مشاهدة النسخة كاملة : أقمار في الذاكرة...
imported_عادل عسوم
29-05-2011, 06:44 PM
أزجي الشكر الجزيل لصديقي وزميل دراستي-السعودي الجنسية- فهد عبدالعزيز المطوع...
فقد آلى على نفسه طباعة مجموعتي القصصية الأولى
عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم (من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء)...
أخي وزميلي وصديقي فهد...
جزاك الله خيرا
...
..
.
imported_عادل عسوم
29-05-2011, 06:51 PM
المجموعة بعنوان...
(أقمار في الذاكرة)
وهي مجموعة من القصص القصص والخواطر...
هي لشخوص حقيقية عايشتها خلال حراك حياتي
ولم أضف أو أحوّر الاّ مايلزم لتحويلها الى (مادة مكتوبة أو مطبوعة).
ساسعى (الآن) الى أيراد قصصها كما وردت في بعض المنتديات
وأعود لأكتب عن المقدمة وتفاصيل الطباعة لاحقا بحول الله
...
..
.
imported_عادل عسوم
29-05-2011, 06:55 PM
...
كم من أقمار تستعلي فوق سُحُب الأحزان وتعشعشُ على قمم الأسى!...
تظل ماثلة في وجدان كل منّا ما أشرقت على الدُنا شمس وما تتالت سنواتٌ وشهور...
فيوضُ أنوارها تغمرنا كلما استشرفناها في حنايا الذاكرة ...
أذ هي دوما مفعمة بكل الجمال والصدق والألق...
لان كان القمر (الذي نعلم) يغيب نهارا...
فهي فتفتأ مضيئة ماتعاقب ليل أو نهار...
ولان أضاءت لنا الشمس الدروب...
فهي تضئ منّا الدواخل والوجدان...
...
..
.
imported_عادل عسوم
29-05-2011, 07:02 PM
(1)
الوضيئة
كانت تسكن مع والديها المسنين على طرف غير بعيد من الحي...
هي وحيدة أمٍّ تعمل في دباغة الجلود لتحيلها الى(سعون) تحفظ الماء وتبرده,
وأب يعمل في صناعة الفخار ليحيله الى (أزيار) و(قلال)...
استقوت عضلات زنديها وكتفيها لانشغالها الدائم بمساعدة أبويها في مهنتيهما!...
ولم يُقسَم لها نصيب من جمال ...ففات قطارها أو أوشك.
لكنها كانت جميلة (الروح والوجدان)...
فقد كُتِبَ لها القبول في الأرض!
تجدها دوما تخِفُّ عند الفزع وتنأى وتنزوي عند الطمع!
أعتادت الأتيان بجل أطفال المرغنية لتذاكر (لنا) دروسنا بما في ذلك اللغة الأنجليزية التي لم نكن قد وصلنا بعد الى مرحلة دراستها!...
في مساء خميس ...سلمني الوالد مبلغا لأعطيها اياه...
بعد أنتهاء الحصة قادتني وأتت الى منزلنا وسألت الوالد عن المبلغ ...
قال لها ...(هو مساهمة في جهودك الخيرة ياأبنتي) ...
قالت (والله ياعم حسن أنا حالفة ماأشيل قرش في الموضوع دة ...أنا عاملاه لوجه الله)!...
هذه الوضيئة...
في أحدى ثورات القاش بدأت بعض بيوت (حي الجسر) في الأنهيار ليلا ...
وشرع الناس في طلب يد العون والنجدة ...
وعندما أصبح الصباح ...
اذا بالأخبار تنعي لنا تلك الأستاذة (الوضيئة)...
يومها (مسخت عليَّ الدنيا وأنا الطفل الصغير)...
وبكيت لأول مرة على فقد أنسان عزيز...
قلت لأمي :
-ليه تموت؟!
انتهرتني أمي وقالت :
-(ياولد استغفر الله)...
فاستغفرت في سري ولكن بقيت في حلقي غصة!...
قيل ...
لقد أنهار عليها منزل أمرأة عجوز وحيدة! ...
سمعتُ تلك العجوز تبكي عليها(بحرقة) وتقول ...
-حملتني بيديها الى خارج المنزل ودخلت لتخلي بعض الأثاث فانهار عليها المنزل...
لم يزل قلبي يدعو لها مع خاصتي من الأموات...
اللهم ارحمها رحمة واسعة
واجعلها رفيقة لعائشة وفاطمة وحفصة في أعالي الجنان
أنك ياربنا وليُّ ذلك والقادر عليه.
imported_عادل عسوم
29-05-2011, 07:06 PM
(2)
عماد
كم نخطئ عندما نقيّم الآخرين على ضوء أحكام الغير وانطباعاتهم الشخصية عنهم!.
كنت ايامها طالبا في مدرسة سنار الثانوية...
ومنذ يومي الأول حذرني صديقان من (عماد)!
-(أنه عين المدير وناقل كل أخبار الطلبة اليه) هذا ما قالاه لي ...وهو ما يدّعيه عنه كل الزملاء!...
وبالفعل فقد رأيته يكثر من الدخول والخروج الى مكتب المدير والوكيل!
ويندر أن يمر المدير أو الوكيل بمقصف المدرسة الاّ ويتوقف كل منهما بجانبه فيحادثانه في مودة!...
كان وسيما وبائن النعمة اذ يعد والده من أكبر تجار الموز في الدمازين...
أستعداه مرة زميلنا (علي) المُكنّي ب(كلاي) فتشاجر معه وضربه ...
يومها غضب المدير غضبا شديدا على (علي) وطلب من (الصول) عقابه (في الطابور الختامي) بعشرين جلدة ثم أمره من بعد ذلك بأحضار وليّ أمره!...
كان (عماد) يحاول جاهدا أستمالتي وكسب صداقتي لكني كنت أتحاشاه !
أهداني مرة قلم حبر (باركر) فرفضته ...دمعت عيناه ولم يتحدث اليّ...
وفي مساء ذات اليوم طرق الباب حيث اقيم ...
جاءني الصغار وأعلموني بأن هناك من يسال عني...
خرجت فوجدته عماد
وقفت أسد بجسدي فرجة الباب دون أن أدعوه الى الدخول
-أيوة في شنو؟
-ياعادل ياخي قول لي أتفضل الأول
-ياخي داير شنو أنا مشغول قاعد اذاكر
-عادل أنا عاوز أذاكر معاك
-ياخي انا ماداير أذاكر معاك أمشي شوف ليك زول تاني ذاكر معاهو
دمعت عيناه والتفت عائدا...
بصدق لامني ضميري كثيرا فلحقت به
-ياخي أنت لو داير تصادق الناس ...مالك بتقعد تفتن وتتجسس عليهم؟!
-اتجسس علي منو ووين؟
-ياخي انتا ماقاعد تتجسس علي الزملاء في المدرسة وتنقل أخبارم لي المدير؟
أحسست وكأنه قد (داخ) فاعتمد بيده على جدار وتناثرت كتبه وجلس على الارض!
-يازول مالك؟!
-عادل بالله اسندني أنا عندي سُكّري والظاهر النوبة حتجيني بعد شوية
وضع يمينه حول عنقي ثم حملت كتبه وسرنا معا الى أن أوصلته الى بيت أخته وهي زوجة تاجر كبير في سنار.
خرجت أخته وهي تحوقل ثم أدخلناه الى الصالون وأتت ب(حقنة) وغرستها في جسده فنام...
أخبرتني أخته بأنه مصاب بالسكري منذ ولادته ويعيش على هذه الحقنة كل يوم!
...
أقسم لي عماد بأنه لم يتجسس يوما على زميل!... وما زياراته الى مكتب المدير أو الوكيل الاّ بغرض متابعة حالته الصحية !
صادقته ...وأخبرت كل الزملاء بأنهم قد أخطأوا في حقه...
أقسم لكم... لم أجد زميلا في تقواه وصلاحه وسمو أخلاقه!...
...
لم يعش عماد طويلا ...فقد أختاره الله الى جواره بعيد أدائنا لأمتحان نهاية المرحلة الثانوية!
رحمك الله ياعماد رحمة واسعة
imported_عادل عسوم
29-05-2011, 07:08 PM
(3)
حُبٌّ يخشى النور!!!
تقابلا بعد عقدين منذ افتراقهما!...
رآها تحمل رضيعا في حضنها
لم يصدق عينيه في البدئ عندما بادرته قائلة:...
-السلام عليكم يااستاذ أسامة
-وعليكم السلام...أنتي سلمى؟!
-أيوة
لكأنه في حلم!
...
..
.
يومها كان قد بقي له عام واحد ليكمل دراسته الجامعية
وهي كانت في الصف الثاني من المرحلة الثانوية العليا (آنذاك)
وقد أعتاد بأن يحوِّم على مدارس المنطقة (معلما مساعدا) بلا أجر خلال أجازاته الدراسية...
وكلها مدارس للبنين...
وفي عصر يوم جمعة:
زار بيتهم مدير مدرسة البنات الثانوية في معية عم له:
-نريد عونك يااسامة لتدريس أخواتك في مدرسة البنات الثانوية
حاول الأعتذار...
اذ جُبل بطبعه على تحاشي (عوالم) الجنس الآخر...
لكن ألحّ عليه عمه...
وأضاف مدير المدرسة :
قصدناك ياابني عماد دون غيرك لما يعلمه الجميع عنك من دماثة خلق واستمساك بأهداب دينك...
ولم يكن هناك بدٌّ من رضوخ وقبول...
...
أشرقت شمس يوم جديد
انتقى أسامة من ملابسه أجملها...
وزاد من (بخات) العطر...
ولمّع حذاءه...
وأدى (الحصة) الأولى بنجاح.
...
(سلمى) ...طالبة تجلس في الصف الثاني:
جميلة كما يود...
ذكية الى ابعد الحدود...
مرتبة الدفاتر و...الأفكار...
لكن!...
شدّه حزنٌ دفينٌ يكسو وجهها وعينيها!
وبقايا دموع في مقلتيها... كل صباح!...
سأل عنها زميلتها (وقريبته) فقالت:
-دي زولة غريبة...
شكلها كدا من ناس الخرطوم...
تصدق يااسامة مافي واحدة فينا بتعرف عنها حاجة؟!
سألها...
فأطرقت ولم تجبه!
شرع يسأل عنها هنا وهناك...
فعلم أنها تقيم مع أخت لها على أطراف المدينة...
ذهب الى حيث يعمل زوج أختها (بائعا) في أحد المحال التجارية...
وحاول جاهدا التقرب اليه ومصادقته دون جدوى...
اذ بدا له وكأنه يكتم سرا (ما) لا يود البوح به!...
...
أنتهت فترة أجازته وعاد الى جامعته...
وبقيت صورتها طوال عامه الدراسي تجّمل لياليه...
أضحت كزهرة تنفح هدَآته بأريج معتق فواح...
فلا يملك الاّ أن تنسرب دون ارادته آهة حرى ...تربتُ بيد من مخمل على قلبه وأحاسيسه...
عندها...
أيقن بأنه قد أحبها...
فما كان منه الاّ أن أرسل اليها رسالة من خلال قريبته تلك (اذ الأتصالات الهاتفية حينها لم تكن كما هو حالها في يومنا الذي نعيش).
بثها فيها لواعج نفسه...
وختمها بعشم في أن تبادله حبا بحب.
ولكن...
لم يصله منها رد!...
وانقضى العام الدراسي...
وجاء الى أهله يحتقب حبا قضّ عليه مضجعه...
جاء وقد عاهد نفسه بأن تكون هي -دون غيرها- له زوجا!
ولم يستطع صبرا لحظة وصوله...
انطلق في ذات ظهيرة الخميس الى مدرستها
ودخل الى تالتة أحياء يسبقه (الشوق قبل العينين)...
فالتقت نظراتهما...
ياااااه...
يالأئتلاق الفرح في عينيها الدعجاوين...
ويالماء الشباب في خديها النضيرين...
فماكان منها الاّ أن أطرقت...
وماكان منه الاّ أن نأى بناظريه الى الحائط يستغفر الله...
ألقى التحية على طالباته فرددنها بأحسن منها...
وعندها خشي أن تفضحه عيناه فقال لهن:
-الليلة جيت بس أسلم عليكم ومن بكرة باذن الله نبدأ.
والتقاها عند الانصراف ...
فانبأها بأنه ينوي زيارتهم في منزل أختها مساء...
ترددت في البدء ...
ثم أومأت براسها ايجابا...
أخرج من دولابه هديتين سبق أن أبتاعهما لها ولأختها ثم يمم شطر البيت على أطراف المدينة...
ولج الى البيت فهاله الحال الذي يكتنف حياتهم!
لم يكن هناك سوى غرفة واحدة و(ثلاث عناقريب) ودولاب قديم!
أما المطبخ فلم يكن سوى (راكوبة) بها بعض أواني قليلة!
ألتقته (سلمى) بكل ترحاب ...وعرّفته بأختها:
-دة أستاذ أسامة ياسوسن.
-أهلا بيك يااستاذ شرفت كتييييير والله.
وأضافت سلمى:
-معليش يااستاذ ...البيت ما قدر المقام...
تفاجأ ولم يدر كيف يجيب...
رأى بأن يعمد الى شئ من مرح ليغير أجواء اللقاء:
-أولا حكاية أستاذ دي بتبقّيني زول عجووووز فبالله أنسيها...
أما حكاية البيت ماقدر المقام دي أظنك مفتكراني عايش لي في عمارة؟
فلم يجد سوى ابتسامات مجاملة.
سأل صاحبة البيت عن زوجها فقالت بأنه يتأخر عادة الى العاشرة ليلا...
فأخرج الهدايا وناولها لهما...
تمنعتا في البدئ ولكنهما رضختا وقبلتاهما من بعد الحاحه الشديد...
ذهبت صاحبة البيت لعمل الشاي فالتفت اسامة الى سلمى قائلا:
-شوفي ياسلمى:
أنا راجل بحب أدخل البيوت من أبوابا...
بكرة باذن الله عاوز أجيب الوالدة وأجي أتكلم معا أختك وزوجها وأخطبك ...قلتي شنو؟
أطرقت مليا ثم أجابت:
-أشكرك من قلبي على مشاعرك النبيلة دي تجاهي ياأسامة...
بس أرجوك تديني فرصة أفكر وارد عليك!
آلمه ردها ...وسألها بأن كان هناك شخص في حياتها...
أجابت:
-مافي حاجة من دي والله ...لكن في تفاصيل كدة حأتكلم معاك فيها في وكت تاني اذا الله اراد!
وأردفت:
-بس رجاء يااسامة أرجوك رجاء خاص... ماتناقش كلامك القلتو لي دا مع أختي أو زوجها!!
أحس بانقباض نتاج ردها ذاك...
وأكمل جلسته ثم انصرف الى البيت.
...
انفرطت ايام الاسبوع وهو يراها كل يوم في المدرسة ولا يجد منها سوى أبتسامتها الحزينة كلما التقت نظراتهما!
وفي ختام يوم الخميس...
جاءته بدفترها -كغيرها من زميلاتها -فاذا برسالة في ثناياه!.
أخذها -بلهفة -ودسها في جيبه...
لم يستطع صبرا ففض غلافها وشرع يقرأها وهو يسير عائدا الى بيته:
(أستاذي العزيز أسامة
يعلم الله كم أحببتك
وأعلم يقينا بأني لن أجد لي زوجا مثلك
لكني أستحلفك بالله أن تنساني
سعيدة هي من تكون أنت زوجا لها
أذ يندر أن يوجد أنسان في نبلك وطيب معدنك
محبت سلمى)
انتهت الرسالة
...
شلّت الدهشة تفكيره!
وهال عينيه الدمعُ فلم يعد يبصر شيئا...
وصل الى داره فارتمى على فراشه.
وفي صباح السبت...
لم يجد لها اثرا في المدرسة...
سأل عنها وكيل المدرسة ...فعلم بأنها قد سحبت ملفها منذ يوم الخميس!
خرج مهرولا الى حيث يعمل زوج أختها فأخبروه بأنه قد غادر المدينة!
وانقطعت أخبارها...
...
..
.
أكمل أسامة عامه الأخير في الجامعة...
ولم تبارح صورة سلمى خياله صحوا أو مناما...
وظل يبحث عنها في كل مدينة يتوقع وجودها فيها دون جدوى...
...
ثم لم يلبث أن غادر السودان ليعمل في أحدى دول الخليج...
ونأى بنفسه تماما عن عوالم النساء...
احتار أهله في أمره وهم يتلمسون تمنعه عن الزواج عاما وراء عام!
لقد كان يحدوه أمل في أن يلتقيها مرة أخرى.
ولكن...
انصرمت السنوات عامٌ يتبع عاما...
واشتعل رأسه شيبا...
فألحت عليه أمه في أحدى سني قدومه الى السودان قائلة:
-ياولدي لو داير رضاي بس تشوف ليك بت حلال قبل ما أموت...
تمنع في البدء...
لكنه رضخ لرغبتها ...وهو المعهود عنه بره بأمه...
فتزوج من التي أرتأوها له زوجا...
وأنجب البنين والبنات...
الى أن كان ذاك اليوم!
...
لم يتمالك نفسه عند رؤيتها فشرع يلومها:
-بالله ماحرام عليكي ياسلمى....
-أكون شاكرة يأسامة لو قعدنا في الكراسي البي هناك دي واتكلمنا...
فتنحيا جانبا ...
جلست تهدهد رضيعها وتتحدث وهي تكفكف دموعها بين الفينة والأخرى...
-خليك واثق من حاجة واحدة يااسامة...
أنا والله ما حصل نسيتك لحظة ولا يمكن أنساك يوم ...طالما أنا حية في الدنيا دي.
-طيب ي...
-معليش يااسامة خليني أكمل الله يخليك...
بأختصار كدة أنا (لقيطة)!...
والأخت الكنت قاعدة معاها دي صديقتي وهي برضو (لقيطة)...
قررت أجي معاهم بلدكم دي ونبدا فيها كلنا حياة جديدة...
ولمن ظهرت أنت في حياتي فرحت كتيييير وحسيت أنو ربنا رسلك لي عشان تنتشلني من عذاب الأحساس العايشاهو من طفولتي...
لكن صاحبتي نصحتني ووقفت في طريقي!
أصلو هي كانت متزوجة واحد قبل زوجها الحالي ماكان ورّتو انها لقيطة...
الراجل الأولاني أهلو لمن عرفو أنها لقيطة جو وروها الويل ...
وفي النهاية رماها الراجل رمي الكلاب!
طبعا أنا كان ممكن أقول ليك أي كلام وأكسبك كزوج...
لكني عارفة طبايع أهلكم أنهم لازم يسألوا عن اصلي وفصلي...
عشان كدة رجعت مع صاحبتي وزوجها للخرطوم وبالمناسبة (هو برضو لقيط زينا)!
وأنا الآن متزوجة من زول هو برضو (لقيط)!...
...
ودعته وغاصت في لجة الحياة...
لكنها -في خياله-قد ارتقت الى السماء (قمرا في ذاكرته)!
وعاد الى حراك حياته...
بلا قلب!
imported_عادل عسوم
29-05-2011, 07:10 PM
(4)
نوال
هي الثانية من بعد شقيق يكبرها...
تليها شقيقات خمس...
أما آخر العنقود (جعفر) ...فقد خرج الى الدنيا بضمور في المخ ...
ليعتاد الناس على تسميته ب(الدريويش)...
نشأت الأسرة على كفاف من عيش بقرية وادعة في شمالنا الحبيب...
مصير(ها) لم يكن بأفضل من مصير العديد من بنات جيلها اللائي تركن الدراسة في مراحلها المختلفة!...
فهي أذ تتساوى معهن في سمت المسغبة التي ترخي بسدولها على اسرهن ...
الاّ أنها تزيد عليهن بطول ملازمتها لأمها طريحة الفراش جرّاء مرض عضال...
وما لبث أن سافر شقيقها الأكبر الى ليبيا ...وانقطعت أخباره!
...
وحين طالبتها أدراة المدرسة الثانوية ب(ايفاء) مصاريف الجلوس لأمتحانات الشهادة الثانوية ...لم تستطع الى ذلك سبيلا...
أذ أخوها الأكبر لم يدع لهم شيئا ل(يباع) حتى يُنتفع بثمنه! ...
أما الذي بقي بيد والدها من مال...فلم يعد يكفي تكلفة الدواء الذي يبتاعونه كل شهر لأمها...
في يومها ذاك...
بكت ما شاء لها الله من بكاء...
رأى (الدريويش) احمرار عينيها...فقال:
-ماتبكي يانوال ...(الله في) ...
وبقي يهزج بها (الله فيه ...الله فيه...الله فيه)!
فما كان منها الاّ أن ضمته الى صدرها وقبلته على جبينه...
...
لقد منّت نفسها (يوما) بأن تصبح معلمة تنير عقول النشئ...ثم تستعين بما تناله من مال في رفعة شأن أسرتها...
لكنها رددت مع الدريويش ...(الله في).
اذ كم اراحها ترديدها لأهزوجة الدريويش...
قالت لها أمها يوما:
-جعفر دة ما تستهونوا بيهو يانوال...
(جعفر دة فيهو سر كبيييير)!
...
تركت نوال المدرسة مكرهة...
وتفرغت لأشغال المنزل...
لم تكلّ أو تملّ وهي تضئ كالشمعة لتنير للآخرين حياتهم...
انشغلت بممارضة والدتها المصابة بالسرطان...
ولم تألُ جهدا في تلبية أحتياجات والدها السبعيني...
وتناست نفسها مع حراك حياة شقيقاتها الخمس...
وفوق كل ذلك...
كان الأهتمام بحياة (الدريويش) والحرص على البحث عنه كل مساء لضمان مبيته في المنزل...
...
وبحمد الله مالبثت شقيقاتهعا الخمس الاّ أن تزوجن خلال عام واحد!...
ولكن خالط الأفراح شئ من حزن برحيل والدها ختام ذاك العام...
...
جهدت نوال أيما جهد وهي توزع نفسها بين شقيقاتها اللاّئي أعتدن أنجاب التوائم ...
وأمها المريضة ...
وأخيها (الدريويش) الذي ماكان له غيرها ليهتم بأكله وملبسه ومتابعة حراكه ...
وفوق ذاك...
لم تنس أن تعمل لتدر دخلا تعيل منه نفسها وأمها وأخيها الدريويش...
نسج (الطواقي والمناديل)...
عمل (الطعمية والزلابية) وبيعها لطلبة المدارس...
متابعة الأجير الذي أتوا به للعناية بالارض الصغيرة التي تركها لهم الوالد...
...
وامتدت هباتها وعطاياها الى شقيقاتها الخمس من (خبيز وتمور ثم احتياجات رمضان في كل عام) حتى لا تشعرهن بمنقصة دون الأخريات...
وبرغم كل هذا الجهد والحراك...
لم تكن الأبتسامة تغادر شفتيها البتة...
...
أعتادت نوال أن تنام من ليلها النذر اليسير ...أذ قلبها دوما منشغل بأمها المريضة...
فقال لها (الدريوش) يوما:
(أنتي يانوال وكت أصلك نومك قليل ...ليه ما بتقيمي الليل زي شيخنا وراق)؟!
ضمته الى صدرها وقبلته على جبينه وقالت ...صدقت...
وبدأت تقيم الليل ...
وشرعت تقرأ صفحة من كتاب الله خلال كل ليلة...
ثم تدعو الله ماشاء لها من دعاء وهي تبلل حجرها بدموع الرجاء...
وظل الدريويش ينظر اليها من طرف خفي من تحت غطائه وهو يشارك أمه الفراش...
وخلال سنوات ثلاث ...
أذا بها تكمل حفظ كتاب الله !
ويجئ رمضان...
لتتفيأ ظلال العشر الأواخر منه...
وفي ليلة من الليالي وهي تتلو ...
أذا بها ترى كل شئ قد خر ساجدا لله...
والملائكة تحوِّم داخل غرفتهم وهم يقرأون سورة الرحمن...
ويهتف بها هاتف...
(يانوال هذه ليلة القدر فادعي الله بماشئت)...
ويشتد وجيب قلبها ...
وتتعالى منها الأنفاس وكأنها تهرول المسافات الطوال...
ويتلعثم منها اللسان...
فترفع كفيها لتدعو الله...
ولكن يقع بصرها على فراش (الدريويش) لتجده خاليا...
فتقفز وجِلَة الى خارج الغرفة...
فاذا به قد ارتفع عن الارض على مستوى بصر الرائي وقد اعتمر له جناحين من ريش ...
ياللنور الباهر الذي يشع من وجهه!
وياللأبتسامة الوضيئة التي ترتسم على شفتيه!
قال لها (جعفر) من علٍ وهو يرفرف بجناحيه:
-يانوال ...
أنا ذاهب الى ربي لأجاور الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في أعالي الجنان ...
وقد سبقتني أمي قبل قليل ...فلا تحزني ياأختاه...
فصاحت به:
-وماذا عني أنا ؟!...
قال لها وقد تهلل وجهه أكثر:
-لا تحزني يانوال...
أدعي الله ياشقيقتي وقولي (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)...
فأجابته وهي تبكي:
-لكني سأصبح وحيدة...
-لا لن تصبحي وحيدة ...
ستتزوجين باذن الله ...
وستنجيبين البنين والبنات ...
ولكن عديني بأن لا تنسين تسمية ابنك البكر باسمي ...ثم علا واختفى...
عادت مهرولة الى الغرفة لتجد والدتها قد فارقت الحياة...
فثقل خطوها ...
وجلست على الأرض ترتعش من هول الموقف...
وتذكرت الدعاء الذي أوصاها به (الدريويش) فدعت به مرارا...
...
فتحت نوال عينيها فوجدت نفسها طريحة الفراش وحولها بعض الجارات...
-أنا وين!
أجابوها بأنها في المستشفى ...
وان الله قد كتب لها عمرا جديدا...
وقد بقيت غائبة عن الوعي لأيام ثلاث ...وقد ووريت أمها الثرى.
وسمعتهم يتهامسون بأن (الدريويش) قد أختفى ولا يجدون له أثرا فلم تعر ذلك اهتماما...
اذ هي تعلم مكانه (يقينا)!
واجتمع شملها بشقيقاتها الخمس ...اللائي جئن لتلقي العزاء ومواساة شقيقتهن الكبرى في وفاة أمهن...
وأهلّ عيد الفطر عليهم أجمعين...
وقبيل سفر شقيقاتها تقدم لها قريب لهم يعيش في (بورسودان) ...قد توفيت زوجه قبل عام...
قال (فيصل) الذي قُدِّر له بأن يكون زوجا لنوال...
-والله منذ أول ليلة أفضيت فيها الى نوال ...بارك لي الله في كل شئ!!!...
فقد كان لي (كشك) صغير فقط...فاصبح لي من المحال ثلاثا!...
وما شرعت في صفقة الاّ وبارك لي الله فيها أضعافا!!...
...
أضحت نوال زوجا لأغنى تجار بورسودان...
وأنجبت العديد من الابناء والبنات ...
ولم تنس بأن تسمي أولهم بأسم جعفر...
ومافتئت يدها ندية بالعطايا الى شقيقاتها ...
بل الى أهل القرية قاطبة...
...
الى أن توفاها الله راضية مرضية...
...
..
.
imported_عادل عسوم
29-05-2011, 07:11 PM
(5)
(.......)
انه صديق (صبا) لن أنساه ماحييت!...
كم أدين له بفراسخ من سوح الوضاءة في فكري ...
وأنهر من أمواه الجمال سقى غزير دفقها غرس تذوقي للحياة!...
