مشاهدة النسخة كاملة : غابة محسن خالد...
imported_بدور التركي
30-09-2010, 12:02 AM
يطيب لي التنزه في غابة تترنّح لونها بين الزهري والياسميني:)
imported_طارق الحسن محمد
30-09-2010, 12:07 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=283536#post283536)
يطيب لي التنزه في غابة تترنّح لونها بين الزهري والياسميني:)
محسن بقتيهو عمو
:eek:
شيلى شياتك
:D
imported_بدور التركي
30-09-2010, 12:12 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق الحسن محمد http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=283537#post283537)
محسن بقتيهو عمو
:eek:
شيلى شياتك
:D
ركز يا حلو;)
دا التوقيع بتاع عمو فتحي:D
imported_طارق الحسن محمد
30-09-2010, 12:17 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=283538#post283538)
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق الحسن محمد http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=283537#post283537)
محسن بقتيهو عمو
:eek:
شيلى شياتك
:D
ركز يا حلو;)
دا التوقيع بتاع عمو فتحي:D
فتحى ماعنده توقيع
عاوزة تغشينى ولاشنو
؟ ؟ ؟ ؟
:D
imported_بدور التركي
30-09-2010, 12:20 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=283536#post283536)
يطيب لي التنزه في غابة تترنّح لونها بين الزهري والياسميني:)
غابتي..
التي أرجعت لي يدَ فأسي مُزْهِرة
وبأعلى من بندول الجبل
ضبطتْ نهرَ معصمها
النامصة، وحاجبها غمام
مُصوِّحتي، التي فلّيتُها على ركبتي
وقطعتُ حبلها السُّرِّي بأسناني..
حين وُلِدت..
قبّلتني بفمها الناي
وأذّنت في مسمعيَّ منها بصلاة ريح
الغابة النائمة فوق قلبها
وردفاها مُطْبَقَان على ابتسام مذنب
غابتي..
التي بذرتني المتساقطَ في مشيتها
من لحن الحجول
أزاحت كثيراً ستيان بصيرتها
مُقَرِّبةً عينيها حلمتين
رمقتني، بالذي حَدَجَ القلب فتائل
وقَشَّر عنّي هُوِّيتي، وبالذي قَدَّمَ نهرَ معصمها
شتاءاتٍ ماطرة وسواحل
عزيزتي، لكم حفيتُ
عن ساحليَّ، ولكم بين فؤديك ساقني زبد
أوكسجين قُبْلَتي،
ومفهرستي في نهار الشجر
بتلات العدم، شامة النجمة،
لا أليلَ من عينيك حين تُوَدِّعان
غابتك جمييييييييلة يا محسن يا فيلسوف
يا بختك يا رشا شيخ الدين:)
imported_بدور التركي
30-09-2010, 12:26 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق الحسن محمد http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=283540#post283540)
فتحى ماعنده توقيع
عاوزة تغشينى ولاشنو
؟ ؟ ؟ ؟
:D
:mad:
طاااارق
الليلة خميس وعندي مزاج اتمشى واسهر في الغابة
مع الفأس المزهرة
ما تطلعني كضابة تقوم تقع الفأس في الرأس
وتصهرني انا والحلم في سبيكة واحدة;)
لو ما مصدقني إسأل عمي!!goood
imported_جيجي
30-09-2010, 01:40 AM
بدور
ياريت تشرحي لاختك القصيدة
باقي غلبتني
بابكر عباس
30-09-2010, 02:19 AM
بدور صباح الخير
القصيدة تشبه شعر عباس الشريف
imported_محسن خالد
01-10-2010, 11:02 AM
يا بدور، تحايا وفيرة، وأشواقٌ لا تُحَدُّ
شكراً جزيلاً على نقلك للنص وإحساسك أو تفاعلك معه.
وسيكون لك أفضل منه، إن مهلتني الأيامُ وكنتِ أنتِ ربةً للإلهام كريمةً معي. ودائماً الذي لم يُكتب بعدُ، أجمل.
يا بابكر تحايا، يا ريت والله تعرفنا قليلاً بعباس الشريف، شوقتني لرؤية كتاباته ومعرفته. أما لو نفحتنا بشيء مما يكتب، وأوضحت لنا وجوه الشبه بين هذا النص، وما تعنيه، من كتابة الرجل، فذاك حينها الكرمُ الحق، ونعم الفوائد.
تاني قلنا مشتاقين يا بدور
جيجي، أريتك بخير، رشأ المقصودة هي بت شيخ الدين. مَنْ غنّت لي عملاً، أو مناحة اسمها يا رحام علي النادنو غوبو، والخلوق صانِّين دَلّوُا طوبو :p
ليكن الجميع بخير
imported_سمراء
01-10-2010, 11:18 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284235#post284235)
ليكن الجميع بخير
الحمدلله انا بخير يامحسن ...
وحا اكون بخير اكتر لو قطعته لينا شجرة شجرتين من الغابه دى
وجبتهن هنا ده
imported_مبر محمود
01-10-2010, 11:19 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=283541#post283541)
ومفهرستي في نهار الشجر
بتلات العدم، شامة النجمة،
لا أليلَ من عينيك حين تُوَدِّعان
وصديقنا موسى، يقول لي : هذا المقطع من القصيدة، أعاد لي شاعريتي التي غابت عني طويلاً ...
مفهرستي ..!!
imported_بدور التركي
01-10-2010, 11:22 AM
بدور
ياريت تشرحي لاختك القصيدة
باقي غلبتني
شرحها يطول
بطول ما غمرني من شلالات
وأمطار من الدهشة
لدى رؤيتي منظر تساقط ثمار الوجود
بألوان عناصر الطبيعة المختلفة
وتخيلي كل ثمرة كما لو كانت
شراع مركب رحيم
منظر بهيج!
شربت منه حتى ارتويت
ونهلت منه مرة أخرى
واخذت ادنو من جديد
الي الغابة حاملة معي إناء
أحمل فيه بعض الثمار!!!
imported_بدور التركي
01-10-2010, 11:27 AM
بدور صباح الخير
القصيدة تشبه شعر عباس الشريف
عارف انك زول بتاع مشاكل
عارف ولّ ما عارف;)
بس لذيذ:D
جمعة مباركة يا لذيذ يا رايق
بابكر عباس
01-10-2010, 02:58 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284235#post284235)
يا بابكر تحايا، يا ريت والله تعرفنا قليلاً بعباس الشريف، شوقتني لرؤية كتاباته ومعرفته. أما لو نفحتنا بشيء مما يكتب، وأوضحت لنا وجوه الشبه بين هذا النص، وما تعنيه، من كتابة الرجل، فذاك حينها الكرمُ الحق، ونعم الفوائد.عباس الشريف زميل معانا هنا في سودانيات، مرة نزل ليهو قصيدة في المنتدى دا، تعبتني جدا و في النهاية غلبني أفهمها من سهولة الكلمات، و انت قصيدتك غلبني أفهمها من غرابة التركيبات
شوف:
النامصة، وحاجبها غمام
نامصة سمعتها قبل كدا مرة واحدة في الحديث المنسوب للرسول (ًص،) البلعن فيهو النامصة و هي التي تجعل حاجبها زي هلال الليليتين
بعدين اليوم كلو تخليني أفكر، يا الله الزول قاصد يلعنها، و لا قاصدانو الحاجب بالرغم صغرو برضو مظلل علينا الدنيا
imported_جيجي
01-10-2010, 03:03 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بابكر عباس http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284272#post284272)
اقتباس:
عباس الشريف زميل معانا هنا في سودانيات، مرة نزل ليهو قصيدة في المنتدى دا، تعبتني جدا و في النهاية غلبني أفهمها من سهولة الكلمات، و انت قصيدتك غلبني أفهمها من غرابة التركيبات
شوف:
النامصة، وحاجبها غمام
نامصة سمعتها قبل كدا مرة واحدة في الحديث المنسوب للرسول (ًص،) البلعن فيهو النامصة و هي التي تجعل حاجبها زي هلال الليليتين
بعدين اليوم كلو تخليني أفكر، يا الله الزول قاصد يلعنها، و لا قاصدانو الحاجب بالرغم صغرو برضو مظلل علينا الدنيا
[/I]
يعني هسه بقيت على دي:D
احي يالرز
بابكر عباس
01-10-2010, 03:06 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جيجي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284277#post284277)
احي يالرز
مرحب يا دفعة
بابكر عباس
01-10-2010, 03:14 PM
و ألفاظ و تراكيب كثيرة في القصيدة صعبة
يعني الزول البحاول يجد معاني لتراكيب القصيدة دي ببقى هو نفسو شاعر.
أنا داير أقول من تشبيهي الأول:
ليش نحن إنتقدنا عباس الشريف بالسهولة دي؟
و لما محسن خالد جاب ليهو قصيدة ما لقت هوى في نفسنا،
بدينا ندور عن معاني مستتره للكلمات و التراكيب؟
imported_جيجي
01-10-2010, 03:22 PM
ا
http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284282#post284282)
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
و ألفاظ و تراكيب كثيرة في القصيدة صعبة
يعني الزول البحاول يجد معاني لتراكيب القصيدة دي ببقى هو نفسو شاعر.
أنا داير أقول من تشبيهي الأول:
ليش نحن إنتقدنا عباس الشريف بالسهولة دي؟
و لما محسن خالد جاب ليهو قصيدة ما لقت هوى في نفسنا،
بدينا ندور عن معاني مستتره للكلمات و التراكيب؟
اقتباس:
اها شجاعة بث
اناغايتواشايفة الكلام دا ماشعر
والا الشغر يكون بقى عنده مفهوم تاني
بس كلام كباركبار مرصوص جنب بعضه
اخير كلام عباس مرات بتقلى فيه صور او معاني كاملة
كدي وريني ياعباس فهمت شنو من؟
ولاياتواصورة الوصلتك؟
عشان انابقيت شاكة في فهمي
غابتي..
التي أرجعت لي يدَ فأسي مُزْهِرة
وبأعلى من بندول الجبل
ضبطتْ نهرَ معصمها
النامصة، وحاجبها غمام
مُصوِّحتي، التي فلّيتُها على ركبتي
وقطعتُ حبلها السُّرِّي بأسناني..
حين وُلِدت..
قبّلتني بفمها الناي
وأذّنت في مسمعيَّ منها بصلاة ريح
الغابة النائمة فوق قلبها
وردفاها مُطْبَقَان على ابتسام مذنب
غابتي..
التي بذرتني المتساقطَ في مشيتها
من لحن الحجول
أزاحت كثيراً ستيان بصيرتها
مُقَرِّبةً عينيها حلمتين
رمقتني، بالذي حَدَجَ القلب فتائل
وقَشَّر عنّي هُوِّيتي، وبالذي قَدَّمَ نهرَ معصمها
شتاءاتٍ ماطرة وسواحل
عزيزتي، لكم حفيتُ
عن ساحليَّ، ولكم بين فؤديك ساقني زبد
أوكسجين قُبْلَتي،
ومفهرستي في نهار الشجر
بتلات العدم، شامة النجمة،
لا أليلَ من عينيك حين تُوَدِّعان
imported_محسن خالد
01-10-2010, 08:47 PM
الله الله، أيَا بابكر، أوَ نسيتَ ما قلتَه أنت بنفسك في بوست (الأكشن)، أم لم تكن جادَّاً فيه!؟
هذا هو حديثك
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بابكر عباس http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=257800#post257800)
محسن خالد كيفنك؟
سعيد جدا إنك تكون معانا بجاي.
من أول مرة قريت ليك كلامك البتشرح فيهو النضوج الإيجابي، و بقيت محل ما أشوف إسمك دا طائر في الفضاء دا، أسكو.
حاليا متابع معاك خيانة الأصفر و الأحمر و مترقب الأزرق.
الآن، وهنا، في هذا البوست، تقول
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بابكر عباس http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284282#post284282)
و ألفاظ و تراكيب كثيرة في القصيدة صعبة
يعني الزول البحاول يجد معاني لتراكيب القصيدة دي ببقى هو نفسو شاعر.
طيِّب، ألم تقل طورانية التلقي عن الطور الإيجابي، الذي أعجبك وتتحدَّث من خلاله في حديثك أعلاه، إنَّه في الحقيقة لمبدعين لا متلقيين، أو متفاعلين، كما أحاول إضافة هذه المفردة الجديدة لمجمل بناء النظرية، ألم تقل النظرية ذلك!؟
دعني أُذَكَّرك بها إذن
اقتباس:
في تقديري أنَّ هذه الإشارات كافية لأنتقل إلى "طور النضج الإيجابي"، كافية لمن يتابع معنا عبر ملاحظاته وخبراته الموازية أيضاً، فهذا الموضوع لشخص لم يسبق له أن تأمَّل في كيفية نمو التلقي لدى البشري سيبدو مثل مواضيع الأبراج وقراءات الحظوظ بمجلات التسلية. بأي حال "طور النضج الإيجابي" نادر الحدوث في بيئة مثل المجتمع السوداني. السوداني يميل لتقبّل الأشياء سماعاً، ضعيف من ناحية اختبارها شخصياً، والتأكد من جدواها ومآلاتها، هذا طور بكل صلف دعنا نقل إنه يخص فصيلة قليلة –جداً جداً- ومبدعة بحرفية الكلمة. بمعنى أنها قامت بالتطهر أولاً من نظرتها السودانية، الداجنة، للوجود. وقامت بتبديل الأعراف كلّها في مخيّلتها أولاً، ثم سعت إلى تحقيقها على أرض الواقع بكل شجاعة واندفاع، دون خوف من التحطم أو الغرق أو الضياع، ودون الارتهان لأي أيدولوجيا ما، أي بكل مجانية وطيش مفيد، إن جاز التعبير. هذا فيما يخص الكشوفات، أي ما يخص التقدّم على نحو ابتكاري. وإنِّي هنا لا أُمَيِّز المتلقين من هذه الفصيلة عن المبدعين فيها، فهم يلتقون لدى رؤى واحدة إلى العالم والنَّفْس البشرية وما يجب أن تكون عليه الحياة وما يجب أن يصاغ عليه الوجود.
وهم يتواطؤون على خيانة العالم القديم في كل لحظة وهدمه، مبدعون ومتلقّون. التلقي هنا لا يمكنك تسميته إلا إبداعاً، ولا يمكنك الاقتراب منه إلا كحرفة ومهنة من مهن الدماغ العظيمة، فالتلقي بالأساس لدى هذا الطور يقوم على الاختبار والنقد والمساءلة والتقصي، وما من شيء يتم تقبله جزافاً أو مجاناً. وهذه هي عين النظرية الإبداعية، فالمبدع النحات يخلق عالماً مختلفاً لأنه يمتلك تصوراً مختلفاً لأشكال الأشياء، مثلما هو المبدع المصوّر والراوي، كلاهما يتأمل في الواقع المُعْطَى، وإن هو لا يستخدم طريقة الإنقاص والإضافة، بل عجن المشهد من أول وجديد لإعادة خلقه، في عمل فني جديد كليةً وبتلوين آخر.
كما قالت النظرية أيضاً عن ذات طور النضج الإيجابي
اقتباس:
مع هذه الفصيلة لن يمكنك تقديم "الإسكتش" على أنَّه مسرح، ولا تقديم جماعة "تيراب" المسرحية –تسميةً، على أنَّها مسرحٌ واقعيٌّ وفعلي وبوسعه منافسة مسرح "أنطونيو إسكارميتا". ولا يمكنك تقديم النكات اللفظية وتجريدية الأصوات، المجلوبة من طور "الإنسانُ في مقام الشجرة" على أنها "سخرية"، ولا حتى تقديم الصور الشعرية في خامها الموسيقي، كألاعيب أشعار ضعيفة ومجاورة للطفولة، من أمثال بهلوانيات "روضة الحاج" و"غنائيات الكتيابي" و"لا فقاريات معز عمر بخيت" و"مراهقات نزار قباني" على كونها شعراً. هنا تحتاج لوزن ثقيل، ولعقول مفتولة العضلات، كـ"أوفيد"، "بابلو نيرودا"، "أكتافيو باث"، "ديريك والكوت" أو على نحو محلي كـ"الصادق الرضي" و"عاطف خيري". هنا تتبدَّل أقانيم كل ما هو متوفِّر ويُرَوِّج له الإعلان، إلى مأخوذات ما تم اختباره وتعيينه بدقة ووعي كبيرين.
imported_بدور التركي
01-10-2010, 09:21 PM
أتعجب للذين يفرقون في أحكامهم
بين اللفظ والمعنى
هل نسوا انهما
ممزوجان ومتحدان
كإتحاد البحر بأمواجه!!!
imported_بدور التركي
01-10-2010, 09:39 PM
و ألفاظ و تراكيب كثيرة في القصيدة صعبة
يعني الزول البحاول يجد معاني لتراكيب القصيدة دي ببقى هو نفسو شاعر.
أنا داير أقول من تشبيهي الأول:
ليش نحن إنتقدنا عباس الشريف بالسهولة دي؟
و لما محسن خالد جاب ليهو قصيدة ما لقت هوى في نفسنا،
بدينا ندور عن معاني مستتره للكلمات و التراكيب؟
انت اول شخص تداخلت مع عباس وكنت اول الناقدين له
ومن ثم جاءت الأراء واقامت المناحات السوداء
والحساب على خيالات مرت في لحظة بوح وخيال عباس وذهنه!!!
ونظرتوا بعين الإحتقار في اسلوبه البسيط والسهل
لماذا لم تنظروا للمعاني والأغراض
لربما كانت تحمل اشرف واجمل معنى وتصوير!!
يا ريت يا عباس نفهم
بأن الأسلوب ماهو إلا أداء
لتوصيل الفهم وطريق إليه
وليس دينا يجب ان نتمسك بقوانينه!!
imported_بدور التركي
01-10-2010, 09:50 PM
ا
http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284282#post284282)
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
اها شجاعة بث
اناغايتواشايفة الكلام دا ماشعر
والا الشغر يكون بقى عنده مفهوم تاني
بس كلام كباركبار مرصوص جنب بعضه
اخير كلام عباس مرات بتقلى فيه صور او معاني كاملة
كدي وريني ياعباس فهمت شنو من؟
ولاياتواصورة الوصلتك؟
عشان انابقيت شاكة في فهمي
غابتي..
التي أرجعت لي يدَ فأسي مُزْهِرة
وبأعلى من بندول الجبل
ضبطتْ نهرَ معصمها
النامصة، وحاجبها غمام
مُصوِّحتي، التي فلّيتُها على ركبتي
وقطعتُ حبلها السُّرِّي بأسناني..
حين وُلِدت..
قبّلتني بفمها الناي
وأذّنت في مسمعيَّ منها بصلاة ريح
الغابة النائمة فوق قلبها
وردفاها مُطْبَقَان على ابتسام مذنب
غابتي..
التي بذرتني المتساقطَ في مشيتها
من لحن الحجول
أزاحت كثيراً ستيان بصيرتها
مُقَرِّبةً عينيها حلمتين
رمقتني، بالذي حَدَجَ القلب فتائل
وقَشَّر عنّي هُوِّيتي، وبالذي قَدَّمَ نهرَ معصمها
شتاءاتٍ ماطرة وسواحل
عزيزتي، لكم حفيتُ
عن ساحليَّ، ولكم بين فؤديك ساقني زبد
أوكسجين قُبْلَتي،
ومفهرستي في نهار الشجر
بتلات العدم، شامة النجمة،
لا أليلَ من عينيك حين تُوَدِّعان
الشعر نغمة موسيقية قبل كل شيء
بعدين تجي اكسسواراتها:D
من جمال وصف
وتصوير دجتال:D
واكتناه أسرار الكون
واساس دا كلو
الروح السابحة في النغمة دي
ازيك يا روح داخل روح:p
imported_جيجي
01-10-2010, 10:01 PM
هسه انتي مالك هائجة:cool::cool::cool:
imported_بدور التركي
01-10-2010, 10:09 PM
هسه انتي مالك هائجة:cool::cool::cool:
هائمة :D
imported_جيجي
01-10-2010, 10:11 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284395#post284395)
هائمة :D
اجمل شعور
ابقي عليه عشرة
الرشيد اسماعيل محمود
01-10-2010, 11:10 PM
هذا طور بكل صلف دعنا نقل إنه يخص فصيلة قليلة –جداً جداً-
محسن سلامات ياخي..
قريت ليك النظرية دي في حينها وعجبتني..
فكرة الإلتفاتة لطورانية التلقَي في حد ذاتها حفرية مميزة.
لفت نظري الكلام في طور النضج الإيجابي ده..
ده طور تقريبا صفوي مخصَص للأنبياء..(مبدعين ومتلقيين) ..إذا كانت النبوة هنا في جوهرها رسالة إبداعية جديدة وزاوية رؤية ورؤيا مغايرة لماسبقها من أنماط إبداعية..
يعني يامحسن إنت عارف كمبدع إنو الإبداع لا بد له من متلقي موازي.. علي الأقل في درجة وعيه بما يتلقي..حتي تكتمل حياة المنتوج الإبداعي وإلا لعاش ذات المنتوج بين الناس غريباً وعاد غريباً ثم لا طُوبي له..
يبقي السؤال:
نُضج المتلقي ده..مسؤولية منو..؟؟
إذا كان مسؤولية المتلقي في رقبتو يبقي ما علي المبدع الخلاق سوي التبشير والانتظار لنضج من يتلقي منتوجه بذات الرؤية..
انا شايف في حركة حثيثة بإتجاه النضج ده علي مستوي المبدعين بشقيهم (منتِج ومتلقي) منذ العقدين الأخيرين وحتي الآن..ولكن الملفت للنظر فكرة التوازي الكمي بين الاتنين..
يعني زي ما أشرت في كلامك الي ندرة هذا الطور وبينت أسباب تلك النُدرة..
ده بيخليني اتساءل:
هل نُضج المتلقي اكثر تحفيزاً لظهور إتجاهات إبداعية مغايرة بإعتبار أن المتلقي هو المعني بالأساس بما يبدعه المبدع..؟؟
أم المبدع الناضج لوحده من بيده خلق متلقي علي درجة من الوعي موازية..؟؟
(وهنا أعني بالمتلقي حتي طرائق النقد ايضا).
محسن خالد مثلا..كلما إتسعت رقعة المتلقيين الناضجين كلما حفزه ذلك علي إنتاجات مُبدِعة..فهل ممكن حدوث العكس..؟؟
يعني هل أنبياء القلم بيدهم خلق متلقييهم خلقا متعمداً..؟؟
شايفك يامحسن بكلمتين جردت الكتيابي وروضة الحاج ومعز عمر بخيت ونزار قباني(حتي وإن كانت نماذج) من إرث يحسبه الكثيرون إبداعياً..:)
فهل هي خطوة مقصودة لخلخلة يقينيات المتلقي ولفت نظره لأين يقف الآن وكم هو بعيد عن طور نضج مفترض..وهل لا وسيلة سوي الصدمة..؟؟
ياخي مقدرتك علي الخلق والحفر مرات كدة بتعرَي الزول..
خارج النص:
تشكر ياسيدي علي السؤال والإفتقاد.
imported_بدور التركي
01-10-2010, 11:14 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284395#post284395)
اجمل شعور
ابقي عليه عشرة
بعد مشاجرة وخصام شخصي بين امرأة ورجل
يتألم أحدهما لكونه أذى الآخر
في حين أن الثاني يتألم لكونه لم
يؤذ الآخر بما فيه الكفاية
الأمر الذي يجعله يكد كي
يميت حيويته عبر قوة
الدموع والبكاء والهزائم...
(فريد نيتشه)
imported_بدور التركي
01-10-2010, 11:42 PM
سلام يا الرشيد
قال مصطفى المنفلوطي:
ليس البيان ميدانا يتبارى فيه اللغويون والحفاظ
أيهم أكثر مادة في اللغة وأوسع إطلاعا على مفرداتها وتراكيبها
واقدر على استظهار نوادرها وشواذها ومترادفها ومتواردها
ولا متحفاً لصور الأساليب وانواع التركيب ولا مخزنا لأحمال
المجازات والاستعارات وحقائب الشواهد والأمثال
فتلك أشياء خارجة عن موضوع البيان وجوهره
إنما يعني بها المؤلفون والمدونون وأصحاب القواميس والمعاجم
وواضعو كتب المترادفات ومصنفو فقه اللغة وتاريخ أدبها
اما البيان فهو تصوير المعنى القائم في النفس تصويرا صادقا
يمثله في ذهن السامع كأنه يراه ويلمسه ولا يزيد عن ذلك شيئاً
فإن عجز الشاعر او الكاتب مهما كبر عقله وغزر علمه واحتفل ذهنه
عن ان يصل بسامعه إلى هذة الغاية فهو إن شئت أعلم العلماء
أو أذكى الأذكياء ولكنه ليس بالشاعر ولا بالكاتب.....
imported_بدور التركي
02-10-2010, 12:03 AM
يا بدور، تحايا وفيرة، وأشواقٌ لا تُحَدُّ
شكراً جزيلاً على نقلك للنص وإحساسك أو تفاعلك معه.
وسيكون لك أفضل منه، إن مهلتني الأيامُ وكنتِ أنتِ ربةً للإلهام كريمةً معي. ودائماً الذي لم يُكتب بعدُ، أجمل.
تاني قلنا مشتاقين يا بدور
ليكن الجميع بخير
الفضل لله يا استاذ
وشكرا لك ولشذرات الأحاسيس المتناثرة فوق رؤسنا
نفس الشوق
imported_محسن خالد
02-10-2010, 01:46 AM
طَوْرَانِيَّةُ التَّلَقِّي
اقتباس:
ورد في الطَّوْر (إنَّا خلقناكم أطواراً)، أي الإنسان كمبتنى فيزيكي خُلق من سلسلة من الأطوار التركيبية وكذلك من سلسلة طورانية أخرى، غير المبتنى الفيزيكي، تقوم على فضاء هذا الخلق الطوري ووراءه.
ما يهمنا هو هذه الطورانية المتعلّقة بفضاءات أخرى غير بدنية -جسمانية، أو المتعلّقة بالمخيّلة والدماغ والحس. مع ملاحظة أنَّه لا بد من الانتباه للختل الذي تتضمنه هذه الكلمة العربية "الحس" لأنها تجمع بين دلالتين متناقضتين في ماعون واحد. فهي أحياناً تستخدم بمعنى الحس –الملموس، أو الاختبار الشكلاني كما أوضحنا ذلك في "شكلانية الأُسس"، الذي يتم باليد والأنف واللسان و.. إلخ، وأيضاً هي تستخدم تارةً بمعنى "الحدوس"، أي ما هو حصيلة لتلقي غير اختباري شكلاني، بمعنى أنّه يتم بأدوات تقبع وراء الحواس، بعكس معناها الأول الذي يتم عبر الحواس ومن خلالها.
فالتلقي في إجماله ينبني على أطوار، تتحكّم فيها ميكانيزمات كثيرة، منها ما يتصل بالطور الفيزيكي العادي، بمعنى قدرات الدماغ كمشين لها وظيفة تقوم بها، بناءً على قدراتها وكفاءتها كمشين، أي ما لا يستطيع البشري أن يتحكم فيه لأنّه الأُعطية الجَبْرية التي تلَقَّاها من خلال خَلْقه المبتنى، الذي لا يد له فيه، وليس بوسعه تحريكه إلا في حدود يسيرة، لنقل إذن إننا نؤمن بتواضعات علماء النفس وجداولهم حول الغباء والذكاء، العبقرية والخلل والوسطية.
أما الفضاءات الأخرى، التي بوسعنا كبشر التحكم فيها، التي هي قابلة للترويض والتدريب، وأيضاً للإسراع فيها بالانتقال من طور إلى طور في التلقي، فهي الأساس لموضوعنا الحالي، ولهذه المفاكرة.
فالمخيّلة قابلة للتدريب والتوسعة، إن لم تكن تعاني من ضيق في ماعونها الأساسي "الأُعطية". وكذلك الذاكرة قابلة للتدريب والتوسعة إن لم تكن تعاني من تشوهات ما، وبوسع العطالة فحسب أن تملأها بالقروح والتشوهات، فالتدريب الملازم والمثابرة يمنحان القدرات الخفية في الإنسان استعدادها الدائم، وخصيصتي التوثّب واليقظة.
في ماضي بعيد، كانت "دجاجي يلقط الحبَّ، ويجري وهو فرحان" طوراً من أطوار التلقي السمعي الجمالي فيما يخص الشعر. وكانت تلك "السحلية" الملوَّنة في كُرَّاسة العلوم بألوانها النازَّة من الأطراف، تُمَثِّل لنا قمة الذائقة التشكيلية، التي هي في الحقيقة وبالتمحيص، كانت حادثةً درامية مركّبة تناسب ما كُنَّا فيه من طور أكثر منها واقعة تشكيلية، أو حتى فكرة لها علاقة بالتشكيل. وهذه هي الفكرة من ناحيتها "الدرامية" غير البصرية بمعنى التشكيلية إطلاقاً. ففي تلك السن ذات الاستعداد الدرامي بامتياز، المفتقرة للتحليل الجمالي والاختبار كأغلب ما يكون، "دجاجي يلقط الحبّ"، كانت بالضبط هي: دجاجتنا الواقعية، أو دجاج الجيران في حال انعدام الدجاج بيتياً، يجري في الشارع ويجري في الشعر بالساق ذاتها، ولا دخل للمخيّلة ذات القدرات هنا بأي صفة من الصفات التي تقود إلى "الاستيعاب" أو إلى أي "مُتَعٍ" مجاورة. هنا الارتهان التام لعنصري المطابقة والنقل للصورة من خارج "الكلمات –النشيد" أي من قفص الدجاج إلى النص، أو العكس.
وحين نقوم بتلحين النشيد عينه "دجاجي يلقط الحبّ"، نقع من الناحية الأخرى، في دراما الموسيقى والطرب الغريزي والبدائي البحت إن جاز التعبير، ما يقع في حارة "الوَجْد" وليس "السَّماع"، وما يَبْعُد عن تمايل شخص ناضج مع غناء مصطفى سيد أحمد بما لا يقاس، لأنّه ما من مسافة بين هذا وذاك، فكل موضوع يقف على كوكب خاص به.
هذا الطور، طور دجاجي يلقط الحبّ، نحن قفزنا إليه عمداً فوق عدّة أطوار غيره، تبدأ منذ كان الإنسان شجرة، بمعنى كائن حي غير متواصل مع غيره من الكائنات، إلى أن يترقى قليلاً ويبلغ طور التواصل بمعنى "الاستجابة فحسب" للعالم الخارجي، مع كل القصور في "التفاهم" معه، أي مع العالم الخارجي. وهذا هو طور أن تقول للطفل: إييشششك، ياااااك، تكننو ننو، فيضحك الطفل ويقرقر وتُبرق عيناه، مع تمام اللافهم والقصور في التواصل، عدا عبر هذه "الاستجابة" المبهمة، والميّتة دون شك.
الأطوار هذه تختلف، بالضرورة، من شخص إلى آخر، والانتقال عبرها يتم بسرعات متفاوتة دون شك، كما تُحَتِّم قدرات المشين الأُعطية أولاً، وكما يمكن للتجربة والبيئة التأثير القوي عليها ثانياً.
لذا من باب الافتراض والقياس الزمني مع مراحل التعليم المدرسي، باعتبار أنَّ المدرسة هي الجهة الأكثر اهتماماً بترقية الإنسان والانتقال به من طور إلى طور، وباعتبار أنَّ النظام المدرسي ذاته هو النظام الوحيد والصياغات "الطورانية" الوحيدة، التي أُسِّست على مفاهيم الأطوار هذه. إذن فقد يجوز لنا أن نخوض جزافاً ومجانيةً في طور "يا جارة الوادي طربتُ وعادني ما يُشبه الأحلام من ذكراك"، قلنا جزافاً ومجانيةً لانعدام المعايير الدقيقة التي يمكننا من خلالها دراسة هذه الأطوار وتمرحلات الكائن نحو كائن آخر أكثر تطوراً على الدوام. فأهم خلاصات الفكر الوجودي، أنَّ الوجود سابق على الجوهر، إذن "وعي الكائن" يظل على الدوام مسألة في مستقبل أيامه وقابلة للتبدُّل والتوسُّع، ما يفترض بكل وضوح وليس ضمنياً الطورانية، وما لا يضع سقفاً نهائياً للأمور إطلاقاً. ولكن هذا فيما يخص الأشخاص الذين لا يعانون من أي إشكالات في "الأعطية المشين" إذ تبقى حقيقة أنّ هذه المشين يمكنها أن تخذل الكثيرين ممن يعانون من عُطب "ما" فيها. أو أولئك الذين سيعانون من نموها البطيء أو حتى توقف هذا النمو نهائياً لدى طورٍ من الأطوار، والانتهاء إلى كائن متشكّل القدرات على نحو نهائي وحاسم.
طور "يا جارة الوادي" هو طور من صميم التواصل مع الخارج، هذه مسألة واضحة، ولكن من خلال ضباب "الرومانس المستحكم"، قلنا المستحكم لأنَّ هناك طور الرومانس "الخافت"، والمستحكم ميزته أنَّه يشارك في الوجود كمندهش به أكثر منه كمتصفّح له وكمُخْتَبِر، أو حتى كراغب في تبديله. هو طور "شرنقة الوعي"، وهذا لا ينفي أنَّ هذا الطور هو عينه الذي يصبح بوسعنا فيه ملاحظة أنّ أختنا "فلانة" أو أخانا "فلان" هو كائن ثرثار أو هي أنانية ومجمل مثل هذه الاكتشافات التي بالتحري عنها، نكتشف أنها إما بيتية أو تقع في حقل الصداقة أو الزمالة أو.. أو... إلخ، مما هو حميم ولصيق ويتحتّم كشفه، وتبقى خلاصة أننا نتعامل معه كشيء "درامي" أيضاً، بدون حساسية أو ثورة ضده، من أجل رفضه أو تبديله.
طور "يا جارة الوادي" هو في أساسه طورٌ عاطفي، ما يستدعي نمو أشكال خارجية له، تتلخّص في "قبول الوجود" على نحو "رومانسي" مسالم، فيه نتعرّف على الحب دون تشريح لماهيته أو ماهية المحبوب. هنا المحبوب محبوب بدون مقاييس، فهو طور خاضع وغير ثوروي، أي غير حالم بتبديل شيء، إنما هو مُسْتَقْبِلٌ أو ممتصٌ للوجود "كأمنية" وليس كموضوعة يمكن الحصول عليها "كاش داون" ووفق ما نحلم، بل وفق ما هو الوجود كائن وفي مدى ما هو متاح.
هو الطور ذاته الذي لا نشعر فيه بالفقر وبالظلم وبالمرض كما يجب، بل ويدعمه البناء الفيزيكي بقوة الجسد لدى هذا الطور، فمن جهة البناء الداخلي لا يستطيع اكتشاف قبح العالم ولا نقده، ومن جهة ثانية البناء الخارجي بوسعه تحمّل الجوع والبرد والتعب والمهانة بشكل عام مع تسامح كبير، هذا هو الطور المسيحي إن شئت.
التلقي الجمالي البصري فيه، يميل إلى الزخرفة، إلى ما هو متنوع وقارّ، استاتيكي، لا يجنح إلى التجريد، يحب أن يرى الصور فوراً، بحيث لا تُحْدِثُ له ربكةً داخل الصور الهشّة والطفولية التي يحملها بداخله وهي صورٌ خالية من الصراع والاحتمالات. لذا يمكنك أن تقول إنه يحب معارض البورتريه الأكاديمي. وستعجبه الموناليزا جداً، خصوصاً لو ثَقّفته بفكرة ساذجَة مفادها الانتباه إلى أنّ الموناليزا، أو المرأة الجميلة، من جميع الزوايا تراها تنظر إليك، فصاحب هذا الطور في قاعه مسكونٌ بأن ينظر إليه الجمال من كل ناحية، لا يُريد أن يرى القبح بتاتاً.
أما التلقي الجمالي السماعي، فهو لن يميل إلى موسيقى معقّدة، سيرتاح إلى الكي بورد أكثر، أو الفلوت منفرداً، وكل ما هو بسيط ومباشر الشجن، ولن تعجبه الأوركسترا لدى هذا الطور مطلقاً، لن يذهب أبعد من حيدر بورتسودان ومغنيي الوجد الحالمين مهما اجتهد، وإن كان مُجِدَّاً للغاية فسينتهي عند أوركسترا مصطفى مضوي والواضح جداً من أعمال إسماعيل حسب الدائم وصلاح مصطفى وصلاح بن البادية. مع وضع أصوات المغنين نفسها في أطوار، فهذا الـ"يا جارة الوادي" يميل للرقة، وللأصوات المنسابة والعذبة، الخشونة لن تغريه بأي حال من الأحوال، وسيعافُ بالتأكيد أصواتاً مثل محمد الأمين وحتى الباس بارتون مثل مصطفى سيد أحمد، لأنّ الجملة الغنائية مبدئياً وكجملة سابقة للجملة الموسيقية، بداخل مخيّلته، ستزعجه بعامل التأمل فيها قبل الطرب لها.
في ناحية المسلسلات والأفلام، هو يُحب ليس النهايات السعيدة فحسب، كما يمكن توقُّع رغبات أطوارٍ غيره، بل أيضاً يحب مبدأ الاعتذار والإحساس بالذنب من قِبَل الشخصية الشريرة، هو لن يُفَضِّل كثيراً النهايات التي تُشَلُّ فيها شخصية الشرير أو تعمى أو تُفْلس وينتهي مفعولها السلطوي، أبداً، هذا يناسب أكثر طور الرومانس "الخافت". أما "الرومانس المستحكم" فهو سيفضل تلك الشخصيات التي تبكي في النهاية وتعتذر وينصلح حالُها، هو يؤمن بمبدأ الإصلاح أكثر من إيمانه بمبدأ العقوبة، الإيمان بالعقوبة يليق بطور "الرومانس الخافت". فالرومانس الخافت هو خطوة أكثر تقدمية ناحية إصلاح الوجود بطريقة واعية وواقعية.
لدى هذا الطور لا يمكنك التوصُّل إلى أي القراءات النصوصية تناسب الرومانس المستحكم إن لم تذهب في اتجاه المنفلوطي وشاكلته على نحو أساسي. ولن تجد أبداً كُتّاباً خشنين، كحال الوجود، مثل دستوفسكي، شكسبير، جيمس جويس.
بالنسبة لهذا الطور أساس وقوع الأحداث لديه هو "المجانية" و"الساااكت" لذا أول ما سيقرعه على رأسه ويدفعه خطوة ناحية "الرومانس الخافت" هو اكتشافه إلى القانون الرئيس في الوجود، وهو حدوث الأفعال لمبرّر ما، يمكن تعيينه، أي اكتشافه لقانون "السببية"، فهو لعامل سنّه وخبراته لم يلاحظ في السابق، وسيكتشف في اللاحق، أنّ خيالاته وتصوراته كانت تتم عبر حراكه، المدفوع ثمنه من قبل جهة ما، في الوجود، تجاه الوجود الذي سيتأكد من كونه لا يتم فيه شيءٌ إلا بناءً على العوامل المادية، للأسف. سينتبه لأول مرّة بأنّه لا يستطيع أن يركب البص بدون مقابل، ولن يحصل على الآيسكريم إن لم يتصرف مع مصروفه بسياسة ما، وأنّ الدراجة التي اشتراها له والده، تم شراؤها مع خصيصة قابلية إطاراتها لأن تُعطب، ولأن تحتاج لبالون داخلي جديد. هنا سيتم له التطور نحو رؤية للوجود و-للتلقي- تبعاً لذلك، أكثر أصالة من سابقتها.
هذا هو طور "لا بد لهذا الليل أن ينجلي، ولا بد لهذا القيد أن ينكسر"، البصر أو التشكيل ضمناً سيذهب في اتجاه صور البؤس الوجودي والإنساني، هنا سيصبح بوسعه تقبّل المشردين في اللوحات والسلاسل والزنازين، مع لطخات من ألوان غير مفهومة، ومن ظلال، سيقبل المعقول جداً من التجريد في السينما والموسيقى والنصوص، وربما يعلّق بورتريه لجيفارا في دولابه أو غرفة نومه، وهذا الطور لصيق جداً بالطور الذي يليه، وهو طور "النضج السلبي". النضج الذي يفهم فيه الكائن الوجود وإن كان لا يسعى فيه نحو الأصالة وتنقية الشخصية من الشوائب المجتمعية، واستيلاد الخصوصية الفردية، وربما هو لخوف باطني من الانفلات أو كنتيجة للمقدرات الطبيعية التي يمتاز بها الكائن "الأُعطية"، فلدى هذا الطور الأمور مختلطة كثيراً. وتبعاً لذلك يضطرب -التلقي-، ولا يمكن تمييزه أو تقديره كما أرى، و"ربما" 70% من سُكّان السودان، المتعلّمين، يقبعون لدى هذا الطور. وحسب تقديري أنّ نوعية النضج السوداني فصيلٌ من فصائل "النضج السلبي"، الذي يكسل عن النقد والتمحيص والاختبار والمماحكة مع الوجود. والتلقّي هنا ربما تقع في دائرته النصوصية الشعرية أعمالٌ كالتي ينتجها "الكتيابي"، "معز عمر بخيت"، "روضة الحاج"، كأعمال تحتفظ بموسيقى مهدهدة، وإن كانت لا تتميز بالحفر وأصالة الأسئلة الفنيّة أو غير الفنيّة، فالمخيّلة هنا تُدخل القليل جداً من التلوين على الصور، أما السبر العقلاني فهو منعدمٌ بالأساس، والتركيز يتم أكثر على التفعيل العاطفي، والشعري البنائي "الدرامي"، بمعنى التزويقي السطحي. أو حتى إن أخذناه من ناحية أخرى، مع إضافة الكثير من التفاوت في توجهات الشخصية الأيديولوجية، بمعنى اختلاف التلقي الثقافي لديها، واختلاف بيئتها المنتجة قليلاً وإن عبر مفهوم الوسط، أو المجموعة الصغيرة، "الثُّلَّة"، يمكن للتلقي أن يتجه –مع زيادة التلوين في الصور- نحو "محجوب شريف" أو "محمد الحسن سالم حمّيد" أو "القدّال"، فالأمور هنا لا تخرج عن أصوات البيئة و"الهدفية" كثيراً، والتلقي هنا يهدف بشكل أساسي نحو "العزاء" وما هو مجتمعي، غير مستفرسٍ وضارٍ وغريب، أي غير متجه ناحية الفنون في تكريسها الصمد، وإنما في درجات توظيفها بالقدر الذي لا يهدم كل شيء، وفي الخطف منها بأضعف المخالب.
هذا الطور يمكن تصنيفه بالطور الجيّد، وإن هو ليس بالطور الصحي تماماً لشخص يُريد أن يضيف للمجتمع أو يحذف منه، بمعنى غير الرسالي، أو الأيدولوجي، الحزبي، أقصد التفتّح في المجال ذاته و"لُبّه" وترقيته كمساهمة أصيلة من الفرد في الوجود وليس في الحياة المجتمعية. فشاعر كمصطفى سند سيكتب ديواناً مثل "البحر القديم" وغداً يكتب قصيدةً عن "توريت" أو "استشهاد وداعة الله"، و"صلاح أحمد إبراهيم" سيعود من منفاه دون "الحاجَّة ست الفول"، وإلى آخره مما يُعَزِّز رؤيتنا بخصوص "النضج السلبي".
وهذا يتم لأنَّ المتلقي أيضاً هو متلقٍ سلبي، ولا ما نع لديه من أي تنويعات غير منطقية، وهو الطور ذاته، المناسب لسماع ود الأمين ووردي والكابلي، على حسب مخلّفات الطور الرومانسي في الشخصية.
لدى هذا الطور، التلقي البصري، التشكيل، يكون على حسب القراءة، فالشخصية هنا تتميز ببعض القراءات والنضج، لذا حين تقرأ عن الأعلام المشهورين من أئمة التشكيل، مثل سلفادور دالي كأشهر ممثل للسوريالية، أو سيزان ومونيه كأشهر مُمَثِّلَيْن للانطباعية، أو رامبرانت كممثل للواقعية الفَجَّة، -الفجّة هذه من عندي- أو بيكاسو وتكعيبيته، فشخصيات هذا الطور تستطيع بالفعل وليس نفاقاً، أن تُعجب ببعض هذه الأعمال، وأن تتواصل معها، ولو بشكل سطحي في أغلب الأحايين. والأمر يختلف قليلاً مع النصوص، بحسبان أن ثقافة النص أيسر وأكثر انتشاراً من ثقافة التشكيل. هنا تجد ماركيز والطيب صالح وإيزابيل الليندي كجماليين متينين، وأيضاً نجيب محفوظ ووليم فوكنر وجورجي أمادو كجماليين كلاسيكيين. شخصيات هذا الطور لديها القدرة على تقبل ما هو مشهور ورائج، والولوج إليه وتحصيله، ولا أدري لماذا؟
هذا الطور في المسلسلات والأفلام سيحبّذ أعمالاً لرجل مثل أسامة أنور عكاشة، فهنا الكثير من الموضوعية المشهدية، أو ما يمكن إيهام المتلقّي بكونه قضايا، كما أنَّه يُمَثِّل حظوةً ما وخصوصية، في تقديري أنّ أعماله تناسب طور النضج السلبي أكثر من غيرها، خصوصاً أعمالاً ذات ادعاءات فكرية مثل أبي العلاء البشري. أما بخصوص الأفلام فهذا الطور سيميل ناحية السينما الأمريكية بشكل خاص، وستعجبه الأفلام الملحمية وأيضاً الأفلام ذات الطابع الخاص بسيرة النضال والنجاح مثل "محمد علي كلاي"، أو "ذهب مع الريح"، "سبارتا كوس"، كنماذج لأفلام كلاسيكية.
في تقديري أنَّ هذه الإشارات كافية لأنتقل إلى "طور النضج الإيجابي"، كافية لمن يتابع معنا عبر ملاحظاته وخبراته الموازية أيضاً، فهذا الموضوع لشخص لم يسبق له أن تأمَّل في كيفية نمو التلقي لدى البشري سيبدو مثل مواضيع الأبراج وقراءات الحظوظ بمجلات التسلية. بأي حال "طور النضج الإيجابي" نادر الحدوث في بيئة مثل المجتمع السوداني. السوداني يميل لتقبّل الأشياء سماعاً، ضعيف من ناحية اختبارها شخصياً، والتأكد من جدواها ومآلاتها، هذا طور بكل صلف دعنا نقل إنه يخص فصيلة قليلة –جداً جداً- ومبدعة بحرفية الكلمة. بمعنى أنها قامت بالتطهر أولاً من نظرتها السودانية، الداجنة، للوجود. وقامت بتبديل الأعراف كلّها في مخيّلتها أولاً، ثم سعت إلى تحقيقها على أرض الواقع بكل شجاعة واندفاع، دون خوف من التحطم أو الغرق أو الضياع، ودون الارتهان لأي أيدولوجيا ما، أي بكل مجانية وطيش مفيد، إن جاز التعبير. هذا فيما يخص الكشوفات، أي ما يخص التقدّم على نحو ابتكاري. وإنِّي هنا لا أُمَيِّز المتلقين من هذه الفصيلة عن المبدعين فيها، فهم يلتقون لدى رؤى واحدة إلى العالم والنَّفْس البشرية وما يجب أن تكون عليه الحياة وما يجب أن يصاغ عليه الوجود.
وهم يتواطؤون على خيانة العالم القديم في كل لحظة وهدمه، مبدعون ومتلقّون. التلقي هنا لا يمكنك تسميته إلا إبداعاً، ولا يمكنك الاقتراب منه إلا كحرفة ومهنة من مهن الدماغ العظيمة، فالتلقي بالأساس لدى هذا الطور يقوم على الاختبار والنقد والمساءلة والتقصي، وما من شيء يتم تقبله جزافاً أو مجاناً. وهذه هي عين النظرية الإبداعية، فالمبدع النحات يخلق عالماً مختلفاً لأنه يمتلك تصوراً مختلفاً لأشكال الأشياء، مثلما هو المبدع المصوّر والراوي، كلاهما يتأمل في الواقع المُعْطَى، وإن هو لا يستخدم طريقة الإنقاص والإضافة، بل عجن المشهد من أول وجديد لإعادة خلقه، في عمل فني جديد كليةً وبتلوين آخر. والمتشددون من أهل الفن في هذه الأنحاء، وأحسبني منهم، بخصوص الأدب مثلاً يرفضون الماضي بكل آليات عمله، حتى الفنية، كالتناص مثلاً، ففنان أصيل كبشرى الفاضل يعاف حتى "التناص" بمفهوم أنَّ الكتابة فعل فردي، ولا يجوز تربيته مشاعياً، أو السير به وفق دروب سار فيها آخرون، ما يجرّه للجماعية والتكرار دون شك، وما يعني بالضرورة قهر عامل الابتكارية الجذرية والتجديد فيه. فإيجاد مرتقيات جديدة للكتابة أفضل من توسعة أخرى قديمة.
يصعب لدى هذا الطور رصد المحدّدات الفنية لديه، أو حتى طريقة العيش بالنسبة لهذه الكائنات كمخلوقات تميل إلى التجديد والتنويع والتلوين في كل ثانية. المزاجية الحصيفة والناقدة ربما تصلح كوصفة لهذا الطور أكثر من غيرها، والفلسفة متاعٌ أساسي يحمله هؤلاء "الناضجون الإيجابيون" في مواجهة ظروفهم، وكاختيار في تلوين تلقيهم لمجمل الوجود، أي هم يختارون نظرتهم، ولا تُملي عليهم الصور صورتها.
هؤلاء هم من يمكنهم اختبار الحداثة وتجريبها قبل الوقوع تحت رحمتها كـ"متلقين لها" بكل أُعطياتها، وهم بالقطع لا يعانون من عُطب في "الأُعطية الجبرية"، نظراً لسيرهم حتى هذه النقطة وبلوغها معافيين ودون مشقة وفي الـfit time.
مع هذه الفصيلة لن يمكنك تقديم "الإسكتش" على أنَّه مسرح، ولا تقديم جماعة "تيراب" المسرحية –تسميةً، على أنَّها مسرحٌ واقعيٌّ وفعلي وبوسعه منافسة مسرح "أنطونيو إسكارميتا". ولا يمكنك تقديم النكات اللفظية وتجريدية الأصوات، المجلوبة من طور "الإنسانُ في مقام الشجرة" على أنها "سخرية"، ولا حتى تقديم الصور الشعرية في خامها الموسيقي، كألاعيب أشعار ضعيفة ومجاورة للطفولة، من أمثال بهلوانيات "روضة الحاج" و"غنائيات الكتيابي" و"لا فقاريات معز عمر بخيت" و"مراهقات نزار قباني" على كونها شعراً. هنا تحتاج لوزن ثقيل، ولعقول مفتولة العضلات، كـ"أوفيد"، "بابلو نيرودا"، "أكتافيو باث"، "ديريك والكوت" أو على نحو محلي كـ"الصادق الرضي" و"عاطف خيري". هنا تتبدَّل أقانيم كل ما هو متوفِّر ويُرَوِّج له الإعلان، إلى مأخوذات ما تم اختباره وتعيينه بدقة ووعي كبيرين.
في تصوري أنّ الكُتّاب السودانيين السالفين، أمثال صلاح أحمد إبراهيم وعلي المك والمهدي المجذوب هم كُتّابٌ راجوا دون أن يُقرؤوا فحسب، وإن قُرؤوا لما راجوا، ولا يمكن تقبّلهم إلا على نحو "غفران تاريخي" كرُوَّاد، كما قلنا مع مسرح الفاضل سعيد. أما الريادة بمفهومها المتحقّق فعلاً فلا يمكنك أن تتسامح فيها مهما كنت كريماً إلا مع أسماء أخرى يقف على رأسها الطيب صالح ومحمد عبد الحي وبشرى الفاضل، أعني من يمكنك الاطمئنان إليهم بكل ثقة كسولة.
بوسعك مع هذا الطور تقديم معرض بورتريه لـ"لوسيان فرويد"، لطخة لون من هنا ولطخة من هناك، والوجه يحضر في كامل دلالة اللاصور واللاتشخيص، واللاتعيين، أما البورتريه الأكاديمي فسيبدو كموضوع فقير، وفيه الكثير من المكاشفة المملّة، والتدخل في شؤون كاميرا الفوتوغراف.
الناس هنا تبحث عن لوحاتٍ ربما تقابلها في القيامة –المستقبل- وليس عن صور هشّة من –ماضي- الطفولة. تبحث عَمَّا هو دينمايكي فَوّار، وليس عَمَّا هو استاتيكي محدود من طبع الرومانس المستحكم.
الأغنية هنا مجرّد جنوح وتوق إلى التحليق بعيداً وفي فضاء الموسيقى، مع كلمة نافذة وكل ما يمكن توفره من تلوين موسيقي، فالهدهدة وأغاني "Lullaby" التي جاءت منها أغاني "اللول اللول، والنوم النوم، بكريك بالدوم"، ليس في وسعها جلب النعاس والطمأنينة لشخص ناضج بشكل صحي.
مع هذا الطور يمكنك النظر إلى رسوم فنّان ربما يحلو لك أن تصفه بـ"النزق" أو حتى "الشرير" مثل حسن موسى بواقع كونها كاريكاتوراً فحسب، لا يُحصحص ولا ينظر إليه إلا في واقعه المتعيِّن هذا. وما دورُ الكاريكاتور سوى تبشيع الواقع ورصده من زاوية القبح، أو تظهيره وتحميضه في معمل القبح، أوَ يُصْنَعُ الكاريكاتير مثلاً للإشادة بمنجزات الناس؟ بأشيائهم الجميلة!؟ أبداً، لا مساومة إطلاقاً، هو الفن المعني بالنقد الجارح أو الجاد فحسب، ولذلك هو يقع بتمامه في طور "النضج الإيجابي". النضج الإيجابي تنطبق عليه مقولة حذيفة بن اليمان، الذي كان الصحابة يسألون الرسول من "طور الرومانس" عن الجنّة، أي ما هو جميل وفردوسي، أما هو فكان يسأل عن جهنم، وما هو قبيح و"نقدي"، ليتجنبه.
ولكن إن كان التفهم لهذا الفن، من جنس تفهّم الديكتاتور الرومانسي ياسر عرفات، فلا بد أن تملأ الجبخانة صدر "ناجي العلي"، ولا بد أن يُقتل "حنظلة"، وليس "تفاحة" كما يمكن أن يقترح صاحب "رومانس مستحكم".
المسافات بين هذه الأطوار مختلفة الأبعاد، والكميات، والأسفار، وأساس التنقل بينها هو الرغبة في التنقل، إن لم تكن تعوِّق الشخص ظروفٌ بنائية ومتعلّقة بقدرات "المشين: الـgift، أو برحابة المخيّلة وسعة التصور. بالنسبة لأصحاب "النضج الإيجابي" فالأمور واضحة ولا تحتاج إلى كل هذه "المعاتلات" الفكرية والسيكولوجيّة والنظرية.
وبالإجمال يمكننا القول، بوسعك أن تتلاعب في الساحة الفنية، أو التلاعب في أدوات الإعلان كيفما تشاء، ولكن تظل ساحة "النضج الإيجابي" ساحةً مملوكةً لوعيها، ولأهلها ومتلقيها، عن كامل القصدية والتعيين والوعي، وبعيدةً عن متناول أي تزوير أو تزييف.
وكخلاصة إجمالية لهذا المرسوم الطوراني، الافتراضي، هل من حق طور الاعتراض على غيره من الأطوار؟
ليصبح بوسعنا بعد ذلك الشروع في الإجابة على نحو لا يُبَرِّر للصراع بقدر ما يرصده، ويقف عليه من باب استكناه ميكانيزماته وتحليلها. في الغالب "الأطوار الهشّة والبرايمري خالص" لديها احتجاج على أي نمو يتم لاحقاً، فيما بعدها ومتجاوزاً لها، وهذه المسألة يمكنها أن تتم أيضاً على نحو تاريخي حتى بين منتسبي الطور الواحد. لأنَّ النمو على الدوام نحو لانهاية تقبع في المجهول سيظل النقطة الأبدية التي تحافظ على بقاء الاختلاف والطورانية ذاتها. فالزمن بمفهومه "الثري" وليس التجريدي، أو الزمن المُغَذَّى بخبرات الحركة والتجارب، المتبدّل، وما هو دينمايكي، المغذَّى بالتأثّر أو بالتلقّي، المفردة التي اخترناها لتعنون الموضوع، سيُسهم في تمكين هذا الكائن من التطور حتى داخل طوره الواحد "الإيجابي إلى خواتيم العمر. لاحظ أنَّ أي كائن حي محكوم بـ"العمر" وبفترة صلاحية معيّنة، ولذلك يقول الله بشكل حاسم، وبشكل يؤيد ما ذهبنا إليه من الطورانية "كلُّ يومٍ هو في شأن".
إذن لا بدّ من اشتجار الأطوار البرايمري مع الإيجابية، بالنسبة للبرايمري الصراعات من قبله تقع، بناءً على خوفه من أن يتم تجاوزه ومحوه، أما بالنسبة للإيجابي فهو ينظر إلى المسألة كدور لا بُدَّ له أن يقوم به باتجاه التغيير والإسهام في التطوّر والتحديث.
(كلُّ يومٍ هو في شأن).
imported_بدور التركي
02-10-2010, 02:14 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بابكر عباس http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=283551#post283551)
بدور صباح الخير
القصيدة تشبه شعر عباس الشريف
http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?t=16288
دي القصيدة يا بابكر
imported_محسن خالد
02-10-2010, 02:47 AM
هسّع (النامصة وحاجبها غمام) دي، إنت يا بابكر بعد لقيت مفتاحها تماماً، وبالضبط، وهو حديث النبي محمّد، الذي ما معناه، لعن الله النامصة والمتنمصة، الواشمة والمستوشمة، الفالجة.. إلخ
طيّب، هذا التركيب الغريب أضحى مفهوماً بعد ذا، فلو كانت هذه الحبيبة حاجبها غمامٌ، فماذا يعني حين تنمصه، أوتنقصه!؟ يعني إنَّها ستمطر (امرأة بتمطِّر) بتدي مطره، صورة بديعة وألا لا!؟
لو قلتَ إنَّ الأُخيولة صعبة، فهي صعبة بالفعل، كما هو طور (التلقي الإيجابي) صعب بالفعل، فهو طورٌ لفنّان موازٍ، ومعرفي مماثل ومُضَاهٍ، بمعنى إن لم تجمعنا ثقافتنا المشتركة حول معرفة هذا الحديث، فلن تفهم ما المقصود لغوياً، بالنامصة، أمَّا الفنّان الموازي، فهو من قلتُ عنه في كتابات ثانية، لا يوجد متلقون للكتابة في الحقيقة، وإنَّما هناك كاتب يكتب، وآخرمربّع إيدينه ساكت، وكذلك ينطبق الأمر على الرسم والموسيقى والتفكير .. إلخ.
