .
imported_فيصل سعد
10-04-2010, 01:43 PM
أوائل أيام الانتفاضة و تحديدا في مايو 1985 بالميدان الشرقي بجامعة الخرطوم ، كنت شاهدا و مستمتعا باناشيد و الحان وردي "يا شعبا تسامى يا هذا الهمام" ، "حنبنيه البنحلم بيه يوماتي" و كانت فرحة النصر بجلاء دكتاتورية مايو و شرها عميقة و مفرحة لشعبنا العظيم عاشق الحرية ، لا سيما المناضلين و المظاليم و الخارجين من سجون مايو ، و المتحررين من الاسر و القيود و اسر الشهداء ، و كانت بدايات التكوين و الانفعال بقضايا الامة و الحس الوطني ، و كان حماس الشباب و عنفوان التفاؤل بالغد المشرق، - و لكن الانتفاضة سرقها من سرقها، و باعها من باعها و خانها من خانها - في ذلك المساء الطيب و في تلك الندوة الحافلة ، الهب الراحل صلاح احمد ابراهيم قلوب و مشاعر جميع الحاضرين و بحماس منقطع النظير بهذة القصيدة الملحمة ، المعرية للسفاح نميري و نظامه ، بطشه و جبروته و فساده و اليكم بعض من رحيقها الخالد مهدى لكم و لحبيبنا "عصمت العالم" :
محاكمة الشاعر للسلطان الجائر
فيهم قوة فيهم نخوة
فيهم راس
وفى مجلس
رفاقا عزاز
بساط وظراف
مازى زولكم
الزهجى الظلوم الظق
خادم الباشا
دقاق المساكين دق
تيلات جدو
فى التركية فيه مرق
لا بحس بالكرامة
ولا بهمو الحق
يشتم فى البشر
أموات على أحياء
ويشتم كل مغضوب
منو فى الوزراء
وحتى الماتو أذكروا
كيف اليهم أساء
وعاد يبكيهم التمساح
وأى وفاء
غلطانين وصدقنا
الوعود الخانا
لامن شفنا ازداد
بى ورانا تخانا
عندو أمور تحت
أسأل بهاء وسخانا
مافى معاها مادامت
أمل فى رخانا
ثروات بحرنا الأحمر
تنازل فيها
زى مويتنا ما عبود
تبرمك بيها
عجبن لى حراميها
وصبح حاميها
يقهرنا ويقول للغير
أهجموا عليها
أسرع يا سليم
(سليم مستشاره الاقتصادى واحد لبنانى محتال ابن كلب)
أسرع يا سليم
ساعد أخوك عدنان
وهات الشيك
وهيك ملعون أبو السودان
خبراتنا العزيزة
الطاشة فى البلدان
طفشا بى عمايل
ما بتسر انسان
يابايع الوطن للغير
أريت لو بعتو
بالتمن النقول
يمكن يطابق نحتو
كل صاحب جنيهين
أجنبى وطمعتو
بالهوبلى خم وقال
أريتكم جعتو
ماكان العشم قط
يا الأبوك مسكين
تتكى الشعب
تدنا عليه بالسكين
باكر تفنى لكن
تبقى فينا سنين
آثار فعلتك
شوف البسامحك مين
برطعت وعتيت
شعب البلاد شحات
بددت الأمل
والمال نصيبنا فتات
وليك انت النياشين
ترقش الدهبات
سبحتو من حبال
المشنقة المرفوعة
جلابيتو من كفن
الشهيد مقطوعة
صحة عضلو
من مرض الأهالى وجوعا
الفاتورة من لبن
الرضيع مدفوعا
الرحمة بتكورك فى بلاد الغربة
والرحمة بتكورك والعمايل كعبة
فاكر رحمة الله يا أب مشانق لعبة
ولا الرب رهو منك بتدخلو رهبة
سبحان مكرو اسمو المنتقم لعبادو
واسمو شديد عقاب ويل للذين تمادو
يمهل حبلو داك سلبة وطويلن مادو
ما بهمل وقط ظلم النفوس ما واردو
يا سفاح عشان تهنأ وتعيش فرعون
يا داسى الجثث يا الفى الفجر ملعون
يا سارق الفقير مانع على الماعون
يا عارض عرض فوق البلد طاعون
قولة أضربوهم
(قالها للجامعة هنا لو تتذكروا)
قولة أضربوهم كيف يرجعا فوك
وين تلقى العدالة ودا العهدنا سلوك