مرّت عليه من السنوات مايزيد عن أصابع الكفين والقدمين... منذ أن فارق أرض السودان...
أعتدت زيارته حيث كان يقيم في أحدى الدول الأوربية...
لكني كنت أجده يأطرني أطرا الى تغيير مجرى الحديث كلما سألته عن السودان وأخباره!...
...
ظل طوال سنواته تلك يرسل -شهريا- الى أمّه وأخواته اللاّئي تزوج ثلاثتهن (فيما بعد) ...مايفي ويزيد عن متطلبات الحياة (من خلالي)!...
أخذ منّي عهدا غليظا بأن لاأخبر مخلوقا عن مكانه (حيث كان)!
وقد أوفيت بذاك العهد الى يومي هذا!...
الاّ اني كم كنت أستغرب عزوف أمّه من السؤال عن مكان أستقراره ...
تظل تبكي كلما التقيتها خلال أجازاتي الى السودان ...ولا تزيد على أن تسألني أن كان بخير أم لا!...
...
قبل سنوات ...
وصلتني منه رسالة! ...
...
(صديقي الذي أعز وأحب عادل
أستودع الله دينك وأمانتك
أنا في طريقي الى مكان آخر في مناكب أرض الله هذه
لا تنشغل بي ياعزيزي فسأكون بخير بحول الله
سأسعى للأتصال بك يوما ما
لا تنساني من صالح دعائك ياصديق
صديقك (.......)!!
...
مضت مذ ذاك سبع سنين (حزينات) وأنا في الأنتظار...
...
التقيت أمه في أحدى أجازتي اللاحقة فاستحلفتها بأن تضئ لي ماعتم من جوانب الصورة...
رفضت أمّه (الكبيرة في سنّها) وأجهشت في بكاء أندمني على سؤالي ذاك!...
...
بعد أيام ...
أتصلت بي شقيقة صديقي الكبرى ورجتني أن أزورها في دارها!...
في البدئ ...أخذت منّي موثقا بأن لا أخبر أمّها ...وأن لا خبره هو أيضا أن جمعني الله به...
فأقسمت لها بالوفاء...
قالت وهي تبكي ...
أمي قد تبنّته (من جهة ما) وأسمته باسم زوجها (أذ لم تكن تدري بحرمة التبنّي حينها)...
كبر صاحبك والتحق بالجامعة ...وخلال ذلك أحب أبنة عمنا وعزم على الزواج منها...
تخرّج بتفوق ...وحضّر (الماجستير)... فعُيّن معيدا في ذات الجامعة ...
ظلّ أبي يحاول جهده ان يثنيه عن فكرة الزواج من أبنة أخيه دون جدوى...
لقد كان يخيّل اليه بأن أبي يتأبّى عليه لحالنا ...أذ كنّأ فقراء دون حال أسرة عمّي الغنية...
وجاء يوم...
ذهب فيه لوحده الى بيت عمي...
...
ما كان منا الاّ أن علمنا -من بعد سفره- بأنه قد قابل زوجة عمّي التي واجهته بالحقيقة!...
...
..
.
قالت لي بأنه لم يبد لهم شيئا يومها ...
وقام بأجراءات سفره دون علمهم ...
ثم انقطعت أخباره ...الاّ من خلالي!...
...
..
.
imported_عادل عسوم
29-05-2011, 07:16 PM
(6)
صباحات ...zibihat
...
كان ذلك في التسعينات من القرن الماضي...
أبتُعُثتُ في دورة تدريبية من قِبَل الشركة التي أعمل بها الى مدينة في شمال ألمانيا تسمى (لوبك)...
ولوبك هي مقرٌّ لشركة ومصانع (دريقر) الألمانية...باشباع الياء...
تركز التدريب على أجهزة ال(gas detection monitors and sysems) التي تنتجها تلك الشركة...
هي اجهزة وانظمة يناط بها قياس نسبة الغازات السامة في المحيط الذي يكتنف بيئة المصانع وآبار البترول...
مثال لذلك غاز كبريتيد الهيدروجين H2S وغاز أول أوكسيد الكربون CO وغاز ثاني أوكسيد الكبريت SO2 وغيرها ...
استغرقت الدورة مدة اربعين يوما...
كنت بمعية زملاء آخرين يمثلون وكلاء أجهزة (دريقر) في كل من استراليا والصين والهند بالاضافة الى شخصي ممثلا للوكيل السعودي...
قدّر لي بأن أكون المسلم الوحيد بين المهندسين الاربعة وما لبث أن دخل علينا شهر رمضان الكريم ونحن في منتصف تلك الدورة ...
قررتُ بأن أصوم -برغم رخصة السفر المكفولة لي-استصحابا لبرودة الجو ...اذ كانت درجة الحرارة تتدنّى عن العشر درجات تحت الصفر (بل قد وصلت في أحد الايام الى -16 !!)...
يومها رايت بعينيّ (معاناة) السفن مع الجليد في بحر البلطيق الذي تطل عليه تلك المدينة الجميلة!...
...
(صباحات) كانت هناك...
هي (طالبة) ألمانية من أصل تركي تعمل كمتدربة في سكرتارية شركة دريقر...
اسمها -السماعي- بالألمانية هو (زيبيهات) ...لكني أخبرت بأنه تحريف ل(صباحات)!...
...
أحسست بأن (صباحات) تعاملني بمودة واحترام كبيرين دون بقية المتدربين الآخرين!...
في البدئ ...لم أكن أعلم بأنها تركية الأصل وأنها مسلمة...
الى أن خرجتُ يوما خلال احدى المحاضرات لأغسل وجهي من نعاس ألمّ بي فاذا بها (لوحدها) تبكي وتجفف دموعها بقماش العلم السعودي!...
(العلم السعودي كان يرمز الى شخصي باعتباري ممثلا للوكيل السعودي) ...
ففاجأها خروجي ...فانزوت جانبا !...
سالتها...
فأخبرتني بما استطاعت من كلمات أنجليزية بأنها مسلمة ...
وأن غاية مناها أن تتعلم اللغة العربية كي تقرأ القرآن!...
آزرتني فصُمنا سويا...
ثم جاءتني بابيها (العامل في مصنع الشيكولاطة في لوبيك) ليدعوني الى الافطار مع الاسرة الكريمة فالتقيت بوالدتها ال(عاملة) في دار للعجزة بذات المدينة...
ألحّ الوالد بأن أؤمّهم لصلاة المغرب ثم العشاء ففعلت ...
كنت كلما أشرع في التلاوة -خلال الصلوات-أفاجأ بأصواتهم -جميعا- تتعالى ببكاء شديد عند سماعهم للآيات!!
...
ما أصدق أيمانهم ياأحباب...
لقد ازداد (بهم) حبي للأتراك رسوخا!!
ليس تزكية لهم اذ الله يزكّي من يشاء...
لكن لكم أن تعلموا بأن (صباحات) وأمها قد استشهدتا خلال أحداث الجمرات قبل سنوات!
أخبرني بذلك والدها الذي نجا لوحده!!
اللهم أرحم صباحات وامها ...
واجعلهما رفيقتان لخديجة وفاطمة وعائشة في أعالي الجنان
انك ياربي وليُّ ذلك والقادر عليه
imported_عادل عسوم
29-05-2011, 09:25 PM
(7)
(علي ود عسوم)
...
لم يزل مرسوما في مخيلتي ...
وقد اعتاد الوقوف -ممشوقا- أمام -لقدابته*- ذات المدخل الآرش العريض ...
والذي يسمح للناس والشمس بالولوج من خلاله على مدار اليوم! ...
بياض أهابه ينُمُّ عنه وجه مستطيل ...
وجيد نضير يفترُّ عنه عنقُ (عرّاقيه) الدبلان الناصع البياض...
أما انفُهُ ...
فيشمخ في علوّ ...
أغرى يوما (زرزورا) ليحطّ عليه (كما قالت جدتنا)... :)
...
عندما ارتحلتُّ الى مكة المكرمة (في الثمانينات)...
مقبولا -كطالب-في فرع جامعة الملك عبدالعزيز (أم القرى حاليا)...
كم رأيت له من أشباه من أهل تلك الديار ...يفوقون الأربعين!.
...
..
.
كنت أحرص(وأنا الصبي) عند كل أجازة نمضيها في البركل أن لا يفوتني مجلس قهوته عند كل صباح...
أشار يوما –بعصاه- الى (ككر) خشبي دكن لونه مع توالي السنوات وقال لي:
-هذا الكرسي ل(جدّي وجدّك) الأكبر ...
لقد كان آخر ملك للشايقية في مملكة الطريف بمنطقة عسوم...
سالتُه:
-وما الذي جعلكم تتركون عسوم لتسكنوا البركل؟
قال جدي بعيد اكماله لفنجان القهوة:
-جدي -علي الكبير- كان يعمل في منطقة عسوم (طهارا) و (جبارا للكسور)...
وقد آتاه الله من المال الكثير...
لكن قدر له الله بأن لا يرزق سوي ابن أوحد أسماه محمد...
عندما بلغ محمد الحُلُم... شرع أبوه يبحث له عن زوجة اشترط بأن تكون سليلة لأرفع الأسر –في منطقة الشايقية –حسبا...
فما كان منه الاّ أن جاء الى منطقة (شبا) حيث الشيخ ود الكرسني (تور الجبل)...
زوّجه من أبنة ود الكرسني (الشيخة زينب) ...
فكان ثمرة ذاك الزواج أبن أوحد هو جدك الماثل أمامك (على ود محمد ود عسوم)...
...
وينتقل جدّي الى رحاب رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما
وتمر سنوات...
التقي خلالها بجدّي سعد عبدالحميد الكرسني -شيخ منطقة العرقوب- التي غمرتها مياه سد مروي لاحقا
ليكمل لي -جدي سعد-بقية السيرة
...
منذ قرن من الزمان ...
شبّ (علي) وحيد أمه من بعد أن أنتقل والده (محمد) الى رحمة المولى...
أمه (زينب) وحيدة أبيها (الشيخ أحمد ود عبدالحميد الكرسني) ...
لقد حفظت القرآن كاملا منذ نعومة أظفارها ...
وأضحت تنوب عن والدها في تدريسه للنساء والرجال سواء بسواء...
...
مرت السنون ...
وآن لزينب أن تبحث عن زوج لابنها (علي) ...
هي لم تكن تشكو فاقة (تأخر) زواج ابنها...
وما كان عليها أن تذهب بعيدا ان رامت له زوجة ...
فالكل يتمنى أن يزوج ابنته ل(علي)!...
ولكن!...
ما يشغل (زينب) كان أمرٌ آخر...
هي رؤيا منامية اعتادت رؤيتها على مدى سنوات!
فلا تملك الاّ أن ترجئ أمر الزواج...
كانت ترى (في كل رؤيا) من رؤاها تلك...رجلا أسمرا مربوع القوام...
هو برغم الاسمال التي يرتديها ... بادي الوضاءة...
حديثه ما بين خفوت وتبسم...
يناديها من من بعيد ويقول:
-(زينب بت شيخنا...
ولدك علي ...تربو (أي نسله) من بنيتنا (زهرة) الفي دار جعل سكونا)!!
...
فتدع أمر تزويجه فتاة من أهلها!...
وتستبد بها الحيرة...
فديار جعل هذه مكانها من (البركل وشبا) حيث تعيش ...لأرض تضرب لها أكباد الأبل!...
...
تعود زينب الى حراك حياتها من جديد...
وينقطع حبل الرؤى لعام أو يزيد...
فتتناسى أمر (زهرة) أبنة الجعليين ...
وتتخير أبنة أخيها زوجة لابنها (علي)...
ويشرع الناس في التجهيز ليوم الزواج...
قالت زينب...
-كنت أجلس مع قريبات لي نجهز (ريحة العرسان) ...
فاذا بابن أخي (الصبي) يأتينا مهرولا وهو يقول...
-عمّتي عمّتي ...في راجل (دريويش) في الباب قال عِلِّي يقابلك!
فتجيبه:
-قالّك دايرني أنا دي؟!
-أيّي والله ...قال لي داير اقابل زينب بت شيخنا!
تضع زينب (الطرحة) على رأسها وتنطلق في معية الصبي الى باب الدار...
...
ياللمفاجأة!!
انه ذات الرجل الذي أعتادت رؤيته في منامها!!
برغم الاسمال التي يرتديها ...الاّ أن وجهه بادي الوضاءة...
...
يسلم عليها من بعيد ويطلب طعاما تصنعه له بيديها...
يأكل ويحمد الله ثم يشرع متحدثا اليها...
بذات الابتسامة...
وبذات الصوت الخفيت يقول:...
انتي دا شنو القاع تسوّو فيهو دا يابت شيخنا
فترد عليه قائلة:
-قاعدين ندق في الريحي لي علي ولدي مي داير يعرّس
-داير يعرّس مني؟
-دايري أعرّس لو بت أخوي ود امي وابوي
فيرد عليها بذات الصوت الخفيت:
-(زينب بت شيخنا...
دحين ما قنّالك وليدك (علي) دا تربو من بنيتنا (زهرة) الفي دار جعل سكونا)!!
فترد عليه:
-أيا المبروك ...
لكن دار جعل دي مِي بعيدي وكبيري؟!
فيجيبها بذات الصوت الخفيت:
-(الدرب في ايد الله يابت شيخنا
والبنيّي بتلاقيكم بي كبيقا معا أخيّّاتا يردِن في البير)!!
ثم ينصرف الرجل...
...
تجلس زينب من هول حديث الرجل وراسها بين يديها
فتضرب جبينها بيدها لتتأكد بأنها في صحو ...
فتيمم صوب قريباتها واخيها فتحكي لهم عن الأمر.
...
توقف زينب مراسم الزواج...
وينتشر الخبر بأن (علي) سيتزوج من ديار جعل...
وتستشير زينب الرجال من أهلها ...
فيشيرون عليها بأن الأمر أضحى واجب الايفاء...
...
فانطلقت الجمال من (شبا والبركل) في أتجاه دار جعل...
وسار الموكب ثلاث ايام وليلة...
ليدركهم الليل في منطقة (أبوطليح)...
فقضوا ليلتهم هناك ...
وأصبح عليهم صباح اليوم التالي...
قالت زينب:
خرجتُ مع قريبتي لنبحث عن مصدر ماء قريب...
فسرنا مسافة لنجد أنفسنا بجوار بئر ماء ودونها فتيات ثلاث...
ملأت أحداهن جرّتها وساعدتها رفيقتاها لتضعها على رأسها...
وواصلت زينب تحكي لمن حولها:
-والله من عيني وقعت على البنيّي دي عرفت أنها ياها مرة ولدي!
وسألتها:
-يابت أنتي أسمك زهرة؟!
-أيوة أنا زهرة بت الشريف ابو سم...
-سمح بيت أبوكي وينو؟!
-ماهو بعيد ياخالة...أتفضلوا أنا مشة قدامكم
...
فتعود زينب وقريبتها -مسرعتان-الى الركب لتنبئهم بأنها قد وجدت زهرة!
ويتحرك الجمع الى دار الشيخ (الشريف أبو سم) وهو في طرف قرية (المتمة) من جهة (أبوطليح)...
تقول زينب:
أقسم لنا (أبو زهرة) بأنه اعتاد رؤية ذات الدريويش -في العديد من الرؤى المنامية -كلما أتاه عريس لأبنته ...
...
يأتيه فيقول له بأن زوج أبنته (زهرة) سيكون من ديار الشايقية ...وأسمه (علي)!!
...
وتم الزواج ...
وانتقلت زهرة الى ديار الشايقية في منطقة (شبا والبركل)...
وأنجبت والدي (حسن علي عسوم) وأخوة له وأخوات...
...
اللهم أرحم جدتي (زينب بت أحمد الكرسني)...
اللهم أرحم جدتي (زهراء) بنت الشريف أبو سم...
اللهم أرحم جدي (علي) عسوم...
ـــــــ
* اللّقدابة: بلهجة الشايقية -للناطقين بغيرها-هي الصالة أو البرندا
** العراقي:كما تقول ابنتي الصغيرة رنا هو (ولد الجلابية) :)
imported_عادل عسوم
21-06-2011, 01:21 PM
عدد القصص والخواطر يبلغ العشرين...
البقية لم يسبق لي انزالها في هذا المنتدى او غيره...
لذلك سأجهد في تحبيرها وانزالها واحدة واحدة باذن الله
أرجو صادقا أن تنير لقارئ طريقا
أو تكون زادا...
أوتاسيا ...
واعتبارا...
اذ كم لقصة أو خاطرة من تاثير موجب على نفس محزونة!
...
..
.
imported_عادل عسوم
24-06-2011, 03:45 PM
(8)
IRISH COFFEE
من المهم لكل من يريد السفر إلي دولة ما أن يقرأ شيئأ عن ثقافة و لغة تلك الدولة. وكذا فعلت وأنا استعد لأول رحلة لي إلي أيرلندا الجنوبية. ولكن وبرغم ذلك فقد أوشكت أن اقع فى فخ مقلب القهوة الأيرلندية(irish coffee).... وإليكم القصة.
...
انتهت بنا رحلة الخطوط البريطانية (British Airways) إلي مطار هيثرو في لندن ...
وبالتحديد في (Terminal 3) حيث يجمع القادمون من أفريقيا والشرق الأوسط ...
وكنت علي علم بأنني سأواصل الرحلة من هيثرو -بواسطة الخطوط الأيرلندية (Aer Lingus)- بعد فترة إنتظار تربو على الثلاث ساعات!...
صدقا...
لم أكن متضايقاً من ذلك ...
وذلك لأعتيادي على حمل كتاب أو إثنين أقوم بقراءتها أثناء الرحلة...
يومها...
كان معي كتابً اسمه (نحوعلم نفس اسلامي)...
تمكنت من قراءة نصفه في الطائرة قبل أن أخلد إلي (غفوة صغيرة)...
وكنت قد عزمت على اكمال نصفه الآخر خلال فترة الإنتظار في صالة مسافري الأيرلنقس (Aer Lingus).
ماكان مني الاّ أن جلست بجوار مقصف (بار) صفت امامه مناضد باللون الأزرق والأبيض...
وبمجرد جلوسي ...
جاءتني النادلة (ويبدو أنها أيرلندية) وسألتني ماذا أشرب؟
سألتها ...وبراءة الأطفال في عيني
_ماذا لديكم ؟
فبدأت تعدد لي -كما توقعت- اسماء كل خمور الدنيا...
ثم ختمتها بكلمة (IRISH COFFEE)!!
أي قهوة أيرلندية...
بيني وبينكم فضّلت أن أختار القهوة (طلباً للسلامة)...
وجاءتني بها ...
قهوة عادية كغيرها...
وضعت الكتاب جانباً وقربت القهوة إلي فمي...
فإذا برائحة الكحول تقتحم أنفي بشدة ...
فأبعدت الفنجان ...
وتلفتُّ يمنة ويسرة أبحث عمن (يشرب) بجواري...
فلم أجد سوى أمرأة عربية تهدهد طفلها...
أعدت الكرة آملا في تناول قهوتي الأيرلندية...
فإذا برائحة الكحول أقوى في الفنجان!...
ما كان مني الاّ أن وضعته علي المنضدة ممتعضاً...
والتفتُّ تجاه المرأة -وهي فلسطينية- فوجدتها تضحك ...
اقتربت منى وهى تقول
-السلام عليكم...
فرددت ألسلام....
وسألتني ألم تشرب القهوة الآيرلندية من قبل؟
أجبتها بالنفي...
ضحكت مرة أخرى وقالت:
القهوة الآيرلندية هي قهوة مخلوطة بالكحول!...
فحمدت الله الذي أنجاني بفضله من (شرب) المقلب !.
...
جاء موعد التحرك ...
(فانحشرنا) فى طائرة ال (Aer Lingus) الصغيرة ...
فالرحلات إلى أيرلندا وأسكتلندا تعد رحلات داخلية لبريطانيا والطائرات تكون دوما صغيرة الحجم...
وقد علمت بأن الكثيرين يستغلون كون تلك الرحلات داخلية فيعمدون -عندالعودة من آيرلندا واسكتلندا إلي هيثرو- الى الدخول إلى بريطانيا دون الحصول على تأشيرة دخول (وقد فعلت ذلك عند عودتي)...
وصلت إلى مطار دبلن...
انه مطار صغير ولكنه جميل ومرتب ...
به شاشات عرض تلفزيونية كبيرة على الجدران للتعريف بقوانين البلاد وعرض أعلانات المصانع الأيرلندية ...
وقد انشغلت بمشاهدتها عن الأحساس بتعب الوقوف في الصف الطويل...
وعند وصولي إلى ضابطة الجوازات أعطيتها جوازي فنظرت إلي مبتسمة وسألتني (?Are you a physician)...
أي هل أنت طبيب ؟!
فأجبتها بالنفي ...
وعلمت بعد ذلك بأن (اللون الأسمر) لدى الآيرلنديين قد أرتبط لديهم بالاطباء السودانيين القادمين بكثرة للدراسات العليا في أيرلندا!...
ولنا أن نعلم بأن عدد الأطباء السودانيين هناك يفوق الالف طبيب بكثير!
...
كانت وجهتي دائما إلى مدينة شانون (حيث مقر الشركة التي أمثلها في السعودية) ...
وهي مدينة صناعية تقع على بعد حوالى الثلاثمائة كيلا من دبلن...
...
وكعادتي عندما أسافر ألى أوربا فأنني أفضل القطار فى تنقلاتي ...
حيث أستطيع الأستمتاع بالرحلة أكثر...
وما أجمل الرحلة عندما تكون في آيرلندا أرض الخضرة و(الوجه الحسن)...
...
أنطلق بنا القطار على بساط أخضر مترام على مد البصر ...
وكان الجو -وهوغالباًً كذلك- يميل إلى البرودة قليلاً ...
تكتنفه زخات قليلة من المطر...
وقطعان الأبقار المرقطة تتناثر وسط بساط الخضرة ذاك...
ولكم استغربي عندما علمت بأن أرض أيرلندا لا تصلح للزراعة إلا فى أقل من 5% منها فقط...
والسبب في ذلك كما أفدت لاحقا هي طبقة ال(TURF)...
وهي جذور الحشائش تراكمت بمرور الأزمان إلى عمق عدة أقدام فتكونت بذلك تلك الطبقة...
ويقوم سكان القرى -عادة-بتقطيع تلك الطبقة من التربة إلى مكعبات كبيرة وتجفيفها لتستخدم كفحم او كوقود للتدفئة...
الأيرلنديون عادة يعطونك الأحساس بأنك وسط شعب من شعوب المشرق ...
اذ لا تجد فى أعينهم (عنطزة) الأوروبيين ...
وقد يكون ذلك بسبب الأستعمار الإنجليزي الذي جثم على صدورهم مئات الأعوام ...
وعمل على محو لغتهم ذات الاصول غير اللاتينية ...
ثم مالبث أن دق أسفينا في أيرلندا الشمالية كما فعل في السودان ونيجيريا وغيرهما...
ويقال ان تعداد سكان أيرلندا كان يبلغ السبعين مليوناُ في بدايات القرن الماضي...
لكنه تناقص إلى السبعة ملايين فقط!...
ذلك بسبب تسمم غذائى أسموه ال(FEMEN) لمحصول البطاطس الذي إعتادوا زراعته فى القرون الماضية ...
ثم بسبب الهجرات الكثيفة إلى أمريكا.
...
صلت إلى مدينة شانون ونزلت بفندق ريفي جميل يسمى (OAK WOOD ARMS) ...
أي... أيادي غابة (أوك) ...
(وكنت أقلب الالف عينا في كلمة أوك للإستئناس بالإسم !!!) *
وقضيت ثلاثة أسابيع جميلة لن تمحى من ذاكرتى...
فقد قيض لي الله بأن تناقشني إبنة صاحب الفندق ذاك عن الأسلام ...
فناقشتها مرارأ ...
وتطورالأمر -بعد سنوات- إلى ان تعلن اسلامها أمام الداعية الإسلامي الإنجليزي يوسف إسلام (المغني السابق كات ستيفنسن)...
أسأل الله لها الثبات على الايمان
...
..
.
ــــ
*(عوك)...هو أحد أحياء البركل فوق
imported_عادل عسوم
24-06-2011, 06:28 PM
(9)
(...)
كانت جارة لنا ...
جميلة و...(بنت ذوات)
تمناها كل الشباب ولكنها تأبّت عليهم جميعا!
اتّسمت أسرتها بانفتاح يراه الكثيرون متعديا لحدود المقبول من الأعراف...
وكانت هي كالوردة التي يترصدها النحل و...الفراش
كانت تقول لي (وأنا أصغرها بعامين) تعرف ياعادل (أنا البعرسني لازم يكون أوسم الرجال وأغناهم)!...
مرت السنون وقابلتها خلال اجازتي الماضية فوجدتها قد تزوجت من رجل أعرفه ...(حاله على النقيض تماما من الصفتين اللتين ذكرتهما في رجلها الذي كانت تود)!...
لكني رأيت على محياها سيماء الرضا والتصالح التام!
سألتها ...
قالت لي ...
-تزوجني الذي كنت أود...
فوجدت دونه الشقاء كله...
ثم قررت أن أتزوج عبدالرحيم ...
فوجدت معه السعادة كلها!!!
...
..
.
imported_عادل عسوم
24-06-2011, 06:32 PM
(10)
عبدالرحيم...
أمثاله يوجدون ...لكنهم نادرون!
تجده دوما يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة!...
وتجده دوما يهتم بشأن غيره دون شأنه هو...
عندما نكون في رحلة تجده (مشمرا) في مكان تجهيز الطعام حتى وان فاتته العديد من فعاليات الحفل وفقرات برنامج الرحلة الترفيهي!
أعتاد كل الزملاء الأستدانة منه...
أتاني يوما وسألني ان كان في جيبي شيئا من مال فاعطيته ...
وتابعته من طرف خفي ...
فوجدته يعطي المبلغ الى صديق آخر!!
كم ترتاح لسيماء الصلاح في وجهه (برغم انه لم يحظ بوسامة في وجهه أو اعتدال في قوام )...
ثم انه لا صلة له بعالم النساء البتة...
قابلته قبل ثلاث سنوات فوجدته لم يتزوج بعد فسألته:
-عبدالرحيم يازول مالك لي هسّع قاعد بدون عرس؟!
-وين ياعادل ياأخوي مع هموم الناس ومشاكلا الكتيرة دي؟
سألت قريبا له فأنبأني بأن عبدالرحيم يصرف على أكثر من 7 من الطلبة والطالبات من أبناء الحي ليس فيهم واحد من أقربائه!
عند عودتي تذكرته وأنا عند الملتزم بجوار باب الكعبة المشرفة فدعوت له الله صادقا بأن يرزقه زوجا صالحة...
...
كم سعدت عندما علمت بأنه هو الزوج الذي أختارته (جارتنا)!
اللهم أسعدهما دنيا وآخرة
...
..
.
imported_عادل عسوم
24-06-2011, 07:08 PM
(11)
مصادفة...
شمس الظهيرة تلهب الأرض بشواظ من نار...
كنتُ أرقب سيارتي من خلال زجاج نافذة الشركة التي أنتظر مديرها -وهو صديق- في شارع 15 بالخرطوم...
رأيتها...
صبية في بداية العشرينات ...
في غاية الأحتشام ملبسا وحراكا...
أبتاعت (ساندوتشا) من بائع متجول ثم اعتمرت ظل سيارتي وجلست -على حجر- لتأكل ما بيدها...
أكملت ال(ساندوتش) ثم جلست القرفصاء محتضنة ركبتيها بذراعيها ثم أسندت رأسها عليهما لتستريح...