واحدة من الأشياء التي لفتت نظري، الإعجاب الشديد لأختنا (كادي) التي هي عضوٌ معنا في هذا المنتدى، إعجابها الشديد بـرواية (خيانة بالألوان) هل بالوسع أن نعتقد أنَّها (معجبة) فقط، وحسب!؟ وهل تسميتها هنا بالمعجبة توصيف سليم!؟
لا، هذا توصيف غير سليم بالمرّة، بل هي فنَّانة أكثر مما كتبتُه أنا. وكتابتي هي في الحقيقة تجاربها وبصائرها ورؤيتها للفن، وكل ما فعله محسن خالد أنَّه تدرّب بالشكل المطلوب والكافي، ليكتب لها روايتها هي الشخصية، التي كانت تكتبها هي بنفسها وداخل نفسها. أنا فقط جئت وشاركتها هذه الكتابة السرية لها، على شكل علني، وإنَّني يا بابكر، جادٌّ في هذا الكلام لأقصى ما بوسعك أن تتصور.
كن بألف خير
بابكر عباس
02-10-2010, 03:44 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284375#post284375)
انت اول شخص تداخلت مع عباس وكنت اول الناقدين له
ومن ثم جاءت الأراء واقامت المناحات السوداء
بدور كلامك دا غير دقيق
مداخلتي كانت رقم 7 او 8 و لم أكن أول منتقديه..
عندي إحساس انو عباس ما كان جادي في قصة الشعر دي
بابكر عباس
02-10-2010, 04:43 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284445#post284445)
واحدة من الأشياء التي لفتت نظري، الإعجاب الشديد لأختنا (كادي) التي هي عضوٌ معنا في هذا المنتدى، إعجابها الشديد بـرواية (خيانة بالألوان) هل بالوسع أن نعتقد أنَّها (معجبة) فقط، وحسب!؟ وهل تسميتها هنا بالمعجبة توصيف سليم!؟
لا، هذا توصيف غير سليم بالمرّة، بل هي فنَّانة أكثر مما كتبتُه أنا. وكتابتي هي في الحقيقة تجاربها وبصائرها ورؤيتها للفن، وكل ما فعله محسن خالد أنَّه تدرّب بالشكل المطلوب والكافي، ليكتب لها روايتها هي الشخصية، التي كانت تكتبها هي بنفسها وداخل نفسها. أنا فقط جئت وشاركتها هذه الكتابة السرية لها، على شكل علني، وإنَّني يا بابكر، جادٌّ في هذا الكلام لأقصى ما بوسعك أن تتصور.
كن بألف خيرعندي نقطة إن شاء الله أقدر أوصلها ليك.
هل ممكن في نفس الوقت، يكون في زول غير معجب خالص برواية: خيانة بالألوان
و في نفس الوقت ممكن تعتبرو فنان زي كادي؟
أنا خائف إنو طورانية التلقي ترمي الزول في شرك.
imported_بدور التركي
02-10-2010, 05:04 AM
اقتباس:
بدور كلامك دا غير دقيق
مداخلتي كانت رقم 7 او 8 و لم أكن أول منتقديه..
عندي إحساس انو عباس ما كان جادي في قصة الشعر دي
يعني تقصد عباس كان في البوست بتسلى بالعقول!!
لا أعتقد
مداخلتك فعلا ما كانت اول المشاركين
كانت اول المنتقدين
ولو غلطانة نورني..
بابكر عباس
02-10-2010, 05:16 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284450#post284450)
كانت اول المنتقدين
ولو غلطانة نورني..
الرشيد كان أول المنتقدين
أكيد القصيدة دي ما كاتبا الصادق الرضي..:D:D
imported_فتحي مسعد حنفي
02-10-2010, 08:27 AM
اقتباس:
الرشيد كان أول المنتقدين
يابابكر أرجع تاني لي كلام محسن الأخير وممكن تفهم كلام الرشيد بصورة غير الفهمتو بيها يعني مثلا الكلام الفي الاقتباس دا ممكن يكون نقد وممكن يكون دفاع عن المقصود بالكلام بغض النظر عن هو منو..ودي زي ما تقول عن واحد : ياخ هو أصلو طه حسين؟ وفي حالة الدفاع بكون معني الكلام ما تتعاملو معاه وكأنو طه حسين عشان كل زول بي مقاس جزمتو.. ولا انت شايف شنو يا أبا بكر الثقفي.طبعا الثقفي دي من الثقافة مش من قوم الحجاج بن يوسف وأهي برضو فرصة ليك تديني كلمتين في العضم وتطلعني جاهل. شفت المعزة دي كيف:D:D
imported_بدور التركي
02-10-2010, 08:45 AM
اقتباس:
الرشيد كان أول المنتقدين
بابكر صباحك نور
هل بمقدورنا كقراء صياغة النص من جديد
في قراءة جديدة تحقق التفاعل بيننا وبين النص
لتقديم إضافة جيدة له واحياء الحروف من جديد
بموضوعية غير محايدة وبقراءة منتجة بدل الاتهامات
جيب اضانك
كلمة الاتهامات دي قاصدة بيها روحي
وانت!!
غايتو بحاول كسر حاجز التوقع
يا ريت يا إدارة تشيلو البوست دا الخور!!
imported_جيجي
02-10-2010, 09:42 AM
لي يمشي الخور
نحن قلنا رائنا المصرين عليه
وهو قال رائه المنظر فينا كمتلقين
ووقال رائه في كثير من الشعراء والشعر
والمسالة في االنهاية رائي ورائك
ولا انتي جبتي هنا لشنو؟؟؟:eek:
imported_بدور التركي
02-10-2010, 10:40 AM
لي يمشي الخور
نحن قلنا رائنا المصرين عليه
وهو قال رائه المنظر فينا كمتلقين
ووقال رائه في كثير من الشعراء والشعر
والمسالة في االنهاية رائي ورائك
ولا انتي جبتي هنا لشنو؟؟؟:eek:
جئت لأحترم ظلي
لا لأنظر للناس كقطيع...
جيجي
رئي ورئك دخلو الرأئانة
يقدر رائك يتفق مع رئي
زي ما رئي بود رئك:D
يا بت اسمها رأي وأراء
بابكر عباس
02-10-2010, 10:57 AM
المشاركة رقم 2222
محسن يا اخي
لو لقيت ليك فرغة عليك الله تعلق لي على القصيدة بتاعة مصعب عبد الرحمن دي:
الفقيه صاحب النافورة !.
إلى/ محمد مدني
(1)
الأغصانُ مدبوغةٌ في العراءِ ؛
كذلك " الحمل ُ"
و " الدلوُ " و " البئرْ " ,
قبل أن يهبطَ من أرخبيل الأعالي
, دون يحّرك رياح الجديد ّ!.
(2)
من كل ربع ٍ ومسقط
, من حصنها الحصين
في القطارات و " اللواريِّ "والدواب
: اندلق ليلتها ناعساٌ الضوء
وأنبهمت عنده الأسطورة !.
(3)
في بئر الليل
قالت لجارتها نملة
- مُديِّ للفقيه يدك !.
فمدت للفقيه يداً
فانقلبت بيضاء من غير سوءٍ
وانفضت ليلتها حلقة الشيخ !.
(4)
طالباً الراحة
كان يهيم فى "الأماكن "
إلي أن التقت الساقُ بالساقِ
, والغدُ بالأمسِ
فخرجت منها روحها النجسة !.
(5)
وتحول الماء الى عسل
والى خمرٍ تحول العسل
ومن ثقب أبرته
كان الخيط شديد السواد
بين الخرافة والمعجزة
بين الشك واليقين !.
(6)
على تلك الحال
رأيت الفقيه يجدف
، وحول النافورة
: عميانٌ وعرجٌ ومشلولين
يلغون مياه البركة الأسنة
ويشفون بأذن الله !.
(7)
...
، وما رأينا مثل ذلك قط !.
_ " قم واحمل كفنك وأمشي ".
ومشى
, على خيط ماءٍ نحيلٍ
مشى !.
(8)
كان يضعُ يده على الشيْ
ويتفلُ في عينه
فيضع الشيُْ أ وزاره
فيقتاده الى نور الحقيقةِ
ويغفر بإذنه خطاياه !.
(9)
أقول والعهدة على الراوي :
-" فيما كان يأتي من حينٍ لاخرٍ
؛ ومن كل مكان
: أ بصر به الاعمى
وشفي الابرص !. "
(10)
لم تقتل نبيها
المدن التي لم تتب
؛ ولم يخرج أهلها بعدُ
متشحيين بالمسوح
مجللين – في صباحتها : بالرماد !.
imported_جيجي
02-10-2010, 10:59 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284579#post284579)
جئت لأحترم ظلي
لا لأنظر للناس كقطيع...
بدراناسؤالي حبتي القصيدة هنا لشنو وهسى بتطالبي بالخور؟
مش انتي جئتي لشنو
بعدين ياستي دا مجرد راي
يعني ماحاناقش لي زول فيهالا من خلال رؤيتي
imported_محسن خالد
02-10-2010, 01:20 PM
سمراء العزيزة، سلامٌ وتحايا، وأشواقٌ لا تُحَدُّ
طيب، أنبدأُ بالحسكنيت والصبَّار وشَرَك الطير (نوع نبات) واللارنج، أم بأشجار الفواكه والسيسبان!
أو كما يصدح نادر خضر، بتلك المادَّة من الكوشرثيا القديمة
السيسباااانة، أنا أنا، خضراء ورويانة
أنا أنا
يضحك نهارك
imported_محسن خالد
02-10-2010, 03:11 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بابكر عباس http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284282#post284282)
اقتباس:
اقتباس:
أنا داير أقول من تشبيهي الأول:
ليش نحن إنتقدنا عباس الشريف بالسهولة دي؟
و لما محسن خالد جاب ليهو قصيدة ما لقت هوى في نفسنا،
بدينا ندور عن معاني مستتره للكلمات و التراكيب؟
هذا سؤال ممتاز يا بابكر عبّاس.
أعتقد أنَّ (الثقة) في الكاتب، هي مُسَبِّب ذلك. فالطور الإيجابي هذا، أو الفنّان المُمَارِس للفن عبر ذائقته وتفاعله، له خبراته وتقديراته ورؤاه، التي بوسعها أيضاً أن تتجاوز قدرات الفنَّان المُمَارِس للفن عبر إنتاجه. فالفنّان المتفاعل هذا، يمتلك بصيرة نقدية حتى لو لم يتلقَّ من التدريب ما يفي بشرط التأسيس المعرفي والنظري لأن يكون الشخصُ ناقداً.
لذلك قلتُ في أحايين كثيرة، إنَّ (الاختيار) في حدِّ ذاته، (موقفٌ نقدي) من الوجود، ومن المعطيات، والأوبجيكت، والمواد أيَّاً تكن.
حين يذهب شخصٌ ما، أو متفاعلٌ مع الوجود، إلى سوق الألبسة، ويختارُ هذا القميص دون سواه من ذلك المتجر المليء بالألبسة، فهو في الحقيقة قام بإجراء عملية نقدية للألبسة كلّها، بداخل ذلك المتجر. أو على نحوٍ أكثر دقّة فهو قد قام بإجراء عملية نقدية للألبسة كلّها التي طالعها ووقع عليها بصره، بداخل ذلك المتجر. ثم وَقَعَ بعد ذلك (اختيارُهُ) أو (موقفُهُ النقدي) على تفضيل هذه المادَّة على غيرها.
ولا بُدَّ أنَّه قد قال بداخل نفسه، على نحو تنفيذ إجرائي للنقد، وليس على نحو تأسيس نظري، هذا القميص لونه لا يناسب لوني، لو كان أغمق أو أفتح لناسبني أكثر. وهذا سيضايقني في منطقة الصدر، به ضيق لدى هذا الموضع. وذاك القميص الثالث قد تم تقميشه* من خامة رخيصة، ما هي إلا أيام وسيهترئ. وذاك القميص الرابع، لدى الكورنر، تصميمه قبيح.. إلخ
أمشترٍ هذا فحسب، أم هو ناقدٌ في مجالات عديدة، تشتمل التشكيل والتصميم وخامات المواد والخياطة!؟
فما من شيء بسيط في هذا الوجود، والأشياء كلّها متى تم لك فحصها بشكل جيِّد فستكتشف أنَّها مُرَكَّبَة لحدٍّ ما من الحدود.
سقتُ هذا الكلام، لأستشهد برأي فنّانة أخرى مُمارسة للفن عبر تفاعلها، أو عبر ذائقتها، وأعتقد أنَّها صاحبة وعي إيجابي في تفاعله مع الوجود، وهي الصديقة العزيزة دينا خالد.
وهي قد قالت تعليقها ذلك، أيضاً في خضم التلقي والتفاعل مع جنس هذه الكتابة ذات التراكيب الغريبة، على حدِّ قول أخينا بابكر.
قالت الآتي:
اقتباس:
هسه انا لما اقرا اى نص لى محسن والله بفهم فهم .. ولو استعصت
على حاجة بكون فاااهمة انو دا منى انا ما منو . لكن يستعصى عليك كل النص وتفهم
حاجة واحدة .. دى لازم يكلمو صاحبها وهو منو وفينا وما منو مدسه ..
كتاباتي كلّها ليست سهلة، بل لو راجعت بتاريخ مبكّر جداً مكتبتي بسودانيز، فستجد أنني نشرتُ نصوصاً صعبة، لك أن تراجع بوست (الرجل الكلوروفيل) بمكتبتي في سودانيز أون لاين، وستجد كتاباتٍ شعرية لي، أعتقد أنَّها أثّرت على كتابات (إخوان وأخوات الوشل)، واستفادوا منها.
ولكن، لماذا استثنتني دينا من عدم التفاعل مع كتابتي؟ أي لماذا أصبح بوسعها أن تتفاعل مع كتابتي وتفهمها فهماً كما قالت؟ وكيف تم لها أن تقنع نفسها بأنّ حتى الأشياء التي لا تفهمها من كتابتي فهي تحتاج لمراجعات من قِبَلها لا قِبَلي!؟
أوَ تدرون ما هي الإجابة حسب رؤيتي؟
إنَها الثقة، مردُّ ذلك هو الثقة. ولذلك سقتُ حديث القميص أعلاه، فدينا لم تمنحني هذه الثقة جزافاً، أبداً، فهي قد دخلت لمعروضاتي من الكتابة مرتين وثلاث وأربع، واختبرتني، وانتهت في تقويمها لي عند نفسها، بكوني لا أهرطق، ولا أخدعها بأي كلام. نعم فقد تصعُب كتاباتي عليها أحياناً، ولكنها، كما اقتنعت هي عند نفسها، عليها مراجعة قراءاتها لا مراجعتي. لماذا؟ لأنَّها ولا بُدَّ قد اختبرتني في أشياء كثيرة، من نموذج (النامصة) هذه، وطاردتها لتعرف أهي هرطقة أم يقبع خلف أكمتها شيءٌ؟ وبذا، فهي قد فرزت تلك الكتابات تماماً عن جنس ما هو منتشر من هرطقات هذه الأيام. هذا الكلام قاله الكاتب دكين أيضاً، عن كتاباتي، لأنَّه أيضاً يثق فيما أكتب.
في تقديري أنَّ السبب هو الثقة، فالثقة مدخل ضخم وأساسي للتفاعل، وهي لا تُمْنَح للفنّان المُنتِج مجاناً، من قبل الفنّان المُمَارِس للفن عبر ذائقته، وإنَّما يُلقَّاها الفنَّان المُنْتِج بعد تمحيص وابتلاء واختبار عظيم يقوم به الفنّان الموازي.
مثلاً، متى بدأ بابكر مطاردة كتاباتي؟ حينما اختبرتني لدى طورانية التلقي، ووجدت فيها خبراتك أنت نفسك وملاحظاتك الشخصية عن التلقي، ووجدتني مدرّب أكثر منك على صياغة الأفكار التي أنت تعرفها ولاحظتها بداخلك وبقدراتك Already فاتفقت معي، حول رؤية تلك الكتابة، ووثقت بي من عندها، وبعدها صرت تبحث عَمَّا أكتب، أي بعد أن فحصتَ ما أكتب ثم أوليتني ثقتك.
* مفردة التقميش هذه، يا بابكر، على هذا النحو من ابتكاري، وهي قديمة عندي. ولا علاقة لها بالرداءة ولا الرمرمة أو التشكيل في أصلها العربي، ولا بمصطلح (التقميش) في علوم التاريخ الكلاسيكية للمسلمين.
* هذا الموضوع لُكْنَاه من قبل حين الحديث عن كتابات (إخوان وأخوات الوشل) ولكم مراجعة هذا الرابط
http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=200&msg=1238680283
imported_محسن خالد
02-10-2010, 03:42 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بابكر عباس http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284449#post284449)
اقتباس:
اقتباس:
عندي نقطة إن شاء الله أقدر أوصلها ليك.
هل ممكن في نفس الوقت، يكون في زول غير معجب خالص برواية: خيانة بالألوان
و في نفس الوقت ممكن تعتبرو فنان زي كادي؟
أنا خائف إنو طورانية التلقي ترمي الزول في شرك.
أمَّا سؤالك المقتبس أعلاه هذا، فـ(بيض)، يا بابكر عَبّاس!
طبعاً، قد يتفق أن لا يحب فلان الفلاني الفنّان أكثر منّي ومن كادي رواية (خيانة بالألوان)، ويبقى أيضاً فنّاناً أكثر منّي ومن كادي.
لماذا؟ لالآف الأسباب! منها "موضوع" القصة، الإستايل في كتابتها، تكنيكاتها، بناؤها.. إلخ.
فهل تجد أي وجه شبهٍ بين (إحداثيات الإنسان) و(خيانة بالألوان)!؟ كل كتابة منهما تتحدّث في بلدٍ كائناته فصيحة.
فهذا الشخص ربما لونيته هي (إحداثيات الإنسان) وليس (خيانة بالألوان).
فهل تعتقد أنَّ بوسع ذلك أن يضرب (طورانية التلقي)!؟
مطلقاً (لا)، لأنَّ التدريب الذي كُتبت به هذه الأعمال هو التدريب المتنامي عينه، وهي القدرات للكاتب المتطورة ذاتها، ولكن المواضيع مختلفة وكذلك التكنيكات والإستايل، ومن هنا تأتي الفروقات في التقويم والاختيار، لا من القدرة على (التلقي).
ألا تختلف جُملة، أنا تلقيتُ هذا العمل تماماً ولم يعجبني؟ عن جُملة أنا لم أستطع النفاذ للعمل وتحصيله ولذلك لا أدري إن كان يعجبني أو لا يعجبني؟
وهنا أيضاً، القدرة المتنامية لذائقة المتفاعِل الموازي هي لُبُّها، وكذلك قدراته المتطورة مع التلقي هي ذاتها، ولكن الموضوع لم يخارج معه لأنَّه لم يعجبه، وليس لأنَّه قد استعصى عليه، أو لكونه انعزل عن الموضوع بسبب أنَّه فوق مقدراته على التلقي.
بابكر عباس
02-10-2010, 04:16 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284661#post284661)
طبعاً، قد يتفق أن لا يحب فلان الفلاني الفنّان أكثر منّي ومن كادي رواية (خيانة بالألوان)، ويبقى أيضاً فنّاناً أكثر منّي ومن كادي.
دينا لما يستعصي عليها نص، بترجع القصور لي نفسها، لانها تثق في المبدع..
طيب الزول الفنان الأكثر منك و من كادي دا، لما ينقد خيانة بالألوان و يصفها بالضعف، قد لا يسعفك التدريب بتاعك في إستيعاب نقده
المرجع في الحالة دي ببقى شنو؟
imported_محسن خالد
02-10-2010, 04:19 PM
غابتي..
التي بذرتني المتساقطَ في مشيتها
من لحن الحجول
ما رأي بابكر في هذه الأُخيولة؟
فقد استحالت ساقا المُخْبَر عنها إلى (سلّوكتين) وليستا أية سلّوكتين من خشب، (لا)، فقد استحالتا، تحديداً، إلى سلّوكتين من جيتارين.
هذا لأنَّها كانت ترتدي حجولاً. فهل رأيتَ تلك الحركة الرشيقة للمزارع الحريف، حينما يطعن الأرض، غالباً جروف النهر، بسلّوكته على نحو خفيف، سريع، ونافذ، ثم يرمي بعدها، برشاقة، التيرابَ، أو بذور زراعته، في رحم الأرض؟
ونجد راوية النص، قد استحال في نفسه إلى هذا التيراب، الذي تشتته تلك الحجول في ساقي الموصوفة، لينبت أفدنةً من الموسيقي، تخيّل أن تتحوّل الموسيقى إلي مادّة مما يُزرع في جروف النهر.
داير شنو أكتر من كدا إنت!؟
نخلي بَطَر زي دا في الكتابة والخيال عشان يتكتب شنو؟
فإن لم يكن المتلقي يعرف شيئاً عن الغرس والزراعة بالسلوكة، ولا مخيّلة له بوسعها تخيل الساقين قد استحالتا لجيتارين من واقع أن الفتاة تلبس حجولاً تُصدر نغماتٍ حينما تتحرك برشاقة الزُّرَّاع، فما الذي سيجده المتلقي من قراءته لهذا الكلام؟
أي مقطع من هذه الكتابة له "فكرة"، عن نفسي لا أكتب أيَّ شيءٍ لا أمتلك له فكرةً.
imported_محسن خالد
02-10-2010, 04:28 PM
اقتباس:
دينا لما يستعصي عليها نص، بترجع القصور لي نفسها، لانها تثق في المبدع..
بابكر
هسّع أنا قلت كلامي بهذه الطريقة وهذا الإطلاق في جملتك أعلاه، أم أنني كنت أركِّز على هذه المستويات ذاتها وأنواع المواضيع، وألا كيفن!؟
طبعاً وارد جداً إنو الكتابة ذاتها تكون غلط، أو فيها خلل، نحن بنتكلّم في جوهر وفكرة الموضوع لا تفاصيله وشوارده ولولواته. ما الكتابة الواحدة ذاتها، ممكن يكون فيها كعب وفيها سمح، مش!؟ نحن بنتكلّم عن التلقي لما يكون تعبان بالجد، أو كمان سيدو كسلالالان.
الرشيد اسماعيل محمود
02-10-2010, 04:43 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بابكر عباس http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284673#post284673)
اقتباس:
دينا لما يستعصي عليها نص، بترجع القصور لي نفسها، لانها تثق في المبدع..
طيب الزول الفنان الأكثر منك و من كادي دا، لما ينقد خيانة بالألوان و يصفها بالضعف، قد لا يسعفك التدريب بتاعك في إستيعاب نقده
المرجع في الحالة دي ببقى شنو؟
المفروض المرجعية تكون الثقة..
ولا الثقة دي ممكن تتجزأ..؟؟
يعني انا لما اعترف بأنو فلان فنان اكتر مني يبقي اساس الاعتراف
هو الثقة الجبيتها بعد ما اختبرت الحاجات..
ولا شنو..؟؟
يابابكر شفت محسن طنش مداخلتي ديك كيف..
بابكر عباس
02-10-2010, 04:47 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284680#post284680)
يا بابكر شفت محسن طنش مداخلتي ديك كيف..
ما طنشها، لكن زي ما بقولوا الهنود هنا، نفرات دا عندو ترتيب.
الرشيد اسماعيل محمود
02-10-2010, 04:54 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بابكر عباس http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284681#post284681)
اقتباس:
ما طنشها، لكن زي ما بقولوا الهنود هنا، نفرات دا عندو ترتيب.
قال ليك مداخلتك بيض..
الوصف دة ياربي من داخل الكوشرثيا..؟؟
بابكر عباس
02-10-2010, 04:56 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284674#post284674)
غابتي..
التي بذرتني المتساقطَ في مشيتها
من لحن الحجول
ما رأي بابكر في هذه الأُخيولة؟
فقد استحالت ساقا المُخْبَر عنها إلى (سلّوكتين) وليستا أية سلّوكتين من خشب، (لا)، فقد استحالتا، تحديداً، إلى سلّوكتين من جيتارين.
هذا لأنَّها كانت ترتدي حجولاً. فهل رأيتَ تلك الحركة الرشيقة للمزارع الحريف، حينما يطعن الأرض، غالباً جروف النهر، بسلّوكته على نحو خفيف، سريع، ونافذ، ثم يرمي بعدها، برشاقة، التيرابَ، أو بذور زراعته، في رحم الأرض؟
ونجد راوية النص، قد استحال في نفسه إلى هذا التيراب، الذي تشتته تلك الحجول في ساقي الموصوفة، لينبت أفدنةً من الموسيقي، تخيّل أن تتحوّل الموسيقى إلي مادّة مما يُزرع في جروف النهر.
يا زول معقول؟ هسع في زول بخطر ببالو المعنى دا من التركيب دا!
imported_جيجي
02-10-2010, 04:56 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284682#post284682)
قال ليك مداخلتك بيض..
الوصف دة ياربي من داخل الكوشرثيا..؟؟
سيب الفتن يارشيد:D
بابكر عباس
02-10-2010, 04:58 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284682#post284682)
قال ليك مداخلتك بيض..
الوصف دة ياربي من داخل الكوشرثيا..؟؟
يا أخي هسع الحته دي، أنا عامل فيها ما شايفها..
إن شاء ترجع البلد الما فيها نت ديك تاني
بعدين
بيض بيطريا ما شتيمة
إنتاج
النور يوسف محمد
02-10-2010, 05:03 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284442#post284442)
طَوْرَانِيَّةُ التَّلَقِّي
اقتباس:
ورد في الطَّوْر (إنَّا خلقناكم أطواراً)، أي الإنسان كمبتنى فيزيكي خُلق من سلسلة من الأطوار التركيبية وكذلك من سلسلة طورانية أخرى، غير المبتنى الفيزيكي، تقوم على فضاء هذا الخلق الطوري ووراءه.
ما يهمنا هو هذه الطورانية المتعلّقة بفضاءات أخرى غير بدنية -جسمانية، أو المتعلّقة بالمخيّلة والدماغ والحس. مع ملاحظة أنَّه لا بد من الانتباه للختل الذي تتضمنه هذه الكلمة العربية "الحس" لأنها تجمع بين دلالتين متناقضتين في ماعون واحد. فهي أحياناً تستخدم بمعنى الحس –الملموس، أو الاختبار الشكلاني كما أوضحنا ذلك في "شكلانية الأُسس"، الذي يتم باليد والأنف واللسان و.. إلخ، وأيضاً هي تستخدم تارةً بمعنى "الحدوس"، أي ما هو حصيلة لتلقي غير اختباري شكلاني، بمعنى أنّه يتم بأدوات تقبع وراء الحواس، بعكس معناها الأول الذي يتم عبر الحواس ومن خلالها.
فالتلقي في إجماله ينبني على أطوار، تتحكّم فيها ميكانيزمات كثيرة، منها ما يتصل بالطور الفيزيكي العادي، بمعنى قدرات الدماغ كمشين لها وظيفة تقوم بها، بناءً على قدراتها وكفاءتها كمشين، أي ما لا يستطيع البشري أن يتحكم فيه لأنّه الأُعطية الجَبْرية التي تلَقَّاها من خلال خَلْقه المبتنى، الذي لا يد له فيه، وليس بوسعه تحريكه إلا في حدود يسيرة، لنقل إذن إننا نؤمن بتواضعات علماء النفس وجداولهم حول الغباء والذكاء، العبقرية والخلل والوسطية.
أما الفضاءات الأخرى، التي بوسعنا كبشر التحكم فيها، التي هي قابلة للترويض والتدريب، وأيضاً للإسراع فيها بالانتقال من طور إلى طور في التلقي، فهي الأساس لموضوعنا الحالي، ولهذه المفاكرة.
فالمخيّلة قابلة للتدريب والتوسعة، إن لم تكن تعاني من ضيق في ماعونها الأساسي "الأُعطية". وكذلك الذاكرة قابلة للتدريب والتوسعة إن لم تكن تعاني من تشوهات ما، وبوسع العطالة فحسب أن تملأها بالقروح والتشوهات، فالتدريب الملازم والمثابرة يمنحان القدرات الخفية في الإنسان استعدادها الدائم، وخصيصتي التوثّب واليقظة.
في ماضي بعيد، كانت "دجاجي يلقط الحبَّ، ويجري وهو فرحان" طوراً من أطوار التلقي السمعي الجمالي فيما يخص الشعر. وكانت تلك "السحلية" الملوَّنة في كُرَّاسة العلوم بألوانها النازَّة من الأطراف، تُمَثِّل لنا قمة الذائقة التشكيلية، التي هي في الحقيقة وبالتمحيص، كانت حادثةً درامية مركّبة تناسب ما كُنَّا فيه من طور أكثر منها واقعة تشكيلية، أو حتى فكرة لها علاقة بالتشكيل. وهذه هي الفكرة من ناحيتها "الدرامية" غير البصرية بمعنى التشكيلية إطلاقاً. ففي تلك السن ذات الاستعداد الدرامي بامتياز، المفتقرة للتحليل الجمالي والاختبار كأغلب ما يكون، "دجاجي يلقط الحبّ"، كانت بالضبط هي: دجاجتنا الواقعية، أو دجاج الجيران في حال انعدام الدجاج بيتياً، يجري في الشارع ويجري في الشعر بالساق ذاتها، ولا دخل للمخيّلة ذات القدرات هنا بأي صفة من الصفات التي تقود إلى "الاستيعاب" أو إلى أي "مُتَعٍ" مجاورة. هنا الارتهان التام لعنصري المطابقة والنقل للصورة من خارج "الكلمات –النشيد" أي من قفص الدجاج إلى النص، أو العكس.
وحين نقوم بتلحين النشيد عينه "دجاجي يلقط الحبّ"، نقع من الناحية الأخرى، في دراما الموسيقى والطرب الغريزي والبدائي البحت إن جاز التعبير، ما يقع في حارة "الوَجْد" وليس "السَّماع"، وما يَبْعُد عن تمايل شخص ناضج مع غناء مصطفى سيد أحمد بما لا يقاس، لأنّه ما من مسافة بين هذا وذاك، فكل موضوع يقف على كوكب خاص به.
هذا الطور، طور دجاجي يلقط الحبّ، نحن قفزنا إليه عمداً فوق عدّة أطوار غيره، تبدأ منذ كان الإنسان شجرة، بمعنى كائن حي غير متواصل مع غيره من الكائنات، إلى أن يترقى قليلاً ويبلغ طور التواصل بمعنى "الاستجابة فحسب" للعالم الخارجي، مع كل القصور في "التفاهم" معه، أي مع العالم الخارجي. وهذا هو طور أن تقول للطفل: إييشششك، ياااااك، تكننو ننو، فيضحك الطفل ويقرقر وتُبرق عيناه، مع تمام اللافهم والقصور في التواصل، عدا عبر هذه "الاستجابة" المبهمة، والميّتة دون شك.
الأطوار هذه تختلف، بالضرورة، من شخص إلى آخر، والانتقال عبرها يتم بسرعات متفاوتة دون شك، كما تُحَتِّم قدرات المشين الأُعطية أولاً، وكما يمكن للتجربة والبيئة التأثير القوي عليها ثانياً.
لذا من باب الافتراض والقياس الزمني مع مراحل التعليم المدرسي، باعتبار أنَّ المدرسة هي الجهة الأكثر اهتماماً بترقية الإنسان والانتقال به من طور إلى طور، وباعتبار أنَّ النظام المدرسي ذاته هو النظام الوحيد والصياغات "الطورانية" الوحيدة، التي أُسِّست على مفاهيم الأطوار هذه. إذن فقد يجوز لنا أن نخوض جزافاً ومجانيةً في طور "يا جارة الوادي طربتُ وعادني ما يُشبه الأحلام من ذكراك"، قلنا جزافاً ومجانيةً لانعدام المعايير الدقيقة التي يمكننا من خلالها دراسة هذه الأطوار وتمرحلات الكائن نحو كائن آخر أكثر تطوراً على الدوام. فأهم خلاصات الفكر الوجودي، أنَّ الوجود سابق على الجوهر، إذن "وعي الكائن" يظل على الدوام مسألة في مستقبل أيامه وقابلة للتبدُّل والتوسُّع، ما يفترض بكل وضوح وليس ضمنياً الطورانية، وما لا يضع سقفاً نهائياً للأمور إطلاقاً. ولكن هذا فيما يخص الأشخاص الذين لا يعانون من أي إشكالات في "الأعطية المشين" إذ تبقى حقيقة أنّ هذه المشين يمكنها أن تخذل الكثيرين ممن يعانون من عُطب "ما" فيها. أو أولئك الذين سيعانون من نموها البطيء أو حتى توقف هذا النمو نهائياً لدى طورٍ من الأطوار، والانتهاء إلى كائن متشكّل القدرات على نحو نهائي وحاسم.
طور "يا جارة الوادي" هو طور من صميم التواصل مع الخارج، هذه مسألة واضحة، ولكن من خلال ضباب "الرومانس المستحكم"، قلنا المستحكم لأنَّ هناك طور الرومانس "الخافت"، والمستحكم ميزته أنَّه يشارك في الوجود كمندهش به أكثر منه كمتصفّح له وكمُخْتَبِر، أو حتى كراغب في تبديله. هو طور "شرنقة الوعي"، وهذا لا ينفي أنَّ هذا الطور هو عينه الذي يصبح بوسعنا فيه ملاحظة أنّ أختنا "فلانة" أو أخانا "فلان" هو كائن ثرثار أو هي أنانية ومجمل مثل هذه الاكتشافات التي بالتحري عنها، نكتشف أنها إما بيتية أو تقع في حقل الصداقة أو الزمالة أو.. أو... إلخ، مما هو حميم ولصيق ويتحتّم كشفه، وتبقى خلاصة أننا نتعامل معه كشيء "درامي" أيضاً، بدون حساسية أو ثورة ضده، من أجل رفضه أو تبديله.
طور "يا جارة الوادي" هو في أساسه طورٌ عاطفي، ما يستدعي نمو أشكال خارجية له، تتلخّص في "قبول الوجود" على نحو "رومانسي" مسالم، فيه نتعرّف على الحب دون تشريح لماهيته أو ماهية المحبوب. هنا المحبوب محبوب بدون مقاييس، فهو طور خاضع وغير ثوروي، أي غير حالم بتبديل شيء، إنما هو مُسْتَقْبِلٌ أو ممتصٌ للوجود "كأمنية" وليس كموضوعة يمكن الحصول عليها "كاش داون" ووفق ما نحلم، بل وفق ما هو الوجود كائن وفي مدى ما هو متاح.
هو الطور ذاته الذي لا نشعر فيه بالفقر وبالظلم وبالمرض كما يجب، بل ويدعمه البناء الفيزيكي بقوة الجسد لدى هذا الطور، فمن جهة البناء الداخلي لا يستطيع اكتشاف قبح العالم ولا نقده، ومن جهة ثانية البناء الخارجي بوسعه تحمّل الجوع والبرد والتعب والمهانة بشكل عام مع تسامح كبير، هذا هو الطور المسيحي إن شئت.
التلقي الجمالي البصري فيه، يميل إلى الزخرفة، إلى ما هو متنوع وقارّ، استاتيكي، لا يجنح إلى التجريد، يحب أن يرى الصور فوراً، بحيث لا تُحْدِثُ له ربكةً داخل الصور الهشّة والطفولية التي يحملها بداخله وهي صورٌ خالية من الصراع والاحتمالات. لذا يمكنك أن تقول إنه يحب معارض البورتريه الأكاديمي. وستعجبه الموناليزا جداً، خصوصاً لو ثَقّفته بفكرة ساذجَة مفادها الانتباه إلى أنّ الموناليزا، أو المرأة الجميلة، من جميع الزوايا تراها تنظر إليك، فصاحب هذا الطور في قاعه مسكونٌ بأن ينظر إليه الجمال من كل ناحية، لا يُريد أن يرى القبح بتاتاً.
أما التلقي الجمالي السماعي، فهو لن يميل إلى موسيقى معقّدة، سيرتاح إلى الكي بورد أكثر، أو الفلوت منفرداً، وكل ما هو بسيط ومباشر الشجن، ولن تعجبه الأوركسترا لدى هذا الطور مطلقاً، لن يذهب أبعد من حيدر بورتسودان ومغنيي الوجد الحالمين مهما اجتهد، وإن كان مُجِدَّاً للغاية فسينتهي عند أوركسترا مصطفى مضوي والواضح جداً من أعمال إسماعيل حسب الدائم وصلاح مصطفى وصلاح بن البادية. مع وضع أصوات المغنين نفسها في أطوار، فهذا الـ"يا جارة الوادي" يميل للرقة، وللأصوات المنسابة والعذبة، الخشونة لن تغريه بأي حال من الأحوال، وسيعافُ بالتأكيد أصواتاً مثل محمد الأمين وحتى الباس بارتون مثل مصطفى سيد أحمد، لأنّ الجملة الغنائية مبدئياً وكجملة سابقة للجملة الموسيقية، بداخل مخيّلته، ستزعجه بعامل التأمل فيها قبل الطرب لها.
في ناحية المسلسلات والأفلام، هو يُحب ليس النهايات السعيدة فحسب، كما يمكن توقُّع رغبات أطوارٍ غيره، بل أيضاً يحب مبدأ الاعتذار والإحساس بالذنب من قِبَل الشخصية الشريرة، هو لن يُفَضِّل كثيراً النهايات التي تُشَلُّ فيها شخصية الشرير أو تعمى أو تُفْلس وينتهي مفعولها السلطوي، أبداً، هذا يناسب أكثر طور الرومانس "الخافت". أما "الرومانس المستحكم" فهو سيفضل تلك الشخصيات التي تبكي في النهاية وتعتذر وينصلح حالُها، هو يؤمن بمبدأ الإصلاح أكثر من إيمانه بمبدأ العقوبة، الإيمان بالعقوبة يليق بطور "الرومانس الخافت". فالرومانس الخافت هو خطوة أكثر تقدمية ناحية إصلاح الوجود بطريقة واعية وواقعية.
لدى هذا الطور لا يمكنك التوصُّل إلى أي القراءات النصوصية تناسب الرومانس المستحكم إن لم تذهب في اتجاه المنفلوطي وشاكلته على نحو أساسي. ولن تجد أبداً كُتّاباً خشنين، كحال الوجود، مثل دستوفسكي، شكسبير، جيمس جويس.
بالنسبة لهذا الطور أساس وقوع الأحداث لديه هو "المجانية" و"الساااكت" لذا أول ما سيقرعه على رأسه ويدفعه خطوة ناحية "الرومانس الخافت" هو اكتشافه إلى القانون الرئيس في الوجود، وهو حدوث الأفعال لمبرّر ما، يمكن تعيينه، أي اكتشافه لقانون "السببية"، فهو لعامل سنّه وخبراته لم يلاحظ في السابق، وسيكتشف في اللاحق، أنّ خيالاته وتصوراته كانت تتم عبر حراكه، المدفوع ثمنه من قبل جهة ما، في الوجود، تجاه الوجود الذي سيتأكد من كونه لا يتم فيه شيءٌ إلا بناءً على العوامل المادية، للأسف. سينتبه لأول مرّة بأنّه لا يستطيع أن يركب البص بدون مقابل، ولن يحصل على الآيسكريم إن لم يتصرف مع مصروفه بسياسة ما، وأنّ الدراجة التي اشتراها له والده، تم شراؤها مع خصيصة قابلية إطاراتها لأن تُعطب، ولأن تحتاج لبالون داخلي جديد. هنا سيتم له التطور نحو رؤية للوجود و-للتلقي- تبعاً لذلك، أكثر أصالة من سابقتها.
هذا هو طور "لا بد لهذا الليل أن ينجلي، ولا بد لهذا القيد أن ينكسر"، البصر أو التشكيل ضمناً سيذهب في اتجاه صور البؤس الوجودي والإنساني، هنا سيصبح بوسعه تقبّل المشردين في اللوحات والسلاسل والزنازين، مع لطخات من ألوان غير مفهومة، ومن ظلال، سيقبل المعقول جداً من التجريد في السينما والموسيقى والنصوص، وربما يعلّق بورتريه لجيفارا في دولابه أو غرفة نومه، وهذا الطور لصيق جداً بالطور الذي يليه، وهو طور "النضج السلبي". النضج الذي يفهم فيه الكائن الوجود وإن كان لا يسعى فيه نحو الأصالة وتنقية الشخصية من الشوائب المجتمعية، واستيلاد الخصوصية الفردية، وربما هو لخوف باطني من الانفلات أو كنتيجة للمقدرات الطبيعية التي يمتاز بها الكائن "الأُعطية"، فلدى هذا الطور الأمور مختلطة كثيراً. وتبعاً لذلك يضطرب -التلقي-، ولا يمكن تمييزه أو تقديره كما أرى، و"ربما" 70% من سُكّان السودان، المتعلّمين، يقبعون لدى هذا الطور. وحسب تقديري أنّ نوعية النضج السوداني فصيلٌ من فصائل "النضج السلبي"، الذي يكسل عن النقد والتمحيص والاختبار والمماحكة مع الوجود. والتلقّي هنا ربما تقع في دائرته النصوصية الشعرية أعمالٌ كالتي ينتجها "الكتيابي"، "معز عمر بخيت"، "روضة الحاج"، كأعمال تحتفظ بموسيقى مهدهدة، وإن كانت لا تتميز بالحفر وأصالة الأسئلة الفنيّة أو غير الفنيّة، فالمخيّلة هنا تُدخل القليل جداً من التلوين على الصور، أما السبر العقلاني فهو منعدمٌ بالأساس، والتركيز يتم أكثر على التفعيل العاطفي، والشعري البنائي "الدرامي"، بمعنى التزويقي السطحي. أو حتى إن أخذناه من ناحية أخرى، مع إضافة الكثير من التفاوت في توجهات الشخصية الأيديولوجية، بمعنى اختلاف التلقي الثقافي لديها، واختلاف بيئتها المنتجة قليلاً وإن عبر مفهوم الوسط، أو المجموعة الصغيرة، "الثُّلَّة"، يمكن للتلقي أن يتجه –مع زيادة التلوين في الصور- نحو "محجوب شريف" أو "محمد الحسن سالم حمّيد" أو "القدّال"، فالأمور هنا لا تخرج عن أصوات البيئة و"الهدفية" كثيراً، والتلقي هنا يهدف بشكل أساسي نحو "العزاء" وما هو مجتمعي، غير مستفرسٍ وضارٍ وغريب، أي غير متجه ناحية الفنون في تكريسها الصمد، وإنما في درجات توظيفها بالقدر الذي لا يهدم كل شيء، وفي الخطف منها بأضعف المخالب.
هذا الطور يمكن تصنيفه بالطور الجيّد، وإن هو ليس بالطور الصحي تماماً لشخص يُريد أن يضيف للمجتمع أو يحذف منه، بمعنى غير الرسالي، أو الأيدولوجي، الحزبي، أقصد التفتّح في المجال ذاته و"لُبّه" وترقيته كمساهمة أصيلة من الفرد في الوجود وليس في الحياة المجتمعية. فشاعر كمصطفى سند سيكتب ديواناً مثل "البحر القديم" وغداً يكتب قصيدةً عن "توريت" أو "استشهاد وداعة الله"، و"صلاح أحمد إبراهيم" سيعود من منفاه دون "الحاجَّة ست الفول"، وإلى آخره مما يُعَزِّز رؤيتنا بخصوص "النضج السلبي".
وهذا يتم لأنَّ المتلقي أيضاً هو متلقٍ سلبي، ولا ما نع لديه من أي تنويعات غير منطقية، وهو الطور ذاته، المناسب لسماع ود الأمين ووردي والكابلي، على حسب مخلّفات الطور الرومانسي في الشخصية.
لدى هذا الطور، التلقي البصري، التشكيل، يكون على حسب القراءة، فالشخصية هنا تتميز ببعض القراءات والنضج، لذا حين تقرأ عن الأعلام المشهورين من أئمة التشكيل، مثل سلفادور دالي كأشهر ممثل للسوريالية، أو سيزان ومونيه كأشهر مُمَثِّلَيْن للانطباعية، أو رامبرانت كممثل للواقعية الفَجَّة، -الفجّة هذه من عندي- أو بيكاسو وتكعيبيته، فشخصيات هذا الطور تستطيع بالفعل وليس نفاقاً، أن تُعجب ببعض هذه الأعمال، وأن تتواصل معها، ولو بشكل سطحي في أغلب الأحايين. والأمر يختلف قليلاً مع النصوص، بحسبان أن ثقافة النص أيسر وأكثر انتشاراً من ثقافة التشكيل. هنا تجد ماركيز والطيب صالح وإيزابيل الليندي كجماليين متينين، وأيضاً نجيب محفوظ ووليم فوكنر وجورجي أمادو كجماليين كلاسيكيين. شخصيات هذا الطور لديها القدرة على تقبل ما هو مشهور ورائج، والولوج إليه وتحصيله، ولا أدري لماذا؟
هذا الطور في المسلسلات والأفلام سيحبّذ أعمالاً لرجل مثل أسامة أنور عكاشة، فهنا الكثير من الموضوعية المشهدية، أو ما يمكن إيهام المتلقّي بكونه قضايا، كما أنَّه يُمَثِّل حظوةً ما وخصوصية، في تقديري أنّ أعماله تناسب طور النضج السلبي أكثر من غيرها، خصوصاً أعمالاً ذات ادعاءات فكرية مثل أبي العلاء البشري. أما بخصوص الأفلام فهذا الطور سيميل ناحية السينما الأمريكية بشكل خاص، وستعجبه الأفلام الملحمية وأيضاً الأفلام ذات الطابع الخاص بسيرة النضال والنجاح مثل "محمد علي كلاي"، أو "ذهب مع الريح"، "سبارتا كوس"، كنماذج لأفلام كلاسيكية.
في تقديري أنَّ هذه الإشارات كافية لأنتقل إلى "طور النضج الإيجابي"، كافية لمن يتابع معنا عبر ملاحظاته وخبراته الموازية أيضاً، فهذا الموضوع لشخص لم يسبق له أن تأمَّل في كيفية نمو التلقي لدى البشري سيبدو مثل مواضيع الأبراج وقراءات الحظوظ بمجلات التسلية. بأي حال "طور النضج الإيجابي" نادر الحدوث في بيئة مثل المجتمع السوداني. السوداني يميل لتقبّل الأشياء سماعاً، ضعيف من ناحية اختبارها شخصياً، والتأكد من جدواها ومآلاتها، هذا طور بكل صلف دعنا نقل إنه يخص فصيلة قليلة –جداً جداً- ومبدعة بحرفية الكلمة. بمعنى أنها قامت بالتطهر أولاً من نظرتها السودانية، الداجنة، للوجود. وقامت بتبديل الأعراف كلّها في مخيّلتها أولاً، ثم سعت إلى تحقيقها على أرض الواقع بكل شجاعة واندفاع، دون خوف من التحطم أو الغرق أو الضياع، ودون الارتهان لأي أيدولوجيا ما، أي بكل مجانية وطيش مفيد، إن جاز التعبير. هذا فيما يخص الكشوفات، أي ما يخص التقدّم على نحو ابتكاري. وإنِّي هنا لا أُمَيِّز المتلقين من هذه الفصيلة عن المبدعين فيها، فهم يلتقون لدى رؤى واحدة إلى العالم والنَّفْس البشرية وما يجب أن تكون عليه الحياة وما يجب أن يصاغ عليه الوجود.
وهم يتواطؤون على خيانة العالم القديم في كل لحظة وهدمه، مبدعون ومتلقّون. التلقي هنا لا يمكنك تسميته إلا إبداعاً، ولا يمكنك الاقتراب منه إلا كحرفة ومهنة من مهن الدماغ العظيمة، فالتلقي بالأساس لدى هذا الطور يقوم على الاختبار والنقد والمساءلة والتقصي، وما من شيء يتم تقبله جزافاً أو مجاناً. وهذه هي عين النظرية الإبداعية، فالمبدع النحات يخلق عالماً مختلفاً لأنه يمتلك تصوراً مختلفاً لأشكال الأشياء، مثلما هو المبدع المصوّر والراوي، كلاهما يتأمل في الواقع المُعْطَى، وإن هو لا يستخدم طريقة الإنقاص والإضافة، بل عجن المشهد من أول وجديد لإعادة خلقه، في عمل فني جديد كليةً وبتلوين آخر. والمتشددون من أهل الفن في هذه الأنحاء، وأحسبني منهم، بخصوص الأدب مثلاً يرفضون الماضي بكل آليات عمله، حتى الفنية، كالتناص مثلاً، ففنان أصيل كبشرى الفاضل يعاف حتى "التناص" بمفهوم أنَّ الكتابة فعل فردي، ولا يجوز تربيته مشاعياً، أو السير به وفق دروب سار فيها آخرون، ما يجرّه للجماعية والتكرار دون شك، وما يعني بالضرورة قهر عامل الابتكارية الجذرية والتجديد فيه. فإيجاد مرتقيات جديدة للكتابة أفضل من توسعة أخرى قديمة.
يصعب لدى هذا الطور رصد المحدّدات الفنية لديه، أو حتى طريقة العيش بالنسبة لهذه الكائنات كمخلوقات تميل إلى التجديد والتنويع والتلوين في كل ثانية. المزاجية الحصيفة والناقدة ربما تصلح كوصفة لهذا الطور أكثر من غيرها، والفلسفة متاعٌ أساسي يحمله هؤلاء "الناضجون الإيجابيون" في مواجهة ظروفهم، وكاختيار في تلوين تلقيهم لمجمل الوجود، أي هم يختارون نظرتهم، ولا تُملي عليهم الصور صورتها.
هؤلاء هم من يمكنهم اختبار الحداثة وتجريبها قبل الوقوع تحت رحمتها كـ"متلقين لها" بكل أُعطياتها، وهم بالقطع لا يعانون من عُطب في "الأُعطية الجبرية"، نظراً لسيرهم حتى هذه النقطة وبلوغها معافيين ودون مشقة وفي الـfit time.
مع هذه الفصيلة لن يمكنك تقديم "الإسكتش" على أنَّه مسرح، ولا تقديم جماعة "تيراب" المسرحية –تسميةً، على أنَّها مسرحٌ واقعيٌّ وفعلي وبوسعه منافسة مسرح "أنطونيو إسكارميتا". ولا يمكنك تقديم النكات اللفظية وتجريدية الأصوات، المجلوبة من طور "الإنسانُ في مقام الشجرة" على أنها "سخرية"، ولا حتى تقديم الصور الشعرية في خامها الموسيقي، كألاعيب أشعار ضعيفة ومجاورة للطفولة، من أمثال بهلوانيات "روضة الحاج" و"غنائيات الكتيابي" و"لا فقاريات معز عمر بخيت" و"مراهقات نزار قباني" على كونها شعراً. هنا تحتاج لوزن ثقيل، ولعقول مفتولة العضلات، كـ"أوفيد"، "بابلو نيرودا"، "أكتافيو باث"، "ديريك والكوت" أو على نحو محلي كـ"الصادق الرضي" و"عاطف خيري". هنا تتبدَّل أقانيم كل ما هو متوفِّر ويُرَوِّج له الإعلان، إلى مأخوذات ما تم اختباره وتعيينه بدقة ووعي كبيرين.
في تصوري أنّ الكُتّاب السودانيين السالفين، أمثال صلاح أحمد إبراهيم وعلي المك والمهدي المجذوب هم كُتّابٌ راجوا دون أن يُقرؤوا فحسب، وإن قُرؤوا لما راجوا، ولا يمكن تقبّلهم إلا على نحو "غفران تاريخي" كرُوَّاد، كما قلنا مع مسرح الفاضل سعيد. أما الريادة بمفهومها المتحقّق فعلاً فلا يمكنك أن تتسامح فيها مهما كنت كريماً إلا مع أسماء أخرى يقف على رأسها الطيب صالح ومحمد عبد الحي وبشرى الفاضل، أعني من يمكنك الاطمئنان إليهم بكل ثقة كسولة.
بوسعك مع هذا الطور تقديم معرض بورتريه لـ"لوسيان فرويد"، لطخة لون من هنا ولطخة من هناك، والوجه يحضر في كامل دلالة اللاصور واللاتشخيص، واللاتعيين، أما البورتريه الأكاديمي فسيبدو كموضوع فقير، وفيه الكثير من المكاشفة المملّة، والتدخل في شؤون كاميرا الفوتوغراف.
الناس هنا تبحث عن لوحاتٍ ربما تقابلها في القيامة –المستقبل- وليس عن صور هشّة من –ماضي- الطفولة. تبحث عَمَّا هو دينمايكي فَوّار، وليس عَمَّا هو استاتيكي محدود من طبع الرومانس المستحكم.
الأغنية هنا مجرّد جنوح وتوق إلى التحليق بعيداً وفي فضاء الموسيقى، مع كلمة نافذة وكل ما يمكن توفره من تلوين موسيقي، فالهدهدة وأغاني "Lullaby" التي جاءت منها أغاني "اللول اللول، والنوم النوم، بكريك بالدوم"، ليس في وسعها جلب النعاس والطمأنينة لشخص ناضج بشكل صحي.
مع هذا الطور يمكنك النظر إلى رسوم فنّان ربما يحلو لك أن تصفه بـ"النزق" أو حتى "الشرير" مثل حسن موسى بواقع كونها كاريكاتوراً فحسب، لا يُحصحص ولا ينظر إليه إلا في واقعه المتعيِّن هذا. وما دورُ الكاريكاتور سوى تبشيع الواقع ورصده من زاوية القبح، أو تظهيره وتحميضه في معمل القبح، أوَ يُصْنَعُ الكاريكاتير مثلاً للإشادة بمنجزات الناس؟ بأشيائهم الجميلة!؟ أبداً، لا مساومة إطلاقاً، هو الفن المعني بالنقد الجارح أو الجاد فحسب، ولذلك هو يقع بتمامه في طور "النضج الإيجابي". النضج الإيجابي تنطبق عليه مقولة حذيفة بن اليمان، الذي كان الصحابة يسألون الرسول من "طور الرومانس" عن الجنّة، أي ما هو جميل وفردوسي، أما هو فكان يسأل عن جهنم، وما هو قبيح و"نقدي"، ليتجنبه.
ولكن إن كان التفهم لهذا الفن، من جنس تفهّم الديكتاتور الرومانسي ياسر عرفات، فلا بد أن تملأ الجبخانة صدر "ناجي العلي"، ولا بد أن يُقتل "حنظلة"، وليس "تفاحة" كما يمكن أن يقترح صاحب "رومانس مستحكم".
المسافات بين هذه الأطوار مختلفة الأبعاد، والكميات، والأسفار، وأساس التنقل بينها هو الرغبة في التنقل، إن لم تكن تعوِّق الشخص ظروفٌ بنائية ومتعلّقة بقدرات "المشين: الـgift، أو برحابة المخيّلة وسعة التصور. بالنسبة لأصحاب "النضج الإيجابي" فالأمور واضحة ولا تحتاج إلى كل هذه "المعاتلات" الفكرية والسيكولوجيّة والنظرية.
وبالإجمال يمكننا القول، بوسعك أن تتلاعب في الساحة الفنية، أو التلاعب في أدوات الإعلان كيفما تشاء، ولكن تظل ساحة "النضج الإيجابي" ساحةً مملوكةً لوعيها، ولأهلها ومتلقيها، عن كامل القصدية والتعيين والوعي، وبعيدةً عن متناول أي تزوير أو تزييف.
وكخلاصة إجمالية لهذا المرسوم الطوراني، الافتراضي، هل من حق طور الاعتراض على غيره من الأطوار؟
ليصبح بوسعنا بعد ذلك الشروع في الإجابة على نحو لا يُبَرِّر للصراع بقدر ما يرصده، ويقف عليه من باب استكناه ميكانيزماته وتحليلها. في الغالب "الأطوار الهشّة والبرايمري خالص" لديها احتجاج على أي نمو يتم لاحقاً، فيما بعدها ومتجاوزاً لها، وهذه المسألة يمكنها أن تتم أيضاً على نحو تاريخي حتى بين منتسبي الطور الواحد. لأنَّ النمو على الدوام نحو لانهاية تقبع في المجهول سيظل النقطة الأبدية التي تحافظ على بقاء الاختلاف والطورانية ذاتها. فالزمن بمفهومه "الثري" وليس التجريدي، أو الزمن المُغَذَّى بخبرات الحركة والتجارب، المتبدّل، وما هو دينمايكي، المغذَّى بالتأثّر أو بالتلقّي، المفردة التي اخترناها لتعنون الموضوع، سيُسهم في تمكين هذا الكائن من التطور حتى داخل طوره الواحد "الإيجابي إلى خواتيم العمر. لاحظ أنَّ أي كائن حي محكوم بـ"العمر" وبفترة صلاحية معيّنة، ولذلك يقول الله بشكل حاسم، وبشكل يؤيد ما ذهبنا إليه من الطورانية "كلُّ يومٍ هو في شأن".
إذن لا بدّ من اشتجار الأطوار البرايمري مع الإيجابية، بالنسبة للبرايمري الصراعات من قبله تقع، بناءً على خوفه من أن يتم تجاوزه ومحوه، أما بالنسبة للإيجابي فهو ينظر إلى المسألة كدور لا بُدَّ له أن يقوم به باتجاه التغيير والإسهام في التطوّر والتحديث.
(كلُّ يومٍ هو في شأن).
بسم الله الرحمن الرحيم
الأستاذ محسن خالد ..
هذا المرسوم ـ كما سميته ـ والذى يوضح مراحل التطور لقدرات الفرد فى التلقى منذ عصره الحجرى ( الجمادى ) مروراُ بأطواره المتعدده , البرايمرى , السمعى والى طور النضج السلبى الذى عنده غالبية خلق الله إنتهاءً بطور النضج الإيجابى الذى تقفون عليه وقلة معك , يثير أسئلة أكثر تعقيداً ..
والتسميه نفسها تشئ الى نزعة إلزاميه شأن كل المراسيم التى فى عمومياتها تحدد كيف تسير الأشياء ..
والتواطؤ على خيانة القديم ومحاولات هدمه نفسها صارت من أفكار ما قبل النضوج السلبى إن صح لى الإقتباس ..
