المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثلاث حكايات وملاحظة تأملية - باتريك زوسكيند


اشرف السر
05-02-2012, 06:23 PM
باتريك زوسكيند مرة أخرى، بعد العطر والحمامة، هاهي ثلاث حكايات وملاحظة تأملية تعيدني إلى ذلكم المبدع، الكتاب صغير جدا ً، ثلاث وستون صفحة يمكن أن تقرأ في جلسة واحدة لذيذة، تتناول الحكاية الأولى (بحثا ً عن العمق) قصة بحث فنانة شابة عن العمق الذي نبهها ناقد أثنى على أعمالها إلى أنها تفتقده، ما هو العمق؟ كيف يكون الفنان عميقا ً؟ هذا هو السؤال الذي قاد الفتاة إلى نهايتها، في الحكاية الثانية (الصراع) نراقب مبارة شطرنج، ما بين رجل متمرس لم يهزمه أحد من قبل، يدعى جان، وشاب متحدي، تدور المبارة في حديقة لوكسمبورغ، ويحتشد حول الرجلين جمهور كبير، يحدقون كلهم في الشاب الواثق من نفسه بانبهار، موقنين مع نقلاته التي لم يتعودوا عليها أنه سينتصر، جان نفسه يبدو لنا رجلا ً مهزوز الثقة بنفسه، وتزداد حاله سوءا ً مع ثقة الشاب الطاغية رغم فقدانه لقطعه على التوالي، ربما رمزية هذه القصة الجميلة في حال الشعوب مع القادة ذوي الكاريزما الطاغية الذين يذهلون الجميع بثقتهم، وتصرفهم وكأنهم يعرفون ما سيأتي، قبل أن تأتي النهاية التي تعيد الجميع إلى صوابهم، السؤال الجميل الذي يبقى بعد هذا هو هل يفقد البطل الافتراضي كاريزميته بعدما يخسر؟ الحكاية الثالثة (وصية المعلم موسارد) تأخذنا إلى القرن السابع عشر، حيث نلتقي بجان جاك موسارد الرجل الذي انطلق من بيئة فقيرة ووصل إلى الثراء والمجد ولكنه قرر أن يعيش في معتزل، حيث تتسلط عليه فكرة أن الحجر الصدفي بدأ في السيطرة على الأرض، وأن البشرية كلها مهددة بالضياع والنهاية المحتومة، وأن التصدف ليس حالة جيولوجية فقط، وإنما هي حالة بيولوجية، حيث يؤمن بأن جسده بدأ بالتصدف، والغريب هو أنه يؤمن بأن الأصداف ليست بلا وعي وإنما هي تبدو وكأنها كائن يعي وجوده ومهمته، أغرب ما في القصة نهايتها حيث يبدو وكأن البطل مات متصدفا ً بالفعل.

يبقى أنفس ما في الكتاب (الملاحظة التأملية)، والتي تدور على السؤال المهم، ما الذي يبقى لمن يفقد ذاكرته الأدبية؟ يستثير هذه الملاحظة في البداية سؤال تقليدي يوجه عادة ً لمن أفنى عمره في القراءة "ما هو الكتاب الذي أثر فيك؟"، هذا السؤال يضع القارئ أمام مأزق كبير، لأنه يدفعه إلى تصفح ذاكرته بحثا ً عن الكتب، ليكتشف أنها صارت ظلالا ً، لا شيء منها في الذاكرة، بل من السخرية أنه قد يقرأ يوما ً كتابا ً ليكتشف في منتصفه أنه قد قرأه من قبل، وأن الملاحظات والخطوط التي توشي الكتاب هي ملاحظاته وخطوطه هو، يضع زوسكيند فكرة يعزي بها نفسه، ألا وهي أن هذا النسيان مفيد له كقارئ وككاتب، يفيده كقارئ لأنه ليس نسيانا ً كليا ً وإنما هناك تغيرات في ذهنه جراء هذه القراءة، ولكنه لا يلاحظها، فلذا هو لا ينسى تماما ً، هو يتشرب الأفكار والكتب، وهذا يفيده ككاتب لأنه لو احتفظ في ذهنه بكل كتاب قرأه لما كتب شيء، لأن العظمة الحاضرة للروائع الأدبية، تجعل كل ما سيخطه باهتا ً، لا قيمة له، تعزية مريحة نوعا ً ما، عني أنا أعرف مرارة هذا النسيان وخاصة مع الكتب التي جاهدت في قراءتها، ولكن لدي فكرة زوسكيند ذاتها أننا نتشرب الكتب، هي موجودة في أذهاننا وتبرز عندما يثيرها شيء ما، والأمر الآخر هو هذه المتعة التي نعرفها عندما نقرأ، نحن لا نقرأ لأننا نريد أن نبني ذاكرة للمستقبل، نحن نقرأ لأننا نريد لهذه اللحظة الحاضرة أن تتمدد، تتوسع، تحتضن الماضي، الحاضر والمستقبل.

للتحميل (http://www.4shared.com/office/scs3IYJN/______.htm)

أو من هنا (http://www.4shared.com/office/suTpp9Wq/______.htm)

أو من هنا (http://www.4shared.com/office/LuXz08dk/____.htm)