مشاهدة النسخة كاملة : أرض الميّت
imported_هشام آدم
16-02-2012, 06:41 PM
http://dc08.arabsh.com/i/00993/mq6xvkpg7yl5.jpg
رواية (أرض الميّت) عن دار سندباد للنشر والإعلام بجمهورية مصر العربية - القاهرة
قام بتصميم الغلاف الفنان السوداني حسن عبد الرحمن حميدتي
سنة النشر 2009
imported_الزوول
18-02-2012, 03:56 AM
سلامات يا هشام
ما قدرت أفهم الفكرة من البوست ده
يعني تكون ناوي تنشر الرواية هنا مثلاً ؟
أكيد طبعاً انت فاهم إنها ح تكون مستباحة
وبالتالي ستفقد حقوقك المادية ومعها حقوق دار النشر وغيرهم من المشاركين
بالتأكيد ستجد نقاشاً ونقداً أكثر وشهرة أكبر
ولكن الحياة المادية هي التي لها الأهمية الأكبر
...
imported_هشام آدم
22-02-2012, 05:31 PM
الإهداء
إلى (بابا أونتي) أمي.
أول من أرضعتني اللغة النوبية
وآخر من قد تقرأ هذا الكتاب
لأنها لا تحب الروايات
معتصم الطاهر
22-02-2012, 05:35 PM
مرحب بعودتك هشام ..
للمرة الكم كدا ..
و عندما يكتب هشام أقرأ الفكرة وراء الرواية قبل الأحداث
لذا هشام يأخذني بالحكم على فكرته قبل فنياته ..
فى انتظار أن تكون الرواية فى رفوف مكتبات الدوحة أو " أنتظر من يرسلها لى "
imported_هشام آدم
22-02-2012, 05:37 PM
كنتُ منتبهاً لصوت الجدة مِسكة المتشائم، ومتأثراً به، وهي تحكي لنا عن وفاة أحد أعظم الأساطير التي مرّت على قريتنا والقرى النوبية على الإطلاق. وظلت سيرة هذه الشخصية الأسطورية -التي تسببت في تسمية الأراضي التي سكنتها بعض القبائل الأحمسية السمراء- تتردد على ألسنة عجائز القرية، وشيوخها جيلاً بعد جيل؛ إلى الحد الذي جعل الرواية تخضع إلى عمليات تحريف شعبية واعية واسعة النطاق، فأضاف إليها البعض من مخيّلتهم الخاصة؛ بينما اعتمد البعض الآخر على ذاكرته التي أصابها العطب والصدأ بفعل تقدّم السن. ولكنني تأثرت برواية الجدة مِسكة التي روتها لنا بتفانٍ غير مسبوق على حلقات متسلسلة، فكنا ننتظر الظلام وهو قادم يتهادى على مهل فوق سفوح جبال مَيْمَي الجنوبية؛ كغريب يدخل القرية على خجل، فنجلس في نصف دائرة: أنا وأبناء عمومتي، وبعض الفتيات لنستمع إلى ما تبقى من حكايات جلال التمتام.
ومازلتُ إلى الآن قادراً على تصوّر مشهد وفاته الذي لم يشهده أحد، وخضع لتكّهنات الرواة من هيئته التي رأوه عليها عندما عثروا عليه ميتاً على سريره ممسكاً بصورة سيّدة بيضاء. والضوء الذي يمر متسللاً من خلال النافذة المتهالكة على تجاعيد وجهه الذي كجلد تمساح أمازوني، عرّى تواريخها. ذلك الضوء الذي كنهر هادر من آلاف اليرقات الضوئية، يعبر بين ثقوب النافذة الخشبية المطليّة بطلاء أزرق، ناشراً رذاذ أشعة الساعة الثامنة صباحاً على طول المجرى الضوئي المستقيم، مجنونة كإحدى لوحات سلفادور دالي السريالية.
كل الذين رووا قصته أجمعوا على أن الحزن كان أكثر الملامح إضاءة في قسماته المُتعَبة. الهواء الصباحي البارد كان يصفع الباب الخشبي بصفائح الألمنيوم المتآكلة، كأنه جسد كركدن أفريقي معتد بنفسه. والإهمال والغبار يعمّان المكان، ويتركان أثرهما بوضوح في كل ركن. جلال التمتام الأشهب القادم من المجهول حاملاً في قسماته ملامح نادرة، وفي لغته لكنة غير مألوفة، كان له قنٌ يُربي فيه: ثلاث دجاجات، وديكاً أعرجاً لا يُلقّح ولا يُؤذن، وكلبٌ أسود بذيل مقطوع، يُذاع عنه أشياء مُريبة، ويُشكّ في أمره.
عندما أقدم الكلب على عضّ صابرين ابنة العمدة ليلة عيد أضحى، لم يجرؤ –حتى إمام القرية– على إمساكه وحقنه بالسُّم. العمدة نفسه كان يقرأ المعوذتين، وينفث عن شماله ثلاثاً كلما رآه، ويردّد بصوت عال ليسمعه الكلب: "أعوذ بكلمات الله التامات من شرّ ما خلق!" وظنّ أن ذلك ما يبقيه في حرز منه، وآمن أنّ تلك الكلمات سرّ نجاته من هجمات الكلب العدوانية.
لا أحد يعرف على وجه الدقة من اكتسب الشهرة من الآخر: الكلب الأسود أم ابنة العمدة؛ إذ لم تخل مجالس الرجال من ذكر تلك الحادثة، وأصبح الأمر فاكهة الليالي الخمرية التي اعتاد عليها الشباب في القرية. جاء الناس راجلين وراكبين من كل الأصقاع البعيدة والقريبة ليحمدوا للعمدة سلامة ابنته. وجاء حكيم القرية ليحقن الفتاة المسكينة بإحدى وعشرين حقنة في سرّتها أمام دعوات الجميع لها بالشفاء والسلامة من داء الكَلَب.
آمن أهالي القرية أن تبوّل كلب التمتام –والكلاب السوداء على العموم- على عتبات البيوت، يعني نذير شؤم موشك. فلم يسمحوا للكلب بالاقتراب من بيوتهم، أو حتى التفيؤ تحت ظلال جدرانها الجالوصية المتهالكة في ساعات الظهيرة الحارقة. وربما نال حياته بقدر ما نال صاحبه من الاحترام والتوقير.
بعد وفاة الشيخ العجوز، قرر بعض الفتيان -من بينهم هارون عزيزة- مطاردة الكلب الأسود العجوز وقتله، واعتبروا ذلك واجباً دينياً مقدساً، وشرفاً سوف يستحقون عليه الثناء والمجد من أهالي القرية. هارون عزيزة وجدها فرصة مناسبة لكسب احترام الأهالي الذين نبذوه بعدما وشت به مجموعة من الأطفال عندما اختلس النظر إلى فتاة بالغة وهي تتغوّط في الخلاء، فكان أكثرهم حرصاً وحماسة لمطاردة الكلب؛ بل وأكثرهم شراسة في الفتك به. اعتبر أنّ دماء الكلب الأسود خلاصه من العار الأبدي. وبموت الكلب الأسود وصاحبه التمتام، انقلبت أحوال القرية رأساً على عقب، ولم تعد تهنأ بالراحة.
هارون عزيزة لم يشأ أن يفوّت الفرصة، فلم يكتف بضرب الكلب بفأس صدئة على مؤخرة رأسه، وإنما حمله على كتفيه وسار به مزهواً في شوارع القرية الصخرية، كفارس إغريقي نبيل يحمل رأس وحش همجي أرّق مضاجع الأميرات. مرّ أمام بيوت القرية على مهل، رافعاً جثة كلب التمتام فوق رأسه مستقبلاً زغاريد النساء الواجلات في صلف لا تخطئه عين.
لم تستطع الجدة مسكة التحقق من شأن هارون عزيزة حول أسباب الاحترام الذي ناله من أهالي القرية ما إذا كان عائداً إلى همّته في قتل الكلب، أم بسبب نبوءة التمتام؛ إذ تذكر أنّ جلال التمتام، مرّ ذات أمسية -وهو في طريقه إلى بيته- برهط بينهم هارون عزيزة نفسه، فأشار إليه بعصاه المعقوفة وهو يقول: "ما أسعد القرية بك؛ إنك ستعيش مرتين، وتخون مرتين، وتسكن هذا البيت." وأشار إلى سرايا العمدة، وضحك الجميع.
أوصى الشيخ عبد الصبور إسماعيل دهب إمام الزاوية اليتيمة في القرية آنذاك بتعليق الكلب الأسود -بعد قتله- على سارية كانت فيما مضى جزءاً من ساقية أنشأها أبوه طيّبُ الذكر الشيخ إسماعيل دهب. قال: "يمكننا استخدام جيفته طُعماً للتماسيح، والوحوش الضارية التي تهدد أبناء القرية وأطفالها ومواشيها، أو فلتكن طعاماً للجوارح التي تحمل في حويصلاتها أرواح الأطفال الميّتين، ذلك أدعى للرحمة." ولذا أسموها "سارية الرحمة".
أصبح ذلك فيما بعد سُنّة جارية، فبينما يُدفن الموتى في الضفة الأخرى من النهر، تُعلّق الضباع والكلاب السوداء والبهائم النافقة، والحيوانات الأليفة المريضة بعد قتلها على السارية، وقيل أن ذلك هو السبب في تسمية القرية بأرض الميّت. وقيل إنها سميّت كذلك لسبب لا يتعلّق بجلال التمتام على الإطلاق؛ إذ حكت الجدة مسكة أن أهالي القرية تفاجئوا ذات صباح بجثة شاب غريق ملقاة عند حواف النهر الصخرية، ولم يستطع أحد التعرّف عليها، وإن الشيخ عبد الصبور دهب أوصى بدفنها في مدافن القرية بعد ثلاثة أيام، إن لم يأت أحد للبحث عنها. ثم إن ذوي الغريق جاؤوا بعد ذلك بأيام ليكتشفوا أن ميّتهم مدفون بهذه الأرض الغريبة؛ وربما أطلقوا اسم "أرض الميّت" على القرية أول مرّة، واشتهرت به بعد ذلك.
وإذ أن المنطقة التي يمر بها النهر بمحاذاة القرية اشتهرت بحوافها الصخرية المسننة، فقد كان أهالي القرى النوبية الأخرى يأتون للبحث عن غرقاهم في أرض الميّت، آملين أن يجدوا جثثهم وقد نجت بمعجزة من أنياب تماسيح النهر وأسماكه الشرهة، وتعلّقت بأنياب الصخور الملساء، ولم تخيّب القرية ظنّ أحد إلا ما ندر.
الرجال الذين جاؤوا بحثاً عن الغريق، حكوا لأهالي القرية عن ميّتهم: إنه اعتاد الجلوس على تلة رملية بيضاء قرب النهر وقت الغروب، يدخن البنقو، ويُردد الأغنيات التي لا يرغب في سماعها أحد، وأنه حكا للجميع عن الجنيّة التي خرجت إليه عارية من مياه النهر، وقبّلته، وطلبت منه أن يتزوّجها، وأنها أغرته باللحاق بها في النهر. وتمكن صيّادون ليليّون من إنقاذه. وشاع في القرية خبر الجنيّة اللعوب التي تتصيّد الشبان، وتغري بهم لتجعل نهايتهم على يدها: إما غرقاً في النيل، أو خلف جبال ميمي الجنوبية.
ومازال يُشاع حتى الآن في أرض الميّت أنّ الأطفال عندما يموتون تتخطّف الجوارح الجائعة أرواحهم في طريقها إلى السماء، فتسكن حويصلاتها لأنهم لا حساب لهم أمام الله، أو يغدون ملائكة صغيرة؛ لا يُوكَل إليهم تلك الأعمال الشاقة التي تُوكل إلى الملائكة، فقط يحوّمون في الأرجاء يهبون السلام والرحمة لذويهم ولمن هم في الأرض.
يؤمن أهالي القرية أن أرواح هؤلاء الأطفال المحمولة داخل حويصلات الطيور سبب في خصوبة الأرض، ونجاح مواسمهم الزراعية، لذا فإن الأهالي لم يمنعوا الطيور من أن تحط على أشجار مزارعهم. وبينما تقتات الطيور على ديدان الأرض، ويرقات المحاصيل الضارة وجرذان الحقول، يوعز المزارعون نجاح مواسمهم الزراعية إلى رضا الأرواح، ودعمها الذي لا ينقطع إلا عندما يغضبون، فتزحف الغربان السوداء على المزارع، وتأتي على الأخضر واليابس وتقضي عليه، فتقيم النساء المناحات حزناً على تعاسة أرواح أطفالهن الراحلين.
قيل إنّ الشيطان يتشكّل في أجساد الكلاب السوداء، فيدخل البيوت ويبث فيها الشرور والأحقاد، وأوعز البعض حوادث غرق المراكب النهرية إلى أنّ بعضها تتسلّل إلى النهر، وتستحم وتشرب منه؛ فأطلق شبان القرية وشيبانها حملة للقضاء عليها كانت الأشرس في تاريخ القرية كلها. ثم عمّت الحملة كل الحيوانات السوداء: قطط، عقارب، أفاعي، غِربان. وأُصيبت القرية كلها بلوثة اللون الأسود. حدث هذا بعد خطبة الجمعة التي ألقاها الشيخ عبد الصبور دهب (إمام القرية) وحذر فيها أهالي القرية من الكلاب السوداء التي تسكنها الشياطين؛ ولذا فإنهم رأوا في قتل كلب التمتام الأسود واجباً دينياً مقدساً. كل ذلك ساعد على إقناع الأهالي بأن قريتهم تعج بالملائكة والشياطين، وأغلب الظن أن هذا هو فهرس الحياة السرّي.
قالت الجدة مِسكة فيما يُشبه العتاب المؤدّب: "إنّ العجوز التمتام دُفن دون مناحة تليق بسنوات عمره الثمانين، أو بمآثره التي لا تعترف بها إلا النساء فقط. ولم يترك ورائه ما يجعل الآخرين يتذكرونه به غير كلبه المعلّق على السارية، وثلاث عشرة حفرة متفرقة في جسد القرية الحجرية، وبعض الخردوات التي يحتفظ بها في حقيبته القماشية". ولم يدع أحد الرواة معرفته باسم جلال التمتام بالكامل، ولكنهم ذكروا أن (التمتام) لقب أُطلق عليه لكثرة تأتأته.
جاء إلى القرية قبل سنتين من وفاته، ولم يحمل معه –وقتها- غير حقيبة قماشية يجعلها على ظهره، وتميمة معدنية يضعها في يده اليسرى، وكلبٍ أسود يتبعه لاهثاً بلسان متورّد ورطب. سكن أطراف القرية، وأقام خيمته المصنوعة من مادة غير مألوفة على تلة يستخدمها كَلَس كمئذنة يرفع منها آذان المغرب في المواسم الرمضانية، ورغم أنّ جلال التمتام جاء في غير مواعيد رمضان؛ إلاّ أن أهالي القرية اعتبروا ذلك مساساً بمقدساتهم، وقرروا طرده وحرق خيمته، وكادوا أن يفعلوا لولا تدخل العمدة.
وبفتوى من الشيخ عبد الصبور دهب تم منع النساء من النياحة عليه بعد موته؛ رغم أنهن الوحيدات اللواتي أحزنهن رحيله فعلاً، فلم يبكين عليه إلا سراً. وعادت للتلة قداستها؛ حيث تتنزّل الملائكة بعد غروب شمس كل يوم دون أن يتمكن أحد من رؤيتها. وأكدّ البعض أنهم رأوا خيالات ضوئية خضراء وبيضاء تلّف التلّة بعد وفاة التمتام بيومين، وفسّر الشيخ عبد الصبور تلك الأضواء بأنها الملائكة، وأكّد بأنه ليس بإمكان أيّ بشر رؤية الملائكة عياناً؛ إلاّ أولياء الله الصالحون الذين يخصّهم بكراماته ويكشف عنهم حجاب الرؤية.
وظلّت سيرة الضوء الذي لم يشهده إلا أموات القرية حجّة على قداسة التلّة التي أصبحت في مقام جبل عرفة من الحجاز؛ لذا فإن عمدة القرية أمر –بإيعاز من شيخها- أن تُسوّر التلّة بسياج له باب. وتولّت عائلة كَلَس حراسة التلّة، واحتفظوا بمفتاح بابها الزنكي المتين، ومُنع الناس من التبوّل أو قضاء الحاجة عندها.
وحسب رواية الجدة مِسكة فإن رجال القرية وأطفالها تجمهروا على باب خيمة الغريب التي كثمرة إجاص عملاقة حاملين العصي والحجارة، في انتظار أن يخرج إليهم الغريب، ولكنه خرج راسماً ابتسامة سلمية حذرة على وجهه، وهو يستقبل العمدة وضيوفه: "يمكنني أن أجيب عن أيّ سؤال تشاءون؛ إلاّ فيما يتعلّق بجهة قدومي. أنا بينكم الآن لأن العالم انتهى بي هنا، وهذه التلّة طيّة العالم الكبيرة. أحببتُ أن أموت في هذا المكان الجميل. ماذا يضيركم إن بقي بينكم رجل عجوز مثلي؟!" أخرج التمتام بعض الأدوات المعدنية من جُراب جلدي قديم معلّق على عارضة الخيمةِ، ونثرها أمام الجميع: "هذا كلّ ما أحمله." نظر الناس بدهشة إلى الخردوات التي يحملها، وكتموا ضحكاتهم، بينما قال العجوز الغريب:
"هذه آخر أسرار الفيزياء الحديثة. الإنسان ينوي أن يطوي العالم في كفّه، وهو في طريقه إلى خلق معجزاته الخاصة، البعض يتحدث عن عصور قادمة لن يحتاج فيها الإنسان إلى الحركة؛ حيث سيكون كل شيء بضغطة زر واحدة، وسيكون للأسلاك المهملة شأن عظيم في تواصل البعيدين وتقريبهم من بعضهم، وستعود الخيول والجمال والحمير إلى البريّة؛ إذ لن يكون الإنسان بحاجة إليها في تنقلاته، ربما تصبح أداة لتسلية إنسان ذلك العصر! سوف يعرف الناس الضوء الذي يوقد بلا زيت، يوقد بالأسلاك والأزرار، وعندها لن تعودوا بحاجة إلى فوانيسكم التي ستوُدع المتاحف. هل تعرفون المتحف؟ وسوف يتوقفون عن كتابة الخطابات والزيارات، سوف يكون كل ذلك تراثاً لا يتبعه إلا الفقراء والجهلاء فقط. سوف يتمكن الإنسان من رؤية الشياطين والجن بعينيه، ويختفي هو عن الأنظار! سوف يُصبح هو أسطورة يخشاها مردة الجن، ويُجنبون أبنائهم منهم. سوف يُصبح الإنسان قادراً على رؤية ما وراء الأشياء الصلبة، والدخول من خلالها. هذه ليست محض أمنيات أو خيالات. سوف تنهار الأسرة ويتبادل الجميع الأدوار، فمن كان له ابنة أو ابن فليسعد برؤيته الآن وليتمتع بحسّه الأبوي؛ فربما لن يعود هنالك أبناء. سيكف الإنسان عن مغازلة القمر في أغانيه وأشعاره، ويصعد إليه في زيارة سياحية كل عام! الراكضون وراء الإبل والأغنام سيجدون ذلك مضحكاً، ولكن تلك هي الحقيقة."
كلماته المتعجرفة تلك جاءت موافقةً لبريق ماكر لمع في عينيه. رفع حاجبه الأيمن الكث حتى ظنّ الناس أنه سيقع، استغربوا كيف أنّ شعر حاجب أكثر كثافةً من الآخر. ملامحه تلك أشعرتهم بالخوف منه، إضافةً إلى طريقة كلامه المليء بالطلاسم المخيفة، والعبارات المبهمة.
مدّ التمتام يده داخل جُرابه، وأخرج قطعةً معدنيةً غريبةَ الشكل، وضعها بشكل عمودي على الأرض، وراح يضغط على طرفها العلوي بسبابته؛ فأخذت تتراقص بمرونة، ثم أفلتها فجأةً؛ فقفزت كجراد مذعور في حقل يحترق. تعجّب الأهالي للمعدن الطيّار، وكانت تلك هي المرّة الأولى التي يتعرفون فيها إلى النوابض المعدنية.
ثم مدّ يده -مرة أخرى- وأخرج أداة أخرى، وأبدى –هذه المرة- اهتماماً بالغاً بما يفعله. تجمهر الناس حوله، وهو لا يفعل شيئاً غير الإمساك بتلك الأداة غريبة الشكل. بدت لهم كقرص زجاجي تافه لا جدوى منه، وانتفضوا مذعورين عندما بدأ اللهب يشتعل في الأوراق اليابسة تحتها. سبحلَ البعض بصوتٍ عالٍ: "سبحان الله .. سبحان الله"، ونظروا إلى بعضهم البعض وهم يضحكون. قال أحدهم: "لقد عاد عصر المعجزات!" الوحيد الذي لم يعجبه الأمر هو الشيخ عبد الصبور دهب؛ فقد نهض مفزوعاً من مكانه كالملدوغ وهو يقول: "هذا سحرً، هذا فعل شيطاني، لا يجوز. حرام!" وغادر المكان وهو يكرر: "استغفر الله العظيم .. استغفر الله العظيم!"
عمدة القرية لم يكترث كثيراً لفزع الشيخ عبد الصبور، وشغله اندهاشه عن ذلك. تقدّم التمتام منه، وهو يمسك أداة أخرى غريبة الشكل، قال: "أمّا هذه فتسمى (عين الشيطان). خذ، أمسكها يا عمدة وانظر من خلالها". لبعض الوقت؛ تردد العمدة؛ وخاف أن يؤدي ذلك إلى فقدانه بصره، خاف أن يخرج منها مارد شيطاني، ويتمكن من الدخول إلى جسده عبر عينيه فتحرقهما: "ماذا تريدني أن أرى بهذا الشيء؟ أنا لا أؤمن بالسحر." ضحك التمتام، وأخذ ينظر من خلالها ناحية القرية: "سترى القرية -كلّ القرية- بين يديك، لا يحق لغيركَ أن يراها كذلك."
عندها قفز العمدة مدفوعاً بشغف السلطة والفضول. نظر إلى القرية فرأى البيوت وكأنها أمام عينيه تماماً. رأى الشيخ عبد الصبور راكباً حماره وقد تعلّقت ثمرة نبتة شوكية بعباءته، بدا قريباً لدرجة أنّه مدّ يديه لينتزع الثمرة الشوكية عن عباءة الشيخ عبد الصبور، ولكنه لم يتمكن من ذلك، أزاح الآلة عن عينيه؛ فرآه بعيداً جداً عنه فصرخ مجدداً: "سبحان الله!" وتهافت البقية على العمدة يريدون أن ينظروا من خلال الآلة العجيبة فزجرهم: "لا أحد يحق له النظر من هذه العين الشيطانية إلاّي؛ وإلا ستحتقرون." ابتسم التمتام في سخرية وقال: "حضرة العمدة، هذه الآلة تسمى (المنظار)، وهي إحدى منجزات الفيزياء الحديثة". مسح العمدة أنفه وسأل: "وما الفيزياء؟"
imported_هشام آدم
22-02-2012, 05:42 PM
أحاطت هالة من الغموض بهذا الغريب الأسطوري؛ فخشيه البعض واعتبروه ساحراً، وآمنوا أن كلبه الأسود ما هو إلا مارد من الجن يُساعده في أفاعيله الشيطانية، بينما اعتبره آخرون من أولياء الله الصالحين، ومن أصحاب الكرامات. وبأمر من العمدة اجتهد شباب القرية -بهمة غير متوقعة- في بناء منزل من الطين ليقيم فيه التمتام؛ عِوضاً عن الخيمة التي سكنها عند قدومه. وعندما انتهوا من بناء بيته وقرروا مساعدته على الرحيل، شاهدوا ما لم يروه في حياتهم؛ إذ تحكي الجدة مِسكة إن الخيمة التي من مادة غريبة بدأت -بحركة من إصبع التمتام- تتقلّص بشكل تلقائي حتى أصبحت كغريرة من الخيش؛ فطواها ووضعها في جرابه أمام دهشة الجميع؛ ثم مضى معهم، وكأنه لم يفعل شيئاً قط!
كان يُمسك بآلة غريبة، يُمررها على الأرض، وهو يتابع طرفها المضيء باهتمام بالغ. يحفر حفرة بطول قامته، ثم يخرج منها، ويُمرر آلته على الأرض من جديد، ويحفر في مكان آخر. لم يجرؤ أحد على أن يسأله عمّا يفعل. كانوا يتوقعون منه أشياء غريبة، وينتظرون أن تبزغ الحكمة من بين أصابعه في كل حركة يؤديها. قالت الجدة مسكة: "رغم غرابته؛ إلاّ أن أحداً لم يُشكك في سلامة عقله. آمن الجميع بأن ما يفعله هو شأن لا قبل لهم به. كل ما فعلناه هو انتظار أن نرى ما سيحدث، ولكنه مات قبل أن نعرف عمّا يبحث بالتحديد!"
دخلت صابرين (ابنة العمدة) تاريخ القرية من أبوابه المشرعة عندما تمكنت من بتر ذيل كلب التمتام الأسود بفأس أبيها. هي الوحيدة التي حكت ما جرى، وصدقها الجميع، عندما رأوا الفأس في يدها اليمنى، والذيل الأسود المبتور في اليسرى. خافت زوجة العمدة على ابنتها من أذية الجن، فحبستها شهراً في البيت، ولم تنقطع الأبخرة والآيات القرآنية عن سرايا العمدة طيلة الشهر، حتى ظنّ الجميع أنها سلمت بفضل دعوات الشيخ عبد الصبور وأحجبته الغليظة.
اعتاد التمتام على الجلوس عند شاطئ النيل في الأوقات التي لم يكن يجرؤ فيها أهالي القرية على الخروج من منازلهم، ولم يستبعدوا منه ذلك وسط غرائبه الكثيرة. ولا تتذكر الجدة مسكة أول مرة شاع فيها خبر علاقة التمتام بجنيات الماء، اللواتي كرّسن حياتهن لاصطياد الشباب، وإغواؤهم بأجسادهن الملساء العارية، وسحبهم إلى النيل وإغراقهم هناك، وجعلنه شغلنه الشاغل.
لم تبد الجدة مسكة متأكدة -وهي تحكي لنا إحدى حكايات أرض الميّت مع جنيات الماء- ما إذا كانت هؤلاء الجنيات يُغرقن الشباب فعلاً، أم يأخذنهم إلى عوالمهن السفلية تحت الماء. قالت: "يحكي البعض إنّ هؤلاء يذهبون باختيارهم طائعين، ويختارون أن يعيشوا معهن في عوالمهن، حيث يتزاوجون هناك، وينجبون، ومن يختار الزواج من جنيّة، فإنه لابد أن يوافق على ألا يعود إلى دنيانا ثانية."
كنت أعرف أن الجدة مسكة –كعادة النساء في أرض الميّت- تحاول إخافتنا بتلك القصص عن جنيات الماء لمنعنا من السباحة في مياه النهر ليلاً أو دون صحبة راشد، ولكن ورغم ذلك اليقين الجارف؛ فإنني لم أستطع أن أمنع نفسي من سماع المزيد، وأخاف في كل مرّة. كانت تلك إحدى الطرق التي يتبعها الكبار لضمان انصياع الصغار للأوامر، فيما كانت طريقة للحض على النوم كذلك. علّمتني جدتي عدّ النجوم، قالت إنها تساعد على النوم كثيراً؛ ولكنها لم تكن تجدي نفعاً معي على أية حال.
بدأت النساء في زيارة جلال التمتام سراً، وحكين له قصصهن السريّة، والأحاديث التي تجري وراء الجدران الجالوصية، حتى أنّ إحدى زائراته السرّيات كانت زوجة العمدة نفسها. ومما أذكره من كلام الجدة مسكة، إن جُراب التمتام احتوى قصص نساء القرية وحكاياتهن التي لا يعلمها إلاّ هو؛ ولذا فإن معظم نساء أرض الميّت دنّ له بالولاء والمحبة المحفوفة بالسريّة.
النساء أكثر إيماناً بالخرافة، لأنهن الأقل حظاً من التعليم في أرض الميّت التي تنتشر فيها نباتات العُشَر كالوباء، حتى خطب الجمعة التي يلقيها الشيخ عبد الصبور على أهالي القرية لم تخل من ذكر النساء ومكائدهن، ومازالت إحدى المخطوطات القديمة التي احتفظت بها عائلة كَلَس تحوي خطبه التي ألقاها في صلاة الجمعة والعيدين، وجاء في بعضها:
"النساء إحدى الآفات التي خلقها الله لامتحان قلوب الرجال، هنّ الامتحان والابتلاء الحقيقي والأشد في حياة المؤمن. النساء كالشياطين لولا أننا نراهن عياناً، إنهن كالفيضانات والطواعين وكافة الابتلاءات التي تواجه أحدنا في طريقه إلى الجنّة. من أرخى لهن أذنيه فكأنما أسلم إلى الشيطان زمامه. ألم يكنّ آخر ما حذر منه الرسول وهو على فراش الموت (ما تركت فتنةً أضرّ على الرجال من النساء)؟ أولم يحذرنا ربنا منهن (إنّ كيدهن عظيم)؟ فكيف بنا نراهن على متاع الدنيا وهي زائلة لا محالة؟ فاتقوا الله في أنفسكم وفي دينكم، ولتتق النساء الله في أنفسهن وفينا، فلا يخرجننا من الجنّة مرتين."
ويبدو أن خُطب الجمعة –وقتها- لم تخل من ذكر النساء والشياطين ونباتات العُشَر التي يُشاع أنها ثمار الجن والعفاريت، وحتى اليوم يتناقل الناس مقولته المشهورة عن العُشر:
"ما كثرت في مكان؛ إلا كانت إشارة إلى وجود الجن والشياطين، فهي لا تُزرع، ولا تُقطع ولا يُستفاد من ثمرها، وإن أصابت عصارتها عين الإنسان فإنها تُصيبه بالعمى."
ويتفق جميع الرواة على أن الشيخ عبد الصبور هو الشخص الوحيد الذي لم يُحب جلال التمتام؛ رغم افتتان الناس بما يحمله في جُرابه من خردوات سحرية، وحكمته التي يشهد له بها الجميع، ولكنه لم يستطع فعل شيء حياله، لأنه حظي باهتمام واحترام شديدين لدى عمدة القرية؛ لذا صبّ جام غضبه على كلبه الأسود بعد موته. هكذا فسّر البعض ثورته على الكلب المسكين.
أشاع جلال التمتام لأول مرة روح الفلسفة والتأمل في القرية، وتنقل الجدة مسكة عنه قوله: "الله ليس في السماوات، وليس في الأرض. الله ليس في المكان لأنه في كل مكان. ليس شيئاً؛ لأنه كل شيء. الله هو الإنسان وموهبته الكبرى، وهو الكون وإبداعه وتناسقه، وهو حيث لا نتوقع أن نراه ونسمعه. كونوا قريبين من الطبيعة تكونون أقرب منه حيث هو." ولكن أحداً لم يكن ليفهم، رغم إعجابهم بما يقول.
تقول الجدة مسكة إنه جعلهم يُعيدون النظر في كل شيء، حتى تلك المسلّمات التي أظهرها لهم بائسة وعديمة الجدوى. ومن المقولات التي نقلت عنه: "لم يخلقنا الله لنعبده، وإنما لنعرفه؛ تلك هي العبادة الحقّة!" تكرر جدتي ذلك دائماً وهي ترسم ابتسامة لم أستطع فهمها على وجه الدقة. أحاول الآن تذكرها، فلا أستطيع، ولكنها ابتسامة ساحرة تشتعل بالحكمة، والإيمان على أية حال. أذكر أنني عندما سألتها عن شكله وأوصافه، فكّرت قليلاً ثمّ قالت:
"يُشبه الموتى! رجل أبيض نحيل، ذو قامة طويلة لا يُعكّرها إلاّ تقوّس في ظهره يبدو إنه تقوّس مرضي أكثر منه أمارة على الشيخوخة، ورأس أصلع إلاّ في مؤخرته؛ إذ تنساب شعرات طويلة وناعمة متفرّقة بشكل عشوائي تُغطّي قفاه جزئياً. له شفاه سفلية غليظة غير متناسبة مع حجم شفته العليا على الإطلاق، وأصابع يده النحيلة كأعواد خيزران مكسوّة باللبّاد المرن، ولا تختلف عن أصابع قدميه كثيراً، وعيناه جاحظتان في هدوء كأنه يرى بهما في جميع الاتجاهات في وقتٍ واحد، وبعض الثآليل القاسية على أحد جوانب رقبته الطويلة".
أكثر ما يُميّزه –كما حكت جدتي- تفاحته البارزة التي تتوسّط حنجرته والتي لا تكف عن الحركة كلّما تكلّم أو ابتلع ريقه، قالت عنها: "إنها تفاحة نادرة ومخيفة، تكاد تنزلق خارج حنجرته لولا حفظ الله ورعايته."
ضحكت فجأة وهي تحكي لنا عن فلسفته ودينه الخاص، وتذكرت ما قاله أحدهم، عندما وقف كمن اكتشف سرّ زرقة مياه النيل: "ربما يحفر التمتام الأرض بحثاً عن الله!" ولكن الجميع أخرسوه واتهموه بالجهل. أذكر أنني ضحكت كثيراً كذلك، ولكن ضحكة الجدة مسكة تميّزت عن ضحكاتنا بالوقار والهيبة.
قيل أن التمتام مات دون أن يعرف بموته أحد، ضلّت روحه تحوّم في الأرجاء دون أن تهتدي إلى طريقها أخيراً. البكاء والصلوات ومراسيم العزاء هي التي تهدي الأرواح –بطريقة ما– إلى طريق البرزخ دون أن تحتاج إلى التفكير. الأرواح لا تفكّر؛ لأنها بلا أدمغة، ولكنها عندما تحاول ذلك؛ تصدر ضجيجاً يُخِل بفيزياء الطبيعة. عندها يتولّد الوهم؛ فنتوهّم الأشياء ونعدّها هذيانات حمى التايفويد المزعجة.
عندما فاحت رائحة العفن –وليس عندما افتقدوه وهو يجر حبل القارب ليعبر الجدول المائي إلى الضفة الأخرى، أو حين يحفر في القرية بشكل عشوائي دون أن يعرف أحد عما يبحث– عرف الجميع بموته. قلّة منهم فقط قاموا بدفنه مُحتملين تلك الرائحة النتنة، هذا عملهم!
الجيّد في الأمر أنّ أحدهم استطاع نزع الصورة من كفّه المتيبسّة. صورة من ورق كلاريك رديء جداً ليس معروفاً في ذلك الوقت؛ رداءة الورق هي ما فسّرت تكسره بسهولة في يد عجوز لا يقدر على أن يتحكم في حركات أطرافه، ولم يستطع أحد أن يتعرّف على السيّدة البيضاء في الصورة، أو يستدل على العلاقة بينها وبينه. قال البعض عندما علموا خبر وفاته: "كان يجب أن يموت منذ عشرة أعوام أو أكثر، فهو عجوز كفاية." بينما استشعرت في كلمات الجدّة مِسكة نبرات حاسدة وهي تقول: "يا له من رجل محظوظ؛ إذ مات منتصف الليل؛ أنهى يومه كما يُنهي عامل البنطون يومه المهني: عرف كلّ ما دار في يومه ذلك، وشهد الأوقات كلها: خروج النساء إلى النهر وعودتهن، وخروج الرجال إلى الغيطان وعودتهم، ولعب مع الأطفال، وضحك، وتناول عشائه، وشرب كأس مائه البارد؛ ومات". ولكن موته لم يكن سبباً في حزن أحد، غير النساء!
النساء العجائز يُخلصن في عملهن في المناحات التي تقيمها القرية عند موت أحدهم. يذكرنَّ شجرة العائلة والمآثر والخصال التي يتمتع بها، ويفعلن ذلك بلحن مُوحّد. ولكن في حالة هذا العجوز أخذت النياحة شكلاً آخراً. جاءت كل النساء للمأتم السرّي الذي أقمنه في دار زوجة العمدة حيث لا تطالهن يد شيخ القرية وعيونه، وبكينهُ بحرقة بالغة، ورغم أنّ النائحات لم يعرفن له شجرة عائلة لتذكرنه بها في نياحتهن؛ إلا أنهنَّ نُحْنَه بأكثر مما نُحْنَ شخصاً آخر؛ ظللنَّ يُكررنَّ: "أيها العجوز المرتحل المسكين، يا من أضأت ظلمات الصدور التعيسة بالحكمة الآسرة، يرحل عنّا جسدك الآن، لتبقى روحك في الأرجاء من أجل النساء العازبات والراغبات في الإنجاب، وليبارك الله روحك إلى الأبد." استغفرت إحداهنَّ سبعين مرّة بعد انتهاء المناحة؛ علّ الله أن يغفر لها كذبتها تلك.
مات جلال التمتام أخيراً كما تمنى البعض، وترك وراءه كلباً أسود علّقوه –بعد قتله- على عارضة خشبية، وثلاث دجاجات وديك لا يُلقح ولا يؤذن، وبعض الخردوات التي استولى عليها عمدة القرية في غفلة من الناس، حين أمرهم بحمل جثته إلى منزل الشيخ عبد الصبور ليغسّله استعداداً للصلاة عليه، وبعد مغادرتهم جميعاً، بحث عن خردوات التمتام حتى وجدها ودسّ بعضاً منها داخل ثيابه، ودسّ بعضها الآخر تحت عباءته، وغادر دون أن ينتبه إليه أحد.