وفى المقابل النيِّر يقف التطورـ فى أيما قدرات ـ الذى يغذيه التلقى ( المتلقون ) والمثابرة والتحصيل ( المبدعون )
وبالضرورة إن يكون المبدع قد مرّحتماً بكل هذه الأطوار حتى يستقر له المقام على عرش النضج الإيجابى , فتصبح دعوته الى هدم كل ذلك الموروث الذى على عتباته صعد الى القمة المزعومة فى غير محلها وربما تنسف إدعاءه للنضج نفسه ..
وآل النضج الإيحابى الذين بلغوا هذه النقطة ( معافين ودون مشقة وفى الـ. fit time ) ما كانوا ليبلغوها دون إتكأة على أكتاف ( مراهقات نزار قبانى وهرطقات روضة الحاج )
ألا تصلح هذه الإتكأة سبباً لنقبلهم كرواد دون صكوك غفران نوزعها ( بمزاجية ) بغض النظر عن كونها ( حصيفة وناقده )
كنت أود أن أتعرف على شكل ومقومات القصيدة فى طور نضجها الإيجابى غير أنى قرأت فى المرسوم أنه ( يصعب لدى هذا الطور رصد المحددات الفنية لديه ) ..
لذا فإلى حين قالب آخر أكثر نضجاً ففى تقديرى أن لذوى الأطوار الدنيا كامل الحق فى مجاورة الطفولة ..
imported_طارق الحسن محمد
02-10-2010, 05:04 PM
متابع
وقد اعود
باسئلة لمحسن
الحوار هنا مستهوينى جدا
مودتى للجميع
الرشيد اسماعيل محمود
02-10-2010, 05:15 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بابكر عباس http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284685#post284685)
اقتباس:
يا أخي هسع الحته دي، أنا عامل فيها ما شايفها..
إن شاء ترجع البلد الما فيها نت ديك تاني
بعدين
بيض بيطريا ما شتيمة
إنتاج
نحن طبعا دايما بنصف الحاجات بالتضاد..
يعني يقول ليك ده زول بيض ساي..في حين انو البيض مكون غذائي غني بالبروتين..
ولا يقول ليك ياخي ده ود حرام وابن كلب..كناية عن إبداعه وحرفنته.
الكلام دة في رايك جاي من وين..واساسو شنو..؟؟
يعني في الحياة دي مافي حاجة ساااااي كدة بس..
طبعا توجيه كلامي ليك ده يابابكر كلو طعن في ضل الفيل.
بابكر ياخي محسن خالد ده كان باريتو غايتو بوصلك لغاية ما تبقي صحابي جليل..
مش هو نبي..؟؟
بابكر عباس
02-10-2010, 05:39 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284692#post284692)
بابكر ياخي محسن خالد ده كان باريتو غايتو بوصلك لغاية ما تبقي صحابي جليل..
مش هو نبي..؟؟
و الله يا رشيد أنا خائفو يدخلني التجاني الماحي..
imported_بدور التركي
02-10-2010, 09:36 PM
اقتباس:
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سمراء http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284236#post284236)
الحمدلله انا بخير يامحسن ...
وحا اكون بخير اكتر لو قطعته لينا شجرة شجرتين من الغابه دى
وجبتهن هنا ده
سمارة يا عسل
أثناء تسلقي للغابة بعناية وبغير هدى إلتفت حول هذة الزهرة
وفي عينيّ نظرة ذهول شاردة
وفي يدي اليمنى ثمرة خبرة متواضعة من الزمن
كان منظر الزهرة تحفة جميلة بين نظيراتها من الزهرات
والأشجار الغزيرة المتشابكة كأشجار الموز
تعالي معي نستنشق عبير هذة الزهرة
ونلقي نظرة على هذا الكاتب الذكي المبدع
الزهرة هي:
اقتباس:
مذكّرات
الأصفر
كُلُّ ما جرى معي في الحياة كان محترماً، حتّى نصيبي من النحس فقد قدَّرتني حصّتي منه على نحوٍ فارقٍ من باقي البشر.
لدرجة أفرح، إذا أدخلتُ مفتاح شقّتي في القفل وفتح لي، تصوَّر!؟ يا للحظ العظيم! أسمع جارتي تتغنَّج في الشقّة الملاصقة، لا يا عصام، آه عصام لا.. الروج، الروج.
تنشطر وحدتي إلى فلقتين تُشْرَعان مع انفتاح باب الشقَّة أمامي.
آآخ.. ليتُه روجكم هذا كان مصبوباً، على فم بئر بحالها، يُقَبِّلها فمي، هذا الظامئ، والمشطور جَرَّاء بلاهة الوحدة بما يكفي لذلك التقبيل.
أُطْرِقُ وحيداً وصامتاً بداخل شقّتي، فصوت الباب الذي ركلته برجلي قد انكتم منذ برهة. يبقى شبحي يُحَدِّق في عمق بئر النحس والعزلة تلك. لا تَقُل لي تزَوَّج، هكذا ستدفعني إلى ظلام قاع تتعفَّن قبل أن تصله. ألعنُ متمتماً ومتصبراً، أجمل الجنس يمارسه القلب.
لطالما فكَّرتُ في الدخول إلى شقّتي عبر النافذة، فـ"الأبواب" دائماً تطاردني بمثل هذه الأفكار. تجعلني أفَكِّر في العثور على فتاة حَفَّارة قلوب، تستخرج مائي وناري، وتُعَدِّنُ من طينتي ولهيبي الإنسانَ.
باب مطبخي مُصْفَرُّ البوهية هذا مثلاً، هو أوَّلُ ما أغراني بشارعٍ لم أكن أعرف بأنّه لا يُختتم ببيوت. أو هو من خدعني بشارعٍ يبدأ ببيوتٍ ولا ينتهي ببيوت من جنسها.
شارعٌ يبدأ بلافتة تأمرك بالانعطاف يميناً، يساراً، أمامك كلينيك، حضانة أطفال، وهكذا.. لتتعب وتمشي وتكد في المشي، ثم يُقفل ذلك الشارع في نهاية الأمر بشاهدة قبر تحسب ما قطعه الإنسان من زمن فقط..
(متى وُلِدت ومتى تُوفيت).
دون أدنى اعتبار للمسافة التي تُحدِّد طبيعة الحياة التي عاشها ذلك الكائن. ودون أدنى اعتبار لسرعة ذلك الكائن التي نقرأ من خلالها حيويته، تفاؤله وفرحه بذلك العيش أو سخطه وتشاؤمه منه. بينما المسافة الدنيوية تبقى جاثمة دائماً على ما معه من زمن مخصَّص لقطع طبيعة الحياة تلك، التي ربما هي وعرة أو سالكة من يعرف؟
فالقانون الكامل لهذه المسألة يقول، إنَّ (المسافة وهي الدنيا) = (السرعة وهي حيوية الكائن) مضروبة في (الزمن وهو عُمُر الكائن).
بأي حال، لولا باب المطبخ ذلك لما احتجنا لكل هذا الكلام السخيف والمتقعِّر. فقد فرغتُ من طبيخي وأخذتُ عدَّةَ صحونٍ بين يديَّ، لأجد أنَّ الهواء قد أغلق باب المطبخ. ولكم كنتُ غبياً لحظتها! فبدلاً عن وضع صحوني على الأرض وفتح الباب، أخذتُ أعدُّ ما أمتلكه من أيادٍ وكأنَّني طبختهما مع تلك الوجبة. أهاا يدان فقط، ماذا بعد؟ لأتمادى في الغباء أكثر بما يجعل من الهواء شيئاً اخترعوه في ذلك اليوم، لا..لا، ليس الهواء، بل ما يوازيه هنا وهو المرأة. فبالعدِّ الذي كان سببه الهواء، تذكّرت أنَّ المرأة أيضاً لها يدان. وبإضافتهما ليديَّ سأمتلك أربع أيادٍ، لأتمَكَّن عبر هذا التعاون من فعل أشياء كثيرة في لحظة واحدة، ويا للخوارزمي الغبي الذي ولدوه خصّيصاً لفتح ذلك الباب.
تخيَّل أنَّ هذه العمليَّة الحسابية المعقّدة، يقوم بها أسوأ رجل دخل المطابخ منذ تأسيس المطبخ الفارسي العظيم. لماذا؟ كي لا ينكشح هذا الطبيخ التافه الذي يساوي هنا المرأة، التي توازي الهواء.
فتهجّستُ منذ حادثة باب المطبخ تلك بالبحث عن امرأة. ليتمكّن منّي في المقابل نَحْسِي ذلك حتّى يلبس كرافتّتي البيج، ويُسَرِّح شعره في مرآتي التي بعرض جدار غرفتي. ليس هذا فحسب، بل ضرب الشيبُ كل سنتمتر مربّع من مرآتي العريضة تلك ونحسي ما يزال في أناقته. إذ كان أفْتَى منّي، ومحظوظاً بحيث أفنى أنا ومرآتي ولا يفنى هو.
ومنذ ذلك الحين، أصبحتُ أعبر شوارع دنيتي كلّها، بنظرة متفحِّمة، لن تعشوشب مَرَّة أخرى إلا حين يحل خريف تلك الفتاة كما كنتُ أتخيَّل. مصيخاً بسمعي إلى حد أن لا يملأه صوتٌ عدا وقع خطواتها المُقترِب كما كنتُ أتوقّع. لقد خرجتُ بتمامي، إلى الوجود بتمامه، شاهراً نداءً باتراً، وراء تلك الأنثى الضائعة. بحيث لا يغمد ذلك النداءَ النصلَ مَسْمَعٌ سوى جفير حضنها.
أحياناً أقول، المشكلة في المواعيد. فأنا دائماً أتأخَّر بمسافة خطيب، أو أتعجَّل بمسافة شاكوش/ رفض.
بالرغم من أنَّني أصحو يوميّاً لأقتلع مواعيدَ إلزاميّة لما فتحتُه مع ذلك الباب كعَرَض، مما هو مواعيد مقيمة وخالدة بالأصل.
تبدأ هذه المواعيد المقيمة بلقاء فرشاة الأسنان لدى الخامسة صباحاً، ثم مواعيد الصلاة، فالقهوة، فزحمة القيادة من بحري إلى الخرطوم. وتنتهي بلقاء دفتر توقيع نهاية الدوام لدى الخامسة مساءً خارج بيتي.
كي تبدأ ليلاً مواعيد أخرى وثانية، مواعيد فتح الأبواب تلك، و(لا.. لا يا عصام، آه يا عصام.. الروج)، بداخل شقّتي.
وبقيتُ ولأعوام، دقيقاً جداً ومنضبطاً تجاه هذه المواعيد العَرَضيّة والمقيمة كلّها. مستفيداً من خبرتي كمترجم لغة ألمانية دقيق وحريص بسفارة محترمة، فكان لا بُدَّ أن أفي بمواعيدي تلك أكثر مما يفعل الموت بمواعيده.
نعم، كنتُ أوفى من الموت لمواعيدي، مع أكيد علمي بأنَّ مجرَّد الإيفاء بمواعيد غَزْل رباط الحذاء، التي تُكَلِّف عِدَّة ثوانٍ فحسب، هي في الحقيقة تنتيفٌ جِدِّي غاية الجدّيّة لغَزْل العُمُر ككل.
وفي يوم ما، قائظ ولئيم الغبار، سندتُ يدي لشجرة النيم العاتية في مدخل معمل استاك، متوكئاً عليها من وهن الملاريا. بينما الحُمَّى من شدّتها تكاد أن تُبوِّلني كل المرايس التي شربتُها في العام الماضي. لقد أشفقتُ حتَّى على تلك النيمة، خوف أن تنتقل إليها حرارة بدني عبر لمسي لها، فتجعلها تتبوَّل مطر الخريف الفات.
هذه البلاد المليئة بالأمراض والإهمال والاحتراب والعنصرية، ومع ذلك نحمل شَجَّة حبها على جبيننا جميعاً. ونستيقظ يومياً لنربط على ظهورنا صليبها الذي هو فوق مقدرة احتمال مليار مسيح.
علامة كل مواطن منّا شَجَّة حب لهذه البلاد على الجبين، شَجَّة لا يمكن لنا أن نتفاداها حتّى لو هربنا منذ الأيام التي كان فيها العُكَّاز أخضر وبجذع شجرته الأم، ومهما نركض مبتعدين فسيدرك رؤوسنا فلقها. وبذات العُكاز الذي قطعوه بعد مئات السنين المنقضية على موت شجرته الأم، ثم شرّوه كي يجَفَّ ويتيبَّسَ لدرجة الصلابة والاصفرار، إنّا لله.
غَطَّتني النيمة بصفق أصفر، إذ سَرَّحتها ريحٌ صعيديّة، ليتناثر ذلك الصفق الأصفر في كل ناحية. ولتختّصني أنا على نحو شخصي ذخَّاتٌ كثيفة منه، في تتابع أضجرني، فأخذتُ أنفضه عن شعري وثيابي بلا فائدة.
خطوتُ إلى داخل المعمل بخُطى أقتلعها من بين أضراس تماسيح لثقلها وصعوبتها. ولكن فجأةً لَمَع ماءُ ذلك المستنقع الأرضي، الذي كنتُ أخوض فيه، إذ أضاءه برقٌ ضارٍ كأنَّه توقيع الله على السماء.
وبمثل ما يتجاوز ورق الكتشينة في يد اللاعب بسحبة موفّقة، تجاوزتُ أنا مع فتيل البول رقم 13 في معمل استاك الطبّي بالخرطوم. عبر سَحْبَة لم أكن أدري ساعتها كم من الأنياب السامّة انتقت فيها أصابعي.
لن أنسى تلك اللحظة التي اصطدمت فيها أعيننا ببعضها بعضاً، قادحةً بشرر اصطدام سيفين في مبارزة ذات مستوى رفيع لعظمة المتحاربَيْن على حَلْبَتِها. غزتني، نعم غزتني فوراً، ونَمَت عيناها الصفراوان -حينها- بداخل عينيَّ بسرعة نبات لويس متسلِّق، شَقّت جدراني وأزهرت في لمحة من تلك المواجهة المبتورة.
"آآآ.. لو سمحتِ..".
تلعثمتُ، كنتُ أُريد سؤالها عن اسمها، أو معرفة أي شيءٍ عنها. ولكنها عبرتني بقامتها الرمح، المسنونة لدى حوافها، وذات القناة الطويلة لقطف ما هو سامق من رؤوس الفرسان. لا أدري إن لم تكن قد سمعتني، أو ربما تجاهلتني عمداً، فالمكان والمناسبة مشرعان لأنين المرضى فقط، وليس من الصحّي إطلاق همسات أحبّة بوسط معمل استاك الموبوء أصلاً.
لمحتُ فتيل عينة البول في يدها، الرقم 13، وقرَّرت تعقَّبه لدى موظَّفي المعمل بعد أن تنصرف هي، لأنَّها مريضة مثلي والظرف حرج للغاية.
الفتيل الشفَّاف، ذو العنق الوسيم، والمليء بالسائل الأصفر، البول، أو بلازما عمري القادم. رأيتُ فيه حياتي المستقبلية بكل وضوح، والأكيدة دون شك. الحياة التي يمكن برهنتها عبر الميكروسكوب مثل أي كائنات مجهريّة لعينة تسبح بالداخل الآن. عوضاً عن حياتي السابقة تلك، التي كانت كأنما تجري بداخل كتاب، ليتأكَّد لديَّ في كل ثانية أنَّني عشتُها صفحةً صفحة، ومللتُها سطراً بعد سطر. ولم يعد من الممكن البقاء بداخلها مطلقاً، فكلّما تحرّك منّي عضوٌ اصطدم بأحد الغلافين.
قلتُ لنفسي بجنون قفز فوق آلام مرضي ساعتها، أنا لستُ الإنسان الذي في كتاب، ولن تحدَّني الأغلفة بعد اليوم. طاردتُ أية معلومات مفيدة عن منبع ذلك السائل الأصفر، لدى موظفي استقبال المعمل كلّهم، يسألونني واحداً بعد آخر، قلتَ من؟
"آآ.. أيوة، الأخت، الأستاذة، أقصد صاحبة العينة، كانت تجلس على هذا الكرسي".
- أية عينة يا أخ؟
سئمتُ الموقف كلّه، فقلتُ له بمَقَصِّ ضَجَرٍ لا لسان، "أعني يا أخي صاحبة عينة البول رقم 13 التي كانت تجلس على هذا الكرسي الأصفر، هل فهمتني الآن؟".
ها قد قصصتُ التساؤلات من ناحية ذلك الموظَّف، ليطالعني هو باستغراب. فمن يقصَّني أنا من عيون هؤلاء المرضى ومرافقيهم الذين لفتتهم ربكة أجوبتي الأولى على أسئلة موظَّف الاستقبال؟
لم يعد الآن من الممكن ولا المفيد سؤاله عن أي شيء يتعلَّق بتلك الفتاة. فالرجل، وكل من كانوا في الصالة، قد أخرجوا عيون البشر الأخرى، المخبأة تحت الكياسة، والتي تُستخدم في التأكّد من كون الناس مجانين أم لا، ليفحصوني.
لا فائدة الآن مع تطفل بهذا الحجم. غافلتُهم كلّهم، وتسللتُ لباطن المعمل، إذ فرضوا عليَّ مراقبة جماعية بعد ملابساتي تلك. لأعيد ذات التمتمة الخرساء على موظَّفة الفحص، وبلا فائدة.
- آسفة يا أستاذ، معلومات مرضانا سريّة، لا يمكن أدّيك عنوانها ولا تلفونها.
ولكن إجراء تلفون متوسِّل إلى أحد أصدقائي ممَّن كانوا يخدمون سابقاً بالمعمل حلَّ هذا الإشكال، مع اشتراط أن لا أُدخل زملاءه في مشكلة. وإن نسي ذلك الصديق أن يوصيني أنا أيضاً بالابتعاد عن المشاكل، فقد أدخلتُ نفسي في كارثة رسمية بإضافة مواعيد عَرَضيّة جديدة إلى مواعيدي المقيمة سَلفَاً. وهي مواعيد انتظار مَريَّا أمام منزلهم يومياً بعد انتهائي من دوّامي، وانتهائها هي أيضاً من دوام عمل في مكانٍ ما لا أعرفه.
مرتقباً بهذا الانتظار فرصة مناسبة تُمَكّنني من التعرُّف عليها بشكل غير اقتحامي. إذ لا بُدَّ من فرق بين الطريقة التي يُلقي بها البوليسُ القبضَ على محشِّش بنقو، وكسر خصوصيته. وبين الطريقة التي يُلقي بها الرجلُ القبضَ على عروسه، وكسر خصوصيتها. مع الاعتراف بأنَّ الحالتين تكسران الخصوصية، تليقان بالبوليس، وتنتهيان بالسجن.
وفي مواعيد مجاوزتي معها باعتبارها ورقة بنت شيريا مناسبة، وجدتُ نفسي ببطن مجاوزة مع السُّم رأساً برأس!
رأيتُ العقارب تتساقط من جسد مَريَّا وتعدو في كلِّ ناحية، بينما جمهرة من الناس تضج وتزعق، ثم تفر.
وهي تضحك، العقارب تنمنم لونها الخمري بلون مصفرّ، قاتم، وثقيل. هَلْبُ شعر عنقها وساعديها الأصفر، يشقّه هَلْبُ العقارب الأصفر وشوكاتها المُشْرَعَة بطول مناشير حيتان. بينما الأطفال الصغار يفرّون من وجهها، لتلاحقهم، وهي تضحك.
تركتُ مفتاح عربتي في طبلونه، وركضتُ ناحيتها مدعياً الهلع، إذ لمحتُ ذلك الحاوي الجوَّال الذي كان يعرض ألاعيب سحره بتلك العقارب. هي لم تخف منها، بل حشرت يدها بثبات أكثر منه في كرتونة العقارب تلك وأخذت تفرغها على جسدها، من أعلى رأسها نزولاً نحو صدرها، استحمّت بها.
أفشلتْ للحاوي أقيامه games، بدُش عقارب أخذتْه في شارع عام. هنا، بالضبط، بدأتُ أنا قيمي.
- وااو.. مش خايفة يا مجنونة!؟
تأملتني بصبر مستبد، وأجابتني باستشراف على رؤوس أمشاطها، لتحاذي قامتي، أهلاً بعقلك الجبان.
دسستُ ورقة في يدها، على الفور، ببيانات استشهادي. تنصُّ الورقة على أنّني هاربٌ من حتفي، مُذ شَمَّموا رائحتي لخناجر أشواقها، فتبعت المَقاتِلُ دربي قَصَصاً.
أنا الذي.. بدونها.. أينما هَزَّ أحدٌ من مدافن الدنيا قبراً فسأسقطُ منه قتيلاً.
فهي نيلي الأوَّل وقطاري الأخير.
واليوم، بتجاوز أوراق كتشينتي لدى مواعيد العقارب تلك.. أدركتني خناجر الأشواق كلّها.
مشتاق ليك يا مَريَّا، لامن خنجر الشوق المدقوق في القلب للعود.. عودو يخضّر.
نعم، خنجر أشواقك مغروزٌ في القلب حتّى عود مقبضه، وسأتبع ذلك الشوق إلى أن يخضرَّ عودُ ذلك الخنجر.
سألتني عن ورقتي الاستشهادية، التي كنتُ قد جهّزتُها قبل زمن.. عبر طقطقة أسنان فَكّيها مع بعضها بعضاً، ما يعني: أتمضغها؟ أم ماذا تفعل بها!؟
قلتُ لها، أنا أعمى. مددتُ تلفوني إليها، وطلبتُ منها أن تنقل محتوى الورقة لرسالة sms لأجل امرأة صرعتني منذ أوَّل مبارزة لعينيَّ مع عينيها الصفراوين -حينها-، ففعلتْ، وإنْ بتلاعب مستفهِم، مع ابتسامة سُخْر، تجعل من غمَّازتي خدّيها حفيرين يملأهما حامض الكبريتيك.
استعجلتُها قائلاً، أرسليها.
- إلى أين؟
"إلى قلبك".
ضحكتْ بمرح المفاجأة، حين أمللتُ عليها رقم هاتفها. شكراً لعينة البول رقم 13، المصابة باليرقان، مُسَبِّب اصفرار العيون. ملأني إحساسٌ بأنني أُملل أوصاف قبري على معول حَفْر، بعُمق كذا، بطول وعرض كذا، وإلى آخر تشطيب اللحد.
- واسمك منو يا شاب؟
"سامي".
احتضنتني في شغب، وبما يُبَرعم لغابة وحشية كاملة ستنبت في المستقبل. كي تسقط من على صدرها.. إثر احتكاك ذلك الاحتضان، آخرُ العقارب المتعلِّقة بثيابها. ولتلدغني أُولى العقارب المتعلِّقة بنزوات جنونها المغامر، والعدمي. ومن لحظتها، بدأ زحفُ تلك الحشرة السامَّة في صدري، صفراااء.. عيار 21 من الغَيْرة.
محسن:
يضحك عمرك;)
imported_بدور التركي
02-10-2010, 09:47 PM
محسني:goood إسم دلع وكدا!!
كم كهف بداخلك؟
وهل تكتب وتكتب وتكتب
كي تظهر ما بداخلك
أم لتخفيه؟
السلام عليكم وإزيك:)
imported_بدور التركي
02-10-2010, 10:23 PM
اقتباس:
كان اللهُ، ثم كان الغياب،
اقتباس:
عزائي في غيابك يا أُمي، أنَّكِ أصبحتِ كائناً كاملاً لأنك تُوفيتِ واكتمل غيابُك،
الكائن الحي هو كائن منقوص “الغياب”، لذا فهو يُكَرِّس لفكرة نقصانه بأرحب ما في الوسع.
الكائن لا يكتمل إلا حين يكتمل غيابه، بالموت وحده.
سينبت من حزنك وصبرك
على قلب الأرض زهراء
تتسلق حنينا ارتعاشا إلى الله
ولك العمر يا محسن
نورا يمتد صوتا بروح(جدتك)
إرجع
كي يرجع الله إليك
نورا فيك يفيض بهاء
الرشيد اسماعيل محمود
02-10-2010, 11:37 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284425#post284425)
سلام يا الرشيد
فإن عجز الشاعر او الكاتب مهما كبر عقله وغزر علمه واحتفل ذهنه
عن ان يصل بسامعه إلى هذة الغاية فهو إن شئت أعلم العلماء
أو أذكى الأذكياء ولكنه ليس بالشاعر ولا بالكاتب.....
بدور إزيك وعساك بخير..
طبعا كلامك الفوق مابيتماشي مع طورانية التلقي حقت محسن..
مش ممكن يكون المتلقي لسع في البرايمري..في حين الكاتب
في طور النضج..؟؟
يبقي حكاية أعلم العلماء واذكي الأذكياء دي بحسابات المتلقي البرايمري فقط..
وبالقياس علي المتلقي الناضج(حسب الطورانية) يبقي أشعر الشعراء..
بعدين عجز الشاعر دة البيحددو منو..؟؟
مش ممكن يكون قصور في ادوات المتلقي من جهة تانية..؟؟
انا غايتو يابدور بشوف المسألة حقت الشعر دي إستساغة وملاقاة ميول ليس الا..
يعني ممكن اقرا قصيدة محتشدة بالأخيلة وانا واعي بمدلولاتها بس ماتعجبني..
والعكس صحيح.
ياخي شكرا ليك عشان فتحتي لينا الغابة دي..
شايف بابكر عباس جا شايل فاسو في كتفو قايل الغابة غابة نيم لقا الحكاية تانية خالص.
imported_الجيلى أحمد
03-10-2010, 12:14 AM
بعدين عجز الشاعر دة البيحددو منو..؟؟
مش ممكن يكون قصور في ادوات المتلقي من جهة تانية..؟؟
ومن يحدد للكاتب طقوس جثته المعدة سلفآ,
ومواته الحتمى.؟.
النصوص تموت كما الاجساد ان لم تجد هواء نقى
يضمن لها البقاء.
والكاتب ليس بضامن ,
النص وحده سيبقى ..
بابكر عباس
03-10-2010, 12:40 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284810#post284810)
شايف بابكر عباس جا شايل فاسو في كتفو قايل الغابة غابة نيم لقا الحكاية تانية خالص.
يا كديس أنا جايب ليكم محسن خالد يثقفك...
انت قايلني انا عوير!
محسن خالد دا بتجيهو بفرار؟
انت ما سمعت بالزول العندو سكين في ضراعو، و قام عمل ليهو شكلة مع زول جهامة، أول حاجة عملها طلع سكينو و فننا بعيد
الناس قالوا ليهو دا شنو؟ قال ليهم الزول دا يقوم يعيقنا بيها ساكت
imported_بدور التركي
03-10-2010, 03:18 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284810#post284810)
بدور إزيك وعساك بخير..
طبعا كلامك الفوق مابيتماشي مع طورانية التلقي حقت محسن..
مش ممكن يكون المتلقي لسع في البرايمري..في حين الكاتب
في طور النضج..؟؟
يبقي حكاية أعلم العلماء واذكي الأذكياء دي بحسابات المتلقي البرايمري فقط..
وبالقياس علي المتلقي الناضج(حسب الطورانية) يبقي أشعر الشعراء..
بعدين عجز الشاعر دة البيحددو منو..؟؟
مش ممكن يكون قصور في ادوات المتلقي من جهة تانية..؟؟
انا غايتو يابدور بشوف المسألة حقت الشعر دي إستساغة وملاقاة ميول ليس الا..
يعني ممكن اقرا قصيدة محتشدة بالأخيلة وانا واعي بمدلولاتها بس ماتعجبني..
والعكس صحيح.
ياخي شكرا ليك عشان فتحتي لينا الغابة دي..
شايف بابكر عباس جا شايل فاسو في كتفو قايل الغابة غابة نيم لقا الحكاية تانية خالص.
سلاااااام يا اخوي
اهتم فريتشاردز اهتمت بنظرية التوصيل
بناء الصلة أو الجسر بين الكاتب والشاعر والمتلقي فردا أو جماعة
وفي تفسيره يا أخوي لمسألة التوصيل أكد أن الاعتماد على الدوافع الشعورية الواعية
في عملية التوصيل لا تكفي
وحث الفنان على تحقيق التوازن بين دوافعه هو ودوافع القاريء الممكنة والمحتملة
وبغير هذا التوازن يتعذّر التفاهم بين الأثنين
وأكد أن المهم في عملية التوصيل هي قدرة المبدع على استرجاع الحالة الشعورية الخاصة بالتجربة التي يريد التعبير عنها
ويقظة الشعور هي التي تساعده على استعادة الحالة الشعورية للتعبير عنها بقوة..
وبين ريتشارذز ان الانسان في جل أطواره مجموعة من الدوافع التي يصارع بعضها بعضا
وهذا الصراع الذي يجعل الإنسان شريرا إذا غلبت عليه دوافع الشر(يعني ممكن في اللحظة دي يا محسن تجيهو لحظة انتقام)
ويجعل منه ايضا خيرا
والدوافع دي معضمها في رأيه لاشعوري
منها دوافع اقبال ومنها إدبار
ويقول ريتشاردز ان ترتيب وتنظيم الدوافع وإخراجها من الفوضى
يجعل من الكاتب والشاعر والاديب راضيا عن أثره الأدبي
مما يجعل المتلقي الذي يستقبل هذا العمل يحس بشئ من اللذة والمتعة
فلذة التلقي نتيجة طبيعية لتحرير دوافع المتلقي المكبوتة وإطلاقها من القيود في ظل نظام فني
يتصف بالحرية...
لكن هناك رأي من فرويد وغيره
يقول على القاريء ألا يحاول قراءة القصيدة من أجل الحصول على اللذة التي تعقب القراءة
فهذا شئ طبيعي يحدث بعد كل قراءة ناجحة لأي عمل أدبي رفيع..
imported_جيجي
03-10-2010, 03:26 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285073#post285073)
اقتباس:
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284810#post284810)
بدور إزيك وعساك بخير..
طبعا كلامك الفوق مابيتماشي مع طورانية التلقي حقت محسن..
مش ممكن يكون المتلقي لسع في البرايمري..في حين الكاتب
في طور النضج..؟؟
يبقي حكاية أعلم العلماء واذكي الأذكياء دي بحسابات المتلقي البرايمري فقط..
وبالقياس علي المتلقي الناضج(حسب الطورانية) يبقي أشعر الشعراء..
بعدين عجز الشاعر دة البيحددو منو..؟؟
مش ممكن يكون قصور في ادوات المتلقي من جهة تانية..؟؟
انا غايتو يابدور بشوف المسألة حقت الشعر دي إستساغة وملاقاة ميول ليس الا..
يعني ممكن اقرا قصيدة محتشدة بالأخيلة وانا واعي بمدلولاتها بس ماتعجبني..
والعكس صحيح.
ياخي شكرا ليك عشان فتحتي لينا الغابة دي..
شايف بابكر عباس جا شايل فاسو في كتفو قايل الغابة غابة نيم لقا الحكاية تانية خالص.
سلاااااام يا اخوي
اهتم فريتشاردز اهتمت بنظرية التوصيل
بناء الصلة أو الجسر بين الكاتب والشاعر والمتلقي فردا أو جماعة
وفي تفسيره يا أخوي لمسألة التوصيل أكد أن الاعتماد على الدوافع الشعورية الواعية
في عملية التوصيل لا تكفي
وحث الفنان على تحقيق التوازن بين دوافعه هو ودوافع القاريء الممكنة والمحتملة
وبغير هذا التوازن يتعذّر التفاهم بين الأثنين
وأكد أن المهم في عملية التوصيل هي قدرة المبدع على استرجاع الحالة الشعورية الخاصة بالتجربة التي يريد التعبير عنها
ويقظة الشعور هي التي تساعده على استعادة الحالة الشعورية للتعبير عنها بقوة..
وبين ريتشارذز ان الانسان في جل أطواره مجموعة من الدوافع التي يصارع بعضها بعضا
وهذا الصراع الذي يجعل الإنسان شريرا إذا غلبت عليه دوافع الشر(يعني ممكن في اللحظة دي يا محسن تجيهو لحظة انتقام)
ويجعل منه ايضا خيرا
والدوافع دي معضمها في رأيه لاشعوري
منها دوافع اقبال ومنها إدبار
ويقول ريتشاردز ان ترتيب وتنظيم الدوافع وإخراجها من الفوضى
يجعل من الكاتب والشاعر والاديب راضيا عن أثره الأدبي
مما يجعل المتلقي الذي يستقبل هذا العمل يحس بشئ من اللذة والمتعة
فلذة التلقي نتيجة طبيعية لتحرير دوافع المتلقي المكبوتة وإطلاقها من القيود في ظل نظام فني
يتصف بالحرية...
لكن هناك رأي من فرويد وغيره
يقول على القاريء ألا يحاول قراءة القصيدة من أجل الحصول على اللذة التي تعقب القراءة
فهذا شئ طبيعي يحدث بعد كل قراءة ناجحة لأي عمل أدبي رفيع..
اقتباس:
ولد دا:D
سجمي يابدور دا كله من راسك ولا من كراسك:mad:
اها انا متلذذه بدجاجي يلقط الحبة او حنى لومالقطها
اكنر من غابتي دي
قولك شنو
imported_بدور التركي
03-10-2010, 03:31 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بابكر عباس http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284998#post284998)
اقتباس:
يا كديس أنا جايب ليكم محسن خالد يثقفك...
انت قايلني انا عوير!
محسن خالد دا بتجيهو بفرار؟
انت ما سمعت بالزول العندو سكين في ضراعو، و قام عمل ليهو شكلة مع زول جهامة، أول حاجة عملها طلع سكينو و فننا بعيد
الناس قالوا ليهو دا شنو؟ قال ليهم الزول دا يقوم يعيقنا بيها ساكت
المثقف العربي هو انسان يشعر بولائه المخلص لأمته
والمثقف العربي الحقيقي هو الذي يشعر بقلق إنساني
الذي يعيش فترة مخاض فكري دائم
من كم يوم وأنا أجول في غابة محسن
ربما اتطور يوما من الأيام فكريا وثقافيا
واصل لدرجة من المعرفة
تجعلني أنظر إلى مجتمعي بعين بصيرة
وإلى العالم بعين واعية
وان اكون شخص وانسان بلغ من الخبرة والمعرفة الذكاء
إلى أن أرتقي وأرتفع فوق مستوى الاقليميات والطبقات
وان لا ارتبط بمصلة او قضية
سأكون إنسان له ضمير..
نعم سأكون!!
من غير ما اكون خاضعة
imported_بدور التركي
03-10-2010, 03:37 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جيجي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285075#post285075)
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285073#post285073)
اقتباس:
ولد دا:D
سجمي يابدور دا كله من راسك ولا من كراسك:mad:
اها انا متلذذه بدجاجي يلقط الحبة او حنى لومالقطها
اكنر من غابتي دي
قولك شنو
قولي هو
خليكي قرب العلم والمعرفة
يستنير طريقك وتضئ بصيرتك
يا بت اليومين دي حاسة اني بقيت نور;)
ودا حالتي لسة قاعدة جنب خشم الغابة
لسة ما خشيت جوة الأدغال:D
شوية شوية مع القراءة الكثيرة والإطلاع
ح نفهم القضاية الكبيرة
قريتي ( بورترية الغياب)
أوووف تعباني تعب
لسة ما قادرة استوعبها
صعبة على قدراتي العقلية
بس ح اصل ليها وافهمها كلها
imported_جيجي
03-10-2010, 03:43 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285079#post285079)
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جيجي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285075#post285075)
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285073#post285073)
اقتباس:
ولد دا:D
سجمي يابدور دا كله من راسك ولا من كراسك:mad:
اها انا متلذذه بدجاجي يلقط الحبة او حنى لومالقطها
اكنر من غابتي دي
قولك شنو
قولي هو
خليكي قرب العلم والمعرفة
يستنير طريقك وتضئ بصيرتك
يا بت اليومين دي حاسة اني بقيت نور;)
ودا حالتي لسة قاعدة جنب خشم الغابة
لسة ما خشيت جوة الأدغال:D
شوية شوية مع القراءة الكثيرة والإطلاع
ح نفهم القضاية الكبيرة
قريتي ( بورترية الغياب)
أوووف تعباني تعب
لسة ما قادرة استوعبها
صعبة على قدراتي العقلية
بس ح اصل ليها وافهمها كلها
التور هنا في العراء
ماداير ليه ادغال ولاغيره ديك الشمس وان غربت فدونك القمر
بابكر عباس
03-10-2010, 04:26 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285078#post285078)
المثقف العربي هو انسان يشعر بولائه المخلص لأمته
والمثقف العربي الحقيقي هو الذي يشعر بقلق إنساني
شوفتي يا بدور البوست القلتي دايرة تسحبيهو، بقى من البوستات المرفوعة بواسطة خالد الحاج "الفني"..
يا بدور العروبة دي قللي منها شوية
أمبارح د. أبكر إسماعيل هرشنا منها
و شكك فيها..
دحين خليك مع المثقف الكوشي
الرشيد اسماعيل محمود
03-10-2010, 04:55 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285073#post285073)
سلاااااام يا اخوي
اهتم فريتشاردز اهتمت بنظرية التوصيل
بناء الصلة أو الجسر بين الكاتب والشاعر والمتلقي فردا أو جماعة
وفي تفسيره يا أخوي لمسألة التوصيل أكد أن الاعتماد على الدوافع الشعورية الواعية
في عملية التوصيل لا تكفي
وحث الفنان على تحقيق التوازن بين دوافعه هو ودوافع القاريء الممكنة والمحتملة
وبغير هذا التوازن يتعذّر التفاهم بين الأثنين
يابدور رضاء الفنان عن المنجز الفني حقو ماهو الضمان لرضاء المتلقي..
اما فكرة حث الفنان علي خلق التوازن بين دوافعو وإستقراء دوافع
المتلقي دي يابدور معناها خيانة كبري للذات الفنانة ومغالطة لحرية النص وتحرره.. لأن الحكاية كدة بتكون تأطير وتوجيه مسبق للمنتوج الابداعي غضَ النظر عن ماهيته وإتجاهه..
توجيه مسبق من أجل أن يتوافق والمتلقي أو يلاقي أهواءه ومن ثم إحتفائه.
طبعا انا منطلق للآن يابدور وفق ما إقتضته النظرية الطورانية..
بحاول أختبر في كلامك من خلالها..ممكن تنظيرة ريتشارد دي تتوافق مع طور النضج السلبي مثلاً.. بس إذا قسناها علي طور النضج الايجابي (اللي انا مهتم بيهو) لا معني لها.
وبعدين يابدور خلينا نركز علي حكاية الشعر دي..
ياخي أنا شخصياً لا أطالب القصيدة بأن تقدم لي سوي هذه المتعة والإيجاع والألم..
فالقصيدة يابدور بالنسبة لي ليست درسا في العلوم وإكتناه ماهيات
المادة بمختلف مسمياتها..ولكنها صدمة شعورية تخلخل الشعور
وتستفزه ليعيد ترتيب تماسكه من جديد.
القصيدة بالنسبة لي ليست مُلزمة بتوفير مادة علمية ما..
أنا لا أطالبها(والمطالبة هنا أعني بها شرط ضمان إلتفاتي لها كمتلقي)
سوي بملامستي عبر حقيقيتها وصِدقها الذي أحسه.فقط.
محمود درويش قال عشان مايكتب قصيدة الجدارية إحتاج لعدة
أشهر في حالة قراءة مستمرة للحضارات القديمة..
لماذا..؟؟
قال لأن القصيدة تحتوي علي مايتعلق بالحضارات القديمة لذلك
يجب أن يكون مُلما بها وواعياً بكل ما سيقول.
وبرضو قريتها كأجمل القصائد التي قرأتها.
الملاحظة هنا يابدور أنني لست ميَالا كمتلقي لمعرفة كيف خرجت القصيدة ولكنني فقط أهتم بالشعر كمُعطي متكامل أمامي يلامسني او لا..
وهذا كل شيء.
زي ماقال ليك بابكر حكاية المثقف العربي دي قللي منها..
الثقافة يابدور حالة كونية لاتحدها حدود ولا يجب ان تعترف او تتأطر بجنس وعرق
ولون او جغرافيا.
imported_بدور التركي
03-10-2010, 08:42 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285079#post285079)
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جيجي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285075#post285075)
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285073#post285073)
اقتباس:
ولد دا:D
سجمي يابدور دا كله من راسك ولا من كراسك:mad:
اها انا متلذذه بدجاجي يلقط الحبة او حنى لومالقطها
اكنر من غابتي دي
قولك شنو
قولي هو
خليكي قرب العلم والمعرفة
يستنير طريقك وتضئ بصيرتك
يا بت اليومين دي حاسة اني بقيت نور;)
ودا حالتي لسة قاعدة جنب خشم الغابة
لسة ما خشيت جوة الأدغال:D
شوية شوية مع القراءة الكثيرة والإطلاع
ح نفهم القضاية الكبيرة
قريتي ( بورترية الغياب)
أوووف تعباني تعب
لسة ما قادرة استوعبها
صعبة على قدراتي العقلية
بس ح اصل ليها وافهمها كلها
التور هنا في العراء
ماداير ليه ادغال ولاغيره ديك الشمس وان غربت فدونك القمر
المعرفة لا تكون إلا في النور
والأدغال كنت اعني بها
المواضيع الكبيرة التي
أحاول دراستها ومعرفة مكوناتها وفهمها
وفي النور الرؤية اوضح يا حلوة
بالمناسبة ما فهمت كلامك!!!
imported_بدور التركي
03-10-2010, 08:49 PM
ومن يحدد للكاتب طقوس جثته المعدة سلفآ,
ومواته الحتمى.؟.
النصوص تموت كما الاجساد ان لم تجد هواء نقى
يضمن لها البقاء.
والكاتب ليس بضامن ,
النص وحده سيبقى ..
فعلا م
فمن من كُتاب وفلاسفة وشعراء ماتوا
ولم يبقى إلا نغماتهم الموسيقية الرنات
التي تغني وحدها في أذاننا وحواسنا..
imported_بدور التركي
04-10-2010, 10:09 AM
اقتباس:
شوفتي يا بدور البوست القلتي دايرة تسحبيهو، بقى من البوستات المرفوعة بواسطة خالد الحاج "الفني"..
يا بدور العروبة دي قللي منها شوية
أمبارح د. أبكر إسماعيل هرشنا منها
و شكك فيها..
دحين خليك مع المثقف الكوشي
مسكين يا بابكر العالم الثالث خاض عدة معارك وكفاحات من اجل الاستقلال
وبعد داك دخل في اكبر معركة وهي البحث عن الذات والقومية
المستعمرين تركوا بصماتهم واضحة على المستعمرات
البعض يحاول الرجوع التراث القديم والجمع الثاني جمع بين هذا وذاك
والثالث حيران زي فستان ام كلثوم (لا هو ماكسي ولا هو قصير)
خالد :
الله يرفع مقامك
ويثبت اقدامك..
imported_جيجي
04-10-2010, 10:21 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285132#post285132)
المعرفة لا تكون إلا في النور
والأدغال كنت اعني بها
المواضيع الكبيرة التي
أحاول دراستها ومعرفة مكوناتها وفهمها
وفي النور الرؤية اوضح يا حلوة
بالمناسبة ما فهمت كلامك!!!
معقول يابدور
بتناقشي في فريتشارد ونظرية التوصيل والشعور اليقظ
وماتفهمي كلامي:mad:
imported_بدور التركي
04-10-2010, 03:02 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جيجي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285260#post285260)
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=285132#post285132)
معقول يابدور
بتناقشي في فريتشارد ونظرية التوصيل والشعور اليقظ
وماتفهمي كلامي:mad:
http://www10.0zz0.com/2010/10/04/13/246479139.jpg
imported_mautamad
05-10-2010, 03:00 PM
العزيزة بدور
لك التحية وانت تعرفينا بمحسن خالد الشاعر.
غرقت كثيرا في بحر سرده النثري
وهي فرصة لنغوص فى نظمه للمفردة بشكل اخر
لك الود
والف باقة ورد
imported_بدور التركي
05-10-2010, 08:31 PM
العزيزة بدور
لك التحية وانت تعرفينا بمحسن خالد الشاعر.
غرقت كثيرا في بحر سرده النثري
وهي فرصة لنغوص فى نظمه للمفردة بشكل اخر
لك الود
والف باقة ورد
فوق قمة الغابة تربع محسن خالد وقد توسد فكره وبسط أفكاره
فغشى مشارق الأرض ومغاربها مفتاحا لمنهج فهم الطبيعة
وكل ثمرة من ثمار النشاط الإنساني..انعكست هذة الثمار
على شبكة نفسه وتوهجت فيه مما أسفر عنه من حب واستطلاع ومعرفة للوجود
فظهرت عنده الكلمة وامتزجت فيه ففرضت عليه التعبير عن حلمه وهدفه الذي تحقق..
طار كالفراشة الجميلة ينثر عبقها أينما حلت..وإذا ما تفتحت انطلق شعاع بريقها
تشيع العلم والمعرفة..وهكذا بدأت الغابة تنتج ثمارها أفكارا وكل ما قطف شيء
فعل شي وقطف فكرة جديدة..
فكرة واعية وانتاج روحي وابداع مضاف الى الوجود
الانسان المنتج هو من يضيف شيئا للوجود.. وشيئا لوجوده
الغابة يا عزيزي مشرعة لإستقبال النفوس الحائرة
كواحة تبسمت ونشرت الفكر والابداع بغية التأمل
على أعظم الاكتشافات في مجال معرفة الإنسان والطبيعة
imported_بدور التركي
05-10-2010, 09:40 PM
وأتسلل أثناء المطر كلص محترف
والبرد قارص والليل دامس
ولكنني في الغابة وعلى حافة الرجل الأميبي
أخرج قيثارة تشق بصوتها السكون ..تستيقظ البشرية
لتتذوق خبز الإغتراب ورحلات الروح عبر الألام
أن ثمة جنون هنا يجري في الغابة( كما الرقص الأفريقي القديم)
http://www.sewandso.co.uk/prodimagesh/57536h.jpg
تعالوا نقرا هذا السرد المجنون
من إحداثيات الإنسان
الفصل السادس الرجل الأميبي
imported_بدور التركي
05-10-2010, 09:42 PM
من رواية إحداثيات الإنسان
الفصل السادس
الرجل الأميبي
إنَّ بحث الرجل النسر -الذي يحبس الفريسة بمخلب ويضرب الريح بجناح، الصلد، الذي عيناه مثبتتان على مدى الأفق- لم يهتدِ بعد إلى الخط المستقيم.
هاهنا درب يشقَّه العقل، ولا عودة لمن سار فيه، درب لا يمكن ملصه كحذاء إن لم يناسب مقاسنا، أقول لصوفيا، فتسألني: وبلدك؟
"بلدي؟ أي بلد كان يا تُرى؟ إنه طاحون هواء حين يعز الهواء. إن البدائية جِينٌ معتبر جداً في التوريث الإفريقي"،..
"ولِمَ لا تعتنق جنسية هذا البلد؟".
"أعتنق؟ ياه، إنّ أمريكا دين جديد إذاً؟"،..
"أليست قديسة هذه الأمريكا؟".
"فعلاً قديسة، ولكن بلا معنى. أو على الأقل ليس لها معنى بالنسبة لي"،..
"أشعر بأنه حتى أنت عند نفسك بلا معنى يا كمال. ربما أنت نفسك طاحون الهواء حين يعز الهواء. أحياناً كثيرة أفكر فيك فأجدك الرجل الذي استقال من كل شيء حتى من واجبات شخصه. ألن تقف يوماً عند محطة ما يا كمال كي تعثر على شيء له معنى؟".
أُراوغها أنا: "لقد قرأت في إحدى القصص أنَّ مخترعاً قام بصنع قاطرة تسير بسرعة فلكية. وما عاب تلك القاطرة أن المخترع فشل في أن يحتويها بمحطات منتظمة"،..
يستلفني صمتٌ لبرهة قليلة، فمللٌ عريض أن تحكي الأشياء وفاجعة إن تصمت على حروقها الداخلية،..
"وماذا حدث؟"، تستفسر صوفيا، أو تدفعني نحو الخلاصات، نحو عُقْدَتي خاصَّةً.
"لا شيء حَدَث يا صوفيا. وليت الكاتب تركها عند هذا الجفاف كأي إعلان عن اختراع فاشل. فقد تحوَّل إلى ميكانيكي ذكي، وانحشر تحت قاطرته تلك ليبحث بدراية الميكانيكي العادي مسألة الكابح وأنابيب الزيت وغيرها من الشؤون التي تخرج بالقصة من محيط الإبداع الأدبي وعمقها، وتُدخلها الورش كأي تدوين لمعالجة هندسية أُجريت لوابور متعطل. ثم ختمها بأن القاطرة انصاعت للمحطات وفَرِح الإنسان واحتفل"،..
"وما الذي في ذلك My Baby؟ فالتبشير بفوز الإنسان في صراع الزمن واضح وجيد. وهو هدف له معنى كما أفهم".
"لا تكوني غبية يا صوفيا. إنَّ الآلة لن تحسم شيئاً. هي ليست السلاح. بل حين تتَعَيَّن الآلة كليةً كموظف تعمير يتفَرَّغ الإنسان المبدع للجنون، أما الإنسان العادي فسيوظفه السعر. إنها تلعب لكي تكسب هي نفسها ولن ترمي بالأوراق الرابحة في جيوبنا أبداً. كما أنَّ الإنسانية تجاوزت ذلك الإنسان الذي يُريد أن ينقل متاعه وجسده، إلى الإنسان الذي يريد أن ينقل ذاته. قصة هذه القاطرة بدأت من حيث وصلت الإنسانية. وهذا رائع كي يليه تصور يتوَلَّد من مغامرة السفر على تلك القاطرة التي لا يمكن إيقافها. ولكن الكاتب أحجَم، وفسد تماماً حين صار فني قاطرات. كان عليه أن يخلق لهذه القصة أرجلاً ما كي تمضي على نحو غير ذلك. لقد بدأت من حيث رُفِض اللجام. أي من أمام القطار. ولكنها انتهت بقطار له ذنب كي يشدَّه أحدُ الرعاة من الخلف. لقد أطلق على قصته اسم السفر المجنون ولكنه لم يُكَلِّف نفسه استكشاف ذلك السفر. وصيانته لتلك القاطرة تعزل القصة عن اسمها وفحواها، أو لنَقُل تُلغي ادعاءه الأول وتجعلها السفر المحفوظ"،..
"إنّ المُضي إلى الأمام بدون تَحَكُّم انفلات خطر، والذي يفلت من جاذبية المدار لا بُدّ له أن يحترق يا كمال".
"الشهب أجرام ألقت بنفسها خارج المدار. منها ما يحترق هذا صحيح، ولكن منها أيضاً ما يبلغ الأرض ويستقر"، أُحاججها أنا لأجل تمضية الوقت فحسب، يمكنني أن أشعل سيجارة بدل إجابتي هذه،..
"ولكن ما يبلغ الأرض منها يستقر في شكل رماد!"، تطاردني صوفيا،..
"لا بأس هكذا هي الأيام دوماً، لا تصالحنا إلا على بقايا الرماد، منّا من يكتشف ذلك ومنَّا من يموت بسهومه"،..
إلحاح صوفيا الذي لا أدري من أين تحصل عليه بهذه الكميات، يلاحقني "إن مثل هذا الانفلات لن ينتهي بالاستقرار. وإنما سيزج بسير الإنسانية في فوضى الموت"،..
"النكتة الكبرى يا صوفيا أن تَنَبُّؤكِ المستقبلي هذا قد أصبح واقعاً منذ زمن طويل. لقد كانت الفوضى مرتبطة بالموت بمعناه الواحد لضيق الدنيا وسعة الغباء. أما الآن فهي أقتل ما يكون لأنها متخفيَّة. وعلى العَالَم أن يُبْلِغَ الفوضى ذروتها الآن بإرادته كي يتمَكَّن المجتمع من خلق بواعث الأنبياء الجدد والمُصْلِحين. أما إن بلغت الفوضى ذروتها بإرادتها الخاصة، فلن تتوقف إلا بإرادتها. على كل فقد قمت أنا بإكمال هذه القصة كما كان يستوجب لها أن تُكمل"،..
"ماذا فعلتَ بها؟"، تضحك صوفيا وتغمزني، "لا بد أنك أقحمتها في قالب بذيء الأفكار والأحداث".
"انسي أمرها الآن لأنها ليست معي، ولكن قطعاً سأقرؤها عليك. أخبريني يا صوفيا ماذا فعلتِ مع صاحبة البنسيون؟"،..
"فقط أنتظر أن يُلْقَى بي خارجاً بعد أن تنتهي المهلة التي منحتنيها تلك العجوز".
"عجوزكم هذه بلغت من الكِبَر أن تداخلت كُلُّ خطوط التعبير فيها واكتظ بها وجهها حتى أصبح بلا تعبير. أو ربما أصبح بكل التعبير لوجه لا يخصه هذا العالم. ألا تلاحظين أن الحياة عندكم يسيطر عليها العجائز؟ شركات التأمين والغذاء والترحيل والمزارع الكبيرة والمؤسسات التي بحجم بلادي، كلها يسيطر عليها العجائز. إنهم يستخدمون حاضر الشباب ويتركونهم على أعتاب ماضٍ يخصهم. لا عليك يا صوفيا سأتصَرَّف مع هذه العجوز"،..
"كمال.. Oh my God، أنت تقتلني رعباً بحديثك هذا. انسَ تماماً موضوع سكني فإن عجزت عن تدبير أموري فسآتي لأسكن معك".
"هكذا.. ياه ياه، إذن من اليوم فسأُصَلِّي من أجل أن تقذف بك العجوز إلى شقتي. لا تخافي يا صوفيا سألتقطك قبل أن تسقطي على الأرض"،..
"Oh yah،.. سيكون ذلك سيئاً. على العجوز أن تُلقي بي بعيداً عنك".
"لا بل سيكون رائعاً يشبه إلي درجة التطابق قصة رجلين يدمنان التدخين. كانا يجلسان في غرفة مظلمة. يقوم أحدهما بوضع سيجار في فمه ويطلب من الآخر عود ثقاب كي يشعله. يقذف زميله بعلبة الكبريت في العتمة ويتلَقَّاها الرجل براحتيه المتشوقتين. فتصطدم بهما وتُصَوِّت كالقُبلة في الظلام، بطريقة مُحَبَّبة ويحتاجها الدم. يُشعل الرجل سيجاره بعجلة وتلَهُّف، كي يُلْقِي بعد ذلك بعود الثقاب في بنسيون العجوز ثم....
تقاطعني صوفيا بلؤم، بينما تناولني ولاعة التبغ: ثم يُلْقَى بالرجل في السجن ويُمنع من التدخين،..
"أبداً يا صوفيا الجميلة، أبداً. فليفعلوا به ما يشاؤون إلا السجن. إنها الخرافة الوحيدة التي يصدقها من دنياكم هذه. إنه يطيق أن يفعل أي شيء مهما كان تافهاً، ولكنه سيموت حتماً إن فرضوا عليه أن لا يفعل شيئاً على الإطلاق"،..
"U a Crazy man، أُقسم إنَّكم تأتون إلى بلادنا كي تجنّوا".
"هذا غير دقيق. ربما كنت ستبلغين نصف الحقيقة إن قلت إننا نأتي كي نتلقّى كورسات في جنوننا الخاص، لنحترفه. على كل حال نحن نعرف كيف نجن ونحترف الجنون بدونكم. أريد أن أراك غداً يا صوفيا، لأنني سأكون في نيويورك بعد غد"،..
"ماذا تقصد بهذا التشرُّد My big boy؟".
"أبداً هو الذي يقصد من حيث لا تحل عقدته ملاجئ الأسمنت"،..
عندما تناصف الدموع عيني صوفيا، تمضي بي المياه إلى مياه: لا تبكي يا صوفيا. المطر في عينيك يُهَجِّرني في قُطعان غمام عَاقَّة وضالَّة"،..
أجابتني بمغالبة لعبراتها: U are right، الحياة أصبحت بلا معنى.
"هي أصلاً بلا معنى ونحن من يخلق لها المعنى"،..
"إذن فقد أصبحنا عاجزين عن خلق معنى لها".
"بل هي لا ترغب في أن تمنحنا معناها"،..
"أيُّ لعبة استغمائية هذه يا كمال؟"، صاحت صوفيا من ضجرها، وضجر لغة الأفكار.
"إنها الاستغمائية المتوفرة يا صوفيا وليست من اختراع رجل. فحين يستوجب علينا أن نخلق معنى للحياة نكتشف أن المعنى تمتلكه هي ولا نخلقه نحن. وحين نبحث في الحياة عن المعنى نكتشف أن معناها فينا لا فيها"،..
"والمعالجة!"، تسألني صوفيا بعيون تتمسخر، ومُترقرقة في بحيرة يدفُّ فيها إوز التعجُّب.
أُجيبها أنا بتهكم يدوس على نفسه أول ما يدوس: الحل، أو المعالجة هي أن لا تكتشف هذه اللعبة أبداً. وإذا اكتشفتها أن لا تسأمها. وإذا سئمتها أن لا تبحث عن غيرها. أما إذا تجاوزت كل هذا فإما أن تصير الرجل الأميبي. أو أن يصير كونك الكون الأميبي.
وهاأنذا في عمق خرافة السجن التي خفتها تحت تهديد صوفيا بعد تسعة أعوام من التيه.
هنا حيث يُفصل ظلَّك عن جسدك وينبت السنجك في مكانه. لم تكن هنالك حاجة للسجن فأنا بدون سجن زنزانة كريهة. كما أنَّ قربان إله الفن يُقَدّم إلى الحياة لا إلى الموت. ولكن ماذا سيهم؟ فليس هنالك شيء اسمه خطة حياة في تصوراتي. ولعلَّ هذا هو الفرق الأساسي بيني وبين الآخرين.
أنا دخلت الحياة لأبحث فيها عن الخطط. وهم يأتون إليها وجيوبهم محشوَّة بالخطط، وكل ما يريدونه من الحياة فرصة لتنفيذها. يبدو أن النزاهة في امتحان مثل هذا لا تفيد. كان عليّ أن أحتال كي أدخل إليها وجيوبي مليئة بأوراق الغش.
لقد كنت ترمومتراً من الدخان يقيس إلى أعلى فقط. لا أكاد أجد رأسي حتى ينقلب مؤخرة بومة. ما هذا الركود المميت؟
إنّ بحث الرجل النسر -الذي يحبس الفريسة بمخلب ويضرب الريح بجناح، الصلد، الذي عيناه مثبتتان على مدى الأفق- لم يهتدِ بعد إلى الخط المستقيم.
