مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في مذكرات محمد المكي حول تاريخ الغابة والصحراء
عجب الفيا
13-12-2006, 03:14 AM
قراءة في مذكرات محمد المكي حول تاريخ الغابة والصحراء
السودان ثقافيا وعرقيا بلد عربي افريقي او أفريقي عربي ان شئت . هذه الحقيقة التي لا تتناطح فيها عنزتان - كما يقال - ظل مثقفو السودان يتناطحون حولها منذ فجر الاستقلال حتي اليوم . هذه الحقيقة التي تمشي على رجلين ، هي باختصار ما اراد نفر كريم من ابناء هذه الامة التعبير عنه في بدايات عقد الستينات من القرن الماضي ، من خلال رمزية " الغابة والصحراء " . واكتشاف هذه الحقيقة ، كما يقول محمد المكي ابراهيم " امر ممعن البساطة ولم يكن بحاجة لعبقرية او تحليل متعمق " . فليس للغابة والصحراء " أي فضل في خلق الثقافة السودانية فهي حقيقة وجودية سابقة لذلك التيار بل ان الغابة والصحراء تدين بوجودها للثقافة السودانية بحكم انها مجرد توصيف لما هو كائن في الثقافة وليس فرضا لواقع جديد على تلك الثقافة ."
ولكن برغم هذه البداهة لا أعرف حركة فكرية وثقافية، نبيلة المقاصد ، تعرضت للتشويه والتبخيس و التجني وسوء الفهم والتخريج ، من اهل اليمين واهل اليسار على السواء ، كالذي تعرضت له جماعة الغابة والصحراء .
بعض اصحاب اليمين وغلاة العروبيين رأوا فيها محاولة علمانية " لتحجيم انتماء السودان للعروبة والاسلام " وبعض أهل اليسار وغلاة المتأفريقين رأوا فيها تكريس لواقع غلبة الثقافة العربية والدين الاسلامي . وفريق آخر يضم ثلة من هؤلاء وثلة من اؤلئك أدركوا عبقرية وواقعية هذه الصيغة في وصف حال السودان الثقافي والاثني فاسكثروا ذلك على اصحابها وودوا لو كان لهم فضل السبق الى ذلك الاكتشاف ، فسعوا الى وأد الفكرة والنيل منها بشتي السبل حسدا ، والحسد في دنيا الثقافة والادب فنون .
كل ذلك اصاب اصحاب الفكرة باحباط مبكر ، دفع بهم الى هجر حلبة الصراعات الفكرية الثقافية والناى بانفسهم عن الخوض فيما ظل يحتدم من لجاج وجدل حول قضايا الهوية لاعتقادهم ان الامر من البداهة بحيث لا يستحق كل هذا اللجاج والخصام .
و بعد صمت دام اربعين عاما قرر الشاعر والمفكر السوداني محمد المكي ابراهيم ان يكتب ذكرياته عن نشوء أهم حركة فكرية حاولت ان تاسس ثقافيا واثنيا للسودان كبلد عربي افريقي او أفروعربي . وذلك في الحلقات التي بدأ نشرها منتصف هذا العام المنصرم بصحيفة ( السوداني) تحت عنوان : "التاريخ الشخصي للغابة والصحراء " .
وحيث ان الوعي بالذات ينشا من الاحتكاك بالآخر ، فقد كانت البداية بالمانيا سنة 1962 حينما قضى احد العطل الصيفية اثناء دراسته الجامعية. حيث التقي هنالك بزميله الشاعر النور أبكر وتدارسا سويا في حقيقة الانتماء الثقافي والاثني للسودان .
كانت المانيا في تلك الفترة تعيش الاحساس " بروح الندم والتكفير عن خطايا " حروبها النازية ذلك الاحساس ولد روحا شعبيا عاما متسامحا مع الاجانب . " في ذلك المناخ الودود كان سؤال الهوية مطروحا على الدوام وكان أناس لطيفون خرجوا من تحت أنقاض الحرب يريدون أن يعرفوا اذا كنت زنجيا من أفريقيا او عربيا من الشرق الأوسط ، وحين تقول أنك عربي كان نفس الأشخاص الطيبون يصارحونك ان فكرتهم عن اشكال العرب كانت مغايرة تماما .وبالمقابل لم يكن يسيرا عليهم ان يفهموا ان اشخاصا يتفاهمون بينهم بالعربية يمكن ان يكونوا زنوجا افريقيين او أن أناسا سودا يمكن ان يكونوا عربا تماما مثل عبد الناصر وملك الأردن الشاب المحبوب."
هذه التساؤلات فتحت اذهانهم على حقيقة انتمائهم كسودانيين . وبعد تفاكر وتدارس اهتدوا الى انهم خلطة جميلة ومتفردة من أعراق عربية وأفريقية وهداهم حسهم الشعري الى وصف هذه الخلطة " بالغابة والصحراء " وكانت هذه التسمية من ابتكار النور عثمان ابكر .
ترك محمد المكي ، النور ابكر بالمانيا وعاد الى السودان لمواصلة دراسته بالجامعة حيث فكر في تاسيس حركة شعرية انطلاقا من مفهوم الغابة والصحراء . في صباح أحد أيام اغسطس 1963 نقر باب غرفته اثنان من الشباب راح أحدهما (يوسف عيدابي) يقدم نفسه ورفيقه: " نحن شاعران ونريد أن نتعرف بك ونقرأ لك.أنا يوسف عيدابي من كلية الحقوق وهذا صديقي محمد عبدالحي وهو حاليا في كلية العلوم. "
و سرعان ما انضم اليهم عدد كبير من اصدقاء يوسف ومحمد عبد الحي على راسهم الشاعر على عبد القيوم والمعماري الفنان صابر ابو عمر والبروفسور طه أمير. الا ان المجموعة تعرضت لهزة قوية حين غادر يوسف عيدابي السودان للدراسة بالخارج حيث بقي الى ان نال درجة الدكتوراه . بينما توثقت العلاقة أكثر بين محمد المكي ومحمد عبد الحي .
وكان الميلاد الحقيقي للغابة والصحراء اثناء مكوث الاثنيين لقرابة الشهر في بيت جدة محمد عبد الحي بالخرطوم بسبب قفل الجامعة في أحد الاضرابات . حيث " شرعنا في تعميق الفكرة وإضاءة جوانبها وأطلعت محمدا على بعض الفصول التي سجلتها من كتابي عن الفكر السوداني وهو محاولة لاستكشاف العناصر المكونة للثقافة السودانية في بدايات تخلقها في العصر الفونجي..و بينما كنت اجاهد متنقلا بين المادة الخام لذلك البحث واعداد مخطوطته الأولى كان محمد ينغمس في اعداد واحد من اهم اعماله واحقها بالخلود فقد كان يكتب قصيدته الكبرى عن (العودة الى سنار) وما كادت عطلتنا الاجبارية تنتهي حتى كان محمد قد فرغ من مسودتها الأولى . "
ولكن لماذا سلطنة الفونج ؟ لماذا سنار " السلطنة الزرقاء " وليس مروى او نبتة او كرمة ؟
يقول محمد المكي :
" ان المسالة ليست يانصيبا جزافيا ولا هي خاضعة لأحكام الهوى الشخصي، فواقع الحال ان السلطنة الزرقاء بداية حقيقية للسودان الحديث وهي تاريخ حي متحرك وليست جزءاً من التاريخ الميت المنبت .وكان يسعدنا ان تكون البداية من مروي او كوش لولا ان تلك الحضارات الباهرة بادت مفرداتها واصبحت جزءا من لحمة الماضي وانضمت لغاتها الى اللغات الميتة بينما قامت السلطنة الزرقاء بضم بلادنا الى عالم جديد هو عالم الثقافة العربية التي لا تزال حية ومتفاعلة في وجداننا. واصبح علينا ان نستخدم المفردات الجديدة لندون موقفنا الحضاري ، بتشكيلنا للثقافة العربية واعادة صياغتها في لبوسها الأفريقي الناشيء عن المناخ السوداني."
وقد اهتدوا في تشكيل الثقافة العربية في لبوسها الافريقي السوداني بمحمد المهدي المجذوب
" الاب الاكبر للحداثة السودانية " الذي سبقهم "وسبق جيله الاجيال اللاحقة باعترافاته الباهرة بالدماء المزدوجة الاصول التي تجري في عروقه كقوله لمؤتمر الأدباء العرب:
عندي من الزنج اعراق معاندة
وإن تشدق في إنشادي العرب
كان هدفهم نحت بلاغة جديدة من جسم اللغة العربية للتعبير عن الوجود السوداني وتوطينه داخل الادب العربي . " اريد ان اكون شاعرا سودانيا قبل كل شيء وأن افرض ذاتي على اللغة العربية واتخذ لنفسي مقعدا خاصا في محفل الثقافة العربية. " وان يتم كل ذلك في جو " من الفخر والاعتزاز وليس في إطار من الاعتذار او عمى الألوان ."
مما يشد الانتباه في حديث محمد المكي ، ان اثنيين من الشعراء يعدهم بعض مؤرخي الادب ضمن تيار الغابة والصحراء الشعري هما صلاح احمد ابراهيم ومصطفى سند ، كانا قد هاجما هذا الاتجاه علنا في بدايته . لقد كان صلاح يظن ان هذا الاتجاه " نسخة أخرى من حركة الزنوجة التي قادها سنغور وايمي سيزار " ودار سجال مشهور بينه والنور عثمان أبكر حيث كتب الاخير مقاله: (لست عربيا ولكن)، فرد عليه صلاح بمقاله: (بل نحن عرب العرب). ولكن محمد المكي يرى ان ذلك السجال لا يمثل الموقف الحقيقي لصلاح بل ان شعر صلاح الذي يتقدمهم زمنيا ، كان رائدا لهم واخذوا عنه ، هو والمجذوب ، الطابع السودانوي للشعر . ولعلهم استلهموا الكثير من ديوان " غابة الابنوس " لصلاح .
ما يؤكد رأي محمد المكي ان الدكتور عبد الله بولا سأل صلاح عن هذه المقولة المسرفة " نحن عرب العرب " فرد عليه ان ذلك كان نتيجة موقف عاطفي مع العرب اثر الشماتة عليهم عقب هزيمة حرب 1967 وحين سئل فيما بعد في باريس من انت ؟ أجاب أنا الهجين عنترة !
اما سند " فان هواه العروبي جعله يتوجس منا ظانا اننا ضد العروبة وتجلياتها السودانية غير عالم اننا اقرب الناس اليه فنا وفهما." وكان سند يردد ان قصائد محمد المكي هي محاكاة للشاعر الفرنسي بودلير الذي كان يتعشق امراة خلاسية: " بينما انا - وهو وكافة معشوقاتنا - خلاسيون من ارحام عرب - أفريقية وقد مضى اسلافنا على ذلك النهج قبل ان يولد بودلير بألف أو بخمسمائة عام على أسوأ الفروض."
والحقيقة ان الدارس لشعر سند لا يملك الا ان يصنفه ضمن هذا التيار ويكفي دليلا على ذلك ديوانه "البحر القديم " الذي صدر في تلك الفترة .
و لعل أعنف نقد وجه للغابة والصحراء، مؤخرا ، صدر عن الدكتور عبد الله علي ابراهيم . فهو قد نفي بشدة ان يكون سكان شمال السودان عرب افارقة واصر على عروبتهم الخالصة وثقافتهم العربية الخالصة وذهب الى حد القول ان وصف سكان شمال السودان بكونهم افروعرب انما هي دسيسة روج لها المستشرقون .وان ينابيع الغابة والصحراء ترجع الى كتابات مكمايكل وترمنغهام عن السودان .
وجاء رد محمد المكي على ذلك ، في شيء من المرارة ، ودون ان يذكر الدكتور عبد الله بالاسم . قائلا : " ان ذلك الاكتشاف امر ممعن البساطة ولم يكن بحاجة لعبقرية او تحليل متعمق او قراءات في أدب المستشرقين أو تأثر بهم . وبين هلالين أقسم برأس أبي انني لم أقرأ حتى اليوم ترمنجهام وذلك الآخر الذي روجت ألسنة السوء أننا قرأناه وتأثرنا به ." ويضيف ان تلك : " الفرية مقحمة اقحاما ليذكرنا مروجها انه متمكن عظيم الباع وأنه ليس أقل من ادوارد سعيد مقدرة على نقد الاستشراق والمستشرقين وإظهار ما هم عليه من التفاهة وحقارة الشأن وكل ذلك إثباتا لعبقرية انا كنت ذات يوم ممن يتوسمونها في مروج تلك الافتراءات ".
واستدلالا على ان الآفروعربية ليست تحديدا لانتماء فردي بقدر ما هي بحثا عن القواسم المشتركة لانسان السودان ، يقول محمد المكي : " فقد كان صديقنا محمد عبد الحي عربي السمت بصورة صارخة ومع ذلك اضطلع بدوره التأسيسي في حركة الغابة والصحراء بينما اختار الدكتور (الاخدراني) ان يقف على الجانب الآخر ساخراً هازئاً من القائلين بالهجنة واختلاط الانساب. " وذلك في اشارة الى الدكتور عبد الله لنكرانه حقيقة التمازج العربي الافريقي في السودان .
ومن العوامل التي يرى محمد المكي انها ساعدت على احياء و ترسيخ الطابع الافروعربي للثقافة السودانية حركة اغتراب السودانيين الى بلدان النفط العربية . فقد القت " ضوءاً كاشفاً نزع عن عيون السودانيين غطائها وزودهم ببصر حديد " بخصوصية وضعهم وتميزهم بين العرب .
اما بازاء الاستقطاب الحاد الذي ساد الساحة الثقافية والسياسية نتيجة بروز تيار السودان الجديد ، يرى محمد المكي ان الافروعربية تنهض كخيار وسط بين دعاة الافرقة الخالصة والعروبة الخالصة . فهنالك " شبه كبير بين غلاة العروبيين وغلاة المتأفرقين فكلاهما ينظر الى السوداني عربياً خالصاً-هذا ليحشره رغم أنفه في الكتلة العروبية وذاك ليتبرأ منه ومن الأصول التي نمته. ومن يتأمل الجنجويد وحديثهم المبالغ فيه عن (الزرقة) يضحك ضحكاً مراً على النزاع ومبرراته فليس اشد زرقة من واحدهم سوى الآخر، وممكن جداً تبادل المواقع بينهم فيكون بعض الجنجويد افحم سوادا من أعدائهم في المعسكر الآخر."
ومن الذين وقفوا مع هذا الاتجاه الشعري يذكر محمد المكي ، الشاعر عبد الله شابو الذي شملهم بعطفه ونصحه و كان وجوده الشخصي في الاطار الجامعي مصدراً لإشعاع فني وانساني لهم .
ويذكر بمزيد من المحبة ، صديقه ،علي عمر قاسم ، والشاعر الغنائي المبدع عثمان خالد و علي عبد القيوم ، وعبد الرحيم ابو ذكرى الذي يقول انه يشترك معه في نفس المنطلقات. ومن بين الشخصيات المضيئة التي رعت أو اكدت اتجاهاتهم الفنية يذكر الدكتور ابوسليم ، و الدكتورخالد الكد .
ومن علامات صمود هذا الاتجاه الافروعربي ، كما يقول محمد المكي ، انه استطاع ان يجد انصاراً بين الأجيال اللاحقة يذكر منهم الاديب والصحفي البارع صلاح شعيب وشخصي . وليسمح لي القاريء الكريم ان اورد بعض مما قاله محمد المكي فقط من باب حفظ الجميل وعرفانا لفضل مفكر وشاعر عظيم في الاحتفاء بشباب هم في سن ابنائه ، يقول : " اخص بالذكر نموذجاً متفرداً هو الأديب الناقد المحقق الاستاذ عبدالمنعم عجب الفيا الذي لم يقف عند حدود التأييد والاجترار وانما مضى قدماً ليضيف الى الصرح لبنات جديدة . وما اعجبني في هذا الاديب الشاب هو تناوله للآفروعروبية من مدخل صحيح هو المدخل الفني وحسب تعبيره اعتبرها ناظماً جمالياً للانتاج الثقافي في السودان اليوم وغدا. والواقع ان نموذجه الفريد يؤكد على استمرارية العطاء الثقافي بين الأجيال " .
قطعا كل عبارات الشكر ستقف عاجزة ، ان تفي الشاعر والمفكر الكبير حقه على هذه الكلمات . وكل ما استطيع قوله هو ان مساهمتي بالكتابة في هذا المجال لا تتعدي الرغبة في رفع الحيف واجلاء سوء الفهم الذي حاق بأهم محاولة رائدة في التاسيس للتعايش والتمازج السلمي بين الثقافتين العربية والافريقية .
واؤكد ان "الغابة والصحراء" ، ليست مجرد جماعة ادبية او شعرية التقت لفترة ثم انفض سامرها ، وانما هي تعبير عن موقف وجودي وواقع حياتي متجدد ودمغة يحملها كل سوداني كالبصمة . الغابة والصحراء هي السودان . تتغير الشعارات وتتلون الرؤى ، وتتبدل الاسماء ويظل السودان هو السودان .
عبد المنعم عجب الفيا
_______
* محمد المكي ابراهيم - جريدة ( السوداني ) تحت عنوان : التاريخ الشخصي للغابة والصحراء .
عجب الفيا
13-12-2006, 03:27 AM
http://www.alsudani.info/index.php?type=3&id=2147507323&bk=1
مقالات الاستاذ الشاعر الكبير محمد المكي ابراهيم - جريدة السوداني
bayan
13-12-2006, 06:06 AM
الاخ العزيز عجب الفيا
سلامات
الغريب ان ما ذكره محمد المكي ابراهيم حول الاتفاق يتعارض تمام مع ما قاله محمد عبد الحي
على انه لم يكن يوما من اعضاء ما يسمى بالغابة والصحراء
في نفيه المذيل لمقال سلمى خضراء الجيوشي..
ثم عضد حديثه الشاعر النور عثمان ابكر في مقابلة اخرى
كتب عبد الحي
وفي هذا الأمر يقول محمد عبد الحي:
"في وقت واحد تقريباً وقبل أن يعرفوا بعضهم البعض ـ بدأ "محمد المكي إبراهيم" و"النور عثمان أبكر" في ألمانيا و"صلاح أحمد إبراهيم" في غانا و"يوسف عيدابي" من رفاعه بقصيدة (أبو دليق) 1963 و"مصطفى سند" في أم درمان في (أصابع الشمس) 1963، و"محمد عبد الحي" في (العودة إلى سنار) 1963 في الخرطوم. يكتبون شعراً فيه بعض الملامح المشتركة التي لا تخفى الاختلاف العميق في العناصر المكونة لرؤاهم الشعرية وفي التشكيل واللغة الشعرية في قصائدهم".
وذكر النور
وقد تحدث النور عثمان أبكر في صحيفة الأيام بشأن الغابة والصحراء والبدايات مجيباً عن سؤال: في حياتنا الفكرية كانت مدرسة الغابة والصحراء إلى أي مدى تركت هذه المدرسة بصماتها؟
أتت إجابة النور عثمان أبكر على هذا السؤال:
"إن أول قصيدة كررت لفظ الغابة والصحراء وحاولت الغابة والصحراء هي قصيدة (صحو الكلمات المنسية) كتبت 1963 ـ وهي منطلقة من مقالة سجلت في شكل مذكرات نهاية 1962 ونشرت بالصحافة عام 1967 عنوانها (ليس عربياً ... ولكن) أيامها كان محمد المكي إبراهيم معي بألمانيا الاتحادية".
ثم بعد ذلك تحدث عن محمد عبد الحي وعلي عبد القيوم ومن هو واضع اللبنات الأولى لهذه المدرسة قائلاً:
"كان محمد عبد الحي وعلي عبد القيوم في بداية دراستهما. يمكن أن تسجل هنا أنني تخرجت من الجامعة سنة 1962 جامعة الخرطوم. وأريد أن أسجل شيئاً يخصني ويهمني حتى لا يتهمني أحدهم مستقبلاً بأنني زميل "محمد عبد الحي" أو "علي عبد القيوم" أو "النصيري" أو أنني شاركت في مسألة الغابة والصحراء، أود أن أسجل مقطع واحد* له دلالته بالنسبة لشعر كثير واهتمام ببعض المدن السودانية المداخل والمخارج".
من كاهن هذا المعبد أوصده
في وجه العابر والساعي؟
غرت على "سنار" رفعت ندائي غضبي
أشهر من مصباح اللؤلؤ "سنغانيب":
خزيت أرحام الموتى شبعاً، عافية، راحة بال ووساد
حتى يرفع إنسان رأسه
يرعب، يجرف اطمئنان الموت على "مروي"
الغرس الطيب يعطي الغصن الأخضر والمرعى
من يصعد جبل الرب يبيع حشاه الأوحد كي نعطي
غرساً يرجى؟
من يضرب بعصاه الصخر، فتنبجس الأعين،
يعلم كلّ مشربه
نسقي، نرعى
مولود الغابة والصحراء.
من هذا الطافر كالجبل الأسمر
كمنارة ساحلنا الأزرق،
رجل أوقظ؟ غاب؟ مرآة الأعمار الأولى؟
ذهبٌ ألق الجبهة، قضب الزيتون، عواميد اللَّهب
الممتد الأعراف إلى قمم الآفاق العاليه
هذا صحو الكلمات المنسيه.
يتابع إجابته عن السؤال قائلاً:
"لا أدري كيف بلور الأصدقاء أعضاء رابطة أدباء الجامعة على أيام علي عبد القيوم ومحمد عبد الحي مفهوم الغابة والصحراء؟".
ثم ربط هذه المدرسة فيما بعد بمدرسة الخرطوم التشكيلية. ولكنه يؤكد ادعاءه على أنه أول من فكر في مسألة الغابة والصحراء قائلاً:
"ما أدركه يقيناً أن الإفصاح الفكري والسلوك الإبداعي في مسألة الغابة والصحراء مسؤولية النور عثمان أبكر".
اذن لا يوجد اتفاق حيث كتبت هذه القصائد في آن واحد ربما للاجواء السياسية والثقافية في ذلك الوقت كان سؤال الهوية ملحا..
ولقد قمت انا بدراسة تاريخ المدرسة وادبياتها في اطروحة الدكتوراه وكتبت الاتي
ومما سبق نخلص إلى أن الغابة والصحراء لم تكن مدرسة ذات أبعاد فكرية موحدة، أو التزام بخط فكري موحد. إذ نجد أن كل من هؤلاء الأدباء يحمل فكره الخاص به وإن كانت الهوية السودانية هي شغل شاغل لهم. ولكن نجد أن كل واحد منهم ولج إليها من مرتكزه الخاص. وقد اختلفت هذه المرتكزات بينما نجد محمد المكي إبراهيم وصلاح أحمد إبراهيم ينتميان إلى اليسار. نجد مصطفى سند ومحمد عبد الحي لا ينتميان إلى خط فكري موحد ولكن في داخلهما يؤمنان بالوجود الديني عند الإنسان ثم نجد "النور عثمان أبكر" كان ينتمي إلى الفكر الوجودي.
ولكن إذا كان الخط الفكري هو علامة فارقة بين هؤلاء الأدباء، غير أن هناك أشياء كثيرة متشابهة بينهم وهذا هو الذي جعل النقاد* يدرجونهم تحت ما يسمى بمدرسة الغابة والصحراء فنجد أن الإطار الجوهري (الشكل والمضمون) يحفل بكثير من العوامل المشتركة وهي:
1 ـ مفهوم البعث الحضاري السوداني القديم (مروي).
2 ـ هموم الهوية السودانية.
3 ـ بعث العنصر الزنجي في الشخصية السودانية.
4 ـ استخدام سنار كرمز للسوداني الخلاصي (بداية التكوين).
5 ـ استخدام مفردات سودانية.
6 ـ إيراد رمزية الغابة والصحراء في شعرهم.
7 ـ قضية الموت والبعث بالمفهوم الإفريقي.
8 ـ ظاهرة العرافة والكجور.
وعلى الرغم من أن الشكل عندهم كان شكلاً "حداثياً" التزموا فيه بأوزان الشعر الحر، وكما ذكرنا سابقاً في الفصل الأول في معرض حديثنا عن الشعر عند محمد عبد الحي أن هناك موقفين من استخدام اللغة وتوظيفها، الأول يميل إلى وضوح الأسلوب والتقريرية والثاني هو استخدام اللغة بتكثيف للصور وملئها بالإشارات والغموض وفي هذا تقول سلمى خضراء الجيوشي في معرض حديثها عن الشعر السوداني في سنوات الستين:
"الأول يميل إلى وضوح الأسلوب، بسط الحدود الخارجية للصورة وشيء من الهلهلة في تركيب العبارة أحياناً وزعماؤه شعراء كعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور أما التيار الثاني فهو تيار الشعر الخاطف المكتنز بالمعاني والصور الذي كسر منطق التركيب القديم في العبارة وجزاء الصورة أبرز شعرائه أدونيس".
ومن هذا المنطلق نجد أن صلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم يكتبان تحت التيار الأول لعل ذلك لارتباطهم بمدرسة الواقعية الاشتراكية، بينما يكتب محمد عبد الحي والنور عثمان أبكر ومصطفى سند تحت التيار الثاني هذا من ناحية شكل القصائد عند جماعة الغابة والصحراء.
ومن هنا نخلص إلى أن الغابة والصحراء هي حركة بعثية للعنصر الزنجي، والاعتراف به كمكون أساسي، في الإنسان السوداني وثقافته وكما ذكرنا على الرغم أنه لم يكن هناك خطاب تأسيسي، إلا أن لهذه الجماعة قاسماً مشتركاً، ألا وهو فكرة الهوية السودانية وهمومها التي كانت ضرورة في سنوات الستين، وأن يحدد السوداني موقفه من حركة النضال الإفريقية أو العربية*. وكذلك لحسم الحرب الدائرة في الجنوب التي يراها البعض أنها حرب عرقية بين زنوج وعرب، فلذلك فكرة الغابة والصحراء وانصهار العنصرين الزنجي والعربي قد يقرب شقة الخلاف بين الجنوب والشمال.
ولقد قمت بتحليل المقالين
مقال النور عثمان ابكر الذي اصلا كتب سنة 1962 ونشر 1967
لست عربيا.. ولكن
ورد عليه صلاح احمد ابر اهيم بمقال
نحن عرب العرب.
كتبت في اطروحتي الاتي عن المقالين
وعن فلسفة الفكرة نجد أنه عندما تحدث عن العنصر الزنجي في مكون السوداني، قام بنشر مقال أثار ضجة كبيرة وردود فعل متباينة في عام 1967، وفي ذلك المقال نوه أنه كتب هذه المقالات في شكل مذكرات عام 1962 وهي بعنوان (لست عربياً ... ولكن).
ومضمون هذا المقال الذي يعد من بدايات الغابة والصحراء، يحوم حول تمجيد العنصر الإفريقي في مكوّن الإنسان السوداني، وكذلك تمجيد للثقافة الإفريقية، كما إنه أرجع بعض الظواهر في الثقافة السودانية إلى العنصر الإفريقي، مثل الانفعالات الدينية التي تحدث عن حالة الجذب الصوفي، وقد افتتح النور عثمان أبكر مقاله الشهير قائلاً:
"كل ما هو غيبي وعميق في السودان إنما هو عطاء الغاب .. تجريدية الفكر الإسلامي استحالت إلى ليونة المدنية البدائية التي تأخذ فكرها على حاجتها المباشرة الخيط الأساسي في وجودنا ليس هو الصوفية الشرقية بل هو الحركة الرخيمة لرقصات الغاب، وللطبل وللبوق". كما نجده أرجع حلقات الذكر وإيقاعاتها ولغة الجسد و(النوبة) والحالة الأخيرة للتقمص (الجذب والفناء) إلى
البدائية الإفريقية وليس الإسلام، كما أضاف أن نبضنا وإيقاعنا إفريقي بدائي قائلاً:
"إيقاع عمرنا سماحه وتبذيراً وخمراً واستهتاراً وحباً* للَّهو والمرح، إيقاع نبض عمرنا إفريقي بدائي أما الأمور التي تقدمه له فهي ما يحتاجه هذا الإيقاع ليعبر هوة الاتصال بينه وبين (جلابته)**". ويقول موضحاً: "التردد حقيقة في انطلاق جرس هذا الإيقاع بعيداً عن جذوره ومصادره الهامة الأصلية".
كما نلاحظ أن النور عثمان أبكر يرى أن العلاقة بين الغابة والصحراء ليس علاقة مترابطة بل هناك نزاع وصراع ولكنه يلطف الأمر قائلاً:
"نزاع الغاب والصحراء في عمرنا هو لونية هذه السماحة في علاقتنا مع إخواننا العرب وإخواننا الزنج". ويمضي في مقاله متحدثاً عن موضوع في غاية الحساسية وهو الرق ويحمل مسؤوليته للعرب الجلابة قائلاً:
"الخروج من الغاب إلى الصحراء والوادي المحدد بها تم عن طريق (الجلابة) أو المارق الذي في بطن ذاكرته أفراح لم ينعم بها عاد يسترق منها مقاطع يبيعها إن لم يحتفظ بها (أبو لكيلك)*** وأيامه مرقه من الغاب وعوده إلى الغاب".
ثم يتحدث عن كيفية تكوينه قائلاً: "يتم التقاء بخيت آخر بمرجانه ويكون المارق (نوراً) كيف له إذن أن يدعي أنه عربي؟" . ثم يتساءل النور عثمان أبكر باللسان؟**** أي هل هو عربي لأنه فقط يتحدث باللغة العربية. فهو يرى أن "عربيته تطويع لاحتياجات إيقاع الرعب والفرح الوجودي الأولي في التعبير بعد أن فقد شكل كلمة القبيلة". ثم يستطرد ليدلل عدم أهمية اللسان أو اللغة في بينونة أصول الإنسان. "إذن مثل الجزائري الناطق بالفرنسية الصدور عن الغاب، عن الأوراس عبر لغة مكتسبة".
ثم بعد أن أورد هذه الحجة الخطيرة أراد أن يبعد سوء الظن عنه قائلاً: "الكاتب لا يضمر أي تلميح لاستعمار العربي لأرض الزنج". ويجد أن ما قاله هو الذي جعل الكثيرين يشككون في نواياه ويتهمونه بالشعوبية وبأنه ضد الإسلام والعروبة، وفي ذلك نجده يتحدث في مقابلة معه: "إن الإفصاح الفكري والسلوك الإبداعي من مسألة الغابة والصحراء هي مسؤولية النور عثمان أبكر وقد ذاق الأمرين متهماً في إسلامه وفي عروبة لا يدعيها وفي مواقفه السياسية في قضية النضال العربي".
ونجد أن التوقيت الذي اختاره "النور عثمان أبكر" لنشر مقالاته، التي سجلها في شكل مذكرات في نهاية 1962، وقام بنشرها في 19/9/1967، هي التي أدت إلى اتهامه في مواقفه السياسية، تجاه قضية النضال العربي إذ نشرت في وقت غير مناسب البتة. إذ نشرت بعد نكسة 1967 مباشرة، وكانت العروبة آنذاك جرحاً نازفاً، والسودان استضاف مؤتمر قمة عربي شاركت فيه كل الفعاليات العربية. وقرُبت الآراء وسُميت الخرطوم بعاصمة "اللاءات" الثلاثة، واستقبل عبد الناصر في الخرطوم استقبال الفاتحين، على الرغم من الهزيمة، إذن في هذا الوقت بالذات كانت مقالة "النور عثمان أبكر" تعد خطأ لا يغتفر في حق العروبة، وخيانة للأمة العربية، نجد أنه قد احتفظ بهذه المذكرات منذ 1962 لينشرها في ذلك الوقت، بالتحديد مع سبق الإصرار والترصد. ولكن نرجع إلى أن حرية الرأي هي
جوهر الديمقراطية، وحق لكل مبدع لينشر ما يريد وقتما يريد. ولذلك اتهمه الكثيرون بالخيانة، والعداء للعروبة وبالتالي الإسلام، وها هو صديقه "صلاح أحمد إبراهيم" ينبري للرد عليه في ذات المنبر الذي انطلق منه بمقال عنوانه (بل نحن عرب العرب) في جريدة الصحافة في 25/10/1967م، حيث سنعرضه لبلورة فكرة الغابة والصحراء.
