مشاهدة النسخة كاملة : أبوالطيب المتنبى هل كان يعاني من حالة الإضطراب الوجداني ثنائي القطب؟د.محمد حسن القدال
haneena
13-11-2005, 03:45 PM
نشر هذا المقال بمجلة الحكمة التي تصدرها نقابة الأطباء السودانيين بالمملكة المتحدة و أيرلندا
شكرآ للدكتور محمد حسن القدال لموافقته بنشر المقال بسودانيات كسبق لنا
و شكرآ لهيئة تحرير الحكمة
عرفت أن المقال سينشر في جريدة الصحافة و بعض الصحف الأخري بعد ذلك
أبو الطيب المتنبى هل كان يعاني من حالة الإضطراب الوجداني ثنائي القطب؟ “Bipolar Affective Disorder”
د. محمد الحسن القدال
أخصائي الأمراض النفسية و العصبية
إبسوتش – المملكة المتحدة
لابد لي وأنا بصدد تعريف الإضطراب الوجداني أن أنوه إلى أنني أتحدث عن حالة مرضية تصيب بعض الناس دون غيرهم، وأن أؤكد على أهمية التمييز بين هذه الحالة المرضية وبين "التغيرات" الوجدانية "الطبيعية" التي تحدث عند كل إنسان، رجلاً كان أم أمرأة، صغيراً كان أم كبيراً. وهذا التمييز بين الحالتين يعتمد على تحديد طبيعة التغيير الوجداني: هل هو تغيير كمي أم كيفي. فالإنسان في حياته اليومية معرض للشعور بالإحباط أو الفرح، التشاؤم أو التفاؤل، أن يغمره الاحساس باليأس أو يمتلئ بالأمل. وتعتبر هذه التغيرات الوجدانية بأنها كمية فهي رد فعل طبيعي مباشر لحدث ما وذات طبيعة مؤقتة ولا تؤثر موضوعياً على الوظائف البيولوجية والنفسية للفرد، صحيح أن معدل حدوث هذه التغييرات ودرجتها تختلف من إنسان لآخر، إلا أنها فى كل الأحوال تظل في نطاق التغيرات الكمية. فالأطفال مثلاً سريعو البكاء والضحك والمراهقون شديدو الانفعال والمرح والنساء اكثر حساسية من الرجال.
أما ما يحدث في حالة الإضطراب الوجداني فهو تغيير كمي فى المزاج “Mood” . وتعرّف هذه الحالة بثنائية القطب لأن المصاب بها معرض لأن تحدث له حالة من "الاكتئاب الاكلينيكى" ومعرض أيضاً فى أوقات أخرى للإصابة بحالة من "الهوس" والمزاج العالى. ففي حالة الاكتئاب تتأثر الوظائف البيولوجية والنفسية للمصاب وينعكس ذلك على نومه أولاً إذ تقل ساعاته وينهض المصاب من نومه في الساعات الأولى من الصباح وهو في حالة من الانقباض النفسي الشديد. ويفقد المصاب شهيته للأكل ويفقد بالتالي بعض وزنه، كما يفقد قدرته على الاستمتاع بكل ما كان يدخل على نفسه السرور والفرح في السابق. وتتأثر قدرة الانسان على التركيز مما يؤثر على أدائه في العمل أو الدراسة أو حتى قراءة الكتب والمجلات ومشاهدة التلفاز. ويحس مريض الاكتئاب بالارهاق وبأن طاقته الجسمانية قد قلت بشكل واضح ويهمل مظهره ونظافته ورغبته فى الحديث لأهله واصدقائه. وعندما تشتد حالة الاكتئاب على المصاب يتملكه أحساس بالذنب دون مبرر ويفقد ثقته في نفسه ويكثر اللوم والتقريع لها دون سبب. واخيراً قد تنتاب المريض نزعات انتحارية. ومن المعروف أن 70% من حالات الانتحار بسبب الاكتئاب النفسي الاكلينيكى.
أما فى حالات الهوس فالصورة تكون على العكس تماماً ، فالمصاب هنا يكون فى حالة مزاجية عالية ويكون كثير الكلام بشكل ملفت. ومع كثرة الكلام لا يستطيع المصاب التركيز على موضوع واحد بل يقفز من موضوع لآخر دون أن يكون هنالك رابط فى الحديث. كما أن النشاط الذهني والبدني يكون عالياً جداً. ومرضى الهوس يستيقظون من النوم مبكراً أيضاً ولكنهم يكونون فى حالة نشاط ومرح فنجدهم حال قيامهم من النوم يشرعون في ممارسة الرياضة ويكملون لبسهم بعد الاستحمام ثم يشرعون في إيقاظ الآخرين الذين يصفونهم بالكسالى. ويفقد مريض الهوس قدرته على ممارسة الكوابح الاجتماعية وهم يتحدثون للآخرين، فلا يتورعون مثلاً عن حكاية النكات البذيئة ويصبح الشخص منهم منفلتاً جنسياً. ومن علامات هذه الحالة الشعور بالزهو والاحساس بالعظمة غير المؤسس. ونتيجة لهذا الاحساس من الممكن أن يزعم الشخص أنه نبى أو زعيم أو عالم. وتصير ذاكرة المصاب بالهوس حادة جداً على غير ما هي عليه وهو فى حالته الطبيعية، وعندما تراه وهو يسترجع ذكرياته فى المدرسة الأولية ويردد الأناشيد التى كانوا يحفظونها وهم اطفال.
وبين حالات الاكتئاب والهوس يظل الانسان فى حالة وجدانية مستقرة “Euothymic Mood” وأكثر الناس تعرضاً للإصابة بحالة الاضطراب الوجدانى هم الاذكياء والاكثر حساسية من غيرهم وتكثر هذه الحالة بين المبدعين والاشخاص البارزين فى المجالات الاجتماعية والسياسية. وهناك امثلة عديدة فى التاريخ نورد منها على سبيل المثال ملك فرنسا لويس الخامس عشر الذى كان لا يتورع عن قرص النساء فى الحفلات العامة، وونستون تشيرشل ومارلين مونرو والروائى الشهير ارنست هيمنجواى صاحب المؤلفات التى غدت جزءاً عزيزاً من التراث القصصي العالمي كرواياته "العجوز والبحر" و"لمن تدق الأجراس" و"وداعاً للسلاح". وقد اشتهر هيمنجواى بتجواله الواسع فى الاحراش الاستوائية ولمجابهته للأخطار دون وجل. وفى حالة من حالات الاكتئاب النفسى الحاد أطلق النار على رأسه فمات.
أعود الآن بعد هذه المقدمة الطويلة الى أبي الطيب المتنبى فى محاولتى لإثبات أنه كان يعانى من الاضطراب الوجدانى. وأبداً أولاً بإيراد دليلين على أنه ربما كان يعانى من حالات الهوس أولها أن لقب المتنبى قد أطلق عليه لما يقال من إدعائه النبوة فى شبابه. ولقد أسلفت الذكر بأن المصاب بالهوس تنتابه مثل حالات الظنان هذه. أما الدليل الآخر فهو قوله فى احدى قصائده:
الليل والخيل والبيداء تعرفنى
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
أنا الذى نظر الأعمى الى أدبى
وأسمعت كلماتى من به صمم
وهذه فى زعمى حالة واضحة من الاحساس بالعظمة قل أن نجد لها مثيلاً فى الشعر العربى جاهلياً كان أو بعد الاسلام. وفى تقديرى أن المتنبى كان يصف فى هذه الابيات احدى حالات الهوس التى أطن انها كثيراً ما انتابته.
وأورد دليلين آخرين على اعتقادى بأنه كان يصاب احياناً بحالات من الاكتئاب. أولها ما ورد فى قصيدته الاعتذارية لسيف الدولة عندما عامله الاخير بجفاء واضح لامتعاضه من توقف المتنبى عن مدحه لفترة لابد أنها كانت معتبرة. وهى القصيدة التى لحنها وتعنى بها فنان السودان الكبير عبد الكريم الكابلى ولنسمع ما يقوله أو الطيب فى هذه القصيدة:
أرى ذلك القرب صار إزورارا
وصار طويل الكلام اختصارا
تركتنى اليوم فى خجلة
أموت مراراً وأحيا مرارا
إلى أن يقول:
جحدت مكارمك الباهرات
لو كان ذلك منى اختيارا
ولكن حمى الشعر إلا قليلاً
"هم" حمى النوم إلا غرارا
فى هذه الأبيات يؤكد أبو الطيب أن انقطاعه عن نظم الشعر لم يكن باختياره. ونحن نعلم اليوم أن المبدع وهو فى حالات الاكتئاب يفقد قدرته على الابداع. ثم يشرح فى البيت التالى أن ما منع نظم الشعر "هم" منع عنه النوم أيضاً وما ذلك الهم فى نظرى إلى حالة من الاكتئاب النفسى الاكلينيكى.
أما الدليل الآخر لأن أبا الطيب كان يفهم تماماً ماذا يعنى الاكتئاب فهو البيت الذى يقول فيه:
كفى بك داءاً أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا
ولنتمعن فى هذا البيت من الشعر ملياً، والمتنبى كعادته يحشد الكثير من المعانى فى القليل من الكلام. يقول أبو الطيب "كفى بك داءاً"، وتفسيرى لهذا المقطع حسب فهمنا اليوم لطبيعة الاضطرابات الوجدانية أن الاحساس بالنزعات الانتحارية هو منتهى الداء، وهو فى الواقع كذلك إذ تظهر هذه النزعات فى الحالات الشديدة من الاكتئاب. ومريض الاكتئاب عندما يقرر الانتحار تنتابه حالة من الراحة النفسية لأن الموت سيخلصه من العذاب النفسى الرهيب، أليس هذا منتهى الداء وهل هناك من صور هذه الحالة فنياً بهذه البراعة من قبل: وحسب المنايا أن يكن أمانيا.
إن بعض ما أرمى اليه من كتابة هذا المقال أن أساعد على تحفيز الناس على التعامل مع قضايا الصحة النفسية والعقلية بذهن منفتح سواء من خلال تعاملنا مع واقعنا الراهن او تراثنا القديم. وان نحاول أن نخلص المرض النفسى من السبة الاجتماعية التى لصقت به على مر الدهور وأن نفهمه على أنه مرض كأي مرض عضوى آخر كالربو أو الروماتيزم. فليس هناك انسان محصن ضد المرض النفسى، كما أن الاصابة بالمرض النفسى لا تعنى نهاية المصاب به. واذا كان القادة والمبدعون معرضين للاصابه به، فعلام تظل السبة الاجتماعية ملازمة له.
هناك قضية اخرى قد يطرحها هذا المقال وهى أن شخصية المبدع او استقرار حالته النفسية يجب الا تكون معيارا للحكم على انتاجه الادبى او الفنى. الحكم على هذا الانتاج يجب ان يعتمد على المعايير الفنية وحدها. ويصف بعض الناس المتنبى بأنه كان انتهازياً فى تعامله مع الحكام فى عصره ويصفه آخرون بأنه كان عنصرياً فى هجائه لكافور. وكلا الوصفين صحيح. لكن ذلك يجب ألا يؤثر على حكمنا على القيمة الفنية لانتاج المتنبى والتى تحدت العصور ومازالت تقف شاهداً على قدرة الابداع الفنى على الاحتفاظ بقيمته الفنية والتى اكتسبها بفضل استقلاليته النسبية عن الشروط الموضوعية والذاتية التى انتج فيها.
omrashid
13-11-2005, 06:05 PM
يا سلام عليك يا دكتور لقد اتحفتنا وعلمتنا شكرا لمجلة الحكمه ولكم
عجب الفيا
13-11-2005, 07:31 PM
ارجع الدكتور طه حسين في كتابه (مع المتنبي ) حالة الاعتداد الشديد بالنفس عند المتنبي الي ضعة اصله ونسبه واعتمد في ذلك علي بعض الروايات التي تقول ان اباه كان سقا ، بالكوفة ، كما نفي انتساب المتنبي الي الاشراف .
ولم يخف طه حسين كراهيته للمتنبي ولشعره حيث يقول في مقدمة الكتاب عن سبب استصحابه لديوان المتنبي في رحلته الاوربية حيث شرع في املاء كتابه : " واكبر الظن ايضا اني انما فعلت ذلك لاني احب ان اعاند نفسي وآخذها من حين الي حين ببعض ما تكره من الامر . وقد قلت في غير هذا الموضع اني لست من المحبين للمتنبي ولا المشغوفين بشخصه وفنه فلم اجد باسا في ان اشق علي نفسي اثناء الراحة واثقل عليها حين تبغض الاثقال عليها "
ويري الطيب صالح ان طه حسين اعتمد اعتمادا كبيرا في كتابه (مع المتنبي ) علي كتاب المستشرق الفرنسي ( بلاشير ) وتبني احكامه علي المتنبي الي حد كبير .
اكثر من ذلك يري الطيب صالح ان كتاب طه حسين جاء اغاظة ومكايدة لخصمه اللدود الباحث والمحقق الدكتور محمود شاكر الذي الف كتابا عن المتنبي قبل سنة واحدة من كتاب العميد حيث صدر كتاب محمود شاكر في يناير 1936 وقد انتهي فيه ان المتنبي شريف علوي . فجاء طه حسين لينكر علوية المتنبي ويتحدث عن وضاعة نسبه .
بعد هذه المقدمة اقول اخشي ان يكون الدكتور اراد ان يتخذ من المتنبي مجرد عنوان جاذب للحديث عن مرض الاختلال الوجداني ، بل الحقيقة هذا ما اقر به ضمنا :
إن بعض ما أرمى اليه من كتابة هذا المقال أن أساعد على تحفيز الناس على التعامل مع قضايا الصحة النفسية والعقلية بذهن منفتح سواء من خلال تعاملنا مع واقعنا الراهن او تراثنا القديم. وان نحاول أن نخلص المرض النفسى من السبة الاجتماعية التى لصقت به على مر الدهور وأن نفهمه على أنه مرض كأي مرض عضوى آخر كالربو أو الروماتيزم. فليس هناك انسان محصن ضد المرض النفسى،ان الامثلة التي اوردها الدكتور من شعر المتنبي كادلة علي اصابته المتنبي بهذا المرض - اذا جاريناه فيها - لا تثبت مرض المنتبي وحسب بل مرض كل الشعراء العرب عبر التاريخ بل مرض كل بني آدم مطلق بني آدم !!!
كيف ؟؟!
نواصل
bayan
14-11-2005, 02:59 AM
اعزائى
سلام
التحليل النفسي للكتاب من خلال اعمالهم احد المناهج النقدية الشهيرة. وهذا يدخلنا في الذاتي والموضوعي والى اى مدى يمكن ان نحلل الكتاب من خلال اعمالهم..وقد كتب النويهي دراسة ممتازة مستخدما التحليل النفسي
لأبي نواس...
ارى ان كاتب المقال قد يكون طبيبا نفسانيا ضليعا ولكنه لا يعرف الكثير عن الشعر العربي
فالقصيدة العربية القديمة تقوم اساسا في بنائها على عدم وحدة الموضوع. حيث هناك فورم اساسي يتقيد به الشعراء كافة..
حيث تشتمل القصيدة على الوقوف على الاطال و النسيب وصف للرحلة والناقة والفخر والهجاء والمدح
فكأنها بيان للشاعر يبرز فيها مقدراته على كل هذه المواضيع..
أورد الكاتب نماذج لم يتوفق فيها حيث ان البيوت الشعرية الدالة على الفخر. كتب مثلها وبالغ بعضهم في الفخر بنفسه لدرجة تفوق ما كتبه المتنبيئ.
ثم تلك الابيات التي يعاتب فيها سيف الدولة بعد ان دخل الوشاة بينهم لا تدل ابدا على كآبة بل شخص مظلوم يود ان يبين لصديقه كيف انه حزين لان الثقة فقدت.
فكان حريا بكاتب المقال ان يرجع للحادثة التى ادت الى ان يكتب المتنبئ ما كتب .
كما ان المقال نفسه به خلل منهجي كبير اذ ان كان على الكاتب ان يضع جزءّ نظريا في علم النفس وفكرة لتحليل النفسي الادبي ثم يكتب نبذة عن حياة المتنبيئ متماسكة حتى بعد ذلك يدلف الى التطبيق
هكذا تكتب المقالات التي تخص الدارسة الادبية.
فى تعريف الكاتب للمرض لم يثبت انطباق المرض على المتنبئ فمثلا اذا فرضنا انني اريد ان اكتب عن المتنبيئ
تحليلا نفسيا. قد آخذ انه مصاب ببرنويا اكثر من
حالة الإضطراب الوجداني ثنائي القطب. حيث ان ما كتبه كاتب المقال عن اعراض المرض لا تنطبق على المتنبئ
وهو عد ان تسميته بالمتنبئ ناجمة عن ضلالات. وهناك قصص مختلف عليها لهذه التسمية.
المتنبئ اشعر شعراء العرب قاطبة وهو يعرف موهبته هذه والفخر بالذات هو احد اساسيات كتبة الشعر في زمنه
وهذا لا يدل على اى مرض نفسي بل يدل على موهبة فذة وقدرة عقلية عالية.وقصائده مرتبة ومنظمة والافكار فيها ناصعة. كما ذكر الكاتب
يُخْبِـركِ مَنْ شَهَدَ الوَقيعَةَ أنَّنِـي
أَغْشى الوَغَى وأَعِفُّ عِنْد المَغْنَـمِ
ومُـدَّجِجٍ كَـرِهَ الكُماةُ نِزَالَـهُ
لامُمْعـنٍ هَـرَباً ولا مُسْتَسْلِـمِ
جَـادَتْ لهُ كَفِّي بِعاجِلِ طَعْنـةٍ
بِمُثَقَّـفٍ صَدْقِ الكُعُوبِ مُقَـوَّمِ
فَشَكَكْـتُ بِالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيابـهُ
ليـسَ الكَريمُ على القَنا بِمُحَـرَّمِ
فتَـركْتُهُ جَزَرَ السِّبَـاعِ يَنَشْنَـهُ
يَقْضِمْـنَ حُسْنَ بَنانهِ والمِعْصَـمِ
ومِشَكِّ سابِغةٍ هَتَكْتُ فُروجَهـا
بِالسَّيف عنْ حَامِي الحَقيقَة مُعْلِـمِ
رَبِـذٍ يَـدَاهُ بالقِـدَاح إِذَا شَتَـا
هَتَّـاكِ غَايـاتِ التَّجـارِ مُلَـوَّمِ
_________________
يَتَّقُـونَ بـيَ الأَسِنَّةَ لم أَخِـمْ
عَنْـها ولَكنِّي تَضَايَقَ مُقْدَمـي
لـمَّا رَأيْتُ القَوْمَ أقْبَلَ جَمْعُهُـمْ
يَتَـذَامَرُونَ كَرَرْتُ غَيْرَ مُذَمَّـمِ
يَدْعُـونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كأَنَّهـا
أشْطَـانُ بِئْـرٍ في لَبانِ الأَدْهَـمِ
مازِلْـتُ أَرْمِيهُـمْ بِثُغْرَةِ نَحْـرِهِ
ولِبـانِهِ حَتَّـى تَسَـرْبَلَ بِالـدَّمِ
فَـازْوَرَّ مِنْ وَقْـعِ القَنا بِلِبانِـهِ
وشَـكَا إِلَىَّ بِعَبْـرَةٍ وَتَحَمْحُـمِ
لو كانَ يَدْرِي مَا المُحاوَرَةُ اشْتَكَى
وَلَـكانَ لو عَلِمْ الكَلامَ مُكَلِّمِـي
هذه ابيات فخر من معلقة عنترة يحكي فيها عن شجاعته ونبله. فهل يمكن ان نحلله بانه رجل دموي
ومصاب بالشيزوفرينيا. اذ انه تجده محبا رقيقا ثم يتغير مزاجه ليخوض الحروب ويكون في المقدمة ولا يبالي
بالطعان بل يا للهول يذكر محبوبته و السيوف نواهل.
كما ان الفرذدق وجرير كتبا مساجلات هجائية لم يكتب مثلها وكذلك ضبة استخدم بذئ القول
في هجائه. فهل يمكن ان يكونوا مصابين بالهوس. وعدوانيين.
الشعور بالزهو والاحساس بالعظمة غير المؤسس.
قلت من اعراض المرض الشعور بالعظمة غير المؤسس. فكيف بالله يكون شعور المتنبئ غير مؤسس وهو اشعر الشعراء العرب.الان هناك من يكتب اغنية صغيرة ويركب العظمة والزهو بنفسه.
فأنا ارى ان هذا المقال لا يخدم علم النفس ولا الادب.. فاذا اراد ان يكتبه الكاتب مرة اخرى بصورة علمية ومنهجية
لصار مقالا ممتازا. لانه الان لا يخلو من أنه
Far fetch
لا غير.
وشكرا يا حنينة على اشراكنا فيه.
حاشية:
في ذلك الزمن لا يعد شاعر البلاط متملق او متلصق في السلطة بل تدل على عظمته كشاعر.اذ ان اختياره يقع على اجادته لصنعة الشعر
فلا نحاسب شعراء ذلك الزمن بأخلاقيات اليوم.
عجب الفيا
14-11-2005, 05:20 AM
نسيت ان اشكر العزيزة الحنينة علي ايراد هذه المقالة فلها العتبي ،
ونواصل ..
يفرق الدكتور الفاضل في بداية مقاله ، بين الحالات العاطفية والجدانية التي تعتري الانسان في حياته اليومية لكونه انسان ، وبين الاضطراب الوجداني الذي يتحدث عنه . ويقول في الحالة الاولي الطبيعية هنالك تغيير كيفي في المزاج ، اما في الحال الثانية غير الطبيعية فهنالك تغيير كمي في المزاج . التغير الكمي هو الذي يسبب الحالة المرضية التي يتحدث عنها . فاذن استنادا منطق الدكتور ، ان الخوف والغضب والغيرة والحسد الانتقام والحزن والفرح والعشق والوله والتكبر والانفة والكبرياء .. كل ذلك وغيره مما يحسه ويعانيه الانسان العادي في حياته اليومية المتقلبة ، تغير كيفي في المزاج لا يبلغ درجة الحالة المرضية ولا يعد " اضطراب وجداني " !!
و يمضي الدكتور اكثر ويقول ان المضطرب وجدانيا يمكن ان يعيش في حالة وجدانية مستقرة طالما لم يصاب بالهوس او الاكتئاب :
" وبين حالات الاكتئاب والهوس يظل الانسان فى حالة وجدانية مستقرة “Euothymic Mood” وأكثر الناس تعرضاً للإصابة بحالة الاضطراب الوجدانى هم الاذكياء والاكثر حساسية من غيرهم وتكثر هذه الحالة بين المبدعين والاشخاص البارزين فى المجالات الاجتماعية والسياسية..."
يعني ، حسب كلام الدكتور الفاضل ، اذا لم يؤدي الاضطراب الوجداني بصاحبه الي الاكتئاب او الهوس فانه يظل في حالة وجدانية مستقرة . فالمبدعون والعباقرة اذن اكثر الناس اضطرابا وتقلبا عاطفيا ووجدانيا ولكن يظلوا رغم ذلك يتمتعون بحالة وجدانية مستقرة طالما لم يصاب الواحد منهم بالهوس او الاكئتاب . اذن وصف الانسان بانه مضطرب وجدانيا لا يعني انه مريض نفسيا ! وبالتالي وصف المتنبي بانه كان يعاني من اضطراب وجداني حسب تعبير الدكتور لا يعني بالضرورة انه كان مصابا بالاكتئاب او الهوس .ولكن الدكتور يزعم ان المتنبي تجاوز مرحلة الاضطراب الوجداني الي الاصابة بالهوس والاكتئاب .
ولم يجد الدكتور الفاضل ما يدلل به علي هوس واكتئاب المتنبي سوي بعض الروايات غير المؤكدة عن سيرته وبعض الابيات الشعرية المنزوعة من سياقها ليفترض افتراضا انه كان مريضا نفسيا .
قبل ان اعلق علي الابيات التي اوردها الدكتور الفاضل ، هنالك سؤال يطرح نفسه :
هل الطريقة المثلي لتشخيص حالة شاعر يعيش بيننا الان ، ومشتبه بالاضطراب الوجداني او الهوس او الاكتئاب ، هي بالاطلاع علي دواوينه الشعرية ام بالكشف عليه بالطريقية الطبية التجريبية المعروفة ؟
تاتي اهمية السؤال من ان الشعر لغة مفارقة للغة التواصل والتخاطب والسلوك والتعامل اليومي وما يقوله الشاعر شعريا لا يقوله في تواصله اليومي مع الناس والا ظن به الجنون والهوس .
ونواصل ،،
عجب الفيا
14-11-2005, 11:04 AM
. وأبداً أولاً بإيراد دليلين على أنه ربما كان يعانى من حالات الهوس أولها أن لقب المتنبى قد أطلق عليه لما يقال من إدعائه النبوة فى شبابه. ولقد أسلفت الذكر بأن المصاب بالهوس تنتابه مثل حالات الظنان هذه. ,وهكذا بكل سهولة يقطع الدكتور بمرض المتنبي بالهوس . وكان علي الدكتور الفاضل قبل ان يقفز الي النتيجة ويصدر حكمه بمرض المتنبي بالهوس ان يتحري ويبحث في عبارة : " ما يقال عن ادعائه النبوة في شبابه " .
الثابت في كل المراجع التي تناولت سيرة المتنبي وشعره ان هذه الحادثة غير ثابتة ويوجد حولها عدد من الروايات المتضاربة ، اولها يناقض اخرها بل ان الرواية الواحدة تناقض نفسها بنفسها ، وهي اقرب الي الاساطير والاحاجي منها الي الحوادث التاريخية .
ان الحادثة المؤكدة والتي اتفقت حولها هذه الروايات واخبر عنها المتنبي في شعره هي سجنه ايام الشباب . اما سبب السجن فهو ما اختلف حوله الرواة اختلافا شديدا .
واقرب رواية الي الواقع هي رواية ابن جني - معاصر المتنبي واحد علماء اللغة الافذاذ - والتي يرويها البرقوقي في شرحه ، حيث يعزو ابن جني ما حدث للمتنبي الي الخلافات المذهبية والمكايد السياسية والخروج علي السلطان ، يقول :
" وكان قوم قد وشوا به الي السلطان في صباه وتكذبوا عليه ، وقالوا له : قد انقاد له خلف كثير من العرب ، وقد عزم علي اخذ بلدك حتي اوحشوه منه ، فاعتقله ، وضيق عليه ، فكتب يمدحه " . ويري ابن جني ان سبب تلقيبه بالمتنبي قوله :
انا في امة تداركها الله غريب كصالح في ثمود
يقول البرقوقي : " وذلك راي نميل الي الاخذ به . فواضح من قصيدته في الاعتقال ومطلعها :
ايا خدد الله ورد الخدود * وقد قدود الحسان القدود
ان التهمة التي ألصقت به لم تكن ادعاءه النبوة ، وانما كانت دعوي أخري تكشف عنها العقيدة ، ويعترف بها الشاعر ولا يحاول انكارها ، وهي اتهامه :" بعدوانه علي العالمين " اي الخروج علي السلطان . ويصح كذلك ان يكون سبب تسميته بالمتنبي ذلك البيت :
ما مقامي بارض نخلة الا * كمقام المسيح بين اليهود
وليس ايسر من ان يسمع حاسدوه هذا الشعر فيلقبوه بالمتنبي ، وفي ايامنا هذه من امثال ذلك كثير في الصحف والمجلات ، فاذا أطلق عليه هذا اللقب وذاع وسري بين الناس ، ثم مضت مدة رجع فيها الناس الي الاستقصاء ، استطاع اصحاب الخيالات القصصية ان يخلقوا قصة طريفة يفسرون بها هذا اللقب ، ويستندون فيها الي ادعاء النبوة . "
ونحن من جانبنا نميل الي ما ذهب اليه ابن جني - وايده فيه البرقوقي ، وذلك ان السلاطين والحكام عبر العصور يلجاون الي تلبيس معارضيهم تهم الالحاد والزندقة والتجديف حتي يسهل التخلص منهم باسم الدين . ولذلك ان ما قيل عن ادعاء المتنبي للنبوة لا يصلح اساسا لتشخيص حالته النفسية !
haneena
14-11-2005, 01:37 PM
العزيزة أم راشد
تحياتي
جميل أن نري وجهة نظر لإختصاصي طب نفسي في تحليل إعتمادآ علي ما يكتبه الأدباء
و نتمني أن نري المذيد
مودتي
haneena
14-11-2005, 01:40 PM
أستاذ عجب الفيا
دكتورة بيان
أتابع و معي كثيرون ما تكتبانه هنا من نقد فيما كتبه دكتور القدال
و منكم نستفيد
سأرسل له البوست و نتمني أن يسمح وقته بالرد
واصلا فكلما قرأت لكما أردت المذيد
مودتي الخالصة
عجب الفيا
14-11-2005, 06:50 PM
عاش احمد بن الحسين المتنبي في العصر العباسي الثاني - عصر الفتن والثورات والدويلات وبداية تفكك الامبراطورية الاسلامية . وكان المتنبي شريفا علويا . ومعلوم مدي العداوة التي كانت بين بني العباس والعلويين. وكان الي جانب ذلك شاعر مفلق وعالم ضليع في اللغة وله المام واسع بالفلسفة وسائر علوم زمانه ، فلا عجب ان يهاب جانبه وتدس له الدسائس وتحاك ضده المؤامرات من قبل ذوي السلطان وعيون بني العباس . والوالي الذي قبض علي المتنبي وحبسه هو والي حمص من قبل الدولة الاخشيدية الموالية لبغداد .