طال انتظاري لصديقي ذاك...
فما لبثت أن أتصلت (السكرتيرة) عليه حيث هو ثم ناولتني سماعة الهاتف...
-لو سمحت ياأستاذ أتفضل التلفون...
أعتذر لي الرجل بأنه لم يزل في (بحري) ولن يتمكن من الحضور قبل الثانية ظهرا...
ووعدني بأن نلتقي ليلا خلال مناسبة لصديق مشترك...
أعدت سماعة الهاتف الى السكرتيرة وخرجت الى حيث سيارتي...
حاولت تنبيه الصبية بصوتي وحركة أقدامي فلم أجد منها انتباها...
اذ كان جلوسها بجوار الباب الأمامي الأيسر للسيارة...
طرقت الباب بمفتاح السيارة فلم تنتبه أيضا!...
هنا تقدم أحد العاملين في الشركة -كان يتابع المشهد-وصاح فيها بكل رعونة: -ماتقومي يابت!
نهضت (البنية) مذعورة الى درجة أن تناثرت أوراق (ملف) كانت تحتضنه...
لُمتُ العامل وعنّفته على رعونته ثم عمدت الى الأوراق -التي كانت عبارة عن سيرة ذاتية وشهادة طباعة على الكمبيوتر-فجمعتها ...
لكن الصبية اخذت منّي الأوراق بسرعة وهي تعتذر ...
ثم انطلقت تمشي على طول الطريق...
أدرت مقود سيارتي وقد انطبعت في ذاكرتي صورة الفزع والخوف المرتسم على وجهها الحزين...
لحقت بها ورجوتها بأن تركب لأوصلها الى حيث تريد...
أعتذرت لي بأباء وأدب وهي تمسح بمنديل في يدها بقايا دموع...
أوقفت سيارتي وأتيتها وأقسمت لها بأنني أرغب في مساعدتها...
قالت لي:
-أنا ماعاوزة حاجة غير أني القى لي شغل!
وناولتني (الملف) الذي تحمله:
(بكالوريوس محاسبة من جامعة السودان منذ عام 2005-شهادة كمبيوتر-شهادة خبرة في مؤسسة (...) كمحاسبة)!
نظرت الىّ برجاء وهي تعيد بعض شعرات الى حضن خمارها وقالت بصوت متهدج:
-والله العظيم أنا البت الكبيرة وأبوي متوفي وأمي راقدة عندها سكري ولسة عندي خمسة أخوان صغار في المدارس!
سالتها:
-معقول بي شهاداتك ديل ومالقيتي ليكي شغل حتى الآن؟
-والله ياخال أنا بطلع من (الشقيلاب) كل يوم الساعة ستة صباحا وأقعد ألف في الشركات والمؤسسات نهاري كلو وبرضو بدون فايدة...
ثم اردفت السؤال:
-ومؤسسة (...) دي ليه ماواصلتي فيها؟
-دة راجل مابيخاف الله (وأطرقت بحياء)!
-طيب أنا حاأخلي الأوراق ديل معاي وبكرة حأتصل بيكي أوريكي تقابليني وين ...هل معاكي موبايل؟
-معاي بس...
نظرت الى يدها فوجدتها تحمل موبايل 3310 ويبدو عليه بأنه لايعمل!
رجوتها بأن تقبل مني مبلغا فاقسمت بأن لا تأخذ شيئا وقالت:
-لو عاوز تخدمني بالجد بس تشوف لي شغل...
-طيب بكرة أقدر أكلمك كيف؟
-هاك دة رقم موبايل صاحبتي ممكن تتصل عليهو أنا حأخدو منها بكرة
...
بفضل الله وجدت لها عملا في ذات الشركة التي رأيتها عند بابها ...
وقد أقسم لي مديرها بأنها من أكفأ وأخلص المحاسبات في عملها في الشركة
...
..
.
imported_عادل عسوم
05-07-2011, 07:12 PM
(12)
الهروب من الواقع
تنويه
القصة حقيقية بكل تفاصيلها الحالية !...واللاحقة .
ولم أدخل عليها سوى القليل (جدا) من التغييرات الطفيفة التي يفرضها واقع الحال ...والمقال.
(1)
جلست الى المرآة تتأمل جسدها الذى أكمل أستادراته ...
وشعرها الأسود الطويل ...
ثم أنحنت مقتربة أكثر لتحدق في عينيها الواسعتين (الدعجاوين)...
وتثنّت يمنة ويسرة وهي تتحسس بيديها قوامها الممشوق ...وبياض بشرتها...
ثم زمت شفتيها وبدأت تدندن وهي ترقص!...ياالزاهي في زيّك في وسامتك ياااااا... مانحنا عايشين علي...
وفجأة يقطع عليها (أستفرادها بنفسها) دخول أمها الى الغرفة وهي تحدجها بنظرة غاضبة ...يابت أنا ستين مرة ماقايلالك تسيبي العرجين القدام المراية دة ...وهوت بيدها على ظهرها وهي تواصل صياحها...أنت بس الله يطيرك يمرقك منّي... والله مافي واحدة من اخواتك فقعت مرارتي زيّك ...يلا على العدّة ديك غسليها...
هرولت (زهرة) الى حيث (العدة) وجلست تغسلها وهي تطنطن وتلعن حظها العاثر...
فقد جاءت الى الدنيا بعد زوال نعمة وغنى كانت الأسرة تتمتع به الى قريب!...فوالدها كان تاجرا كبيرا مشهود له بالغنى وكذلك بالطيبة والكرم!... لكن دارت عليه الدنيا من حيث يدري ولايدري! ...
فكانت تقول لصويحباتها في الحي (الواحد في الدنيا دي أصلو مايكون طيب مع الناس)!!!...
كم نصحتها صديقتها وجارتها وزميلة دراستها (حنان) بأن لا تدع هذه المشاعر السالبة تسيطر عليها فكان رد زهرة (دوما) أسكتي أنتي بس ...أنتي شن عرّفك بالدنيا .!...
كم كانت تغتم عندما تسوقها قدماها الى( دور وأسر) في الحي قد أفاء الله عليها بالنعمة ...فتقول لصاحبتها حنان ...مايستاهلوها!...فترد حنان أستغفر الله يازهرة خافي ربك والله الحسد دة ألاّ يودرك...فترد عليها أسكتي أنت بس!...وبعدين ستين مرة أنا قايلالك أوعك تناديني بي قشرة دي ...أسمي زاهية زاهية!
كم كانت تطربها نظرات الأعجاب والأستملاح !...بل كانت تجهد في أن تتصيد من شبان الحي الأكثر وسامة والأيسر حالا... فتوحي الى كل منهم بأنه الوحيد الذي تميل أليه دون غيره ...وهي بذلك تحس بسعادة غامرة وهي تتشفى ... والكل يسعى الى نيل رضاها!...
أبوها أضحى حرضا لايخرج من البيت كثيرا ولكنه كان ملاذها كلما جار عليها أخوها الأكبر... والذي مافتئ يترصد خطواتها ويقسو عليها ...فما كان يرضيه طريقة مشيها وأسلوب حديثها !...
زهرة آخر العنقود ...هي ثالث ثلاثة تزوجت الأثنتان وسافرن مع أزواجهن الى مدن أخرى داخل السودان وبقيت هي الوحيدة مع أخيها في البيت...
مضت سنوات الثانوي سراعا ونجحت زهرة ولكنها لم تتحصل على النسبة التي كانت ترجو (لتدخل كلية الطب كما كانت تتمنى)!...بكت يومها طويلا وهي تلعن حظها العاثر وقالت لصديقتها حنان ...أصلو الدنيا دي أنا عارفاها مابتديني العاوزاهو!...
ولم تجد سوي كلية التمريض العالي في مدينة قريبة دون العاصمة... قدمت لها مع صديقتها حنان وتم قبولهما معا...
جاء موعد السفر... لكنها تتفاجأ بتخلف صديقتها حنان بعد أن أتصل أخاها الأكبر وأقسم بأن لاتدرس أخته التمريض وأن أضطرت وبقيت دونما دراسة !...
صدمها الخبر في بادئ الأمر ...ولكنها عادت وقالت لنفسها ...أحسن!.. بكدة أكون أتفكّيت من نصائحها الكتيرة!...
سافرت زهرة (وحيدة) مع والدتها وأخيها الذي يكبرها بعام ...أذ الوالد لايقو على تعب السفر لكبر سنّه وأعتلال صحته...
وصلوا الى الجامعة (حيث كلية التمريض العالي) وأتم أخوها أجراءات تسجيلها وحظيت بفرصة في (داخلية) البنات بالجامعة ...
وبدأت زهرة في التعرف على أصدقاء وصويحبات جدد...
وكانت الكذبة الأولى لزهرة ...أن أوحت ألي زميلاتها الجدد بأنها (شهادة عربية) وأن أسرتها تقيم في أحدى دول الخليج وأن أسمها ...زاهية!...
(2)
بدأت (زاهيتنا) عامها الدراسي وقد أقنعت الجميع بأنها (شهادة عربية) !...
ولم تنس (بطلتنا) بأن تدخل على لهجتها بعض الكلمات الخليجية ...(الله يحيّيكي) و(ياهلا) و(تكفي) و(ماأدري) ...وغيرها من الألفاظ التي ألتقطتها من قريبات لها (يعشن) في تلك البلاد!...
فوق ذاك ...فهي لم تكن تحتاج الى بذل كبير عناء لتبدو في ثوب بنت الذوات !...فهي مع جمال الشكل الذي حظيت به ...لها حضور وقدرة فائقة على التأثير في من حولها...وهي كذلك بارعة (بفطرتها) في فنون الأتيكيت والبرستيج ...ثم ذكاء ونباهة وبديهة حاضرة يتلمسها كل من يجالسها!...
لم يكن في الكلية التي تدرس أيا من بنات أو أبناء الشهادة العربية ...سوى طالبة (من أهل تلك المدينة) توفي والدها في الأمارات فعادت الأسرة واستقر بها الحال في نفس المدينة لتلتحق ابنتهم بذات الكلية حيث بطلتنا...وحينها لم يفت على (زاهية) أن تصادقها وتلتقط منها الكثير!...
الجامعة كانت تمور بنشاط كبير لأطياف اليسار على عمومها... والحزب الشيوعي السوداني على وجه الخصوص.
ولم يكن ذلك مستغربا! ... فالغالبية العظمى للطلبة والطالبات كانوا من مدينة مجاورة ...سبق أن شهدت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي زخما كبيرا لحركة اليسار في السودان!...
وجدت (زاهية) ترحيبا كبيرا ومودة من قبل العديد من كوادر الحزب الشيوعي من الزملاء والزميلات...وبدأت في الأنخراط شيئا فشيئا في أنشطتهم الثقافية والأجتماعية!...
وأتخذت لنفسها العديد من الأصدقاء والصديقات ...منهم من هو زميل لها في الكلية التي تدرس...وآخرين من كليات أخرى داخل حرم الجامعة... فأضحت كل أمسياتها بينهم!...
وللحقيقة فان(بطلتنا) لم تكن تحب أفكار اليسار من قبل!...فألفاظ ومفاهيم مثل البلوريتاريا ...والطبقات المسحوقة ...والعمال ...كانت دوما تشدها الى ماضيها حيث المنشأ والحياة البائسة! ...تلك الحياة التي مافتئت (تجهد) في الهروب و الأنفكاك عن أسارها ...للأنطلاق الى عوالم الثراء والمجد والأضواء!...
لكنها وجدت في عالم اليسار (حب الثقافة ...وسمت التحرر من القيود... وحب التفلّت عن أسار التقاليد والعادات)!...
أمر آخر يُشهد لها به وهو حرصها الشديد واجتهادها في دراستها وتحصيلها فقد أستطاعت أن تتفوق منذ البدئ ...وتحيط نفسها بهالة الطالبة (المجيدة)!...
ولكن بانتصاف العام بدأت المعاناة تترصدها! فالمصاريف (على قلتها) بدأت تتأخر كثيرا في الوصول أليها فأيقنت بأن حال اسرتها قد بدأ يرتكس بأكثر من ذي قبل...
وأسقط في يدها وهي تجهد كثيرا في أن تجد مصدرا للصرف على (الشخصية التي رسمتها لنفسها)!...
فبدأت في البحث عن أرقام هواتف أهل أبيها وأمها ممّن يقيمون في العاصمة...
لكنها لم تجد بغيتها فالكل (حاله يغني عن سؤاله)!...
وفي صباح يوم جديد أتى للكلية أستاذ للّغة الأنجليزية ...
هو (معيد) تعاقدت معه اللجنة الشعبية للمدينة من أحدى جامعات العاصمة... بعدما سافرت (محاضرتان) فجأة الى خارج السودان بعد التعاقد مع جامعة (خليجية)!...
ذاك (المعيد) كانت جذوره من المدينة المجاورة وكانت (زاهية) قد سمعت بأسمه يتردد كثيرا خلال أحاديث أصحابها وصويحباتها من أهل اليسار...
فالرجل كان كادرا يساريا معروفا!...
أكتشفت (زاهية) منذ الوهلة الأولى بأنه (صيد ثمين)! ...
وحواء (بطبعها) تعرف مغزى نظرة الرجل أليها مهما حاول (أخفاء) رغباته!...
وبأنتهاء المحاضرة الأولى أخذت دفترها ولحقت به في مكتبه بدعوى الأستفسار عن المحاضرة...
وكان قصدها أن تريه من نفسها أستعدادا للتجاوب والمسايرة!...
وبالفعل...
لم يمر أسبوع...حتى خرجت (زاهية) على زميلاتها ب(موبايل حديث)!
وتوالت الأيام...وتوثقت الصلة بين (زهرة) و(أستاذ حسن)...
وبدأت أحاديث (مجتمع الجامعة الصغير) في العلو يوما بعد يوم...
وبدأ الكل (يلغ) في (حكايتهما)...
ولكنها كانت تدافع عن نفسها وتدّعي دوما بأن مايرى عليها من ألبسة جديدة وعطور ومكياج ...كلها مرسلة من أسرتها المقيمة في الخليج!...
وتصبح القضية فاكهة ل(أركان النقاش) السياسية بين أحزاب اليمين واليسار!...
وتصبح (بطلتنا) شخصية (مبجلة) لدى أطياف اليسار!...
ويتواصل الحديث ليصل الى أفراد اللجنة الشعبية ومجلس الجامعة...
فالمدينة مازالت تحتفظ بروح القرية ...وتحرص على ضوابط السلوك والأخلاق!...
فيصدر القرار بالأستغناء عن (الأستاذ حسن)! لتعود (زاهية) الى المربع الأول!...
ومرة أخرى تجد نفسها في مواجهة معاناتها الأولى ...بل أضحى وضعها أسوأ من ذي قبل!...
فهي قد أعتادت على حياة (الرفاه) بما كانت تتلقاه من أموال وهدايا من (أستاذ حسن)!...
وأعياها التفكير في أيجاد الحلول...
الى أن كان يوم خروجها مع صديقتها (نازك)!...
(3)
لم تنس بطلتنا ل(نازك) حرصها على أكتساب صداقتها منذ أيامها الأولى ...
ونازك دون (زهرة) جمالا ودونها تحصيلا في دراستها ولكنها كانت تبدو بزيها وأسلوب حديثها (بنت ذوات)!...
يومها لبّت زهرة دعوة صديقتها بقضاء نهاية الاسبوع معها في بيت أسرتها الذي يقع في المدينة المجاورة...ومنذ الاربعاء ذهبت الى أدارة ال(داخلية) برفقة نازك وتحصلت على اذن بالمبيت في الخارج...
جاءهم أبن عم نازك وخطيبها (زهير) ليقلهما بعربته (البوكس) الى منزل أسرة نازك
-زهير أعرفك بصديقتي وزميلتي (زاهية) وهي حاتبيت معاي الليلة وبكرة
-أهلا بيكي يازاهية وشرفتينا كتير والله
-الله يبارك فيك ياأخ زهير طبعا الشابة دي مامقصرة... كلاما معانا كللللو عنّك
-والله فيها الخير دي مابت العم قبل ماتكون النص الحلو
-(نازك) خلاص يازهير بقّيتني (نص) من هسى؟... كدي بالله خلينا من مكناتك دي وركز قدامك ماتعمل بينا حادث
لم ترتاح زهرة لنظرات زهير أذ بغير اللفتات الكثيرة فانه كان دائم التفرس فيها من بعد أن عدّل من وضع المرآة الأمامية لتطل مباشرة عليها وهي في المقعد الخلفي من البكس ال(دبل كاب)...
وصلوا الى حيث بيت نازك فتلقتهما في مدخل المنزل الخارجي والدة نازك وأخواتها الصغار وأخوها الوحيد الأصغر ابن الست سنوات...قابلوها بمودة صادقة وقبلتها والدة نازك بحنان بائن وقالت ماشاء الله يابتي النبي حارسك صدقت نازك!
-أنتي ياخالة نازك دي قايلا ليكم شنو عنّي؟
-والله يابتي طواااالي تشكّر فيكي
وصاح (جعفر) الذي أسموه على أسم والده الذي توفي قبيل ولادته (نازك دي مجنّينانا كل يوم تقول معانا واحدة أسمها زاهية سمحة زي ملكلت جمال العالم)...
-أها يازاهية سامعة الشكر دة كللللو؟ أها قصرت معاكي؟
-والله بالغتي عدييييل كدة ...ملكة جمال العالم مررررة واحدة كدة http://sudanyat.org/vb/images/smilies/biggrin.gif
وتأتي (الخدامة الحبشية) لتحمل حقيبة (زهرة) الصغيرة لتدخلها الى غرفة جانبية وتقول موجهة حديثها الى الوالدة ...(ماما خلاص الغدا جاهز)
دخلت زهرة الى الحمام لتغسل يديها ولم يفتها أن تتجول ببصرها في المنزل... فهالها جماله وأثاثه الفخم واللوحات الكبيرة الرائعة التي تزين الجدران فبدأت في مقارنة حال أسرتها وحال اسرة نازك... وانتابها شعور غير مريح لم تدر أهو حسد أم غيرة فأست لحالها وهي تنظر الى وجهها في المرآة !
-زاهية شنو... الغدا دة مابرد يابت؟
-خلاص جاية يانازك...
جاءهم زهير في المساء بدعوى أخذهم بالعربة للطواف على المدينة ولم يعودوا الاّ بعد أن أنتصف الليل حيث تناولوا عشاءهم في أحد مطاعم المدينة...
وأمضت (زهرة) يومين وليلتين لم يفارقهم فيها زهير الاّ نذرا من الوقت حيث كان يذهب الى (دكان الجملة) الذي يخص المرحوم عمه (والد خطيبته نازك) والتي كانت تتقبل كل تصرفات زهير بقلب ابيض و(سذاجة) تنم عن طيب معدن وسلامة نفس!...
وفي صباح السبت أوصلهما زهير الى الكلية مع بداية المحاضرة الأولى...
سمح المحاضر لهما بالدخول فلم تجدا مقعدين متجاورين فجلست كل منهما حيث تيسر لها وأدخلت زهرة يدها في حقيبتها فتتفاجأ ب(ظرف) به مبلغ مائة الف جنيه مكتوب عليه (مع تحياتي ...زهير)!
وفي المساء رن هاتفها فتفاجأت بأن المتصل هو زهير!
-أنت الأداك الرقم دة منو؟http://sudanyat.org/vb/images/smilies/confused.gif
-بالله دي صعبة ما أخدتو من موبايل نازك؟
-طيب نازك عارفة حكاية القروش الختيتا لي دي؟
-ياخي خليكي من بت عمي دي هسّي؟
-ياخي حرام عليك مش هي خطيبتك كمان؟!
-يازاهية دة موضوع طويييييل بحكيهو ليكي يوم أن شاء الله المهم حبيت أطمئن أنك بخير ...سلام
وسهرت زهرة ليلتها تلك طويلا ...وظلت تتقلب في فراشها متنازعة النفس ...وسط زخم من المشاعر المتناقضة ظل أوارها مشتعلا في دواخلها لساعات... فاذا هي في غابة جميلة تتخللها نوافير مياه كثيرة وتكتسي الغابة بحلل من الأشجار المزهرة تضج بزقزقة العصافير ويكتنفها نسيم مشبع برائحة الورود ...
لكنها كلما لمست زهرة من الزهور تجد يدها قد امتلأت بالدماء!
فلا تملك ألاّ أن تنزع يدها بخوف وتنتفض بشدة لتجد نفسها تتوسط سريرها وقد أصبح صباح جديد...
(4)
أعتادت زهرة الخروج كثيرا مع زهير (دون علم نازك)!
كانت ترى آثار النعمة بادية عليه حيث أبتاع (أتوس جديدة) وظل يغدق عليها بمناسبة وبلا مناسبة...
وقد علمت من زملائها وزميلاتها من أهل تلك المدينة بأن زهير كادر نشط من كوادر الحزب الحاكم!...
سالته مرة عن طبيعة شعوره تجاه نازك؟
قال لها ...لا يزيد عن شعور أبن عم تجاه بنت عمه وان أمر الزواج منها ماهو الاّ ترتيب من العائلة دون رغبة منه!
لكنها كانت تعلم كذب زهير...
فقد أخبرتها نازك بأنه الذي يسعى الى ذلك الارتباط ...
(لعله يفعل ذلك كي يضمن السيطرة على أملاك عمه المرحوم )...قالت زهرة ذلك لنفسها!
لكنها كانت تغض الطرف عن كل ذلك ...
ما يهمها هو تأمين متطلباتها منه ...
بل لقد بدأت تدّخر منه لنفسها الكثير من المال!
فنظرة الى ماضيها وحالها يجعلها تتشبث ب(زهير)...
لقد كان يعجبها حديثه عن تطلعاته في الحياة...
وكم كانت تحس بالأمان بمجرد الخروج معه...
فهو مهاب من كل أهل المنطقة...
في سمته وجدت الرجل الذي كانت تبحث عنه زمانا!
أذ هو صيد ثمين ويحقق لها الكثير من طبيعة الحياة التي تفتقد وترجو...
كم تمنت زهرة لو أنها التقته من قبل أن تتعرف على نازك!...
لكن كم يؤلمها أن تكون في موضع الخائنة لصديقتها...
نازعتها نفسها في البدئ ...
(كيف لي أن أسرق احلام صديقة أوقن بمحبتها لي)؟!
فهي تعلم حب صديقتها نازك لابن عمها زهير ...
بل لقد دعتها نازك لحضور عقد قرانهما في الأجازة القادمة!...
فماذا لو علمت نازك بأن زهير قد عرض عليها الزواج دونها هي؟!...
........
......
....
وتمر الايام وتكتشف زهرة كل يوم عيبا جديدا في زهير!
الكذب ...
الجشع...
البخل الاّ تجاهها...
نفاقه في علاقته ببنت عمه نازك...
وغير ذلك كثير!...
وبعد مرور أشهر يصبح زهير مسئولا ولائيا بدرجة مساعد وزير وينتقل الى مكاتب الولاية المجاورة لمباني الجامعة التي تدرس بها زهرة ونازك...
ويدع الأتوس ويتخذ سيارات الحكومة مطايا...
أما زهرة ...فقد أستطاعت أن (تلزم) زهير بتعيينها في وظيفة (صوريّة) في مكاتب الولاية !
ولكن زهير طلب منها -قبيل تعيينها- بأن تطلب من نازك التوسط لديه ليبدو الأمر طبيعيا ...وتستجيب نازك البريئة رغبة في خدمة لصديقة تعلم بافتقارها وحوجتها!!
وفي المحيط الجامعي
بدأت الالسن تتحدث عن العلاقة الجديدة بين (زاهية) والمسئول الكبير...
ولكن هذه المرة... لم يجرؤ -حتى مجلس الأدارة- بأن يقول أو يفعل شيئا!!!
(5)
بدأت زهرة في تلمس مواطن أقدامها في عوالم جديدة...
أحست بأن (زهير) ليس بالشخص الذي يشبع تطلعاتها الكبيرة!...
وقد ساعدها على ذلك بعض نظرات أعجاب من وزير هنا ومسئول كبير هناك...
ووجدته...
انه وزير من أحد أحزاب حكومة الوحدة الوطنية الجديدة...
خمسيني ...يتعلق ببنت عشرين كما يقول كابلي http://sudanyat.org/vb/images/smilies/smile.gif
وتمهر لنفسها (صك) زواج عرفي معه يكون شرطها فيه أن تحتفظ هي بالوثيقة دونه...!!
اشترطت ذلك لنفسها من بعد رفض (الوزير) زواجا صريحا منها...
وتصبح (زاهية) مسئولة مكتبه ...والآمر الناهي في الوزارة!...
لم تنس أن تستميل اليها محاسبا ضليعا وآخر يلمُّ بكل الخفايا عن مسار الأموال من المركز الى الولاية...
تشتري (زاهية) بيتا تحيطه حديقة غناء في أحد أرقى أحياء العاصمة لتأتي بأسرتها من الريف وتسكنهم فيه !
أما (زهير) فتستقوي عليه بازاحته عن حياتها ...بل عن المنصب الذي تقلده!
تكمل زهرة البكالوريوس وتبدأ في الماجستير...
وتحرص على الأنتظام في دورات اللغة الأنجليزية المكثفة لأكمال هالة (الكاريزما) المطلوبة لترتقي أكثر !...
بدأت تقرأ عن تأريخ وأدبيات (حزب الوزير) ...
أعانها هو على ذلك واستعانت هي بكثير ذكاء وحسن أدراك فُطرت عليه...
تصبح زاهية ملؤ السمع و(البصر) لقادة ذاك الحزب ...
وتصبح لها مخصصات من الحزب بالأضافة الى مخصصات الحكومة التي تنالها من خلال مهامها (المتعددة) في مكاتب الولاية...
وبدأ (الوزير) يتلمس رضاء قادة الحزب عن (زاهية) فكاشفها في رغبته بتحويل زواجهما العرفي الى زواج شرعي يعلن على الناس ...
لكنها ترفض ذلك !
وتزداد وتيرة (سفراتها) الى العاصمة ...
كلها (مهام) مدفوعة الأجر أما من مخصصات الحكومة أو مخصصات الحزب!
أما قلبها ...فقد كان أمره عجيب...
لقد أحبت (زهير) بكل مافيه من سلب!
لعله أول من خفق له قلبها من الرجال...
لكنها كانت (تدوس) عليه كلما ساق خيالها الى ايامه...
وتبقى صورة نازك (وضيئة) في خيالها!
فتحس بغصة في حلقها...
(6)
في صباح أحد الأيام تفاجأت برسالة في صندوق بريدها معنونة باسمها
فضَت المظروف فاذا بها من نازك:
صديقتي (يوما) زاهية
لا أدري الجرم الذي ارتكبته في حقك
اذ يشهد الله أني أسهر الليالي الطوال أتوه فيها مع سفن خيالي عساني أجد خيطا صغيرا يشفع لك عن الذي بدر منك من سوء تجاهي!
لقد أدخلتك بيتنا وتلمست صدق محبتهم جميعا لك ثم توفيت والدتي فلم تكلفي نفسك حتى زيارة عزاء...
عرّفتك بخطيبي فكان منك ماكان
لا أقول لك الاّ...
سامحك الله ياصديقتي
...
أكتب لك الآن وأشهد الله بأن دواخلي لاتحمل لك أيما ضغينة
اذ أني أيقن بأن المرء منا لا ولن يصيبه الاّ ماكتبه الله له أوعليه
فقط...أنشدك بالله وبما كان بيننا من مودة أن تستجيبي لطلبي هذا:
لقد بحثت عن زهير كثيرا الى أن وجدته في مدينة (...) وحاله يغني عن سؤاله
الشاب أضحى قاب قوسين أو أدني من الجنون
كل ما أرجوه ...أن تشفعي له ليعود الى عمله السابق ...ولك أن تبحثي له عن مكان بعيد
وثقي بأني لم أعد أفكر فيه كخطيب أو ايما عودة لعلاقتي به
الأمر يازاهية لا يزيد عن كونه أنني لا أود أن أراه منكسرا!