ابتدأ "صلاح أحمد إبراهيم" مقاله منتقداً التوقيت الذي اختاره "النور عثمان أبكر" لنشر مقاله، قائلاً: "في رأيي أن المقال غير موفق من حيث توقيته على الأقل ـ فجنودنا الذين في خط النار قد اختاروا مصيرهم هناك في مواجهة المعتدين الصهاينة، المصريون على شمالهم والجزائريون على يمينهم وقلوب العرب ـ كل العرب ـ ترف عليهم لا تفكر أصابعهم القابضة على الرشاش إذا كانت أصابع عربي أو زنجية أو بين بين".
ثم بعد هذه المقدمة دلف معلقاً على مقال النور عثمان أبكر حيث يصف سؤاله (لست عربياً ... ولكن؟) بالعنصرية، وإنه سؤال لا معنى له قائلاً:
"السؤال مطروح على صعيد عنصري لا معنى له ولا يمكن أن تكون له إجابة نهائية أو قيمة حقيقية ولكن قد يكون تساؤلاً سياسياً ومراجعة لمواقعنا الرائعة أو التشكيك فيها".
ثم احتج على استخدام النور عثمان أبكر لكلمة "نزاع" متسائلاً:
"نزاع الغابة والصحراء ـ أي نزاع بين الغاب والصحراء" ثم عرض بالنور عثمان أبكر قائلاً: "الزنجي بأكثر من النور عثمان أبكر، والمناضل بأكثر من النور عثمان أبكر (كوامي نكروما) أوقف حياته لأن يحث ويؤكد بأن الصحراء لم تكن في يوم من الأيام حاجزاً بين عرب الشمال وزنج الجنوب بل ظلت حتى قدم الرجل الأبيض طريق القوافل حاملة الملح إلى
الأشانتي وقافلة بالذهب من كوماسي".
كما يرد على قول النور عن السوداني "في قاعة الجامعة العربية يلهج الابن بعروبته وفي كوناكري يصر على إفريقيته".
فيعلق صلاح على ذلك بأنه في وضعه للعروبة في مقابلة للإفريقية خبث قائلاً:
"إن وضع العروبة مقابلاً للإفريقية هو مفهوم خبيث فالعروبة قد تكون إفريقية في الواقع وأكثر من سبعين بالمائة من العرب إفريقيون".
ثم يتهم مقال النور بالشعوبية "وإن قال الكاتب إنه لا يضمر أي تلميح لاستعمار عربي لأرض الزنج".
كما يعلق صلاح قائلاً:
"لأن هذه الأفكار ليست جديدة ومهما كانت دوافع النور في قول مثل هذا القول فهو لا يقول جديداً .. أعداء العرب الذي يدرسون عوره العرب في المعاهد الخاصة ويحاولون طعن العرب في كعب أخيلهم يثيرونها بطريقة النور هذه من المحيط إلى الخليج".
ثم يمضي في مقاله معدداً للفتن في الوطن العربي آنذاك، في مصر الدعوة الفرعونية وفي سوريا الدعوة الفينيقية الخ ... الخ .. ثم ذهب إلى أن توحد السودانيون لطرد المستعمر كان بسبب العروبة قائلاً:
"بل إن كل ما هو عزيز لدينا شعورنا بالكرامة ونهضتنا القومية وحركتنا الوطنية سببها العروبة".
ثم يوضح قائلاً: "سؤال الهوية من نحن؟ وهل نحن عرب أم إفريقيون؟ وهل نحن عرب؟
أسئلة تطلق أحياناً في براءة وأحياناً في خبث .. أسئلة تنبع من جهل صادق أحياناً وأحياناً من خطة ماكرة".
ثم يسترسل متهما النور بعدم الاطلاع الكافي، الذي يؤهله لخوض هذا الموضوع الشائك، بعد أن يؤكد أننا "عرب العرب" لما فينا من أخلاق العرب وكرمهم وشجاعتهم الخ ... الخ.
وبعد كل هذا الحماس والتأكيد على عروبتنا. يراجع صلاح أحمد إبراهيم نفسه في خاتمة مقاله قائلاً:
"لا يا نور بل نحن عرب العرب جمعنا ما في العرب من نبل وكرم وخير ما في الزنج من شدة وحمية".
ثم يحضر صلاح شاهداً من الشعر السوداني. وأحسب أن التوفيق قد جانبه في الاختيار إذ أن فيه تنميط لشخصية الإفريقي، والشاهد للشاعر صالح عبد القادر.
"أنا ابن وادي النيل لو فتشتني
لوجدت في بردى بطش أسود
وأنا ابن وادي النيل لو فتشتتني
تجدين مجموع الكرامة والنهى
تجدين حلم البيض جهل السود".
ومن هذا العرض للمقالين اللذين يرى غالبية مؤرخو* الأدب السوداني،
أنهما بذرة الغابة والصحراء. فهذين المقالين يفتقدان إلى العقلانية والموضوعية، ودوافع كتابتهما دوافع عاطفية ولحظية. استخدم النور لغة زئبقية شاعرية كما وصفها صلاح أحمد إبراهيم، الذي بدوره استخدم خط دفاعي وتقريري وعاطفي. وبما أن هذين المقالين نشرا في عام 1967 فإذن كيف تكون هي بداية لمدرسة الغابة والصحراء
يتبع
bayan
13-12-2006, 06:09 AM
كنت قد ارسلت بحثي لمحمد المكي ابراهيم
صوب انه لم يكن يوما يساريا. وان مصطفي سند لم يكن معهم
وارسلته للنور عثمان ابكر
قال انه سعيد ان ما فعلوه يجد اهتمام ويوثق.
والى الان انتظر ملاحظاتهم وتصويباتهم..منذ 5 سنوات..
bayan
13-12-2006, 06:14 AM
http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=113&msg=1139078360
الفصل الثاني من اطروحتي كاملا لمن يرغب في الاستزادة
كمال علي الزين
13-12-2006, 09:57 AM
أخي عجب الفيا ..
ربما يكون هذا , أقيم ماقرأت مؤخراً , عبر منتديات الحوار
شكراً جزيلاً
محبتي وأمتناني ..
معتز تروتسكى
13-12-2006, 12:59 PM
ومرة اخرى نسعى طوعا لؤاخاة الرجل فى انعطافات والكلام الاتى منه حتى ليبدو كانه ات من احساس نفس مخصصه لتشكيل عطائها بهذا الجم المتورد من الصدق والجمال .." عجب الفيا "..
أستاذى واخوي "العجب".
ولجت لكى القى عليك سلاما من شدة الشوق ؛ وأسال أين انت واين نحن..
وكيف الاسرة والاهل نعلكم جميعا بخير وعافية..
الى تحايا اخرى قيل يعافية..
وخلى بالك من نفسك..
التحايا النواضر..
عجب الفيا
13-12-2006, 02:51 PM
العزيزة الدكتورة نجاة محمود - بيان
تحياتي
اولا اثمن مجهودك في الاطروحة وسبق ان اوضحت لك ملاحظاتي عليها في مرات سابقات
وكنت اتمنى ان يجرى النقاش هنا نقطة نقطة عوضا عن الاحالة الاجمالية للاطروحة
وعلى كل احاول ان اعلق على بعض النقاط . تقولين :
كنت قد ارسلت بحثي لمحمد المكي ابراهيم
صوب انه لم يكن يوما يساريا. وان مصطفي سند لم يكن معهم
..
لم يرد في مقالتي ان محمد المكي كان يساريا او غير يساري
كما لم يرد في مقالتي ان مصطفي سند كان (معهم ) اي كان له دورا مؤسسا
بل ذكرت انه من الذين هاجموا هذا الاتجاه دون ان يدري ان شعره نموذجا لهذا لاتجاه .
ساعود للتعليق على الدور التاسيسي لمحمد عبد الحي في الغابة والصحراء.
bayan
13-12-2006, 05:06 PM
الاخ عجب الفيا
الحديث عن يسارية محمد المكي ابرا هيم والنور تعليق جانبي
محمد عبدالحي ذكر بكلام مكتوب وموثق انه لا ينتمي الى جماعة الغابة والصحراء..
في تذيله لمقال سلمى خضراء كما اسلفت..
وننتظر النقاش في ذلك.. فانا اجمع كل ما يخص محمد عبدالحي.
واتمنى ان ارى اطروحتك..
عجب الفيا
14-12-2006, 03:50 AM
اخي كمال علي الزين
اهلا وسهلا واسمح لي ان ارحب بك في سودانيات
وشكرا جزيلا على ثنائك الفياض على المقال
محبتي
عجب الفيا
14-12-2006, 04:01 AM
اخي وصديقي الجميل معتز تروتسكي
الموله بعشق الجمال المسكون بوهج نار الحروف
نعلك بخير لقد افتقدناك كثيرا يا رجل
كم انا سعيد بطلتك هنا في سودانيات بعد غيبة
الف شكر على مشاركتنا هذه السياحة في ذكريات شاعرنا محمد المكي
وتسلم يا جميل
عجب الفيا
14-12-2006, 06:34 AM
الاخ العزيز عجب الفيا
سلامات
الغريب ان ما ذكره محمد المكي ابراهيم حول الاتفاق يتعارض تمام مع ما قاله محمد عبد الحي
على انه لم يكن يوما من اعضاء ما يسمى بالغابة والصحراء
في نفيه المذيل لمقال سلمى خضراء الجيوشي..
ثم عضد حديثه الشاعر النور عثمان ابكر في مقابلة اخرى
الاخت الدكتورة بيان
لا أرى فيما اوردتينه من اقتباسات ما ينفي حديث محمد المكي او ينفي علاقة عبد الحي بالغابة والصحراء .
عجب الفيا
14-12-2006, 06:56 AM
محمد عبدالحي ذكر بكلام مكتوب وموثق انه لا ينتمي الى جماعة الغابة والصحراء..
في تذيله لمقال سلمى خضراء كما اسلفت..
وننتظر النقاش في ذلك.. فانا اجمع كل ما يخص محمد عبدالحي.
واتمنى ان ارى اطروحتك..
الاخت الدكتورة بيان
طالما انك على قناعة تامة ان عبد الحي ذكر بكلام مكتوب موثق انه لا ينتمى الى الغابة والصحراء
فعلى اي اساس وباي حق بنيت اطروحتك في الدكتوراة انه غابة وصحراء ؟؟!!
bayan
14-12-2006, 07:01 AM
الاخت الدكتورة بيان
لا أرى فيما اوردتينه من اقتباسات ما ينفي حديث محمد المكي او ينفي علاقة عبد الحي بالغابة والصحراء .
محمد المكي ابراهيم كتب انه كان هناك اتفاق في مسالة الغابة والصحراء
محمد عبدالحي ذكر انه لم يكن هناك اتفاق بل كتبوا كل وحده وتشابهت التيمات
وهذا ما اكده النور عثمان ابكر في مقابلته المذكورة اعلاه..
كما ان الدليل انه لم يكن هناك اتفاق هو انهم ابدا لم يصدروا بيان تاسيسي مثلهم مثل غيرهم
من اصحاب المدراس الادبية..
في تذيل في مقال منشور في مجلة الثقافة السودانية بعنوان الشعر العربي في السودان كتبته دكتورة خضراء ادرجت محمد عبدالحي في مدرسة الغابة والصحراء ونفاه هو بعبارة واضحة..لا تقبل اللبس..
وقد ذكر كثير من مؤرخي الأدب السوداني مثل عبد الهادي صديق ، سلمى خضراء الجيوشي ، عبده بدوي انتماء محمد عبد الحي إلى ما يسمى تيار الغابة والصحراء (سنعرض له بالتفصيل في الفصل الثاني) ولكنه تنصل عن ذلك ونفاه عن نفسه في التذييل الذي كتبه لمقال كتبته سلمى خضراء الجيوشي عن العودة إلى سنار قائلاً :
" الأمر عندي هو أنني لست شاعراً من شعراء الجماعة فأنا أتكلم بصوتي الخاص بي الذي أعمقه وأثقفه حتى يتزاوج فيه الخاص بالعام والعام عندي هو تجربة الإنسان الواحدة المتكررة الباطنية الأعمق أو الأعلى من الزمن التي لا تتغير في جوهرها بل تتشكل في أشكال جديدة كل عصر " (29
http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=490
bayan
14-12-2006, 07:11 AM
فعلى اي اساس وباي حق بنيت اطروحتك في الدكتوراة انه غابة وصحراء ؟؟!!
كتبت في اطروحتي التى تعقبت الغابة والصحراء ومن ادخلوا تحت جناحها من الشعراء
ان الغابة والصحراء هي تيمات انتشرت في شعر هؤلاء الشعراء..
ولكن إذا كان الخط الفكري هو علامة فارقة بين هؤلاء الأدباء، غير أن هناك أشياء كثيرة متشابهة بينهم وهذا هو الذي جعل النقاد* يدرجونهم تحت ما يسمى بمدرسة الغابة والصحراء فنجد أن الإطار الجوهري (الشكل والمضمون) يحفل بكثير من العوامل المشتركة وهي:
1 ـ مفهوم البعث الحضاري السوداني القديم (مروي).
2 ـ هموم الهوية السودانية.
3 ـ بعث العنصر الزنجي في الشخصية السودانية.
4 ـ استخدام سنار كرمز للسوداني الخلاصي (بداية التكوين).
5 ـ استخدام مفردات سودانية.
6 ـ إيراد رمزية الغابة والصحراء في شعرهم.
7 ـ قضية الموت والبعث بالمفهوم الإفريقي.
8 ـ ظاهرة العرافة والكجور.
وصححت مفهوم ان الغابة والصحراء ظهرت بمقالين النور عثمان وصلاح
بانني حللت المقالات هذه واثبت ان تاريخ نشرها كان سنة 1967
اي بعد النكسة..التى حقا اثرت في موات فكرة بعث العنصر الافريقي في الثقافة السودانية..
وان الكتابات الشعرية بدأت سنة 1963
كما خلصت ان قصيدة العودة الى سنار هي خطاب هوية..
في تحولاتها اذ انها كتبت 7 مرات.. تتبعتها سطرا سطرا..
وقمت بالتطبيق على نسخة 1973
bayan
14-12-2006, 07:16 AM
درس هذا البحث حياة الشاعر محمد عبد الحي ـ رحمه اللَّه ـ وأعماله الأدبية بالتركيز على نتاجه الشعري من خلال ثنائية الغابة والصحراء. وكانت الدراسة لشعره تركز على المضامين بخاصة مع التعرض للشكل بعامة.
1 ـ ان ما يسمى بمدرسة الغابة والصحراء لا يرقى إلى مستوى مدرسة أدبية ولكنها حركة أو تيار أدبي صحبه بعض التنظير والكتابات الأدبية. وساد لفترة في الأدب السوداني ثم اختفى.
2 ـ وأن ثنائية الغابة والصحراء لا تتعارض في أصلها ولكنها تشكل إضافة جديدة وفريدة وهذا لا يكون إلا بالنظر إلى المكونين العربي والإفريقي بسواء، والاعتراف بهما معاً.
3 ـ ان المثقفين السودانيين قد وصلوا إلى أن الحل للأزمة السودانية هو حل ثقافي في المقام الأول ونجد أن هذا ما وصل إليه رجال السياسة في السودان بعد مرور أربعين عاماً من نزيف الدم.
4 ـ تحفل الثقافة السودانية في داخلها بعدة مكونات قد تشكل عنصر القوة إذا قمنا بالنظر إليها باحترام والاحتفال بها دون التركيز على ثقافة واحدة وفرضها على الآخرين مما يخلق سودان الوحدة والتنوع.
5 ـ إن حركة الغابة والصحراء لم تتأثر بحركة الزنوجة، إذ أن حركة الزنوجة تدعو إلى المواءمة بين العنصر الأوربي، والعنصر الزنجي بينما حركة الغابة تدعو إلى المواءمة بين مكونين أصيلين في تركيب وجدان الفرد السوداني الذي هو أصلاً تركيب عرقي وهجين بين العرب والزنج، ولذلك باعتراف محمد المكي إبراهيم الذي لم يقرأ لسنغور إلا بعد أن تعلم اللغة الفرنسية فيما بعد.
6 ـ لم تكن حركة الغابة والصحراء حركة سياسية ولكنها حركة فكرية وثقافية ولذلك كان أثرها ضعيفاً في محاولة تغيير الواقع المعيش في السودان.
7 ـ ربما قيام هذه الحركة في ذلك الوقت الحرج من تأريخ الأمة العربية (هزيمة 67) سارع في إجهاضها على الرغم من الإنتاج الغزير الذي أنتجته هذه الجماعة.
8 ـ لم تكن حركة الغابة والصحراء من إفرازات الحزب الشيوعي السوداني كما يدعي الكثيرون إذ أنها كانت تضم شعراء من مختلف الاتجاهات الفكرية، وفكرة الجماعة تتعارض مع الفكر الماركسي أصلاً.
9 ـ حركة الغابة والصحراء لم يتم الانتباه لها إلا عندما حدث تماس بين السوداني الأسود والأوربي الأبيض بعد سفر "محمد المكي إبراهيم" و"النور عثمان أبكر" إلى ألمانيا "إن انتباهي إلى مسألة الغابة والصحراء تم لي وأنا في محيط حضاري غربي رفض هويتي الإفريقية حين أفكر ورفض هويتي العربية حين أكون".
10 ـ ظهر أثر الشعر الغربي والمترجمات واضحاً في إنتاج هذه الجماعة لا غرو فإن غالبيتهم يعرفون أكثر من لغة أجنبية وقد درسوا الأدب الإنجليزي. فكان أثره واضحاً في شكل أشعارهم.
11 ـ كما تأثر هؤلاء الشعراء بحركة الحداثة في الشعر التي كانت منتشرة في الوطن العربي وبذلك كان هناك أيضاً انفتاح على الوطن العربي وإنتاجه الأدبي.
12 ـ شهدت أعوام الستين حركة ثقافية وأدبية لم يشهد لها السودان مثيلاً.
13 ـ لم يلعب أي من جماعة الغابة والصحراء دوراً سياسياً بارزاً في السودان مؤكدين بهذه، الشقة بين السياسة والثقافة في السودان.
14 ـ لم تتبع هذه الحركة حركة نقدية لتتعرض لهذه الظاهرة بالدرس والتمحيص والاستشراف للحركة الأدبية في السودان لذلك كانت واحدة من مشاكل هذا البحث غياب النموذج والمراجع.
هذا جزء من الخاتمة
وفي اطروحتي صححت معلومة خطأ متداولة وهي تاثر هؤلاء بحركة الزنوجة..
واثبت عدم تاثرهم بها ..
كما وضعت اول صياغة علمية منهجية لمصطلح غابة وصحراء..بالنسبة للسودان
اذ ان سنغور هو اول من استخدمها رامزا لجنوب وشمال الصحراء
وفي السودان اول من استخدمها هو النور عثمان ابكر رامزا للمكون الزنجي والعربي في الانسان السوداني
بينما استخدمها البعض بمعني شمال وجنوب السودان,,
وبذلك يكون هذه اول صياغة للصطلح مسجلة ..
عجب الفيا
15-12-2006, 05:11 AM
أهو رديت يا دكتورة في آخر مداخلة لك على نفسك وكفيتيني مشقة الاجابة على علاقة محمد عبد الحي بالغابة والصحراء .حين قلت في الاقتباس المنقول من خاتمة البحث خاصتك :
إقتباس:
" درس هذا البحث حياة الشاعر محمد عبد الحي ـ رحمه اللَّه ـ وأعماله الأدبية بالتركيز على نتاجه الشعري من خلال ثنائية الغابة والصحراء. وكانت الدراسة لشعره تركز على المضامين بخاصة مع التعرض للشكل بعامة.
1 ـ ان ما يسمى بمدرسة الغابة والصحراء لا يرقى إلى مستوى مدرسة أدبية ولكنها حركة أو تيار أدبي صحبه بعض التنظير والكتابات الأدبية. وساد لفترة في الأدب السوداني ثم اختفى. "
اذن محمد عبد الحي لم ينفي علاقته بالغابة والصحراء بل نفي ان تكون مدرسة شعرية .
لكنه لم ينف انها اتجاه او حركة في التاصيل للثقافة والهوية السودانية الافروعربية من خلال رمزية الغابة والصحراء .
وأنا اتفق مع محمد عبد الحي ان الغابة والصحراء ليست مدرسة شعرية بالمعني النقدي الفني لكلمة مدرسة وقد اكدت على ذلك في كتاباتي بل ان اول مقال لي عن هذا الاتجاه كان بعنوان : الغابة والصحراء مفهوم وليست مدرسة .
ولم استعمل كلمة مدرسة في كل كتابات لو مرة واحدة ولو رجعت للمقال المنشور هنا ستجدين انه خلى من ذكر كلمة مدرسة .
لذلك يقرأ حديث محمد عبد الحي مع سلمي الجيوشي من هذا المنظور . فالاخيرة ناقدة وكانت تريد ان تعرف الاسس الفنية لمدرسة الغابة والصحراء فجاء رد عبد الحي بانها ليست مدرسة وليست لها بيانا تاسيسيا كمدرسة فنية .
اما في قضايا الهوية فعبد الحي لم ينف ولن يستطيع ان ينف دوره التاسيسي للغابة والصحراء شعرا وتنظيرا .
نتيجة لبعض الاحباطات التي اشار اليها محمد المكي واشرت اليها في مقالي صدرت من عبد الحي أقوال عدها البعض تملص من هذا الاتجاه .
bayan
15-12-2006, 06:29 PM
الاخ الفيا
كما ذكرت انا ان الغابة والصحراء هي تيمات. يمكن تحليل اي قصيدة عليها
قصائد الفيتوري قصائد صلاح قصائد النور
ماهي الا تيمات..وانا اخترت ان احلل قصدية العودة الى سنار على اساس هذه الثيمات
وقصيدة العودة الى سنار قصيدة مفتوحة للتأويل على ثيمات كثيرة جدا
حيث عملت ان هناك من حللها على صورها الدرامية..
ويمكن تحليلها على فكرة الوجه والقناع وتتبعه لنصل الى ماهيتهما في خطاب الهوية
كما يمكن دراسة الاشارات الصوفية فيها
كما ايضا يمكن دراسة اثر القصيدة الغربية فيها..
او انسانية الانتاج العقلي
هي نص مفتوح لكل من يريد ان يلجه من مدخله.
وقد ولجت لها بثنائية الغابة والصحراء وليس من خلال مدرسة الغابة والصحراء
لاحظ الفارق الدقيق
ـ ان ما يسمى بمدرسة الغابة والصحراء لا يرقى إلى مستوى مدرسة أدبية ولكنها حركة أو تيار أدبي صحبه بعض التنظير والكتابات الأدبية. وساد لفترة في الأدب السوداني ثم اختفى. "
هذا قلته انا ولم يقله محمد عبدالحي.. ما قاله محمد عبد الحي في ذلك التذيل انه لا ينتمي الى الجماعة..
اما في قضايا الهوية فعبد الحي لم ينف ولن يستطيع ان ينف دوره التاسيسي للغابة والصحراء شعرا وتنظيرا
عبد الحي نفى وانتهى بحديث واضح انه لا ينتمي الى ما هو متعارف عليه بمدرسة الغابة والصحراء
وله تصوره المختلف لمسألة الهوية..
اذن قد رد الكاتب بحياته على من حشروه تحت اللافتة هذه..
فالاخيرة ناقدة وكانت تريد ان تعرف الاسس الفنية لمدرسة الغابة والصحراء فجاء رد عبد الحي بانها ليست مدرسة وليست لها بيانا تاسيسيا كمدرسة فنية .
سلمي كتبت عن الشعر العربي في السودان. وذكرت الغابة والصحراء
لم يكتب لها محمد عبدالحي اي شئ عن البيان التاسيسي
انا التى كتبت في خلاصة بحثي هذه النقاط..
وهذا هو التذيل الذي كتبه عبدالحي ينفي فيه انه مع الجماعة
الأمر عندي هو أنني لست شاعراً من شعراء الجماعة فأنا أتكلم بصوتي الخاص بي الذي أعمقه وأثقفه حتى يتزاوج فيه الخاص بالعام والعام عندي هو تجربة الإنسان الواحدة المتكررة الباطنية الأعمق أو الأعلى من الزمن التي لا تتغير في جوهرها بل تتشكل في أشكال جديدة كل عصر " (29
انت تقرا خلاصة بحثي على انها اقوال محمد عبدالحي..
لا ادري لماذا التبس عليك ان ما تحته خط من اقوالي انا وليس عبدالحي
اذ ان هذه هي خلاصة دراستي لما سمي الغابة والصحراء
خاتمة البحث:
درس هذا البحث حياة الشاعر محمد عبد الحي ـ رحمه اللَّه ـ وأعماله الأدبية بالتركيز على نتاجه الشعري من خلال ثنائية الغابة والصحراء. وكانت الدراسة لشعره تركز على المضامين بخاصة مع التعرض للشكل بعامة.
1 ـ ان ما يسمى بمدرسة الغابة والصحراء لا يرقى إلى مستوى مدرسة أدبية ولكنها حركة أو تيار أدبي صحبه بعض التنظير والكتابات الأدبية. وساد لفترة في الأدب السوداني ثم اختفى[U].
2 ـ وأن ثنائية الغابة والصحراء لا تتعارض في أصلها ولكنها تشكل إضافة جديدة وفريدة وهذا لا يكون إلا بالنظر إلى المكونين العربي والإفريقي بسواء، والاعتراف بهما معاً.
3 ـ ان المثقفين السودانيين قد وصلوا إلى أن الحل للأزمة السودانية هو حل ثقافي في المقام الأول ونجد أن هذا ما وصل إليه رجال السياسة في السودان بعد مرور أربعين عاماً من نزيف الدم.
4 ـ تحفل الثقافة السودانية في داخلها بعدة مكونات قد تشكل عنصر القوة إذا قمنا بالنظر إليها باحترام والاحتفال بها دون التركيز على ثقافة واحدة وفرضها على الآخرين مما يخلق سودان الوحدة والتنوع.
5 ـ إن حركة الغابة والصحراء لم تتأثر بحركة الزنوجة، إذ أن حركة الزنوجة تدعو إلى المواءمة بين العنصر الأوربي، والعنصر الزنجي بينما حركة الغابة تدعو إلى المواءمة بين مكونين أصيلين في تركيب وجدان الفرد السوداني الذي هو أصلاً تركيب عرقي وهجين بين العرب والزنج، ولذلك باعتراف محمد المكي إبراهيم الذي لم يقرأ لسنغور إلا بعد أن تعلم اللغة الفرنسية فيما بعد.
6 ـ لم تكن حركة الغابة والصحراء حركة سياسية ولكنها حركة فكرية وثقافية ولذلك كان أثرها ضعيفاً في محاولة تغيير الواقع المعيش في السودان.
7 ـ ربما قيام هذه الحركة في ذلك الوقت الحرج من تأريخ الأمة العربية (هزيمة 67) سارع في إجهاضها على الرغم من الإنتاج الغزير الذي أنتجته هذه الجماعة.
8 ـ لم تكن حركة الغابة والصحراء من إفرازات الحزب الشيوعي السوداني كما يدعي الكثيرون إذ أنها كانت تضم شعراء من مختلف الاتجاهات الفكرية، وفكرة الجماعة تتعارض مع الفكر الماركسي أصلاً.
9 ـ حركة الغابة والصحراء لم يتم الانتباه لها إلا عندما حدث تماس بين السوداني الأسود والأوربي الأبيض بعد سفر "محمد المكي إبراهيم" و"النور عثمان أبكر" إلى ألمانيا "إن انتباهي إلى مسألة الغابة والصحراء تم لي وأنا في محيط حضاري غربي رفض هويتي الإفريقية حين أفكر ورفض هويتي العربية حين أكون".
10 ـ ظهر أثر الشعر الغربي والمترجمات واضحاً في إنتاج هذه الجماعة لا غرو فإن غالبيتهم يعرفون أكثر من لغة أجنبية وقد درسوا الأدب الإنجليزي. فكان أثره واضحاً في شكل أشعارهم.
11 ـ كما تأثر هؤلاء الشعراء بحركة الحداثة في الشعر التي كانت منتشرة في الوطن العربي وبذلك كان هناك أيضاً انفتاح على الوطن العربي وإنتاجه الأدبي.
12 ـ شهدت أعوام الستين حركة ثقافية وأدبية لم يشهد لها السودان مثيلاً.
13 ـ لم يلعب أي من جماعة الغابة والصحراء دوراً سياسياً بارزاً في السودان مؤكدين بهذه، الشقة بين السياسة والثقافة في السودان.
14 ـ لم تتبع هذه الحركة حركة نقدية لتتعرض لهذه الظاهرة بالدرس والتمحيص والاستشراف للحركة الأدبية في السودان لذلك كانت واحدة من مشاكل هذا البحث غياب النموذج والمراجع.
عبدالله الشقليني
15-12-2006, 09:11 PM
http://sudaniyat.net/vb/showthread.php?t=4214
عزيزنا الكاتب الرائع : الفيا
أرفقت على هذا اللنك أعلاه ، في ردنا على دكتور محمد الحسن ،
والموضوع حول لقاء مع الشاعر محمد المكي في 17/10/2003 م
وله علاقة بالموضوع .
شكراً لك هذا الثراء المتواصل ..
عجب الفيا
16-12-2006, 04:33 AM
الاخت بيان تقولين :
عبد الحي نفى وانتهى بحديث واضح انه لا ينتمي الى ما هو متعارف عليه بمدرسة الغابة والصحراء
الغابة والصحراء اتجاه وليست مدرسة شعرية .
التفريق دا مهم جدا يا دكتورة . وبادراكنا لاهمية هذا التفريق سنفهم بسهولة لماذا نفي عبد الحي ان تكون الغابة والصحراء مدرسة شعرية .
واستخدامك لكلمة "مدرسة " هنا يوحي بانك تتفقين معي في قرارة نفسك ان محمد عبد الحي نفي ان تكون الغابة والصحراء مدرسة شعرية ولكنه لم ينف انها اتجاها فكريا وثقافيا حاول التعبير شعرا عن الهوية من خلال ثيمة الغابة والصحراء .
والدليل قولك - اكرر قولك وليس قول عبد الحي - في خاتمة بحث الدكتوراة :
" ـ ان ما يسمى بمدرسة الغابة والصحراء لا يرقى إلى مستوى مدرسة أدبية ولكنها حركة أو تيار أدبي صحبه بعض التنظير والكتابات الأدبية. وساد لفترة في الأدب السوداني ثم اختفى.
""
اذن الخلاصة التي خرجتين بها من اطروحة الدكتورة ان الغابة والصحراء حركة او تيار ادبي وان عبد الحي جزء من هذه الحركة الادبية وذلك التيار الادبي .
واي حديث بخلاف ذلك سيوقعك في التناقض وسيكون مضيعة للوقت .
عجب الفيا
16-12-2006, 04:39 AM
اذن قد رد الكاتب بحياته على من حشروه تحت اللافتة هذه..
ومن الذين حشروه في هذه اللافتة الدكتورة نجاة محمود
حيث جاء في خاتمة بحثها في الدكتوراة :
" درس هذا البحث حياة الشاعر محمد عبد الحي ـ رحمه اللَّه ـ وأعماله الأدبية بالتركيز على نتاجه الشعري من خلال ثنائية الغابة والصحراء. وكانت الدراسة لشعره تركز على المضامين بخاصة مع التعرض للشكل بعامة."
عجب الفيا
16-12-2006, 04:43 AM
وله تصوره المختلف لمسألة الهوية..
.
ورغم هذا التصور المختلف في الهوية - كما تقولين - الا ان الدكتورة نجاة محمود قد حشرت محمد عبد الحي تحت لافتة الغابة والصحراء في بحث الدكتوراة .
عجب الفيا
16-12-2006, 07:16 AM
شكرا استاذنا الجميل الشقليني
التحايا النواضر
وشكرا على نقل رابط حوار محمد المكي مع صلاح شعيب ، الهام الذي يصب في مجرى هذا البوست
لا ادري اين نشر الحوار ؟
bayan
16-12-2006, 09:21 AM
سلام يا الفيا عشان ما نضيع زمن
محمد المكي ابراهيم تحدث عن جماعة
النور عثمان ابكر نفى وجود جماعة
سلمى خضراء الجيوشي تحدثت عن مدرسة وكذلك عبده بدوي
سموها الغابة والصحراء....