جاء في رواية الخطيب البغدادي عن سبب حبس المتنبي والتي اوردها البرقوقي في شرحه : " ان ابا الطيب لما خرج الي كلب وأقام فهم ادعي انه علوي حسني ، ثم ادعي النبوة بعد ذلك ، ثم عاد يدعي انه علوي ، الي ان أشهد عليه بالشام بالكذب في الدعويين ، وحبس دهرا طويلا ، واشرف علي القتل ، ثم استتيب وأشهد عليه بالتوبة وأطلق " .
لاحظ اضطراب الرواية هنا فيما يتعلق بامر ادعاء المتنبي للنبوة .
وقد سجل لنا المتنبي حادثة سجنه في قصيدة واحدة ، ولم يشر في القصيدة لا من قريب ولا من بعيد الي اي اتهام له بادعاء النبوة . مما يؤكد رواية ابن جني التي سبقت الاشارة اليها اعلاه ، : " وكان قوم قد وشوا به الي السلطان في صباه وتكذبوا عليه ، وقالوا له : قد انقاد له خلق كثير من العرب ، وقد عزم علي اخذ بلدك حتي اوحشوه منه ، فاعتقله ، وضيق عليه ، فكتب يمدحه . "
والقصيدة مطلعها :
أيا خدد الله ورد الخدود * وقد قدود الحسان القدود
يدعو علي خدود الحسان وقاماتهن اللدنة التي اسهرته واضنته ، بالتشقق واليباس !!
والبيت به جناس او مجانسة بين القد بمعني القامة وقد ، بمعني شق يشق .( سنعود لذلك في بوست اللهجة السودانية ) .
والقصيدة عبارة عن مرافعة متينة في دفاع المتنبي عن نفسه ضد التهمة التي حيكت ضده وهي " العدوان علي العالمين " حسب تعبيره في القصيدة والتي تعني كما اشار البرقوقي " الخروج علي السلطان " . ويطعن المتنبي في شهادة الذين شهدوا ضده بالزور وانهم غير أهل الشهادة اصلا ويبين للحاكم ان من اصول القضاء ان الانسان يدان بما عمل وليس بما كان ينتوي عمله . يريد ان يقول ان الشهود شهدوا بانه كان يريد ان يفعل كذا وكذا ولم يشهدوا بانه فعل كذا . وفي الختام يطلب من الوالي ان يعفو عنه حتي لو كان سفيه ثمود الذي عقر ناقة صالح . وهذه هي الابيات التي تمثل موضوع القصيدة :
فمن كالامير ابن بنت الامير * أو من كآبائه والجدود
سعوا للمعالي وهم صبية*وسادوا وجادوا وهم في المهود
دعوتك عند انقطاع الرجاء * والموت مني كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلاء * وأوهن رجلي ثقل الحديد
وقد كان مشيهما في النعال * فقد صار مشيهما في القيود
وكنت من الناس في محفل * فها أنا في محفل من قرود
تعجل في وجوب الحدود * وحدي قبيل وجوب السجود
وقيل عدوت علي العالمين * بين ولادي وبين القعود
فما لك تقبل زور الكلام * وقدر الشهادة قدر الشهود
فلا تسمعن من الكاشحين * ولا تعبأن بمحك اليهود
وكن فارقا بين دعوي أردت * ودعوي فعلت بشأو بعيد
وفي جود كفيك ما جدت لي* بنفسي ولو كنت أشقي ثمود
ونواصل
عجب الفيا
14-11-2005, 06:54 PM
شكرا الحنينة علي رصانة المتابعة
والشكر موصول لبيان .
3mk-Tango
14-11-2005, 09:41 PM
تحياتي للجميع ..
مقال محير فعلا عن المتنبي .. اول ما قراته استعدت بعض الدراسات التي ترغب بمحاكمة المتنبي
كعنصري رغم اختلاف زمانه عن الان ...
اعتقد جازما ان المنتبي لو كان ابن اليوم لكتب عن حقوق الانسان وعن محاربة الرق وعن العولمة والديمقراطيه
..
اميل كثيرا لأراء عجب الفيا و د. بيان في هذا البوست .. لقد وجدت كثير من الأجابات الشافية ..
شكرا حنينة .. شكرا د. بيان .. شكرا عجب الفيا .. والشكر موصول للدكتور محمد حسن القدال .
ربيع السماني الشعراني
15-11-2005, 04:37 AM
الاستاذة حنينة
شكرا لك علي ايراد المقال اعلاه ولكن في رأي انه يفتقد الي التحليل العميق وخصوصا أن الامر مرتبط بعمود من أعمدة الشعر العربي
نعم المتنبي شاعر قلق وذاك القلق هو صفة الشاعر في اغلب الاحيان ومتلازم مع الابداع ولكن لا يوصل الامر الي وصف المتبني بحالة الاكتئاب المرضي رغم أن الاكتئاب من عوارض الحياة التي تجتاح النفس البشرية
وأنا اقرأ ما كتبه الدكتور خطرت الي ذهني اسئلة أولية وهي كا يلي:
ما هي الاستفادة العائدة للقارئ من اكتشاف مرض المتنبي بالاكتئاب وهو قد شبع موتا وأشبع العالمين شعرا؟
أن كان صاحب المقال يرجو اضافة في الكشف عن نزعات جديدة في شخصية المتنبي فلماذا أختار كاتبنا تلك الطريق وهو لم يتزود لها بالحد الادني من التمحيص والمثابرة والجلوس الي امهات الكتب ليتحفنا برؤية متكاملة حول زعمه؟
وهل سيختلف الناس علي المتنبي في كونه شاعرا ان صح زعم كاتبنا؟
مثل هذه الكتابات المتسرعة لا تقدم ولا تؤخر ولاتعدو ان يطويها النسيان ونتمني دائما ان ذهب كتابنا الي تناول أمر بحجم قامة المتنبي أن يأخذوا حظا وافرا من الدراسة وعدم تطبيق المعايير الاكلينيكية علي شخصية اتسم الخلاف حولها بمعايير اخري ابعد ما تكون عنها اكلينيكية
ولكم الشكر أجزله
ربيع السماني الشعراني
15-11-2005, 04:49 AM
بعض ما أرمى اليه من كتابة هذا المقال أن أساعد على تحفيز الناس على التعامل مع قضايا الصحة النفسية والعقلية بذهن منفتح سواء من خلال تعاملنا مع واقعنا الراهن او تراثنا القديم. وان نحاول أن نخلص المرض النفسى من السبة الاجتماعية التى لصقت به على مر الدهور وأن نفهمه على أنه مرض كأي مرض عضوى آخر كالربو أو الروماتيزم. فليس هناك انسان محصن ضد المرض النفسى، كما أن الاصابة بالمرض النفسى لا تعنى نهاية المصاب به. واذا كان القادة والمبدعون معرضين للاصابه به، فعلام تظل السبة الاجتماعية ملازمة له.
ما علاقه هذا بالمتنبي ؟
وأين الاضافة؟
وماهو المغزي ؟
عجب الفيا
15-11-2005, 05:25 AM
ارى ان كاتب المقال قد يكون طبيبا نفسانيا ضليعا ولكنه لا يعرف الكثير عن الشعر العربي . فالقصيدة العربية القديمة تقوم اساسا في بنائها على عدم وحدة الموضوع. حيث هناك فورم اساسي يتقيد به الشعراء كافة..
حيث تشتمل القصيدة على الوقوف على الاطال و النسيب وصف للرحلة والناقة والفخر والهجاء والمدح
فكأنها بيان للشاعر يبرز فيها مقدراته على كل هذه المواضيع..
أورد الكاتب نماذج لم يتوفق فيها حيث ان البيوت الشعرية الدالة على الفخر. كتب مثلها وبالغ بعضهم في الفخر بنفسه لدرجة تفوق ما كتبه المتنبيئ.
ثم تلك الابيات التي يعاتب فيها سيف الدولة بعد ان دخل الوشاة بينهم لا تدل ابدا على كآبة بل شخص مظلوم يود ان يبين لصديقه كيف انه حزين لان الثقة فقدت.
فكان حريا بكاتب المقال ان يرجع للحادثة التى ادت الى ان يكتب المتنبئ ما كتب .
.اتفق تماما مع ما جاء في رد الاخت بيان علي مقال الدكتور الفاضل القدال .
يقول الدكتور في سياق ايراده الادلة علي مرض المتنبي بالهوس :
" أما الدليل الآخر فهو قوله فى احدى قصائده:
الليل والخيل والبيداء تعرفنى
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
أنا الذى نظر الأعمى الى أدبى
وأسمعت كلماتى من به صمم
وهذه فى زعمى حالة واضحة من الاحساس بالعظمة قل أن نجد لها مثيلاً فى الشعر العربى جاهلياً كان أو بعد الاسلام. وفى تقديرى أن المتنبى كان يصف فى هذه الابيات احدى حالات الهوس التى أطن انها كثيراً ما انتابته."
هذا الدليل وحده كاف لنسف دعوي الدكتور القدال ضد المتنبي !
فهنا يكشف الدكتور عن ضعف معرفته بالشعر العربي وبالبنية الموضوعية للقصيدة العربية .
فمعلوم ان هنالك اغراض موضوعية محددة تكون القصيدة العربية وهي كما اشارت دكتورة بيان :
- النسيب (البكاء علي الاطلال ) والغزل .
- الوصف (وصف الناقة او الفرس )
- المدح
- الفخر
- الهجاء
اي قصيدة عربية تقليدية لابد ان تتضمن هذه الاغراض مهما كان موضوع القصيدة او الدافع من كتابتها . افتتاح الشاعر القصيدة بالبكاء علي الاطلال والتغزل شرط اساسي لبناء القصيدة . ورغم تبرم الشعراء المحدثين مثل ابي نواس والمتنبي من هذا التلقيلد الا انهم لم يسطيعوا الخروج عليه . قال المتنبي :
اذا كان مدح فالنسيب المقدم * أكل فصيح قال شعرا متيم ؟
ومع ذلك ظل يفتتح قصائده بالنسيب .
بالنسبة للفخر يعد من اهم اغراض القصيدة العربية والمعروف ان التفاخر بالانساب ونبل الاصل والفصل والسيادة علي القبائل من ابرز المكونات النفسية للانسان العربي في ذلك المجتمع القبلي العشائري .
الابيات التي اوردها الدكتور والتي يفتخر فيها المتنبي وردت في قصيدة يعاتب فيها سيف الدولة علي سماعه وشايات اعدائه وحساده من الشعراء وكان منهم ابو فراس ابن عم الامير سيف الدولة والعالم النحوي ابن خالويه وشعراء آخرين حيث يقول :
يا أعدل الناس الا في معاملتي * فيك الخصام وانت الخصم والحكم
وقيل عندما وصل المتنبي في الانشاد الي الابيات التي اوردها الدكتور : ( ،الليل والخيل والبيداء تعرفنى والسيف والرمح والقرطاس والقلم ) ، انتفض احد خصومه وقال له : وماذا ابقيت للامير ؟ فاستجاب سيف الدولة للتحريض وتناول الدواة وقذف بها المتنبي حتي سال دمه ، فاسترجل في تلك الحظة بيتا لم يكن بالقصيدة وهو :
ان كان سركم ما قال حاسدنا * فما لجرح اذا ارضاكم ألم
وخرج بعد اكمال القصيدة . ثم كانت فترة الانقطاع عن سيف الدولة التي اتخذ منها الدكتورالفاضل دليلا أخر علي مرض الهوس عند المتنبي ( سنعود لذلك ) .
اما قول الدكتور ان هذه الابيات التي يفخر بها المتنبي لا مثيل لها في الشعر الجاهلي والاسلامي والعربي قاطبة فهو قول لا يكشف كما قلنا الا عدم معرفة الدكتور بالشعر العربي .
ماذا كان يمكن ان يقول الدكتور لو قرأ (شعر النقائض ) بين جرير والفرزدق والاخطل وهو يصنف بانه من شعر العصر الاسلامي ؟
ماذا يقول مثلا عن الفرذدق في قوله :
أنا القطران والشعراء جربي * وفي القطران للجربي شفاء
ماذا يقول قي قول الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم :
اذا بلغ الرضيع لنا فطاما * تخر له الجبابر ساجدينا
ماذا يقول في قول الشاعر الاندلسي في ممدوحه :
شئت لا ما شاءت الاقدار فاحكم فانت الواحد القهار
وغيره الكثير والكثير هذه مجرد امثلة سريعة من الذاكرة .
ونواصل .
عجب الفيا
15-11-2005, 06:49 PM
أما الدليل الآخر فهو قوله فى احدى قصائده:
الليل والخيل والبيداء تعرفنى
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
أنا الذى نظر الأعمى الى أدبى
وأسمعت كلماتى من به صمم
[/color] يبدو ان الدكتور الفاضل اكتفي بالذاكرة المدرسية في استحضار هذه الابيات ولم يرجع للاطلاع علي القصيدة كاملة بديوان المتنبي ولو فعل لوجد ان هذه الابيات تاخذ سياقها الطبيعي في القصيدة ولا تثير اي احساس او توجس بان قائلها يعاني من مرض نفسي .
والقصيدة ميمية تتالف من سبعة وثلاثين بيتا . وهي من أجمل واروع ما قاله المتنبي من شعر .
يقول البرقوقي عن مناسبة هذه القصيدة :
" وقال يعاتب سيف الدولة - وانشدها في محفل من العرب - وكان سيف الدولة اذا تأخر عنه مدحه ، شق عليه وأحضر من لا خير فيه ، وتقدم اليه بالتعرض له في مجلسه بما لا يحب ، وأكثر عليه مرة بعد مرة ، فقال يعاتبه :
واحر قلباه ممن قلبه شبم * ومن بجسمي وحالي عنده سقم
مالي أكتم حبا قد بري جسدي * وتدعي حب سيف الدولة الامم
ان كان يجمعنا حب لغرته * فليت أنا بقدر الحب نقتسم
قلبه شبم ، اي بارد، يريد ان يقول ، واحر قلبي علي من قلبه بارد - يقصد سيف الدولة . وان كنا قد اجتمعنا علي محبته - يقصد اعدائه وحساده - فليتنا نقتسم عطاياه وفضله علينا بمقدار حب كل واحد منا له .
وبعد ان مدح ومجد سيف الدولة دلف الي معاتبه علي سوء المعاملة قائلا :
يا أعدل الناس الا في معاملتي * فيك الخصام وانت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة ان * تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما ا نتفاع اخي الدنيا بناظره * اذا استوت عنده الانوار والظلم
كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم * ويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي * أنا الثريا وذان الشيب والهرم
باي لفظ تقول الشعر زعنفة * تجوز عندك لا عرب ولا عجم
اي انت حاكم عادل ولكنك لم تعدل في معاملتي اذ فضلت علي هؤلاء المتشاعرين الاوباش الذين ظننت ورمهم شحم ( يقصد شعرهم ) والذين هم لا عرب فصحاء ولا عجم أصلاء يفهم كلامهم .
ثم انتقل للحديث عن نفسه بفخر واعزاز ، وهذا امر طبيعي في مثل هذه الظروف التي تكالب فيها عليه حسادوه حتي نجحوا في النيل منه وابعاده عن كنف سيف الدولة :
أنا الذي نظر الأعمي الي أدبي * وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام مل جفوني عن شواردها * ويسهر الخلق جراها ويختصم
وجاهل مده في ضحكه جهلي * حتي أتته يد فراسة وفم
اذا نظرت نيوب الليث بارزة * فلا تحسبن ان الليث يبتسم
فالخيل والليل والبيداء تعرفني * والسيف والرمح والقرطاس والقلم
صحبت في الفلوات الوحش منفردا * حتي تعجب مني القور والأكم
ان كان سركم ما قال حاسدنا * فما لحرج اذا ارضاكم ألم
ونواصل
عجب الفيا
15-11-2005, 08:22 PM
[color=#0000CC][size=5]
أرى ذلك القرب صار إزورارا
وصار طويل الكلام اختصارا
تركتنى اليوم فى خجلة
أموت مراراً وأحيا مرارا
إلى أن يقول:
جحدت مكارمك الباهرات
لو كان ذلك منى اختيارا
ولكن حمى الشعر إلا قليلاً
"هم" حمى النوم إلا غرارا
فى هذه الأبيات يؤكد أبو الطيب أن انقطاعه عن نظم الشعر لم يكن باختياره. ونحن نعلم اليوم أن المبدع وهو فى حالات الاكتئاب يفقد قدرته على الابداع. ثم يشرح فى البيت التالى أن ما منع نظم الشعر "هم" منع عنه النوم أيضاً وما ذلك الهم فى نظرى إلى حالة من الاكتئاب النفسى الاكلينيكى.
هذا أضعف واوهن حجج الدكتور القدال !
هل كل هم هو مرض نفسي ؟ اذن كل الناس مرضي نفسيين ! فلا يوجد انسان في هذه الدنيا خال من الهم ( الا اذا كان غير سوي نفسيا ) ؟ لقد صدق المتنبي حين قال في غير هذه القصيدة :
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن * يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
وهل الارق او عدم النوم لا يزور الا المرضي النفسيين ؟
صحيح الارق واحد من علامات الاكتئاب ولكن ليس كل ارق ناتج عن اكتئاب .
وهل الانقطاع عن كتابة الشعر او ممارسة اي فن لا يحدث الا اذا اصيب المبدع بالاكتئاب ؟
المسالة في غاية البساطة وهي ان المتنبي يعتذر لسيف الدولة في هذه القصيدة عن تاخره في مدحه ويقول له ان ذلك ليس بارادته وانما يرجع الي هم أرقه وملك عليه تفكيره وشغله عن قرض الشعر. يقول في مطلع القصيدة :
أرى ذلك القرب صار إزورارا
وصار طويل الكلام اختصارا
والمعني انه يخاطب سيف الدولة ويقول ، لقد انقلب الحال وصرت لا تعيرني ادني اهتمام كما كان في بداية صداقتنا .
ثم يقول :
تركتنى اليوم فى خجلة
أموت مراراً وأحيا مرارا
اي ان اعراضك عني ، بسبب تاخر مدحي ، اخجلني امام الناس . وهذا الاحساس بالخجل يميتني في اليوم اكثر من مرة من شدة وقعه علي نفسي .
اما قوله :
ولكن حمى الشعر إلا قليلاً
"هم" حمى النوم إلا غرارا
حمي هنا بمعني منع كما في اللهجة السودانية . يريد ان يقول ان الذي حماني عن قول الشعر هو هم . وهذا الهم ارقني وحماني النوم !
وهل يكون هذا الهم يا تري سوي اعراض سيف الدولة عنه واحساسه بتباعد تحقيق طموحه الذي كان يطمع من سيف الدولة ان يحققه له . وصدق عندما قال في غير هذه القصيدة :
واذا كانت النفوس كبارا * تعبت في مرادها الاجسام
ونواصل
* الاعزاء عم تنفو وشعراني شكرا علي الاضافات القيمة وسوف اعلق عليها بعد ان افرغ من الرد علي الدكتور القدال .
عجب الفيا
16-11-2005, 05:14 AM
أما الدليل الآخر لأن أبا الطيب كان يفهم تماماً ماذا يعنى الاكتئاب فهو البيت الذى يقول فيه:
كفى بك داءاً أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا
ولنتمعن فى هذا البيت من الشعر ملياً، والمتنبى كعادته يحشد الكثير من المعانى فى القليل من الكلام. يقول أبو الطيب "كفى بك داءاً"، وتفسيرى لهذا المقطع حسب فهمنا اليوم لطبيعة الاضطرابات الوجدانية أن الاحساس بالنزعات الانتحارية هو منتهى الداء، وهو فى الواقع كذلك إذ تظهر هذه النزعات فى الحالات الشديدة من الاكتئاب. ومريض الاكتئاب عندما يقرر الانتحار تنتابه حالة من الراحة النفسية لأن الموت سيخلصه من العذاب النفسى الرهيب، أليس هذا منتهى الداء وهل هناك من صور هذه الحالة فنياً بهذه البراعة من قبل: وحسب المنايا أن يكن أمانيا.
الدكتور يقول ان معرفة المتنبي بمرض الاكتئاب دليل علي اصابته بهذا المرض ! يا سبحان الله ! وهل كل مدرك لاعراض الامراض النفسية والعصبية مريض نفسيا ؟؟؟؟؟!!!
لكن لا علاقة بين حديث المتنبي هنا والاصابة بالاكتئاب المفضي الي الانتحار !
هذا البيت الذي استشهد به الدكتور هو أول بيت في اول قصيدة يمدح فيها كافور بعد مغادرته حلب ووصوله الي الفسطاط بمصر . يقول البرقوقي في تقديمه للقصيدة : " وفارق ابو الطيب سيف الدولة ورحل الي دمشق وكاتبه الاستاذ كافور بالمسير اليه ، فلما ورد مصر أخلي له كافور دارا وخلع عليه وحمل اليه آلافا من الدراهم فقال يمدحه " :
كفى بك داءاً أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا أن يكن أمانيا
تمنيتها لما تمنيت ان تري * صديقا فأعيا أو عدوا مداجيا
اذا كنت ترضي ان تعيش بذلة * فلا تستعدن الحسام اليمانيا
ولكن بالفسطاط بحرا أزرته * حياتي ونصحي والهوي والقوافيا
والمتنبي هنا يتحدث عن الحالة السيئة التي وصلت اليها العلاقة بينه وبين سيف الدولة من جهة وبينه وبين اعداءه من جهة اخري مما اضطره الي مغادرة دولة بني حمدان والبحث عن جهة اخري . يقول ان تلك الحالة احسن منها الموت . تماما مثل ما نقول في كلامنا : دي حالة احسن منها الواحد يموت " كنوع من المبالغة في التبرم من الحياة ومشاكلها التي لا تنتهي .
وتمني الموت لا يكون فقط في حالة الانتحار بل في الحالات الطبيعية . بل ان تمني الموت في الظروف العادية من المستحبات في الدين . " فتمنوا الموت ان كنتم صادقين " . ومريم عندما تمنت الموت لم تكن ترغب في الانتحار : " يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا "
ومن ابدع الابيات في تلك القصيدة :
قواصد كافور توارك غيره * من قصد البحر استقل السواقيا
فهو يشبه كافور ، لفضله وجوده ، بالبحر وغيره من الملوك ( وعلي راسهم سيف الدولة طبعا ) مجرد سواقي !
وقالوا ان سيف الدولة عندما سمع هذا البيت حز في نفسه كثيرا .
ونواصل
bayan
16-11-2005, 05:34 AM
في ذكرى بدر شاكر السياب هل تأثر السيّاب بالمتنبي حقاً؟ ـــ د.علي حداد
(متن خارجي)
في أواخر كل عام-وفي الرابع والعشرين من كانون الأول تحديداً- تطلّ ذكرى وفاة السياب، لتمنح محبي شعره ودارسيه فرصة إعادة قراءته، واستجلاء التأسيس القيمي والجمالي الذي تمّ لتجربته الشعرية أن تعلن عنهما بتميز مثير..
(1)
من القصائد المبكرة التي تثير الاهتمام في ديوان السياب قصيدته (رثاء جدتي) تلك البكائية التي نظمها بعد وفاة جدته لأمه.(1).
ولعل جانباً من هذا الاهتمام مصدره أنّ القصائد تحيل الذاكرة إلى قصيدة في الموضوع ذاته لأبي الطيب المتنبي رثى فيها جدته أيضاً.(2).
فنحن إذاً أمام قصيدتين في موضوع شعري واحد، ومؤثر عاطفي ونفسي واحد مثّله موت امرأة يدين لها كل من الشاعرين بفضل الرعاية وجانب الوفاء لما قدمته من تعويض عن أمومة مفتقدة عندهما.(3). ولكن هذه (الواحدية) ينفرط عقدها عند حدود الانثيالات التعبيرية والبعد النفسي الذي تقحمت شجونه قصيدتيهما، وأسلوبية التعامل مع المفردة وإيقاعها الدلالي.
(2)
فقد المتنبي أمه صغيراً ولم يتح له أن يرى والده، فتكفلت جدته لأمه برعايته وتربيته(4)، وإذ بلغ سن الشباب غادر الكوفة إلى البادية، ثم إلى حلب مخلفاً وراءه جدته تعيش التياعها لفراقه. وبعد نأي سنين ورد المتنبي من جدته كتاب تشكو شوقها وطول غيبته عنها. ولم يكن دخول الكوفة متاحاً له، فأرسل إليها كتاباً يدعوها إلى ملاقاته في بغداد، وكان لذلك أثره في قلب الجدة المتعب من لهفة وانتظار، فماتت، والكتاب القاتل بمسرته بين يديها، وحين وصل الخبر إلى المتنبي رثاها بقصيدة لها من الشهرة والمكانة في شعره ما لا يمكن لأحد أن يمر عليها سريعاً، ومطلعها:
ألا لا أري الأحداث مدحاً ولا ذماً
فما بطشها جهلاً ولا كفها حلما
توفيت أم السياب وهو في الرابعة من عمره، وتركه أبوه في بيت جده ليسكن هو وزوجته الجديدة بيتاً آخر. وظل الصبي في رعاية جدته لأبيه، ثم جدته لأمه التي استقر في السكن معها عندما ذهب إلى مدينة (البصرة) لإتمام دراسته الثانوية هناك.(5).
وفي الصيف الذي كان يتهيأ فيه للذهاب إلى العاصمة (بغداد) والالتحاق بالجامعة توفيت جدته التي رعته ومنحته أمومة كان شديد الاحتياج إليها، فرثاها في قصيدة من بواكير شعره مطلعها:
رمتني أيدي القضا للشجون
إذ قضى من يردني لسكوني
(3)
كانت الخسارة النفسية لهذا الفقدان كبيرة لدى كلا الشاعرين، مما ملأ روحيهما بإحساس طاغ من الألم واليأس، يقول المتنبي:
حرام على قلبي السرور فإنني
أعدّ الذي ماتت به بعدها سما
ويقول السياب:
فقليل عليّ أن أذرف الدم
ويقضي عليّ طول أنيني
ويعبر عن إحساسه الأليم هذا فيقول في رسالة إلى أحد أصدقائه متذكراً قسوة الفقدان عليه بعد أكثر من شهرين على حادثة الوفاة: "أفيرضى الزمن العاتي... أيرضى القضاء أن تموت جدتي أواخر هذا الصيف فحرمت بذلك آخر قلب يخفق بحبي ويحنو عليّ، أنا أشقى مِنْ مَنْ ضمت الأرض.".(6)
(4)
يقول: ت.س.إليوت: "إن خير ما في عمل الشارع وأكثر أجزاء هذا العمل فردية هي تلك التي يثبت فيها أجداده الشعراء فخلودهم". (7). ويسمى ذلك (المعنى التاريخي لفكرة التقاليد): "فنحن نلمس إحساس الشاعر بأسلافه وإحساسنا نحن بوجود من سبقوه خلف هذا الإنتاج، تماماً كما نحسّ بملامح الأجداد في شخص ما دون أن يطغى ذلك على فرديته أو ذاتيته".(8).
ولعله واضح ما تحمله هذه المقولات من التأكيد على مايمكن أن يتركه السابقون من الشعراء في اللاحق بهم من التأثير على مستوى تجربته الإبداعية وآفاقها. وهو أمر يمكن عدّه أقرب إلى البداهة التي لا تحتاج إلى كثير تفحص، لما في مجال التعبير الشعري من سمات خاصة في مآلات الوعي، وأنساق التمثل الجمالي وقيمه، وبما يفصح عن مسار متسع من (التناص) مع الإبداع السابق وتلمس خصوصياته في الوعي أو خارجه –التي تستقيم عليها الأدائية التعبيرية والجمالية في الإبداع. ومن هنا فإن التأثر بالسلف من أهل الصنعة ذاتها لا يمكن عزله عن مسارات ثقافية ونفسية، وتذوق، وأعماق من الاشتغال الذي يسلك مساحات الوعي الذاتي واللا وعي الجمعي وخلافهما التي تتلاقح في حضورية متماسكة لتعلن عن قيمها في التجربة المبدعة.
ومايمكن تأشيره هنا هو أن حركية الاستجابة والتمثل تلك عند المبدع اللاحق تعلن عن نفسها في مسارين، أحدهما (التأثر) والآخر (الإعجاب)، وهما موقفان مختلفان، (فالإعجاب) مسألة تأخذ بعداً ذوقياً ومزاجياً له حدوده المعلنة التي ينتهي عندها، في رؤية واعية، هي عرضة للتجاذبات والتبدلات المختلفة. في حين يندس (التأثير) بعيداً في التمثل المعرفي ومناط الاستجابة لكل ما في التجربة السابقة من مؤثرات ومثيرات ونوازع –قد لا تعلن عن نفسها مباشرة- واستعداد في عمق التجربة للملاحقة، ورغبة في التواصل، والتلقي المشخّص لقيمه فيها، ولعل ذلك هو الذي دعا السياب إلى القول في هذا الصدد: "فالشاعر لا يعلم كل العلم بمن تأثر من الشعراء ولكنه يعرف بأي منهم أعجب أكثر الإعجاب، وهذا الإعجاب يتبدل ويتغير حسب المراحل الزمنية والظروف النفسية التي يمر بها الشاعر".(9).