أعاد الشيخ عبد الصبور جثة جلال التمتام في نفس العربة إلى العمدة مرّة أخرى، ورفض تغسيل الجنازة أو حتى الصلاة عليها لأنه لا تجوز الصلاة على الساحر، وأن الأولى بجثته الحرق، وليس الغُسل، ولم يشأ العمدة أن يتحمّل ذنباً كهذا، فأمر بدفن الجثة سراً دون تغسيل أو صلاة. وظلت أسطورة جلال التمتام أكثر الأساطير الشعبية تداولاً في أرض الميت، برغم ما في رواياتها من تناقض واختلاف، ورغم نهايته المؤسفة والغامضة التي أضفت على حياته الأسطورية رونقها الخاص الذي تتمتع به الآن.
لم يؤمن أهالي أرض الميت -حتى وقت قريب من وفاة جلال التمتام- بوجود مدن وبلدان أخرى خارج خارطة منطقتهم المنحصرة بين نهر لا يكفّ عن الجريان، وجبل لم يُحدّث نفسه بالحركة والتغيّر! غير أنّ التمتام أخبرهم عن عوالم أخرى أكثر صخباً وضجيجاً من ضجيج سواقي النيل ونهيق حمير القرية ونباح كلابها. أخبرهم عن مدن من الحديد تقبع في أناقة وراء جبل ميمي وعن بيوت زجاجية يسكنها البشر، تفتح أبوابها تلقائياً بمجرّد المرور من أمامها، وسمع الناس منه لأول مرّة عن البيوت ذات الطوابق المتعددة، وأخذ الشيخ عبد الصبور دهب يُكذّب كلّ ذلك ويقول: "إنّ التمتام يستغل جهل أهالي القرية ويُروّج للخرافة والأوهام".
اعتقدوا أن العالم ينتهي عند جبال ميمي، وأن ورائها تماماً أرض المحشر العظيم. عزّز هذا الاعتقاد ما رواه البعض عن أسفار غامضة قام بها شبان مغامرون في حقب متتالية لعبور الجبل إلى الناحية الأخرى، وأنّ أحداً منهم لم يعد مرّة أخرى. قيل إن جبل ميمي يحرسه العفاريت، كما أن مياه النيل تحرسها التماسيح!
وفي بعض الكهوف البدائية التي على إحدى سفوح جبل ميمي، وعلى صخوره الجرانيتية السوداء العملاقة التي كصخور نيزكية محترقة منذ ملايين السنين، ثمة رسوم تبدو كرسوم الأطفال تصف ما يعتقدونه: تماسيح بأسنان حادة ذات لجام، تمتطيها مخلوقات غريبة ناهضة شبيهة بالإنسان ولها قرون، وآثار معركة ضروس. ولولا الشياطين البيضاء لما تمكن أحدنا من معرفة ما بداخل هذه الكهوف حتى اليوم!
في أرض الميّت تتقاسم التماسيح مياه النهر مع بني البشر، فتسبح التماسيح في النهر ليلاً، وتستخدمه النسوة صباحاً لغسيل الثياب، والأواني. والرجال لغسيل القوارب والحمير. والشباب للسباحة، والصيد. كل ذلك باتفاق غير مكتوب بين أبناء القرية وتماسيحها. والتماسيح غير مسؤولة عمن يخرق هذا الاتفاق؛ فتلتهم الأطفال الذين يخرجون خلسة من البيوت ليدشّنوا قواربهم الورقية، أو تلك المصنوعة من الأحذية القديمة البالية، ولا عزاء لأحد.
في أرض الميّت تتقاسم العقارب والأفاعي الأرض مع بني البشر، فتهيم العقارب والأفاعي في الأرض مساءً تحت الصخور، وأوراق الأشجار المنكفئة على وجهها، وخلف كل شيء ساكن. بينما تنتشر فيها النسوة صباحاً لتهذيب الحشائش في المزارع القريبة، وتقسيم أحواض الزراعة، وعيادات المرضى، والولادات المستعجلة. والرجال لسقيا المزارع والعزاءات وحفر القبور، وإعداد الخمر التقليدية. والشباب لجلب الدقيق على ظهور الحمير، ومغازلة الفتيات، والسوق. والأطفال للعلب السَكَج بَكَج، وشليل، وتصنيع سيارات من علب الصفيح القديمة. والعقارب والأفاعي غير مسئولة عمن يخرق هذا الاتفاق؛ فتلدغ الذين يخرجون ليلاً لجنس طارئ، أو بحثاً عن مفقود، أو قضاء حاجة.
ورغم أن أرض الميّت قرية صغيرة (ولطالما رأيتها كذلك)؛ إلاّ أنها تعج بالقصص الخرافية والأساطير عن الجن والعفاريت والضباع، ولا تزال الأجيال تتناقل بفخر غير مسبوق أسطورة أسلافهم الذين روّضوا الضباع، وامتطوها عوضاً عن الحمير. الرجال في أرض الميّت يصنعون الخمر، ويزرعون الخشخاش، ويرقصون الأُولّيّ والهُمْبيق ويتفاخرون بالحمير، بينما تقوم النساء بالأشياء الأكثر أهمية؛ فهن يجلبن البرسيم، وينظفنّ المزارع والبيوت، ويصنعن التركين والأبري، بينما تهتم التماسيح والعقارب بتربية الأبناء.
ثمّة علاقة غريبة بين النوبيين وبين النهر، ولم يحدث أن تساءل أحدنا قط "لماذا نُسمّيه بحراً وليس نهراً؟" ربما لأنه واسع وهادر كالبحر، وربما لأننا لم نعرف البحر أصلاً، وربما نُسميه كذلك احتراماً له. الأكيد أن ثمّة حبل غليظ يربط النوبيين بالنيل ويجعلهم مأسورين له؛ إذ يُعتقد أنه ينبع من بين أصابع قدمي الإله، ويُحلّ البركة على كل الأراضي التي يمر بها، وحتى مجيء جلال التمتام الذي كسر هيبة النهر وتبوّل فيه علناً.
تلك الحادثة كانت كفيلة بطرد التمتام من القرية أو أن تنهي حياته داخل أحشاء النيل وتُغيّبه فيها إلى الأبد. أحد الكارهين الخفيين له أسرع بإخبار العمدة فأسرع في طلب الشيخ عبد الصبور الذي أذن في الناس أن الصلاة جامعة، وتجمّع رجال القرية حاملين فؤوسهم وعصيّهم وحبالهم إلى بيته، حيث غلّوا يديه وراء ظهره، وأوثقوا قدميه وساروا به إلى النهر ليكون شهيداً عليهم.
رمت أضواء الفوانيس الزيتية، ولهب المشاعل ظلالاً عملاقة ومخيفة أمامهم، وكأنها ظلال شياطين منفلتة من مرابطها. كانت جمهرة الناس تُصدر أصواتاً خافتة كحمحمة الخيول وعزيف العفاريت. وقف الجميع أمام النهر في إجلال، وتقدّم الشيخ عبد الصبور دهب، وأدار وجهه للناس وقال:
"إنه في كتاب الله من أراد إفساداً في الأرض أن يُقتل إظهاراً للحق ونيلاً لأمان الناس، وصدق الله العليم بعباده وحوائجهم. وإنه لمن الإفساد في الأرض أن يتبوّل الرجل في ماء يشرب منه الناس والبهائم والزرع تعالياً وغروراً وجهلاً من عند نفسه. وإذ لم يُفسد هذا الرجل بقتل الأرواح بطريقة مباشرة، فإننا نستمد حكمنا من كتاب الله وشرعه، وأن نوكل أمر الرجل إلى النهر (صاحب الحق الأول) بأن نُلقيه فيه معصوب اليدين ومقيّد الأرجل؛ فإن نجا فتلك مغفرة من الله، وإن غرق فتلك مشيئته النافذة."
ثمّ إنهم همّوا به فأمسكوه وهو هادئ لا يُحاول الإفلات منهم، وقد رسم على وجهه ابتسامته الهادئة التي تُغيظ الشيخ عبد الصبور كثيراً. تقول الجدة مِسكة إنهم أرادوا حمله على قارب والمضي به إلى منتصف النهر وإلقائه هناك، ولكنه أفلت منهم برفق، وأخرج ذكره أمام الناس وتبوّل في النهر ثانية، ثمّ انحنى وشرب من مياه النهر، وقال:
"إنكم لن تقتلوني ولن يقتلني النهر، لأنني خارج هذا الزمان ومتوّحد فيه، أنا أحد عجائب هذا الزمان. إن تبوّلتُ في إناء أحدكم أو زيره فلن أُمانع في أن يقتلني بيديه، ولكن النهر يجري لمستقر له. عليكم أن تقتلوا أنفسكم أولاً لأنكم تغتسلون في هذا النهر كل يوم، وتلقون فيه أوساخ ثيابكم القذرة، وتغسلون فيه بهائكم ثم تشربون منه في غبطة. هذا النهر ليس هو النهر الذي يمرّ من هنا كل يوم!"
نظر الشيخ عبد الصبور إلى العمدة الذي أطلق وجهه بابتسامة عفوية، وملامح قناعة يقينية، وتوقف الرجال فجأة عن الحمحمة؛ ثم انصرفوا تتبعهم أضواء المشاعل والفوانيس الزيتية، وعادت العتمة المشوبة بضوء بدر غير مكتمل النمو تضرب وجوه النسوة اللواتي أطلقن زغاريدهن في ابتهاج، وتقدّمت بعضهن وحللن قيده.
بعد موت التمتام وكلبه، كان ما يزال الكثيرون يؤمنون به كرجل صالح وصاحب كرامات، وقليل من الناس فقط اعتقد بأنه صاحب حظوة لدى الملائكة الذين يسرّبون إليه بعض أخبار السماء المستقبلية والغيبيات، ويتذكّر له البعض صدق نبوءاته التي جرت في حياته كما حكا بالتفصيل. ورغم استحالة معظم نبوءاته؛ إلاّ أن أهالي القرية –حتى المتشككين منهم- لم يجزموا بأنها قد لا تحدث على الإطلاق، ولكنهم فقط استغربوا حدثوها، أو توقعوا ألا تحدث في حياتهم.
إحدى أكثر نبوءات التمتام غرابة كانت بشأن الحمير؛ إذ نقل الناس عنه قوله: "عندما تكثر الحمير، يقل البشر!" ورغم عصيان تلك الكلمات على التحقق بالنسبة إلى أهالي القرية؛ إلا أنهم آمنوا بها بكل جوارحهم، واستبشروا بها خيراً.
إحدى المؤمنات بنبوءات جلال التمتام كانت السيّدة عواضة زوجة العمدة التي ذهبت إليه خلسة كما بقية النساء، وطلبت منه الكشف عما تخبئه لها الأقدار؛ إذ خشيت أن يتزوّج عليها العمدة طلباً لإنجاب مولود ذكر.
imported_هشام آدم
22-02-2012, 05:45 PM
عواضة بصيلي -ذات الثمانية وأربعين عاماً، والمتزوجة من عمدة القرية منذ أكثر من ستة وعشرين عاماً- لم تنجب له طوال سنوات زواجها سوى إناث فقط، وخشيت أن تذهب ثروات زوجها الزراعية لأبناء أخته (فانا سالي) التي يبدو أنها لم تحبها قط. ورغم ما يبدو على القرية من تداخل ومصاهرة؛ إلاّ أنّ الولاء للأرومة الأسرية كان هو المحرّك والمحرّض الأساسي في خلافات وتحالفات أهالي القرية.
بعد أن أحرق التمتام بعض البخور المجلوب من أدغال الصومال، وقرأ تعاويذه الطلسمية، ردد بطريقة شعرية ساجعة، ولكنة نوبية ركيكة:
"ما تخافي الفوات.
العمدة مربوط بثبات.
والولد من صلبه آت.
يمكن يكون موجود ومات.
ويمكن حيجي من البنات."
في جلسات تحضير الإتّر والتركين في القسم النسائي المخصص من سرايا العمدة تجلس عواضة ذات الأسنان الأمامية البارزة وكأنها أنثى قندس نهري مع نسوة القرية الفضوليات تنشد ما سمعته من التمتام، وهي تُمني نفسها بمولودها المرتجى، وتقول: "سوف يأتي الولد ببركة نبوءة الشيخ التمتام!" وتسخر منها النسوة لأنها تناست –في غمرة فرحها- أنها لم تعد قادرة على الإنجاب. ولكن وبعد مرور الوقت، وموت التمتام دون تحقق النبوءة، كفرت عواضة بصيلي بجلال التمتام كرجل صالح ذو كرامات تماماً كما كفرت به الكثير من نساء القرية. وعلى عكس النساء النوبيات تعتبر عواضة بصيلي زوجة مهادنة ولا تجد كينونتها إلاّ في طاعة زوجها طاعة عمياء؛ فلا تحسن أمامه إلاّ حِرفة الخنوع؛ الأمر الذي منحه شعوراً طاغياً بالسلطوية والسيادة.
في ذلك الوقت الغابر من تاريخ أرض الميّت، لم تكن القرى النوبية المنحدرة من نواة مجتمعات أمومية بائدة ممهدة لثورات اجتماعية من ذلك النوع حتى يتقبّل الأهالي فكرة التعددية، ولكن عواضة بحس أنثوي مستنير لم تستطع أن تركن إلى هذا المنحى الاجتماعي المتغيّر؛ لاسيما وعلى بعد فراسخ منها تأتيها الأخبار من قرى يقطنها الهوسا والبشارية عن رجال يتزوّجون ما طاب لهم من النساء، طلباً للذريّة أو بدواعٍ جنسية جشعة. ولم تتمكن من معرفة ذلك إلاّ بعد أن تمكّن زوجها العمدة من حلّ لغز الجهاز الذي بحجم ثمرة البطيخ ضمن ما وجده من مسروقاته في جراب جلال التمتام بعد شروحات مستفيضة من أحد الحجيج القادمين من الحجاز، فأصبح العمدة أوّل من امتلك مذياعاً في أرض الميّت
يتسلل البعض خفية حتى يصل أسفل إحدى نوافذ سرايا العمدة التي يضع عليها المذياع الذي أطلق عليه اسم (كُومّابنّي) أو الحكّاي، ليستمعوا إلى ما يُذاع من أغنيات وأخبار فيعرفوا ما يحدث خارج حدود قريتهم المنعزلة عن العالم. وأُعتبر اكتشاف المذياع في القرية نقلة نوعية من ذلك النوع من الاكتشافات الكبرى التي تُحدث تغيّراً جذرياً. سمع أهالي القرية بعوالم ودول أخرى غير التي ألفوها على الإطلاق، فسمعوا عن روسيا وثلوجها، وبريطانيا وضبابها، وبيروت وجبالها الخضراء، وباريس وأضوائها، وأمريكا وقوتها، وكأنهم يستمعون إلى حكايات خيالية لا وجود لها على الإطلاق.
ثم غزا المذياع بيوت أهالي القرية بعدها بفضل الحجيج القادمين من الحجاز الذين لم يحرصوا من قبل إلاّ على جلب قِرب مليئة بمياه زمزم، والمسابح المصنوعة من الخرز أو العاج، ولم يهتموا لأمر هذا الاختراع إلا بعد أن امتلكه العمدة، وأصبح واحداً من أمارات الوجاهة.
عندها بدأ الشيخ عبد الصبور دهب بإصدار فتاواه التي حرّمت المذياع، لأنه ينطق بالغناء المنكر؛ كما أنه ألهى الناس –فعلياً- عن أداء الشعائر الدينية. ولم يدخل التحريم حيّز التنفيذ العدائي إلاّ بعد أن توالت مجادلات الناس للشيخ عبد الصبور حول فتاواه القديمة التي سمعوا بفتاوى مخالفة لها من المذياع.
العمدة حسن سالي (أو حسن فنتي كما أُشتهر عنه)، والذي اختلفت الروايات حول حقيقة لقبه؛ أحد القلائل في القرية الذين امتلكوا حماراً، في الوقت الذي لم تكن فيه الحمير بذات الاحتقار الذي تبدو عليها الآن، حيث أنها وسيلة المواصلات الوحيدة ذلك الوقت؛ بل وإحدى أمارات الثراء والغنى الفاحش.
وفي حين أعزا البعض لقب (فنتي) إلى اشتهار أسرته بتجارة البلح (منذ حقبة السلطنة الزرقاء وانتقال الملك النوبي إلى العرب المسلمين الذين تزوّجوا من أخوات الملوك مستفيدين من أحد أغرب تقاليد النوبة التي تقضي بتوريث المُلك للذكور من نسل أخواتهم إن لم يكن لهم أبناء ذكور يرثون عنهم)؛ يرجّح آخرون أنّ يكون (فنتي) لقباً لأمه التي يقال إنها كانت من أجمل جميلات النوبة، وتغنى الشعراء والفنانون بجمالها وأناقة شلوخها الست. ومازالت الذاكرة الشعبية لأهالي القرية تحتفظ ببعض هذه الأشعار التي يُرددها الشباب لفتياتهن في طقوس البورنوغرافيا ومواسم عاشوراء.
"فنتي" الذي يعني بالنوبية البلح، هو المحصول الأكثر شهرة في المناطق الشمالية، ويُستعمل كثمرة للتحلية، بل إنّ بعض الأسر النوبية توزّعه في المناسبات السعيدة والأعياد كبديل للحلوى التي لا تتوفر في كل بيت. وحيث أنّ أراضي النوبيين الزراعية لا تخرج ثمرة أو فاكهة حلوة سوى البلح، فإنهم يطلقون لقب "فنتي" على الفتاة الجميلة تغزلاّ بها.
حين انتهى أمر العمودية إلى حسن فنتي الثري المنحدر من أصول امتهنت تجارة البلح الشمالي المشهود له بالجودة في سائر القطر كان يحتكم على ثلاثة هكتارات من النخيل والبرسيم والأراضي الزراعية. كل من عاصروه وُلدوا ليجدوه عمدة عليهم، وأغلب الظنّ أن ذلك منصب شرفي فقط فرضه ثرائه والسطوة التي يملكها؛ فقد قيل إنه لا يعبر بمنطقة إلا وتمتد الأرض بساطاً أخضر أمامه، كناية عن الخير الذي يجلبه معه.
والروايات المتواترة عن ثرائه لم تنقل إلينا مدى فقر أهالي القرية بالمقابل؛ فعادة ما يقيس الناس ثراءه بمدى ما يُقدّمه. فقيل أنه أنشأ أول كُتّاب في المنطقة، وأول طابونة مجلوبة من مصر، وأول وابور مياه، وأوّل من سنّ النوادي الاجتماعية مستفيداً من علاقاته الواسعة ونفوذه الأخطبوطي.
لسببٍ لا أعلمه فإنني لم أُحسن غير أن أتصوّر العمدة رجلاً أمرداً بديناً، بعصا أبنوسية يتوكأ عليها دون دواعي العرج، وصوت جهوري كصوت سفوح جبال ميمن توّو في مواسم الانهيارات الصخرية؛ رغم أن الجدّة مِسكة أكدت -غير مرّة- أنه كان هزيل الجسم، ذو لحية كثة، وصوت متآكل يُشبه فحيح الأفاعي، وعينين جاحظتين وماكرتين كعيني حرباء ملعونة، واسع الخطوات حين يمشي، وكأنه يتدرب على الطيران. لم أنجح أبداً في مطابقة هذه المواصفات الأكيدة بالشخصية التي سكنت في مخيلتي منذ سمعت عنها من الجدة التي حرصت على سرد تفاصيل كل ما تحكيه لنا؛ وخمّنتُ أنها أخطأت، وتغلّب عليها الخرف، ووجدتُ نفسي مطمئناً إلى هذا التخمين.
نهاية الفصل الأول
imported_سماح محمد
22-02-2012, 10:43 PM
أ.هشام
تحايا وإحترام
استمتعت جدا بمتابعة الفصل الأول..كتابة غنية بالكثير
هذا النهر ليس هو النهر الذي يمرّ من هنا كل يوم!"
في إنتظار تجدد هذه النافذة ..ببقية النص..
شكرا لك
اشرف السر
22-02-2012, 11:31 PM
هشام آدم
سرد أنيق ومبشر بفضاءات واسعة ومتعددة...
متابعة...
imported_طارق صديق كانديك
23-02-2012, 07:57 AM
يعود سحر الأساطير ليفعل فعله فينا من جديد .. والرويّ المُحكم يزيده توغلاً في النفس فيجذبنا اليه جذباً عظيماً .. !!
ظللت أقرأ هذا الفصل وكأنني يحيط بي الظلام في قريةٍ ربما اختار لها ( اللاوعي عندي) أن تشابه -أرض الميّت- حتى خلت نفسي أجلس على ذات نصف الدائرة أستمع لحكاوى الجدة (مسكة) .. !
ولعل مما لاحظته أنهم :
فبينما يُدفن الموتى في الضفة الأخرى من النهر
اذ الشائع -في ظني- أن انحصرت حيوات الناس في امتداد النيل العظيم مابين مقابرهم ومجراه العظيم . غير أنه ربما جهلي كان هو بعض حكمة الراوي .
ولعلني لاحظت أيضاً أن (حسن فنتي):
كان يحتكم على ثلاثة هكتارات من النخيل والبرسيم والأراضي الزراعية
فوددت لو أنها كانت بالأفدنة أو بمقاييس أهلنا هناك وهو أمر ربما له مدلوله عند الرواي غير أني وجدته يستحق التعليق .
آن لنا أن نفرح أن جعلت الأسافير رفقة الروائي هشام آدم ممكنة .
عظيم تقديري وننتظر بقية الفصول باهتمام مستحق
ناصر يوسف
23-02-2012, 08:20 AM
وأخيييييييييييراً أتيت بالمفيد
كدي كلام أخوك الزوول ده ما وقع لي
يا ترجع ليه ويا كمان يرجع لينا هو
يعني يا دكتور ... نشر الرواية هنا بيمنعنا من شراءها ؟؟؟
ما ظنيتو كدي
أو يمكن برضو
شكراً هشام أخوي
شكراً بالجد
imported_عادل عسوم
23-02-2012, 08:31 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هشام آدم http://sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://sudanyat.org/vb/showthread.php?p=441255#post441255)
الإهداء
إلى (بابا أونتي) أمي.
أول من أرضعتني اللغة النوبية
وآخر من قد تقرأ هذا الكتاب
لأنها لا تحب الروايات
نِعم التي اهديتها ونعم الحليب و...نعم (القمر) اذ يهل!
قرأتك ومن بين السطور يغني الراحل:
تاففينا أونتي اوني
أسّري نرجا داق الدو
بروين تيرا داق الدو تاففينا أونتي اوني!
...
أعدك بحول الله بعودة ياهشام وقد جمّلت سويعاتي بعبق فيافي جزيرة صاي من خلال شخوصك وسياقاتك الحميمة
مودتي
عبدالمنعم الطيب حسن
23-02-2012, 10:38 AM
يا سلام
هشام ادم
اتمنى ان يكون بهذه الرواية من الفصول
ون هندرت كما يقول ابني احمد
فصل اول ممتع جدا
في انتظار ال99 فصل الباقية
imported_هشام آدم
25-02-2012, 04:47 PM
أشكر الجميع على القراءة
وسعيد أن ما نشر من الرواية حتى الآن
قد نال قسطاً من إعجابكم
أعدكم بالعودة للرد على تعليقاتكم فرداً فرداً
فقط أحتاج بعض الوقت
imported_هشام آدم
25-02-2012, 04:49 PM
على موائد العشاء المثالية النادرة التي يقيمها العمدة في داره يوم عاشوراء من كل عام، يجتمع الرجال والنساء والأطفال، ويتغيّب العاشقون ليحجزوا لأنفسهم أماكن في البيوت الخالية، لتضج ليلة عاشوراء بروائح الذبائح والجنس؛ فعندما يتوجه الجميع إلى سرايا العمدة، تفتح بيوت القرية أبوابها السرّية للعشاق الليليين ليحتفلوا بهذه المناسبة على طريقتهم الخاصة. أبواب بيوت أرض الميّت لا تعرف الأقفال، ولا تعانقها إلاّ في التاسعة ليلاً عندما ينام الجميع. ولم يشعر أحد بالحاجة إلى وضع أقفال على باب منزله؛ فالأمانة هي الخصلة الوحيدة الأكثر توفراً لدى النوبيين.
يأخذ العشاق قوارير الخمر التقليدية، ويقضون ليلهم في معاقرة الخمر وممارسة الجنس. تلك الحقبة من تاريخ القرية كان عصر البورنوغرافيا الذهبي لأرض الميّت؛ إذ بلغت فيه أعلى مستوياتها على الإطلاق، ولا يزال البعض يبكون على ضياع تلك الأيام، واشتغال الناس بالملذات الأقل أهمية وأكثر خسّة!
فتيات أرض الميّت الأكثر شبقاً من بقية فتيات المنطقة الشمالية، والأكثر إمتاعاً، ولا يتحدثن ليلاً إلاّ عن الشباب، ومغامراتهن الجنسية معهم على ضوء الفوانيس الزيتية، ويتبادلن الخبرات في ذلك؛ ولذا فقد كنّ أكثر الفتيات دراية بما يُثير الرجال.
الجنس في ثقافة النوبيين ليس مجرّد متعة رخيصة، بل هو أكثر احتراماً وقداسة من أيّ فعل غريزي آخر؛ هو تعبير راق ومتقدم عن ارتباط الرجل بالمرأة، وليس ذلك فحسب؛ وإنما سياحة للروح في غابة الجسد؛ سياحة قائمة على محاولات الحصول على أسرار النفس البشرية واكتشاف العنصر الإلهي المُودع في مكان ما داخل الإنسان. تلك هي المعرفة المقدّسة التي يحتفي بها النوبيون عبر ممارستهم للجنس.
الجنس طقس احتفالي أكثر منه نزوة، حوجة إلى الحياة أكثر منها شهوة. وارتبط الجنس لديهم بالآلهة ومحبتها وشكرها، ولذا كان الجنس في كثير من الأحيان طقساً دينياً؛ وفيما ظلّت تلك الثيمة المقدّسة مزدهرة لحقب طويلة، بدأ هذا المفهوم المرتبط بالعقائد الوثنية القديمة في الاضمحلال مع دخول ثقافات أخرى أقل احتراماً للجنس والمرأة، وبدأ الجنس مرتبطاً بالشيطان.
صباح يوم عاشوراء يخرج أهالي أرض الميّت إلى النهر. تحمل كل أسرة بعض الطعام المُعدّ خصيصاً لهذا اليوم، وتضع كل أسرة طعامها دون أن تأكل منه، ففي يوم عاشوراء تأكل كل أسرة من طعام غيرها، ويرشون بعض الحليب البارد والدقيق على أطراف النيل، وتهتم بعض النسوة برش مياه النيل بعد خلطها بقليل من الملح على أعتاب البيوت وفناءات المنازل.
وفي اليوم التالي تخرج بعض النسوة حاملاتٍ الجرار الصفيحية فوق رؤوسهن، بينما تحمل أخرياتٌ أوان نحاسية يضعن فيها ملابس أفراد الأسرة المتسخة للغسيل. تتوجه النساء إلى النهر لجلب الماء، وعلى ضفّة النهر الشرقية يتبادلن الأحاديث الماجنة، والأخبار العامة، ويتفقن على برنامج المساء. يجلسن على حواف النهر الصخرية الملساء، وتتوغل أخريات إلى داخل النهر ليحصلن على الماء غير المصاب برغوة الصابون، فيما تتوجّه النساء المتزوجات إلى حقول البرسيم والخضروات الموسمية.
أحاديث النسوة على ضفة النهر لها نكهة خاصة؛ لاسيما إذا تمّت مراقبة ذلك سراً من وراء الآجام والنخيل الذي يفصل ضفة النهر الرملية البيضاء عن القرية ذات الأرض الحجرية الصلبة. أو في جلسات التغوّط الجماعية التي تقوم بها النساء في الأمكنة البعيدة؛ إذ تخرج ثلة منهن متوجهات صوب جبال ميمي، وتجلس كل واحدة منهن غير بعيد عن الأخريات، ويبدأن تبادل الأحاديث الضاحكة، والنميمة كعادة كل النساء.
يُمكن لأي عابر طارئ أن يشهد جلسات التغوّط غير السرّية رغم خصوصيتها، ولا يجرؤ أحد على هتك خصوصية تلك الجلسات. هارون عزيزة هو أول من فعلها، وكفّر عن فعلته تلك بمشاركته الفاعلة في قتل كلب التمتام الأسود العجوز. وآمن الناس بأن تلك هي خيانته الأولى، وظلّوا –بمن فيهم الجدّة مسكة- في انتظار خيانته الثانية.
هارون عزيزة الذي استعاد ثقة الناس بعد مشاركته الجادة في قتل كلب التمتام الأسود، لم يجد لوماً من أحد عندما اكتشفوا وجوده في منزل خاو برفقة إحدى الفتيات ليلة عاشوراء. قالوا: إنه شابٌ طائش، ولا بدّ أنّ الله سيهبه الرُشد والصلاح إذا تزوّج؛ فزوّجوه. وبينما تتداول النساء أحاديث الجنس والشعوذة، ينشغل الرجال إمّا بمعاقرة الخمور أو بمضاجعة البهائم.
اشتهر أهالي قرية أرض الميّت بزراعة النخيل؛ لذا فإنّ رجالها عرفوا كيمياء الكحول، وأتقنوا حِرفة صناعة الخمر، ولم يعتبروها من الموبقات أو المحرّمات، بل اعتبروها إحدى أساسيات الحياة الضرورية، التي لا يستغنون عنها؛ لاسيما في المناسبات السعيدة والأعياد؛ بينما تهتم النساء بالأشياء الأكثر أهمية. وربما أفتى الشيخ عبد الصبور دهب بكراهة الخمر، ولكنه لم يُحرّمها على الإطلاق. قال:
"إنّ الخمر تجعل الشخص في حكم المجنون والنائم؛ فيُرفع عنه القلم. ولا حرمانية فيمن يرفع عنه القلم؛ فكما أن الجنون ليس بحرام، والنوم كذلك؛ فالخمر تأخذ حكمهما؛ ولو إنّ تركها أفضل وأكمل للدين"
ذلك العام الذي صادف الذكرى السنوية الثالثة لوفاة التمتام، خرج حسن فنتي إلى مياه النيل محاطاً بأهالي القرية الذين تعودوا أن يخرجوا معه ليُجددوا له البيعة في شكل طقوس احتفالية لا تُعد عملاً سياسياً بقدر ما هي طقوس نيلية توارثتها القبائل النبوية التي ارتبطت حياتهم بمياه النيل في كل الملمّات والمناسبات السعيدة.
حملت تلك الطقوس سمات يعود تاريخها إلى حقب منسية في التاريخ الشفهي للقرية؛ ولكنها موجودة الآن في كتب الأنثربيولوجيا الحديثة. ولابد أنه في ذلك اليوم تم ختان عشرات الأطفال الذكور؛ إذ يؤخر ختان الأطفال لمثل هذا اليوم من العام للحصول على البركة النيلية، أما الأطفال الأقل حظاً فيكتفي ذويهم بغسلهم فرادى في مياه النيل مع ذكر بعض الابتهالات النوبية القديمة، بينما يتم ختان الإناث في احتفالات أكثر خصوصية.
تقول الأسطورة النوبية: "إنّ كل إنسان يولد (ذكراً كان أو أنثى) يتعلّق قرينه الشيطاني بطرف عضوه التناسلي، وإنّ ضرورة الختان متأتية من التخلّص من هذا الشيطان الطفيلي الآثم أو الحدّ من شروره، وإنه كلما كبر الطفل كلما تضاءلت إمكانية التخلّص منه"، وفيما يكون هذا الشيطان سبباً في جنون الشبان وإنباتهم منبت الطالحين، فإنه يتسبب في انحراف الفتيات وإنباتهن منبت الداعرات؛ لذا فإنهم يُعجّلون بختان الإناث أولاً.
كل تلك الطقوس تقام على ضفاف النيل، وحتى في الزيجات النوبية يخرج العروسان إلى النيل في زفّة صباحية، وسط جمهرة من الأهالي وهم يضربون على الدفوف ويرددون الأغاني والأهازيج التقليدية الطروب. ثم يقف العروسان على حافة النهر، وتبدأ الطقوس النيلية، فيقوم الزوج بغمس يده في مياه النهر، ويسكب ما تبقى منه على شعر عروسه، وتقوم العروس بخلع حذائها وغمس قدميها كاملتين في طين النهر، دون أن تبدي أيّ انزعاج من حركات النسوة من حولها، وهن يعبقنها بالبخور والروائح الشعبية ويُغدقنها بالقبلات، بينما يغسل الزوج وجهه بمياه النيل سبع مرات متتاليات. وعندما تضع كل أنثى حملها، فإنه لابد أولاً أن يُغسّل المولود بماء النهر وسط زغاريد النسوة والابتهالات المأثورة لتحل عليه البركات، وإلاّ فإن ذلك نذير شؤم ولاشك.
وهكذا فإن أهالي أرض الميّت يتعايشون في توافق تام مع الخرافات والأساطير التي شكّلت وعيهم واتجاهاتهم الذهنية على مدار قرون، حتى ارتبطت حياتهم بها بشكل لا يُمكن التكهن بمدى تجذره، أو بمدى السلطة التي تتمتع بها تلك الخرافات والأساطير، وتؤثر على قناعاتهم ومعتقداتهم. ساعد في ذلك تأييد مراكز القوى الدينية لهذه الخرافات، ومحاولاتهم إدراجها ضمن أصول الدين وربطها بها، وبات من الصعوبة بمكان التفريق بين الأعمال ذات الأصول الأسطورية، وتلك التي ترتبط بالتعاليم الدينية المجلوبة مع جيوش الغزو الإسلامي.
ومازال أهالي أرض الميّت يتناقلون سيرة الشيخ إسماعيل دهب المُشتهر بكراماته التي أضافت إليها العقلية الأسطورية الكثير من القداسة، ويحكون عن قدرته على تسخير الوحوش والضباع، واستخدامها في تنقلاته بين القرى النوبية في أزمنة أعتبر فيها امتطاء البغال فعلاً باذخاً ومُتكلّفاً. ويحكون عن أحد أجداد كَلَس الذي تكلّم في مهده، والآخر الذي قطع نهر النيل إلى الضفة الأخرى ممتطياً ظهور التماسيح؛ بينما تُخفي كهوف جبال ميمي العديد من القصص التي تتناول سيرة الجن، واختطافهم لبعض الفتيات وزواجهم منهن، ونتاج هذه الزيجات التي أفرخت مخلوقات لا جنيّة ولا إنسية أسموها (السحّارين) الذين يمشون على الأرض كبشر نهاراً، ويتحوّلون إلى مخلوقات مخيفة ليلاً. ويُصر الكثيرون على أن بعض القرى النوبية تحتوي بيوتها على أفراد من هذه المخلوقات المفترسة، والتي يُقال أنها لا تؤذي أهل بيتها؛ بينما تقتات معظمها على الخراف والماعز.
اعتقدتُ أنّ أهالي القرية لم يتناقلون هذه الأحاديث إلاّ لإخافتنا –نحن الأطفال- ولكن كان الأمر غير ذلك؛ فطبيعة بلاد النوبة الجبلية القاحلة تعتبر بيئة خصبة لإنتاج الخرافة، وتلقى تلك القصص حظوتها من التصديق كإرث شعبي عميق، ساعد على ذلك عزلة المناطق النوبية وانقطاعها عن العالم الخارجي. بدأت قضبان العزلة تلك بالذوبان منذ بدأت القرى النوبية بتنظيم رحلات الحج بمساعدة من المصريين، وعندما كان يعود زمرة من الغائبين -عن جيوب القرية الأنفية، وذاكراتها القريبة- من رحلة الحج في أراضي الحجاز، تُذبح لهم الذبائح، ليمرغوا أياديهم في دمائها، ويلطخوا بها أبواب بيوتهم ليُعرفوا بها لاحقاً، اعتاد الناس على أن يفعلوا ذلك، وسبعة بيوت فقط في أرض الميّت ملطخة بصورة الكفوف الدامية.
imported_هشام آدم
25-02-2012, 04:52 PM
تمتد جلسات الأنس -مع الحجيج القادمين- إلى أنصاف الليالي الصيفية، وهم يتحدثون عن رحلتهم الإيمانية، ينقلون مشاهداتهم عن أراضي الحجاز، وأهلها، وما رأوه هناك، ويظل أهالي القرية يستمعون إلى كل ذلك، وكأنهم يستمعون إلى حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة. ويؤمنون في قرارة أنفسهم أنّ من حجَّ إلى بيت الله الحرام ضمن الجنّة لا محالة، فينظرون إليهم بغبطة يعرفونها جيداً، ويتلذذون بها كثيراً. حتى الحجيج أنفسهم كانوا يؤمنون أنهم قد ولدوا بالفعل من جديد، وأنهم قد أصبحوا أناساً بلا تواريخ، ولا ذنوب، ولا معاص تذكر؛ فيستسهلون خطاياهم الجديدة، ويرونها ضئيلة مقارنة بجبال الحسنات التي عادوا بها من رحلتهم. ولا يمر أسبوع كامل حتى ترى أحدهم وقد توسط جلسة سُكر ليلية.
وفي أرض الميّت الشأن كل الشأن لعمدة القرية ثم للمتفقهين من أسرة دهب وكَلَس، ثم للحجيج الذين قد يحلون محل الشيخ عبد الصبور دهب في الإفتاء عندما يغادر الأخير إلى قرى الضفة الأخرى من النيل لجلب البخور والصندل لأغراض الرقى الشرعية وتبخير المسجد. وفي المناسبات السعيدة وغيرها يتم أخذ هذا الترتيب الاجتماعي في عين الاعتبار، فلا تخرج أواني الطعام إلا للعمدة وضيوف مجلسه: عمدة القرية وإمامها، وأفراد عائلة كَلَس، والحجيج، وكبار السن، وعمّال البنطون والوابور ثم الأطفال فالنساء.