وعشان نكون دقيقين عبده بدوي كتب تيار
محمد عبدالحي نفى انه واحد من الجماعة البتكلم عنها محمد المكي ابراهيم والنفاها النور عثمان
وذكر تحديدا الجمعية الادبية بجامعة الخرطوم..
وقال هو لا ينتمي الى اي جماعة بل له صوته الفردي الخ الخ. التذيل..
من حديث عبد الحي اانافي لانه مع جماعة الغابة والصحراء او المدرسة كما يقول بعض النقاد
تثبت انه لا يعتقد نفسه واحد من الجماعة...
نجي بعداك لموضوع هي مدرسة ولا تيار ولا مفهوم ولا تيمات
اي ناقد حر فيما يراه واصلا النقد لا يقوم على مبدا الصاح او الخطا لانه ما علم اجرائي..
ولكن لكل ناقد طريقته في تقويم الظاهرة الادبية..
في تقويمي الدارس لظاهرة الغابة والصحراء خلصت الى انها تيمات ظهرت في اشعار
جماعة من الناس تواجدت في فترات مختلفة في مكان واحد
وهذا ظاهر في الفروقات العمرية بين هؤلاء..والمكان جامعة الخرطوم
كما ذكر النور عثمان ابكر مشيرا الى عبدالحي و على عبد القيوم..
وكيفتهم لتطوير الغابة والصحراء التى يرى انه من
اعماله هو..
كما يصح لي ان استخدم مدرسة الغابة والصحراء لان هذه التسمية ظهرت في اعمال نقاد
ومؤرخين امثال الجيوشى وعبده بدوي والطيب زين العابدين وابو سبيب..
لا يمكن ان اشطبها من التاريخ ز لان هؤلاء يرون انها مدرسة ادبية..وهذا يحق لهم كنقاد كما يحق لي
ايضا ان اعتقد انها مجرد تيمات لا غير..
ودي اصلا فكرة النقد ودور النقد.يكشف ويستشرف
ولا يوجد اي تناقض اذ انني بنيت اطروحة متماسكة منهجية وبفرضيات مدللة
بالشواهد...من اول خيط لآخر خيط..اتفق معها البعض واختلف معها البعض..
وهذا عادي جدا في عوالم النقد..
لا يدل على قوة او ضعف او تفوق او خلافه
وانا اتمنى لو طرحت رؤيتك فيها لتقدم للقارئ منظور مختلف..
بدلا من الجدال الذي ترى لا طائل منه
bayan
16-12-2006, 09:28 AM
ورغم هذا التصور المختلف في الهوية - كما تقولين - الا ان الدكتورة نجاة محمود قد حشرت محمد عبد الحي تحت لافتة الغابة والصحراء في بحث الدكتوراة .
انا ما حشرته ان تعاملت مع العودة الى سنار انها خطاب هوية
واخترت ان احللها بتيمات ثنائية الغابة والصحراء..
مع احتفاظ وتثبيت ان الشاعر قال انه لا ينتمي الى جماعة الغابة والصحراء
وان له صوته المتفرد..
وبذلك لم اتطاول او احشره في مكان لا يريده لنفسه..
وأأكد بالنسبة لي انها تيمات لا غير يمكن ان يحلل بها اي شعر كتب في سنوات الستين..او ما قبلها
bayan
16-12-2006, 09:44 AM
كتب الشاعر محمد عبد الحي هذه القصيدة في عام 1962 وبعملية حسابية بسيطة ندرك أنه كتبها وهو بعد في الثامنة عشرة ربيعاً.* ونشرت سنة 1963. ولكن من المعروف أن هذه القصيدة كتبها الشاعر أكثر من سبع مرات وكأنها جزء من سجل حياته تنمو معه نضجاً وعمقاً كلما نضج هو وكبر.
حيث يقول عنها:
"تحولاتها ـ تحولاتي (هل أنا غير حصاة، تتبلور فوق جمر الأغنية؟؟ منذ أن كتبت ثم نشرت في الرأي العام في ديسمبر 1963 وحوار 1965 وتم كتابتها مرة أخرى وأخرى في يوكشير وأكسفورد".
وقد ذكر الشاعر وسوغ كتابتها مرات ومرات وما تمثله هذه القصيدة في نفسه يخبرنا قائلاً: "لسبب ما فعل ذلك أليوت بمسودات الأرض اليباب ربما أراد أن يتخلص من وزره، وأفعل ذلك تخلصاً من أثمي الخاص. لقد أصبحت القصيدة مركزاً جاذباً لقواي الشعرية، إذا لم أتخلص منها ستظل تجتذبني وذلك مضر. لقد أضر بأذراً باوند في أناشيده فقد أصبحت ديناصوراً شعرياً يصعب التحكم فيه ولا يشبع أبداً مهما ألقمته من الكلمات والكلمات".
فهي إذن بالنسبة له تطهر من إثمه الخاص. ولكنها كما ذكرت سابقاً تمثل تأريخه الفكري وقد نمت معه "وربما كانت (العودة إلى سنار) دفعة من كيان الفنان في شبابه حينما رغب مثلما ـ رغب جويس في أن يشكل في مصهر روحه ضمير أمته الذي لم يخلق بعد. وربما كانت فتحاً آخر. وإلا كيف أفسر أنها كتبت سبع مرات أو نحو ذلك كأنها تدرج من مقام إلى مقام حيث تأريخ الذات وتأريخ القبيلة شيء واحد".
إن اهتمام محمد عبد الحي بتأسيس خطاب الهوية السودانية، جعله يسقط رغبته هذه في هذه القصيدة التي يعدها الشاعر رحلة من مواطن البراءة الأولى حيث قيل:
"اهتمام محمد عبد الحي بالأسطورة والتأريخ والمسرح وكل المكونات التراثية محاولة منه للعودة إلى نبع البراءة الأولى ـ في التأريخ السوداني توقف عند مروي وهي حضارة سودانية عظيمة ولكنه تجاوزها إلى سنار باعتبارها الأكثر حضوراً في الذات السودانية".
ولكن في المقابل نجد أن محمد عبد الحي كان دائم النفي لتوجه هذه القصيدة السياسي ويرى أن البعض قد حملها تحاميل لم يرم هو إليها. حيث قال في واحدة من رسائله لأحد أصدقائه:*
"وقد ظهر الجزء الثاني من حلقة النقاش التي أدارتها سلمى الخضراء الجيوشي. وبدأت أحس أن القصيدة قد تستعمل لأسباب سياسية هي ليست فيها ومنها. أريدهم أن يلتزموا أكثر بقضايا العرب وقضايا الأفارقة، ولكنهم الآن يهربون من الاثنين ويخافون الالتزام بالأبعاد العميقة للثقافة السودانية. وأهم من ذلك أريدهم أن يعرفوا أن الإدراك الثقافي ما هو إلا وسيلة لإدراك أعلى وأعمق ولكن القصيدة نفسها صورة وأحلام وكوابيس وتشنجات إيقاعية، ونشوة، ورعب وشيء من المعرفة الحدسية الشعرية فهي اللغة ومن اللغة وللغة".
وتأكيداً لما سبق نجد الشاعر يقول في مقام آخر: "ما تقدمه القصيدة ليس فكراً سياسياً أو قومياً. إنها تأكيد للجوهر الديني للوجود الإنساني وهذا الجوهر وحده هو أصل الملامح المتعددة للإنسان وأفعاله وتبقى القصيدة كالشجرة وجودها في حد ذاتها. ولا تترجم إلى عناصر أو أشكال غير ما هي فيه".
وقد يكون الشاعر قد اختار موضوع هذه القصيدة وأسماها العودة إلى سنار تأثراً بالحركة التي قادها مجموعة من الفونج والمثقفين قبيل الاستقلال بقيادة خضر عمر التي تدعو إلى أن يسمى السودان بجمهورية سنار باعتبار أن سنار هي رمز أو بداية حقيقية لتكوين السودان الحالي حيث تجاوز بين العناصر العربية والعناصر المحلية.
ونرى أن هذه القصيدة لقد حظيت بكثير من الدراسات التي كتبت بواسطة نقاد سودانيين أو عرب ومنهم على سبيل المثال وليس الحصر: سلمى خضراء الجيوشي* وعبده بدوي** ومجذوب عيدروس*** وسيد أملس**** وما زال بها متسع يستحق الاهتمام والكتاب
bayan
16-12-2006, 09:56 AM
لاحظ للتواريخ سنة 1962 كتبت القصيدة
ولم يكن هناك ما هو متعارف عليه بالغابة والصحراء.. وهنا تثبت فكرة انه لم يكن هناك جماعة
وان كل منهم بدأ بمفرده..
وهذا التأريخ اثر في ان ارجح فكرة عدم وجود جماعة..
وهذا الحديث يناقض ما قاله محمد الكي ابراهيم
شرعنا في تعميق الفكرة وإضاءة جوانبها وأطلعت محمدا على بعض الفصول التي سجلتها من كتابي عن الفكر السوداني وهو محاولة لاستكشاف العناصر المكونة للثقافة السودانية في بدايات تخلقها في العصر الفونجي..و بينما كنت اجاهد متنقلا بين المادة الخام لذلك البحث واعداد مخطوطته الأولى كان محمد ينغمس في اعداد واحد من اهم اعماله واحقها بالخلود فقد كان يكتب قصيدته الكبرى عن (العودة الى سنار) وما كادت عطلتنا الاجبارية تنتهي حتى كان محمد قد فرغ من مسودتها الأولى . "
اي ان القصيدة كتبت سنة 1963
ولكن الثابت ان القصيدة كتبت سنة 1962
ونشرت سنة 1963
ليت النور عثمان ابكر ادلى بشهادته ليضبط التأريخ..
عجب الفيا
16-12-2006, 01:46 PM
الاخت بيان شكرا على التعقيب
تقولين في خاتمة بحث اطروحة الدكتوراة :
" ان ما يسمى بمدرسة الغابة والصحراء لا يرقى إلى مستوى مدرسة أدبية ولكنها حركة أو تيار أدبي صحبه بعض التنظير والكتابات الأدبية. وساد لفترة في الأدب السوداني ثم اختفى."
هل ما اسميته بحركة أو تيار أدبي صحبه بعض التنظير والكتابات الأدبية. وساد لفترة في الأدب السوداني ثم اختفى. محمد عبد الحي داخل فيه ولا بره منه ؟
عجب الفيا
16-12-2006, 02:28 PM
يقول محمد المكي ابراهيم :
" .. لقد سجلت مرارا وتكرارا ان تسمية الغابة والصحراء من ابتكار الاستاذ النور وكنا قد ادرنا بيننا حوارا حول تلك الشئون وكانت له افكارسباقة عن التكوينة العرقية للسودان ولكننا لم نتطرق الى تكوين مدرسة شعرية او غير شعرية حول تلك المفاهيم ولم يدر ذلك ببالي الا بعد عودتي من المانيا بزمان فقد تركته هنالك وعدت في يوليو 1963لألتحق بالجامعة من جديد والتقي فيها بمحمد عبد الحي ويوسف عيدابي ونؤسس معا لاتجاه في الشعر السوداني ينطلق من تلك الأسس.
في صباح أحد أيام اغسطس 1963 نقر باب غرفتي اثنان من الشباب راح أحدهما (يوسف عيدابي) يقدم نفسه ورفيقه:
- نحن شاعران ونريد أن نتعرف بك ونقرأ لك.أنا يوسف عيدابي من كلية الحقوق وهذا صديقي محمد عبدالحي وهو حاليا في كلية العلوم.
كانا يتمتعان بوسامة هائلة وكان ليوسف اسلوب في الحديث يقطر براءة ومرحا حقيقيا يحببه الى القلوب.وكان محمد قليل الكلام يغوص في صمت متأمل وفيما بعد وجدت لديه انفجارات من المرح وقدرة على المعابثة ولكن ليس معي شخصيا فقد كان يعاملني بتوقير كبير وكانت علاقته بي شبيهة بعلاقتي مع النور الذي كنت اتطلع اليه باحترام ونوع من التتلمذ في بداية تعارفنا .وقد دأبنا على لقاء بعضنا البعض وتخطيط مشاريعنا الثقافية معا نحن الثلاثة ولكن سرعان ما انضم الينا عدد كبير من اصدقاء يوسف ومحمد على راسهم الشاعر على عبد القيوم والمعماري الفنان صابر ابو عمر (له الرحمة) والبروفسور طه أمير.
تعرضت مجموعتنا لهزة قوية حين تركنا يوسف مغادرا السودان للدراسة بالخارج حيث بقي الى ان نال درجة الدكتوراه وتوثقت علاقتي بمحمد بشكل كبير. وفي واحد من اضرابات الجامعة اقفلوا الجامعة وطلبوا منا مغادرة الداخليات الى حين اشعار آخر.وكان متوقعا ان لايستغرق ذلك طويل زمان فدعاني محمد للبقاء معه في بيت جدته (لها الرحمة والغفران) بدلا من السفرالى مدني(في حالته) والابيض(في حالتي.)
ولقد تأخر فتح الجامعة أكثر مما توقعنا وامتدت اقامتنا عند جدته المبرورة الى قريب من الشهر وكان ذلك الشهر هو الميلاد الحقيقي لتيار الغابة والصحراء فقد رويت لمحمد طرفا من تجربتي الألمانية واطلعته على الأثار الباقية لتلك التجربة فوجدت منه تجاوبا كبيرا إذ استطاع ان يرى بعين الشاعر عذابات الهوية ذلك قبل ان يخوض تجربة الهجرة ولقاء العملاق الأوروبي بخمس سنوات أو يزيد. وشرعنا في تعميق الفكرة وإضاءة جوانبها وأطلعت محمدا على بعض الفصول التي سجلتها من كتابي عن الفكر السوداني وهو محاولة لاستكشاف العناصر المكونة للثقافة السودانية في بدايات تخلقها في العصر الفونجي وإعادة ترتيب مراحل نشوء الفكر السوداني على ضوء التزامه بتلك العناصر الأصيلة.
كانت مراجعي تملأ حقيبة صغيرة حوت معظم ما نشر من التراث السوداني في ذلك الزمان وكانت معظم محتوياتها من دواوين الشعر وهو الأمر الذي عاتبني فيه كثيرون ممن لم يشهدوا ظروف التأليف وظنوا انني منحاز للشعر كمرجع للتاريخ الثقافي غير دارين ان الكثير من الأعمال المطبوعة المتاحة حاليا لم تكن متاحة في ذلك الزمان وان ما يعتبرونه مأخذا كان في الحقيقة ضريبة لزمان التأليف. ففي ذلك الزمان لم يكن كتاب الطبقات قد حقق ونشر على يدي محققه الجليل ولم يطبع من مؤلفات ابوسليم سوى منشورات المهدية.وقد درجت المؤلفات السابقة على (الفكر السوداني) على تصنيف الكتابات السودانية بطريقة مدرسية الى تقليديين ومجددين وقد اعتمدت بدلا عن ذلك على التغيرات الكبرى في التاريخ السوداني وصنفت لكل واحدة منها بابا فهنالك فكر للعصر الفونجي اعتبرته أصيلا ومبتكرا وهنالك باب للعصر التركي الذي اعتبرته عصرا مقلدا وغير أصيل وفي متابعتي للحركة المهدية ثبت لي انها عصر من عصور الابداع والتجديد.وعند الانتقال الى عصرالكولونيالية البريطانية صنفت عدة اجيال هي جيل المهدويين المهزومين وورثة الهزيمة من بنيهم وأحفاد الهزيمة وهم باكورة انتاج المدرسة النظامية في السودان.ومن بعد ذلك وضعت يدي على جيل الرواد وهم المؤسسون الحقيقيون للحداثة السودانية وقد وقفت طويلا على الهزة المزلزلة التي تعرضوا لها في وثبة 1924 والسنوات العجاف التي تلتها.وانتهى بحثي مؤقتاعند الجهاد السياسي لجيل الرواد الذي اسفر عن استقلال البلاد .
كتبت في ختام ذلك الكتيب هذه الكلمات:
(ان البحث في الفكر السوداني لايكتمل بوصولنا الى هذه النقطة بالحديث عن جيل الريادة ولابد من التطرق الى الجيلين اللاحقين ودورهما في اثراء ذلك الفكر وتطويره) ومضيت مستطردا الى القول بأن(الجيل الذي يتلو الرواد مباشرة هو في نظري جيل اليقظة في الثقافة السودانية وهو جيل العطاء المتخصص المستأني وهو جيل الدراسات فوق الجامعية وجيل التأليف الغزير والنضوج الفكري والعاطفي..انه جيل سعد الدين فوزي وهنري رياض وجمال محمد احمد ومحمد المهدي المجذوب وعبد الله الطيب وبشير محمد سعيد ورصفائهم من افاضل المثقفين السودانيين..... أما الجيل اللاحق فأنا آمل ان يكون جيل الوعي وان يندرج اسمه في التاريخ بتلك الصورة بصفته وريثا لمجهودات تلك الاجيال العظيمة من الرجال والفرص التي يتيحها له الاستقلال وظروف العصرليكتسب وعيا كاملا بذاته وبعصره).
بينما كنت اجاهد متنقلا بين المادة الخام لذلك البحث واعداد مخطوطته الأولى كان محمد ينغمس في اعداد واحد من اهم اعماله واحقها بالخلود فقد كان يكتب قصيدته الكبرى عن (العودة الى سنار) وما كادت عطلتنا الاجبارية تنتهي حتى كان محمد قد فرغ من مسودتها الأولى وظني انه عكف عليها بالتعديل والتحوير الى أن قيض الله لها سبل النشر بعد ذلك بسنوات.وبفضل وقفته الطويلة امام السلطنة الزرقاء أكد محمد على عصر الفونج في السودان بصورة اوضح كثيرا من تحليلاتي في (الفكر السوداني) واشادتي بأصالته وتطويعه معارفه القليلة للعيش والتوطن في بلاد السودان " - انتهي
الحلقة الثانية - التاريخ الشخصي للغابة والصحراء .
http://www.alsudani.info/index.php?type=3&id=2147507471&bk=1
bayan
16-12-2006, 02:43 PM
بينما كنت اجاهد متنقلا بين المادة الخام لذلك البحث واعداد مخطوطته الأولى كان محمد ينغمس في اعداد واحد من اهم اعماله واحقها بالخلود فقد كان يكتب قصيدته الكبرى عن (العودة الى سنار) وما كادت عطلتنا الاجبارية تنتهي حتى كان محمد قد فرغ من مسودتها الأولى وظني انه عكف عليها بالتعديل والتحوير الى أن قيض الله لها سبل النشر بعد ذلك بسنوات.وبفضل وقفته الطويلة امام السلطنة الزرقاء أكد محمد على عصر الفونج في السودان بصورة اوضح كثيرا من تحليلاتي في (الفكر السوداني) واشادتي بأصالته وتطويعه معارفه القليلة للعيش والتوطن في بلاد السودان " - انتهي
الحلقة الثانية - التاريخ الشخصي للغابة والصحراء .
هذه المعلومات مخلطة
اذ ان القصيدة كتبت سنة 1962 ونشرت 1963 في الراي العام ثم في مجلة لبنانية ومصرية سنة5 196
كا كررت وساظل اكرر الى ان تصحح هذه المعلومة..
عجب الفيا
16-12-2006, 02:46 PM
عذرا مكرر
عبدالله الشقليني
16-12-2006, 02:58 PM
شكرا استاذنا الجميل الشقليني
التحايا النواضر
وشكرا على نقل رابط حوار محمد المكي مع صلاح شعيب ، الهام الذي يصب في مجرى هذا البوست
لا ادري اين نشر الحوار ؟
عزيزنا الكاتب الرائع عجب الفيا :
لقد ورد المقال في صحيفة سودانايل التي يحررها الأستاذ / طارق الجزولي ،
وهي صحيفة لم تزل بلا أرشيف .
شكراً لك
وأعرج أنا على رؤى المحجوب في الثلاثينات من القرن الماضي ، وكانت في ذهنه
شيء من ( الغابة والصحراء )
الشيء الذي يقول به الكثيرون وأنا وأنتَ وغيرنا من أنها ليست بمدرسة ، ويمكن أن تكون أي شيء آخر .
قطف من مقدمة المحجوب من كتابه ( نحو الغد )
وهو مجموعة مقالات كتبها في مرحلة الثلاثينات من القرن الماضي :
النص :
إن هذا الغد قريب ولا ريب آت ، ومهمة هذا الجيل أن يعمل له فرادى ومجتمعين ، وهذا الغد سيكون زاهراً خالياً من الإحن والضغائن ، وسيكون عماده الحرية الذاتية والتسامح الشامل والتعاون مع جيراننا أولاً ، ومع بقية العالم ثانية . وسيقوم على ثقافة سودانية هي نتاج ثقافات متعددة ، ولكن بعد أن تأخذ الصبغة السودانية ، لأن السودان الجديد سيكون شعباً واسع الصدر ، مفتق الذهن يقبل على دراسة كل ما يهمه ويتعلق بمسائله في ثقافات كل الأمم الحاضرة والسالفة . وسيهضم تلك الثقافات ويحولها إلى دم يجري في عروقه ويختلط بدمه حتى يصبح دما سودانياً فيه كل مميزات السودان ، من أخلاق وعادات وطباع . وسيقبل على خلق أدبه الخاص وفلسفته الخاصة ، لأن تخيلات أهله وأحلامهم وأمانيهم غير تخيلات وأحلام وأماني الأمم الأخرى ، وسيتخذ من حوادثه وأخلاق أهله وتقاليدهم مادة لفنه القصصي والشعري ، ومن مناظر غاباته وصحاريه ووديانه مادة لفنه التصويري ، ومن مشاعر أهله واحساساتهم وحركاتهم وسكونهم مادة لموسيقاه .
انتهى القطف من كتابة المحجوب
عبدالله الشقليني
16-12-2006, 03:06 PM
الأحباء هنا
تحية واحتراماً
أنوه على أن الدكتورة سلمى الخضراء ، الفلسطينية الأصل
كانت تُدرس الشعر العربي الحديث في كلية الآداب جامعة الخرطوم في أواخر
الستينات ومطلع السبعينات ، وهي فوق ذلك شاعرة وناقدة ، ولها رؤى لا تخيب
إذ أنها من الأجيال التي واكبت الشعر الحديث ، ومن الذين جلسوا يُدرسونه
واقتطعوا اعترافاً من المؤسسة التقليدية في تدريس الشعر العربي .
لذا فإن رايها يظل يطوَّف هنا وهناك لثقل ما تحمل من علم ولمُعاشرتها شعراء السودان .
وكانت أيامها على خلاف دائم مع الرؤى الكلاسيكية التي كان
من روادها بروفيسور عبد الله الطيب ،والجميع يدركون تمسُك الرجل
بموقف صمدي ضد الشعر العربي الحديث و مدارسه رغم أن له قصيدة
تعتبر من الشعر العربي الحديث ! ...
ليس لدي الآن نص القصيدة وتحتاج المصادر والنص .
شكرنا لك عزيزنا الفيا لهذا الثراء
الجيلى أحمد
17-12-2006, 02:07 AM
الأستاذ الفيا
وكل من أثرى هذه المائدة..
لكم التحايا,
دون اذن نتناول وجبة المساء الشهية,
هذه مائدة تعمر بمطائب الحديث وتغوى عشاق الكلم على اختلافهم.
عجب الفيا
17-12-2006, 02:48 AM
استاذنا الفنان صاحب الحرف المنمق الشقليني
لقد عودتنا دوما على حضورك الباهي
شكرا على رفدك للبوست بهذه الاشارات الثاقبة
وساعود اليك
عجب الفيا
17-12-2006, 02:51 AM
اهلا وسهلا استاذ الجيلي
وشكرا على بهاء الحضور ورصانة المتابعة
ودوما في انتظار مساهماتكم
bayan
17-12-2006, 03:05 AM
ليس لدي الآن نص القصيدة وتحتاج المصادر والنص
الاخ الشقليني
القصيدة نشرها الاستاذ على المك عليه الرحمة في كتاب مختارات من الادب السوداني
فاذا كان احدهم يمتلك نسخة يمكنه ان يرفد بها البوست..
وهي كتبت على ما اعتقد في الاربعينات ولذلك دائما يردد انه كتب الشعر الحديث قبل
نازك الملائكة.. القصيدة فيها كثير من الصنعة كبقية اشعاره..وتشبه القصائد المترجمة..
ولك التحية
عجب الفيا
17-12-2006, 03:36 AM
هذه المعلومات مخلطة
اذ ان القصيدة كتبت سنة 1962 ونشرت 1963 في الراي العام ثم في مجلة لبنانية ومصرية سنة5 196
كا كررت وساظل اكرر الى ان تصحح هذه المعلومة..
لا ارى اي تناقض او معلومة مغلوطة فيما ذكره محمد المكي حول تاريخ كتابة " العود الى سنار " فقد ذكر ان عبد الحي أكمل المسودة " الاولى " للقصيدة سنة 1963 والدليل على صحة ذلك ان هذه نفس السنة التي نشرت فيها مقاطع من القصيدة لاول مرة بجريدة "الراي العام " . علما ان القصيدة لم تنشر بشكلها الحالي كاملة الا سنة 1973 .
اما قولك ان محمد عبد الحي كتب القصيدة سنة 1962 فلا يمكنا الجزم والحسم بذلك الى الدرجة التي نخطيء فيها محمد المكي بهذه السهولة وهذه الثقة الزائدة التي لا تترك مجالا للاختلاف او المراجعة وحسن الظن بالراي الاخر . الا اذا كنا شهود عيان مثل محمد المكي .او اردنا ان نجرح شاهد العيان باي ثمن . وعلينا ان نتذكر قول عبد الحي انه كتب القصيدة سبع مرات مختلفات .
عبدالله الشقليني
17-12-2006, 03:49 AM
الشكر أجزله للدكتورة بيان
ولجميع الأحباء هُنا
عجب الفيا
17-12-2006, 04:09 AM
[size=4][color=#0000CC]في صباح أحد أيام اغسطس 1963 نقر باب غرفتي اثنان من الشباب راح أحدهما (يوسف عيدابي) يقدم نفسه ورفيقه:
- نحن شاعران ونريد أن نتعرف بك ونقرأ لك.أنا يوسف عيدابي من كلية الحقوق وهذا صديقي محمد عبدالحي وهو حاليا في كلية العلوم. [/U]
تعرضت مجموعتنا لهزة قوية حين تركنا يوسف مغادرا السودان للدراسة بالخارج حيث بقي الى ان نال درجة الدكتوراه وتوثقت علاقتي بمحمد بشكل كبير. وفي واحد من اضرابات الجامعة اقفلوا الجامعة وطلبوا منا مغادرة الداخليات الى حين اشعار آخر.وكان متوقعا ان لايستغرق ذلك طويل زمان فدعاني محمد للبقاء معه في بيت جدته (لها الرحمة والغفران) بدلا من السفرالى مدني(في حالته) والابيض(في حالتي.)
البارحة كنت اتحدث مع الدكتور يوسف عيدابي وهو معنا هنا بالامارات وقد اطلع على ما كتبه محمد المكي وأمن على ما ذكره محمد المكي .
وقال لي كنا كثيرا ما نلتقي ببيت حبوبة محمد عبد الحي هو والمجموعة التي ذكرها محمد المكي واخرين للتفاكر والمدارسة في تلك القضايا . وادلي بافادات في غاية الاهمية ستكون مدار حوار بيني وبينه ان شاء الله .
ويبدو لي يا دكتورة بيان ان اصرارك على نفي انتماء محمد عبد الحي الى هذه المجموعة الغرض منه نفي يسارية محمد عبد الحي لاعتقادك ان هذه المجموعة او الجماعة يسارية وبالتالي لا تريدين تنسب الغابة والصحراء كلها لليسار بدليل نفيك يسارية محمد المكي من اول مداخلة رغم انني لم اذكر ذلك مطلقا نفيا او اثباتا .
انا شخصيا لا انظر الى الامر من هذه الزاوية ولا اعرف حتي هذه اللحظة بالضبط ماذا كانت الانتماءات الساسية والايديلوجية لكل فرد من هذه المجموعة .
اما نفي عبد الحي لاحقا انتمائه لهذه الجماعة كما ذكرت لك هنالك عدة اسباب اهمها اصراره على ان الغابة والصحراء ليست مدرسة فنية وذلك لانه يريد ان يكون له صوته الخاص المتفرد حتى ولا يساوي مع غيره من الشعراء لمجرد ان بعضهم يردد في اشعاره مفردات الغابة و والصحراء . رغم ان وجود جماعة شعرية لا يجعل هذه الجماعة تكتب قصيدة واحدة او تجعل انتاجهم نسخة من بعض . اضافة الى ما ذكره محمد المكي من احباطات واجهتهم نتيجة الهجوم الذي تعرضوا له .
وقد ذكرت انت في اطروحتك بعض الاسباب التي جعلت بعضهم يتملص من انتمائه لهذا الاتجاه ولا شك ان محمد عبد الحي من بين الذين تملصوا حسب تصورك . وعليه فان اصرارك الان على الاخذ بنفي انتماء عبد الحي الى هذه الجماعة بحذافيره دون الاخذ في الاعتبار ملابسات ذلك التملص الذي اشرت اليه في الاطروحة فيه ثمة تناقض .
bayan
17-12-2006, 05:59 AM
اما قولك ان محمد عبد الحي كتب القصيدة سنة 1962 فلا يمكنا الجزم والحسم بذلك الى الدرجة التي نخطيء فيها محمد المكي بهذه السهولة وهذه الثقة الزائدة التي لا تترك مجالا للاختلاف او المراجعة وحسن الظن بالراي الاخر . الا اذا كنا شهود عيان مثل محمد المكي .او اردنا ان نجرح شاهد العيان باي ثمن . وعلينا ان نتذكر قول عبد الحي انه كتب القصيدة سبع مرات مختلفات .
قال الشعر نفسه انه كتبها سنة 1962
وقد نشرت في الرأى العالم وفي مجلة حوار 1965 حيث قرأها الشاعر السفير جمال
واثنى عليها وقال ان محمد صار حديث المدينة..لابويه الذين كانوا يمنعونه من كتابة الشعر
الذي كانوا يعتبرونه يضيع له زمنه...
ربما شهد محمد المكي ابراهيم اعادة الكتابة لها مرة اخرى...
وثقتي الزائدة لم تات من فراغ تاتي من انني متابعة هذه القصيدة في تحولاتها
منذ 1982 ومن القلائل في السودان الذين اطلعوا على مسوداتها بخط الشاعر..
فانت الذي تنفي بثقة متزايدة..
وحكمنا هنا اقوال الشاعر نفسه عن قصيدته..
في هذه الرسالة التى ارسلها الى خالد المبارك
الأربعاء: 5 يوليو 74
أخي خالد / سعدت جداً بلقائك يوم السبت الماضي، وأرجو أن نلتقي قريباً إن شاء اللَّه لأن حقائبنا مليئة بكلام.
وجدت نسخة القصيدة الضائعة في واحدٍ من الصناديق المودعة عند محمد حاج علي، هذا الأخ العزيز، أرسل إليك منها نسخة مصورة ومعها أرسل إليك مراحل الـ foetus للقصيدة ـ تحولاتها ـ تحولاتي ["هل أنا غير حصاه / تتبلور / فوق جمر الأغنية؟"] منذ أن كتبت ثم نشرت في الرأي العام من ديسمبر 63 وحوار 65 ثم كتابتها مرة وأخرى وأخرى في يوركشير وأكسفورد وشير.
لسبب ما فعل ذلك أليوت بمسودات "الأرض اليباب"، ربما أراد أن يتخلص من وزر ما، وأفعل ذلك تخلصاً من إثمي الخاص. لقد أصبحت القصيدة مركزاً جاذباً لقوايي الشعرية، وإذا لم أتخلص منها تماماً فستظل تجتذبني وذلك مضرّ. لقد أضرّ بإزرا باوند في أناشيده فقد أصبحت دينصوراً شعرياً يصعب التحكم فيه ولا يشبع أبداً مهما ألقمته من كلمات وكلمات. أناشيد باوند هي، بالطبع، أعظم فشل شعري في تاريخ الشعر الإنجليزي على الأقلّ (لزوميات المعري أعظم فشل شعري في تاريخ الشعر العربي) Prescision is a poetic virture. ـ قال، أو كان يجب أن يقول!