صديقتك يوما نازك
...
ما ان أكملت زهرة قراءة الرسالة الاّ وانهمر الدمع غزيرا من عينيها...
وارتمت على أريكة من بعد أن طلبت من الساعي أن يغلق الباب عليها وأجهشت في بكاء شديد
....
خرجت زهرة من مكتبها بعد أن هدأ روعها واقتادت عربتها في اتجاه العاصمة...
(7)
أوقفت زهرة عربتها عند مدخل دار الحزب من بعد التأكد من وجود كباره فيه وترجلت عنها
بقيت هناك لساعات ثم خرجت وخطاب تعيين زهير في يدها
حملته وقفلت عائدة الى حيث تعمل وتقيم
-ياعم فتح العليم
-نعم سعادتك
-شيل الخطاب دة زي ماهو وأخد الالعربية ووديهو للعنوان المكتوب هنا وتسلمو لي واحدة اسمها نازك بدون ماتاخد وتدي معاها
-حاضر سعادتك
وبعد أيام تصلها رسالة أخرى من نازك:
صديقتي زاهية
أشكرك جزيلا على استجابتك لطلبي
لكن للأسف لقد سبق قضاء الله الى زهير
لقد وجد ميتا داخل البيت الذي يقيم فيه...
البعض يقول بانه انتحر!
لا أدري لم يتقمصني شعور قاتل بأنني قد تسببت في موته
لا حول ولاقوة الاّ بالله
...
وأظلمت الدنيا في عيني زهرة
وأغشي عليها
لم تدر كم يوما بقيت على حالها ذاك
وعندما استيقظت من سباتها ذاك
اذا بصرها يقع على وجه نازك وهي تمارضها في المستشفى
أغمضت عينيها مرة أخرى
وانداح الدمع منها غزيرا ونازك تجهد في تجفيفه بيديها
لم تقو زهرة على النظر في عيني نازك
فأشاحت بوجهها الى الحائط وعلا ضجيج بكائها
وضمتها نازك اليها رابتة على شعرها الى أن غشيها النوم
...
(8)
أفاقت زهرة...
وبقيت مبحلقة في وجه نازك بذهول:
-زاهية مالك قولي بسم الله!
-انتي مني؟
-بسم الله الرحمن الرحيم يازاهية انا نازك
تنتفض (زهرة) وتشرع في صياح هستيري
ولا تلبث أن تمزق ملابسها...
فتلفُّ نازك جسدها بالملاءة
ولكن يزيد هياج زهرة...
فتسرع في خربشة وجهها بأظافرها
فتنادي نازك بالممرضات ليساعدنها في تهدئتها
...
تنقل زهرة الى مشفى للأمراض النفسية والعقلية...
وتبقى فيها أشهرا...
ومافتئت نازك تمارضها...
ثم يتبدل الحال بزهرة الى (وجوم) عجيب
تبقى على ذلك أشهرا أخرى
...
وعادت زهرة الى مسقط راسها
هنااااك في الشمال
اقتباس:
(1)
جلست الى المرآة تتأمل جسدها الذى ...اكتنز! .
وشعرها ...الذي استشرى فيه الشيب! ...
ثم أنحنت مقتربة أكثر لتحدق في عينيها...الذابلتين!...
وتثنّت يمنة ويسرة وهي تتحسس بيديها قوامها ...البدين ...
وبياض بشرتها...الذي زحفت عليه التجاعيد!
ثم زمت شفتيها وبدأت تدندن وهي ترقص!...ياالزاهي في زيّك في وسامتك ياااااا... مانحنا عايشين علي...
وفجأة يقطع عليها (أستفرادها بنفسها) دخول أمها الى الغرفة وهي تحدجها بنظرة (حزينة) ...وتقول من بين دموعها:
-يابتي ربنا يكتب ليكي الشفا
...
ومافتئت زهرة تعيش هناك
...
..
.
(تمت)
imported_عادل عسوم
06-07-2011, 10:48 AM
(13)
ميري
(1)
أبتعدتُ عن الغبار الذي أحدثه أنزال العمال لبعض (طوب) و(تراب) و(أسمنت) لأستعصم بمكان يجاور (راكوبة) منصوبة أمام منزل آخر قيد البناء...
سمعت صوتها نديا ريانا وهي تخاطبني في مودة...
-أتفضل ياعمو بي جاي
ألتفت فاذا بها...
صبية ممشوقة لاتزيدها عن الثمانية عشر ربيعا...
أبتسامتها الناصعة البياض وصدق الترحيب البادي على محياها ساقني سوقا الى (عنقريب) لا يوجد عليه سوى (مخدة) و(كرّاس) فوقه قلم...
سلمت عليها فمدت لي يدا وامارات الِبشر والترحيب تصطرخ من وجهها الطفوليُّ البرئ...
جلست وكان ثمة أطفال يلعبون بالجوار ...ما أن رأوني حتى جاؤني يستجدون...أدينا قروش ياعمو...
أنتهرتهم (البنيّة) فرجوتها بأن لاتفعل ...وأدخلت يدي في جيبي وناولتهم مبلغا وطلبت من أكبرهم سنا أن يوزعه عليهم بالتساوي...
أخذ (سايمون) المبلغ باندهاش وقال لي بلهجة عربية (طلقة)!
-ياعمو دة كتييييير؟
وأردفت (البنية)
-أيوة والله ياعمو القروش الأديتم ليها دي كتيرة شديد.
قلت لها
-لا ما كتيرة ولا حاجة ...خليهم يفرحوا شوية...
دخلت (البنية) وأتتني بكيس مهترئ فيه حلاوة (كرملّة) وناولتني أياها وهي تضحك معليش أمي والدة ليها يومين وهسي أبوي وداها تقابل الدكتور عشان شوية تعبانة...
-أنتو طبعا دينكا؟
أجابتني بابتسامة فيها مودة بائنة
-أيوة ...ماباين علينا والاّ شنو؟
-لا ...العفو ...لكن بصراحة لهجتكم ب...
-ياعم أنا أتولدت في الكلاكلة ...و من جينا سكنا هنا في المعمورة دي بس لينا سبعة سنة...
وأردفت
طبعا شكلك كدة صاحب المبنى القدامنا دة؟
-بالظبط كدة
-وشكلك مغترب كمان؟
-صاحب المبنى قلنا ممكن تخمنيها لكن مغترب دي عرفتيها كيف؟
-ياخي بالله دي كمان دايرا ليها درس عصر
تصفحت ال(كراس) فوجدته مكتوب على جانبه (بخط جميل ونظيف)
المادة:الأنشاء
الأسم:ميري وليم مجوك
قلبت الصفحة الأولى فاذا بموضوع عن (وطني السودان)...
صدقوني أبداع من حيث اللغة (العربية) والأسلوب والخط!
جلست قبالتي على (عنقريب آخر) وقالت
-انشاالله يكون الكراس عجبك؟
-دة عجبني شديد والله...بتاع منو دة؟
-شنو يعني أنا ماعاجباك واللة شنو؟
بالله أنتي الكتبتي الكلام دة؟
-أيوة والله ولو عاوزني أسمعو ليك ماعندي مانع ...وضحكت
صدقوني طفرت من عيني دمعة!!
ميري دينكاوية ريانة بكل هذا الألق برغم البيت الراكوبة والحال الذي يغني عن السؤال !!
قلت في نفسي...
بصدق السعادة نبع بالدواخل ...ولا دخل لها بمال أو جاه!!!
والسودان وطن جميل...!
(2)
لَكَم أذكت (ميري) فيَّ تساؤلات الهوية السودانية!
لأن كان الأمر أمر لون أو سمت خلقة ...أنختلف كثيرا عن لون وسمت ميري وأهلها؟!
بل أن أهلنا الدينكا يمتازون بتقاطيع أجمل
وقوام ممشوق وفارع!
وهاهي اللغة العربية
تجيدها ميري تحدثا وكتابة!
...
..
.
وصل والد ميري تتكئ على كتفه الايسر والدتها وفي حضنها رضيعها
وقفت فساعدتها على الاستلقاء على (العنقريب الآخر)
مد لي العم (وليم) يده شاكرا (بعربية مكسرة):
-أهلين وسألا اتفدل ياكي
ونظرت الي الأم بعينين هدهما الضعف والهزال
ما كان مني الاّ أن أنبأت ميري بأنني أود الذهاب لأبتياع بعض الأغراض لهم
فقالت لي وهي تقسم بالله
-والله مافي داعي ياعمو
وخاطبتها أمها بالدينكاوية فأحسست وكأن ميري تعنف أمها على أمر (ما)
قلت لميري
-سألتك بالله الحاصل شنو؟!
-بصراحة ياعم أمي عندها دوا عاوزاك تشتري ليها...خلاص بس أشتري لينا الدوا دة بس
ناولتني ميري روشتة الدواء ثم اردفت
-ممكن ياعمو أجي معاك؟
-مافي مانع أتفضلي
قدت عربتي واتجهت الى شارع 61
العربة كانت مكيفة وشبه جديدة
تابعتُ ميري بطرف خفي فوجدتها تتنفس بعمق وهي تستقبل هواء المكيف البارد
-في حاجة ياميري
-تعرف ياعمو
دي أول مرة في حياتي أركب عربية زي دي مكيفة!
بدت نبرات الصدق بائنة في صوتها الذي تهدج قليلا وهي تواصل
(مناي في الدنيا دي أخش الجامعة وأبقا دكتورة وأشتري لي عربية زي دي وأفسح بيها ناس أبوي وأمي)!
أحسست بعبرة تسد حلقي وبالدموع توشك أن تطفر من عينيّ...
وصلنا الى صيدلية مقابل نادي المحامين فابتعت لها الدواء
أحسست بأن ميري تود بأن تقول لي شيئا
-مالك ياميري في حاجة؟
-والله ياعمو عاوزة أطلب منك طلب لكن خايفة أكون كترتها
-يابت قولي ...صدقيني مافي اي مشكلة
-أختي عندها تركوما ومحتاجة لي قطرة ممكن تشتريها ليها؟!!
القطرة التي تطلبها ميري لأختها الصغيرة لم تكن تكلف أكثر من آلاف اربع (بالقديم)!!
-شوفي دي القطرة وبكرة تسوقي أمك وأخوانك للمستشفى عشان يكشفوا ويدوهم علاج كامل.
أطرقت ميري ولم تجب!
وجدت في الطريق (سوبرماركت) وبجواره مكان لبيع الفواكه
طلبت من ميري بأن تنزل معي للشراء من المكان
لكنها اقسمت بأن لا أكلف نفسي واشتري لهم شيئا آخر
ألححت عليها وألأنبأتها بأن لامناص من ذلك
دمعت عيناها وأطرقت وبقيت في العربة!
نزلتُ لوحدي وأبتعت ما شاء لي الله من أغراض لأسرتها (من زبيب وفواكه وتانك وعسل وغير ذلك) مما أضطرني لأستعين بعاملين من العمال لحملها الى العربة
وفي الطريق مررت على (ملحمة) فابتعت لحما وأتبعتها بدجاجتين
وكلما عدت الى العربة كنت أجد ميري تشيح بوجهها عني ولا تتحدث الي
وصلنا الى (الراكوبة)!
وقمت وبمعاونة والدها وأخوتها الصغار بانزال الاشياء
كان وليم يتحدث الي متلعثما بحديث نصفه شكر والآخر دعاء
رأيت الوالدة تتحدث الى ميري ثم شاركهما وليم الحديث
صنعت لي ميري (شايا) وأتتني به وهي دامعة العينين
سالتها
-يابت الحاصل شنو؟!
-مافي حاجة والله ياعمو بس بصراحة...
-في شنو أتكلمي
-والله ياعمو دي أول مرة زول يعمل معانا العملتو أنتا دة
والله أنا وأمي وابوي ماعارفين نشكرك كيف.
-لاتشكروني ولا حاجة أنا ماعملت غير الواجب
أقتطعت مبلغا (معتبرا) أعطيت نصفه الى ميري وناصفت الباقي مابين أمها وابيها
لم تقبل ميري في البدئ ولكني ألححت عليها فتقبلته على مضض
رافقتني الى العربة شاكرة دامعة قائلة لي
-عاوزاك بكرة تجي تتغدى معانا
أعتذرت لها بأني في طريقي الى الشمالية في الغد ولكني وعدتها بأن أمر عليهم عند عوتي من هناك
(3)
عدت بعيد أسبوع أمضيته في الشمالية ...
وبقيت (ميري) خلاله تلوح لي في خاطري كلما أظلتني هدأة أو أويت الى فراشي...
كنت ارى فيها (أشواق) وطن ينشد وحدة!
وحراك حياة تتابى على الممات...
واصطراخ جمال يتفلت على كره وازجاء...
وبهاء تعلق بمستقبل زاهر يولد من بين براثن الفقر ...والمرض ...والجوع!
عدت لأفي بوعد قد قطعته لها...
وحملت معي (كل) ما يكفي لغداء شهي يومها...
قالت لي وهي تستقبلني على على مشارف (راكوبتهم):
-ياعمو حرام عليك أنتا كدة بتحرجنا كتيييير
قلت لها:
-أعتبري العزومة المرة دي عليّ والجاية عليكم
قالت:
-والله أنت تستاهل يوقدوا ليك الأصابع شمع...
لكم اعجبني ذكاءها وحضور بديهتها وجميل ردودها!
قلت لميري:
-جهزوا الغداء وسأمر على العمال في بيتي وأعود
-بس ماتتأخر عشان الأكل الجبتو دة مايبرد وكمان لأنو ماعندنا فرن ولا مايكرويف ...(وختمت حديثها بابتسامة)!
...
عدت بعد ثلث ساعة فوجدت ميري ووالدها قد وضعا (عنقريبين) بموازاة بعضهما من بعد أن (رشت) المكان ثم أتت بصندق خشبي وضعته ك(منضدة) بين (العنقريبين)...
جلسنا ثلاثتنا من بعد أن أفردت ميري لأمها وأخوتها الصغار مائدة أخرى بالجوار
قلت لها:
-مش كان أحسن ناكل كلنا مع بعض؟
-معليش امي دي بتخجل شوية ...والأولاد بعملوا ليك جوطة ساي...
وظل الاب يتمتم شاكرا بكلمات افهم بعضها واجهل الكثير منها...
وبقيت ميري تبتسم وهي تفسر لي كل كلمة (تحس) بعدم فهمي لها...
وخلال كل ذلك ظلت ترمق والدها بنظرة حانية...
صدقوني لكأنها هي الوالد وهو الأبن أو الأبنة!
سألتها:
تعرفي ياميري كلنا بنحب آباءنا لكني شايفك بتحبي ابوك وأمك بصورة عجبتني كتيييير...
قالت لي:
-تعرف ياعم عادل الزي ناس أبوي ديل تعبو كتيييير ومازالوا في حياتم ...وأهو أنتا شايف كيف بتعبوا عشان الزيّي أنا يتعلم ويعيش حياة أحسن من العاشوها هم...باقي ليك بي كدة مابيستحقوا (كل) حب وتقدير؟!
لله درك ياميري!!
(4)
فرغنا من تناول طعام الغداء ثم شرعت ميري تلملم الصحون من على (الصندوق الخشبي) باسمة...
بادرتها قائلا:
-شايفك قلتي لي قبيل أنو ماعندكم مايكروويف...تعرفي ياميري انو الكتير من بناتنا في الشمالية ماشافن ولاحتى سمعن بي المايكرويف دة؟!...
قاطعتني باسمة:
-صدقني ياعمو أيامي الكنت في الحاج يوسف كنت بزور بنات زميلاتي كتااار شايقيات وجعليات ورباطبيات...وكانو بيكلموني كتير عن معاناة اهلن وأسباب هجرتن من قراهم للخرطوم!
كنت بتالم ليهم كتير ودايما بتشاكل مع صاحباتي الجنوبيات لمن يقعدوا يتكلموا عن ظلم الشماليين لينا وانفرادن بالثروة وكدة...
ثم استرسلت:
وكمان في حاجة تانية...
كل ما ربنا يقدر لي بي قعدة قدام تلفزيون واشوف فيهو الحياة المرفهة البعيشوها بعض الناس وبعد دة ألقاهم ماسعيدين ...بحمد الله كتيييير على راحة البال العايشا فيها أنا معا أبوي وأمي وأخواني ديل!
أجبتها:
-صحي السعادة وراحة البال ما بالمال ياميري...
أتت ميري بثلاث أكواب من الشاي (على غطاء كبير لعلبة حليب نيدو)!
وبادرني والدها:
-ياسيادتك أنا آوز أشتقل مع جماأة تُلب ديل في بيت بتاءك
وتابعت ميري
-بالمناسبة أبوي دة أشتغل كتير في المباني وعندو فكرة كويسة في التشطيبات...
فأجبتهما:
-ماعندك مشكلة ياعم وليم ...من بكرة ان شاء الله أنا حأكلم ليك المهندس...
جاءني أخي خالد-الذي يصغرني- ليعلمني بأنه كان في مهمة عمل الى جبل أولياء وقد أتى محملا ب(قفة) كاملة من السمك ليأخذني الى بيته لتناول الغداء...
ثم قال متسائلا:
-ياخي الحاصل شنو جوالك مالو مقفول؟!...
اعتذرت له بأن (البطارية) قد فرغت وأننا قد فرغنا لتونا من تناول الغداء...
وماكان من ميري وأبيها الاّ أن الحّا عليه بأن يأتيا له بغداء فاعتذر وهو يحدجني بنظراته المتسائلة!
وانتحيت الى عربة أخي فأخذت من السمك مايكفي ميري واسرتها ثم أعلمته (أي أخي)بأنني سأكون معهم على مائدة العشاء باذن الله...
(5)
أتصلتُ بالمهندس المسئول وطلبت منه الحاق وليم بالعمل معهم فاستجاب مشكورا...
عند قدومي في الصباح استقبلني وليم هاشا باشا ولكأني به يريد أشعار بقية العمال (وجلهم من أهلنا النوبة) بأنه أكثر قربا منهم الى صاحب المنزل...
نبهني وليم بأن ميري ترفع يدها منادية عليّ ...فذهبت في اتجاه (راكوبتهم)...
كانت ميري في قمة أناقتها وهي تتزيا بفستان مخطط بالأحمر والابيض (سيجنال 2)
-عمو عادل أنا عملت ليك شاي عليك الله تعال واشربو
-مابطال لكن ماكان في داعي للتعب ياميري
-تعب شنو ياخي والله انت تستاهل كل خير
جلستُ على (العنقريب) ارتشف الشاي وجلست ميري تتصفح جريدة الخرطوم التي نسيتها لديهم بالأمس.
-بتحبي تقري الجرايد ياميري؟
-والله بحبها جدا لمن ألقاها خاصة جريدة الخرطوم دي
-أكتر حاجة بتحبيها في الجريدة شنو؟
-بحب الصفحة الأخيرة الفيها عمود (خواطر)!
-تاني هواياتك شنو؟
-بحب الأذاعة جدا ودايما باستمع لي اذاعة أمدرمان
انتبهت الى أن ميري تمتلك خامة صوتية جميلة
وهي فوق ذاك صاحبة لغة عربية جيدة وتتميز باجادتها لمخارج الحروف
-لو لقيت ليكي فرصة وظيفة في الأذاعة أو التلفزيون عندك مانع؟
-والله دة مانع دة...قالتها وهي تضحك
جعلت من أمر توظيف ميري في الأذاعة أو التلفزيون أحد أهداف أجازتي وبحمد الله أثمرت اتصالاتي بالأصحاب لتنضم ميري الى اذاعة أمدرمان بعد أن قطعت عليّ وعدا بعدم انقطاعها عن الدراسة المسائية ...
وانتقلت ميري بأسرتها ليصبحوا من سكان أمدرمان
...
..
.
والتقيت ب(ميري) مرة أخرى...
لعلي أكتب عن ذلك لاحقا!
...
imported_عادل عسوم
05-08-2011, 09:03 PM
...
(6)
ميري...جيل (جنوبي) بوجدان (شمالي)!
اتصل بي حارس بيتي:
-يااستاذ
في واحدة جنوبية بتجي طوالي تسأل من رقم موبايلك أديها ليهو؟
-أيوة أديها ليهو
...
وأتصلت بي ميري...
وتواعدنا على اللقاء في كافتريا (كاتشب) في السوق العربي
يااااه
ذات القوام الأبنوسي الممشوق
وذات الابتسامة الناصعة البياض
أناقة ملبسها تنم عن ذوقها الرفيع
مدّت لي يدا من وداد وقالت:
-والله يااستاذ عادل عمري مانسيتك كل السنين الفاتو ديل
قالت ذلك بلسان عربي طلق لا شية فيه!
رددت عليها بابتسامة:
-تسلمي ياميري
كدي وريني الحصل عليكي من يوم اتعينت في الاذاعة لي يوم الليلة
قالت ميري:
-ايييييييه ياعادل...
دي قصة طويييييلة
وجاءنا النادل بالعصير
رشفت من كوبها رشفة وأخرجت من حقيبتها منديل ورق مسحت به جبينها وشرعت تقول:
أخدت فترة في الاذاعة
وبرضو قدمت في التلفزيون كم نشرة جوية...
وكل الناس كانوا بيشيدوا بي لغتي وأدائي
ثم توقفت قليلا
ومسحت دمعتين بدأتا في النزول من عينيها الجميلتين
-واصلي ياميري
-ايوة معاك
...
قبل الانتخابات أخدت أسرتي ومشينا الجنوب...
والتحقت بتلفزيون الجنوب
ثم استدركت بعصبية
أقصد تلفزيون الحركة الشعبية
المهم ابوي مات هناك
واخوي الصغير ضربو جندي من الحركة الشعبية وكتلو بس لانو قال الشمال كويس!
وبقيت منبوذة في الحي ومكان عملي
لغاية ماجا واحد منشق من الحركة الشعبية أسمو(تور) وهاجم الحتة الأنا فيها
وماتو آلاف من ناسو وناس الحركة الشعبية
جيت راجعة بالليل لقيت أمي عندها ملاريا شديدة
وديتا المستشفى ما لقينا طريقة لانو الجرحي مالين العنابر والبرندات
وكانت في مطرة شديدة
أشتريت لي دوا من الأجزخانة وأجرت لي كارو ورقدت أمي فوق كرعيني ومشينا في طريق البيت
لاقونا جنود الحركة في الطريق
وولعوا فينا بطارية قوية
وجا واحد سكران وقال لي المعاهو بالرطانة:
-ياها دي ميري
أمي هنا تعبت شديد وبقت تهضرب
وكانت اخر كلمة قالتا قبل تموت:
يابتي أرجعي تاني الشمال وفتشي صاحب البيت الأسمو عادل داك
...
أخدوني ناس الحركة وعينك ماتشوف الاّ النور
وشرعت تبكي بحرقة
بكت حتى لفتت انظار اغلب الجلوس في الكافتريا
(7)
قلت لميري
-طيب الآن عاوزة تعملي شنو
قالت والحيرة تطل من بين عينيها البريئتين
-والله ياأستاذ عادل ماعارفة اعمل شنو...
مشيت لي ناس الاذاعة والتلفزيون وفاجأوني بأنهم فصلوني بعد ما اتحولت لي تلفزيون الجنوب...
وطبعا مافي طريقة اقدّم من جديد لانو الانفصال حيتم قريب وأكون لاجئة من دولة اخرى!
قالت ذلك ونظرت اليها بعينين ملؤهما الرجاء بأن افعل لها شيئا...
سألتها:
-طيب ليه ماترجعي الجنوب وتحاولي تاني؟
فقاطعتني بسرعة...
-لالالالا لأ ياعادل أوعك بالله تقول لي كدة...
أنا الجنوب دا تاني لا عاوزاهو ولا بفكر مجرد التفكير في أني أعود ليهو!
...
ناقشت الأمر مع صديق
فقال لي:
ميري تنتمي الى جيل تعداده مئات الآلاف ان لم يكن ملايين ...يعيش بيننا...
لهم الله
لهم الله
...
..
.
imported_عادل عسوم
28-08-2011, 11:37 PM
Timothy Queenland (يوسف كمال)
(1)
في طريق عودتي من مقر شركة (Panametrics) في مدينة (Shannon) الآيرلندية الى فندق (Oak wood arm) قال لي السائق الشاب (ياسيدي لقد أخبرت أسرتي عنك ولقد أستحلفني جدي بأن أأتي بك الى المنزل ليتحدث اليك)!
سألته ماالداعي الى ذلك؟ ...
قال:
- جدي قد عاش جل سني صباه في السودان أيام الأستعمار الأنجليزي وهو يحب السودان كثيرا!...
أحسست برغبة في رؤية ذلك الرجل فحاطبت رفيقي قائلا:
-ليس لدي شئ أفعله في الفندق فانظر ان كان الوقت مناسبا للقائه الآن؟
هاتف الشاب جده ثم قال لي لابأس هو الآن في أنتظارك...
دلفت الى منزل لا يختلف كثيرا عن طابع المنازل الأنجليزية حيث بابه الخارجي يطل مباشرة على الطريق العام ...ولكن البيت أضخم وأكثر أتساعا من بقية المنازل التي تجاوره ...
أجلسني السائق (باتريك) في استقبال المنزل وأحضر لي قارورة مياه معدنية ودخل ليستدعي جده...
أدرت بصري مليا في الحيطان ففاجأتني صور لاتحصى ولا تعد عن السودان... من ضمنها صور لشخصيات سودانية تاريخية عديدة منها صورة عبدالقادر ود حبوبة و محمد أحمد المهدي ...وكذلك صور لجبال التاكا والطابية ...ويتخلل كل ذلك الكثير من المنحوتات والمشغولات اليدوية السودانية! ...
وفجأة دخل عليّ رجل قد تجاوز التسعين من عمره وهو يتوكأ على عصا وتعلو وجهه أبتسامة بشوشة...
مددت يدي لأصافحه فما كان منه ألاّ أن أحتضنني وسلم عليّ سلاما سودانيا (خالصا)!
جلسنا سويا بجوار نافذة تطل على نهر شانون حيث أرى من مكاني الصيادين وهم يروحون ويجيئون بقواربهم خلال النهر ...وألتفت الي الرجل وخاطبني بعربية لا بأس بها وهو يشير ب(عكازه) الى النهر (مش زي النيل بتأكم ليكن جميل مش كدة)؟
فهززت رأسي بالأيجاب
بدأ مضيفي (تيموثي كوينلان) بالحديث عن السودان حديث محب متيم فارق محبه!
لقد أمضى (تم) -كما يناديه أهله -أكثر من أثني عشرة عاما في السودان موظفا مرموقا ولم يترك بقعة في السودان الاّ وقد زارها بل تجده يحكي لك عن أسماء اشخاص وأحداث تجعلك تغبطه على ذاكرته القوية...
وتوقف هنيهة وقال لي (نسيت أن أهنئك على توقيع أتفاق نيفاشا)! فاستغربت لسعة أطلاع الرجل اذ الأتفاق كان قد تم قبل أشهر قليلة فقط...وتابع (تم) وهو في حالة تأثر واضح وقد أغرورقت عيناه بالدموع...(لديكم (رجل) لو خيروني فيه لأقمت له تمثالا في وسط جزيرة توتي بحجم لا يقل عن تمثال الحرية في جزيرة مانهاتن...وليتنا نوهب رجلا مثله هنا في آيرلندا)!