وفيما يهلك الأكثرية في طريقهم إلى أرض الحجاز لنيل لقب (حاج) التي تعدّ أمنية غالية لمن تخطّى سن الخمسين؛ يحج آل كَلَس كل عام تقريباً من أجل تدعيم سلطتهم الدينية في القرية، وتأكيداً لاستحقاقهم لهذه السلطة التي تقاسموها مع أصهارهم من آل دهب. وبطريقة تلقائية تم تقسيم القرية إلى عائلات كبيرة وصغيرة اختص بعضهم بالعلم الديني، واختص بعضهم الآخر بالثروة. وفيما استولى آل دهب وآل كَلَس على كل ما يتعلّق بالدين والإفتاء، استولى آل فنتي على الأموال والمشاريع التنموية في المنطقة؛ وظل بقية أهل القرية على هامش الحياة اليومية، يقتاتون على ما يتساقط من فتات هذه العائلات الكبرى.
وفيما الحج نافذة للقرية على العالم الخارجي، أعتبر المذياع نافذة أخرى، وانحصرت هاتان النافذتان على فئات محددة من الناس، فلم تكونا متاحتين للجميع. ولم أبالغ في حديثي عن ثورية المذياع في أرض الميّت؛ إذ أنّ ما فعله المذياع في وعي أهالي القرية على مرّ السنوات يُعتبر ثورة حقيقية بكل المقاييس. فعلى أقل التقديرات استطاع الناس -ولو ببطء غير مستشعر- التخلّص من نفوذ العائلات الدينية التي فرضت سيطرتها على القرية لردح من الزمن، هذا الأمر سمح للبعض ممن آمنوا بنبوءات التمتام وصلاحه بأن يُقيموا على ضريحه قبّة لا تقل في شموخها وهيبتها عن بقية قباب أولياء الله الصالحين المنتشرة في أرجاء القطر. تستخدم القبة التي تُبنى على ضريح أحدهم كرمز يُوحي بكرامته ومكانته الدينية. وربما أصبحت بعض القباب مزاراً للكثيرين في نزعة لا تخلو من مظاهر الوثنية القديمة التي تركتها العصور البائدة.
ميرغني كَلَس كان أول من أطلق جملته التي ذهبت مثلاً: "من يرى قبة التمتام يظنّ أن بداخلها شيخاً صالحاً بالفعل!" وانتشر المثل بعد ذلك ليُستخدم بكثرة في كل من يُتوسّم فيهم الخير ولا يكونون أهلاً له. ورغم أنّ معظم زوّار الضريح كنّ من النساء، إلاّ أنّ بعض الرجال يأتون في حالات اليأس القصوى: إما طلباً لتسهيل زيارة بيت الله في مواسم الحج عند انقطاع الأسباب، أو طلباً للشفاء من مرض عضال، أو شيخ يطلب عمراً إضافياً، أو دميم يطلب زوجة حسناء! أكثر المبررات المنطقية لبناء قبّة للتمتام هي وفاة الشيخ عبد الصبور دهب الذي مات بعد التمتام بأشهر معدودة، فدفن بجانبه وبُنيت له قبّة إلى جوار قبته، وسمّيت الجبّانة بعد ذلك بذات القبتين.
تلك الحقبة بالتحديد هي التي خرج فيها الأفندي عبد الشافي خليل، أحد القلائل الذين نزحوا باكراً إلى الخرطوم ليعملوا مع الإنكليز والمصريين إبان الحكم الثنائي في السودان. عبد الشافي خليل الذي عمل في وقتٍ لاحق غفيراً في كلية غاردون التذكارية بعد الانتهاء من عمليات بناء السكة الحديدية في السودان؛ كان قد استفاد كثيراً من تواجده قرب الكلية واطلع على العديد من الكتب والمخطوطات المتوفرة هناك، الأمر الذي ساعده في تحصيل معرفة لم تتأتى للكثيرين من أهالي أرض الميّت.
أحدث عبد الشافي خليل ضجة في أرض الميّت لا تقلّ عما أحدثه جلال التمتام أثناء حياته أو حتى بعد موته؛ فهو أول من قال بأصول النوبة اليهودية، وطالب بالهجرة إلى إسرائيل، واعتبرها عودة إلى الجذور. ظلّ يحكي للناس عن أصول النوبيين اليهودية المنسية (بل المخفية عمداً) في كتب التاريخ والذاكرة الشعبية، وبينما يُرجع النوبيون أرومتهم إلى أصول مسيحية قامت على أنقاض الحضارة الـمَرَوية، حكى الأفندي عن أرومة يهودية بدأت منذ عهد نبي الله موشيه الذي يعني اسمه في العبرية (لقيط الماء)، وتم تحريف اسمه إلى موسى في الثقافة الإسلامية.
وعلى عكس ما يُشاع؛ فإن النوبة لم تتعرض لغزو الثقافة الإسلامية وسطوتها فحسب، بل تعرضّت –بحسب الأفندي- إلى غزو مسيحي كذلك أدى إلى طمس معالم الثقافة اليهودية التي ينتمي إليها النوبيون في الأصل؛ إذ يُرجع عبد الشافي النوبة إلى أصول إسرائيلية سكنت حوض النيل، وخضعت لسيطرة عماليق الفراعنة الذين استولوا على المُلك بعد وفاة نبي الله ييسب (أو يوسف) وانهيار دولته. وكان رمسيس الثاني (فرعون مصر آنذاك) قد رأى مآثر النوبة المتمثلة في العبقرية المعمارية من أضرحة ومعابد؛ فأجبرهم على بناء أضرحة أعظم منها له إمعاناً في إذلالهم.
كما أُعجب بما لديهم من خبرة في الزراعة؛ فاستخدمهم لاستصلاح أراضي مملكته. أحد هؤلاء النوبيين رجل يُقال له موشيه أتاه الله النبوة، وأوعز إليه إخراج المستضعفين من النوبيين وعبر بهم البحر. وبعد هلاك رمسيس وجنوده في اليم عاد ثلّة منهم إلى مصر مرّة أخرى واستقروا بها. ومن الأقوال المأثورة عن عبد الشافي أنه فسّر شتات النوبة بالشتات المضروب على بني إسرائيل والسيحان في الأرض والذي جاء ذكره في القرآن؛ ولذا فإنه رأى أن خارطة إسرائيل التي يأملون في رسمها من منابع النيل إلى الفرات ليست من قبيل المصادفة أبداً.
تكلّم عبد الشافي عن خطط عالمية مدروسة تُحاك ضد الشعب اليهودي وثقافته التي أُعلنت عليه الحرب منذ حقب سحيقة: بدأت منذ الفترة المسيحية الجديدة بالسطو على الموروثات اليهودية المتمثلة في الثورة على الشريعة اليهودية على يد يسوع (اليهودي المتنصّل من يهوديته)، بما في ذلك الكتاب المقدّس الذي تم ضمّه إلى كتابات المسيحيين ونسبته إليهم فيما يُسمى بالعهد القديم، وإكماله بما سُمّي بالعهد الجديد الذي كتبه الحواريون في زمن لاحق من وفاة يسوع. إضافة إلى السطو على القصص والأساطير التي تمثل مجمل التراث اليهودي العالمي، وعملت هذه الحركات على تشويه صورة اليهودية واليهود سواء في المخيّلة الدينية للديانات التي ظهرت بعد ذلك، أو حتى في المخيلة الشعبية على السواء؛ فحاولت إظهارهم بأنهم شعب دموي لئيم وناكر للجميل وخائن للعهود والمواثيق.
ولم تتوقف عمليات السطو تلك حتى عندما تقلّص المد المسيحي في أوان الفتح الإسلامي، بل امتدت السرقات الأدبية؛ حتى انكب العرب على معين الأدب اليهودي وسطوا عليه أيضاً. ووصل إلينا مما ذكره عبد الشافي من سرقات العرب للموروث اليهودي: قصة علي بابا والأربعين حرامي التي سرقت حرفياً من كتب اليهود القديمة؛ إذ تميل الشعوب النوبية إلى إطلاق اسم (بابا) على أي امرأة تحمل اسم (فاطمة)، وحيث تنحدر الشعوب النوبية من بقايا مجتمعات أمومية قديمة، فإنها احتفظت بالكثير من خصائص تلك المجتمعات التي دأبت على نسبة الأبناء إلى أمهاتهم؛ وعليه فإنه زعم بأن (علي فاطمة) أو (علي بابا) شخصية نوبية يهودية الأصل سطا العرب على قصتها ضمن عشرات؛ بل مئات القصص اليهودية الأخرى التي سطوا عليها.
ومن عمليات السطو التي أخبر عنها عبد الشافي على الموروث اليهودي القديم تلك الحملات الدموية التي قامت بها الديانات السماوية اللاحقة ضد الأنثوية المقدّرة في اليهودية. وكيف أنها سعت في تعاليمها إلى نسف دور المرأة المقدّس الذي ظلّ طوال حقب سحيقة طويلة معتداً به في الديانات البشرية الأرضية من قبل. لم ير عبد الشافي اليهودية إلا كنسق عقدي متسق تماماً مع اتجاه فطري يُمجّد المرأة ويُعلي شأنها تماماً كما تعاهد النوبيون في الوقت الذي تمّ فيه امتهان المرأة في بقية الديانات اللاحقة عليها. وفي الوقت الذي تفخر فيه الشعوب النوبية بانتمائها الأمومي، فإن كثيراً من القبائل السودانية ذات الأصول العربية تعتبر البوح باسم الأم ضمن جرائم الشرف؛ إذ يخجلون من ذكر أسماء أمهاتهم وزوجاتهم، ويعتبرونها عورات لا يجوز الكشف عنها.
رأى عبد الشافي -الذي اعتبره أهالي القرية مجنوناً- أنّ الديانات اللاحقة على اليهودية سعت إلى تشويه التعاليم اليهودية، ونسبت إليها أوهامها المريضة؛ لاسيما تجاه المرأة. كما رأى أن هذه الديانات لم تأت بجديد يُذكر، إلاّ فيما اعتبره إعادة صياغة لما شملته موروثاتهم العقدية: بدء الخليقة، أنباء آدم وزوجه في الجنة، أنباء قابين وهابيل، أنباء الرسل من بعد، الطوفان، نهاية الخليقة. وتحدث عن سطو المسيحية والإسلام على العديد من المعتقدات الدينية لليهود، ونسبتها إليهم بعد إعادة صياغتها في قوالب جديدة؛ ومن ذلك: العقيدة الهرمجدونية التي تقضي بقيام حرب في آخر الزمان بين قوى الخير والشر، وكيف أن المسيحية اقتبست هذه العقيدة ونسبتها إليها، وكذلك فعل الإسلام، وعملتا على اتساق هذا المعتقد اليهودي مع التيار الفكري لكل من الديانتين. وأصبح الماشيح يُمثله يسوع في الثقافة المسيحية، والمهدي المنتظر في الثقافة الإسلامية.
ولم يزل عبد الشافي يُذكر أهالي القرية بتلك المآثر التي دخل عن طريقها الإسلام إلى النوبة، وكيف قاوم الأسلاف النوبيون (رماة الحدق) زحف الجيوش الإسلامية، وأنزلوا بهم الخسائر حتى وقّعوا على اتفاقية البقط التي أتاحت لهذه الجيوش المُعادية التسلل بمهل إلى البلاد كسم الأفاعي الرقطاء. ورغم أن دعواه تلك لم تلق رواجاً كبيراً بين أوساط النوبيين الذين عزوا خطرفاته إلى لوثة الثقافة الوسطية سيئة السمعة آنذاك، إلاّ أن مقولاته وجدت طريقها إلى قلّة من المتعلمين الذين لم تسعفهم الحيلة لفعل شيء أكثر من مجرّد التصديق السرّي بما جاء به الأفندي الخرطومي على ظهر ناقة عشراء منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. وفسّروا عليها سرّ الأحمسية التي أرجعوها إلى: الذلة والمسكنة التي ضُربت عليهم من الله وجاء ذكرها في القرآن كذلك؛ وإذ لا تُوجد دلائل قطعية على ما ذهبوا إليه فقد وجد الكثيرون في الإسلام الذي انتشر في السودان مع قيام مملكة الفونج أفضل الخيارات المتاحة، فسلّموا له زمامهم.
imported_هشام آدم
25-02-2012, 04:54 PM
توافق الناس على مناداة عبد الشافي خليل بالأفندي، لأنه ترك لبس الجلباب والعمامة واستبدلهما بلبس البنطال (لبس الأفندية)؛ حتى إنه حلق نصف شاربه لأجل ذلك. وأمام دعواه التي اعتبرها أهالي القرية هرطقة موجبة للقتل؛ فإن عبد الشافي هرب ولم يعد إلى القرية مرة أخرى، وترك ورائه زوجته (فتحية بُشارة) بعد أن أغدق عليها بالحُلي والمجوهرات المزيّفة التي ابتاعها لها من الخرطوم، ولم يعلم أحد بزيف تلك المجوهرات إلاّ في وقت لاحق؛ وقيل إنها لحقت به بعد ذلك بوقت ليس بالقصير.
ومما تركه عبد الشافي واحتفظت به فتحية بشارة: صندوق مليء بالكتب؛ من بينها كتاب عتيق منزوع الغلاف ممزق الحواشي جاء فيه: "حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: ليس بيننا وبين الأساود عهد ولا ميثاق، إنما هي هدنة بيننا وبينهم على أن نعطيهم شيئاً من قمح وعدس ويعطونا رقيقاً، فلا بأس بشراء رقيقهم منهم أو من غيرهم. وحدثنا أبو عبيد عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد قال إنما الصلح بيننا وبين النوبة على أن لا نقاتلهم ولا يقاتلونا، وأن يعطونا رقيقاً ونعطيهم بقدر ذلك طعاماً، فإن باعوا نساءهم لم أر بذلك بأساً أن يشترى." وعندما وقع ذلك الكتاب في يدي وقرأته -في وقت لاحق- حزّ في نفسي كثيراً أن أكون من سلالة نخاسة يتاجرون في الناس مقابل أن يتحصّلوا على طعام يقيم صلبهم!
يُعلي التاريخ شأن عباقرة العلوم، ولكنه في الوقت ذاته يتجاوز عن أخطائهم وخزعبلاتهم التي يعتبرها مجرّد هفوات. فمازلنا نسمع عن الإنجازات العبقرية لطاليس، وقوانينه المدهشة التي تعتبر مرجعاً في المنهج الرياضي الاستنباطي، ولكن لا أحد يذكر مقولاته الخرقاء عن تناسخ الأرواح، وكيف أن روح رجل ما قد تكون آتية من زمن ماض من حياة عاشتها كقنديل بحر!
ومازال تاريخ النوبة الشفهي يتناقل بفخر بعض الأسماء التي عاشت ملوكاً في الأخيلة الشعبية متغاضياً عن هفواتهم التي لا تغتفر، فلا أسوأ من أن تكون من نسل نخاسة. هذا الاكتشاف المفاجئ والمخزي كشف لي -إضافة إلى العديد من المشاهد العيانية- سبب التعالي النوبي واحتقارهم للعبيد المنحدرين من أصول زنجية.
عاشت أرض الميّت -في تطورها السلحفائي- على هامش التاريخ الإنساني المتسارع، تقف تحت ظل الحضارات، تأكل من الفتات الذي يتساقط من فوهات صنّاعها الخالدين. لم تحاول أن تتصادم مع أيّ منها لأنها تحس بتعال نرجسي مردّه مجد استمر لألف وخمسمائة سنة؛ ثم ضاع تحت سنابك جيوش المسلمين ودهاء العرب؛ الأمر الذي جعلني في كثير من الأحيان أميل إلى تصديق مقولات عبد الشافي فيما ذهب إليه؛ فمنذ فجر التاريخ لم تشهد البشرية جنساً عرقياً يحتقر غيره ويُعلي شأن نفسه كما يفعل النوبيون وبني إسرائيل على السواء!
imported_هشام آدم
25-02-2012, 04:56 PM
شاءت المصادفة المحضة أن يُنتج دلال العمدة المفرط لابنته الصغرى صابرين، صبيّة بمواصفات ذكورية حتى أن اسمها الأنثوي اندثر في سيرة القرية، وباتت تعرف باسم (صابر). صابر -التي نالت نصيبها من حقن داء الكلب الاثنتي عشرة عندما كانت في الثامنة أو التاسعة من عمرها- أصبحت -بعد ذلك بأقل من سنتين- فتاة تنافس الذكور في كل شيء؛ حتى أنّ أطفال القرية كانوا يخشونها، وربما فعلوا ذلك لأنهم لا يجرؤون على مقارعتها؛ لاسيما بعد الحادثة التي بترت فيها ذيل كلب التمتام بفأس والدها العمدة.
وبمرور السنوات أثبتت صابر ذكوريتها، وأن تلك الذكورة مستحقة بجدارة؛ فقد كانت تصرع الفتيان، وتسابقهم، وتسبح معهم في مياه النيل، وتتقدمهم عندما يعزمون تسلّق التلال الصخرية المنتشرة في القرية؛ وفيما فسّرت الجدة ملكة ذلك بدلال العمدة المفرط لابنته، خمنّتُ أنّ لعاب كلب التمتام الأسود تسلل عبر أوردتها وعبث بجيناتها وهرموناتها الأنثوية.
لم تخبرنا الجدة مِسكة الكثير عن صابر وحياتها، رغم أنّ سيرتها لا تقل حظوة من بقية سير الشخصيات الهامة والمثيرة للجدل في أرض الميّت. بعض الذين عاصروا صابر في طفولتها قالوا إنها الوحيدة من بين أطفال القرية التي كانت تذهب برفقة بالغين إلى الغرب الأسود حيث مدافن القرية وقطاطي الزنوج العبيد، ولم يُعهد عليها أنها قامت بفعل أنثوي طوال حياتها؛ فيما خلا اختفائها قسراً لبضعة أيام في الشهر، وامتناعها في تلك الأيام عن اللعب مع الفتيان.
تعرّضت صابر في صغرها –كبقية الإناث- إلى عمليات التشليخ التجميلية؛ إذ يُحمى على آلة حادة ويُحفر بها ثلاثة خطوط طولية في كل خد على حدا، ويُترك الدم مسفوحاً حتى يجف، ويتم تنشيفه وتطهير مكان الجرح بقطعة قماشية مبلولة بمادة الكولونيا أو بعض العطور محلية الصنع، واعتبر النوبة الشلوخ واحدة من علامات الجمال التي خضع لها النساء والرجال على حد سواء.
كما أنهم قاموا بصنع ثقوب في أرنبة أذنيها، وعلّقوهما بخيط حريري مشحّم؛ للحيلولة دون التئام الجرح تمهيداً لوضع الأقراط مكانهما فيما بعد؛ ولذا أسدلت عليها عمامتها لتخفي آثار ثقوب الأقراط حتى لا يظهر منهما شيء.
لم تكن صابر تذهب إلى النهر لغسل الثياب أو جلب الماء في جرار صفيحية كبقية فتيات القرية، وإنما للاستحمام أو صيد أسماك الزيبرا دانيو، والروزي بارب التي تقتات على اللافقاريات والديدان في المياه الضحلة، وكانت من أوائل من تعلّم السباحة مقارنة بمن هم في سنها ذلك الوقت.
ولمّا بلغت صابر العاشرة، قام والدها العمدة بإلحاقها في كُتّاب البنين دون أن يجد ذلك اعتراضاً من أحد، فأكملت دراستها الأولية في الكُتّاب كواحدة منهم. ومع مرور السنوات نسي الجميع أمر أصولها الأنثوية إلى الأبد. وحتى عندما بلغت مبلغ الإناث وبدأت أعضاؤها الأنثوية بالنفور من جسدها، اضطرت إلى ربط ثدييها الصغيرين إلى أضلاعها بقطعة قماشية.
آمنت عواضة بصيلي بأن صابر هي إحدى نبوءات التمتام المُتحققة؛ وعندها فقط وجدت تفسيراً لكلماته الطلسمية التي تشبه الهذيانات: "ويمكن حيجي من البنات"!
أحد أغرب القصص التي سمعتها عن صابر عواضة أنها كانت تتحرّش بالفتيات وتتغزّل بهن؛ تماماً كما يفعل الفتيان. ويبدو أن واحدة منهن لم تجرؤ على أن تشتكي لأحد مما تلاقيه منها سراً أو علانية، ورغم ذلك فإن سرّ مضاجعتها للفتيات قد ذاع بين أهالي القرية؛ حتى أنّ بُشرى الحلاق ثار وغضب عندما اكتشف وجودها بمفردها مع ابنته في بيته أثناء غيابه، وسارع إلى فحص أجزاء ابنته التناسلية للتحقق من أن ابنته ما تزال محتفظة بعذريتها.
وحسبما تقول الروايات فإن صابر عاشت حتى الواحد والعشرين من عمرها في ثوب صبي نزق، مفرط الهياج يستعين به فتيان أرض الميّت في مشاجراتهم مع فتيان القرى المجاورة؛ لاسيما في المواسم التي تجمعهم: كالأعياد والأفراح وحصاد البلح وجزّ البرسيم والحشائش أو احتفالات الختان الجماعية.
وعندما تزوّجت أختها التي تكبرها بثلاثة أعوام، هي من حفرت لنصب سرادق الاحتفال في إحدى ميادين القرية، وليس ذلك وحسب؛ بل وتضرب الأولّي أفضل من كثير من الرجال؛ إذ يصطفون في مجموعات ويدوزنون صفقاتهم مع وقع أرجلهم على الأرض على أنغام الكِسِر، وليس كل من حرّك قدميه وصفّق بيديه أجاد الأولّي، فهو أشبه بحالات التجّلي الصوفية؛ تتلبّس فيها الموسيقى أجساد الرجال، وتحرّكهم بها كيفما اتفق، فيتمايلون ويتقدّمون ويتأخرون في مشهد لا يخلو من الإثارة والحماسة.
سمعت أشياء وقصص كثيرة عن صابر لم أستوعب بعضها بسهولة، غير أنّ كل ذلك بقي سهل التصديق أمام ما سمعته من الجد مسكة عن تلك الحادثة الشهيرة؛ إذ تحكي جدتي أن رجلاً يُدعى سليم زبيدة جاء إلى سرايا العمدة مدعياً أن ابنته صابر قد اغتصبت ابنته، وحملت منها سفاحاً، وأكدّت الفتاة -التي غطّت وجهها بالكامل أمام العمدة- قول أبيها. وأمام إلحاح سليم زبيدة وابنته اضطر العمدة إلى اللجوء إلى أحد رجالات آل كلس ليقضي بينهما.
كانت تلك القضية الأغرب من نوعها التي يحكم فيها شيخ القرية، وبعد أن استمع الشيخ ميرغني كلس إلى دعوى سليم زبيدة وابنته التي أكدّت أن صابر استغلت خلو الدار من أهلها، وأرغمتها على المضاجعة الجسدية المباشرة، وأنها ليست المرّة الأولى التي تتعرّض فيها لهذا النوع من التحرش الجنسي، وأضافت إنها لم تخبر أحداً بما يدور بينهما خشية الفضيحة، ثمّ إنها بعد ذلك بأربعة أشهر بدأت تُحس بأعراض الحمل.
وفيما أصرّ سليم وابنته على أقوالهما؛ أكّد الشيخ ميرغني استحالة حدوث ذلك، إذ أنّ صابر وإن ارتدى ملابس الفتيان وتصرّف مثلهم؛ إلاّ أنه يظل أنثى لا يُمكنها تلقيح أنثى أخرى، واتهم الأب وابنته بأنهما يُريدان إلقاء خطيئتهما على صابر زوراً وبهتاناً، فحكم بإسقاط الجنين، وأمر بطردهما من القرية. واختفى سليم زبيدة وأسرته من القرية ولم يعودا إليها مرّة أخرى.
أثارت تلك الحادثة جدلاً واسعاً وكبيراً بين أهالي القرية؛ لاسيما بين شبانها؛ إذ ساعدت تلك الحادثة على تعزيز ذكورية صابر؛ وإن حكم شيخ القرية بتبرئته؛ إلاّ أنهم ظلوا ينظرون إليها كذكر فحل.
ومما يُحكى عن صابر أنها كانت ترفع أذيال البقر وتأمر الفتيان بمضاجعتها أمامها، ولم يجرؤ أحد على أن يرفض ما تأمره به. مضاجعة البهائم في أرض الميّت أمر منتشر، وربما هي الطريقة الأكثر أماناً بالنسبة إلى المراهقين لتجريب الفحولة قبل البدء بها فعلياً مع الفتيات، ولكنهم يمارسونها في الخفاء رغم كل ذلك.
ذاع صيت صابر كفتاة فريدة بين أقرانها، وكأول ظاهرة غريبة من نوعها بين المجتمعات النوبية، وتناقل البعض أخبارها وقصصها، وأضاف إليها البعض اختلاقات من عنده، ويُذكر عنها أنها لم تشهد جلسات النساء السرّية والخاصة، وكانت النساء يتستّرن أمامها، كما أنّ النساء أنفسهن كنّ يمنعنها من حضور عمليات التوليد التي تتم بمشاركة واسعة من نساء وفتيات القرية.
لم تكن صابر مجرّد فتاة تحمل هاجس فحولة وتنساق وراء رغباتها الشهوانية، بل كانت تقوم بما لا يستطيع الكثير من الفتيان القيام به بمفردها؛ إذ تذبح الخراف في مواسم أعياد الأضحى، وعند عودة الحجيج من أراضي الحجاز، كما أنها كانت قادرة على ذبح بقرة دون مساعد من أحد.
imported_هشام آدم
25-02-2012, 05:00 PM
كثيراً ما أعجبت بشخصية صابر التي لم يرد أنها تكررت في أرض الميّت بعد ذلك قط، ومن حصيلة ما سمعت من الجدة مسكة وغيرها من العجائز عرفت أنها رغم كل ما قيل عنها كانت تحمل ملامح الفتاة الجميلة، ولكن في غير ما تكلّف أو صنعة؛ حتى أن فتيات القرية ينظرن إليها كفتى بالغ الوسامة؛ بل ولا أشك أنهن كنّ يتغزّلن بها علانية أمام الجميع.
ماتت صابر غرقاً في مياه النيل وهي تسبح مع الفتيان كعادتها، عندما انزلقت إحدى قدميها عن صخور النهر الملساء. وروت إحدى النساء أن أحداً من الفتية الذين رافقوها لم يجرؤ على إسعاف جسدها الرطب قبل أن تفارق العالم وتُسلم روحها إلى باريها. وقيل أن أحدهم دفعه الفضول فكشف عن عورتها ليتحقق مما إذا كانت أنثى فعلاً أم لا؛ وعاب عليه الجميع ذلك؛ ولكنه كان قد اطمأن!
لم تجد صابر من يحزن عليها -بعد موتها- إلاّ أخواتها الأربع اللائي بكين فيها كل الأسلاف الراحلين، وبكين أمهنّ عواضة بصيلي التي أُصيبت بهستيريا حادة بعد رحيل زوجها حسن فنتي، وتحققت مخاوفها بعد ذلك فأصبح علي فانا السوشكي عمدة القرية، وانتقل إلى سرايا العمدة.
كانت عواضة بُصيلي ما تزال تبكي زوجها على قبره متمنية اللحاق به، ورفضت العودة إلى المنزل رغم مناشدات بناتها وأهالي القرية، إلاّ أنها فضّلت البقاء جوار قبر زوجها على البقاء تحت رحمة علي فانا ابن أخت زوجها الذي انتقلت إليه العمودية بطريقة تلقائية. وبموت صابر توقفت استفهامات الذين شككوا في قدرتها على الزواج والإنجاب وكل التساؤلات المتعلقة بشأن مستقبلها التناسلي.
أرغى الناس كثيراً وأزبدوا في سرّ بُغض عواضة بصيلي لعلي فانا، وأرجأ بعضهم ذلك إلى عداء أسري قديم نشأ بين عواضة وفانا سالي؛ إذ يذكر البعض أنّ فانا وضعت تعويذة في فراش عواضة يُعتقد أنها السبب في ألا تنجب إلاّ إناثاً؛ بحيث لا تضع مولوداً قد يرث أملاك أخيها الزراعية. وقال البعض الآخر إنّ فانا سالي عارضت زواج أخيها من عواضة متهمة إياها بالعهر، وبأنها كانت على علاقة بأحد المصريين الذين عملوا في تجارة الموالح قبل زواجها بالعمدة.
وقيل كذلك أن عواضة بصيلي حاولت قتل فانا سالي لسبب مجهول بأن وضعت لها سماً زعافاً في إناء حليب الماعز الذي اعتادت فانا شرابه كل صباح، ومشيئة الله وحدها هي من حالت دون أن تتناولها ذلك اليوم. ولا توجد قصة واحدة يتفق عليها الجميع أو حتى الأغلبية وظل السرّ الحقيقي لهذا العداء مجهولاً بينهما إلى الأبد.
حكت لنا الجدةّ مسكة كذلك عن أزمنة المجاعة، وكيف أن الأمهات كنّ يعتصرن أثدائهن ويُحلّين حليبهن بماء البلح ويُطعمن به أطفالهن، تلك الحقبة -التي لم أشهدها- هي من الحقب الأكثر صعوبة على أهالي أرض الميّت، وكادت أن تعصف بالقرى النوبية فلا تترك لها أثراً. قيل أن ساقية الشيخ إسماعيل دهب -التي أصبحت بعد ذلك سارية التمتام الرحيمة- قد امتلأت عن آخرها بجيف الحيوانات النافقة؛ بينما ناضلت بعض القطط والدواجن من أجل أن تبقى على قيد الحياة؛ وتوجهّت إلى تغيير نمطها الغذائي. فتشاجر الأطفال والقطط على مياه البلح الآسنة، وثمار الدوم الصلبة، وقشور الفواكه المصابة بالطفيليات، ولكن نيلنا المقدس الذي ينبع من بين أصابع أقدام الرب أعاد الحياة إلى القرى النوبية وأهاليها، الذين لم يكفوا يوماً عن مناشدته فرادى وجماعات.
وما تزال قصص الطاعون والكوليرا التي داهمت القرية كجيوش من الأرواح الشريرة تسكن ذاكرتي محتفظة بطزاجتها الأولى لتُشعرني في كل مرّة بالأسى والقشعريرة؛ حيث قضى المئات من الأطفال والنساء نحبهم في أزمنة الوباء وعدّ أهالي القرية تلك الحقبة حقبة شؤم، غير أنهم لم يفطنوا قط إلى أنّ جيف الحيوانات النافقة على سارية الرحمة قد تكون سبب الوباء.
تذكر جدتي إن هاشم صليحة كان أول من مات بالكوليرا. ذلك الشاب الذي أرهق القرية بأفعاله الشريرة والرعناء، حيث لم يكن يدع نعجة ولا غنماً سائباً إلا وذبحها دون إذن أصحابها ليتخذ منها عشاءً له، ووليمة لأصدقائه في أمسياتهم الخمرية. اشتكى منه أهالي القرية، ولم يمتلك والده حيلة عليه. قالت: "إن الله أحب أن يضرب عصفورين بحجر واحد، فأماته ليريح الناس من شرّه وليمتحن صبر والديه على ابتلائه." ولكنها لم تجد تعليلاً مناسباً لحكمته في قتل المئات الآخرين!
ولم تزل أرض الميّت تحت وطأة الطاعون والكوليرا عامين كاملين، ثم أصابها وابل من مطر لم يكف عن الهطول ثلاثة أيام، غسلت الأرض وطهرتها من الأدران والذنوب؛ هكذا قال الجميع. وقالت جدتي إن القرية بدأت تتعافى بعد ذلك المطر بعدة أيام، وأصبح المرضى بالكوليرا يُعدّون على عدد الأصابع، فيما قضى المئات نحبهم في ذلك الوباء اللعين.
تضيف كذلك إن الشيخ عبد الصبور وقف ذات يوم على التلة المقدسة وقال: "إنه يتوجب علينا جميعاً أن نعي الدرس جيداً، وألا ندع الأشياء تمر علينا مرور الكرام. إن ما حدث خلال السنتين الماضيتين ليس سوى ناقوس خطر من الله، أراد به أن يوجهنا إلى أننا مخطئون ومذنبون. علينا مراجعة أنفسنا ومحاسبتها، وعذاب الآخر أشد وأبقى."
ثم إن أرض الميّت بدأت تتعافى من جديد، وبدأت الأراضي تخرج ما ادخرته من خيرات مدفونة، وبدأت تظهر أولى أمارات العفو الإلهي واستجابة الدعوات والتضراعات التي لم يكف عنها الشيخ عبد الصبور دهب يوماً. وعادت الحياة مرّة أخرى تدب من جديد في عروق الأرض والبهائم والبشر، وبدأت أرض الميّت تستعيد رائحتها القديمة.
لكل الأماكن رائحــة، ولكل الروائح ذاكرة وشرايين تنبض بالحياة؛ وهكذا كانت "كِدِن دَفّي" الغارقة في سواد الكبريت الواقعة شمالي أرض الميّت؛ إذ تذهب نساء القرية إلى هناك لجمع الهبّوت أو الرماد الطبيعي الذي يستخدمنه علاجاً لبعض الأمراض الجلدية: كالطفح، ومداواة آثار الجُدري المائي، والبهاق، والثآليل الفيروسية. تلك الثقافة التي تُعد من أكبر الأدلة على ارتباط الإنسان بأرضه، والعلاقة التي تربط بينهما قبل اكتشاف العقاقير الكيميائية، والفزلكات الطبية الحديثة.
تجمع النساء الجرار الصفيحية، ويضعن فيها ما تيسّر لرجالهن صيّده من أسماك الباروش، والأسماك النمرية المتوحشة، ويضعنها –بعد إزالة الحسك- كما هي دون نزع الشوك، فقط يُضفن الثوم والملح والبهارات الخاصة إليها، ثم يُحكمن إغلاق الجرار التي لا تُفتح إلاّ بعد مرور أربعة أيام. في هذه المدة يستوي تعفّن الأسماك؛ فتقلّب مراراً بأعواد خشبية غليظة وطويلة مُعدّة لهذا الغرض حتى تصبح كالطين اللازب، يأخذنه ويُفرغنه في علب زجاجية صغيرة، ويطبخنه كإحدى الوجبات الرئيسة للعائلات النوبية.
ربما لمرّة واحدة في حياتي شهدت صناعة التركين الذي تقوم به مجموعة من النساء في وقت واحد. يرددن عندها أغنيات تذكر شجاعة الرجال ومهارتهم في الصيد. حضور تلك الطقوس الجماعية بالنسبة إلينا -نحن الأطفال- نوع من التسلية، إذ تأتي كل امرأة برفقة أطفالها. وبينما تنغمس النسوة في العمل، ننغمس في اللعب بالطين الكبريتي دون أن نخشى توبيخ الأمهات المنهمكات في إعداد التركين. تلك اللحظات المثالية النادرة كانت حفيّة في القرى النوبية؛ لاسيما لدى الأطفال الذين يتجمّعون عند عتبة سرايا العمدة ويختلقون الأفاعيل التي تثير غضبة الكبار.
وفي مواسم الأعياد يتجمّع الأطفال، وقد ارتدى كلٌ منهم ملابسه الجديدة والتي لم تكن تختلف كثيراً عن بقية ثياب السنة، ثم يتسابقون حتى حدود القرية الشمالية، ويدخلون البيوت مشرعة الأبواب فاتحين جيوبهم لاستقبال الحلوى والبلح الذي يُغدقه عليهم الكبار بكرم جمّ. ويظلون ينتقلون بين قرى المنطقة حتى يصلون إلى شجرة اللبخ المشهورة التي تمّد أغصانها كشمعدان سحري عملاق. يجلسون تحت ظلها، ويخرجون حصيلة ما في جيوبهم من حلوى. يفرشونها أرضاً ويأكلون حتى يلتهمهم العطش، ثم ينطلقون إلى النيل يشربون من ميائه البارد حتى يرتوون، ولا ينسون أن يتراشقوا بالماء، وأن يبللوا ثيابهم الجديدة مهرجاناً لشغب الطفولة الذي لا ينقضي. ولا ينقضي العيد حتى تُقبّلهنّ العجائز، ويحملهم الرجال على ظهورهم، ويملئون الدنيا بالضحكات.
كل شيء في أرض الميّت روتيني ومكرر، حتى تلك الأعمال الأكثر حفاوة وتقديراً: صناعة التركين، والعزاءات النسوية، وحفر المقابر، وحصاد البلح، وحتى الهمبيق الذي يقوم به الرجال في المناسبات السعيدة: حيث يصطف الرجال في نصف دائرة مُصدرين من حويصلاتهم الرئوية أصوات الهُمبيق التي كنتُ أخاف منها كثيراً. ذات الأصوات تسكب القشعريرة الباردة نهراً في أوصال النساء، وتُلهب الحماسة في قلوبهن، ولكننا لم ندرك روتينية هذه الأشياء حتى زيارة الشياطين البيضاء لنا ذلك اليوم.
أهالي القرية، ضاربي الهمبيق لم يعرفوا –حتى في أزماتهم ومحنهم المتوالية- غير رسم الابتسامات الصافية من غير تكلّف. ولطالما سردت لنا جدتي حكايات عن تلك المآسي التي مرّت بها أراضي النوبة وأهلها البسطاء لقرون طويلة، وكانت تغني لنا بلكنتها النوبية المحببة ملاحم شفوية تداولتها الأجيال النوبية عاماً بعد عام.
ومازلت أتذكر تلك التقاسيم المتعَبة التي تجيد الجدة مِسكة رسمها بعفوية، وهي تحكي لنا ما فعله جيوش الإمام عبد الله التعايشي بأهالي القرية، والقرى النوبية المجاورة في أزمنة سابقة على المجاعة الكبرى. وكم جاهدتُ معها لتُحدد لي متى كان ذلك، ولكنها لم تكن قادرة حتى على التخمين، كل ما قالته: "تلك أزمنة كانت حمير الأسلاف تأكل فيها الكاجو!"