ربما كانت [العودة إلى سنار] دفعة من كيان الفنان في شبابه حينما رغب ـ مثلما رغب جويس ـ في أن يشكل في مصهر روحه ضمير أمته الذي لم يخلق بعد. وربما كانت فتحاً آخر، وإلا كيف أفسّر أنها كتبت سبع مرات أو نحو ذلك؛ وكأنها تدرج من مقام، إلى مقام، حيث تاريخ الذات وتاريخ القبيلة شيءٌ واحد.
.
محمد عبد الحي
31 يناير 73
عزيزي خالد ـ لك ولعفاف التحية والود ـ لم أكتب لك منذ استلامي خطابك الأخير، فالمعذرة، ولكن كما تعلم، الدنيا دار متاعب. والمشغولية حاصلة والزهج حاصل ـ ومسألة الأكاديميات هذي كان على كبيريّ أن ينصحاني حين لم ترعو نفسي، كان ذلك أول الشباب، وللشباب خيل دونما لجم. ولكن "البقت بقت" و"الصقر إن وقع كثير البتابت عيب" ـ والوسوسة كيمياء كنت أظنها ستجعل من نحاس أطروحتي ذهباً لو داومت على صب حوامض الفكر ـ ولكن يرضيني هذي الأيام حثالة من الفضة ـ المهم كيف أنتهي من هذا الأمر، فقد صار ذهني كالأسفنجة التي عُصرت وهصرت وفرمت وألقيت في صحارى من السهاد والتعب.
ونغير الموضوع: يبدو أن أبا الهول حرّك فخذيه أخيراً في السودان فقد عقدت الشاعرة الفلسطينية د. سلمى الخضراء الجيوشي، وهي في كلية غردون الآن أستاذة للأدب العربي الحديث، سمنار Practical Criticism حول قصيدة: "... سنار" وأعلنت دار الشوش للنشر أن ستطبع قريباً ـ من ناحيتي لم يعد الموضوع يثيرني كثيراً ـ فقد أصبحت سنار من تاريخ العام الماضي ـ وقد بدأت قصيدة Sequel أعلم أنها ستستغرق مني وقتاً طويلاً وما ألمحه منها فيه ملامح الوطن الجديد الذي دخلت حدوده في سنار.
* يوم الاثنين القادم سأزوركم في ردنق بعد الظهر ـ ولو تعشينا بامية يكون ممتاز ـ ومعي ستكون مسرحياتك، والسلام.
محمد عبد الحي
21/3/73
أخي خالد ـ
أقترح أن تركز الآن على المدة ما بين أوّل القرن إلى عام 1950 ـ أي قبل أن يبدأ عبد اللَّه الطيب في نشر نكبته ـ أقصد "نكبة البرامكة" ـ لأن بعد عام 1950 قد يحتاج إلى دراسة مستقلة تبرز فيها الاتجاهات المختلفة، أما قبل ذلك فالتركيز بالضرورة سيكون على الجانب التاريخي، وقد يحتاج الأمر كله ذات يوم إلى كتاب ـ أما في نطاق مقال أكاديمي فاللمح والإشارة لا مناص منهما.
لا عجلة في الأمر ـ يكفي أن "تضعه في ذهنك" إلى أن تنتقل إلى برستول، ثم تتفرغ له أسبوعاً أو أسبوعين.
بعد عام 1950 ـ مرحلة جديدة ـ كثرت فيها الترجمات: شكسبير بات أحمد الطيب، وعدد كبير من المسرحيات الإفريقية ذات الفصل الواحد نشرت في الرأي العام، والخرطوم [وأقموم الآن بترجمة ثلاث مسرحيات من وليم بتلربيتس] ـ الخ ... الخ هذي المرحلة تحتاج، في رأيي، إلى دراسة مستقلة.
أعرف جيداً ذلك الإحساس الذي تتلك عنه فيما يتعلق بالبحث، ولعلّ الإشراقات الليلة، والاكتشافات التي تلمع بين وقت وآخر هي ما يمنع المرء من الانفقاع. لا بأس عليك، وقد يكون الأمر تجربة في التقشف وفي مشاركة النبات شيئاً من رتابة نموه.
لم أسمع شيئاً من جامعة الخرطوم، قسم الشوش ـ وقد تجاهلت الأمر تماماً ـ ولم أسمع من بيروت، وقد تجاهلت الأمر تماماً ـ وقد ظهر الجزء الثاني من حلقة النقاش التي أدارتها سلمى الخضراء الجيوشي، بدأت أحس أن القصيدة قد تستعمل لأسباب سياسية هي ليست منها وفيها ـ أريدهم أن يلتزموا أكثر بقضايا العرب وبقضايا الأفارقة، ولكنهم الآن يهربون من الاثنين، يخافون من الالتزام بالأبعاد العميقة للثقافة السودانية، وأهم من ذلك أريدهم أن يعرفوا أن الإدراك الثقافي ما هو إلا وسيلة لإدراك أعلى وأعمق ـ ولكن القصيدة نفسها صورة وأحلام وكوابيس وتشنجات إيقاعية ونشوة ورعب وشيء من المعرفة الحدسية الشعرية، فهي في اللغة ومن اللغة وللغة ـ المهم، فلننس هذا الأمر!
I am not asking for recognistion.
والموقف الأدبي في السودان محزن ومؤلم.
سلامي إلى عفاف، وقد أقفز إليكم ويك أند ما، فالزهج من البطاطس والفاصوليا المثلجة يملأ خياشيمي برائحة اللعنة،
ولكما الود
محمد
P.S.
* التلفون الذي استعملته آسيا، يا خالد، في الكلية، استعمل هذا الرقم فهو في المكان الذي أسكن فيه ـ Oxford
* حقاً انه أمر جميل أن يرجع عبد اللَّه إلى السودان ـ يبدو أنه قد بالغ في التوهم يوماً ما.
bayan
17-12-2006, 06:23 AM
الاخ الفيا
انا باحثة لي احترامي لعملي لا ادخل اجندتي الخاصة ولا اقحمها,,
وباحثة دارسة دراسة احترافية اعرف كيف يتم التوثيق بكل أمانة وصدق
لم يعرف عني تزويرا لشهادات او خلط اجندة في بحث علمي اكاديمي يوضع في المكتبات
يشهد علي فيما بعد.ز
لدي اسم ولقب احافظ عليهما حديثك عن نفي اليسار او الدخول اهانة كبيرة جدا لي...فهذا ما دواس
مع الشيوعين. دا نقاش علمي..له ضوابطه ومناهجه
كما قلت لك انني اكاديمية واحقق في كل الافادات بالصورة العلمية الموضوعية المنهجية المتعارف عليها..بصرامة
والتزام عالي اشاد به كل من قرا بحثي من المتخصصين..
واذكر كل الافادات المهمة وارجح ايهما اقرب الى الصواب بمزيد من المقابلات والقراءات
يعني ما قاعدة اشيل واللصق ساكت..
لمااذ اغفلت شهادة النور عثمان ابكر وهو حي يرزق؟
حتى طريقتك في جلب اسم عيدابي طريقة فيها اثارة ونواصل بعد الفاصل وما هكذا تورد المناقشات الفكرية..
هذا نقاش دائر الان اكتب ما قاله عيدابي او امسك عن ذكره..لحين تكون جاهز ان تذكر افادته
هل ذكر لك عيدابي ان القصيدة كتبت سنة 1963؟
بعد ان تكونت الغابة والصحراء كتب محمد عبدالحي قصيدته مطبقا اساسياتها..؟
هذا هو الاختلاف بيننا..
وهذا ما نفاه صاحب القصيدة نفسه بصورة واضحة جدا
هذا هو المحك ولكن الجلوس في بيت حبوبة محمد لم يكن ابدا فيه اختلاف..
عجب الفيا
17-12-2006, 06:27 AM
قال الشعر نفسه انه كتبها سنة 1962
.
بيان صباح الخير بتوقيت الامارات
اين ذكر الشاعر نفسه انه كتب القصيدة سنة 1962 في رسالته الى خالد المبارك ؟؟؟
bayan
17-12-2006, 06:33 AM
وقد ذكرت انت في اطروحتك بعض الاسباب التي جعلت بعضهم يتملص من انتمائه لهذا الاتجاه ولا شك ان محمد عبد الحي من بين الذين تملصوا حسب تصورك . وعليه فان اصرارك الان على الاخذ بنفي انتماء عبد الحي الى هذه الجماعة بحذافيره دون الاخذ في الاعتبار ملابسات ذلك التملص الذي اشرت اليه في الاطروحة فيه ثمة تناقض
لا يوجد تناقض فيما كتبت والا لما مرر البحث الاكاديمي, اي بحث به خطا منهجي لا يمرر والتناقض من الاخطاء المنهجية..
لم يطلب مني اعادة الكتابة ولم يذكر لي ان هناك تناقض بين الفرضيات و اثبتاتها
كل من قرا البحث من البرفسورات الذين اعطيتهم له وغالبيتهم نجوم في سماء الثقافة السودانية..
فاين التناقض الذي اكتشفته انت وكيف انه تناقض. لا تكتب حديث مثل هذا دو ن استدلال...
قل يا بيان كتبت في بحثك كذا وكذا ثم ذكرتي فيما بعد فيه كذا وكذا وهذا يناقض ما كتبتيه
لانه اكثر من مرة استخدمت كلمة متناقض..لاعرف موطن التناقض الذي فات على كل المختصين.
وينوبك ثواب ان اصحح المتناقض قبل النشر النهائي.الذي سيكون قريبا..
عجب الفيا
17-12-2006, 06:39 AM
كنت قد ارسلت بحثي لمحمد المكي ابراهيم
صوب انه لم يكن يوما يساريا. وان مصطفي سند لم يكن معهم
هذا هو الدليل على انك انت التي اقحمت مسالة اليسار في البحث فصوبك محمد المكي انه لم يكن يساريا
يعني انت في البداية كنت نتظرين الى المسالة من منطلق يساري .
واقد ادليتين بهذه الافادة هنا من تلقاء نفسك دون اي مبرر لانني لم اتطرق مطلقا انهم كانوا من اليسار .
اما حديثي عن عيدابي فاين الاثارة فيه ؟ انت نفيت ان يكون محمد عبد الحي من ضمن تلك المجموعة فاوردت تاكيد عيدابي لذلك فاين الاثارة هنا ؟ !!
bayan
17-12-2006, 06:45 AM
ذكرها في مقابلة معه وفي خطاب خالد المبارك ذكر سنة النشر كما هو واضح..
1963
ساكاتب مجذوب العيدروس ايضا لانه ايضا ذكر هذه المعلومة.. في مقابلة اجريتها معه في شتاء 1999
وقد علقنا على انه كتبها وهو يافع وعمره 18 سنة
واذا علمنا انه مولود سنة 1944 في نوفمبر يكون عمره 18 سنة 1962
الى ذلك الحين الا ان يثبت انه كتب قصيدته هذه بعد ان تفاكر في امر الهوية مع محمد المكي ابراهيم..
واقتنع بفكرة المدرسة الادبية
يكون نفي الكاتب قائم من انه لم يكن شاعرا من شعراء الجماعة..
كما قلت ربما كتب احد نسخها السبع عام 1963
وهنا لا يكون هناك اي خطا في التأريخ.. فقط الاختلاف حول اي النسخ..كتبت ذلك العام..
والاخلاف في هل تبنى محمد عبدالحي افكار محمد المكي ابرا هيم في كتابته للقصيدة ام لا؟
bayan
17-12-2006, 06:57 AM
في النسخ الموجودة بخط يده لا يظهر فيها تاريخ النسخ ولكن
ذكر مكان الكتابة في احد النسخ وهي ليدز بذلك يمكن تحديد التاريخ بمعرفة زمن اقامته..
بقية النسخ لا يظهر فيها لا تأريخ ولا مكان..
ولذلك نعتمد على اقواله هو عنها او اقوال المؤرخين المعاصرين له..
بعد ذلك نحمصها ونرى ايهما ارجح على ضوء معلومات اضافية
بما ان الخلاف هنا
ان محمد المكي ابراهيم ذكر انها كتبت سنة 1963
بعد مقابلته هو مع محمد واخبره بفكرة الغابة والصحراء الامر الذي نفاه الشاعر
انه جزء من هذه الجماعة ..
علينا البحث عن مزيد من الافادات
من امثال الناقد والمؤرخ مجذوب العيدروس دكتور احمد البدوي الاستاذ احمد الامين احمد
وأهم شخص هنا عيدابي. في ان يذكر وهو صديق محمد هل راى قصيدة العودة الى سنار الى كان اسمها العودة الى لغة القبيلة
او الابحار الى سنار
قبل ام بعد مقابلة محمد المكي ابراهيم..
بذلك تاخذ بشهادته..لانه هو الذي حضر ذلك العهد وعرف محمد منذ فترة طويلة قبلها
وننتظر افادته من خلال الفيا..
bayan
17-12-2006, 07:13 AM
هذا هو الدليل على انك انت التي اقحمت مسالة اليسار في البحث فصوبك محمد المكي انه لم يكن يساريا
يعني انت في البداية كنت نتظرين الى المسالة من منطلق يساري .
واقد ادليتين بهذه الافادة هنا من تلقاء نفسك دون اي مبرر لانني لم اتطرق مطلقا انهم كانوا من اليسار .
اما حديثي عن عيدابي فاين الاثارة فيه ؟ انت نفيت ان يكون محمد عبد الحي من ضمن تلك المجموعة فاوردت تاكيد عيدابي لذلك فاين الاثارة هنا ؟ !!
الاجتزاء يضر كثيرا بالمعنى
انا كتبت انني قمت بارسال بحثي للمكي والنور
وكنت قد كتبت ان صلاح و المكي ينتمون لليسار والنور كان وجوديا...
اهتم المكي بتصويب هذا الامر وابدى النور سعادته بانني وجدت ما فعلوه يستحق الدراسة..
فاين اليسار هنا والتركيز عليه
خاصة انا الافادة الكاملة موجودة
وهي
كنت قد ارسلت بحثي لمحمد المكي ابراهيم
صوب انه لم يكن يوما يساريا. وان مصطفي سند لم يكن معهموارسلته للنور عثمان ابكر
قال انه سعيد ان ما فعلوه يجد اهتمام ويوثق.
والى الان انتظر ملاحظاتهم وتصويباتهم..منذ 5 سنوات..
لماذا اغفلت كل الكوتيشن الذي اردت ان ابين انني قد ارسلت للاحياء من الجماعة بحثي..
وطلبت منهم تقويمه وتصويب المعلومات التي يرون انها غير صحيحة
وكل ما فعله المكي فقط قال انه لم يكن يساريا وان مصطفي سند لم يكن معهم
ولم يهلق على نفي عبدالحي..
هذه ما اردته
ولم يذكر اليسار هنا بصورة دواس او نوايا سيئة
فلقد تعجلت القراءة ودخلت في النوايا...
ساستمر في هذا البوست الى ان تظهر الحقيقة التى تخص قصيدة العودة الى سنار
لاني احتاجها في تصويب عملي..الذي هو اول توثيق منهجي اكاديمي لما سمي بظاهرة الغابة والصحراء
لذلك اريده كاملا صحيحا.. للاجيال القادمة..
bayan
17-12-2006, 07:24 AM
ومما سبق نخلص إلى أن الغابة والصحراء لم تكن مدرسة ذات أبعاد فكرية موحدة، أو التزام بخط فكري موحد. إذ نجد أن كل من هؤلاء الأدباء يحمل فكره الخاص به وإن كانت الهوية السودانية هي شغل شاغل لهم. ولكن نجد أن كل واحد منهم ولج إليها من مرتكزه الخاص. وقد اختلفت هذه المرتكزات بينما نجد محمد المكي إبراهيم وصلاح أحمد إبراهيم ينتميان إلى اليسار. نجد مصطفى سند ومحمد عبد الحي لا ينتميان إلى خط فكري موحد ولكن في داخلهما يؤمنان بالوجود الديني عند الإنسان ثم نجد "النور عثمان أبكر" كان ينتمي إلى الفكر الوجودي.
ولكن إذا كان الخط الفكري هو علامة فارقة بين هؤلاء الأدباء، غير أن هناك أشياء كثيرة متشابهة بينهم وهذا هو الذي جعل النقاد* يدرجونهم تحت ما يسمى بمدرسة الغابة والصحراء فنجد أن الإطار الجوهري (الشكل والمضمون) يحفل بكثير من العوامل المشتركة وهي:
1 ـ مفهوم البعث الحضاري السوداني القديم (مروي).
2 ـ هموم الهوية السودانية.
3 ـ بعث العنصر الزنجي في الشخصية السودانية.
4 ـ استخدام سنار كرمز للسوداني الخلاصي (بداية التكوين).
5 ـ استخدام مفردات سودانية.
6 ـ إيراد رمزية الغابة والصحراء في شعرهم.
7 ـ قضية الموت والبعث بالمفهوم الإفريقي.
8 ـ ظاهرة العرافة والكجور.
وعلى الرغم من أن الشكل عندهم كان شكلاً "حداثياً" التزموا فيه بأوزان الشعر الحر، وكما ذكرنا سابقاً في الفصل الأول في معرض حديثنا عن الشعر عند محمد عبد الحي أن هناك موقفين من استخدام اللغة وتوظيفها، الأول يميل إلى وضوح الأسلوب والتقريرية والثاني هو استخدام اللغة بتكثيف للصور وملئها بالإشارات والغموض وفي هذا تقول سلمى خضراء الجيوشي في معرض حديثها عن الشعر السوداني في سنوات الستين:
"الأول يميل إلى وضوح الأسلوب، بسط الحدود الخارجية للصورة وشيء من الهلهلة في تركيب العبارة أحياناً وزعماؤه شعراء كعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور أما التيار الثاني فهو تيار الشعر الخاطف المكتنز بالمعاني والصور الذي كسر منطق التركيب القديم في العبارة وجزاء الصورة أبرز شعرائه أدونيس".
ومن هذا المنطلق نجد أن صلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم يكتبان تحت التيار الأول لعل ذلك لارتباطهم بمدرسة الواقعية الاشتراكية، بينما يكتب محمد عبد الحي والنور عثمان أبكر ومصطفى سند تحت التيار الثاني هذا من ناحية شكل القصائد عند جماعة الغابة والصحراء.
ومن هنا نخلص إلى أن الغابة والصحراء هي حركة بعثية للعنصر الزنجي، والاعتراف به كمكون أساسي، في الإنسان السوداني وثقافته وكما ذكرنا على الرغم أنه لم يكن هناك خطاب تأسيسي، إلا أن لهذه الجماعة قاسماً مشتركاً، ألا وهو فكرة الهوية السودانية وهمومها التي كانت ضرورة في سنوات الستين، وأن يحدد السوداني موقفه من حركة النضال الإفريقية أو العربية*. وكذلك لحسم الحرب الدائرة في الجنوب التي يراها البعض أنها حرب عرقية بين زنوج وعرب، فلذلك فكرة الغابة والصحراء وانصهار العنصرين الزنجي والعربي قد يقرب شقة الخلاف بين الجنوب والشمال.
عجب الفيا
17-12-2006, 07:29 AM
في النسخ الموجودة بخط يده لا يظهر فيها تاريخ النسخ ولكن
ذكر مكان الكتابة في احد النسخ وهي ليدز بذلك يمكن تحديد التاريخ بمعرفة زمن اقامته..
بقية النسخ لا يظهر فيها لا تأريخ ولا مكان..
ولذلك نعتمد على اقواله هو عنها او اقوال المؤرخين المعاصرين له..
بعد ذلك نحمصها ونرى ايهما ارجح على ضوء معلومات اضافية
..
اذن لم يكن هنالك داعي اصلا للاستعجال وتكذيب محمد المكي في البداية قبل تمحيص الامر وترجيح المعلومات
ولكن ساتيك بالخبر اليقين بعد لحظات !
bayan
17-12-2006, 07:37 AM
لو لاحظت ايها القارئ ما هو مبين بالاحر تجد انه تحليل لظاهرة و اليسار هنا
ذكر في معرض تحديد مواقف الشعراء الفكرية..
ولقد كان هنا مفهوما سائدا ان الغابة والصحراء من صنع اليسار ولكن الاختلاف الفكري لهؤلاء ينفي ذلك..
وهذه حقيقة تاريخية لم يقصد بها اصلا التقليل من شان اليسار..
وخاصة ان في تلك الفترة كان هناك شاعر من اعظم الشعراء السودانيين قاطبة
وهو الشاعر عبدالرحيم لبو ذكري قد كان شيوعيا ولم يشترك مع هذه الجماعات ابدا
في راي الخاص انه اكثر شيوعي واعي ماذا تعني شيوعية مقارنة بغيره من جيله..
وحتى لا يتشعب النقاش ربما فتحت بوست عنه ويما لابين التزامه الشيوعي وفهمه العميق لها..
فقط اتمنى ات تقراوا بقلب وعق مفتوح فها ليس دواسا ولا يوجد واحد خطأ واحد صاح..
فاذا ثبت ان محمد عبدالحي كتب قصيدته بعد لقائه بود المكي يكون هذه معلومة جديدة
يجب تضمينها في بحثي واذا ثبت انه كتبها من قبل ان يراه يكون ايضا لصالح الفرضية..
وشكرا لكم..
عجب الفيا
17-12-2006, 07:51 AM
عبد الحي نفسه يقول يا بيان : انه بدأ كتابة القصيدة سنة 1963 !!
وهذا الكلام اوردتينه انت بنفسك في اول مداخلة لك :
" كتب عبد الحي
إقتباس:
وفي هذا الأمر يقول محمد عبد الحي:
"في وقت واحد تقريباً وقبل أن يعرفوا بعضهم البعض ـ بدأ "محمد المكي إبراهيم" و"النور عثمان أبكر" في ألمانيا و"صلاح أحمد إبراهيم" في غانا و"يوسف عيدابي" من رفاعه بقصيدة (أبو دليق) 1963 و"مصطفى سند" في أم درمان في (أصابع الشمس) 1963، و"محمد عبد الحي" في (العودة إلى سنار) 1963 في الخرطوم. يكتبون شعراً فيه بعض الملامح المشتركة التي لا تخفى الاختلاف العميق في العناصر المكونة لرؤاهم الشعرية وفي التشكيل واللغة الشعرية في قصائدهم".
هنا محمد عبد الحي يوافق محمد المكي في ان تاريخ بداية كتابة العودة الى سنار سنة 1963
يقول في الاقتباس اعلاه :
!!و"محمد عبد الحي" في (العودة إلى سنار) 1963 في الخرطوم. يكتبون شعراً فيه بعض الملامح المشتركة "
ما رايك ؟
اليست هذه هي الحقيقة التي تبحثين عنها ؟
"قيل لابي يزيد البسطامي ما اخرجك عن وطنك . قال طلب الحق . قيل ان الذي تطلبه تركته ببسطام فتنبه ابو زيد فرجع الى بسطام ولزم الخدمة حتى فتح له "
من الفتوحات المكية - ديباجة العودة الى سنار .
bayan
17-12-2006, 07:52 AM
انا لم اكذب محمد المكي ابراهيم ولا ينبغي لي انا قلت هناك تخليط..
الاستعجال ما واحدة من حاجاتي كما قلت لك انا مهتمة بهذه القصيدة منذ سنة 1982
حيث كتبت اول ابحاثي عنها ونشر في مجلة رابطة سنار الادبية ورىه الشاعر وقابلته وتحدثت معه
عن الثقافة والهوية وحركة الزنوجة
وصرت اتتبع كتاباته واجمعها واوثق لها آخر ما اشتريته نسخة نادرة
من الدكتوراه المطبوعة..
يعني موش قريت في جريدة ولا سمعت ونسة
دا شغل له اكثر من ربع قرن. وحقائق منشورة في اماكن كثيرة جدا غالبيتها العظمى عندي
الى ان توجتها بالاعتكاف تحت مختصين الى ان اكملت بحثا مكون من 223 صفحة..
فلذلك لا يوجد ا ستعجال خالص خالص وعلى الاقل من المهل.
واذا قال عيدابي ان محمد كتب قصيدته بعد لقاء محمد المكي
تكون على ذمته وعلى كل المهتمين تغير تاريخ كتابتها او ذكر التأريخ مع ذكر افادة عيدابي
كما هو متعارف في المجال العلمي.
بحيث تكون الافادة انه رغم قول بعض المؤرخين ان قصيدة العودة الى سنار كتبت سنة 1962
الا ان صديقه عيدابي ذكر انها كتبت سنة 1963 سنة النشر نفسها..
وبذلك يظل كل الافادات محفوظة..
وللمعلومية انني قد ارسلت لعيدابي سنة 1998 او 99 لا اذكر فاكس اخبره بانني بصدد الكتابة عن الغابة والصحراء وعبدالحى
واحتاج لعمل مقابلة معه ولم يرد على..
bayan
17-12-2006, 07:57 AM
الاخ الفيا اسال الدكتور عيدابيسؤال مباشر
هل راى قصيدة العودة الى سنار قبل لقاء عبدالحي مع محمد المكي ام بعده..
محمد عبدالحي يكتب الشعر منذ ان كان طالبا في الثانوي
والعودة الى سنار لم تكن قصيدته الاولى...
الاختلاف هل كتب عبدالحي تحت تاثير مقابلته لمحمد المكي ام لا...
وننتظر..
الحقيقة التي ابحث عنها
هل كذب عبدالحي عندما قال انه لم يكن شاعرا مع الجماعة؟
والكوت الذي جلبته يناقض ما قاله محمد المكي في قصة الجماعة..
عجب الفيا
17-12-2006, 08:06 AM
هل عندك شك في قول الشاعر نفسه انه كتبها سنة 1963 ؟
bayan
17-12-2006, 08:06 AM
العودة إلى سنار (الشَّاعر):
كتب الشاعر محمد عبد الحي هذه القصيدة في عام 1962 وبعملية حسابية بسيطة ندرك أنه كتبها وهو بعد في الثامنة عشرة ربيعاً.* ونشرت سنة 1963. ولكن من المعروف أن هذه القصيدة كتبها الشاعر أكثر من سبع مرات وكأنها جزء من سجل حياته تنمو معه نضجاً وعمقاً كلما نضج هو وكبر.
* مقابلة مع الناقد مجذوب عيدروس
عجب الفيا
17-12-2006, 08:21 AM
العودة إلى سنار (الشَّاعر):
كتب الشاعر محمد عبد الحي هذه القصيدة في عام 1962 .
* مقابلة مع الناقد مجذوب عيدروس
اذن هنالك تاريخين متناقضين في اطروحة الدكتوراة
الاول سنة 1963 وهو ما يقول به الشاعر نفسه محمد عبد الحي
والثاني سنة 1962 وهو ما يقول به مجذوب عيدروس
فلماذا تاخذين بما ذكره مجذوب عيدروس وترفضين ما ذكره الشاعر وصديقه محمد المكي الذي عاش معه التجربة . علما ان عيدروس ليس من جيلهما ولم يعيش معهما التجربة ؟
bayan
17-12-2006, 04:21 PM
لا يوجد تناقض
عندما تجلب عدد من التواريخ قيلت بواسطة مختصين هذا يعني انك وضعت كل الترجيحات..
ما كتبه محمد المكي ابراهيم ان القصيدة كتبت من وحي حديثه عن الغابة والصحراء
محمد عبدالحي ينفي ذلك..
اذ ان الاختلاف الاساسي مع ما قاله محمد المكي ابراهيم
هل محمد من شعراء الجماعة...
لو كتبت القصيدة سنة 1962 او 1963 او 1965 او 1973
وهنا اعني لاول مرة كما قلنا انها كتبت سبع مرات في اوقات مختلفة
ومازلت انتظار رد عيدابي اذا كان راى القصيدة قبل مقابلتهم تلك مع محمد المكي ابراهيم او لا..
لان بعدها يجب ان ينظر الى العودة الى سنار بصورة مختلفة..
مجذوب العيدروس اكثر شخص يعرف محمد عبدالحي واعماله وحياته ومرجعية لا يمكن تجاوزها او الاستهوان بها..
وهو يعرف محمد عبد الحي معرفة لصيقة جدا..وشخصية.. وليس دارس مثلي..
خاصة لو عرفنا ان محمد المكي ابراهيم ومحمد عبد الحي بينهم عداء وجفوة كبيرة..
عبدالله الشقليني
17-12-2006, 04:47 PM
ليتني كنتُ وُداً يطوَّف على الجميع
عبدالله الشقليني
17-12-2006, 04:48 PM
الأحباء هُنا
دعونا نستنصر بالنصوص ،
لقد كنتُ منذ زمان بصدد أن يقوم البعض بإيراد بعض النصوص ،
وتفكيك النصوص مما لها علاقة بمفاتيح اللغة بين الغابة والصحراء .
فهذا أراه ينقلنا لمنعطف جديد ، غير ما أردناه في سماء آخر .
لقد كتب الكثيرون عن الغابة والصحراء ، وأرى أن يُشمر الجميع
ساعد الجد وينـزلون لنا نصوصاً ، ومن ثم تحليلها .
أنا ليس بيدي نصوص ، أو كما يقول الأحباب ( خالِ الوفاض )
كل تركته ضمن ماضٍ صعب الإرتداد إليه .
شكراً لكم هذا الثراء ،
ورجاء أن تتركوا الود يطَّوف بيننا
وأن يصبح الإختلاف تميمة لثراء البوست .
شكراً للجميع
bayan
17-12-2006, 05:25 PM
الاخ العزيز الشقليني
لقد قمت بتحليل بعض ابيات شعرية تحت تيمات ثنائية الغابة والصحراء لشعراء
هم صلاح احمد ابراهيم و النور عثمان ومصطفى سند ومحمد المكي ابراهيم ومحمد عبدالحي
واتمنى ان تجد فيها متعة ..
والذي يجدر ذكره أن هناك مضامين كثيرة أخرى وموضوعات عامة أوردها هؤلاء في شعرهم مثل النضال السياسي في إفريقيا، وثورة أكتوبر ... الخ وهذا على سبيل المثال وليس الحصر.
1 ـ هموم الهوية السودانية والثقافة العربية الإفريقية:
كانت هموم الهوية السودانية هي من الأساسيات التي قامت عليها الغابة والصحراء، كما أن السودان كبلد إفريقي عربي اكتظت ثقافته بثنائيات الثقافة الزنجية، والثقافة العربية فشكلت رافدين أساسين في الثقافة السودانية.
وها هو صلاح أحمد إبراهيم* يبرز هذه الثنائية في قصيدته (فكر معي ملوال)**:
ملوال ها أنا الحس سِنّة القلم
ألعق ذرة من التراب
أضرب فخذي بيدي .. أقسم بالقبور .. بالكتاب
شلت يدي جنازة لو أنني كذبت يا ملوال
ولينشف اللسان من جذوره، ولتنفطر هذي اللَّهاة من ألم
كأنها حنظلة الجبال
لو أنني كذبت يا ملوال
وقبل أن تنكرني اسمع قصة الجنوب والشمال
حكاية العداء والإخاء من قدم
حيث بعد ذلك ينتقل إلى التحدث عن الطريقة التي كون بها الشمالي، إلى أن يقول:
تفتحت حقيقة سمراء في أحشاء كل أم ولدٍ منهن، من بنات جدك الأكبر،
مما بذرته نطف الأعراب
فكان منها الفور والفنج، وكل سحنة فاحمة، وسمة غليظة، وشعر مفلفل
ذُرّ على إهاب
حقيقة كبيرة عارية كالفيل كالتمساح، كالمنيف فوق كسلا، سليطة الجواب:
كذاب الذي يقول في السودان إنني الصريح، إنني النقي العرق، إنني المحض ..