الخط الذي يمر موازياً لكل شيء يسعى لجعله يلتف حول نقاطه القديمة. إنّ ما هو عندي الآن ليس تراكم تجربة يمكن الاستفادة منه لتعديل المسار. وإنما كوم ضلال. تتباين هذه النفايات في درجة طَيْفها ولكنها في النهاية تَلَّة ضلال. ولكن فلنفترض أنها تراكم حقائق عن تجربة بعينها.
ماذا سيكون إذن؟ وأية مسؤولية ستُلقى على عاتقي؟
إنّ هذا الشيء الذي يسكنني كمهمة أصعب من مهمة ابن زياد التاريخية. فهو كان يريد أن يغزو الأندلس، التي لم يكن بإمكانها أن تتنَكَّر في الخُرَط، ولم تكن لها طاقية إخفاء تواريها من أمام الفاتح طارق. لقد نجح لأنَّ الفشل كان يرتبط بالموت لا بالحياة، ولم يضع زمنه لأن مهمته كانت تُكَلِّف بعض الأيام المريرة فحسب، ولا تستنزف العمر بأكمله.
ابن زياد كان على الخط المستقيم ولم يكن عليه أن يجده. إنّ كل تلك الفتوح التي تبَجَّح بها التاريخ ملء صفحاته المُمِلَّة. كانت دنياها تحتاج أربع عشرة ليلة فقط كي يتضح فيها القمر بأكمله. أما هذا العصر فضياؤه لم يعد يأتي من حيث لا تقصد حركة الكون، وظلامه يأتي من حيث يُرَاد تنويره. وعليك أن تسير في عتمته بين الأشياء المُدَبَّبة والصلبة. وأن لا تخشى ارتطام ساقك العارية بها. ابن زياد الآن لن يزيد على كونه طَبَّاخاً بلا تميُّز، يُعِدُّ وجبةً في مطبخ مكتمل التدابير.
ولمّا كانت الأندلس تنتظر ابن زياد.. فقد صدق له أن المشي يحذف من الطريق ويضيف إلى الأمل. ولهذا فهم عصره أن الذي يمشي فقد بدأ وصوله فعلياً، أما في عصرنا هذا، فالذي مهما اقترب لم يتخَلَّص من بُعْدِه نهائياً.
احتمال أن هذا الحديث هذيان، وإن كنتُ لا أظنه بالجنون. عدة سنوات في هذا السجن كافية ليهذي الرجل، وليعيش بين سراب عقله ومائه، ولكنها لن تبلغ به ذُرا الجنون الباردة أبداً.
ما زلت أذكر جامعة الخرطوم، ولكن كصوت لمنادٍ بعيد، لا تستطيع أن تُمَيِّز صاحبه ولا نوع العاطفة التي يحملها. يوم بكت صوفيا في حضني تذكرت دموع صديقي عاطف وهو يتشبَّث بي كي لا أدع الجامعة. كان يُصرُّ على أنها كلية الهندسة المدهش الاجتماعي الذي لا يُقَاوم، والنعيم الذي لا بد لآدم أن يكون أعرجَ في عقله كي يطرد نفسه منه. أُتمتم في وجهه وأنا لا أشعر بأي شيء مما كان يدور حولي،..
"إنني مشدود إلى ما هو أمامي من مجهول، بحبلٍ من الغيب والحنين الرمادي"،..
ومنذ ذلك اليوم الذي تركت فيه الجامعة مضت الدنيا في حالها وأنا مضيت في حالي. لا تُنكر عليّ شيئاً ولا أُنكر عليها شيئاً. كنت كقطعة صغيرة من الحديد لا تملك إلا أن تستجيب لإغراء المغنطيس الضخم الذي يشدَّها ويهرب أمامها.
أُسرتي نذرت المال والدموع ومن بعد أعَدّت حبالها كي أُقيّد وأُعالج. أبي كل الذي يفهمه عني أنه ليس بمقدوري أن أتصالح مع مكان واحد لمدة طويلة. أما ذلك الحبل الذي يشدني نحو المجهول الذي يمتد لي منه فلم يكن يراه.
وأنا كنت كمتزلج انزلق من قمة جبل جليدي شديد الانحدار.. فليس في مقدوره أن يفعل شيئاً. وكل ما عليه هو أن يحفظ توازنه فوق الزحافتين ويملأ داخله بصيحات الحماسة حتى تطفر خارجه، كي لا يسمع صوت خوفه.
هَيَّا هَيَّا.. والزحافتان يزيد جنونهما وهما تبصقان الثلج في وجه المدى والمنحدرات. هَيَّا هَيَّا.. والخوف يبدأ ينز من صدى صيحاته. كنت أُريد أن أسقط بهذا السفر الذي أعنيه في السفر الذي يعني نفسه بداخلي. الزحافتان يزيد جنونهما والمتزلج يطمئن نفسه قائلاً: "لا بد أن يحفك الموت لتعرف أنك حي".
أنت تقول للمجهول أيها الكلب سأتقدّم ولن أهابك، ويتظاهر هو بأن عضته ستكون من الخلف. فيصبح المجهول الذي أمامك فخاً والذي وراءك قَنّاصاً.
لقد وقفت طويلاً أمام ذلك القرص الورقي الذي يحمل جميع الألوان. وحين يُدار ذلك القرص بسرعة حول محوره تتلاشى ألوانه جميعها في الأبيض. قلت لنفسي لا بُدَّ لي من حركة ما ترسو بي على طبيعة واحدة. وكلما اخترعت حركة ما أكتشف أنني لست قرص الورق. لم أستطع أن أخدع طبائع آدميتي كما خَدَع نيوتن طبائع الأشياء. لم أجد ذلك الأبيض الذي أرسو عليه. فعقدت العزم على العدو والتحَرُّك من الآن وبلا تردد. فربما أجد تلك الحالة التي أخدع بها طبيعتي.
"لن تهرب بك ساقاك بعيداً عن عقلك مهما ركضت"، يحاول عاطف تشتيت عزمي.
"أنا لا أهرب. كل ما في الأمر أنَّ العقل ملقى في الخلاء. فلا بُدّ أنه سيعوي ويلحق بالذئاب"،..
يرجوني عاطف: إذن اجرِ قدر رجليك.
"بل سأجري قدر ما أحلم بالوصول إليه"،..
كان يتملكه إحساس أنه يرثيني: ستنفق يا كمال ليستقبلك قبرٌ عادي. سيبلغه حتى الذين لا يعرفون المشي.
لم أكن أدري ساعتها كيف ينفق الرجل وسط المدنية. ولكنني رجّحت حدوث ذلك إذا توسّط الرجل المدنية وهو يحمل ضياع الصحراء والأدغال في كيانه. بأي حال يا عاطف، أُجيبه: الذي لا يرغب في الجري وحده من سينفق. والقبور العادية للذين يركضون قدر أرجلهم. أما الذين لا يعرفون المشي فهم أصلاً يشغلون قبراً.
"مهما عدوت فستصير موطئ حذاء"، يناكفني هو.
"حينها سألتهم القبر وموته"، أُراهنه أنا.
"إنه الجحيم يا كمال"،..
"الجحيم حيث تنتظر"،..
تركتُه وهو يحاول أن يخترع طريقة يقفل بها فمه. وتوَجَّهت تلقاء بور تسودان بعد أن فشلت في الحصول على تأشيرة إلى أي واحدة من دول أوربا. وصلت مدينة الصدأ والرطوبة منهكاً ومستنفداً. ولكنني أصررت على أن أقضي بعض الوقت بجوار البحر.
في الطريق إلى الساحل صادفتني فتاة بجاوية تركب حماراً، وبينما هي تسير بمحاذاتي أبصر الحمار الذي تركبه أنثاه. فأخذ ينهق بتشهٍّ وعنفوان، ليُعْقِب ذلك بإطلاق جشاءه التحتاني كأفظع ما يكون. واندفنت ملامح الفتاة في وحل بِرْكة من الخجل والوجوم. ما أقوى حقيقية هذا المشهد. الحمار يُخْلص في رغبته لدرجة تعتصر عواطفه حتى تصبحَ ريحاً تخرج من الدبر، والفتاة شعورها يعمل لدرجة أن يحيلها الحرج من الآخر إلى تمثال. زلزلتني صيحة من الداخل... إنها الحقيقة،.. وا ضَلالاه.. لن أترك الحياة إن لم تنبعث مني بهذا الوضوح والصدق والسطوة.
جلست قريباً من ذلك البحر الذي تَعَلَّقت في سمائه غمائم باهتة. قلت في نفسي: "هذا البحر يرقد على أنفاس أن أمشي. سأمشي، سأجتازه. هذا البحر الوقح لن يكون مقبرة توقي للعبور. وهذه الغمائم البالية لن تحجب عني ما أحلم به من فضاء. لن أقبل أن أرى حدود دنياي. سيعجزك أيها البحر أن تغلقني. إن لي إرادة تتفَجَّر من الأعماق كالتي جعلتك تنشق في هذا المكان بالذات.
إنني يا بحر أو أيّاً كنت، أدير نفسي من الشاطئ الآخر. نعم أنت تراني على شاطئك هذا. ولكنه انعكاس لي أنا الذي أقف على شاطئك الآخر. إنه رجل يعتقد بعظمة أنحائه البعيدة. فلا بُدّ أن يكون انعكاسه مهولاً، يسد ما بين شاطئين يرقدان على جنبتي بحر عظيم مثلك. يمكنك أن تغلق الأرض كي لا تهرب من دارة الأرض، أما الإنسان فحكمته تختلف.
إنني رجل تحَوَّل إلى طاقة من جنس الروح ليقطعه بأسرع ما يكون، فهو ههنا فانٍ لا محالة وعليه أن يجتاز عدمه".
غفوت على ذلك الشاطئ رأساً برأس مع البحر، وجنباً بجنب مع الصدف وقحف الملح وفضلات الأعماق والطحالب.
استيقظت وأنا معافى من كل ما يربطني بهذه الأرض. إذ إنّني أتخَلّص من الحب والحنين أو أي عاطفة أخرى تربطني بالعالم، كما أتخلَّص من التعب والإعياء. بضع ساعات من النوم وينتهي الأمـر. كُلُّ شيء وكل أحد في هذا الوجود يمكن تكفينه بهدوء والترَحُّم عليه، ولن يرفع رأسه بعدها أبداً. بضع ساعات من نوم الرجل الأميبي تفني في الدم غَيْرته على الماضي. لا عجب، فالعواطف عنده ضرب من وهن الإنسان.
لقد ضَخَّمني ذلك التحدي للبحر في أعماقي. فهي تبدأ هكذا بشعور أنّك شيء، إلى أن يُصيبك جنون أنّك كل شيء. لا بحر ولا نار ولا تخوم تسد الطريق أمام ما تنويه. ما يُحَيّرني أنني لا أجد في نفسي الأسئلة الميتافيزيقية بقدر ما أجد سؤال الحياة. ورجال الكهنوت هؤلاء الذين يذكرونهم، لا أدري مهمتهم ولو على وجه التقريب. فأنا لست مؤمناً بالميتافيزيقية لأنني لم أنتبه، ولست ملحداً بها لأنني لا أدري كيف أخلق لي موقفاً ثابتاً تجاه قضية معيّنة.
على كلٍّ فقد مكثت في بورتسودان أرقب البواخر والسفن وأفهم حركتها. حتى وجدت الفرصة لأتسَلّل إلى إحدى البواخر المتجهة إلى بلاد الأبيض المتوسط الأوربية. عندما اكتشفوا أمري لم يكن هنالك من سبيل للتخلص مني إلا بإلقائي في البحر.. ولم يفعلوا. فَتّشوا أشيائي فعثروا على أوراقي الثبوتية. حينها صَفَّق القبطان وقهقه بانتصار كأنَّه حَلَّ لغز برمودا. مسح على ذقنه الخشنة بمكر، وليسخر: إذن فأنت لك تفسير، ولست الإنسان اللغز كما تَوَهَّمنا؟
"أتعني أن هذه الأوراق تُفَسِّرني؟"،..
"على الأقل تجعلني أُصَدِّق أشياءَ عنك"،..
"هكذا إذاً؟"،..
"بالنسبة لي هي مسألة أن أُكَذِّبك أو أُصَدِّقك لا غير. أما شرطة الموانئ فلن يشهد لك عندها الثالوث ذاته بدون أوراق"،..
استغلّيت انتشاءه بذلك الانتصار فاختطفت الأوراق من يديه وقذفت بها في البحر. لأحتج في وجهه وأنفاسي حامية ولها دخان كمراكب ابن زياد ساعة حرقها: لست بضاعة لأحمل هذا المنفستو.
يصيح الرجل بتوتر محموم: أيها الأحمق. لِمَ فعلت ذلك؟
"هكذا،.. ليس لأي دعوى أو سبب"،..
يبدو أن ريبته تجاوزت إجابتي وأخذت تتشكك في الحياة نفسها التي تمنح فرصة عيش لأمثالي. يزداد لؤمي: حُدوث الفعل في حد ذاته مبررٌ لحُدوثه.
"جَيّد، ربما هو تفلسف عظيم لك، ولكن ما الذي ستفعله مع شرطة الموانئ؟ إنها لن تعشيك سمكاً على هذه البطولة"،..
أُجيبه بلكنة بحارة متحدية ولا يعنيها وعيد العاصفة: سور المزرعة الذي تتسحَّب من تحته الذئاب لعلوِّه، تقفزه حينما تطاردها الكلاب.
الغريب في الأمر أنه ضحك بعمق وأمرني أن أتبعه إلى صالة على قمة الباخرة. يبدو أنه استلطفني أو استغربني، أو ربما قَرَّر أن يجعلني موضوع تسليته لتلك الليلة. فقد دعاني للعشاء والشراب معه. وفي وسط صفاء الخمر سألني بمودّة ناعسة: ما الذي تريده بالضبط؟
"لا أعرف، ربما أُريد أن أفهم"،..
يقول لي هو بثقة عابثة: تزوّج.. حينها ستفهم كل شيء.
ضحكت أنا بطريقة فيها نكهة مسرات قديمة. ولكن لا يبدو أن ضحكة القبطان كانت تستنزف مخزون ذكرياته المرحة. فقد أضاف بكل جدية بعد أن مسح قطرات الخمر من فوق شاربه الكث. ثم تأمَّل حركة الموج التي تضرب هنا وهناك بعشوائية مرحة وبلا انتظار،..
"صديقي القبطان دانفودي من ساحل العاج. كانت تؤرقه مسألة الحياة وما الحياة هذه، لنقل إنّه مثلك، وأراد اختبار "يفهم" الغامضة هذه. ولكنّه كبحّار منضبط ومواظب تحرّك في الوقت المناسب وتزوّج. فبدت له الحياة مفهومة تماماً. لا مبالاة من قبل الزوجة وتهرب من جانبه هو. وهكذا.. شتيمة منها وسوء أدب منه. بصقة من هذا وركلة من ذاك.. ثم تمضي الأمور"،..
سألته وأنا يرجني الضحك: ولكن تمضي إلى أين؟
"لا يهم، فقبل أن يتزوَّج كانت ستمضي إلى أين؟"،..
تعالت قهقهاتنا وسط البحر ولَفَّنا ضباب الملح. بدا لي أن ذلك القبطان طريف وأكثر في الشراب. ولكن من يدري فربما هذا كل ما تحتاجه الحياة من مؤهلات. لقد فهمت من حديثه أن صديقه بلغ بالسخف آخره، وربما قصد القبطان أن صديقه أسلم أمره لذلك الصاري وبات ينتظر. ولكن تلك قلوب القباطنة التي ترقب صارياً خارجها، ويُصيبها بالصمم أضعف زعيق للريح. أما قلبي أنا ففيه الصاري وعبث الريح. والبحر إن لم يجلس أمامي لجلست أنا أمامه. لا لشيء، إلا لأنني أريد أن أتفَحّص الأشياء من ناحية وجهها المخفي والموارب.
لقد ادَّعى ذلك القبطان أمام شرطة الموانئ بأنني من الشغّيلة الصغار على ظهر الباخرة. سَبَّبتُ له الكثير من المتاعب ولكنه ألقى بي مع تجارته في أوربا. فهبطت أرض أوربا بنظرية أننا –كلنا- قطرٌ واحد في دائرة واحدة، حُرِّكت بسرعة حول محورها، ما يجعل القطر الواحد يشغل فراغ الدائرة كلها بظلاله. فالحركة وحدها التي تجعل لنا ظلالاً كثيرة في ذلك الفراغ. ونحن لا نمتاز بالكثرة والتنوُّع كما نظن.
قلت متآمراً على نفسي: "ستكفر بك إما لأنك منزعج غاية الانزعاج، أو لأنّك لا تعرف الانزعاج مطلقاً. إنها أوروبا في هذه الساعة، والطُعم قد أصبح على رأس الصنارة. لقد أصبح الصيد حتمياً الآن. والذي يقتحم شروره سيكون في وضع أفضل للقتال من الذي تُفاجئه شروره".
تعَلّمت كل ما يجب أن يتعلمه الباحث عن الحياة في جثثها. فهمت أن السرقة ليست مدرسة كما يتوَهَّم سانتينو، بل طوراً نندهش به كطور البلوغ تماماً. تشردت في أوربا حتى لم أجد مكاناً أضع فيه قدمي لأول مرة. عايشت أوربا وهي تقول: "التآكل استعادة بناء الخام. والتفَتُّت تجميع بشكل آخر". في ذات العصر الذي كنا نفتي فيه بأن تلك حَذْلَقة علماء ستفضي بنا إلى أن نبول على كل شيء. يا لغبائي في تلك الأيام، لقد بصقت على وجه أحد العجائز لأنه قال لي: "العلم لا يشرح لنا سوى اللحظات القليلة التي نتخَلَّص فيها من غبائنا الذي حالاً ما يعود. فلسنا أذكياء على كل حال".
ولكنني أفدتُ أن الإنسان لعبة أكبر منه، فإذا ما تَحَاذَق وحاول أن يكون بحجمها، يكتشف أنه تراكمات لأوهام كثيرة وقصيرة القامة، فُخِّخَت لتصيد أوهاماً أكبر وأطول منها.
لقد أعجبني ذلك العجوز الإيطالي الذي صادفني أمام كنيسة داكنة البنيان، وأجراسها تدوّي وتضج كالقطارات ببطن ريف قاحل. أظنه قد لمح زيغ التشرد في عيوني، فقد استدرجني إلى حوار طويل قَرَّبنا من بعض، سألني أثناءه: ما هي غايتك؟
"غايتي!؟"،..
حككت جلدي قليلاً، لا إجابات "تيك أوى take away" معي، بأي حال يا سيدي، أُريد أن أضع فمي على ينابيع الحياة مباشرة. لا أظن أنه يمكن نعتي بالطمع إن رَفَضْتُ الحَلَمات المُقَتِّرة لمص الحياة.
ضحك العجوز بخبث وقور: الشيطان يا ولدي لا يعرض على الإنسان الطمع. بل المشاريع فقط، لأنه يعلم جيداً أن الإنسان أطمع منه.
"أنا لم أخرج من داري قاصداً السوق، لكي أساوم الغرباء بعد ذلك"،..
"وماذا عن الثالوث المقدّس؟"،..
"هؤلاء غرباء أيضاً، كما أنني قادم من أصقاع موحّدين. ولكنني بشكل شخصي أقول إن ثالوثكم هذا فاشل وكفر منكم لا أكثر. لأنّ التشاركية لخلق مُطْلَق تلغي فكرة الإطلاق نفسها".
"وجودي أنت؟"،..
"لا أبداً. لست وجودياً ولا بوهيمياً كما تظن. أنا فقط شخص فاشل في كل شيء"،..
"اسمع يا ولدي كل شيء يؤكِّد معناه في الحياة لينفيه بصورة أعمق. الذي يحفر دون توقف ليميز مكان حفره عن باقي الأرض يُلغي مجهوده بجعل الأرض كلها حفرة. الغناء يبدأ مُشَبَّعاً بالطرب فيخفت ويخفت حتى يصير حنيناً ثم حزيناً وينتهي بالدموع. إن الحياة كلها تنبني على مسيرة بين طرفين في كل شيء. حينما تنفصل تماماً عن أحد الأطراف تتصل به كأمتن ما يكون. فتعال إليّ يا ولدي"،..
سألته بمناسبة كلامه فقط، فلا طمع لي في إجابة منه مطلقاً: ولماذا أجيئك؟
"لأُعَمِّدك.. إن طريقك معنا"،..
"لقد عمّدني الزمن له وانتهى الأمر.. صار طريقي مع الأيام"،..
"إن كنت تفهم خطيئتك يا ولدي، فحسبك هذا من أنك قديس عظيم"،..
"لا أشعر يا سيدي بأنه يوجد أحدٌ خارجي يخنقني بقدر ما أخنق أنا نفسي"،..
لقد أجابني العجوز على عبارتي هذه بإجابة لن تفارق ذاكرتي أبد الدهر. فقد قال لي بصورة حانية ومتوَعِّدة: جهنم ليست حل الله الوحيد.
لاكَ دماغي هذه العبارة طويلاً، يا سيدي أنا فاشل، هنالك خَدَر ما لا أعرفه، أصاب منطقة مني فعزلها بالكامل. أريد تنشيط تلك المنطقة بأي ثمن، أُريدُ امتلاك طاقتي في تلك الجهة المعزولة، حقيقتي.
"الأديان يا ولدي تهدف لما هو فوق الحقيقة. إنها تريد مشيئة الحقيقة، أي التحَكُّم فيها. فالحقيقة بدون مشيئتها لا تجعل مِنّا حَقِّين"،..
تأملت وجهه بفتور كان يعينني عليه تهور الصبا: الكل يا سيدي يُخفي البارود تحت قُبّعته ويُميلها ناحية جبهة الصلاة.
تسكعت في أوربا حتى شعرت وكأنني قائد دَكَّته معركة فاصلة، وانهزم من حوله جنوده كلهم.
ولما أخذ يصيح ليشيع فيهم روح الحماسة لم يجد إلا حصانه من تحته. فبلغتُ أمريكا وهي حانة أقاموها على ذيل مُذَنَّب يشق أبراج السماء. كنت أتساءل: ما الذي ليس بوسعك أن تفعله هنا؟
إنهم يفعلون أي شيء يريدونه وبكل برود جريء. ويقولون كل ما يودون قوله بكل عفوية فَجَّة. لقد أدهشني صدقهم. كنت أستمع إلى محطة إذاعية تُجري حواراً مع روائي من أمريكا الأخرى، اللاتينية. سألوه باللؤم كله: كيف صنعت عبقريتك؟
أجاب ببساطة تُعَبِّر عن الصدق مباشرة: عبقريتي!؟ أوه، كان لا بد أن أكون عبقرياً. وما العبقرية سوى أنها واجب؟ لقد وُلِدتُ في طبقة يُفقرها الرب ويتعنصر ضدها البشر. وطني يقص لي الأقاصيص ريثما أموت. وقبحي الشخصي على استعداد لأن يربك عِدّة أشخاص.
ربما شَدَّني حديث هذا اللاتيني لأنه صلة الرحم بين أمريكا اللاتينية وإفريقيا المتوحشة. وكلمتا اللاتينية والمتوحشة في هذا التناظر كلتاهما تعنيان الوصول إلى مرحلة لبس السراويل من تطور الإنسان.
وأيضاً سحرني بحثهم عن العمق. فقد تناولت أحد كتب الفيزياء النظرية فوجدت أن صاحبه كتب عليه تأليف... وأعقب ذلك بنقاط وليس باسمه. ووضع أسفل تلك النقاط بصمته ليُعَلِّق موضحاً: "إنها الشيء الوحيد الذي يُعَبِّر عن الذات موضوعياً".
وأيضاً أدرت مفتاح التلفاز في أحد الأندية ذات مرة، لأجد إحدى وكالاتهم التلفزيونية تستضيف شاعراً هي أكثر من بادله العداوة في العالم. فقط لأنه قذر الهيئة والأسلوب ولا يهتم بمظهره كما تَدّعي الوكالة. وجّهوا إليه الكثير من الأسئلة السمجة التي تتعَقّب الإنسان حتى ملابسه الداخلية. لينتقم منهم هو بسلاطة لسانه: إنّ كل ما آسف عليه أنني لم أحضر معي منشفتي وحوض الغسيل الخاص بي، كي أستحم في أستوديهاتكم النظيفة هذه. فإنها لن تخدم الإنسان بأكثر من ذلك. كما أنني سأكون قد حَقَّقت رغبتكم التاريخية في أن أكون نظيفاً.
لم أكن أتخيل أنه سيكمل حديثه، بل توقعت أن يُوقفوا البث فوراً. ولكن لا شيء من ذلك حدث في ذلك العالم الحر. فالمذيعة ما زالت تُلاحقه بالصابون وهو يؤكِّد على أنها ليست أنظف من جدودها فلا يبدو مهماً أن تُعاصر تطور صناعة الصابون.
قلت لنفسي: "إنها الوقاحة التي تفرض الخصوصية ومن ثم الابتكار".
إنها بلاد الرجل الذي لا يحيا بين الآن والتالي، وإنما بين التالي والتالي. ونحن ما نزال نعتقد بأن الحلم قرارة النوم. والصحيح أن العين لا تنام إلا إذا خلت من الحلم. يكفينا في هذه الحياة أن نستيقظ لنشرب الشاي، ثم ننهض من على الأرض وننفض ثيابنا، فلن تسقط الجاذبية الأرضية من طَيّاتها بأي حال. هذه الجاذبية الضد التحليق، لا بد أنهم سيخضعونها ذات يوم ويجعلونها وقوداً للتحليق.
وليكتفِ عباقرتنا بابتكار مقولة أن التخَلُّف لا يُسقط المدنية لأنه مرحلة ما قبل المدنية.. وأنت لن تتعثر إلا فيما هو أمامك. ومدنية الغرب سيهلكها كبرياؤها الذي هو أمامها. ربما هذا صحيح،.. ولكن الرجل الأميبي والكون الأميبي احتفلا ببعضهما. تضاد الكيان الواحد، وسواحل تتسكّع في منتصف البحر. والإرادة الإنسانية كما تشتهي نفسها، لا كما تشتهيها الكتب السماوية والمحاذير.
الجنون هنا يتقافز في الهواء كما تتقافز اللعب النارية. الناس يصدمون بسياراتهم الجسور. ويُلقون بعود الثقاب في مخزن الغَلَّة الوحيد الذي يملكونه. ويتناسون إغلاق أنبوبة الغاز في المطبخ كي تحرق المنزل. كل ذلك يتم عن عمد والذي فوقه أنهم يكسبون.
فكسب المال أصبح ليس بالعمل، ليس بالبناء، وإنما بإحلال اللعنة. لا تعجب. فالسبب هو شركات التأمين. حتى الموت أصبح لعبة برجوازية وGame Boy طفولي بوسعهم أن يُدخلوا عليه شيطان الربح والعبث. الموت الأشهر شيء في الدنيا، والذي عَنَى لزمن طويل احتمال خسارة فقط، هاهو بلا مقاومة يقبل احتمال الربح. وربما يمضي الزمن ليجعله يقبل احتمالات أكثر من ذلك. إنها سياسات البرجوازيين التي إن حكمت عليك بالإعدام فلن تسلَّ روحك إلا بدولار. فلا عجب أن يمر أحد بائعي استمارات التأمين بفلاحة اختلطت بمعولها منذ أمد بعيد فلا تعرف أيهما يصفع الأرض، ليسخر من تلك الفلاحة. أو في الحقيقة ليكون عملياً حينما يسألها: أليس زوجك يملك ورقة مثل هذه؟
"بلى نملك واحدة"،..
"إذن لماذا الشقاء؟ ألا ترين أن رقعة الأرض أوسع من سِنَّة فأسك بكثير؟ أوه يا إلهي! لدرجة أنها لا تساوي شيئاً إذا قُورنت بها"،..
تلاحظ المسكينة لتوِّها: "هذا صحيح".
"إذن لماذا لا تربحين قوتك هذا العام بضربة فأس واحدة"،..
لم تتعَجَّب المرأة البسيطة لظنها أن المتعلمين يملكون طرقاً سحرية لحل مشاكلهم. بل توسَّلته ببراءة: كيف ذلك؟
"ليس صعباً يا عزيزتي. فقط اهوي بهذه الفأس على رأس زوجك"،..
وقد قصد ذلك الرجل بالفعل أن يعوضها تعويضاً ضخماً كي يخلق دعاية أضخم لشركته وسحره عند أولئك البسطاء. فالعصر عصر لا تستسلم، فلن تعد لك الأرض كفناً من الرضا، ولن تُسبّحك العزلة بالسكون المبثوث.
قاوم، واحرق، ووَزِّع معاناتك الشخصية على الآخرين بقدر ما تستطيع. وانبت كشجر للرماد في ذات الصخر الذي تهَشَّمت عليه. إنها حرب الشيطان فيها مع الجميع والله فيها ضد الجميع.
اجتهدت لأقول: إن الإنسان لا يُمَثِّل في الواقع ولكن عيشه المفروض عليه هو الذي يتم كدور في مسرحية.
لقد توثّقت من أنَّ الإنسان يعيش في سلام حينما يكون عمقه انعكاساً لسطحه. أما إن كان سطحه انعكاساً لعمقه فذلك يعني أنه فتح نفسه محلاً حربياً في شارع للمعارك. وعليه أن يُتقن حفر الخنادق وإلقاء قنابل اليد. فليس ثمة رسائل معجبين من قِبَل الآخرين. وليس إلا الأسئلة التي تُلقي بنفسها كهاوية ذَرّية تنحدر حتى الانفجار من قِبَل الذات.
كل ذلك والرجل الأميبي يخون حتى معناه، ويستهتر حتى بالموت حين يرسل إلى القبر بدل نعشه صندوقاً حُزِمت فيه ضَحْكَة ممتلئة البطن ولها دبر خنزير. وما تزال الريح تعدو خلفه كرغبة أنثى نزقة وعيناها تشدان كذراعي بحار، تُمسكان بحبل الصاري جيداً حين ترتمي عتمة الريح وصبيب الموج في صدره، وليس أمامه سوى موت الخوف والبرد.
لقد فقدتُ دفئاً حقيقياً، من نوع الدفء الذي ينبعث والوعاء ما يزال على علاقة بمصدر التدفئة. لا يشبه على الإطلاق دفء ما وضعناه في حافظة. فأنت قطعاً إذا شربته ستميّز طعم التصبير الذي ألمّ به. آه.. أو طعم الدفء المفتعل والمطبوخ. لذلك ارتميت إلى داخلي كي أناقشني بمنطق إلهام روحي رياضي مُتَعَمِّق. أفتاني بأنَّ التفكير المُجَرَّد بلادة التفكير الخلاق. وأنّ الجنون برود العقل لا التهابه. وأنّ الحضارات تُكمل بعضها بعضاً من أجل معناها، وتهدم بعضها بعضاً من أجل قيمتها. وأنّ كل شيء يتضح ليكون أكثر إبهاماً. وأنّ لا شيء ولا أحد له رأي أو حالة واحدة. وأنا شخصياً لست متحققاً إن كنت من ذوات النفس الواحدة أم لا.
لقد صرتُ مستوطنة لحالة غريبة من الشك. فلا شيء يبقى عندي ليوم واحد كموضوعة إيمان مقبولة أبداً. كتبت:
هنا وحدك.. في بحر العزلة
تخوضان بلا تأنيب، أنت والتيّار
وتتعَثّران على الموج، أنت والريح
الشك قرحة دماغك المريض
ولا حانة تُبلغك آخر الليل
بلا وهم
هنا في قلبك الشك
جشاء النار
ليت لك بصيرة من حَتْم
غاية ما هو شوفك الشكوك
تجد نفسك دلواً فارغاً
كالذين انتشلوا أنفسهم من المرايا
فالتطابق كان... خارج أوجه الشبه
وداخل كل ما هو محدود
إن بطن الأرض لا تضجر منا
غداً يحتفل شكنا والدود
فليس لنا مهمة
أكثر من ثلاجة للشكوك
تفلسفت كثيراً لصوفيا، قبل أن أقرأ عليها قصتي التي قمت فيها بتطوير قصة تلك القاطرة، وجعلها قصة بالغة. حكيت لها أن الفيلسوف يمشي مزدحماً بكيان المدينة الفاضلة، أما الشاعر فتلوح المدينة الفاضلة مزدحمة به. أفتيتها بأن الشعر في المسرح والرواية تهيؤ له فقط. وأن الرواية منطقها الوحيد أنها رواية، ويجب أن نخرج بها من لونية الروايات التي تحدثنا عن آل فلان وبني علان. فالشخص قد أصبح بمفرده آل. كما أن سينما المؤلف هَمُّها خلق دنيا كل إنسان فيها عاصمة لبلاد الإنسان.
والمسرح ليس بوفيه ليستوجب علينا أن نخلق له الزبائن. والممثل ليس طبنجة لتفريغ النص في رأس الجماهير. بل هو خلوة شخصية الدور لحظة سرها. والمطلوب منه القبض على ضلالات الشخوص كما تقبض الشخوص على ضلالاتها حينما تختلي بنفسها، فلا بُدّ له من التنقيب في أرضية النص والتنجيم في سمائه، ليكتشف مع الجماهير وينسحر معها.
طمعت في أن أقول الكثير من نوع هذه المقولات التي تملؤني بحيوية العجائز، وتمنحني إيماناً كالنزوة، ليس مرهوناً بشيء مُحَدّد أؤمن به. ولكن صوفيا تضجرت، فقد كانت ترغب في معرفة ما فعلته بتلك القصة المسكينة. تناولت أوراق القصة الممزقة بعد أن طلبت مني صوفيا ذلك، ليس شفاهةً، ولكن بكثرة تململها وفشلها في العثور على مكان تجلس فيه على كرسيها. تأمَّلت بعض الوجوه الفخمة للجالسين في النادي الليلي ثم قرأت،..
تجمهر أهالي بلدة كمون Come on ذات صباح حول ملصق على آلة عجيبة. اخترعها رجل مهووس واختفى بدون مبررات. الناس يتصايحون ويُلقون الأسئلة على بعضهم عن كيفية عمل الآلة وعن التوقعات المحتملة في حالة امتطائها. كان الكل يمتلك كراسة من الأسئلة وليس ثمة إجابة واحدة بحوزة أحد.
المفتش ترَبّع على مكتبه يلقي أسئلته على الفورمان الذي كان يقف أمام مكتب المفتش حانياً رأسه في إطراقة غليظة ومستنداً بساعديه على طاولة المكتب. وقد انتقل توتره إلى ركبتيه فثناهما باتجاه المكتب لتستندا عليه أيضاً. لم يكن يبدو أنه يمتلك إجابة، ما شَجَّع جاكوب الساخر لينادي في رفاقه،..
"المفتش ينتظر إجابة من الفورمان يا للأبله. انظروا إلى الفورمان الذي عليه أن يجيب. إن وقفته بتلك الانحناءة من أعلى والانثناءة عند المنتصف طبق شكل علامة السؤال. لقد صاغه لغز هذه القاطرة سؤالاً من ابن آدم".
امتطى الضحك أفواه الجميع. فقد كان جاكوب من النوع الذي إذا لقيه أحد الناس من أمثال غاليلو وذكر له بأن الأرض بيضاوية الشكل. فسيرد عليه جاكوب بأنه لا بد نظر بالتلسكوب أسفل دجاجته. لم يتوقفوا عن الضحك إلا عندما بدأ الفورمان يتمتم: إنه الرجل المخترع الذي يدعونه... آه ماذا؟ لا أتذكر. الرجل الذي يتعاون مع المصلحة في تحديث القاطرات. هو الذي أتى بهذه البهيمة وذكر بأنه سيأتي لتجربتها بنفسه.
صمت الفورمان قليلاً ليهرش رأسه، يلمح الملصق: أوه، هو الذي ثَبَّت عليها ذلك الملصق يا سيدي.
احتاج المفتش لأن يثبت نظارته كي يقرأ الملصق من مكانه، يدمدم، أي ملصق، نعم نعم، "انتبه! فإن سرعة هذه القاطرة فلكية وليس لها كابح".
همهم المفتش كأنه فهم كل شيء من ذلك الكلام المُفَكَّك، وقال وهو يدفع بطنه المقوسة أمامه كأنه سيزيح بها حُشرية الناس عن طريقه: لا بأس، مادام هي إحدى ابتكارات عالمنا الجليل. فلينصرف الناس بحقيقة أن العالم رجل مجتهد ومثابر. كما أنه لا يمانع في المبالغات والادعاءات الغامضة ما كانت الظروف مواتية. وسواء أتى بهذه البدعة أم لم يأت فقد كنا ننوي تكريمه.
انصرف الناس وهم يروون آلاف القصص عن معجزات ذلك العالم العبقري. والذي هم في الحقيقة لم يسمعوا اسمه حتى في هذا اليوم. لقد كان نهراً جَدَّد حياة أهل "كمون" وكُلٌّ اغتسل على طريقته.
أحد الشبان كان قد وصل لتوِّه يحمل جراب آلة موسيقية في يده. إنه سيلفستر الشاعر والمغني المغمور تحت درجة الصفر. وإنها نفس مشيته التي تحلم بأن تسبح في أضواء كاميرات التصوير وأن تتعَثّر في تصفيق الجمهور. صاح في ريتا المغنية المشهورة مثله،..
"إنّ أهل "كمون" يتطلعون خارج محفظات نقودهم، ماذا يجري؟"،..
تبادله ريتا السؤال: أين كنت أيها الكائن العقيم؟ هَلُمَّ سأحكي لك في المنزل.
أينعت الحكاية في سيلفستر بمغامرة فاكهة ما، فانسجمت تلك النظرة التي غَطّت عينيه مع غرفته التي هي أشبه بالاستديو. أخرج جيتاره بزهوٍ أربك أنامله وتحَدّث إليه بهمس يُرجى منه نقل الانفعال قبل الكلام. يخاطب جيتاره: منذ أمد بعيد يا جيتاري وأنت تعاني من لوثة أن لا تكتشف ما هو أمامك من بصيرة الغناء. دعه إذن واكتشف ما أمام ذلك الوحش الآلي فالرجل هنا امتداد لموتور سيارته.
لحقت به ريتا وشهدت تلك المغازلة للجيتار. ثم سهر شبحاهما في تلك الغرفة مخنوقة الإضاءة حتى الصباح. ليُعِدّا معجزة تستفز "كمون" العاطلة عن إدراك الرحيل الذي يحفها. في الصباح التالي كان سيلفستر ومعه ريتا يغنيان هذا المقطع بقرب الآلة العجيبة،..
المحطّات عكازة أعمى
ولن تفيد إلا المشي الضرير
فلنمت إلى الأمام إذن
فلنسِرْ
فلا شيء يعني ذاته
دون أن يكون
تجمهرت كل المدينة بقرب الآلة كي تستمع ولم تفلح محاولات الفورمان والمفتش وحتى الشرطة في تفريق الجموع. فقد استسلموا أو رحلوا في ترديد ذلك المقطع الذي كان يؤديه الثنائي الشهير منذ تلك الحادثة.
أحد الحضور وصف ذلك الغناء بأنه يشبه أعراض الحمل عند البقر، وإن أضاف: لكنه مدهش للغاية.
أمّن من كان بقربه على تعليق الرجل. فقد أدَّى سيلفستر وريتا جعاراً مدهشاً بكل ما فيه من تمَرُّغ وحنين وانجذاب. كَفَّ الثنائي عن الغناء واتجها ناحية الآلة الشيطانية وبكل يسر قفزا إلى داخلها.
أخذ الناس يتدافعون من خلفهم وكُلٌّ يحاول أن يُخفي أنفه من رائحة الآخر حتى يجد له مقعداً داخل الآلة ذات الرائحة العطرة والحالمة. أحدهم همهم مخاطباً رفيقه: ماذا أيها الرجل البارد؟
"أشعر بأنه يعضني كلب"،..
يردّ البادئ منهما: إني لأرثي لذلك الكلب الذي سيسعر.
تضجر أحد المتزاحمين من سلوك متزاحم آخر،..
"إنك تركلني على قفاي يا هذا!"،..
ليتعجّب منه رفيقه: بل قل إني أساعدك في المضي إلى الأمام. إنها خدمة يا رجل ويجب أن تشكرني عليها.
حينما امتلأت الآلة أغلقت أبوابها بنفسها وتَحَرّكت ببطء لتقف عند مفترق الخط الحديدي القديم والخط المرسوم للآلات الحديثة. ثم أضاءت إشارة بيان صغيرة وحمراء في شكل أسهم الاتجاه، كأنّها تُخَيّرهم. وكان بعضهم قد تذَمّر وبدأ يحتج على بطئها ويرمي العالم بالدجل. ولكنهم بعد وقوفها صمتوا إذ فهموا أنها تُريد أن تحدد وجهتها فحسب.
صاح الجميع: القديم.. القديم.
وأضاف بعضهم أن خط القاطرات الحديثة مكتظ بالقاطرات والناقلات المخيفة ويمر عبر أنفاق ومَطَبّات ويقفز فوق أودية. فلا بد أنه خطر. وبعد أن أكملوا تمنياتهم بالسلامة انطلقت تلك البهيمة كما أسماها الفورمان كشهاب من نار السماء في خط الناقلات الحديثة. وغرقوا هم في نشوى الرحيل يُرَدّدون المقطع خلف سيلفستر وريتا بصوت ملتهب ومصادم.
في تلك اللحظة استطاع الفورمان والمفتش أن ينسلا من تحت أقدام الناس الذين كانوا قبل انطلاق الآلة يحاولون اقتحامها للمشاركة في سطوة ذلك الصباح ولكنهم فشلوا. تساءل الفورمان: أين القاطرة؟ يا إلهي لقد اختفت حتى قبل أن تنطلق. يا للمقطع الملعون، إنّه يرحل بنصف المدينة، لا بُدّ أنه كان سيرحل بالعالم كله لو أنهما أكملا الأغنية.
أجابه المفتش بينما هو يحاول أن يضع البوريه على رأسه،..
"وما أدراك أيها الأبله بأن مقطع الشيطان ذلك لا ينمو؟"،..
لم تظهر تلك الآلة العجيبة في الوجود مرة أخرى، ولم يعد أيُّ أحد ممن انحشروا بداخلها. ولكن بعض سكان الريف المتاخمين للخط الحديدي في أنحاء كثيرة ومُتَفرِّقة يربطها ذلك الخط، ذكروا بأنهم أحياناً يسمعون كلمة أو كلمتين على الأكثر من ذلك المقطع يؤديها نفرٌ كثيرون بصوت ملتهب. ثم تختفي تلك الهمهمة الجبارة في البعيد. آخر الأخبار تُؤَكِّد أن رجلاً أقسم على إنّه سمع جملة تامة تقول:
داخلك نهبٌ لهذا الحنين
فانهض أمام القافلة
والفظ ظل جسدك كمَدّ بحر
سمعها تأتي من اتجاه الخط الحديدي وبصوت سيلفستر وريتا. وقد كَذَّبه الناس لأنها لم تكن في المقطع).
عندما فرغت من قراءة القصة وقفت لبرهة أتأمل أبعاد قصتي في أبعاد صوفيا. لاحَت لي نقطة في مدى عينيها ذات مفترق الخط الحديدي. وما خلف اللون الذهبي في شعرها ترامى وترامى كذاك الريف الذي تاخم الهمهمة جبارة المجهول. عندما جَذَبَت صوفيا أنفاسها قبل أن تُطلقها مرة أخرى مع تنهيدة حَارَّة ومتعاطفة انهدّ فيها تماسك أنها ليست مغزوّة بهلوسة حنين ما.
سألتها بما تبَقَّى في صوتي من الانفعال الشعري الذي ألقيتُ به المقطع: ما رأيك يا صوفيا؟
"هذا جنون رائع".
"بل جنون انكشفت به أهم مواطن الروعة. كالمواطن التي تتكَشَّف من امرأة فاتنة أثناء ركضها تحت المطر". ينحدر بي الصمت، وقبل بلوغ قاعه أقول، والذي فوق ذلك يا صوفيا، يظل الجنون ليس حقيقة ذات ثوابت، بل مكيالاً بشرياً يمتلكه الجميع، ما يُخَوّلهم جميعاً حق أن يكيلوا به. والأمور تمضي على هذا النحو والعَرَج حتى تتعثّر في القيامة.
"ذلك أفضل من لو أنها تعَثّرت في العصر الحجري، أم ماذا"، تريدُ صوفيا طمأنينةَ هذه النقطة بالذات، ولكني أُجيبها: هااه، لقد أعربوا التاريخ كجملة غير مفيدة. لكم وددت أن أعيد كتابة التاريخ لأقول: "إن التاريخ ليس نافذة تطل على أصقاع الماضي. بل مخاوف تدفع بنا إلى الأمام". كنت سأحذف منه كل القصص، وأثبت ما بلغني منه بدراسة شخصيتي ولغتي.
"ليصبح التاريخ ماذا؟"،..
"ليصبح باختصار أنا"،..
إن الدنيا تعيشنا ولا نعيشها.. أناس كثيرون يمرون من هناك ومن هنا بظلالهم فقط. فالناس في هذه الدنيا لم يعبروا بذواتهم قط. الأشباح الآدمية تمضي يومياً وفي جلبة لأكل الموت، لبصق الموت ولبول الموت. وأنا ما أزال عند ملامحي كأي رجل مجهول.. يُرَكّز في مشيته ويسبق خطواته كثيراً. نادراً ما أخرج من معطف ذاتي، فرداءة الطقس الإنساني المستحكمة ما كانت لتعجبني.
هل صحيح يا ترى الذي تَدّعيه صوفيا من أنه بإمكاني أن أغدو خلاقاً لا بأس به بدل ذلك المتحرّر المخادع، إن اعتمدت على موهبتي في الكتابة؟ لا أظنني أوافقها. فأنا لا أملك ذلك الإلحاح الذي يدفع الخلاقين لأن يكونوا ويميزوا أنفسهم عن بعضهم بعضاً.
ولكن رغماً عن ذلك يَظَلُّ من الحقائق الطريفة أن نتَكَسّب أنا وصوفيا أحياناً كثيرة من عوائد بعض كتاباتي التي تنشرها صوفيا بطريقتها الخاصة تحقيقاً لرغبتها في ذلك، وباسمها هي تنفيذاً لشروطي حول ذلك. وأيضاً من الطريف للغاية أن تُثير تلك الكتابات هرجاً يشبهها. ليقوم المعجبون بعد ذلك بالتوَدّد إلى صوفيا والتمَسُّح بكاتبتهم المفضّلة. كنا نضحك كثيراً ونُسَرُّ بالنقود أكثر. في إحدى المرات التي ناقشتني فيها صوفيا بذات الإلحاح الذي كنت محتاجاً إليه لأنجح في الكتابة، وكان النقاش حوله أيضاً. تغدو صوفيا أكثر حلاوة حينما تقول شيئاً بطريقة طفل يطالب بدمية: الذي يسمح لنفسه بأن يمتطي ظهرك لن تحتاج إلى مبادئ كي تنزله. يجب أن تفكر في الكتابة بجد وأن تكف عن تمثيل كونك رجلاً أبله.
أُلاججها بلسان أدخره للمراوغة: للبَلَه دور عظيم في الحياة. والبلهاء إن لم يكونوا قادرين على إثبات أنهم أذكياء، فإن وجودهم في الحياة على الأقل، يكون الدليل على أن الأذكياء ليسوا هم البلهاء.
تناومتُ عن الجدية التي طَرَحتها صوفيا بيقين أنها تحبني. فالرجل الأميبي نومه مواربٌ كالباب، ويقظته ضَلَّت إلى الداخل. تُطالبني هي، أرجو أن تكون جَادَّاً معي يا كمال. أنا لا أتهمك بعدم الأمانة وإنما بالتقصير. إلى متى تحب أن تتباكَى عليك؟ ليس هنالك أدنى موهبة في أن تبقى الرجل الذي لا يعترف بشيء وهو نكرة لا يعرفه أحد ليعترف به أو ينكره.
"أنا لست مهموماً بفكرة التحَقُّق من الرجل الذي يجيد الكذب في المجلات والصحف. وإنما بفكرة التحَقُّق من الرجل المكذوب في قاعه. إن الإنسان أصبح مشكلة، وحتى مشكلة هذه فإنه لم يصبح مشكلة محترمة. فهنالك دهليز بداخلنا لا نشعر به ينمو فيه رجل كنبات الظل...
تقاطعني: يبدو أن رأسك بدل أن يوضع فيه عقل تغَوَّط فيه خنزير.
وأجدها فرصة لتطويل المناورة أكثر،..
إنَّ عملية وضع العقل في الرأس نفسها تغَوُّطٌ يرد للخنزير كرامته المهدرة. لقد كانت إضافته كإضافة الكابح للقاطرة. إذ كان الإنسان في الماضي كائناً غيبياً جباراً ومطوَّلاً، والعقل جاء كدخيل في مرحلة ما ليلخصه أو ليغشّه. وذلك سبب أن يمتلك بعضنا هامش مقدرات فوق العادية، فربما هم لم يتخلّصوا من بقايا ذلك الكائن القديم كلية. أو ربما أن تكوينهم اهتدى إلى جذوره فرغب في العودة ولكنه لم يتقن ذلك جيداً بعد. إن العقل في اعتقادي لم يأت إلا لكي يجعل الإنسان كائناً متواضعاً. فإن تلك التنزُّلات التي تفاجئنا أحياناً نادرة هي بلا شك مُخَلّفات كائن أسطوري. ويمكننا أن نقول ولو إلى حين إنّ الإنسان أسطورة أفسدها العقل. وما أقوله ليس ردة عن التطور، وإنما هو نبشٌ لآليات التطور العملاق.
حاولت صوفيا أن تُطيل النقاش أكثر من ذلك، وحاولت أنا أن أُنهيه من جانبي. فقد كنت مرهقاً وملتصقاً بها. قلت لها محاولاً تقليد لهجة ديكتاتور إفريقي: الذي يستطيع أن يقنع مسدسي بلسانه فليجادل.
تتوتَّر ابتسامة صوفيا في فمها: ولكن البندقية ليست حلاً.
لقد حَدّدتُ موقفي من الجدل. إن أضفت كلمة أخرى فسأعتبر أن محاولة الإقناع قد بدأت. ولن أُجيبك إلا بسحب مؤمِّن سلاحي.
ضحكنا معاً وبإهمال. فقد كنا نصل إلى هذه النقطة كثيراً ولا شيء يطرأ على علاقتنا. فحينما يختلف شخصان حول القيمة التي يرجوها كُلٌّ منهما للآخر فسيظلان صديقين إلى الأبد. أما إذا اختلفا حول القيمة التي يرجوها كُلُّ واحد منهما لنفسه فسيصبحان عدوَّيْن في الحال.
قَرَّبتُها إلى أنفاسي بذاك التوقع المعروف والذي يُربك رغماً عن معرفته. كتقريبك عود ثقاب إلى شمعة مضيئة بإرادتك وتعجز عن احتواء الرعشة الخفيفة التي تجتاح يدك حينما يشتعل العود.
ألقت بي أنفاس صوفيا في ذكرى تلك التجربة التي لا مثيل لها في حياتي. إذ إنّ كل الجنس الذي خبرتُه في تجوالي انحصر لي في أنه صلب يمتد لي من أمامي ويحتوي على دفء شخص ما، فأقضي فيه حاجتي ثم أدفعه إلى أمامي مَرّة أخرى. ليس تمسكاً به، ولكن احتياطاً له.
المرة الوحيدة التي أقنعتني بأن الجنس جزء من الأمام الذي يُغريني. وحَقَّقَتْ لي بعد شعور أنني وجدت الخط المستقيم، ضربة الفأس التي تهوي بها قوة خفية فتحذف صلبي الذي يؤخرني، هي تلك المرة التي لم أفهمني فيها إلا ونحن كوحشين يتصارعان على الحشائش المبتلة في مجاهيل غابة نائية لا أُنس فيها سوى العواء. صلب الوحش العاتي واندفاعته إلى أسفل مع استقامتها، تُوحي بأنّ الوحش سينغرس كله لا عضو منه فحسب في مهبل الغابة ويخطئ الأنثى. وتبدو الأنثى من كثرة ما تصدره من حركات مقاومة في اتجاهه كأنها نسيت أنه ذَكَر، وأصبحت كمن يتصدّى لثقل السماء التي انهدَّت عليه.
كان ذلك على متن أحد القطارات المتجهة إلى تكساس. الجو صحوٌ ولا يُفسده إلا كثرة حركة الناس وصياحهم. والضجة التي يُثيرها عادة الأشخاص المسافرون لأوَّل مرة. يمكنك في ذلك الصخب والإزعاج أن تفقد أحداً أو محفظتك. أما أن تَحْظَى بامرأة مع كامل خلوتها! فذلك أمر سينكره من يملك أدنى فكرة عن المعقول. ولكن هذا معقول زمانٍ وَلّى. كما أنني رجل يريد أن يمشي رحباً بلا طريق. فالمحطة لا تختلف عندي عن مكمن أشجار بغابة مجهولة في شيء.
تفَحّصت المركبات باهتمام من لا تذكرة له، وانحشرت في واحدة تخص المهمين. فالمهم الذي بدون تذكرة، لا يساوي نظيره من غير المهمين. فتحت كتاباً كنت أحمله معي وانهمكت في مطالعة نظيفة، فأنا عادة تتخلل رؤيتي ما يراه الغير. سمعت صوت فتى وفتاة يدخلان إلى المركبة ويجلسان بعد أن أصدرا أصوات تعثر خافتة، ولكني لم أعرهما انتباهي. حينما أعلن المضيفون ابتداء الرحلة عبر مُكَبّرات الصوت سمعت خطوات أحدهما يغادر القطار، بعد أن تبادلا كلمات الوداع التي يتبادل فيها الناس منذ نشوء الكون ولا يرحلون. لم أكن أدري أيهما قد نزل وما كان يهمني. كانا خلفي مباشرة أو في الحقيقة أنا لم أنتبه لهما، وإلا لكان في مقدوري أن أحدّد أيهما قد نزل. ولو لم تحدث لي تلك التجربة الخاصة مع الفتاة لما تذكرت شيئاً من هذا الذي أحكيه بالمرّة.
انهمكت في مطالعتي لفترة غير قصيرة ثم وضعت كتابي لأشعل سيجاراً. لقد أحدثت قداحتي صوتاً لا يمكن اعتباره دوياً فحسب بل كأنما تقَمَّصتها روح شريرة. صاحت الفتاة من خلفي بذعر: ما الذي هناك؟
"الذي هناك رجل يشعل سيجاراً".
كانت قد ملأتني روح شجار عاصفة، ما جعل الكلمات تخرج من فمي في مظاهرات صبيانية.
فسؤالها بتلك الطريقة واللهجة يوحي وكأنّ ذلك الذي هناك لا يمكن تمييزه عن بقية كراسي المركبة. أجابت بعد أن رمقتني بنظرات تختلس مرحاً حزيناً: أوه إني لا أراك.
ولأنني كنت متعجلاً للشجار -ذلك لم أعرفه عني إلا في تلك الحادثة- فقد اندفعت،..
"عاطفة عينيك لا تهمني في شيء مادمت أقف أمامك مباشرة"،..
كنت أقف أمامها كشيطان من غضب. فقد ازداد حنقي وأخذ دمي يغلي ويدخّن كاللافا. لافا حامية تقطر من لا مبالاة الصخر ورعونته. قالت لي معتذرة وبصوت خافق كجناح طائر في الحلكة: أنا أقصد أنني كفيفة. لذلك لم أدر أنَّ أحداً يشاركني المركبة. كما أنني لم أسمع أيَّ صوتٍ أو حركة لكل هذه الفترة. ولكن ألا توافقني أن صوت القداحة كان هائلاً؟
لقد انخمدت كجمرة أُلقيت في ماء. ثم تملكني ذهول يشبه نسيان الهدف الغريزي. وإحساس أن عليك أن تحمل مع الآخرين عاهاتهم وخطاياهم. وتمنِّي لو أنه لم يكن هنالك هدف غريزي من أساسه، ولو أنك لم تذهب إلى هناك ولم تكن أنت بالتحديد. ما أحسست به تجاوز تخوم المواقف ولاح كحياة كاملة ورغدة التفاعلات. تُطابق في محتواها أن تبلغ فناء حديقتك ليلاً، بعد سهرة بيرة خالدة، والبول يكاد يشق مثانتك. فتجد هنالك جثة قتيل مرمية في الفناء. لم أعِ نفسي إلا وأنا بجانبها وقد مددت يدي لها بكل تلك الفوضويات لأُرَبّت على كتفها، آخيتُها كنهشة برق يشق سماء احتضانه،..
"لا عليك. إن كنت تصدقين أنها فتيلة القداحة. فأنا لا أنكر تآمرها علينا"،..
قلت لنفسي: هاأنت ذا اعتذرت! مالك إذن؟ عُد إلى موقعك.
ولكن فوضويات أخرى تمَلّكتني إذ أحسست بأني مَرَّرت يدي على أورغ حين رَبّتُ على كتفها.
شعرت بنفسي كمُطارَد جريح اقتحم بيتاً منعزلاً، فلا بُدّ له أن يحمي نفسه من أهل البيت كما يحتمي بهم تماماً.
ري، دو، رويداً رويداً،.. ثم أخذت تنتقل إلى الأورغ رهبة الكنائس الغابرة ووحشية التدين القديم. تأمَّلت عينيها الزرقاوين كسماء بلادي، ويدي ما تزال على كتفها تشفط بقوة وخدر في نفس الوقت، حيوات تلك الفتاة المشبوبة كالجحيم جمالاً. انتشيت.. فالجمرة التي تُلقى في ماء كنت قد نسيت أنها تشفط الماء بقوة الرغبة في الحياة والديمومة. فهي تكافح فجأة لأنها تكتشف فجأة أنها حَيَّة. حتى إنني صدقت إحساس ساعتئذ في أنك:
حينما لا تعني شيئاً يعنيك كل شيء
حينما لا تقصد شيئاً تقصد كل شيء
حينما لا تُفَكّر في شيء يُفَكّر فيك كل شيء
لقد وجدت اللغة والعقل من هذه الناحية مُمتعيْن وطَيّعين. لدرجة أن بإمكاني اختراع مثل هذه الأفكار إلى أن تنتهي الدنيا، أو على أقل تقدير حتى يبلغ القطار تكساس. اكتشفت أننا لا نعي ما نقوله أو نفعله جيداً إلا عندما نُصِرُّ عليه على نحو لا نعلمه.