كانت الجدة مِسكة صغيرة حين شاهدت -لأول مرة- سنابك خيول أولئك المرتزقة الذين غزوا القرى النوبية، ونهبوا ما بها من خيرات: حبوب، وبقول، وبهائم ليموّنوا بها قواتهم التي تقاتل ضد الوجود المصري في السودان.
يُهاجمون القرى النوبية وينهبون ما تطاله أيديهم، حتى أن البهائم والدواجن لم تسلم منهم. وعندما تخفي الأسر النوبية بهائمها التي تعوّل عليها كثيراً في معايشها عن أنظار اللصوص، يأتون بجدي ويعضّونه من أذنه حتى يعار؛ وعندها تنطلق يعارات الماعز الأخرى داخل البيوت والأخبية؛ فيهجم عليها الجنود دون رحمة.
بفطرة الطفولة الفوّارة والمسالمة أحببتُ الإمام التعايشي الذي تعلّق في مخيلتي كأحد الفوارس الأسطورية: بمنظره المُتخيّل ناصع البياض الذي لا يشوبه شيء؛ إلاّ بعض البقع المتوقعة على حصانه الأبيض الضامر الرشيق، غير أنني أخذت عليه أنه تسبب في تجهّم جدتي مِسكة التي تشبه صفاء الجنة، وعبقرية اللحظات الإيمانية بكل نقاوتها القدسية.
لم أستطع في ذلك الوقت المبكر أن أحدد موقفي منه، رغم ما سمعته من حكايات عنه وعن الإمام محمد أحمد الدنقلي الذي أفشى بين الناس قصصاً عن منامات رأى فيها النبي، وهو يُبشّره بأنه المهدي المنتظر. واستغل بساطة من معه؛ فأغراهم بمجد خطّه لهم على تراب المسايد المُباركة، على ضوء لهيب التُقّابات الليلية، بأنه سيُجدد بناء الدولة الإسلامية ويُحرر القدس.
كانت شخصية المهدي مرعبة بالنسبة إليّ، ولكنني لم أستطع أن أقارنه بالإمام التعايشي؛ حتى علمت أنه بنا على قبة المهدي –بعد موته- قبة أخرى، وأمر الناس بالحج إليها بدلاً عن الكعبة المشرّفة. لا أدري؛ ولكنني شعرت بالخذلان عند معرفة ذلك، وفيما بعد عرفت أن كثيراً من أتباعه -الذين أطلق المهدي عليهم اسم الأنصار تيمناً بأنصار الرسول- قد غلوا في أمره، حتى أن كثيرين منهم لم يكونوا يسمعون اسمه إلاّ ويقولون: "عليه السلام"، فعرفت أنني لم أكن الوحيد الذي بهرته شخصية هذا التعايشي المخدوع الحالم.
سار التعايشي على خطى إمامه المهدي في جهاده ضد الكفار، ونواياه المعلنة في فتح مكة، واسترداد القدس قبل أن تداهمه حمى التايفود الأفريقية المميتة؛ فأردته قتيلاً ليحمل لواء خلافته من بعده، ويأخذه جنون العظمة لغزو مصر، بعدما أذاقوا أهل السودان ويلات التقتيل والتشريد.
حكت الجدة مِسكة -بكل فخر، وهي تحاول بيُسر غير متكلّف محو ملامح البؤس النوبي المستديم- عن موقعة أرقين التي شارك فيها النوبيون جنباً إلى جنباً مع القوات المصرية والإنكليزية لدحر عدوان البدوي الحالم، قالت: "نهاية حملة النجومي التي أعدّها التعايشي عنت لنا نهاية المحنة." كم طيّبة وحالمة هي الجدة مِسكة! ومرّة أخرى سألت نفسي: "هل النوبيون وحدهم الأحامسة؟ أم أنّ ذاكرة الشعوب يُصيبها العطب كذلك؟"
بعد سنوات طويلة، عرفتُ أن تاريخ السودان الحديث المكتوب ليس بتاريخ يُمكن أن يُعتد به؛ فهو تاريخ يُعلي من شأن القتلة والمرضى النفسيين، الذين لم يتركوا من المآثر سوى عشرات الأنهار الدموية، وبذروا بواعث العنصرية البغيضة؛ في حين ظلّ أشخاص أكثر أهمية طيّ النسيان. قلت في نفسي: "التاريخ لا يكتبه إلاّ الخونة!"
imported_هشام آدم
25-02-2012, 05:03 PM
مقارنة بأعاجيب التمتام والحكّاي ومقولات عبد الشافي الثورية؛ فإن عودة نجيب آشا غير المتوقعة إلى القرية كانت من الأحداث التي لا تقل أهمية في تاريخ أرض الميّت. عندها فقط ابتدأت صفوف الرجال المنتظرين للفرج جوار ضريح التمتام، وعلى أعتاب سرايا العمدة تتجه إلى منزله؛ فقد عاد وقد بدت عليه أمارات الثراء المشرقة بعد سنوات اغترابه العشرين التي قضاها في أسوان برفقة السيّاح الأجانب؛ تعلّم فيها -إضافة إلى اللغة الإنكليزية-: الانضباط في المواعيد، وتنميق الكلام، وتهذيب أفكاره تجاه الحيوانات الأليفة.
لم يكن من المنتظر -بعد اغتراب طويل كهذا- أن يجد نجيب أحداً من أفراد أسرته على قيد الحياة. ولكن المعجزة الحقيقية أنّ جدته لأمه عائشة (أو آشا كما ينطقها النوبيون) كانت ما تزال تناضل من أجل أن تبقى حيّة بعد أن فقدت بصرها، وخفّ سمعها، وتساقط جلّ شعرها.
بابا نوبة التي ظلت طوال الثمانين عاماً التي عاشتها متشبثة بالحياة، اختارت اليوم التالي مباشرة لعودة حفيدها لتموت، وكأنها كانت في انتظار عودته لترحل هي عن الدنيا؛ وبينما خمّن البعض أن مقدم نجيب كان قدم شؤم على جدته؛ تندّر البعض الآخر بهذه القصة، وقالوا: "إنّ ما حمل بابا نوبة على البقاء حيّة هو كونها آخر من تبقى من سلالة آل كُبْرة المنقرضة، وبعودة حفيدها لم يعد لديها ذلك الدافع للبقاء!"
بدأنا نسمع اسم أسوان يتردد أكثر من ذي قبل على ألسنة الناس. ما فعله نجيب آشا ببساطة أنه صوّر أسوان لأهالي القرية على أنها إحدى الجنان الأرضية المفقودة التي مات المئات من المغامرين في بحثهم عنها، تلك الجنة تقع على بُعد ملء السواعد بالتجديف الحثيث، الأمر الذي جعل الناس يتدافعون إلى منزله كالجراد؛ لاسيما أنه صوّر لهم عشق الفتيات البيضاوات هناك للرجال السُمر.
ردد كثيراً: "إن سُمرة الرجال تجذب الإناث البيض كما تجذب مُكعبات السكر سرب الذباب!" الأمر الذي جعل رجال القرية يشحذون هممهم، ويُمنّون أنفسهم بمضاجعة المصريات والخواجيات اللواتي ينتظرنهم وراء الجبال.
طلب من كل فرد جنيهاً كاملاً مقابل أن يُوفر له عملاً هناك. لم يتوقف الأهالي كثيراً للتفكير في جشع نجيب آشا واستغلاليته، وإنما ذهبوا لبيع ما يملكون من نخيل وأراض وعِدد، ومن لم يجد؛ رهن ما لا يصلح بيعه على أمل جازم بالسداد. البعض تصوّروا أنفسهم وقد أصبحوا أثرياء مثله أو مثل العمدة؛ حتى أن كثيرين منهم تلبّسوا شخصية الثري المتغطرس.
وتذكر الجدة ملكة أنّ أحدهم وقف قائلاً في إحدى ليالي أرض الميّت الحالمة: "عندما أعود من أسوان سوف أشتري سرايا العمدة ـ أو أبني واحدة إلى جوارها!" ذلك جلّ ما حلم به.
النساء كنّ الباعث الحقيقي وراء أوهام بعض الرجال، ولم يستطع أحدهم أن يُوقف تلك الوساوس التي عاشت في دماغه كخفّاش ليلي لعين تلّصق على جدار الجمجمة.
ظنت النسوة أنّ من يذهب أولاً تتفاقم فرص ثرائه أكثر من غيره؛ لذا فإنهن لم يتوقفن عن الوسوسة، وارتاح الشيطان وقتها من عمله وتركه لهن. تلك التجربة أفرخت عشرات السوشكّيين الذين لم يعلم أهل القرية بأمرهم.
في ذلك الوقت الذي بدأ فيه نجيب آشا في إرسال الشباب إلى مصر، سمع الأطفال عن أسوان أكثر مما سمعوا عن الخرطوم، ومثلّت بالنسبة إليهم إحدى عجائب الدنيا التي لم يتوقعوا -حتى في أكثر أحلامهم رومانسية وخصوبة- أن يسافروا إليها، أو أن يروها بأم أعينهم.
سمعوا عن البيوت الحجرية، والكهرباء، والقوارب ذات المحرّكات، والعربات التي تجرّها الأحصنة، والسيارات المعدنية، والراقصات، والخمّارات، وصندوق الدنيا، وملاهي الأطفال، وشوارع الإسفلت، ورسموا في مخيلاتهم المحدودة تصوّرات بدائية عن شكل الإسفلت ولونه.
سمعوا عن كل ذلك، ولكنهم لم يعلموا كنهها حتى عاد نجيب آشا من هناك حاملاً في جراب ذكرياته قصصاً وحكايات عن أسوان والسويس وبورسعيد التي سمعت بها أرض الميّت لأول مرّة.
لم يلحظ أحد غير (سرّي نَبْرَة) ذلك البريق الماكر الذي لمع في عيني نجيب وهو يُخاطب إحدى الفتيات: "توجد فرص عمل للنساء أيضاً في أسوان." ورغم محاولاته لإخفاء همجيته البيولوجية، إلاّ أنه بعاطفته الأبوية المتيقضة رآها بادية بين فكيه كذئب صائم يتعرّف على فريسته للمرة الأولى، فقفز رافضاً الفكرة، ولم ينس أن يشكره على عرضه السخي. ولكن سرّي نبرة وكل أهالي القرية تفاجئوا باختفاء نجيب آشا والفتاة بعد أسبوع من ذلك.
وبحسب فهرس الوفيات الأبجدي فإنه قد تمت إضافة اسمها إلى القائمة فوراً، وأصرّ سرّي على ألا تقوم النائحات بعملهن ذلك النهار. قال: "تموت ابنتي كما تنفق الخراف." ولم يساعده إحساسه بشرفه ذلك على أن يتذكر جرائره السابقة.
حين ذاع خبر ولادة عوضية كوشة المتزوّجة حديثاً؛ ذهبت النساء لزيارتها في المنزل، وحملن معهن كل ما ينبغي لهن حمله في مثل هذه المناسبة؛ ففي حين حملت بعضهن علب حلوى الماكنتوش التقليدية، حملت الأخريات أكياس البخور والصندل وبرطمانيات الخُمرة والمحلبية المصنوعة محلياً، بالإضافة إلى مديدة الحِلبة بالتأكيد! في حين لم تذهب النساء اللواتي رأين جنازة عابرة ذلك اليوم.
تلك العادة النوبية التي مازلتُ أستغرب من تفاصيل وضعها في قوالب اجتماعية لا يحاول أحدهم كسرها أو تجاوزها؛ إذ تتشاءم النفساء من استقبال من رأت جنازة أو دماً مسفوكاً بأم عينيها، وإن كانت تلك إحدى القريبات؛ فإنها تأتي لزيارتها دون أن تسمح لها برؤية وجهها، فتكتفي برؤية قفاها ثم تغادر المنزل بسرعة.
يقال: إن الموت والحياة لا يُمكن لهما أن يلتقيا أبداً إلاّ في ظروف نادرة؛ لا تتوفر إلاّ كانت أمارة لكارثة وشيكة، ومن أجل ذلك جعلوا مقابر الموتى في الضفة الغربية من النهر، بينما بنوا منازلهم في الضفة الشرقية منه، ليفرقوا بين الحياتين.
وربما آمن الأسلاف -الذين سنّوا هذه المُشاكرة- بأن لكل من الموت والحياة حيواتهما الخاصة، وأن محاولات الخلط بين هذه الحيوات يُعدّ تحدياً سافراً لقوانين الطبيعة ونواميسها الأزلية، الأمر الذي يُنذر بما لا يُحمد عُقباه.
تظل النفساء حبيسة هذه المُشاكرة حتى تُكمل عدتها، وفي اليوم الأخير، تأتي نساء القرية ليتم اختيار إحداهن لتغسيلها بيدها بماء الذهب على طشت من النيكل. تجمع النساء ما توافر في أيديهن من ذهب حقيقي، ويُلقينه داخل الطشت، ثم تُنقع القطع الذهبية في الماء لبعض الوقت قبل أن تستحم به النفساء.
في الأربعين، أرسل النسوة في طلب فتحيّة بُشارة لتُلقي بذهبها الخرطومي في طشت عوضية كوشة وتفاءلنّ بذلك. ولكن فتحية خافت أن تفعل، فتصدأ مجوهراتها المزيفة ويُفتضح أمرها؛ لذا رفضت بقوة؛ متحججة بأنّ ما يفعلنه يُعبّر عن تخلّف ورجعية، وسير على خطى عادات آسنة لا معنى لها.
ولكن ضراوة العادات دفعت بالنسوة لمهاجمتها، ونزع بعض الذهب من يديها، وإلقائه في الطشت عنوة، وعندما صدأ عرف الجميع بزيفه. وأصبح الحديث عن ذهب فتحية بشارة الفالصو فاكهة المجالس النسوية؛ حتى أنّه غدا مثلاً يُضرب؛ فيُقال: "أزيف من ذهب فتحية!" وسافرت فتحية إلى الخرطوم وراء زوجها بعد ذلك.
تذهب نساء أرض الميّت الحوامل كل صباح إلى النهر برفقة بعض النسوة، فيجلسن على حوافه، ويغتسلن، ويمسحن شعورهن بمياهه المباركة التي حملت أحد الأنبياء السماويين ذات يوم. ثم يبدأن بالتهام الطين المتوافر جوار النهر، ويحملن جزءاً مقدراً منه في أكياس ليأكلنه مساءً في البيوت.
نساء أرض الميّت المفتقدات للكالسيوم يتخذن من طين النهر مصدراً أسياسياً للكالسيوم والحديد؛ يقوّين به أجسادهن الضعيفة. والبعض يصنعن الطين في قوالب كأصابع الشوكولاته، ويأكلنه بنهم جمّ في الأمسيات والأسحار، وليس طين أيّ نهر كطين نهر النيل.
نهاية الفصل الثاني
imported_أمير الأمين
25-02-2012, 11:20 PM
يا سيدى يبدو ان لك ذاكرة استنساخية فذة
ابقى بود
imported_Sana Mursi
26-02-2012, 09:44 AM
جريت بنبري واتحكرت في الراكوبه الهمبريبها هواهو بحري.
متابعه باستمتاع
شكرا هشام وقبلك الشكر اجزله ليوو مسكه
imported_هشام آدم
26-02-2012, 01:20 PM
سلامات يا هشام
ما قدرت أفهم الفكرة من البوست ده
يعني تكون ناوي تنشر الرواية هنا مثلاً ؟
أكيد طبعاً انت فاهم إنها ح تكون مستباحة
وبالتالي ستفقد حقوقك المادية ومعها حقوق دار النشر وغيرهم من المشاركين
بالتأكيد ستجد نقاشاً ونقداً أكثر وشهرة أكبر
ولكن الحياة المادية هي التي لها الأهمية الأكبر
...
الأخ: الزوول
تحيّة طيّبة
أحترم رأيك بكل تأكيد، وأعلم أن الناشر سوف يفقد حقوقه في النشر اعتباراً من تاريخ: 30/06/2012 وسيكون لي الحق في اختيار ناشر آخر أتمكن معه من إدخال الرواية إلى السودان حتى يتسنى لشريحة أكبر من القراء السودانيين الاطلاع على الرواية التي أعتقد أنها لم تنل حقها من القراءة والنقد حتى اللحظة، ولكنني هنا لا أنوي نشر كامل الرواية وإنما أجزاء أو فصول منها فقط لأغراض التشويق والتسويق
لك مني كل الاحترام
imported_هشام آدم
26-02-2012, 01:32 PM
مرحب بعودتك هشام ..
للمرة الكم كدا ..
و عندما يكتب هشام أقرأ الفكرة وراء الرواية قبل الأحداث
لذا هشام يأخذني بالحكم على فكرته قبل فنياته ..
فى انتظار أن تكون الرواية فى رفوف مكتبات الدوحة أو " أنتظر من يرسلها لى "
العزيز: معتصم الطاهر
أشكرك يا عزيزي على المتابعة العميقة، وأتمنى بالفعل أن تتحصّل على نسختك من الرواية، ولكن للأسف ليست لدي نسخة منها معي، ربما كانت متوفرة في إحدى مكتبات القاهرة، فيمكنك طلبها من هناك إن كان لديك أصدقاء أو أقارب.
مرحباً بك
imported_هشام آدم
26-02-2012, 01:41 PM
أ.هشام
تحايا وإحترام
استمتعت جدا بمتابعة الفصل الأول..كتابة غنية بالكثير
في إنتظار تجدد هذه النافذة ..ببقية النص..
شكرا لك
الأخت: سماح محمد
تحيّة طيّبة
سعيد بمتابعتك للنص، وسعيد أكثر بأنه قد نال قسطاً من إعجابك
أرجو أن يعجبك ما سوف يُنشر لاحقاً من فصول هذه الرواية
مودتي
imported_هشام آدم
26-02-2012, 01:42 PM
لي عودة لاحقاً
imported_هشام آدم
26-02-2012, 05:43 PM
هشام آدم
سرد أنيق ومبشر بفضاءات واسعة ومتعددة...
متابعة...
أشكرك عزيزي أشرف السر على المتابعة وأتمنى أن تعجبك بقية الرواية أو ما سينشر منها هنا
imported_هشام آدم
26-02-2012, 05:56 PM
الأخ: طارق كانديك
تحيّاتي
أشكرك على المتابعة وعلى القراءة العميقة والمُتفهّمة للرواية
اذ الشائع -في ظني- أن انحصرت حيوات الناس في امتداد النيل العظيم مابين مقابرهم ومجراه العظيم . غير أنه ربما جهلي كان هو بعض حكمة الراوي .
فيما يتعلق بملاحظتك أعلاه فأتمنى أن تكون بعض المقاطع التي نُشرت لاحقاً قد أجابت عليها أو أشبع فضولها، فبعض القبائل النوبية تفضل أن تجعل مقابرها في الضفة الأخرى من النهر بعيداً عن مساكن الأحياء للأسباب الواردة في الرواية، فأرجو الاطلاع عليها.
وددت لو أنها كانت بالأفدنة أو بمقاييس أهلنا هناك وهو أمر ربما له مدلوله عند الرواي غير أني وجدته يستحق التعليق .
أما فيما يتعلق بهذه الملاحظة، فكان لكلامك أن يكون صحيحاً لو أنها وردت على لسان أحد شخصيات الرواية، ولكن الكلام هنا ورد على لسان الراوي الذي هو خارج الحدود الثقافية لبيئة الرواية، أو على الأقل ليس ملتزماً أو مُلزماً بها.
أكرر لك عميق شكري على هذه القراءة النقدية والتحليلية وأتمنى أن تسعدني بما تجود به قريحتك في الفصول القادمة
مودتي المقيمة
imported_سماح محمد
26-02-2012, 11:05 PM
الأخ هشام آدم
تحياتي
نحن محظوظون بأن أتاحت لنا الأسافير الإطلاع على أجزاء من روايتك المهمة - في تقديري - (أرض الميّت)
ولكنا لسنا أكثر حظاً من تلك الأرض النوبية التي حظيت بقراءة تاريخية إجتماعية وثقافية وسياسية مدهشة من خلال هذا العمل، ومقاربات أضافها الراوي بحرفية وجمال..
* حتى الآن تشبه الرواية بالنسبة لي سرد تاريخي إجتماعي لتلك القرية، ولكنه حيّ تماما (وما الرواية الا حيــاة..).
* استوقفني ان معظم الشخصيات في النص يوضع حد لحياتها (تموت) ببساطة متناهية بعد ان تكمل سيرتها، بذكاء يقلّب الأيام من أحداث الى أخرى.. ولا يقف عند شخصية بعينها وهذا شئ ملفت ومختلف في النص.
* أعيب على المداخلة الثانية في الفصل الثاني، والتي ركزت على أفكار (عبدالشافي افندي) أنها اتخذت شكل سرد لرؤية حول التاريخ الديني للمنطقة، سرد يفتقد الحيوية ومباشر لحد كبير ، لم تلعب فيه شخصية عبد الشافي ولا شخوص القرية كبير أثر.
مازلنا متابعين بمتعة شديدة
شكرا لك
imported_هشام آدم
27-02-2012, 11:28 AM
* أعيب على المداخلة الثانية في الفصل الثاني، والتي ركزت على أفكار (عبدالشافي افندي) أنها اتخذت شكل سرد لرؤية حول التاريخ الديني للمنطقة، سرد يفتقد الحيوية ومباشر لحد كبير ، لم تلعب فيه شخصية عبد الشافي ولا شخوص القرية كبير أثر.
تحيّاتي الماجدات أخت سماح محمّد
أُحييكِ على ملاحظاتك العميقة واللافتة، أمّا بالنسبة للملاحظة أعلاه، فهي ملاحظة حقيقية، ولم أستشعرها إلا بعد الفراغ من كتابة الرواية. أجد مشاريعي القادمة هي إعادة طباعة رواية (أرض الميت) مُضمناً في الطبعة الجديدة (الجزء الثاني) من الرواية (في سيرة الزمان) وبالطبع ستكون معالجة مثل هذه الأخطاء من أولوياتي.
تسرني متابعتك
imported_هشام آدم
27-02-2012, 11:40 AM
كان يعيش في أرض الميّت رجلٌ يُدعى شكرو. داكن البشرة، أفطس الأنف، من أصول زنجية تم جلبهم في عصور غابرة للخدمة في استصلاح الأراضي الزراعية، ومكثوا في القرية منذ ذلك الحين حتى أتقنوا اللغة النوبية.
كثيرون خرجوا إلى الدنيا ليجدوا شكرو وعائلته أمامهم، ولكن لم يهتم أحد بسيرة هذه العائلات الزنجية وتاريخها؛ حتى أن الجدة مِسكة لم تذكر لنا الكثير عن هذه السلالات في رواياتها الشعبية.
عاش شكرو الأوشي بين أهالي أرض الميّت كعبد نوبي؛ دون أن يُسمح له بامتلاك أرض أو منزل؛ فسكن في قُطّية مبنية من القش وسعف النخل وخشب أشجار السرو كبقية عبيد الشمال المستوطنين في القرية.
إتقان هؤلاء الأوشيين للغة النوبية هو ما جعل أهالي القرية يتقبّلون وجودهم في مناسباتهم، ورغم ظاهرية المحبة التي يُبديها الجميع لهؤلاء العبيد، ولشكرو على وجه الخصوص؛ إلاّ أنّ النعرة العنصرية تطفو في الأوقات العصيبة والمحكّات الحقيقية، فقد أوشكوا على قتل ملوال ابن شكرو، عندما واقع فتاة نوبية ادعت أنه اغتصبها أثناء غياب أبناء القرية ذات موسم حصاد، ولم يوافقوا على تزويجه منها لرد الشرف المسفوح؛ بل طردوه وبقية العبيد بالتبعية من القرية؛ فنقلوا قُطيّاتهم غرب النيل، وسُميّت المنطقة التي انتقلوا إليها بأُرومتنو أي الغرب الأسود.
أوشي التي تعني (عبد) في اللغة النوبية هي الوصف الأكثر شيوعاً في أرض الميّت الذي أُطلق على شكرو وعلى السلالات الزنجية، ولم يعتبرها النوبيون عنصرية؛ رغم أنها تنضح بها دون ريب. ولم تمض بضعة أسابيع حتى غادر ملوال شكرو المنطقة، ولم يعد إليها مرّة أخرى.
لم يتساءل أهالي أرض الميّت عن اختفاء العبد الزنجي، ولم يُحسّوا تجاهه بالذنب؛ بل إنهم -وبكل وقاحة المستعلي- طلبوا من شكرو تلقيح أشجار النخيل في موسمها المداري كالمعتاد.
"تروقني الطريقة التي كان يتعامل بها شكرو مع أهالي القرية" هكذا قالت الجدة مسكة، وحكت أنه لم يكن يكترث كثيراً لنظرات الازدراء التي يرمقونه بها، وكان في نظرها أكثر رجال القرية حكمة وبُعد نظر.
عندما غادر غالبية رجال المنطقة خلف نجيب آشا بحثاً عن ذهب أسوان ونسائها، تاركين مزارعهم وبيوتهم ورائهم، أصبح العبيد الأوصياء الوحيدون على هذه المزارع؛ فاتفقوا معهم على تلقيح عراجين النخيل مقابل الحصول على جزء من الشراميخ الحاملة للبلح.
وحيث أن معظم رجال أرض الميّت رحلوا عن القرية؛ فإن شكرو كان وصياً على أكثر من إحدى وعشرين مزرعة؛ يتحصّل من كل نخلة في كل مزرعة على ثلاثة شراميخ في نهاية الموسم. وفيما يبيع بلحه في غرائر ويتحصّل منها على أموال طائلة، يظل بلح المغتربين معلّقاً على شراميخه ليُصبح فيما بعد طعاماً للحمير أو خمراً للسكارى المتبقين. وربما مات شكرو قبل مجيء الشياطين البيضاء ببضعة أسابيع، ولكن لم يكترث لموته أحد.
ومن أعاجيب العبيد التي يتندر بها الناس في أرض الميّت؛ تلك القصة التي حكتها لنا الجدة مسكة عن زنجيّ يُقال له قرشين عاش في عهد طيّب الذكر الشيخ إسماعيل دهب.
تقول القصة: إن قرشين أسلم على يد الشيخ إسماعيل دهب، وعاش في خدمته ملازماً له بعد ذلك، حتى أن الشيخ أوكل إليه مهمة إصلاح شباك الصيد نهاراً وتنظيف المسجد ليلاً، وائتمنه على مفتاحه، وبنا له غرفة من الطين ملاصقة له.
قرشين هو أول عبد يسكن في بيت من الطين وقتها، ولم يتكرر ذلك بعدها قط. وفي العهود التي بدأت تشهد لوثة التعليم في مهدها الأول أوصى الشيخ إسماعيل قرشين بتعلّم القراءة والكتابة؛ ليس لشيء إلاّ ليجوّد تلاوة القرآن. ولكن قرشين لم يتحمّس كثيراً لذلك.
وفي ساعة واسعة المقياس أعاد الشيخ إسماعيل وصيّته إلى قرشين، ولكن بصورة أكثر حزماً، أخذت شكل الأمر، تقول الوصية: "أمهلك أربعة أشهر -هي فترة سفري لزيارة الأزهر الشريف- لتتعلّم فيها القراءة والكتابة دون شرط إجادة، وإلاّ فلا حاجة لي بعبد أميّ يُحرّف القرآن".
عندما عاد الشيخ إسماعيل من الأزهر لم يكن قرشين قد تعلّم ما يجعله يبقى تحت رعاية شيخه، فأعطاه ما يُبقيه حياً لثلاثة أشهر، وطرده من الغرفة الطينية التي إلى جوار المسجد. كان قرشين وقتها على أعتاب الخريف السادس من العمر، وعرف أن أحداً من القرية لن يُفكر في الاستعانة برجل مسن في أعمال الزراعة.
قرر قرشين التخلّص من حياته ووضع نهاية للمهزلة التي عايشها يوماً بيوم، ولكنه قرر إرجاء ذلك إلى حين أن يستمتع بما أعطاه إياه الشيخ إسماعيل. ظنّ بأن الثلاثة أشهر هي مهلة مناسبة لرحيله بعد ذلك.
في أثناء استمتاعه بأشهره الثلاثة الأخيرة، فكّر أنه لا يوجد في القرية رجل يتقن إصلاح شباك الصيد غيره؛ فابتاع ببعض ما لديه من أموال شباك صيد جديدة، وعرض خدماته على أهالي القرية، قال إنّ بإمكانه أن يفعل شيئاً جيداً قبل أن يموت.
بدأ قرشين ذلك الوقت بإصلاح شباك صيادي القرية، وبيع الشباك الجديدة التي لا يُعرف مصدرها حتى ذاع صيته في المنطقة كلها. كانت شباك قرشين مجهولة المصدر من أفضل ما يُمكن للصياد أن يمتلكها؛ ولذا فإن الجميع وهبوه ثقتهم، وبدءوا يترددون عليه بشكل دائم.
في غضون سنوات قليلة أصبح قرشين ثرياً إلى الحد الذي جعله يُوظّف لديه بعض أقاربه وأصدقائه. وربما لم تكن قصة قرشين لتذاع وتنتشر لولا كلماته التي قالها في لحظات موته الأخيرة، وهو يُوصي أبنائه وأقاربه الزنوج: "لا أوصيكم بتعلّم القراءة والكتابة، فلو أني تعلّمتهما لكنتُ الآن ما أزال قرشين خادم الشيخ إسماعيل دهب، وعامل النظافة منقطع الذكر. العِلم هو ما يجعل الناس عبيداً؛ فإياكم والعلم .. إياكم والعلم!" ومات بعدها.
تقول الجدة مسكة إن عبيد النوبة كانوا هم الأغنياء في حقيقة الأمر؛ وامتلكوا الأموال والسيولة النقدية جراء تجارة البلح بالوصاية. لكن، ونظراً إلى أنه لم يُسمح لهم بالتملّك، فإن تلك الأموال كانت كالعُشر بلا فائدة مرجوة حتى هجرة عدد منهم. تلك الأموال أمّنت لهم تكاليف السفر، وما يكفيهم ليعشوا كأفضل ما يعيش حر مقتدر.
وحتى الآن مازال الكثيرون يُرددون ما قاله أحد العبيد رداً على سؤال نوبي بدافع الفضول أو حلم متجدد بالثراء عن سر ثرائه؛ فقال:
"لا يُمكنك أن تسأل ثرياً عن سرّ ثرائه وتعتمد على إجابته. إن الأمر أشبه بسؤال المُعمّر عن سرّ طول عمره. ومن قبل فعلتها وسألت خمسة مُعمّرين عن سرّهم؛ فقال أحدهم: إنه يمشي 20 كيلومتراً يومياً، وقال آخر: إنه يُكثر من أكل البطيخ. وقال آخر: إنه لم يستمن في حياته قط. وقال آخر: إنه يأكل العدس في كل وجباته؛ بينما قال الأخير: إنه يستحم بالماء البارد في جميع فصول السنة. لكل واحد منّا سرّه الخاص، وإن أردت أن تُصبح ثرياً فلابد أن تُحقق ذلك وفق إمكانياتك الخاصة."
غادر نجيب آشا وخلت القرية من الشبان، وكان ذلك أول عهد أهالي أرض الميّت بالهجرة. خلت جلّ البيوت من الرجال، ولم تعد ترى غير الأطفال والنساء والعواجيز.
تسببت هجرة الرجال عن أرض الميّت في نفض الغبار عن المرأة النوبية التي بدأت تخط حروف اسمها للمرة الأولى بمداد من نور على صفحات التاريخ النوبي الحديث، ولم تكف النساء في كل ذلك عن الإنجاب!
ومع مرور الوقت وغياب الرجال، وموت شكرو وهجرة بعض العبيد إلى مصر والبعض الآخر إلى الخرطوم؛ لم تجد النساء إلاّ أن يخرجن إلى المزارع والحقول والعناية بالحمير والدواجن والأطفال والقيام بمهام الرجال الغائبين.
شح الرجال وغياب الأزواج عن زوجاتهم ساعد في إحياء عهد البورنوغرافيا الذي اختفى من قبل تدريجياً، كما أنه ساعد أيضاً في إكساب قلوب النسوة قسوة غير معهودة؛ فلم يعدن يجلسن على أعتاب البيوت يلهجن بذكر الغائبين، وادخرن آلامهن وحرقتهن في صدورهن ليُخرجنه في العزاءات النسوية؛ ولذا فإن النساء النوبيات هنّ أفضل من يبكين ميتاً في طول القطر وعرضه، وهذا فسّر لي احتفائهن بالمواسم والمناسبات الحزينة بعد ذلك أكثر من أيّ شيء آخر. وبعد سنوات انقرضت مهنة النائحات تماماً!
imported_هشام آدم
27-02-2012, 11:44 AM
في أرض الميّت تتجاور البيوت دون أن تتلاصق؛ مما يسمح ببعض الخصوصية؛ لاسيما في المواسم التناسلية. في تلك الفترة التي تبدأ منها خيوط ذكرياتي الطفولية في الانفلات من بكرة حياتي؛ كان الكبار قد بدؤوا إدمان نوستالجيا خاصة، توارثها على نحو موح بالشفقة؛ جعلني على غير وفاق بالحقبة الزمانية التي وُجدتُ فيها مصادفة، مستشعراً سوء الطالع؛ حيث لم أُولد قبل هذا الوقت. أوحت لي مقولات الجميع عن الأعوام التي لم أشهدها -إلاّ عبر حكايات الجدة مسكة- أنني جئت متأخراً كثيراً.
حتى في الأعراس النوبية؛ وتحديداً في ليالي تخضيب العرسان بالحناء اتجهت النمّامات إلى إنشاد الأهازيج الحزينة، المتوافقة مع النسق العام للحنين الشعبي؛ فيذكرن الأسلاف الراحلين والأزمنة الوردية البائدة التي لن تعود، ومواسم الضحكات النقيّة والأفراح الخالصة؛ حتى أصبح أسلوب النمّة الجديد سنّة متلازمة بعد ذلك.
تجلس النساء في حفل تخضيب العريس أرضاً، وتُمسك كل امرأة بإحدى قدميه، ويشرعن في تخضيب قدميه بالحناء معتمدين على المحلبية وبعض الزيوت المعطّرة في تحديد نهايات الحناء بأصابع محترفة خبرت أصول رسم الحناء لسنوات طويلة.
كل الأمهات في أرض الميّت ينتظرن اليوم الذي تُخضّب فيه قدمي أبناءهن وهن تنمّنمن: "بَلال يا بَلال تود اعزب بَلال, بَلال قالو سار يويو اعسب بلال" وسط دموع وزغاريد النسوة والفتيات المستمعات إلى النمّة المرتجلة التي تحمل روح النوستالجيا، تلهب قلوب الشباب وتجعلهم يفكّرون بالزواج؛ بينما يجلس البَلال مخضّب اليدين يُحيي الجميع، ويُطلق ابتساماته الممزوجة بشحنة الخجل ودموع الذكريات التي تمر أمام عينيه متدفقة من جنبات النمّة، وقد علّق على صدره الحريرة، والهلال المُذهّب على جبينه، ولبخوا الضريرة في منتصف رأسه.
وتنشغل العروس وأسرتها في الاستعداد لمراسم الاحتفال. وفي حين يتوجّب على العريس أن يذهب إلى النهر ليغتسل بمعاونة أصدقائه المقربين، تذهب أم العروس خلسة إلى بيت الزوجية لتُعلّق حزمة من الباذنجان المُجفف على سقف غرفة نوم العروسين درءاً للحسد والعين المشئومة.
ذلك اليوم الذي قدمت فيه الشياطين البيضاء، أحدثت عجلات عرباتهم نقعاً من على بُعد فراسخ. وأخذ علي فانا العين الشيطانية التي ورثها عن خاله العمدة ضمن ما ورثه من أراضٍ ونخيل وبيوت، ونظر من خلالها ليصرخ بعدها قائلاً: "إنهم الخواجات!"
جاءوا على سيارات جيب مكشوفة. كنا نركض خلفها محاولين الإمساك بذرات الغبار التي تثيرها العجلات. ترّجل أربعة رجال وثلاث نساء، ووقف رجال القرية وأطفالها وهم ينظرون إلى الخواجيات الشقراوات، وكان ذلك أول عهد أرض الميّت بذوي العيون الزرقاء والشعور الشقراء.
كانت أجسادهم تلمع تحت وطأة ضربات شمس أواخر حزيران لتعطيها لوناً فسفورياً راقياً، بينما لم تمنحنا غير حرارة تضيف إلى ملامحنا بؤساً إضافياً.
كانوا يرتدون سراويل قصيرة، ونظارات شمسية، وقبعات من القش، وتتدلى من رقابهم أعين شيطانية كتلك التي بحوزة العمدة. رجال أرض الميّت -أو ما تبقى منهم- وقفوا مشدوهين أمام نعومة الأجساد الآتية من صقيع الدول الأوروبية: هارون عزيزة وميرغني كلس وعبد المحيد سائق البنطون ذو ملامح الوجه الكئيبة وسعد الدين جارة وسليم أوندي والجميع بلا استثناء كانوا حضوراً.
لم تعتد القبائل النوبية في طول المنطقة وعرضها رؤية أجساد نسائية بتلك الطريقة الفاضحة؛ حتى إن الفتيان الذين هرعوا إلى منازلهم رددوا جملة واحدة لحشد الجماهير: "خواجيات عاريات عند سرايا العمدة!" ومن جاء؛ جاء فقط ليُمتّع ناظريه برؤية السيقان المشدودة والبيضاء من غير سوء، وربما منذ تلك اللحظة تغيّر مفهوم النوبيين عن الجمال، وارتبط باللون الأبيض.