أجل كذاب
يدعو صلاح هنا ملوال* قائلاً:
نحن يا ملوال لا نختلف كثيراً، فأنا عندما أقسم يا ملوال الحس ذرة التراب، وكذلك أضرب على فخذي لأغلظ القسم، ولتأكيد صدقي، كما أنني أيضاً أقسم بالكتاب، فلتشل يدي يا ملوال وتصبح ميتة جنازة لو أنني كذبت يا ملوال، ولييبس لساني من حده، ولتشق لهاتي مثل الحنظلة الجبلية الجافة لو أنني كذبت فيما أقول.
وقبل أن تنكرني وتكذبني اسمع قصة الشمال والجنوب وقصة هذا العداء وكذلك الإخاء من أقدم الزمان، وبعد أن أكد على المتشابهات ذهب في المقطع الآخر يؤكد على شيء مختلف فهو يريد أن يخبرنا كيف تم تكوين ما يسمى بالسودان فقال:
تفتحت حقيقة سمراء، يعني تكون طفل يحمل الخاصة السوداء والبيضاء، لأن اللون الأسمر هو اللون الذي يتكون من الأبيض والأسود معاً، هذه الحقيقة كانت في رحم جدتك، التي تخصبت بنطف العرب، وهنا يرمز إلى الحقيقة التاريخية، إلى أن الهجرات العربية إلى السودان، كانت هجرات رجالية لوعورة وبعد الطرق فأتى العرب، وتزوجوا من النساء الزنجيات ليكونوا ما يسمى السوداني الآن.
فكان من ذلك الإخصاب الفور والفونج وكل من هو أسود وأكرد الشعر
وذو ملامح غليظة، وأسمر الجلد.
وهي حقيقة عارية وصارخة مثل الفيل والتمساح وجبل التاكا في كسلا سريعة الإجابة.
فاسمع يا ملوال، كذاب من يدعي أنه العربي الخالص في هذه البلاد.
في هذه القصيدة يخاطب صلاح أحمد إبراهيم ملوال، مقسماً له بكل الأقسام التي يعرفها ملوال ليؤكد أنهما بعض من كل، وهو السوداني ومن المعروف، أن الجنوبيين ينظرون إلى الشماليين على أنهم عرب، ولكن الشاعر الشمالي يريد أن يخبر ملوال، ويدعوه إلى أن يضع يده في يد الشاعر، وليبحثوا عن نقطة التلاقي لا نقاط الاختلاف، وأنهما ينتميان إلى ثقافة واحدة. ويخبره كيف تم تكويننا إذ أن الشمالي ما هو إلا أخوه من أبناء جدته الكبرى ويخبره أنه كذاب كل من يدعي العروبة الخالصة في السودان، ومن هنا نجد أن الشاعر يؤكد على وجود الدماء الإفريقية في السوداني الشمالي، كما يؤكد على توحد الثقافة.
على الرغم من جمال هذه القصيدة، إلا أنّ بها كثيراً من المفاهيم العاطفية الساذجة، لا أدري هل أراد الشاعر هذه البساطة حتى يفهم بملوال الذي يبدو أنه غير متعلم وبدائي وهذا في حد ذاته تنميط للإفريقي، فملوال هنا يرمز إلى الجنوبي.
ولعل حضور ملوال في ذاكرة الشاعر يمثل الأنا (الإفريقي) في نفس الشاعر ورغم أن هذا حوارٌ ثنائي إلا أنه تتحد فيه الأضداد لتمثل شخصية السوداني المنقسمة على نفسها المتحدة في جذورها. فيرى أنه يقسم بالقبور يستدعي التراث الإفريقي وعبادة الأجداد، وبالكتاب الذي هو رمز الثقافة العربية الإسلامية التي في تمثلها في الواقع السوداني لم تسقط الرمزية الدينية للقبور دفعة واحدة ولعل ملوال بهذه الطريقة التي أكد له فيها الشاعر وحدة جذره العرقي معه، يكون أقرب لفهم سطحية العداء المتوهم بين الجنوب والشمال أو بالأحرى بين الإفريقي والعربي، وهناك خيط رفيع بين العداء والإخاء من القدم، والشاعر يستدعي هنا قصة هابيل وقابيل التي تتمثل فيها قمة الإخاء والمودة وقمة الدموية والعداء، وقد أسهب
الشاعر في ذلك.*
ثم ينتقل الشاعر للحديث عن قضية "اثنيه" هي سمرة السودانيين (تفتحت حقيقة سمراء) يستدعي فيها تراث الفقه المالكي في مسائل أمهات الأولاد. وهي من صميم الثقافة العربية في تمازجها مع الميراث الإفريقي. فأمهات الأولاد هم بدايات هذا التمازج العربي الذي أنتج الفور والفونج وكل سحنة فاحمة ... الخ.
وهذه حقيقة كبيرة وعارية كما يرى الشاعر تقف ضد كل ادعاءات النقاء العرقي تذكر ملوال بالتواصل الحميم بينه وبين الشاعر. وبنظرة فاحصة للأمر، لعل ملوال وذلك الأنا الإفريقي الذي حاول الشاعر إخفاءه ولكنه لم يستطع فتصالح معه. ونسب إلى الكذب من يدعي غير ذلك فملوال حقيقة ماثلة تعلو على كل الحقائق وهي كالفيل والتمساح وجبل التاكا، وهو يشكل أبجديات الوجود السوداني وليس أكذوبة ولكنه حقيقة عارية بل الكذب الصراح هو إنكار تلك الحقيقة العارية.
وتأكيداً لمفهوم الثقافة الإفريقية في الثقافة السودانية، نأخذ هذا الجزء من قصيدة (ميلاد) للنور عثمان أبكر** الذي يقول فيه:
مولود النبعة والصحراء
يتقطر وعدا، حبا،
يجرح شح الأرحام ويجتاز الأسوار
هبت صارخة الجبهة والثديين
ما عار العرى، وما زهو المؤتزرين؟
خلدى مائدة العمر هنا
وقد الجمر الأزليِّ، نداء المجرى
زهرا
شهدا
حقلا لقحه الموتى
في موسم إيراق الذات وأخصاب الأحياء.
يقول الشاعر في هذه القصيدة:
مولود النبعة والصحراء، وهو يستخدم هنا ثنائية التضاد فالنبعة أو بركة الماء، تعاكس لمفهوم الصحراء الجرداء .. وهنا يرمز الشاعر للزنجي بالنبعة التي هي قد تكون مركزاً للغابات الاستوائية المليئة بالينابيع. وهنا أراد الكل فأطلق الجزء، وكذلك الصحراء ترمز للإنسان العربي الذي يعيش في الصحراء، فرمز له بها، وهذا المولود هو مولود هجين بين الزنج الذين رمز لهم بالنبعة والعرب الذين رمز لهم بالصحراء.
فهذا المولود ينتظر منه الكثير فهو مملوء بالأمل والحب، وهو يخصب الأرحام الشحيحة التي لا تعطي، ويجتاز الأسوار ويفك القيود. فهبت وهي عارية مرفوعة الجبهة دلالة على العظمة ومزهوة بثدييها، ولذلك لم تسترهما، وهي لا ترى جدوى من ذلك، فما الذي يعيب العري!؟ وما الذي يجعل اللابسين مزهوين بذلك؟ وهنا للدلالة على العري الذي لا يرى فيه الإفريقي عيباً ولكن في المقابل نرى أن العرب ينظرون إلى هذا العري باحتقار. ونرى هنا مقابلة بين ثنائية متضادة وهي العري الذي يرمز إلى الزنوج واللبس الذي يرمز إلى العرب.
فاستعدي بالولائم، واجعلي مائدة العمر، ويريد بها الشاعر صفحة الحياة، اجعليها خالدة وباقية إلى الأبد واشعلي ذلك الجمر ولا تتركيه يخبو، ونداء المجرى قد يقصد به نهر النيل فلبي نداءه زهراً وعسلاً، وهذا الحقل من قبل كان قد لقحه من ماتوا من الأجداد في موسم ووقت الإخصاب وصنع الذات.
وهنا يرى الشاعر أن هناك أشياء هي صميم الثقافة العربية، ثم يضع هذه الأشياء في مقابلة مع الثقافة الزنجية، ولا يرى في هذه المقابلة أي تناقض، أو تنافر بل هي تعطي أملاً وشهداً وحياة. لاحظ قوة الأفعال التي استخدمها الشاعر مثل: يجرح، هبت، ليدلل على قوة حجته.
ورغم علو النفَس الشعري عند النور عثمان أبكر إلا أنه يسعى جاهداً لتوطين الثقافة الإفريقية وإعطائها بعداً فكرياً أولياً إزاء الجانب العربي لهذه الثقافة. وللغابة معاني الأصل والجذر والنبعة والبدايات التي ما كان قبلها بدايات. فهي وقد الجمر الأزلي وهي نداءٌ ما قبله نداء وهي بدايات الرحم والتكوين، يحتفل النور عثمان أبكر لكل هذه المعاني الإفريقية، ويرى أنها هي التي تضفي على الأشياء معاني أخلاقية وثقافية (ما عار العري وما زهو المؤتزرين) فهذا العري الإفريقي هو منبع للقيم وبأذائه كساء هو دخيل على أصل النبعة. فأصل القيم هو ذلك الإفريقي المنفلت من كل شيء الذي تبدأ عنده الأشياء.*
كما أشرت سابقاً فمفردات هذه القصيدة بها من القوة والعنف ما يمثل حيوية الإفريقي، وصخبه وأنه أساس ميلاد هذه الثقافة السودانية والنور عثمان أبكر هنا ليس مثل صلاح أحمد إبراهيم، فهو جزء من القصيدة نرى صوت الشاعر فيه شاهداً على تلك البدايات ليس معتذراً لإفريقيته، وليس مؤكداً لحقيقة اندثرت ولكنه بحضوره في القصيدة وعلو صوته، يجعل لإفريقيته أولوية وسبقاً هي التي منحت معاني الصحراء شيئاً جديداً تمثل في الثقافة السودانية. فالميلاد والأصل هو للنبعة رغم أن هذا المولود هو هجين بين النبعة والصحراء. فالوعد والحب الذي فيه يشهد البدايات الإفريقية الأزلية، والتجاوزات التي جعلت هذا اللقاح ممكناً هي تجاوزات موسم الإيراق، والإخصاب ليست هي تجاوزات العداء والإخاء مثل ما هو الأمر عند صلاح أحمد إبراهيم وإنما هي تجاوزات بناء ذات جديدة، فيها كل معاني الفورة وتجاوز الموت الذي يهب الحياة لميلاد جديد.
ونموذج آخر لهذا المفهوم يتمثل في مقتطع من قصيدة مصطفى سند* (الغابة)، حيث يقول الشاعر:
كأنما في هذه العروق من طبولها المدمدمات
بالأسى شرارة
ورثتها كما أحسّ، من دنانها.
.. وعشبها .. وبرقها المخيف ..
.. من سهول الجنس .. والدماء .. والإثارة
.. إذا وطئتها أموت من تلهفي
أذوب في العناصر الطلاسم
أشم نكهة الغموض في تعاقب المواسم
أشم نكهة البكارة
أحس أنني إلى هنا انتميت، منذ هاجرت
بويضة الحياة عبر جدّتي
وأنكرتْ حواضن الإله لمعة الحضارة
تلوح في جبيني الهجين، في نحاس الشمس
سال في دماي، في غرابة الملامح
وعندما سجنتُ في رواق الليل
كانت الطبول والخمور والذبائح
يقول الشاعر: كأن في عروقي شيء من أصوات الطبول ودمدماتها. مليئة بالأسى، لقد أتت لي عبر ميراثي الزنجي، بكل شيء أتتني من كؤوسها، وعشبها، وبروقها المخيفة، من الجنس، من الدماء، والإثارة. إذا أتيت إليها، أكاد أموت من اللَّهفة التي تذيبني في عناصرها المختلفة، ورموزها الغريبة، فأنا أشتم رائحة الغموض في تعاقب الفصول واختلافاتها، فأنا أشتم رائحة البداءة والبكارة، وكذلك أحس بأن انتمائي إلى هذه البقعة هو انتماء حقيقي على الرغم من الهجرة ـ والجدير بالذكر أن الشاعر الشمالي كان قد عمل في جنوبي السودان وربما يعني الهجرة إلى الشمال ـ وهو يؤكد انتماءه عبر جدته الزنجية.
أنكرت الآلهة ما أتت به الحضارة الجديدة، وهنا قد يعني آلهة الجدة الوثنية وحضارة الجد الإسلامية العربية، مهما كانت الأفكار لهذا الانتماء إلا أنها تبدو في شكلي ولوني الهجين في اللون النحاسي المصهور بالشمس، لقد سالت كل هذه الأشياء في دمي في ملامحي غير المألوفة، وعندما يجن الليل أحن إلى الطبول التي ترمز إلى الثقافة الزنجية وكذلك ما يصحبها من ولائم وخمور واحتفالات. فنفس الشاعر وجلده يؤكدان الانتماء إلى الثقافة الزنجية التي هي مكون أساس في ثقافته السودانية.
مرة أخرى يستعيد مصطفى سند المعاني التي أثارها صلاح أحمد إبراهيم في قضية أمهات الأولاد. (أحسب أنني إلى هنا انتميت منذ هاجرت بويضة الحياة عبر جدتي) وصار يرى هذا الهجين يلوح في جبهته، هذه الرموز الإفريقية بطلاسمها وطبولها وخمورها تعصف في داخله لتذكره ببدايات ذلك اللقاء العربي الإفريقي. الذي كان لقاءً حضارياً تمثلت فيه هذه العناصر وأنتجت ذلك الهجين. في ذاكرة الهجين تبدو هذه الأشياء واضحة، بينة أعظم ما يمكن التعبير عنها هو لسان الشاعر، الذي يرى في أعماقه ما لا يراه الآخرون، يحس بهذه الطبول المدمدمات، وبالعشب والطلاسم في شاعرية هي المعبر الحقيقي عن هذا التمازج الثقافي، وليس صدفة أن خير من يعبر عن ذلك اللقاح الحضاري هو الشعر. حيث تذوب العناصر الأولية فيه في بعضها البعض مكونة شيئاً جديداً، يعلو على الفهم الوارد ولكي تقتنصه عبارات الشاعر، ولعل هذه الأبيات هي وسطٌ بين محاولة النور عثمان ومحاولة صلاح أحمد إبراهيم في التعبير عن هذا التمازج بين الثقافة الإفريقية والثقافة العربية. فالآخر الإفريقي ليس ملوال ولكنه جزءٌ صميمٌ في شخصية الشاعر، فالشاعر هنا يتحدث عن نفسه بضمير الأنا (أذوب، أشتم، أحسب، سال في دمائي ... الخ)، أمهات الأولاد هنا هي جدته هو الفرق بينه وبين صلاح أحمد إبراهيم أن الأنا الإفريقي في داخله هو آخر علاوة على نفسه. كما اتضح لنا أن صوت الشاعر في أبيات قصيدة الميلاد التي اتخذناها أنموذجاً من شعر النور عثمان أبكر، صوت الشاعر ينفجر في داخل الرموز التي ذكرها بين النبعة والصحراء وهو شاهد ذلك الميلاد، ولكنه ليس جزءاً منه شاهد يرى الأشياء في بدايتها ولكنه لم يشارك في صنعها أما سند فهذه الأشياء تمثل جزءاً من تاريخه الشخصي.
ومن ثم نجد أن هؤلاء الشعراء عندما يضعون الثقافة العربية، في مقابل الثقافة الزنجية لا يجدون أي تعارض بينهما، بل يشكلان إضافة موجبة فالهجنة دائماً قوة، فهو يحمل الصفات الوراثية لعنصرين، فلذلك يأتي قوياً من الناحية الجسدية والعقلية، وكذلك يكون هناك ثراء في الثقافة إذ أنها نتاج ثقافتين.
2 ـ البعث الحضاري للحضارات السودانية القديمة:
نجد أن أهم وأخطر المضامين التي أوردها هؤلاء الشعراء هي بعث الحضارات القديمة وتمجيدها، وأرى أنهم فعلوا ذلك ليدحضوا الآراء التي تقول إن العرب عندما دخلوا السودان، كان الزنوج في أرض السودان يعيشون في بدائية وهمجية، ولا حضارة لهم، وكأنهم بإدراجهم لمروي يرمزون إلى عظمة تلك الحضارة، التي عرفت الحديد، وصناعته وبنت المعابد وكانت لغتهم لغة مكتوبة، وكذلك إدراجهم لسنار تلك السلطنة الإسلامية التي يرى البعض أنها تشكل النواة الأولى للسودان الحالي.
يقول النور عثمان أبكر في مقطع من قصيدته (صحو الكلمات المنسية):
من كاهن هذا المعبد أوصده
في وجه العابر والساعي؟
غرت على "سنار" رفعت ندائي غضبى
أشهر من مصباح اللؤلؤ "سنغانيب":
خزيت أرحام الموتى شبعاً، عافية، راحة بال ووساد
حتى يرفع إنسان رأسه
يرعب، يجرف اطمئنان الموت على "مروي"
يتساءل الشاعر: من ذلك الكاهن الذي أغلق باب المعبد في وجه العابرين والطالبين؟ وعرجت على "سنار"* وناديت وأنا غاضب رافع مصباح اللؤلؤ "سنغانبيب"** عاشت أرحام الموتى وهي شبعى وممتلئة بالعافية، والصحة، وراحة البال، ووساده. يعني وضع هادئ ومريح إلى أن يرفع إنسان رأسه فيثير الخوف ثم مرة أخرى يجرجر الاطمئنان والهدوء على "مروي".***
لعل قصيدة (صحو الكلمات المنسية) التي منها هذا الجزء الموحي الذي يحمل بين سنار ومروي في نسق فريد. فالشاعر يقولها صراحة من قبل بلوغ العالم هذا العصر السامق كان النبض الأول في الغابات وبدايات الحياة الإنسانية كانت هنا في الغابة ثم من بعد هذا المقطع يتساءل من كاهن هذا المعبد؟ فهذا المعبد في (مروي) بدايات التحضر في الثقافة السودانية، ولكنه أوصد لتبدأ بداية جديدة، لم ترق للشاعر فهو قد غار على سنار ورفع عقيرته بالنداء غاضباً ومندداً بما قد حدث فسنار في مواجهة مروي، مروي هي اطمئنان الموتى والنسيان ولكنه نسيان مرعب لأنها هنا في داخل سنار رغم أن قصرها قد أوصد وكاهنها قد شرد، لكنه لم يراوح مكانه، بقاء ثقافة الموتى فينا تمنحنا حياة ضاربة الجذور والأعماق تمثل مولود النبعة فينا. هنا الشاعر يبدي انحيازه واضحاً لثقافة ما قبل سنار. لأول مرة كحركة هذه الرسوم الصامتة المتمثلة في ذلك المعبد المروي الذي أوصد عنوة.
ويبدو أن ذكرى النسيان قد شملت كاهن ذلك المعبد، ولكن الشاعر يراه حاضراً ويريد أن يستدعيه من أشباح الموتى.
كما يقول الشاعر محمد عبد الحي من مقطع من قصيدته (مروي 1962):
في القفر وحدي تحت شمس (مروي) أقرأ في حطام
أحجارها السوداء والرخام
أنصت للعصفور
بين بساتين النخيل والرمال والصخور
مغنياً عبر العصور
في الصحراء، وقفت تحت شمس مروي وحدي، أقرأ وأتطلع إلى الحطام، والآثار، وحجارها السوداء والرخام، وفي ذات الوقت أنصت لتغريد طائر، بين الحدائق والنخيل، والرمال، والصخور، وهذا الطائر يغني على ما يبدو على مر العصور، منذ زمن طويل، وكأنه يخبرنا عما كان هناك في ذلك الزمن البعيد.
وفي مقطع آخر من قصيدة "سنار 65" يقول:
حين أبحرنا إلى (سنار) عبر الليل كانت
سدرة التاريخ تهتز بريح قادمٍ من جزر الموتى
حين أبحرنا إلى سنار في الليل كانت شجرة التاريخ تهتز وتميل استجابة لهبوب ريح قادم من الجزر التي يسكنها الموتى.
الأبيات للنور عثمان أبكر، ولمحمد عبد الحي كلها تتحدث عن سنار ومروي وتستخدمهما رمزاً للحضارات القديمة التي ما زالت آثارها باقية.
فـ"مروي" كانت حضارة سادت في وادي النيل ردحاً من الزمن، أقامها النوبة الذين هم من عناصر زنجية، قامت هذه الحضارة وازدهرت وصارت لها شأن
في التاريخ الإنساني، لما قدمته من إرث حضاري، أسهم في تطور تاريخ الحضارات القديمة، لتدلك على أنه عندما دخل العرب السودان لم تكن هذه المنطقة خاملة الذكر، أو بدائية كما يدعي البعض.
وسنار هي مملكة إسلامية، قامت في القرن الخامس عشر، وقد أقامها جنس هجين بين العرب والزنج، وكانت أول مملكة إسلامية في السودان، ويرى كثير من المؤرخين أن سنار هي نواة للإنسان السوداني الحالي، كون أن السوداني الشمالي هو خلاصي بين العرب والزنج ويدين بالإسلام.
ونلاحظ أن محمد عبد الحي قد كتب قصيدة أسماها مروي 1965 وقصيدة أخرى أسماها سنار 1962 ولعل الشاعر أراد أن يربط بين مروي وسنار في الطريقة التي سمى بها القصيدتين رغم أنه لم يذكر ذلك في سياق واحد أو قصيدة واحدة رمز سنار ومروي. فبالنظر في قصيدة مروي 1965، نرى أن الشاعر يقف تحت وهج الشمس مستنطقاً الأحجار والحطام، عله يرجع إلى بدايات مروي التي هي جزءاً من ذاكرته المفقودة ليست حاضرة فيه، ولكنها تمثل بعداً من ذاكرة التأريخ يحتاج منه إلى التأمل والاستقراء للحطام، فهي تأريخ مفقود تليد لكنه حطام فهو حينما ينصت للعصفور بين بساتين الحاضر والرمال يريد أن يفهم شيئاً عن نفسه ربما أباح بسره ذلك العصفور، ولكنه سيسمع لغناء لا معنى له وجزء من ذلك الحطام لذلك القفر، (وحدي) يقول الشاعر تحت شمس مروي اقرأ الحطام، من يقرأ، تحت وهج الشمس في ذلك الحطام يمسك بتأريخ هو ليس له إنما هو تأريخ غابر قد اندثر. تلك هي مروي في مخيلة الشاعر تقف بإزاء سنار التي تمثل حضوراً أبدياً راسياً في نفسه، يبحر إليها عبر الليل فهي له ملاذٌ لجأ إليه، ولكنها تبقى في ذاكرة التأريخ رمزاً يستكين إليه، وليس صدفة أن نرى أنه حينما أبحر إلى سنار لم يبحر وحده ولكنه أبحر ومعه زخم من الأضداد والتأريخ والحضور، فسدرة التاريخ تهتز له لتمنحه حياةً وجوداً راسخ القدم، ليس في سنار حطام وإنما
تأريخٌ ناصعٌ لا يستعصي على القراءة، وليس هناك طلاسم وإنما تبدو سدرة التاريخ لتمنحه أصولاً، وجذوراً واضحة المعالم. فمروي حطام يستعصي على القراءة وسنار تأريخ بيِّن المعالم.
وإن كان النور عثمان أبكر يقف ذلك الموقف الغاضب من سنار، الداعي لحضور مروي في ذاكرتنا، فإن محمد عبد الحي يثبت عمق استدعاء مروي في ذاكرتنا ويبين الحضور الطاغي لسنار في وعينا، وهي التي تهبنا التأريخ وتمثل موقفاً بإزائه نُدرك وجودنا في التأريخ، فمروي وسنار رمزان عند النور عثمان أبكر يمثلان التقاطع بين العرب والزنج، ومروي وسنار عند محمد عبد الحي تمثلان استحالة التواصل، وبين استحالة التواصل والتقاطع يبدو موقف النور عثمان أبكر واضحاً إزاء الثقافة السودانية وكيفية البعث الحضاري لها ويبدو كذلك واضحاً عند محمد عبد الحي عدم جدوى مروي بإزاء سنار وبدايات سنار هي البدايات، وما كان في مروي قد كان لكن ذاكرة التاريخ قد ضيعته وصار حطاماً.
وباستخدام الرموز مثل سنار، ومروي لبعث الحضارات القديمة يشحن السوداني الحالي بالفخر من ماضيه والاعتزاز به، سواءً أكان العنصر الزنجي أو العربي، كلاهما أتيا بحضارات عظيمة جديرة بالاحترام والإعزاز، ولذلك يرى هؤلاء الشعراء أنه من المهم أن نعتز بهويتنا الخلاصية هذه، وهذا واحد من أهداف مدرسة الغابة والصحراء عندما بدأوا في بعث الحضارات القديمة، وذكرها في أعمالهم الشعرية
bayan
17-12-2006, 05:27 PM
3 ـ العنصر الزنجي في الشخصية السودانية:
لقد كان سؤال الهوية، هو من أهم الأسئلة التي طرحتها مدرسة الغابة والصحراء، إن كان على مستوى التنظير أو التطبيق، وهذا ما تميزت به هذه الجماعة، إذ أن الغالبية من الشعراء السودانيين كانوا عندما يتحدثون عن إفريقيا، يتحدثون من بعد وكأنهم غير أفارقة، أو بالأحرى فقط جغرافياً، ولكنهم عرب.
نقتطع جزءاً من قصيدة (هايدي) للشاعر محمد المكي إبراهيم:
وأنا فارسها القادم من رأس المدار
من بلاد تأكل الجوع وتقتات الدوار
جارحاً يطعن حتى اللون والعطر
وفتلات الإزار
وهي وعد النار للغابات، وعد النسل
وعد الجوع والفوضى
ووعد الأصبع الدامي بأبواب النهار
تتمشى في أضاليعي حمياها فانهار جموحاً وانبهار
أنا هذا الفارس القادم إليك يا (هايدي) من المدار ويعني خط الاستواء، من بلاد جافة تأكل من جوعها الجوع، وتعيش في حالة مستمرة من الدوار، وهنا يصف إفريقيا التي أتى منها بأشياء اشتهرت بها في العالم، حيث الجفاف والتصحر يؤذيان إفريقيا، مما يؤدي لظهور جوانب سالبة، مثل الجوع والفوضى، وعدم النظام، والعطالة، والانتظار للفرج الذي قد يأتي به النهار الذي قد يرمز إلى الوعي والمعرفة والاستقلال. فكل هذه التناقضات والهذيان يا (هايدي) تضطرب في داخلي فتجعلني متمرداً ومنبهراً.
ويقول صلاح أحمد إبراهيم في مقطع من قصيدته الجميلة (يا مرية):
يا مرية:
أنا من إفريقيا: صحرائها الكبرى وخط الاستواء
شحنتني بالحرارات الشموس
وشوتني كالقرابين على نار المجوس
لفحتني فأنا منها كعود الأبنوس
وأنا منجم كبريت سريع الاشتعال
يتلظى كلما اشتمّ على بعدٍ تعال
النموذج الثاني من قصيدة (يا مرية):
ينادي الشاعر هنا محبوبته (مرية) ويقول لها: أنا من إفريقيا التي بها الصحراء الكبرى وخط الاستواء. ملأتني بالحرارات التي جعلتني أسود كعود الأبنوس، وطبعي حامي وفوار، فأنا يا (مرية) مثل الكبريت سريع الاشتعال والانفجار، وهذه اللواعج تزداد سخونة كلما تحسست، وحتى ولو من بعيد إيماءات قبول من امرأة حسناء، ونجد أن صلاح أحمد إبراهيم هنا يؤكد على حرارة عاطفة الزنجي الإفريقي وهذه خاصية اشتهر بها الأفارقة.
فإذا نظرنا إلى النموذجين المذكورين آنفاً نلاحظ قصيدة (هايدي) لمحمد المكي إبراهيم، و(هايدي) اسم لامرأة غربية، في الغالب بيضاء، وكذلك قصيدة (يا مرية) لصلاح أحمد إبراهيم، كتبت لامرأة اسمها (مرية) وأيضاً هذا اسم لامرأة غربية أو بيضاء، فنرى أنهما طرحا إفريقيتهم لتقف موقف النقيض مع الطرف الآخر، وهو طرف غربي أبيض في مقابلة للعنصر الأسود، فهما هنا يضعا ذاتهما كما يريانها، ويوضحانها للآخر، الذي قد لا يعرفها، ونجد أنهما في هذا المقام لا يذكران المكون الآخر وهو العنصر العربي، فيعرفان أنفسهما على حسب الموقع الجغرافي، وكأني بهما يعرفان أنهما قد يكونا مقبولين لدى الطرف الآخر الأبيض إذا كان الأمر لا يتجاوز اللون، ولكن بالمقابل عندما يدخل العنصر الآخر يجرجر معه الديانة ويكون الاختلاف بين الإسلام في مواجهة المسيحية، وهو في رأيهما فارق أساسي قد يحدث الرفض من الآخر "المسيحي الأبيض" لهما بسبب الديانة ولذلك تجاهلا ذكر العنصر الآخر.
ومن ثم نجد أن هؤلاء الشعراء اعترفوا بالمكون الإفريقي وعللوا سبب طبيعتهم الحامية إلى وجود أثر هذا المكون الزنجي في إهابهم ودواخلهم.
إن مقطع قصيدة (هايدي) للشاعر محمد المكي إبراهيم، فيه اعتراف ضمني
بالعنصر الزنجي، في أداء الحضارة الغربية وإنسانها الأبيض. فهذا الجنوب، الذي يحن إلى الشمال، صار معنًى دائراً في الشعر السوداني. يتخطفه الشعراء حيناً، ويحوله كتاب القصة إلى مغزى عميقٍ عن الصراع الحضاري، والشاعر هنا فارس قادم من رأس المدار رغم قتامة البلاد التي أتى منها، ووصفها بالجوع، والفوضى، العارمة، بإزاء النظام والحياة السهلة الرغدة في الغرب، هذا الفوران الإفريقي، والصخب الذي فيه، هو الذي يمثل الجنوب، ويمثل العنصر الإفريقي فيه، وكذلك "مرية" ومثلها مثل هايدي امرأة أوربية، بإزائها يكتشف الشاعر إفريقيته ويعتز بها. (أنا من إفريقيا صحرائها الكبرى وخط الاستواء). ولعل صورة الإفريقي هو ما تحتاج إليه هذه المرأة البيضاء، وكلاهما محمد المكي إبراهيم وصلاح أحمد إبراهيم يكتشفان إفريقيتهما وهما في مواجهة الحضارة الغربية بمعنى أن هذه الإفريقية ليست أمراً أصيلاً فيهما، وإنما ضرورة الصراع والمواجهة هي التي دعته إلى ذلك الاكتشاف، ولعل في المقطعين ما يدلك على ذلك.
4 ـ مفهوم الحب وجماليات المرأة السودانية:
نجد أن غالبية من كتبوا في هذا المضمون من الشعراء السودانيين عندما يتحدثون عن امرأة، يصفونها بنفس الأوصاف التي يصف بها العرب نساءهم، وهي في كثير من الأحيان لا تنطبق على المرأة السودانية التي هي هجين بين العرب والزنج، ونموذج لذلك قصيدة عبد اللَّه الطيب (سمرقند) التي يصف فيها امرأة قائلاً:
والتي أشبهتك جيدا فرعا ء رداح هركولة* هيدكر**
ولكن في المقابل نجد أن شعراء الغابة والصحراء عندما كتبوا في الحب والمرأة،
كتبوا عن امرأة سودانية بمواصفات امرأة خلاصية وهجين، ليست بيضاء وليست لها حاجب نوني.
وقصيدة محمد المكي إبراهيم* الشهيرة (بعض الرحيق أنا ... والبرتقالة أنت) تحتذي هذا الوعي، وترتبط بالبيئة السودانية، وتتحدث عن امرأة بعض عربية وبعض زنجية، ومنها نقتطع هذا المقطع لندلل على مفهوم الحب والمرأة عند شعراء الغابة والصحراء.