(5)
لا يمكن أن نرتضى القول إن السياب لم يتعرف شعر المتنبي، وهو ينطق بدلالات الأحداث والمواقف التي تحركت فيها حياته شخصاً وشاعرية، بما يمكن له أن يثير –حينها- مخيلة شاعر مثل السياب، وهذا التعرف مما تفرضه طبيعة الثقافة الأدبية التي تلقاها السياب، وهو في أول مراحل تفتح موهبته الشعرية، خلال سني الدراسة ومراحلها، حيث يبدأ لديه الوقوف المقلد والتفحص الذوقي لما يمكن أن يستقر في نفسه وشاعريته من شعر القدامى من الشعراء العرب الذين يقف المتنبي في صدارتهم شهرة. وإذاً فقد عرف السياب شعر المتنبي وأعجب بشاعريته وهو ما صرح به أكثر من مرة.(10).
وقد تلقف بعض الباحثين والنقاد هذا الإقرار من السياب ليبنوا عليه القول بتأثره بشعر المتنبي على نحو أو آخر.(11).
(6)
تفصح القراءة لمحتوى القصيدتين مارتي الذكر عن الاستنتاجات الآتية: إن مجالين متباعدين من أفق التلقي لواقعة الموت هما ما تحركت فيهما أدائية كلا الشاعرين. صحيح أن نصيهما حملا رغبة كل منهما في استعادة تفصيلات موت تلك المرأة (التي يسميها المتنبي أماً. في حين كرر السياب ذكر مفردة الجدة في وصفها)، ولكن المباعدة بينهما واضحة في مبنى النص ومنجز التوصيل الذي يراد منه.
لقد جعل المتنبي تلك الواقعة مناط الاستثارة الأول الذي سيبث من خلاله محتوى رسالته التوصيلي الحقيقي، ومن هنا فإن قضية الجدة وموتها لم تأخذ من أبيات النص الأربعة والثلاثين سوى اثني عشر بيتاً، لتذهب بقية الأبيات بدعاواها ونزوعها إلى استحضار متلق تخاصمه وتطارده بالمتعاظم من صوت كبريائها والطماح التي لا حدود لها فيها.
أما السياب فقد انكفأت إشارات نصه البالغ خمسة وعشرين بيتاً على أفق توصيلي لم يكن ليشغله سوى تلك الواقعة (الموت) وإعادة تشكيلها والتفوه بما تركته في نفس الشاعر الملتاعة.
ولم يكن المتنبي ليفارق سمته الشعري، فبدأ القصيدة حكيماً مفلسفاً فكرة الموت وسطوته التي يؤول إليها مصير الوجود الإنساني، وإذا انتقل إلى الحديث عن موت جدته لم يكن لينفصل عن أسلوبه الشعري وإهابه النفسي الشامخ الذي رفع شأن شاعريته عبر ترداد معانيها وتشكلاتها في شعره:
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا
فلما دهتني لم تزدني بها علما
لقد جعل المتنبي موت جدته قضية فجرت مواقف التضاد بين مشاعره لفقدانها وفرح حساده والشامتين فيه:
لئن لذّ يوم الشامتين بيومها
لقد ولدت مني لأنفهم رغما
وهو شعور لا يعدو في جانب منه أن يكون وهماً تقمص نفس المتنبي المعبأة بإحساس القطيعة مع ما حولها من أناس يراهم دونه في المنزلة والوعي والتجربة الإبداعية. إذ لولا ذلك الوهم لما كان لشماتة أحد بموت جدته من وجود مؤثر، ولاسيما أن المتنبي نفسه قد أشار في أول قصيدته إلى أن الموت هو مآل الناس جميعاً. إن رفضه لما حوله واعتداده بنفسه عما سواه هو مايمكن أن يفسر الصيحات المتطايرة خلال القصيدة عن شموخه:
وإني لمن قوم كان نفوسهم
بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
وعن ضخامة قامة طماحه:
يقولون لي ما أنت في كل بلدة
وما تبتغي؟... ما أبتغي جلّ أن يُسمى
(7)
لن نجد في قصيدة السياب صدى لمواقف المتنبي وتدفق مشاعره الضاجة بالكبر والتعالي. إذ يواجهك بانكسار نفسي جعله يغرق قصيدته بإحساس راعف عن الموت الذي حاصر روحه، وهو يشاهد جثمان جدته مسجى أمامه، مستعيداً بعض تفصيلاته تلك الواقعة، ليدسها في تشكيل رومانسي تختلط فيه إشارات صورية متعددة، ترسم للموت مشهده الضاج بالأسى، وهو يكتنف ذات الشاعر-وكل ما حولها من الموجودات الطبيعية- في المآل الشعوري ذاته:
تتلوين في مهاد المنايا
وتغيبين في عذاب الأنين
وتضجين بالدموع سجاماً
وتطوفين في بحار السنين
ثم آب السفين بعد طواف
خالياً عودة الكسير المهين
يالها ليلة وقد عادت الروح
إلى ربّها ودنيا اليقين
فزعت كل مهجة لأساها
وارتمى الفكر فوق صدر الشجون
وانجلى الفجر حاملاً بين كفيه
سعيراً عذابه يصطليني
ولأنّ فكرة الفقدان تشل وعيه فقد قادته إلى انحراف سلبي، صارت فيه رغبة الموت أمنية يرتاح إليها، ليتخلص من خوفه، بل لقد تمنى لو أنه لم ير جدته ولم يعرفها أو تعرفه:
جدتي من أبث بعدك شكواي
طواني الأسى وقلّ معيني
أنت يا من فتحت قلبك بالأمس
لحبي أوصدت قبرك دوني
فقليل عليَّ أن اذرف الدّمع،
ويقضي عليَّ طول أنيني
ليتني لم أكن رأيتك من قبل،
ولم ألق منك عطف أمّ حنون
آه لو لم تعوديني على العطف
وآه لو لم أكن، أو تكوني
أما حكمة المتنبي فقد غابت عن القصيدة، وهي تنكفئ على تجسيدية راجفة لواقعة موت الجدة. لقد كان السياب في أشد لحظات صدقه الذاتي الذي هو سمة مهمة في شاعريته، إذ تغلبت الذات على ما سواها ولم تدع غيرها يشاركها وجه القصيدة.
(8)
أفاد الشاعران من واقعة خاصة بكل منهما، فقدما نصين شعريين توقفا عند فكرة الموت التي ترادفت الألفاظ والمعاني لإبراز محتواها الدلالي والشعوري، ولكن شتان بين التعامل مع المفردة عند كل منهما، فالمتنبي يملأ الألفاظ فخامة، وضجة صوت، وتدفق إيحائي، في حين تنغلق اللفظية ذاتها على دلالة مبتسرة عند السياب.
واستلهم المتنبي موسيقى البحر (الطويل) بامتداده وطول النفس فيه، حد التمكن من إيراد المعاني التي تأخذ شكل نفثات شعورية متسعة. واستخدام السياب (الخفيف) بما يوحي به من حركة الموت الزاحفة إلى دواخل نفسه مما هو حوله من واقعة أليمة.
وكانت قافية (الميم) المفخمة بالألف ترتفع في قوة الإيقاع وعلو صوت المتنبي وهو ينفث في توقفه عندها هماً محتدماً في نفسه. ورددت قافية (النون) المكسورة أنين السياب وحشرجة الصوت المرتبك. فالسياب يحاول أن يتكلم وسط تلاشي المقدرة على الارتفاع عن حالة الانسحاق التي يعيشها، وما حصل أمام روحه الغضة وعواطفه التي ما زالت حينها تنشغل بمراحل من التطلع الشعري الذي تفيض عليه رومانسية بدائية الأحاسيس.
(9)
لا يغيب عن البال –ونحن نتأمل تجربة السياب في نصه هذا –المرحلة العمرية التي كان فيها، حيث أول سني شبابه، وتفتح وعيه وشاعريته التي لم يكن له فيها-على ما عرف من تفصيلات حياته-من تجارب المتنبي وطماحه ما يهمها أن تتوقف طويلاً عنده أو تتماثل معه.
ولكن ما يشغلنا هنا هو البحث عن مديات تشكيل الوعي الشعري عن السياب، وهو يتلمس لتجربته الشعرية قيم تعبير وآفاق تمثل جمالي، ماكان لها أن تتحرك بعيداً عن التأمل لذلك التراث الشعري العربي باذخ العطاء الذي يقف المتنبي قمة تسطع بحضورها فيه.
ولعلها مفارقة أن نقول إنّ تأثير محدود الفاعلية هو ذلك الذي يمكن تأشيره لشعر المتنبي في تجربة السياب، لا يكاد يتجاوز مسألة الإعجاب "لطبيعة مواقف كل منهما وأفكاره والانشغالات الشعورية، وآفاق التجاذب السلوكي والمواقف والطماح، ومسارات التجربة الشعرية".(12).
إنَّ عودة لتأمل بعض أقوال السياب عن تأثره بالمتنبي لا تكاد تشير إلى طبيعته وحدود فاعليته، بإزاء ما سيقوله عن شاعر عربي قديم آخر هو (أبو تمام) مثلاً الذي أشار إليه وإلى المتنبي معاً من بين الشعراء الذين تأثر بهم.
إنَّ حديث السياب عن أبي تمام وشعره مقترن عنده برؤية واضحة لحدود استجاباته الغنية له، إذ عدّه والشاعرة الإنجليزية الحديثة (إيديث سيتويل) الأبرز في التأثير من غيرهما في تجربته الشعرية والرؤية التي أقامها عليها، فهو يقول: "وحين أستعرض هذا التاريخ الطويل من التاثير أجد أن (أبا تمام) و(إيديث سيتويل) هما الغالبان. وحين أراجع إنتاجي الشعري-لاسيما في مرحلته الأخيرة-أجد أثر هذين الشاعرين واضحاً. فالطريقة التي أكتب بها أغلب قصائدي الآن هي مزيج من طريقة أبي تمام وطريقة أيديث سيتويل: إدخال عنصر الثقافة والاستعانة بالأساطير والتاريخ والتضمين في كتابة الشعر".(13).
إنّ أكثر العبارات موضوعية التي يمكن قولها عن تأثير شعر المتنبي في شعر السياب هي تلك التي قالها الدكتور (إحسان عباس): "صلة السياب بالمتنبي-وهي صلة إن وجدت حقاً-ظلت سطحية، ولست أميل إلى إنكارها، ولكنني أعتقد أن التجاوب المصحوب بالتأثير لم يكن كبيراً(14).
(10)
وبعد...
فهذه تأملات أثارها ما ذهب إليه الظنّ بإمكانية أن يكون المتنبي وشعره من تأثير مشخص في تجربة السياب الشعرية. هو أمر ليس من أدلة ناصعة الإشارة إليه. ومسعى هذه التأملات لا يصادر يقيننا الراسخ في أن مسافة متسعة من الوعي والمثاقفة والانشغالات والاستجابة لمؤثرات العصر وقيمه، والنزوع الجمالي الذي تأسست عليه شاعرية المتنبي هي غيرها تماماً في المسعى الرؤيوي والجمالي الذي وضع السياب شاعريته فيه.
*الهوامش:
1-السياب، الديوان، دار العودة، بيروت 1974م، 2: 102-104.
2-المتنبي، الديوان، بشرح ناصيف اليازجي، ص 175.
3-كان أحمد شوقي قد رثى جدته هو أيضاً في إحدى قصائده، وكانت تمثلاته لقصيدة المتنبي جلية، من حيث الابتداء بالحكمة وجعل موضوعة رثاء الجدة منطلقة للفخر بنفسه، مثلما ردد فيها جوانب من الأفكار والمعاني التي قالها المتنبي قبله.(تنظر: الشوقيات، 2: 39).
4-المزيد من الاطلاع على سيرة المتنبي ينظر: الصبح المنبي عن حيثية المتنبي، ص 15، أو ما بعدها.
5-ينظر: الديوان، المقدمة بقلم: ناجي علوش، 2: 19، وما بعدها، وإحسان عباس، بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره، بيروت 1992م، ص11 وما بعدها، وعلي حداد، بدر شاكر السياب قراءة أخرى، عمان 1998م، ص7 وما بعدها.
6-ماجد السامرائي، رسائل السياب، (جمع)، بيروت 1975م، رسالة إلى خالد الشواف في 23/12/1944م، ص 35.
7-إليوت، مقالات في النقد الأدبي، ترجمة: لطيفة الزيات، ص 6.
8-فائق متي، إليوت(ضمن سلسلة نوابغ الفكر الغربي)، القاهرة 1966م، ص22.
9-محمود العبطة، بدر شاكر السياب والحركة الشعرية الجديدة في العراق، بغداد 1965، ص 88.
10-ينظر: علي حداد، بدر شاكر السياب، قراءة أخرى، ص 52، حيث وردت أ قوال السياب عن ذلك التأثير.
11-ينظر: محمود العبطة، ص9، وإحسان عباس، ص 74، السياب، بيروت 1979م، ص 36.
12-علي حداد، ص77.
13-خضر الولي، آراء في الشعر والقصة، بغداد 1956م، إجابات السياب، ص 14.
14-إحسان عباس، ص 174.
ربيع السماني الشعراني
16-11-2005, 06:37 AM
بيان
شكرا علي نقلك هذا المقال الرفيع الحاذق
أنه بالفعل مقال شديد الخصوبة وأعمل فيه صاحبه ذكاء فوق العادي في الاستنتاج
شكرا علي هذه السانحة سانحة القراءة
ربيع السماني الشعراني
16-11-2005, 06:46 AM
بيان
هل تعتقدين أن قول المتنبي
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا
فلما دهتني لم تزدني بها علما
يصدر عن شخص مصاب بالاكتئاب المرضي
أم عن شخص شديد التبصر والوعي بصروف الدهر وانقلاباته
لدرجة الادراك المفضي الي تشخيص حالة الدهر نفسه في مخيلة الشاعر
اعتقد أن شخص بهذه الرؤية الواسعة لن يزيده عسف الليالي الا مزيدا من الغوص في أعماق ذاته ليخرج ما في جوفها من صور كتلك الصورة التي تطالعنا في هذا البيت الجامع
عجب الفيا
16-11-2005, 06:30 PM
لا اجد ما اختم به ردي علي الدكتور القدال ، سوي ان اهديه ابيات من قصيدة للمتنبي ليري ان المتنبي لم يكن مريضا نفسيا وانما كان طبيبا ومحلالا نفسيا بارعا سابق لزمانه بكثير ، مدركا لاسرار النفس البشرية ادراكا يقصر عنه الكثيرون من أهل التخصصات . فهو قد سبق الطب الحديث في ادرك العلاقة بين المرض العضوي والحالة النفسية و ان بعض الامراض العضوية ما هي الا ظواهر للكدر والضغوط النفسية .
فعند مجيئه الي مصر اغدق عليه كافور العطايا والهبات ومنحه ضيعة خاصة به ، فعاش في دعة ونعيم . ولكن طموح المتنبي اكبر من ذلك بكثير فلم يقنع بمثل هذه الحياة الهينة اللينة . وذات مرة اصيب بالحمي فزاره الطبيب لتشخيص حالته وقال له ، ربما تكون قد تناولت طعاما او شرابا ملوثا . ولكن المتنبي لم يوافق الطبيب علي هذا التشخيص وعزي الامر الي حياة الكسل والخمول والقعود التي لم يعتاد جسمه عليها . يقول :
أقمت بأرض مصر فلا ورائي * تخب بي الركاب ولا أمامي
وملني الفراش وكان جنبي * يمل لقاءه في كل عام
قليل عائدي سقم فؤادي * كثير حاسدي صعب مرامي
عليل الجسم ممتنع القيام * شديد السكر من غير المدام
وزائرتي كان بها حياء * فلا تزور الا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا * فعافتها وباتت في عظامي
يضيق الجلد عن نفسي وعنها * فتوسعه بانواع السقام
اذا ما فارقتني غسلتني * كأنا عاكفان علي حرام
كأن الصبح يطردها فتجري * مدامعها بأربعة سجام
أراقب وقتها من غير شوق * مراقبة المشوق المستهام
ويصدق وعدها والصدق شر * اذا ألقاك في الكرب العظام
أبنت الدهر عندي كل بنت * فكيف وصلت انت من الزحام
يقول لي الطبيب أكلت شيئا * وداؤك في شربك والطعام
وما في طبه أني جواد * أضر بجسمه طول الجمام
تعود أن يغبر في السرايا * ويدخل من قتام في قتام
فأمسك لا يطال له فيرعي * ولا هو في العليق ولا اللجام
فان أمرض فما مرض اصطباري * وان أحمم فما حم اعتزامي
وان أسلم فما أبقي ولكن * سلمت من الحمام الي الحمام *
_____
* الحمام بالكسر : الموت . يقول ان سلمت من هذه الحمي فلن أسلم للابد فالموت اسبابه كثيرة .
عجب الفيا
17-11-2005, 03:39 AM
" .. فالمتنبي شاعر اما ان تحبه وتتحمس له ، واما ان تتركه وشانه . أحسن النقد ما كتب عن محبة لان المحبة تفتح البصيرة وتزيل الحجب التي تقوم بين ما يرمي اليه الشاعر وبين فؤاد المتلقي ."
الطيب صالح
bayan
17-11-2005, 04:27 AM
جميل يا الفيا.
قد قدمت اطروحة متكاملة..وسددت كل فتق. ما قصرتا..
اذكر انه كانت في مادة الدراسة والتحليل نقوم بتحليل النصوص تحت عناوين
مثل الذاتي والموضوعي و العبقرية والجنون الخ الخ..
فقمنا بتحليل مسرحية استربنج لا اذكر اسمها الان ربما الام او الكابتن. فأذكر عكفنا على حياة الكاتب
ولم نترك فيها شاردة او واردة.. و على ضؤها حللنا المسرحية.
الان بعد ان شرقت وغربت عرفت انه ليست من العدل ان نحلل اى نص ادبي على حياة الكاتب
لاننا لن نكون عادلين للنص او للكاتب
كما لا اقلل من مكانة معرفة الكاتب قبل قراءة اعماله بقصد دراستها لأن ما يرد قد يكون فيه اشارات لعصره
اى يمكن ان نستخدم الحياة في كشف النص.. وتفسيره
ولكن ليست حذو النعل بالنعل. ا
وحديثى هذا لا دخل له بموت المؤلف وترهات ما بعد الحداثة..اذ انني اعتقد انها "كراب" لاغير.
عبدالباقي عبدالحفيظ الريح
17-11-2005, 02:31 PM
الحديث عن المتنبي متشعب وذوشجون
إن المتنبي شاعر العرب الملهَم..عاش حياة فيها من التنقل و الترحال أكثره.. صور فيها حزنه, ألمه و اغترابه من البطالة التي فرضت عليه والإعتقال التحفظي و الإقامة الجبرية التي نفذت عليه في دولة كافور وما أحاطه من الكوارث والمحن في دولة أتاها حائرآ هائمآ مستجيرآ بعد هروبه من بلاط سيف الدولة ولقي من العنت والمشقة أعظمها فأتي بشعر لم يقصد به مدح أوهجاء, و إنما قصد به الغناء وحده.
فهو ذلك الفارس الذي هاجر في البلاد والمدن ناصرآ للضعفاء و المظلومين, كان طائرآ يعشق الحرية محلقآ ومنتشيآ في مساحة شاسعة في الفضاء مغردآ بشعره في هواء طلق فإذا هو الآن سجين في زنزانة ضيقة.
كان المتنبي مرحآ وكريمآ حياته القصيرة كلها في العدو و الغزو, و لذته كلها في المرح و النشاط.
هذا هو المتنبي عند قدومه إلي كافور, يغدو إلي كافور ويروح إلي داره في تلك الإقامة الجبرية وما تعود المتنبي هذه الحياة الهادئة الخاملة الخانعة و قد أملَّ علي كافور و ألحَّ عليه في إطلاق سراحه حتي أصيب بحزن عميق. و قد كان شعره متينآ ومؤذيآ عندما أهينت كرامته في مصر ونقض العهد من قبل الحاكم الإخشيدي.
إن نفس المتنبي كانت من الحدة والرقة وسلامة الوجدان بحيث يؤذيها أقل شئ ويثيرها أهون أمر. وقد نفّث الشاعر عن هذه الذهنية في مدحه وكذلك في هجائه لكافور الذي أتاه مستجيرآ شاكيآ فإنقلب عليه الحاكم فأصبح المتنبي محل سخرية و شماتة من قَِبل الذين تحداهم في حلب وتركهم حانقآ عليهم وبدأوا ينسجون له الأخبار الكاذبة من عند أنفسهم ويتندرون بها في المجالس.
إن المتنبي صادق في وصف نفسه ولم تحفظ دواوينه لنا كثيرآ من الشعر الذي خصّ به نفسه, ولكن ما بقي منه يدهش القارئ.فقد كان ملهم نفسه ويسري لسانه ويسطر قلمه في غير كلفة أومشقة.
إقرأ هذه الأبيات لتري كيف خاب ظنه في الأصدقاء وطعناتهم الغادرة التي لم ينفكَّ منها
ولما صار ودّ الناس خبآ **جزيت علي ابتسامٍ بابتسامِ
وصرت أشكّ فيمن أصطفيه** لعلمي أنه بعض الأنامِ
يحب العاقلون علي التصافي** وحب الجاهلين علي الوسام
و آنفُ من أخي لأبي وأمي** إذا لم أجده من الكرامِ
هذه الأبيات تنفي تمامآ تهمة العنصرية للمتنبي حتي أنه يحمل علي أخيه من أمه و أبيه إن لم يجده من الكرام.
ِكان المتنبي يصطنع النفاق و المحاباة من شدة بغضه لهما لأنه عرف الناس و إعترف بأن الجماعة أقوي من الفرد و بأن الحوادث أقوي من الإنسان وبأن الحياة أعظم قوة من الأحياء.
إقرأ معي كيف يصف سجنه في مصر..
أقمت بأرض مصر فلا ورائي** تخب به الركان و لا أمامي
وسلّني الفِراش وكان جنبي**يمل لقاءه في كل عام
قليل عائدي سقَمٌ فؤادي** كثير حاسدي صعبٌ مرامي
كان المتنبي يصبر علي المحن التي أرهقته كثيرآ حيث تنتهي به إلي اليأس القاتم..
فإن أمرض فما مرضي إصطباري** و إن أُحْمَمْ فما حُمَّ إعتزامي
وإن أسلم فما أبقي ولكن** سلمت من الحمام إلي الحِمام
تمتَّع من سهادٍ أورقادِ** ولا تأمل كرَي تحت الرجامِ
فإن لثالث الحالَين معني** سوي معني إنتباهك و المنام
وهوفي الأبيات السابقة يبلغ قمة العطاء لفلسفة الحياة وينهض من يأسه وسجنه ومرضه وما يحيط به من الأحداث الجسام من الغدر والخيانة و السهام التي أصابته في ظل الحكم الكافوري, متفردآ في التفكير في طبيعة الكون وهومنكرآ للبعث جاحدآ للحياة الثانية.
كما يثبت المتنبي في شعره بأن الناس مهما تختلف حظوظهم من اللذات يتركون الحياة بائسين ,يائسين مقهورين. فالأصل في الزمان الشر.. تبدأ به حياة الناس وتختَمْ وقد يشيع فيها بعض الخير ولكنه منتهي بها دائمآ إلي الشر..وهي فلفسة واقعية ذكية تُعْرَف في عالم اليوم بنظرية المؤامرة, والتي نتاجها الآن حكم العالم في شتي ضروب الحياة. ولم تسلم حتي منظماته الإنسانية الحديثة منها.. و ليس الناس خيرآ من الزمان و لكنهم شركاؤه في الشر و أنصاره علي السوء...
وكأنا لم يرضَ فينا بريبِ الدهر**حتي أعانه من أعانا
كل ما أنبت الزمان قناةً** ركّب المرء في القناة سناما
ومراد النفوس أصغر من أن** تتعادي فيه وأن تتفاني
فإن الزمان كله شر و الناس أعوان له في هذا الشر..فالمتنبي يريد للإنسان أن يكون حكيمآ كريما وهو أن يكون شجاعآ إبتداءآ, وألا يذعن للذل ولا يستسلم للهوان..و أقصي ما ينتهي أمر الإنسان إليه حينما يأبي الذل ويتفنن في إزاحة الضيم ويثور علي الظالمين إنما هوالموت وهوواقعٌ لامحالة علي الغني والفقير, الشجاع و الجبان, الثائر و المستكين.لذلك فلامعني للخوف منه ليشحذوا الهمم بقيم سامية بأن إحتمال الضيم عجزٌ, والإذعان للهوان جبن, و السكوت عن الحق خسة ونزالة.
و قد يخشي الناس ذكر الموت لأنهم يقدرون أنه قاسي, و بقليل من التروي فكل ما نراه صعبآ و قاسيآ قبل وقوعه نراه سهلآ عند وقوعه..وإذن ليس للكريم بدٌ إلا الإقدام, ونري ذلك واضحآ جليآ في هذه الأبيات...
غير أن الفتي يلاقي المنايا** كالحاتٍ ولايلاقي الهوانا
ولو أن الحياة تبقي لحيٍ ** لعدَدْنا أضلَّنا الشجعانا
وإذا لم يكن من الموت بدٌ** فمن العجزِ أن تكون جبانا
كل ما لم يكن من الصعب في الأنفسِ** سهل فيها إذا هو كانا
وقد أنشد الأبيات السابقة حين دب به اليأس من كافور وحين تأكد له إنه أسير هذا الحاكم الظالم, ونحن نعلم بأن الشاعر إستأذن كافورآ في الذهاب إلي الرملة ليقضي مالآ كتب له به,فلم يأذَن له الأمير و أقسم عليه بألا يرحل وتكلف بأن يقضي له ماله.ومن ذلك الوقت تأكد للمتنبي إنه سجين كافور , ولم ييأس عن التفكير في الإفلات من هذا السجن, وأحسب أن المتنبي من الأوائل في العالم الذين طُبّقت عليهم إجراءات الإقامة الجبرية, فهوذلك الشاعر الملهم الفنان عاشق الحرية وفضائها الواسع.فالشاعر بائس سجين حزين في مصر,وهو واقع بين شقَّي الرحي, حرمان في مصر وشماتة في حلب.. ولا أعرف شيئآ يؤلم و يؤذي مثل هذه الفعلة التي يُخدَع بها الشامتين به .وإن كان فيما بينه وبين نفسه لا ينخدع . و لا يأمل ولاينتظر شيئآ وهو إدعاءٌ واضح في هذه الأبيات..
وإن تأخر عني بعض موعده** فما تأخر آمالي ولم تهنِ
ٍهو الوفيُّ و لكني ذكرت له** مودة فهو يبلوها ويمتحنُ
وأحسب للقارئ أن يقرأ هذه القصيدة فهي أرقي و أعظم شعر المتنبي و أبقاه و اخلده.
نخلص في أن المتنبي بعيد جدآ عن تهمة العنصرية, فقد أنفق شبابه الأول ثائرآ علي النظم الإجتماعية, تلك النظم التي تقوم علي الجوروالظلم و الطغيان, مؤمنآ بالمساواة بين الناس جميعآ لذلك كان عصيآ عليه أن يعيب رجلآ بسواد الجلد, أو أن يعيبه بهذا النظام الذي كان ينكره و يثور به, والذي طكان يقسم الناس إلي السادة والعبيد, الأحرار و الأرقاء, الأغنياء و البؤساء, و إنما أذي كافور بشعره حينما تأكد له أن سلوكه وخصاله وأفعاله سوداء مثل جلده. بالإضافة إلي أن المتنبي في قصته مع كافور هذا كان صغيرآ حقآ, صغير حين مدح, وصغير حين هجا, وصغير حين رضي, وصغير حين غضب, وصغره هذا لم يمنعه من الإجادة في المدح و الهجاء علي حد ٍ سواء.
تمسك بالحقوق المدنية في وقت غابرو أحسب إن ما إدعاه الأخ المحترم عمك تنقو في مداخلته القصيرة الذكية هو عين الصواب و أصاب كبد الحقيقة. وقد يكون المتنبي أحد دعاة حقوق الإنسان الحقيقيين في هذا الزمن الردئ.
ومن لم يرض الظلم و الغبن لنفسه لا يرضاه لغيره. هكذا كان هذا الذي ملأ الدنيا بروائعه الأدبية.
إن الدراسة الفاحصة والرصينة للأخ المحترم عجب الفيا و المداخلة القيمة للأخت بيان, وهي كما أظن إسم علي مسمي, عن هذا الشاعر العظيم أعطتني شعورآ زاهيآ و جميلآ في أن هذا الشر له ألسنة تسكته, حتي لا يعم الطغيان رموزنا في شتي مناحي الحياة.
واختم مداخلتي هذه بأبيات يصف فيها المتنبي علة مرضه الصحيحة, وهي هذه البطالة التي فرضت عليه و الحزن الذي ألمَّ به من معاملة هذا الخصيُّ له, وعزوف أصحابه عنه. ألم يقل التراث إن الإنسان طبيب نفسه؟
يقول لي الطبيب أكلت شيئآ**وداؤك في شرابك و الطعامِ
ومافي طِبِّه أني جوادٌ*** أضر بجسمه طول الجمام
تعود أن يغبِّر في السرايا** ويدخل من قتامٍ في قتامِ
فأمسك لايُطال له فيرعي** ولاهوفي العليقِ ولا اللجام
وهذا يسير من حياة هذا الشاعر العملاق, الذي نصر الضعفاء و أتحف اللغة العربية بروائع خالدات, كانت نبراسآ لو أخذت بها هذه الأمة المنحطَّة لكن لها الآن شأن آخر.