أحكام ظل بلا بينة وحكم متروك
لا للمادة لكن لى مزاج صعلوك
متهمك يشر دمو وأمام القاضى
يضربو فيه بكفيهم وفخامتك راضى
كيف يتهنا جفنك ساعة بالاغماضى
من يوم يندهوك ويواجهوك بالماضى
ما تتحوى بى آيات عزل معزولة
ما تغشك سبح متسولات بى قولا
ما فيش اليقيك وكتين تجيك فى تولا
نوح نوحن كثير وأطرأ القيامة وهولا
أعزل لى دجل آية وتفادى الأخرى
قالت آخر الظلم الجحيم فى الأخرى
يا العاجباك أمارتك تنقز فخرا
ربك كيدو أكبر يوم يزنقك تخرا
خلى الدين بعيد ما تجروا توب فى دنيتك
ما قال ليك جوعو عبى فى صينيتك
ما قال ليك أسرف وسف وعلّى بنيتك
وعربد وعير وعاند وخلى انسانيتك
خلى الدين بعيد ماتزيد جرايمك سيئة
راعى وبسألوك كيفن ظلمت رعية
يا الحمل الأمانة ظلوم جهول مادية
بتجيب الخبر عند البيقرا النية
إنت المُلهِم الملهَم دوام تتوطح
ما بين مهبط الحكمة وتقوم تتفولح
وين إلهامك؟ البلد التراهو ملولح
غشك ثعلبان حاجتو إنقضت واترورح
فى ضهرك طلع وطلعت إنت فى ضهرو
شيلنى وأشيلك السايس بغاير مُهرو
ينفخك إنت ناصر وإنت تيتو ونهرو
باكر تمشى فى غيرك يمارس عهرو
وين إلهامك؟ الفكر القفلت دروبو
ولا شقاوة الشعب النفضت جيوبو
ولا سقوط قيم فى جيل مفرهد دوبو
حسب الشايفو قدامو بيتم تدريبو
وين إلهامك؟ إلا إن كان كذب وأونطة
أمل الشعب فيك راح زى قتيلة الشنطة
مشدوه بى مواقفك نطة عكست نطة
زى قرد الطلح يوم يسألوك رطنت
صدق القالو منصور
نصرة ضد آمالنا
ضد أولادنا
ضد أحفادنا ضد عمالنا
ضد الشعب كلو القالو مالك ومالنا
حلال بلة من القيد يكون حلالنا
صدق السمّا قائد
للخراب والفرقة
للخلق الرزيل
لى بيع عرض للسرقة
لى سف التراب
للمحقة يوت للحُرقة
زى إبليس يقود
الساقطين للحَرقة
زى السامرى ما برضو قائد ملهم
شال عجل الدهب
قال موسى خائن مجرم
وزى قائد الضلال
مذموم صحائح مسلم
قائد ماشى وين؟؟
دربك ملولو ومظلم
رئيس لى عصابة
حاكم بالعضل بالبنية بالدبابة
تبت إيدو يحكم بى شريعة غابة
بالجمهورى صائل
فى تعابة غلابة
الأخ الرئيس
كل يوم يفاجىء شعبو
بى شيتن يمحن للبعيد والجمبو
مرماه الوحيد كيفن يوهط صلبو
فى كرسى الحكم والباقى شن يعملبو
تمثيلية فينا رئاسة بعد رئاسة
قايل الشعب بى قمبورو ولا دباسة
ماناقصلو غير يعمل عمل بوكاسا
سبورة بعضل متأبط الحداثة
ربنا وابتلانا عشان نخش الجنة
نزل لينا دجال ايدو ماكنة مكنا
جانا فى شكل منقذ مرفعين ضللنا
بى فروة حمل لمن أمِنا أكلنا
انظر نابو بى دم الشباب كيف دامى
وانظر جسمو بى تنميتو كيف متنامى
وانظر مخلبو الفوق المساكين رامى
واسمع عوتو جيعان ولا جنن رامي
فهل تدور عقارب الساعة و يتكرر المشهد،
و ينتزع الشعب حريته من براثن نظام الانقاذ،
و ينشد الشعراء القصائد الحماسية الملهبة ؟؟
imported_فيصل سعد
27-06-2010, 03:28 PM
http://sudanorg.tk/image/sudaniya.gif
imported_فيصل سعد
07-10-2010, 08:59 AM
WIDTH=400 HEIGHT=350
imported_فيصل سعد
29-07-2011, 10:17 AM
http://www.youtube.com/watch?v=316_-Q28-Fc&feature=player_embedded
imported_نبراس السيد الدمرداش