سألته بشغف ومن ذاك الرجل؟ فقال لي:
أنه (علي عثمان محمد طه)!!
(2)
عاد (تم) الى الوراء وأسند ظهره الى الاريكة التي يجلس عليها وحول بصره الى صورة محمد أحمد المهدي وود حبوبة وقال...علي عثمان محمد طه (صدقوني ذكر الأسم كاملا كما هو)! يعد رجل دولة من الطراز الفريد!...ولقد قابلت العديد من القادة وحرصت على تقييمهم من خلال متابعتي للقاءاتهم وخطاباتهم وتصريحاتهم في وسائط الأعلام المختلفة ولدي موهبة (ربانية) في سبر شخوص القادة أضافت اليها دراستي الجامعية في مجال علم النفس والسلوك ثم دراساتي العليا في العلوم السياسية تعززها خبرة عمل طويلة في البلاط الملكي البريطاني ثم في مصر والسودان الكثير...وأستطيع القول بأن (علي عثمان) يعد من أفضل القادة في العالم ...ولقد اراني (تم) مئات الموضوعات والمواقع يحفظها في موقع (المفضلة) لديه في حاسوبه الشخصي تتحدث بصورة أو بأخرى عن علي عثمان محمد طه!
ولقد اضاف لي بأنه قد وجد نفسه ليس الوحيد في العالم... أذ قد وجد الكثيرين ممن يشاركونه الأهتمام بشخصية علي عثمان أفرادا ومؤسسات !
وواصل قائلا لقد أتصلت من قبل بهيئة اليونسكو العربية -اذ لي علاقات ببعض العاملين فيها - وعبرت لهم عن وجهة نظري بأنه من المفيد لدارسي العلوم السياسية وآليات العمل السياسي في مؤسسات التعليم العربية أن يدرسوا أسلوب عمل علي عثمان محمد طه السياسي والحركي منذ أن كان رئيسا لأتحاد طلاب جامعة الخرطوم وكذلك فترة قيادته للمعارضة السودانية ...ومن بعد ذلك أداءه الرائع منذ تسنم الأنقاذ لمقاليد الحكم في السودان وفي وجود كل ذلك ال(كم) من التحديات الكبيرة التي واجهتها الدولة السودانية أقتصادية كانت أم سياسية أو أمنية حيث الدولة محاصرة ومحاربة من القريب ومن البعيد!
برغم كل ذلك استطاع السودان بحكمة هذا الرجل وبعد نظره أن يجسر الكثير من الهوات والحُفر بل استطاع أن يجعل من بلده رقما في محيطه العربي والافريقي والعالمي بعد أن أستطاع السودان وبمجهود خرافي من أستخراج البترول ومد أحد أطول خطوط أنابيبه في المنطقة!...
كنت طيلة حديث الرجل أتحفز لمقاطعته ولكنه فاجأني ونظراليّ من بعد أن كان بصره مصوبا الى الحائط وقال وهو يشير لي بيده اليسرى (فقد كان أعسرا) ...أعلم بأنك تود القول بأن علي عثمان ماهو الاّ نائبا للرئيس وهناك رئيس للدولة ووزراء وبرلمان لكنني موقن دوما بأن العسكر لا يعهد عليهم البتة مثل هذه الحكمة والتؤدة والكياسة والنظرة البعيدة في أتخاذ وتنفيذ مثل هذه الرؤى في الحكم!...ثم أن كل من يعيش حراك العمل السياسي تشريعيا كان أم تنفيذيا يؤمن بأهمية وجود مثل هذه الشخصيات المفتاحية ذات الكاريزما القيادية والتي تستطيع أن تكون صمام أمان عند أصطدام الناس بالمواقف التي تستدعي أتخاذ قرارات آنية ومصيرية خلال جلسات المؤسسات الدستورية والتنفيذية!!
علي عثمان (والقول لمضيفي الآيرلندي) هو محام ثم اصبح قاضيا مرموقا... والمحامين والقضاة مشهود لهم بالحكمة والكياسة وبعد النظر ثم هناك رؤيتي الشخصية لسمات الرجل من حيث ملكته الفائقة في ضبط نفسه وعزوفه عن التهاتر والتسرع في ابداء آرائه وأحكامه على الأمور... ولقد كان لي لقاءات وصداقات عديدة بأعضاء من السلك الدبلوماسي الغربي سبق بأن عملوا في السودان ...أكدوا لي جميعا مدى الجهد الذي يبذلونه عندما يقابلون الرجل لما يتمتع به من كاريزما قيادية فذة!
أما أمر مباحثات نيفاشا وقدرته على اذابة جليد الكره وعدم الثقة المتراكم على مدى أكثر من نصف قرن في النفوس -وذلك من جراء حرب أهلية مع أخوتكم في الجنوب- ومثابرته على ذلك لشهور في مدينة نيفاشا... يليه تنازله عن مقعده كنائب أول لرئيس الجمهورية لغريمه (جون قرنق) فهو الذي يستحق به التمثال الذي تحدثت عنه!!
تاريخ الشعوب والحضارات ياسيد علي -يقصدني بالطبع- يكتب دوما عن بصمات العديد من الابطال الذين قادوا دولهم في فترات حالكة من تاريخها ...ولقد أردتم للتاريخ أن يكتب في بلدكم عن الأزهري والمحجوب وغيرهم ممّن لم يفعلوا ربع مافعل هذا الرجل للسودان (وهاهو لم يزل يبذل ويقدم)! ...أنني لا أرى أحقيته بأن يوضع في معية من ذكرت فقط... وأنما مكانه الذي يستحق ...هو أن يوضع مع أمثال هذين البطلين الذين ترى صورتيهم على هذا الجدار-يقصد محمد أحمد المهدي وود حبوبة- وأنني لواثق بأن هذا الرجل سيكون هو المخلّص للسودان من كل أزماته طالما عاش (ولا أقول طالما كان في السلطة اذ أداؤه في المعارضة لا يقل أمتيازا عن أدائه وهو في السلطة)!...
(3)
دخلت علينا (ريتا) ووضعت أمامنا كوبين من مشروب أحمر ساخن ثم صافحتني بمودة وابتسامة بشوشة تنم عن محبة (مقيمة) للسودانيين! قدمها لي (تم) قائلا هي حفيدتي وتدرس في المرحلة الثانوية...
وللعلم فقد وجدت الآيرلنديين أشبه بنا نحن أهل الشرق بأكثر منهم الى أهل الغرب وذلك من حيث وجود الأسرة الممتدة ومتانة الأواصر فيما بينهم ثم لعدم أقتصار الأسر هناك على طفل أو طفلين كما هو الحال في بقية دول الغرب وقد أبان لي(تم) بأن الدولة منذ أمد بعيد قد أمرت بزيادة النسل وتعطي في سبيل ذلك الكثير من الحوافز وذلك لتعويض الفاقد السكاني من بعد تسمم غذائي ضرب آيرلندا قبل قرون أصيب به محصول البطاطس -وهو المحصول الرئيس في آيرلندا-ومات من جرائه الملايين في محنة أسموها بال(Femen) تلا ذلك هجرات كثيفة الى أمريكا في القرن الثامن عشر ...ولقد علمت بأن متوسط عدد أفراد الأسرة الواحدة من أب وأم (حاليا) يفوق الخمسة اشخاص!...
قرّبت الكوب الى فمي فاذا برائحة تشبه رائحة الكركدي تقتحم أنفي فرفعت بصري الى مضيفي فوجدته ينظر الى مبتسما وقال لي بالعربية (أيوة كركديه)! فسالته مستغربا عن كيفية حصوله عليه هنا في آيرلندا؟ فما كان منه ألاّ أن تناول سماعة الهاتف وتحدث بالعربية الى شخص في الطرف الآخر:
-السلام عليكم سيد (يحيى محمد الحسين)!!
ثم واصل قليلا بالأنجليزية مخبرا (يحيى) بأنه يود أن يعرفه بصديق قادم من السودان...تناولت السماعة فسعدت جدا بالبتعرف على أحد أبناء مدينة (نوري) في شمالنا الحبيب وهو رجل يحتاج لأن نفرد له صفحات! ...فهو مدير بل هو من (من أنشأ) المركز الاسلامي في (دبلن) ويأوي اليه الكثير من الأخوة الأطباء السودانيين القادمين لدراسة الزمالة الآيرلندية ...ولقد قدر لي من بعد ذلك أن أزوره في داره العامرة في دبلن وأتعرف على أسرته الكريمة المضيافة...
بعد تناولنا لل(كركديه) طلب مني (تم) الخروج معه الى مكان عمله فقاد سيارته الفورد بنفسه! وبنشاط وحيوية يحسده عليها الشباب من أمثالي
وصلنا الى مكان ينتشر فيه عمال يقومون بالحفر في الأرض بآليات وفي أماكن معينة منها ليخرجوا مكعبات ترص منتظمة في العراء وقال لي (تم) ...قد تستغرب ياسيدي أن قلت قلت لك بأن مساحة الارض الخضراء هنا في بلدنا آيرلندا تعد أكثر من 90% ولكن برغم ذلك فان النسبة الصالحة للزراعة فيها لا تتعدى ال3% فقط! والسبب في ذلك هو تراكم طبقات جذور الحشائش في التربة حتى أفقدتها مكونها الترابي فأضحت لاتصلح للزراعة!وقد أستفدنا نحن من ذلك حيث نقوم بالحفر وأستخراج هذا ال(الفحم) الذي تراه ليستخدمه الناس من بعد جفافه في أغراض التدفئة وأشعال النار ونسميه بال(Turf) وهو عبارة عن تلك الجذور من الحشائش المطمورة منذ آلاف السنين في التربة نقوم بضغطه وتحويله الى مكعبات ثم نبيعه وقودا للتدفئة...
جلسنا في مكتب صغير يطل على العمال وبدأ (تم) في مواصلة ما انقطع من حديث سابق:
بلدكم السودان ياسيد علي -بالطبع أسمي عادل حسن علي-قد تعرض -منذ قدوم الحكومة الحالية- الى تحديات وأشكالات خارجية تكفي الواحدة منها فقط لأسقاط أي حكومة في العالم ...بل أرى أنها يمكن أن تقوّض بنيان الدولة باسرها هذا بالاضافة الى ماورثته الحكومة من خزينة خاوية ثم تفاقم الحرب مع الحركة الشعبية والذي أدى الى قرب أنهيار الجيش حينذاك فما كان منه(أي الجيش) الاّ أن انقلب على النظام الديمقراطي الهش...
في مثل هذه الظروف يأتي دور أولئك القادة المفتاحيين أصحاب الكاريزما المميزة!
ولكم أعجبت أيما أعجاب بأداء السيد علي عثمان محمد طه كثيرا وهو يؤدي مهامه وزيرا للشئون الأجتماعية ثم وزيرا للخارجية حيث استطاع بروية وحنكة كبيرة على أن يخرج بالبلاد من الكثير من المزالق والمهالك التي سنأتي عليها واحدة ...واحدة.
(4)
أعود لمستضيفي (تم)
قبيل مغادرتي أبلغت السائق (باتريك) بأني أود (توديع) جده (تيموثي كوينلان) ورجوته بأن يحدد لي معه موعدا
أتصل بي (تم) حيث كنت صباحا في شركة باناماتريكس وقال لي بعربيته المحببة تلك:
-شنو مستر علي
السودانيين أندهم البسات أهمدي ياخي (وضحك)
-شكرا لك مستر كوينلان
أنا بس خفت تكون مشغول والاّ حاجة
-أنا مامشقول أتفدل ياخي في أيّي وكت
كانت رحلتي من (شانون) الى (هيثرو) مساء ذات اليوم لذلك فقد رأيت بأن أصله بعيد خروجي من الشركة وقبيل ذهابي لترتيب حوائجي في الفندق
أخذني (باتريك) اليه في داره الأنيقة
قابلنا الرجل خارج الدار وهو يتوكأ على عصاه
صدقوني ...لقد أحسست بدنو أجل الرجل وهو يحتضنني هاشا ومرحبا
وليس للأمر علاقة بتقدم في عمر أو أعتلال في صحة الرجل ...فهو لا يبدو البتة في حراك جيله
هو يبدو اصغر من عمره بعقود...
ولكنه أحساس داخلي!
أنبأني الرجل برغبته في تناول الشاي عند مدخل المنزل (وعلى قارعة الطريق) قائلا:
-كدة أهسن أشان نتذكر السودان ...وضحك فضحكت
سالته مرة أخرى عن رايه في الاسلام؟
أخذ الرجل شهيقا طويلة ثم أتبعه بآهة تنبي بحديث طويييييل ثم أجابني بالأنجليزية:
-أعلم تمام حرصك على أن تراني مسلما...
ليس الآن
لكني أعدك بأن تقر عينك يوما
أذ أني لم أزل أبحث عن أجابة لأسئلة (قليلة) وسأقرر بعدها
قلت له هل تعلم بأن (كات استيفنس) قد اسلم؟
أنبأني بأنه يعلم
وانه ينوي الذهاب اليه في لندن
وعندما أخبرته بأنني أحمل معي رقم هاتفه تهلل وجهه ورجاني بأن ندلف الى داخل المنزل لنتصل به...
أتصلت فلم أجد يوسف أسلام في داره فتركت له وصية
ثم أتصلت بالأخ (يحي محمد الحسين) مدير المركز الأسلامي في دبلن ورجوته بأن يصل (تم) ب(يوسف اسلام)...
ودّعت مستضيفي فاحتضنني وعندما مد لي يده مودعا رأيت أثار الدموع في عينيه!
سألت الله في سري بأن يختم له حياته بالاسلام...
بعد عودتي عاودت الأتصال بالشيخ يوسف اسلام فأخبرته
ما كان من الرجل الاّ أن سافر اليه بنفسه الى شانون!
وتم المراد بفضل الله.
وأعلمني الأخ يحي محمد الحسين بأن(تيموثي كوينلان) قد أعلن أسلامه على يد الداعية يوسف اسلام
واسمى نفسه ب(يوسف كمال).
(5)
كم آسى أذ لم يُقَدَّر لي بلقاء أو سماع لصوت تم (يوسف كمال) من بعد اسلامه...
وذلك برغم محولاتي العديدة ومحاولاته العديدة كذلك
أذ أني كثير السفر ويومها لم تكن الهواتف النقالة قد أنتشرت كما هو حالها الآن
ومضت سنتان وبضع أشهر منذ اسلامه
وفي ليل أحدٍحزين...
أتصل بي الصديق العزيز يحي محمد الحسين ناقلا لي الخبر الحزين
-أخي عادل
لقد وردني الآن خبر وفاة المغفور له باذن الله يوسف كمال
لا حول ولا قوة الاّ بالله
انا لله وانا اليه راجعون
...
..
.
لحسن حظي أحتفظ دوما بتأشيرة (تعددة) ي جواز سفري
وصلت الى المركز الاسلامي في دبلن مساء الأثنين
وأدركت الجثمان وهو يوارى الثرى في مقابر المسلمين في دبلن
وصلى عليه ما يفوق الألف من المسلمين
جلهم من الأطباء الدارسين والعاملين في آيرلندا
والبعض أتى من لندن
...
..
.
لم يفارقني باتريك طوال يوم الدفن
كم كان حزينا لفقده جده الذي يحب
قال لي:
-ولدت فلم أدرك والدي بين الأحياء
فكان لي نعم الأب والجد
وبرغم رفضي لمواصلة دراستي
وأدماني للخمر
فانه لم يحدث منه أن عنفني أو حرمني مصروفا أبدا
لقد كان دوما رفيقا بنا جميعا
قالها وبكى فابكاني
سألته
-ماذا تجد في نفسك الآن
-أريد أن أصبح مسلما مثله
(قالها بصدق وأصرار)!
-هل قرأت عن الاسلام؟
-نعم...فقد كان يحدثنا كثيرا عنه ثم أن جدتي وعمتي قد أسلما على يديه
أخذته الى الأخ يحي محمد الحسين
فأعلن باتريك اسلامه وأسمى نفسه أبوبكر
ووعدني الأخ يحي بأن يستوصي به خيرا
اللهم ياأحد ياصمد
يامن لم تلد ولم تولد
أجعل مثوى يوسف كمال في (الوسيلة) أعلى مراتب الجنة في معية الحبيب المصطفى صلواتك وسلامك عليه.
اللهم بارك له في عَقِبِهِ وصله بالدنيا صلة خير لا تنقطع الى أن ترث الأرض ومن عليها.
لك الرحمة ياأخي في الله (يوسف كمال)
والسلام عليك في عليين
imported_عادل عسوم
01-09-2011, 10:24 PM
(15)
Edel
لا أدري ...أهو الأعتياد على التسفار أم هو طبع بي عندما أجد نفسي أحب كثيرا لحظات الأنتظار في المطارات !...
في الخيال صور ل(جل) مطارات العالم ...كلما مر بي ذكر أحداها (تجسمت) في خيالي.
والأمر أحسبه مردود الى هوايتين:
1-القراءة ...حيث أعتاد حمل أكثر من كتاب معي -مهما كان حجمه- لأكمل قراءته (بنهم وادراك لكل محتوياته) ...اما خلال الرحلة -وانا على متن الطائرة -أو أثناء فترة الانتظار في صالات السفر...
2-حب التعرف على أصول الناس و(سمتهم) وجنسياتهم من خلال أشكالهم وتقاطيعهم ونبرات الصوت وبعض من كلمات تصل الى أذني أثناء تحادثهم...
كم أجد نفسي مدين كثيرا لتسفاري عندما أمايز بين عدد ومدى استيعابي للكتب التي قرأتها خلال قراري أوتسفاري ...
وكم أجدني مدين له كذلك عندما أستعرض (كم) الأصدقاء الذين (أحرص) على مراسلتهم من بعد الحصول على عناوينهم أما من داخل الطائرة أو من صالات المغادرة تلك...
أما أمر (ولعي) بالتعرف على (سمت) الآخرين فمرده قراءات لي في علم النفس وشئ من مؤلفات تتحدث عن (نظرات) للبعض في خبايا النفس البشرية...
فهناك نظرية أقتنع بها -دونما ألزام لأحد بها- وهي مشاركة الأنسان في الكثير من سماته وطبائعه لل(حيوان) الذي يشبهه في شكله العام!
وأعلم بأن الأمر ليس بذاك الأطلاق ...
ولكنها قراءات عضّدتها تجارب شخصية أعتدت التعويل عليها (كثيرا) عندما أحتاج الى تعامل مع شخص يتعذر الوقت الكافي لسبر غور شخصيته!-أذ أسفاري هي اسفار عمل ولقاءاتي دوما تكون بمسئولين في شركات ومصانع متفرقة في ارجاء العالم- وأصدقكم القول بأن نسبة الأيجاب في تطابق (السمات الحقيقية للشخصية) مع الصورة الأولية التي أرسمها لها تكاد تفوق ال90%!
فالذي يشبه (الثعلب) في شكله العام أو في تقاطيع وجهه تجده يتصف بالمكر والدهاء (رجلا كان أو امرأة)...
والذي يشبه (الكلب) في شكله العام أو في تقاطيع وجهه تجده يتصف بالأنانية وحب الذات (رجلا كان أو امرأة)...
وأحسب بأن الأمر -على اجماله- يرتبط ب(فطرية) الطبائع والسمات ...الاّ أذا سعى الانسان الى ترقية (موجبة) لوجدانه أو طبائعه وسماته العامة من خلال الأقتداء بأمثلة أو الأخبات الى منهج أو فكر...
كنت في طريقي الى آيرلندا
وصلت على متن ال(بريتش ايرويز) الى (تيرمنال 3) في مطار هيثرو ...على أن أواصل على الخطوط الآيرلندية (اير لنقس) الى دبلن ...
عند وصولي ...حاولت أن أجد فرصة للدخول الى مدينة لندن لقضاء (الويك أند) فيها ولكن أعتذرت لي الشابة الجالسة على (منضدة الاستعلامات) بأدب من بعد تصفحها لجواز سفري قائلة بأن الجنسية السودانية يجب عليها الحصول على تأشيرة دخول مسبقة
شكرتها وأستعدت منهاجواز سفري وواصلت مسيري مبتعدا قليلا...
جلست -غير بعيد- عن مسئولة الأستعلامات ...أنتظر البص الذي سيقلني الى حيث رحلتي الى دبلن...
فاذا بها تطيل اليّ النظر!
شغلتُ نفسي بما في يدي من كتاب ثم التفتُّ مرة أخرى فوجدتها تشير اليّ برأسها أن أعود اليها!
سحبت حقيبتي وذهبت لها
قالت لي:
-ماذا تريد أن تفعل في لندن؟
-لدي صديق سوداني يعمل طبيبا أريد زيارته
-هل لي أن أرى رقم هاتف الطبيب؟...وأردفت عندما رأت علامات الانزعاج على وجهي
-أنظر ياعزيزي ...(بصدق) أود مساعدتك لكن يجب عليّ التأكد من بعض الأشياء!...
أريتها رقم صديقي من (هاتفي) فقرأته وأعادت لي الهاتف ثم قالت (هامسة):
(أنظر يا سيد علي ...لديك فرصة بأن تدخل الى لندن بلا تأشيرة عندما تعود من دبلن...أذ تعامل الخطوط القادمة من (دبلن) معاملة الخطوط الداخلية دونما مرور على نقاط الجوازات الدولية)!
وبالفعل ...
فقد دخلت الى لندن عند عودتي من آيرلندا -دون تأشيرة دخول الى بريطانيا-وقضيت في لندن أياما ثلاث !...
أخذني البص رقم 3 الى صالة المغادرة حيث (الآير لنقس دسك) وجلست بقرب (كافتتيريا) وشرعت في قراءة كتاب ل(أيرنس همينقواي) من بعد أكمالي لآخر على الطائرة اسمه (نحو علم نفس أسلامي)...
كان المكان خاليا الاّ منّي و(فلسطينية) ترضع طفلا في صف المقاعد الخلفية...
جاءتني (صبية) قدّرت من ملامحها بأنها آيرلندية وخاطبتني بابتسامة:
-لدي مشروبات ساخنة وباردة
-أذكري لي ماذا لديكم من مشروبات ساخنة؟
فجعلت تعدد لي كثيرا منها وذكرت من ضمنها (آيرش كافي) !
دفعني حب الاستطلاع الى طلب (الآيرش كافي هذه)...
أتت لي ب(القهوة الآيرلندية) وناولتها جنيها آيرلنديا فأعادت لي الباقي ثم ذهبت الصبية لتحادث الفلسطينية ...
وضعت الكتاب جانبا وقرّبت فنجان القهوة الى فمي ف(صعقتني) رائحة الخمر الشديدة!
وضعت الفنجان جانبا لأتأكد من مصدر الرائحة فلم أجد شيئا ...
ثم قربت الفنجان مرة أخرى فتأكد لي بأن الفنجان هو مصدر الرائحة فأعدته الى المنضدة...
ربتت الفلسطينية على كتفي وخاطبتني بالأنجليزية وهي تبتسم
-يبدو عليك بأنها المرة الأولى التي تشرب فيها قهوة آيرلندية؟
-نعم ...لكني أجد في الفنجان رائحة خمر؟!
أردفت (ضاحكة)
-يبدو أنك لا تعرف بأن القهوة الآيرلندية هي قهوة مخلوطة بالكحول؟!
ضحكتُ وأعدت الفنجان وأتيت بعصير برتقال لي ...ولها ...
انحشرنا في طائرة ال(أير لنقس) الآيرلندية الصغيرة في رحلة لم تستغرق سوى أقل من ساعة لتحط بنا في مطار دبلن...
المطار صغير ...فيه شبه بمطارات دول أوربا الشرقية ...وقد لفت نظري (كم) اللوحات الجدارية لأعلانات المنتجات الوطنية الآيرلندية والعالمية أينما وجهت بصرك...
وجاء دوري في صف الجوازات الطويل فناولت جواز السفر الى الموظف (الستيني) الذي نظر اليّ مبتسما -ومن قبل أن يتصفح الجواز-قال لي (بالتأكيد أنت طبيب)!...
رددت عليه بالنفي ...ونقلت استغرابي هذا الى صديق يعمل طبيبا في مدينة (دروهدا) فأعلمني بأن الآيرلنديون قد أعتادوا على سحنات الطلبة السودانيين القادمين للتحضير في الكلية الملكية الآيرلندية!...
قضيت عطلة نهاية الأسبوع في دبلن وقررت أن يكون سفري الى مدينة (ليمرك) المجاورة للمدينة التي أقصد (شانون) عن طريق القطار ...وذلك بغية الأستمتاع بخضرة آيرلندا التي سار بحسنها الركبان...
ذهبت الى محطة القطارات قبيل الظهر وأُعلمت بأن موعد القطار سيحين بعد أربع ساعات...فابتعت تذكرة وجلست أرتشف عبوة من عصير الليمون على أمل العودة الى بعض فقرات كتاب أرنست همنقواي الجميل(الحرب والحب)...
فاجأني شخص (قدرت بأنه سوداني) ...جلس بازائي على المقعد المقابل (أذ المقاعد مصفوفة على شكل مستطيلات) وابتسم وحياني بالعربية...
-سلام يابن العم ...شكلك سوداني
-أيوة ...مرحب بيك
-شكلك مامن ناس البلد دي وجاي في شغل
-نعم
بصدق لم أرتح لشكل الرجل (وهو في الأربعينات) ولم أرغب في متابعة الحديث معه!
عمدت الى هوايتي (المفضلة) بمطابقة صورة الرجل مع أقرب الحيوانات اليه فوجدته أشبه بالضبع
قلت في نفسي الضبع يتصف بالخسة والغدر وحب الذات...
كان الرجل يرتدي (نظارة) شمس سوداء لم ينزعها عن عينيه حتى بعد دخوله الى المحطة وجلوسه بازائي!
بعد مضي ربع ساعة جلست بجانبي فتاة آيرلندية رأيتها تحاول جاهدة التأكد من عنوان غلاف الكتاب (وهو مكتوب بالأنجليزية والعربية معا) فما كان مني ألاّ أن أفردت لها الغلاف من بعد طي لتتمكن من قراءته
أبتسمت وحيتني
-هاي
-هاي
-لقد أنهيت قراءة هذا الكتاب في أجازتي المنصرمة... هو من أجمل الكتب التي قرأتها لهمينقواي...
-أنا أيضا قد أنهيت قراءته من قبل ولكن لأعجابي بمحتواه فاني أعيد قراءة بعض المقاطع فيه.
-من أي دولة أنت
-أنا من السودان
-أين يقع السودان
-هو في أفريقيا الى الجنوب من مصر...
(كم يؤلمني دوما عندما أضطر الى التعريف ببلدي عن طريق مصر)
-أظن هذه لغة عربية؟
-نعم الكتاب مترجم الى اللغة العربية ...وناولتها أياه
-أوووو كم يعجبني الخط العربي والنقوش العربية!
كان يبدو على (صاحبي) السوداني الأرتباك (بعض الشئ) وهو يكثر من النظر الى ساعته في دلالة واضحة بأنه ينتظر شخصا ما...
وقف الرجل فجأة ونظر اليّ وهو يهم بحمل حقيبته الجلدية (الفاخرة) المتوسطة الحجم وقال:
-(لو سمحت يابن العم بس خلي بالك لي شنطتي دي أنا واصل الحمام وجاي)
أشرت اليه مافي مشكلة ...بس خلي الشنطة في محلها.
-ياخي نحن سودانيين زي بعض
-ياأخي الكريم مافي حاجة ...بس خلي الشنطة في محلها ومافي مشكلة حأخلي ليك بالي منها لغاية ماترجع...