كما إنني في غمرة هذا الحماس الدافق لإنصاف هذا الشاعر لابد أن أسأل الأخ المحترم دكتور القدَّال سؤالآ بسيطآ وعفويآ..
هل يجوزللطبيب أيآ كان أن يقوم بتشخيص حالة المريض دون أن يراه إبتداءآ؟؟
و قد تعلم المتنبيِ في حياته كيف يطيل التفكير في الحوادث والخطوب دون أن تشغله الثورة عن التعمق والإستقصاء و إنتهي إلي الإستهزاء بالحوادث والمحن وبالذين يسلطون عليه هذه الأحداثويوقعون به هذه المحن فنبغ في الهجاء و إستطاع أن يرقي به من السخف والإقذاع ألي جعله أمثالآسائرة و عبر وحكم تنفع الناس وتتداولها الألسن.
وأخيرآمات هو و إبنه بطنعات من فاتكا الأسدي خال ضبة القرمطي الذي هجاه المتنبي في الكوفة قبل رحيله إلي إبن العميد.
وهكذا ذهب المتنبي ضحية للسانه وتلقي الموت ثمنآ لهذه القصيدة البائية التي هجا بها ضبة في الكوفة علي كره منه..
هكذا مات هذا الشاعر الفذ وحيدآ متوسدآ إبنه عند مماته وقد ملأ الدنيا وشغل الناس حتي الأطباء منهم.
المصادر
المجموعة الكاملة لمؤلفات دكتور طه حسين في الأدب والنقد
الديوان الأول والثاني للمتنبي
شعراء ظلمهم التاريخ....دكتور حسين مروة
عبدالله الشقليني
17-11-2005, 05:51 PM
الأستاذة حنينة
تحية لك ،
وأنتِ تقدمين طبقاً جديداً على صفيح ساخن .
نشكر الدكتور الفاضل وجميع المتداخلين فقد كانت المداخلات
تفتح الشهية للقراءة وتتبع الحالات الوجدانية للمبدعين عامة .
لست في موضع الرد أو المداخلة والإضافة ،
ولكنني أجد في معظم أصحاب الإبداع اضطراب وجداني ،
وتلك سمة عامة ، ولولا التوق للإنفلات والخروج عن المألوف
لما شهدنا إلا الكتابة المتواضعة ، والرسم المتواضع والشعر المتواضع
والموسيقى المتواضعة .
إن التخفي في زحام القطيع لن يخرج مبدعاً أبدا .
نعود في وقت لاحق لنص الدكتور بالتشريح ، بعد أن أستعيد بعض
نفسي ، ولكنني أحس بأن وراء عملاق الشعر العربي الكثير الذي يحتاج
الدراسة المتأنية بمناهج تحتاج كثير من الصبر والمعرفة بحياة الشاعر ،
وحياة مجتمعه ، والطفرات اللغوية التي يصنعها الشاعر والتي قد تكون
نتاج ملكة الخروج عن المألوف أكثر مما تكون حُكماً على الشاعر .
التجريب والتفرد من سمات الإبداع ، وللمتمكن ربما تكون مهارة وصناعة ،
أكثر مما تكون حكماً على حالته الوجدانية .....
للجميع هنا مداخلات تستحق الإشادة ،
فمن اختلف فهو يختلف بتأسيس ، وتلك محمدة ،
ومتعة لنا لا تُضاهيها مُتَع .
شكراً لكم جميعاً
عجب الفيا
17-11-2005, 06:34 PM
لست في موضع الرد أو المداخلة والإضافة ،
ولكنني أجد في معظم أصحاب الإبداع اضطراب وجداني ،
وتلك سمة عامة ، ولولا التوق للإنفلات والخروج عن المألوف
لما شهدنا إلا الكتابة المتواضعة ، والرسم المتواضع والشعر المتواضع
والموسيقى المتواضعة .
الاضطراب الوجداني استاذ عبدالله ، تعبير انشائي عام وهو سمة ملازمة للتكوين البيلوجي والسيكولوجي للانسان من حيث هو انسان . فالحب اضطراب وجداني والغضب والكراهية والحزن كل ذلك اضطراب والابداع الفني اضطراب وجداني ،ولكن مصدر الخلاف مع الدكتور القدال انه يريد ان يجعل من هذا الاضطراب الوجداني مرض نفسي . وقد رددنا عليه انه بذلك لا يحكم علي المتنبي بل علي كل انسان من حيث انه انسان بالمرض النفسي .
والشيء المهم ان الدكتور الفاضل لم يكتف بالقول ان المتنبي مضطرب وجدانيا بل شخص حالته بالهوس والاكتئاب المرضي !
ولكن الامثلة التي اوردها للتدليل علي هذا الهوس والاكتئاب المرضي لا تخرج عن الحالات الوجدانية العادية التي تعتري الانسان في حياته اليومية . لقد جعل الدكتور عدم النوم والهم علامة من علامات الهوس المرضي عند المتنبي !! فهل ارق الطالب وعدم مقدرته علي النوم بسبب هم الامتحان هوس مرضي ؟!!
مسالة حساسية المبدع لا خلاف عليها ولكن ما بالك بمن يريد ان يتخذ من هذه الحقيقة التي هي اوضح من الشمس مطية لدمغ كل من لا يتجاوب مع ابدعه بالمرض النفسي ؟!!
bayan
18-11-2005, 04:13 AM
ولكنني أجد في معظم أصحاب الإبداع اضطراب وجداني
التحية للاديب الشقليني.
انا لا ارى انها اضطرابات وجدانية كما اسلف الاخ العزيز الفيا.
الفنان انسان غير عادي وحساس . اذكر انه في نقاش العبقرية ودخلها بالجنون
في مادة الدارسة والتحليل كان هنا رأي يذهب ان العبقرية لا دخل لها بالجنون.
فاذا عددنا الكتاب المجانين او ذوي الامراض النفسية لوجدناهم قلة.
فاذا حسبناهم ضمن البشر عموما فسنجد انا هناك الاف المجانين غير المبدعين
ولذلك يرى هذا الرأي انه ليست هناك اى علاقة بين الجنون و العبقرية.
ولكن وجود هؤلاء العباقرة المجانين يدل على ان الجنون لا يؤثر على الامكانات الذهنية و الموهبة.
والدليل هذا الانتاج المؤثر لكتاب مختلي العقل.او رسامين
اذكر ان احدهم قال ان فان جوخ لوحاته باشجارها الحمراء تدل على جنونه.
ولكن رغم الوان فان جوخ الغريبة الا انها لم تمنع ان يكون واحد من اعظم الرسامين في العالم.
انا اعترف ان هناك غرابة وخروج عن المالوف للفنانين ولكن لا يمكن ان نوصله الى اضطرابات وجدانية.
ولكن هذه الحساسية الزائدة التى تجدها اكثر عند الشعراء و الموسيقين.من بقية المبدعين.
الخيال ليشحذ يحتاج للخروج من ربقة المالوف.
وتحياتي لكم جميعا
bayan
18-11-2005, 04:27 AM
QUOTE=ربيع السماني الشعراني]بيان
هل تعتقدين أن قول المتنبي
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا
فلما دهتني لم تزدني بها علما
يصدر عن شخص مصاب بالاكتئاب المرضي
أم عن شخص شديد التبصر والوعي بصروف الدهر وانقلاباته
لدرجة الادراك المفضي الي تشخيص حالة الدهر نفسه في مخيلة الشاعر
اعتقد أن شخص بهذه الرؤية الواسعة لن يزيده عسف الليالي الا مزيدا من الغوص في أعماق ذاته ليخرج ما في جوفها من صور كتلك الصورة التي تطالعنا في هذا البيت الجامع[/QUOTE]
العزيز ربيع
لا اعتقد ابدا ان المتنبيئ مصاب باكتئاب على الاطلاق.
فشعره عالي الغنائية.
الشخص المكتئب مستسلم لما به و المتنبئ مقاتل عظيم.
دائما يحول ان يبين نفسه ويشرحها
فالمكتئب عازف عن الدنيا تستوى عنده الحياة والموت و المتنبئ يحب الحياة.
والاكتئاب اصلا يجعل الشخص سوداويا والمتنبئ فى قمة احباطه
كان واثقا من نفسه متحدثا عنها بفخر وزهو ممجدا موهبته ذى ما بيقولو عارف نفسو
ورافعها في السماء.
ربما يبدو نزقا في شخصيته ولكن هذا ليست بمرض نفسي. وربما يبدو نرجسيا
فاليكن نرجسيا فوق عديله كما يقولون.
لان اكثر عبارة احزنتني في تعريفه للمرض حين قال الدكتور
ومن علامات هذه الحالة الشعور بالزهو والاحساس بالعظمة غير المؤسس
ومن ثم يا عزيزي لا ارى اى ملمح للأكتئاب عند المتنبئ.
اعتقد أن شخص بهذه الرؤية الواسعة لن يزيده عسف الليالي الا مزيدا من الغوص في أعماق ذاته ليخرج ما في جوفها من صور كتلك الصورة التي تطالعنا في هذا البيت الجامع
ودا اجمل كلام
ممكن يتقال
يديك العافية
ومودتي
bayan
18-11-2005, 04:35 AM
الاخ عبد الباقي
سلام
ابنت واوفيت وكفيت كما يقولون. ما اقسي معيار نقد الحزاء الصيني الذي يمارسه البعض..ففي نقد من يقولون بعنصريته او
جنونه كما هو حادث الان اجحاف كبير له. ويكفيه شرفا انه ينام عن شوارده نومة الابدية ونحن هنا نختصم فيه.
ما كتبته جميل جدا مفيد..
مودتي واحترامي
عجب الفيا
18-11-2005, 06:17 AM
شكرا بيان وانت كمان ما قصرت
والشكر للاخ عبد الباقي
لي حديث عن التحليل النفسي في الادب سوف انزله بعد قليل
لكن صورتك شرط يا بيان !!!!!!
عجب الفيا
18-11-2005, 06:36 AM
انا لا ارى انها اضطرابات وجدانية كما اسلف الاخ العزيز الفيا.
الاخت بيان تعبير الاضطراب الوجداني ليس من عندي وقد جاريت الدكتور في هذا التعبير لاثبت ان ما يسميه اضطراب وجداني ما هو الا التقلبات العادية التي تعتري الانسان في حياته كانسان مثل الحزن والهم واضطرابات النوم والكراهية والغيرة والعشق والوله الخ ...
وعلي اي حال انا ازعم ان تعبير الاضطراب الوجداني تعبير انشائي ليس الا .
واتفق معك تماما في بقية ما ورد .
bayan
18-11-2005, 07:01 AM
الاخت بيان تعبير الاضطراب الوجداني ليس من عندي وقد جاريت الدكتور في هذا التعبير لاثبت ان ما يسميه اضطراب وجداني ما هو الا التقلبات العادية التي تعتري الانسان في حياته كانسان مثل الحزن والهم واضطرابات النوم والكراهية والغيرة والعشق والوله الخ ...
وعلي اي حال انا ازعم ان تعبير الاضطراب الوجداني تعبير انشائي ليس الا .
واتفق معك تماما في بقية ما ورد .
العزيز الفيا
انا اقصد انني اتفق معك في رأي انها ليست اضطرابات وجدانية
فقط خانني التعبير فلك العتبي حتى ترضى
بكدا نكون متفقين 100% بخطل رأي ما ورد في حق المتنبي
bayan
18-11-2005, 07:07 AM
شكرا بيان وانت كمان ما قصرت
والشكر للاخ عبد الباقي
لي حديث عن التحليل النفسي في الادب سوف انزله بعد قليل
لكن صورتك شرط يا بيان !!!!!!
أخيرا زول لاحظ للصورة
دي صورة الحاجة منزلاها تكريما لها وكمان من قبيل كان عايز تشوف فاطنة في التكل شوف موحمد في السوق :p
بس اوعى من قصة البطن بطرانة.. :) :D
اتمنى تنزل الموضوع. لانه جد تقاطع العلوم في الادب يحتاج لكثير من الكتابات.
والنقاشات..
فترة من الزمن اهتميت جدا بهذا الموضوع.
وتحول الاهتمام الى مؤخرا الى استلهام التراث في الادب.
الذي سانزل مقال عنه كنت قد نشرته من قبل وغيب في غيابة الارشيف
تحياتى واحترامي
عجب الفيا
18-11-2005, 06:38 PM
أخيرا زول لاحظ للصورة
دي صورة الحاجة منزلاها تكريما لها وكمان من قبيل كان عايز تشوف فاطنة في التكل شوف موحمد في السوق :p
بس اوعى من قصة البطن بطرانة.. :) :D
ربنا يدي الحاجة العافية ويخليها ليك .
لكن امحمد مرات بدقس ها ها ها
خالد الحاج
18-11-2005, 06:43 PM
شكرآ ليكم
هذا بوست رائع والله
اليوم فقط وجدت فرصة للإطلاع عليه (بي مهلة)
وتحية خاصة لمنعم وبيان وعبد الباقي
محمد أحمد
19-11-2005, 07:31 AM
الوساطة بين دكتور " القدّال " وخصومه حول إصابة المتنبي بالإضطراب الوجداني ثنائي القطب !!
نُزجي الشكر ، بدايةً للأخت " حنينة " ، على نَـشْـرها هذا المقال لدكتور " القدّال " ولتعريفنا بمجلّة الحكمة التى يصدرها بعض الأطباء السودانيين بالمملكة المتحدة وايرلندا ؛ مُتمنِّين الارتقاء والتطوّر فالانتشار لهذا العمل التنويري الضروري . وعظيم التقدير للأخوات والإخوة عن هذه المداخلات الثّرّة التي أضافتْ الكثير للفكرة مثار الموضوع مِن خلال سَعْيِـها الدّؤوب ، في أغلبها ، الى دحض التُّهمة باحتمالية معاناة المتنبي من مرض " الإضطراب الوجداني ثنائي القطب " . وفي اعتقادي، أنّ هذه المداخلات ، وبما يتوفّر لِـكاتبيها من امتلاكٍ لأدوات النقد الأدبي ومعرفة بمدارسه المتنوِّعة ، قد نجحتْ في مسعاها نجاحاً يكاد يَذهبُ بِــرِيــحْ المقال ! ويسدّ الطريق أمام أيّ قراءة مستقبلية لِـشعر المتنبي إذا ما تمحورت هذه القراءة حول احتمالية الصِّحَّة النفسية " لأبي الطيِّب المتنبي " من خلال إبداعه الشِّعري المتنوِّع ؛ والحال ، أنّ التحليل النفساني قد كان ، ومايزال، واحدٌ من الرّوافد العلمية والإنسانية المؤثِّرة في خَـلْق إتّجاه نقديِّ معروف ينحو في دراسته للآثار الأدبية الى الولوج لدواخل المبدع وخَـفيَّات بواطنه لاستكناه مـا يتشكـَّل في " لاوعيــه " ، ومِن ثَمْ ، استنطاق مدلولات هذا الإبداع الفنِّي المُنْبَعِثْ من العُقد والمركّبات التى تضطّرم في الزوايا المبهمة من " ذات المبدع " كمجازاتٍ مُمكِنة التأويل أو مُسْتـَــلهماتٍ قابلة للتمثيل .
إنّ الأثر الجمالي الكبير لإبداع المتنبي لدى المُتَـلقِّي قديماً وحديثاً ،غيرُ مُدَافَع ؛ وقد ذهب القدماء في وصفهم للمتنبي بأنّه " خاتَم الشُّعراء " ، " مجدودٌ في شِعرِه " وقال عنه ابن رشيق القيرواني " وجاء المتنبي فملأ الدنيا وشَغـَـل النّاس " . كما توفَّر على شرح ديوانه كبار الأدباء والنقّاد والعلماء بما لم يتوفّر لغيره من نوابغ الشعر العربي جاهلياً أو خضرمةً ! أو مُـعاصرين ؛ فقد اهتمّ لأمر المتنبي ، ابن جنّي والواحدي والعكبري والمعرِّي وابن الشجري والثعالبي وابن خلِّكان والبديعي والجرجاني وكثيرون غيرهم ، وطبّقت شهرة المتنبي الآفاق ، ووثَـقَ أغلب الناس في علوِّ كعبه الإبداعي و قيمة آثاره الشعرية التى اضحت تجري على كلّ لسان . وعلى الرّغم من ذلك، فقد وجد البعضُ مطعناً في تجربته الجمالية ! . إذن فليس من المُستغرب ، أن تخرج للعلن بين حينٍ وآخر ، رؤىً مغايرة لما ارتآه محبُّو المتنبي ؛ ولَـعَــمري، ففي هذا إثراءٌ لهذه التجربة الإنسانية الإبداعية المتالّقة على مَـرِّ الزمان ، فضلاً عن لفت أنظار المُهتمِّين بالتحليل النفسي باتِّجاه نبع المتنبي الزّاخر بالحكمة وبالتاريخ والإجتماع وأدواء النفس والمطامح الشخصية التى تركض بدواخل النّاس في غالبهم ..
عند مُطالعتي لعنوان المقال ، بدا لي انّ خُطّة الكاتب د. القدّال سـتنتهجُ ، لا محالة ، وِجهة النّظر الطِّبِّية تعريفاً بِــ " حالة الإضطراب الوجداني ثنائي القُطب " تعريفاً جامعاً مانعاً يفيد مستمسكات القارئ العادي حول مُسـَـبِّبات هذه الحالة المرضية وأعراضها ودرجة تميُّزها عن سواها من العلل النفسية المشابهة ؟ وكذلك، درجة خطورتها وانعكاساتها على حياة وإبداع المُصاب ؟ وحِدّة تأثيرها على السيرورة الإبداعية للمُصاب ؟ ومُمْكِنات شفائها وقابليّة رَجـْـعَـتها بتوافر بعض الظروف المحيطة ؟ ومدى إمكانية تشخيص الحالة من خلال الآثار الإبداعية دون إخضاع المريض لأريكة الطبيب ؟ .. وذلك ، حتى يستطيع القارئ أن يتبيَّن مدى صِدقية الأدلّة التى استند عليها الدكتور في محاولته اثبات معاناة " ابي الطيّب " من الإضطراب الوجداني .. وبلا شك، فقد سـَــعى د. القدّال في إيراد رؤاه من خلال زاوية نظر طبِّية ، غير أنّه ، في تقديري ، اكتفى بالإيجاز محلّ الإطناب ، وأسهبَ كثيراً في مواقع الإيجاز ! ممّا صعَّب من مُهمِّة القارئ في فهم " توصيف المرض " وبالتالي صعوبة التسليم بما ارتآه الدكتور من دلائل ! خصوصاً وأنّ الدكتور قد أعمل في ايراده " خبر التنبوء " وشــرْح الأبيات القليلة ! زاوية النّظر الأدبية البحتة ! التى أكّدتْ له – منفرداً - حالة الهوس لدى المتنبي ، وإحساسه بالعظمة ! ، كما أوعزتْ إليه تلك النظرة الرّكون إلى تفسير توقّف أبوالطيب عن نظم الشعر لدواعي الإكتئاب !وليس لأيِّ سببٍ آخر ! ؛ وكل هاتِه النتائج ، لم تجد لها موافقاً في المداخلات أعلاه .. وعلى أيٍّ ، يبقى للدكتور فَضْلٌ الإبتدار ومَيْزة الإفتكار .
قرأتُ ، بإعجابٍ شديد ، مُداخلات الأخ الصديق / عبدالمنعم الفيّـا ، والتى دحَضتْ تماماً آراء د. القدّال في محاولته إثبات معاناة المتنبي من عِلّة " الإضطراب الوجداني " ؛ وقد بدا لي ، اثناء القراءة الممتعة لما خَطـَّه قلمُ الفيّــا ، أنّه لم يَـكْــتَــفِ بانتهاجه " النقد عن محبة " فقط ! بحسب وصاة شيخنا واستاذنا الطيب صالح [ فالمتنبي شاعر اما ان تحبه وتتحمس له ، واما ان تتركه وشانه . أحسن النقد ما كتب عن محبة لان المحبة تفتح البصيرة وتزيل الحجب التي تقوم بين ما يرمي اليه الشاعر وبين فؤاد المتلقي] ، بل كان أقربَ إلى " الوَلَـهْ " منه إلى الإقتصار على المحبّة !! في نَقـْدِه للشّاعر ، أو بالأحرى ، في دِفاعِه القويِّ عن سلامة المتنبي وخُلوِّه من آفات النّفس ، مع أنّ المؤمن مُصاب ! ؛ وإن صحّ ، اعتقادي هذا ، ، فلا مناص من رَفْع راية التحذير : ألا فَلْيــحذر النُّقـّــاد من الوقوع في براثن جماليات هذا السـّاحر " المتنبي " عبقريُّ الشّعر العربي ، فَتـَـخفَى عنهم بعضُ مكنونات فَنـِّه ويميلون كلّ المَيْل !! ..
ختاماً ، أودُّ ان أشير الى انّ مُداخلتي هذي إنّما هيَ " وِساطة " بين مُحبِّي المتنبي و " غير مُحبِّيه ! " ، استلهمتُ فِكرتها واقتبستُ عنوانها من كتاب القاضي عليُّ بن عبدالعزيز الجرجاني ، مؤلِّف [الوِساطة بين المتنبي وخصــومه ] .. أتّامَّلُ فيها ألآ يتردّد الناس في إيراد ما يرون حول التجربة الجمالية للمتنبي سلباً أو إيجاباً ، ففي هذا مِظَنـّة تنوير ، ومدارُ تثوير للأفكار الإنسانية المتباينة التى تنفسّها هذا المبدع العبقري ، وصاغها في بيانٍ جلي وشعرٍ طَلي فَــســَـــهِــر الخلقُ ، جرّاءها ! ، وما يزالون يختصمون ..
مع جميل التحايا ،،،/
خالد الحاج
19-11-2005, 09:45 AM
الوساطة بين دكتور " القدّال " وخصومه حول إصابة المتنبي بالإضطراب الوجداني ثنائي القطب !!
قرأتُ ، بإعجابٍ شديد ، مُداخلات الأخ الصديق / عبدالمنعم الفيّـا ، والتى دحَضتْ تماماً آراء د. القدّال في محاولته إثبات معاناة المتنبي من عِلّة " الإضطراب الوجداني " ؛ وقد بدا لي ، اثناء القراءة الممتعة لما خَطـَّه قلمُ الفيّــا ، أنّه لم يَـكْــتَــفِ بانتهاجه " النقد عن محبة " فقط ! بحسب وصاة شيخنا واستاذنا الطيب صالح [ فالمتنبي شاعر اما ان تحبه وتتحمس له ، واما ان تتركه وشانه . أحسن النقد ما كتب عن محبة لان المحبة تفتح البصيرة وتزيل الحجب التي تقوم بين ما يرمي اليه الشاعر وبين فؤاد المتلقي] ، بل كان أقربَ إلى " الوَلَـهْ " منه إلى الإقتصار على المحبّة !! في نَقـْدِه للشّاعر ، أو بالأحرى ، في دِفاعِه القويِّ عن سلامة المتنبي وخُلوِّه من آفات النّفس ، مع أنّ المؤمن مُصاب ! ؛ وإن صحّ ، اعتقادي هذا ، ، فلا مناص من رَفْع راية التحذير : ألا فَلْيــحذر النُّقـّــاد من الوقوع في براثن جماليات هذا السـّاحر " المتنبي " عبقريُّ الشّعر العربي ، فَتـَـخفَى عنهم بعضُ مكنونات فَنـِّه ويميلون كلّ المَيْل !! ..
مع جميل التحايا ،،،/
أخي محمد أحمد كان البوست ينقصه مشاركتك هذه ليصير بوستآ للموسم ، تعجبني كتاباتك "الرايقة" الملمة.
يخيل لي والله أعلم أن دكتور القدال ما كان يتخيل أن مقالته ستجد هذا الإهتمام والإطلاع فمجلة الحكمة من ناحية محدودة التوزيع وتخاطب الإخوة الأطباء في المملكة المتحدة . فلو كان يعلم أنها ستنشر علي نطاق أوسع ربما وأقول ربما فأنا لا أريد الحديث علي لسانه ربما أعطاها وقت أكبر وبحث فالرجل إقتطع من وقته ليكتب مشاركة ولم يري الإمعان في تشخيص الحالة وإكتفي ببعض (الخطوط العريضة ) بحكم أنه يخاطب فئة تعلم ما يشير إليه من مصطلحات. ولست أدري هل من حسن حظه أم من سوءه أن وقع في يد منعم وبيان وعبد الباقي.
أرجع لمداخلتك أخي محمد والحديث عن أبي الطيب وسيدنا الصالح الطيب صالح وأضيف مشاركة تتحدث عن النقد بمحبة ولا أظن الطيب صالح نفسه قد نجي من الوقوع في براثن الإمعان في المحبة فصارت عينه كليلة عن العيوب.
يقول طيبنا الصالح والحديث عن أبي الطيب:
( وكأنما هو شاعر لما بعد سن الأربعين. أحفظ شعره إن صح ذلك وقت الفتوة، وعرام الشباب. إنما الفهم فهذا يجيء مع مرور الأيام ، كل عام يمر يفتح لك أفاقآ جديدة ويكشف لك عن معان خفيت عليك اللهم إلا لدي قلة من النوابغ أمثال أستاذينا محمود محمد شاكر وعبد الله الطيب المجذوب وهذان وأضرابهم شيئ آخر.
ومن عجائب هذا الشاعر أنه ما يزال بك حتي يريك في حياتك أنت، عمق ما يقول. كم مرة في هذه الأونة الأخيرة وقفت أتمثل قول أبي الطيب :
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ** لها المنايا إلي أرواحنا سبلا
ثم أعود فأستحضر قوله :
لا تجزعن لأمر شق منظره ** فإنما خطوات العيش كالحلم
بلي هو سيد الشعراء كما وصفه أحد أمراء الشعر في هذا العصر نزار قباني وهو عندي "الأستاذ" لأنه وصل بالشعر إلي حيث لا مبتغي بعده. حلب در البيان ودفع بالمعاني إلي أقصي غايات إحتمالها. وما أكثر ما حملها فوق طاقتها. نذر نفسه بالكلية لهيكل الفن فمات شهيدآ علي أعتابه وقد ورثنا همآ كونيآ قل نظيره في شعر الإنسانية وأكاد أقول لا نظير له.
قد يطربك امرؤ القيس أو عنترة أو زهير ، قد يعجبك جرير أو عمر بن أبي ربيعة أو ذو الرمة. قد يغويك بشار والحسن بن هانئ وأبوتمام. ثم تدخل عالم ابي الطيب فإذا هو ينسيك هؤلاء كلهم وإذا صوته يطغي علي كل أصواتهم جميعآ ، فكأنه الشاعر الوحيد في لغة العرب، وكأن الشعراء قبله وبعده محض أغصان من فروع دوحته.
هذا إذا أحببته . أما إذا كرهته فأنت في مأمن وأكتر الكارهين له إما محب في حقيقته أصابه الرعب من طغيان ذلك الحب فهو يتصنع الكراهية وإما جاهل به وبشعره فليس عليه حرج. ) .
وأزعم أن لا إمعان في محبة أكثر من محبة طيبنا الصالح "لأستاذه" أبي الطيب وتأمل قوله :
( ثم تدخل عالم ابي الطيب فإذا هو ينسيك هؤلاء كلهم وإذا صوته يطغي علي كل أصواتهم جميعآ ، فكأنه الشاعر الوحيد في لغة العرب، وكأن الشعراء قبله وبعده محض أغصان من فروع دوحته.
هذا إذا أحببته . أما إذا كرهته فأنت في مأمن وأكتر الكارهين له إما محب في حقيقته أصابه الرعب من طغيان ذلك الحب فهو يتصنع الكراهية وإما جاهل به وبشعره فليس عليه حرج. ) ...
ما أجمل هذا...
محمد أحمد
19-11-2005, 11:17 AM
يخيل لي والله أعلم أن دكتور القدال ما كان يتخيل أن مقالته ستجد هذا الإهتمام والإطلاع فمجلة الحكمة من ناحية محدودة التوزيع وتخاطب الإخوة الأطباء في المملكة المتحدة . فلو كان يعلم أنها ستنشر علي نطاق أوسع ربما وأقول ربما فأنا لا أريد الحديث علي لسانه ربما أعطاها وقت أكبر وبحث فالرجل إقتطع من وقته ليكتب مشاركة ولم يري الإمعان في تشخيص الحالة وإكتفي ببعض (الخطوط العريضة ) بحكم أنه يخاطب فئة تعلم ما يشير إليه من مصطلحات. ولست أدري هل من حسن حظه أم من سوءه أن وقع في يد منعم وبيان وعبد الباقي.