25-08-2012, 08:56 PM
يا حبوب عيدا يتبارك عليك وعلى عيالك وام سعد
يخليهم ليك ويفرحك بيهم
قلت امشي الارشيف وارفع البوست بمشاركه من هناك
بس للاسف الارشيف ما بيفتح معاي..ياريت تواصل يا حبوب
ناصر يوسف
27-08-2012, 10:04 AM
نبراس ،،، شكراً ليك والله علي رفع هذا البوست الغني والتريان بالحيل بكل ما يحمله
شكراً مرة تانية يا فيصل علي العناية المُركزة البتعملها فينا ياخ
فذاكرتنا تحتاج إلي بعض الترقيع
البوست ده لو قريتو لوحده هنا لكفاني والله ،،، يا ريت لو الكُل يدلف إلي بهو هذا المفترع الرحيب يا ريت بـــــس وأهو بنتمني
آيات مبارك
27-08-2012, 10:15 AM
نبراس ،،، شكراً ليك والله علي رفع هذا البوست الغني والتريان بالحيل بكل ما يحمله
شكراً مرة تانية يا فيصل علي العناية المُركزة البتعملها فينا ياخ
فذاكرتنا تحتاج إلي بعض الترقيع
البوست ده لو قريتو لوحده هنا لكفاني والله ،،، يا ريت لو الكُل يدلف إلي بهو هذا المفترع الرحيب يا ريت بـــــس وأهو بنتمني
أُثني ياناصر .. وشوق كميات
.. فعلاً بوست مفعم بخلاصة رحيق سودانيات
فكرة جميلة
خالص تحياتي وإحترامي فيصل ومشتاقين
ناصر يوسف
27-08-2012, 11:48 AM
أُثني ياناصر .. وشوق كميات
.. فعلاً بوست مفعم بخلاصة رحيق سودانيات
فكرة جميلة
خالص تحياتي وإحترامي فيصل ومشتاقين
آيات بت عمي ،،، الشوق ثُم الشوق ،،، فالشوق أكبر
ومعاك ليظل هذا البوست فووووووووق
imported_محمد الطيب يوسف
28-08-2012, 03:03 PM
بوست مثل السجاد الايراني جمع كل الألوان ولكنه خلق لوحة بديعة يصعب تكرارها شكرا فيصل سعد
imported_فيصل سعد
28-08-2012, 03:47 PM
نبراس
ناصر
آيات
محمد
لكم التحايا و الود المقيم .. شكرا لمروركم بهذه اللوحات
و نحي اصحابها لهم الشكر المستحق في مواصلة العطاء ..
اشرف السر
09-09-2012, 10:31 PM
قصص قصيرة جداً (( ممنوع إصطحاب الأزواج )). (http://sudanyat.org/vb/showthread.php?t=822)
imported_جيجي
09-09-2012, 11:32 PM
قصص قصيرة جداً (( ممنوع إصطحاب الأزواج )). (http://sudanyat.org/vb/showthread.php?t=822)
لا حولالالا
يعلم الله يا اشرف قددت عيوني بالسهر
اشرف السر
10-09-2012, 10:08 PM
:D:D دي سودانيات واجرك على الله
دايرني اساهر براي ولا شنو؟
imported_أبو أماني
12-09-2012, 09:43 AM
سلام ليك ولآل بيتك الكريم وكل الكرام حولك داخل وخارج سودانيات .. شوقي بدري وشوقي لا يحد .. تهت في سراديب هذا السفر البديع .. وفي نهايته تآسيت على الذي كان .. وكيف يتواري عمل أدبي خرافي كهذا عن الأنظار ..
imported_فيصل سعد
12-09-2012, 11:14 PM
سلام ليك ولآل بيتك الكريم وكل الكرام حولك داخل وخارج سودانيات .. شوقي بدري وشوقي لا يحد .. تهت في سراديب هذا السفر البديع .. وفي نهايته تآسيت على الذي كان .. وكيف يتواري عمل أدبي خرافي كهذا عن الأنظار ..
سلامات ابن عمنا الكريم و لك التحايا الباذخات و سلاما
لك و لعموم الاسرة الكريمة .. حفظكم الله و ادامكم
عنوانا للخير و المحبة ..
vBulletin® v3.8.8 Beta 2, Copyright ©2000-2026