ترك الرجل الحقيبة حيث هي وذهب
قالت لي الآيرلندية...هل تعرف الرجل؟
-لا لاأعرفه هذه هي المرة الأولى التي أراه فيها
مضت قرابة الساعة ولم يعد السوداني!
رأت (Edel الطالبة في السنة النهائية للفلسفة في جامعة ليمرك) أمارات الضيق في وجهي فقالت
-هل تود أن تبتعد قليلا عن الحقيبة
-لا بأس
وذهبنا الى آخر المحطة بجوار المقصف وجلسنا نرقب الحقيبة من هناك...
جاء أثنان تبدو عليهما الملامح الأفريقية أحدهما يتحدث من خلال هاتفه وفي يد الآخر حقيبة (مطابقة تماما لذات الحقيبة التي تركها السوداني) واتجها ليجلسا على ذات المقعد الذي كان يجلس عليه السوداني!
بعد دقائق نهض الأفريقيان وخرجا من المدخل الرئيس ومعهما الحقيبة فأذا بي بالسوداني يعود (مسرعا) ليأخذ حقيبته ويهم بالخروج...
التفتُّ الى (أدل) فوجدتها تتحدث من خلال هاتفها...
فجأة دخل (من مدخل جانبي) ثلاث من رجال الشرطة وانقضّوا على السوداني وأوثقوه!
أخرجت منديلا وجففت عرقي (برغم برودة الجو) وعدت الى مقعدي بجوار (أدل)...
...
رافقتني (أدل) طوال الرحلة الى أن وصلنا الى مدينة ليمرك وزارتني بعد يومين حيث أقيم وفاجأتني!...
(أدل) ليست طالبة جامعية
انها تعمل في شرطة مكافحة (المخدرات) وقد كانت مكلفة بمتابعة ذاك السوداني...
...
..
.
imported_عادل عسوم
11-09-2011, 08:11 PM
(16)
حكى لي أحد أساتذتي الأجلاّء هذه الحادثة:
كنت أعمل معلما في مدينة جدة ...
وقد عدت اليها من السودان -بعيد حضوري لفرح أبنتي التي زوجتها الى أبن أختي الطبيب-لتوّي.
كان رمضان على الأبواب ...
فما كان من جارة لنا الاّ أن أتتني بصرة فيها آبري وأشياء أخرى لأوصلها الى أبنتها المقيمة مع زوجها في أحد أحياء جدة الشعبية...
وصلت يوم أربعاء ...
وقضيت ليلتي حيث أسكن ...
ثم اتصلت بهاتف زوج (صاحبة الصرة) فأخبرني بأنه يعمل سائقا لشاحنة ولن يعود الى جدة الاّ بعد أيام ...
لكنه طلب مني ايصال الأشياء الى بيته بعد أن وصف لي مكان شقته حيث يوجد ببها ايضا والداه الذان جاءا زائرين من السودان...
قال لي أستاذي:
ماكان مني الاّ أن انطلقت بسيارتي ميمما الى حيث مآل الوصف...
وطرقت باب شقة بذات الوصف...
فأجابتني امرأة من خلف الباب
فقلت لها :
-هل أنت فلانة زوجة فلان؟!
-نعم ...اتفضل يازول
ولجت الى الداخل ...
ولكني أستغربت للهجة المرأة الأقرب الى اللكنة الحبشية!
الاّ اني طمأنت نفسي بأنها قد تكون الخادمة...
وما ان اتخذت لي مجلسا الاّ وبالشرطة ورجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخلون عنوة الى الشقة!...
وساد الهرج والمرج...
واذا بالعديد من الرجال والنساء يُخرجون (متلبسين) من داخل الغرف!!
قال أستاذي...
لم أتمالك نفسي من هول الموقف فسقطت مغشيا عليّ...
ولم أفق الاّ في المستشفى...
وحيدا في احدى غرفها وعلى بابها شرطي!
فأنتبهت الى نفسي ...
وسرعان ما مرّ بي شريط الأحداث العجيب!...
فجلست على الفراش أسند رأسي بيديّ...
ما كان من الشرطي الاّ أن أنتهرني ...
فقلت له
-أريد أن أصلي؟
رد عليّ الشرطي ضاحكا
-وكمان تريد تصلي؟!
ثم قفل عليّ باب الغرفة وذهب ليستدعي الطبيب
توضأت وصليت ركعتين وبدأت أدعو الله ...
وجلدي يقشعر من هول المآلات ...كلما تذكرت أسرتي وأهلي وتلاميذي عندما يصلهم خبري هذا!...
وفجأة ...
تذكرت (حديث) النفر الثلاثة والصخرة...
وتذكرت حادثة حدثت لي في مقتبل عمري:
اذ كانت لنا جارة هي الزوجة الثانية لرجل يعمل في التجارة
زوجها كان كثير التسفار
وكانت تلك الزوجة كثيرا ما تدعوني لقضاء حاجيات بيتها (بعلم زوجها الذي كان يكن لي الكثير من التقدير)...
وفي أحد الايام غلّقت المرأة ابواب بيتها وقالت لي هيت لك!...
فتذكرت قصة يوسف عليه السلام...
وتذكرت كذلك تديّن زوجها وحديثه الموجب عني...
وبحمد الله عصمني ربي وعصمها...
...
رفعت يداي الى الله وقلت:
اللهم انك تعلم بأنني قد نايت بنفسي عن فعل السوء مع جارتنا تلك طمعا في مرضاتك ومحبتك
فاكتب لي بها يارب مخرج خير من هذه المصيبة...
وعاد رجل الشرطة وفي معيته الطبيب
ثم تبعهم بعد قليل ضابط شرطة لأتمام التحقيق
نظر اليّ الضابط ونظرت اليه...
فاذا به أحد تلاميذي السابقين في أحدى مدارس جدة الثانوية
سلم عليّ الضابط وسألني عددا من الأسئلة فأجبته بكل الصدق والوضوح
فقال لي الضابط:
صدقني يااستاذي ما كان لي أن أتولي ملفك هذا ولكن حدث طارئ للضابط المنوط به تولي هذا الملف فتم استدعائي من منطقة أخرى فاذا بي أجدك هنا...
وحملني الضابط بسيارة الشرطة الى حيث سيارتي معززا مكرما وقبّل راسي ثم قال لي:
-توكل على الله واذهب الى بيتك ياأستاذي العزيز
...
..
.
imported_عادل عسوم
21-09-2011, 09:26 PM
(17)
(الطمبور في استكهولم)!
رحم الله الأمام الشافعي وقد قال:
تغرب عن الأوطان في طلب العلا
وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرج هم واكتســــاب معيشة
وعلم وآداب وصحبة ماجـــد
واني وان كانت أسفاري داخلة في اطار الفائدة الثانية وهي اكتساب المعيشة حيث أنها كانت (أسفار عمل) الا أنها قد تخللتها بعض الطرائف والذكريات الجميلة ...
أستكهولم:
كان ذلك في بداية التسعينات حين سافرت لأول مرة الى تلك المدينة الحالمة والمتدثرة بغلالتها الاسكندنافية البيضاء.
وصلت اليها ليل السبت ونزلت بفندق يسمى موفمبك في وسط المدينة.
صحوت صباح الأحد على صوت طرق (خفيت) على باب الغرفة ...
نهضتُ فاذا بورقة مذهبة معلقة على المقبض الخارجي لباب الغرفة مكتوب عليها (Sunny day Sunday)! ...
لم أستوعب المراد في بادئ الأمر فاتصلت مستفسرا من الأستقبال فأعلمتني الموظفة ( بأدب جم) بأن اليوم مشمس... وهو شئ نادر في هذه الفترة من العام!...
لبست وخرجت ...
لأعود وأتدثر ب(كبوت) سميك حيث كانت درجة الحرارة تقل عن ال4 درجات مائوية برغم الشمس التي يتحدثون عنها ...
سرت على طول الطريق الموازي للفندق لدقائق عدة وأنا أدير بصري في الابنية العالية اللامعة من حولي ...
حيث كل شئ جميل ومنظم...
حتى الهواء تحس به وكأن نسبة الأوكسجين فيه قد زادت عن ال21%...!
وفجأة اذا بصوت ينطلق من نافذة سيارة أوبل زرقاء يخرجني من تأملاتي ...
بل يجعلني محتارا فأسأل نفسي أين أنا؟!
يتأكد لي الصوت أكثر بعد توقف العربة بجانبي عند الأشارة الضوئية مع ترديد الكورس (حتى القمري ماقوقا...حتى القمري ماقوقا...)
معقول صوت الفنان (صديق أحمد) في أحد شوارع استكهولم؟!...
أدني راسي فاذا بأحد السودانيين خلف مقود السيارة ...
فأحييه بلهجة اهلنا الشايقية (سلام آزوم)...
و(تخضر) الأشارة الضوئية ويعود أخونا (محمد) ليوقف سيارته بالجانب المقابل للطريق ويأتي راجلا للسلام على (ودالبلد) الغريب الذي شاطره الأستماع الى الطمبور...:)
ويحلف الرجل بأن لايتركني قبل أن أذهب معه لتناول الغداء في هذا اليوم الجميل...
واراني (كيسا به ويكة ناشفة) كان قد اشتراه لتوه من مكان ما في استكهولم!...
لم أجد مناصا تحت الحاح الرجل من أجابة الدعوة فعدت الى الفندق وتركت وصية لدى موظفة الاستقبال وذهبت مع محمد الذي يسكن في مدينة صغيرة تبعد حوالي ال15 كيلا عن استكهولم ...
دلفنا الى مجلس صغير وكان التلفاز على قناة (أفلام كرتون) فقدرت بأن بالمنزل أطفالا...
وبالفعل خلال دقائق معدودة من جلوسي دخل علنا بلال ...
هو في السادسة من عمره يلبس (سروالا بتكة وعراقي عليه صديري وطاقية)!...
وقف بلال ويده على صدغه في تحية عسكرية وهو يقول:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
رددت عليه السلام وقبلته على جبينه ...
ومن محياه (خمّنت) بأن زوجة صاحبنا محمد من أهل تلك الديار!...
وقد أكد لي ذلك مقدم ابنته عائشة ذات ال4 أعوام...
جاءت وهي تربط خمارا على شعرها ووقفت غير بعيد وأنشدت بصوت طفولي جميل أنشودة طلع البدر علينا...
فأخذتها في حضني وجلست تقرا لي سورة الكافرون والأخلاص...
بعد حوالي الساعة دخلت علينا أم بلال السويدية التي اسلمت وأسمت نفسها بفاطمة تيمنا بالزهراء رضي الله عنها...
وكانت تحمل الغداء...
صدقوني كان (قراصة وملاح ويكة)!
جلسنا جميعا وطعمنا ...
وخلال ذلك ...
ومع مناوشات صاحبي محمد الذي يتمتع بروح الدعابة ...
شكت لي أم بلال بأنه يتهاون في أداء صلواته في موعدها ...
ثم انه يتعاطى المكروه (علمت بأنه الصعوط) وطلبت منّي أن أنصحه!!!
قلت له بعد أن ذهبت فاطمة لأحضار الشاي...
-ياأبو بلال تعلم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (خير متاع الدنيا المرأة الصالحة وقد رزقك الله بها...فلماذا لا يكون ألتزامك شكرا لله على ذلك؟)...
رد علي ضاحكا أزيدك عن أم بلال بأمر آخر...
وهو انها من أشد المعجبين بقريتنا في الشمالية ! لدرجة أنها دوما تلح عليّ بان نعود لنستقر في السودان و(في البلد) !!!
وحكي لي القصة التالية:
قبل ستة أعوام سافرنا الى السودان وذهبنا الى الشمالية ...
ومنذ الصباح خرجت أم بلال مع الوالدة ل(حلب اللبن) ...
وأصبحت هي التي تصرُّ لتفعل ذلك كل يوم!...
بل كانت طوال النهار تحمل حقيبتها(وهي أخصائية طب أسرة ومجتمع) وتدور في الحي ومعها أخي الصغير لتكشف على الناس وتعالج بما حملته معها من أدوية ...
حتى الحمير والدجاج والغنم لم تسلم من كشفها وعلاجها !!!...
وعندما هممنا بالسفر والعودة الى استكهولم رفضت مغادرة الشمالية!...
قالت بأنها لم تشبع بعد من جمال حياة الريف بعد...
فما كان من الوالد الاّ أن تدخّل وطلب مني السفر وحيدا على أن تلحق هي بي بعد شهر!...
ولكن...
بعد وصولي هنا بشهرين طلبت أيضا أن تظل شهرا آخر هناك...
وصدقني ان لم تشارف تأشيرتها على الأنتهاء لما غادرت الشمالية!!!
هنا دخلت علينا أم بلال بالشاي فسألتها عن انطباعاتها عن السودان والشمالية فقالت لي بالحرف :
(والله ياأخي عادل لقد حباكم الله ببلاد هي جنة الله في الارض!!!)...
ضحك صديقي محمد عبدالعال وهو(يدردم السفّة) وهو يقول (شوف عليك الله الطيرة دي؟...
ماني عارف العاجبا شنو في التُشّق والغنم والجداد داك؟)*...
فقلت له :
لا والله ياأخي محمد ...
بلادنا بالفعل جميلة ...
ولكنا لا ندرك ذاك الجمال الا بعد أن (نتلطّش) وندور في أرض الله هذه الواسعة !...
...
أسأل الله أن يرد غربتنا جميعا وقد نال كل منّا مبتغاه ومقصوده...
التحية لك أخي محمد عبدالعال ...
ولك أنت أيتها الأخت المخبتة فاطمة ...
هنااااك في البعيد ...
ـــ
التشّق بلهجة الشايقية هي الاشجار الصغيرة المتشابكة
imported_بله محمد الفاضل
22-09-2011, 11:36 AM
استمتعت بقراءة الأولى والثانية والثالثة
وجدًّا
وأحاول أن أصيب صيباً من مدارك أخرى
رغم عنت الخروج من براثن ما بذلته وتبذله
لكني سأعود لا محالة لأنهل مزيد استمتاع
أشكر لصاحبك إبرازه ما هو مستحق إباحته للناس
وعشمي أن ينال غيره مما لديك المجال
تحياتي واحترامي
imported_عادل عسوم
26-09-2011, 08:05 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بله محمد الفاضل http://sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://sudanyat.org/vb/showthread.php?p=407454#post407454)
استمتعت بقراءة الأولى والثانية والثالثة
وجدًّا
وأحاول أن أصيب صيباً من مدارك أخرى
رغم عنت الخروج من براثن ما بذلته وتبذله
لكني سأعود لا محالة لأنهل مزيد استمتاع
أشكر لصاحبك إبرازه ما هو مستحق إباحته للناس
وعشمي أن ينال غيره مما لديك المجال
تحياتي واحترامي
ما أجمل أن يقرأك من تثق في فوته حرفا ورؤى وسياقا.
...
ويبقى العنتُ مستصحبا ياعزيزي طالما بقي دفع الله الناسَ بعضهم ببعض!
اذ دون ذلك تهدّم بيعٌ وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله ياصاحب...
أما المشاعر والأحاسيس فدونها خرت قتاد المعايشة والمجاهدة...طالما رجاء رجاء الهداية وحب الخير للآخرين سقفا عاليا يظلل فضاءات الأنس بالله هاديا ومجيرا يابلّة.
ذات التحية والاحترام يارفيق الحرف البهي
ومن قبل ذلك مودة تترى
imported_عادل عسوم
05-10-2011, 10:10 PM
(18)
والرواكيب الصغيرة تبقا أكبر من مدن...
لان طربت -ولم أزل -لراحلنا مصطفى سيدأحمد وهو يهتف في أذن الزمن...
نمشي في كل الدروب الواسعة ديك
والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن
ايدي في أيدك نغني
واللاّ نحنا مع الطيور المابتعرف ليها خرطة
ولا في ايدا جواز سفر
فان طربي كان لايوصف عندما رأيت (راكوبة) من تلك الرواكيب تتسع بالفعل لتصبح أكبر من مدن!
فالبيوت -وان اتسعت وسمقت طوابقها-قد تفوقها الراكوبة أو القطية ...مبعثا للسعادة والحب والالفة والتحنان!!
...
انها صبية شبّت في بيت شقيقتي التي يدير زوجها مركزا دينيا في أمبدة...
جاء بها أهلها لتتربي لديهم آملين في أن تترعرع في بيت يكنون لأهله كل احترام وتقدير ومحبة...
نشأت الطفلة في كنفهم فما كان منهم الاّ أن ألحقوها مع أبنائهم بالمدرسة الى ان تخرجت معلمة من كلية التربية باحدى جامعات العاصمة...
خطبها قريب لها يقاسم أهلها السكنى في أرض فلاة تتوسط الطريق بين العاصمة والولاية الشمالية...
أصرت الصبية بان نشاركها فرحها بُعيد عيد الفطر الذي مضى بايام ...
انطلقتُ في معية اسرة شقيقتي مجاملا...
وصلنا مضاربهم فاذا بها (رواكيب) و (قطاطي) يتبدّى الشظف والقتر من ظاهرها ولكن!...
ولجتُها فاذا بي أغني مع أبواللمين:
سالت مشاعر الناس جداول
أما الريح فان وشوشتها في الباب ماكانت تنم عن أسى على فقدٍ بل ترحيب وابتهاج بقدوم لاحباب...
نظرت يمنة فاذا بالعريس (حسن) يمسك بيد عروسه ييممان صوب (راكوبة) نصبوها لهما بالجوار ...
العينان منهما تبوحان للكون (حب الدنيا كلو)...
مشى حسن على الرمل (حافي حالق) والضريرة تضج من فوق رأسه وتهتف...بأن يادنيا جاكي عريس...
ومشت في ركابه عروسه حافية (يسيل من شعرها الذهب) ويهتف...بأن ياأرض احفظي ماعليكي...
نظرت الى الدرب الذي سارا عليه فاذا به من السعة بحيث يسع كل السوح والفضاءات...
ما كان مني الاّ غنيت بلسانيهما:
نمشي في كل الدروب الواسعة ديك
والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن
ايدي في ايدك نغني
واللاّ نحنا مع الطيور المابتعرف ليها خرطة
ولا في أيدا جواز سفر
وصلناهم ظهرا...
والظهر في صحرائنا عوالم لا يقو على تحمّلها الاّ من هيأه الله الى ذلك!
...
تقدمنا زوج أختي ...فانكب الناس على يمينه مقبلين وهو ينهاهم وينأى بها رابتا على الأكتاف محييا و...مقالدا...
وهنا تقدم المستقبلين والد العروس وبيده مدية آمرا جمعنا بأن نقف حيث نحن...
ورفع كفه مناديا ...
فاذا بابنه يجر من خلفه (كبشا) اقرنا ...ليتبعه صبيان آخران بكبشين رديفين...
شرع الأب في ذبح الخراف واحدا تلو الآخر ...
ثم تقدم الى زوج شقيقتي قائلا:
-يلا ياشيخنا اتعدوا الضبايح دي وباركوها...
ف(تعدينا) الذبائح وواصلنا (مقالدين) لمستقبلينا...
...
أخذوا الرجال منا الى (راكوبة وااااسعة) ما فتئ الولدان يرشّون رمالها بالماء...
ولجنا فوجدنا ال(عناقريب) قد رصّت على الجوانب ليس عليها سوى (مخدات) نظيفات وأنيقات...
تقدم شقيق العروس الى شقيقي -وقد بان لي بأنهما يعرفان بعضيهما قبلا-ودعانا للجلوس والاستلقاء على تلك العناقريب ال(هبابية)...
فجلست على احداها ...
وهنا تبدّى لي الحكمة من قول شقيقتي لي عند تحركنا من الخرطوم:
-ياريتك ياعادل أخوي كان لبست ليك جلابية!
ساعتها لم أدرك مراداتها ومآلات حديثها
لكنني مع الجلسة على ال(عنقريب) ...علمت المرادات والمآلات
...
تمددت على (عنقريبي) فأتانا الصبية بمياه باااااردة!!
انتبه شقيقي الى دهشتي فأشار بيده الى (سعن) ماء كبير وضعوه في مدخل الراكوبة من جهة مهب الريح وقد بقي صبيان يرشان الماء عليه كلما جف...
قلت مخاطبا شقيقي:
-هو بالله الموية البااااردة دي موية سعن؟!!
فردّ عليّ شقيقي باسما:
-دا اسمو (سقو) ياعادل اخوي ما (سعن)
لا ادري...
منذ أن وطأت قدماي تلك السوح والفضاءات ظلت تتردد في خاطري كلمات الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء». ثم قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: (فطرة اللَّـه التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق اللَّـه).
...
لعل الرابط هنا هو هذه الفطرة النقية البيضاء التي تجلل وجدان واهاب أولئك القوم!
الكرم هنا صادق...
والصدق هنا له بريق...
اذ كم تضفي المدائن من غبش على دواخلنا ياأحباب!
ذات البساطة التي في سمت معاشهم تجدها في متن حديثهم وابتساماتهم و...قهقهاتهم
...
خلدنا الى هدأة من بعد طعام شهي...
أغفى الناس كلهم...ونأى عني النوم...
فانسللت من بين (سقوات) الماء لأجد نفسي بين يدي الصحراء الفسيحة...
ياااااه
لكأن الأرض قد طليت بماء الذهب!
وافترّت ثغورها عن شجيرات من الحلفا وشئ من عُشب قليل...
أدرت بصري في جنباتها فلم أجد الاّ بعض جمال ترعي...
وارهفت سمعي فاذا بثغاء شياه يأتي من البعيد...
يالهذه الصحراء والبوادي...
كم هي حبيبة الى نفس الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه...
لقد أرضع وحبى فيها...
ومشى عليها...
ولعب على أديمها...
عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله علية وسلـم قال:
(ما بعث الله نبياً ألا رعى الغنم فقال أصحابه وأنت فقال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) رواه البخاري
وما فتئت الصحاري والبوادي ملجأ وملاذا للصالحين والعباد...
...
عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال قال رجل أي الناس أفضل يا رسول الله ؟ قال : (مؤمن مجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله ) قال : ثم من؟ قال( رجل معتزل فى شعب من الشعاب يعبد ربه )
ويقول العلامة بن خلدون فى مقدمته تحت عنوان البدو أقدم من الحضر وسابق عليه :
(أن البدو هم المقتصرون على الضروري فى أحوالهم وعوائهم وأن الحضر هم المعتنون بحاجات الترف فى أحوالهم وعوائهم) ثم يقول ...
فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة)
...
ملأت قبضة يدي من رمال الصحراء الصفراء ونثرتها في وجه الرياح...
تناثرت حبات الرمل بعييييدا الى جهة الجنوب...
هذه الرمال بلغة الكيمياء هي ثاني أوكسيد السيليكون (SIO2)...وهو المادة الخام لصناعة الزجاج
تذكرت مقولة دكتور كرم الله الذي درست على يديه الكيمياء في جامعة أم القرى بمكة المكرمة...
قال لنا دكتور كرم الله وهو يخاطب طلبة ينتمون الى العديد من الدول العربية:
توجد في السودان أنقى أنواع الرمال لصناعة الزجاج (البايركس) ولا تشاركه دولة عربية في ذلك سوى موريتانيا!
انبرى أحد الزملاء السعوديين وقال:
لدينا في السعودية صحراء الربع الخالي فكيف هي رمالها؟
أجاب الدكتور:
رمال الربع الخالي ذات بلورات دقيقة ومختلطة بالعديد من الأكاسيد الاخرى أما رمال الصحراء الكبرى فهي ذات بلورات أكبر ونقيه!!
وهنا...
تذكرت (قيزان) الرمال الضخمة في شمالنا الحبيب...
ترقد على الرمل فلا يتسخ لك ثوب ولا تشوبه شائبة!
حتى النساء أذكر جيدا أنهن يغسلن الملابس وينثرنها (ريقان) على سوح تلك القيزان
أما جلسات طرب الصبية على تلك القيزان وبين ظهرانيهم طنابيرهم فحدث عنها ولا حرج
ألا لهذه الرمال!
كم هي نقية...
وكم هي وضيئة...
...
تيامنت في موقفي ذاك فاذا بطريق شريان الشمال يتلوى كثعبان (أليف) على أديم صحرائنا تلك...
كم أفاد الناس من هذا الطريق!
وكم أراح أهلي ذاك الطريق!
تبسمت وقد نبا الى خاطري وصف أحد زملاء الاغتراب من أبناء الرباطاب لطريق الشمال...
قال لي صديقي وكان قد عاد لتوه بعيد قضائه لاجازته السنوية في السودان:
-تعرف ياالسنجك...
الحيكومة دي سوّتلكم شارع زلط أملااااااس متل ضهر الكديسة :)
قلت له:
-صدقني كم عانى أهلي قبل هذا الطريق!
حريٌّ وقمنٌ بي أن أزجي الشكر لكل من ساهم وشارك في انشاء وتعبيد شريان شمالنا هذا...
اذ من لا يشكر الناس لا يشكر الله
...
ودلفت من انحناءة الطريق سيارتان يعلوهما خلق كثير
عدت أدراجي الى الخيمة فرأيت وجوها باسمة لأقرباء لأهل الدار قيل لي بأنهم من شمال كردفان
فأهل الدار من قبيلة الهواوير...
وهي قبيلة تساكن أهلي الشايقية بالشمالية وتنتمي بجذورها الى ولاية شمال كردفان...
هم قوم سمحي السمت والدواخل...
الابتسامة تجدها (أصيلة) على وجوههم طرا
ما أجمل أن يبقى المرء بين هؤلاء القوم!!!
...
عدت أدراجي مرحبا بالقادمين...
ما أجمل عناقهم ياأحباب!
يمد الرجل يده للآخر...فتتماس الأصابع ثم يرفعان يديهما الى أعلى والكفان متماسان مرات ومرات...
ويتخلل كل تماس واستعلاء لليدين سؤال عن حال ومآل:
وليداتك وعوينك...
حاجة كلتوم...
حاج صالح...
ولا تستثنى الغنيمات والبقيرات عن السؤال عن الحال والمآل!
ثم يعقب ذلك عناق حار وربت على الظهور والأكتاف...
أما الشيوخ منهم فيعمد الشباب الى تقبيلهم على رؤسهم تعظيما واجلالا
وكلما يأتي دوري لا أنل من القادم منهم سوى مصافحة من بعيد واعتذار يغلفه حياء عن اتساخ الملابس نتاج غبار الطريق وجهد الرحلة
ثم نحى بعض الضيوف الى حيث العربتين لينزلوا منهما (عجلين سمينين لهما خوار)...
وشرع أطولهم (شاربا) في شحذ مدية أخرجها من جفير يتدلى من عضد يده وبدأ في ذبح العجلين...
وانطلقوا جميعا الى زوج شقيقتي منادين له بأن يتعدى ويبارك لهم الذبائح...
...
آل العجلان الى أكوام من لحم تحت ايدي الرجال...
وما لبث أن نُقل الشباب اللحم الى خيمة تؤمها النسوة ليؤل الى ثريد وطعام شهي...
...
مالت الشمس قليلا...
فاذا بي أسمع رغاء كثيفا لجمال بالجوار...
خرجنا ...
فاذا بالشباب يمتطون ظهور النوق والجمال وقد تهيأوا للسباق...
وخرجت النساء وبين ايديهن طبل يضربن عليه فيرجحنُّ...