الاخ العزيز/ خالد الحاج
شكراُ على هذا البيان الجلي ، والذي أفادني استدراكاً وتكميلاً ، فقد كان يجول في ذهني أن د. القدّال ، لو استقبل من أمره ما استدبر في هذه المقالة الجميلة ، لكان أحرى بالإتِّساع في تقريب المعنى وإجلاء دعواه في احتمالية إصابة المتنبي بداء الإضطراب الوجداني ، غير أنّي لم أهتدِ لمثل بيانك الجميل هذا .. وحبّذا أن تتواصل الجهود في عرض أمثال هذه المقالات التى تُحرِّك سكون الحال ، وفيكم ، أخي خالد ، كل العشم ، ويبقى لكم ، بين جوانحنا كل الإمتنان عن هذه الباحة التنويرية السّامقة " سودانيات " ..
وأضيف مشاركة تتحدث عن النقد بمحبة ولا أظن الطيب صالح نفسه قد نجي من براثن الوقوع في الإمعان في المحبة فصارت عينه كليلة عن العيوب.
سَلِمْتَ ، أخي خالد ، وهذا ما جال بِفِكْري حينما كنتُ أُطالع مشاركات عزيزنا " الفيـّـــا " في هذا البوست .. أقول " جالَ " حتى لا أقع بين مخالب الفيّا ! النقدية ، تلك الوقعة السودا لمقال القدّال !! .. :)
وبالفعل ، إن لم يكن هذا هو الإمعان في المحبّة ، بَـلـَـهُ الوقوع في براثن الإعجاب التَّوَلُّهي ! ، فكيف يكون إذن؟! :
قد يطربك امرؤ القيس أو عنترة أو زهير ، قد يعجبك جرير أو عمر بن أبي ربيعة أو ذو الرمة. قد يغويك بشار والحسن بن هانئ وأبوتمام. ثم تدخل عالم ابي الطيب فإذا هو ينسيك هؤلاء كلهم وإذا صوته يطغي علي كل أصواتهم جميعآ ، فكأنه الشاعر الوحيد في لغة العرب، وكأن الشعراء قبله وبعده محض أغصان من فروع دوحته.
فالمتنبي ، مع وافر التقدير وتمام الإعجاب بفنِّه الرائع وخطورة شأنه الشِّعري ، لم يكن نسيج وحده في تفتيق المعاني وتشقيق المباني اللّفظية واستلهام كبيرات الحِـكَمْ الخالدة ؛ فإنّما كان ينهل من ذات النّبع ويستثمر في ذات الدّوحة الأدبية العربية في عنفوان مجدها الأدبي وقد سَـقـَتـها موارد الفحول من الشعراء والمُحدّثين .. وان جاز لنا أن نستشهد ببعض أبياتٍ في الحكمة ، سارتْ مسرى الأمثال ، فإنّنا نقول:
لِسانُ الفتى نِصفٌ ونِصْفٌ فؤادَه ،،، فلم يبقَ إلآ صورة اللحم والدم
لزهير صاحب الحوليات ، ويتطابق هذا مع القول المأثور : المرءُ بأصغريه ، قلبُه ولسانه ..
وفي أدَبنا الغنائي السوداني :
عازّة بهجة حُسنك ، زايدة في التقدير
يا بدائع طَرَفة ، ويا مغاني زُهـَــير .. عازّة ،، عزّ وِصالك
ما لقيتلو مثيل ! يالنّفيسة خِصالِكْ ، كيف يكون المصير ... عازّة ، عزّ وِصالك
وزُهيراُ ، المَعنِي هاهنا ، هو ابن ابي سُلمَى وطَرَفة ، هو ابن العبد ، الشاعر الشاب الذي من قريضه :
وظُلم ذوي القربى أشدُّ مَضـاضةُ ،،، على النّفس مِن وقعِ الحُسام المهنَّدِ
لَعَمْرِك مالأيام إلآ مُعارةٌ ، فمــا ،،، استطعتَ من معروفها فَتَزوَّد
سِتُبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلاً ،،، ويأتيك بالأنباء مَنْ لم تُزَوِّد !
ولرائد المُحدّثين : بشـّار بن بُرد :
إذا بلغ الرأيُ المشورةَ فاستَعِنْ ،،، برأيِّ نصيحٍ ،أو نصيحة حازمِ
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة،،، فإنّ الخوافي قوّةً للقوادم
وما خيرُ كفٍّ أمسكَ الغُلُّ أختها ،،، وما خيرُ سيفٍ لم يؤيَّد بقائم
وخلِّ الهوينا للضعيف ولا تكن ،،، نؤوماً ! فإنّ الحزم ليس بنائم
وحارب إذا لم تُعطَ إلآ ظُلامة ،،، شَبا الحربِ خيرٌ من قبول المظالم !!
أعود لذيّاك السّاحر الباهر ، والسبّاح الماهر في بحور النّظم والقريض ، أبي الطيِّب ، أحمد بن الحسين الجُعْفي ، الشّهير بالمتنبي .. لأقول ، أنّ بَيته الشّعري المذكور في مداخلة الأخ خالد أعلاه ، قد انطوى على [نُكتة نحوية ] عجزتْ عنها سلائق وبوائق النُّحاة ! .. حيث يقول :
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ** لها المنايا إلي أرواحنا سبلا
فطعنوا عليه بالقول : كيف قَـدَّم الضّمير في " لها " على المذكور " المنايا " ؟ وهذا ممّا لا يجوز !! فما وجدوا منه تعليقاً ، نكايةً بهم وتحدَّياً لهم في ما يدّعونه من علمٍ بالنحو ! حتى جاءه السؤال مباشرةً من بعض مُحبِّيه بمصر ، فقال له : إنّ المنايا هاهنا في موقع خَفْضْ ، أي مكسورة ( من عندياتي ، مُضافٌ إليه ) ..لأنّ " لها " هيَ جمع لَهـاة !! ( ومن إنديّاتي أيضاً ، اللّهاة محل اللِّوَز ، حماكم الله ) .. فانظر الى شراسة هذا السـّاحر .،، ولكنّه ، مع ذلك ، لهُ أضراب ، قد يتقدّمهم في الكثير ، وقد يتقدّمونه أحياناً ، ولو باليسير ..
ولا اجد مُخارجةً سوى قول الشاعر العربي الفصيح :
حَمدتُّ إلاهي بعد عروةَ إذ نجا خِراشٌ ،،،، وبعضُ الشّرِّ أهونُ من بعضِ !!
حتى اتجنَّبْ الوقوع السـّهل ، بين براثن المُحِـبِّين للمتنبي ، ورائدهم ، صديقي الفيّــا ،، فلا اقلّ من ان أجعله في حالة هذا البيت :
تكاثرت الظباءُ على خِراشٍ ،،،، فما يدري خِراشُ ما يَصيــدْ !!
مع أجمل التحية ،،/
عبدالله الشقليني
19-11-2005, 12:38 PM
التحية لكل المتداخلين ،
فقد شربت وما ارتويت ،
لكل دفع بيانه من الأدلة وفق ما تفضلت بها تلك
الكوكبة من الأدباء والأديبات ، باحثين وباحثات .
قرأت ، و أحببت الرؤى وهي تتلون وتتنوع .
أحتاج بعض الوقت للمداخلة لظروف خاصة .
الشكر للجميع .
ويستحق البوست تثبيتاً بعض الوقت ، ونشكر الإدارة
عجب الفيا
19-11-2005, 06:58 PM
العزيزان محمد احمد وخالد
مشاركاتكما اعطت البوست حيوية وزخما جديدا ،
كم تمنيت ان اعانق كلماتكم وهي طازجة ولكن نزلة برد طارئة منعتني من ذلك ،
سوف اعود حالما تخف ،
والشكر موصول للعزيز الشقليني
عبدالله الشقليني
19-11-2005, 08:16 PM
الأحباء جميعاً
طبتم وطاب مجلِسكم بِكم .
ما طربت إلا في مجلسكم السماوي يعبق بالرؤى ، يُغني من يقرأ ، ويفرح من يرى الألوان كلها على مزهرية تُليق ببطل الحديث ، الذي لم يـزل سيف إبداعه متلألئاً إلى تاريخنا الحاضر .
(1)
أي ريح وأي ريحان وأي طيب حديث . رشيقة أقلامكم ، ندية أقداحكم وأنتم في حضرة شاعر كتب فيه ( مصطفى سبيتي ) ، شارح ديوانه وكاتب هوامشه مقدمة ، لكم قبس منها :
{ سفرٌ بلا وُجهة ودرب لا نهاية له ، يسبره عمرٌ قصير بخطىً متثاقلة تتواصل تحتها الفلوات وتمتد ، جاعلة صاحبها يراوح مكانه على عجلة سيره واختصاره المسافات . تلك مسيرة أبي الطيب المتنبي ، الشاقة الطويلة حيث كان خفق القلب و زُهو العمر أيسر زادها ، والموتُ أدنى محطاتها ، يخطوها بعزم الواثق على قيادة الدنيا وأخذ زمامها ، لمّا لم يوفر له القدر أكثر من زمام ناقته ، مستنداً إلى سلاح القافية التي تربع على عرشها منذ صباه ولم ينازعه أحٌد في مقامه فيها إلى يومنا هذا ، مختـزناً تجارب الأقدمين الموروثة جيلاً عن جيل ، مُضيفاً إياها لتجربة حياته الغنية ، ليصبغها قصائد أنضجت الشعر العربي وحفظت التراث واللغة في سياق متكامل متين ، وجعله جديراً بمواكبة الزمن ليكون على موعد دائم مع العصور الآتية والشعوب القادمة من رحم الغيب }
(2)
قبل أن نتناول سيرة شاعرنا الفخيم ،أو نتطفل على حياته الخاصة ، فمن المفيد لنا أن نُذكر ببعض من سيرته :
هو أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكوفي ، ولد في الكوفة سنة
( 303 هـ ) في محلة يقال لها كندة ، وانتقل إلى الشام في صباه وفيها نشأ و تأدب والتقي من الأعلام من استفاد من علمهم ومنهم : الزجّاج وابن السراج وأبو الحسن الأخفش وأبو بكر محمد بن دريد وأبو علي الفارسي ، وتخرج على يديهم فكان نادرة الزمان في الشعر ، وراية لم يرتفع إلى جانبها علم .
لقب بالمتنبي لادعائه النبوة في بادية السماوة في مقتبل شبابه ، ولما علم به لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيد حبسه ، ثم استتابه وأطلقه، ويقال لُقب بالمتنبي لتشبيهه نفسه بالأنبياء في قصيدة قالها في صباه مطلعها :
كم قتيل كما قتلت شهيد .
ومنها قوله :
ما مقامي بأرض نخلة إلاّ .. كمقام المسيح بين اليهود .
صار يتردد بين أقطار الشام يمدح أمراءها وأشرافها حتى أوصلته الأقدار إلى الأمير سيف الدولة علي بن حمدان صاحب حلب سنة ( 337 ) هـ ، فكرمَّه وقرَّبه وأجازه الجوائز ، وكان يجري عليه كل سنة ثلاثة آلاف دينار خلا الإقطاعيات والخُلع ومتفرق الهدايا .، ثم وقعت وحشة بينه وبين أمير حلب فغادرها سنة ( 346 ) هـ وقدم مصر ومدح ملكها كافور الإخشيدي ، فأجزل هذا صلته ووعده بكثير وعود أطمعت أبو الطيب وداعبت أحلام عمره ، ولكنه حصد الريح آخر المطاف . رغب أبو الطيب أن يكون عاملاً لإحدى مقاطعات مصر ، وهو ما لمح له في مواضع كثيرة من مدح كافور ، ولما يئس من بلوغ مناه ولم يرضه كافور ، هجاه وفارقه أواخر سنة ( 350) هـ وسار لبغداد ، ثم ترك بغداد متوجهاً إلى بلاد فارس فمرّ بأرجان وفيها ابن العميد فمدحه ثم ودعه وقصد عضد الدولة بن بويه الديلمي ، بشيراز فمدحه وحظي عنده ، ثم تركه وقفل عائداً إلى بغداد فالكوفة في أوائل شعبان
(354 ) هـ فعرض له فاتك بن جهل الأسدي في الطريق بجماعة من أصحابه ، ومع المتنبي جماعة من أصحابه أيضاً ، فقتل المتنبي وابنه محمد وغلامه مفلح بالقرب من دير العاقور في الجانب الغربي من بغداد .
(3)
علوم النفوس البشرية ، والأدب والفن :
أفرد نفر كريم من المتداخلين بمناهج الولوج لنفوس الأدباء والشعراء ، من خلال كتاباتهم . ورأى الجميع أن الحُكم يكون ناضجاً لو تشبعت ببيئة الشاعر ، وسيرة حياته ، والمعرفة الدقيقة بطبيعة الإبداع قوانينه ، وبحوره ، لغته وبلاغتها وخطرفاتها . تضاريس الحياة وعنتها في وجه المبدعين . كيف ينفصل العمل الإبداعي عن صاحبه ، وكيف يقترن به ، وتصبح المصائر متشابكة.أظهر ذلك يكون في إبداع الشعر . فالمبدعين في القص أو المسرح أو المقال أو الموسيقى ، تتخفى الدروب إلى شخوصهم . يتعب المُتقصي حتى يتسقَّط مفاتيح المعرفة بعوالمهم الخاصة ، لكن الأمر في الشِعر أيسر .
لقد تيسر لعلماء النفس أن يتخذوا من الثروة الأدبية مفاتيحاً لمصنفات علومهم ، فقد اتخذ علم النفس من رائعة
( الملك أوديب ) أن يستنبت عُقدة أوديب ، وكم اضطلع ( سيجموند فرويد ) رائد التحليل النفسي على الكثير من النصوص الأدبية والشعرية ، ليغوص في تجارب الحياة ، فكان الكاتب المُبدع في نظره هو الخبير النفسي ، ومن هنا تداخل الرؤى الإبداعية ، ورفد بعضها بعضا .
(4)
ربما نبهنا الدكتور القدال لموضوع ثري ، يحتاج منا الغوص ، ولربما أتفقت مع جميع المتداخلين في بعض الرؤى وأتفق مع الدكتور في البعض الآخر، وأتمسك بالاضطراب الوجداني وصفاً لشاعرنا الفخيم كوصف عام ، و سأورد داعماً رؤاي ببعض التفصيل . لن ينقص ذلك من قدر مبدعنا ، فما استقرت الأنفس إلا مع الذين يتبعون القطيع في سيرتها. ينامون ويأكلون ويضحكون ويعشقون ، يتمرغون في العادية لا تشغلهم الشواغل ، وينعمون آخر المطاف بالصحة النفسية !.
تلك مقولة تُجانب الحقيقة في كثير من مضامينها ، وكما قالت شاعرتنا حكمت محمد يس (و تبقى النهاية المُحزِنة ).
(5)
إنني أرى الطموح بيت الداء ، إن نِلتَّ فقد سلمتَ ، وإن لم تنل فتلك مصيبة الدهر ، لن تجد لسهامها القاتلة إلا النفس وما حوت . عندما تنهار الأحلام واحدة إثر أخرى تتصدع النفس ، ويضطرب الوجدان .
أرجو ألا نستعجل الحكم وأن نحتكم لمفهوم
( اضطراب الوجدان ) بعموميته كما أسلفت . ركب شاعرنا الفخار سفينة باهرة الطلعة ،
تُعانق أشرعتها السماء ، ثم صدمها الموج فانكسرت بمصر. صدَّعها أعواداً تناثرت في اليم .
إليكم النصوص الشعرية للمتنبي مع التعليق :
ـ1ـ
أي محلٍ أرتقي أيّ عظيم أتقــــي
وكل ما قد خلق الله كشعرة في مفرقي
ـ2ـ
انطلاقة الطموح وثقته المفرطة بنفسه ،إذ لم يترك سانحة إلا وأوجد لها مكاناً بارزاً في مدح الملوك ، حتى تظن أنه يخلط بين المدح لآخر و الاعتداد المفرِط بالنفس :
فلم أرى قبلي من مشى البحر نحوه .. ولا رجلاً قامت تُعانقُه الأسدُ
ـ3ـ
أو قوله في مدح عضد الدولة :
وكم طرِب المسامع ليس يدري .. أيطرب من ثنائي أم عُلاكَا
ـ4ـ
وكم شكك المتنبي بمقدرة الملوك على التمييز بين الغث والثمين ، أو بين الجيد والرديء حين قال :
إني نثرت عليك درّاَ فانتقد .. كثر المُدلس فاحذر التدليسا
ـ5ـ
بل وأكثر حين ميز نفسه عن الملوك وجعلها أعلى مقاماً :
سيعلم الجمع ممن ضمَّ مجلسنا .. بأني خير من تسعى به قــدم
الخيل والليل والبيداء تعرفني .. والسيف والرُمح والقرطاس والقلمُ
ـ6ـ
ولا عجب أن يدعي التفوق رجل احتقرت نفسه الجسد الذي يحملها بصوفية مموهة
تزخر بالكثير من التيه والكبر :
وإني لمن قوم كأن نفوسهم .. بها أنفٌ أن تسكن اللحم والعظما
تغرب لا مستعظماً غير نفسه .. ولا قابلاً إلا لخالقه حكماً
ـ7ـ
أو قوله :
ولا تحسبن المجد زقاً وقينة .. فما المجد إلا السيف والفتكة البكر
وتضريب أعناق الملوك وأن تجد .. لك الهبوات السود والعسكر المجرّ
وتركك في الدنيا دوياً كــأنما .. تداول سمع المرء أنمُلُهُ العشرُ
ـ8ـ
وعندما نقارن كل ذلك الفخار والطموح وقد تكسر عندما قصد الإخشيدي كافور ، استذلت نفسه الأبية فرغب أن يكون عاملاً لكافور في إحدى نواحي مصر ، عندما سأله متوسلاً :
وفي النفس حاجات وفيك فطانة .. سكوتي بيانٌ عندها وخطابُ
وما أنا بالباغي على الحب رشوة .. ضعيف هوى يبغى عليه ثوابُ
وما شئت إلا أن أذلّ عوازلي .. على أن رأيي في هواك صوابَ
وأعلمُ قوماً خالفوني فشرَّقوا .. وغرّبت إني قد ظفرتُ وخابوا
ـ9ـ
وكان رهانه الأخير كأس مذلة تُسكر ضعة ومهانة حين خاطب الإخشيدي :
أبا المسك هل في الكأس فضلٌ أناله .. فإني أغَني منذ حين وتَشرَبُ
وهبت على مقدار كفي زماننا .. ونفسي على مقدار كفيك تطلُبُ
إذا لم تُنط بي ضيعةٌ أو ولاية .. فجودك يكسوني وشغلك يسلبُ
ـ10ـ
وعندما انهزمت أحلامه في كافور قال :
ما كل ما يتمنى المرءُ يدركه.. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
ـ11ـ
ثم يتنفس شاعرنا الصعداء مُعزياً نفسه :
لا تلق دهرك إلا غير مكترثٍ .. ما دام يصحب فيه روحك البدنُ
ـ12ـ
وما انزوت النفس ، ولملمت أطرافها ، لم تنس .
نفثت النفس حقدها على كافور إبداعاً حين هجاه :
قبحاً لوجهك يا زمانُ فإنـه .. وجهٌ له من كل قبح بُرقُعُ
أيموت مثل أبي شجاع فاتك .. ويعيش حاسده الخصيُّ الأوكع
أيدٍ مقطعةٌ حوالي رأسه وقفاً .. يصيح بها : ألا من يصفعُ
أبقيت أكذب كاذب أبقيته .. وأخذت أصدق من يقول ويُسمعُ
وتركت أنتن ريحة مذمومةٍ .. وسلبت أطيب ريحة وتتضَوَّع
(6)
سادتي ، أيمكن لتلك النفس التي تقلبت في لظى الحسرة أن تنجو من علقم الانكسار …؟
لا أظن ذلك .
وللدكتور القدال وللأحباء هنا رجعة ،
إن كان للصبر متسع وسط الشواغل .
وتقبلوا التحية والاحترام
المرجع :
ديوان أبو الطيب المتنبي
شرحه وكتب هوامشه
مصطفى سبيتي
عبد الله الشقليني
19/11/2005 م
عجب الفيا
20-11-2005, 03:18 AM
العزيز محمد احمد كما قال خالد الحاج اعطيت البوست نكهة خاصة كانت تنقصه ،
ولكن يبدو انني نصبت لنفسي شركا عندما تحدثت عن النقد عن محبة عند الطيب صالح . فانا لا اظن انني كنت في موقف المحب الموله بقدر ما كنت امثل دور محامي الدفاع عن المتهم ولا يهم علاقة المحامي بالمتهم بقدر ما يهم نجاح المحامي في دحض التهم الموجه (لموكله ) !
وقد منحتني شرف النجاح في المهمة بقولك :
" قرأتُ ، بإعجابٍ شديد ، مُداخلات الأخ الصديق / عبدالمنعم الفيّـا ، والتى دحَضتْ تماماً آراء د. القدّال في محاولته إثبات معاناة المتنبي من عِلّة " الإضطراب الوجداني " ؛
وقولك : " وفي اعتقادي، أنّ هذه المداخلات ، وبما يتوفّر لِـكاتبيها من امتلاكٍ لأدوات النقد الأدبي ومعرفة بمدارسه المتنوِّعة ، قد نجحتْ في مسعاها نجاحاً يكاد يَذهبُ بِــرِيــحْ المقال ! ويسدّ الطريق أمام أيّ قراءة مستقبلية لِـشعر المتنبي إذا ما تمحورت هذه القراءة حول احتمالية الصِّحَّة النفسية " لأبي الطيِّب المتنبي " من خلال إبداعه الشِّعري المتنوِّع ؛ والحال ، " .
وبعد هذه الخلاصة القاطعة يبقي الحديث عن المحبة والوله يا عزيزي ، نافلة من القول . وان كان ثمة محبة فهي محبة مؤسسة ومموضعة .
حتي الطيب صالح لم ينطلق في احاديثه عن المتنبي من محبة صماء وانما محبة ترفدها البصيرة ويجليها النظر والتدبر . وهو عندما قال "احسن النقد ما كتب عن محبة " علل ذلك بقوله :
" لان المحبة تفتح البصيرة وتزيل الحجب التي تقوم بين ما يرمي اليه الشاعر وبين فؤاد المتلقي " .
وقد ظلت بصيرة الطيب صالح منفتحة علي كل الرموز الابداعية في الشعر العربي ولم تكن منغلقة علي المتنبي . فهو يكتب عن ابي العلاء بنفس المحبة التي يكتب بها عن ابي الطيب . وكان في فترة يفضل ابو نواس علي المتنبي . وكتب عن ذي الرمة بمحبة زائدة وكان معجبا بامر القيس منذ ايام الدراسة الاولية .
اما قوله : " قد يطربك امرؤ القيس أو عنترة أو زهير ، قد يعجبك جرير أو عمر بن أبي ربيعة أو ذو الرمة. قد يغويك بشار والحسن بن هانئ وأبوتمام. ثم تدخل عالم ابي الطيب فإذا هو ينسيك هؤلاء كلهم وإذا صوته يطغي علي كل أصواتهم جميعآ ، فكأنه الشاعر الوحيد في لغة العرب، وكأن الشعراء قبله وبعده محض أغصان من فروع دوحته. "
فهو لم يقل ان المتنبي الشاعر الوحيد في لغة العرب بل قال وكانه الشاعر الوحيد والفرق كبير . فهو هنا لا يعبر عن حقيقة موضوعية بقدر ما يصف شعوره (الوجداني ) عندما يقرا للمتنبي . مثلما تستمع الي وردي او مصطفي سيد احمد او اي مطرب مفضل اخر فينسيك غيره من المطربين . ولكن هذا النسيان اللحظي لا يعني انك لا تعجب باؤلئك المطربين .
عجب الفيا
20-11-2005, 10:29 AM
يخيل لي والله أعلم أن دكتور القدال ما كان يتخيل أن مقالته ستجد هذا الإهتمام والإطلاع فمجلة الحكمة من ناحية محدودة التوزيع وتخاطب الإخوة الأطباء في المملكة المتحدة . فلو كان يعلم أنها ستنشر علي نطاق أوسع ربما وأقول ربما فأنا لا أريد الحديث علي لسانه ربما أعطاها وقت أكبر وبحث فالرجل إقتطع من وقته ليكتب مشاركة ولم يري الإمعان في تشخيص الحالة وإكتفي ببعض (الخطوط العريضة ) بحكم أنه يخاطب فئة تعلم ما يشير إليه من مصطلحات. ولست أدري هل من حسن حظه أم من سوءه أن وقع في يد منعم وبيان وعبد الباقي.
لا اظن ان الدكتور الفاضل هنا يخاطب الاطباء والمختصين يا خالد بل انه يخاطب القاريء االعادي كما هو ثابت بالمقال . ولا توجد بالمقال مصطلحات تحجب ما يرمي اليه الدكتور عن القاريء العادي . والخطوط العريضة التي اوردها الدكتور عن المرض ليست محل خلاف فهذا هو تخصصه ولا احد يجرؤ ان ينازعه فيه .اما الخلا ف فحول الامثلة والادلة التي اوردها للتدليل علي مرض المتنبي . وهو في قراءته وفهمه لهذه الشواهد الشعرية لا يختلف عن اي قاريء عادي لشعر المتنبي. ولذلك فاذا انت اختلفت معه في دلالة هذه الشواهد فانك لا تختلف مع خبير في التحليل النفسي وانما مع متذوق عادي لشعر المتنبي .
عجب الفيا
20-11-2005, 10:41 AM
شكرا فنانا الرائع الشقليني علي هذه السياحة الجميلة مع المتنبي ،
أري انك استعملت تعبير :الاضطرا ب الوجداني العام ، في محاولة لتخليص هذا التعبير من صفة المرض التي الحقه بها الدكتور القدال . ولكن هل يمكن ان نعد طموح المتنبي اضطرابا وجدانيا حتي بالمعني العام للاضطراب ؟؟!
haneena
20-11-2005, 02:47 PM
الأعزاء المتداخلون
أم راشد
يامرحبا
عجب الفيا
بيان
ربيع السماني الشعراني
عم تنقو
الشقليني
عبدالباقي
خالد الحاج
محمد أحمد
لقد أثريتم البوست ثراءآ لا أستطيع وصفه وأشكر اليوم الذي فكرت فيه بأن أنزل هذا البوست
منذ قراءتي الأولي للمقال فكرت أنه يفتح مجالآ لنقاشات كبيرة جدآ من أساتذتنا و استاذاتنا ولم يخب ظني , بيد أني لم أتخيل كل هذا الجمال..
إستفدت منكم جدآ أحبائي فواصلوا
لم أستلم ردآ حتي الأن من دكتور القدال وإن كنت ما زلت أنتظر
لأستاذنا محمد أحمد
و
رد لخالد الحاج..
فمجلة الحكمة من ناحية محدودة التوزيع وتخاطب الإخوة الأطباء في المملكة المتحدة .
سألت الدكتور علي زايد من هيئة تحرير الحكمة عن المعلومة أعلاه للتأكد,وأخبرني بالآتي...
مجلة الحكمة تصدرها هيئة تحرير منفصلة ولكن تتبع لنقابة الاطباء السودانيين بالمملكة المتحدة و آيرلندا. المجلة تصدر في انجلترا وتوزع علي الاطباء هنا و في السودان و دول المهجر..وهي ليست مجلة علمية ولكنها تهتم بشئون التثقيف الصحي و ما يهم صحة المواطن في السودان بالإضافة إلي مواضيع أدبية وفنية أخري..ولعلك تذكر مشاركات الاخ خالد كودي برسوماته والفنان عمر دفع الله بكاريكاتيراته و تماضر شيخ الدين التي كان هناك ملخص عن مسرحيتها التي قدمتها في 2003م في انجلترا , وغيرهم الكثير..
واصلوا وأنا متابعة دائمة
محبتي لكم
عبدالله الشقليني
20-11-2005, 03:30 PM
التحية للأحباء هنا ، ونخُص
حبيبنا سيد القلم المنضد :
الفيا
لك التحية وأنت تلتف من حول رؤانا التفاف إعصار .
ملكت من الحُجـة والبيان وأسدلت دُفوعك عن فارس الشعر .
الآن نستنفر من رؤانا العميق لنتكشف كم كان هذا العملاق ينام
ملء جفون الردى ونحن نَسهر ،
ونتبارى ولا نمَلّ .
نفتح باباً أسميه أنا :
(عندما تتألق الكآبة داوية ، تنحسر أمواه الإبداع )
سأدلل هنا بأسانيد من شعر المُحتفى به .