لا أستطيع أن أقول إنني أصبحت كُلِّي عيوناً ترى. لأنها في الحقيقة لم تكن تقتصر على "ترى" هذه المتواضعة. بل كانت عيوني تُحَوِّل كل شيء عقيم إلى صرخة امرأة حُبْلَى.
لم تكن لحظة ازدحام بالجنس وإنما مرحلة بلوغ كاملة وجديدة انفجرت في ثانية بكل تفاعلاتها النفسية والعضوية في كيان رجل ناضج. كنت وما أزال أُصِرّ على أن مضاجعة امرأة ليست مضطربة لا تختلف عن فحص طبيب لجنين بداخلها في شيء. لا بُدّ من رائحة خوف مسعور في عينيها، لا بُدّ من توابل أنكما تفعلان شيئاً يهز الإنسان ويريعه. إذ من الواجب أن يرفس الجسد أثناء كَسْر عزلته.
ولكن الذي داهمني في تلك اللحظات لا يشبه هذه المقولة على الإطلاق. بل لا يشبه الجنس بالمعنى الذي نفهمه عليه بتاتاً. فقد كنت أعتقد قبل هذه الحادثة أنّ المرأة خُلقت لتوحي لنا بفكرة العادة السرية لا أكثر. وأنّ المرأة التي تُوجد تحت ملاءة أي رجل حينما يخلو بنفسه هي الأفضل. ولكنني بعد فتاة القطار أضفت لذلك المعتقد: مادمنا لا نعرف كيف نجعل من هذه المرأة الموجودة الأفضل. ولذلك أسميتها فتاة القطار ولم أسألها عن اسمها أو أي سؤال من شأنه أن يُعَرّفها كآدمية تسكن في شارع كذا ويمكن مهاتفتها على تلفون كذا. فقد ارتجلني تصميم بأن أجعل تلك الفيوض والتنَزّلات لا ترتبط بأحد يعيش على هذه الأرض وفي مدنها المتعَفّنة. لقد أكّدت لي أنّ المرأة التي تباغتك من بين فخذيك كالمشاجرة وبسرعة أفضل من تلك التي تبادلها الأحاديث التافهة وأنت تماشيها بطول أمسية كاملة.
فلنفعل ما نشاء وبأي طريقة. فإنه الجنس الذي سيظل ثأر الطبيعة الأبدي تجاه الأحياء. تأخذه باستبداد وبدون نقاش. هذه هي طبيعة الإنسان والقدر ومزالق الدنيا المبرشمة في القفا.
لقد اشتعلت فتاة القطار كامرأة لا ترتوي حتى حين يخلع الرجل نفسه ويلقمها فوهتها، ولا يزيد بركانها إلا جحيماً فوق جحيم.
ثم قمنا باستعادة ملكوت جسدينا، وحكمنا لأنفسنا في عالم حقيقتها بما تشاء حقاً. فملكوت الجسد يقوم عندما تنقضي الشهوة. إذ يصبح التأمل حقيقياً، والعواطف تعني ذاتها بدقة ولا تزيد. وحتى الاحتياج إلى أشياء أخرى يصبح حقيقياً وغير مُضَلِّل.
أشعلتُ سيجاراً بعد ذلك وكنت كلما أنفض دخانه تتحتحت بصماتي بدل الرماد. كنت أتجدّد. إنها لحظات يموت فيها رجل ويبعث آخر. كنت مبتهجاً ورغماً عن ذلك فقد بَلّلتني دموعي.
بصدر امرأة لا نعرفها نبكي لغاية يعرفها البكاء. لقد ألهمتني:
منتهى الحزن أن لا نفهم مَرَدّ الحزن
انبت وأنت تغالب جذورك
وابكِ إن كان لك معنى في البكاء
لك التحية يا فتاة القطار. فما عدت أذكر منك سوى أني ما نسيت. فقد كانت أشياء قابلة لأن تسكنك إلى الأبد ولا تُمَكّنك من تذكرها إلا كضباب جميل.
عندما غادرتْ القطار حَرّكت يديها لتقول لي وداعاً. كانت إشارات يديها تتوزّع في اتجاهات كثيرة، لأنها عمياء، أو لأنّ الرحيل في كل اتجاه. لقد انطبعتْ تلك الإشارات في أعماقي كالإيماءات أو الحركات التي يقوم بها قائد أوركسترا عبقري، للدخول في لحن غامض الجمال وعميق لدرجة أنه أصبح غريزة في جسد الآلات الموسيقية.
لقد منحتني صوفيا في بداية تعارفنا روعة مشابهة. ولكن ثِقْ أنّ روعة فتاة القطار لا ترجع إلى الغرابة. إنّ صوفيا تمتاز بأمومة زائدة ومع ذلك فقد جعنا إلى بعضنا كوحشين جميلين، ثم أخذ ما بيننا لوناً من طابع الاحتواء الأسري والتفَهُّم. لقد كانت ضفتي، وربما أفيض عليها أو أنحسر عنها، ولكنني أبقى عندها إلى الأبد.
أيامي كانت تمضي كشريط سينمائي مبتذل. وأنا أبحث عن نافذة أعلى من قامة الريح الداعرة التي تمر. نافذة لا بُدّ أن تكون في مثل قامتي كي أتفَرّج على ذلك الشريط من الخارج ولا أُضطر للدخول والمشاركة فيه. كل ذلك والكتابة ترفض بقوة أن تكون للاحتراف. ولا تكف عن التهديد بأنها ستبقى مغامرة بائسة حتى الموت.
مَكّنتني تلك الفترة من التوَصّل إلى أن معارك "إنها معركة" نشبت لأنه كان هنالك رجل حاله كحال جاموس بَرّي، لَمَحَ وحده وحشاً كامناً وسط أدغال مُقْفِرَة، ويتربّص من بعيد. فلن يستطيع أن يدس بصره في عمى القطيع، ولن يكف عن التوجس والالتفات حتى ينعزل عن القطيع وهو في داخله. ولا بُدّ للعواء الضاري أن ينبع من أعماقه إن حاول أن يدسَّ سَمْعَه في لا سمع القطيع. والقطيع يندفع ناحية مياه الوادي يملأه استبسال شجاعة قوامها أنه فَقَد حسه الغريزي برائحة الخطر.
ذلك الرجل يقعد كل يوم في سوق المزدهر ليتأمّل البنايات التي نشأت في جسد التاريخ بجمال خاوٍ لدرجة التبَلُّد. يسيطر عليه جوع من جنس جوع الغابة.. المُرَكّب من خام الغرائز ومغالاتها. يراقب المداخن التي لا يخرج منها إلا الدخان في كل يوم. يُقَلِّم أظافره بأسنانه بعد أن يُمَشّط بها شعره. يرسم على الأرض معارك من أجل التسرية، حروباً بلا خصومة، ومؤذنين ينادون بأنّ الحضارة إنْ كانت بنايات مُلَوّنة فإنها تطول كي تصعد روحها إلى السماء.
يخط على الأرض رغبته كوليد نبنيه لا من الطين، صرخة نطلقها حين تزدحم الشوارع فينتبه الإنسان لا الناس، نقود ليست كتذاكر الشيطان، تسميع لذواتنا في المركبات العامة فنحفظ بدون أخطائنا النحوية، تعَرّياً يُظهر من أجسادنا ما هو ليس للّذة، ومجرى لمشاغيلنا يجعل الكل راضٍ عن مهمّته ومعناه.
وفي صباح كان يمكنه ألاّ يتميَّز عن تكراره السابق، وقف ذلك الرجل أمام أحد المارّة وسأله،..
"أتأتي لتأخذ الخضار لبيتك كل يوم؟"،..
"هذا صحيح. ولكن لِمَ تسأل؟"،..
"هل أنت تسكن معدة كبيرة من الطوب والناس؟"،..
"لا.. واسمح لي يا سيدي،..."، يهم الرجل بالانصراف،..
ولكن رجل السوق يعترضه، فقد انبعجت قِرْبة المواعيد: إذن لماذا لا تفكر في شيء آخر؟
"أولاً أنا لا أفهمك. وثانياً لا أريد أن أفَكّر إلا في هذا. ما دخلك أنت؟"،..
"بل يجب أن تُفَكِّر"،..
"ومن أنت لتفرض عليّ ذلك؟"،..
"أنا الشق الآخر منك الذي لم تتعَلّم كيف تشتري له خضاراً يستسيغه".
"بالله، ألم يعد ينقصنا سوى أن يصير المتسولون فلاسفة!؟".
ولم يجبه رجل السوق إلا بإرسال ساطوره الغليظ شواظاً من جهنم على رأسه وهو يصيح،..
ياهو.. ياهوو. وانتبه الناس إلى ذلك الصباح الذي بدأ على غير العادة، بدأ بهم، بالأنفس.
رأى أحدهم المشهد فأخذ يدعك عينيه، آه، تعملان، يصيح في غلامه: لقد طَوَّقت الأعضاء آفاقنا كثيراً. فلتكن هذه الصولة تطويقة الآفاق للأعضاء. أين ساطوري؟ إنّ الذي مع الله ليس ملعوناً من الجميع، والذي مع الشيطان ليس ملعوناً من الجميع. أما الذي بينهما فلا بُدّ أن يكون ملعوناً من الجميع. إليّ بساطوري.. ياهوو ياهوو.
في جانب آخر من السوق كان يقف أحد الرجال مقبوضاً عليه في دين لم يُؤَدّه. كان يقول للدائن الذي هما في متجره: اقتلني إذن يا رجل، فيبدو أنَّ دراهمك أثمن من روحي.
رِدْفَا التاجر الثقيلان، يدليهما الكسل من تحت مقعده ويخضهما كسِعْنَي الرائب، ينود رأس التاجر، فُرْصَة الخراء، ويجاوب: إن قَتْلَك يُكَلّفني أن أنهض من مكاني.
ولكن الجلبة تصل إلى باب المتجر. قرقعة الفؤوس وصليل السواطير تلف مسامعهما فيفقد الرجلان موضوعهما وينحشرا تحت جرار البارود المعبأ للبيع. فيجدا أن مساعد التاجر قد سبقهما إلى هناك. يبرّر لجبنه: لست سكيراً بما يكفي لأتمَيّز بلا مبالاة الجنود.
خارج المتجر كان يرتمي رجل لن تكملَه أشلاؤه المتناثرة كما كان إذا جُمِعَت. فقد كان عملاق الجسد وعُرِف عنه أنه كان يُكَرّر دائماً: "لقد غَذَّوني غباءهم كيف لا أعيش تائهاً وضالّ القلب". وإلى جانب أشلائه كان يحوم رجل كالضفدعة وهو يُنَطِّطُ فرحاً ويفخر: لقد هزمتُه.. هزمتُه. لو كنت هجمت عليه بقوتي لما تمَكَّنت منه أبداً. ولكنني هجمت عليه بضعفي وخوفي. وما أعنف أن يهجم عليك شيء بانهياراته. حَقّاً يا له من عملاق، ولكن القامة ليست امتداد الجسد إلى أعلى.
أحد القواد المتقاعدين كان يقول لأحد أصدقائه الضبّاط في أثناء مرورهما بالسوق، الشجاع أكثر الناس شعوراً بالخوف في لحظات الخطر، لأنّه يعلم أنه ليس بوسعه أن يُجْبَن. أما أمثالي فلا يمكنك الحكم عليهم. إذ إنّ لامبالتهم موهبة في حد ذاتها. والعواطف بالنسبة إليهم واجب أو مهمة تكتمل بها صورتهم الاجتماعية.
ينتبه القائد المتقاعد إلى أن المكان تملؤه الجثث فيهتف متلَذّذاً: ياااه، "إنها معركة".
اقترب القائد من أحد القتلى ورفع وجهه المضرَّج ليجسَّه: بالفعل هو مُتَبّلٌ بالتراب والدم. إنه موت غير مغشوش. يُقلِّب وجه القتيل هنا وهناك، من جانب لآخر: إنّه أصلي تماماً. أنا أعرف ذلك.
يجدها القائد فرصة ليؤكِّد نبوءاته: ألم أقل لك إنّ الموت ليس غبياً كالنوم ليستوجب عليه أن يقبضك بعد لحظة نعاس ما. وليس ذكياً كبائع اللبن ليُخَمِّن أنك غير موجود حينما يطرق بابك ولا يجيبه أحد؟
يتساءل القائد مع جنون اللحظة، الجنون الذي يحصل عليه الشخص كأُعطية إلهام، وليس كحالة تشويش: أين هو؟ تباً،.. آه إني أجده. يا لساطوري العتيق ياهوو.. ياهوو...
كان أحدهم قد ألقى بشعلة في المداخن التي حَمِيت، ما جعل الخفافيش لأول مرة تمرق من المداخن مذعورة وتنتشر في الجو بدل الدخان. أنت تستطيع أن ترى ذلك بوضوح كافٍ إذا اقتربت من المداخن قليلاً، أو إذا ارتفعت ثلاث شهقات فوق سطح جثة صديق القائد مباشرة. فالصداقة، والاجتماعيات الأخرى من جنسها، لدى ذلك الرجل لا يُبَرِّر لها إلا القانون وشح الفوضى.
الأيام كانت تتشَتّت خلفي وأنا ما أزال أُطالع من الداخل. كراكب قطار قَرَّر أن يُذاكر الريف، كُلَّ الريف، عبر نافذة وحيدة وعقيمة إلى جانبه.
أعيش كالطائر الذي فقد سربه. الأفق يمتد أمامه حتى يُعيي جناحيه، والأرض من تحته صقيعة تمتد حتى تغتاله الوحدة. عزلتي تخلو من الكون تماماً، فليغمرني هذا النور، أُلفة أنِّي نصلٌ لجفير وحدتي. والوجوم من حولي يضرب كموج البحر،..
لا يطرق طينتي أحد
أفتح لوحشة الصمت
الذي تحفظ فيه الطبيعة سِرّها
وتشيع روحُه الغاربة
في المجرّات وفي الأبد
أنا الآن أكبر من حدود الحنين
وتنويهات الذاكرة
أنا الآن يقظة الموتى
واحتضار كل شيء
ثم تَخَطَّت عزلتي مرحلة فَصْلي عن الكون وأخذت تفصلني عن نفسي،..
الليلة في وحدتي الحَقَّة
كبريائي لا يبلغني
ورغبتي ضَلّت طريقها إلي
مع الريح ألقيت دمعي
وتركت حزني للعدم
سئمت أمريكا التي كنت في السابق سأنتحر إن لم أذهب إليها. رغبت في أن أجد ذات الرائحة التي وجدها كولومبس حينما وضع قدمه على تلك الأرض لأوّل مرة. رائحة الأرض التي تنخلق في عرض البحر ومن ملحه. كنت أطمح إلى أن أبلغ مكاناً مختلفاً بحق، وتحجبه عَنّي البحار بالفعل، ولا يدل على وجوده سوى أن النوارس تُحَوِّم في البحر بعيداً عن الشاطئ. ولكن ما أحبطني أنَّ طَعْم الأشياء والناس لم يتبدل عندي إلا يسيراً. فالطَعْم الكريه الذي تعوّدت أن أجده في كل مطعم لم يبرح طبيعته ولؤمه. لقد كتبت في مذكرتي التي تركتها لصوفيا بمناسبة الطعوم هذه،..
الليمون ذو طعم
يمنح وجه الحسناوات حقيقته
ويعلن وجهي
أجمل بلاد الفوضى
لم أجد كالعادة مبررات لمكوثي أو رحيلي. فظلي من خلفي ما يزال يحمل مسدساً ولا يحمي ظهري الإسراع والتلَفُّت. قَرَّرت أن أعود إلى قومي الذين فيهم من السذاجة ما يُبَرّر لقيام حرب ضدهم.
ثم أضفت إلى مذكرتي لصوفيا،...
لكل الأشياء حنين يجذب إليها
حتى الأشياء غير المهمة
تباغتنا بحنينها ذات وقت
صَمْت الجماد يتسرّب إلى سَمْع مثله
كل الأشياء على اتصال ببعضها
ثم عدت بعد رحلة غثيان طويلة إلى ريف السودان الشمالي. خندق السباريت كما يقول الفليل. وجدته مكاناً يصلح لأن يُبَدّد فيه أحد عمره. ولكن لا طائل من وراء أن يقيم فيه أحد أو أن يغادره. فالذي وُلِد فيه مُحَصّنٌ بالميلاد ضد الحياة كما هي عليه في الخارج. وضد الموت الفوري بالداخل. هذا البلد يمتلك خيارين فقط: "يا تَعَدِّي يا تخَلّي المراكب للعِرِق".
إنني لا أدري إن كنت قد استسلمت لمصيره هذا أم لا. فأنا رجل كلما تحَسّس نفسه ووجدها ما تزال بداخل زهوه اطمأن. شعرت بأنني قربان لضياع أبدي. فالعالم الذي تركته ورائي شخصياً جداً وبارداً لمنتهى التصوّر. إذا أرادوا فيه تصوير مشهد لقبلة حب حارة فلا بُدّ لهم من دوبلير. البشر هناك حفنة من التروس من ورائهم إرادة المهندس الغليظ الذي يُدير الماكينة. والبشر هنا شخوص ساذجة في قصة، من ورائهم إرادة القاص الساخر الذي يحبك القصة. ليس ثمة كون حقيقي تطلع فيه الشمس من أجل الإنسان، وبعيداًً عن أنّ ذلك قدراً وجدت نفسها فيه منذ الأزل. ربما الحياة ليست بائسة في مجملها ولكن أكثر ما يصادف الإنسان منها ما هو بائس.
قصدت الحارة التي وُلِدت فيها بإحساس كئيب على كل حال. انطلقت في شارع بدأ رحباً ومعتدّاً بنفسه، ولكنه بعد امتداد قصير له وهو على تلك الرحابة فَضّل أن يجذب إلى داخله بعض المباني، واكتفى من أُبّهته تلك بزقاق ضيق يخنق المشي.
البيوت لا يدل على أنها بيوت إلا دخول الناس إليها وخروجهم منها، ما يجعلها تلوح كمأوى للناس قبل كونها بيوتاً. الذين قصدتهم كانوا ما يزالون هناك. أمي عانقتني بأحاسيس من يعانق وليده، وأنا تلقيت عناقها ككائن لا يحس تجاه ميلاده بمِنّة سوى أنه موجود. أبي رفض أن يسلم عليّ، وبكل عفوية فاتني أن آسف على ذلك. كان يجلس على مصلاته عند حضوري. وربما أسرع إليها عند سماعه لخبر عودتي كي يترك لي الأرض.
ألقيت عليه نظرة من نوع التي تفحص كالمس باليد. لم يعد يمتلك شباب قلعة الشنّاوي القديم، وإنْ كان ما يزال يتحشرج عنده صوت الريح كبوابة كانت متينة ثم تَرَهّلت. جلس مُقاصداً النافذة الوحيدة في تلك البناية التي هي أشبه بالممر. حيث يجلس كان حيث تُلقي النافذة بضوئها. لقد حسدته بعض الشيء، فقد بدا لي وجهه يطل على الضياء في الخارج، ونفسه تمتلك طاقة تُوَفِّر لها راحة الباطن ولا تذهب بها أبعد من المصلاة. قلت في نفسي: "المهم هو أن يرسو قاربك.. حتى ولو على فَكّ تمساح".
الهرج الذي كان يحدثه الناس من أجل قدومي كان يتم في مكان بعيد لا يبلغني إزعاجه.
كنت كالمخمور بعدم معرفتي لأصول الترحاب بالناس. أختي منال بكت في حضني كما لو أنّ عودتي إليهم موت. وأنا ما أزال بعيداً كأنّني عُدْت لأتحَقّق من جلافتي نحوهم.
ماذا أفعل!؟ فأنا لم أعد لأنهم يعنون شيئاً. ولا حتّى ألِفْتُهم كالتدخين والسهر. لقد عدت فقط لأن طريقي مَرَّ بهم. نزلت بديوانهم ثلاثة أيام ثم سافرت إلى الريف الشمالي وبقيت هناك لمدة شهر. انتقلت بعده إلى مدينة ود مدني.
في الطريق طافت أمي في خاطري كربوة مخضَرّة تجشأتها الرمال في قلب صحراء قاحلة. شعرت بدفء بسيط ولا يختلف كثيراً عن إحساسي بصوفيا. كنت أتذكرها في أمريكا كعروس نيل يُلقيها ابنها بدل السلطان بجوف النيل. سألتني عنها صوفيا ذات مرة قائلة بمرح،..
"هل هي حلوة؟".
"نعم إنها جميلة. ولكن ليمنح وجهها لطابع بريد لا لزوج".
على طول الطريق إلى مدني كانت تطالعني البيوت التي لا تمتلك دليلاً واحداً على تلك الشبهة.
عندما نزلت في محطة المواصلات المركزية لم أكن أقصد وجهة بعينها في المدينة. تمشيت من هناك إلى أن بلغت شارع النيل. كنت أنوي أن أقضي الليل في غابة أمبارونا. ولكن حالة خَدَر غريبة ألَمّت بي بحرص وتأنٍّ كما تلم الشيخوخة بالبدن. شعرت بالإعياء فدخلت إلى واحدة من حدائق شارع النيل واستسلمت لذاك الخدر. كنت أسمع أصوات المخلوقات الغامضة وهي تقضم أشياء أخرى غامضة في الليل. طقطقة السقف وفرقعة مفاصل الحشرات. أصوات الزحف المكتوم. وقع الخُطَا المسرعة التي لا تقترب ولا تبتعد فكأنما تركض في مكانها. العالم الحقير وغير المرئي كله أخذ يدب ويتنفس. كنت كمن ينام في برزخ. فقد اقترب مني غموض كل ما هو حي وناءٍ. كل ما هو على صلة بالحياة وغير متضح الوجود. فجأة انفجر صوته من ورائي...
نعم صوت عاطف، بكل ما له من ارتباط بماضيّ. لقد أخرجني من بئر الهلاويس تلك ليس بطريقة انتشال الدلو من عمق البئر. ولكن كما يجذب المطل على البئر انعكاسه من على الماء حين ينصرف. نهضت متثاقلاً كيفما تنهض الأشجار. ثم ضممته إلى صدري كبعض من ثمار لي أُريد إنضاجه. فقد أورقت بعيداً عنه ولا بُدّ أن أتأكد إنْ كان ما يزال هنالك سماد وملح يسعفان حنيني إليه. حاولت أن أبكي فلم أستطع ولم تظفر عيناي إلا بقَرَّاص الملح الذي يعقب الدموع. لعله شعر بفشلي في البكاء فضَمّني إلى صدره كي لا تُحرجني أمامه عيوني الجافة. شعرت به وكأنه يعتذر لنفسه بذلك الصنيع عن جفائي. قلت لنفسي: "لا داعٍ لاعتذار فإنّه إحراج تُعِدَّه الطبيعة".
قال لي بصوت تَعَثَّر برفق فوق أنقاض قبلته التي أنهاها بتحرير فمه للحديث، هاأنت ذا مرة أخرى يا كمال في بلادنا. بلاد الأساطير.
المشكلة ليست الأساطير يا رجل. فأينما وُلِد الإنسان وُلِدَت الأسطورة. المشكلة أننا في الوقت الذي نعيش فيه أسطورة أبو اللّمّاس يعيش الغربيون أسطورة النظرية العظيمة التي تُفَسِّر الكون. ليس المهم أن لا تُوجد أساطير، ولكن المهم أن تُوجد الأساطير الصحيحة بمواصفات زمانها.
"لقد أهدرت عمرك يا كمال!".
وأنتم؟ لا أظنكم اكتشفتم طريقاً يمكن السير فيه دون أن يُهدر العمر. كلنا مصوّبون باتجاه الموت وحياة الإنسان مداخلة قصيرة جداً تكاد لا تُلحظ في حياة الطبيعة الشاسعة. الإنسان يولد لائقاً للموت وعصياً على الحياة.
"ولكنك لم تستغل هذه المداخلة. فلا أظنك قد عدت بغير الحسرة".
مادمنا جميعاً نموت ونحن لا نعي ما عشناه. فالاستغلال الوحيد لهذه المداخلة القصيرة، الذي يمكن الجزم به، هو كم صار بعدك من القبر. أما الحسرة التي تتحَدّث عنها فلست محظوظاً لأعود بها بكل هذه البساطة. إنّ الحسرة لحظة متقدة جداً بالحياة. شعور أن هنالك ما فاتك، أو أن هنالك ما كان يجب أن تضعه في الحسبان. ذلك يعني أنك تطارد أشياء بعينها وتحلم بقبض أشياء محدودة. أنت إذن عضو في ميكانيزم الأحداث والحيوية. تؤمن بالتبادل التجاري والزيارات الودّية وغيرها من الشؤون السخيفة للحياة. وهذا ما خرجت من أجله ولم أعد به. ولكني سأمشي حتى تهترئ الدروب. فإني أعلم أن حب الرحيل بذرة تُؤَسّس للموت، أو شيء يخلص للخروج من كل –هنا- خروج أبدي وعظيم. لآخر ما فينا من أحد.
"إذن فما تزال كمال!؟"،..
"ومن غيره!؟".
"لماذا عدت إذاً؟"،..
ياه.. ما زلت تعتبرني مسؤولاً عمّا يجري يا عاطف! لقد أعادتني الأرواح المُلَثّمة التي ذهبت بي قديماً. كما لا تنسَ أنكم أيضاً اتّجاه للمشي.
ثم أطلقت ضحكة نحيلة تصلح كمقدمة ترشد إلى أن الذي يعقبها من حديث يمكن حمله على غير محمل الجد،..
ربما عدت للقبر الذي يوصي راقديه بأن الحياة معنى أن تمسك بتلابيبك الأرض.
قال لي وفي عينيه خفوت حزين يكاد يلاشيهما: هل تذكر هذه الأبيات؟
ليقرأ عليّ بصوت رهيب الخلجات، كنتُ على الدوام أفضِّل صوته في قراءة الشعر.
حين نُذعر من بعضنا
ويلُفُّنا صمتُ الحذر
أسمع تَكَّةَ المسدسات في قِرَابها
وأتزحزح لأكونَ قريباً من سيفي
قلت له وقد شعرت بتلك الكلمات تعض أحاسيسي وتجذبني نحو هاوية أشعر بها فقط، وإن كنت لا أراها: إنها كلماتي. ولكني لا أظنها تُعَبِّرُ عن حالنا الآن.
"ربما هي تُعَبِّرُ عن حالنا ولكن بوجه لا نعلمه عنها"،..
لم أتعجَّل لنفي ما قاله، فربما هو محقٌّ فيما أبداه من تشخيص. ولكنه أدهشني حينما أردف: لا عليك. الشعراء جسد الحقيقة في زمن مجاعة الطاعون.
الدهشة على وجهي كان يمكن لمسها. لقد استكثرت عليه أن يقول تلك العبارة الواشية، إنه ذكي بحق، ولكن ليقول أشياءَ لن تناسب هذه الأبيات مهما اجتهد. لم تدم دهشتي طويلاً فقد استرسل موضّحاً بعد أن لمح في عيوني تلك المباغتة التي باغتني إياها،..
"لا تعجب إنه مقطع شعري لك أيضاً. ربما دار بخاطرك أنني لست الشخص المناسب لاختراع مثل هذا الكلام. ولكن صَدِّقني إن قلت لك إنّ ذلك لن يُشَرِّفني أبداً. إنّ ما فعله بك هذا الكلام لم تفعله الرسالات في أنبيائها". وأضاف ضاحكاً: إن كان هذا زمن مجاعة الطاعون فلن يسر أحداً أن يكون وجبة له.
قلت في نفسي، لقد فهم أنني دهشت وإن لم يدرك من ذلك شيئاً. إنه يفهم بدرجة سطحية لا بأس بها. ولكن الاختلاف بيننا ليس قائماً على عامل الفهم. إنه اختلاف قائم على عامل الخلق والابتكار، فلن يفهمني كما ينبغي إلا إذا استطاع أن يستشعر المفهومات في عجنتها الخام وأغوار الحس. لذلك لم أُسَفِّه ما قاله. فمنذ الابتدائية أنا في جهة والأطفال في جهة. كانوا يتعَجّلون لدخول مَكّة مع حمزة بن عبد المطلب، وكنت أفارقه على أعتابها تمَسّكاً مني بالإنسان مرؤوس الخُطا والخارجي.
هم يحبون التجَوُّل معه في شعاب مكة ليُسَفِّه لهم الكفار. وليكون لهم البطل الذي يتمنون طاقته ليعيشوا بها مهابين بين الناس. وكنت أُريده حمزة المُقْفِر. الذي يرد جبين جواده سراب الصحراء، مَن يدندن مع أصوات الريح وعواء الليل وخوار الوحوش، الفتى الذي يحرث ظهور الخيل بصلبه، حمزة المأهول بالرحيل والوحشة.
كانوا يفهمون التاريخ كبحيرة وكنت أفهمه مجرى لنهر.
هَزّ عاطف رأسه بأسى: العتمة تُسَجِّي قلبك يا كمال. لقد جعلته بئر ظلال قاحلة، ليس بوسعها أن تسقي إلا ضالات الطرق.
"أنت مخطئ يا عاطف. لأن الأشياء المعتمة لا تكتظ بالظلال، إذ إنّها تبوح بها. الأشياء الشفّافة وحدها التي تبتلع ظلالها".
تنَهّد عاطف بطريقة مسرحية ثم تطلع إلى وجهي دون أن يتأمّل فيه بعمق. أو راجعه كاستذكار. فبدا وكأنَّه يُقارن بعض الأشياء التي طرأت على وجهي الجديد مع مطالعة قديمة لوجهي يحتفظ بها منذ أيام الدراسة، ليستجوبني بتحَسُّر: هل تذكر سلمى؟
وسلمى هذه فتاة زعمت بأنها تُحِبُّني وأنا أكّدت لها بأن هذا ليس موضوعنا. قالت لي: تزوجني. وقلت لها: لستِ أكبر تساؤل في حياتي لأتزوجك.
يُمنتج عاطف قصتها أمامي من جديد،..
"لقد أحَبّتك سلمى حُبّاً عظيماً، من أجلك لا من أجلها. لم تكن أنانية حتى في شوقها إليك. كانت تشتاق إليك لتمنحك ثمار لقائها وليس لتجنيك. قالت لك: كن لي. وأنت لم تكن لها سوى شجرة الصبّار غلفاء الشجر ومنزوعة البركة".
لقد هَزّني تشبيهه لي بالصَبّار وأفرح فيّ الرجل المغرم بالإبداع حتى ولو كان إساءة شخصية. ولكن هنالك أحداً ما من الذين يسكنون قُطِّيتي لم يكن راضياً عن ذلك المجادل الذي يفترض أن عالم الفتى الأميبي يمكن تنقيته بالزواج أو بغيره لنكتشف أنه أعظم ما لدينا من ضمير إنساني. ضحكت. فبعضي يؤسس لكلٍّ غريبٍ عني. والرجل الأميبي ليس متأكّداً من بطلان وجوده فحسب، بل حتّى بالذي هو يمتد أمام وجوده من سراب.
ومضى صوت عاطف جارفاً وعميقاً كنهر لا يشيخ. واندفنت أنا تحته كحجارة شلال باردة ومتفائلة السواد. أقبع في تراص جامد. ووجهي يُطل على الظلمة التي تختبئ في قوس الفراغ المثبّت -كقوس لأحد الآلهة القديمة- بين الماء وجسد الشلال. أُرهف السمع لتشَظّي المياه والتيار على بعضي المتناثر أسفل النهر. مضى صوت عاطف العميق لدرجة الأبدية: كُراستك التي نسيتها معي مكتوب فيها: "لقد أدركنا الدنيا والحبيبات فيها بلا رحيق. والأمهات أثداؤهن للّذة في فم الغريب.. والآباء هم ذلك الغريب. لقد مضى زمان الحبيبة التي تطوف على المصابيح بالزيت. والأم التي تلدنا بلا تساؤل عاق. إنه آن الهواجس الكبرى وغامضة. آن منافي القلق والريبة الفاتحة على طول الحياة". ولكن فتاة كسلمى يا كمال لم تُوجد في دنيا رجل من بني آدم.
تضجرت بعض الشيء. فأنا لا أرفض محاكمته لي على أنني رجل ملعون. ولكن الذي لا يفهمه هو أنني لست ملعوناً لسبب مُعَيَّن، ولا أنني أقصد أن تكون لعنتي ضد أحد. وسلمى التي يتحدث عنها تلك، كنت كأنني أسمع بها لأول مرة، أو كأنّها نكتة سمجة تسمعها للمرة الألف. كما أنني لست إلا رجلاً من زبالة، وما أنا بإله، ليجوز له أن يسألني عن مصير أحد.
ومضت دوامة نهره تتدفق بمعدلات أضخم. لتزداد في المقابل كثافة الظلام الذي أطل عليه. وليتمَتَّن قوس الفراغ ذلك ويلوح أكثر إلهيةً ولمعاناً في القَدَر. يمضي في المونتاج: لو كنتَ كل أحلام حياتها يا كمال، لكان بإمكانها أن تستبدل تلك الأحلام بأخرى. ولكنك كنت الحياة المخَصّصة لكل أحلامها. فلم ينبها من الأحلام بعد تخليك عنها إلا الجثث.
شعرت بالرجل الأميبي ينازعني مقاطعة عاطف أو بالأحرى السخرية منه. ولكنني استطعت أن أكبت الضحكة في عيوني ثم أفْلَتُّ ابتسامة باهتة من فمي. تلَفّتت ابتسامتي غريبة ومبهمة ثم مضت في حال سبيلها. وهذه إحدى ملكات الرجل الأميبي المعتوهة. إنه يستطيع أن يمنع انفعالاته من بلوغ عينيه إن رغب في ذلك، بالرغم من أنهما الشاشة التي تظهر فيها تعابير الإنسان لا إرادياً. فقد خنقني فضول هبط عَليّ فجأة وعلى غير العادة لمعرفة مصير تلك السلمى وكأنّها آخر فرصة فضول تُتاح لي في حياتي. ولَمّا كنت أؤمن بأن انعكاسك في أي مرآة ذكية سيزيد على مرآك ببعض الشتائم، فقد سألته متعجلاً نهاية القصة،..
"اختصر يا عاطف.. هل انتحرت؟"،..
"لا. ولكنها تزَوّجت رجلاً الانتحار أفضل منه"،..
"بل الزواج نفسه كفكرة وكممارسة الانتحار أفضل منه. قل لي يا عاطف هل تزوجت أنت؟"،..
"نعم تزوجت"،..
"وماذا فعلت بتلك المرأة التي تحالفت معها فيما يُسَمّى بالزواج؟"،..
"أنجبت منها طفلين يملآن عليّ حياتي"،..
لم أستطع الهرب من الضحك هذه المرة. ليسأل هو ضاحكاً: تضحك ها؟
"ما أضحكني فكرة أنّ الحياة كالجوال والأطفال عبوة مناسبة لملء ذلك الجوال"،..
يشاء مناكفتي، فأُسابقه بالقراءة:
رغوة البحر شهوة أعماقه للخلود
لأن يتمَدّد مهولاً كالآفاق
وبلا حدود
تلجلجت في فم عاطف بعض الجمل المبهمة ثم أبان بدمدمة ساخرة: لك خيال جيد لولا أنه مريض.
"الخيال الذي تفتك به أمراض جمال شَتَّى خير من واقع طبيبه الوحيد النقود".
يقفز هو بساقي انتصار واكتشاف: هنا إذن نلتقي بالفيروس.
أعترض فرضيته فوراً: هنا إذن برنامج إذاعي للمشاركين الأغبياء.
"لذا....."،..
قاطعته أو اختصرت على تحليله طريق الوصول للاشيء. فالذي أكثر يقيناً في نفس راعي ماعز جاهل واستيقظ باكراً، أنَّ حقل جاره تحت مشيئة سوائمه هو قبل مشيئة الله. لذلك أخذت تلك "اللذا" التي أراد عاطف أن يبدأ بها هرطقته لأفترع بها السخرية الواجبة الآن: لذا لو كنت حبيبتك يا عاطف فسأقول لك: "أحبك لأنك تضحكني".
لم يغضب عاطف كما عهدته. كان يُسَمّي عدم غضبه ذلك بالحلم. وكنت أحاول أنا أن أقنعه بأن حصته من البرود رائعة ويمكن استغلالها على نحو أفضل. ولكن يبدو أن طبخي لنكتة هو صلصتها كارثة تستنفر طوارئ المعدة. فقد تغيَّر وجهه كمن يعاني من مغص حاد، ثم قال كلاماً كثيراً أهمّه، سأتركك للمصير الذي يُشَرِّفك يا كمال. ربما هذا المقطع الشعري لبشرى محمود يعني لك شيئاً.
أطرق عاطف برأسه في صورة تقيسُ أكثر من كونها متأمّلة، إطراقة من يود القفز فوق بِرْكَة وحل، وقرأ:
دون أن أقصد
يقابلني في السكة الوصول
فأجيئك كالطريق
لا يقصد شيئاً من مجيئه
هاهو عاطف يقول شيئاً ذا بال! ولكن من هو بشرى محمود هذا؟ سألته.
تشاغَل قليلاً ليقول، إنه شاعر. الناس متأكّدون من جنونه كتأكدهم من عبقريته. يُعتبر وجوده في أي مناسبة عامة مخالفة يُعاقب عليها القانون. دور النشر تُفَضّله لأنّ هنالك من يقرؤون له، والحكومات لا تطيقه لذات السبب. دورة حياته تتلخص في كتابة شعره داخل المعتقلات والسجون، ثم خروجه لفترة لا تكفي لغسل ملابسه، يقوم فيها بقراءات شعرية داخل منابر الجامعات. ليعود بعدها بتهمة التحريض للمعتقلات من جديد كي يواصل كتابته و-هكذا.
اصطفى عاطف كلمة "هكذا" الأخيرة بتحقير خاص. وقلت أنا رَدَّاً لا يشبه أن يكون مُوجَّهاً إليه. قلت رامياً ببصري ناحية المراكب التي بدأت تغطس في غبش المساء وهي في طريقها للضفة الأخرى من النيل الأزرق. "الشعراء النظيفون عادة تنظفهم الحكومات، وهم كثمن لذلك يصيرون نظيفين من كل شيء".
كانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها ببشرى محمود. فقد كان من الأسماء التي توَهَّجت بعد رحيلي. ولم أكن أدري أن نفقاً معكوساً كذيل العقرب -حلزوني ويطفح بالسموم. مدخله يلسع ومخرجه يقضم- سيجمعني به بعد ثلاثة أشهر فقط. إنه أكثر مخلوق استنفر حيرتي. لأنه ليس بساذج وليس بمدرك على طريقتي. ناقشني بشرى في السياسة فقلت له رأيي القديم فيها. بأنها لن يُوَفَّق أحدٌ في انتقاء عبارات تليق بوصفها إلا الفليل. إننا نولد هنا كي تبتزنا أرض خلاء باسم الوطن.
كل يوم والقيود تنمو في أيدينا كالأظافر. برنامج أتفه ديكتاتور يُوضع بادعاءات أوسع من الرسالات السماوية جميعاً. ورغماً عن ذلك لا يسع لمؤمن واحد.
أما الديموقراطية فهي قيلولة نصف العام التي تُحَضِّرُ البلاد لمجيء ديكتاتور أكثر عوراً من سابقه، والسياسة عندها تصبح كتشينة، الجوكر فيها رئيس الحزب، أمَّا أعضاء حزبه فهم الورق المُفَضَّل. ثم ليكنِ المواطنون -باقي الورق- فوجودهم ضروري كي تكتمل اللعبة.
الذي كان من شأني مع عاطف أنه ضَيّفني ثلاثة أيام في بيته نسيت خلالها أن أسأله عن الكُرّاسة. لم يفارقني خلال تلك الثلاثة أيام شعور أنني لا أعيش داخل البيوت بقدر ما أنا مُخَزَّن فيها لموسم لا يأتي.
حتى منامي لم يعد من أجل حلم شهواني، ولم يكن إلا فرصة للاوعي كي يواصل مسيرة يقظتي. في كون يركض كله نحو البعيد بلا ذعر أو عجلة. وإذ أنهض أجد في يديَّ أعراف الخيول التي تقتلعني من فوق ظهورها وتدس من تحتي صهوة برق. فأنطلق كرجل ذي مناخ خامل.. يصلح كمكان تُجرى فيه التجارب العلمية التي يُرجى لها عدم تدخل الظروف المحيطة.
وعندما أهم بالبوح يتوتيني الشعر كحبل البهلوان:
اللغة كائن من قصور التاريخ
وتَفَشٍّ لانحسار البيان
حتى لازمة الحديث
يا للرحيل الراهب في هذا الكون المبتذل. الأشياء هنا ذات اسم لا يحيط بها. والقواميس لا تعني سوى الشق الذي يمكن تدوينه من اللغة. ليس هنالك على الدوام إلا الأسئلة ذات الكتلة الحرجة:
إيه الخلاني ضيعتك يا روح
وعمّدك في ريفي الحزين
لو فكرة جابوك من وجود
ذي حداشر بُعُد
الباقي من أبعادي وين؟
ومن قبلك
كيف كان طقس الكلام
وآدم صَانّي طين
إنه السودان الذي وسع ما لم تسعه سفينة نوح. ولكن أي حمام أو بوم يأتيه بغصن زيتون؟
ما يزال الطقس داخل طينة الأميبي ترابي وملفوف في ورق جرائد تافهة. ملامح وجهي تخَثَّرت فيها تعابير السلام، فلم تعد تُتقن إلا تعابير الاستياء والضجر.
ودواخلي تنبطح كأرض فيها مُخَلَّفات جذور لنباتات كثيرة. لا يمكن لهذه النباتات أن تحيا أصلاً إلا في جو من الاحتراب وقتل بعضها بعضاً. قلت لنفسي وأنا أتصَفّح شوارع ود مدني، "الكارثة نعاني منها ولكنها تُغَيِّر الحياة. ربما لو أشعلت النار في هذه الأرض المحتربة أقترب من موسم حصاد ما. فالمزارعون في أنحاء كثيرة من بلادنا لهم إيمان تجريبي بأن اخضرار الأرض من قِيَم الحريق. لا بُدّ من انفجار عظيم يأتي بالإنسان. كالانفجار العظيم الذي دَسَّ الكون تحت قدمي ابن آدم. ولنلغي ذلك الإنسان مزولة التراب، الذي قدره أن تراقبه السماء وهو يفور كالدود إلى الأبد". وعندها تدَفَّق الشعر عبر لحائي كالصمغ، وبروح عجوز إغريقي موغل في الحكمة:
يا ابن آدم
عش كمعول
يلهث كي يمد نفسه للعمق
في أثناء تجوالي غازلتني فكرة العودة إلى أمريكا. فالجوع هناك بأي حال ليس السبب الوحيد الذي يؤدي للوفاة. كما أنّ العيش مع إنسان فَقَدَ صوابه أفضل من العيش مع إنسان فَقَدَ ميزاته.
الحقيقة أنّ عبارة: "يا تَعَدِّي يا تخلي المراكب للعِرِق" لم تكن تحتوي على خيار. أرورووك: "يا تعَدِّي يا تعَدِّي".
ولما بلغت من الغزليات تلك مراودة السفر صراحة لاحَ بنك السودان أمامي كمصاريف أو كتذكرة سفر يطير بها الهواء. ولم يكن هذا الذي أسموه جريمة سوى أنني قبضتها.
اضطررت للمكوث بود مدني ثلاثة أسابيع أخرى مضت كيفما اتفق. جمعت خلالها من الرجال البلهاء اثنين. لم يساعداني في العملية كلها بغير أن أوحيا إلى الذين كانوا بداخل البنك أن يرونني أنا بمفردي ثلاثة رجال. لقد استخدمتهما كخدعة بصرية لا أكثر. على كل حال الدور العظيم الذي لعبه الأبلهان في العملية أتى لاحقاً. فقد كان لهما خصوصية الإيقاع بنا في أيدي الشرطة بعد انتهاء العملية بعدّة أشهر.
لقد رحلت أنا بعد الفراغ من العملية إلى الدندر مباشرة. ما كنت أقصد الاختباء وذهابي إلى هناك كان حالة تخص نفسها وتعنيها بدقة. كما أنّ الذي فعلته ما كنت لأعتبره سوى إضافة نظرية لعلم الاقتصاد. فعلم الاقتصاد اليوم علم نهب واسع جداً، ولن يُعجزه استيعاب عمليتي هذه في سلع قائمة الشرف: السلاح، النفط الحدودي، الأدوية الفاسدة والمنظمات المشبوهة.
أكثر ما لفت انتباهي في مدينة الدندر هو الكتابة على الحيطان. كتابات نسيها أهلها ونسيتها الحيطان. الذي كتب أنه يحب فتاة تركها من نفسه أو تزوّجت هي بغيره. والذي كتب تسقط حكومة كذا إما أنه ترك مثل هذه الأمور وانشغل بغيرها، أو سقطت الحكومة من تلقاء نفسها يأساً. إذ إنّ الحكومات عندنا تُحبط كادرها قبل الجماهير.
عبارات أخرى كثيرة على الحيطان لدرجة تجعلك تعتقد بأننا نبني المدن من كلام. كُتِبَت بألوان الأطفال والفحم والحجارة الجيرية والطباشير وكل ما يمكنه أن يترك أثراً على الحائط. مقولات مُهَرِّجة وأخرى حازمة في غير موضعها.
تلك الكتابات على الجدران كانت موضوعاً مطوَّلاً وتافهاً كحملة انتخابية. وربما نحن أنفسنا موجودون هنا كتلك الكتابات التي يخطها أشخاص مجهولون ثم يمضون. يا لها من فكرة، أن نكون تذكارات لإله نسيَ موضوعنا وانشغل بغيره. لقد ذَكّرتني تلك الكتابات بمقطعي الذي يقول،..
في مدينة قاحلة تتربص بي
اشتهيت لاسمي
لافتةً يُكتب عليها
ولكن في ماذا يعني كمال وشعره أهل الدندر؟ كنت أخرج من زقاق وأدخل في زقاق. لا أدري ما الذي يمكن تفتيشه هنا. فالمدينة تنتمي للأدغال مائة بالمائة. وسكّانها بلا حيلة ومذلولين كالشياطين المرجومة. قسوة الريف تسرقهم الشهوة والطموح وتقدير الأمور.
لمحت ورقة أو غلاف صابونة على الأرض فالتقطّتُها. يا له من اجتهاد غريب على ورقة صابون. ألوانٌ وخَطٌّ راقٍ ورسوم وشعارات، وكتاب سيرة حوى بطولات منقطعة النظير لتلك الصابونة. شيء كفكرة الحياة. اجتهاد في تفاهة وإصرار مهما طال به العمر فلا بد أن يسيح زيتُه في السكّة.
انتابني ضحك جنوني حينما اكتشفت أنَّ الدندر وسكانها لا ذنب لهم. وأنّ الذي ينقصني لكي أعيش في سلام هو تلك الابتسامة التي كانت تُزَيِّن فم الرجل الذي أنتج هذه الصابونة. تلك الابتسامة التي تراوغ وتطمع وتعني السرور. ويا لها من ابتسامة صعبة وربما مستحيلة بالنسبة لي. الآن بالضبط الرجل الأميبي يشعر بالجفاف. مواعين أضخم ساقية تهب وتحتل في أعماقي ما تطلع إلا بالطين.
ولذلك انسحبت إلى خارج المدينة. حيث يُطلق السودانيون اسم حظيرة الدندر على تلك الأحراش. وفي رأيي أنها جمهورية الدندر. لأنها تكاد تكون الدائرة الوحيدة الثابتة على مبدأ الانتخاب الطبيعي.
وجدتُ أنّ إنسان هذه الأجمة منسوخ من طبيعتها. فالذي ينمو هنا على نحو محترم ومهاب هو الحشائش السامة والأضراس. أو إنسان بدائي تشَعّب في قبائل تلعق ثأرها للأبد.
قمت باستئجار كوخ في تلك الناحية لا أعود إليه إلا للنوم أحياناً. إنها بيئة تصلح لمراجعة معاني العزلة في مناخها الطبيعي. أدغال ووحوش وظلام وإنسان عَارٍ لا يهمه شيء. لقد شجبت تصوري القديم للَّيل.. إنّه هنا لا شيء. الليل هنا يضعف لأن الإنسان يستيقظ. هنا الحياة لا تلعب والأمور كلها جد في جد. لقد أراحني الحذر الذي فرضته عليّ الأحراش من أثقال كثيرة كانت تُتعبني بلا فائدة.
كنت قادراً على أن أخوض في حديث مُحَبّب مع كل شيء يحيط بي دون أن أنطق. فقط أرقد على قفاي فأجدني خائضاً فيه. كنت في الماضي أتملَّص مولولاً وراجياً: "اتركيني يا ذكرى فتاة القطار فحياتي تافهة. ولا شك أنني سأعتذر إن كنت سأعود لذات الحياة مرة أخرى. إنها كلُهاث الكلب ولا تستحق التكرار". ولكن حياتي في الأدغال حاولت أن تقنعني بأن الذي ينقصني هو الحب. وأنّ الجسد بكامله فمٌ للجوع والذي يشبع هو القلب. لقد صَدَّقتُ لمدى انتشاءة مقطعي هذا،..
لأنني بلا حب
يرصدني هذا الجوع للنساء
رغبة حيوان صادقة
لا تختار لها امرأة
فأية عابرة للطريق
تدلف بالنبيذ
لقد امتدّت ذكرى فتاة القطار إلى ذاكرتي أيام ذلك الكوخ، كصوت حليب بعيد. يصدم إناء الحَلْب بوقع رتيب يتجه خافتاً نحو الامتلاء. ألحّت على قلبي بشراسة كحال كل المتطلبات في الأحراش. فاستضفتها في قارب تسلخ مقدمته جلد المياه. وتغري مؤخرته الطحالب الضالة فتتبعه في سَفَه. مجاديفه ترتفع كأكُفٍّ للدعاء ببطن الغابة ثم تهوي في المياه من جديد لتدك تجمعات الطحالب وعفونتها. رَحّبت بفتاة القطار كشخص موجود بالفعل ويشاركني غزو الغابة وظهر جَوّادي المائي. الذي استأجرته من أجل واقعة تتم بين الإنسان وذكرياته الموغلة في القدم. الإوز كان يطبطب من حولي في المياه وينقر أخشاب القارب المهترئة.
حين أمسكت بقلمي لأكتب الشعر فاجأني شعور أنني أقبض على ذيل محراث،..
لفمي مرور النيل بين شفتيها الضفاف
قطار السابعة ينهب جانباً من الأرض
وحياة الناس
وأنا منتشر على الرصيف
كرائحة الكبريت
كالطازج من الدم
كبُقَع الرعاف
قلت في نفسي، لو كان الشعر جميلاً فهو لا يزيد على كونه فضلات عالم الحس والشعور، التي يمكن إخراجها. حينها امتلأ إناءُ الحلب ودخلت في زمني القديم، فما زمن فتاة القطار إلا زمن مسافر أخطأ مساره الكوني فاصطدم بأحاسيسي. فما يزال بعضي يشتهي بعضاً مجهولاً للهروب من قَدَر بَعْضٍ وحيد.
وما زلت أذكر يوم رأتني صوفيا أبكي في الظلام. كنت أتأمّل من خلال نافذة الغرفة المظلمة عارضة خشبية مخلوعة تتأرجح في ضوء القمر. الريح التي تُحَرّكها هادئة وفيها وحشة حزن طَامٍ. السياج بطوله بدا رهن خصوصيته في الوجود. خطر لي أن الأشياء أيضاً لها مصير خاص. ولكن نحن البشر كل واحد منا يفهم الوجود على أنّه هو.. عقل هارب من وحشته وقلب ينبض بالمخاوف. لقد ملأني ذلك التأمل للعارضة برعب هائل ففَكّرت في الهرب. ولكن من ماذا؟ وإلى أين؟ الرعب الذي شعرت به جعلني شفيفاً فافترسني بكاء مرير.
شعرت بصوفيا تتململ وتدفع بفخذها العاري ناحيتي. لقد بدت لي أنها هي لوهلة. ثم بدأت ملامحها في الاغتراب عني. يبدو أن النوم جعلها تخلص لمصيرها الخاص.
سمعت صوت طائر ليلي يزعق في الظلمة. فقلت لنفسي، إنّه مصير لأحد تهتم به العناية الإلهية تماماً، كمصير أي نبي انتدبته في مهمة.
أيقظ نشيجي صوفيا فرأتني أبكي في الظلام. قلت لها بسماحة دون عاطفة تنديد أو إدانة للحياة، مصيري يا صوفيا ليس فيه أي شيء يدعو لأن يُخَصَّص له بشر كامل. يمكن أن يكون مُجَرَّد تكليف إضافي، يُطلب من أي مخلوق آخر سَوْقِه مع وجوده الأساسي وينتهي الأمر.
تحَسّستها في الظلام ثم أضفت ولصوتي مزايا رجاء حار وطفولي، لن تتخَلّي عني يا صوفيا؟ ستقفين معي حتى النهاية، أليس كذلك؟ نعرة الفن قاتلة، كلهم يحتضرون في الخفاء. خاصية النفاذ إلى بواطن الأشياء تشدهم إلى العذاب بلا رحمة.
ضَمَّتني صوفيا إلى صدرها بحنو فشعرت بها مختلفة وكلها جلال وسحر. كنت أحتضر وأحتضر في صدرها حتى تُوفيت. ثم دخلت إلى الحياة من باب كانت تستره عني دنيويات أخرى وتافهة لطالما خدعتني بكونها تمثُّلاتٍ لأفكار ما. فقد اختمرت في دماغي عاطفة كالوباء، لأجعل صوفيا من بعدها عارية كضب خلوي، ثم صمتنا ليُثرثر الجسد.
حينها انكشف لي أن الجنس مكيدة تخلط مصائر الناس بعضها ببعض. لا أعني إنجاب الأولاد، وإنما اجتياز الهوة وأيدينا بأيدي بعض. ففي حالة الرجل الأميبي يكون المُحَرِّك النفسي للجنس هو المواساة، فرعب الوجود لديه قاسٍ ولا يُحتمل. ثم دَوّنت هذا المقطع في أوراق صوفيا،..
مُدّي إليَّ مصيرك يا امرأة
الليلة للعابرين بلا جسور
ولنحزم عبورنا
فكل ما أمامنا من المرحلة
هاوية للعبور
كان القارب قد أوغل في الغابة بمسافة طولها مدى ذكرياتي. أحسست بنفسي معزولاً عن كل تشهّي النفس. ودماغي لم يعد يطلق نفيراً للألم أو تنبيهاً للتشبث بشيء.
رجل وحيد ونهر وحيد في هذه البقعة من الأرض. للنهر حاشية من الغابات الشرسة، وللرجل حاشية من الجنون الموهوب.
بعد زمن طويل من دخولي السجن تذكّرت هذا الإحساس هائل الجبروت. فقلت ربما في لحظة مثل هذه كتب بشرى محمود،..
سأسند ظهري إلى غير ما جدار
وأدعو الأرض إلى مبارزة
يبدو أنّ بشرى قد فرغ من المعركة التي تقوم على أرض منه، وأعلن نفسه كمُخَلِّص للأرض. أو كقديس لا يَكَلُّ من الطيبة والدعوة لالتزام الهدوء. هو سيفعل ذلك كما يقول دائماً، من أجل إنسان جميل وذي مبادئ. أما أنا فمقاتل من طراز لا يأمل في نتيجة معركة ولا إقامة صلح. السلام كله ولا غيره، جنة هنا والآن وبلا تسويف.
القارب يتقَدّم وأنا أتصفح عيون الوحوش البريئة. عيون بلا أمل وبلا يأس. لا تطمع ولا تحذر إلا في لحظة الحدث. فليس من خلفها ذاكرة ضمير تسمم براءتها بغازات ما اختزنته وتعَفّن. عيون ماضيها وراء اليم ومستقبلها ما أمام الشبكية. لكم هي المخلوقات رائعة عندما تخلو من قلق الإنسان وحَيْرته وتزامن الحنين فيه مع الموت والبعد.
رفعت رأسي إلى السماء المهيبة. كان لون الشفق نظيفاً ودافئاً، تعبره أسراب الطيور وهي في طريقها نحو المغيب. تعبره كوَشْم على يد غجرية، يبدأ غليظ اللون ثم يتدرج باهتاً باهتاً حتى يندفن في المسام. امضِ أيتها الطيور، أنا أدري أن كل الأعشاش في جهة الغروب.
لما انتبهت إلى القارب وجدت نفسي أُجَدّف في طريق العودة وأنا لا أدري. تنَهّدت لا إرادياً. فالوعي الباطن هو البئر العفنة في الإنسان. ولكنها للأسف ذات البئر التي يُرجى منها حفظ الحياة وأشياء أخرى كثيرة لا أعلمها. ولكن لا بأس إنّ لحظات الخطر تُطَهّرنا من الذكريات السيئة.. بكونها تجعلنا نشعر كما لو أنّنا خرجنا بشبكة وصدنا حياتنا.
الأكواخ تقترب ولم يعد يختلف عندي الخوار والزئير والفحيح عن صياح متفرجين بقاعة سينما أو دار رياضة. عربات الشرطة كانت مختبئة بين الأكواخ كحشرة بنت المطر في فصل غير الخريف.
كانت تنتظرني من أجل مسيرة جديدة، بعد أن كنت قد ابتلعت نفسي كنجم سماوي، ومضيت في ابتلاعها حتى اختفيت كهوة سوداء في فضاء الكون. غَيَّبت نوري في أعماقي، وانتشرت كجوع في الفراغ.. له أقدام كاذبة ومجال جذب شيطاني. الداخل إليه لا يمكن تمييزه عن ديناصور أو إنسان أو حجر.
وداعاً فتاة القطار، لقد تركتِ لي ذكريات كأشيائي.. أشياء لا يُمكن أن يغادر بها قطار أو يمضي بها زمن. إذ إنّها ترتبط بما تبَقّى للإنسان من عمر وليس بما مضى.
سأقضي على بعض العذاب
بالعذاب كله
كي تُروّض نفسي جحيمها
بدلاً عن محاولات هربها الفاشلة
بينما سيارة الشرطة تمضي بنا ناحية ود مدني خطر على بالي أنّ الحقيقة لحظة ما، وليست فكرة بعينها. وعندما تأمّلت القيود في يدي شعرت بأنني متوفى وتذكرت قولي،..
والموتى حين نرميهم في القبور
نعمة حياتنا التي نتذكّرها الآن
وجدواها التي تُنسى بعد حين
صرخت في وجه البراري بوحي حقيقي وصادق، جدوى الحياة أنّك حي.