اللَّه يا خلاسيه
يا حانةً مفروشة بالرمل
يا مكحولة العينين
يا مجدولة من شعر أغنيه
يا وردةً باللون مسقيه
بعض الرحيق أنا
والبرتقالة أنت
يا مملوءة الساقين أطفالا خلاسيين
يا بعض زنجيّه
يا بعض عربيّه
وبعض أقوالي أمام اللَّه
في هذه القصيدة الجميلة يبرع محمد المكي إبراهيم في تصوير، هذه العلاقة
الخاصة التي تربطه بهذه المرأة الخلاسيه، التي يمور في دواخلها الدم الزنجي، مختلطاً بالدم العربي لتأتي هذه المرأة الخلاسيه الرائعة الجمال، فهو هنا يستخدم اسم الجلالة ليبين انبهاره وحبه لها، ويصفها وكأنها حانة أرضها مفروشة بالرمل، وهي امرأة جميلة مكتملة الزينة، ذات عيون مكحولة، وبارعة الجمال، وكأنها شيء خرافي، فهو يخبرنا أنها مثل الأغنية، ولها جدائل مضفرة، وكذلك هي مثل الوردة المشبعة الألوان، ثم يقف مستدركاً ليقول لها أنا يا محبوبتي بعض رحيق من برتقالة ولكن أنت هذه البرتقالة الجميلة، وكأنه هنا يصفها بالكمال ولكن يصف نفسه بأنه جزء من هذا الكمال، ثم يناديها قائلاً لها:
يا أيتها الجميلة المملوءة بالأطفال الخلاسين أي أن أطفالك هم هجين عربي زنجي، فأنت يا محبوبتي بك شيء من العرب وشيء من الزنوج. كما أنك يا محبوبتي قطعاً ستمثلين جزءاً من أقوالي أمام اللَّه، وهو قد يعني هنا أنه عندما يأتي يوم الحساب ستكون هي جزءاً من حسابه أمام اللَّه.
نجد محمد المكي إبراهيم في هذه القصيدة يتعشق امرأة إفريقية عربية، وهي هجين بين العرب والزنج، ونجده يصفها بصفات اتسمت بها المرأة السودانية، فهي ذات شعر مجدول وجدل الشعر عادة إفريقية، تمارسها السودانية والإفريقية، لطبيعة شعرها الأجعد، الذي هو ناتج عن الهجين وهو شعر تتراوح خامته بين النعومة والخشونة، وعادة تكون مختلفة من شخص لآخر، فإذا نظرنا إلى الشعر السوداني الذي كتبه شعراء سودانيون نجد المرأة عندهم هي المرأة التي كان يصفها العرب في شعرهم، فليس لها من الزنجية من شيء ، ولكن نرى شاعراً آخر فك نفسه من ربقة التقليد ليكتب شعراً يعبر به عن الواقع الذي يعيشه من البيئة التي يعيشها، ولذلك كانت معشوقته خلاسيه وجميلة.
كما كتب أيضاً الشاعر صلاح أحمد إبراهيم قصيدته (هدية ـ ليلة الفزع
والأحزان) وفيها يصف محبوبته التي هي بدورها تحمل سمت السوداني ونقتطع منها هذا الجزء:
ومشيت إليك أكاد أطير بأجنحة، فأنا فرحان
وأمام البيت تهيبتُ
فتذكرت الوجه الأسمر
والرقة في الوجه الأسمر
والبسمة في الوجه الأسمر
في ذلك اليوم بتلك الأمسية
في هذا المقطع يتغزل الشاعر في امرأة ذات لون أسمر، وإنه عندما استعد للخروج كان فرحاً بلقاء المحبوبة، وكأنه كان يطير لأنه كان مسروراً، وفرحاً لهذا اللقاء المرتقب، وعندما أتى أمام البيت دخله خوف ورهبة، ولكن عندما راح في ذاكرته ذلك الوجه الأسمر، وتلك الرقة والعذوبة في ذلك الوجه الباسم، وكان ذلك في أمسية اللقاء، ونجد الشاعر تحدث عن فتاة ذات لون أسمر.
إن اختيار مفهوم الحب وجماليات المرأة السودانية هو واحد من عناصر توطين الشعر في بيئة الثقافة السودانية، فإن كان الشعراء مثل عبد اللَّه الطيب، ومحمد سعيد العباسي وغيرهما، يكتبون شعراً ينتسب إلى بناء القصيدة العربية، وجمالياتها، ولا يمت بصلة للواقع السوداني، فإن شاعراً مثل محمد المكي إبراهيم، قد حاول كسر هذه السطوة التراثية التبعية لجماليات المرأة في الشعر السوداني. رغم الغنائية الحافلة التي اتسمت بها قصيدة (بعض الرحيق أنا ... والبرتقالة أنت)، إلا أنها محملة بمعان فكرية عميقة. بها مواقف جمالية مغايرة لما ألفه سمت القصيدة العربية في السودان، فهي عنده (بعض عربية وبعض زنجية وبعض أقوالي أمام اللَّه)، لا شك أننا ندرك هذا التبعيض الثلاثي لهذه المرأة، فبعضها العربي مفهوم لدينا، وبعضها الزنجي مفهوم لدينا، وبعض أقواله أمام اللَّه هي تلك الذاتية التي تجعل هذا التبعيض كلاماً موحداً في امرأة، جمعت هذه الأبعاض، لكنها تكاملت في شيء جديد، إذا أمعنا النظر فيما ذهب إليه صلاح أحمد إبراهيم، وتعشقه للسمرة وترداده لها ثلاثة مرات في المقطع الذي اخترناه (تذكرت الوجه الأسمر، والرقة في الوجه الأسمر، البسمة في الوجه الأسمر) فهذا الترداد يؤكد المعنى في نفس الشاعر، ويجعل في السمرة قيمة جمالية. ولا شك أن كلاهما قد نجح، في توطين جماليات المرأة عند الإنسان السوداني في شعرهم.
ومن هذه النماذج نخلص إلى أن مفهوم هؤلاء الشعراء للمرأة هو فهم واقعي نابع من الحياة في السودان، فنلاحظ أن خيالهم لا يجمح عندما يتحدثون عن امرأة بيضاء وهركولة وهيدكر، وبذلك يكونون من الرواد في طرح مفاهيم الحب وجماليات المرأة بمواصفات وتصورات نابعة من واقعنا الثقافي، حيث قال محمد المكي: "أنا شخص خلاصي حبيبتي خلاسيه، ومؤهل للحب والزواج من خلاسية وبلدي كلها خلاسية".
bayan
17-12-2006, 05:30 PM
5 ـ استخدام المفردات السودانية:
نجد أن شعراء الغابة والصحراء كثيراً ما ينقلون صوراً من السودان ويستخدمون فيها مفردات سودانية وهي نابعة من الثقافة السودانية.
وهذا هو الشاعر صلاح أحمد إبراهيم يكتب قصيدته Fuzzy Wuzzy التي نقتطع منها هذا المقطع الذي يصف فيه بدقة أوشيك:
ولم يعد "أوشيك" غير هذه النعال
صداره والثوب والسروال
والسيف والشوتال
وشعره المغوّف الوديك والخلال
وعلبة التنباك
يراقب الزقوم والصبار والأراك
السلّ في ضلوعه يفح أفعوان
عيناه جمرتان
في وحدة الرهبان إلا أنه
يحب شرب البنّ يمقت "الشفتة" و"الحمران"
دبايوا*
يقول الشاعر: لم يعد أوشيك (هو الاسم الذي يطلق بدلاً عن الشيخ عند قبائل الهدندوة التي تسكن شرق السودان)، يمتلك غير هذا الحذاء والصديريه، والثوب، والسروال وهذه هي الملابس التي يلبسها الهدندوي، ومعها مكملات للزينة مثل السيف والشوتال** وفي شعره الكثيف المدهن بالودك،*** يرشق الخلال (والخلال عود يرشقه الهدندوي في شعره تظرفاً) وعلبة التنباك، والتنباك مادة يستخدمها السودانيون بعامة، ولكن اشتهر باستخدامها الهدندوة إذ قل ما يوجد من لا يستخدمها بينهم، وهي مادة شبه مخدرة وتعد من المكيفات ويصور الشاعر أوشيك بدقة، في وقفته تلك وهو يراقب الزقوم، والصبار، والأراك، وهذه أسماء لنباتات صحراوية تنمو في البيئات الجافة الصحراوية، وأوشيك مريض بمرض السل الذي يفتح وينشر في صدره مثل الثعبان، وعيناه حمراوتان مثل جمرتا نار دلالة على استفحال المرض فيه وتقدمه، وأوشيك في وقفته تلك وحيداً مثل الراهب، وهو يحب شرب القهوة مثله ومثل بقية أهله، ولكنه كذلك يكره بشدة الشفته (عصابات مسلحة في الجبال الواقعة في تخوم إرتريا تهاجم الهدندوة وتسلبهم ممتلكاتهم) والحمران هي قبيلة تجاور الهدندوة، وبينهم حروب دائمة في المراعي
كما تدل قصة تاجوج* على تلك الحروب، وكلمة دبايوا معناها أهلاً مرحباً باللَّهجة الهدندوية.
في هذه القصيدة يطرح الشاعر مشكلة الجفاف في تلك المنطقة الجبلية التي تعيش فيها هذه القبائل كما يطرح أيضاً ما يحدث عندما يأتي الجفاف، وكيف تقل الموارد مما يفرز مظاهر اجتماعية سالبة، وبهذا ينقل لنا واحدة من المشاكل المحلية في السودان مستخدماً مفردات سودانية لا يستخدمها إلا السودانيون ولذلك نجده قد قام بشرح معاني المفردات في هامش القصيدة إذ أنه لاختلاف القبائل ولهجاتها من السودان قد يصعب على بعض السودانيين معرفة دلالات هذه المفردات، والمفردات هي دبايوا، شفتة، شوتال، وخلال، والتنباك، وكلها مفردات خاصة بالبيئة في السودان.
ومن ثم نجد أن السمة البارزة لشعراء سنوات الستين هي محاولة تأصيل لشعر سوداني، يتحدث عن مواضيع سودانية، توظف فيها المفردات السودانية، وهذا يبدو في النموذج السابق الذي يبدو فيه هذا الفهم العميق لخصوصية السودان وثقافته، والرغبة في إبرازهما.
هذه المقاطع من قصيدة صلاح أحمد إبراهيم (Fuzzy Wuzzy) رغم أنها تنتمي إلى مدرسة الواقعية الاشتراكية، إلا أن لها سمة عن محاولة لتمجيد كل ما هو سوداني، فالإنسان ربما يحتقره الآخر، ولا شك أن وصف (Fuzzy Wuzzy)** من قبل الرجل الأبيض، قصد بها التقليل من قيمة هذا الإنسان السوداني "أوشيك" ولكن بهيئته، وزيه، وشارته، وعشقه للتنباك، وصحته ومرضه، وحبه للبن، ومقته للشفته، كل هذه المعاني التي فيه هو وحده، قائمة بذاتها لن تجدها في أي وطن آخر، هذا التعدد الذي فيه، جعل الشاعر يقتنص للحظة بشاعريته هذا التوحد، والتفرد، صحيح أن الكلمات التي استخدمها الشاعر لا تجدها إلا في السودان، ولا تجدها مجتمعة إلا عند "أوشيك" فهي صورة معبرة عنها بدقة، وهو إضاءة عظيمة الفائدة للتعريف بالإنسان السوداني "أوشيك"، رغم أنه ينتمي إلى ثقافة قد يدعى أنها هامشية، إلا أنه يشارك الثقافة السودانية بهذه المفردات الفريدة التي عنده والتي لا تكتمل صورة الثقافة السودانية إذا أبعد منها أوشيك، وهو حاضر غائب، حاضر برموزه غائب في ذلك الكل المعقد، الذي نسجت منه تلافيف الثقافة السودانية.
6 ـ استخدام الماورائيات مثل العرافة:
نجد أن ظاهرة العرافة، والمنجم، والكجور، أو الساحر، هي في غالبها ظواهر إنسانية بعامة، ولكنها اتخذت بعداً آخر في الثقافة الإفريقية الوثنية، وبالتالي نقلت إلى الثقافة السودانية حيث تجد رواجاً في كل السودان، حتى بين المسلمين ـ على الرغم من تناقضها مع الإسلام ـ إلى أن نقلها الشعراء السودانيون إلى شعرهم بقصد كشف المستقبل، وكذلك كشف هذا الجانب الغيبي في السودان.
والنموذج التالي من قصيدة (سيرة ذاتية) للنور عثمان أبكر نقدم منها هذا المقطع لنبين توظيف الماورائيات عند شعراء الغابة والصحراء:
وشيخ هدّه التجواب، تحكي عينيه الأسفار
تأملني وناداني
تفرس راحتي حينا وباركني
وعوّذ لي من الريح الخبيث ومن عيون الناس
وقال جبيني الخلاق أفلاك، فراشات، شذى أعراس
وقلبي وافر الإحساس
تأملني يباركني ويهديني دروب الشمس
وهذا الشيخ الذي تبدو عليه الخبرة، التي اكتسبها من الأسفار المختلفة ..
هذه المعرفة متجلية في عينيه، يقول الشاعر بلغة المتكلم نظر إليّ بإمعان ثم ناداني، عندما ذهبت إليه أخذ كف يدي، وتفرس فيها لبرهة من الزمن ثم باركه وتعوذ له من الريح الخبيث من الحسد، وأعين الناس والسحر، ثم أخبره أن في جبينه، والجبين هو مقدمة الوجه (الجبهة) وكثير من الناس يعتقدون أن كل ما كتب لك في هذه الدنيا مسجل في الجبين، فقالوا في المثل الدارجي "المكتوب في الجبين لا بد تشوفه العين"، ثم قال له العراف إن جبينه العظيم الخلاق فيه كثير من الأفراح والشذا يعني هنا أن سجل حياته مليء بالأفراح، ومستقبله مضمخ بالشذا وأن له قلباً مليء بالإحساس، ثم نظر مرة أخرى وباركه وأعطاه هدية دروب الشمس، التي قد تعني طرقاً مضيئة ومليئة بالنجاحات، وأنه قد تفاءل خيراً لهذا الاستشراف الحسن.
ومن قصيدة محمد المكي إبراهيم (قصيدتا حب ومهرجان) نقتطع هذا الجزء:
أعطى الحبيب كفه عرافه الحمى
أعطى حرير غيمه ومهد شاعر
وحقل أنجم وقال:
"عرافة الحمى شقي الغيوب
سدد لها، واقتحمي على المجهول صمته وعزلته"
... تأملت وهدهدت في حضنها كف الحبيب لحظتين:
لحظة الدهش ولحظة المواجهة
وانطلقت بعدهما تقص رؤياها على الحبيب
في هذا المقطع يصور الشاعر ببراعة صورة لعرافة الحي وهو يقول:
أعطى الحبيب كفه إلى عرافة الحي وهي ناعمة مثل الحرير، وبها مولد شاعر وحقول وأنجم، ويعني أن حياته حافلة بكل ما هو جميل وها هو يستحث العرافة لتدلف إلى الغيوب، وتهتك سرها، وتخبره عن المستقبل الذي هو في حكم المجهول،
وتناولت العرافة يد الحبيب ونظرت إليها، ومن الوهلة الأولى بدأت الدهشة ثم بعد ذلك أتت لحظة مواجهة هذا المجهول ومعرفته ثم بدأت تقص على الحبيب بعد أن تجاوزت دهشتها.
ومن هاتين التجربتين نرى على الرغم من أن ظاهرة الإيمان بالعرافات هي ظاهرة إنسانية عالمية، إلا أنها اتخذت في البلاد العربية بعامة والسودان بخاصة بعداً آخرا على الرغم من موقف الدين الإسلامي المناهض لها، وعلى ما يبدو أنها عادة كانت تمارس في الجاهلية وهي تختلف من وسيلة إلى أخرى، فهناك التطلع إلى النجوم، والضرب على الرمل، وقراءة الفنجان، وقراءة الكف، والودع (أصداف بحرية)، وفتح الكتاب الخ .. الخ .. ولكن في السودان الضرب المتفشي هو ـ رمي الودع ـ.
ونجد أن الشاعرين استخدما قراءة الكف، وهي غير معروفة بكثرة في السودان ولكنها معروفة عند العرب بصورة أكبر.
نخلص إلى أن استخدام شعراء الغابة والصحراء لهذه الماورائيات، إنما هو جزء من العقل الجمعي الإنساني، ونجد أن عبده بدوي في كتابه (الشعر الحديث في السودان) أفرد جزءاً من هذا الكتاب ليتحدث عن أن الكجور والعرافة هي سمة بارزة من سمات هذه الجماعة، وأرجعها إلى الثقافة الإفريقية الزنجية، على الرغم من أنها ظاهرة إنسانية، ومكثفة في العقل الجمعي الإنساني باختلاف الألوان والثقافات.
bayan
17-12-2006, 05:34 PM
7 ـ مضمون الموت والبعث من منطلق إفريقي:
إن الموت في الديانات الإفريقية لا يعني نهاية للإنسان بالضرورة، بل هو انتقال إلى درجة أخرى حيث يحل الميت في أبنائه وأحفاده حيث يبعث فيهم (لا نعني هنا التقمص بالطريقة الهندية).
وفي هذا يقول الشاعر محمد عبد الحي في هذا المقطع من قصيدته (العودة
إلى سنار):
الليلة يستقبلني أهلي
أرواح جدودي تخرج من
فضة أحلام النهر، ومن ليل الأسماء
تتقمص أجساد الأطفال
تنفخ في رئة المداح
وتضرب بالساعد
عبر ذراع الطبال
وهنا يخبرنا محمد عبد الحي عن أرواح الجدود التي تخرج من فضة أحلام النهر، وقد يعني بذلك الخروج من الأمسيات، حيث يكون لون النهر في لون الفضة، خاصة في الليالي المقمرة، فتتحول هذه الأرواح إلى طاقة روحية هذه الطاقة الروحية، تدخل وتتلبس الأطفال ليكونوا امتداداً لهذا السلف، ثم تتحول هذه الطاقة في عدة صور أخرى، قد تدخل من رئة المداح والمداح هو المغني الذي يمدح الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وهنا يرمز إلى الثقافة الإسلامية العربية، وكذلك تتحول إلى طاقة تتملك ضارب الطبل وكأني به يعني الثقافة الإفريقية التي كثيراً ما يرمز لها بالطبل إذ أن الطبول آلات موسيقية إفريقية برع الأفارقة في الضرب عليها.
ومن ثم إن الموت عند محمد عبد الحي لا يعني الانقطاع التام من هذا العالم، ولكن هو بقاء في مستوى آخر ولا يزال يؤثر على الأحياء. فروح الأجداد ما زالت بيننا "تنفخ في رئة المداح حيناً وفي حين آخر تضرب بالساعد على ذراع الطبال"*. وهي لا تنفك تتقمص أرواح الأطفال، وهذه الأرواح أو الطاقة التي ينفثها الجدود في العالم الماثل هي متأثرة بالهجين المكون لها ولذلك فهي تارة تتحول
إلى طاقة تضرب بالساعد عبر ذراع الطبال وتارة أخرى تنفخ في رئة المداح*، وفي ذلك تبدو الثنائية الإفريقية العربية.
وفي نموذج آخر للشاعر النور عثمان أبكر يعبر فيه عن مضمون الموت والبعث بلغة حفية جميلة وساحرة إذ يقول:
زهراً
شهداً ـ
حقلاً لقحه الموتى
في موسم إيراق الذات وإخصاب الأحياء
وفي قصيدة أخرى يقول:
بدايتي نهايتي بداية لآخر
وهنا يقول الشاعر:
زهر وعسل حقول الموتى في موسم التناسل، وبعث الذات حيث يخصب الأحياء ليتناسلوا تكون نهاية آخر، هي بداية لمولود جديد، وبهذا يؤكد على مفهوم البعث على الطريقة الإفريقية، فإننا في تصوره لا ننقطع عن هذا العالم الماثل، وإننا بدورنا عندما أتينا كنا امتداداً لجدود قدامى وكذلك أحفادنا يكونون امتداداً لنا، وبذلك تستمد سيرورة الحياة ولا تنقطع، وهو يرى أننا كهجين ستكون آثار ذلك التكوين المختلط باقية مهما طالت الأزمان، واتسعت شقة الزمن بيننا وبين جدودنا، ولذلك لن يأتي ذلك اليوم الذي نتخلص فيه من أي مكون من مكوناتنا العربية الزنجية.
ونجد فكرة الموت والبعث عند هؤلاء الشعراء دائماً تكون بتأكيد المفهوم الإفريقي وكأنهم لا يريدون لنا أن نفهم أننا يمكننا أن ننفك من أسر العناصر
المكونة لنا وهي، العربية والإفريقية.
8 ـ استخدام رمزية الغابة والصحراء:
لقد حفلت كثير من القصائد التي كتبها هؤلاء الشعراء باستخدام رمزي الغابة والصحراء مباشرة أو غير مباشرة، فالغابة عندهم ترمز للثقافة الزنجية الإفريقية، والصحراء ترمز للثقافة العربية الإسلامية. يكونان معاً الثقافة السودانية الهجينة. فأول من استخدم هذا المصطلح للتعبير عن الثقافة الهجينة هو الشاعر السنغالي "ليوبولد سنغور" ، وفي السودان أول من استخدم هذا الرمز هو النور عثمان أبكر، عندما كان في ألمانيا سنة 1962، في قصيدته الشهيرة (صحو الكلمات المنسية)، والغابة والصحراء تعني قضايا مختلفة، لشعراء مختلفين. وهو عنوان جامع للتعبير عن تجارب شعرية، قصد بها البحث عن هوية الثقافة في السودان. فتارة يبدو الصوت الإفريقي عالياً، لتمجيد الرموز البدائية، ولتهميش العنصر العربي، وخير مثال لذلك الشاعر النور عثمان أبكر، وتارة أخرى يبدو فيها العنصر العربي حياً، وفعالاً في إعطاء هذه الثقافة السودانية سمتها، ومكونها الأساسي وهو الثقافة العربية الإسلامية، وخير من يمثلها محمد المكي إبراهيم.
أما الحالات التوفيقية لإحداث توازن، بين العناصر العربية والإفريقية، نجدها ممثلة في تجربة محمد عبد الحي ومصطفى سند.
وهنا نموذج للنور عثمان أبكر يقول فيه:
مولود الغابة والصحراء
من هذا الطافر كالجبل الأسمر
كمنارة ساحلنا الأزرق
رجل أوقظ؟ غاب؟ فترة الأعمار الأولى؟
ذهب ألق الجبهة، قضب الزيتون، عوامير اللهب الممتد الأعراف
إلى قسم الآفاق العالية
هذا صحو الكلمات المنسية
يقدم الشاعر في هذا النموذج جملة خطابه في الهوية" فهو يتحدث عن مولود الغابة والصحراء الذي يشابه الجبل الأسمر في بروزه، ثم يتساءل الشاعر عنا أهو مستيقظ، وهل هو غابة، أم دلالة ومرآة للبدايات الأولى، لامع وقيم كالذهب وأخضر مثل غصن الزيتون، وكذلك حامي الطبع مثل العواميد الملتهبة مولود الغابة والصحراء، الذي تمتد أصوله وأعراقه إلى قمم عالية تتسد الآفاق، وبتمجيدنا لهذا الميراث يكون فيه صحو الكلمات المنسية، التي يرمز بها النور للغة القبيلة التي نسيناها، ولكن ما زالت في دواخلنا كرموز تمثل أصولنا.
وهذا النموذج لمحمد المكي إبراهيم يوضح رؤيته لمسألة الهوية هذه قائلاً:
الرؤيا تزحم عيني الريا
أتلمس في الأدغال وفي الصحراء البهو معالمها
أتلمس لا ألقى إلا حبات مسابحكم
حبات مسابحكم
حبات مسابحكم
سبحان الحكم الطيب فوق مداخل إفريقيا
أمتلئ بالنظر والرؤيا، وعندما أنظر بإمعان لأبحث عن الأدغال والصحراء في معالم هذه الثقافة، ولكنني لا أجد عندما أتلمسها إلا حبات مسابحكم، وثم يكرر هذا المعنى الذي يرمز إلى الثقافة العربية، ولعله يشير إلى الوجود العربي
الفارض في إفريقيا.
والرمز في النموذج الأول للنور عثمان أبكر، رمز واضح ومباشر. يتحدث فيه الشاعر عن الغابة التي يرمز بها إلى الثقافة الإفريقية، والصحراء التي بدورها ترمز للثقافة العربية. وناتج لقاح الغابة والصحراء هو إنسان مميز، جمع بين ثقافتين عريقتين بكل ما فيهما من ألق، ولمعان، وجيشان، وحضور، وغياب، وذاكرة، والكلمات المنسية هي اللغة الأولى الأصلية القابعة في ذاكرتنا البعيدة، التي يسعى الشاعر لاستردادها عبر صحو شعري فريد، وباستعادة هذه اللغة ترجع له كينونته المفقودة وهكذا تكتمل الدائرة.
وفي النموذج الثاني، لمحمد المكي إبراهيم لم يذكر عبارة غابة وصحراء مباشرة، ولكنه ذكر الأدغال، وهي الغابات التي تدل على الثقافة الإفريقية، والصحراء هنا ترمز إلى الثقافة العربية، ولعل الثقافة العربية، قد تغلبت على الثقافة الإفريقية، فرمز لها بالمسابح (وهي عقد من الخرز يسمى مسبحة يستخدم في التسبيح لله يستخدمها بعض المسلمين عندما يسبحون للَّه سبحانه وتعالى) وهي من صميم الثقافة الإسلامية.
من الواضح أن إثارة الرمز، عند النور عثمان أبكر، وتكييفه قصد منه البحث عن البدايات الأولى، ومحاولة استعادة حضورنا الفاعل للتعبير عن ذاتيتنا. وهي دعوة لاسترداد البدائية، التي فقدت بسبب التمازج الزنجي العربي ، بينما نجد محمد المكي إبراهيم لا يعنيه الأمر كثيراً، بقدر ما هو يسعى لوصف ديناميات التزاوج وتغليب الثقافة العربية.
في هذا الفصل تحدثنا عن الغابة والصحراء، من ناحية تنظيرية حيث تتبعنا قيام الفكرة منذ البداية إلى أن تحولت إلى دعاوى الهوية والبحث عن الذات ومعرفتها.
حيث تكون في عقد سنوات الستين ما أطلق عليه النقاد مثل عبد الهادي صديق وسلمى خضراء الجيوشي وعبده بدوي تيار الغابة والصحراء ليرمز للمكون الإفريقي العربي داخل الإنسان السوداني، حيث تبلورت هذه الفكرة، وأتت بإنتاج أدبي تركزت عليه مفاهيم اجتمع حولها هؤلاء الشعراء مما أدرجهم تحت راية الغابة والصحراء، التي كثيراً ما أطلق عليها مدرسة وتارة أخرى تياراً، فمهما تكن التسمية فإن هؤلاء الشعراء الأماجد كتبوا الشعر الحديث وأن اختلف تناولهم له من ناحية الشكل، فبعضهم كتب بأسلوب بسيط ومباشر بعيداً عن الزخرف اللغوي والغموض، مثل صلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم وفي رأيي أنهما كتبا شعرهما هذا بعيداً عن التعقيد اللغوي والغموض الذي هو السمة البارزة للشعر العربي الحديث في سنوات الستين، لا لضعف في شاعريتهم أو قصر قامة بين الشعراء بل لانتمائهما الفكري لحركة اليسار وكتبابتهما تحت المدرسة الواقعية الاشتراكية التي ترى أن للأدب رسالة محددة، ولذلك حتى تفهم وتصل بصورة واضحة وتؤدي الرسالة كاملة يجب أن تكون واضحة ومباشرة، ولذلك نجد أن شعر محمد المكي إبراهيم وصلاح أحمد إبراهيم اتسم بالتقريرية التي قد يرى فيها النقاد سمة الخطابية والهتافية.
وفي المقابل نجد شعراء مثل مصطفى سند والنور عثمان أبكر ومحمد عبد الحي اتسم شعرهم بالغموض والعوالم الغيبية (الفنتازيا)، وأتت لغتهم رنانة وقوية وغامضة، ونجد أن كلاً من هؤلاء الشعراء حاول أن يكوّن قاموسه الشعري الخاص الذي يميزه من بقية الشعراء، وكان التكثيف اللغوي الذي يعطي صوراً شعرية مليئة بالغموض، وكأنها عالم الأحلام الساحري، الذي لا يستقيم فيه منطق الوعي، ومن ثم نجد أن الغموض عندما يتحول إلى غاية أيضاً يخل برسالة الشاعر ويكون شعره غير مفهوم للكثيرين ما يصرف المتلقي منه وبذلك يكون شعره محدود الانتشار.
والجدير بالذكر أن كل هؤلاء الشعراء ما عدا مصطفى سند درسوا في جامعة الخرطوم في أواخر سنوات الخمسين وسنوات الستين ويرى بعض النقاد مثل عبد الهادي الصديق وسلمى خضراء الجيوسي أنهم تأثروا بدراستهم للآداب الغربية، إذ أن غالبيتهم يعرفون أكثر من لغة أجنبية.
ولقد قمت بتقديم نماذج تطبيقية لهؤلاء الشعراء لأدلل على المفاهيم المشتركة التي جمعتهم والتي ناقشوها في أعمالهم الشعرية، وكان التحليل على مستوى المضامين فقط، وهذا لأن البحث أصلاً يدرس مفاهيم ومضامين هذه الجماعة، ولكن هذا لا يعني تجاهل أن جوهر الشعر ككل يقسم إلى شكل ومضمون وأننا لا نستطيع فصلهما.
عبدالله الشقليني
17-12-2006, 10:03 PM
الشكر أجزله للدكتورة بيان
على هذا الثراء ...
والشكر موصول لكل من يسر لنا هذا :
ونذكر هنا الآية الكريمة :
( {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ }الزخرف13
عصمت العالم
17-12-2006, 11:44 PM
استاذنا عجب الفيا..
رائع كل ما قدمت من إضاءات مشعه لمرسوم الغابه والصحراء فى ذكريات استاذنا الشاعر محمد المكى ابراهيم..ولعل مسار التكوين وردة الفعل وتضارب الاختلاف فى زمن البدايه والتاسيس..وهيمنت الواقع السياسى للمد العربى وظلال تمدد عبد الناصر والقوميه العربيه حجب بتوسع انتشاره جوهر ضياء الفكره فى مفهوم التكوين العرقى للمجتمع السودانى..وكانت محاولات التشكيك والخلاف والمغالطه....وتوهان منافذ الرؤيه ..ليتشكل هذا الواقع الان فى سودان اليوم.فى التمدد العرقى وحقوق الاثنيات والخلط بين العروبه والزنج...
ليبقى السؤال المطروح عن الهويه السودانيه قائما...لم يجاب عليه..؟؟
وهل مدى الرؤيا لتاسيس سلطنة الفونج ...على الغلبه العربيه..من منطلق اللغه..والدين هو احكام الترويج لعنصر العربى..؟؟والاغفال للعنصر الزنجى..؟؟
عمليات الرق..واستيعاب العبيد فى عهد محمد على الكبير.وظلالها فى المفهوم للدول العربيه عن تلك العناصر السودانيه..بانها زنوج وعبيد..؟؟
ماذا اذا كنا نتحدث اى لغة ثانيه..؟؟ تروى كيف يحدد الانتماء العربى...؟؟
نحن هجين خلاسى فى مناطق الشمال والوسط والغرب بين عناصر عربيه وعناصر زنجيه..ليس هنالك عنصر عربى خالص فى تلك المعادله..غير قبائل الرشايده فى تخوم كسلا( الزبيديه) وهم لم يختلطوا بعنصر زنجى..
فى الشرق البجه ليس بعرب ولا الهدندوه..ولا الخاسه ولا البنى عامر...وفى الشمال النوبه. وهم ليسوا بعرب.والشايقيه وعناصرهم اصلها من قبائل اليروبا فى نيجريا..وكل القبائل الشماليه هجين بين عرب وزنج من مواطنى تلك المناطق.وفى الغرب خليط بين زنج وعرب وتتواجد قبائل زنجيه خالصه..والجنوب معروف بزنجية قبائله..لكن سمات الاشكال تغلب عليها ملامح العناصر الزنجيه إلا اللغه هى لغه عربيه...ولعل السودانيين الذين عملوا فى السعوديه والخليج عرفوا من التصنيف الاجتماعى هناك انهم ليسوا بعرب بل عبيد وزنوج..