كيف هجدت أتون إبداعه عندما استوطنته الكآبة المُرَّة ،
وكيف يسلس هو قياد اللغة عندما يكون في عنفوان الفرح :
( 1) شعر المتنبي عند الكآبة المُرَّة :
نماذج من الشعر أوردتها في مقالي السابق ، عندما استذله الطموح ،
ووَطن نفسه على استحلاب الندى من ثديٍ ضامرٍ نفق صاحبه ،
فمصر الإخشيدي مرَّغت أنفه التُراب وأسكنته الكآبة الكُبرى حين قال :
وفي النفس حاجات وفيك فطانة .. سكوتي بيانٌ عندها وخطابُ
وما أنا بالباغي على الحب رشوة .. ضعيف هوى يبغى عليه ثوابُ
وما شئت إلا أن أذلّ عوازلي .. على أن رأيي في هواك صوابَ
وأعلمُ قوماً خالفوني فشرَّقوا .. وغرّبت إني قد ظفرتُ وخابوا
أو حين قال :
أبا المسك هل في الكأس فضلٌ أناله .. فإني أغَني منذ حين وتَشرَبُ
وهبت على مقدار كفي زماننا .. ونفسي على مقدار كفيك تطلُبُ
إذا لم تُنط بي ضيعةٌ أو ولاية .. فجودك يكسوني وشغلك يسلبُ
قارن عزيزي القارئ بين تلك الأبيات الشعرية ،
وقوِّم إبداعها وانحساره وقارنه بالإبداع الذي نورده هنا ،
والشاعر في قمة أفراحه حين يقول :
(2) شعر المتنبي عند موجات الفرح :
حين مدح سيف الدولة قائلاً :
أتوكَ يجُرّون الحديد كأنما .. سروا بجيادٍ ما لهنَّ قوائم
إذا برقوا لم تعرف البيض منهم .. ثيابهم من مثلها والعمائم
خميس بشرق الأرض والغرب زحفه .. وفي أذن الجوزاء منه زمازم
أو حين يصف الممدوح في ساحة الوغى :
وقفت وما الموت شك لواقف..كأنك في جفن الردى وهو نائمُ
تمُرُّ بك الأبطال كلمى هزيمة .. ووجهُك وضاحٌ وثغرك باسمُ
وفيها وصفه تقدم الخيل حتى وصلت قمم الجبال :
تدوس بك الخيل الوكور على الذرى ..وقدكثرت حول الوكور المطاعم
تظن فراخ الفتح أنك زرتها .. بأماتها وهي العتاق الصلادم
أو حين قال :
حقرت الردينيات حتى طرحتها .. وحتى كأن السيف للرمح شاتمُ
ومن طلب الفتح الجليل فإنما .. مفاتيحه البيض الخفاف الصوارمُ
عزيزنا الفيا
لن ينج مبدع أبداً من سطوة اضطراب الوجدان ،
تتقلب أنتَ في جمر الكآبة وتُغطيك سجادتها السوداء عندما تنكسر
صواري الطموح وتُحل الفاجعة . تنام عليها وتصحو ،
تتأرجح بين سُمُوم النهار الكالح ، أو تتفيأ من ظلال الأفراح فتُغرد بلبلاً طرِباً ،
وتستعيد النفس صباحاتها .
عبدالله الشقليني
20/11/2005 م
عجب الفيا
20-11-2005, 06:18 PM
عزيزنا الفيا
لن ينج مبدع أبداً من سطوة اضطراب الوجدان ،
تتقلب أنتَ في جمر الكآبة وتُغطيك سجادتها السوداء عندما تنكسر
صواري الطموح وتُحل الفاجعة . تنام عليها وتصحو ،
تتأرجح بين سُمُوم النهار الكالح ، أو تتفيأ من ظلال الأفراح فتُغرد بلبلاً طرِباً ،
وتستعيد النفس صباحاتها .
20/11/2005 معزيزي الشقليني اذن نحن متفقون طالما انت اتفقت معي ان اضطراب الوجدان تعبير انشائي عام وليس حالة مرضية . فمنذ اول مداخلة لي في هذا البوست قلت ان اضطراب الوجدان بهذا المعني العام حالة ملازمة للانسان من حيث هو انسان .
هنالك فرق بين الكآبة والاكتئاب المرضي . خلافنا مع الدكتور هو انه يريد ان يجعل من هذه الكابة حالة مرضية . المتنبي كان رجلا طموحا ذو نفس كبيرة فلا عجب ان يتجرع مرارة الاخفاقات والانكسارات ومن منا لم يتذوق شيئا من هذه المرارة ؟!
عجب الفيا
20-11-2005, 06:37 PM
سألت الدكتور علي زايد من هيئة تحرير الحكمة عن المعلومة أعلاه للتأكد,وأخبرني بالآتي...
مجلة الحكمة تصدرها هيئة تحرير منفصلة ولكن تتبع لنقابة الاطباء السودانيين بالمملكة المتحدة و آيرلندا. المجلة تصدر في انجلترا وتوزع علي الاطباء هنا و في السودان و دول المهجر..وهي ليست مجلة علمية ولكنها تهتم بشئون التثقيف الصحي و ما يهم صحة المواطن في السودان بالإضافة إلي مواضيع أدبية وفنية أخري..ولعلك تذكر مشاركات الاخ خالد كودي برسوماته والفنان عمر دفع الله بكاريكاتيراته و تماضر شيخ الدين التي كان هناك ملخص عن مسرحيتها التي قدمتها في 2003م في انجلترا , وغيرهم الكثير..
اصلوا وأنا متابعة دائمة
محبتي لكمشكرا الحنينة لهذا التوضيح الهام والتحية للدكتور علي زايد والي جميع افراد اسرة تحرير وقراء مجلة الحكمة .
محمد أحمد
21-11-2005, 04:06 PM
التحايا للجميع ،،
يقول أبو الطيب المتنبي :
أين فَضلي إذا قَنِعتُ من * الدهر بعيشٍ مُعـَجـَّل التنكيد ؟
طالَ في طلبِ الرّزق قيامي* وقـَــلّ عنـه قُعـودي
أبداً أقطعُ الفيافي ونجمي* في نِحوسٍ وهِمّتي في سعودِ
عِشْ عزيزاً ، أو مِت وانت * كريم بين طعن القنا وخفق البنود
لا كما قد حَييتَ غير حميـد * وإذا مِتَّ متَّ غير شـــهيد
فاطلب العِزّ في لَظىً وَدَع * الذُّلّ ولو كان في جِنان الخلود !!
وفيما يبدو ، أنّ نجم " المتنبي " هذه الأيّام في سَعْدٍ ! ، فبالإضافة لِـسـَـهَر الخلقِ في أبياته الخالدات وسيرة حياته المُتقَلّبة ! فقد شاهدتُ إعلاناً ظهر اليوم بقناة الجزيرة ، يعرّف بحَـلَـقة في برنامج " دروب " ستُبَث عند الرابعة والنصف - بتوقيت جرينيتش - عصر الثلاثاء ، غداً عن آلاء وآثار أبي الطيِّب المتنبي ، فَـهَـلُمـُّوا ، عزيزاتي والأعزّاء ، إن كنتم ترغبون .. ولا أُحَفِّز النّاس كثيراً ! لتجربتي المُحبطة بكثيرٍ من برامج قناة الجزيرة ، ومع ذلك ، فلا استكثر عليها ، بل و لن اغمطها بعض النجاحات ، لعلّ آخرها ،عندي ، عرض الفيلم الوثائقي " فهرنهايت " للأمريكاني المغضوب عليه من " البوشية الرئاسية " Michael Moore
عزيزي الفيـّــا ،، سلامات ، وأرجو ان تعمل حسابك كثيراً هذه الأيّام من إصابات البرد .. وأرجو ان تكون قد بلغتَ العافية .. فوراءك الكثير ! مَلِكٌ يأخذُ كلّ سفينةٍ غَـصْبــا !!
حالة " الإضطراب الوجداني ثنائي القطب " هذي ، التى تحدّث عنها د. القدّال ، قد جمّلها بقوله ، أنّها لا تُصيب الناس من طرف ! يعنى زي حالاتنا دي ، ناس زعيط ومعيط ونطّاط الحيط ، ما يحملو همّ الإصابة بها ، فإنّها لاتُصيب إلآ : أذكياء الناس ، ذوي المكانة السياسية والإجتماعية والموهوبية العالية ، وقد مثـّل لنا الأمثلة : من نوعية : آرنست همنجواي/ لويس ال 15 / وأبو الطيِّب المتنبي وهكذا دواليك ، حتى كاد يُشـَـهِّينا الإصابة بها ؟!.. وفي تقديري ، أنّ حالة الإضطراب هذه ، وبما تتشابه فيه مع حالات " خَـجَّات الوجدان " العادية ، تلك التى يُسمِّيها د. عبدالله على إبراهيم ، حالات ال " رَّهَقْ الخلآق " - وظنِّي أن لدكتور عبدالله ، كتابٌ بهذا العنوان - ، تتوفّر على مُتَّسـَعْ بين بداياتها ونهاياتها . وفي بالي أن أقول ، لغاية المنتصف! من المسموح به ؛ وقَرِّط علي كِدا !! يعني بالواضح ، وبعضُ الشيئ ، فاضِحْ ، : خيرُ الإضطرابات الوجدانية " أوْسَطها " ! ، إن كانت لا تُصيب إلآ ذوي الذًّكانة والعباقرة ، كما أسلف د. القدّال ..
توقّفتُ ، بعض الشيئ ، عند تفصيل القدّال بين الزيادة الكُمّية والكيفية ! ولم أتبيّن له وصفاً مُحدّداً عن آثر زيادة الكيفية ! وما إذا هيَ كائنةٌ في الإضطرابات أو المزاج أو كلاهما سيان ؟ .. وعلى كل حال ، فالإلمام بفكرة المقال الرئيسية قد تم ، وهذا هو المهم .. أمّا الأهمّ منه ، فهو الأعراض المرضية ، والتى استنتجها د. القدّال من آثار المتنبي ، فهذه قد أُحِيطَ بها ، بواسطة المتداخلون ، وكان للأخ / منعم الفيا ، القدح الوافر والسّهم الأغلب .. ويبقى الأكثر أهمية : مالذي يَضيرُ المتنبي ، بعد ثلاثة وسبعين وألفُ عام من موته ؟ وقد رُفِعتْ الأبيات وعُلِّقتْ كالجداريّات ؟ .. أم يا تُري في الأمر شنشنة جرّاء بعض الإفتئات الذي يمارسه بعضُنا ،من دُعاة الأفرقة ومحاولات الوصول للنقطة الحرجة التى يتمُّ فيها نَـشافْ ريق العروبة في السودان !! ، حينما يصطدم سَـمَــعهم بجزالة تداول الناس لاسم : المتنبي ؟ !! وأنّه عند العرب ، ليس كلُّه صابون ! ، وإنّما بمثابة " وليم شكسبير عند الإنجليز " ..
لا اعتراض عندي على قول شيخنا واستاذنا /الطيب صالح : أنّ النّقد بمحبة ، يفتح البصيرة ! إلآ بقدر " قليل " اعتراضي على القالة الرّائجة " الحُبُّ أعمى Love is blind " ، فالحبُّ ، قد يفتح على المُحبِّ الكثير المثير الخطر ، بيد انّه قد يُضـَيِّق عليه أنفاس العدالة ! هذا إن لم يُغلِقها ! فَتـَخـفي عليه كثيراتٌ من بدائع المبدعين الآخرين ! ! .. والنقد ، فنٌّ لاتقوم له قائمة إلآ بإجشام النـَّفْسِ على المعروف ، وان تقول لها : مكانَكِ ، تُحمَدي أو تستريحي .
وسأكملُ لاحقاً .. //
عجب الفيا
22-11-2005, 04:40 AM
عزيزي الفيـّــا ،، سلامات ، وأرجو ان تعمل حسابك كثيراً هذه الأيّام من إصابات البرد .. وأرجو ان تكون قد بلغتَ العافية .. فوراءك الكثير ! مَلِكٌ يأخذُ كلّ سفينةٍ غَـصْبــا !!
ويبقى الأكثر أهمية : مالذي يَضيرُ المتنبي ، بعد ثلاثة وسبعين وألفُ عام من موته ؟ وقد رُفِعتْ الأبيات وعُلِّقتْ كالجداريّات ؟ .. أم يا تُري في الأمر شنشنة جرّاء بعض الإفتئات الذي يمارسه بعضُنا ،من دُعاة الأفرقة ومحاولات الوصول للنقطة الحرجة التى يتمُّ فيها نَـشافْ ريق العروبة في السودان !! ، حينما يصطدم سَـمَــعهم بجزالة تداول الناس لاسم : المتنبي ؟ !! وأنّه عند العرب ، ليس كلُّه صابون ! ، وإنّما بمثابة " وليم شكسبير عند الإنجليز " ..
//
عجبني هذا التعبير يا محمد احمد " ملك ياخذ كل سفينة غصبا "
بالامس كنا في دردشة مع الملك ويا للصدف العجيبة كانت عن استشراف هذا الغصب !!
اما عن الافتئات الذي يمارسه البعض لنشاف ريق العروبة في السودان، حسب تعبيرك الجميل ، فهؤلاء قوم مساكين يثيرون الشفقة يا محمد احمد وهم يظنون انهم يحسنون صنعا . هؤلاء قوم كارهون لانفسهم يعيشون حالة من الفصام النفسي العجيب . تجد الواحد منهم يتحدث العربية وليس له لسان غيرها ويكتب بها بل يتباري ويتباهي بجماله اسلوبه في الكتابة بالعربية . وعندما يغضب يقول للافريقي امش يا عب ! انت لسانك لسه اغلف داير تتكلم معي انا !!ثم بعد كل ذلك بكل قوة عين ياتي ليمارس الافتئات علي ( العروبة ) في السودان باسم الافريقانية !!.
اكثر من ذلك هؤلاء قوم تنقصهم النظرة الديالكتيكية والتاريخانية للامور . يرون الاشياء اما سودا ء واما بيضاء ، كما قال مصطفي سعيد . يظنون ان الوجود الافريقي المفتريء عليه لا ينصلح حاله الا بتجفيف منابع الوجود العربي ونشاف ريقه . كانما هنالك وجود عربي صرف يقابله وجود افريقي صرف وينسي الواحد منهم انه نتاج لالتقاء الوجودين منذ آلاف السنين ، وينسي ان تجفيف ذاك الوجود هو تجفيف لوجود ه هو نفسه !!
ولا اجد ، لاستحالة هذا الفرز ، ابلغ من قول امريء القيس في معلقته :
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل * وان كنت قد ازمعت صرمي فأجملي
ان تك قد ساءتك مني خليقة * فسلي ثيابك من ثيابي تنسل ؟
عجب الفيا
22-11-2005, 09:07 PM
لا اعتراض عندي على قول شيخنا واستاذنا /الطيب صالح : أنّ النّقد بمحبة ، يفتح البصيرة ! إلآ بقدر " قليل " اعتراضي على القالة الرّائجة " الحُبُّ أعمى Love is blind " ، فالحبُّ ، قد يفتح على المُحبِّ الكثير المثير الخطر ، بيد انّه قد يُضـَيِّق عليه أنفاس العدالة ! هذا إن لم يُغلِقها ! فَتـَخـفي عليه كثيراتٌ من بدائع المبدعين الآخرين ! ! .. والنقد ، فنٌّ لاتقوم له قائمة إلآ بإجشام النـَّفْسِ على المعروف ، وان تقول لها : مكانَكِ ، تُحمَدي أو تستريحي .
وسأكملُ لاحقاً .. // لا يا رعاك الله - ان شيخنا الطيب صالح واعي تماما بهذا المنزلق ، فالمحبة عنده لا تعني التطبيل المجاني . وهو قد اورد تعبير النقد عن محبة في سياق حديثه عن كراهية طه حسين غير المبررة لابي الطيب .
يقول : " .. والحق ان العميد ، رغم علمه وريادته ونظراته الثاقبة ، لم يغن كثير غني في كتابه (مع المتنبي ) ذلك لانه صحب الشاعر علي نفور وقلة ود ، كما اعترف هو نفسه فلا عجب انه لم يظفر منه بطائل ، فالمتنبي شاعر اما ان تحبه وتتحمس له ، واما ان تتركه وشانه . أحسن النقد ما كتب عن محبة لان المحبة تفتح البصيرة وتزيل الحجب التي تقوم بين ما يرمي اليه الشاعر وبين فؤاد المتلقي . هذا صنعه العميد مع المتنبي ، وعجيب انه احب ابا العلاء ولم يانس لابي الطيب ، وقد كان ابو العلاء متيما بابي الطيب ."
وعن ابي العلاء يقول طه حسين : " .. أليس هذا الرجل خليقا بالاشفاق عليه والاعجاب به ؟ بلي . وهو خليق بان نحبه ونؤثره بالود ، وبان نزوره في هذا السجن الذي اتخذه لنفسه ، ونقيم معه بوما او اياما لنري كيف كان يعيش فيه لا عيشته المادية ،بل عيشته العقلية الشاعرة المفكرة .."
ويعلق الطيب صالح ، علي كلام العميد : " الاشفاق كان عنصرا مهما في محبة الدكتور العميد لابي العلاء فقد كان كلاهما كما قال ابو العلاء في آخر رسالة الغفران ، وكما قال العميد في نهاية كتابه عن ابي الطيب مرددا قول ابي العلاء :( مستطيعا بغيره ) . لكنه لم يجد عند ابي الطيب شيئا يدعو الي الاشفاق . ولو تمعن اكثر ، لراي ان ابا الطيب ايضا كان جديرا بالشفقة والعطف والرثاء ، ولكن بمعني مختلف تماما عن ابي العلاء . "
أقول ان محبة الطيب صالح للمتنبي ليست من النوع الأعمي ، اذ انه لم يتورع من نقد ابي الطيب الي درجة التقريع . ومن ذلك انتقاده له في البيت الذي يمدح فيه الشريف العلوي طاهر بن الحسين :
وأبهر آيات التهامي أنه * أبوك وأجدي ما لكم من مناقب
وظاهر المعني ان ابهر معجزات النبي محمد هو انه ابو هذا الممدوح !!
وقد ذهب محبو المتنبي مذاهب كثيرة في تخريج معني البيت حتي يرفعوا الحرج عن المتنبي .
فابو الفضل العروضي يري انه امدح بيت والمعني عنده ان كفار قريش رموا النبي وقالو انه ابتر لا عقب له ، لذلك جعل الشاعر انتساب هذا الممدوح الي النبي احدي معجزاته . وقال الواحدي المعني ان النبي التهامي احدي مناقبكم اي لكم مناقب كثيرة واحداها انكم تنسبون اليه .
ولكن ابا زينب لا يقنع بكل ذلك ويري ان المتنبي خرج عن حدود الادب : " كل هذا البلاء الحسن من هؤلاء الشيوخ الاجلاء ، لا يغفر للمتنبي في ظني ، انه شطح شطحة خرجت به عن مقتضيات الذوق وان لم نقل الادب ، وعنده مثل هذا كثير ."
ان هذا البيت - كما يقول اب زينب ، قد ازعج حتي ابن جني العتيد ، رغم تعصبه الشديد لابي الطيب ، فقال : " قد اكثر الناس في هذا البيت ، وهو في الجملة شنيع الظاهر ، فاضربت عن ذكره ، وقد كان ( يقصد المتنبي ) يتعسف في الاحتجاج له والاعتذار بما لست أراه مقنعا .." ثم يضيف كالمعتذر - يقصد ابن جني " ومع هذا فليست الاعتقادات والآراء في الدين مما يقدح في جودة الشعر ورداءته " !
عجب الفيا
23-11-2005, 04:47 AM
وانتقد الطيب صالح قصيدة اخري للمتنبي حظيت باهتمام خاص عند شراحه ، ويري انها قصيدة عادية واقل من مكانة المتنبي . وهي القصيدة التي يمدح فيها ابن العميد ويقول مطلعها :
جاء نيروزنا وأنت مراده * وورت بالذي أراد زناده
هذه النظرة التي نالها منك * الي مثلها من الحول زاده
ينثني عنك آخر اليوم منه * ناظر أنت طرفه ورقاده
نحن في أرض فارس في سرور * ذا الصباح الذي يري ميلاده
عظمته ممالك الفرس حتي * كل ايام عامه حساده
هذه القصيدة - والكلام للطيب صالح : " برمتها قصيدة فاترة ، غفل من روح عبقرية المتنبي .لقد تكلفها تكلفا ، ربما ليدهش ببلاغتها ومحسناتها ابن العميد ، وهو من هو . وقد نظمها وهو ثمة ، في هناءة عيش وراحة بال وطيب خاطر . والمتنبي كما نعلم لا يقول الشعر العظيم هكذا . لا بد له من اشياء تحرك سواكن عبقريته ، حيئذ يحلق في سماوات لا يصلها شاعر غيره ."
وقد اهدي ابن العميد ، الي ابي الطيب هدايا كثيرة من بينها سيف محلي بالذهب والفضة . خصص المتنبي عددا من ابيات القصيدة في وصفه . ولكن ابا زينب يري ان هذه الابيات عادية وليس فيها " شيء لا يقدر عليه شعراء أقل منه مكانة " . الا ان هذا الابيات نالت استحسان شراح المتنبي وتفننوا في شرحها .
يقول ابو زينب :" وأوقفني تكالب الشراح علي بيت من أبيات القصيدة ليس فيه معني طريف ولا تصوير مدهش الا انه أثار هؤلاء الشيوخ الاجلاء فكأنهم كلاب تتناوش عظما ." . " قبل الشيوخ الاجلاء عن طيب خاطر ، بعضهم شروح بعض ، حتي جاءوا الي هذا البيت :
وتقلدت شامة في نداه * جلدها منفساته وعتاده
فتباري الشراح في تخريج معني البيت . ولكن ابا زينب يقول لهم في كل هدوء : " المعني ، يا جماعة ،أقرب منالا من كل هذه المماحكة ، وقد أصابه شيخنا ابو الفتح أول مرة ، ألا تقع العين أول ما تقع علي الشامة في الجلد ؟ كذلك هذا السيف ، يجذب النظر اليه دون سار الهدايا رغم نفاستها . لذلك ركز عليه المتنبي وتفنن في وصفه .. "
بيت واحد في القصيدة اثار اعجاب الطيب صالح : " اللهم الا بيتا واحد في هذه القصيدة يذكرك اذا كنت قد نسيت انك في حضرة الاستاذ . وهو بيت لم يكترث له هؤلاء الشيوخ الاجلاء ومروا عليه مرور الكرام .انه يخرج من جسد القصيدة كما يخرج البازي من العش ، ويبسط جناحيه ، ويحلق في آفاق بعيدة ، ويغدو قصيدة قائمة بذاتها :
ان في الموج للغريب لعذرا * واضحا ان يفوته تعداده
عجب الفيا
24-11-2005, 09:20 AM
." ثم يضيف كالمعتذر - يقصد ابن جني " ومع هذا فليست الاعتقادات والآراء في الدين مما يقدح في جودة الشعر ورداءته " ! كلام ابن جني هذا كلام يجب الا نمر عليه مرور الكرام فهو عميق جدا ومتقدم جدا وسابق لعصره بكثير بل سابق لنظريات الحداثة ومابعدها في العلاقة بين الشكل والمضمون اوبين القيمة الاخلافية والقيمة الفنية للعمل الادبي .
سوف نعود لنواصل الحديث عن علاقة المتنبي بكافور وكيف كانت هذه العلافة سببا لكراهية بعض السودانيين للمتنبي .
عجب الفيا
25-11-2005, 05:26 AM
مدح المتنبي كافور الاخشيدي باجود الشعر . بل من النقاد المنصفين من محبي وشراح ابي الطيب من يري ان ما مدح به ابي الطيب كافورا يتفوق علي ما قاله في ابن العميد وعضد الدولة ولا يقل جودة عما قاله في سيف الدولة الحمداني ان لم يتفوق عليه .
قال ابو البقاء العكبري : " سالت شيخي ابا الحرب المكي بن ريان الماكسي عند قراءتي عليه الديوان سنة تسع وتسعين وخمسمائة : ما بال شعر المتنبي في مدح كافور أجود من شعره في عضد الدولة وابي الفضل ابن العميد ؟ فقال : كان المتنبي يعمل الشعر للناس لا الممدوح ، وكان أبو الفضل ابن العميد وعضد الدولة في بلاد خالية من الفضلاء وكان بمصر جماعة من الفضلاء والشعراء ، فكان يعمل الشعر لاجلهم ، وكان كذلك عند سيف الدولة بن جمدان جماعة من الفضلاء والادباء ، وكان يعمل الشعر لاجلهم ولا يبالي بالممدوح " !
ربما يكون ما قاله شيخ ابي البقاء في تفسير ذلك صحيحا ولكن ما لم يقله ومنعه منه الحياء - في رأي - ان شعر ابي الطيب في كافور اجود من شعره في سيف الدولة . ليس ارضاء لفضول الادباء والشعراء ولكن لشخصية كافور التي جسدت للمتنبي بعضا من المعاني والقيم التي كان يتمثلها . وهذا ما اغاظ بعض محبي المتنبي غير المنصفين الذين اعماهم التعصب العنصري فقالوا ان المتنبي لم يمدح كافورا قط ، وان ما قاله فيه يدخل في باب الذم الذي يشبه المدح ! اي لم يمدحه الا هجاء !! وقد حققنا نحن - السودانيين - لاؤلئك العنصريين غايتهم عندما اعرضنا عما قاله شيخ ابي البقاء ومسكنا بكلمة قالها المتنبي في هجاء كافور في لحظة غضب بعد ان وقع الخصام ، ولا نبالي ان نقولها لبعضنا البعض عندما نغضب !!
ولكن من هو كافور ؟!!
نواصل
عجب الفيا
25-11-2005, 07:27 AM
الوجه المشرق :
" كان كافور ألاخشيدي داهية في السياسة ،شجاعا حكيما ، استطاع ان يكسب صداقة العباسيين والفاطميين معا ، ويقال انه هو الذي أخر غزو جيوش المعز لمصر حتي مات ، فخلا لها السبيل ، وان حزمه وكياسته جعلت منه سياسيا قديرا ، وداهية خطيرا ، وكان له - الي هذا - بصر بالعربية والادب ، وكان محبا للعلماء والادباء ، يقرب الشعراء ويجزيهم ، وكان دينا متواضعا ، سخيا كثير الهبات والعطايا والخلع والعطايا والصدقات .
وهو مولي أسود كان لمحمد بن طغج ألاخشيد ، ومحمد بن طغج واليا من قبل المقتدر بالله العباسي علي دمشق سنة ثماني عشرة وثلاثمائة (هجرية ) ، ثم ضم اليه الراضي بالله مصر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ، ولقبه بعد ذلك "ألاخشيد " - يقصد ابن طغج - واستتب له الامر ولذريته في مصر الي عهد الفاطميين .
ويقول صاحب النجوم الزواهر : " ان ألاخشيد اشتري كافور بثمانية عشر دينارا من بعض رؤساء مصر ، واعتقه ، ثم رقاه حتي جعله من كبار قواده ، لما راي منه الحزم والعقل وحسن التدبير . ولما أضحي كافور قائد الجيوش ألاخشيدية حارب ابن رائق ، ثم سيف الدولة في الشام .
وعندما توفي ألاخشيد أخذ كافور البيعة لابنه انوجور وعاد الي مصر ، وقد ظن سيف الدولة ان موت ألاخشيد يمكنه من دمشق ، فاستولي عليه وتقدم الي الرملة ، ولكن كافورا - وكان الحاكم الفعلي - سار اليه فهزمه وأخرجه من حلب ، ثم اصطلحا ، فاخذ سيف الدولة حلب ، أخذ انوجور دمشق . وتوفي انوجور سنة تسع واربعين وثلاثمائة ، فاجتهد كافور في ان يبقي الامر لبني ألاخشيد ، ونجح في ذلك اذ نال من الخليفة المطيع لله تولية لعلي بن الاخشيد مكان أخيه ، علي ان علي بن الاخشيد ما لبث ان مات سنة خمس وخمسين وثلاثمائة ، وبقيت مصر أياما دون أمير - وكان أمرها في يد كافور - فاتفق أعيانها علي تأميره ، فأصبح بذلك هو السلطان - اسما وفعلا - حتي توفي سنة ست وخمسينوثلاثمائة وعمره خمس وستون سنة بعد ان حم مصر وقسما من الشام اثنيين وعشرين سنة .
..و بأس من ان نقول ان كافورا الذي عرفه التاريخ السياسي ،غير كافور الذي عرفه كثيرون من رواة تاريخ الادب ،فمن هؤلاء من صوره في أقبح الصورة ، متأثرا بما لطخه به ابو الطيب من صفات أودعها كل نقمة وبغضاء ، فمن الخير ان نعرف الرجل علي حقيقته ، ولا ننكر عليه مكانته وفطنته ، لنسير في سيرة شاعرنا - بعد ذلك - سير المحايد غير المحابي او المتجني "
* عبد الرحمن البرقوقي
شرح ديوان المتنبي
** الخطوط من وضعنا
haneena
25-11-2005, 02:27 PM
فمن الخير ان نعرف الرجل علي حقيقته ، ولا ننكر عليه مكانته وفطنته ، لنسير في سيرة شاعرنا - بعد ذلك - سير المحايد غير المحابي او المتجني "
أنتظر ذلك...فلم أعرف عن كافور غير الصورة القاتمة التي صوره بها المتنبي
شكرآ لكم جميعآ
عجب الفيا
25-11-2005, 08:11 PM
أنتظر ذلك...فلم أعرف عن كافور غير الصورة القاتمة التي صوره بها المتنبي
سنتعرف تباعا يا حنينة علي الصورة المشرقة التي كان المتنبي قد رسمها لكافور فطغي عليها التعصب العنصري وغطاها من بيدهم كتابة تاريخ الادب العربي فلم يكشفوا الا عن الصورة الدميمة القاتمة فصدقناهم واخذنا بطرف الحكاية لنزيد الصورة قتامة علي قتامة .