تذَكَّرت أن العجوز الإيطالي دعاني لصداقته حينما لم تكن لي موهبة التعَرُّف على الناس، ظِلاً يعبر بين ظلال قلت له: أي شخص غريب بالنسبة لي افتراض. وأنا نفسي علي أن أتحاشى الأمور التي يمكنها أن تُحَوّلني إلى افتراض، كالوقوع في حب امرأة، أو الوقوع تحت تأثير حماسة ما.
ليحاجج ظِلُّ العجوز ظلّي: هذا هو الضياع بعينه يا ولدي.
"الضياع!؟.. أبداً، بل وجه شبه بالقدر. ألا يعني القدر تنفيذ جهلنا الكامل وبكل ما نمتلكه من عُمُر وطاقة؟
imported_بدور التركي
06-10-2010, 11:02 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284235#post284235)
يا بدور، تحايا وفيرة، وأشواقٌ لا تُحَدُّ
شكراً جزيلاً على نقلك للنص وإحساسك أو تفاعلك معه.
وسيكون لك أفضل منه، إن مهلتني الأيامُ وكنتِ أنتِ ربةً للإلهام كريمةً معي. ودائماً الذي لم يُكتب بعدُ، أجمل.
يا بابكر تحايا، يا ريت والله تعرفنا قليلاً بعباس الشريف، شوقتني لرؤية كتاباته ومعرفته. أما لو نفحتنا بشيء مما يكتب، وأوضحت لنا وجوه الشبه بين هذا النص، وما تعنيه، من كتابة الرجل، فذاك حينها الكرمُ الحق، ونعم الفوائد.
تاني قلنا مشتاقين يا بدور
جيجي، أريتك بخير، رشأ المقصودة هي بت شيخ الدين. مَنْ غنّت لي عملاً، أو مناحة اسمها يا رحام علي النادنو غوبو، والخلوق صانِّين دَلّوُا طوبو :p
ليكن الجميع بخير
ما لقيت دول
لقيت قطار الشوق
http://www.sudan-dj.com/inf/voices-action-show-id-1990.htm
يا محسن لو سمحت لو عندك الرابط بتاع
يا رحام والخلوق صانين
جيبهم لينا
ما تصن لينا:p
ولو ما عندك جيب لينا الكلمات..
imported_جيجي
06-10-2010, 11:10 PM
بدور باحبيبة
لقد حملك الرجل وزر النقل
وذهب دون ان يجيب على الكثيرين
imported_بدور التركي
06-10-2010, 11:14 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جيجي http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=286320#post286320)
بدور باحبيبة
لقد حملك الرجل وزر النقل
وذهب دون ان يجيب على الكثيرين
ذهب مع الريح:D;)
الزول مشغول
imported_محسن خالد
06-10-2010, 11:25 PM
http://www.sudanorg.tk/upload/uploads/ya raham alee.mp3
"يا رَحَّام علي النادنُّو غُوبو
والخلوق صانِّين دَلّوا طُوبو
انعتق الحزين الليلة دُوبو
وأصبح في أم رميض انزربن زُروبو"
-----------------------
ياما فجائع نهارات رَمَضها يقلع القدمين من مكانهن، وفجائع شتاء كافر يدهج العُضام دهجي، ومرات تحت المطر تتلكّك في الطين وين ما تقبل.
الموت في كل الفصول وتحت يات من مناخ. العربات واقفة في ازدحام يحشو المقابر بالحياة. براميل الموية لضرب الطوب، تكركب على الكاروهات، وصوت الطواري:
- "تـch تـch تـch.."
وحس الكواريق:
- "شيييش شييش"،
يضايرن في مهلة الرمال لمهلة الروح. الروح العزّاها الله، يا الواطـة سويناها ليك في ذمتك: أنا ود البتولا دا أملِّي الأرض قبري، وخط المحافير مَعَرَّج.
- "تـch تـch تـch.."
وحس الكواريق:
- "شيييش شييش"،
والناس صانين من مهابة الموت تممممم، قاطعين الحركة. لا صوت يعلو فوق صوت الموت، إلا بعد الزول البحفر يفتر خلاص، فينادي فيه آخر:
- صَلْ.. صَلْ...
أي صلِّ علي النبي، وامنحني الأزميل. دعني أنقش بدلاً عنك، دعني أوقّع أنا أيضاً على حركة الرمال سكون الروح. ويا ود اللّحد، بين لَكَكَ طين الطوب الطازج، وشرار الحصى البائت، و:
- صَلْ صَلْ:
سويناها ليك في ذمتك، أنا ود البتولا دا أملِّي الأرض قبري، وخط المحافير مَعَرَّج.
--------------
الكلمات لمحسن خالد،
الغناء للميوزيشن رشأ شيخ الدين،
على العود الميوزيشن مصطفى السني.
imported_محسن خالد
06-10-2010, 11:27 PM
جيجي أنا حبوبتي العزيزة ماتت، عشان كدا كنت غائب.
تسلمي
imported_بدور التركي
06-10-2010, 11:36 PM
"يا رَحَّام علي النادنُّو غُوبو
والخلوق صانِّين دَلّوا طُوبو
انعتق الحزين الليلة دُوبو
وأصبح في أم رميض انزربن زُروبو"
ممكن تشرح ليّ الكلمات كلها
معليش يا محسن
في مصطلحات سودانية ما فهمتها
معليش أصبر عليّ:o:o
imported_جيجي
06-10-2010, 11:47 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=286325#post286325)
جيجي أنا حبوبتي العزيزة ماتت، عشان كدا كنت غائب.
تسلمي
ربنا يرحمها ولكم حسن العزاء
واسفة لسوء الظن
وحقيقة يارحمن عليك رائعة كلمات وموسيقى واداء
imported_بدور التركي
06-10-2010, 11:52 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد http://sudanorg.tk/vb/images/styles/smartblue/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=286324#post286324)
http://www.sudanorg.tk/upload/uploads/ya raham alee.mp3
"يا رَحَّام علي النادنُّو غُوبو
والخلوق صانِّين دَلّوا طُوبو
انعتق الحزين الليلة دُوبو
وأصبح في أم رميض انزربن زُروبو"
-----------------------
ياما فجائع نهارات رَمَضها يقلع القدمين من مكانهن، وفجائع شتاء كافر يدهج العُضام دهجي، ومرات تحت المطر تتلكّك في الطين وين ما تقبل.
الموت في كل الفصول وتحت يات من مناخ. العربات واقفة في ازدحام يحشو المقابر بالحياة. براميل الموية لضرب الطوب، تكركب على الكاروهات، وصوت الطواري:
- "تـch تـch تـch.."
وحس الكواريق:
- "شيييش شييش"،
يضايرن في مهلة الرمال لمهلة الروح. الروح العزّاها الله، يا الواطـة سويناها ليك في ذمتك: أنا ود البتولا دا أملِّي الأرض قبري، وخط المحافير مَعَرَّج.
- "تـch تـch تـch.."
وحس الكواريق:
- "شيييش شييش"،
والناس صانين من مهابة الموت تممممم، قاطعين الحركة. لا صوت يعلو فوق صوت الموت، إلا بعد الزول البحفر يفتر خلاص، فينادي فيه آخر:
- صَلْ.. صَلْ...
أي صلِّ علي النبي، وامنحني الأزميل. دعني أنقش بدلاً عنك، دعني أوقّع أنا أيضاً على حركة الرمال سكون الروح. ويا ود اللّحد، بين لَكَكَ طين الطوب الطازج، وشرار الحصى البائت، و:
- صَلْ صَلْ:
سويناها ليك في ذمتك، أنا ود البتولا دا أملِّي الأرض قبري، وخط المحافير مَعَرَّج.
--------------
الكلمات لمحسن خالد،
الغناء للميوزيشن رشأ شيخ الدين،
على العود الميوزيشن مصطفى السني.
بصراحة صوت خرااااااااااافة عنيييييييق
يجري في روحك ويجعلك تدور داخلك كدوران الأرض
imported_بدور التركي
09-10-2010, 10:42 AM
[QUOTE=بدور التركي;283536]يطيب لي التنزه في غابة تترنّح لونها بين الزهري والياسميني:)[/QUOT
هل الرقص لغة أم تفكير يا محسن؟
هدية..
http://www.youtube.com/watch?v=kqNTWx1adgc&feature=youtube_gdata_player
imported_بدور التركي
09-10-2010, 08:38 PM
فالرقص هو أحد طرائق التفكير في رؤيتي له، وما هو بأحد وسائل التعبير كما في التعريفات الشائعة عنه. إذ لا فرق بينه وبين الرسم والموسيقى والرموز الرياضية والكيميائية.
دي رؤيتك الخاصة يا محسن وما شرط تكون صحيحة:D
الرقص في رؤيتي هي لغة ووسيلة للتعبير المباشر
ولا شك ان الوسيلة هذة هي عنصر من عناصر اللغة
واللغة يا محسن افندي هي أداة للتعبير ووسيلة للاتصال
منذ وجود الانسان سوا كانت إشارات ..إيماءات او ايقاعات إفريقية looool
imported_بدور التركي
18-10-2010, 09:19 PM
http://www.sewandso.co.uk/prodimagesh/30763h.jpg
أحلق..وغابة عامرة برائحة الكلمات..أديب باذخ في إشاراته في مداه..
كلما كتب إهتزت الكلمات وسكنت اللحم والعظم والأمكنة..
غابة.. سيريالية تثيرك لتدلق إندهاشك على مشاعره المتفجرة
تقذفك وتخربش روحك وتطير كفقاعة لا تتوقف ولا تغيب ابدا
هذا لأن الغابة تفقس عصافيرها أفكارا تتساقط أنوارا وشعاعا في أغصان الحكايات..
وهو في تألقه الباذخ تهب موجة الإنتقادات برياح العواء!!
ويستعد للحوار رغبة في إستعادة أصل الحكايات..
إذن فلنمشي على الوجوه المتلقية بإنتقادها العنيف بصراخها الجاف على الغابة..
يلا !!
نشوف بعض الأراء وبعض الدهشة
فلا أحد يستطيع استنساخ مخلوق ما!!:):)
imported_بدور التركي
18-10-2010, 10:22 PM
سؤال كثيرا ما يتردد في بعض الأذهان حول ما هو دور الناقد وما هي وظيفته
هل يقوم بدور ساعي البريد الذي يبحث عن النصوص ويوقعها بنفسه ويرسلها للمتلقي
أم يمارس دور الحكم والرقيب الذي يمنح العمل الإبداعي لا وجود له؟
يقيمها ويزنها ويفاضل بينها وبين سواها ويحكم عليها من منظور رؤيته الخاصة
لتدخل إلى المتلقيين عبر زاويته ومنهجه الخاص كما يرى ويعتقد؟؟
قيل.. كلام كثير وأراء مختلفة عن الروائي محسن خالد حول كتابته وأفكاره
بل وصل الأمر إلى أن الحظر على بعض رواياته.. وقد جاءت إحتجاجات كثيرة حول مزاجه وجرائته الأدبية وإسائته لمجتمعه ....
إليكم بعض الأراء والنقد من قبل النقاد:
imported_بدور التركي
18-10-2010, 10:31 PM
الروائي محسن خالد يصادر ورقياً ويحجب إنترنتياً في السودان
من هو صاحب الوصاية على ما يقرأه الناس؟
الخرطوم: شذى مصطفى
نالت مجموعة قصصية للروائي السوداني المقيم في أبوظبي محسن خالد بعنوان «كلب السجّان» استحسانا كبيرا من قبل النقاد، وبشر الأديب الشاب بمستقبل باهر لأسلوبه الأدبي المتميز ولغته التعبيرية البارعة، إلا أن روايتيه الجديدتين بعنوان «إحداثيات الإنسان» و«الحياة السرية للأشياء» الصادرتين عن «دار الساقي»، أثارتا جدلا واسعا، فقد تم حظر دخولهما السودان، من قبل هيئة تحكيم أقامها المجلس القومي للصحافة والمطبوعات. ثم كان قرار من وزير الثقافة، حظرت بموجبه كل أعماله على الإنترنت مؤخرا..
جاء الحظر الأول للروايتين بنسختهما الورقية، من لجنة تحكيم تضم كاتبين صحافيين معروفين أولهما اسحق أحمد فضل الله الذى كتب فى تقريره عن إحدى الروايتين: «نستطيع ابتداء أن نشير إلى أن هذه الرواية تتميز بكل ما تتميز به الخمر الجيدة، فهي تثير الطرب والدوار والدهشة والسكر والقيء وسخط المولى عز وجل» ويضيف «والجنس الذي تعتبره الرواية موطناً وتجوس فيه هو بطبيعته نار لا توضع على أي عمل أدبي إلا واشتعل، لكن الأدب الحقيقي هو استخدام للنيران البارعة للوصول إلى هدف وراء ذلك وليس مجرد الاحتراق»!
ونرى أن إسحق دار وعاد بنا الى المربع الأول! فبعد إيراد سخط المولى عز وجل نجده يبرر استخدام النيران «أدبيا» للوصول الى هدف ما. أما المحكم الثاني الكاتب الصحافي يس علي يس فكان تعليقه أن «الكاتب يتمتع بقدرة جيدة على التعامل مع اللغة، ولكن تناول موضوعات الجنس والعلاقة بالمرأة فيها تناول أجرأ مما ألفه القارئ السوداني والمجتمع السوداني عموما». يجيب الكاتب محسن خالد في لقاء له مع «الشرق الأوسط» قائلا: «أليس هذا هو نفسه المزاج الذي كتب في مداه الطيّب صالح؟». ولذا فالسؤال الذي يطرحه الأديب هو: من يحق له المنع والوصاية على القارئ؟ وكيف يمكن قياس تلك التابوهات المتأرجحة؟ فأشهر رواية سودانية للطيب صالح «موسم الهجرة الى الشمال» بها فقرات جريئة للغاية كعلاقات بطلها مع نساء لندن، وأيضا مشهد «بت مجذوب»، المرأة الريفية العجوز التي تجلس فى حلقات الرجال وتناقش معهم بجرأة أمورا حساسة، فهل للأدباء الكبار امتيازاتهم الخاصة، أم ان الصدى والقبول الدوليين يجعلان التعامل مع التابوهات أكثر مرونة؟! كما أن المكتبات العامة في البلاد تحفل بكتب وروايات عربية وأجنبية شتى جريئة التناول، فلماذا لم يتم حظرها بدعوى تناقضها مع المجتمع السوداني؟! وهل لهذا الخوف مبرراته؟ أي هل للروايات والقصص التأثير العميق على أفكار ومعتقدات وسلوكيات قرائها كالكتب المتخصصة والمؤدلجة؟ أوليس الحظر يساعد فى شهرة العمل الأدبي ويستدعي الفضول، كما حصل لكتابي «آيات شيطانية» و«وليمة أعشاب البحر» وغيرهما؟
http://www.sewandso.co.uk/prodimagesh/56664h.jpg
هذا ما جاء فى احتجاج الكثيرين على تلك المصادرة. ويقول وليد عبد الله، وهو مدير مركز ثقافي لـ«الشرق الأوسط»: «أنا لم أقرأ أيا من الروايتين حتى الآن، فقط أسمع عن الجدل الدائر بشأنهما. وأنا كمواطن وكمثقف من حقي الاطلاع عليهما، وإبداء رأيي دون وصاية من أحد، كما أن ما قيل حول إساءتهما الى مجتمعنا، فهذا غير صحيح. فكتب التاريخ السوداني القديم تحدثت عن زواج رجلين بغرب السودان في القرن قبل الماضي، وعن عمليات الإخصاء للخدم العاملين في البيوت إبان الفترة التركية. فكل أدب يحكي ما يدور في المجتمع بدون ترقيع أو تجميل، ولتكن مقارعة الحجة بالحجة. وسيذهب الزبد ويبقى النافع. كما أن الحظر في زمن تتعدد فيه وسائل الاتصالات أشبه بمحاربة طواحين الهواء».
ويبدو أن طواحين الهواء باتت بحاجة الى حرّاس، فعندما بدأ الروائي محسن خالد مؤخرا بإنزال روايته الجديدة «تيموليلت» على شكل حلقات متسلسلة على موقع نقاشات بشبكة الإنترنت، يتحدث فيها بطلها ـ وهو المؤلف نفسه ـ عن علاقات عديدة، طالب صحافي من خلال مقال تحريضي قوي وجهه لوزير الإعلام ـ السابق ـ بأن يتم حظر الرواية لأنها تسيء الى المجتمع، بل عدها أسوأ رواية فى تاريخ الأدب السوداني. وكانت الدهشة كبيرة أن وزير الاتصالات، قام وفي زمن وجيز بحظر الرواية على الموقع، في سابقة تعد الأولى بالسودان وأرسل بيانا باسمه للموقع جاء فيه:
«عندما حجبنا ذلك الموقع الذي ضم كتابات المدعو محسن خالد فإننا لم نفعل إلا حرصاً على عقيدة وأخلاق أهلنا وأرجو ألا يتهمنا أحد بالوصاية لأن ديننا يأمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». ويورد فى بيانه عدة نصوص جاءت في رواية محسن خالد تبرر قيامه بالحظر.
وإثر الحظر الحكومي قامت حملة توقيعات تشجب قرار الوزير تحت شعار «رفضا لكل أشكال الوصاية، والقمع، والإقصاء...تضامنا مع الأدباء المبدعين أينما كانوا...من أجل فضاء إبداعي حر وحرية مسؤولة». ووجدت هذه الحملة التأييد الكبير من رواد الموقع، فعلق أحدهم «ان القيم الاسلامية أقوى من أن تهددها رواية على الانترنت، وقارئ هذه الشبكة مثقف ولديه إلمام كامل بكل شيء، ولا يحتاج الى وصاية من أحد، ويجب أن يترك للناس الخيار وعدم فرض الأشياء عليهم».
تعليق آخر يقول «إن الوزير يتحكم في ثقافتنا ويدلنا على موارد الخير والشر، وينتقي لنا البضاعة الفكرية التي تناسب أذواقنا، وكأن كل أبناء السودان لم يبلغوا الحلم أو ينالوا حظا من تعليم». أما الناقد عيسي الحلو فقال «إن القيمة الاساسية لرواية (تيموليلت) تكمن في انها رواية استطاعت أن تخترق الشكل الروائي المستقر والمعهود. فهي متن إبداعي لا يتخذ من أية رواية سابقة مرجعية يستند عليها في الكتابة».. ولكن في المقابل كانت هناك آراء كثيرة موافقة لقرار الحظر الوزاري!
imported_بدور التركي
18-10-2010, 11:03 PM
http://www.youtube.com/watch?v=qO_IF2CAeo4&feature=youtube_gdata_player
imported_محسن خالد
18-10-2010, 11:17 PM
سحب،
imported_بدور التركي
18-10-2010, 11:18 PM
يا ضنين الوعد
http://www.sewandso.co.uk/prodimagesh/45394h.jpg
imported_بدور التركي
18-10-2010, 11:42 PM
عارف يا استاذ محسن من قبيل قاعدة في الغابة
أقرأ وفكري سارح في عالمنا العربي وفي سياستهم حول اصطياد وسلخ مبدعينهم!!
ليه ما بحاولوا حبس وتكبيل الإبداع
الإبداع في نظري هو كائن حي ينمو ويتطور بحياة الوطن العايش معه
والله حاجة توجع القلب!!
زمان في العصر العباسي كان الامبدع في حالة اطمئنان وتطور فكري وفلسفي وشعري وغيرها من مجالات الفنون والإبداع
اليوم الأدباء والمفكرين عايشين حياة قلق وتوتر نتيجة للضغوط التي يتلقونها من هجمات شرسة من أعداء الإبداع..
مفروض انت الأن تكون وسط بلدك عايش ملك
ومحاط بالرعاية والإهتمام والتقدير والإحترام
تبأ لكم أيها العرب المجرمين!!
imported_بدور التركي
19-10-2010, 12:07 AM
http://www.youtube.com/watch?v=8hqVKRIM0I4&feature=youtube_gdata_player
imported_بدور التركي
19-10-2010, 12:11 AM
سحب،
قلت :
عزيزة
امرأة أخلاقها كريمة:)
وأخلاقها حسنة
بالغت لكن:)
imported_محسن خالد
19-10-2010, 12:22 AM
إنت يا بدور، بابكر عباس ما قال ليك أرخينا من حكاية العرب دي، دحين ما جبتِ أماني ريناس بيدك، أها دي حبوبتي لزم.
طلعي عرب وغيرهم من قاموسك، وضعي بدلاً عن الجميع (الإنسان المجرّي)، كدي تمي جميلتك واعملي بحث في قوقل وجيبي لينا الإنسان المجري لمحسن خالد.
imported_بدور التركي
19-10-2010, 12:32 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد http://sudanorg.tk/vb/images/underworld/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=291204#post291204)
إنت يا بدور، بابكر عباس ما قال ليك أرخينا من حكاية العرب دي، دحين ما جبتِ أماني ريناس بيدك، أها دي حبوبتي لزم.
طلعي عرب وغيرهم من قاموسك، وضعي بدلاً عن الجميع (الإنسان المجرّي)، كدي تمي جميلتك واعملي بحث في قوقل وجيبي لينا الإنسان المجري لمحسن خالد.
;);)
عروبتي ما بسيبها ولا ح اتملص من جلدي:p
على فكرة حبيت أماني كثير
والملك اركمانيgoood امبارح قريت عنه كثير
يااخ كان عظيم وكبير بكبر الغابة دي:D
بروح ابحث ليك عن المجري واجرو ليك من اضانو:D
imported_بدور التركي
19-10-2010, 12:55 AM
الناس القيافة القيافة حبينا اللطافة:D
نشوف الجزء الأخير من اللقاء
وبعد داك نجيب الإنسان الحجري:D
http://www.youtube.com/v/LYpMZ5-K0Bc?fs=1&hl=en_US (http://www.youtube.com/v/LYpMZ5-K0Bc?fs=1&hl=en_US)
imported_بدور التركي
19-10-2010, 01:41 AM
الغابة مالها بقت مخيفة يا مبر;)
فاصل ونواصل
imported_بدور التركي
19-10-2010, 09:38 AM
محسن يا غابة الجمال والفن والذوق
صباحاتو يا فنان..
ما لقيت الإنسان المجري:o
لقيت حاجات تانية;)
انت ختيتو وين:confused:
جيبو لينا انت
اتشوقت لمعرفته..
imported_بدور التركي
19-10-2010, 12:27 PM
منتظرة ومتشوقة اقرأ صفحات الانسان
والشووووق شوق الهوا للمسافات
imported_بدور التركي
20-10-2010, 07:10 AM
صباح الخير يا فكر يقرع الكلمات كالأجراس
في غابة معلقة بخطاطيف الأمنيات..
http://www14.0zz0.com/2010/10/20/06/876204113.jpg
imported_بدور التركي
20-10-2010, 07:14 AM
http://www8.0zz0.com/2010/10/20/06/136735266.png
imported_بدور التركي
20-10-2010, 07:21 AM
Birth
Muhsin Khalid was born on 15 April 1973 in Al Mesektab village which is situated 7 kilometres north of the ancient city of Shendi. His mother, Al-Batula Bint Abdallah Al-Ansari was a devout Muslim. His father, Mohamed Bin Khalid was one of the founders of the Sudanese traditional Koranic schools in Sudan.
Intellectual development
Muhsin Khalid was raised up in the traditional Salafi way, where he memorised Quran by heart before turning seven. This has, profoundly, shaped his earlier outlook on life, so he joined Salafist religious groups. His earlier writings bear witness to this intellectual moulding in the Salafi school of thought.
Becoming a university student of economics helped him mature, and substitute his traditional and religious intellectual outlook with a more liberal and secular one. Hence his pioneer call at the University of Gezira, for students, to, explicitly, adopt secularism.
He established a secular "speaker's corner" in partnership with his fellow student Gariballah Mohammed Al Hassan, who later joined a political group ending their joint activity in this respect.
Later on, Muhsin joined hands with a number of friends and continued their secular activity, concentrating on arts and literature, via the vehicle of drama and poetry. Prominent among this group were Musa Hassan Al-Bashir, and Ashraf Al-Sir, who were known for their drama group "Fakket Reeg" which means "breakfast" in colloquial Sudanese Arabic. Other members were Haitham Khalid and Nahid Mohammed Al Hassan.
The Writer
His first collection of poems was published informally in 1993, and circulated in the environs of Sudanese universities only. This collection was titled "Atlas Dhid Algeopraphia" which translates into English as "Anti-geography Atlas". The book was printed and published by Abdelgayyoum Abdallah.
He later tried to publish many of his writings to no avail. On 11 January 2000 he submitted the manuscript of his first novel "The Coordinates of Man" to the Press and Publications Council for approval. But it was rejected upon a report authored by two Islamic-oriented censors; Ishaq Ahmed Fadlallah and Ali Yassin. The latter wrote: "The writer (Muhsin Khalid) has a fine way of dealing with words and language, and he is very skillful in narrating and story-telling, structuring characters, events, space, and time, and has great capability to generate meanings and lead dialogues. The novel is very good from an artistic point of view, but writing about sex, women and relationships is far too daring for the tastes of Sudanese readers, and Sudanese society at large. I recommend that the novel be assessed by another censor."
Ishaq Ahmed Fadlallah, the other censor, recommended banning the novel from publishing. He wrote: "This novel has all the characteristics of good liquor, it heightens the reader's receptivity for music, anticipation, drowsiness, intoxication, sickness, and the wrath of Allah. Hence, we have to decide, regrettably, that the novel is not suitable for publication."
Dr Yousif Aidabi, a drama professor in Sharjah - UAE, submitted the same novel to the censorship authorities there, when the writer moved to the United Arab Emirates to join the centre for geographical literatures in 2000. The novel was turned down by three officials, a woman and two men.
The writer approached the Cultural Foundation in Abu Dhabi to publish the novel, but was faced with the same rejection.
Later, the novel was cleared for publication by the censorship authorities in Abu Dhabi on 24 December 2001. The book was received well, and made some literary renown for the writer, who went on to publish his next novel "The Secret life of things" from Cairo.
This novel was widely circulated and read, together with his collection of stories whose first edition was, also, published in Cairo. The writer continued to publish, in many Arab cities, more books dealing with diverse themes.
A hardliner islamist journalist wrote an angry article in the paper under the title "What a lewd man - my testimony before Allah". In this article the Islamist journalist instigated public opinion against the writer emphasizing the state's religious authority, and named some religious scholars, including the fanatic Sheikh Abdelhai Yousif, urging them to condemn the writer. The journalist shouted, "where is Abdelhai Yousif and Attiya Mohamed Saeed and Mohamed Abdelkarim to see to this obscene writing?" He concluded the article, in a bid to solicit another Fatwa, by saying, "the writer is another Salman Rushdie, albeit with a different eye and a different tongue."
The first to respond to this instigation was the minister of communications, at the time, Al-Tayeb Mustafa, who blocked the writer's published works on the Sudanese website www.sudaneseonline.com, as his books in print have already been banned in Sudan.
The minister of communications issued an official statement justifying his action, and labelling the writer an apostate, while emphasizing that his decision was irreversible, because this was Allah's command.
"We won't elaborate on our decision to block the website which displayed the writings of the so-called Muhsin Khalid, because I'm convinced that it is futile or impossible to respond to him by quoting some of his obscene paragraphs, despite the fact that quoting obscenity and apostasy would not render me an apostate". The minister went on to say: "suffice it to quote the following two examples to show that our decision was correct, and in so doing, I am excused, as the Holy Quran quoted apostates' parlance about Allah (SWT)".
The writer, afterwards, travelled to the UK to live and work, and settled there.
The most comprehensive literary criticism of Muhsin's writings was written by the critic and story writer Isa Al-Helo who mentioned that, "Khalid's writings requires a new critical form as adventurous as the writings themselves, as they are so paradoxical and ambiguous that any critic would be at loss in terms of referential instrumentation."
The critic added - when commenting on the novel (Timolilt), which is about the true story of a Moroccan lesbian woman - "The fundamental value of (Timolilt) lies in the fact that the novel managed to penetrate the traditional and familiar form of novel writing, as it is a creative text that doesn't embrace any novel as a reference tool for writing."
The renowned Sudanese short story writer Bushra Al-Fadhil described the writer by saying: "You are a genius. Stride towards Nobel literature prize, from which many Sudanese veteran writers were deprived, by reason of demise and barriers."
imported_بدور التركي
20-10-2010, 07:27 AM
http://www8.0zz0.com/2010/10/20/06/160319815.jpg
imported_بدور التركي
20-10-2010, 07:36 AM
http://www8.0zz0.com/2010/10/20/06/160319815.jpg
About some of his writings
• (Portrait of Absence), is a philosophical vision that attempts to discuss the notion that absence came after existence, and that imagination is the first product of absence in human life, and, as such, dreaming is the first human occupation.
The painter and art professor, Dr Al-Nour Hamad, commented on this vision by saying; "What Muhsin wrote here scared and frightened me, albeit in a mysterious way, has yet to reveal itself." He added; "Muhsin Khalid was born a great writer, and he continued to be so in all that I read for him. He became even greater when I saw him carrying the cross of grand questions."
• (The Jailer's Dog) is a collection of four short stories .
The renowned poet Fidaili Jamma' said about the writer; "From words he makes chess pieces, and only he who could move them in the narratives and play games with the reader's imagination." Then added "To those who intend to punish Muhsin Khalid under the pretext of Islamic Law - they claim his writings were obscene - I would say, Muhsin Khalid is one of the best short story writers in Sudan in recent years. He unmasks the lies and delusions of a society that lost direction in times of grand failures. It's more apt, though, to punish those who turned our society, in this time and age, into a society riddled with superstition and ignorance, even more than medieval ages."
• (The Secret Life of Things) a novel;
The Syrian poet and critic, Jamal Mulhim said about it: "It manifests new and important features, daring and promising among Arabic novels of today. All critics should take note of Muhsin Khalid, this young, and indeed, talented, Sudanese novelist."
The Lebanese writer and critic George Jeha says about the novel: "Muhsin Khalid's novel (The secret life of things) may put the critic, who seeks objectivity, into a state of perplexity and confusion. Because abundance of depth, sensitivity, and poetry emanate from the novel, in contrast to other themes which almost extinguished that."
He added, " What's written on the book's cover may constitute, in some ways, a fair judgment of the ideas, notions, and philosophical questions in this work. But the style and technique is a different matter altogether."
Omer Shabana, a Palestinian poet and writer said, "The cuts and wounds in the human psyche caused by (creative writing is like injuring acacia trunks to obtain gum Arabic, not to cause bleeding and death)." This is one of the conclusions arrived at by one of the protagonists in the novel (the secret life of things), with which the Sudanese writer Muhsin Khalid surprises us, with its creative and artistic preoccupations, in terms of language, narratives, characters, events, or dialogues."
• (The Coordinates of Man) a novel, Rania Mamoun, story writer and critic commented on it by saying, "This novel is an intellectual, moralistic and psychological text with its unique code and idiosyncratic preoccupations. The writer, brilliantly, depicted its diverse and complex protagonists."
Abdelghani Karamallah, the story writer and artist, wrote: "What a beacon of light you ignited in the psyche! What a beat in the heart you stirred! A heart beat that gives meaning and purpose to life. And gives cause for celebrating life and protecting it. Whilst you are asleep and carefree, the readers in the four corners of the world are awake. Muhsin Khalid, you are asleep, yet awake in the Geneina train, in the lap of a young woman who was bored by the slow journey, so she asked the novel for help!. I sensed that Van Gogh died, and no longer could he devour a falafel sandwich, and his paintings are, now, richer than Al-Waleed Bin Talal. Surrealism of life may be unsettled/angered by the familiarity/ordinariness of work."
• (Anyanya Zero of Sudanese Culture), a philosophical vision, Adil Osman, a translator based in the UK, commented on (Anyanya Zero of Sudanese Culture), by saying: "The title is a manifesto of a rebel movement, which has been invented by Muhsin Khalid just now. This movement, we assume, was conceived before the real military/political rebel movements known as (Anyanya -1 and Anyanya -2).
Muhsin Khalid movement is active in the domain of Sudanese culture and thought. It's opposed to what's dominant, conservative and established. It challenges conventional wisdom, and the herd mentality.
This manifesto is biased to questioning the status quo. It's pro existential anxieties, doubt, and individuality. Pro the individual who cherishes solitude, and who is free from centuries of subservience, subordination and militaristic traditions that want to metamorphose individuals into one soulless entity, incapable of disagreement or individual excellence.
This is a statement to the people, from the leader of Anyanya -0. His pen is his weapon. His words are his artillery. He is prepared to be martyred in defence of his ideas and manifesto, in a bid to achieve the ultimate goal:
Redemption
Redemption"
Some of his works:
1- 'The Coordinates of Man' - a novel.
2- 'The Secret Life of Things' - a novel.
3- 'Timolilt' - a novel.
4- 'Passing in Front of Al Nashnaka' - a novel.
5- 'The Nature's Priest' - a novel.
6- 'The Jailer's Dog' – short stories.
7- 'Atlas' - poetry.
8- 'Nostalgia is the Homeland' - poetry.
***
1- Judgment Day and Man - philosophical perspectives
2- Portrait of Absence - philosophical perspectives
3- Difference between Poetry and Lyrics - critique
4- Formalism of Fundamentals - philosophical perspectives
5- The impact of Relativity and Quantum Theories on Philosophy.
6- The Historical Dictionary.
Book Reviews and Editing:
1. Editing and revising The History of Arabic Travel Literature by the greatest of Russian orientalists Agnatus Yelyanovich Chrichovsky. The book consist of 3 volumes: it was translated by Salah ad-Dean Osman Hashim. The first edition was published by the Arab League Publishing House, Cairo. The second edition was published by Al Suwaidi Publishing House within Exploring the Horizons project in collaboration with the Arab Establishment for Studies and Publication, Beirut.
2. Editing and revising A Journey in the Lands of Negroes by the Lebanese journalist Abdullah Hushaima, Al Suwaidi Publishing House within Exploring the Horizons project and in collaboration with the Arab Establishment for Studies and Puplication.
3. Editing and revising the book Enlightening Minds by An Account of the Countries of Arabs and the Sudan by lbn Omar al Tonisi.
4. Revising and editing The Journey of Muhammad Al Shidyaq in collaboration with the Syrian researcher Ayman Hijazi; the book was verified by the Syrian researcher Ghasim Wahab, Al Suwaidi Foundation, Exploring the Horizons Project in collaboration with the Arab Establishment for Studies and Publication.
5. Editing and revising The Journey to Berlin by the journalist Kamil Murwa, Al Suwaidi Foundation, Exploring the Horizons Project in collaboration with the Arab Establishment for Studies and Publication.
6. Editing and revising Three Algerian Travel, Al Suwaidi Foundation, Exploriing the Horizons Project in collaboration with the Arab Establishment for Studies and Publiication.
7. Editing and revising Three Journeys to Afghanistan, Chechnya and Kurdistan by the journalist Dr. Jamal Hussein, Al Suwaidi Foundation, Exploring the Horizons Project in collaboration with the Arab Establishment for Studies and Publication.
8. Editing and revising The Journey of the Great Bey, Al Suwaidi Foundation, Exploring the Horizons Project in collaboration with the Arab Establishment for Studies and Puplication.
9. Editing and revising The Journey of Al Na'ori to Italy, Al Suwidi Foundation, Exploring the Horizons Project in collaboration with the Arab Establishment for Studies and Publication.
10. Editing and revising The Journey of Kinglake to the East, Al Suwaidi Foundation, Exploring the Horizons Project in collaboration with the Arab Establishment for Studies and Publication.
11. Editing and revising Midnight Maps by the Iraqi novelist Ali Badr, A Sindbad From the Sudan by the Sudanese traveller Ahmed Hassan Mattar and Cities and Faces by the Tunisian novelist Ali Mosbah, Al Suwaidi Foundation, Exploring the Horizons Project in collaboration with the Arab Establishment for Studies and Publication.
imported_بدور التركي
20-10-2010, 10:20 AM
غابة مليئة بجميع العناصر الجمالية في العمل الأدبي
والنبض بدأ بالأنغام ونحن مأخوذون بسحر الإقاع وتقاليد المجال!!
http://www2.0zz0.com/2010/10/20/09/855885915.jpg
imported_أسامة معاوية الطيب
20-10-2010, 10:25 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/underworld/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=291765#post291765)
غابة مليئة بجميع العناصر الجمالية في العمل الأدبي
والنبض بدأ بالأنغام ونحن مأخوذون بسحر الإقاع وتقاليد المجال!!
http://www2.0zz0.com/2010/10/20/09/855885915.jpg
هسي دي غابة منو فيكم بالضبط ؟
imported_بدور التركي
20-10-2010, 10:27 AM
http://www2.0zz0.com/2010/10/20/09/466744089.png
imported_بدور التركي
20-10-2010, 10:32 AM
وما أدراك ما تقاليد المجال؟
أذكرُ في وقتٍ ما أنّني رأيتُ فيديو يجمع الأستاذ وردي مع الأستاذة أسرار بابكر، ويدور الحوار هنا وهناك، ليسأل المُذيع بعدها بطريقة استصدار فتوى من وردي حول جدوى وقيمة أسرار كمغنيّة!
توقّعتُ على الفور أن يقول وردي بأنّه لم يسمع أو -بأحسن الفروض- هو لا يعرف أسرار جيّداً، وذلك ما كان بالفعل.
الحادثة الثانية جرت بذات السيناريو أعلاه في الشريط الذي عُرِض هنا حين الاحتفال بصدور ألبوم الأستاذة نانسي عجاج، وكان من ضمن المدعوين الأستاذ شرحبيل أحمد، ولم ينسَ الأستاذ شرحبيل أن يؤكِّد على أنّه لا يعرف نانسي جيّداً أو لم يسمعها بما يكفي، ذات ما توقعتُه وأنا أُشاهد الشريط ولم يُخَيِّب الأستاذ شرحبيل ظنّي.
وأقول لكم بكل صراحة لا يخالجني أدنى شك في كون الأستاذين يعرفان جيّداً أسرار ونانسي، مثل جوع بطنهما، فما حكاية التجاهل هذه إذاً؟
ولو أنّ المسؤوليْن فنّانان غربيان لكان زعمهما في الاتجاه المُعاكس تماماً، أي حتّى إن كانا لا يعرفانهما لقالا نعرفهما، وهما كيت وكيت.
فالعيبُ أكبر العيب، أن يكون الفنّان غير متابع لساحته الفنيّة لدرجة أن لا يعرف أسرار ونانسي.
يا تُرى هل يجهل الأستاذان هذه الملاحظة عن جهل الفنّان لمستجدّات ساحته!؟ ففنّانو الدنيا كلّها وفي جميع ضروبها يطاردون مستجدّات ساحتهم وإن في الصين، ناهيك عن في عُقر بلادهم. فهل يجهل الأستاذان ذلك؟ وهما بالفعل أستاذان، لا كما جرت العادة في وصف أيٍّ يكن بالأستاذ؛ أبداً، فوردي كان يعمل أستاذاً لمادة اللغة العربية، وشرحبيل كان يعمل أستاذاً للتربيّة الفنيّة. فما هي الحصّة التي ستخرج بها هاتان الشابّتان من سلوك الأستاذين تجاههما، هل هي حصّة تلقين لإعادة ذات القصّة وإنتاجها في المستقبل من قِبَل الشابتين تجاه شبّان قادمين في المستقبل! بعد أن تكونا قد حقّقتا كرسي الأستاذية المقدّم للأستاذين حالياً!؟
ولكن دعنا نتمهّل، لنسأل عميقاً ومن باب التفهّم لمنطلق الأستاذين، ما هي الأسباب المدفونة وغير المنظورة هنا، لهذه المُشكلة الملحوظة!؟
الأسباب باختصار هي انعدام ثقافة تقاليد المجال في البيئة السودانيّة كلّها، لأنّها بيئة بِكْرة تشهد تحولاتٍ ثقافيّة وفكريّة عاتية ومخيفة في آن.
فالأستاذان ليسا سيئين، ولا غتيتين، ولا يخافان "تكبير" رأس الشابّتين، لأنَّ الشابّتين أعرف الناس بطول المسافة التاريخيّة والفنيّة بينهما وهما في مُقتبل عطائهما الفنّي، وبين الأستاذين الراسخين في المجال.
ولكن ماذا عن البيئة الإعلاميّة، والفنيّة أوَّلاً، ثم الاجتماعيّة ثانياً؟ التي هي أصلاً تقنص بمثل هذه الأسئلة لكي تُبَخِّس من سبقوا دائماً، وأعني بالتحديد طبعتها الشبابيّة التي تلبس "حودة-محمود عبد العزيز" في علاقّات من جنس تبع المفاتيح في أعناقها ولا تعرف زنقار من عبد الزمبار، ولا الكاشف من عصام محمّد نور وهو فنّان جيّد، ولكنه غير عصامي -عكس اسمه تماماً- إذ لا وجود له إلا عبر الكاشف، فإلى متى؟ والخلل كذلك يكمن في الجهات الفنيّة والإعلاميّة التي لا تعرف كيف تُقدِّم الفنّان المبتدئ من الوسيط من الراسخ، كلّه عندها ليمون. ولا تستطيع أن تفرز في هذه البيئة الأستاذة ندى القلعة من أعلام راسخين كوردي والراحل عثمان حسين، إلا بالتوب، والكل يُمنح في الحوار معه ذات زمن البرنامج، وذات الصفحات المخصّصة لإجراء حوار، عكس التقاليد الإعلاميّة في الدنيا كلّها... لماذا؟
لأنّه لا تُوجد تقاليد مجال، ولأنّ بيئتنا استلفت من البيئات العربيّة المجاورة معظم أمراض تقاليدها، ولم تقم بنقل المحاسن. والبيئة العربية المجاورة في مصر دائماً تعاني من مشاكل الفنّانين "الممثلين" على سبيل المثال، تجدهم إذا أنجزوا فيلماً كُلُّ واحدٍ منهم يُريدُ أن يضع اسمه في "تَتَر" الفيلم قبل الآخر، ومشاكل وزعيق ونبز.. إلخ.
فهل تُوجد مثل هذه المشكلات في هوليود كظاهرة مثلاً؟ اللهم إلا نادراً ويقوم بها مدمنون ومجانين، فتُدان من الجميع، وتكون محط استهجان، كما تُحسم بسرعة وعدالة متناهية وفقاً لتقاليد المجال الراسخة في هوليود.
إنّ بيئتنا الفكريّة والثقافيّة والفنيّة وفي جميع مناحيها هي بحاجة لكتابات تُؤسِّس وتناقش قضية التقاليد هذه، لكي لا يضطر الأساتذة الكبار كشرحبيل ووردي إلى مثل هذا "التقتير" في إيفاء شابتين مجتهدتين حقهما من "النقد" لا الثناء، بل قل حظهما في بَرَكة الأستاذين.
فهذان الأستاذان -كبيران وراسخان- لدرجة أن يُتوقّع منهما توريث من يليهما تقاليد تقع في باب المعرفة لا الحِيَل، الاستراتجيات لا التكتيكات، فمعالجة مشاكلنا في إرساء قيم وتقاليد المجال لا يمكن حلها على هذا النحو.
imported_بدور التركي
20-10-2010, 10:40 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أسامة معاوية الطيب http://sudanorg.tk/vb/images/underworld/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=291768#post291768)
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/underworld/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=291765#post291765)
غابة مليئة بجميع العناصر الجمالية في العمل الأدبي
والنبض بدأ بالأنغام ونحن مأخوذون بسحر الإقاع وتقاليد المجال!!
http://www2.0zz0.com/2010/10/20/09/855885915.jpg
هسي دي غابة منو فيكم بالضبط ؟
غابة الثنائي
اليانج والين
ومن ثم
ولدت التثليث وكانت الأشياء والمحسوسات;)
للمعلومية
اليانج هو المذكر
والين هي المؤنث
السماء والشمس ينتميان لفصيلة اليانج
والأرض والقمر ينتميان لفصيلة الين
على قول كونفوشيوسgoood
imported_بدور التركي
20-10-2010, 11:01 AM
يا سلاااااااام يا مبدعييين
غايتو السودان دي فيها غابات من المطر مثيرة غير قابلة للتفسير
http://www.youtube.com/watch?v=PhaYwXLQLho&feature=youtube_gdata_player
imported_محمد مصطفي
20-10-2010, 02:39 PM
هذا البوست ملئ بالجمال ...
محسن خالد كاتب اتلذذ لمقالاته حد النشوة
اشكر لك هذا السرد عنه وعن سيرته ونشأته
ولعل طبيعة القرية .... ودراسة الخلاوي ... مهدت الطريق لكثير من الكتاب في بلادي
واردت ان اتطرق ايضاً فيما يختص بكبار الفنانين في السودان
فبقدر ما تعجبني كلمات واغاني الفنان وردي ... بقدر ما اكره عنجهيته وتكبره
وفي اعتقادي تواضع الفنان وبساطته تجعله محبوباً وذو شعبية
لي عودة
تحياتي بدور
imported_بدور التركي
20-10-2010, 10:16 PM
هي غابة يا اخ محمد حطمت القيود التي كانت تكبل صاحبها
وتمنعه من الإنطلاق إلى الأفق الرحب والإبداع..
هذا هو محسن خالد انسان مبدع فن موغل بالدهشة بالفكر الإنساني
دهشته بالطبيعة بوحوش الغابة والصراع بين حيوانتها!!
دهشته جعلته يتخلص من جمود الكلمات ..جعلها اي اللغة صرخة
للتعبير عن عناصر الحياة بإبداع روحي ..جعل اللغة تجربة للحياة
بكل أفراحها ومآسيها!!
فليس غريب ان نتعمق في غابته ومناخها الإبداعي المتمرد..
منتظرين عودتك
وشكرا لحضورك الجميل..
imported_أحمد محمد صلاح الدين
21-10-2010, 07:47 AM
ضُلي في البحر ما ضُلي
ضُلي في البحر ما ضُلي
يا ضلي
يا ضلي
ياضلي
يا ضلي المولود مني ومن الشمس
يا ماشي معايه في السكة سامع جوايه الهمس
أنا مين يا ضل
هده في جلدي لون الأرض الساطع
أصبح لوني مازي لوني ما زي لون الصاحب
و د الحاج يا صاحب
عطشانين ياخي ومشتاقين
بدور يا حواء بلادي
ياخي الحاجات دي بتروي الشوق وبقول انو في حب
قولو لمحسن كن في السماء رغم أن الأرض جاذبه
صبرٌ جميل و الله المستعان
imported_بدور التركي
21-10-2010, 08:58 AM
الله المستعان يا احمد!!
السماء والأرض مترابطان ولا غنى لأحدهما عن الآخر
كيف يكون في السماء؟
من سيروي الأرض
والسماء مخنوقة بخيوط الشمس؟؟
يا قمر بلغت حد التمام وطلعت مكانك السليم
يا إضاءة الأرض فيك تحقق التناسق والتناغم للكون....
وعليكم أحسنه وأجمله..
imported_بدور التركي
21-10-2010, 09:06 AM
كانوا مندهشون
كنت أدرك
انهم جاحظون
كانوا يجهلون
كنت أفهم
انهم شمشارون!!!
imported_بدور التركي
21-10-2010, 07:16 PM
كانوا مندهشون
كنت أدرك
انهم جاحظون
كانوا يجهلون
كنت أفهم
انهم شمشارون!!!
الأحبة المتداخلين جميعا
هذة المداخلة لم اقصد بها مداخلة معينة..
وعذرا لو كان هنالك اي شيء غير مفهوم وليس له صلة بالموضوع
وعفوا مرة ثانية لأي إزعاج او إيحاء أكون قد سببته بمداخلتي هذة!!
imported_طارق الحسن محمد
21-10-2010, 07:56 PM
امرق لى بتفاحة معاك بالله من الغابة دى
ولو بالعدم
اجاصة يابدور
imported_بدور التركي
21-10-2010, 11:51 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق الحسن محمد http://sudanorg.tk/vb/images/underworld/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=292280#post292280)
امرق لى بتفاحة معاك بالله من الغابة دى
ولو بالعدم
اجاصة يابدور
جبت ليك فاكهة لذيذة
ان شاء الله تعجبك
الموفد
كنت عندما أفعل شيئاً يخالف ناموس القرية "لها ناموس قديم ومستمر كالنيل", يشتمني الكبار قائلين:
"تُفو عليك يامِلّة المجانين. أمشي يا تَرَب الجن، أي نسله".
فأكتفي بغيظي وأبقى جاهلاً لمصدر هذه الشتيمة. عندما أسأل أهل أبي يضحكون. أما أهل أمي فلا يعطونني جواباً. كنت أعرف أن جَدي لأمي "عبد الله الأنصاري" كان مفقوداً. خرج من قريتهم هذه بليل ولم يعد إليها أبداً.
***
عبد الله الأنصاري كان ضابط صف في الجيش. قوة دفاع السودان. قاتل مع الإنجليز ضد الإيطاليين في واقعة "كرن" الشهيرة، على الحدود الإثيوبية. وزار مصر وبقي فيها لبعض الوقت لا أدري مدته ولا تاريخه. كان رجلاً متعلماً ووسيماً ومحبوباً في المكان. وهو لا يشبه أحداً من أحفاده مطلقاً. وهؤلاء الأحفاد ينحصرون في أخويّ من جهة أمي "الحاج والحسين" وإخوتي من خالتي عائشة. فهو لم ينجب ذكراً ولم يمتد العمر بابنته الثالثة "نورا". طردوه من الجيش بتهمة الثورية ضد الإنجليز وتحت غطاء ستعرفه بنفسك لاحقاً. فعندما عاد الرجل لقومه كان له رأي مختلف في الحياة كلها.
جَدتي "الحرم" كانت تتفادى أسئلتي حول الرجل. بعد إلحاح وضغط مني حكت عنه:
رجل أبيض اللون وعالٍ كالجمال. يضع ملفحته فوق كتفه ومعها تبروقة الصلاة، مصنوعة من جلد طري ومدبوغ بشكل ناعم ومرقق. وفي يده اليمنى على الدوام مسبحة وركوة لماء وضوئه. ركوة تشبه أباريق الفخار النوبية وتختلف عنها بنقوش الخط العربي التي يكتبها الأنصاري بنفسه. ويحمل في يده اليسرى كوكابه الذي رآه الناس كثيراً وهو يصرع به الجاموس البري كما ولو أنه جرو. كل القرية متأكدة من بأس الرجل وسطوة كوكابه. لأنهم شاهدوه وهو يخرج بضربة واحدة منه "بنت الأمين" التي انهد عليها بناء الساقية القديمة. ثم حبستها حبال الللّس الغليظة والتواريق بين جدار البئر وعيدان الساقية المتشابكة. قالوا بمبالغاتهم الريفية: لم يضرب بكوكابه جدار الساقية، لا، بل نخسه كأنه يخرج علقة من أذنه. سدّ الرجل بجسمه الفاره فضاء المسجد أمام المجتمعين بداخله، ثم سألهم بصوته الخشن وببحته المعروفة قائلاً:
- أتعرفون مَن أنا؟
ضحكوا لنكتته وأجابوه مداعبين:
- أبداً، لا نعرف. تفضل يا ود الأنصاري.
لم يجلس، بل أعادها عليهم:
- أحقاً لا تعرفون مَن أنا؟
فيهم رجل يحب المزحة، أجابه:
- نعرف. ولكن هذا الصباح لا. مَنْ صرتَ؟
قال لهم ود الأنصاري:
- هذا الصباح جاءني البيان.
سألوه:
- أية بيان؟
أجابهم:
- بيان نبي الله عيسى. عيسى آخر الزمان.
سأله أحدهم:
- ماله عيسى؟
أجابه ود الأنصاري:
- أنا هو، بشراه. أنا الموفد. كتاب وبرق نبي الله عيسى.
أخيراً عرفوا أن المسألة ليست مزحة. همهموا مع بعضهم وتعوذوا بالله. كان معهم رجلاً عرف عنه ميله للفروسية وإدعاء القوة. الآخرون شعروا بأن الرجل أصابه شيء ووجموا غير مصدقين. أما هذا الرجل الشديد فقد قال لود الأنصاري:
- أنت لا تحترمنا كرجال. هذه فروسية منك أم ماذا؟
تجاوزه عبد الله الأنصاري وأضاف:
- الله غالب. إن كنتم لا تصدقوني فالله غالب.
كررها عليه الرجل:
- يا زول أسكت. هذه فروسية منك وعدم احترام.
التفت ناحيته الأنصاري:
- هي كذلك. مَنْ أفرسُ مني؟
أجابه الرجل:
- حواء والدة.
ردّ عليه الأنصاري:
- ولدتني أنا، ثمَّ مَنْ؟ ما عداي تغوَّطَت.
واتجه ود الأنصاري ناحية المنبر بعجلة. يرتجف من الغضب. وضع ركوته ومصلاته فوق المنبر. وظل الكوكاب في يده اليسرى لأنه أعسر. أعاد عليهم من مكانه:
- أنا نبي الله عيسى وفارس. مَن فيكم الله لينكر إرسالي؟
كاد الغضب أن يُكَفِّر الرجل الآخر أيضاً، نهض وأجابه:
- أنا. أبو جهل. تعرفني؟
أجابه الأنصاري كنبي سابق وأقدم قليلاً:
- النبي محمد غلب أبا جهل. نار الله في الدنيا قبل الآخرة.
طبعاً باقي الحوار من هنا يقطع مسافته الكوكاب. يمشيها على ساقين، كوكاب وكوكاب. ولكن المجتمعين في المسجد أمسكوا بالرجل الآخر. حاول رجل ثانٍ غير الذي شاجر الأنصاري أن يتقدم لمناصرة الأول لأنه صديقه، ولكنهم أمسكوا به هو أيضاً. عبد الله الأنصاري أصابه مكروه ولا شك، ولا داعي لأن يأذيهم في رجلين دون قضية.
محمد التلب صديق الأنصاري أخذ يهدئ صديقه ويبكي لما ألمّ به. ثم تمكنوا من تهدئة الأنصاري أخيراً وذهبوا به إلى بيته. جاؤوا به عند زوجته الحرم جدتي وكانت ترضع طفلتها الراحلة نورا. أدخلوه وأخبروها سراً بما حدث في المسجد. هو انصرف إلى صلاته. لا أدري على أية مِلّة. ولكنه على كل حال انشغل بصلاته ولم يكترث لجلبة الأهل الذين تدفقوا على المنزل.
ثم قالت جدتي بأنه رفض العلاج واختفى من عندها ذات ليلة وإلى الأبد.
وبوصفي روائياً أقول إن القصة هكذا فيها فراغ. هذه ليست نهاية تخدعني بها جدتي. ألححت عليها من جديد فتذكرت تتمة من ناحية أخرى:
في أواخر الستينات قابل عبد الله الأنصاري رجلٌ اسمه "عثمان عبد الله". وبعث معه ود الأنصاري هدايا لابنتيه البتول أمي وخالتي عائشة. فقد أخبره عثمان عبد الله بوفاة ابنته نورا. كما أخبرهم بأن الرجل يمتهن بيع الكتب في شوارع الخرطوم. ثم لقيه بعد ذلك أخوا جدتي الحرم "المبارك وفضل المولى". بالمصادفة وحدها، فهما لم يقصدانه لأنه كان يتنقل من مكان لآخر. طبعاً ود الأنصاري لن يتعرف على فضل المولى لأنه كان صغيراً حينما غادر هو البلد. عرف المبارك الشهير بلقب "الكير" ِوتجاهلهما معاً. أخبر الكير أخاه بأن الرجل ذاك هو عبد الله الأنصاري زوج أختهم المفقود. وانطلقا ناحيته بتعجل وشكك. سأله الكير محيياً:
- كيف الحال يا ابن العم؟
تأمله الرجل طويلاً ثم أجابه:
- طَيِّب.
يتمادى معه الكير بحذر. فهو يعرف طبع الرجل وهو مَن زوجه لأخته الحرم. يسأله الكير:
- كأنني رأيتك من قبل!؟
أجابه الرجل:
- من قبل؟ لا، لم ترني. لم أكن موجوداً. من قبل كان المنتهى ومن قبل كان الماء ثم العرش.
الكير خلط هذه العبارة، يحفظ كلماتها جيداً، ولكنه قدّم فيها وأخَّر. تحققت من ترتيبها هذا من فضل المولى، فهو أصغر وأدهى قليلاً. طبعاً أنا مثلك، أريد حقيقة ذلك الرجل المدعي. ولكن الكير ليس بوسعه أن يدير لنا حوراً يكشف شيئاً. لن يفاوضه في مسألة كهذه، سأله مباشرة:
- ألست عبد الله الأنصاري؟
- لست عبد الله ولست شيطاناً. أنا الموفد. ما الذي تريده مني؟
- أريدك أن تأتي معنا.
- لن آتي. الذي يمشي منا لا يأتي.
أجابه الكير بكلام غامض:
- كلهم ماتوا إلا واحد.
ردّ الأنصاري:
- وإن يكن.
لا زال الرجل حَيَّاً إذن، ولا زال رأيه معه بعد كل هذه السنين. تركه الرجلان وأسرعا مبتعدين. لقد قَرَّرا استدعاء الأشخاص الذين جاءوا معهم للخرطوم. سيحضرون الرجال وعربتهم ويأخذونه بالقوة. عندما عادوا وجدوا أن الرجل قد جمع كتبه واختفى كآخر مرة يراه فيها أحد.
فَكَّرت أن ذلك الرجل كان مستهبلاً كبيراً. يبتز البسطاء والمساكين أمثال فضل المولى والكير بعبارات طلسمية وغامضة. سألت جدتي الحرم ثم فضل المولى:
ما الذي يعنيه الكير من قوله: كلهم ماتوا إلا واحد؟
جدتي هزت رأسها بالنفي، وفضل المولى استهبلني قائلاً:
- لماذا تسأل؟ كلنا لا نعرف.
هذه العبارة هي لا تعني شيئاً، ويمكنني أن أكشفها لك الآن. لست محتاجاً لابتزازك وتشويقك. ولكن رائحة الجريمة فيها قادتني إلى كنز كنت أجهله تماماً.
قلت سأسأل الكير صاحبها عن تفسيرها إذن. ذهبت إليه في بيته مساءً. أجابني بعد مراوغات كثيرة ابتكرتها للدخول في الموضوع. سألني مستنكراً:
- هل أنا قلت ذلك!؟
نعم قلت.