تكلّم إلينا الخواجات دون أن نفقه حرفاً مما يقولونه، ورغم ذلك فقد وقف علي فانا قائلاً: "لقد ظلوا طريقهم في الصحراء ويريدون بعض الماء!" فتسارعت بعض النسوة وجلبن أباريق الماء الفخارية الباردة.
العمدة نفسه لم يقتنع بترجمته التخمينية فأمر أحد الرجال ليبحث عمن يُمكنه فهم ما يقولونه، وأمر آخر؛ فأسرع إلى السرايا وطلب من النساء أن يعددن القِرى للضيوف، ولم يكتف بذلك بل ذهب بنفسه، ووقف خلف الساتر الطيني الذي يفصل بين مجلس الرجال والنساء، ونادى على زوجته برفق، وخاطبها بكل أدب: "هلا تكرّمتِ بإعداد الطعام للضيوف؟!" ومن يعرف تاتا حليمة جيداً، يعرف كيف أن علي فانا سوشكّي باقتدار.
مكث الخواجات في القرية ثلاثة أيام متتالية دون أن يعرف أحد سبب تواجدهم. كان الحديث بينهم وبين أهالي القرية يتم بلغة الإشارة في أغلبه، والفطرة والسليقة هي الترجمان. لم يكن الخواجات يتوجهون إلى أيّ مكان إلاّ وتتبعهم جماهير غفيرة من أهالي القرية في صمت مطبق، حتى أنّ أحدهم صرخ في وجوههم بلغته غير المفهومة؛ ففرنا جميعاً كقطيع نعام جزع، ولم نستطع كبح جموح فضولنا البدائي طويلاً؛ فعدنا مرّة أخرى بعد حين.
تلك هي المرة الأولى التي رأينا فيها خواجات حقيقيين، بل لم نسمع عنهم من قبل في الجوار إلاّ عن طريق أحد الرواة الذي نقل خبر انتحار حاكم الولاية الشمالية.
ثمة عشرات القصص والروايات عن ملابسات انتحار هذا الخواجة، ولكن جميع الروايات اتفقت على أنه أطلق النار على نفسه وهو داخل مكتبه في حلفا، وأُغلق المكتب بعدها، وظل أهالي حلفا معتقدين بتواجد روح الخواجة الشريرة داخل المكتب، لأنه لم تنحه نائحة، ولم تبك عليه باكية.
لم يكن خبرٌ -كزيارة الشياطين البيضاء للقرية- أمراً سهل الإخفاء؛ لاسيما في مكان كأرض الميّت؛ حيث الأخبار تنقلها الرياح، وفي غضون ساعات قليلة كان أهالي القرى المجاورة مجتمعين في أرض الميّت ليتفرّجوا على هؤلاء الخواجات.
وبينما انهمك بعض الخواجات في تأملاتهم الكونية؛ راح البعض يلتقطون الصور للمكان: سرايا العمدة، مُشرع النيل، سارية الرحمة، حقول الباذنجان والكُرنب، تلّ آل كَلَس المُقدّس، أراضي كِدِن دَفّي الكبريتية، صخور سفوح جبال ميمي، وكانت تلك هي المرة الأولى التي نرى فيها آلة التصوير الفوتوغرافية.
انبهرنا بتلك الآلة التي تطلق وميضاً خاطفاً كالبرق دون أن يَحدث أيّ شيء بعده، ولا يفعل الشيطان الأبيض شيئاً سوى أن يبتسم في وجوهنا بعد كل وميض، دون أن نعرف سرّ ابتساماته تلك.
الوحيد الذي استفاد من زيارة هؤلاء الشياطين (عبد السلام همّد) الذي حظي بقبلة من إحدى الشقراوات بعد أن أخذت من يديه كأس الماء؛ فحسده الجميع بمن فيهن النساء!
حمل الخواجات جهازاً غريب الشكل يتحدثون إليه، جهازاً أسود اللون، يُصدر طقطقات مريبة، وله ذيل طويل ناهض إلى الأعلى، ومن ناحية ما منه تُسمع أصوات بشرية. لم يعلم أحد وظيفة هذا الجهاز، ولكنه كان أحد أسباب دهشة أهالي القرية وانبهارهم بما يملكه هؤلاء الشياطين وما يفعلونه.
عندما وقفت إلى جوار جدار إحدى البيوت الطينية للتبوّل، سمعت بعض النسوة وهن يُهمهن بكلمات غير مفهومة، وعندما اختلست النظر وجدت مجموعة منهن تحاول تعليم الخواجية طريقة عمل الشدّي الذي يستعمله النوبيون مقام الرغيف.
كُنّ يسكبن عجينة الشدّي السائلة التي من دقيق الذرة على صاج يُوقد من تحته، ثم يُحركنه بقطعة خشبية قطعة خشبية في دوائر تبدأ صغيرة من المنتصف، ثم تتسع تدريجياً حتى تصبح العجينة الرقيقة دائرة كبيرة بحجم غربال، ثم ينتزعنها برفع حوافها بعلب الصلصلة الفارغة.
ورغم أنّ هذه العملية الروتينية مملة وليست بذات قيمة؛ إلاّ أن الخواجية بدت في غاية الاستمتاع؛ وهي تحاول صناعة الدوائر وتعيد المحاولة في كل مرّة.
في اليوم الثالث من زيارة الشياطين البيضاء جاءت سيارة جيب أخرى تحمل أحد المصريين ليُترجم لأهالي القرية ما يُريده الخواجات. عرّف المترجم نفسه باسم (رفعت كامل) وبعد أن تناول طعام غدائه، وتحدث إليهم بلغتهم التي كأصوات الدجاج الحبشي؛ التفت إلى رجال القرية قائلاً: "إنهم يسألون عن رجل قدم إلى هنا قبل بضع سنوات يُقال له جلال عبد الحفيظ." هزّ العمدة رأسه نافياً معرفته، ثم دنا من المصري، وهمس في أذنيه بشيء لم يتمكن أحد من سماعه؛ إلاّ أنّ المترجم المصري قهقه عالياً وهو يقول: "والنعمة انت راجل مسخرة!" ربما لم يستطع علي فانا أن يقتنع بأنه ليس في إمكانه -وهو العمدة- أن يُضاجع امرأة اشتهاهها؛ فكيف بخواجية لا دين لها؟
كانت الفكرة السائدة لدينا عن الخواجيات أنهن محترفات جنس، وأن أجسد الخواجيات مشاعة للجميع، وأنهن يعشقن الجنس كعشقهن لأجسادهن، ولا يُمانعن أبداً من معاشرة الرجال على اختلاف مشاربهم. وربما لم يشأ العمدة أن يفوّت هذه الفرصة عليه، فيضيف بذلك إلى سيرته مغامرة جنسية مثيرة؛ بل الأكثر إثارة على الإطلاق. وإن تمكن من ذلك فإنه بلا شك سينال شهرة واسعة في الأصقاع.
عندما رأى أحد الخواجات جهاز الحكّاي في مكان ما من سرايا العمدة؛ صاح مُشيراً إليه. فوقف رفعت وهو يقول: "هذا مذياع جلال. لماذا تنكرون أنه مرّ من هنا؟" فابتسم العمدة وهو يفتل شاربه الكث وقال: "هل تقصدون جلال التمتام؟ لقد مات منذ سنوات." لم يبد الرجال مشاعر محددة إزاء سماعهم هذا الخبر، وابتسمت النساء ابتسامات لم نفهم مغزاها؛ إلاّ أنّ أصغرهن سناً أخذت تضحك بصوت عالٍ ومثير. خمّنتُ أنها فقدت عقلها، أو أنها بالغت في الحزن حدّ الضحك!
وفيما تضخّم السؤالٌ عن علاقة التمتام بهؤلاء الخواجات في حناجر أهالي القرية كغدة درقية متورّمة، تكفّل العمدة وحده بطرح السؤال على رفعت، فلم يجبه بشيء. كل ما قيل لهم عنه أن اسمه (جلال عبد الحفيظ) وأنه قادم من مصر، ولكنه لم يشأ أن يُفصح عن علاقة الخواجية الضاحكة به، أو حتى سبب ضحكها. وبصورة مقتضبة حكا المترجم المصري سيرة جلال عبد الحفيظ (التمتام) التي لم يعرفها أحد؛ فكانت سيرة أغرب من سيرته التي عرفوها على الإطلاق.
لم يُصدق أحد ما حكاه رفعت كامل عن رجل ظلّوا يدينون له بالإيمان والمحبة المقدّسة. خرج العمدة وهو يُشير إلى ناحية المقابر: "تلك هي قبّة جلال التمتام. لقد كان رجلاً صالحاً!" عندها انطلقت أصغرهن سناً ووقفت أمام الضريح، شهقت بقوة وكأنها شيطان خرج للتو بعد أن سكن جسد أحدهم لسنوات، ثم ثرثرت ببضع كلمات ترجمها رفعت كامل وعرفنا بأنها تريد الدخول إلى القبة.
رفض العمدة ذلك وسحب المصري من يده وهو يقول بصوت هامس: "لا يُمكن أن نسمح لها أن تدخل القبة وهي بهذه الملابس، الحشمة مطلوبة. عليها أن تحترم القبة ومن بداخلها."
ما فعله العمدة أثار فيني الضحك؛ إذ لم يكن الخواجات ليفهموا ما يقوله، ولم تكن هنالك حاجة إلى الهمس. ولكنني أُعجبتُ بجرأته التي تصدّى بها إلى فضول الخواجية العارية. كلّ أهالي القرية أيّدوه على موقفه ذلك، ولكن رفعت المصري، أخذ بيده العمدة وتوجه بعيداً عن الحشود؛ وما هي إلا دقائق وعاد العمدة وهو يقول: "هؤلاء الخواجات بلا دين، ولا إثم أكبر من الكفر. حسابهم على الله."
غمز العمدة إلى أحدهم فأسرع بفتح بوابة القبة الخشبية، وعلى إثر ذلك دخلت الخواجية وجمع غفير من الحضور إلى داخل القبة. أخذت تتفقّد الضريح وكأنها تبحث عن شيء ما، ثرثرت بكلمات لم يفهمها أحد سوى رفاقها والمترجم المصري. وبدافع الفضول المحض تقدّم العمدة ليسأل عما تقوله الخواجية، فاكتفى رفعت بقوله: "إنها تقرأ التراتيل على روحه".
بإيعاز من الخواجات التفت المصري إلى العمدة وسأله عن أغراض التمتام التي تركها قبل وفاته، ولابد أنه قد لاحظ تلعثمه في الإجابة فسأله عن أوراق ومخطوطات بعينها وجدت معه قبل رحيله. طمأنه المترجم المصري أن هؤلاء الخواجات لا يُريدون سوى تلك المخطوطات، وأنه بإمكانه الاحتفاظ ببقية الأشياء؛ عندها أمر العمدة أحد أبنائه فأسرع وجلب جراب التمتام الذي اختفى تماماً بعد وفاته. حمل الخواجات تلك الأوراق التي لم يفهم أحد ما رُسم عليها، وغادروا القرية في نفس المساء.
أصيب أهالي القرية بالإحباط جراء معرفتهم لسيرة جلال التمتام. لا أعرف سبباً منطقياً لإحباطهم؛ إذ بدا من لكنته النوبية غير المُجيدة أنه ليس نوبياً على الإطلاق. ولم تكن نبوءاته، وكراماته إلاّ تلفيقات شيخ مسن اخترعها ببراعة مستفيداً من جهلهم وصدقوها وآمنوا بها.
وقتها لم أتساءل عن حيرتهم ومشاعر الصدمة التي عاشوها؛ بل ربما كنتُ أحد المُحبطين كذلك. ولكنني اليوم أعرف جيداً أنّ أرض الميّت، ومخيّلات أهالها هي من خلقت جلال التمتام، وخلعت عليه تلك المسحة الأسطورية؛ ورغم ذلك فقد ظلّت القبة فوق قبره، واستمر الناس في تعليق الحيوانات النافقة على السارية، ولم يتغيّر شيء على الإطلاق.
لسبب ما ظلّت صورة تلك الفتاة البيضاء عالقة بذهني، ولم تفارق مخيّلتي تلك النظرات الغريبة التي كانت ترمي بها على وجوه الحاضرين، وكأنها تبحث عن شخص ما تعرفه، وفي المكان وكأنها تحاول أن تتعرّف إليه. ولا أدري لماذا شعرت أن اهتمام بقية الشياطين تمركز حول هذه الفتاة، فقد نظروا إليها وكأنهم ينتظرون منها أن تفعل شيئاً ما، ربما جاءوا من أجله.
عرفنا يومها أن جلال التمتام ليس سوى شيطان أبيض جاء لغرض غامض لا يعرفه إلا هؤلاء البيض؛ بيد أنهم أخفوا عنا تماماً سبب مجيئه إلى بلاد النوبة، كل ما فعلوه أنهم أخذوا صوراً فوتوغرافية للضريح والقبة وبعض الأماكن والشخوص، وغادروا في هدوء كما جاءوا.
imported_هشام آدم
27-02-2012, 11:47 AM
لسبب آخر -غير ما يُستخدم فيه الأطفال عادةً- كُلفت بمرافقة طماية نوره ابنة جارنا سليم أوندي في مشوارها الأسبوعي إلى طاحونة القرية البعيدة، ورغم أن هذا الإلزام غير المُبرر مقيّد بالنسبة إليّ؛ إلاّ أنني شعرت بالسعادة. ثمة روح غريبة تتلبّسني وأنا أسير إلى جوارها كملاك حارس أو بالغٍ يُعتمد عليه؛ الأمر الذي فاقم لدي شعوري الرجولي، واعتدادي بنفسي. تظل هذه الروح تتبلسني حتى يزجرني راشد؛ ضمن من يزجرهم من الأطفال، ويفقأ عين أناي المتضخمة فأعود لحجمي الطبيعي.
بعد أكثر من مشوارين إلزاميين مع طماية؛ عرفت أن التقاءها بقرناص -الشاب الأكثر وسامة في القرية بحسب إحصاء الفتيات الرسمي- لم تكن مصادفة على الإطلاق. كانت تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها كلمات المغازلة غير الوقحة، وأتعرّف على مذاق الرومانسيات الكلاسيكية.
قرناص أحد القلائل الذين التحقوا بثانوية عبري، وأحد المتعلمين القلائل في أرض الميّت الذين جعلوني أحب الدراسة والتعليم والمتعلمين؛ إذ لم يحظ التعليم بسمعة جيّدة في تلك الآونة. ارتبط التعليم بالوظيفة، وفي قرية نائية في شمال السودان لم يشعر النوبيون بحاجتهم إلى التعليم لاشتغالهم بالزراعة من ناحية، ولأن طلب الوظيفة يعني الانتقال إلى الخرطوم؛ حيث الجامعات والدوائر الحكومية من ناحية أخرى.
لا يزال أهل القرية يتذكرون جيّداً مقولات الشيخ عبد الصبور دهب عن التعليم وعن الخرطوم، ولم تكن ذكرى عبد الشافي خليل وهرطقاته التي نطق بها، وما حدث له قد تعفنت بعد الأذهان! وككل شيء آخر غريب وبعيد؛ لم أستطع أن أحدد ما شعرت به تجاه الخرطوم.
الخرطوم تعني الحلم بالنسبة إلى الجميع، ولكن لا يُمكنني –الآن- تحديد ما إذا كان حلماً جميلاً أم كابوساً نخشاه جميعاً. وعلى طريقة القطيع كنّا نخاف مما يخاف منه الجميع، ونحب ما يحبه الجميع.
وكما تتعلم الخرانق من أمهاتها؛ كذلك تعلّمنا من الكبار أن الخرطوم تسكنها الأرواح الشريرة، قالوا لنا: إن الخرطوم جنة ملعونة، مدينة تأكل الغرباء وتصنع من عظامهم أشرطة السكة الحديدية، ومن جماجمهم قباب قبور المشايخ والأئمة.
لم نصدّق أنّ نهر النيل الذي يمر بقريتنا هو ذاته الذي يمّر بالخرطوم. ثمّة اعتقاد رسخ في أذهاننا أن نيلنا ونيل الخرطوم ليسا نيلاً واحداً قط، بل وأكثر من ذلك؛ فإننا اعتبرنا أن أرض النوبة والخرطوم لا يضمهما قطر واحد. كنا نعد الراحلين إلى الخرطوم (ولم يكونوا كثر في تلك الآونة) مغتربين أو مهاجرين.
في طريقنا إلى الطاحونة، كانت الرياح -على مهل- تكنس فضلات الغيوم المتناثرة على بهو السماء الحبلى بالزرقة المجنونة. بعضها ترفض أن ترحل قبل أن تُشكّل لوحة سريالية على قماشة السماء المشدودة بإتقان، والأرض تمتد صفراء مشوبة ببعض النباتات الشوكية وشجيرات العُشر الشيطانية الملعونة.
تبادل قرناص وطماية الأماني والمغازلات اللطيفة، وهما يتكلمان عن مفارقات القرية، وبعض حكاياتها الطريفة. راحت طماية تبحر في نوستالجيا من النوع المنتشر كالوباء المشئوم، وتذكر أيام الطفولة الجميلة، بينما يُجيبها قرناص:
"لم يتغيّر العالم؛ نحن فقط لم نعد أطفالاً. هذا ما يُغيّر نظرتنا للعالم الآن!"
وقفت طماية وأشارت بيدها إلى المقابر الممتدة في هدوء مخيف في الضفة الأخرى من النهر وهي تقول:
ـ انظر إلى تلك الأرض ستعرف منها الحقيقة؛ فوقها يتقاتل الأثرياء والفقراء، والشيوخ والصعاليك، والمتعلمون والجهلاء. وتحتها ينامون في سلام!
ـ الأرض؟
ـ أهالي القرية البسطاء يحسدون العمدة على ما يملكه؛ فهو يملك الحمير والنخيل والنساء. يحسدونه على السرايا التي من الطوب الأحمر بينما هم يسكنون في البيوت الجالوصية. وبينما تتشاجر الأسرة على فانوس الزيت اليتيم يمتلك العمدة سبعة عشر فانوساً زيتياً. في بيتنا نملك فانوساً واحداً يتشاركه الجميع: أمي في مطبخها، وأبي عندما يتوضأ لصلاة العشاء ليلاً، وأنا عندما أنظف أوراق الملوخية. وعندما يستخدمها أحدنا فإن الآخرين يؤجلون مشاريعهم الأخرى حتى ينتهي.
ـ انظري جيداً، حتى القبور ليست سواء: قبر عبد الصبور دهب وجلال التمتام عليهما قبة، وقبر حسن فنتي محاط بالحجارة الملساء وشاهده من الحجر الجيري، وبقية القبور الأخرى ترقد بلا شواهد، وتمسح أثرها الفيضانات والسيول. هل تتذكرين أين كان قبر شكرو الأوشي؟ لا سلام حتى في الموت، لقد خُلق الناس ليختار كل واحد منهم ميتته وشكل قبره ومكانه!
ورغم أنني لم أفهم ما يقوله قرناص؛ إلاّ أن حكمته البالغة أسرتني، وزادت من قناعتي بأن العِلم يضيء كهوف الجماجم المظلمة، ويطرد منها خفافيش الخرافة والسطحية. قلت في نفسي: "عندما أكبر لابد أن أصبح مثل قرناص." وصنّفت ذلك ضمن الأحلام التي لا يُمكن أن تتحقق أبداً.
ثمة سبب إضافي جعلني متمسكاً بهذا الحلم المستبعد: فالعلم -إضافة إلى مقدرته على منح الحكمة وإضاءة البصيرة- فهو يجعل فتاة جميلة كطماية نوره تقع في عشقك. وعلى الفور تذكرت تلك الحكمة التي سمعتها من جدتي عندما تحدثت عن عبيد القرية الزنوج، وكيف أنهم لا يعرفون الحب كما نعرفه، قالت: "الجوع والحوجة لا يتركان لهم وقتاً لمثل هذه الأمور"!
بطريقة مفاجئة لم تخل من تعال البالغين؛ وجّه قرناص سؤاله إليّ: "وأنت ماذا تتمنى؟" كانت هي المرة الأولى التي يسألني فيها أحد عمّا أتمناه، والمرة الأولى التي أخبر فيها شخصاً ما بذلك، ورغم أن سؤاله أعاد إليّ ذلك الشعور الدفين بالعظمة إلاّ أنني صمت. خُيّل إليّ أن قرناص مارد مصباح سحري جاء ليُحقق لي ما أريده وما أتمناه.
فكّرت كثيراً قبل أن أجيب؛ ولكن أمنياتي التي ظللتُ أرعاها وحدي طويلاً فرّت كلها كما تفر جنيات الأحلام مع بزوغ الفجر. لا أدري لماذا خمّنتُ أنه لا ينبغي لي أن أتمنى غير أمنية واحدة فقط؟ الحقيقة أنني لم أجد أمانيّ تستحق الإذاعة.
وددت أن أفصح عن أكثر أمنياتي حداثة؛ ولكنني خشيتُ أن يسخر مني قرناص وطماية؛ فيكون ذلك سبباً في إخماد جذوة العظمة التي اتقدت فيني فجأة. قلت في نفسي: "أصعب شيء على الإطلاق هو أن تُحدد ما تريده!" وبعد تفكير عميق قلت:
ـ أتمنى أن أكون ثرياً كعمدة القرية.
الحلم بالثراء هو الحلم الأكثر مداولة بين أهالي أرض الميّت، وحتى ذلك لم يكن متكلفاً بذات الهيئة التي قد تتوارد في الأخيلة غير النوبية. الثراء يعني بالنسبة إليهم: بناء بيت من الطوب، وطلائه بالدهان المستورد من مصر، وامتلاك جهاز مذياع كالذي يمتلكه العمدة، وحمار –ولو هزيل- يحملون عليه أحزمة القش والبرسيم والدقيق.
تلك كانت أمانيهم العريضة التي اعتبرها البعض أمنيات أواخر العمر؛ فامتلاك أيّ من هذه الأشياء قد يُعتبر مؤشراً إلى قرب نهايته، لأنها لا تحقق إلا إذا بلغ أحدهم أرذل العمر.
بعض تلك الأمنيات تحققت بالفعل عندما بدأ الرجال الذين رحلوا مع نجيب آشا في العودة حاملين معهم بعض أعاجيب أرض الكنانة التي ذكرتهم بخردوات جلال التمتام: دواليب من خشب البلّوط، وأبواب ونوافذ من الحديد المشغول، وأغطية أسرة ذات ألوان جهنمية، وأدوات مطبخ من النيكل.
ولكن الإنجاز الأكثر حفاوة كان بناء صهريج مياه عملاق يزوّد القرية بمياه الشرب دون الحاجة إلى الذهاب إلى النهر. ولأن هذا الاختراع كان جديداً على أهالي القرية فإن الكثير من النساء لم يتركن حمل الجرار الصفيحية لجلب المياه من النيل إلاّ بعد عدة أشهر من ذلك. تقول جدتي دائماً: "الراحة فعل شاق يحتاج إلى كثير من المراس!" ويبدو أنها كانت محقة بشأن ذلك، وعلى هذا النحو تدور الحياة في أرض الميّت ببطء شديد؛ حتى لتبدو من الداخل وكأنها لا تتحرك قيد أنملة.
تمنيت أن تتغيّر نواميس الكون للحظة واحدة فقط، ويعود أحد الموتى فيُجيب عن الكثير من التساؤلات التي تشغل أذهان المؤمنين والغافلين وحتى المجاهرين بالكفر: "كيف هو الموت؟ وماذا يوجد وراءه؟" لم تُشكّل تلك التساؤلات منحى فلسفياً بالنسبة إليّ بقدر ما عبّرت عن فضول طفولي. ولم يكن في أرض الميّت أحد أعتمد عليه في الإجابة عن هذه التساؤلات غير قرناص الذي كان يتغيّب عن القرية ثلاثين يوماً يقضيها في مدينة عَبْري حيث الثانوية الداخلية التي التحق بها ذلك الوقت.
عندما يعود قرناص من عَبْري في الأول من كل شهر، أتخيّر الأماكن التي على مرمى بصره، وأجتهد أن أكون فيها، أو أحمل بعض الأغراض وأدخلها وأخرجها من مكانها؛ علّه يلمحني فيُنادي عليّ. ذلك نمط تأدبي في التعامل مع الكبار ننتهجه بتلقائية فطرية، ولا نجرؤ على مخالفته؛ إذ لم يتح لنا -نحن الأطفال- أن نخاطب الكبار مباشرةً؛ إلاّ أن يطلبوا إلينا ذلك.
لم يُعرني قرناص اهتماماً كبيراً، فعرفت أن اللحظة التي جمعتني به في طريق الطاحونة كانت مصادفة طارئة، وأنه لولا طماية نوره لما تصادفنا أنا وهو في طريق أخرى.
بعد أن أنهى قرناص دراسته الثانوية، عاد إلى أرض الميّت مرة أخرى ليعمل بالزراعة كغيره ممن لم يذهبوا إلى عَبْري ولم ينالوا قسطاً من التعليم؛ ولكنه حصل على احترام الجميع.
ظلّ علمه الذي تعلّمه في رأسه، كأموال العبيد التي ظلوا يدّخرونها في جيوبهم دون أن يستفيدوا بها. ولكن أهالي القرية يرجعون إليه عند الاختلاف حول ما يسمعونه في الحكّاي، أو يطلبون إليه أن يُترجم لهم ما هو مكتوب في روشتة العقاقير الطبية. يسألونه في الجغرافيا والفلك والطب واللغات والتاريخ والدين. بدؤوا يُقيمون للتعليم وزناً؛ في الوقت الذي كان فيه البعض لا يرون في التعليم إلاّ مضيعة للوقت، وبطالة مقننة في مرحلة لاحقة.
كان قرناص لا يزال يواعد طماية، ويخرجان سوياً إلى الطاحونة، أو إلى صهريج المياه الذي أصبح في مرحلة ما ملتقى للعشاق والمتزوّجين حديثاً. يتجـمعون ويتبادلون المغازلات البريئة والقصائد الشعرية، ويغنون؛ لاسيما في الأمسيات القمرية.
لا أزال أتذكر تلك الكلمات التي روتها لنا جدتي نقلاً عن جلال التمتام في حديثه عن القمر حين قال: "القمر قبيح وسطحه كوجه عجوز شمطاء، ولكننا ما نزال نغني له ونعتبره رمزاً للجمال!" شعرت بأنه يحمل في صدره عداءً غير مبرراً تجاهه، ولم أكن لأقتنع بكلامه قط. حافظ القمر -إضافة إلى أشياء أخرى قليلة- على مكانته في قلوب أهالي القرية رغم كلمات التمتام المغرضة تلك.
من الممتع حقاً أن ترى شاباً يدفن قدمه اليسرى في حفرة من صنع يديه، بينما تقوم حبيبته بدفن قدمها اليمنى في ذات الحفرة، ويرفعان أيديهما عالياً كمن يؤديان طقساً دينياً شديد الخصوصية والغرابة.
تلك طريقة نوبية قديمة يُمارسها المحبون لإظهار المحبة، وإشعارٌ برغبة كل منهما في الارتباط بالآخر، ولكنها الآن عادت لا تمارس بكثرة، حتى أنها تعرضت للتحديث بمرور الوقت وتعاقب الأجيال.
imported_هشام آدم
27-02-2012, 11:50 AM
بعد ذلك بأعوام بدأت أرض الميّت تشهد طوراً آخر من التواصل مع العالم الخارجي، وذلك عبر رسائل المغتربين في أسوان، التي تأتي محمّلة: بأنبائهم، وأشواقهم، ووصاياهم، وهداياهم السخيفة، وحفنة بنكنوت.
نالت الرسائل –تلك الحقبة- حظها من الاهتمام بحيث تعامل بقداسة مستمدة من قداسة العلاقات الأسرية نفسها، ولكن رسالة واحدة ذلك اليوم كانت هي الأهم بين بقية الرسائل.
لحظات فضّ الرسائل، وقراءتها هي من أمتع اللحظات التي أتذكرها في أرض الميّت، ولا يكون ذلك إلاّ مساءً؛ إذ يُقال إن قراءة الرسائل على ضوء أشعة الشمس نذير شؤم مؤكد، وربما تلك ثيمة متنحية لتراث وثني قديم، حين كان النوبة يعبدون الشمس، ويعتقدون أنها آلهة كرّست نفسها وجحيمها الضوئي مصدراً للطاقة الحيوية لكل الكائنات، ولم يكن من اللائق أن تُستغل تلك الوظيفة الإلهية العظيمة في شأن دنيوي حقير؛ لذا فإن الرجال لا يُضاجعون زوجاتهم إلاّ ليلاً على ضوء القناديل والفوانيس الزيتية الخافتة.
تأتي النساء والعواجيز والأطفال، ويجلس الجميع أمام فانوس الزيت المصاب بالحمى من اشتعاله منذ غروب الشمس وحتى التاسعة مساء؛ كما يجلس تلاميذ الخلوة في مسيد مستعر بنيران التُقابة، وأصوات القراء والحفظة.
وتنتقل عدوى الانتباه إلى الجميع، ثم يُؤتى بأحد الأشخاص الذي يجيدون القراءة، فيفض الرسالة على مهلٍ متناسب تماماً مع هيلمانة المكان والحدث، ولا يُسمع عندها إلاّ صوت القارئ، وخشخشة الورق في يديه، وأصوات همهمات النسوة المُعبّرة عن الاشتياق.
لم يكن إلاّ سوء طالع من نوع شديد الخصوصية الذي جعل قرناص يتلو ذلك اليوم رسالة من أحد المغتربين يطلب فيها من أهله أن يخطبوا يد طماية نوره للزواج، وأن يتموا له مراسم عقد النكاح ويرسلوها إليه. وما هي إلاّ أسابيع وزفت طماية عروساً في ثيابها المخملية، وسافرت إلى زوجها في أسوان.
أنا الوحيد الذي عرف بمحنة قرناص، والوحيد غير القادر على مساعدته. وفيما يُشبه التلصص الحذر؛ كنتُ أراقبه وهو يجلس على جرف النيل، متطلعاً إلى الضفة الغربية حيث مقابر القرية الراقدة في سكينة، وقطاطي أُرومتنو البائسة؛ يُلقي بحصوات صغيرة على وجه النهر بشكل أفقي، فتتقافز على سطح الماء كمخلوق بهلواني رشيق. عندها تذكرت كلماته التي قالها ذات مشوار إلزامي عن الناس والموت، وقلت في نفسي: "ربما اختارت طماية أن يكون قبرها في أسوان!"
ما فعلته طمايه –رغم قسوته- كان امتداداً طبيعياً لشغف الهجرة، واكتشاف معالم أخرى خارج حدود القرية الصغيرة التي ظلت لسنوات طويلة لا تعرف شيئاً عما يدور خارجها إلاّ عن طريق الحكّاي وخطابات المغتربين.
بدأت القرية تُصاب بلوثة الاغتراب، وأصبح حلم الفتيات الأول أن يتزوجن من مغتربين، ينتشلونهن من جحيم القرية التي بدأت تفقد رونقها الأصيل. في الوقت الذي أصبح فيه الاغتراب أقصى غايات الشباب.
قلتُ: "إن القرية بدأت تفقد بريقها، وتتخلى عن أبنائها"، الآن أقول: "إن القرية لم تفقد رونقها إلاّ عندما انفتحت على العالم الخارجي"؛ عندها عرف الناس أن العالم لا ينتهي عند سفوح جبال ميمي، ولا يبدأ من منابع النيل الأسطورية في جنة الفردوس تحت أقدام الرب.
عرف الناس أن الكون مليء بزخم الحياة الهادر، وأن أرض الميّت ليست سوى فاصلة صغيرة في جملة اعتراضية في كتاب هذا العالم. ننام ونصحو على عشرات الأحداث والأنباء الجديدة من حولنا؛ في حين لم تزل قريتنا كما هي في سكونها، وبدائيتها المفرطة.
نسمع -عبر المذياع- عن الكهرباء والثلاجات والغسالات الأوتوماتيكية والهواتف والطائرات النفاثة والغواصات البحرية ورحلات الفضاء وأجهزة الرادار فنُمصمص شفاهنا في حيرة ونقول: "صدق الشيخ تمتام! من كان يُصدق أن يصل الإنسان إلى القمر؟" وقتها فقط لم أعد أحترم نفسي.
البعض تشككوا أن القمر الذي صعد إليه الخواجات قمر آخر غير هذا القمر الذي يخرج على القرية كل مساء ويتغزل به العاشقون. لم نصدق أنه بإمكان أحد العشاق أن يصعد إلى القمر، ليأتي لحبيبته بقطعة منه، أو بحفنة من رمله!
قلّة من الذين رحلوا إلى أسوان عادوا إلى القرية مرّة أخرى؛ وفرشوا سجاجيدهم الحصيرية على أعتاب بيوتهم، ليحكوا لنا ما رأوه في بلاد الفراعنة، وقصّوا علينا مغامراتهم الخيالية، وصدقناهم بسذاجة الجهلة المُغيّبين.
عرفنا منهم أن كل الذين رحلوا مع نجيب آشا عملوا في مشاريع خلّفتها توجهات عبد الناصر التأميمية وطموحاته الاستقلالية؛ مستفيدين من تيار الاشتراكية الذي عمّ أرض الكنانة كطوفان النيل: عمّالاً، وحدّادين، ونجّارين، وناقلي رمل وإسفلت، وحمّالين. سألت نفسي: "أيعقل أن يحتاج حفدة بناة الأهرامات إلى أيد عاملة لينقلوا لهم الحصى والإسفلت؟"
لاحقاً ظهرت الحقيقة التي فقأت أعين الجميع، فأغلب المغتربين عملوا إما خدماً في قصور الباشاوات، أو غفراء في المباني السكنية في مرحلة ما بعد الثورة التصحيحية، ولم يجدوا غضاضة في ذلك؛ فأسقف طموحاتهم لم تكن مرتفعة إلى الحد الذي يُشعرهم بالخجل، ونجيب آشا ليس سوى سمسار بشري يتاجر بأحلام شباب القرية وآلام أمهاتهم وزوجاتهم.
رغم ما تكشف للناس من حقائق، لم يملك أحد أن يتوقف أمام إعصار المطالب الحياتية الجديدة، وذلك الشغف الذي انطلق مجنوناً من سواعد الفتيان وصدور الفتيات نحو أفق أوسع من أرض الميّت ومن حدودها وروائحها التي عششت لسنوات طويلة في أنوفهم وأدمغتهم؛ فراجت تجارة نجيب آشا كثيراً، وبدأت رحلات النخاسة المقننة، ولكن بمباركة مجيدة هذه المرة.
الرعيل الأول من المغتربين في أسوان أصبحوا سفراء القيم والثقافة النوبية التي لم تلق رواجاً كبيراً بين المصريين المنهمكين في ثورات بلادهم، ومحنهم السياسية، غير أنّهم نجحوا في نقل الصورة المشرقة لأكثر الخصال أصالة على الإطلاق (الأمانة) واحترام القانون، ثم انتشرت تلك الخصلة إلى بقية البلدان التي هاجر إليها النوبيون لاحقاً؛ لاسيما أراضي الحجاز، فكانوا بُناة الثقة الأولى، والانطباع الجيّد الذي عُرف به السودانيون فيما بعد.
أما عن احترام القانون فإن النوبيين القدماء لم يجرؤا على تجاوز التعاليم التي فرضوها على أنفسهم، وانصاعوا لها بتلقائية يُحسدون عليها، وورّثوا تلك الخصلة إلى من جاء بعدهم.
وسمعتُ من رواة غير معتدّين أن تاريخ النوبة لم يعرف السجون والمعتقلات ولا وسائل التعذيب، ورغم ذلك فإن القوانين وجدت احترامها اللازم وسط النوبيين الذين جُبلوا على المسالمة. وفيما يُرهق حماة القوانين أنفسهم اليوم إلى التوفيق بين روح القانون ونصّه، لم يعرف النوبيون إلاّ روح القانون منذ أن جاءوا إلى هذا العالم دون أن توجد لقوانينهم نصوص تُذكر.
تتحدث الجدة مسكة عن قانون (قشرة البصلة)، وكيف أنه كان القانون الأكثر تطبيقاً في تلك الحقبة؛ إذ يُلزم المخالفون من أبناء النوبة بربط إصبعين من أصابعهم بقشرة بصلة فائقة الرقة، دون أن يجرؤ على فك الرباط الهش حتى بظهر الغيب إلى تمام مدة العقوبة. وجاء ذكر ذلك القانون في كتب الهكسوس القديمة.
ومع تزايد رحلات الهجرة شمالاً في تلك الحقبة، فقد كانت أكثر المآسي الإنسانية التي شهدتها أرض الميت هي عزوف الشباب عن الزواج؛ حيث أثرت المغامرات الجنسية الكاذبة -التي لفقها المغتربون العائدون من أسوان عن مضاجعتهم للنساء البيض، ووصفهم لشبق النساء البيض، ومتعة الجنس "النظيف" كما أسموه- في العقول وساعد على عزوف عدد كبير من الشباب عن الزواج من النوبيات، وحلمهم بالزواج من نساء بيضاوات أو مصريات على وجه التحديد؛ الأمر الذي ساعد في تفشي العنوسة في المجتمعات النوبية.
ثمة كذبة أخرى بدأت تكبر في أخيلة العامة من النوبيين والسودانيين -بوجه عام- عن فحولة الأجناس ذوي البشرات الداكنة، وولع النساء البيض بتلك الهبة التي منحها الله للسُود؛ ربما تعويضاً عن أشياء أخرى كثيرة استأثر بها لغيرهم من الأجناس الأخرى، وتناول الكثيرون قصصاً من شأنها أن تُعزز هذا التوجّه الذي أعتبره اليوم رغبة في الشعور بالتفوّق على الآخر أو التساوي معه في أسوء
الأحوال.