ليبقى السؤال..المهم...
ماذا اذا تمسكنا فقط باننا سودانيون..؟؟ ونلقى بهذا التمسك متاهات العروبه والزنج...ونعترف باننا خلاسيون..
استاذنا الفيا..
يا صديقى ما يجرى الان فى السودان من تناحر عرقى وخلاف اثنى سببه اننا اهملنا تحديد من نكون...
لك عظيم الامتنان وعميق التقدير
عصمت العالم
17-12-2006, 11:51 PM
السيده الاستاذه الدكتوره بيان..
رائعة مداخلتك ذات التدليل والاشارات ...والطرح المرصود بعمق وعلم وفهم وفكر وتمكن..واستحواذ تضمنته تلك الاطروحه العلميه البالغه الاهميه الكثيفة المعانى المتدفقة فى التعريف والتفسير والايضاح..
حقيقة ابهرتينى بكل ذلك المنح المعرفى الضليع...والاسهاب التفصيلى المتعمق الذى اتاح بعدا اخر ومدى متعاظم لهذا البوست من واقع جهد علمى فيه الاثراء المتدفق والسهل الممتنع والعرض الشهى..
لا املك إلا ان اقول لك...
انك رائعة ..ومبدعه..ومتمكنه...وحاذقه..
ربنا يمسيك بحفظه وبنوره..وبخيره
وننتظر منك الكثير.وانت شمس من معارف..
عميق الاعزاز
عجب الفيا
18-12-2006, 02:43 AM
قال الشعر نفسه انه كتبها سنة 1962
.
هذه المعلومة غير صحيحة !
الشاعر لم يذكر انه كتب القصيدة في سنة 1962 .
عجب الفيا
18-12-2006, 02:47 AM
الثابت ان الشاعر ذكر في ر سالته الى خالد المبارك
وفي حديثه الى سلمي الجيوشي انه كتب القصيدة 1963
وهذا يوافق ما ذكره محمد المكي
عجب الفيا
18-12-2006, 02:52 AM
هل عندك شك في التاريخ الذي ذكره الشاعر ولماذا ؟
عجب الفيا
18-12-2006, 02:53 AM
لقد تمسكت بقول الشاعر في نفس السياق انه لم يكن من تلك الجماعة فلماذا لم تتمسكين بتحديده لكتابة القصيدة الوارد في نفس السياق ؟
هل هي الرغبة فقط في تكذيب محمد المكي ؟
عجب الفيا
18-12-2006, 02:57 AM
استاذنا عصمت العالم
اهلا وسهلا شرفت البوست ونورت والله
سوف اعود الى ما تفضلت به .
عجب الفيا
18-12-2006, 03:40 AM
لاحظ للتواريخ سنة 1962 كتبت القصيدة
ولم يكن هناك ما هو متعارف عليه بالغابة والصحراء.. اي ان القصيدة كتبت سنة 1963
ولكن الثابت ان القصيدة كتبت سنة 1962
ونشرت سنة 1963
ليت النور عثمان ابكر ادلى بشهادته ليضبط التأريخ..
هذه كلها معلومات مغلوطة
الثابت بقول الشاعر نفسه ان القصيدة كتبت سنة 1963
عجب الفيا
18-12-2006, 03:52 AM
وان الكتابات الشعرية بدأت سنة 1963كما خلصت ان قصيدة العودة الى سنار هي خطاب هوية..
في تحولاتها اذ انها كتبت 7 مرات.. تتبعتها سطرا سطرا..
وقمت بالتطبيق على نسخة 1973
هنا بعضمة لسانك يا دكتورة تقولين ان كتابة القصيدة بدات سنة 1963 !!
شفتي التناقض دا كيف ودا كله عشان بس تكذيب محمد المكي !!!
.
عجب الفيا
18-12-2006, 04:37 AM
طالما ثبت من قول الشاعر وباقرارك انت نفسك بان القصيدة كتبت سنة 1963
وهو ما يطابق قول محمد المكي ،
يبقي البحث عن شهادة شخص آخر لا معنى له
وننتقل الى نقطة اخرى
عجب الفيا
18-12-2006, 05:14 AM
هل ذكر لك عيدابي ان القصيدة كتبت سنة 1963؟
هذا هو المحك ولكن الجلوس في بيت حبوبة محمد لم يكن ابدا فيه اختلاف..
هنا تسالني الدكتورة بيان هل ذكر لي عيدابي ان تاريخ كتابة القصيدة سنة 1963؟
وتنسى انها هي نفسها في اول مداخلة لها اوردت قول الشاعر انه كتب القصيدة 1963
وتنسى انها في مداخلة تالية قالت في اطروحة الدكتوراة ان :" البدايات الشعرية كانت سنة 1963 "
اذن اذا كان المحك هو سنة كتابة القصيدة فهذا ثابت .
ولكن يبدو ان المحك المقصود ، هو تكذيب محمد المكي باي طريقة مثلما جرى تخوينه في مكان آخر وبنفس الطريقة .
bayan
18-12-2006, 06:38 AM
هنا تسالني الدكتورة بيان هل ذكر لي عيدابي ان تاريخ كتابة القصيدة سنة 1963؟
وتنسى انها هي نفسها في اول مداخلة لها اوردت قول الشاعر انه كتب القصيدة 1963
سؤالي هو هل راي عيدابي القصيدة قيل ام بعد اللقاء؟
سؤالي هو هل راي عيدابي القصيدة قيل ام بعد اللقاء؟
سؤالي هو هل راي عيدابي القصيدة قيل ام بعد اللقاء؟
سؤالي هو هل راي عيدابي القصيدة قيل ام بعد اللقاء؟
سؤالي هو هل راي عيدابي القصيدة قيل ام بعد اللقاء؟
سؤالي هو هل راي عيدابي القصيدة قيل ام بعد اللقاء؟
سؤالي هو هل راي عيدابي القصيدة قيل ام بعد اللقاء؟
سؤالي هو هل راي عيدابي القصيدة قيل ام بعد اللقاء؟
تخوين و تكذيب دا كلام ما عنده معنى ولكن شهادة عيدابي بانه لم ير القصيدة قبل اللقاء ستغير التأريخ لي جنا الجنا
وساكتب تحليل جديد في وجه المسنجدات هذه وساغير شخصيا قناعاتي تماما في ما كتب عنها وما كتبته انا عنها
bayan
18-12-2006, 06:52 AM
تعرف يا الفيا لماذا لم انداخل ابدا في اي بوست كتب عن الغابة والصحراء في سوداينزتولاين
مع انه اعتقد انني من القلائل في السودان الذين يملكون كميات من المراجع والكتابات عنها بدون غرور؟
لانني ارى ان هذا الامر يحتاج لنظرة موضوعية ومنهجية رصينة,,
اتمنى ان تتوفر في هذا البورد لمرة واحدة يكتب عن الحقائق..دون دواس..
شهاداة عيدابي ضرورة في حسم الخلاف القائم على ان هل كذب محمد عبد الحي عندما قال انه لم يكتب تحت تاثير الغابة الصحراء
عجب الفيا
18-12-2006, 07:30 AM
شهاداة عيدابي ضرورة في حسم الخلاف القائم على ان هل كذب محمد عبد الحي عندما قال انه لم يكتب تحت تاثير الغابة الصحراء
لا احد قال ان محمد عبد الحي كذب عندما قال انه ليس من الجماعة الغابة والصحراء كل ما في الامر ان المسالة محتاجة لفهم ما يرمي اليه عبد الحي بهذا الكلام من واقع السؤال المطروح عليه وسياق الحوار ومجمل الاسئلة والاجابات والملابسات وربط كل ذلك بكل ما كتبه عبد الحي شعرا وتنظيرا . وقد اوضحنا وجهة نظرنا في ذلك بما يكفي ويغني عن التكرار .
ولكن سؤالى هو هل كذب عبد الحي عندما قال انه كتب القصيدة سنة 1963 ؟
عجب الفيا
18-12-2006, 07:33 AM
لانني ارى ان هذا الامر يحتاج لنظرة موضوعية ومنهجية رصينة,,
اتمنى ان تتوفر في هذا البورد لمرة واحدة يكتب عن الحقائق..دون دواس..
انطلاقا من هذه النظرة الموضوعية الرصينة هل لك ان تخبرينا في اي مصدر ذكر محمد عبد الحي ما نسب اليه باطروحة الدكتوراة الفصل الثاني حيث جاء :
" ويقول محمد عبد الحي في ذلك:
"جماع الغابة والصحراء لم يكن ودياً في البداية ولكن زحام هذا اللقاء الشرس بين فرسان الخيول العربية وبين سبايا الغاب الإفريقي نحتنا وجوهنا ... الأفكار لا تجدي ... الاعتراف، عودة إلى الجذور الأصلية المنسية، ضغوط، يتم لقاؤنا بشمس الحقيقة".
فالثقافة التي ننشدها يجب أن تكون ثقافة هجينة مثلنا، "فهي إفريقية أصلاً ولكنها عربية الملامح".
كما أن دعوة الهجنة في أصولها "العرقية عند (ماكمايكل) وتجلياتها الثقافية عند (ترمنجهام)، تنطوي على فرضية انحطاط وهو انحطاط نجم في نظر دعاتها على امتزاج العرب المسلمين بالنوبة الإفريقيين". ثم شرح ما يرمي إليه قائلاً:
"فقد جاء عند ماكمايكل ما يوحي بأن (الدم) العربي أرفع من الدم الإفريقي، وجاء عند ترمنجهام أن الهجين العربي الإفريقي قد سرب من العقائد إلى الإسلام ما أدخله في الوثنية. من الواضح أن المكون الإفريقي في هذا الهجين هو أكثر من تأذى لنظرية الانحطاط هذه".
- انتهى الاقتباس
اين ذكر محمد عبد الحي ما نسب اليه في الفقرتيين الاخيرتين اللتين تحتهما خطوط .
http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=113&msg=1139078360
bayan
18-12-2006, 09:01 AM
الفيا
نقول لكم وداعا اذ ان الموضوع تحول الى ذات الهرجلة في سودانيزاونلاين....
وتحول لامتحان لا نقاش....
وانا قد تجاوزت مرحلة الامتحانات والاختبارات منذ سنوات طويلة...
وكلها اجتزتها بصورة اكثر من مرضية...
نترك لك بوستك..
وبعد ان انتهى مما يمنعني المشاركة . سا فترع بوست
اقدم فيه ما املك من معلومات
لانني سعدت جدا بما كتبه الاخوبن الشقليني و عصمت..واجده مشجع في ان اقدم معلوماتي التي بدا ت في تكوينها عام 1982 في قصيدة العودة الى سنار..
للاجابة على اختبارك راجع الفوتنوت ستجد المصدر كما قلت لك هذا البحث بحث اكاديمي رصين ممنهج
ومضبوط المعلومات كما هو متعارف عليه عالميا وتم امتحانه واجازته من قبل لجنة اكاديمية
يهتمون جدا بضبط المصادر..
في ذات البوست يوجد ثبت الفوت نوت تتبع النقاط بالارقام تصل الى الاجابة..
وشكرا لك
عجب الفيا
18-12-2006, 11:43 AM
الاخت الدكتورة بيان مرحب بك دوما وفي اي وقت .
bayan
18-12-2006, 11:54 AM
شكرا لك
عجب الفيا
18-12-2006, 12:02 PM
الحبيب استاذنا عصمت العالم
شكرا لك مرة أخرى على ما تفضلت به
وكل ما ذكرته من هويات يدخل في التوصيف الآفروعربي الذي رمز له بالغابة والصحراء .
عماد عبد الله
18-12-2006, 12:05 PM
والله شكرا لك
عبدالله الشقليني
18-12-2006, 04:14 PM
الأحباء هُنا
ونخص : الكاتب الفيا
والدكتورة بيان .
لقد كُنا على أعتاب جنان مورقة في دوحة الغابة والصحراء ،
ثم جاءت غيمة لا ندري من أين أتت ، وران الأسى على جانبه وكاد القدر أن ينكفئ .
رجاءً أحسنوا الظن بنا ، فنحن نحسب أننا قراء في درجة نأمل في أنفسنا أننا وراء كل طيف ثقافي يُطل ، فما بال الفراق من طرف ، واستدارة الحوار في بؤرة عام أهو قبلها أم هو بعدها .
لست من أصحاب ( باركوها ) ولست ممن يحسب أن سنة ليست من مقادير الكيل الثقافي أو التدقيق الأكاديمي والتحقيق .
فقط أفسحوا يُفسِح الله لكُم في فيحائة بعد أن ينقطع الرزق وينطوي العُمر .
كنتُ بصدد أن نستدرج الأخ الشاعر / جمال محمد إبراهيم ،
فقد كان من رفاق أصحاب الغابة والصحراء ،
وكان منذ ذلك الزمان شاعراً يكتُب ويقرأ في المنتديات العامة في الجامعة ....
فماذا أنا فاعل يا تُرى
( أركَب الظلط ولا شنُو ؟ )
معتز تروتسكى
18-12-2006, 06:25 PM
استاذنا
عجب الفيا
تشكر على التحية وهذا الكلام القيم ..
ونبادلك باحسن منها بقدر استطاعتنا وانت لم تكن الا وترا يدين كي يزيد الصمت اصرارا وصمتا..
ولم تكن وقفا ينهنه فى الدواخل حينا واحيانا يجاهر...
تشكر سيدى ..
وياريتك تكون شدّيد...
والتحايا النواضر لكل من هم هنا..
عجب الفيا
19-12-2006, 04:07 AM
الاستاذ عماد عبد الله
كدا بدون زيادة
تابعتك باعجاب بسودانيزالاوين رغم اننا لم نتداخل ابدا
وكم كان سروري عظيما عندما لمحت اسمك بالحروف العربية على صفحات سودانيات
وكنت اطمع ان تكون طرفا في هذا الحوار ولكن كما ترى هكذا هو حال المنابر التي تسمي بالاسفيرية .
الشكر اجزله لك انت بتشريفنا يا سيدي
عجب الفيا
19-12-2006, 04:19 AM
الاخ الاستاذ العزيز الفنان عبدالله الشقليني
اشكرك على نواياك الطيبة في اشاعة الاجواء الودية للحوارات
وفي تقديري ان الامر من جانبي لم يتعدي خلاف حول وقائع ومفاهيم علمية واكاديمية
محددة متعلقة بجوهر النقاش ولم ازد ان رددت على الاخت بيان بما جاء في أطروحتها .
والتحية مجددا لك ولاستاذنا جمال محمد ابراهيم والف مرحب به لاثراء هذا النقاش .
عجب الفيا
19-12-2006, 04:37 AM
شكرا يا معتز على هذه الكلمات وعلى حضورك الجميل .
haneena
19-12-2006, 04:15 PM
salam abdel moneim
haven't got a chance to go through
Just to say salam till coming in full energy and Arabic
stay well
عجب الفيا
20-12-2006, 04:44 AM
هلا بالحنينة ، افتقدناك
محمد ابراهيم قرض
20-12-2006, 11:01 AM
الأخ عجب الفيا / الأخت بيان ..
الهوية و ما أدراك ما الهوية ...
بمعنى لماذا نرهق أنفسنا و نلهث وراء الهوية ؟؟
هل يغير هذا من واقع الأشياء ؟؟
نحن هكذا ، خلقنا هكذا و نعامل و يتعامل معنا الناس هكذا ..
إذا ما فائدة (الخناق) حول الهوية ؟؟
عجب الفيا
21-12-2006, 02:51 AM
هل يغير هذا من واقع الأشياء ؟؟
نحن هكذا ، خلقنا هكذا و نعامل و يتعامل معنا الناس هكذا ..
الاخ محمد قرض
نحن لا نريد تغيير واقع الاشياء
نريد ان نتعامل مع الناس كما خلقنا
لكن البعض لا يريد ان يعترف بطبيعة الاشياء
قلت في اول سطرين من المقال :
"السودان ثقافيا وعرقيا بلد عربي افريقي او أفريقي عربي ان شئت . هذه الحقيقة التي لا تتناطح فيها عنزتان - كما يقال - ظل مثقفو السودان يتناطحون حولها منذ فجر الاستقلال حتي اليوم ."
هذا وصف لواقع الاشياء وليس محاولة لتغيير الواقع
عجب الفيا
21-12-2006, 06:10 AM
وللاسف كل الصراعات الدائرة الان في السودان سببها الذين لا يعترفون بواقع الاشياء .
يقول محمد المكي في مذكراته :
"ومن يتأمل الجنجويد وحديثهم المبالغ فيه عن (الزرقة) يضحك ضحكاً مراً على النزاع ومبرراته فليس اشد زرقة من واحدهم سوى الآخر، وممكن جداً تبادل المواقع بينهم فيكون بعض الجنجويد افحم سوادا من أعدائهم في المعسكر الآخر" .
محمد ابراهيم قرض
21-12-2006, 06:46 AM
نحن لا نريد تغيير واقع الاشياء
نريد ان نتعامل مع الناس كما خلقنا
لكن البعض لا يريد ان يعترف بطبيعة الاشياء
أن لا نعترف بطبيعة الأشياء هو لعمري
مرض (ساذج) و خطير يا عجب ..
ساذج لأن هويتنا تلازمنا مثل ظلنا ..
و لمن لا يعترف بها فهي تطارده مثل ظله
وين ح نهرب منو وين ؟؟؟؟
و خطير لأننا لا أرى أية عيب ما في هويتي
التي طبعت بها مثل مولدي .. بل هي مصدر
اعتزازي و فخري ...
بيني و بينك تجعلني هذه الهوية مميزا ، متميزا ..
و كنت أطرب في مصر حينما ينادي علي
(بأسمر يا لب) ... يا لها من سعادة غامرة ...
عجب الفيا
21-12-2006, 07:40 AM
ولذلك قال محمد المكي يا اخ قرض :
" . فليس للغابة والصحراء أي فضل في خلق الثقافة السودانية فهي حقيقة وجودية سابقة لذلك التيار بل ان الغابة والصحراء تدين بوجودها للثقافة السودانية بحكم انها مجرد توصيف لما هو كائن في الثقافة وليس فرضا لواقع جديد على تلك الثقافة ."
وقلنا :
"ان "الغابة والصحراء" ، ليست مجرد جماعة ادبية او شعرية التقت لفترة ثم انفض سامرها ، وانما هي تعبير عن موقف وجودي وواقع حياتي متجدد ودمغة يحملها كل سوداني كالبصمة . الغابة والصحراء هي السودان . تتغير الشعارات وتتلون الرؤى ، وتتبدل الاسماء ويظل السودان هو السودان . "
عجب الفيا
21-12-2006, 05:17 PM
الغابة والصحراء مفهوم وليست مدرسة شعرية *
" إلى الذين يرون الأشياء أما بيضاء أو سوداء "
مصطفى سعيد
سألت إيزابيلا سيمور ، مصطفى سعيد ، بطل رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال ) : ما جنسك ؟ هل أنت أفريقي أم آسيوي ؟ فأجابها أنا مثل عطيل ، عربي أفريقي . فنظرت إلى وجهه وقالت : نعم أنفك مثل أنوف العرب في الصور ولكن شعرك ليس فاحما مثل شعر العرب .
وذات السؤال الذي واجهه مصطفى سعيد روائيا في لندن واجهه واقعيا الشاعران المبدعان محمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر في ألمانيا في رحلتهما إليها في الستينات حيث عبر النور عن حيرة الأوربي في تصنيفه بقوله " أنه يرفض هويتي الأفريقية حين أفكر ، ويرفض هويتي العربية حين أكون " . عبارة مشرقة ولا شك تلخص في أسلوب فلسفي رشيق ازدواجية الهوية الثقافية والأثنية للإنسان السوداني . أما محمد المكي إبراهيم فقد جادت قريحته شعرا لتوصيف الواقع بقوله في قصيدته الرائعة ( بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت ) والتي تعتبر من عيون الشعر العربي الحديث :
الله يا خلاسية
………..
يا بعض عربية
وبعض زنجية
وبعض أقوالي أمام الله
وهكذا قد تنبهت الطلائع المثقفة من السودانيين باكرا إلى الخصوصية الثقافية والأثنية للذات السودانية . وقد برز الوعي بهذه الخصوصية أكثر حدة في الخمسينات والستينات مع المد الثوري لحركات التحرر الوطني ودعوات القومية العربية والاتجاهات الزنجية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية . ففطن نفر من هؤلاء المثقفين إلى أن السودان يمتاز بخصوصية فريدة لا تتوفر في غيره من دول المنطقة ، فهو يجمع بين الانتماء العربي والأفريقي في آن معا . فتفتق وعيهم عن صبغة يصفون بها هذه الحالة الفريدة . وحيث أن معظمهم كانوا شعراء فقد هداهم حسهم الشعري إلى صيغة شعرية ذات دلالة رمزية عميقة وهي صيغة ( الغابة والصحراء ) . الغابة إشارة إلى العنصر الأفريقي والصحراء إشارة إلى العنصر العربي . وذلك للدلالة على ذلك التمازج الثقافي والأثني .
ولعل من دلائل التوفيق على حسن اختيار هذه الصيغة الرمزية أن تعبير ( الغابة والصحراء ) لا يتطابق فقط مع توزيع المناخ الجغرافي في السودان بل يكاد يتطابق مع التوزيع الديمغرافي للسكان . فالمعروف أن مناخ السودان يبدأ في التدرج من مناخ صحراء في الشمال ثم يتحول إلى شبه صحراء ثم سافنا فقيرة وأخرى غنية في الأواسط إلى أن ينتهي عند الغابات المدارية في الجنوب . وبذات القدر نجد السكان يتوزعون على هذا النحو إذ نجد العنصر العربي غالب في الشمال مع بعض الاستثناءات ثم يبدأ في التقلص كلما اتجهنا مع بعض الاستثناءات أيضا إلى أن ينتهي إلى غابة العنصر الأفريقي الزنجي في الجنوب .
ومثلما اهتدت تلك المجموعة إلى رمز ( الغابة والصحراء ) اهتدت أيضا إلى نموذج تاريخي يجسد هذا التمازج العربي الأفريقي على أرض الواقع فكانت سنار . وسنار هي عاصمة مملكة سنار أو سلطنة الفونج والتي عرفت أيضا بالمملكة الزرقاء أي السوداء . فالسودانيون يستعملون الأزرق كمرادف للأسود . ومنه جاء اسم النيل الأزرق أي الأسود . وذلك لشدة اعتكار مياهه من كثرة الطمي . ويقولون رجل أزرق يعنى أسود . وكانت العرب تستعمل الأخضر في ذات المعنى ، فتقول رجل أخضر أي أسمر أو أسود . وكذلك يفعل السودانيون وهذا مثال على الخصوصية اللغوية لأهل السودان .
ويرجع اختيار مملكة سنار أو السلطنة الزرقاء ( 1504 – 1821م ) كنموذج معادلة الهوية السودانية إلى أنها أول مملكة سودانية تكونت بتحالف القبائل العربية والقبائل الأفريقية و كانت النواة الحقيقية للسودان المعروف الآن . ولعل الفضل في رواج مفهوم سنار كنموذج لهذا التمازج يعود إلى الشاعر المرهف د. محمد عبد الحي الذي يعتبر أحد أبرز رموز الحداثة الشعرية في العالم العربي وديوانه المشهور ( العودة إلى سنار ) خير دليل على ذلك حيث يقول في ذات السياق :
وكانت الغابة والصحراء
امرأة عارية تنام
على سرير البرق في انتظار
ثورها الإلهي الذي يزور في الظلام
والثور الإلهي هو الثور المقدس عند الدينكا أكبر القبائل الزنجية في الجنوب ويرمز به هنا إلى البعد الديني في الوجدان السوداني .
يتبع ..،
__________
* نشرت بجريدة الخليج الاماراتية 2000
ثم نشرت بمجلة العربي الكويتية عدد اكتوبر 2004 تحت عنوان " جماليات الثقافة السودانية "
عجب الفيا
21-12-2006, 05:28 PM
(2)
وإذا كان صيغة الغابة والصحراء قد ارتبطت في البداية بمجموعة بعينها من شعراء الستينات هم محمد عبد الحي ومحمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر وصلاح أحمد إبراهيم ، فإن هذا التوصيف للثقافة السودانية قد وجد قبولا ورواجا بين أغلب المثقفين والكتاب في تلك الفترة وتردد في أشعار الكثيرين منهم . وربما يرجع نجاح مفهوم ( الأفروعربية ) المطروح من خلال رمزية ( الغابة والصحراء ) آنذاك إلى الوعي القومي السوداني الذي أفرزته الظروف والتحولات السياسية والاجتماعية التي قادت إلى ثورة أكتوبر 1964م .
والحقيقة أن جذور الوعي بالتوصيف ( الأفروعربي ) للهوية السودانية ترجع إلى عشرينات القرن الماضي حيث تكوين جمعية اللواء الأبيض التي قادت ثورة 1924م ضد الإنجليز وإلى دعوة رائد التجديد حمزة الملك طمبل في كتابه ( الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه ) الذي صدر سنة 1928م حيث ناشد شعراء مدرسة الأحياء الشعري السوداني من أمثال محمد سعيد العباسي عدم الاكتفاء بتقليد الشعراء العرب القدامى والالتفات إلى البيئة السودانية المحلية وتصويرها في أشعارهم . وتأسيا بأفكار حمزة الملك واصلت جماعة مجلة ( الفجر ) في الثلاثينات ومن أبرزهم معاوية نور وعرفات محمد عبد الله ومحمد أحمد المحجوب رئيس الوزراء الأسبق الدعوى إلى أدب قومي سوداني يعبر عن الذات السودانية ببعديها العربي والأفريقي .
في هذا السـياق كتـب المحجـوب بمجلـة الفجـر الصـادرة فـي 16/6/1935م يقـول " نحن إن نادينا بقيام الأدب القومي للطبيعة المحلية فإنما ندعو إلى خلق شعب بكيانه يعبر عن مرئياته من سماء زرقاء أو ملبدة بالغيوم ومن غابات وصحراوات قاحلة ومروج خضراء ومن إيمان بالكجور والسحر إلى إيمان بالله وحده لا شريك له " .
وفي الخمسينات أعاد الشاعر الفحل محمد المهدي المجذوب إحياء أفكار حمزة الملك وعمل على عكس مظاهر الحياة السودانية في أشعاره وأدخل إنسان الجنوب لأول مرة إلى معادلة الثقافة السودانية في قصائده التي عرفت بالجنوبيات . وقد عبر المجذوب في هذه القصائد عن إنسان جنوب السودان وأعلن صراحة عن العرق الزنجي الذي فيه وهو الذي ينتمي إلى أرومة شمالية تعد نفسها أكثر عرب السودان عروبة حيث يقول في إحدى هذه القصائد .
وعندي من الزنج أعراق معاندة
وأن تشدق في أشعاري العرب
ومن شعراء القصيدة الحديثة الذين سبقوا شعراء ( الغابة والصحراء ) إلى الالتفات إلى الجانب الأفريقي في وجدانهم الفيتوري ومحي الدين فارس وتاج السر الحسن وجيلي عبد الرحمن ومحمد عثمان كجراي . فقد كرس الفيتوري دواوينه الشعرية الأولى للتغني بأفريقيا وأمجادها فكتب ( عاشق مـن أفريقيـا ) و ( أغنيـات أفريقيـا ) و ( اذكرينـي يا أفريقيا ) .
لم يكن الشعراء هم الوحيدون السابقون إلى ا قرار النظرة الأفروعربية للثقافة السودانية . فكان هنالك العديد من الكتاب والأدباء والمؤرخون الذين انطلقوا في كتاباتهم من هذه النظرة ومن أبرزهم جمال محمد أحمد ومحمد عمر بشير ويوسف فضل ومحمد إبراهيم سليم وحامد حريز ويوسف عيدابي وغيرهم كثر .
وكان المفكر والأديب الفذ جمال محمد أحمد يعمل في صمت العلماء بعيدا عن أية نزعات شوفينية في التعريف بالأدب والثقافة الأفريقية وفي كشف العلاقات التاريخية والأثنية بين العرب والأفارقة منذ القدم . فكتب ( وجدان أفريقيا ) وهو كتاب عن الأديان في أفريقيا وكيفية تعايش الإسلام والمسيحية مع الديانات والمعتقدات الأفريقية المحلية و ( سالي فو حمو ) وهو في الأدب الشعبي والحكايات والأحاجي الأفريقية . وكتب ( عرب وأفارقة ) و ( في المسرحية الأفريقية ) و ( مطالعات في الشئون الأفريقية ) الذي صدر عن دار الهلال بمصر سنة 1969م وترجم عن بازل ديفيدسون ( أفريقيا تحت أضواء جديدة ) وغيرها من المؤلفات والترجمات .
وكان لموقف جمال محمد أحمد المتوازن من الأصول العربية والأفريقية للثقافة السودانية التأثير في جيل كامل هو جيل الستينات الذي ينظر إلى جمال نظرة الأستاذ المعلم . فعضوية جمال في مجمع اللغة العربية بالقاهرة لم تمنعه من رد الاعتبار للثقافة الأفريقية والتعريف بها . وبتأثير من جمال ألف صديقه الأديب والقـاص علـى المـك ( نمـاذج مـن الأدب الزنجـي الأمريكـي ) وترجـم مـع صـلاح أحمـد إبراهيـم كتـاب ( الأرض الآثمة ) لباتريك فان رنزبيرج . كما أصدر محمد عبد الحي كتاب ( أقنعة القبيلة ) في الشعر الأفريقي الحديث .
يتبع ..،
عجب الفيا
21-12-2006, 05:35 PM
(3)
وعلى الرغم من بداهة التوصيف الذي تطرحه صيغة ( الغابة والصحراء ) وعلى الرغم من أن القول بأن السودان بلد عربي أفريقي ثقافيا وعرقيا هو من المسلمات التي لا يمكن المجادلة حولها . إلا أن أصحاب هذا الاتجاه قد تعرضوا لحملات من النقد وصل في بعض الأحيان إلى حد التشويه المتعمد والاستنتاجات الخاطئة لآرائهم من بعـض ذوي النزعـات الأيدولوجيـة والشوفينيـة . فالإسلاميـون رأوا فـي صيغـة ( الغابة والصحراء ) دسيسة علمانية للحد من دور الإسلام في المجتمع السوداني . وبعض القوميون العرب رأوا فيها محاولة لتحجيم انتماء السودان للعروبة والإسلام .
أما بعض أهل اليسار فرأوا في نموذج ( مملكة سنار ) الذي تطرحه ( الغابة والصحراء ) كمثال للتعايش السلمي والتعددية الثقافية ، استمرارا لتكريس هيمنة الثقافة العربية الإسلامية على الثقافات الأخرى . وربما رأوا فيها ثغرة تعطى المجال لبروز مشروع الدولة الدينية .
لذلك عمد أصحاب هذا الاتجاه إلى إنشاء تجمع مناوئ من المبدعين باسم ( آباداماك ) في أواخر الستينات . وقد أخذ هذا التجمع اسمه من أحد آلهة مملكة مروي النوبية القديمة وكأنهم أرادوا بذلك أن يقولوا لأهل ( الغابة والصحراء ) إذا كنتم ستعودون بنا إلى ( سنار ) فنحن سنعود بكم إلى أبعد من سنار ، إلى مروي أقدم حضارة سودانية أفريقية . إلا أن توجهات ذلك التجمع لم تخرج في مجملها عن مقولات وأطروحات ( الغابة والصحراء ) فلم يجد أصحاب هذا الاتجاه في النهاية بد من الذوبان في التيار ( الأفروعربي ) الكاسح والذي تفرضه معطيات الواقع المتشابكة أكثر مما تفعل الشعارات والأيدولوجيات .