- هل كنت معنا أنت؟
- أبداً، ولكنك قلت ولا تريد إخباري، لماذا؟
- لا أُريد إخبارك إذن، أتطلبني شيئاً؟ ولماذا أخبرك؟ ما الذي يهمك أنت؟
- لن تتهرب مني هكذا؟
قام بتطوير طريقة تهربه. كان يحلب بقرته، ولا تنسى أنه جَدي خال أمي. يعني في لغة الريف هو ولي أمر. وهكذا هي ولايتهم للأمر، لم أتعرف عليها إلا في مواقف كهذه. طَبَقَ الحبل في يده ولوَّح لي بصريمته التي تستخدم في وثاق وتثبيت الجواميس للحلب. ثم أجابني:
- ستتركني أحلب عشاء أولادي أم لا؟
تركته فوراً. لو أرسل ذلك الحبل ناحيتي فلن يتوقف بعدها. هو معروف بإتقانه لهذه المسألة. عدت لجدتي المسكينة وجَدَّدت التفاوض معها. ولكنها رفضت مطلق الرفض أن تشرح لي ما قاله أخوها. ربما سئمتهم وسئمت سرهم التافه ذلك الذي يخبئونه بإجماع كعوراتهم. سألت جدتي هكذا، عرضاً وعن طريق الملل والمصادفة البحتة:
- ألم تكن له كتب يقرأ فيها؟
- كانت له، يقرأ ليلاً ونهاراً بلا توقف.
شعرت بالضجر يغادرني دفعة واحدة. سألتها بلهفة المدمن ونهيته:
- لم يخبرني أحد من قبل، لماذا؟ كلكم دين حجر، وأين هي الآن؟
- عند أخته عائشة.
وانطلقت ناحية منزل عائشة عدواً. الوقت مساء أقرب للّيل. منزلها كقلاع المماليك القديمة. يقع على ربوة عالية وتحيط بها الأشجار قريباً من النهر. لماذا لم تخطر أخته عائشة على بالي من قبل!؟ انتبهت لأول مرة أن خالتي عائشة تحمل اسم أخته عائشة. دلالة مودة وعلاقة خاصة بينهما ولا بد. ولكن بعد كل هذه العقود من الزمان؟ لا أظن أنني سأجد شيئاً. وجدتها تلف تبغها وتدخن تحت أشجارها بهدوء وعدم اهتمام. رفعت صوتي بالسلام. لأنَّ صياح الطيور ورفيفها على الشجر عند المساء يفرض ذلك. التفتت نحوي ورحَّبت بي من ناحية نسبها هي:
- أهلاً يا ولدي، حبابك، حباب ود البتول بنت عبد الله أخوي. آسفة يا ولدي، السجائر هذه لأن معي "أولاد ماما".
وهذا قبيل من الجن، "أولاد ماما". معروف أنها غاوية "زار" وعَرَّافة لها شأن. قلت لنفسي: إن لم تخبرني عائشة هذه فلن يخبرني بعدها أحد. ولكن الكتب أهم لي من كشف لغز الواحد الذي لم يمت ذلك. الكتب ستخبرني بالذي يجهلونه جميعاً. سنرى الكتب أولاً وبعدها سأثير حماستها كي تتدفق في الحديث عن أخيها. فهو أخوها بأي حال ولن تتحدث عنه بحياد أصهاره. ناورتها وناورتها حتى بلغنا مسألة الكتب. تعنتت جداً في البداية ووافقت بعد تحجج وطول بال. صبرت عليها حتى امتزج التعاطف في عينيها بالصرامة ثم قالت لي بشكل قاطع:
- أنت فقط. لأنك حنين وتسأل عن جدك.
الليل ترامى أكثر. وصياح الطيور أخذ يتباعد وينطمس. قلت لها بخفوت:
- شكراً، أنت أيضاً حنينة يا جدتي. ألم يكن يشبهك؟
لم تجبني، بل اشترطت عليّ أيضاً فوق شرط "أنت فقط"، قائلة:
- ولن تأخذ شيئاً.
- طبعاً. مفروض كل حاجاته تكون معك أنت وحدك.
لم أكن أبتزها. امرأة حفظت هذه الأشياء لأربعينات السنين تستحق بالفعل تمثالاً. حتى لو كانت أشياء تافهة وخراء. هذه بقية وأثارة مما تركوا وأرشفة تاريخ. فلو أنه بقي مع جدتي الحرم لأشعلت به نار الكسرة. الرجل كان يعرف هذا جيداً. الكتب لعائشة وبناته للحرم. الحرم ستكفيها غريزة الأم للحفاظ على مسألة كهذه. ولا بد أنه اكتشف في عائشة مواهب أخرى.
قادتني لمخزن كالدهليز. أطلال من الحجر ولا تصله الكهرباء مع باقي المنزل. دخلناه بفانوس كيروسين قديم. عيدان السقف أصبحت بُنِّية اللون من أثر المطر والسوس. تسندها انثناءات الصخر المقوسة بمهارة. لولاها لسقط المخزن على الأرض. فتحت بمفتاح تعلقه في عنقها سحارة تسد المخزن من أوله وحتى قريب آخره. وأنا مدمن، فلا بد أن يخونني الصبر. أسرعت أعاونها في إزاحة الغطاء الخشبي الثقيل. الرجل غطى أشياءه بشرائح شجر السرهيت وألياف غريبة. تابوت فراعنة. أبعدت محروقات الفخار التي حشرها بين الكتب والخشب. قالت لي عندما رأت تهافتي الشهواني:
- تعوَّذ بالله يا ولدي. كتبه هذه "عِلِم مفارقين". يا حليلو أخوي.
بدت لي كلمة "مفارقين" رهيبة ومؤثرة تحت ضغط ذلك الجو. خصوصاً أن أول مخطوطة سللتها وقَرَّبتها من ضوء الفانوس كانت عبارة عن مُستلات ومرويات من بطون كتب لـ"الزمرة"، الكتاب المفقود، لابن الراوندي. ثم "هياكل الأنوار" للسهروردي. "الآجرومية". "اللزوميات ورسالة الغفران" للمعري. "فضيلة المعتزلة" لأبي عمرو الجاحظ. "تهذيب الأخلاق" لمسكويه. "كتاب النفس والروح وقواهما" فخر الدين الرازي. "فصل في مرض القلوب وشفائها" مخطوطة زاهية منقولة باليد من مجموعة فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية. "الأخلاق والسير في مداواة النفوس" لابن حزم الظاهري، وله أيضاً "طوق الحمامة"، فالعشق هو موضوع المتصوفة الأساسي في الحياة. "الطواسين" للحلاج. نقولات عن "الفتوحات المكية" لمحي الدين بن عربي. الأشعري، الطحاوي، المفسر أبو السعود، ابن عطاء السكندري. "فضيحة المعتزلة" رَدْ ابن الراوندي على الجاحظ في "فضيلة المعتزلة". "العواصم من القواصم" في نقاش الفتنة بين علي ومعاوية لأبي بكر بن العربي. "إحياء علوم الدين" للغزالي. هيا لن نستمر في مثل هذا التعديد، قلت لك مخزناً بكامله. ذاك وكذا وكذا، يم من المعرفة. القاموس. أردتك أن تعرف الخط الذي ستسير فيه اهتمامات الرجل وكتبه فحسب.
المخطوطات مبهرة لحد الجنون وأكثر من الكتب. وأكثر محافظة منها. لأنه نقلها على جلود وحوش دبغها وعالجها بنفسه. أما من أين نقلها؟ فلا أعرف. ولكنه عمل مع الجيش الإنجليزي كما أسلفت وكانت له جولات في مصر كما أسلفت. خط عربي مذهل ومُبَقَّع بأحبار ملونة. لن يبزه في الخط العربي إلا التشكيلي "شبرين". لأنَّ تعاليم ابن مقلة وابن البوَّاب موجودة بداخل مكتبته والرجل تجاوزها بالفعل. بحثه عن طريق سماوي جديد واضح حتى في تناوله للخط العربي في ذلكم الزمن.
انفعلت وغَطَّاني الجلال. جلال المعرفة ورهبتها المحيرة والشيطانية. "عِلِم مفارقين" أخذت تتمشى بداخل رأسي كسيقان العناكب. تساءلت: هل كنت سأكتفي بكون الرجل مجنوناً وانتهى الأمر؟ آهٍ لو فعلتها أنا بالذات! هذا الكلام كله لمن كان يدخره؟ لمن كان يحرق يديه بنار الفخار ويدميهما بالنقل ولعنته؟ لجدتي الحرم!؟ لاخوتها حفظة الأسرار!؟ لي أنا طبعاً ولا أحد غيري. مجنون وانتهى الأمر؟ يا للأسف. ربما هو مجنون، ولكن لماذا؟ وكيف؟
أخذت أقهقه. تذكرت الرجل الذي أجاب جدي قائلاً:
- أنا. أبو جهل. تعرفني؟
كان الرجل أُمياً لو تعرف. هذا كل ما أخبروني به عن مشاجر الأنصاري، أما اسمه فلا أعرفه. قتلوه إذن كما قتلوا "محمود محمد طه" و"التيجاني يوسف بشير" و "معاوية نور" و "أبو ذكرى" و "مايكوفسكي". وبددوه بطريقة غامضة كما بَدَّد الجهل المتآمر "غارسيا لوركا" من قبل.
عشقت الموفد. أعجبني فيه الرجل المتوحد مع الكتب. والمشحون بالمعرفة لحد المروق من الجهة الأخرى. أثَّرت فيَّ كتبه وفكرة ما تمنحه المعرفة من طاقة جنونية. أظن أنَّ "بيان" الأنصاري بداخل ذلك المسجد الذي لا يدخله إلا الشتاء والصيف، كان أهم حدث يدخل تاريخ التفكير في ذلك الريف القاحل. لا خوف ولا خجل. الحياة مخاضة واحدة، والرجل أيضاً. قلت لجدتي عائشة:
- هذا الرجل أهلي وحده. عداه لا أهل لي.
وجَدَتها عائشة فرصة كي تصفي مشاحنات قديمة، دارت بينها وبين جدتي الحرم أيام كان ذلك الرجل يعاني. قالت لي:
- حبوبتك الحرم كانت تظنه مجنوناً.
- ومن هي الحرم هذه لتظن أو لا تظن!؟ أكانت لها مكتبة كهذه تقرأ فيها كي نناقش آراءها بخصوص العقل وعدمه؟ هنا الحديث للمعارف وليس لجمع البامية واللوبيا كي نقبل لها شهادة.
أكَّدتُ لها وفي بالي أشياء أخرى:
- قلت لك هذا الرجل أهلي وحده.
تَبَسَّمتْ، سألتني:
- كيف؟ وجدك خالد ود عمر؛ جدودك أهل العلم؟
- هذا قَبَّاض سمك. أريد هذا النبي وحده.
ضحكت وهي تتمايل. أعجبها تنصلي عن أهل جدتي الحرم ثم عن أهل أبي. جَعلتُها تنال منهم. فهم أهل سؤدد أكثر من أهلها. بقي معي أخوها وحده. أرادت أن أشتم لها أهل أبي ثانية. لم تسمع. أضافت:
- ولكن الناس ينادونك بالأنصاري أم بالعمرابي؟
- الناس لا يعرفون اسمي. ولكن أبو صلاح شيخ الحيران كان ينادينني بود خالد.
قالت وهي مبسوطة:
- مَخيَّر.
- نعم مَخيَّر.
في الحقيقة لو كانوا ينادونني بأبي "محمد" لقبلت. فقد كان هو أيضاً رجلاً عالماً ومتيناً. ولكنه كان سلفياً. فلا بد أنه كانت تنقصه دينامية التفكير الفني. على عكس التصوف. ولو نادوني بجدي "عمر" فهذا أيضاً عالم كبير وسأقبل. وحتى لو نادوني بأبيه أحمد فهو أيضاً معرفي وسأُقِرَّهم. كلهم باسلون وعلماء قرآن وفقه وإعراب وسيشرفوني. أما أبوهم الكبير الفكي "الحسين" والفكي سودنة لكلمة الفقيه، فهذا جبل يراه القاصي والداني. السودان كله يعرفه. وهو مدفون في "المسيكتاب جنوب" جوار الشلال السادس. حيث عَلَّموا القرآن والفقه واللغة ونقشوا أنسابهم العربية على صخور الشلال ورقدوا. اسمي الكامل هكذا: عبد المحسن محمد خالد عمر أحمد الحسين. والناس لم يختاروا لي من هذا الاسم الطويل كله إلا "خالد". الذي تعلم الكتابة والقراءة فقط ثم هرب من خلوة أبيه. هذا الفاشل الذي سيرافقني في كتبي الفاشلة. ليكن يا قَبَّاض السمك، لو فشلت أنا أيضاً فسيكون مصيرنا مركب وريح.
وأنا أيضاً كنت أريد حماسة عائشة، وهاهي تَحَمَّست. أضفت مراوغاً:
- أظنهم ظلموه؟
- ظُلم الحسن والحسين يا ولدي.
- هنالك قصة يخبئها جدي الكير الأسود، لا أعرف ما هي.
- ألم يخبرك بها؟
- لم يخبرني.
- هؤلاء لن يهمهم إلا انقطاع المصاريف عن أختهم وبناتها.
قامت بإشعال سيجارة جديدة ثم أخذت بيدي قائلة:
- تعال. أنت يا ولدي حنين وسأخبرك بالقصة كلها.
كانت حكاية فارغة كموضوع يتكتمون عليه. ولكن تَذَكَّر أنها تمسهم وما هي من ابتكار الراديو. وإن كانت لا تخلو من دلالات بالنسبة لروائي سخيف مثلي. هم أرادوا جميعاً وحتى عائشة أخته أن أظل جاهلاً بأسماء الأشخاص الذين تضمهم القصة. وحتى هذا اليوم أنا لا أعرفهم. كأنما عرفوا أنني سأصبح مهووساً ذات يوم بنوع من الكتابة لا يعترف بالتكتم. وخيراً فعلوا. كنت سأكتب لك أسماءهم هنا واحداً واحداً. وليمت حفدتهم ضغينة/ جراء ذلك. ماذا سنفعل بتَرَب أبي جهل، الذين شَرَّدوا من يحفظ السهروردي؟ مَن يخط مخزناً من المعرفة بيديه؟
قالت إن الرجل الذي شاجر أخاها في المسجد وصاحبه. جلبا رجلين آخرين وقصدوا جدي حيث يتعبد. كان يتعبد تحت شجرة حراز ضخمة مجاورة للنهر وقريبة من مكان تُلقى فيه الأوساخ. الرجل كان قد حسم أمره مع الناس واختار مكاناً منعزلاً وقصياً. وهم قصدوه هناك بدافع تأديبه على وقاحته في المسجد والانتقام منه. نادى فيه الرجل الذي شاجره من بعيد:
- استعد يا ود الأنصاري. الرجال قاصداك.
أجابه جدي:
- الرجال بتقصد الرجال. أنا واحد لكن موفد. حبابكم.
ثم وضع الكتاب والمسبحة من يديه واخترط كوكابه. ها.. هيح، ها.. هيح، كما تُلَخِّص جدتي المعركة.
ثلاثة منهم أصيبوا وفروا من وجهه قبل أن يُعطبهم. أمَّا الرابع صاحب المشكلة الأساسي فقد امتاز عليهم بعاهة دائمة. وفوق ذلك لامهم الناس ووبخوهم على فعلتهم ولم يعودوهم في مصابهم كما تقول جدتي. ولذلك رَوَّجوا أنه كان مقعياً على الأوساخ يلتهم جيفة مرمية هناك. وهم حاولوا منعه وكان كوكابه معه ولم يكن معهم شيء. فهاج الرجل لكرامته والتقط كوكابه وقطع المسافة لبيت مشاجره الأساسي عدواً. قالت إنَّه كان يضج ويُرَدِّد مع نفسه: أنا الموفد أضرب أعزلاً من غير سلاح؟ أنا الطاهر آكل الجيف؟ وبصفعة واحدة جعل الباب الخارجي لبيت خصمه يَتَلَّفت من دون حيطان. كان الوقت ليلاً. وصاح ود الأنصاري من الخارج:
- يا فلان، يا فلان، أنا لا أقاتل وسط النساء والأطفال. خذ كوكابك وأمشي نادي رفاقتك. أجلبوا حرابكم وخيلكم. الحقيقة غير وعدالة الله غير. إما أنتم وإما أنا. وإلا سأتركها لكم ولا أعود إليها أبداً ما دمتم أحياء.
سألتها أنا مشاكساً وجاهلاً:
- الحقيقة غير وماذا؟
أجابتني بضجر وتعالٍ:
- يعني الحقيقة شيء وعدالة الله شيء.
- وماذا يعني بهذا الكلام؟
أنا سأعرف لا حقاً من كتبه. أما هي فتركتها عند إجابتها:
- شِنْ خبرني يا ولدي؟ المهم إنهم أبوا يطالعوه واندسوا في صَلَبَة نسوانن.
ونَفَّذ الرجل وعده أو عقابه لنفسه. أنا توقفت عند روحه الثورية رغم تصوفها. الشق الخفي والمجهول من الفكر الصوفي. لم يكن أبداً الصوفي المسكين من نوع: "العفو عافية والكون مُنَظَّم". كان متصوفاً أكثر من الشق المستخدم من التصوف. وحتى مفاهيمه للفروسية كانت خاصة به. أنا لا أعرف أصلاً في عادات "الجعليين" لكون الشخص يهج من دياره لو رفض خصمه منازلته. أو ربما هنالك أشخاص أكبر وأدرى مني بهذه المسألة. على كل حال لست متأكداً. أُرَجِّح أن يكون قد تَوَصَّل للجانب الثوري المغمد في طيات الفكر الصوفي. لأنني قرأت له بعض التعليقات على كتاب الطواسين يذهب الرجل فيها إلى أن الحلاج قاتل أعداءه بتقديم نفسه للقتل كما فعل سقراط، وكما تبعهما محمود محمد طه.
في ذات تاريخ متقدم. خرج المصلون من المسجد بعد صلاة العصر. أحدهم له عاهة معتبرة. كنت أراه يجر نفسه جَرَّاً. قلت مع نفسي: أهذا الزمن يا ربي أم كوكاب أجدادي؟ كلاهما قاهر وباسل ويطبع نفسه في البني آدم بعجنه عجناً. هذا الرجل لا بد حَطَّمه كوكاب الموفد. كنا في محل الخياطة التابع لجدي فضل المولى. وكان هو يراقب تأملي للرجل. استطاع أن يحدس تفكيري كما هو. سألني:
- ما الذي تبحث عنه في العجوز؟
- أريد أن أرى درب كوكاب جدي.
- لن تعثر عليه.
- لم أطلب منك أن تخبرني.
تأملني بشماتة ثم أضاف:
- أقسم لك أن الرجل الذي تقصده كان أول من مات منهم.
سأعيد عليك أبيات قديمة دون أي تدخل حالي من قبلي. فما عادت تهمني ولا عدت أعتقدها. ما يهمني أنها كانت الفترة التي أمدتني مطالعاتها بكتابات من هذا النوع:
يا ربي ماذا أُسْمِـــعُك وفيك مني مسامــع
ينحو لخلقي بعضُ أمرك فالله بيني وبينك ضائع
الله بيني وبينك ما انوجد الله عندي وعندك ساطع
الله واحد فوق قسمتــه وفيـها قبلاً شائــع
الله مـا كان وما يكون فالروح فكرٌ، صانـع
محسن خالد
مدينة السوكي 1992م
imported_بدور التركي
21-10-2010, 11:59 PM
الناس يصدون حنانهم بجفاء الشراب،..
السودان أفضل للشيخوخة، أكرمُ لموت المسنّ وأنبل،..
هناك من يحنّون يا ربي، ومثلي منهم وفيهم يحن،..
لبيتي، نخلاتٌ ثلاث، وشجر حناء، جوّافة وسدرة حجازية، ما غرست يدا أمي، ذكرياتي ومنديلي منها –منديل الحبيب أخضر،..
الحنان فاتحة هذا الصباح،..
الخرطوش في الماسورة، أرشُّ الشجر، وصوت الجيران، تأتي "لونا"، و"سمر"، لونا ابنة خالتهم، تأتي من الخرطوم لتدهش قرويتنا ببنطلون الجينز، وحين تعود لخرطومها تترك قريتنا أضيق من ذي قبل، ولا تجاور النيل كما كانت،..
المرأة ضاحية التحنان،..
لونا وسمر وصوت الجيران، بسم الله هذا الصباح،..
وجروفي، وأرض جدي، في قدّوم البحر، يبوسها وتبوسو مع كل فيضان وبادرة مياه،..
تشق الحقول، الناس يزرعوا ويشتلوا، ومن فوق ضهر الحمار تشتل معاهم "عوافي" "عوافي"، يا بذر القلوب،..
محسن خالد....
imported_بدور التركي
30-10-2010, 07:01 PM
صاحب النور والتابوت وين؟
استاذ محسن انت فين؟
imported_بدور التركي
30-10-2010, 09:37 PM
غبت في تأمل عميييق داخل الغابة
انزويت في إحداثيات الإنسان
التداعي الثاني للرجل الكلوروفيل
وقطفت لكم بعض من الخوخ والعنب والتين
لأهديكم نهرا من انهار الأديب المبدع
محسن خالد
أمي كانت امرأة طيّبة ومستقيمة، لم تكن جميلة، ووجهها ليس بكريه، ولكنني لو كنت مكان أبي لَمَا تزوّجتها مطلقاً. لقد عَرِفتْ حبي لكلية الآداب، وحاولت دعمي في هذا الاتجاه، ولكن هيهات، فقد ذبحوا خروفهم بنيّة أن أكون "الرضي بن التوم"، فما سلم خروفهم ولا أرضيت الله ولا أرضيتهم، كما تتندّر هي، ولكم كرهتْ عربدتي وعربدة أبي الذي كان هو الآخر، فليلاً تقدّمت به السن. أذكر حينما ضبطني في صغري مع الدخّان، باغتني وأنا بجوار الأزيار أودّ أن أشرب،..
"لقد كنت تدخّن، ها؟ ما هذه الرائحة؟".
"أبداً يا بوي، كنت قاعد مع واحد صاحبي بدخّن و...".
جَرّني من خدي، ليقاطعني بسخرية صارمة: صاحبك وما صاحبك، ها؟ وهو البدخّن مش إنت؟ إلا إنك كنت ولد جدع وسلّفته خشمك عشان يدخّن بيهو؟
طأطأتُ رأسي، الطريق مغلق كما هو واضح، فاقترب مني هو ليقول بتودّد،..
"يا ولد يا إبليس، هات علبة السجائر"، أخرجها بيده من جيبي وبتعجّل ليُكمل: وكمان بينسون! عب كبير. بورسودان مَطَرَتها كيف؟ وألا الأخ ما سوّاق شاحنة؟
لقد خُلقتُ عائراً كما تقول أمّي، حتى المدرسة أذكرها كرائحة حبر تنبعث من الأولاد الوسيمين والمرفّهين، ولكم لَزِقنا بورّانيتهم. فقد كُنّا نحن أبناء السباريت غُبشاً كأنما خُلقنا من العجاجة التي أثارها الناس بعد أن خلقوهم ومضوا.
التاريخ يُثبت أنّ كُبَراء القُرى والنواحي استطاعوا استعمار المجتمع الريفي لأنهم الأكفأ والأفضل، وجمعوا جرّاء ذلك أموالاً من كَدِّنا وعَرَقِنا ليتزوجوا بها المرأة الأجمل والأفضل. طبيعي إذن أن ينجبوا بعد ذلك النسل الأحلى والأليْن لأنه الأرقى والأكثر دعة. فالمعارك بيننا وبين أولادهم تاريخية، ونحن تلقينا فيها الهزائم حتى قبل ولادتنا، فآباؤنا مَن فاز عليهم العُمَد، وأُمهاتنا مَن دُحرن في مسابقة اختيار نسائهم.
مدير المدرسة والوكيل عرّضا كثيراً لكون هنالك من "يتصارعون" من الصبية في أماكن منزوية، أو بقرب الحقول وسكّة الحديد. وأنني لا بُدّ ممن يعرفون أمور الضحكات المتغنّجة بالأماكن المظلمة تلك. خشيتُ المدير لأنه رجل خبيث، أما الوكيل فكان يستولدني شفقةً من "مافي"، فهو رجل أروش، خلا فوق وخلا تحت، إذ كان يحمل صلعةً كبيرة جداً، ويحمل بداخلها فراغاً يسع المجموعة الشمسية. ولم يكن دوره في المدرسة إلا مكبّر صوت للمدير، أو صدى خشناً لصوته. عليّ إسكات المدير إذاً، فأذعتُ أنا أيضاً أقاويلي وتعريضاتي، بأنّ هناك من يرغب في حرق محاصيل، وزرائب، وأعلاف،...إلخ.. عندها خشي المدير على ممتلكاته فاجتنبني، ولمّا لم يجد مكبّر الصوت من ينفخ فيه، بقي صامتاً.
كانت قريتنا متنوّعة البشر والمستويات، ما يجعلها متنوعة المزاج وما تحتاجه. أفواجٌ كثيرة من الباعة كانت تقتحم علينا صمت القرية وحواريها. منهم من ارتبط مجيؤه في أعماقنا بالمطر، ومنهم من يلده سراب الصيف المترامي بعيداً وخارج القرية، وشِقٌّ آخر يجدنا متكدّسين في "الكدّكة" بظهر الجُدُر اتقاء القِرّة.
ما كان يُمَثِّل انتظاري المتلهّف والعميق فرقتان فقط من أولئك الباعة. الفرقة الأولى هي باعة "الحرجل" و"المحريب" و"الجردقة" و"الطلح" و"الكليت" و"الشاف". كانوا يُعرفون باسم باعة "الحرجل والمحريب" أو "باعة الجردقة" تدليساً، ومن باب التنكّر، الحرجل والمحريب عشبتان تستخدمان للتداوي وتنكيه المشروبات. أما الجردقة فشيء يشبه الحجارة الجيرية يستخدم لعلاج سوء الهضم. هؤلاء الباعة، انشتلوا في أعماق الفليل بصفتهم الأكثر أهمية من التنكّرات وأمور الحِواء هذه. إنّهم باعة "الطلح" و"الكليت" و"الشاف" لا غير، يصيح أحدهم بالدوبيت من فوق جمله الأغبر،..
أخَمْجِي الحِنّة بي دمي ليك لُخِّيها
وحُفرة قبري للدّخان عليّ فِجِّيها
طاش بالليل نجوم الضِّهاب باريها
بايت القَوى وصاقعة الخراب راجيها
حينما يأتون تصبح المسافة بيني وبين ذاتي جِدّ قصيرة، أقطعها بجرّة نفس واحدة، جرّة نَفَس واحدة وغالية، كأني أسحبها من طيز سيجارة بنقو. إبلٌ تجيء من قُهبة الخلاء، تحمل على ظهورها الحطب السحري وبدواً صحراويِّ السحنات والطباع، اندسوا فوق ظهورها غير ناشزين عمّا تحمله من متاع. يعرفون عن قيمة حياتهم أنّها أكثرُ اتساعٍ حر من حياة إبلهم، التي ترغي بما تشاء وتبول على ما تشاء.
يبيعون أعواد وحطب الطلح، الكليت، الشاف،.. التي من شأنها في بلد قديم، كالسودان، أن تقطّع لقطع صغيرة ونشارة، ثم توضع بداخل حُفرة منزلية صغيرة، تُعَدُّ عادةً في جانبٍ منزوٍ من المنزل أو ببطن المطبخ وحتّى بغرفة النوم أحياناً في المناطق الإقليمية البعيدة. كي تأتي المرأة من بعد ذلك وتصير عاريةً كفطرتها وتجلس على نار العطور تلك، بعد أن تُغطّي نفسها بشملة غليظة تحجب عنها الهواء تماماً، كي ترعى فيها تلك التركيبة وتتخلّلها مساماً إثر مسام.
imported_بدور التركي
31-10-2010, 09:14 PM
الغابة تشمل الكثير من قضايا الفكر والأدب
تعالج قضايا ما برحت حتى اللحظة ..
آراء مطروحة ضمن صفحات الغابة..آراء لم تحسم بعد!!
فليكن الأمر اختلافا أو اتفاقا
يكفي اننا نغوص ونتعمق في منابع هذة الغابة وسبر أغوارها..
محسن خالد مثقف..أديب..شاعر..قاصي وروائي نلتقي به في
هذة الغابة نشاركه الهموم الفكرية ونتنقل معه من الومضة إلى الخاطرة
إلى المقال والحوار..
حواره مع الغير ومع نفسه
هكذا كانت مسار الكلمة عنده يتخذها طريق ليصل
ولكن هل وصل!! أم ابقت في نفسه أعماق تضج بالكلمة..!!
ماأشد قساوتك على نفسك يا استاذ خالد
عشت لأحزانك وجنونك
قتلت سعادتك وشلت هموم الناس ووطنك داخل صدرك...!!
imported_بدور التركي
31-10-2010, 09:50 PM
يهيء لي ان تفاصيل على جانب من الأهمية عن حياة الاستاذ محسن
وتجاربه وجزء من حياته هي ما تعوزنا الحاجة إلى معرفتها!!
فمن الشيق والمفيد ان نعرف عن الاستاذ الأديب محسن خالد
كيف كانت طفولته وعلاقته بأهله واساتذته وبعض المواقف القضايا
التي كانت تشغل فكره منذ بداية نشأته ..تطلعاته وأماله بإسلوبه الذكي في الحديث في فترة معينة من حياته..
سنتعرف الى اشياء دقيقة من حياته من خلال تصفحنا
لأجمل اعماله وهو:
النور والتابوت..
النور والتابوت
دم انسان يقطر على مهل!!!
imported_بدور التركي
31-10-2010, 11:13 PM
النور والتابوت
اجتمع سارتر وجيفارا وسيمون دي بوفوار بإحدى دول أمريكا الجنوبية. ربما بفيدل كاسترو، لا أذكر. أو ربما أتجاهل للنيل من كاسترو وحرمانه من شرف لقاء جيفارا وحده. فالرجل الآخر ومرافقته دَبَّرتُ لهما مكيدة مختلفة. وكاسترو ذنبه عندي كذنب ستالين وكابيلا وناصر ونميري، ذنبهم جميعاً الردة والديكتاتورية والأنانية الفطرية التي أنقذ الموتُ منها باتريس لوممبا. ذاك رجل مات دون أن يتوفر لنا زمن كافٍ لكشفه. مسألة الاجتماع تلك حقيقية وأقسم بالله. ولكن دعنا نتخَيّل الحوار الذي دار فيها. دعنا نَنْجُرْ قليلاً ونتحكَّم في التاريخ، أو نَصْدُق كثيراً ونطالب بالتحكم في أقدارنا. ومن هنا تعجبني ألعاب الكمبيوتر. فبطن هذه الألعاب تمثل المدينة الفاضلة الوحيدة وبالشكل الصحيح. المدن الفاضلة كلّها، ما قبل هذه الألعاب، سخيفة جِدَّاً، لكونها تحاول أن تبني البيوت والقوانين التي تضبط أصحابها أوَّلاً، سواءٌ مدينة إفلاطون، أو الفارابي، أم صياغات توماس مور لذلك كلّه في القرون الوسطى، وإلى جزيرة ألدوس هكسلي. أما الأمور في ألعاب الكمبيوتر فأكثر ذكاءً، لأنَّها تركز على القانون الذي يبني الحياة ذاتها بالتناظر مع مصير وأقدار الكائن الحي بداخلها، من خلاله هو، ومن خلال تكوينه. ها هنا لك حق تقرير الحياة والمصير. أنت بوسعك منذ البداية امتلاك السلاح الذي يناسبك. وباجتهادات معينة -تعرفها مقدماً- يمكنك الحصول على عدد الأرواح التي تكفيك لإنجاز مهمتك. تختار طريقك وسط خصوم نينجا، ثعابين أو خفافيش سامة، كما تشاء. وهكذا يناقشونك في طريقة حياتك حتى تصبح إمبراطور الموضوع. أو على أقل تقدير إمبراطور تكوينك وقدرك وما يترتب عليه من مصير. ولك أن تعرف أن لي أزمة مع هذه المسألة ولن أعفيك من ملاحظاتي الغريبة حولها، وربما التافهة.
المهم أن سيمون دي بوفوار كانت تسريحتها حلوة. وكان مزاج سارتر في تلك الأيام رائقاً ويخلو من تطلعاته العدمية. وكلما تشاغل عنهما جيفارا بإشعال غليونه أو التفت لأمر ما، كان سارتر يفعل بصلب رفيقته حركة كتلك التي يفعلونها في دعاية البيبسي.
يقول لها سارتر بنفس الحذق الذي يستخدمه في صناعة كتبه،..
"سيمو، ألا تناوليني كأساً؟".
فتأتيه إجابتها بالدلع نفسه، المروي بالهبهان وماء جوز الهند: تأمر يا مؤلف الوجود.
ثم تنحني سيمون أمامه فيما يشبه صب الكأس بتأنٍّ، كي تطول حركة دعاية البيبسي. وقطعاً الرجل المرفعين، الذي جاء لاجتماعهم هذا من أقرب غابة مجاورة لا يفوته شيء. ولكنه يتجاهل. ويطول إشعاله للغليون لمزيد من التجاهل.
ثم فاض بجيفارا، بالضبط عندما سألته سيمون من باب التعرصة لسارتر: طبعاً أنت في الغابة وكذا؟ لم تصلك أعمال سارتر الأخيرة؟
"ليست باروداً لأهتم بعدم وصولها. الغابة تتسَقَّط أخبار المؤن وحدها".
يضحك سارتر بمجاملة، وهيييه طويلة: أنت تتجاهلنا إذن يا تشي؟ يا لك من رجل!
يسأله جيفارا وهو ينفض بوته من الحصى،..
"من تقصد بالجمع هذا؟ التعظيم؟ سيادتكم؟".
سارتر قصد ذلك، ولكن عيون جيفارا المشهود لها جعلته يجيب: لا.. أبداً، العفو يا سيد جيفارا. أنا أقصد نفسي وسيمون وجان ككتو وجاك لوران وفانيتي.. الشُلَّة يعني.
طبعاً جيفارا الذي في قصتي هذا يعرف اللغة العربية. ويعرف أن سارتر اسمه الكامل جان -بول سارتر، وعليه فقد أجابه: وإبليس؟ هذا نسيته. كل الجوان حضّرتهم ماعدا جان جونيه، لماذا؟ أليس من شلة الشواطين هو أيضاً!؟
"ياه، جونيه! يا له من مشاكس. أوه، هذا الغلام اللواطي تمرد عليّ أخيراً. أظنه غاضباً مني. سنصالحه يا سيد جيفارا، لا تشغل بالك".
"لا تُبَسِّط المسألة بهذه الطريقة الداعرة يا سارتر. ياه، وأوه، ولهفي، مثل هذه اللغة لن تنفعك إلا مع سيمو. جونيه كلامه لك بخصوص العمال وزنوج أميركا وثوار فلسطين واضح. أنت دعاية لا أكثر. ومن هم الزنوج أو ثوار فلسطين ليخدموك بدعاية ما؟ هذه هي كل المسألة".
"تظلمني والله يا سيد جيفارا. خذ الرفض في أعمالي مثلاً، هذا له اعتباره الثوري. أظنك لم تفهم جيداً كتابي "نقد العقل الديالكتيكي" ولذلك تعتبره عداوة و...."..
يقاطعه جيفارا محركاً جسمه كله. تسقط بعض الأشياء من فوق المائدة التي أمامه،..
"أيُّ رفض يا حثالة الذي يخبرك به صُلْب هذه المرأة!؟
يسأله سارتر بلهجة مائعة ومُنْكِرة: أية امرأة تقصد؟
يشفط جيفارا غليونه كقُطَّاع الطُرق، ثم يجيبه بلغة كوكني من النوع الذي يستلهمه الإنسان أثناء قضاء حاجته: هذه الشرموطة التي معك، ألا تراها؟ من خبأت شيئاً في سروالها وكان عليك أن تجده طوال جلستنا هذه كلها.
"اسمع يا متوحش أنت، أنا لا أسمح لك"، تتدخل تلك الأرستقراطية.
"ليُجِبْني رجلك المتحضِّر هذا، لماذا يخذل العمال الهامشيين والثُوَّار أين ما وُجِدوا؟" يقول جيفارا وهو يخرج الدخان بمنخريه محاكياً مدخنة عاتية.
يسأله سارتر بتنطُّع "متى؟ أنت تُلَفِّق يا رجل. ترافق تجار المخدرات وقطاع الطرق، تعاطيت شيئاً ولا بد! أنا أكثر ثورية منك".
تصمت سيمون. تكتفي بموقعها الحقيقي، كمرافقة لشخص مهم، وكموضوع لا يمكن شرحه بعيداً عن سارتر.
يسأله جيفارا وهو يُفرغ رماد الغليون بحركة واحدة ومتوترة: قل لي إذن أية تضحية قدمتها بداخل فرنسا؟ ولماذا تواطأت ضد الرفاق في إيطاليا وشيكو سلوفاكيا؟ ولماذا خسرت جونيه بسبب الزنوج وثوار فلسطين بالذات؟ أنت معرص لدعاية الغرب لا أكثر. جئت للدنيا في الزمن الذي خلت فيه من هيجل وماركس وانجيلز. أنت فيلسوف الدنيا الفاضية والناس الفاضيين. طُز فيك وفي غثيانك. أنت فعلاً ذبابة ولا تُكَلِّف أكثر من مروحة سعف تافهة، كما أنها أيضاً تزيل رائحتك التي كالفساء من الجو.
يخلع سارتر نظارته باضطراب ويرد بحديث يتقطع من الغضب وانتقاء الكلمات: أنت.. أنت.. أنت رجل قاصر. ثور، مندفع كالثيران، مُهَرِّج. لن تفهم أبداً قضايا الفلسفة والفكر الوجودي. حارب كما تريد لو كانت الحرب تحل لك مشكلة.
يسأله جيفارا بينما هو يمد أصابعه في وجه سارتر: وماذا يحل إذن!؟ كتبك!؟ نعذرك يا سارتر، لو كنت تنتقل من فخامة وجود لفخامة آخر فأنت رُبّان الوجود ولا شك. وكما يقول أصحابك ناس فَلْسِف فَلْسِف فأنت موجود. والدليل على وجودك ولولة سيمون تحتك في الفراش. فلماذا لا تكتب بعد ذلك عن الغثيان والذباب؟ غثيان الولائم الفخمة والويسكي، وذباب الخراء الدسم. اسمع يا سارتر، الوجود لن تكتب عنه بشكل صائب إلا حين يُهَدِّدك. وجودك آمن يا سارتر، ما الذي ستقوله للناس؟
ولا أدري ماذا قال له سارتر. فأنا جائع. فكرت في هذه المسألة وقلت لن أثبتها في أحد كتبي الفنيَّة. لأنَّ الأذكياء عندنا سيرمونني بعدم الجدية. ستبقى مع أوراقي الكثيرة التي لا أعرف ماذا أفعل بها.
شعرت بالكُرْه لنفسي وللأفكار، فأنا جائع وضَارٍ في هذه الساعة. جيفارا في هذه اللحظة معه حق دون شك، وهذه هي الطامَّة تقع حينما تطغى وحشية الواقع على جدوى الفكر، ولكن ليذهب جيفارا في داهية. بماذا سيفيدني حقه وباطله؟ لست مشتاقاً للمعتقل في هذا الحر. كنت في إجازة صيف والجامعة متعطلة عن العمل. ويا ليتني كنت أمتلك سيمونَ خاصة بي، مُفبركة، كالتي منحتُها أنا لسارتر. فربما كان بوسعها أن تحل مشكلة الغداء هذه.
كنت في منزل "عبده تِيِّه" وزوجته "الست"، أفقر شخصين وأكرم زوج خلقهما الله. كنت أراحمهما أحياناً لو كان معي مالٌ. وهذا ربما حدث ليوم أو يومين من حياتي فقط. وباقي عمري كله ألجأ إليهما محتاجاً. هما من جبال النوبة بغرب السودان، يُعِزَّانني جداً وأُعِزُّهُمَا. الست تصبح مهنتها أحياناً صنع العرقي. "الست" هذا لقبها، أما اسمها الحقيقي فصعب جداً على نطق اللسان العربي. كما أنهم لم يكرروه أمامي كثيراً كي أتمَكَّن من حفظه. لأنهم حين يأتون إلى مدن الحضر -التي يسيطر عليها تجار المواشي والصابون من العرب- يتركون خلفهم حتى أسماءهم.
أما "تِيّه" فقد كان يعمل فيما يتعارفون عليه بسوق الشمس والحرامية.
باختصار تعودتْ ابنة حَلَب -غجر- اسمها "جليلة" أن تلاحقني في بيت الست وتيَّه بشكل غامض. يوم قرأت تحَوُّل "فيرمينا أداثا" الغامض، من حب "فلورنتينو إيريثا" لحب الدكتور، تذَكَّرت علاقتي الغامضة بجليلة. وربما مَرَّ ماركيز نفسه بمثل هذه التجارب الغامضة. على كل حال ليس بالضرورة، ولكنه في النهاية سيحكيها عن آخرين لأنه كاتب محترم. المهم أنني لا أعرف ما الذي تريده مني جليلة ولا ماذا أُريد أنا منها، ولا أعرف حتى كيف تعارفنا! العلاقة بيننا استفزازية بدون سبب. الست لم يُعرف عن بيتها دعارة إطلاقاً. والناس أحياناً يواصلونها بالسلام عليها من عند عتبة بابها، غالباً عندما تتباعد زيارات بوليس الانضباط لها. وللصدق وبعيداً عن أية مزايدات سياسية تافهة، لم تكن الست تصنع الخمر إلا حينما لا تجد عملاً. فقد كانت تعوّل أكثر على خدمتها في البيوت. لم تكن امرأة مشبوهة مطلقاً. ولكنني طلبت منها أن تمنحني فرصة مع هذه الحلبية لو لاحقتني في بيتهم مرة أخرى، وكان.
أنا كنت راقداً على السرير وأُفَكِّر في تلك القصة التي حكيتها لك عن جيفارا والآخرين، والست كانت خارج الغرفة. وربما هي لمحت جليلة عند الباب الخارجي فاخترعت لها حجة غادرت بها المنزل، لا أعرف. ولكنني لم أسمعهما تتحدثان بالخارج، وهذا مجرد تخمين. الجوع كان يحصرني في نفسي ويُقَلِّل من مقدرة حواسي. كنت منكفئاً على وجهي ويدي أسفل بطني، حركة عفوية بلا شك، ولكنها أرادت إذلالي. قصدتْ إذلالي وحده ولا أدري لماذا، ولا حتى كيف ولا من أين دخلت ورأتني في ذلك الوضع. بدأت إدانتي وتفتيشي بعيونها أولاً. ثم سألتني باستفزاز ووقاحة كي تجرحني لا غير،..
- ما الذي تفعله؟
الحنق مع الجوع يُدَوِّخان ويُفْقِدَان السيطرة،..
"أمارس العادة السرية، تجي نمارسها سوا؟".
- يا منحط، يخسي عليك وعلي خلقتك السوداء.
"وعليك إنتِ وعلي شناتك أم برص".
سمعت منها وهي خارجة: سترى يا تافه.
تهددني بأخيها الحلبي ياسر، الذي كان في المدرسة يفعلون له ويفعلون به. ناديت ناحيتها،..
"ياسر أحلى منك. أخبريه هو الآخر كي نمارسها سوا".
وانتظرت.. والست لا تعود. ربما تجلب معها من الخارج شيئاً يؤكل. ولكنها لا تعود. أخذت طفلها معها.
تذكرت كيف تآمر الفقر والجيران عليها حين ولادة طفلها. لقد تهَرَّبوا منها جميعاً. كادت المرأة أن تموت وزوجها عبده يبكي لجوارها. لن أنسى ما حييت موقف أخي هاشم وبطولته معها. كان ما يزال طبيب امتياز. ولكنه ليس من نوعي، هو رجل يعرف ما يريد. وفوق ذلك يسانده عقل جبار وإلحاح لئيم. لا أدري من أين يأتي هؤلاء الناس بامتيازات التدرب على إنجاح الحياة. أخبرتُه عند الباب فجاء معي ركضاً. عبده تيه كان يبكي ويهرول هنا وهناك كالسيدة هاجر حين حاصرتها وطفلها الصحراء والعطش. لقد رأيت من أخي هاشم ليلتها وجهاً متبدلاً وجدية أرهبتني أنا شخصياً إله الشجاعة. المرأة تدهورت حالتها وكادت أن تنفق بين أيدينا كحيوان. لا مجال لنقلها ولا لأي مقترح آخر عدا الولادة. وها هنا حيث الموت أضمن وأقرب من أي مشوار غيره، تصارع هاشم معها فوق هذا العنقريب التافه كأنَّها حيوان، وجَرَّها حتى طاحت على الأرض والدماء تُغَطِّي المكان كله، ومثل بقرة حقيرة وضعت طفلها، الذي غسلناه من التراب أكثر مما غسلناه من دم النفاس. أسيكون بشراً هكذا أم دودة لا أعرف!
أية حياة هذه التي يطالبونا فيها بعد ذلك بالأدب وعدم الفحش والانضباط؟ كُس أمها عيشة وبلد. دعنا نَسَلْ: لماذا أوصى ألدوس هكسلي في جزيرته الفاضلة بأن يشهد كل امرئ في حياته حالة وفاة وحالة ولادة؟ لا بُدَّ أنني اخترت حالة الولادة الخطأ لأشهدها. لقد صارت الحالتان عندي ذاتا حكمة واحدة.
كنت مغاضباً إخوتي، هم أصلاً لم يعرفوني إلا وأنا رجل، ماذا لو لم أُقبَل في جامعة الجزيرة! ألكانوا لا يعرفونني حتى تاريخ اليوم؟ سأفترض ذلك وأعيش على هذا الأساس، لأرى فيم سأفتقدهم!؟ من عال نفسه وهو مُجَرَّد طفل من تسَلُّق النخل، لن يعدم ما يتسلقه في هذه المدن التي يبنونها من التسلُّق.
أعرف أن مهنتي غريبة بعض الشيء ولذلك سأشرحها. طريقتنا الوحيدة في ريف السودان الشمالي لحصد التمور، هي أن يذهب أحد إلى رأس النخلة ومن ثم يُلقي بالتمر على الجوالات والبروش المفروشة له على الأرض، أو ينزله بحبل. حسب نوع التمر. فالتمور اللَّيِّنة لو ألقوا بها من علو النخلة ستفسد طبعاً. ما زالوا يفتقرون لرافعات كالتي توجد في العراق والسعودية ومجمل بلاد التمور. وبالإضافة إلى ذلك أقوم بمهمة تلقيح النخل وتنظيفه. حين أكون راضياً عن نفسي أُسمي مهمتي هذه "مهمة ألوان الفراش وفاغي الورود وعسل النحل"، وحين أكون مغاضباً نفسي أقول "معرَّص الأخضر". كنت في طفولتي شيطاناً -كما يمتدحني الناس- ولا أحد غيري بوسعه أن يفعل ذلك. ماعدا رجل آخر اسمه "عبد الرحمن السيد" وهذا شاعر عامية شهير وبالغ السخرية. أما الرجل الأشهر على الإطلاق في هذه المهمة فهو أخي "الحسين" من جهة أمي. سيرد أخي "الحسين" آخر، من جهة أبي. وقد كانت هذه الحرفة مهنة جانبية بالنسبة له. في الأصل هو مزارع والناس أكلوا له الكثير من الفول المصري والبصل. ما يهمنا أنه هجر مهنته الجانبية هذه وسافر لمدينة كسلا لاحتراف الزراعة وحدها. هو رجل طيب لحد لا يمكن الإحاطة به في كتاب. ورغم ذلك لن يساعدني في دراستي أبداً، لعامل الفقر وحده ولا غيره. ولذلك كنت أقول لنفسي: هذا الرجل بالكاد يقرأ ولا أظنه يكتب، ولكن لو كان ثرياً لما تَرَدَّد لحظة واحدة في أن يكون لي أعظم مما كان "ليو" لأخيه فان جوخ. ولكنني كنتُ لنفسي أعظم من كليهما.
نظرتُ لهامات النخل العالية والمسكونة بالثعابين والعقارب وحيوان "أبو عفنة"، ثم عاهدتُ قَدَري ومصيري "طريق السماء طريقي. أُلدغ أو أسقط وأنسحل لن أعيش مع خالتي، ولن أتسوَّل أحداً. هذه الدار التي بلا سقف لن أغادرها إلا لرأس نخلة أو للمدرسة".
خالتي "عائشة" في ذلك الزمن كان عندها ستة صبيان وثلاث بنات. وفقرها يكفي لفتح سودان كامل في السويد. ثم زاد صبيانها سابعاً، وطلبت منها أن تُسَمِّي السابع باسمي كذكرى، فوعدتني ونكصت. الشخص الآخر الذي أسمته عليه منحها نعجة. قلت لها: سأنال منك وأكتب ذلك في كتاب ذات يوم ولم تُصَدِّقني. ولكنني كنت لنفسي أعظم من كلهم. ولا يقدر أحد على أن يكون ذكرى لي.
كنت في صف ثالث ابتدائي وانحصر تعاملي مع ثلاثة أشخاص فقط من تجار التمر. رجل وامرأتان. اللَّرس -هذا لقبه واسمه منصور- ثم المَلْكَة وأم سلمة. كلهم ماتوا. وكانوا أنزه ما يكون في التعامل مع طفل. أشكرهم بشهامة، فقد دعموني في تحقيق طفولتي الرجل.
إدريس قريمان جمعني به مصير الطفولة المتشابهة القسوة قبل مصير الحرب. روى لي ورويت له وكنا عائدين من بيت شراب. اتفقنا على تحية تلك الطفولة الجندية والباسلة. قلنا نحيّيها بكامل عطب العساكر والشراب.
"معك سلاح؟"، سألني إدريس.
"ألم نخرج من بيتك معاً!؟".
"آه، نسيت يا محسن. لن نحتفل بالبارود إذاً؟".
تَرَنَّح بثبات ومرح كما هي عادته: نكتفي بالتحية إذاً.
"خلاص نكتفي، وماله؟"، أختصر ثرثرته أنا.
كنا قد بلغنا المقبرة ونمشي وسط وعثتها وحجارتها الكئيبة الرابضة في الظلام كمخلوقات حَيَّة وتترقَّب. يتوقّف إدريس ليسألني: هذا الطريق لا أعرفه، من أين جاء؟
كنت من فرط سكري أرى كُلَّ الأشياء تتحرَّك،..
"ربما قصدنا. أو قد يكون تبعنا كجرو".
أضحك أنا بعنف تنفتح له أشداق كل أزمة في الإنسان وأضيف: لا تهتم به يا إدريس.
"صحيح، لا نهتم به. هو حر. ضَع البوريه يا محسن، سنُحَيِّي الآن".
وضعت البوريه فوق رأسي وصففت نفسي عسكرياً لجواره.
"نحتاج لكركون سلاح؟"، يسألني هو.
"لا تثرثر يا إدريس. دعنا نُحَيِّي. أنت سَكرت أم مالك؟".
"أنا؟ أنا حصان. أنت لا تعرفني. نُحَيِّي، وماله؟".
كنا سكرانين جداً. نترنَّح ونُطَوِّح من الشراب. الواحد منا لا يقوى على الوقوف باستقامة إلا إذا سَنَد نفسه لشاهد قبر. حَيَّينا طفولتنا معاً، والشوارع كما يقول عنها الشاعر محمد نجيب: "خَلَتْ من ابن آدم ومن نباح للكلاب، وأنت تُؤذِّن بالرؤيا لصلاة منفردة".
إدريس شرب أكثر مني وأصبح رديئاً. تباغته الذكريات فيسألني: وجوليفار؟
كنت قد نعست، وكرهت حالنا والشراب والحبيبات وأي مقترح آخر عدا النوم.
"يلعن دين الشراب ودين جوليفار. نريد أن نبيت يا إدريس".
رآني مَرَّة مُدرِّسنا في الابتدائية على رأس نخلة. كنت أعمل لأم سلمة. هو من قريتي ويعرف ظروفي. لا أدري من قال له إن فكرة الإشادة بكفاحي أمام الطلاب فكرة صائبة. خَطَب في الطلاب طويلاً ومريراً عليّ. أستاذ "التاج" فعلها بحسن نية، ولكنني سئمته. ختم خطبته بوصفه لي بالعبلاج –القرد- المستقل والذكي. كنا بداخل الفصل، ولم يستطع زملائي أن يضحكوا لوصفة العبلاج. من يضحك سأحرمه من التمر الذي أنا وكيله الأوَّل في المدرسة، بثقل وكيل مرسيديس بينز بدول الخليج. سخرتْ مني عيونهم فقط، أما أفواههم فخشيت العواقب. تألَّمت. ما أردت له أن يميزني عنهم ويضعني في كرنتين خاص بي كالأجرب. أنا مثلهم وأفضل. أنا بحجم ماعون قدري، من هو مثلي تُشَوِّهُه مخاوف الآخرين، التي تتنكر في اسم الوالدين والأهل والقبيلة. من هو مثلي يجب أن يكون عُرضة للجوع والريح وللشتاء في طريق عام، لذاكرة الفرد المستوحدة والضارية. مثلي لا يخرج رأسه من البيضة إلا في خلاء كامل من الزواحف، وتحت سماء كاملة من المناقير. هو وصفني بالذكي ولكنه لم يُقَدِّر لأي مدى. كلمة عبلاج تلك لم تكن مُوَفَّقة أبداً. حوّلتْ خطبته في نفسي إلى نوع من التحرُّش. من هذا المنطلق دعني أشتمهم لك أجمعين وأنال منهم. هم أصلاً -هؤلاء الأساتذة- لم يعلموني إلا الكسور العشرية، أما الخط العددي والساعة أم شوكات فقد صفعوني عندهما وما زلت أجهلهما حتى اليوم. أمي حين سَلَّمتني لهم في المدرسة كنت أكتب وأحفظ القرآن على قراءتين. "الدوري" و"حفص" مع إلمام كثير من قالون وورش. قالون قرأتها مع عبد الرؤوف المزمل ولا أدري من أين تعَلَّمها هو. أظنه تعَلَّمها من صديق مغربي أو ليبي لا أعرف -كان يَتعَبَّد بها- وأنا لم أقابله منذ زمن طويل كي أسأله. وأيضاً كان معي بعض إلمام قليل بالقراءات الأخرى وخصوصاً قراءة عبد الله الشامي. أما كتب الإعراب فلا حصر لها مع تركيز على "مفصّل الزمخشري" والألفية والآجرومية وهمع الهوامع. كانت هذه مسألة أساسية وسيقتلك أبو صلاح عبد الله شيخ الحيران علناً لو قال لك أعرب وتلكأت. يقولون إن أبي كان رجلاً ضليعاً في القرآن واللغة أكثر من عبد الله الطيب. وصارماً تجاههما أكثر من أبو صلاح عبد الله شيخ الحيران. فأبي أيضاً كان مُعَلِّم قرآن ولغة كما تُصَرِّح أختي فاطمة في أي مجمع ناس تجده. حكت لي أنه كان يصحح عبد الله الطيب عبر الراديو أثناء برنامجه الإذاعي الشهير في تفسير القرآن وإعرابه. ولكن ربما كان يقول لها أي كلام، من يعرف؟ لن تحكم لي فاطمة في مسألة كهذه. الوحيد من أبنائه الذي كان بإمكانه أن يكشفه هو أنا. إخوتي جُلُّهم فنيون ومهندسون وطبيب واحد، وأنا لم أدرك الرجل. لقد فلت مني بغنيمته وفشخرته على فاطمة تلك. لحكمة الأقدار قامت بتعليم أبي جَدَّته بنت المُفتي. وأنا قامت بتعليمي أمي البتولا بنت عبد الله المُوفَد. أما أنا فخذلان أبي لي في التعليم حدث نتيجة لوفاته المبكرة بالنسبة لميلادي. ولا أتذكر له إلا مشهداً واحداً. أما هو فأبوه قد خذله لأنه كان صياد سمك. فالإعراب والقرآن لن يهمانه إلا إذا كانا شباكاً تعين على قبض السمك.
أنا مواليد 1973 / 4 / 14م في الحقيقة. وأبي توفي في عام 1979م. هو مات في بلد أخرى بعيدة، مع زوجاته الأخريات وأبنائه الآخرين. أنجبني وهو شيخ فوق الثمانين بقليل. أمي كانت شابة وجميلة للغاية، وربما زَوَّجوها له لكونها مطلقة ولها ولدان من طليقها –ابن عمتها. أنجبني في الزمن الإضافي للعبة نسائه الوافرات كالهدف الذهبي. لا أدري كيف أنجبني في تلك السن، ولا أدري كم سنة أحذف من تاريخ وفاته -إما ثلاث أو أربع- كفترة سافر فيها هو من عند أمي بقريتنا المسيكتاب ليقضيها مع زوجاته الأخريات ويموت بأرض الجزيرة. أريد أن أعرف لماذا أنا لا أتذكر أي شيء عنه، ماعدا مشهداً واحداً فقط ولا غيره. يا ترى كم كان عمري وقتها؟ ولماذا خَلَت ذاكرتي -التي كانت تعمل- من أي ذكرى ثانية له. هل جاء هو حين بدأت ذاكرتي تعمل بالضبط، ثم غادر بيتنا بعد تسجيلي للمشهد بالضبط؟ لا أعرف.
كان يجلس على عنقريب -سرير خشبي- عالٍ. أمامه طربيزة مصبوغة بلون أزرق وعليها طعام. دعاني لآكل معه. حاولت دَسْ يديّ في الطعام مباشرة. اعترضني: اغسل يديك.
وانتهينا. ولا أي نتفة مشاهدة زيادة. وحين أتذَكَّر أمره لي بغسل يديّ عبر تلك الذكرى الشحيحة والمجذوذة أتساءل بيني وبين بالي: لو عاش ذلك الرجل لكان له معي برنامجه إذاً؟ لا تصدقني، ربما أنا فقط أُعَوِّض عن فقدي له. فقد تيتّمتُ مبكراً، وكلمة أبي هذه أنا لم أستخدمها في حياتي مطلقاً، ولا حتى في هذه الذكرى المجذوذة. وبعدها بقليل صرتُ عَجيَّاً بضياع كلمة أمي.