جاءتنا الأنباء عن داود نبيهة (النجّار المُلْهَم) الذي ألهمته غربته الزواج من فتاة مصرية لم يرها أحد، ولكنهم تناقلوا بينهم أخباراً تدل على أنها كانت آية في الجمال والفتنة. واختلفت الروايات في أمر تلك الزيجة؛ فبينما يقول البعض إنه وقع في غرامها وتزوجها، تناقل البعض الآخر أنباءً تفيد بأنها مكرت له بسحر، إذ سحنت أعواد عرق المحبة، وخلطتها مع الشاي الحار والزنجيل، وسقته منها؛ فأحبها وأصبح لا يرى الدنيا إلاّ بعينيها.
هذه الرواية لاقت رواجها الواسع بعد سنوات طويلة من ذلك؛ لاسيما عندما عاد داود في هيئة الدراويش، مرتدياً جلباباً متسخاً، وطاقية ملوّنة وسبحة من الخرز معلّقة على رقبته.
جاء داود نبيهة إلى القرية وقد أصابه المرض واختلال العاطفة، فعندما بتر المنشار الكهربائي يده اليُمنى، قامت زوجته بوضع ثيابه في صندوق كرتوني وألقت بها خارجاً ومنعته من دخول البيت. وبعد أسابيع أرسلت إليه أقرباء لها طالبوه بتطليقها على الفور، وظلوا يُضيّقون عليه حتى اضطر إلى ترك مدخراته التي جمعها طوال ثمانية أعوام.
ورغم قصته المأساوية التي كانت مضرباً للأمثال، وعبرة لكل من حدّث نفسه بالزواج من خارج القرية؛ إلاّ أنّ كثيرين غبطوه على زواجه من مصرية، وكان العمدة علي فانا أول حاسديه.
داود نبيهة نفسه لم يكف عن الكلام عن مغامراته الجنسية مع المصريّات، حتى تصوّر الجميع أنهن يقفن على الطرقات والشوارع العامة يتخاطفن الرجال القادمين من جنوب الوادي، ويُمنين أنفسهن بجنس من النوع الذي يفتقدن إليه. اعتقدوا أنهم سوف يجدون المصريات حفيدات كيلوبترا ونفرتيتي واقفات على أرصفة السكة الحديدية أو الموانئ النهرية في انتظارهم بشغف المقبل على تجربة ممتعة ومثيرة.
نهاية الفصل الثالث
imported_هشام آدم
27-02-2012, 11:51 AM
لي عودة للرد على بقية المُداخلات
imported_طارق صديق كانديك
27-02-2012, 01:16 PM
العزيز هشام آدم
يسعد مساك
بمتعة كبيرة ( التهمت ) الفصل الثاني وقد أجابت احدى فقراته بالفعل على تساؤلى السابق ثم ها نحن في لجة الفصل الثالث نبحر مع الرواي فنغضب معه حين عاد شيخ اسماعيل من الأزهر الذي لم يعلمه فضيلة الرفق بعم ( قرشين) الرجل الستيني أو حين يشاء الراوي فيمنحنا الفرح في مواضع كثيرة.
وقد لاحظت أيضاً :ـ
حتى إن الفتيان الذين هرعوا إلى منازلهم رددوا جملة واحدة لحشد الجماهير:
"خواجيات عاريات عند سرايا العمدة!"
فالحديث الذي بين العلامتين يبدو أنه نقلاً لحديث الفتيان ووضعه بين هاتين العلامتين في تقديري كان يستدعي نقله كماهو دون أن يتدخل فيه الرواي بتفصيح لغته " خواجيات عريانات في سرايا العمدة" ربما كانت أكثر توصيفاً وتأثيراً أو هكذا أظن.
ثم في المداخلة رقم (32) يبدو أن هناك بعض أخطاء الطباعة مثل:
وقف علي فانا قائلاً: "لقد ظلوا طريقهم في الصحراء"
ويبدو لي أن المراد ( ضلوا ) أي أضاعوا طريقهم .
كذلك حين قال الراوي:
وأن ( أجسد) الخواجيات مشاعة للجميع
يبدو أن المعنى المراد ( أجساد ) :
يبقى النص في بهاءه ومتعة الوصف مسكرة وتشد القارئ اليها شداً عظيم :
" وفي ساعة واسعة المقايس"
هذه العبارة من ذهب.
أما هنا :
"في طريقنا إلى الطاحونة، كانت الرياح -على مهل- تكنس فضلات الغيوم المتناثرة على بهو السماء الحبلى بالزرقة المجنونة. بعضها ترفض أن ترحل قبل أن تُشكّل لوحة سريالية على قماشة السماء المشدودة بإتقان، والأرض تمتد صفراء مشوبة ببعض النباتات الشوكية وشجيرات العُشر الشيطانية الملعونة.
"
فلا حديثٌ يقال بل يكاد كل من يقرأيعكف رافعاً راسه ليشهد اللوحة على سماءه التي غطته.
شكرا ياخي شكرا كتير
imported_أمير الأمين
27-02-2012, 03:59 PM
أرى تشابه باين بين التمتام هنا وملكيادس فى مائة عام من عزلة ماركيز
(الكيمياء التى استبدلتها بالفيزياء والمنظار هو المنظار والبحث عن معدن تفيس ...الخ)
لا ادرى ان كان التمتام هو النسخة المسودنة من ملكيادس ام لا ؟
تحياتى هشام
imported_أمير الأمين
27-02-2012, 04:28 PM
(لم يؤمن أهالي أرض الميت -حتى وقت قريب من وفاة جلال التمتام- بوجود مدن وبلدان أخرى خارج خارطة منطقتهم المنحصرة بين نهر لا يكفّ عن الجريان، وجبل لم يُحدّث نفسه بالحركة والتغيّر! غير أنّ التمتام أخبرهم عن عوالم أخرى أكثر صخباً وضجيجاً من ضجيج سواقي النيل ونهيق حمير القرية ونباح كلابها. أخبرهم عن مدن من الحديد تقبع في أناقة وراء جبل ميمي وعن بيوت زجاجية يسكنها البشر، تفتح أبوابها تلقائياً بمجرّد المرور من أمامها، وسمع الناس منه لأول مرّة عن البيوت ذات الطوابق المتعددة، وأخذ الشيخ عبد الصبور دهب يُكذّب كلّ ذلك ويقول: "إنّ التمتام يستغل جهل أهالي القرية ويُروّج للخرافة والأوهام".
اعتقدوا أن العالم ينتهي عند جبال ميمي، وأن ورائها تماماً أرض المحشر العظيم. عزّز هذا الاعتقاد ما رواه البعض عن أسفار غامضة قام بها شبان مغامرون في حقب متتالية لعبور الجبل إلى الناحية الأخرى، وأنّ أحداً منهم لم يعد مرّة أخرى. قيل إن جبل ميمي يحرسه العفاريت، كما أن مياه النيل تحرسها التماسيح! )
وهذا المقطع ...
(وإذ أن المنطقة التي يمر بها النهر بمحاذاة القرية اشتهرت بحوافها الصخرية المسننة، فقد كان أهالي القرى النوبية الأخرى يأتون للبحث عن غرقاهم في أرض الميّت، آملين أن يجدوا جثثهم وقد نجت بمعجزة من أنياب تماسيح النهر وأسماكه الشرهة، وتعلّقت بأنياب الصخور الملساء، ولم تخيّب القرية ظنّ أحد إلا ما ندر. )
تناقض باين هنا إلا اذا كانت الجملة الاولى اتيت بها من مكان اخر وحشرتها حشرا هناك.....!!!
imported_هشام آدم
29-02-2012, 04:08 PM
ذلك الصباح الذي لا يختلف كثيراً عن صباحات القرية الأخريات، جاء وفد طبي من عَبْري في حملة للتطعيم ضد شلل الأطفال. جلس الطاقم الطبي تحت ظل شجرة اللبخ العملاقة، ونصبوا لأنفسهم مظلات قماشيه بيضاء، وعلّقوا أعلاماً وملصقات صغيرة تحمل علامات صليب حمراء. وضعوا حقناً مختلفة الأحجام في صناديق صغيرة، وصناديق أخرى وضعوا داخلها الأمصال.
بدأت الأصوات تتعالى عبر مكبّرات الصوت تطلب من الجميع إحضار أطفالهم للتطعيم، فاصطفت النساء طوابير أمام طاولاتهم الحديدية اللامعة؛ وهن يحملن أطفالهن الذين أقاموا مأدبة نحيب جماعي. كان بكاء الأطفال أكثر أمارات تلك الحملة الطبية حماسة، وربما السبب المباشر في أن يستشعر الأطباء عظمتهم وأهميتهم.
بدا الاستياء واضحاً على ملامح أحد الأطباء وهو ينظر إلى الأهالي شذراً، ويأمرهم -بطريقة معبّرة عن حالته- بأن يلتزموا النظام والهدوء، وأن يتبعوا التعليمات التي يُصدرها بكل دقة. انصاعت النساء لتعليماته، وتعاملن معها كما لو أنها تعاليم مقدسة؛ حتى أنّ البعض ألقمن أطفالهن أطراف ثيابهن المعقودة للحيلولة دون إزعاجه.
أشعرنا ذلك الطبيب المتعالي بأنّه يُقدم لنا خدمة جليلة لا نستحقها، كما أفرزت عيناه نظرات احتقار واشمئزاز واضحتين؛ قلتُ في نفسي: "ربما رآنا قوماً أقل رتبة من البشر، أو ينعتنا بالجهل والتخلّف في سرّه".
شعرت أننا كقطيع من الماشية في طريقها الفوضوية إلى أن توسم بالنار. ومنذ اللحظة التي رأيت فيها الجلافة التي تعامل بها مع نساء القرية وأطفالهن، تولّدت مشاعري السلبية تجاهه، وبدأت عداوتي مع الأطباء. أُخمّن الآن أنني -تحت تأثير الميكانزمات الدفاعية- استدعيت هذا السبب لتبرير خوفي الهستيري من وخز الإبر المؤلم، وفيما تولى ذلك الممتعض حقن الأطفال بالمصل، راحت بعض الممرضات يسكبن قطرات من المصل الطبي المُر داخل أفواه البقية. لسببٍ ما حاول الله أن يغرس فيني عداوة الأطباء ومنجزات الطب عديمة الجدوى.
تلك الليلة التي تهشّم فيها زجاج بلوري على إبهام قدمي اليُمنى، حملني الرجال على ظهر حمار أحدهم، وتوجهوا بي إلى أقرب مركز صحي يبعد عن قريتنا مسيرة ساعتين على ظهور البغال والحمير. ليلتها لم أكف عن البكاء واستشعار الفقد، لم أكن على يقين بهوية من أفتقده؛ غير أني تمنيت لو أن جدتي ما زالت على قيد الحياة في ذلك الوقت. بكيتُ كثيراً حتى أن الرجال زجروني بقولهم: "لا تبك كالنساء؛ فالرجال لا يبكون. لن تموت بفعل زجاجة مهشّمة!"
قلتُ في نفسي: "البالغون قساة القلب" ثم عدلتُ عن فكرتي وقلت: "الرجال قساة القلب" تذكرتُ كيف أن جدتي كانت تفرط باهتمامها بأتفه الأشياء التي تخصني، حتى قبل أن أتعلّم السيطرة على تبوّلي في الفراش، لا تتوانى أن تظل مستيقظة معي طوال الليل لعلمها بأنني أخاف العتمة الحالكة. لا أذكر أنها تأففت قط رغم أنني كنتُ مزعجاً في كثير من الأحيان.
في المركز الصحي قام الطبيب بحقني بسائل التخدير، وبدأ في استخراج الزجاج المهشّم، ولم يُصدّق عندما أخبرته أنني أشعر بكل ما يقوم به؛ قال: "خوفك المفرط يُخيّل إليك ذلك."
مسك الرجال بساقي وأوثقوا يدي بقوة. طريقتهم تلك أشعرتني بأنني نعجة على وشك الذبح؛ ومن حينها لم تنطل عليّ الأكاذيـب التي راحـت تروّج أن الأطباء ملائكة رحمة، ورُسل العافية.
ورغم كراهتي للأطباء والطب الحديث؛ إلاّ أن إحدى أسرار النوبة في الطب الشعبي ألهمتني كثيراً في بداياتي الإنسانية على يد الحاج برهان جاويش؛ أحد كبار السن الذين نالوا قسطاً من الشهرة في المنطقة.
الحاج برهان أحد القلائل الذين احترمتهم بكل صدق، فهو أول من أشاع بين الناس مادية تلّة آل كَلَس، وأنها ليست سوى مجرّد تلّة صخرية كبقية تلال المنطقة المنتشرة في كل مكان تقريباً، ورغم خطورة دعواه؛ إلاّ أنه لم يجعلها رسالته الأثيرة.
الشيخ برهان، حكيم يُعالج الناس بالأعشاب والعلاجات البديلة عن الطب الحديث. فيما بعد أصبح آل برهان الوحيدون في المنطقة الذين يملكون سر علاج الأورام السرطانية الخبيثة، كما أن لديه بعض المهارات الغريبة، فهو الوحيد القادر على استخراج سم الأفاعي بأصابعه دون أمصال أو أدوية؛ إذ يُمسك ساق الملدوغ، ويتلمّس مواطن العروق الخفية بأصابعه، ثم يحركها فيما يُشبه العزف على البيانو، ويبدأ بالنزول تدريجياً حتى يخرج السم من حيث دخل، دون ألم يُذكر.
رجل ممتلئ الوجه، أبيض الشعر، كبير الأرداف، قويّ البنية، أسنانه الأمامية متفرّقة قليلاً، لثته شديدة النظافة، وله ابتسامة محببة. يحمل شبهاً من كل رجل من رجال القرية؛ فهو عندما تراه من قفاه تخاله الشيخ عبد الصبور، وعندما تراه من زاوية جانبية فإنك تخاله العمدة علي فانا، وإذا رأيته من بعيد تحسبه ميرغني كلس أو هارون عزيزة؛ ولكنه كان يختلف عن هؤلاء جميعاً.
لنباهة توسّمها فيني الحاج برهان -كما قال- كان يُجلسني إلى جواره وهو يقوم بإعداد وصفاته العلاجية ويُخبرني عن سرّها في شكل حكايا وأقاصيص ظننتها خرافية. يحكي لي دائماً عن أشياء غريبة لم أسمع بها من قبل.
في تلك السن المبكرة لم أدرك مدى سريّة المعلومات التي أتلقاه منه مباشرة؛ وربما يُفسّر ذلك السبب الرئيس في اختيار الحاج برهان لطفل مثلي لمعاونته.
كنّا نعبر النهر على متن قاربه الخشبي الذي يُشبهه بطريقة ما، ونسير على أقدامنا لمسافات طويلة عابرين مقابر القرية، ومضارب قطاطي العبيد، ونتخطى الأراضي الحجرية القاحلة؛ حتى نصل إلى واد ذو تربة طينية تميل إلى الاحمرار، كأنها إحدى أودية الجحيم.
يتمتع الحاج برهان بطاقة وحيوية لا تتوفران في منهم في مثله سنه، وكان يقول لي دائماً: "إن الإنسان عدو نفسه الأول، هو الوحيد الذي يملك مفاتيح الكون السريّة المؤدية إلى السعادة، وتلك المؤدية إلى الشقاء". هو الوحيد الذي حدثني عن الموت بطريقة مختلفة ومقنعة. قال:
"الموت ليس إلاّ فذلكة كونية معقدة لقانون أقل تعقيداً. يموت الإنسان عندما يشاء، وكيفما يشاء! وعندما يموت فهو ينقطع عن الدنيا فيزيائياً فقط، ولكنه يظل متواجداً بطريقته الخاصة. بعضنا يتمكن من التواصل مع الموتى، وبعضنا الآخر لا يستطيع؛ أو لا يُريد لأننا نخاف.
جُبل الإنسان على الخوف مما يجهله، وهذا الخوف هو ما يجعلنا نتصور أن الموت أمر مخيف وبشع، رغم أنه قانون كغيره من القوانين التي نتعامل معها يومياً. إذا لم تمت الأشجار فلن تصطلي بنار المواقد الشتائية، وإذا لم تمت أسماك الباروش فلن تُطعَم التركين، وإذا لم تمت التماسيح فلن تنعم بخيرات النيل. الموت ضرورة حياتية يا ولدي!"
كان يحفر في الوحل بقدمين حافيتين بحثاً عن تبر الذهب، حاملاً معه غربالاً غريب الشكل، ويمضي الساعات الطويلة في ذلك دون أن يُصيبه الملل.
علمت منه أنه يستخدم تبر الذهب في علاج الأورام السرطانية والخبيثة، وتلك إحدى الطرائق العلاجية المحفوفة بالسرّية في الحضارات القديمة. الذهب المدفون على بعد أمتار في رمال الأراضي النوبية كان واعز النكبات التي شهدتها المنطقة على مر التاريخ؛ فأعين الأتراك والإنكليز والمصريين والعرب المسلمين كانت مصوّبة إلى مناجم الذهب الطبيعية في الأراضي النوبية دون أن يعلم النوبيون بذلك، وحيث يُقال أن النوبة تعني (أرض الذهب) فإن أسطورة المدينة الذهبية سكنت في أخيلة الملوك والفرسان الذين حلموا بفتح بلاد النوبة، والاستيلاء على مناجم الذهب.
ظنّ الناس لسنوات طويلة أن دهن أجساد ملوك النوبة بعد موتهم بتبر الذهب ليس سوى ترف، وبذخ ملوكي لقبائل لم تع قيمة الذهب الحقيقية، ولكن الأمر لم يكن كذلك؛ فقد عرفت من الحاج برهان أن الأسلاف فعلوا ذلك ليُحافظوا على أجساد موتاهم، وذلك لما عرفوه عن قدرة الذهب العجيبة في إكساب الجسد فاعليته العضوية حتى بعد الموت؛ إذ يُشاع أن في تبر الذهب طاقة تكفي لحفظ الأجساد سليمة دون أن تتعفن أو تتحلّل.
واستخدم الحاج برهان تبر الذهب في علاجاته الشعبية التي عُرفت باسمه بعد ذلك، وظل علاج البرهاني سراً لا يعرفه إلاّ هو، وقلّة من أبنائه، وفي المرة الأولى التي شهدت فيها علاج البرهاني، انتابني شعور غريب بالقلق والخوف.
يعمد الحاج برهان إلى تفصيد المنطقة المتورمة بأمواس حادة ثم يضع تبر الذهب المخلوط بمادة بيضاء عليها، ويترك الجرح دون خياطة، ويطلب من أهل المريض ألا يُعرّضوه لأية رائحة نفاذة، فيحبسون مرضاهم أربعين ليلة في غرفة منعزلة لا يشم فيها أي عطر أو رائحة، وبعد أربعين يوم يسقط الورم من تلقاء نفسه؛ كما تسقط قطرة الندى من ورقة نديّة صباح يوم ربيعي، وبذلك فإن النوبيون كانوا أول من اكتشف علاج السرطان.
imported_هشام آدم
29-02-2012, 04:29 PM
وفي الأمسيات القروية الهادئة، تفرش أرض الميّت عباءة سمائها السوداء على جدران البيوت والوجوه المصابة بضوء المصابيح الزيتية الخافتة، وهم يتسامرون ويضحكون دون أن يحمّلوا قلوبهم أو عقولهم أعباء ضغينة تُذكر. كأنهم خارج هذا العالم أو في منطقة منعزلة منه.
رسائل المغتربين تأتي محمّلة بأنباء القلاقل التي تلت الثورة الناصرية، وأصبحنا نسمع عن الغول الذي يُدعى (سياسة)، وكان للنوبيين مع السياسة قصة عداء طويلة.
حكى المغتربون في رسائلهم عن المخبرين الذين انتشروا في مصر كالبعوض في قريتنا في المواسم الخريفية، وعن التعذيب الذي مارسته الحكومة على أفراد الشعب تحت دواعي حماية الثورة من أعدائها، وسمعنا عن السجون التي يُعذب فيها الطلبة والسياسيون: بحرق أعقاب التبغ على صدورهم وظهورهم، وإطلاق الكلاب على أجسادهم المدهونة بزيت مثير، والفتيات اللواتي تم انتهاك أعراضهن لنزع اعتراف أو شهادة زور.
كنا نسمع كل ذلك ونحوقل، ثم نحمد الله أننا في مأمن من هذه السياسة. اعتبر النوبيون أن السياسية لعبة مجنونة، ولعنة يجب الابتعاد عنها بشتى الطرق. ولم نعلم أننا سنضيع هذه المرة تحت سنابك خيل السياسيين الجُدد.
كانت مصر للسودان بمثابة الرأس للجسد، ومنها انتقلت إلينا حمى السياسة الملعونة، وفي الوقت الذي طرق فيه حلم الدراسة الجامعية باب تفكيري، كانت أرض الميّت تعتبر أن الجامعة نافذة يدخل منها الشيطان إلى العقول فيُدنّسها، ولطالما ترسّخ مفهوم واحد عند أهالي القرية: (العلم لا يأتي بخير)
العلم يُفسد العقول ويُصيبها بالعطب والخبال: أنتج شخصاً كالأفندي عبد الشافي المجنون بكل هرطقاته ودعواته غير المنطقية، ثم لم ينفع قرناص بكل فلسفته وحكمته المجيدة، وكاد أن يُفقر قرشين الأوشي من قبل، ولكنني أزمعت مواصلة الدراسة مهما كلّف الأمر.
* * *
هذه الذكريات المروية على لسان الجدة مِسكة هي أولى معارفي الأساسية بأهالي قريتي الصغيرة الوادعة (أرض الميّت)، واعتبرت الجدة مسكة آخر الحكّايات عندما توفيت عن عمر يناهز المائة وثمانية عشر عاماً قضتها في تصوير وتدوين موروثات القرية.
لقد عاشت لترويها لنا دون أن يفطن أحد لتوثيق ما لديها من أخبار وقصص؛ ببساطة لأنه لم تكن هنالك وسيلة توثيق معتمدة ذلك الوقت. وفيما تبدو القرية وادعة من الخارج؛ فإن بيوتها تحبس داخل أضلاعها الجالوصية حكايات وقصص حيّة ومتناقضة.
وفي الأوقات العصيبة التي يستحيل معها التذكّر، يُصاب الإنسان بالانكماش، ويُصبح كقطعة خشبية عائمة على سطح بحر لانهائي. تأخذها التيارات إلى كل مكان، ولكنها لا تصل أبداً.
يُصبح الطفو الطارئ ضرورة، ثم صيرورة تنتهي عندها حركتها الحيوية. قطعة خشبية لا تنتمي إلى شجرة، ولا إلى شيء آخر. محض قطعة خشبية خُلقت من أجزائها! قطعة ضد المكان، وضد فيزياء المادة، وضد نفسها. الإنسان بلا ذاكرة؛ هو الإنسان لحظة العدم. هو اللاإنسان!
عندما تُصبح التواريخ مجرّد أرقام كالطلاسم السريّة المُبهمة، واللحظات خيالات مشوشة، والشخوص أشباح معذّبة؛ تصبح كل الأشياء شيئاً واحداً أو لاشيء، وتتوحّد الألوان لتُعطي معنى العدمية والحياد. عندها تصبح ضحكات الأطفال بلا معنى، وأحزان المعزّين خديعة، ومشاغبات الأصدقاء مزحة غير مستساغة، والحب نزوة مراهقة أو خطيئة ملعونة.
يتجسّد البشر كلهم في شخص واحد بائس، كئيب، ولكنه لا يُشبه أيّ أحد. لا يحمل من ملامح أيّ منا شيئاً يُشعرنا تجاهه بالارتياح، فيُوغل في الضمور إلى الداخل والانزواء. يبني لنفسه صَدَفة هشّة، ولكنها تجعله في منأى عن نظرات الآخرين الفضولية، وتجعله يُحس بالأمان. هكذا شعرت عندما توفيت جدتي مِسكة!
وللمصادفة الغريبة فإن إحدى صديقاتها العجائز -حين نقلوا إليها خبر وفاتها- لم تنزعج، ولم تبتئس قط؛ كل ما قالته لهم: "لقد ارتاحت أخيراً من صلاة العشاء!"
ظنّ الناس أنه قد أصابها الخرف، أو قضت الصدمة على أجزاء دماغها السليمة المتبقية؛ حتى أنا ظننتُ ذلك! ولكن ما لم نكن نعلمه: إنه كلما كبر الإنسان في العمر؛ كلما قلّ خوفه من الموت، وكلما رآه أكثر حميمية وأقل شراسة مما يراه الآخرون؛ ولذا فإن للحياة والموت حيواتهما الخاصة.
الحياة ذاكرة ميتة؛ والموت ذاكرة حيّة؛ ولذا فإننا نتذكر الموتى ونشتاق إليهم، ولا نكاد نتذكر الأحياء أبداَ. الأحياء منسيّون في ذاكرتنا الميّتة، وحياة الموتى هي من تجعلهم أحياء أو أمنياتنا بأن يكونوا كذلك. وما تعلمته من الكتب خلال سنوات الدراسة الطويلة، مارسه النوبيون في شكل طقوس مُعقدة ولكنها اعتيادية لدرجة الرتابة.
أقول ذلك وأنا أتذكر الآن قارب (قمر بوبا) الذي غرق في عرض النيل، وهو يحمل إحدى عشرة امرأة كنّ في طريقهن لتقديم واجب العزاء في قرية على الضفة الأخرى من النهر. تلك واحدة من الكوارث الكبرى التي شهدتها أرض الميّت واهتزت لها جنباته. سألت نفسي مجدداً: "هل اختار هؤلاء الغرقى أن يكون النهر قبرهم؛ حيث لا شواهد، ولا قباب، ولا حجارة ملساء؟!"
أكبر النكبات التي منيت بها في حياتي تمثلت في فقدي لجدتي مِسكة، فلم تكن مِسكة خليل جابودة مجرّد جدّة تُسعدنا بحكاياتها التراثيّة الشيّقة؛ وإن أوحت مقدمتي بذلك فإنني أعتذر لروحها في السماوات، رغم أنني مازلت أصر على كونها حكّاية من طراز فريد، فقد أدهشتني تفاصيلها التي توحي بالنباهة ودقة الملاحظة، وربما تولّد ميلي لتوثيق قصصها عن أرض الميّت من عشقي الخرافي لها.
الجدة مِسكة طيّبة إلى الحد الذي يجعلك تقع في حبها منذ الوهلة الأولى، امرأة سمراء بشفتين رطبتين دائماً، وأنف مخروطي قصير، وجدائل شعر كأغصان السدر المتشابكة، ولها شلوخ محفورة بعناية على خديّها الطريتين كأنهما شقوق في منجم عتيق.
لم يستطع أحد أن يتجاوز كاريزما السيّدة العجوز لمجرّد أنها شمطاء هرمة. ولولا عدم اهتمام الأولين بالتأريخ والتدوين؛ لكانت قصصها التي نتناقلها عنها موثقة ومعتد بها.
أجد نفسي ملزماً بالاحتفاء بهذه السيّدة؛ وأنا أنقل عنها ما روته لنا من حكايات تراثية عن أمكنة وشخوص عاشوا في أزمنة غابرة. وفعلت ما فعلت بإيمان ومحبة.
مسكة تلك المرأة النوبية السمراء ذات الشلوخ المطارق، والوجه كامل الاستدارة المفعم باليقين والحكمة. يُلقبها الجميع (أونتي) وهي تعني "البدر" عند النوبيين في إشارة إلى تاريخ جمالي عاشتها بكل عنفوان، وحتى قبل موتها كانت لا تزل بعض تلك الملامح الجمالية مرسومة برقة بالغة على وجهها الأسمر الجميل. لم أرها غاضبة قط، فقط تكتفي بحرماننا من ابتسامتها الحميمة، فنعرف إنها ليست على ما يرام.
مازلت أذكر غطاء رأسها الأسود الطويل المنتهي بضفائر ملوّنة معقودة بعناية، تغمره في المواسم الصيفية الحارة في الماء وتغطي به جسدها وتنام في فناء الدار، وتهبنا حكمة الإنسان المتكيّف مع الطبيعة والمتغلب عليها بثقة. تستخدم أحد أطرافه لحفظ العملات المعدنية، وثمار النبق والبلح اليابس.
حكى لي بعضهم ذات يوم عن قصتها مع جدّي سليم تينة، وكيف التقيا وتعرفا إلى بعضهما لأول مرة، عرفت بعدها أنها من أشهر قصص الحب وأغربها على الإطلاق في المنطقة؛ إذ بدأت قصتهما مع بداية عشق حيواني نادر نشأت بين بقرة آل جابودة وثور جدّي سليم.
لم يعرف أحدهما الآخر قبل أن تتواصل بهائمهما في البداية. كانت بقرة الجدة مسكة تقطع مسافة أحد عشر كيلومتراً إلى حيث حظيرة ثور الجد سليم. تقطع كل تلك المسافة سيراً على الحوافر بعد أن يحلّ الظلام على أنحاء القرية؛ فيتعاشرا قِطعاً من الليل، ثم تعود مرّة أخرى إلى حظيرتها، وتنام كأن شيئاً لم يكن. ولم يتم اكتشاف تلك الرحلة الغريزية الفريدة من نوعها إلاّ بمحض المصادفة.
وفيما تندّر البعض بهذه الحادثة، تناولها البعض على مأخذ آخر، ومن بينهم جدي سليم الذي تقدّم إلى جدتي، وقال بطريقة لم تخل من هزل: "يجب أن يستر أحدنا فعل الآخر، وإن أخطأت بهائمنا الصنيع، فعلينا نحن –البشر- أن نتحمّل التبعات."
قيل إن ذلك كان إشارة إلهية توحي لذوي القلوب البصيرة بضرورة ما يتوجب على الناس أن يفعلوه، فزوّجوا جدتي مسكة من جدّي سليم معتمدين على هذه العلامة الكونية نادرة الحدوث.
عندما توفيت الجدة مِسكة؛ غسلوا جثمانها بحذر، واختلف الناس أيّهم يُكفّنها، وبحثوا في الأرجاء عن قطعة قماش بيضاء ليلفوها بها؛ فلم يجدوا. مزّقت النساء ثيابهن الجديدة، وخطنها معاً ليصنعن منها كفناً ملوناً يليق بسنوات عمرها الزاهية التي عاشتها في قلوبهم.
الجدة مسكة الوحيدة –في القرية كلها- التي تكفّن بكفنٍ ملوّن، ولم يكن من السهل على أحد أن يستيقظ صباحاً دون أن يسمع همهماتها الشجيّة، وهي تردد بعض الأذكار بالنوبية الفصيحة، تحمل إبريقها النحاسي، وتغسل وجهها الأسمر الوادع وداعة نهر النيل في كل حالته الموسمية.
لم يكن من السهل على أهالي القرية ألا يجدوها على عتبة الدار مساءً، وهي تُردد أغنيات نوبية موغلة في القدم، وتردد أهازيج كانوا يستخدمونها قديماً للترويح عن أنفسهم وقت الحصاد. ولم يكن من السهل -عليّ تحديداً- أن أتقبل ضياع ذلك الحضن الدافئ الذي يحمل رائحة حالمة وموحية.
عندما وضعوا جثمانها على قارب (قمر بوبا)، وعبروا بها إلى الضفة الأخرى، بكيت حتى نمت. كنتُ أعرف أنّ من يذهب إلى الضفة الأخرى لا يعود، وشعرت بالكراهية تجاه كل من كانوا على القارب. الآن أفتقدها كثيراً، وأشعر أن أرض الميّت تفتقدها كذلك.
مساء القرية ذلك اليوم كان مختلفاً، وحزيناً جداً، وأذكر أننا جميعاً نمنا دون عشاء. استشعرتُ اليُتم وعرفت طعمه المؤلم آنذاك، وبطريقة لا إرادية بحثت في أحضان العمّة مَلْكِة -التي تولت تربيتي بعد وفاة جدتي- عن تلك الرائحة الموحية؛ فلم أجد؛ ورغم ما فعلته من أجلي ومن أجل ألا أُحس بالفقد؛ فإنني قرأت في عينيها نظرات الإشفاق والتأسي اللاذعة.
رحيل الجدة مِسكَة كان مفصلة هامة في حياتي؛ فقد عنت لي الكثير. أبحث الآن عن مواقف جمعتنا سوياً؛ فأجد خزانة الذاكرة مليئة بها رغم السنوات القصيرة التي قضيتها في كنفها، ولكنني لا أمتلك الجراءة الكافية لسرد إحداها.
أشعر أنّ الذي بيني وبينها أمر يخصني وحدي، ولا يخص أحداً غيري، أشعر بأن ذلك هو سرّي المقدّس الذي أحتفي به، وأستمتع بالاحتفاظ به داخلي؛ فمنذ أن توفيت والدتي وأنا لا أعرف أماً غيرها.
بعد أن توفيت جدتي مِسكة بأعوام؛ حكى لي البعض أن أمي التي توفيت أثناء والدتي، ربطتها مع والدي علاقة عشق مشهودة، وأخبروني بأن والدي تشاءم كثيراً لمولدي الذي سلبه أجمل ما منحته الحياة؛ فتبرأ مني، وهام على وجهه؛ وقيل أنه وُجد ملدوغاً في مكان ما خارج القرية.
لم أسمع قبل ذلك عن والدّي أيّ شيء، ولا أعرف لِم لم أسأل عنهما قط؛ ربما لأن جدتي لم تجعلني أشعر بالحوجة إلى أحدهما، وربما لأنني اعتبرت أن كل نساء القرية أمهات لي؛ لا أدري، ولكنني عرفت قصة مولدي المأساوية والتي تسببت في موت أهم شخصيتين في حياتي.
تلك كانت أقسى المرارات التي تركت أثرها على شخصيتي على الإطلاق، ونكتة سوداء في تاريخي؛ إذ ليس من الاعتيادي معرفة أنني كنت السبب في وفاة والديّ وأنا لم أرهما بعد.
بعد أعوام من ذلك سمعت من بعض رجال القرية أن ما حدث لأمي ليس سوى تحقق مشئوم لنبوءة قديمة لجلال التمتام لم يشأ والدي أن يُصدقها، فأسهم ذلك في التخفيف من شعوري بالذنب.
لم يشأ والدي أن يحملني أو أن يُقبّلني كما يفعل كل الآباء مع مواليدهم الجدد، وخشي تحقق بقية النبوءة؛ ففر هارباً من القرية متوجهاً إلى آراسير؛ إلا أن حيّة سامة لدغته في طريقه فمات قبل أن يصل إليها، وقيل أن بعض السيّارة وجدوه ملقياً في أحراش تيل، وقد اسوّد موضع ما في قدمه حيث لدغته الأفعى، وعادوا به إلى القرية، ودفنوه في مدافن القرية إلى جوار زوجته دون شاهد قبر ولا حتى علامة مميّزة.
لا أعرف إن كانت جدتي مِسكة أم شخص آخر هو من أسماني بـ"صالح"، ولكن الأمر الذي أعرفه؛ هو أنّ والدي مات قبل أن يُسمّيني، وقبل أن يمنح الله لعيني نورهما فأراه، وكذا أمي؛ ولذا فإن جدتي مِسكة كانت هي أولى النساء اللواتي رأيتهن منذ ولادتي، ولم أعرف امرأة غيرها في حياتي؛ سوى سيّدة يُقال لها "جليلة نقاش" هي التي أرضعتني لعامين، ثم ماتت –هي الأخرى- بعد فطامي بعدة أشهر، واعتاد أهالي القرية مناداتي بـ"صالح مِسكة" وكنتُ فخوراً بذلك.
imported_هشام آدم
29-02-2012, 04:37 PM
كنا في أرض الميّت قد سمعنا منذ سنوات عن استقلال السودان كأي خبر اعتيادي عبر المذياع، ولم يشاهد أحد منا الزعيم الأزهري وهو يرفع علم السودان للمرة الأولى على سارية القصر الجمهوري؛ بينما حرصنا على أن نستمع إلى خطبته الحماسية التي ألقاها إبان إعلانه للاستقلال من داخل البرلمان.
ثم بدأت خلايا الأحزاب السياسية في الخرطوم تتشكّل كمخلوق بدائي ما يلبث أن يُصبح مسخاً أو وحشاً كاسراً. شعورنا بالاستقلال ظلّ شعوراً محايداً تماماً، فلم نفرح، ولم نستشعر أيّة مشاعر متطرفة أبداً، وكأننا نسمع عن استقلال بلاد تبعد عنا آلاف الأميال.
ترك النوبيون شرب شاي المغرب، واتجهوا إلى الحكّاي يأخذون منه أخبار العاصمة المثلثة. بدأنا نسمع عن الخرطوم كثيراً تلك الفترة (أكثر من أسوان نفسها)، وكانت مشاعرنا تجاه ما يحدث في القطر غير ناضجة كفاية.
قال بعضنا: "إن الاستقلال يُعد وثبة في خطى الوطنية القادمة" وقال آخرون: "لن ينفعنا استقلال السودان؛ كما لم ينفعنا حكم مصر من قبل!" وبين مطامع الاستعمار، ومجاهل الاستقلال ظلّ النوبيون على هامش كل ما يجري.
إحدى نبوءات التمتام بدأت تتحقق في تلك الحقبة تحديداً؛ إذ شهدت أرض الميّت بعض الانتعاش الاقتصادي، ولم يكد يخلو بيت من حمار أو بغل، في الوقت الذي بدأت فيه أعداد الناس تتقلّص شيئاً فشيئاً على إثر الاغتراب الذي بدأ بأسوان ثم إلى أراضي الحجاز وأخيراً إلى الخرطوم.
أمّا بالنسبة إليّ فإنني لا أحمل ذكريات جيّدة عن تلك الحقبة، فيبدو أن بعض الحمير لم تكن راغبة في أن أمتطيها. أذكر أنني في المرة الأولى التي حاولت فيها امتطاء حمار جارنا سليم أوندي جمح الحمار وبدأ بالرفس وسقطت على صخرة كبيرة، وكسرت ترقوتي، ولم تزل علامة ذلك الجرح باقية حتى اليوم.