وتراص الرجال صفا وشرعو يحاكون بحناجرهم وكرير صدورهم (رغاء) الجمال:
همّم ...همّم...همّم
همّم...همّم...همّممم
اتبعوها باغنية (الليمونة) التي مافتئت (حرم النور) تغنيها دوما
وافتتحت أم العروس الرقص وبجانبها رصيفات لها في عمرها...
ثم أتى دور الصبايا فرقصن رقصا طروبا...
وكان من نصيبي (شبال) لم أزل أتحسس اثر شعر صاحبته الطويل على ظهري :)
تلفحت الشمس بقرمصيصها مئذنة بالغروب...
وعدنا أدراجنا الى ال(رواكيب) ...
فاذا بالصبية طوافين علينا ب(كفتيرات) شاي المغرب...
وبينهم من يحمل(جكوكا) ملأى بحليب الابل (لمن اراد)...
وجاءني جعفر...
انه يافع يدرس في جامعة النيلين ...
وعتدما يجالسك...
تتلمس فيه سيماء شاب يتوقد ذكاء واريحية...
قال لي جعفر وهو يمد لي يدا من وداد:
-فرصة سعيدة ياأستاذ عادل عسوم...
(بصراحة قريت ليك كتير في عدد من الصحف والمنتديات ومعجب كتير بي بوست كتبتو انت عن الأرتقاء بالوجدان)!...
صدقا فاجأني حديثه...
شكرته على ذلك ...
فاذا به ييمم الى طرف (الراكوبة) ليأتيني ب(لابتوب) ويريني ذات ال(بوست) الذي ذكر في منتدى التوثيق الشامل!
...
يالهذه التقنية التي لم تدع -حتى-صحارينا لتشعل فيها قناديل العلم والمعرفة والتنوير!
...
شرع جعفر يحدثني عن قبيلة الهواوير-وهو يقرأ لي ذلك من احدى المنتديات:
استقرت قبيلة الهواوير العريقة -بعد دخولها السودان من مصر بعد قتل الشيخ همام بدسيسة من المماليك- في قرية (ابوعروق) والتي تعد من اهم قري الهواير في شمال كردفان حيث ادي الي تفكك مملكة الهوارة بالصعيد وتفرقهم ايدي سبأ منهم من رحلوا الي دول المغرب ومنهم هذا الجزء الذي رحل الي السودان واستقروا اولا علي النيل بالقرب من منطقة حسين نارتي ومازال مكان موردهم باسمهم ثم الي منطقة السيال بقنتي والي جبرة ام حمال بعد المهدية ثم ابوعروق والمحبس والشراك والضباع والكري وعيلاي وبعد سنين القحط والجفاف نزح كثير من ابناء القبيلة الي الولاية الشالية حبث عملوا عمالا وتجارا بها ونزح جزء الي الي ولاية الخرطوم (مدينةامدرمان )وكونوا بها احياءا كاملة مثل الحارة 26 (الصافية الجديدة) وايد الولي وتتكون قبيلة الهواوير من عشرة فروع هي الحرارين والخماسي والتماسيح والموالكة والحباساب والجوتاب والفزاراب والفجاجين والرباب والصالحاب .
خلدنا الى نومة هانئة بين ظهراني تلك الصحراء الموحية...
يالليل الصحراء!
ما لبثت أن ومضت في خاطري مقدمة أديبنا معاوية محد نور تلك...
الوقت ليل.. والكون ساج نائم، فما تسمع نأمة ولا تري حركة، ولا تحس سوي الركود والأغفاء، والسكون الشامل، والظلام الصافي، والهدأة الناعسة، ولقد تحس الحين بعد الحين حركة ضئيلة، او تسمع صوتاً خافتاً فيزداد إحساسك بذلك الصمت ويشتد تقديرك لذلك السكون ويأخذك ذلك السحر، وتستولي علي نفسك تلك الهدأة ويغمرك ذلك الصفاء، فتروح في عالم الاحلام
والذكريات وتدلف الي عوالم الفكر والعواطف المشجيات.
وقد خيل الي أن الحياة قد وقفت فجأة، وأن الوجود قد أخلد الي نومة هادئة ويعديني ذلك الشجو والسهوم فلا استطيع أنا الآخر حركة او قياماً
لكأنه كان معنا...
لكأنه!
...
وانسرب الليل...
وبان الخيط الأبيض من الأسود من الفجر
فقام ابن اختي يؤذن للفجر
توضأنا واستوينا وأمّنا زوج شقيقتي بطلب من والد العروس
وأتى الصبية بذات الأباريق الملأى بشاي الصباح وبعض حليب للنوق
ما ان وضعنا أكواب الشاي الاّ وبانت بالجوار أعناق النوق عليها الفرسان
وجاؤا للعريس بجمل يجمّله خصر بديع
قال لي جعفر
-الجمل دا جمل سباق لي عمنا علي أبوعثمان الراكب فوق الجمل التالت من اليمين داك...
وتعجبت عندما أبان لي عثمان بأن أباه قد باع رصيفا لجمل السباق هذا الى الشيخ زايد بن سلطان ابن نهيان بمائة مليون من الجنيهات السودانية قبل أعوام
قفز العريس -برشاقة-فوق الجمل
واصطف الشباب دون ميس خطه أبو العروس بعصاه
و(قجّت) زغاريد النسوة من أطراف الرواكيب
وانداحت انداهن صوتا تغني للعريس
ياااااااه
ما أجمل هذا السودان
هؤلاء نسوة في اقاصي صحرائنا العزيزة...
جعلن تراث (كل) القبائل تراثا لهم!
أحسست ساعتها بأني اقف (في) مقرن النيلين
أنظر الى النيل الآتي من الجنوب ميمما الى الشمال
وهو وان لم يتشرف بالمرور على هؤلاء الاّ أن أشواقه قد طالتهم
اشواقٌ ترجمتها اغاني السيرة التي جادت بها قريحة من سكنوا شطآنه...
هاهي قد وسعتهم ووسعت أهلنا اولئك
وانطلق العريس كالهلال والفرسان في ركابه كالأنجم الزواهر
اشعة شمس الصباح تتلألأ دون (قرمصيصه) ...
وتتداخل اشعتها مع بريق الأهلة التي تتزاحم على جبينه
و...
حال الغبار دون رؤيتنا للجمال
أو لعل الفرسان قد بعدوا عنا كثيرا
...
وتغير الايقاع الى ال(تمتم)
يالجمال هذا الايقاع
وشرعت النسوة يحاكين الحمام
والفتيات كأنهن السمبر وطيور الجنة
...
ولاح الفرسان يتقدمهم العريس
واذا بأخوان العريس ينطلقون الى خيمة العريس ليحملوا العروس على (بنبر) ليخطفها منهم العريس!
تم ذلك بسرعة عجيبة
وانطلق العريس تشيعه زغاريد النسوة الى أن اختفى عن الانظار
التفتُّ فاذا بجعفر يبتسم لي ويقول:
دي عاداتنا يااستاذ.
...
ومع اختفاء ركب العريس...
بانت في من الجانب الايمن سحابة من غبار...
أمعنت النظر فاذا بفرسان على ظهور الجياد!
وهنا...
نبا الى خاطري وصف اديبنا (حسن نجيلة) عندما وصف ذات المشهد في كتابه البديع (ذكرياتي في دار البادية)!...
وصل ركب الفرسان...
فاذا بكل فارس (يردف) زوجه!
صدقوني رأيت احداهن وهي حامل!!
سالت جعفر...
فأجابني بأنها (عادة) لديهم بأن يأتي كل من تزوج حديثا بعروسه بهذه الطريقة...
واضاف بأنهم يبقون بالجوار الى أن يعلمهم شخص يبعث اليهم بأن العريس قد غادر المكان بعد أن يردف معه عروسه!
وبدأت اسال نفسي:
كل هذه التفاصيل الا تدل عن ماض (تليد) لهذه القبائل؟!
انها (حقا) تنبي بالكثير المثير في حياة هذه القبائل استصحابا لماض سحيق...
كم لُمتُ نفسي وأنا أراهم بعين تغمطهم كثيرا عندما يأتوننا هناك في الشمال خلال موسم (حش التمر) فيعملون أجراء ونعطيم اليسير!
يالهذا الفقر الذي يحني جباه الفرسان
ويالهذه المسغبة التي تثاقل الى الأرض بأمرأة فارسة (وهي حامل)!!...
فالشجاعة وال(فرسنة) من سماتهم...
وهم كذلك من الذكاء بمكان!
حدثني صديقي الدكتورعبدالمنعم حسين -قبيل هجرته-عندما كان محاضرا في جامعة الخرطوم بأنهم قد أجروا اختبارات الذكاء لعينات من (جل) قبائل السودان التي (يرجحون) عدم اختلاطها بالأعراق الأخرى...
الهواوير كانوا أحداها...
قال الدكتور:
لقد وجدنا بأن معامل الذكاء لدى هؤلاء يعدُ من (أعلى) معدلات الذكاء في مجموعة عرقية -واحدة- في السودان!
...
أما عن سيماء الوسامة والجمال فيهم!
فقد حكى عن ذلك أحمد وعروسه...
...
العينان منهما تبوحان للكون (حب الدنيا كلو)...
مشى حسن على الرمل (حافي حالق) والضريرة تضج من فوق رأسه وتهتف...بأن يادنيا جاكي عريس...
ومشت في ركابه عروسه حافية (يسيل من شعرها الذهب) ويهتف...بأن ياأرض احفظي ماعليكي...
نظرت الى الدرب الذي سارا عليه فاذا به من السعة بحيث يسع كل السوح والفضاءات...
ما كان مني الاّ غنيت بلسانيهما:
نمشي في كل الدروب الواسعة ديك
والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن
ايدي في ايدك نغني
واللاّ نحنا مع الطيور المابتعرف ليها خرطة
ولا في أيدا جواز سفر
تمت
imported_عادل عسوم
08-10-2011, 09:47 PM
(19)
سنّار(ي)
الأمكنة كالأزمنة لها عذاباتها وأوجاعها...
وصدق الشاعر حين قال:
لك يامنازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أواهل
اذ كم من أمكنة تفتأ تذكي في الوجدان بوحا واختلاجات...
سنار في خيالي ...صبية (شقية) ...
تنبري بعنفوان (عمرها) للمطر ...
تفرد ذراعيها فترقص التانقو ...وفي قبضة يديها النسيم العليل...
يبتل ثوبها فيشي بمواطن جمال فيها...
تحسبه الفراشات ورودا فتأتي سراعا...
...
الشمس تشرق من هناك...
والقمر يأتي من بعدها ...ليجهد وصلا لليلها بالنور
ضوء بالنهار ...وفي الليل ضياء
وتبقى الشخوص وذكرى المواقف مرتهنة بصور المدينة على اتساعها...
باحات الثانوي العالي التي افترشت لها في الوجدان (بروشا) من حنين...
سور نادي السكة الحديد الذي كان ولم يظل أخضرا بأشجاره ومزهرا بألوان من ورود...
عنابر مستشفى سنار التي تفوح منها رائحة البنسلين...
أبراج محالج القطن التي تحط عليها طيور البقر البيضاء بصوتها الأجش...
خزان مكوار الذي يلف ذراع النيل كسوار جميل...
قبة الشيخ فرح ود تكتوك التي تناديك من بعيد...
والدُنا في سنار دوما مطيرة...
مطر...
يعقبه مطر!...
قالت لي دواخلي يوما...
الذكريات التي يشوبها المطر تبقى حية على الدوام!
لعلي أحكيها لكم يوما
...
فكم من ليال أستلقي فيها فتكتنفني صور لشخوص ومواقف جميلة
تنسرب دوني اليها أشواقي ومشاعري وتدعني على فراشي
وتنبري (هي) عروسا للبحر وجندولا...
انظروا اليها ياأحباب
هاهي تتجمل بكامل زينتها ثم تيمم شط لجة الخيال
تدلف الى قارب التحنان وتقبض بكفيها مجدافين من بلور
وهناااااك ....
عند التقاء خط انتهاء افق الأرض بسقف السماء
تتمدد خضرة الماضي الجميل
صفوف من أشجار تحف النهر على جانبي خزان مكوار
وسرابات من ورود تكسو الأرض على مد البصر (كرنفالات) من ألوان وعطور
وفي قبة السماء...
ينبري (قوس قزح) ...
تأتلق ألوانه أئتلاقا...
والنسيم يحتشد برطوبة تنسرب الى الصدور فتتمشى راحة في مفاصل نعّسِ...
والكون ساج نائم ...
لاصوت الاّ من (لشغ) الموج نتاج ملامسة المجدافين لأديم المياه...
وترتسم ليلاي هالة من ضوء على صفحة الافق وكأنها فقاعة -كبيرة وملونة-من الصابون...
يالجمالها...
http://vb.arabseyes.com/uploaded/36207_1193101046.jpg
ويالعذابات المكان وأوجاعه
(يتبع)
imported_عادل عسوم
12-10-2011, 06:08 PM
...
ومن البعيييييد...
تلوح (قبة) الشيخ (فرح ود تكتوك)...
...
انها قبة ليست ككل القباب
فبرغم كوني قد جُبلتُ على شنآن القباب(طرا)...
واحسبني من أكثر الغامطين لمآلات الاعتقاد (البائس) الذي يلج من كوّته الشيطانُ الى قلوب ووجدان أهلنا الطيبين بسبب تلك القباب...!
يسند ذلك يقينُ راسخٌ بأن ال(راقد) فيها ماهو الاّ امرؤ (مات) وانقطع عمله الاّ من ثلاث!
ولكن ما أدراك مافرح ود تكتوك...
لقد عاش الرجل -في تلك الديار-مئة سنين وازداد عشرا!
http://file9.9q9q.net/local/thumbnail/82453677/600x600.jpg
...
بقيت سنار في خاطري مدينة (طفلة)...
ولكنها طفلة بمدِّ عمر ذاك الشيخ الجميل!...
لم أفتأ -الى يومي هذا-أستروح (كلما ذُكر اسمه) عبق ماض تليد! ...
فالرجل قد استهوتني كتابات عديدة كتبت عن مآثره وأقواله...
...
..
.
لقد كانت قصصه ونوادره تلك (مدخلا) و (مثارا) لنقاشات وأحاديث (لنا) ...كم كانت تضوع مسكا...
والأمكنة ياأحباب...
تزداد جمالا كلما ذخرت ب(ما) يشي بماضِ تليد!
...
لنلق نظرة الى من حولنا من شعوب...
أليس ال(أحباش) أكثرهم جمالا ...(طبعا وتراثا ومفاهيم علائقية)؟!
حتى اللغة لديهم أجدها أوقع -موسقة- في الأذن عن غيرها من لغات الجيران الآخرين!
ف(هم) شعب له تاريخ تليد وحضارة ضاربة بأطنابها في القدم...
لِم ذلك ياتُرى؟!
لا أخال الاجابة الاّ:
(ان توالي السنوات يعجم من عود التراث والقيم الاجتماعية لتخطو على درب الجمال أشواطا)...
سنار هذه تستمد من (قبة الشيخ فرح) أصالة وتجذرا...
ذاك احساس ينتابك منذ أول ولوج لك اليها...
حتى المطر -في سنار-له رائحة دون غيره في بقية مدننا!
ينتابك احساس بالارتواء وانت تتنسم (زيفة) المطر في سنار...
أنسام تكتنفها أخلاط من رائحة الطين الممزوج بعبق الليمون والموز والمانجو وشئ من حراز يحيط بالمدينة في ضهاريها التي ترفد المدينة ب(لواري الفحم) كل يوم...
(يتبع)
imported_عادل عسوم
12-10-2011, 06:19 PM
...
وقفت بجوار الخزان ...(وسنار كلها موقف)!
السوح لم تفتأ يبللها المطر...
والفضاءات تعبق بروائح الليمون المتناثر شرق الضفة ...
تخالطه روائح الموز المنداح من الضفة الغربية حيث يرقد الشيخ فرح ود تكتوك...
هنا كان مجلسنا...
انها لعمري ذات الصخرة! ...
مافتئت تطل على الامواه بعين ملؤها الهيام بهذا النهرالجميل...
وذات عصافير(طير الجنة) تشقشق محتفية ب(زيفة) المطر...
يومها...
اذكر جليا حديثنا عن رائعة ابن البادية (ليلة السبت)...
قلت:
-هي لشاعر فلسطيني اسمه القاضي وتتحدث عن (عملية فدائية)!
فكان الاستنكار لحديثي ...
استنكار من مدخل الصور الحميمة المبثوثة في القصيدة...
وفي يوم سبت...
استمعنا للقصيدة مغناة ونحن جلوس على ذات صخرتنا تلك...
سرى فينا صوت ابن البادية بعنفوانه ذاك قائلا:
طااااال...
انتظارى ليلة السبت
ياااا حلوة العينين يا انت
انسيتى وعدك باللقاء هنا
كم مرة بالله اوعدتك..
لاتفه الاسباب .. فاتنتى
ولابسط .. الاسباب فاتنتى
كم جئت امس وكم تعللتى
لو قلتى انك لست اتيه
اسكتى فى النيران لو قلتى
عبر المدى .. عينى مشردة
ترعى خيالك ربما جئت
تتهامس الاشواق اتيه
وتصيح بى الاوهام .. لن تاتى
هل ابلغوك وشاية كذبا
يا حلوتى عنى فصدقتى
ام هل خفت اعين العازلين لنا بالحى ترقبنا
فا حجمتى
ام ان مكروها الم بك
لا .. قدر المولى تاخرتى
فتصورى ما بات يعصف بى
من عاصفا اشعلته انت
وجمعت باقات الزهور هنا
ولكم .. بازهارى تزينتى
القيتها بجوار مقعدنا الخالى
حزينا اذ تخلفتى
وبكى المساء الوردى
وارتعشت كل النجوم .. عشية السبت
وحملت .. اشواقى وعدت بها
متلفحا بالليل .. والصمت
يالسبتنا ذاك!
لم يكن سبتا كغيره من الايام!
كان آخر سبتِ شرعنا من بعده في امتحانات الشهادة الثانوية...
(يتبع)
imported_عادل عسوم
12-10-2011, 07:17 PM
...
يالذاك المساء!...
أمواهٌ تكتنف الرؤية سوحا وفضاءات...
شلالات تنهال من بوابات السد...
http://nader3202.jeeran.com/555/files/163232.jpg
وفي السماء ...
سُحُبٌ تنثال منها حبات المطر ...
http://www.taaif.net/up/up2/ea886607e4.png
تتداعي في خفر وهدوء ...
لكأتها تغازل وجوه الناس والأزاهر!
وينداح النسيم ...
ينسرب -في لطف- الى الدواخل...
لترتوي الأنفاس بعبق المطر...
لعله ذات النسيم الذي خاطبه ذاك فقال:
أرجوك يانسيم روح ليهو
بي اشواقي صرح ليهو
وأذكر صبوتي وسهادي...
والنسيم دوما مطواع
فهو يتخير مواضع الجمال وثناياه
ومن ذكر الأشواق ...
والصبوة...
والسهاد...
يوقن النسيم بحُسن الوجه المبتغى ...
يقول:
لعله ال(وجه الحسن) ...
الذي لاغرو سيكمل لوحة (الماء والخضرة) التي بين يديه!
فيروح النسيم...
وتتشح الشمس ب(قرمصيص) أشعة الغروب...
تلملم اطراف ثوبها وكأنها في عجلة من أمرها...
لتيمم الى حيث قبة الشيخ فرح ود تكتوك ...
أتراها ذاهبة لتخلد الى هدأة ...
لتعود غدا...
وتهب الناس صباحا جديدا!
أما تراها تقتفي اثر النسيم؟!
(يتبع)
imported_عادل عسوم
12-10-2011, 08:39 PM
...
عواء القاطرة وهي تدلف الى (سنار المدينة) عند مبارحتها ل(سنار التقاطع) يجيّش في نفسي زخم مشاعر عجيبة!
صرير كوابحها وهي تهمُّ بالتوقف قبالة بيتهم كم كان يذكي في دواخلي من أحاسيس جميلة!
فالبيت يطل على نادي السكة الحديد...
ووالدها لعمله ارتباط بالقطار...
يالجمال ابتسامتها وهي تطل بوجهها الصبوح لترقب نزول الأب من أحدى عربات القطار!
يال(فراش القاش) الذي يتخلّق من شفاهها فينطلق ميمما صوب عيون القاش ليتعبد الله في محرابها...
وتحين منها التفاتة تجاهي...
وتصلني سهام النظرات مع صوت ابواللمين الآتي من البعيد...
اقابلك وكلي حنيا ...
وأخاف من نظرتك ليا ...
وأخاف شوق العمر كلو ...
يفاجئك يوم في عينيا...
ورا البسمات كتمت دموع ...
بكيييييت ...
من غير تحس بيّا
...
..
.
(يتبع)
imported_عادل عسوم
12-10-2011, 10:09 PM
...
دوما أكون مع موعد مع ذات العذابات والأوجاع كلما غنى أبواللمين...
بتتعلم من الايام مصيرك بكرة تتعلم
وتعرف كيف يكون الريد وليه الناس بتتألم
...
ياااااه
كم تتجسد فيها سنار وليلاي!
وتتزاحم الاسئلة...
متين عرف الهوى قلبك ؟!
متين صابك بآهاتو ؟!
متين سهرعيونك ليل طويلة ساعاتو ؟!
وحاتك لسا مابتقدر تقاسم قلبي دقاتو !...
أسالها لقلبي تارة ...
وتارة ارمي بالسؤال الى خيالها فلا مجيب ...هنا أو هناك!
وعند اللقاء...
تشف الروح...
وتتغشى النفس مشاعر من خوف وحنين
فتنساب الكلمات من فيه ابواللمين:
اقابلك وكلي حنيه ...
وأخاف من نظرتك ليا ...
وأخاف شوق العمر كلو يفاجئك يوم في عينيا...
ورا البسمات كتمت دموع ...
بكييييت من غير تحس بيا!
...
وترتسم صورتها البهية على صفحات كتب الكيمياء والفيزياء والأحياء
كل الرموز ليلى
وكل المعادلات ليلى
وكل الرسوم ليلى
الكل يردد بكرة الامتحان
وانا أردد مع ابواللمين:
وبكرا الريد بدون مواعيد يزورك ياحياة عمري...
تقول ياريتني لو حبيت زمان من بدري ...
فأدع كل الكتب جانبا وأقول:
تعال فرح ليالينا ...
تعااااال قبل السنين تجري
...
..
.
(يتبع)
imported_عادل عسوم
13-10-2011, 09:53 PM
...
يااالهذه الذكرياات...
مالي أراني لا أنفك عنها!
تفتأ تتمشى في مفاصلي ل(تهبش) فيّ مواطن لعذابات وأوجاع!!
أهي كذاك؟!
أم أن العذابات والأوجاع هي التي تشعل في الدواخل (قناديل) الذكريات؟!...
الأمر سيّان...
فالعذابات والأوجاع قد تذكيها نفحة عطر حميم...
أو صورة وجه شبيه...
أو نبرة صوت حنين...
...
..
.
ياااااالذاك المكان...
وياااالتلك السنوات التي تترى كحبات مسبحة في يد شيخ وقور...
...
لكأني بنفسي هناااااااك على ضفاف النيل بجوار الخزان...
والقلب يخفق أولى خفقاته...
وبيدي كراسة الكيمياء أقرأ (جُملة) ...
فيأتي طيفها ليخطف (الأخرى) ويروح...
فتنسرب من بين شفتي ابتسامة حرّى...
لعلني أتحسس بقاياها الى يومي هذا...
ابتسامة تسوق النفس سوقا الى عوالم من ضياء....
(سيتبع)
imported_عادل عسوم
13-10-2011, 11:24 PM
...
هي ذات الابتسامة التي ذكرها أبواللمين وهو يفتأ يقول لا فُضّ فوهُ:
ورا البسمات كتمت دموع...
بكيييييت ...
من غير تحس بيّ!...
...
وكيف لها بأن تحس وقد نأى ...
المكان...
والزمان...
و...
واستحالت (قمرا) في الذاكرة!
...
أيرضيك ياسنار(ي) ان خطتُ أمواه النيل ثوبا يقيك لسع الشمس وزمهرير الشتاء؟...
أيرضيك ياسنار(ي) ان نسجتُ سحائب السنوات قلنسوة تجمّل جبين القمر؟ ...
...
ليت شوقي يعيرني بيت الشعر هذا لاقول:
(سنار) ردتني اليك من النوى أقدار سير للحياة دراك
...
..
.
(تمت)
imported_somiaadam
11-11-2011, 12:36 PM
انيق الحرف عادل
بالرغم مااصابني من حزن لميري ورفاقها ومااا آلو اليه
ورغم قتامة هذه اللوحه هنا وهنااك
الا ان طريقتك في السرد والبوح قادرة علي ازابة الاحزان بهدؤ:)
واصــــــــــــل
فنحن هنا
دمت بخير
imported_عادل عسوم
16-11-2011, 08:19 PM
انيق الحرف عادل
بالرغم مااصابني من حزن لميري ورفاقها ومااا آلو اليه
ورغم قتامة هذه اللوحه هنا وهنااك
الا ان طريقتك في السرد والبوح قادرة علي ازابة الاحزان بهدؤ:)
واصــــــــــــل
فنحن هنا
دمت بخير
مرحبا بك من أصيلة بهية حضور ياسمية...
ميري قمر...
ودونها أقمار أُخر مافتئت تعشعش في الخاطر!
جمّل الله سنيك بالرضوان ياغالية
مودة تترى
imported_عادل عسوم
17-11-2011, 07:56 PM
(20)
الشاطئُ الآخر
تمددت -في نفسه-دون هذا الشاطئ ظلالٌ من الريبة والتوجس...
توجسٌ تحول الى كُرهٍ نأى به -عنه- عقودا من عمره الذي ناهز الخمسين الاّ قليلا!
هذه الظلال...
أذكتها في نفسه (قناعاتُ) لوالده الذي تربّى في كنف اليسار طوال عمره المديد الى أن ارتحل الى ربه...
وبرغم نشأة أخيه الأكبر متيامنا ...الاّ أن اعجابه بأبيه جعله يُمعن في يساريته الى أن تزوج وأنجب البنين والبنات...
فبقي متنازعا مابين (اعجابه) بأبيه...و(حبه) لأخيه ذاك...
ولعلّ التنازع ذاك قد أذكى في نفسه شئ (ما) يشده الى ذاك الشاطئ!...
كتب -عن ذلك-يوما وقال:
انه أحساس يشبه (الأكولة) التي تنتاب المرء في ثنايا جُرح قديم يوشك أن يبرأ!
(يتبع)
imported_عادل عسوم
17-11-2011, 08:36 PM
...
أعطى اليسار (كل) عنفوانه...عمرا وفكرا...
وظل محاطا بالرفاق دوما...
ولكن...
اجتهد في أن ينتقي له اصاقاء من أهل اليمين...
يأوي اليهم كلما جنح به مركب الرفاق أو كبا حصانهم خلال ليلة من لياليهم الملونة...
قال يوما ل(صديق) منهم...
-تعرف...
برغم اني أكره الذي بين يديك من (فكر)...الاّ اني أحب أن تكون صديقي!
فال له صديقه ذاك...وقد آتاه الله ...(بصيرة):
-اني ارى نور الهداية في منتهى نفق خواتيمك...
فيحسُّ براحة تتمشى في مفاصله النُعّسِ من بقايا كحول...
(يتبع)
imported_عادل عسوم
17-11-2011, 09:37 PM
سأله صديقه ذاك:
-ماالذي ينأى بك عنّا ياصديقي (الوليد)؟
قال:
-(أيقن) بأن فكركم هذا يقتل الابداع في كل ضروب حراك الناس!
الغناء حرام...
التصوير حرام...