كان عملاقاً وإنْ كنتُ لا أتذكر هيئته جيداً. أما ملامح وجهه فقد دعمها في ذاكرتي الفوتوغراف الذي أخذوه له بداعي الذهاب إلى الحج. أمي لم تحج وليس لها أي فوتوغراف. التصوير الفوتوغرافي ظهر في أواسط القرن التاسع عشر 1839م، ولم تعاصره أمي بلقطة واحدة في ثمانينات القرن العشرين. لغرائب الصدف، صوتها محفوظ على شريط كاسيت سَجَّله ابن عَمَّتها "المقبول". وهذا رجل له هواية عجيبة. أرجو أن تقارنها بنظيراتها من جنس جمع الطوابع وتوقيعات المشهورين. هذا "المقبول" يجمع أصوات من يظن أنهم سيموتون قريباً. والناس يخافونه جداً إذا رأوه يحمل مُسَجِّلته ويقصد أحداً. لأنه مثابر ولا يعرف الفشل. لا تسألني كيف؟ أنا أيضاً لا أعرف كيف. وهو يمارس هذه الهواية منذ زمن الأسطوانات. ولكن أمي تحديداً كانت مصابة بداء القلب ويمكن توقع موتها. وكفنها الذي اشترته بنفسها، نزل قبلها للقبر سبع مرات في صحبة أموات آخرين. كانوا يأخذونه لأنه مخيط وجاهز ثم يعيدون لها واحداً بدلاً عنه فيما بعد. معلومة الكفن هذه بالإضافة لجمالها الوقور كامرأة وتدينها تُمَثِّل مُلَخَّص سيرتها في القرية.
المهم أنني ذهبت للمقبول في بيته عندما كان يجاور النهر. فزرت الآخرة من ناحية قريتنا وتناولت أُنسي وشايي هناك. أسمعني في البداية أكثر من عشرين "مرحوم". لم يكن يتباهى بتوقعاته مطلقاً. بل كان يعرض ذلك أمامي كما يعرض أي خبير تشريح قطع البني آدم لطلابه. يهمهم معي بصوته الغليظ والمخدوش،..
"تلاحظ؟ هذا عمك المرحوم "فلان"، في التسجيل الثاني أظنَّه أوضح".
"ولكني لا أعرفه" أُجيبه وأنا أتزحزح من مكان لمكان.
"طبعاً طبعاً. جدتك "الحرم" تعرفه. أنت صغير لن تعرف شيئاً".
فَكَّاه الأصفران عريضان ولحيته كثة. يهمهم بكل جد وهو ينحك "هنا شريط المرحومة "فلانة" مقطوع، لو سألت المرحومة عن ضرّتها لتحدثت أكثر. مزاج المرحوم "فلان" يكون رائقاً في الساقية، كان يجب أن لا أُسَجِّل له في القرية. ذلك الغبي، الصوت الثالث، تسمعه؟ كان يجب أن لا أدعه يجلس معنا، هذا لن يموت قريباً".
قلت في بالي: هذا الرجل لا يلعب أبداً. بل أكثر جدية من البير كامو. وهذه ساحة أعرض لمناقشة العبث كنحت من صميم الحياة.
أردتُ مَرْحَلة الموضوع، كي لا أبدو متلهفاً لسماع صوت أمي. هكذا نشأنا على أن العاطفة منقصة للرجل. أُدحرجه في اتجاهي: كلهم لا أعرفهم.
هو أيضاً يمرحل الموضوع من ناحيته،..
"المؤذِّن علي القاضي، تعرفه أم لا؟".
"أعرفه".
"تريده؟".
"أُريد أمي. أتذكر صوتها أكثر".
انحشرت زوجته "مُنَى" بيننا، ورفضت ذلك بشكل قاطع. تخشى عليّ من التأثر. وبدأت هي بالبكاء مقدماً. قلت له: دعنا منها، أخرِج الشريط.
هو أصلاً كان منشغلاً بإخراجه. كنت أحاجج زوجته أنا. همهم بارتياح: ها هو، البتولا عبد الله رقم 23.
خشخش صدره وتعالى وهبط خلف ضحكة،..
"هنا أيضاً المؤذِّن على القاضي موجود. صوته بعيد ولكنه واضح. أثناء حديثي مع أمَّك سيُؤذِّن".
جلباب المقبول من النوع الذي يأتون به من السعودية، ثقيل ورمادي بأزرار كالتي تُثَبِّت الحذاء. زوجته كانت تتحلَّف عليه وترجوه أن لا يُدير الشريط. التفت ناحيتها مهدّداً: ستخرجي وألا أرميك برّه وأقفل الباب؟
تنهَّفَت وهي تخرط دموعها: أريد أن أسمع معكم.
قال لها وهو يهز الشريط في وجهها: أنت لن تسمعي ولن تتركينا نسمع.
تحَلَّفت هي من جديد وأهملها هو. أظنه معتاداً على ذلك. أو ربما هنا تكمن هوايتها هي. وضع الشريط في المسجل وسمعته يتحدث مع أمي. صوته الأجش ذاته، وصوت أمي الذي كأنَّما نبع من ذاكرتي فحسب، فهو لم يقطع أي مسافة من زمنهما ليبلغ زمني. قطعاً هو أدار جهاز التسجيل قبل أن يصلها. كانت تقول له،..
"أهلاً، حبابك يا مقبول. إن شاء الله "منى" وأولادك طيبين؟"، في ذلك الزمن كانت أسرته تقيم في أم درمان.
-علي القاضي يؤذِّن في هذه الأثناء-
همهمت زوجة المقبول لجانبي وهي تنهنه،..
"يا حليلها البتولا، تسأل عني وعن وليداتي، حنينة والله البتولا".
كانت امرأة لها جلال وشهمة جداً. فيها رُقي ضافٍ من بعيد كظل الشجر. المرأة الريفية المختلفة والراقية بشكل فطري لا علاقة له بالثقافة والظروف، رُقي الله والرسول.
أكثر ما أتذكره عنها صدقها، لقد صنعت لي عقدةً مع الكذب والكذّابين بشكل مَرَضي. وأيضاً أداءها المتواتر نِيِلاً لصلاة الضُحى، كانت لا تُفَرِّط فيها مطلقاً. موتها ترك فراغاً في همهمة أصوات القرية المتبتِّلة عند الصباح.
دفنَّاها والناس يبكون ويودعونها بذلك التوقع الذي وصفه الطيب صالح في رواية مريود عند دفن مريم، قال {دفناها عند المغيب كأننا نغرس نخلة، أو نستودع باطن الأرض سراً عزيزاً سوف تتمخَّض عنه في المستقبل بشكل من الأشكال}.
أمي دفنَّاها عند الفجر، وكأنَّ حادثة موتها تُصَحِّح مواقيت الدفن الخاطئة التي اختارها الطيب صالح. الموت الغرس مواعيده الفجر وليس الغروب. لأنَّ مريم هي المرأة التي ماتت من عند العمر الذي كان يجب أن تقود من عنده حياة مختلفة. من عند صباح-بداية، وليس غروب-نهاية، فمريم لم تمت من عند العمر الذي انتهت إليه عبر حياة عاشتها عن طريق الخطأ، مع زوج لم تحبه. وإنما ماتت من عند طفولتها وهويتها السابقة –مريوم- ومن عند حبيب حياتها التي لم تعشها -مريود. الشخص المتحد معها، أنَاها على الضفة الأخرى، الذي ينادي من على شاطئ النهر: مريوم، مريوم. فيرجع صدى صوته من الضفة الثانية: مريود، مريود.
أُمي كانت مريم شندي، فكلا الرجلين اللذان زُوِّجت لهما، لم يكونا يستحقانها أبداً، ابن عمتها وأبي على حد السواء، كانت مثل أم الرجل الأميبي، من قال عنها حين سؤاله عن جمالها الإنساني والتكويني "نعم كانت جميلة، جميلة ومختلفة لدرجة أن يُمنح وجهها لطابع بريد، لا لزوج".
أنا مواليد 1972 / 1/ 1م في جواز السفر بناءً على دخولي المدرسة. أرادت أمي أن تدخلني المدرسة باكراً ولم يكن من الممكن إعادة ولادتي. لذلك قام أحد الأساتذة بما يمكنه من "كلاكيت" وأعاد تصوير شهادة ميلادي من جديد. فأنا كنت خريج خلاوي أكتب وأقرأ. كما تعَرَّفت على الأخفش وأصحاب شذور الذهب والخصائص وقطر الندى والنحو الواضح -هؤلاء نسيت أسماءهم الآن- وغيرهم. يعني ما شاء الله لم تتبقَّ لي إلا الكسور العشرية. لزمن قريب كنت أتساءل ولم أكن مقتنعاً أبداً بنظرية أبو صلاح شيخ الحيران، ما الذي يقصده من تدريسنا كشاف الزمخشري؟ ما الذي كنا سنعرفه له؟ كنا نزيل مخاطنا من جهة، ونسمّع له كالآلات من جهة. لم نكن نفهم، والآن لم نعد نتذكر. الأخفش أنا أتذكره لأننا كنا نسخر من اسم كتابه "همع الهوامع" لا أكثر. فإذا ضربك أبو صلاح نقول إنك تلقيت درساً في "لبع اللوابع" أو "لطش اللواطش" وأيضاً "شلوت الشلاليت".
لم أكن أعرف أن العلم يتناولونه كعلف الدابة، فقط كي تسهل مسألة اجتراره والمتعة به ذات يوم. أشكر هذا الرجل وأترَحَّم على روحه الطاهرة باسمي واسمكم جميعاً. وسأعفي اسمه داخل كتابي هذا من حركات الإعراب وابتزازه في حكاية "أبو" صلاح "أبي" صلاح "أبا" صلاح هذه، تثميناً لدوره في تعليمي، لذا دعنا نقل "أبو" صلاح في جميع الأحوال. وأيضاً كاجتهاد من قِبلي أنا فيما عَلَّمني. فقد تبدلت لالتحاقي بمدارس أخرى جديدة بالنسبة لي ومتمردة في النحو. صرت أكثر جرأة ووقاحة. لأنني أحببت بعد أبو صلاح إبراهيم مصطفى وتلميذه المخزومي. ليسقط العامل ولنفتح للّغة باباً جديداً بكامله. صرت أعارض معهم مدرسة "البصرة" وأناصر مدرسة "الكوفة".
لقد ارتدّيت وشكراً جزيلاً وعفواً يا أبو صلاح. فأنت لا تعرف كيف شَكَرتك وزارةُ التربية مُمَثَّلاً في تلميذك محسن. سأعود لأشتم لك الأساتذة غير المثقفين وأنال منهم من جديد. الأستاذ "ع" من قرية مجاورة، لن أذكر اسمه صراحة، سأحرمه من أن يشتهر على حسابي. سأرمز إليه فقط كي يتعَرَّف عليه القرويون في قريته وقريتي. وما أدراك ما سُخر وثقالة الريفيين في ناحيتنا، عليه أن يرحل. فقد صار لي كتابٌ وصار بوسعي أن أنال منه ومن الحكومة ومن كثيرين. كتبنا حكومتنا وبيوتنا.. نقضي عندها بما نشاء ونرتاح فيها كيفما نشاء. السلطة القادمة للكتابة والفكر ولا غيرهما. علاوة على أنني لا أمتلك بيتاً حالياً، وليس لي إلا ظل كتابي هذا. لأن حسين أخي من جهة أمي تزوج وسكن في بيتي الذي تسقفه السماء ذلك.
كنت يومها في صف أول ابتدائي، حينما طلب مني الأستاذ "ع" أن أقرأ عليه سورة "البلد". وعند هذا الموقع من السورة كنت أقرأ،..
"وما أدرِاك ما العقبة. فَكَّ رقبة، أو أطعَمَ في يومٍ ذي مسغبة".
تلوَّى "ع" كالحيَّة ثم صفعني بعنف منذ البداية. جَرَّني بقسوة من شعري: من أين تقرأ يا حيوان؟ هذا قرآنك أنت. صَحِّح يا بهيمة، اسمعني جيداً.
ثم قرأ عليَّ هو،..
"وما أدراك ما العقبة. فَكُّ رقبة، أو إطعامٌ في يومٍ ذي مسغبة".
قلت له: كله صاح.
ويا ليتني لم أقل، هجم عليّ كالجاموس، لم يمهلني لثانية واحدة. انكال عليّ ضرباً وهو يصيح،..
"كله صاح!؟ مجنون؟ مجنون أنت، أم ماذا؟ أعوذ بالله، شيطان، شيطان رجيم".
طاخ، طاخ، بهمجية ووحشية عجيبة. كان ينتصر للدين مني ويأخذ بثأر الصحابة. صاح من جديد: كما في الكتاب يا ملعون.
جهله لقراءات القرآن جعلني أجهل ما يقصده. ظننت أن كتابهم ككتب أبو صلاح. تركت القراءات وأخذت أعرب ككشاف الزمخشري، قلت له بسرعة مذهلة،..
"في حالة حفص "فكُّ" خبر مبتدأ، وفي حالة الدوري "فَكَّ" فعل ماضي، وفي حالة فلان وكتاب علان وكذا وكذا".
ولم يغثني ذلك. لم ينتبه، لم يلاحظ، البليد. هذا الطفل المجنون والكافر يهذي بالفعل، ولكن ألم يذكره هذيانه هذا بشيء؟ ألم يقابله في مكان ما؟ ألا تشبه هرطقته هذه دروساً قابلته هو في سنته الأخيرة بالمعهد قبيل تخرجه ومجيئه لتنوير الناس؟ ما زلت حتى هذا اليوم محتاراً في ذلك الرجل. لم يلاحظ أبداً أنني يا دوب جئتهم كي يعلمونني بينما أتفَوَّه بمصطلحات مثل: فعل ماضي وخبر مبتدأ وجملة اسمية وفعلية وغيرها. كما وبإمكاني أن أعرب "أو" و"ذي" اللتين يجهل إعرابهما هو نفسه في الآية الكريمة. أنا شخصياً أفشل تماماً عن تفسير عماه ذلك. صاح مهتاجاً وهو يضرب ويرفس من جديد،..
"يا رب القدرة، يا رب القدرة. قرآن حار، ببوخه. كما في الكتاب يا مجنون".
عجزت. القراءات جربتها كلها، هو لا يريدها. الإعراب جربته كله، هو لا يريده. ماذا يريد ذلك الرجل القاسي إذاً؟ عجزت وبكيت. وما عاد بإمكاني سواهما.
كنت صغيراً ولا أمتلك كلمة أخرى عدا "كله صاح"، وهي تُهَيِّجه. لم يكن بوسعي أن أشرح له القراءات في تلك السن. فقط أكرر أمامه بصورة ببغائية ودموعي تنسال بمذلة،..
"الدوري، حفص، الدوري. اسأل أبو صلاح. والله العظيم جد".
ولم ينجدني كل ذلك. فما هو الجِد الذي أعنيه وأُقسم عليه؟ مخلوق صغير مهان ويُركل ودمعه يتشتت بذنب أنه يعرف أكثر مما تتطلبه الحصة. لو فقط تمَهَّل وهدأ من ثائرته وروعي ليسألني: ما حفص هذا؟ كنت سأتتبعهم له واحداً واحداً. فشيخ عبد الله لا يتركك حتى تعرف شيوخ القراءات هؤلاء أكثر من أولاد خالتك وعمتك. بلدانهم، نشأتهم، تواريخ ميلادهم ومماتهم، عَمَّن أخذوا، لمن أعطوا، مَنْ يُقدَّم على مَنْ، ومن يؤخر عن من. كنت سأخلق فيه ولو بصيص انتباه. فربما يلاحظ أن تلك القصص فوق مقدرات تأليف الأطفال. كي يبعث بي للمدير على الأقل، ليفحصني. ولكن ذلك لم يحدث. ما يزال يطالبني بأن أقرأ كما في كتابه. والضرب وإحساس المهانة شَتَّتا تركيزي بالكامل. لم يعد بوسعي التمييز بين القراءتين. هذه مسألة لن أغفرها له ولوزارته التي بعثته أبداً. شيء لا يعقل!
خمشني من أسفل أذنيّ وعنقي وهو يقول لي بتهَيُّج مخيف،..
"والله، ووالله.. لن أتركك أبداً حتى تقرأ كما في الكتاب".
وأنا كنت قد فقدت السيطرة على الموضوع تماماً. فقراءات القرآن بالبسكويت الذي كانت تشتريه لي أمي تشجيعاً وتحبيباً لم تكن شيئاً سهلاً. ناهيك عن بالإذلال والضرب ووحشية ذلك الرجل. بكيت كآخر مَرَّة في حياتي. وندمت لكوني افتخرت على رفاقي بأنني لست محتاجاً للحفظ مثلهم. ما زلت إلى الآن أتذكر صوت بكائي المخنوق والطريقة التي كان يرتجف بها صدري.
الأستاذ يريدني أن أقرأ كما في كتاب وزارة المعارف. ذلكم الرخيص والتافه، المطبوع بماء الكركدي. أنا أقرأ كما يقرأ أبو صلاح عبد الله شيخ الحيران، فما أنت وما وزارتك؟ هنبول الوزارة التي بعثت بك لتُعَرِّفني الجهل.
أبو صلاح كان يحيط به أكثر من مائتي حَوارِي. هذا في سورة البقرة، وهذا في سورة الأعراف، وذاك في فاطر، وآخر في الحشر، وهكذا حتى سورة الناس. ويُمْلِل هو عليهم جميعاً من ذاكرته وحدها وفي جلسة واحدة، نسميها "الرمية". يجلس منذ هذا الصباح وحتى الصباح التالي. لا ينهض إلا للصلاة. هذا لا يمكن أن نسميه رجلاً حافظاً، بل هو القرآن يُمْلِل نفسه للناس كبشري يجلس تحت شجرة "سنط" عملاقة.
ولكن ذلك المُدَرِّس يريد فقط ما في كتابهم المطبوع بمحلول الكركدي، ماذا نفعل له؟
النهار أخذ يخوض في العصر. انتبهت إلى أنني لم أعد أحداً بعينه. بل مجرد أحاسيس، أفكار، أنانية عوز تُدين الآخرين، وشر ينصب شراكه. ولكن ربما هذا ما نحن عليه بالضبط. حياتنا ليست قصة متماسكة كما تظن. ليست مترابطة. كلها تتكون من مثل هذا التقطُّع من التفكير التافه والانشغال البسيط. لا تصدق أن هنالك من هو مختلف، اللهم إلا البهائم. عندما أرى صورة رؤساء وهم يتباحثون في التلفزيون أضحك. الأهم هو المواضيع التي يبحثونها بداخل صلعهم ومع أنفسهم في تلك اللحظات، التفكير السري وغير المعلن، والذي لا يمكنهم أن يفخّموا به أصواتهم كخطبهم المهيبة والمجلجلة. حياة الإنسان الحقيقية هي بالضبط تلك التفاهة السرية. وكل ما يعيشه الإنسان بحق، هو هذا التكتم الخافت والمحرج. قَدِّر بنفسك إذن كيف هي كتب السيرة الذاتية التي تكتب عن حياتهم لا تقول عنهم شيئاً، ولكم هي مختلفة عَمَّا هم عليه في الحقيقة. كتب السيرة على هذا النحو تُخَلِّد الوظائف والمهام والأشياء بشكل عام. والروح لا يمكن تخليدها بالفعل إلا بمناقشة الاستغراق ودقائق التفكير والشغب النفسي والضيق، الكفر والإيمان. أي أنَّ الروح تُخَلَّد بفعل مادتها المفترضة من الهيمانات.
شعرت بالجوع من جديد. قلت لنفسي: ربما تأتي "الست" وتجلب معها من الخارج شيئاً يُؤكل. ولكنها لم تأت. حاولت النوم، ولكنه لم... قلت سأذهب لصديقي د.عمر السنوسي فربما أجد شيئاً آكله.
طرقت بابه والنهار أخذ يخوض في العصر. يقطع أبوها من عيشة!؟ وجدت معه رجلاً من زملائه الأساتذة في الجامعة. قَدَّمه لي د.عمر على أنه بروفيسور آداب يحاضر في جامعة الجزيرة. وقَدَّمني له على أنني طالب اقتصاد يدرس بنفس الجامعة. وما يلي هذا التعريف من شاب واعد ومهتم، له روايات وأشعار وبحوث وكذا وكذا. وذلك البروفيسور يتأملني ويحدجني بنظراته كأنه سيعثر على دليل يقبض به على كذب د.عمر.
بعد مرور لوازم التعارف جلست أنا في مواجهة البروفيسور. سأل هو د. عمر وكأنه يواصل معه حواراً قطعه قدومي،..
"ها، قلت ماذا تقرأ هذه الأيام؟".
أجابه د. عمر: هذه الأيام أكتب. أما آخر الليل -يضحك د. عمر- فأحاول تجميع بعض الخيوط لدراسة تُقارب بين أعمال "مايكوفسكي" و"أنغوبلي مادنغوني" و"سالم حميد". أريد نصوصاً أوفر من مادنغوني لو كانت لديك؟
سأله البروفيسور متجاوزاً طلبه،..
"وماذا عن أعمالك المسرحية؟".
"متوقف. من يريد مسرحاً هذه الأيام؟ هذه المقاربة اتفقت عليها مع مجلة المركز الثقافي الفرنسي".
حاول د. عمر أن يعيده لموضوعهما الأول. البروفيسور أفتى بصدد مايكوفسكي،..
"ربما بوشكين يخدمك أفضل".
بدا لي ذلك الرجل غبياً جداً ومنذ البداية. فأولاً د. عمر لم يوضح أي شيء عن مقاصد دراسته وأغراضها كي يعلم هذا البروفيسور أن بوشكين يخدم أكثر أو أقل. تذَكَّرت قصة صديقي "صحابي الصادق" على الفور. حكى لي هذا الصديق أنه ذهب إلى حيث يفرش الباعة الكتب بجانب حدائق شارع النيل، واختار كتاباً وقال للبائع إنه سيأخذ هذا الكتاب نظير خمسمائة جنيه فقط. فأجابه البائع: أبو خمسمائة هي تلك المجموعة في الطرف، دع الذي في يدك هذا وخذ منها واحداً.
في ماذا يختلف هذا البروفيسور عن ذلك البائع الجاهل؟ لأنه مبدئياً يمكن الربط بين أعمال الثلاثة المذكورين، ولكن بوشكين ما دخله؟ إما أن ذلك البروفيسور سيسعده أن يذكر بوشكين أمامنا بتلك الطريقة المفخَّمة، وإما أنه يجهل بالكامل أشعار الجميع، الذين ذكرهم د. عمر والذي ذكره هو. احتار د. عمر، ولكن أدبه الوافر أملى عليه مجاملة،..
"مشروعي يخدمه مايكوفسكي أكثر، أما بوشكين فسيجعل الموضوع مختلفاً".
لم يفهم البروفيسور المتسلِّط السخرية الكامنة في هذه العبارة، قال مُصِرَّاً،..
"الروس جيدون، ولكن تنقص كتاباتهم مسحة الضباب والمغامرة كما في الآداب اللاتينية مثلاً. الواقعية السحرية تبز واقعيتهم الاشتراكية. الأيدولوجيا والإلحاد لن يخدما لا الفن ولا الإنسان".
قَوِّم بنفسك مدى تفاهة أفكار الرجل ومحفوظيته وقِدَم ألفاظه وتكرارها. هنالك نوع من التفاهة لا يمكن تحليله من شدة انحطاطه وتكراره، ولا تعرف معه أتضحك أم ماذا تفعل! أما أنا فقد نسيت غضب الجوع وسلبيته وانشغلت بعواطف امتعاض غيرها. كما أَلْفِت نظرك إلى أنني قَدَّرت من خلال ملابساته كلها أنَّه إسلاموي ويتحدث هو أيضاً من خلال الأيدولوجيا. يتحدث عن روسيا هذه وكأنَّ كُتَّابها تنتجهم دولة بحجم واحدة من دول الخليج. خلعت حذائي بحركة قرف وغمغمت مع نفسي بكل أداة سخط أمتلكها. التفت نحوي البروفيسور، قال لي وكأنه ضيف ظريف يُشْرِك خادم بيت من زارهم في حوار مع سيده، ليعطي الحضور دليلاً على نوعية التعامل في بيته هو. سألني: وأنت، ماذا تقرأ؟
"أنا؟ قل لي أنت أولاً رأيك في أنطوان شيخوف؟".
"هنالك من هو أفضل منه".
"شخصياً لم يقابلني هذا الأفضل منه".
أجابني بلهجة ليست مستبدة، ولكنها مترويّة ببطر: لن أقول لك بأنك لم تفتش جيداً، ولن أناقشك الآن، هذه مرحلة ستمر. وستعرف بعدها أن هنالك من هو أفضل منه.
سألته بغيظ: مثل من؟
لو قال لي دستوفسكي لتقاصرت حماستي كثيراً، لكنَّه وبفخامة أوديو عجيبة أجاب: ليف تولستوي.
أنا لا أكره كتابة ليف تولستوي، ولكنني لن أقارنها بأعمال شيخوف مطلقاً. ما يزال شيخوف يمثل لي هو ودستوفسكي وحكايات إيطاليا لمكسيم جوركي شيئاً مهماً من ناحية الكتابة الروسية. قرأت مسرح شيخوف كله، وتقريباً كل أعماله القصصية. بل أكاد أحفظ له قصصاً من نوع "المبارزة" و"عنبر 6"، "الخادم"، "مذكرات رجل عجوز"، ومجمل أعماله تقريباً. كنت أيضاً قد قرأت شيلخوف وتورغنيف وكوبرين وراسبوتين وجوركي وألكسي تولوستوي وكورلنكو، وأسرتني أعمال هؤلاء أيضاً. ولكن حتى تاريخ اليوم يسيطر عليّ حب النبش الجواني وتفتيت الوجود بحرقة دافئة، ما تجده أكثر عند أنطوان ودستوفسكي. كنت أرتبهم هكذا: شيخوف ودستوفسكي، ألكسي تولستوي، حكايات إيطاليا لمكسيم جوركي. لقد تعلقت بألكسي جداً وأعدت قراءة "الشقيقتان"، "طفولة نيكيتا"، و"الأمير الأعرج" كثيراً. وكذلك "الدون الهادي" لميخائيل شيلوخوف و"الهارب" لفالنتين راسبوتين، ثم يصبح بإمكان الكونت ليف تولستوي أن يرد في قائمتي بعد ذلك لو كان يود. ولكي تعجب أكثر أقول لك إن كتاب "حكايات إيطاليا" هذا من أهم الكتب التي أثّرت في حياتي. وأعني بالذات الفصل الذي كتبه مكسيم جوركي عن الكونت ليف تولستوي. لقد كتب عنه بقداسة وحشية مذهلة ورهيبة. بالرغم من عدم الارتياح وسوء التفاهم الذي تَمَيَّزت به علاقة الرجلين. ولكن ماذا تقول؟ هذه هي الكتابة عندما تريد نفسها. لن أقول إن حب جوركي لشيخوف هو سبب فشله في أن لا يكتب عنه بذات المستوى -أي كشخصية روائية لا علاقة له بها- لأنه نجح جداً في الكتابة عن فلاديمير إيليتش لينين. لا أعرف، ولكن من المقدمة التي كتبها المخرج قسطنطين ستانسلافسكي لمسرح شيخوف تتلَمَّس تبصراً أفضل لروح شيخوف.
لم أقل لصاحبنا البروفيسور العتيد شيئاً. بل تشاغلت عنهما هو ود. عمر بنفسي. ودار حوارهما منفصلاً عني هنا وهناك. فجأة التفت إليّ البروفيسور بملامح جديته القريبة من الشر تلك. ربما عَدَّ انزوائي ذلك زعلاً ما، لقِلِّ المعرفة، لصغر السن، المهم زعل بشكل من الأشكال. فأراد أن يفعل شيئاً طريفاً يُراضيني به.. اسمع، يستنبهني هو، تُذكِّرني بشخص ما يا ابني!
فكّر قليلاً ثم أضاف: تشبه كوجاك، تعرفه؟
"لست رجلاً أبيض لأشبه لك كوجاك هذا".
- لا، هذا كوجاك أسود. قريبك هو؟
أنا لا أعرف كوجاك الذي يعنيه هذا. لم أكن أعرف في ذلك الوقت أنَّه ممثل سوداني. فقط كنتُ أعرف كوجاك السينما الأصلي والأصلع. شعري في ذلك الزمن -قبل الصلعة- كان يُغطي وجهي وعنقي. كيف رآني أصلعَ؟
صمتنا قليلاً وشعرت باضطهاد الحكم من علٍ مرة ثانية. أحكام أكاديميي الجامعات، الذين لا يقبلون في تقويم كلامهم بأقل من قرآن. قلت له ببرود حاد وغير متردّد مطلقاً،..
"أتعرف من تشبه أنت؟".
- لا، لا أعرف.
"القنيطة".
وهذه الكلمة مرادف سوداني لكلمة "الطيز" وأكثر فجاجة منها. ربما عَوَّل الرجل على كوني أحد مجانين أسرة د. عمر الذين يُنَكِّرهم كطلاب جامعات خوفاً على وضعه الاجتماعي. فقد اندهش وبُوغت أكثر مما غَضِب. نظر ناحية د. عمر باستغراب وفجيعة. فلم تكن قد مرّت عدة دقائق على تقديم عمر لنا لبعض، بوضعية أستاذ وطالب في مؤسسة واحدة. كل ما أحزنني أن د. عمر حُوصِر وشعرت به انجرح. كلمة قاضية ولا أدري كيف حصلت عليها وأنا بين أساتذة جامعة. لا يمكن قولها حتى لشرموطة بداخل وكرها على هذا النحو، فكيف مع بروفيسور آداب!؟ لم آبه حينها كثيراً. كان يغطيني في تلك الفترة ضباب يعزلني عن لباقة الحياة الخارجية بالكامل. صدقني، كنت أقرأ شعر أزهري وعاطف والصادق وحميد وأخرج إلى أركان النقاش وأنا مسطول بالفعل وليس ادَّعاءً. ثم أجد نفسي ملهماً والسماء تناولني الكلام ولا علاقة لي بأي أحد ولا أعرف أي شيء. لا أدري كيف عدت من ذلك المكان. كما أنَّ أُبوية الأكادميين هذه وصلف رجال الأمن بالنسبة لي يأكلان بفم واحد ويخرأان بدبر واحد. كيف يقول إن تفضيلي لشيخوف هذه "مرحلة" لن يناقشني فيها؟ ألأن تولستوي بالنسبة لشيخوف كان شيخاً مثله أم ماذا؟ لماذا لا ينزل هذا الرجل لأقرب سماء من السابعة ويشرح لي المسألة؟ كنت بداخلي أفور وأهمهم: عليه أن يعلم أن تولستوي محميته هذا، لولا الحمايات لما صار شيئاً. ومن قبل كان محمية دعاية الصحافة والنقاد الضعفاء ومحمية غروره الذي أرهب به الناس. ماذا لو قلت له إن تولستويه المنفوخ هذا لا يساوي شابتراً واحداً من الطيب صالح أو صنع الله إبراهيم، القعيد، الكوني، حيدر حيدر، أبَّكر إسماعيل، بشرى الفاضل، أو مستغانمي وسلوى بكر، سليم بركات. حيدر حيدر في ذلك الزمن لم يكن موضة، كنت أعرفه وحدي كسر.
لقد قرأتُ معظم -معظم هنا للتواضع- شخوصه، أعني تولستوي، ولم تؤثر فيّ أو تلمسني شخصية له ربع ما لمستني شخصية "إلياس نخلة" لعبد الرحمن منيف، الذي لا أُطيقه هو الآخر. كيف سيكون موقف البروفيسور يا ترى لو طرحتُ له المسألة على هذا النحو المحلي؟ بلا شك كان سيقتلني، بفتوى أنه لا فائدة من حياتي، فهي لن تكفي للمراحل التعلُّمية الكثيرة التي تنتظرني. قنيطة قنيطة، لن يقرر لي هو وهذه الصحافة التافهة ما يجب أن أفهمه عن الكتب.
تنحنح الرجل بطريقة شيخ عادي ما بقي معه أي امتياز أكاديمي ولا كرامة علم. ترك أستاذيته. مثل هذه الكلمات الحميمة تضع المتعجرفين في مواعينهم. قال لي بنبرة –عن حق لم تكن غاضبة كثيراً- ما يزال يلتبسُ عليها الأمر،..
"أنا رجل في سن والدك".
قاطعته: بل أكبر قليلاً.
قلت في بالي: أُصِرُّ على اللؤم لآخر كلمة بحوزتي. سيتفادى المواصلة معي خوف كلمات جديدة. لست أستاذاً مثله لأخسر شيئاً ويذلني وغدٌ مثلي. يمكنه أن يلاحقني في الجامعة ويطردني منها. ولكن د. عمر الذي أغضبته هو أيضاً لن يتركه. لا حَلَّ معه سوى أن يصمت ويمصمص شفاهه من الغضب. ولكنه لم يصمت،...
- في بيتكم تتحدثون هكذا؟
"في بيتي أتدرب على الحديث هكذا. شتيمتك هذه لن تجد لي أهلاً تقع بهم".
- هو هكذا إذاً؟
أجبته على مقصده فوراً: نعم مواليد وتربية شوارع.
نهض بغضب مُحَنَّك، جلبه معه من إنجلترا التي درس فيها. التفت ناحية د. عمر وقال له بصوت محاضرات: شكراً يا دكتور.
أراد أن يُشركه معه في الذنب وإحساس المذلة والحرج. تَحَلَّف عليه د. عمر بأن لا يذهب بينما هو يعتذر له. وسمعت منه بعض الكلمات السيئة لترضية الرجل. لن أنسى لعمر ما حييت أنه لم يطردني له. ولو طردني لما ألقيتُ عليه السلام بعدها أبداً. إمَّا ذلك البروفيسور كله أو أنا. تبعه د. عمر وهو يقسم عليه ويتمَسَّك به حتى الباب. سمعته يقول لدكتور عمر: ذَكِّرني باسمه؟
أجابه د. عمر: دع هذه المسألة لي يا أستاذ. هو ولد عصابي ومضطرب قليلاً، له مشاكل عدم أسرة كما سمعت. الذي يعرفه هذا كثير عليه. لو طردناه سنسلمه للشارع، في ظني يجب أن نربيه، ندعمه، يجب أن ندعمه يا أستاذ لو كنا ماذا وماذا وعليه، ومش عارف إيه...
كانا يتساومان حولي كخروف. عندما عاد د. عمر وجدني أشرب عصير الرجل. أعرف أن د. عمر أستاذ فنون ومسرح بحق وموهبة ولم يحصل على ذلك بالمذاكرة. أردت إضحاكه كي أتفادى غضبه. هذه واحدة من وسائلي الصحيحة لمعالجة الأمور مع الأذكياء مثله. بادرته متعجلاً،..
"تتساومان حول مساعدتي، صحيح؟ ثم تركته يذهب بجيوبه المنتفخة دون أن يتبرع لي بشيء. إذن أدخل أنت يدك في جيبك. أنا لستُ الجيش لتقترحا نفسيكما كفرع توجيه معنوي لنجدتي بالكلام فحسب".
جلس ورأى العصير في يدي ولم يهتم. هذا الرجل أنا أعِزّه بالفعل وها قد أغضبته بتوريطي له في حماقة تافهة. هذه الحادثة ستصبح أُنس البروفيسور مع زملائه ربما لسنة قادمة. رأى د. عمر أسناني الصفراء خارجة من قِرابها أيضاً. كنت مبتسماً. تقدمته كي يلحق بي عند ضحكة. آخ، لقد غضب بالفعل، خذلني. قال لي بغيظ،..
- هذا الرجل ضيفي يا محسن. لبيتي حرمة، وللعمر حرمة، ولأستاذيته أيضاً حرمة.
لم أخجل، كنت محجوباً في ذلك الزمن كما قلت لك. أردت فقط أن أتخلص من حصاره لي. هو صديقي ولا يمكنني مراوغته بالطريقة ذاتها. يعرفني ويعرف أموري جيداً.
"بالجد أنا آسف لحرمة بيتك وحدها. ولكن أية حرمات تعرفها لأمثال هؤلاء؟ أليسوا هم أنفسهم مَنْ قالوا لك لن تُحَضِّر في هذه الجامعة، حتى تأتيهم بدليل يخترع علاقة تربط التربية بالدراما؟".
هذا الكلام حدث بالفعل في زمن قديم. كنت في المتوسط أو بداية الثانوي -لا أذكر- ولم يكن هو دكتوراً. رافقناه إليهم أنا وصديقي كاظم الزعيم عِدَّة مرات. بينما هو يحاول إقناعهم بأن لعلوم التربية صلة تربطها بعلم الدراما. كي يسمحوا له بالتحضير والعمل في الجامعة. كان قد عاد لتوِّه من العراق، مع مكتبته الهائلة التي حصدها جراد الأمن. وعرّفني عليه كاظم الذي كان بعثياً في ذلك الوقت. غالباً من خلال د. عمر -لست متأكداً- ولكن كاظم أصغر مني أنا. ولو حذفنا من عمره أي شيء فسنضعه في رداء قصير وندخله المدرسة الابتدائية. وحينها لن يصبح بوسعه أن يكون بعثياً أو أي مخلوق آخر، عدا آكل للآيسكريم. فلا بُدَّ أنه صار بعثياً بعد قدوم د. عمر.
اعترضني بضيق، دون شك،..
- لن تبتزني بهذا الكلام؟ لأول مرة في حياتي أجد نفسي لا أعرف ماذا أفعل.
قلت له ضاحكاً كي أُسَوِّف غضبه قليلاً: لقد عشنا لحظة في الحقيقة، لا تندم. الانتباه الكامل لا يوفره إلا منتهى الحرج أو منتهى الخوف.
ضحكت وأردفت بسرعة ومُصرَّاً على موضوع علاقة التربية بالدراما،..
"والله أنا لا أذكر يا دكتور، كنت صغيراً وأرهب النظر إلى الأساتذة من أمثاله. ولكن بحق ألم يكن هذا الرجل معهم حين كنت تفاوضهم؟ من يبحثون عن دليل يثبت علاقة التربية بالدراما فلا بُدَّ أن يكون هذا الرجل الغبي رئيس كَشَّافتهم".
نلت منه أخيراً، ضحك وأجابني: بحق، ألا تذكر؟
"لا أذكر والله".
- بالفعل كان معهم. لم يكن رئيسهم، ولكن كان بإمكانه أن يتدَخَّل.
تمرغت أنا من الضحك على المقعد مثل جحش. حتى رفست الدوسيه الكبير الذي جاء به الرجل لدكتور عمر.
"يا نبوي أنا، يا محسن. ألم أقل لك؟ أو هذه رهبانية الطبيعة. الأشياء تعرف طرقها الغامضة حتى لو تبعثر من حولها الناس وتعاظم فوقها التاريخ. يستاااهل. كان رديئاً أستاذكم متدلي البطن هذا، ويستاهل".
سألني د. عمر مع ضحكة ماكرة وهو يهز رأسه ناحيتي: وأنت؟
"أنا أيضاً رديء، لن أمتدح لك نفسي مطلقاً".
"بس سؤال يا دكتور، زولك دا كوز وألا ما كوز؟".
- أولاً ما زولي، زول رقبتو براها، ثانياً مصاحبني بالغصب وكوز.
"الكلب...".
قلت في بالي: كل ذلك حدث كي نصل إلى هذه النقطة، المهمة أو غير المهمة، لن تفرق كثيراً. فأنا فعلاً لم أكن أتذَكَّره. كيف يتم القدر؟ هل هو أصلاً يُعِدُّونه حسب الأشخاص الذين سيتواجدون في مستقبل مشترك ما؟ هل يتكون القدر بناءً على ذهابنا نحن إليه، أم على مجيئه هو إلينا؟ كاظم وعمر كانا من مدني، أما أنا فمن شندي وقد أتيت إليها زائراً. أم تُرى هو القدر قوانين عامة تفرض التفاصيل تلقائياً بكونها أقوى من الزمان والمكان؟
هل كان بوسع البروفيسور أن يلحظ صبياً صغيراً بصحبة الطالب عمر، سيهينه ذات يوم في بيت هذا الزميل الماثل في صورة طالب الآن؟
لا أعرف. المهم أنني وجدتُ غداءً ولا أعرف ماذا فعلتْ "الست" زوجة "عبده تيَّه".
محسن خالد
مدينة دوكة 1994م
imported_أسعد
01-11-2010, 08:15 AM
إني داعي فأمنوا معي :
اللهم أعزنا بمحسن في إحدى الحسنيين
يا إما يرجع السودان
أو يتشاكل مع محمد حسبو
آمييييييييييين
بابكر عباس
01-11-2010, 08:58 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بدور التركي http://sudanorg.tk/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=295688#post295688)
النور والتابوت
محسن خالد
مدينة دوكة 1994م
قريت الكلام دا تلاتة مرات
و مستعد أقراهو تاني أربعة مرات
و في سري شكرت خالد الحاج و مُبر و بدور
imported_بدور التركي
01-11-2010, 02:08 PM
إني داعي فأمنوا معي :
اللهم أعزنا بمحسن في إحدى الحسنيين
يا إما يرجع السودان
أو يتشاكل مع محمد حسبو
آمييييييييييين
كل ما مرت الأيام يزداد اندفاعا لا(مدفوعا)
الى المعرفة ..يسجل آراء ونظريات ونظرات في اللغة والأدب
محسن خالد موهبة واسطورة
اسم واقعه في القلب كبير لانه يتعامل مع الكلمة الواعية المستنيرة تعاملا
يرقى بها الى مستوى حب الجماهير وشغفها..
اعتز بك أيها الاديب اللامع
imported_بدور التركي
01-11-2010, 02:44 PM
اقتباس:
قريت الكلام دا تلاتة مرات
و مستعد أقراهو تاني أربعة مرات
و في سري شكرت خالد الحاج و مُبر و بدور
غابة نبعها دافيء رقراق..تخرج جذورها من كهوف الماضي
تمارس حركتها الايقاعي عبر حركة الضوء والماء
من خلال صوت عصافيرها وغناء بلابلها وحفيف اوراقها
مع انبثاق النور ظهرت واصبحت لحنا للشفافية
لتكسب الوجود قيمته
غابة في جسدها يسكن شاعر نبي
يسكن محسن خالد...
السيد بابكر عباس:
يوم شكرك مايجي
تحياتي للأخ مبر
خالد الحاج
دمت لنا
ودامت سودانيات رمز للإبداع
imported_بدور التركي
20-12-2010, 11:07 AM
فووووووق
عاليا إلى لندن مع محسن خالد وابن بطوطة ...
imported_بدور التركي
20-12-2010, 01:14 PM
لندن ـ 'القدس العربي': في مؤتمر صحافي عقد في فندق لانكاستر في وسط العاصمة البريطانية لندن وحضره ممثلون عن الجهتين الراعيتين والصحافة العربية والاجنبية وعدد من المشاركين اعلن 'المركز العربي للادب الجغرافي (ارتياد الآفاق) و'الحي الثقافي- كاتارا' في قطر عن مؤتمر دولي الشهر القادم بالعاصمة القطرية، يجمع لأول مرة مترجمي الرحالة العربي الأشهر ابن بطوطة، ويلقي أضواء على إنجاز الرحالة العرب خلال ألف عام، ويشارك فيه اكثر من 85 باحثا من العرب والأجانب المهتمين بأدب الرحلة.
ويشارك في مؤتمر (العرب بين البحر والصحراء) وهو عمليا المؤتمر السادس الذي يعقده المركز العربي للادب الجغرافي منذ أن تأسس قبل عقد من الزمن، باحثون عرب وأجانب من الهند وإيران وتركيا وماليزيا وإندونيسيا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا واليابان وألمانيا وجنوب افريقيا وكينيا والصين.
بدأ الشاعر السوري نوري الجراح المشرف على المركز ومؤتمره السنوي، المؤتمر الصحافي بشكر خاص للمشاركين ونقل تحيات محمد احمد السويدي راعي المركز لجميع الحضور، وبدأ بالترحيب بالرحالة البريطاني تيم ماكنتوش سميث، الذي طاف العالم على خطى ابن بطوطة، الذي يقيم في صنعاء منذ اكثر من 20 عاما، وكذلك رحب بالباحث والموسيقي العراقي سلطان الخطيب. وقدم للحضور بعض المشاركين بالمؤتمر ونوه بجهود كل من عمل حتى الآن في لندن وابوظبي والدوحة لجعل أول مؤتمر من نوعه في الجزيرة العربية، خلال عقود، أمرا ممكنا.. لاسيما المسؤولون في 'الحي الثقافي' في الدوحة الذين استضافوا المؤتمر بحماسة عالية، ووعي كبير بالأهمية الاستثنائية لأدب الرحلة، بوصفه جسرا بين الشرق والغرب وبين العرب والعالم.
وأشار الجراح في كلمته إلى الدورات الخمس السابقة للمؤتمر، التي عقدت في كل من المغرب، الجزائر والخرطوم. وجاء بأمثلة على الآثار الكبيرة التي تركتها تلك الدورات على ميدان البحث التاريخي والأدبي في تلك البلاد.
من ناحيته قال الرحالة البريطاني ماكنتوش سميث الذي حضر المؤتمر الصحافي، بعربية جميلة انه يفخر باتباعه آثار الرحالة العربي الأشهر ابن بطوطة، وعبر عن رغبته في تأسيس ادب رحلات انساني لا يعترف بالحدود الجغرافية والثقافية، بل يفتش عن الجامع الانساني.
من جهتها قالت ملكة آل شريم، مديرة العلاقات العامة في 'الحي الثقافي' بقطر عن سبب اختيار المؤسسة لاسم 'كتارا' الذي يربط بين احد الاسماء القديمة لقطر الذي استخدمه بطليموس وبين تأسيس الدولة القطرية الحديثة، كما تحدثت عن النشاطات العديدة التي قام الحي الثقافي في قطر بانشائها، ونوهت بالتعاون مع المركز العربي للادب الجغرافي.
الناقد الدكتور خلدون الشمعة تحدث عن مشاركته في الندوة القادمة من خلال بحثه عن رغبة العرب في التحديث وخوفهم من الغربنة، وفي العلاقة الجدلية بين هاتين القضيتين.
كما تحدث الناقد حسام الدين محمد عن ورقته البحثية المقدمة والتي تتناول كتب ثلاثة من ادباء الرحلة العرب، خليل النعيمي، خالد النجار ومحمد الحارثي، مشيرا الى نقاط الافتراق واللقاء بين اعمالهم، وعن كون رحلاتهم تشكل نوعا من الدائرة الطامحة للاكتمال في عودتها الى طفولة وفردوس مفقودين.
واخيرا تحدث الباحث السوداني محسن خالد الذي اشار الى كتاب تاريخي مهم عن مملكة دارفور واهميته في فهم التاريخ الحالي للسودان. هذا ويفتتح المؤتمر في السادس من كانون الأول (ديسمبر) ويستمر حتى العاشر منه، و'يرصد الأدوار الثقافية والحضارية للعرب والمسلمين في علاقتهم بجوارهم الشرقي وبالآخر الغربي، من خلال نصوص أدب الرحلة ورؤى الرحالة وكتابات الجغرافيين والبلدانيين العرب والمسلمين' خلال جلسات تستمر أربعة أيام.
ويسلط المؤتمر الضوء على مضيق هرمز والشواطئ العربية والآسيوية والافريقية والرحلات عبرها والغزوات البرتغالية والهولندية والبريطانية للمنطقة وانعكاس الوجود العثماني في نصوص السفر ودور العرب في تاريخ العلوم البحرية والفلكية وريادتهم في التأسيس لعلم الجغرافيا ولأدب الرحلة ودور رحلات الحج في نقل العلوم والمعارف والأفكار الجديدة.
وتشمل البحوث أيضا العلاقات الثقافية والسياسية والاقتصادية بين العرب وكل من الصين والهند وفارس وتركيا وافريقيا وأوروبا، كما يشهد المؤتمر 'للمرة الأولى لقاء يضم عددا من مترجمي رحلة ابن بطوطة إلى لغات أوروبية وآسيوية مختلفة.. سيقدمون شهادات حول تجاربهم في نقل الرحلة إلى لغاتهم'، إذ ترجمت رحلات ابن بطوطة إلى نحو 50 لغة.
والمركز العربي للأدب الجغرافي - ارتياد الآفاق الذي يرعاه الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي ينظم سنويا ندوة عن أدب الرحلة في بلد عربي أو أجنبي. واستضافت الندوة في السنوات الماضية عواصم منها الرباط والخرطوم والجزائر.
ومن محاور المؤتمر (التواصل التجاري والدبلوماسي والثقافي بين العرب والشرق الأقصى من خلال نصوص الجغرافيين والرحالة والتجار والعلماء القدامى والمحدثين) و(دور الحج إلى مكة والمدينة وبيت المقدس ورحلاته في نقل العلوم والمعارف والأفكار الجديدة بين أطراف آسيا وبين آسيا وافريقيا) و(نظرة العرب إلى أوروبا وانطباعات النخب العربية المثقفة عن أوروبا من خلال نصوص المندوبين والعلماء والرحالة وأدباء الشرق إلى الغرب) و(تأملات ونظرات وأفكار في ملامح ومعالم القارة الأمريكية من خلال الرحالة والمندوبين والمغامرين العرب مشرقا ومغربا) و (البحرية العربية وعلاقتها بالبحريات التجارية والعسكرية الأوروبية والآسيوية) و(الهجرات العربية الجنوبية من اليمن وعمان ودورها في التطور الثقافي والحضاري لجنوب شرق آسيا).
وقال الجراح، لوسائل الاعلام، إن المؤتمر يغطي ملامح من الرحلة المعاصرة واهتمامات الرحالة المعاصرين، من خلال شهادات وأفكار وأبحاث حول نصوص الرحلة المعاصرة 'بوصفها تقارير صحافية وتجارب ومغامرات إبداعية'، كما يتضمن أمسيات أدبية يقدم فيها رحالة معاصرون جانبا من تجاربهم وشهاداتهم.
وأضاف أن المؤتمر سترافقه ثلاثة معارض تضم مئات الصور والخرائط والكتب، هي (الرحلة العربية في ألف عام) ويضم الكتب التي أصدرها المركز العربي للأدب الجغرافي طوال عشر سنوات في مجالات تحقيق المخطوطات والدراسات في أدب الرحلة والرحلة المعاصرة والرحلة الصحافية واليوميات. ويقام المعرض الثاني تحت عنوان (الريح تكتب.. شعرية الصحراء) في حين يحمل الثالث عنوان (على خطى الرحالة العرب.. من فاس إلى أصفهان) ويضم صورا للطرق التي سلكها الرحالة العرب من المحيط الأطلسي في أقصى الغرب إلى بلاد فارس مرورا بالجزائر والسودان وتونس وليبيا ومصر وشبه الجزيرة العربية والشام.
ويشهد المؤتمر عرض أفلام وثائقية على خطى ابن بطوطة وغيره من أعلام الرحالة العرب إضافة إلى تكريم 13 فائزا بالدورة السابعة لجوائز ابن بطوطة للأدب الجغرافي وحفلات توقيع للكتب الفائزة.
http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today%5C21qpt83.htm&arc=data%5C2010%5C11%5C11-21%5C21qpt83.htm
imported_أسعد
20-12-2010, 01:24 PM
الباحث السوداني محسن خالد
هههههههاااااااااااااااااااااااي وقيل قرقرقرقرقر زاتو
ياخ باحث في عينكم
وأديب في عينك يا بدور
الزول دا محسن ساااااااااااااااي سليقة ياخ
imported_بدور التركي
20-12-2010, 02:36 PM
هههههههاااااااااااااااااااااااي وقيل قرقرقرقرقر زاتو
ياخ باحث في عينكم
وأديب في عينك يا بدور
الزول دا محسن ساااااااااااااااي سليقة ياخ
عليك الله شوف الصورة المرفقة:o
بذمتك وقفتو ما وقفة زول عبقري وفنان
والعجب الجنز ح يأكل منو حتة
الزول دا فخر للسودان ولينا
وانا اولكم:D
imported_بدور التركي
22-12-2010, 08:59 PM
غابة...ليست كالملائكة
غير إنها تضاجع الأفكار في النور
وميزتها الصدق والوضوح
imported_بله محمد الفاضل
27-12-2010, 09:31 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد http://sudanorg.tk/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://sudanorg.tk/vb/showthread.php?p=284674#post284674)
غابتي..
التي بذرتني المتساقطَ في مشيتها
من لحن الحجول
ما رأي بابكر في هذه الأُخيولة؟
فقد استحالت ساقا المُخْبَر عنها إلى (سلّوكتين) وليستا أية سلّوكتين من خشب، (لا)، فقد استحالتا، تحديداً، إلى سلّوكتين من جيتارين.
هذا لأنَّها كانت ترتدي حجولاً. فهل رأيتَ تلك الحركة الرشيقة للمزارع الحريف، حينما يطعن الأرض، غالباً جروف النهر، بسلّوكته على نحو خفيف، سريع، ونافذ، ثم يرمي بعدها، برشاقة، التيرابَ، أو بذور زراعته، في رحم الأرض؟
ونجد راوية النص، قد استحال في نفسه إلى هذا التيراب، الذي تشتته تلك الحجول في ساقي الموصوفة، لينبت أفدنةً من الموسيقي، تخيّل أن تتحوّل الموسيقى إلي مادّة مما يُزرع في جروف النهر.
داير شنو أكتر من كدا إنت!؟
نخلي بَطَر زي دا في الكتابة والخيال عشان يتكتب شنو؟
فإن لم يكن المتلقي يعرف شيئاً عن الغرس والزراعة بالسلوكة، ولا مخيّلة له بوسعها تخيل الساقين قد استحالتا لجيتارين من واقع أن الفتاة تلبس حجولاً تُصدر نغماتٍ حينما تتحرك برشاقة الزُّرَّاع، فما الذي سيجده المتلقي من قراءته لهذا الكلام؟
أي مقطع من هذه الكتابة له "فكرة"، عن نفسي لا أكتب أيَّ شيءٍ لا أمتلك له فكرةً.
ذات الهوة التي كتب لنا بها (عاطف خيري):
والمتعرج في جسد الحلة
دا زقاق
ولا وريدك
أريدك
وقد لعب خيري على جملة مكتملة
اتكت على تساوي المشهد
من حيث تعرج الزقاق
ومن تمشي فيه
مع إطلاق صرخة روحه الداوية:
أريدك
كأجمل ختام للمشهد/الصورة
ولعبت أنت على بعد أكثر غور والتباس من صاحبك
ويمكننا أيضاً النظر إلى أثر كل ثقافة على حدة بينكما
من حيث العبارات
ففيما عاطف (وسطي العبارة أو قُل خرطومي)
يلوح أنك (ريفيها، بحيث تنهل وتمنح من ذات ماعون الدوبيت الصرف)
أقول:
لعبت أنت على غور أبعد والتباس أشد
لأنك لم تركن لأدوات الربط التي تساعد في هضم المقطع
وهي أدوات لازمة للإيصال لا الشعر
فغابتي
بإيحاءاتها التي قد تصب في مدارات الوحشة والوحشي والمستوحش
والشاسع والغامض وما سوى ذلك
ويتبعها مباشرة
التي بذرتني
من بذر البذور للإنبات
{وقد لا اتفق معك في استخدامك (المتساقط) رغم قربها ذهنياً من القدمين حيث (الحجول) وكذا قربها من البذر بباطن الأرض، لأني بهذا المقام أظن أن (الرفعة) شأن التي لأجلها يُقال (غابتي)}
فلك أن ترى المقطع على النحو التالي:
غابتي التي بذرتني (أنا)
مثلما تبذرُ الحجول من لحون بباطن الأرض
أثناء مشيتها...
أيضاً تلمح لا لزوم (المتساقط) لما ذهبنا إليه من شرح
لا يتسق وما مضيت إليه بشرحك أعلاه
ذلك لأننا أخذنا المقطع بشكل متكامل
فيما أخذته أنت إلى جهة الموصوفة
مُنعطِفاً إلى قدميها
باذراً التساقط فيهما لا للخارج
وهو ما لا يحدث حقيقة
حيث خروج اللحون إلى الفضاء
لكنما للمجاز دربه
يصعد أو يهبط
كيفما يشاء
يا اخي بريدك عديل والله
لأنك بتفتح (طاقات) للروح
وتجعلها تحلق تحلق تحلق
ولا تهبط البتة
بالله خليك قريب يرضى عليك مولاك
ويعرس ليك
داير شنو تاني
imported_بدور التركي
13-03-2011, 09:45 PM
شوووق ممزوجا بإكتشاف سحر الغابة..
فوووووق
في قمة الغابة ألوانا
وقوة شاااملة لا تقف عند حد!!
imported_يحي عثمان عيسي
14-03-2011, 10:52 AM
الاخت بدور لك المني والتحايا
والله اسفت كثيرا وانتابني حزن كبير انني فرضت في مثل هذا البوست ولم اتابعه منذ البداية
لاكثر من خمسة ساعات وانا اقرأ واعيد واستمتع حتي النخاع
لك ولمحسن ما تشتهيان
imported_tariqosman
14-03-2011, 11:55 AM
غابة جميلة
وملئية بالازهار والاشجار المثمرة
وشوية طلعتنا من جو العام
imported_بدور التركي
14-03-2011, 07:38 PM
الاخت بدور لك المني والتحايا
والله اسفت كثيرا وانتابني حزن كبير انني فرضت في مثل هذا البوست ولم اتابعه منذ البداية
لاكثر من خمسة ساعات وانا اقرأ واعيد واستمتع حتي النخاع
لك ولمحسن ما تشتهيان
وأسفي أني ما اتعرفت على هذا الكاتب النابغة في الأدب والفكر والعلم والمعرفة من زمان
كاتب مثل الأستاذ محسن خالد يستحق ان يشيد له تمثال من نور..
كم أنا معجبة بفكره وعقله
الله يحفظه ويصونه من كل شر يا رب!
تابع معنا فهناك الكثير والمفيد والممتع والشيق والمدهش في هذة الغابة
تسلم ويسلم ذوقك وحضورك
لك كل التقدير والاحترام
imported_بدور التركي
14-03-2011, 10:42 PM
غابة جميلة
وملئية بالازهار والاشجار المثمرة
وشوية طلعتنا من جو العام
مليئة بالنظرات الفلسفية الكونية الدينية
وافكار احتوت على الواقع وعلى تجارب إنسانية عامة وفردية
غابة مليئة بالحكايات والأبطال المختلفة اللذين يعيشون عالم من الصراع بين الخير والشر بين النور والظلام..
غابة تحمل بعض. سمات التحليل والتفسير وبعض التخيل الحسي
لتتخذ منظرا انسانيا
ربما ما يميز الغابة وأفكارها ومكوناتها
الجرائة وقوة الأفكار التي تتخذ صورا وأشكال متنوعة من جميع العلاقات التي. يمكن تصورها....!!!
vBulletin® v3.8.8 Beta 2, Copyright ©2000-2026