أصبحت القرية تعج بالحمير والأطفال والنساء، وعلى عكس ما تعارف عليه الناس فإن للاغتراب مفهوم آخر لدى النوبيين؛ إذ لم يفرقوا بين الاغتراب والهجرة، ولم يُحدّث الرجال أنفسهم بالعودة؛ طالما لم تجأر النساء بالشكوى، أو يبثثن أشواقهن المزعومة في رسائلهن التي يبعثنها بين فترة وأخرى. قلتُ: "النساء أكثر نوبيّة من
الرجال؛ فهنّ أكثر تمسكاً بالأرض وتشبثاً بها."
اكتسب النوبيون -الذين هاجروا إلى الحجاز، وخدموا ملوكها- شهرة واسعة لأمانتهم التي كانت مضرب الأمثال، حتى أصبحت تلك الصفة متلازمة للجميع السودانيين الذين قدموا إلى الحجاز بعد ذلك، ولكن أرض الميّت لم تزل -في كل ذلك- تعيش على حافة المجهول الذي بدأ تحديداً منذ أن طالت أيادي الحكومة تلك المناطق الهادئة؛ فلم تعرف الهدوء بعدها.
أول وفد حكومي جاء زائراً للقرية، بشّر الأهالي بزيارة رئيس الجمهورية للمنطقة، وطلب منهم أن يتحضّروا لتلك الزيارة الأولى والأخيرة من نوعها في تاريخهم، والسؤال الوحيد الذي طرأ على أذهاننا هو: "كيف هو شكل رئيس الجمهورية؟"
بتلك السذاجة القروية ظلّ أهالي قرية الميّت يترقبون مجيء الرئيس، الذي جاء بعد ذلك بعدة أسابيع. وككل المشايخ الأخرى فإن رجال قريتنا اجتمعوا في سرايا العمدة، وطرحوا احتياجاتهم بين يديه، على أمل أن يحمل الأخير مطالبهم –التي تعبّر عن مطالب القرية الضرورية والمُلحّة- إلى رئيس الجمهورية ليضطلع على مهامه الرئاسية تجاه المنطقة التي لم تلق حظها من التنمية والاهتمام طوال السنوات التي خلت.
طالبوا بإنشاء معتمديات تمثل الدوائر الحكومية تكون قريبة منهم؛ إذ كانت أقرب دائرة حكومية على بعد فراسخ، وطالبوا بفتح مراكز صحية خاصة بالقرية بديلة عن المركز الصحي اليتيم المتوفر في عَبْري التي تبعد مسافة يوم وليلة عن القرية.
علموا أن ثمّة أمصال مضادة للدغ العقارب والأفاعي، وإنه لولا بُعد المسافة لكان جلّ الذين ماتوا ملدوغين أحياء بينهم الآن. وطالبوا بتوفير المدارس التي حُرم منها أبناء أرض الميّت حتى ذلك الوقت، ورغم قناعتهم التامة بتفاهة التعليم؛ إلاّ أنّه أصبح من إحدى الضروريات الطارئة. وطالبوا بمد خط سكة حديدية تربط بينهم وبين المدن الرئيسية القريبة: كحلفا ودنقلا وكريمة وبورسودان.
وطالبوا ببناء مركز بريدي خاص بالقرية ليُسهّل عليهم إرسال واستلام رسائل المغتربين التي لا تصل –في الغالب- إلاّ بعد تاريخ تحريرها بأشهر. قلت في نفسي: "كل ذلك ينقصكِ يا أرض الميّت؟ متى عرف الناس بحاجتهم إلى هذه الخدمات؛ ولم يحتاجون إليها من قبل؟" وخمّنتُ أن القرية تستشرف عهداً جديداً من الانفتاح والتطوّر.
بعض مظاهر الحياة البدائية رفضت أن تبارح أجزاء القرية المهترئة، وأيقنت أنها سوف تنتقل معنا إلى عهود أخرى أكثر حداثة، لأنها بطريقة ما تمثل إحدى سمات القبائل النوبية، وتعبّر عن تراثها الذي يعتزون به.
وفي الوقت الذي نمت فيه صهاريج المياه وانتصبت على التلال كأذيال العقارب السامة، كان لا يزال الناس متمسكين بالنهر، تربطهم به علاقة لا يُمكن تفسيرها.
أصبح شرب مياه الصهاريج إحدى أمارات الاستعلاء والبذخ، ومحاولات التنصل عن القديم. وببعض المواقف الحاسمة، عرفت أن القرية قد بدأت في الانقسام إلى شقين: شق حداثي يحلف برونق المستقبل الذي سوف يكون أكثر إشراقاً، وشق كلاسيكي ظل متمسكاً بأسلوب حياته التي اعتاد عليها. وبين المحافظين والتقليدين سارت الأمور في طريقها إلى الوضوح، وأُضيفت بعض التصنيفات الجديدة على هيكلة المجتمع القروي.
كانت تلك الحقبة التي ظهرت فيها العديد من المنتجات الحديثة؛ فظهرت الكوكاكولا في القرية لأول مرّة، وفي البدء لم ترق الكوكاكولا لأهالي القرية ولا حتى لأطفالها؛ وفيما استعمل الأطفال رغوتها في اللعب والتراشق بالمياه الغازية؛ اعتبرها كبار السن من الموبقات، حتى أن بعضهم كان يُضطر لإعادة الوضوء بعد شربها.
وظهر التبغ المستورد، وأوراق اليانصيب، وقناني العطر البخاخة، والنظارات الشمسية، والشموع الملوّنة، وأصابع الحلوى المغلّفة، معجون الأسنان بعد أن كانوا يستاكون بالفحم. أصبحت العديد من المنتجات والكماليات التافهة بعد ذلك من الضروريات التي لا يُمكن الاستغناء عنها.
لم ألحظ حركة الانشقاقات الاجتماعية التي تركت أثرها ببطء في القرية وأنماط حياتها؛ إلاّ عندما أعلن العمدة علي فانا عن رغبته في إرسال دفعة من أبناء المنطقة الدارسين للقرآن إلى الأزهر الشريف. ربما خشي العمدة -على نحو ما- انعدام أئمة المساجد وعلماء الدين من القرية؛ لاسيما بعد موت الكثير منهم في سنوات المجاعة الأخيرة، والهجرة إلى شمال الوادي.
قال: "إن خلو القرية من هؤلاء أمارة لعقاب إلهي قادم حتماً"، ورأى أن ذلك من شأنه أن يخلق نوعاً من التوازن في القرية التي استشرى فيها الفساد!
إذ ذاك؛ لاحظت أن موازين القرية اختلفت كثيراً عما كانت عليه في السابق؛ فلم تعد القرية مقسمة إلى أثرياء وعلماء دين ورعاع، إنما أصبح منها: التجار وموظفو الحكومة وطلبة المدارس؛ إضافة إلى أهالي المغتربين وذويهم. وهؤلاء صنعوا الفارق الجوهري في القرية بعد ذلك.
في تلك الفترة بلغت عواضة بصيلي زوجة حسن فنتي العمدة مراحل متقدمة من الهستيريا الحزائنية الخاصة، ولم يعد الأمر بالنسبة إلى أهالي القرية مجرّد امرأة فُجعت في زوجها، بل بلغ الأمر مبلغاً أخطر من ذلك بكثير.
إصرارها على البقاء إلى جوار قبر زوجها أفقدها عقلها، ولطالما حذرها الأقارب من وحشة المقابر ليلاً، وكيف أنها تغدو مرتعاً خصيباً للجن الذين ينزلون بعد مغيب الشمس من سفوح جبال ميمي للإقامة بها.
بعض الرجال الذين يُعاقرون الخمر على أطراف النيل، نقلوا ما سمعوه من صرخات أنثوية مخيفة قادمة من الضفة الأخرى، ولكن أحداً لم يجرؤ على الذهاب إلى هناك حتى في الصباح. وفي رغبة فضولية فريدة صممت على المشاركة في دفن إحدى موتى القرية علّي أرى عواضة بصيلي بعد أن أصابها المس؛ ولكن أحداً لم يرها على الإطلاق.
قال الناس: "إنها تختفي صباحاً، ولا تظهر إلا ليلاً تماماً كالعفاريت". أصبح الناس يتحاشون ذكرها أمام بناتها الأربع اللواتي مازلن على قيد الحياة. وجاء على لسان البعض أنها أصبحت سحّارية تختفي في كهوف الجبال ليلاً، وتهيم على وجهها طوال الليل تأكل مما قد يتيّسر لها اصطياده من أرانب وماشية تسرقها من زرائب القرية خلسة.
أحد النوبيين الكلاسيكيين الذين عاشوا في فترة ما قبل النكبة، حاملاً تواريخه السبعين فوق حاجبيه، رافضاً كل مظاهر الحداثة هو: العم سَمِل، الذي يتكلّم النوبية بلكنة مصرية محببة.
في واحدة من جلساته التي اعتاد عليها بعد صلاة العشاء على عتبة بابه كان يُمسك بناي مصنوع من القصب، يعزف عليه برقة تحمل كل الشجن الذي تربى في حجره منذ صغره، ولأنني لم أستطيع مقاومة الموسيقى؛ فقد جلست إلى جانبه وهو يعزف مقطوعته الحزينة بكل صدق.
شعرت بأن روحه تدخل وتخرج من بين ثقوب الناي. كان عزفه كالكلام العذب الذي لا يُمل. ولم يكن يقطع وصلته الموسيقية حتى للرد على سلام العابرين. يقول دائماً: "السلام: كلام، والموسيقى هي الوحيدة القادرة على منح السلام الحقيقي!"
هو الوحيد في أرض الميّت الذي عشق الموسيقى، وأجلّها كما لم يفعل أحد. أعجبتني فلسفته تلك التي لم تخل من شغف استثنائي إلى الحد الذي جعلني أطلب منه أن يُعلّمني عزف الناي. قال لي يومها: "إن أردتَ أن تتعلّم الموسيقى؛ فعليك أن تحبها قبلاً. وإن أردت أن تحبها فعليك أن تحب هذا العالم قبلاً. وإن أردت أن تحب هذا العالم؛ فعليك أن تحب نفسك قبلاً. وإن أردت أن تحب نفسك؛ فعليك أن تعرفها جيداً. وإن أردت أن تعرف نفسك؛ فعليك أن تصغ إلى الموسيقى بصفاء سريرة؛ ولا يتأتى ذلك إلا بكل ما سبق!" ثم ضحك بصوتٍ عال وأضاف: "الموسيقى عقل الكون المسموع".
كنت وقتها على أعتاب الرابعة عشر؛ وفضولي الطفولي ما يزال يلازمني دون أن يكبر، مستشعراً حوجتي للمعرفة. المعرفة والفضول شيء واحد. الفضول معرفة بالضرورة، لأنه يُمثّل الرغبة في المعرفة، ولكن عندما يتوفر الفضول الكامل يتجسّد السؤال على الفور: "ماذا تريد أن تعرف؟" عندها فقط يُمكننا أن نفرّق بين المعرفة والفضول؛ فيصبح الفضول خصلة خاصة، والمعرفة خصلة عامة. وإن عرفنا الفارق بين الفضول والمعرفة؛ نكتشف أن السؤال الحقيقي المتجسّد هو: "لماذا تريد أن تعرف؟" هذا ما تعلّمته من العم سمل منذ سنوات طويلة.
بعد أن انتهى العم سمل من مقطوعته الموسيقية، وبعد حديث جانبي لم يخلُ من مُجاملة، طرحت سؤالي الفضولي معتمداً على ملامحه المتسامحة:
ـ هل صحيح أنك من أصول مصرية يا عم سمل؟
ـ يا بُني .. ما نحن جميعاً إلا نوبيون؛ النوبيون ليسوا بسودانيين ولا مصريين.
ـ ولكن لكنتك مصرية.
ـ ليس ذلك فحسب؛ بل إن اسمي بالكامل هو: سمل عباس المصري.
ـ إذن؛ فأنت مصري!
ـ لستُ إلاّ نوبياً عاش في مصري فاكتسبتُ اللكنة المصرية. في أزمنة غابرة –يا ولدي- ساهم أجدادنا في ثورة عرابي التي قامت في مصر. ولقب (المصري) ما كان إلاّ مكرمة أسبغها قائد الثورة على الذين ناصروه كعربون عرفان وامتنان. أطلق عليهم (مصريين) ليُميّز بينهم وبين الأجناس الأخرى الموجودة؟
ـ أجناس أخرى؟
ـ أجل! أتراك وأرناؤوط وشركس وألبان. لقد رأى الزعيم عرابي أن أنصار ثورته أحق بالمصرانية من هؤلاء الذين يُنكّلون بالفلاحين البسطاء؛ فأطلق عليهم اللقب تكريماً لهم فقط.
ـ ظننتُ أن القبائل النوبية قبائل لا عهد لها بالحروب. ألسنا قبائل مسالمة إلى حد الخور؟
ـ مسالمون؛ نعم! ولكننا لسنا جبناء. لقد شارك أجدادنا في ثورة أحمد عرابي وقاتلوا بشراسة، وشاركوا في دحر حملة النجومي جنباً إلى جنب مع المصريين والإنكليز، وشاركوا كذلك في حروب فلسطين والسويس، وكانت بلادنا –دائماً- ملاذاً لكل من يطلب السلام والحماية؛ لقد حمى النوبيون أبناء مصر المسيحيين والمسلمين على السواء من جور وظلم الحكام على مرّ العصور الإغريقية والرومانية وحتى العهد التركي. لسنا جبناء أو خوّارين.
كلماته تلك بعثت في جنباتي القاحلة كثيراً من الحماسة والفخر، وحمدت الله أنني نوبي عزيز. لقد غيّرت كلمات العم سمل نظرتي للنوبيين كثيراً، وتمنيت أن يكون صادقاً فيما قاله، فلم تكن الدلائل على مجد التاريخ النوبي قاطعة؛ إلا فيما خلا الآثار التي سمعنا عنها في المعابد والمقابر الملوكية وتلك المدفونة تحت رمال مَرَوي البائدة وفي مكان ما من أرض الميت.
إنه لشعور عظيم أن تتعرّف على تاريخك، وأن يكون ذلك التاريخ مشرقاً كما خلّفه الأسلاف، وتساءلت: "هل ما شعرت به فخر زائف أم إحساس أصيل بالانتمائية؟"
وبدافع الفضول كذلك سألته يوماً عن حلمه الذي يتمنى تحقيقه، فأجاب: "لكي نحقق ما نريد لابد أن نعمل، وأول طريقة للحلم هو أن تنام لا أن تعمل؛ لذا لا أحب الأحلام!"
أعجبتني فلسفته تلك كثيراً. الحياة تهب لكبار السن منظاراً مقعراً يرونه العالم من خلاله بشكل أكثر وضوحاً.
أتذكر الآن ما كان يظنه أهالي أرض الميّت بعيني جلال التمتام الجاحظتين. يالبساطة الفقراء والجهلة! رأيت أنه من الضروري أن أتعلّم عزف الناي من العم سمل المصري.
ـ أريد أن أتعلّم منك عزف الناي وحب الموسيقى.
ـ أما الأولى فنعم، وأما الثانية فلا.
ـ ولم لا؟
ـ ما رأيك أن أعلّمك حب أكل الذباب؟
ـ الذباب؟ وهل يؤكل الذباب؟
ـ قد أعلّمك صيدها.
ـ ولكنني لن آكلها حتى وإن تعلّمتُ صيدها.
ـ وهكذا قد أعلّمك عزف الناي، ولكن لن أستطيع أن أعلّمك حب الموسيقى. نحن لا نتعلّم حب الأشياء؛ وإنما نتعلّم الوصول إليها ومعرفتها. الحب –يا ولدي- ينبع من ذواتنا الحرّة، ولا نتعلّمها. إذا كنت تريدني أن أعلمك الموسيقى فعلاً؛ اذهب فأحبها وتعال!
في البدء شعرتُ بأن كلامه ذلك ليس سوى طريقة مهذبة منه للتخلص من فتى لحوح، والتملّص من تعليمي؛ ولكنني اعترف الآن أنه كان صادقاً ومتفانياً معي إلى الحد الأقصى، وأنه أراد لي أن أتعلم كيف يجب أن تسير الأمور بطريقة صحيحة.
imported_هشام آدم
29-02-2012, 04:44 PM
لم يكن اليوم الذي زار فيه الرئيس المناطق النوبية يوماً مثالياً على الإطلاق؛ فمنذ الصباح الباكر لازم سوء الطالع أهالي القرية: إذ وقع حمار الطحّان في جدول مائي، وكسر ساقه، وأمضى هو نصف النهار في محاولة لإخراجه. وجرح العمدة علي فانا يده وهو يبري عصىً يستعملها لمُساعدته في استخراج الصملاخ من أذنيه.
ووقعت نخلة على زريبة متهالكة في الأصل، وأهمل أصحابها صيانتها، فقتلت جدياً وأمّه. وسحب التيار النهري الجارف قارب همّد (والد عبد السلام المحسود على قُبلة الخواجية)، وجرفه إلى مكان بعيد.
وأسقطت إحدى النساء جنينها وهي في الشهر الخامس من حملها. واستيقظ خمسة أطفال مصابين بحُمى النيل، ولكن الأمارة الأكثر شؤماً يومها كان سقوط سارية الرحمة. خمنتُ أن ذلك اليوم يوم نحس؛ رغم أنه صادف سقوط آخر أسناني اللبنية.
نأخذ الأسنان ونزيل عنها آثار الدماء المتبقية ثم نستقبل الشمس وقت زوالها ونرمي بها إليها. ولأننا نكون في قبالة الشمس فإننا لا نرى أين تقع، كنا نؤمن بأنها لا تقع وأن الشمس تتقبّلها بحنو، وتسعى من فورها لتحقيق الأمنيات لصاحب كل سن مرسلة إليها. أذكر أننا كنّا نقول قبل أن نقذف بالسن: "يا عين الشمس؛ ها نحن نعطيك سن الحمار، فأعطنا سن غزال."
وفي المواسم المشئومة كتلك يوقد أهالي أرض الميّت النار في ميدان القرية الرئيس، ويُلقون ثيابهم القديمة، وأعواد الزان، وشعور الماعز، وسعف النخيل وبعض الأوراق اليابسة، ثم تبدأ النساء بالنياحة برأس مكشوفة، والرجال بالهمبيق المخصص لهذه المناسبات.
يُقال: إن إشعال النيران يطفئ غضب الرب، ويُشعر القلوب بالخوف والرهبة، وهي إذ ذك تصبح أكثر شفافية وأقرب إلى الطاعة والخشوع. أشعل الأهالي النار، وناحت النائحات، وهمبق الرجال حافيّ الأقدام حتى أذان الظهر. عندما جاءت سيارات الحكومة التي ثبتت مكبّرات الصوت على أطرافها المعدنية البارزة، وطافوا بالقرى النيلية، هرع الجميع إلى منازلهم، وأخذوا يستعدون للخروج إلى مدينة حلفا دغيم لملاقاة الرئيس.
كنتُ ما أزال أستشعر النحس في ذلك اليوم، ولم أستقبل الشمس لأقذف سني نحوها، ولم ابتهال، ولم أحتف بتلك الطقوس؛ فذهني كان منصرفاً عن ذلك إلى ما يدور في القرية، وخمّنتُ أن سني اللبنية اختارت التوقيت غير المناسب للسقوط. تساءلت يومها: "لماذا يأتي كل ما يخصني في الوقت غير المناسب؟"
خرج الرجال أفواجاً لملاقاة الرئيس، بينما تُرك الأطفال وبعض النساء في القرية. لم تخل القرى النوبية من رجالها إلاّ في المواسم النادرة؛ لذا فإننا اعتبرناها مناسبة خاصة وجيّدة للاحتفال.
تمنيتُ أن أجد قارباً واحداً على جرف النهر، حتى أتمكن من عبور النيل، ورؤية مصدر تلك الصرخات المرعبة، ولكن كل القوارب كانت قد غادرت محمّلة بالرجال وأقمشة التيل البيضاء المكتوبة عليها عبارات ترحيبية بالرئيس الزائر.
خرج الهدوء من أثوابه عارياً يجول في القرية، يُوقعّ على كل الجدران. يدخل من بين المسامات الطينية، ومن تحت الأعتاب، ويتسلّق النخيل، ويسبح في النيل كأي فرد من أفراد القرية.
هدوء من نوع آخر مخيف، ومُوتّر؛ ليس كالذي تمناه شيخ القرية ذات يوم ليرقي ولده ويقرأ عليه آية الكرسي بخشوع العناية الأبوية، وليس كالذي تمنيته ليلة عرس لأسمع فيه أصوات الصراخ الآتية من وراء النهر، وكأنها أصوات أرواح محبوسة في برزخها.
تاتا حليمة التي أصبحت العمدة بغياب زوجها، وقفت وقفتها الرجولية، وصرخت في فتيان القرية بطريقة آمرة: "أصلحوا سارية الرحمة قبل عودة الرجال في المساء، وإلاّ حلّت علينا اللعنة!" وهرع الجميع إلى هناك، وعملوا بجد حتى أقاموا السارية، وأعادوا نصبها مرّة أخرى.
كانت الدماء لا تزال تُلطّخ لحاء السارية الخشبية، وتضوع منه رائحة نتنة يعشقها الجميع؛ لأنها تُمثل إرثاً عزيزاً. أنا الوحيد الذي لفتتُ طرفاً من عمامتي على أنفي لكي لا أشم ذلك النتن. قلتُ: "لا يُمكن للرحمة أن تأتي من فعل غير رحيم!" ونعتني الصبيان بالخبل والزندقة. قال أحدهم:
ـ كيف لا يكون درء الوحوش والتماسيح وإيواء أرواح الأطفال الطليقة رحمة؟
ـ كيف يكون تعليق الحيوانات التي لم تمت رحمة؟ أليس من الأولى مداواتها؟
ـ هل نجد ما نداوي به أنفسنا حتى نداوي البهائم؟ تلك بهائم سقيمة لا نفع منها، نفعها أن تكون كما أراد لها الأسلاف، ولن نعي -نحن الصغار- حكمة الكبار.
ـ الكبار كانوا صغاراً يوماً ما، ولو أنهم امتلكوا الحكمة المطلقة، لعاشوا حتى اليوم! أفضل أن تلتهمنا التماسيح على أن يلتهمنا الجهل والروائح النتنة.
وبين ما أؤمن به وما يؤمن به بقية الصبية ثمّة حائط زماني غليظ، وكأننا نتكلم بلغتين مختلفتين؛ لذا فإنني رفعت طرف العمامة إلى أنفي، وقوّمت السارية مع الجميع.
لم أكن راضياً عن القيام بأعمال لست مقتنعاً بها، ولكن رهاب مخالفة الجماعة كان أقوى من كل قناعاتي اليافعة. قلت في نفسي: "ليس هذا هو الشيء الوحيد الذي نفعله عن غير قناعة، فهاأنذا أعشق أكل التركين المُملّح!"
تساءلتُ وقتها: "ما الذي يجعلنا نتفق حول أشياء، ونختلف حول أخرى؛ رغم أننا ننتمي إلى ذات الأرومة القبلية والثقافية؟ لقد تشرّبنا إرثاً واحداً، وجلس جميعنا إلى الجدة مِسكة، وسمعنا عنها ذات القصص الأسطورية، وزجَرَنا الكبار عن ارتكاب أشياء، وعن ترك أخريات! كيف يكون الشيء خيراً وشراً في الوقت ذاته؟ هل الخير والشر روحان تسكنان أدمغة الناس، وتعيدان نسق المعايير والإحصاء؟"
في وقت لاحق من ذلك اليوم، وقبل عودة الرجال، كنت أنا وأحد الصبية ممدين على رمل الشاطئ مستظلين بسخاء ما ترميه أشجار النخيل واللبخ والسدر من ظل وافر. أدهشني الشبه المفرط الذي وجدته بين رأس شجرة سدر عجوز ورأس حمار العمدة. ضحكت وقلت:
ـ انظر إلى رأس شجرة السدر تلك؛ ألا تُذكرك برأس حمار العمدة؟
ـ كنتُ على وشك أن أقول: إنها تشبه رأس أفعى كوبرا متحفّزة.
ـ ولكني أراها كرأس حمار العمدة.
ـ من مكاني هذا تبدو كرأس أفعى كوبرا متحفّزة.
ولعلي لم أكن لأصدقه لولا أنني نظرت إليها من مكانه، فوجدتها تشبه رأس أفعى كوبرا متحفّزة فعلاً. وضحك هو الآخر عندما جلس مكاني، وقال: "إنها كرأس حمار العمدة كما وصفتها". قلت عندها في سرّي: "الأشياء لا تشبه شيئاً إلا من زاوية ما نراها فقط، ولكن أين كنتُ وكانوا عندما اختلفنا حول الرائحة النتنة التي يبثها لحاء سارية التمتام؟"
وللمرة الأولى عرفت أن للحقيقة أكثر من وجه واحد. كنتُ أنا وهو على حق في ذات الوقت الذي رأى كلانا الآخر على خطأ. أدهشتني المقاربة، ولكنني لم أمنح نفسي قليلاً من التأمل.
في غفلة من اللحظة الهادئة التي كنت وصديقي نستمتع بها، اعترتني رغبة جارفة أن أنزل إلى النهر. أوحى لي بذلك صوت اللقالق وهي تمرّغ مناقيرها الطويلة في الماء، وتضرب بجناحيها بقوة. كشفت عن ساقي، ومشيت بضع خطوات داخل الماء، كانت كفيلة أن تُشعرني بالدوار، وكدتُ أن أسقط. صرخت:
ـ الأرض تتحرك!
ـ الأرض لا تتحرك، يُخيّل إليك ذلك.
ـ قلت إنها تتحرك! هل كان يُخيّل إليّ أنني مصاب بالدوار؟ لقد كدتُ أسقط فعلاً.
ـ أنا لا أشعر بالدوار، ولا الأرض تتحرك تحت قدمي. ربما حركة الموج هي من أوحت لك بذلك.
وللمرة الثانية؛ عرفت أن للحقيقة أكثر من وجه واحد. الخير والشر مجرد توهمات ذاتية، لا وجود لهما إلا في مخيلتنا نحن فقط، والوهم هو الحقيقة الوحيدة الكبرى والأكثر وضوحاً، ومنذ تلك اللحظة، وأنا أراقب المتناقضات التي من هذا النوع.
لسبب فضولي أو ربما رغبة في اكتشاف أمر ما، لا أدري؛ ولكنني أذكر أنها كانت اللحظة التي بدأت فيها بتصيّد الحقيقة والوهم، والخير والشر وحركتهما في كل ما أراه. كثيراً ما شعرت بعبثية ما أقوم به، وكنت أقول لنفسي: "لماذا أرهق نفسي بفهم أشياء كهذه؟ نحن نتكلم باعتيادية؛ حتى وإن جهلنا ميكانيكية الكلام والأصوات. كلنا نتكلّم: العارفون والجاهلون على حدّ سواء؛ إذن فما قيمة المعرفة؟" ثم تأتي لحظات مخيفة تُشعرني بأن مفهومنا عن القيم هو ما يُدير الصراعات الكبرى التي كانت تعيشها أرض الميّت.
الوحيد الذي كنت آمل أن ينتشلني من وحل الأسئلة الحلزونية تلك: قرناص، ولكنه سافر إلى الخرطوم لدراسة الجامعة، ولم يكن يأتي حتى في أجازات الصيف المعتادة. واستغلت فتحية بشارة ذلك وسافرت معه ولحقت بزوجها عبد الشافي خليل.
imported_هشام آدم
29-02-2012, 04:48 PM
الرجال الذين عادوا مساءً، اجتمعوا في سرايا العمدة، وبدأت أصواتهم تتعالى وهم يناقشون ما تمّ في زيارة الرئيس، ووقفنا -نحن الأطفال- تحت نوافذ السرايا العالية نسمع ما يدور بينهم بحذر شديد.
تحدثوا عن رغبة الحكومة المصرية في بناء السد العالي، وما قد يُسببه ذلك من ارتفاع منسوب النيل، وإغراق المناطق الواقعة في ظل السد، وضرورة الهجرة وترك المنطقة. وحكوا عن الشعارات التي رددها أهالي حلفا دغيم في مظاهراتهم التي قاموا بها هاتفين: "حلفا دغيم ولا بيروت".
وفيما كان الرجال يُناقشون تأثيرات السد العالي المُحتملة وامتداد فيضان النيل؛ دخلت تاتا حليمة وصرخت في الجميع: "لن نترك ديارنا ونخيلنا؛ وإن غرقنا معها. ناقشوا أمراً آخر."
كالثعابين التي تخرج من جحورها ليلاً باحثة عن فريسة تلتهمها؛ خرجت هواجس الكِبار والتهمت ضحكات الأطفال وأحلامهم الصغيرة. وغدت الهجرة شغل أهل القرية الشاغل. بعضهم قال: "لقد وعدتنا الحكومة بأرضٍ وبيوت حجرية في أماكن أخرى لا تبعد كثيراً عن هنا، ما الذي يربطنا بهذه المنطقة؟ يُمكننا أن نزرع في أيّ مكان آخر، سيعيش أطفالنا بأمان هناك؛ حيث المدارس والمراكز الصحيّة والخدمات. ماذا نريد أكثر من ذلك؟"
بينما وقف آخرون: "لن نترك أرض أجدادنا ونخيلنا ونعيش في ضنك من أجل أن ينعم المصريون بالكهرباء والتنمية، إنه مخطط لدفننا ودفن تراثنا حياءً، ولا يجب أن تنطلي علينا هذه الحيلة، فما تنوي الحكومة فعله هو جريمة إنسانية بشعة. منذ متى تهتم الحكومة بالنوبيين؛ لقد ظلّ النوبيون مهمّشين على مدار قرون، لماذا يهتمون لأمرنا الآن؟"
ابتلع همّ السد العالي ـ ذلك الوقت ـ هموم أهالي أرض الميّت والقرى النوبية، ولم نعد نسمع شيئاً آخر غير موضوع السد والهجرة المتوقعة. واختفت أخبار المهاجرين الذين ابتلعتهم جبال أسوان ورمالها الموحلة، وحتى الشباب الذين أرسلهم العمدة إلى الأزهر الشريف لدراسة القرآن والعلوم الدينية لم يعودوا إلى القرية مرّة أخرى.
حلّ عهد جديد من النوستالجيا على القرية التي لم تخلع ثوب حدادها القاتم منذ عشر سنوات، حاول خلالها أهالي القرية أن يسترقوا لحظات الفرح استراقاً، فبالغوا في المجون والطرب في مناسباتهم السعيدة، وكأنها لن تعود مرّة أخرى.
ودونما سبب يُذكر بدأت العائلات النوبية تطلي جدران بيوتها الطينية بالجير الأبيض، وتُكثر من زيارة المقابر، وتُسوّر مزارع النخيل بالحجارة الكِلسية. بدا وكأنهم يغازلون المكان غزلاً من نوع آخر، أو ربما حاولوا أن يودّعوا قراهم على طريقتهم الخاصة، تماماً كما نفعل بالموتى قبل دفنهم، نغسّلهم ونبخّرهم بالأطياب والعود ثم نواريهم الثرى!
ترك نبأ الهجرة في قلوبهم نكتة سوداء مظلمة انعكست على كل شيء حتى مواعيد نومهم واستيقاظهم صباحاً. علّقوا على أبواب منازلهم القلائد والخرز الملّونة، ودعوا الله أن يُزيل الغمّة ويفرجها من عنده بمعجزة سماوية، واستعصم البعض بتلّة آل كلس المباركة، وزرعوا ما حولها بالحناء والزعفران.
بدأنا نرى الشياطين البيضاء كثيراً تلك الآونة، عابرين بسياراتهم المكشوفة، أو متجوّلين عند حواف النهر حاملين عددهم الغريبة، وجاء رجال الدولة ببذلاتهم النظيفة، وربطات أعناقهم الملونة، وشيّدوا في بضعة أيام بناءً له شكل غريب أقامت فيه مجموعة من الشياطين البيضاء.
لم يجرؤ أحد من أهالي القرية على المرور بقرب مقرهم ذلك، واكتفوا بمراقبتهم من بعيد، غير أنّ أحداً لم يعلم ما يقومون به. عرفنا أنهم ما جاءوا إلا لأجل أمر متعلّق ببناء السد، وكنا -رغم ذلك- ننظر إليهم ونتعامل معهم كضيوف كرام على القرية.
لم تتهاون النساء في ملء جرارهن الصفيحية من الصهاريج ومدّهم بالماء الذي يريدون، وحملن بعض ثمار السدر والبلح في صوان مصنوعة من الحبل.
أذكر أنهن تعاقبن لثلاث ليال متتالية على إعداد وجبات الطعام التي أطلقوا عليها اسم "وجبات السد"؛ وحرصن فوق كل ذلك على ألا يعبث أطفالهن بمعداتهم عندما يتغيّبون في ساحات الراحة.
تترك الفتيات صواني الطعام المُغطاة بقطعة قماشية على عتبة المبنى الغريب، ثم يطرقن الباب ثلاثاً وينصرفن راكضات؛ ويعدن بعد ساعة ليحملن الأطباق الفارغة. تفعل نساء القرية كل ذلك بإشراف مباشرة من تاتا حليمة التي لم تتهاون يوماً في مواعيد تقديم وجبات السد، وتشعر بالمرارة عندما تجد أن بعض الأطباق عادت كما هي، فتقرر ألا يُطبخ ذلك الصنف مرّة أخرى خشية ألا يكون قد راق للشياطين.
هارون عزيزة الذي صرّح بموافقته على الهجرة؛ برر موقفه بأنه ينظر إلى أبعد من أنفه. حاول إقناعنا بأنه من العدل أن يهاجر النوبة ليروا الحياة التي حُرموا منها طوال السنوات الماضية. أشار بإصبعه جنوباً وهو يقول: "هناك تكمن حياة أخرى لم نألفها، ولكننا نستحقها. لماذا يجب علينا أن نبقى تحت ظل هذا العالم؛ في حين أنه بإمكاننا أن نقف على شرفتها ونحيا كما يحيا بقية الناس؟"
دبّ الخلاف بينه وبين علي فانا، وبدأ –بدوره- يبث بين أهالي القرية أن العمدة يرفض الرحيل والهجرة لشيء في نفسه متعللاً بالتراث. أضاء –بخبث- جوانب لم يضعها البعض في حسبانه؛ رأى أن رفض العمدة وغيره من أعيان القرية يُعبّر عن تشبّث هؤلاء بمكانتهم الاجتماعية التي خلقت عبر السنوات بوناً واسعاً بينهم وبين البسطاء من أهالي القرية.
"لقد تعهدت الحكومة ببناء منازل تعويضية، حيث يسكن الجميع في مبان متشابهة ونظيفة؛ بدلاً من أن يسكن البعض في مساكن من الطوب فيما يسكن البقية في مساكن تنبعث منها رائحة روث البهائم النتنة. وبدلاً عن فوانيس الزيت التي يتبادلها أفراد الأسرة الواحدة، سوف ينعم الجميع بالكهرباء، ألا ترغبون بالحياة الكريمة؟".
رغم كل المحاولات التي بذلها هارون عزيزة لإقناع أهالي القرية بالهجرة؛ إلا أنهم لم يستطيعوا الخروج على العمدة وعصيانه. شعر الجميع بالخوف والرهبة من الحياة الجديدة التي لم يعتادوا عليها.
الهجرة ليست فقط رحيل عن المنازل والأماكن، بل انسلاخ من كل شيء، ومحاولة للحياة مرّة أخرى! يشعر أحدنا بالإحباط عندما يجد نفسه مطالباً بنسيان تاريخه وخلق تاريخ جديد.
البدايات دائماً صعبة؛ بل ومحبطة للغاية، كما أنّ أحداً لم يقتنع بضرورة أن يتساوى مع العمدة رغم أنّ ذلك كان حلماً راود الكثيرين منهم، وأنا منهم، ولكن يبدو أنّ الأحلام تأخذ شكلاً مخيفاً عندما تُوشك على التحقق.
لم أستطع أن أُحدد موقفي من الهجرة بشكل واضح ذلك الوقت، فكل فريق ساق معه منطقاً لا يقبل المجادلة. الذين رفضوا الهجرة اعتمدوا في ذلك على حقهم الأصيل في الحياة حيث يُريدون، وحيث وجدوا أنفسهم وألفوا أسلافهم، وحيث زراعتهم وذكرياتهم، ورفضهم أن يكونوا قربانين للحكومة تتقرّب بها زلفى إلى مصر، وتطلب ودّها من خلاله. رأوا في الهجرة اجتثاثاً لهم من جذورهم وأصولهم، وخطة ماكرة لعزلهم وتهميشهم مستقبلاً عبر إفناء هويتهم التاريخية وإرثهم الحضاري.
والذين لم يروا غضاضة في الهجرة آمنوا أنّ الإنسان هو من يصنع الحضارة، وأنه بإمكانه أن يصنعها في أيّ مكان. لم يعتبروا الهجرة قطيعة ثقافية؛ طالما أنّ الإنسان النوبي لن يفنى بفناء أرضه.
رأوا أنّ الحياة الكريمة التي سوف تتوفر لهم تستحق المجازفة ببعض الآثار التي ظلّت مجهولة لسنوات لم تنفعهم من قبل، ولن تنفع أبنائهم من بعد.