من اجود ما قاله ابو الطيب في مدح كافور قصيدة يصف فيها دارا جديدة لكافور ويهنيه بها . ومن آيات اعجابه بكافور في القصيدة ، انه يناديه بالاستاذ ، ويصفه بالشمس المنيرة (السوداء ) :
انما التهنئات للاكفاء * ولمن يدني من البعداء
وأنا منك لا يهنيء عضو * بالمسرات سائر الاعضاء
يقول ان التهانيء توجه عادة من الناس الاخرين اليك ، اما انا وانت انسان واحد فكيف يهنيء العضو في الجسد الواحد بقية الاعضاء . ثم يقول :
أنت أعلي محلة ان تهني * بمكان في الارض أو في السماء
ولك الناس والبلاد وما يسرح بين الغبراء والخضراء
وبساتينك الجياد وما * تحمل من سمهرية سمراء
انما يفخر الكريم أبو المسك * بما يبتني من العلياء
وبايامه التي انسلخت عنه * وما داره سوي الهيجاء
وبما اثرت صوارمه البيض * له في جماجم الاعداء
وبمسك يكني به ليس بالمسك * ولكنه أريج الثناء
لا بما يبتني الحواضر في الريف * وما يطبي قلوب النساء
والمعني يقول البرقوقي : " أنت أعلي منزلة من ان تهنأ بمكان والبلاد كلها والناس ،وكل ما بين السماء والارض ملك لك ، ونزهتك انما هي الخيل وما تحمله من الرماح السمراء ، فهي بساتينك . ان فخر ابي المسك الذي يكني به والذي ليس هو بالمسك ، وانما هو كناية عن طيب الثناء والذكر الجميل والصيت الحسن . ان فخره بما تقدم من ابتناء العلياء وقتل الاعداء وطيب الثناء ، لا بما يبتني المتحضرون من المنازل ولا بالمسك الذي يستميل قلوب النساء . ومعلوم ان كافور الاخشيدي كان يقال له ابا المسك ."
الي ان يقول مخاطبا كافور :
تفضح الشمس كلما ذرت * الشمس بشمس منيرة سوداء
ان في ثوبك الذي المجد فيه * لضياء يزري بكل ضياء
انما الجلد ملبس وابيضاض النفس * خير من ابيضاض القباء
كرم في شجاعة وذكاء في بهاء وقدرة في وفاء
من لبيض الملوك ان تبدل * اللون بلون الاستاذ والسحناء
فتراها بنو الحروب باعيان * تراه بها غداة اللقاء
قال الواحدي فيما نقله عنه البرقوقي في تشبيهه له بالشمس السوداء : " يريد انه في سواده مشرق فهو باشراقه في سواده يفضح الشمس ، ويجوز انه يريد شهرته وانه أشهر من الشمس ذكرا ، او يريد نقاءه من العيوب ." وانا اري ان هذا البيت ينتمي الي شعر الحداثة - اذا جاز التعبير - اذ جمع المتنبي فيه بين النقائض : الشمس والسواد ، فكيف تكون الشمس منيرة وسوداء في ذات الوقت ؟ هذه الصورة لا يقبلها الا الذوق الحداثي وهي من بدائع المتنبي ولا عجب !!
يقول العكبري في شرح بقية الابيات :" انما الجلد ملبس يلبسه الانسان كالثوب (القباء ) ولان تكون النفس سوداء نقية من العيوب خير من ان يكون الملبس ابيض . (لذلك ) فالملوك البيض الالون يتمنون ان يبدلوا الوانهم بلونك ولكن من يكفل لهم هذه الامنية ؟ وقد تمنوا ذلك ليراهم اهل الحرب بالعيون التي يرونك بها وذلك ان الأسود مهيب في الحرب لا يظهر عليه الخوف ، فيرتاع اعداؤه منه اذا لقيهم . "
ثم يختم القصيدة قائلا :
يا رجاء العيون في كل ارض لم * يكن غير ان أراك رجائي
ولقد أفنت المفاوز خيلي * قبل ان نلتقي وزادي
فارم بي ما أردت مني فاني * أسد القلب آدمي الرؤاء
وفواديء من الملوك وان كان * لساني يري من الشعراء
والمعني ، كل امنيتي كانت ان اراك فالكل يطمع في ان تكتحل عيناه برؤيتك وفي سبيل الوصول اليك هلكت دوابي وكمل مائي وزادي . اما قوله " وفؤادي من الملوك " ففيه ايحاء لكافور بان يجعله واليا ولكنه لم يفعل .
نواصل
عجب الفيا
26-11-2005, 08:10 PM
هل تراني بالغت عندما قلت ان شعر ابي الطيب في كافور لا يقل جودة عن شعره في سيف الدولة ان لم يكن اجود ؟!
استمع اليه يمدحه في واحدة من درر المتنبي اجمع محبو وشراحه علي انها من " محاسن شعره " . ولكني اقول بل قصروا في وصفها . يكفي ان النسيب والغزل الذي بها أحسن ما قاله ابي الطيب في المرأة علي قلته . وهي القصيدة التي مطلعها :
من الجآذر في زي ألاعاريب * حمر الحلي والمطايا والجلابيب
الجؤذر ولد البقرة الوحشية تشبه بها النساء في حسن العيون . والجلابيب جمع جلباب وهي الملحفة تلبسها المرأة فوق ثيابها ( الثوب ) .
سوائر ربما سارت هوادجها * منيعة بين مطعون ومضروب
كم زورة في ألاعراب خافية * أدهي وقد رقدوا من زورة الذيب
أزورهم وسواد الليل يشفع لي * وأنثني وبياض الصبح يغري بي
فؤاد كل محب في بيوتهم * ومال كل أخيذ المال محروب
ما أوجه الحضر المستحسنات به * كاوجه البدويات الرعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية * وفي البداوة حسن غير مجلوب
أين المعيز من الآرام ناظرة * وغير ناظرة في الحسن والطيب
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها * مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمام ماثلة * أوراكهن صقيلات العراقيب
ثم يدلف الي مدح الاستاذ كافور :
ترعرع الملك الاستاذ مكتهلا * قبل اكتهال ، أديبا قبل تأديب
مجربا فهما من قبل تجربة * مهذبا كرما من غير تهذيب
حتي أصاب من الدنيا نهايتها * وهمه في ابتداءات وتشبيب
يدبر الملك من مصر الي عدن * الي العراق فأرض الروم فالنوب
اذا أتتها الرياح النكب من بلد * فما تهب بها الا بترتيب
لا تجاوزها شمس اذا أشرقت * الا ومنه لها اذن بتغريب
يصرف الأمر فيها طين خاتمه * ولو تطلس منه كل مكتوب
يحط كل طويل الرمح حامله * من سرج كل طويل الباع يعبوب
كأن كل سؤال في مسامعه * قميص يوسف في أجفان يعقوب
اذا غزته أعاديه بمسالة * فقد غزته بجيش غير مغلوب
او حاربته فما تنجو بتقدمة * مما أراد ولا تنجو بتجبيب
أضرت شجاعته أقصي كتائبه * علي الحمام فما موت بموهوب
قالوا هجرت اليه الغيث قلت لهم * الي غيوث يديه والشآبيب
الي الذي تهب الدولات راحته * ولا يمن علي آثار موهوب
.....
نعود الي شرح الابيات ثم نواصل ايراد المزيد من الروائع التي قالها المتنبي في حضرة الاستاذ ، ابو المسك ، كافور .
عجب الفيا
27-11-2005, 04:00 AM
ترعرع الملك الاستاذ مكتهلا * قبل اكتهال ، أديبا قبل تأديب
مجربا فهما من قبل تجربة * مهذبا كرما من غير تهذيب
حتي أصاب من الدنيا نهايتها * وهمه في ابتداءات وتشبيب
يقول البرقوقي :" الاستاذ لقب كافور ، وهي كلمة فارسية من معانيها المعلم والمدبر والعالم يريد المتنبي ان يؤكد في هذا البيت معني البيت السابق "
فما الحداثة من حلم بمانعة * قد يوجد الحلم في الشبان والشيب
يقول : " ان كافورا نشا علي الاكتهال ( النضج) قبل ان يكتهل سنا ، وعلي الادب قبل ان يؤدب ، اي انه ترعرع علي ذلك طبعا ، وهذا دليل علي ان الحداثة (الشباب) ليست بمانعة من الحلم . نشا مجربا قبل ان يجرب - لما جبل عليه من الفهم - مهذبا قبل ان يهذب - بما طبع عليه من الكرم . والتشبيب - البيت الثالث - ذكر ايام الشباب وهنا ابتداء كل امر. يقول ان كافور اصاب الغاية القصوي من دنياه وهو الملك ، ومع ذلك لا تزال همته في بداية امرها ، اي انه بعيد مرتقي الهمة .
يدبر الملك من مصر الي عدن * الي العراق فأرض الروم فالنوب
اذا أتتها الرياح النكب من بلد * فما تهب بها الا بترتيب
لا تجاوزها شمس اذا أشرقت * الا ومنه لها اذن بتغريب
يريد اتساع رقعة ملكه وترامي حدودها الي هذه الاطراف . فكان كافور يملك مصر والشام والحجاز ولكنه لم يملك عدن ولا العراق ولا أرض الروم - الاناضول- ولا النوب (النوبة ) - انما مملكته تحد بهذه البلاد .
ان لهيبته وعظمته في النفوس اذا هبت الرياح الهوج في بلاده هبت مستوية رزينة مرتبة اعظاما له واجلالا. والرياح مثل أراد به المبالغة في اعظام الناس اياه وتنكبهم التمرد عليه حتي لو كانت الرياح تعقل لاستوت واطردت مهابة له .
حتي الشمس لا تغرب عن مملكته بعد ان تشرق الا باذنه .
يصرف الأمر فيها طين خاتمه * ولو تطلس منه كل مكتوب
يحط كل طويل الرمح حامله * من سرج كل طويل الباع يعبوب
يقول ان امره ممتثل مطاع في بلاده حتي لو كتب مكتوبا بامره من الامور ثم انمحي كل ما كتب ولم يبقي الا الخاتم امتثل امره بمجرد رؤية الخاتم اعظاما واجلالا . واليعبوب الفرس السريع . يقول : ان حامل خاتم كافور ينزل الفارس البطل الطويل من سرج الفرس السريع الجري . اي ان الفارس اذا راي خاتم كافور سجد له اعظاما فنزل عن فرسه ، والمعني انه نافذ الامر مطاع .
كأن كل سؤال في مسامعه * قميص يوسف في أجفان يعقوب
اذا غزته أعاديه بمسالة * فقد غزته بجيش غير مغلوب
او حاربته فما تنجو بتقدمة * مما أراد ولا تنجو بتجبيب
أضرت شجاعته أقصي كتائبه * علي الحمام فما موت بموهوب
يقول انه لا يرد السائل اي كان فلو صمدت اليه اعداؤه سائلة مستجدية نالت مطلوبها ،فكانه قد غزته بجيش لا يغلب . واذا قصده أعداؤه محاربين ، لم ينجوا من ارادته فيهم فلا يفيدهم الاقدام لانهم لا يقدرون عليه ولا الهرب لانه يدركهم لا محالة .
اضرت شجاعته : (بسكون الضاد وفتح الراء ) من الضراوة وهي الدربة والعادة . والحمام بالكسر : الموت . يقول ان شجاعته عودت الجبناء من رجاله لقاء الموت وجرأتهم عليه فليس الموت مرهوبا عندهم .
قالوا هجرت اليه الغيث قلت لهم * الي غيوث يديه والشآبيب
الي الذي تهب الدولات راحته * ولا يمن علي آثار موهوب
يقول البرقوقي : يعرض المتنبي - فيما يظهر - بسيف الدولة ويقول : يلومني الناس علي هجري الغيث - يعني سيف الدولة - وهم واهمون في هذا اللوم لاني تركت غيثا الي غيوث : اي انني فارقت كريما الي من هو أكرم .
اني هجرت الي من يعطي العطاء الجزيل ويهب الهبات الخطيرة ولا يتبع هبته بالمن . وهذا تعريض بين بسيف الدولة . والدولات جمع دولة وهو ما يتداول ، وتطلق علي المال والغلبة والمراد هنا المال الجزل او الولايات والممالك .
__________
* الشرح للبرقوقي وهو لا يختلف عن شرح ابي البقاء العكبري ولكنه اكثر تفصيلا واحاطة بالمعني .
عبدالله الشقليني
27-11-2005, 09:52 PM
إلى حنينة والقدال ومحمد أحمد والفيا :
كنتم رفقة حانية على عتبات المحفل .
سنعرج للغزل قبل أن يورد الفيا قصة شاعرنا و كافور ،
علنا نجد عِلة نتمسك بها في رهاننا على الوجدان المضطرب للمبدعين .
يقولون :
ـــ المكتئب لا يضحك ، ولا يخفق قلبه للمحبة . شديد الحساسية لكنه بعيد عن الأفراح .
للشاعر المتنبي غور في شعر الغزل ، ولكنه مُقِلّ فيه . لا يسهِب في الغزل عند فواتح القصائد
مثل غيره من الشعراء . لا يصبر عليه في أول القصائد . إن أشعر في الغزل لا يُجارى ،
فله اليد الطولى . المديح يُحقق الطموح ، وطموح شاعرنا أكبر من محطات الغزل الخاصة .
لم يُفرد أبو الطيب للغزل قصيدة بعينها ، فبدت غزلياته جريا على العادة يُطالع بها القصائد .
يستعجلها قاصداً المدح والثناء :
1ـ كتب أنه في شغل شاغل عن مغازلة النساء :
وغير فؤادي للغواني رمية .. وغير بناني للدنان ركاب
تركنا لأطراف القنا كل شهوة .. فليس لنا إلا بهُنّ لِعابُ
2ـ ثم يأتي بالنقيض الباذخ سلساً ناعماً في انفعال الوجد ،
جديد الأسلوب حين قال :
سفرت وبرقعها الفراق بصُفرة .. سترت محاجرها ولم تك برقعا
فكأنها والدمع يقطر فوقها .. ذهب بسمطي لؤلؤ قد رصعا
واستقبلت قمر السماء بوجهها .. فأرتني القمرين في وقت معا
ملاحظة خارج الموضوع :
وفي البيت الأخير تذكرت أحد شعراء الأغنية السودانية ،
وقد اقتبس بيت الشعر الأخير ، ولم يترك العظم أو اللحم أو الفرو !!!
حين قال في أغنية تغنى بها صلاح مصطفى :
{قمرين دُنيانا
واحِد في سماهُ والتاني معانا
هو ديا حبيبي }
نعود لشاعرنا الفخيم :
أهو ارتجاج النفس وقد غلبها الطموح ،
فتواضع العِشق في البوح الشِعري ،
أم هو السعي الحثيث إلى المغانم الكُبرى ،
يستهين الشاعر بالغزل في وجه الطموح ؟
ليت لي أيها الشاعر الفخيم ساعداً قوياً يضرب الموج من حول قاربك ،
لأسير معك الأفق إلى الشمس قبل أن تغطس .
عبدالله الشقليني
27/11/2005 م
عجب الفيا
28-11-2005, 03:58 AM
شكرا الحبيب الشقليني علي حديث الغزل في شعر المتنبي . ومن المعروف وبحكم التركيبة الموضوعية للقصيدة العربية الكلاسيكية الغزل مدرج كغرض واحد فقط من الاغرض الكثيرة التي تنشأ من اجلها القصيدة والتي تحدثنا عنها في بدايات هذا الحوار لكنه لا ينفرد الغزل بالقصيدة الا في شعر العذرين قيس وذريح وكثير وشاعر الغزل ابن ابي ربيعة .
لذلك ياتي دائما شعر الغزل في قصائد المتنبي - كما تفضلت كاستهلال جريا علي التقليد المتبع منذ امريء القيس . وعلي الرغم من قلته الا انه يعد من اجود ما قيل من شعر في الغزل . وقد حاول هو والشعراء المجددين - ابو تمام وابو نواس والبحتري وبشار - كسر هذا التلقيد لكنهم لم يفلحوا الا قليلا .
قال المتنبي :
اذا كان مدح فالنسيب المقدم * أكل فصيح قال شعرا متيم ؟
وقال ابو نواس :
صفة الطلول بلاغة الفدم * فجعل صفاتك لابنة الكرم
ولكني لا اظن ان قلة الغزل في شعر المتنبي له علاقة بالاكتئاب او الاضطراب الوجداني اللهم الا اذا حكمنا علي كل شعراء القصيدة العربية الكلاسيكية بذلك .
الشكر مجددا استاذ عبدالله وفي انتظار ان تتحفنا برايك عن ما ورد في شان الصورة المغيبة لكافور في شعر المتنبي .
ونواصل اكمال الجوانب المشرقة لتك الصورة .
عجب الفيا
28-11-2005, 04:46 AM
قيل ان شبيب العقيلي كان واليا علي معرة النعمان بالشام فخرج علي كافور بجيشه يريد الاستيلاء علي دمشق فمات بغتة بالصرع . فقال المتنبي مادحا كافور :
عدوك مذموم بكل لسان * لو كان من اعدائك القمران
ولله سر في علاك وانما * كلام العدا ضرب من الهذيان
أتلتمس ألاعداء بعد الذي رأت * قيام دليل او وضوح بيان
رأت كل ما ينوي لك الغدر يبتلي * بغدر حياة او بغدر زمان
برغم شبيب فارق السيف كفه * وكانا علي العلات يصطحبان
ولم يدرك ان الموت فوق شواته * معار جناح محسن الطيران
وقد قتل الاقران حتي قتلته * باضعف قرن في أذل مكان
أتته المنايا في طريق خفية * علي كل سمع حوله وعيان
وهل ينفع الجبش الكثير التفافه * علي غير منصور وغير معان
الي ان يقول :
ثني يده الاحسان حتي كأنها * وقد قبضت كانت بغير بنان
قضي الله يا كافور بانك اول * وليس بقاض ان يري لك ثان
فما لك تختار القسي وانما *عن السعد يرمي دونك الثقلان
وما لك تعني بالاسنة والقنا * وجدك طعان بغير سنان
ولم تحمل السيف الطويل نجاده * وأنت غني عنه بالحدثان
أرد لي جميلا جدت او لم تجد به * فانك ما احببت في أتاني
لو الفلك الدوار أبغضت سعيه * لعوقه شيء عن الدوران
نعود لشرح الابيات
عجب الفيا
28-11-2005, 07:38 PM
لو الفلك الدوار أبغضت سعيه * لعوقه شيء عن الدوران
هذا البيت يعكس ثقافة المتنبي الواسعة والمامه بعلوم عصره من فلسفة وفلك وخلافه . ان فكرة دوران النجوم والكواكب لا زالت غير مهضومة عند الكثيرين رغم الانجازات العلمية المحسوسة . في الثقافة الدينية الكواكب تجري وتسبح "كل في فلك يسبحون " والشمس تجري لمستقر لها " .اما فكرة الدوران حول مدارات ثابتة فهذا من المدركات العقلية التي انتقلت الي الثقافة العربية من الامم القديمة كاليونان .
اذكر انني عندما صادفني هذا البيت اول مرة ايام الدراسة الثانوية اصابتني نشوة ، كنشوة طفل يكتشف العالم لاول مرة .
يقول البرقوقي في شرح هذا البيت وهو اخر بيت من القصيدة :
" الفلك يروي بالنصب والرفع والنصب أجود . يقول لو كرهت دوران الفلك لحدث له شيء يمنعه عن الدوران ، يريد المبالغة في قوة سعده ومؤاتة الاقدار لمراده ، وهو المعني الذي تحور اليه اكثر هذه الابيات ، قال الواحدي : هذه الابيات ليس في معناه مثل لها . "
ويقصد كل الابيات السابقة لهذا البيت الاخير في القصيدة والتي اوردناها اعلاه :
عدوك مذموم بكل لسان * لو كان من اعدائك القمران
ولله سر في علاك وانما * كلام العدا ضرب من الهذيان
أتلتمس ألاعداء بعد الذي رأت * قيام دليل او وضوح بيان
رأت كل ما ينوي لك الغدر يبتلي * بغدر حياة او بغدر زمان
يقول البرقوقي القمران الشمس والقمر . يقول : من عاداك دل بذلك علي جهالته وسقطت منزلته عند الناس وعاداه كل احد وذمه ، ولو كان القمران من أعدائك لصارا مذمومين مع عموم نفعهما وارتفاع منزلتهما . ان لله سر فيما أعطاك من العلو والبسطة لا يطلع الناس علي ذلك السر ولا يعلمون ما هو وما يخوض فيه الاعداء من الكلام انما هو نوع من الهذيان . وهل يطلب أعداءك دليلا علي ان الله يريد ان يرفع قدرك علي من يعاديك بعد الذي رأوه ؟
لقد راي الاعداء كل من ينطوي لك علي غدر او يضمر لك خلافا غدرت به حياته ، فهلك قبل ان ينال منك مأربا ، او غدر به الدهر فهلك بآفة تصيبه ."
قضي الله يا كافور بانك اول * وليس بقاض ان يري لك ثان
" قال الواحدي : هذا من أجود ما مدح به ملك ، يقول : قضي الله انك اول المكارم والمعالي ولم يسبقك احد الي ما سبقت اليه ولم يقض ان يلحقك احد او يكون لك مثل فيكون ثانيك .
فما لك تختار القسي وانما * عن السعد يرمي دونك الثقلان
وما لك تعني بالاسنة والقنا * وجدك طعان بغير سنان
ولم تحمل السيف الطويل نجاده * وأنت غني عنه بالحدثان
أرد لي جميلا جدت او لم تجد به * فانك ما احببت في أتاني
لو الفلك الدوار أبغضت سعيه * لعوقه شيء عن الدوران "
الثقلان : الأنس والجن . يقول لا حاجة لك باستجادة القسي لترمي بها اعداءك - اكانوا من الانس ام من الجن - يرمون عن قوس سعدك . اي ان قسي سعدك ترميهم عنك فيهلكون بالآفات تصيبهم ، اذن لا تحتاج الي اتخاذ السلاح .
الجد بالفتح : الحظ . والمعني متصل بما قبله ، لماذا تعتني بادخار الاسنة والرماح وحظك يطعن أعداك فيقتلهم بغير سنان .فانت مستغن بحوادث الدهر عن استعمال السيف في قتل اعدائك . يشير في هذه الابيات كلها الي مصرع شبيب حين خرج عليه دون ان يكون هلاكه بشيء من السلاح ."
عجب الفيا
03-12-2005, 08:07 AM
هذه اول قصيدة يمدح فيها كافور بعد قدومه مصر . وهي من اجود اشعاره وتتكون من 47 بيتا .
يقول في مطلعها :
كفي بك داء ان تري الموت شافيا * وحسب المنايا ان يكن أمانيا
تمنيتها لما تمنيت أن تري * صديقا فاعيا أو عدوا مداجيا
المتنبي هنا يشكو كيف وصل به الحال في اخر ايامه مع سيف الدولة مما دعاه الي المجيء الي كافور . المنايا جمع منية وهي الموت . يقول والمنية اذا صارت امنية فهي غاية البلية والمعني كفاك من اذية الزمان ما تمني معه الموت . يقول انه تمني هذه الحال لما عجز ان يظفر بصديق مصاف. وهو هنا يعرض بغدر سيف الدولة له .
الي ان يقول :
قواصد كافور توارك غيره * ومن قصد البحر استقل السواقيا
والمعني اننا اتخذنا السواقي فقط كوسيلة توصلنا الي البحر. والبحر هو كافور والسواقي غيره من الملوك وفيه تعريض واضح بسيف الدولة . قيل لما سمع هذا البيت قال : جعلني ساقية وجعل الاسود بحرا !
فجاءت بنا انسان عين زمانه * وخلت بياضا خلفها ومآقيا
اي ان السواقي جاءت بنا الي كافور- انسان عين الزمان . قال الواحدي : جعله انسان عين الزمان كناية عن سواد لونه وانه هو المعني المقصود من الدهر وابنائه وان سواه فضول لا حاجة باحد اليهم فان البصر في سواد العين وما حوله جفون ومآق لا معني فيها .وعبارة التبريزي : شبه الناس ببياض العين لانه لا ينتفع به في النظر وجعل كافورا انسان العين لان الخاصية فيه ".
فتي ما سرينا في ظهور جدودنا * الي عصره الا نرجيء التلاقيا
قال الواحدي : يريد انه كان يرجو لقاءه مذ قديم ، حين كان يتنقل في أصلاب آبائه" . فان صح كلام الواحدي فاني اري ان المتنبي استوحي هذا المعني من الاية القرانية التي تخاطب الناس قبل الخلق وهم في عالم الغيب : " واذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم علي انفسهم الست بربكم قالوا بلي " . - الاعراف - 172
أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقا * اليه وذا اليوم الذي كنت راجيا
أبا كل طيب لا أبا المسك وحده * وكل فاخر وقد جمع الرحمن فيك المعانيا
اذا كسب الناس المعالي بالندي * فانك تعطي في نداك المعاليا
وغير كثير ان يزورك راجل * فيرجع ملكا للعراقين واليا
قد تهب الجيش الذي جاء غازيا لسائلك الفرد الذي جاء عافيا
الي ان يقول :
مدي بلغ الاستاذ أقصاه ربه * ونفس له لم ترض الا التناهيا
دعته فلباها الي المجد والعلي * وقد خالف الناس النفوس الدواعيا
فأصبح فوق العالمين يرونه * وان كان يدنيه التكرم نائيا
خالد الحاج
03-12-2005, 09:38 AM
العزيز منعم
تحياتي أيها الإنسان الجميل
أتابع والله حرفآ بحرف.
أليس غريبآ بعد كل هذا الشعر الجميل والقصائد التي تعد من عيون الشعر في كافور ألا يسير لسان
العامة إلا بهجائياته لكافور.
وكأنه قرد يقهقه أو عجوز تلطم
هذا عجز لبيت لا أذكر مطلعه.
لا تشتري العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد
وعبد مشفره نصفه يقال له أنت بدر الدجي
بقيت هذه الأبيات وأخر من قصائد المتنبئ هي الأكثر تداولآ بين العامة ومن سخرية الأشياء أن (الشينة ترقد)
علي قول أهلنا ويذهب الجميل وإن كثر.
هذه مقالة أشارك بها. كاتبها هو الأستاذ زكريا تامر توضح أكثر ما أعنيه هنا :
نبوءة كافور الإخشيدي
صاح كافور الإخشيدي بأعوانه: (قبل ثلاثة أيام دخل البلاد رجل غريب اسمه المتنبي، وآمركم بإحضاره إلي فورًا حيا أو ميتًا).
وكان المتنبي آنئذٍ يمشي في شوارع القاهرة، وئيد الخطى، متنقلاً من شارعٍ إلى شارع، وكل شارع يبدو لعينيه عالمًا جديدًا سحريا قادرًا على أن يهب بهجة تحول الرمل عشبًا أخضر.
وبلغت بهجة المتنبي الذروة عندما رأى نهر النيل، فتوقف عن المسير، ونظر إلى ماء النهر كأنه طفل يشاهد بحرًا أول مرة في حياته.
قال النيل للمتنبي: (اهرب. الهرب مما ينتظرك جرأة وشجاعة وبطولة).
فلم يسمع المتنبي ما قاله النهر، إنما تدفقت إلى مخيلته كلمات كثيرة تتنافس على وصف نهر وامرأة وملك عادل.
قال النيل للمتنبي: (اهرب، اهرب، اهرب!).
ولكن المتنبي كان يجهل لغة الأنهار، واستمرت كلماته في التنافس على وصف نهر عظيم وامرأة جميلة وملك رحيم متسامح. ثم تبددت فجأة حين انقض على المتنبي عدد من الرجال الأقوياء، القساة الوجوه والأيدي، واقتادوه إلى قصر كافور الإخشيدي غير مبالين بتساؤلاته وصياحه النزق المحتج.
كافور الإخشيدي: (المعلومات المتوافرة لدي تقول إنك لست مصريا).
المتنبي: (إذا كنت مولودًا بالكوفة وجئت مصر زائرًا، فهل هذا مسوِّغ لاعتقالي ومعاملتي أسوأ معاملة).
المتنبي (بهزء): (أمرك مطاع).
كافور: (اخرس. ألم آمرك بألا تتكلم).
المتنبي: (لن أتكلم).
كافور: (ليس من حقك أن تتكلم أو تسكت إلا وفق أوامري. قل لي: ما اسمك).
المتنبي: (المتنبي.. أبو الطيب المتنبي).
كافور: (ماذا تشتغل).
المتنبي: (لا مهنة لي سوى الكتابة. أنا شاعر).
كافور: (لا تتحذلق. الشعر أيضًا مهنة لا تختلف عن مهنة الحداد والنجار والدهان وحفار القبور. اسمع. ما دمت تزعم أنك شاعر، فهل نلت إذنًا من السلطات المختصة).
المتنبي: (وهل تطلب السحابة إذنًا إذا أرادت أن تمطر).
كافور: (إني أكلمك عن قوانين وأنظمة، فلا تجاوبني بكلام منمق سخيف يصلح لأن يوجه إلى مراهقات. أنت الآن لست في الصحراء. أنت في بلاد يسودها التنظيم، وكل عمل لابد لصاحبه من أن ينال إذنًا رسميا قبل أن يمارسه، وأنت خالفت القوانين عندما نظمت شعرًا من غير إذن).
المتنبي: (لقد جئت إلى مصر قبل ثلاثة أيام فقط، ولم أنظم بعد أي قصيدة، ولم أخالف أي قانون من قوانين البلاد).
كافور: (أنت تدعي أنك شاعر، فما الدليل على أنك شاعر حقًا?).
المتنبي: (أشعاري مشهورة في البلاد العربية كلها، ولا أحد يجهلها).
كافور: (يا لك من وقح! أتجرؤ على اتهامنا بالجهل?).