والحقيقة عندما نادى دعاة الأفروعربية بالعودة إلى ( سنار ) للتعبير كرمز للتعبير عن واقع حال الهوية السودانية لم يقصدوا بذلك العودة إلى نموذج الدولة الدينية الذي كان مطبقا في مملكة سنار كما لم يقصدوا تجاهل الحضارات والممالك السودانية السابقة على سنار . وإنما هدفوا ببساطة إلى تقديم نموذج من تاريخ السودان يرمز ويعبر عن التعايش والتمازج السلمي بين الثقافات السودانية المختلفة . وقد رأوا في سنار الخلاصة التي تلتقي عندها كل حضارات السودان القديمة والمعاصرة . والعودة إليها هي بالضرورة عودة إلى مروي وكرمة النوبية وعلوة والمقرة المسيحية .
ففي ديوانه ( العودة إلى سنار ) يستلهم محمد عبد الحي الكثير من الرموز والأساطير من الحضارات النوبية القديمة . وفي ديوانه ( السمندل يغني ) توجد قصيـدة بعنـوان ( مروي ) في إشارة إلى الحضارة المروية القديمة وفي الصفحة المقابلة مباشرة توجد قصيدة أخرى باسم ( سنار ) في إشارة إلى مملكة سنار أكثر من ذلك أن محمد
عبد الحي في دراسته القيمة من أسطورة ( الشيخ إسماعيل صاحب الربابة ) وهو أحد متصوفة مملكة سنار يذهب أبعد من ذلك ويحاول إيجاد وشائج بين سيرة الشيخ إسماعيل وبين سائر الثقافات والحضارات القديمة بما في ذلك التأثر بالتراث اليوناني القديم حيث يرى أن الشيخ إسماعيل هو في الحقيقة أورفيوس سوداني . ويخلص إلى أن سيرة الشيخ الصوفي تمثل اللاوعي الجمعي أو الذاكرة التراثية للإنسان السوداني حيث تلتقي عندها الثقافة العربية الإسلامية بالثقافات اليونانية والنوبية والمسيحية .
لكن يبدو أن البعض يأبى إلا أن ينظر إلى الواقع بعين واحدة ، فيرى الأشياء إما بيضاء وإما سوداء ويعجز أن يرى الرؤية الرمادية التي تفسح المجال للنظرة التعددية المتسامحة .
وللتاريخ نقول أن شعراء ( الغابة والصحراء ) ليسوا جماعة تربطهم رابطة أدبية أو يجمع بينهم أي تنظيم أو حزب سياسي ولم يصدروا حتى بيان مشترك يعلنون فيه عن توجههم وإنما هم نفر من المبدعين التقت أفكارهم في غير ما اتفاق حول رمزية الغابة والصحراء للدلالة على خصوصية الهوية السودانية .
وهذا ما جعل عبد الحي ينفي أن تكون هناك مدرسة شعرية باسم الغابة والصحراء في حوار معه أجرى معه سنة 1984م ظنه البعض تراجع عن فكرة الغابة والصحراء يقول عبد الحي :
" إن مدرسة الغابة والصحراء أمر مضحك فإذا كان هنالك بعض الشعراء والمتشاعرين كتبوا قصائد محشوة بالغابة والصحراء دون أن يكتبوا شعرا رصينا لا توجد مدرسة أو منهج لكل الناس الشعر هو الشعر " . فالغابة والصحراء بالنسبة له مفهوم وليست مدرسة شعرية . وهذا المفهوم عنده ليس حصرا على السودان وحده كما يقول في ذات الحوار بل " يمتد إلى الصومال وإريتريا وشمالي أثيوبيا وشمالي نيجريا ومالي وغانا والسنغال … الخ أنه شعب يكتب باللغة ويدين بالدين الإسلامي وهم داكنو الجلد امتزجوا بثقافتين الثقافة العربية والثقافة الإسلامية … الثقافة هي الأساس وليس بالتوالد " .
وفي سبيل البحث عن صيغة أكثر شمولية لاستيعاب الكل المركب الذي تموج به الساحة السودانية الثقافية أوجد نفـر مـن المثقفيـن فـي الثمانينـات صيغـة جديـدة هـي ( السودانوية ) وهي لا تختلف في أطروحاتها وفي نظرتها عـن ( الغابـة والصحــراء ) إلا أنهــا رأت فــي هــذه الصيغــة الجديــدة خروجــا عــــن ثنائيـــة ( الأفروعربيـة ) ومن أبرز دعاة ( السودانوية ) الشاعر كمال الجزولي والدكتور نور الدين ساتي و للبروفيسور أحمد الطيب زين العابدين .
ومع ذلك هنالك من لا يتحمس لكل هذه الصيغ والنظم الجمالية ويفضل الاكتفاء باسم السودان للدلالة على الحالة الثقافية التي يمثلها ومن هؤلاء الدكتور حيدر إبراهيم علي وغيره كثر .
ومهما كانت الصيغ المطروحة ومهما تبدلت الشعارات والمواقف ستظل ( الغابة والصحراء ) هي الناظم الجمالي الأكثر جاذبية وشاعرية في التعبير عن واقع الهوية السودانية . فالصحراء موجودة والغابة موجودة وما بينهما السافانا كذلك . وهل الحرب الدائرة الآن إلا نتيجة اختلال في المعادلة بين ( الغابة والصحراء ) ؟
انتهي .
عبد المنعم عجب الفيا
عجب الفيا
23-12-2006, 04:41 AM
أربعون عاما على الغابة والصحراء ..
مضت أربعون عاما على مولد الغابة والصحراء كتيار في الأدب السوداني وفي الشعر بالذات. وإذ يلتفت المرء إلى الوراء ناظرا في ملابسات الولادة والنشوء لهذه المدرسة الأدبية فان ما يسترعي النظر هو تمددها السريع ثم اندثارها السريع في صحراء القبول المتعجل والرفض المتعجل الذي يميز الممارسة الثقافية في السودان.فبعد المناوشات الأولى مع رافضيها من متنطعة العروبيين بدا وكأنها قد لامست شغاف القلب من الكثيرين وشجعتهم على البوح بدخائلهم كمهجنين يغالطون واقعهم وينسبون أنفسهم إلى عرق يريدهم ولا يريدهم، فهو يراهم في بعض الأحيان إضافة للعدد والموارد وأحيانا يرى في انتمائهم إليه إزدراءً به وتحقيراً. وزاد من مظهرية القبول تلك الدعوات التي برزت إلى الوجود منتحلة لباس الغابة والصحراء أو ملتبسة بها مثل تجمع ابادماك ودعوة السودانوية ،وكلاهما لم يأت بجديد ولم يقدم إضافة للفرضية الأساسية. وفي هذا الصدد بالذات لم يحفل احد من مبدعي الحركة بالاحتجاج أو المغالطة باعتبار أن الغابة والصحراء هي أصلا دعوة فنية لإنتاج أدب وفن يعبران عن حقائق وجماليات سودان يعي ذاته ويحبها. أما حين يخرج الموضوع عن نطاق الأدب ويذهب إلى مجالات الاجتماع والانثربولوجيا ودراسات الهوية فانه يكون عندئذ متروكا لطارقيه.
لم تكن الغابة والصحراء معادلة من معادلات الجبر أو نموذجا من نموذجيات الاقتصاد وإنما كانت اعترافاً بالغ البساطة بحقيقة متناهية الوضوح هي الهجنة العرقية للسودان الأوسط ووقوعه في منطقة التنازع بين ثقافة عربية ودم أفريقي. وهي حقائق تعيش على السطح في سيماء السحن والوجوه التي تشير جميعها إلى شعب أفريقي الأعراق تبنى ثقافة شرقية. والوجه الآخر لنفس العملة يرينا شعباً عربياً اندمج في الأعراق الأفريقية وطرأت عليه تغيرات مهمة ولكنه ظل محافظاً على العناصر الأكثربروزاً في ثقافته وخاصة لغته التي لتفوقها التعبيري أصبحت صلة الوصل بين اقوام البلاد .
وللمرء ان يتساءل :إذا كانت تلك الوقائع من قبيل المسلمات فلماذا المبادرة إلى تقريرها ودعوة الناس إلى الاعتراف بها طالما هي بكل ذلك الوضوح؟ وما هو عنصر الجدة والمبادرة أو الريادة إن شئت في أن يتصدى شباب جامعي لترديد تلك المسلمات؟
لم تكن الحال هي الحال في مطالع الستينات ففي تلك الحقبة وما سبقها كان السودانيون يعضون على عروبتهم بالنواجذ في صورة متشددة من صور التمسك بالنقاء العرقي. فقد كانت القبلية حية بين سكان السودان الأوسط وكانت تفرض تراتبية معينة على المجتمع بحيث تأتي قبائل النهر المستعربة في المقدمة تتلوها قبائل النهر النوبية (دنقلة ومحس وحلفا) وفي نهاية السلم الاجتماعي يقبع أهل الغرب وجبال النوبة فالجنوب.وفي ذلك المناخ لم يكن هنالك من يستطيع المجاهرة بأن له نسباً يعيده إلى أصول غير عربية إذ كان ذلك كافياً ليجعل الناس تتحدث من وراء ظهره بما يحرمه من الصهر والإصهار ويهبط بمكانته الاجتماعية من الانتساب الى العرق المتفوق إلى نسل المستعبدين وضحايا الاسترقاق.
وفي نفس الحقبة -أعوام 1963و1964- كانت الحرب بين الشمال والجنوب تشهد فترة ملتهبة من أطوار عنفها الدوري فقد لجأت الحكومة العسكرية لتلك الايام الى اقسى تدابير القمع ضد المقاتلين الجنوبيين وكانت أنباء القتل والإحراق وتصفيات المثقفين الجنوبيين تتسلل الى أسماع المثقفين الشماليين وضمائرهم فتشعل فيها الرفض والاستنكار للفظائع التي يجري ارتكابها باسم الشطر الشمالي الذي ينتمون اليه.وكان من المصادفات المعبرة أن هبت ثورة اكتوبر 1964في مدى عام واحد من ظهور حركة الغابة والصحراء بمناسبة تخص الجنوب السوداني وتهدف الى الاقتصاص له من الحكم الذي مارس ضده كل تلك القسوة والفظاعات.
في تلك الأيام التي تدير الرأس بدا لنا ان الاعتراف بالهجنة العرقية ربما يتكفل بتحقيق التقارب المطلوب بين مكونات البلاد الإثنية ويلغي الحرب التي كانت تخاض على اعتبار انها حرب العرب على الأفارقة. ومتى اعترف العرب المزعومون بانهم أفارقة سود تجمعهم اواصر القربي بأعدائهم المتوهمين فان ذلك يفتح الأبواب أمام السلام ويضع نقطة الختام لحرب سخيفة سيئة التسمية.وكانت الحركة في مجموعها حركة أدباء شباب فقد نأت عن الحراك السياسي واستهدفت وجدان الجمهور القاريء لتوحي اليه من خلال الاشكال الأدبية أن يجد الشجاعة الكافية ليعترف بذاته الحقيقية ويحبها ويحب شركاءه في الدم والوطن.
في ذلك المناخ المتشدد المريض جأرنا بقولتنا فكان ذلك نوعاً من الزلزال الفكري استدعى المقاومة والإنكار من المجتمع. واتخذت المقاومة شكلين كان أفضلهما الرفض الصريح لفكرة الهجنة والنسب المدخول.أما الشكل الآخر فكان التجريح الشخصي والتشكيك في الدوافع. فالأفضل كثيرا أن تجد من يقول لك انك مخطيء وعرب السودان كلهم عرب اقحاح وهذا السواد الذي يجلل سحنهم هو من فعل الشمس أو النسبة الامومية التي لاتقدم ولا تؤخر لأن الانتساب يكون للآباء وليس للأمهات والجمل ينقاد من الأمام وليس من الخلف كما يعبر المثل السوداني. ولكنك تجد من يقاوم فكرك بتجريح شخصك مؤكدا لك انك أنت وحدك مدخول النسب..أنت فلاتي،أنت غرباوي تريد أن تضمنا إلى زمرتك ولسنا منها- نحن عرب نسبتنا مؤكدة إلى العباس وأبي بكر الصديق وجابر بن عبد الله.
ثم هنالك ما هو أوفر مكرا وحيلة ،إذ هنالك من يقول لك أنت راغب في الهروب من مقدسات المجتمع السوداني وتريد أن تتحلل من التقاليد هارباً إلى مجتمع أفريقي بلا خلق ولا اخلاق..أنت ضحية قراءاتك للمستشرقين البريطانيين الذين أوحوا إليك أن في السودان أقواماً ليسوا من العرب وان أنسابنا الصحيحة هي أنساب منتحلة وكل ذلك كلام استعماريين.بمثل هذه الترهات فاه صديقنا الدكتور عبد الله على ابراهيم وذلك انه في حرصه على نشر كامل تراثه وتكبير كومه أعاد نشر مقالة قديمة عفى عليها الزمن هي مقالته الموسومة(الآفروعروبية: تحالف الهاربين) وسنعود اليها بعد حين لنوضح كيف أصبح صديقنا القديم في طليعة الهاربين الى الجنة الأمريكية حيث ما زال يقيم.
أقرر بين هلالين أنني لم أقرأ كتابات المستشرقين على الإطلاق وأنني لم استمد معلوماتي عن التكوينة السكانية لبلادي من الكتب أيا كانت تلك الكتب وانما من علمي الخاص - من المشاهدة ومن أفواه الرجال الثقاة.ولقد نشأت في مدينة الأبيض وهي واحدة من مدن التمازج الثقافي في السودان وهي مدينة متنازعة بين عدة قبائل من قبائل السودان.ورغم أنها أصلا مدينة البديرية(بديرية زاكي الدين) ونوبة الجبال وحاضرة البادية التي تضم دار حامد والحمر والكبابيش والهوا وير،إلا إنها تكتظ بالقبائل المهاجرة وعلى رأسها قبايل البديرية الشماليين (من كورتي والدبة) وقبائل الدفار والدناقلة ،والشايقية وكانوا قد وفدوا عليها بعد ظهور الشيخ إسماعيل الولي الكردفاني وهو أصلا من الدفار. وفي أعقاب أولئك وهؤلاء جاء الشايقية والجعليون والرباطاب والدينكا والنوير متزامناً كل ذلك مع هجرات التكارنة وقبائل التشاد. وخدمت الأبيض كعاصمة إقليمية لأهل دار فور وكل قبائلها ممثلة في أحياء المدينة العتيقة وذلك انسجاماً مع تاريخ طويل أفرد في يوم من الأيام حياً لأهل المغرب وبعض قبائل شمال السودان الذين صاروا يعرفون باسم (الحضور).
وليس عيباً أن يأخذ الإنسان علمه من الكتب ولكن التأكسد يبلغ بالبعض أن يظنوا أن كل معلومات الدنيا محفوظة في دفتي كتاب.ولو كان الأمر كذلك،أي لو كان كل العلم مدوناً مسجلاً لاستحال التأليف ولتوقف الإنتاج الفكري.وأمثال المستشرق فلان لو بعثوا مرة أخرى أو جاء اخلافهم لطلبوا علمهم منا نحن أبناء البلاد ولسألونا عن اصل تلك القبيلة أو هذه فأفادوا علماًغزيراً موثـقاً.
لقد تلقينا تأنيباً عنيفاً في هذه النقطة. فالشاعر محمد.عبد الحي ذو السحنة العربية قيل له مراراً وتكراراً أنت من البيضان، فما شأنك بهذه الزمرة من المتأفرقين. وبعد أعوام قليلة كان ينكر على رؤوس الأشهاد وجود (مدرسة) فنية اسمها الغابة والصحراء ولكن مطولة (العودة إلى سنار) احتفظت له بمقعده دافئاً في نفس الزمرة التي أريد له أن يتخلى عنها..وهوجم النور عثمان بأصوله الأفريقية وفي الدفاع عن نفسه كتب مقاله الشهير(لست عربياً ولكن).ولم أسلم شخصيا من الأذى فقد هوجمت عند نشري الجزء الأول من مسرحيتي الشعرية عن الشاعر النوبي المخضرم سحيم عبد بني الحسحاس وذلك بصورة أفقدتني الرغبة في إكمالها حتى اليوم.وقد اختصني أحد الكاتبين بنقد لاذع فنسبني إلى التأثر بما كتب الإداريون الإنجليز عن أعراق السودان ونعى على قلة الإطلاع على أدب العرب.
ما هذا؟
هل هي الغيرة على مجد القبيلة والدفاع عن نقائها العرقي على طريقة الجاهليين؟ أم هو الرغبة الغريزية في مقاومة الجديد؟أم هي الغيرة من مجد متوهم يصيبه من يبادر إلى أمر من الأمور.
يتبع ...
محمد المكي ابراهيم
عجب الفيا
23-12-2006, 04:51 AM
أربعون عاماً على الغابة والصحراء..-2-
محمد المكي ابراهيم
في كل الأحوال ليس ذلك مبحثا مهما والأهم من ذلك واشباهه هو تلك الاشارات التي قدمتها الحركة عن دور الاثنية في تحديد الانتماء فانه من حقائق الدنيا ان الفرز بين الجماعات يتم على ابسط اشكال الانتماء وخاصة في الظروف الاستثنائية كظروف المواجهات والصدام وكثيرا ما يحدث الاصطفاف على اساس القبيلة او العنصر او لون البشرة ويتمايز الناس في الأحوال القصوى بألوان اجسادهم وسحنهم واشكالهم. ولكن السودانيين ذوي الأصول العربية لم يروا في الاثنية حائلا يحول دون اصطفافهم مع الجانب العربي والتماهي التام بذلك الجانب ولهم في ذلك تبريرات كثيرة كما لهم بعض العذر.
يقول البعض ان ذلك التماهي سببه نوع من عمى اللون الذي فرضه على عرب السودان فرط رغبتهم في الانتماء الى السلالات العربية. وهو تعبير مشحون بقدر من السخرية والاتهام ولكن حقيقة الأمر أن عرب السودان فقدوا ذاكرة اللون، ففي المناخ الأفريقي الذي اقتحموه كانوا وحدهم بمواجهة كتلة لونية تتشكل بكاملها من الالوان السوداء فأضحى الآخر بنظرهم هو الأسود و(النحن) هو ما ليس بأسود. وفي حظيرة نفي السواد هذه أدخلوا كل الظلال الممكنة للسواد مثل (الخضرة) والسمرة والزرقة وكلها مسميات لدرجات من السواد او بالأحرى هي اشكال متنوعة من نفي السواد. إلا أن الدنيا لاتثبت على حال والذين قدموا الى السودان بإهاب عربي فاتح السمرة انتجوا عن طريق اختلاطهم بأهل البلاد القدماء اجيالا من المولدين اخذوا عنهم درجات متناقصة من لون الاهاب وذلك أمر ملاحظ من جيل الى جيل حتى في اطار العائلة الواحدة فالجد في غالب الأحوال هو الافتح لونا من الحفيد الا اذا دخلت على العائلة دماء جديدة او اذا لعبت الكروموزمات الموروثة لعبتها الاعتباطية وغيرت من ملامح الحفيد.
يحضرني في هذا الصدد مشهد من رواية (الحنق) للروائي السوداني شوقي بدري (صادرة عام 1970) حيث تحدث ملاسنة غاضبة بين شيخ سوداني وعربي من الشام (خواجة في نظر السوداني) إذ يقول السوداني:
- يبدو أنك خواجا قليل أدب.يجب أن تعرف مع من تتكلم .نحن أسياد البلد وأسيادك أنت أيها الخواجا القذر.
فاستشاط الخواجا غضبا وقال ردا على كلامه الأخير:
- أنا عربي ابن عربي ولست عبدا مثلك يا عبد.
وهنا هجم عم خليفة بقامته القصيرة وجسمه الضعيف وأراد أن يصفع الخواجا الذي دفعه فتعثر وسقط وأقام عثرته بعض الحاضرين وفصلوا بينهما.
يقول شوقي بدري في بقية المشهد:
كاد الأمر يمر بسلام بالرغم من الإهانة الكبيرة التي وجهت إلى كل السادة في البلدة في شخص العم خليفة إلا انه كان للعم خليفة ابن أخ ولسوء الحظ بلغه ان الخواجا قد سب عمه ووصفه بأنه عبد وضربه مستغلا ضعف جسمه حتى سقط على الأرض.ولم يكلف الشاب نفسه مئونة الذهاب للاستفسار عن عمه والسؤال عما حصل بل ذهب مباشرة الى الدكان وصرخ في وجه الخواجا:
- اذاً أنت تتطاول وتصف السادة بأنهم عبيد وتتجرأ بضربهم كذلك .سأشرب من دمك.
وينفذ الشاب تهديده العنيف فيذبح الخواجا ذبح الشاة ويمشى إلى المشنقة متبخترا طالبا من عشيرته ان يعرضوا شواهد ثباته على جمهور الشنق في رسالة دامية من وراء القبر تتمثل بعرض مخلفاته النظيفة بعد سقوطه في قاع المشنقة.
انه تصوير درامي لحالة حقيقية سائدة بين السودانيين.وقد تكون حالة متطرفة ولكنها ممكنة الحدوث وأجد في تصوير شوقي البليغ تعبيرا حقيقيا عن الحالة الاثنية التي كانت سائدة في الستينيات وما قبلها.
لقد ذهب الكثيرون الى التشكيك في واقعة الانتماء العربي للسودانيين على وجه الاطلاق وهو أمر لايحتمل التشكيك ولكنه يسمح بتنسيب النسب وتحديد الانصبة بالطريقة الاحصائية وهو ما قام به البريطانيون في الاحصاء السكاني الأول عام 1956 ووجدوا في نهايته ان 39 بالمائة من أهل السودان يعتبرون أنفسهم أبناء سلالات عربية. ولا يعني ذلك ان تلك النسبة من السودانيين حقيقة عربية الأصول ولكنه يعني ان 39 % من أهل السودان عرب او ابناء عرب أو يريدون ان ينسبوا انفسهم الى العرب . ولم يكن موظف الاحصاء يجادل الناس في اختياراتهم التي يعلنون عنها . واذكر ان موظفي ذلك الإحصاء دخلوا علينا فصول الدراسة وطلبوا منا تسجيل أنفسنا وقبائلنا للاحصاء ولا انسى ان زميلا لنا من اهل السمرة الرقيقة واللسان الفصيح وقف امامنا واعلن لموظف الاحصاء انه ينتمي الى قبيلة الدينكا.وحين ناقشناه في ذلك اقنعنا بالدليل القاطع انه فعلا من قبيلة الدينكا فقد كان اجداده من مشاهير المشاركين في ثورة 1924 وثابت انهم ينتمون الى تلك القبيلة.
اذا كان السودانيون يخترعون أنسابهم اختراعا فانهم ليسوا اول من يقدم ذلك النوع من الادعاء فقد سبقهم الى ذلك اقوام واقوام. ويقول بربر المغرب انهم من اصول حميرية هاجروا الى المغرب وعند البعثة النبوية بعثوا وفودهم الى الرسول الكريم ليبايعوه ويصبحوا من بين صحابته الأوائل. وتحت ذلك الاعتقاد قدم البربر خدماتهم الجليلة للدين الاسلامي حيث عبروا به المضيق أول مرة الى الجزيرة الايبيرية وعادوا وعبروا المضيق مع الموحدين والمرابطين لينقذوا الاندلس الاسلامية ويطيلوا عمرها الى قريب من ثمانية قرون.
ولكنه مستحيل عقلا ان تكون كل انساب السودانيين مختلقة اختلاقا فهنالك نواة صلبة من الحقائق الإثنية هي التي حفزت الآخرين للاقتداء بها في وضع انساب مزيفة تماهيا بالآخرين.ومن السيناريوهات الممكنة الحدوث ان يكون السودان قد لعب دور الملاذ الأخير للعرب الهاربين من وجه السلطان والمطلوبين واصحاب الثارات والمهدرة دماؤهم لأي سبب من الأسباب.وقد يكون ذلك سببا في وجود هذه العائلات والقبائل والأفخاذ التي ترتفع بأنسابها الى علياء الانساب العربية الشريفة مثل كبار الصحابة واهل البيت النبوي والمنسوبين الى دوحتهم كالعباسيين وانصار المدينة. وهنالك من يغالط في ذلك باعتبار انه ليس هنالك ما يحمل تلك القبائل النبيلة على الهجرة الى بوادي السودان ولكن ذلك ليس صحيحا لكونه يتجاهل احتمالات الاضطرار والامعان في الهرب من سلطان جائر او جريرة فعل قام به ذلك الهارب المطلوب. ومعروف في التاريخ العربي ما اضطرت اليه سلالات الدوحة العلوية من الهرب والتخفي والتبعثر في المنافي وقصي الملاذات. ففي صدر العصر العباسي هرب احد ابناء الدوحة العلوية الى المغرب ليقيم فيها دولة الادارسة ومع بعد الدار وشط المزار امتدت اليه يد الخليفة العباسي هارون الرشيد ودست له السم في محاولة اغتيال. والواقع ان المنتسبين الى النبلاء العرب موجودون في كل بقاع العالم الاسلامي خارج الرقعة العربية كما هو الحال في باكستان وافغانستان وايران. ومن المشاهد في مثل تلك الاحوال ان يحافظ النسل على الأصل ضاربا عرض الحائط بما اصابه من تغيرات الاهاب واللسان فتجد قرشيا باكستانيا اوعلويا ايرانيا لايتحدث العربية وتجد شريفا حسينيا او حسينيا اسود الاهاب أو أسمره . وليس ذلك امرا جديدا غير مسبوق فهنالك شواهد مماثلة في التاريخ منها ما رواه ابن شداد كبير قضاة صلاح الدين الايوبي ورفيق غزواته ومترجم سيرته في السفر الرائع الذي يحمل عنوان سيرة ابن شداد.ومعروف عن صلاح الدين انه كان كرديا سنيا عباسي الهوى وبعد ان قضى على الدولة الفاطمية (الشيعية) في مصر والشام استدعى خليفة من سلالة العباسيين ليصبح خليفة على مصر. ويروي ابن شداد تفاصيل الاستقبال الباهر الذي أعد للخليفة العباسي وخروج مصر كلها لذلك لتجد ان الخليفة المرتقب رجل أسود اللون.
هل يظل ذلك الخليفة عربيا من بني هاشم ام يتغير انتماؤه ويتحول الى اثنية مغايرة؟ وكان الامام المهدي منسوبا الى دوحة الحسن بن على عليهما السلام فهل يحول سواد بشرته دون ذلك الانتماء؟ والمراغنة ينتمون الى دوحة الحسين بن على عليهما السلام وهم على ما نرى من سمرة البشرة وخضرتها فهل يحرمهم ذلك من نسبهم الشريف؟.
هنالك من السودانيين المعاصرين من يقف عند حدود الاهاب فمتى وجده مخالفا للاهاب االعربي تنازل عن دعواه واكتفى بنسبة نفسه الى السودان او لأفريقيا وهنالك من يتخذ الموقف النقيض مؤكدا ان عروبة فاغمة تختبيء تحت اهابه الأسود وفي تلافيف عقله وداخل وجدانه ولم لا؟.
هنالك قول مأثور يقول ان الناس مؤتمنون على أنسابهم وهو ما يطابق عنصر الاختيار الذي تنطوي عليه مسألة الهوية في كثير من الظروف فداخل شروط معينة يمكن للانسان ان يختار هويته وليس من حقنا ان نغالطه في خياره ومع ذلك فهنالك حد أدنى يعرفه الناس ويحسونه ليصدقوا ذلك الخيار. وفي الحالة السودانية ليست العبرة باللون واللسان وانما الرغبة الصادقة في الانتماء فهنالك سودانيون يختارون أنفسهم عربا وآخرون يختارون انفسهم افارقة وهنالك كتلة ضخمة من الذين يرون ان كلمة سوداني تعريف تام بالهوية وإشارة الى مرجعية ثقافية تعرف نفسها بنفسها والى هذه الكتلة ينتمي تيار الغابة والصحراء مؤمنا ان شعوب السودان واقوامه قد تضافرت على صنع ثقافة سودانية مميزة لها ذوقها الخاص في الملبس والمشرب والمطعم ولها فنونها ووجوهها الثقافية الكثار وبمقدورها ان تباري اي ثقافة من الثقافات فتثبت تميزها وقدرتها على التفرد والابداع.
عرب متأفرقة أم أفارقة مستعربون؟
إنني أحاول أن أثبت هنا شعور الانتماء العربي الذي يسود بين السودانيين. ورغم ما يتعرض له من نقض وانتقاص فانه يظل قويا في النفوس وكل ما نريده هو أن يسودهم شعور مماثل بكونهم أناسا سود الاهاب وذلك ما ينسبهم إلى لحمة السواد التي تجمع سود أفريقيا بسود أمريكا واستراليا وبالجيوب السوداء في إيران والهند وهي نسبة مرئية مؤكدة لا مهرب منها ولا مناص.وقد رأينا في الغابة والصحراء طريقة نبيلة لمواجهة هاتين الحقيقتين: حقيقة العروبة والأفريقية.
ومع ذلك فقد كان هنالك انتقاد للافرو- عروبية يركز على أنها شأن يخص شمال السودان ويستثني جنوبه ولا بأس من الاعتراف بذلك فليس في الدنيا بلد متجانس في كل شيء ولا بأس أن يكون الجنوبيون أفارقة اقحاحا يعايشون أفارقة عربا في وطن واحد على أساس المواطنة والتساوي في الحقوق والاعتراف المتبادل بالتمايز الثقافي الذي ينشأ عنه الثراء والتنوع وتعدد المواهب الوطنية..
عرب متأفرقة أم أفارقة مستعربون؟
لقد لاحظنا منذ أربعين عاما ان هذا السؤال ليس مقابلة بين حدين تقتضي صحة احدهما خطأ الآخر اي انهما يتبادلان الاقصاء والاستبعاد فواقع الحال ان عرب السودان الاوائل تعرضوا للأفرقة ليس فقط في طريقة العيش ومرتكزات الحضارة بل ايضا في الانتماء العرقي وما ينتج عن ذلك من السحن والسيماء.ولا يتعارض ذلك مع وجود افارقة مستعربين بل هو منطقيا يستدعيه مؤكدا وجود وجهين للعملة. ولكن العلاقة بين هذين الوضعين ليست تجاورا سلبيا أو ما يسميه الغربيون (جوكستابوز) وانما هو عمل من أعمال التفاعل المستمر بين الفريقين فمن عام الى عام تنعقد الوف الزيجات وتخرج القصائد والاغاني والرقصات وتتخلق اللوحات والتماثيل ويجدد الناس مفردات الكلام وتفسير الدين ومن كل ذلك تولد وتتجدد ثقافة سودانية وامة سودانية تزداد تلاحما مع الايام وتزداد احتراما لمكوناتها الأصيلة.
محمد المكي ابراهيم
فيصل سعد
14-04-2008, 10:46 AM
لا اخفيكم سرا ان قلت بانني مساهر في هذا البوست عدد اثنين ويك-اند :D:D
و هو بوست شحمان و مدرسة ثقافية ، لذلك اريد اشراككم في قراءته .. و التحية
لبيان و عجب الفيا و جميع المشاركين و المشاركات و المشاهدين و المشاهدات ..
جمال محمدإبراهيم
16-11-2008, 12:47 PM
الأستاذ عجب الفيا والمتداخلين وأخص دكتورة بيان ..
كان لزاما علي أن أعود لهذا البوست الشيق لأقول إنني أفدت منه كثيرا في كتابة روايتي قيد الطبع : "دفاتر كمبالا ".....
الشكر أجزله لكما ولجميع المتداخلين ..
الرشيد اسماعيل محمود
15-07-2011, 01:42 PM
لا اخفيكم سرا ان قلت بانني مساهر في هذا البوست عدد اثنين ويك-اند :D:D
و هو بوست شحمان و مدرسة ثقافية ، لذلك اريد اشراككم في قراءته .. و التحية
لبيان و عجب الفيا و جميع المشاركين و المشاركات و المشاهدين و المشاهدات ..
وأيضاً يا فيصل أنا لي قرابة الــ 3 ساعات بقرا في البوست الممتع دة..
ياخي حكاية عجيبة..
تحيّاتي للجميع هنا.. وأخصّ عجب الفيا بتحيّة كبيرة..
والتحيّة لبيان في رفدها للبوست بالعديد من القراءات..
غايتو يا ريت النّاس تجي تقرا منفستو الغابة والصحراء دة..
وتستمتع بالدقة ومتعة الحوار..
vBulletin® v3.8.8 Beta 2, Copyright ©2000-2026