والحرية منقوصة...
حتى اشكالكم...لحى كثّة وجلاليب قصيرة و...ومسواك.
قال ذلك واشاح بوجهه.
فابتسم الصديق ونهض الى مكتبته ثم عاد وفي يده كتاب...
كان اسم الكتاب:
دستور الأخلاق في القرآن ...للدكتور محمد عبدالله درّاز
قال الصديق وهو يمدُّ يده اليه بالكتاب:
-هذا هديتي اليك...
أسألك بالله أن تقرأه ...ان رأيت ذلك.
قال لي الوليد من بعد ذلك:
برغم اني لم أقرأ هذا الكتاب ...الاّ انه بقي داخل حقيبة ملابسي لسنوات ...
حتى قُدّر لي بأن ابارح السودان مغتربا الى أوربا...
(يتبع)
imported_عادل عسوم
24-11-2011, 10:55 PM
...
وبقي (الوليد) طوال سني المرحلة الثانوية وثيق صلة بصديقه ذاك...
صداقة مافتئ (رفاقه) يلومونه عليها...
استُجوب مرة عن (حضوره) لبعض حلقات التلاوة!
فكان رده:
-أما رأيتم مسيحيّي لبنان يحفظون القرآن حتى يزداد اللسان منهم فصاحة؟!
وأضاف:
أني أحضرها -لماما-لأني أجدهم أفصح لغة وأجمل بيانا فأتعلم منهم!...
ثم قال:
أما رأيتم العديد من (رفاقنا) ممن تستاء الأذن منهم وتتأذى العين من أقوالهم وكتاباتهم؟!
لقد كان -دوما-شجاعا عند ابداء رأيه و(صادما) لكل من يتقصّده بازجاء...
...
ظلّ ذاك حاله الى أن سافر الى مصر لأكمال تعليمه الجامعي...
اذ جامعاتنا -اذ ذاك- كانت دون اصابع اليدين عددا...
ولا مجال الاّ لقلّة من الطلاب للولوج الى كلياتها...
وفي مصر ...
بقي في معية ال(رفاق)...
كادرا نشطا ينجز كل مايوكل اليه دون كلل أو ملل...
ولكنه...
ظلّ أسيرا لحبّه للفصحى -في كتاباته- دون العامية...
وبقي يحبُّ الشٍّعر الجميل...
بدءا بأشعار شوقي والتجاني يوسف بشير والمجذوب...
وانتهاء بأشعار روضة الحاج التي أدمن قراءتها قصيدة قصيدة...
قال لي -يوما-عن روضة الحاج:
-تعرف ياابن عمّي:
روضة الحاج دي بقرا ليها دايما لمّن أحس بأني محتاج أشمّ لي هوا نضيف!
...
..
.
imported_عادل عسوم
25-11-2011, 12:49 AM
...
عاد (الوليد) بعيد اكماله لتعليمه الجامعي...
حيث وجد له الرفاق وظيفة في احدى الشركات المملوكة لأحد الأقباط السودانيين...
وبقي بذات النشاط بين رفاقه القدامى...
وحينها...
كان لليسار حراكه البائن على خارطة السياسة السودانية...
وذلك من بعد سيطرة الاسلاميين على السلطة...
وشرعوا يضيقون الخناق على اهل اليسار...
فدخل الوليد -مع من دخل-الى ما يسميها الناس بيوت الأشباح...
فأوغر صدره (أكثر) تجاه الاسلاميين نتاج مامارسوه عليه ورفاقه من تعذيب واذلال...
عبّر عن ذلك لصديقه ذاك بعيد اطلاق سراحه...
وكتب عن ذلك كثيرا على صفحات العديد من الوسائط...
ولكن...
بقيت نظرته ل(الشاطئ الآخر) نظرة تنازعها مشاعره تجاه ابيه واخيه الأكبر!
وبقي احساسه به:
أحساس يشبه (الأكولة) التي تنتاب المرء في ثنايا جُرح قديم يوشك أن يبرأ!
ومافتئ يرتاد-أحيانا-حلقات التلاوة مع صديقه ذاك...
وخلال احدى الحلقات:
تحدث شيخ وقور عن هجرة النبي صلوات الله وسلامه عليه من مكة...
توقف (الوليد) كثيرا عند استنكار الحبيب -قبيل هجرته الشريفة-سعي أهله في مكة الى أخراجه منها قسرا فقال مستغربا:
أو مُخرجيّ هم؟!!!
...
..
.
imported_عادل عسوم
25-11-2011, 06:48 PM
...
لم يطب له المقام في السودان بعيد أطلاق سراحه كثيرا...
فاستصحب (مواسم) الطيب صالح وهاجر الى الشمال...
يمني النفس بالاستقرار في بلد ناطق بالانجليزية...
يومها...
استلقى على مقعد الطائرة بعد يومين من الحراك في سبيل أكمال اجراءات السفر ...
ولم يكن قد ذاق طعم النوم خلال نهاريهما وماتوسطهما من ليل!
أستعرض وجوه العديد من الرفاق ممن أتوا لوداعه...
ومن بينهم (ينبرى) له وجه صديقه مبتسما...
فطاف بخياله استنكار رسول الله صلوات الله وسلامه ذاك بأن:
أو مخرجيّ هم؟!
...
وبدا-وكأن- الصوت يتردد في الفضاء...
أو مُخرجيّ هم...
أو مُخرجيّ هم...
أو مُخرجيّ هم...
...
فاذا بأهل مكة يأتمرون لاخراجه!
تساءل...من أنا؟!
فهتف به هاتف ...انك رسول الله ياالوليد!!
وعجب لذلك!
فهو (موقن) بأنه الوليد ...وليس برسول الله
لكن من يقنع هؤلاء كل الناس ليس برسول الله...
فلم يلبث الاّ أن سمع مناديا بأن يارسول الله أقدم...
واذا ببساط للريح يسجيه له مَلَكان لهما أجنحة مثنى وثلاث ورباع...
فجلس عليه ...وطار به في السماء!
نظر الى الأسفل...فاذا هو يعلو مجرى ماء عرييييض صوب الضفة الأخرى...
وهبط البساط بهدووووء على أرض الضفة الأخرى...
ياااااااه
ياااالهذا الضياء العميم...
وياااالهذا العطر والأريج الذي يعم السوح والأرجاء...
جال ببصره فاذا بالورود تكتنف الشاطئ على امتداده...
فقال يعاتب نفسه:
لِمَ حرمتُ نفسي من أن أعبر الى هذا الشاطئ منذ أمد؟!
وشرع يمد رجليه ليتمشى على طول هذا الشاطئ...
لكنه أحس ب(خدر) يسرى في أوصاله كلها ويحول بينه وبين ذلك!
فلكأنه خارج لتوه من عملية جراحية كبيرة!!
فأغمض عينيه ونام.
...
انتهى به المقام في ربوع دولة لايتحدث أهلها الانجليزية...
اذ أمدّه الرفاق ب(ذرائع) الحصول على اللجوء السياسي فيها دون غيرها...
ومضت به السنون وهو يعطي اليسار (كل) وقته و(جل) حراكه...
وفي غمرة كل ذلك لم ينس الوليد(صديقه) ذاك في السودان...
لكنه كان كلما هاتفه لا يلبث الاّ أن يرى-في منامه-ذات الرؤيا تلك- وأنه هو رسول الله!
فينهض صباحا مفعما بالراحة والحبور والرضى...
...
..
.
imported_عادل عسوم
27-11-2011, 07:37 PM
...
سألتُ صديقه ذاك يوما...
ما الذي تراه (مختلفا) في صديقك الوليد دون غيره من معارفك من اهل اليسار؟
قال لي:
-الرجل كان -بخلاف-رفاقه لا يُنفّرُهُ احسان مخارج الأحرف لدى المتحدثين...
اذ عهدي ب(جل) أهل اليسار ممن أعرف يحكمون بالتيامن على كل من يُحسن مخارج الأحرف العربية فينأون عن سماعه!
...
..
.
imported_عادل عسوم
16-12-2011, 07:25 PM
وأضاف الرجل...
في (الوليد) صفة أخرى تزيّنه...
انه لا يرضى في الحق لومة لائم!
وذاك لعمري هو ما احسبه سيعجّل بعبوره (يوما) الى الضفة الأخرى.
وبالفعل...
ظل الوليد ينافح بلسانه ويراعه مؤججا حربا شعواء ضد العديد من رموز الفساد في منظمات تتبع لليسار...
وناله خلال ذلك الكثير من الأذى...
ومثل مرات عديدة امام القضاء...
لكن الله كان نصيره...
يومها قال لي (والحديث لصديقه ذاك):
-عندما عدت من آخر جلسة أنصفتُ فيها...
تذكرت كتاب (دستور الأخلاق في القرآن) فجلست أقرأ فيه...
فغشيتني نسمات عليلة...
ولكأنها آتية من (شاطئ آخر) غير الذي أعيش عليه
فاذا بي ببساط الريح يحملني الى هناااااك
أشجار من نخيل باسقات سامقات...
وأزاهر تحف بالروض تعبق السوح والفضاءات باريجها...
فأرحت راسي على مقعدي وقد سقط من بين يدي الكتاب...
وانتابني ذات الأحساس ذاك:
أحساس يشبه (الأكولة) التي تنتاب المرء في ثنايا جُرح قديم يوشك أن يبرأ!
...
..
.
imported_عادل عسوم
21-12-2011, 08:19 PM
...
واصل الوليد قراءته للكتاب بعد أن صادف في نفسه هوى...
فأمر الأخلاق (يهبش) في نفسه -دوما-العديد من مواطن الاعتبار والتمييز لمواطن الاقدام!
وقد شدّه اليه تلخيص ورد فيه:
وهكذا تقوم القيم الخلقية على قاعدة من خصائص الفطرة البشرية، والباعث النفسي الداخلي؛ فالخالق سبحانه ألهم النفس فجورها وتقواها، حتى تتمكن من التمييز بين الخير والشر، والجميل والقبيح، والنافع والضار. والخالق سبحانه مكّن الإنسان من حرية اختيار السلوك على أساس تلك المعرفة التمييزية. وتنبعث في نفس الإنسان مشاعر متفاوتة نتيجة ذلك السلوك، ألا ترى أن النفس ترتاح وتأنس لسلوك الخير، وتضطرب وتأسى وتتكدر لسلوك الشر!
لكننا نعرف جيداً أن سلوك الإنسان لا يخضع في جميع الأحوال لقانون الأخلاق الفطري؛ إذ تتلوث الفطرة وتضعف النوازع الداخلية، نتيجة المؤثرات في البيئة الاجتماعية والتربوية، فتؤدي الأهواء إلى سوء تقدير المصالح، وتندفع إلى سلوك يتناقض مع متطلبات الفطرة السليمة الخيرة، وما تتطلبه من التزام بالقيم الخلقية السليمة.
والكتاب أيضا يزيد في تقييمه أنه يُعدُّ تلخيصا لأطروحة لنيل درجة الأستاذية من جامعة السوربون...
جاءها (درّاز) من بعد نيله لدرجة الاستاذية من جامعة الأزهر!
...
مافتئ الوليد بقرأ كل يوم مبحثا فيجد نفسه اسيرا لقدرة الكاتب على (أجلاء) العديد من المفاهيم المتعلقة بالتاصيل الأخلاقي كم كانت تشوبها الشوائب في فكره وقناعاته...
وعندما وصل الى منتصف الكتاب...
اتصل بصديقه (ذاك) وقال:
كم اشكرك على هذا الكتاب
وواصل القراءة الى أن أتم الكتاب...
فأحسّ بكم التغيير الذي أضفاه الكتاب علي نفسه!
رقد يومها وقد أيقن بأن (الشاطئ) الذي يكتنف حراك حياته ليس بالشاطئ الذي يجدر به أن يعيش فيه...
ولكن...
كيف له أن يدع (رفقة) عاش كل عمره بينه؟!
كيف له أن يغير (نمط) حياة ملؤها الذكريات والمشاهد؟!
فرقد يومه ذاك واذا به يتذكرها!
صبية فيها الكثير من (سمت) الشاطئ الآخر...
ما أن اصبح الصباح الاّ واخبر زوجه بأنه قد نوى الزواج بأخرى عليها...
...
..
.
imported_عادل عسوم
23-12-2011, 08:55 PM
لم تكن لزوجه الأولى صلة بعوالم اليسار...
كانت ربة منزل وأما صالحة لم ير منها الاّ كل ايجاب لزوج تحسن رعاية زوجها وأبناءها...
لكن ظل البون بينهما كبيرا كلما تعلق الأمر بالثقافة والاهتمامات...
أما (نعمات)...
فقد كان فيها الكثير الذي يفتقده...
المستوى الأكاديمي...
الثقافة العامة والالمام...
ومن قبل ذلك جمال السمت والطبع...
قال لنفسه جاهدا كبت أحساس انتابه بظلم زوجه الأولى:
-لقد عرفتها قبل زواجي وكنت أود زواجها الاّ أنه قد صدني عنها عدم حبها لليسار...
وبالفعل كانت في نعمات الكثير الذي (يعزز) مشاعره الجديدة!
وتم الزواج...
شرع الوليد يبتعد-بمشاعره-يوما بعد يوم عن عوالم اليسار...
وبدأ (يشتط) أكثر في حربه لبؤر الفساد المستشري في العديد من المنظمات التي يديرها الرفاق ...
فما كان منهم الاّ أن حاربوه حربا شعواء من خلال العديد من الوسائط...
ورفعوا عليه الدعاوى القضائية...
لكنه بتوفيق الله كسبها فساءهم ذلك كثيرا
الى أن وصل بهم الأمر الى أخراجه من شاطئه
وياله من يوم!
...
..
.
imported_عادل عسوم
01-02-2012, 01:13 PM
وجاء اليوم...
تكأكا عليه الرفاق فاخرجوه!
فوقف ينظر الى سنوات خلت أعطى اليسار خلالها كل عنفونه...
يااااااه
ياللؤم القوم!
وتساءل في قرارة نفسه:
من يُخرجُ من؟!!!
هؤلاء الذين سعى الى فضحهم في الاسافير وبيان قذارة اياديهم خلال ادارتهم لشئون الرفاق وأموالهم كيف لهم بأن يخرجوه؟!
فكفر باليسار...
وأحس بأنه غريب على شاطئهم ذاك...
غريب وجه ويد ولسان و...مرادات!
فبدا يكتب عن عوار (كثيف) باليسار...
قال لي صديقه:
أقسم لي الوليد بأن أمر أخراجه قد نزل على قلبه بردا وسلاما!
اذ هو قد (انتوى) ال(هجرة) منذ أشهر وايام...
...
لم يرض الرفاق بفعل الوليد...
ظلوا يرسلون اليه الوفود تلو الوفود كي (يسكت) عنهم و...ويعود
لكنه بقي شامخا يرنو الى الشاطئ الآخر من بعد وضوء!
فاجتمع القوم بليل...
لم يجدوا بدا من ذلك ...وهم الوالغة اياديهم في الدماء!
وعندما بدات الشمس توذن بالمغيب...
حط (هدهد) على نخلة بالجوار..
وألقى من فيهِ رسالة فضضتها فاذا فيها:
انها من وراء البحار
وانها بسم الله الرحمن الرحيم
ان (الوليد) مات مسموما
...
فلما راى في عينيّ ذهولا...
صفق بجناحيه وطار مودعا
فهطلت ادمعي غذارا
فلوّحتُ مودعا
imported_عادل عسوم
04-02-2012, 05:29 PM
...
لم أنم ليلتها...
بقيتُ لساعات طوال أجترُّ حزني النبيل...
ولم يزرني النوم الاّ بين يدي ثلث الليل الأخير
...
فاذا بأعلام الفيافي منكسة على السواري...
واذا بال(زين) ينطلق من كرمكول وهو يهتف في اذن الزمن:
ياناس هووووي
(الوليد) مات مسموم
(الوليد) مات مسموم
فرددت جنبات الجبال صدى صوته المبحوح
جبال كورتي
وجبل ابن عوف
وجبل كلم كاكول
وعند جبل البركل...
لم يتمالك نفسه من الارهاق والتعب...
فماكان منه الاّ أن (توسد) يده ونام
...
..
.
imported_عادل عسوم
14-02-2012, 04:48 PM
...
أصبح (الزين) والخيطُ الأبيض قد بدأ يبين دون الأسود من الفجر...
فهذه ظلال الثلث الأخير من الليل تلملم أطراف ثوبها المتشح بالسواد منحسرة عن المكان...
وهناااااك عند عند خط اقتران السماء بالصحراء اذا بضوء الفجر يتلمس طريقه في ثبات وتؤدة...
ورويدا رويدا بدت هامة جبل البركل تبين...
بدت وكأنها تغتسل في ضوء الفجر نافضة عنها غبار أزمنة وأمكنة عديدة...
بدا الجبل حزينا يرنو بناظريه بعيييييدا الى ماوراء التاريخ...
وفجأة...
بدا من خلف الأفق غبارٌ كثييييف...
دونه موكب مهيب يشق عنان السماء...
ليحط في جلال على هامة الجبل...
ويترجل فارسان بلباس الملوك...
من بين يديهما الخدم والحشم...
فينصب لهما عرشان من خشب الأبنوس وكتل العاج وسبائك الذهب...
ويشرع الجنود في قرع الطبول ...
فتردد جنبات الجبل صدى الموسيقى الملكية ال(حزينة)...
ويخرج أهل البركل وكريمة وأنظارهم معلقة بهامة الجبل...
وكان ذاك اليوم هو الثالث منذ رحيل الوليد...
ويتدافع الناس الى ساحة الجبل...
فيتقدم اليهم بعانخي ملوحا بيد وممسكا بيد ترهاقا باليد الأخرى ويبدأ في الحديث بصوت ملوكي وقور:
(ياأيها الناس ليبارككم الرب الواحد ...
لقد جئنا للعزاء في روح الفقيد الوليد...
فيهتف الناس بصوت واحد ...لا أله الا الله ...ولا حول ولا قوة الاّ بالله...
ويتواصل الهتاف...لاأله الا الله محمد رسول الله...
فيسجد الملكان ثم يتوجهان الى الحشود ويهتفان مع الناس...لاأله الا الله محمد رسول الله...ولا حول ولاقوة الاّ بالله...وانا لله وانا اليه راحعون.
ثم تختلط الحشود...
ويشتد الهتاف وقرع الطبول...
ثم يلتفت الملكان الى جهة الشمال
ويشير بعانخي الى النيل ...
الذي...
يشق صدر أرضنا السمراء في عزيمة
وينحني تأدبا في البركل الذي يلي كريمة
***
وقد حوى في جوفه التاريخ والأسماك
تاريخ قوم ذاخر ب(اللؤم) كل حراك
***
الماء فيه ريان بلون البُنّ أشهُرا
والموج يصطخب لسيفه قد اشهرا
***
ينبيك عن مخاض
ب(الحزن) حين فاض
***
فيرفد الجروف نبتا يانعا دونما أشواك
***
ثم يصفو أشهُرا
فيستحيل أزرقا
***
تمده السماء من اهابها بلونها نهارا
وفي المساء...
يستحيل سطحه مرآة (حُزن) لأنجمٍ سهارا
***
ونخيل بالشط تهفو بجريد مائسات
يرقصن في (أسى) بين أيدي النسمات
***
أودعها الأله كل لون
سيقانها تشربت بذات لون البنّ
***
سبيطها يزينه الصفار
وثمرها يخضرُّ في البدار
***
وبعد أشهر...
ينداح صفرة
وحمرة...
ليكتسي بذات لون البنّ دونما هلاك
***
وفي الجوار...
ينتصب التاريخ جبلا أسمرا
له اسمان اسم (جدّي) والبركلا
تحرسه أسودٌ هي ليست حجرا
***
اللون فيه ذات لون البنّ
ومعبدٌ قد زانه التوحيد ذات يوم
بناه آمون الذي ملك الدنا والقوم
...
..
.
imported_عادل عسوم
23-02-2012, 05:57 AM
...
وقف (الزين) يستند على نخلة والبصر منه حائر ينظر مرة الى الجبل الصامد على مرّ التاريخ ومرة الى النيل المنطلق بعنفوان منذ قرون...
هذا تأريخ جامد وذا تأريخ يسيل!
هما كمشاعره التي مافتئت لا يستقر بها حال...
وقف ينظر الى الشاطئ الآخر وهو يقول:
ليتني كنت أملك من أمري شيئا ياالوليد...
لكنت وهبتك ماتبقى من عمري...
اذ أني (أعلم) يقينا ماكنت تنويه خلال قابل سنيك ياعزيزي!
فبين يديّ كل بذور الورود وجل ّفسائل الأشجار التي كنت تنوي غرسها هناك على سوح الشاطئ الآخر وقد شرعت في العبور...
لكنهم...
لكنهم -من بعد أن ايقنوا-بما انتويت ...
أبت انفسهم الاّ أن يئدوا أحلامك ورؤاك...
...
..
.
لكن حسبك قول الحبيب صلوات الله وسلامه عليه أنما الأعمال بالنيات...
وانما لكل امرء مانوى...
...
قال (الزين) ذلك وقد غال الدمعُ عينيه فلم يعد يبصر شيئا...
فانكفأ يبكي على ساق النخلة...
...
..
.
imported_عادل عسوم
23-02-2012, 11:44 AM
http://albrkal.com/vb/picture.php?albumid=48&pictureid=94
imported_عادل عسوم
29-02-2012, 02:39 PM
هذا الزين...
برغم صورته الجسدية قد توحي بالضعف، فهو نحيل هزيل، كأنه عود يابس، وكانت ساقاه نحيلتين لا تكادان تطيقان حمله، ولكنه مع ذلك يملك قوة بدنية استطاعت أن تكسر حدة ثور هائج، وأن تقلع شجرة سنط، بل كاد يقتل (سيف الدين) رغم أن الكثيرين أمسكوا به بكل قواهم
لذلك فان (بكاء) الزين كان بكاء يتناسب مع قوته ...
لا صورته!
...
..
.
imported_عادل عسوم
04-03-2012, 09:34 PM
...
وبقي خيال (الوليد) يتمدد على افق الشاطئ الآخر كقوس قزح...
قوس...
ذراعاه ورجلاه على الارض...والخصر منه يتصل بقرص الشمس المشرقة بحبل سُرّي يستمد الضوء والدفئ وال...وحي!
...
..
.
imported_عادل عسوم
24-11-2012, 08:26 PM
ماكان من الزين الاّ أن جفف دموعه بكمِّه...
وتحسس قدميه فلم يجد فيهما نعالا...
وتبين المكان فوجد أنه قد ابتعد كثيرا عن مكان سكناه هنااااك عند استقامة النيل من منحناه...
فاحتقب يديه خلف ظهره وغذّ السير الى الشمال...
(يتمتم) بجملة واحد:
ياحليلك يالوليد
يااااحليلك يالوليد
تمّت
imported_عادل عسوم
16-12-2012, 02:26 AM
لعلني بصدد طباعة-أقمار في الذاكرة-طبعة ثانية (نزولا عند رغبة المطبعة)...
وكنت قد أعددت عددا من القصص القصيرة والخواطر أملا في ايرادها في كتاب آخر...
لكني ارتايت بأن أضيفها الى ماورد في متن الطبعة الأولى لما فيها من اتساق مع سياق سابقاتها و...لقلة عددها من أن يفرد لها كتاب جديد...
مودتي
imported_عادل عسوم
18-12-2012, 12:44 PM
أب كَرَنك
نشأنا فوجدناه يحمل هذا الاسم...
لقد وُلِد بانحناء في عموده الفقري فاضحت احدى رجليه تتقاصر عن الاخرى ليبين ذلك جليا خلال مشيه...
توفي الوالد وأب كَرَنك يستشرف ارهاصات الرجولة في قرية من قرى شمالنا الحبيب...
استفاق ليجد نفسه مسئولا عن أمٍّ بها (مسٌّ) واختٌ لم تتلقّ من العلم-حتى-مايعينها على كتابة اسمها وقد فاتها قطار الزواج...
ترك له الوالد حِصانا و(عربة كارو) مالبث أن توجه بها أب كرنك الى سوق المدينة المجاورة في معية العديد من اهل القرية ممن كان زملاء لوالده في تلك المهنة...
شاطره تجار السوق الحزن على فقد والده فأوكلوا له بعض المهام المتمثلة في (عتالة) ونقل البضائع بين مستودعاتهم أو الى الزبائن حول المدينة...
لم تكن المهمة سهلة ل(أب كرنك) الذي عاش في كنف والد شفوق آلى على نفسه بأن يكون ربا لأسرة تتكون من ابنة عمه التي فقدت عقلها بعد أن انجبت له (الحرم) التي لم تحظ بشئ من جمال و(عبدالعزيز) الذي ولد بذاك الالتواء في عموده الفقري فأضحى شبه عاجز عن العمل ولم يكن له ميل الى الدراسة...
لم يطب الحال ل(اب كرنك) بتلك المهمة اذ العمل يتطلب صحة وفتوة وهو العاطل عن كليهما...
وقف يوما يجفف عرقه أمام كومة من جوالات البلح فأتاه طيفور:
-ما لك ياابكرنك الحاصل شنو؟
-ما في شي بس زهجان وقرفان.
ابتسم طيفور وقال له:
يازول كدي كمل شغلتك دي وأرجاني العصر أماني ما ببسطك بسط...
...
وما ان تمدد ظل العصر الاّ وانطلق أبكرنك على ظهر عربته الكارو خلف طيفور الى حيث (الانداية).
(يتبع)
imported_عادل عسوم
19-12-2012, 09:19 PM
أوقف طيفور عربته الكارو وأنزل عن حصانه اللّجام والسرج ثم ربط حبله حول جذع نخلة ملقاة بجوار (ر اكوبة) وكذلك فعل اب كرنك...
ولج الشابان فاذا بنفر ليس بالقليل من (عتّالة السوق) وبعض عماله يضج المكان بضحكاتهم وفي يد كل منهم (قرعة) تفوح منها رائحة المريسة والعرقي...
وما ان همّ اب كرنك بالجلوس بجوار طيفور الاّ ونهض عم ادريس وهو صديق لوالد ابكرنك وزميل عتالة له في السوق ...وأتى صوب طيفور والشرر يتطاير من عينيه:
-دا شنو السويتو دا ياطيفور؟
(قال ذلك ويمينه تطبق على عنق طيفور)
فرد عليه طيفور وهو يسعى جاهدا لتخليص عنقه منه:
-والله ياعم ادريس لقيتو زهجان وبراااهو قال جاي معاي
فالتفت الرجل الى اب كرنك وقال له:
-ياولدي أختا البكان دا ...
ثم اضاف وهو يجفف فمه بكم قميصه من آثار المريسة:
أبوك ياولدي مااااكان من ناس البكان دا...وانتابه (الفاق) فأضحت كلماته لاتكاد تبين...
فما لبثت (خديجة) أن أتت وفي يدها كوب ماء وشرعت تغسل لأدريس وجهه...
ثم انطلقت الى طرف الراكوبة وهي تتثنى وعادت وبيدها قَرَعَتان وناولتهما لطيفور وأبكرنك قائلة:
-هووووي ياادريس انت الحسادة العليك شنو ماااطووول عمرك تجغم بي جاي وتضحك سن سن ...خليهو ينسى همومو ياخي ...ثم تثنت عائدة الى بمبرها مطلقة ضحكة مجلجلة...
مالبث أدريس أن خرج مغاضبا وجلس كل من طيفور وابكرنك على بمبرين متجاورين وفي كفيهما القرعتان...
(يتبع)
vBulletin® v3.8.8 Beta 2, Copyright ©2000-2026