المتنبي: (كل ما أردت قوله هو أني شاعر ذائع الصيت. ونظمت كثيرًا من الأشعار).
كافور: (هل غنّى أشعارك مشاهير المغنين والمغنيات? أم كلثوم.. لبلبلة.. وردة الجزائرية.. أحمد عدوية.. محرم فؤاد.. شادية.. عبد الحليم حافظ? ما لك صامت? لماذا لا تجيب? أرى أن وجهك قد احمرّ.. احمرّ خجلاً من افتضاح كذبك. سأُتيح لك الفرصة لتثبت أنك شاعر. هيا أسمعني بعض أشعارك).
المتنبي:
يا أعـدل الناس إلاّ فـي معاملتي فيك الخصام وأنت الخصـم والحكم
أعيـذهـا نظـرات منـك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
ومـا انتفاع أخـي الدنيا بناظـره إذا استوت عنـده الأنوار والظلـم
أنا الذي نظـر الأعمـى إلى أدبي وأسمعـتْ كلماتي مـن بـه صمم
كافور: (ما سمعته ليس سيِّئًا. أتجيد نظم قصائد المدح?).
المتنبي: (سبق لي أن مدحت الكثير من الملوك والأمراء.
كافور: (ما دمت تتقن المدح، فينبغي لك أن تنظم قصيدة في مدحي. أنت الآن في مصر، وأنا حاكم مصر. وإذا كنت لست عميلاً لأعداء مصر وتحب مصر، فمن واجبك مدح حاكمها).
المتنبي: (أنا لم أمدح في حياتي سوى رجال عرفتهم، وعرفت ما لهم وما عليهم).
كافور: (أتلمح إلي أنك لا تعرفني? ها أنا ذا قاعد قبالتك وقد صرت تعرفني).
المتنبي: (لم أعرفك بعد المعرفة التي تتيح لي نظم قصيدة في مدحك).
فابتسم كافور الإخشيدي، وأشار بيده إلى أعوانه، فهجموا على المتنبي، وطرحوه أرضًا، ووضعوا رجليه في فلقة، وانهال بعضهم بالعصا ضربًا على باطن قدميه، بينما راح بعضهم الآخر يركل رأسه وجسمه ركلاً شديدًا.
تألم المتنبي، ورغب في أن يصرخ متوجعًا، ولكنه قاوم، وكظم رغبته، وما لبث الألم أن دفعه إلى الصراخ شاتمًا، مستغيثًا. فضحك كافور، وقال: (ما هذا الصوت الجميل? أنت لست شاعرًا. أنت تصلح لأن تكون مغنيا. الله! ما أجمل هذا الصوت! تابع.. أطربنا).
وحين تحول صراخ المتنبي إلى بكاء ذليل، أمر كافور بالكف عن ضربه.
ووقف المتنبي أمام كافور الإخشيدي محني الرأس بذل، مبتل الوجه بالدموع والدماء.
كافور: (ستنظم قصيدة مطوّلة تمتدحني).
المتنبي: سأفعل ما تأمر به.
كافور: (سأعطيك مهلة مدتها سبعة أيام لنظم القصيدة، وستنجو من القتل إذا أعجبتني).
وهمّ المتنبي بالخروج، فقال له كافور: (قف واسمع يا متنبي. إياك وأن تظن أني كغيري من الحكام. إذا أعجبتني قصيدتك، فلا تحلم بنيل درهم واحد من أموالي).
وعاد المتنبي إلى كافور الإخشيدي بعد أربعة أيام، وأسمعه ما نظم من شعر في مدحه، فطرب كافور، وانتشى، وقال: (أنت شاعر حقّا).
وفكر كافور الإخشيدي لحظات، ثم قال للمتنبي: (سأعرض عليك عرضًا لا مثيل له. اختر إما الضرب حتى الموت وإما الحصول على ألف دينار).
المتنبي: (لا أحد يفضل الضرب على ألف دينار).
كافور: (ستنال ألف دينار إذا نظمت قصيدة تهجوني فيها أقذع هجاء).
حاول المتنبي أن يتكلم، ولكن كافورا قال له: (اسكت ولا تنطق بكلمة واحدة. إذا لم تنظمها ضربت، وإذا هجوتني نلت ألف دنيار).
فوعد المتنبي بأنه سيهجوه، وبرّ بوعده، ونظم قصيدة في هجاء كافور الإخشيدي، ونال ألف دينار.
وما إن خرج المتنبي حتى تصايح أعوان كافور الإخشيدي مستغربين مستنكرين، فقال لهم كافور بصوت صارم: (ستظلون أغبياء تجهلون التعامل مع البشر والحياة. سأشرح لكم ما فعلت وأسبابه. المتنبي شاعر متكبر، متعجرف، معتد بنفسه، ويجب أن يعاقب ولا سيما أنه سيكون في المستقبل من الشعراء الخالدين. وقد عاقبته شر عقاب. لقد أرغمته على مدحي ثم أرغمته على هجائي، وهذا التناقض سيصبح في المستقبل تهمة شائنة تدين المتنبي، وتبرهن على أنه مجرد مرتزق صغير غير جدير بالاحترام).
وفيما بعد، اغتيل المتنبي، ومات كافور الإخشيدي، ولكن ما تنبأ به كافور تحقق وعوقب المتنبي شرّ عقاب حيّا وميتًا .
المصدر :
http://www.syrianstory.com/z-tamer.htm
عجب الفيا
04-12-2005, 03:47 PM
صديقي الجميل خالد شكرا للمتابعة الرصينة
الحقيقة ليس العامة وحسب بل للاسف بعض مثقفينا الرادكاليين يحكمون علي المتنبي بمعايير اليوم ويقفون منه ومن شعره موقفا سلبيا بسبب هجائه كافور وهذا الموقف غير التاريخاني يصب في مصلحة العنصريين من العرب الذين اغضبهم مدح المتنبي لكافور فطفقوا يقللون من ذلك ويحاولون المستحيل لصرف هذا المديح وقلبه الي هجاء بشتي السبل .
وقد المح الطيب صالح الى ذلك في كتابه : " في صحبة المتنبي ورفاقه" وأورد مثالا عليه الكاتب والمحقق الاسلامي المصري الاستاذ محمود شاكر ، اذ يقول :
" وقد زعم الاستاذ محمود محمد شاكر ، وسار كثيرون علي دربه ، ان المتنبي لم يمدح كافورا الاخشيدي ، وانما اضمر له الهجاء والسخرية فيما يظن انه مدح . وضرب مثلا علي ذلك قول المتنبي لكافور :
تفضح الشمس كلما ذرت * الشمس بشمس منيرة سوداء
ان في ثوبك الذي المجد فيه * لضياء يزري بكل ضياء
ويقول - يقصد محمود شاكر : " تدبر التهكم العجيب في هذه الابيات وذكر المستحيلات التي لا تكون ولا تتوهم ، اذ جعله ، شمسا منيرة ، ولكنها سوداء "
ويعلق الطيب صالح علي كلام محمود شاكر بقوله : " هذا يا عمرك الله ، من قبيل الحكم علي الامور باثر رجعي ، وحسب معايير غير معايير العصر الذي حدثت فيه . كون المتنبي مدح كافورا الاخشيدي ، أمر لا مراء فيه . وعلي اي حال فنحن اليوم بعد كل ما افدناه من علوم الفيزياء وخصائص اللون ، وما فعله الرسامون التعبيريون ، أقدر علي تخيل الشمس كيف تكون منيرة سوداء . وقد وضع أهل دولة غانا نجمة سوداء علي علمهم الوطني ، لانهم رأوها أكثر ضواء من نجمة بيضاء . ومن اراد ان يعرف اكثر كيف يكون السواد مضيئا ، فليقراء شعر سيدار سنقور وايمي سيزير .
ثم يواصلا متسائلا :
" وهب ان ذلك لم يكن مدحا ، فما قولك في هذه الابيات :
قواصد كافور توارك غيره * ومن قصد البحر استقل السواقيا
فجاءت بنا انسان عين زمانه * وخلت بياضا خلفها ومآقيا
فتي ما سرينا في ظهور جدودنا * الي عصره الا نرجيء التلاقياا
اذا لم يكن هذا مديحا فلست أدري كيف يكون المديح !
قال شيخنا ابو البقاء رحمه الله : " قال ان سيف الدولة لما سمع البيت قواصد كافور قال : " له الويل ، جعلني ساقية وجعل الاسود بحرا "
ثم يواصل الطيب صالح : " وعندي ان أعجب من ان المتنبي جعل كافورا بحرا مثل بحر النيل وجعل سيف الدولة ساقية مثل نواعير حمص ، كونه جعله "انسان عين زمانه" فهذه آية اخري من آيات الشمس المنيرة السوداء " . - انتهي .
اي انه يقصد ان قول المتنبي في كافور :
فجاءت بنا انسان عين زمانه * وخلت بياضا خلفها ومآقيا
تاكيد لضياء الشمس السوداء ، وزيادة عليه :
تفضح الشمس كلما ذرت * الشمس بشمس منيرة سوداء
وهو كذلك فقد صدق ابو زينب .
* * *
اما زكريا تامر فهو فنان ساخر اخشي ان يكون قد اوحي بذلك الي تحميل مسئولية عذاب المتنبي حيا وميتا لكافور المسكين الذي اكرمه واغدق عليه العطايا والهبات ولم يقصر معه .
haneena
17-07-2007, 01:48 PM
أفتقدت هذا البوست
عبدالله الشقليني
20-07-2007, 07:57 AM
في الإبداع ومحبة القَمر وأبو الطيب .
الإبداع والماء الساكِن ، حين يلتقيا ينهض الماء مُتموجاً ، مُتكسراً حلقات وأقواسَ .
لن يسلم المُبدع من طوفان غلو الوجدان ، وارتجاج الظواهر في النفس وألقها . حين تتفرس الدُنيا بغير التي يراها العامة . إن مسلك القطيع :
لوثة العادة وسكون المُستكين .
في مُختبر النفس ، إن كنتَ سليماً من كل عيب فأنت مع التيار تسير ، تطفو في سطح الحياة ، تعلف من علف العامة ، وينام عقلك المُبدع فتعود أدراجك كائن تأكل وتنام وتتناسل وتصرخ وتبكي وتضحك ... وأنتَ بعيد عن إرهاق التأمل
وهياج الإبداع .
لم ولن يكُن أبو الطيب عادياً لا في المسلك ولا في النظم ، ولا في الحياة وخياراتها .
وفي دراسة القدماء الكثير من أبواب في نقد النصوص الشعرية عامة وتقارب بعضها واقتباس البعض وهو باب يسميه الأقدمون :
الاصطراف ، الانتحال ، الادعاء ،الإغارة ، الغصب ، المرافدة ، الاهتدام ، الاختلاس ، المواردة وغيرها .
وباب يسميه المُحدثون بالتناص :
التطابق ، التباعد ، التحاذي ، التقاصي ، التفاعل .
و قد واجه به النقاد طرائق أبو الطيب في الكتابة الشعرية و رد عليها :
الشعرُ جادة ، وربما وقع الحافر على موضع الحافر .
الإبداع عمل صفي مُضن ، وزاده معرفة ما سبق ، والجلوس جلوس الصفاء للإضافة الجديدة المُبدعة ، وتلك مُنية من اهتزت مشاعره ، وأقلقت منامه العواصف الشاعرة وركوب المصاعب لاصطياد الجملة البلاغية الفاتنة من اصطفاف الكلمات والأحداث والمعاني . هذا عمل لا يقدر عليه العامة من الذين يعيشون كما يصنفهم علماء النفس : ( من يعيشون استقراراً نفسياً ) !
فالمُستقر كالماء الراكد ، تتجمع فيه الطحالب ، والمُبدع بحر تموج بواطنه من فعل الرياح والأعاصير ومحبة القَمَرْ .
بابكر مخير
20-07-2007, 04:15 PM
حظيت أن أهداني الدكتور العالم حاكم عبد الرحمن حاكم، كتابه بين المتنبي وشكسبير
تناول الكتاب شعر المتنبي ونوع التأثر البائن في كتابات (أشعار) شكسبير.
بلتعاون مع الحبيب باشمهندس عبد الله، سوف أطلب من الدكتور حاكم إن أمكن تنزيل بعض من هذه الدراسة الجميلة
عجب الفيا
26-07-2007, 10:44 AM
العزيزة حنينة
كدت انسى تفاصيل هذا النقاش ،
شكرا لك مرة اخرى على اتاحة الفرصة
وشكرا على نعاش الذاكرة
والتحية لكل من شارك كاتبا كان ام قارئا .
والتحية موصولة للدكتور القدال .
عمرابي
27-07-2007, 12:26 PM
الاخت حنينة تشكري علي البوست الجميل
كل المتداخلين لكم التحايا العطرة
المتنبئ و كما ذكر في سابق مداخلاتكم نشأ نشاة فقيرة والده سقّاء وكان رافض لذاته ان تكون في هذه المرتبة.
مدح المتنبئ سيف الدولة و كان من المقربين و حتّي انه احب اخت الامير ليس حبا" بها و انما لينال مبتغاه من السلطة اللتي كان يلهث وراءها.
ترك مدح سيف الدولة و اتجه الي كافور الاخشيدي و السبب هو نفس المصلحة في ان يقلده كافور احدي المقاطعات واليا" لها
كان كافور داهية لم يرفض طلب المتنبئ و لم يقبله و استطعاع بمكره و دهاءه ان ينال قصائد محترمة من المدح الجميل
ايضا" ذاق كافور هجاء المتنبي المر اللذي ادّي الي ممات الشاعر الفذ,, وما هجا المتنبئ كافورا" الا لسبب واحد وهو عدم توليته منصبا" يرضي طموحه.
اذا" نري المتنبيء يمدح لذاته و يهجو لها ,,,يمجّد اليوم كافورا" و غدا" يهجوه وكان ديدنه اما ان ينال مبتغاه او ينال الملوك من مداده الهجاء القاسي
وحتّي يكون كاملا" في نظر الملوك لم يكن يجيد الشعر فقط فهو فارس لا يشق له غبار و مقاتل من الطراز الاول و قائد محنّك.
استطاع من خلال المدح في قصور الامراء ان يجني من المال الكثير لينسي مرارت الفقر ولكن اللذي لم ينله هو الحكم اللذي كان يسعي اليه الي ان مات.
عمرابي
haneena
27-07-2007, 04:22 PM
في الإبداع ومحبة القَمر وأبو الطيب .
الإبداع والماء الساكِن ، حين يلتقيا ينهض الماء مُتموجاً ، مُتكسراً حلقات وأقواسَ .
لن يسلم المُبدع من طوفان غلو الوجدان ، وارتجاج الظواهر في النفس وألقها . حين تتفرس الدُنيا بغير التي يراها العامة . إن مسلك القطيع :
لوثة العادة وسكون المُستكين .
في مُختبر النفس ، إن كنتَ سليماً من كل عيب فأنت مع التيار تسير ، تطفو في سطح الحياة ، تعلف من علف العامة ، وينام عقلك المُبدع فتعود أدراجك كائن تأكل وتنام وتتناسل وتصرخ وتبكي وتضحك ... وأنتَ بعيد عن إرهاق التأمل
وهياج الإبداع .
لم ولن يكُن أبو الطيب عادياً لا في المسلك ولا في النظم ، ولا في الحياة وخياراتها .
وفي دراسة القدماء الكثير من أبواب في نقد النصوص الشعرية عامة وتقارب بعضها واقتباس البعض وهو باب يسميه الأقدمون :
الاصطراف ، الانتحال ، الادعاء ،الإغارة ، الغصب ، المرافدة ، الاهتدام ، الاختلاس ، المواردة وغيرها .
وباب يسميه المُحدثون بالتناص :
التطابق ، التباعد ، التحاذي ، التقاصي ، التفاعل .
و قد واجه به النقاد طرائق أبو الطيب في الكتابة الشعرية و رد عليها :
الشعرُ جادة ، وربما وقع الحافر على موضع الحافر .
الإبداع عمل صفي مُضن ، وزاده معرفة ما سبق ، والجلوس جلوس الصفاء للإضافة الجديدة المُبدعة ، وتلك مُنية من اهتزت مشاعره ، وأقلقت منامه العواصف الشاعرة وركوب المصاعب لاصطياد الجملة البلاغية الفاتنة من اصطفاف الكلمات والأحداث والمعاني . هذا عمل لا يقدر عليه العامة من الذين يعيشون كما يصنفهم علماء النفس : ( من يعيشون استقراراً نفسياً ) !
فالمُستقر كالماء الراكد ، تتجمع فيه الطحالب ، والمُبدع بحر تموج بواطنه من فعل الرياح والأعاصير ومحبة القَمَرْ .
العزيز الشقليني
إعذرني لتأخير الرد
(عمل قاس...مرض مفاجئ..و أشياء أخرى خارج الإرادة)
ما قلته صحيح
المتنبي مبدع...و لا يجب أن نضعه في الميزان مع غيره
هو متطلع و طموح فوق ما رسمه له نسَبهَ الضعيف نسبيآ
فلا فروسيته و لا مدحه و لا ذمه أعطاه ما يصبو له من منصب يناله ذوو النسب العريق و أبناء الملوك و الحكام
و إن أعطاه المجد ...شاعرآ لا يشق له غبار
سعدت جدآ بمداخلتك
مودتي
haneena
27-07-2007, 04:27 PM
حظيت أن أهداني الدكتور العالم حاكم عبد الرحمن حاكم، كتابه بين المتنبي وشكسبير
تناول الكتاب شعر المتنبي ونوع التأثر البائن في كتابات (أشعار) شكسبير.
بلتعاون مع الحبيب باشمهندس عبد الله، سوف أطلب من الدكتور حاكم إن أمكن تنزيل بعض من هذه الدراسة الجميلة
العزيز بابكر
(متى تأتي لديار الإنجليز؟)
نفكر في لمة حلوة قريبآ جدآ..فلا تفوتك الفرصة!!
هذا جانب آخر ننظر إليه
تأثير المتنبي على أشعار شكسبير
ياريت تتعاون مع شقليني تأتوا لنا بهذه الدراسة الجميلة
تحياتي للكل و في الإنتظار
haneena
27-07-2007, 04:31 PM
العزيزة حنينة
كدت انسى تفاصيل هذا النقاش ،
شكرا لك مرة اخرى على اتاحة الفرصة
وشكرا على نعاش الذاكرة
والتحية لكل من شارك كاتبا كان ام قارئا .
والتحية موصولة للدكتور القدال .
ياااه يا أستاذنا
مدة طويلة يا أخي العزيز
أحمد الله إني (نكشت) هذا البوست الهام ذي الحوار الجميل
و النقد الهادف
خليك قريب جدآ
مودتي لكل الأسرة
haneena
27-07-2007, 04:37 PM
استطاع من خلال المدح في قصور الامراء ان يجني من المال الكثير لينسي مرارت الفقر ولكن اللذي لم ينله هو الحكم اللذي كان يسعي اليه الي ان مات.
عمرابي
الأخ عمرابي
حمد الله على السلامة
نعم....
هو الشاعر الطموح
الذي قاده طموحه إلى التهلكة
فلم ينل ما كان يصبو إليه من حكم
و رغم المال الكثير...مات تعيسآ شريدآ
شكرآ للمداخلة
لي عودة..إن شاء الله
فقد بدأت أقرأ هذه الأيام للمتنبي
و أنتظر الدراسة المقارنة للدكتور حاكم
محمد أحمد
28-07-2007, 03:02 PM
وأنا كمان! أزجُر مُهرِي في سِرار .. :confused:
أرى ذلك القرب صار ازورارا ،،، وصار طويل السـلام اختصارا
تركتني اليوم في خجلةٍ ،،، أموت مراراً وأحيا مِـرارا
أُسارقك اللحظ مسـتَحيياً ،،، وأزجر في الخيل مهري سِرارا
وأعلم أني إذا ما اعتذرت ،،، إليك، أراد اعتذاري اعتذارا
ولكنْ حَمَى الشعرَ إلا القليل ،،، همُّ حمى النوم إلاّ غِرارا
كفرتُ مكارمك الباهرات ،،، إن كان ذلك مني اختيارا
وما أنا أسقمتُ جسمي به ،،، وما أنا أضرمتُ في القلب نارا
فلا تُلزِمنـِّي ذنوب الزمان ،،، إليَّ أسـاء وإيـّـاي ضـارا
وعندي لك الشرَّد السائرات ،،، لا يختصصن من الأرض دارا
قوافٍ إذا سرن عن مِقـوَلي ،،، وثبنَ الجبالَ وخُضنَ البحارا
ولي فيكَ ما لم يقُل قائلٌ ،،، وما لم يسِـرْ قمرٌ حيث سارا
فلو خُـلِـقَ الناسُ من دهرهم ،،، لكانوا الظلام وكنتَ النهارا
أشدّهم في النّدى هِــزَّة ،،، وأبدّهم في عدوٍّ مُـغارا
سما بكَ هَـمِّي فوق الهموم ،،، فلستُ أعدُّ يساراً يسـارا
ومَنْ كنتَ بحراً له يا علي ،،، لم يقبلِ الدُّرَّ إلا كِبـارا
مايزالُ هذا المتنبي السـاحر يأسرنا مليـّـاً في أحبولة فنـِّه المِتلاف! طوتْ شخصَه القَلِق (دي ما فيها اضطراب وجداني ثنائي القُطبْ ، يامنعم ! ولا يحزنون) رمال دير العاقول قريباً من الصافية * منتصف القرن العاشر الميلادي ولم تطوِ ذكراه العبِقة الأعوامُ المديدة ، فظلّ يمشي فينا الخيزلى وهناً ، وأحياناً يخبُّ الهيدبى ! يسدُّ ذائقة القرّاء عن غير شعرِه إلاّ بعد لأيٍّ! ويوئس الأنفس عن غير فرادة فنـِّه الذي احتاز . تُجيبُ حِكمتُه أيَّ سـؤل عَصيِّ الجواب ، وتنتثرُ كنانته بين يدي كل طارقٍ حتى لتُصادر إرادة الإختيار عند المُنتَـخِـبْ .
والمتنبي ، بحرُ دُرٍّ يتقصـّده كل غوّاص ، فيتـفصـّد عَـرَقاً من هول مكنون صدفاتِـه . جبـّارٌ يتمدّد فنّه بين لانهايتَي السمو في صيد الحِكمة والمقدرة ، نفس الآن، على السفول لالتقاط النـَّـزَقْ ! حدّ التعرية للذات . معياره في كل ذلك، مطمَحٌ لاتنقصه شرعية المحتوى ولا الكاريزما ، وزمانه ، زمانُ ضعفٍ سياسي وفورانٍ ثقافي يؤزّه راغماً أن يتوسـّل لتعديل الكفـّة المائلة حتى لا تتداعى سطوة الحضارة العربية في " كِرِكيـَّة" الآمال الكسيرة التى ظللت سماوات العصر العباسي الثاني الموبوء بالمُحبِـطاتْ ، حيث عاش أبو الطيب .
لم يتوقـّف المتنبي كثيراً لاختبار وسائله، لم يتساءل عمـّا إذا كان منهجه الإصلاحي الذي يقوم على التعويل التام على الفرد الفذ الشخص الواحد ، كافٍ لخوض هذه المهامِه ؟ وعندي أنّه قد زهِدَ تماماً في حركة اجتماعية تتلاحم فيها قوى الجماهير (الشعب) من حيث تلك النتيجة التى حكوها عنه أنّه قد حمل يوماً بيضةً في زجاجة ! كمُسـنَـدٍ لعلياء مقدرتِه فآمَـنْ بمُعجِزاته أعراب السماوة ! ومنحوه " مجّاناً " صفة التنبوء ، وحينما استحرّت به جدران المحبِس ، رجع الى الفن والموهبة إذ تعطـّف سـجّانِه ، فحاز العفو ولم يلوِ بعدها على اعتماد ما اعتمد عليه " صاحب الزّنج ، عليُّ بن محمد " الذي أوقف الدولة على كُراعٍ واحدة (كما فعلها الجهادية السودانيين في كسلا مرّة وفي الأبيض أخرى) حينما عرِف تماماً كيف يصنع من الضعف قوة ومن الأنكاث قطيفة متماسكة ، ومن المطالب العادلة " فرقاطة " تؤذي! ومن الرماح المُجتَمعة دريئةً تُـخَـزِّز نوم الظـَّـلَـمة .. ويبدو لي ، أنّ أبا الطيب، قد انساق ، هوناً ما ، للنزعة الثورية للقرامطة ولكنّه لم يوغِل في الوصول بذاك الانسياق الى نهاياته المنطقية . ليرجَـع ، من بعد، حكيماً يهدهِد فنـّه ويُـدهدِه به مشـاعر الإنسانية الفيـّاضة بالتوق الى الإصلاح الطوباوي بغير تنظيم وترتيب وتجييش ، فقط ، بالإعتماد على الفن! .. ومقلوب الفن ، نفـلا .
لم تكتمل فكرتي، وإنّما أرسلها الآن ، عربون استعتاب عن غياب ! وَ كفرتُ ، إذن ، مكارمكم الباهرات يا أصدقائي وصديقاتي في الـ " سـودانيات " إن كان ذلك منـِّي اختيارا ..! .. تحياتي للأخت العزيزة ، حنينة ، وللأخ خالد الحاج ، للأخ عبدالمنعم الفيا ، للأخ عبدالله الشقليني وللأخت بيان ، وللأخ عبدالباقي عبدالحفيظ ولجميع الأخوات والإخوة .. ولدكتور القدال ، ولإدارة تحرير مجلة الحكمة .. وأرجو أن تلاحظو معي تطابق مجلاّت الحِكمة عند السوادنة والعراقنة ، في البحث عن سرائر المتنبي ، الذي كان ، ومايزال ، نبضٌ حيّ ؛ وذلك بمطالعة الهامش أدناه ؛ وتأمـّلوا اهتمام حِكمة السودانيين ، في تشخيص داء أبي الطيِّب ، ولكم ان تقارنوا ذلك باهتمام حكمة العراقيين بمكان قبره ؟ وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفرُ وليس قُرب قبر حربٍ قبرُ ..!
ونتواصل ..
مع صادق المودة ..
محمد أحمد أبوجــودة
----------------------
* موقع مصرع المتنبي
وقع مقتل ابي الطيب المتنبي سنة 354 هـ/964 م بشط دجلة في موضع يعرف بالصافية، وبما ان موضع الصافية قد تحدد فيمكن القول بأن مصرع المتنبي كان فيها او عندها، والظاهر انه كان في قرية تدعى (بيزغ) استنادا الى ما ذكره ياقوت عن هذه القرية من انها بين دير العاقول وجبل والاخيرة مدينة في اعلى الكوت الحالية بقليل بها قتل المتنبي وبيزغ اذن كانت في اعلى الصافية على الطريق الصاعد الى دير العاقول، والمتنبي يكون قد قتل في الصافية وهو خارج عنها في طريقه الى دير العاقول لكونه مدينة مشهورة ومحطة مهمة على طريق واسط - بغداد الذي سلكه المتنبي كان على الجانب الشرقي من النهر ويعد دير العاقول اهم محطاته كما ذكرنا.
د.عماد عبدالسلام رؤوف. دير العاقول.. حيث مصرع المتنبي. مجلة الحكمة، بغداد، العدد (40) السنة الثامنة 2005/ 1426
الرابط / http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=44526
haneena
29-07-2007, 12:32 PM
الأخ الكريم محمد أحمد
ياااه
زمن طويل
لا تتخيل مدى سعادتي بالإضافة و ظهورك بعد غياب
ذكرت..
وتأمـّلوا اهتمام حِكمة السودانيين ، في تشخيص داء أبي الطيِّب ، ولكم ان تقارنوا ذلك باهتمام حكمة العراقيين بمكان قبره ؟ وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفرُ وليس قُرب قبر حربٍ قبرُ ..!
نعم...
أبو الطيب أثار الكثير و ما زال
و لن يتوقف سيل الأسئلة في تشخيص الداء...إن وجِد
و البحث عن مكان قبره
سأرجع بعد قراءة المقال في اللنك أعلاه برويَّة
و إلى ذلك الحين..
نتفكر في الشاعر الذي قتله طموحه
شكرآ لك على إعادة الشهية للنقاش
فبكم تحلو الدنيا
محمد أحمد
29-07-2007, 02:32 PM
الأخت العزيزة/ حنينة
ســلامات .. آملاً أن تكوني بخير ، واسترددتِ العافية بعد وعكة ، كما قرأت ..
لفتني ، اختيارك لمكان الإقامة في بروفايلِـك : نقطة اللاّعودة ...! ، وأتوقـّع أن لكِ في ذلك، تفسير ربما يشبه واحد من الحالات التالية :
Fun :p
Sarcastic :rolleyes:
Serous :(
Comedy :)
Tragedy :mad:
فلو وجدت ِّ بعض وقت، نرجو أن تفيدي بأّيـّهم اهتديتِ ؟
حتى نجتهد ..! بأيِّ جوانب المتنبي تأثــَّرتِ ..
مع وافر التحايا
اشرف السر
08-04-2012, 01:59 AM
This is beautiful Forum, beautiful Sudanyat
عبدالله الشقليني
08-04-2012, 07:18 PM
http://www.youtube.com/watch?v=ZKkwiNgPxPc&feature=related
vBulletin® v3.8.8 Beta 2, Copyright ©2000-2026