ربما فكّروا في الأجيال القادمة التي لم يشاءوا لها أن تعيش نفس الحياة القاسية التي عاشوها وعاشها أسلافهم من أجل قطعٍ من الحجارة لا قيمة حقيقة لها. ما قيمة الآثار الحضارية إن كان الإنسان نفسه لا قيمة له؟ ما نفعها إن كان الإنسان يموت جوعاً وجهلاً إلى جوارها؟ هل سيقتات الأطفال والبهائم على الصخور أو الرسومات المنحوتة عليها؟
ذكرتني حماسة هارون عزيزة في حضّ الناس على الهجرة، تلك الحماسة التي روتها لنا الجدة مسكة في فتكه بكلب التمتام في شبابه. وكانت نبوءة التمتام سبباً في صرف أعداد كبيرة من الأهالي عن دعواته للهجرة؛ إذ فسّر البعض أن يكون ميله للهجرة خيانته الثانية؛ غير أنه استطاع أخيراً أن يقنع نفيراً غير يسير من أهالي القرية بما يقول. أجمع هؤلاء على ضرورة الرحيل، وتشبثوا بحقهم في الحياة الكريمة طالما أنهم لا يجدونها حيث هم الآن.
قالوا: "فلتذهب الحضارة البائدة إلى الجحيم؛ لقد ولّت وانتهى عهدها على أيّة حال. آن لنا أن نعيش كما يعيش بقية البشر. ماذا نفعل هنا على هذه الأرض الجرداء؟ شريط صخري ضيّق بين نهر يبتلع عشرات الشباب، وجبل مسكون بالعفاريت التي تختطف عشرات الفتيات كل عام! نتقاسم الحياة مع الهوام والدواب. ألم يئن لنا أن نسكن بيوتاً من الحجارة، وننعم بماء نظيف يأتي عبر الصنابير، ويمتلك كل واحد منا حماراً وحظيرة؟ أم يتوجب علينا أن نظل دائماً -نحن وأبناؤنا- تحت رحمة العمدة وأبناء كلس حتى نموت؟"
ورغم أنني لم أستطع أن أُحدد موقفي بشكل حازم إزاء الهجرة؛ إلا أنني تعجّبتُ موقف المصريين الذين لم يجدوا غضاضة في إغراق أمة قدمت لهم -ذات يوم- أرواح رجالها وشبابها إبان ثورة عرابي التي حكى لي عنها العم سمل، ذهبتُ إليه لأسأله، ولم أجد عنده رداً على تساؤلاتي. ربما كان في حيرة من أمره هو أيضاً.
بحثتُ عن الخير والشر في أمر السد والهجرة، فوجدتني أقف حائراً كما وقفتُ من قبل أمام لحاء سارية الرحمة. هاهو الأمر يتجدد ثانية وكأن حياة الإنسان لا تقوم إلاّ على صراع هاتين القيمتين. قلت: "هل تكون الهجرة خيراً وشراً في ذات الوقت؟"
ولم أجد إجابة على تساؤلي، ولم أرهق نفسي كثيراً في البحث عن إجابة. أسرني رهاب مخالفة الجماعة من جديد، وشدّني إليه بحبل غليظ، ولم أمنح نفسي قليلاً من التأمل.
تذكرتُ وصايا العم سمل؛ غير أني لم أجدها متسقة مع ما يجري، أو أنني لم أعرف أن أرتّب الأشياء كما ينبغي. بدت لي حلقة مفرغة، متاهة لا تفضي إلاّ إلى متاهة أخرى.
أعرف نفسي كي أحبها، وأحب نفسي كي أحب هذا العالم! كيف يمكنني أن أجمع بين حبي لنفسي وبين حبي للعالم؟ هاهو العالم ينوي أن يسلبني حق الحياة، فكيف أحبه؟ وكيف أحب نفسي دون أن أرى في ذلك أنانية تجاه العالم؟ ثم كيف يُمكن للموسيقى أن تُحل مشكلة الهجرة، وتنقذنا من ورطة الخير والشر.
نهاية الفصل الرابع
imported_هشام آدم
04-03-2012, 11:02 AM
لم يزل أهالي أرض الميّت حتى ذلك الوقت يخرجون إلى النهر، وينشدون الأناشيد، ويُرددون الابتهالات، وينثرون الدقيق الأبيض حول حواف النهر، ويرشون أنفسهم ببعض مائه، ويرسمون على الضفاف الرطبة بعض الرموز القديمة -التي يُقال إنها تصرف البلاء- مستخدمين في ذلك حجارة ذات أحجام مختلفة؛ بينما يقف الشياطين البِيض بعيداً يُراقبون ما نفعله باهتمام بالغ.
عجبتُ كثيراً لفضول أولئك الشياطين وشغفهم لمعرفة كل شيء، واعتبرتُ ذلك من قبيل التسلية أو السخرية. لاحظتُ أن كلاب القرية كانت تنظر إلى كلاب هؤلاء الشياطين بارتياب، وتشمّ مؤخراتها بحسّ بوليسي نادر، وفيما تنام كلاب القرية على عتبات المنازل أو فوق أسوارها؛ تنام كلاب الخواجات غريبة الشكل على أسرة وثيرة داخل مباني أصحابها.
يُشعرنا تعامل الخواجات مع كلابهم بالاشمئزاز الذي لا حدّ له عندما يقبّلونها في أفواهها الرطبة، ويسمحون لها أن تلعق وجوههم بألسنتها التي تحمل عَرَقَ الشيطان، ويُطعمونها بأيدهم؛ شيئاً فشيئاً بدأنا نعتاد رؤية هؤلاء الشياطين، ونعتاد تصرفاتهم الغريبة.
بعض الفتيات اللواتي كنّ يذهبن بوجبات السد إلى الخواجات حكين عن أشياء كثيرة مما رأينها هناك، قالت إحداهن إنها رأت من خلال فتحة في الباب شيطاناً يُضاجع شيطانته عراة، وأنها كانت تنام فوقه وليس العكس كما يفعل بنو البشر، وقالت أخرى إنها شاهدت صندوقاً غريب الشكل تنبعث منه مشاهد لأناس حقيقيين، ولم تفلح في وصف ذلك الصندوق الذي لم نسمع به من قبل.
كل ذلك جعلنا ننظر إلى أولئك الشياطين وحياتهم بشيء من الغرابة أكثر من ذي قبل. وفي كل مرة نقترب فيها منهم؛ كنا نستشعر الخوف والرهبة.
علي فانا الذي صدّق كلام زوجته تاتا حليمة حول نوايا هارون عزيزة في الاستيلاء على العمودية معتمدة على ما تبقى من نبوءة التمتام، أرسل –بإيعاز منها- في طلب شوقي مانّتّي الذي أشتهر بقدرته على السحر والإصابة بالعين. ولم يُلقّبه الناس بالمانّتي (أيّ العيّان) إلاّ من أجل ذلك. وعندما قدم شوقي على حماره الأهزل إلى أرض الميّت، استقبله العمدة استقبال الفاتحين، واحتفى به كما لم يحتفي بأحد من قبل، وشعر أن مخاوفه السلطوية على وشك أن تختفي إلى الأبد.
عقد العمدة مع شوقي مانّتّي صفقة يدفع له بمواجبها عشر غرائر من البلح الموسمي، وثلاث عنزات عِشار، وبرميلاً من الخمر التقليدية فوق ذلك، مقابل أن يُعاين كل يوم أحد الخواجات حتى يظنوا أن هذه الأرض مسكونة بالأرواح الشريرة، فيخشوا على أنفسهم ويرحلوا عنها ثم لا يعودوا إليها أبداً.
اختبأ العمدة وشوقي وراء صخرة ملساء مسننة، وأشار إلى بعض الشياطين الواقفين على مسافة بعيدة وقال: "ذلك واحد منهم" ولكن شوقي مانّتّي انصرف –بغير وعي- عن الخواجة إلى العمدة متعجباً من قدرته على الإبصار من تلك المسافة البعيدة: "أرى أن عينيك كعيني صقر!" فأُصيب علي فانا بالعمى من فوره.
انقلب السحر على الساحر، وانطبق عليه المثل النوبي الشائع "من يسقط من تلقاء نفسه لا يبكي"، فلم يستطع أن يتذمّر أو أن يشتكي لأحد غير زوجته، وعاد شوقي مانّتّي أدراجه من حيث أتى دون أن يظفر بشيء سوى لعنات تاتا حليمة وأهالي القرية.
أحسن هارون عزيزة استغلال الفرصة التي سنحت له من غير جهد أو مشقة، وبدأت سطوته تظهر بجلاء بعد ذلك، حتى أنه لم يجد حرجاً في أن يُصرّح بعلاقاته مع رجال الحكومة الذين نصبوا خيامهم في كل قرية نوبية من أجل جمع التوقيعات المبدئية للهجرة.
عدد من الذين أقنعهم هارون عزيزة بالهجرة ذهبوا إلى الخيام الحكومية، واستلموا صكوكاً لمنازل في قرى التعويضات، وأخرى لأراض زراعية، وانتظروا أن تعلن الحكومة عن موعد الهجرة النهائي.
ظلّ كثير من الأهالي متمسكين بموقفهم الرافض للهجرة، وظهر تقسيم جديد في القرية بناء على المواقف المتناقضة. قامت تاتا حليمة -التي تولّت شئون القرية بشكل فعلي بعد إصابة زوجها في عينيه- بمنع أولئك الذين تسلّموا صكوكاً ببيوت ومنازل في قرى التعويضات من الاستفادة من خيرات القرية؛ فلم تسمح لهم باستخدام مياه الصهريج، أو طحين الطابونة، أو زيارة مدافن القرية؛ الأمر الذي أشعل فتيل الخلافات الأولى بين أهالي أرض الميّت. وأصبحنا نعرف هؤلاء بالخونة.
استيقظت القرية ذلك الصباح لتجد بعضاً من أراضيهم محاطة بسلك شائك، وعرفنا أن الشياطين البيضاء هم من قاموا بذلك، واكتشفنا عودة أولئك الخواجات الذين زاروا القرية من قبل برفقة رفعت كامل (المترجم المصري) وتلك الخواجية التي أصرت على دخول قبة التمتام بملابسها المثيرة.
ذهبت تاتا حليمة إلى حيث يُعسكر الشياطين، وصحبها العمدة الذي واقف كخيال المقاتة دون أن يتفوّه بكلمة واحدة. طلبت تاتا حليمة -بصفتها عمدة القرية- التحدث إلى المسؤول، وعبّرت له عن غضبها وغضب أهالي القرية البالغ لمحاولات الخواجات الاستيلاء على الأراضي. لا أشك أن دافعها في ذلك كان دافعاً سلطوياً، ولكنه وافق تأييداً كبيراً من الأهالي حتى الخونة.
ـ قلّ لهم إن لصبر النوبيين حدوداً، وإننا وإن قبلنا استضافتهم على أرضنا؛ فلن نقبل أن يأخذوا شبراً واحداً منها.
ـ هدئي من روعكِ حضرة العمدة، فهم لا ينوون أخذ الأرض؛ كما أنهم ليسوا تابعين لمشروع السد العالي؛ إن هم إلا علماء آثار، ولا علاقة لهم بكل ما يجري بينكم وبين الحكومة المصرية؛ وكذلك أنا.
عادت حليمة تاتا وكأنها ظفرت بنصر ساحق، ولم تكد تدخل السرايا حتى نزعت غطاء رأسها، وأطلقت زغرودة اجتمعت على إثرها نساء القرية.
فسّرت سرّ سعادتها بأن وجود علماء الآثار في المنطقة يعني إلغاء فكرة بناء السد العالي، أو تأجيله على الأقل. كان من الواضح بالنسبة إليها أنّ قرار بناء السد سوف لن يُتخذ بشكل رسمي قبل انتهاء هؤلاء الخواجات من عملهم، وتفاءلت بأن أمام النوبيين وقت كافٍ لتدارس الأمر، وإيجاد مخرج من مأزقهم الوجودي بشيء من الروية؛ فأطلقت بقية النسوة الزغاريد.
بعد عدة أيام أرسلت تاتا حليمة في طلبي، وعندما ذهبت إلى السرايا وجدتُ مجموعة من شباب القرية وفتيانها مجتمعين لديها. وقفت بشموخها المعتاد بجوار مشلعيب(13) متدلٍ، وإلى جانبها المترجم المصري، وجلس علي فانا إلى جوار الفرن التقليدي ممسكاً بعصاه:
ـ أيها الفتيان، إن ضيوفنا جاءوا هنا للتنقيب عن آثارنا التاريخية، وتلك مهمّة جليلة قد تساعد في تعريف العالم بما لدينا من حضارة. وهم بحاجة إلى مساعدة جادة في أعمال الحفر والتنقيب، ونريد منكم أن تكونوا معهم في هذه المهمة. ساعدوهم، وكونوا سفراء مثاليين للنوبة.
لم أشك يوماً في أن تاتا حليمة هي العمدة الفعلية للقرية، حتى قبل أن يُصاب زوجها بالعمى. وكنت كلّما نظرتُ إلى عينيها المليئتين بالحزم والجسارة، وخطواتها الواسعة الواثقة، تذكرتُ صابر عواضة على الفور.
كانت امرأة قوية إلى الحد الذي جعل الرجال لا يجرؤون على مناقشتها في أمر العمودية، وسيادة القرية. امرأة سمراء، نحيلة، ناتئة التراقي والأوداج، أراها الآن مثيرة بطريقة ما. لا أذكر أن دار بيني وبينها حديث مباشر.
تعجّبت حين كلّفت فتيان القرية بمساعدة الخواجات؛ رغم أنه كان بإمكانها الاعتماد على عبيد القرية، ولكنها ربما لم تشأ أن يطمع العبيد في شيء من خيرات البلاد المدفونة تحت رمالها وصخورها الصلدة، وطالما أنها رأت في تنقيب عن الآثار مهمة جليلة؛ فليس أقل من أن يقوم بها أفراد أجلاء؛ ولم يكن العبيد كذلك على أيّة حال.
أعلم أنها لم تكن تحبهم كثيراً، ودائماً ما تنعتهم بالأباليس. هم كذلك لم يتدخلوا في الأمر، وعدد كبير منهم غادر القرية منذ أن بدأ الناس يتناقلون شائعات الهجرة.
قلّة من العبيد ظلّوا على تواصل معنا، ولم يشاءوا أن يتركوا القرية، رغم الفضيحة التي تسبب بها أحدهم. أذكر أننا ظللنا لعام كامل تحت تأثير ذلك المشهد المفزع، ولم نستطع أن ننسى ما حدث لكُنّة هاشم الفتاة النوبية الجميلة التي أحبّت أحد العبيد، ووافقت على الزواج منه عندما تجرأ وتقدم لخطبتها.
لامها كل أهالي القرية على ميلها الجانح الذي لم تعتد عليه القبائل النوبية، وهددها أبوها بالقتل قبل أن تجلب العار له وللأسرة؛ ولكنها أغرقت نفسها بزيت الفانوس، وأشعلت في جسدها، ولم يستطع أحد نجدتها حتى ماتت.
كان منظرها بشعاً لدرجة أن أحد لم يجرؤ على النظر مباشرة إلى جثتها المتفحّمة، وحملها بعض الرجال في قطعة من القماش وألقوا بجثتها في النهر لتأكلها الأسماك والتماسيح.
بعد مرور عدة أشهر على تلك الحادثة رأى البعض أنّ نهاية كُنّة البشعة كانت نهاية مرضية وعادلة للجميع. قالوا:
"أن تُحرق جثتها غير من أن يستمتع بها عبد نزق."
ووجدوا في ذلك حكمة إلهية بالغة، ولم يكن بإمكانهم أن يتخلّوا عن عنصريتهم حتى في أكثر المواقف إنسانية، الأمر الذي كان يبعث داخلي شعوراً متعاظماً بالاشمئزاز والسخط.
مساءً، ذهبت إلى العم سمل. كان يعزف الناي بطريقته الآسرة على عتبة باب بيته. كثيراً ما كانت عيناي تدمعان وأنا أستمع إليه. جلست إلى جواره بكل هدوء، ولم يكن في حالات تجلّيه تلك يلحظ وجودي إلا بعد أن ينتهي من عزف مقطوعته. نظر إليّ بعيني أبٍ رحيم، وابتسامة صديق حميم؛ وهو يقول:
ـ تسير بلا دبيب؛ كالقطط! منذ متى وأنت هنا؟
ـ لم يمض على وجودي سوى بضع دقائق فقط.
ـ هل كنتَ تدمع كعادتك؟
ـ لا أعرف سبباً لذلك؟
ـ أمازلت راغباً في تعلّم العزف؟
ـ يُراودني شعور بأنني لن أستمتع بالعزف مثلما أستمتع بالاستماع.
ـ تلك متعة مزدوجة. إنه لمن الرائع حقاً أن تصنع المتعة بالطريقة التي تريدها. أنا أستمتع بالعزف، وأستمتع بالاستماع في نفس الوقت. يحتاج الأمر إلى المران فقط. هل تريدنا أن نبدأ منذ الغد؟
ـ لا أظنني سأستطيع؛ لقد كلّفتنا زوجة العمدة بمساعدة الخواجات في أعمال الحفر والتنقيب. تقول إن ذلك أمر جيّد يصب في مصلحة القرية.
ـ حقاً؟ إذن سأعطيك شيئاً يُعينك على حب الموسيقى إلى حين أن تتفرّغ تماماً.
أعطاني العام سمل اسطوانة زجاجية مجوّفة، ومغلقة من أحد أطرافها، وطلب مني أن أملئها حتى آخرها، ولكنه لم يخبرني بما يجب أن أملئها به، وعندما سألته قال:
"تعلّم ألا تتعجّل بسؤال الآخرين قبل أن تسأل نفسك. عندما تسأل عن شيء يجب أن تكون قد حاولت الإجابة عليه أكثر من مرّة."
لا أُخفي أنني شعرت بالإحباط أول الأمر؛ إذ لا تُعجبني الطرق المُلغزة في التعليم. أخذت الاسطوانة وأنا أضمر شيئاً في نفسي ثم غادرت على الفور.
شعرتُ بسعادة غامرة للمهمة التي كلّفتنا بها تاتا حليمة. لا أعرف على وجه الدقة سبباً لذلك؛ فربما كان شعوري ذلك منفلتاً من ذلك الشعور القديم الذي كنتُ أشعر به عندما كنتُ أحرس طماية نوره في طريقها إلى الطاحونة، وربما كنتُ أبحث عن فرصة تُقربني من عوالم أولئك الخواجات، وتجعلني أختلط بهم عن كثب، لا أدري؛ ولكنني كنتُ سعيداً للغاية، لدرجة أنني أهملت أسطوانة العم سمل عن عمد، ولم أشأ في التفكير وقتها فيما ينبغي عليّ فعله بها.
تلك النظرات المبهمة للشيطانة البيضاء لم تفارق مخيّلتي قط، أراها كلّما يممت وجهي ناحية السماء. أشعر وكأني أعرفها أو تعرفني بطريقة ما، شيء ما غامض كان يشدني إليها، وإلى التفكير بها.
لا توجد نقطة واحدة نلتقي فيها على الإطلاق، ورغم ذلك ظلّ ذلك الشعور يتعمّق داخلي حتى كاد أن يصبح يقيناً. ربما كان يثيرني جسدها الأملس البض، وعنقها الذي كصحيفة نحاسية مطروقة بعناية، ونهداها المتوثبان ككرتي ثلج.
أدركت أن حكايات العائدين من أسوان كانت قد تركت أثرها فينا جميعاً، وخلقت داخلنا ميلاً إلى النساء البيضاوات. قلت في نفسي: "ربما جاء دوري لأسمع من رفعت كامل جملته المشهور (والنعمة انت راجل مسخرة)"!
لم تراودني رغبة في النوم تلك الليلة، وبدا الليل طويلاً وموحشاً كنفق مظلم محفور في عمق الأرض. كان نباح الكلاب وأصوات صراصير الليل تزيد إحساس الوحشة لديّ.
تختفي الرغبة في النوم والراحة عندما تكون تحت تأثير حالة عاطفية متطرفة: فرح شديد، خوف شديد، أو حب شديد؛ ولذا فإن العشاق دائمو الأرق.
وعلى طريقة الجدة مِسكة، أخذت أعد النجوم المعلّقة على جدار السماء وكأنها حبات خرز متناثرة في قماشة مخملية، أو حبيبات ترتر وضّاءة على فستان حسناء فاتنة، ولكن تلك الطريقة لم تجد نفعاً، ولطالما لم تجد نفعاً معي؛ فلجأت إلى وسيلتي الأنجع على الإطلاق والتي كنتُ قد تعلّمتها مؤخراً. مارست عادتي السرية، شعرت باسترخاء منعش؛ وغطّيت في نوم عميق.
imported_هشام آدم
04-03-2012, 11:06 AM
أمرت تاتا حليمة الفتيان أن يجتمعوا أمام السرايا، ووقفت وقفتها المعتادة وهي تعيد علينا قولها: "كونوا سفراء مثاليين" ثم توجهنا معها ومع المترجم المصري إلى حيث أقام الشياطين البيض سورهم الشائك.
شعرت بأنني لا أسير بقدمي ولا أطأ بهما على الأرض، وأن هواءً خفيفاً يحملني إلى عالم آخر بعيداً عن أرض الميّت وأهلها البائسين. أحسست بأن الطريق من السرايا إلى مقر الشياطين طويلة كأنها لا تنتهي أبداً.
لم أشعر بوجود أحد إلى جواري، أنا وحدي الذي أمشي، وأنا وحدي الذي يهمه أمر هذه المهمّة. شيء ما بانتظاري هناك خلف تلك الأسوار الشائكة، شيء ما سوف يحدث اليوم.
لم أُصدق أنه سوف تتاح لي فرصة النظر إلى الخواجية الفاتنة عن كثب، وأن أحدّق في عينيها الزرقاوين طويلاً، وأن أرى تكسّر أطراف شعرها الذهبي الواعد.
عندما وصلنا إلى هناك، كانت الخواجية واقفة في منتصف المنطقة المسوّرة. قلت في نفسي: "هاهي واقفة في انتظاري" لم أعرف ما إذا كانت تتعمّد رسم تلك الابتسامة الآسرة أم أن وجهها مبتسم بطبيعته! تحمل ملامح دافئة ومحببة للغاية، وشعرها الذهبي فزع ومختف خلفها كأنه يريد الهرب.
خشيت لبعض الوقت أن تلمح في عيني تلك اللهفة التواقة، والرغبة المتوهّجة، فكنتُ أتهرب من أن تتقاطع نظراتنا، وأختلس النظر إليها عندما لا تكون متوجهة بنظرها نحوي.
انفردت الخواجية بتاتا حليمة ومعهما المترجم المصري، وتبادلا الحديث لفترة كنت خلالها لا أرمي بنظري إلا عليها وعلى البناء الغريب في الجوار، محاولاً أن أرى ما بداخله من أيّة فتحة؛ غير أني لم أستطع أن أرى شيئاً.
بعض الشياطين كانوا يجسّون الأرض بأصابعهم بطريقة غريبة ويتبادلون بعض العبارات، وفجأة انتبهنا جميعاً لصوت تاتا حليمة وهي تصرخ في المصري: "هذا لا يمكن، لن أسمح بذلك أبداً"
بدا على رفعت كامل الجدية، وهو يحاول إقناعها بألا تذهب قبل إكمال الحديث. لم نفهم بالضبط ما يجري بينهما، ولكننا كنّا لا نشك في قدرة تاتا حليمة على حسم الأمور بطريقتها الخاصة.
عادت مرّة أخرى وطلبت إلينا العودة إلى السرايا. ولم نفهم ما جرى بينها وبين الخواجية الحسناء، غير أنها أمرت أحدنا باستدعاء الحاج ميرغني كلس وبعض رجال القرية؛ فعرفنا أن الأمر جلل. وما هي إلا بضع دقائق واجتمع أهالي القرية -كلهم تقريباً- أمام السرايا. بدت تاتا حليمة متوترة وهي تقول:
"يريد الشياطين أن ينبشوا قبر الشيخ جلال التمتام. يقولون إن المكان الذي دفن فيه يحتوي على آثار مهمّة للغاية تعود إلى ملايين السنين، وأن هذه الآثار من شأنها أن تُعيد رسم خارطة العالم الحضارية من جديد. الأغرب من ذلك أنهم يقولون إنه لا وجود للتمتام نفسه في القبر!"
لم تستطع أن تفسّر لنا معنى أنه لا وجود للتمتام، غير أنها لم تر في ذلك غير أكاذيب مختلقة ساقوها معتمدين على معرفتهم بجهل أهالي القرية ليبرروا لفعلتهم، وأولت اهتمامها في موضوع نبش القبر في حدّ ذاته.
وفيما أيّدها البعض في قرارها وموقفها، واعتبروا ذلك مساساً بحرمة شيخهم، وحرمة القبّة نفسها، وأعلنوا استعدادهم لمنع الشياطين ولو بالقوة؛ رأى البعض أن البحث عن أدلة قد تُعلي من شأن القرية وتاريخها وحضارتها أمر يستحق التغاضي عن حرمة المقابر ويُبرر له. قال أحدهم:
"إن كنا لا نعرف قيمة الآثار ولا كيف نعثر عليها ونستخرجها؛ فلا أقل من أن ندع العارفين يقومون بذلك".
شعرت بفضول جارف جعلني أؤيد نبش القبر لرؤية رفاة تلك الشخصية المثيرة للجدل، والتي لم تفتأ جدتي تحكي لنا عنها بكل قداسة، ومن ناحية أخرى فإنني شعرت بالإحباط لأن هذه المشكلة سوف تدفن حلمي المتفائل بالاقتراب من الخواجات ومن عوالمهم إلى الأبد.
بعد مناقشات ومداولات مستفيضة بين الرافضين والمؤيدين لنبش القبر، توصّل الجميع إلى أنه لا ضير في ذلك؛ طالما أنه سوف يصب في مصلحة القرية. وأعجبتني الطريقة الماكرة التي استخدمها هارون عزيزة في إقناع العمدة معتمداً على مداعبة الجانب السلطوي لديها.
"اكتشاف هذه الآثار قد يُحدث ضجة كبيرة تلفت أنظار العالم كله إلى المنطقة، وعندها سيذكر التاريخ اسم تاتا حليمة جنباً إلى جنب مع هذه المكتشفات والآثار، حيث أنك عمدة القرية وشخصيتها الأكثر تأثيراً، وقد يكون ذلك سبباً في إيقاف مشروع السد العالي؛ فليس من المنطق أن يقبل العالم بأن تغمر المياه اكتشافاً أثرياً له هذه الأهمية."
أصبحت العمدة مقتنعة تماماً بالفكرة، ومتحمسة له أكثر من أيّ شخص آخر، ولأنها لم تشأ أن تبدو في مظهر المتراجعة عن قرارها فإنها أعلنت ضرورة أن تتم أعمال النبش بمعرفة رجال القرية وتحت إشرافهم المباشر، ولم يجد مقترحها ذلك أيّ اعتراض يُذكر من أيّ أحد.
توجهت العمدة ومعها علي فانا، وميرغني كلس وهارون عزيزة وسليم أوندي وآخرون إلى حيث مقر الشياطين البيض ليعلنوا لهم عن موافقتهم، وعن القرارات التي توصلوا إليها، ومنعت النساء والأطفال من حضور ذلك الحدث التاريخي الكبير.
شعرت بالحنق الشديد وأنا أرى حلمي يُدفن للمرة الثانية في نفس اليوم، فكلّما أحسست باقترابي من تحقيق حلمي حدث أمر وأبعدني عن تحقيقه.
أتكلّم الآن عن أحلامي رغم أنني لم أحلم بشيء ذا قيمة. حلمت من قبل أن أصبح عمدة القرية، وأن تعشقني فتاة جميلة كطماية نوره، وأن أمتلك حكمة قرناص، وأن أتعلّم عزف الناي؛ وهاأنذا أحلم بالاقتراب من السيّدة البيضاء ذات الشعر الذهبي المثير.
كلها أحلام عصيّة التحقق، وكلها –كما يقول العم سمل- مجرّد أحلام. أسمع صوته المحشرج في أذني الآن بلكنته المصرية المحببة وهو يقول: "لكي نحقق ما نريد لابد أن نعمل، وأول الطريق إلى الحلم هو أن تنام لا أن تعمل." اكتشفتُ أنني لم أعمل قط لتحقيق أيّ من هذه الأحلام.
حتى عندما أحببت بشّة سليم أحببتها لأنها هي التي أحبتني، ولم تدم علاقتنا طويلاً. لم أحزن كثيراً عندما سافرت إلى أسوان عروساً لعريسٍ مغترب، ولم نكن نتواعد عند صهريج المياه، ولم ندفن أقدامنا في الرمل، ولم ننسل خفية بعيداً عن أعين الناس في أيّ مناسبة احتفالية لنتبادل القبل والملامسات الجسدية، لم نكن نستغل ليالي عاشوراء كما يفعل العشاق؛ بل إنني لم أشتهيها حتى! اقتنعت بأنني كنتُ أحصّن نفسي من تفاهة الفتيات ومطالبهن السخيفة.
أعرف أنني لم أستطع التوفيق يوماً ما بين ما أريده وبين ما يتوجّب عليّ فعله، ثمّة خيوط رفيعة جداً تفصل بين الاثنين، ولكنها كانت دائماً بحاجة إلى قدرات خاصة للتمييز بينها. ربما لم أمتلك هذه المقدرة، وربما لم أحسن استخدامها، ولكني لم أنجح في التخطيط لمسار حياتي، وكأنها كانت مخططة بشكل مسبق وتلقائي.
لا أدري لماذا تتقافز صورة كنّة هاشم في ذهني الآن، ربما لأنها الوحيدة في أرض الميّت التي ظلّت متمسكة بحقها في تحقيق حلمها رغم اعتراض الجميع، ولم تقبل المساومة عليه، وربما لأنها الوحيدة التي اتخذت القرار الأصعب على الإطلاق بإنهاء حياتها في مقابل أن تموت حرّة نفسها على أن تعيش أسيرة لما يريده الآخرون.
حتى قرشين الأوشي خذلته شجاعته عندما قرر الانتحار، وتحجج برغبته في الاستمتاع بأيامه الأخيرة. لم يكن سوى جبان متبجّح لم يتذكر الحياة ورونقها إلاّ عندما واجه الموت!
أنا الآن أفعل ما يريده الآخرون، دائماً كنت أفعل ما يريده الآخرون لا ما أريده أنا. وحتى أولئك الذين كان بإمكانهم أن يرشدوني إلى الطريق الصحيحة اتبعوا طرقاً ملغزة في ذلك، وكأنهم يستعرضون حكمتهم على العامة والجهلاء.
وجدتُ نفسي أُمسك باسطوانة العم سمل الزجاجية أفكر فيما يُمكن أن أفعله بها، أخذت أقلبها بين يدي وأنا أتساءل: هل حقاً يُريدني أن أملأها عن آخرها؟ هل هذا امتحان ما؟ كيف يُمكن أن يساعد ملؤها في تعلّم عزف الناي؟
لم أجد في ملء الاسطوانة شيئاً مغرياً يُساعدني على التأمل في فكرة "حب الموسيقى" الملغزة التي أخفاها العم سمل من وراء ذلك.
أخذت أملأ الاسطوانة بالرمل وأفرغها منه، ثم أملؤها بالماء وأفرغها منه، ورحت أكرر تلك العملية وأنا أحاول النفاذ إلى الحكمة الخفية.
وكوميض النبوة لاحت لي فكرة مدهشة، وتعجّبت كيف لم أفكر في ذلك من قبل! توصلت إلى أنه لا يُمكن ملء الاسطوانة بأيّ شيء، لا بالماء ولا بالرمل ولا بأي شيء آخر؛ فهي ممتلئة بالهواء بالفعل.
عرفت الآن مفتاح اللغز، وتأكدتُ أنه لم يكن سهلاً وساذجاً كما تصوّرت، ولكنني لم أصل إلى مغزى اللغز، وعلاقته بحب الموسيقى. قلت في نفسي: "يكفي أني عرفت الحل، يُمكنني أن أترك كشف الحكمة له"، وشعرت بالراحة لأنني لم أكن غبياً كما تصوّر هو.
أخذت الاسطوانة وركضت إلى بيته، وعندما وصلت؛ وجدته ممداً على عتبة داره، مفترشاً حصيراً من لحاء الخيزران. نظر إليّ وابتسم ابتسامة أشعلت روح التحدّي داخلي، فاقتربت منه وجلستُ وأنا أمدّ إليه الاسطوانة المملوءة بالهواء. نظر إليها قليلاً ثم قال:
ـ أراك لم تملأها كما طلبتُ منك؟
ـ إنها مملوءة يا عم سمل؛ ألا ترى؟
ـ مملوءة؟ كيف؟
ـ إنها مملوءة بالهواء، فكيف أملأ ما هو مملوء؟
عندها رفع صوته بقهقهة مجلجلة، حتى وقع على قفاه. لم أستطع أن أفسّر قهقهته على المحمل الذي توقعته، فانتظرته حتى انتهى من ضحكه، وبدأ يمسح دموع عينيه التي راحت تنهمر بغزارة لتبلل لحيته.
ـ هل أنا مخطئ يا عم سمل؟ أليس ذلك هو حلّ اللغز؟
عندها نهض من رقدته على مهل، وأسند ذراعه إلى متكئ كان إلى جواره، وهو يمسك بالاسطوانة، وراح يُحدّق بها في استغراب، ثم نظر إليّ بإعجاب، وقال:
ـ هل تُصدّق أنني لم أفكر بذلك؟
وعاد للضحك مرّة أخرى؛ ثم أكمل.
ـ لم أكن أقصد ما ذهبت إليه يا بني، رغم أنني أعترف بأن حلّك أدهشني كثيراً.
طلب مني أن أجمع له بعض الحصوات من الأرض، ففعلت. ثم طلب مني أن أدخل إلى بيته وأحضر كأس ماء من الزير، ففعلت. اعتدل في جلسته، وأمسك بالاسطوانة، وبدأ يُفرغ فيها الحصوات واحدة واحدة ثم سألني:
ـ هل تراها ممتلئة الآن؟
ـ أجل؛ إنها كذلك.
ثم أخذ حفنة من الرمل بيده وأخذ يُفرغها فيها. تخلل الرمل بين الحصوات حتى سدّت كل الفراغات التي بينها. ثم سألني:
ـ وكيف تراها الآن؟
ـ هكذا امتلأت بالفعل.
ثم أخذ كأس الماء وبدأ يسكبه داخلها فأخذت تتوغل بين حبيبات الرمل والحصوات، وكرر ذلك حتى امتلأت عن آخرها. ثم سألني:
ـ والآن؟
رحت أبتسم وأنا استكشف الحكمة وهي تتوقد من بين كل ما يجري:
ـ لقد امتلأت حتى آخرها. الآن يُمكننا أن نقول أنها امتلأت فعلاً!
ـ ماذا لو أننا ملأناها بالرمل أولاً؟
ـ لن يكون هنالك متسع للحصوات الأكبر.
ـ وإن ملأناها بالماء؟
ـ سوف ينسكب الماء إن أضفنا ذرة رمل واحدة أو حصاة بحجم حبّة البازيلاء.
ناولني العم سمل الاسطوانة ثم قال:
"وهكذا عندما تملأ حياتك بالأشياء التافهة وغير الضرورية، لن يتبقى فيها متسع للأشياء الأكثر أهمية. يجب أن نتعلّم كيف نوازن حياتنا، ونرتب أولوياتنا حسبما نريد. أنت تريد أن تتعلّم الموسيقى؛ ولكنك تشغل نفسك بأمور أخرى أقل أهمية. ليست الموسيقى فقط؛ كل شيء في حياتنا يجري على نحو الاسطوانة. تعلّم ما هو المهم في حياتك، وما هو الأقل أهمية؛ عندها ستعرف كيف تسيّر حياتك كما تريد."
وللمرة الثانية أعجبتني فلسفة العم سمل، وفهمت ما كان يريد قوله لي. أراد أن يلومني بحكمة، وأن يُوبخني ببصيرة. وأدركت معنى قوله: "إن أردتَ أن تتعلّم الموسيقى؛ فعليك أن تحبها قبلاً". وعرفت سر ارتباط تلك الدوائر التي بدت لي ملغزة وصعبة التحقق.
كان على حق؛ فحبي لنفسي يجعلني أعرفها، ومعرفتي بنفسي تتيح لي أن أعرف ما أريد، ومعرفتي لما أريد تتيح لي أن أتصالح مع الآخرين، وهكذا يُمكن أن أحب العالم عبر حبي لنفسي ومعرفتي بها، والموسيقى تهب الصفاء اللازم لكل ذلك. الموسيقى صوت العقل المسموع فعلاً كما كان يقول. عرفت عندها أن اكتساب الحكمة ليست بسهولة أن تكتشف امتلاء اسطوانة زجاجية بالهواء!
imported_هشام آدم
04-03-2012, 11:12 AM
جاءت بابا إلياس تركض نحونا، واعتقدت للوهلة الأولى أن العمدة ورجال القرية افتقدوا وجود العم سمل بينهم أثناء نبش قبر التمتام؛ لاسيما أنه أحد كبار السن في القرية الذين يكن لهم الجميع الإجلال والتقدير. وخمّنت أن حظي العاثر سوف يحول بيني وبين أن أنجز تعلّم عزف الناي؛ غير أن بابا إلياس وقفت أمامي مباشرة، وبدأت تلتقط أنفاسها بصعوبة وهي تقول:
"أنت هنا؟ تاتا حليمة تريدك حالاً، الجميع بانتظارك هناك، قرب قبّة التمتام."
للحظة لا قياس لها نسيت أمر الموسيقى، والكلام عن الحكمة ومحبة العالم، وبدأت سلسلة أحلامي القديمة تلتف حولي كأفعى أمازونية تعتصرني عصراً، فأشعر بصعوبة التنفس وبرودة مؤلمة في الدماغ.
لم أدع تعطّل السمع، ولم أستطع أن أجزم بأن ما سمعتُه كان حقيقياً في نفس الوقت. لقد قالت إن العمدة ورجال القرية ينتظرونني قرب قبة التمتام. ينتظرونني أنا؟ كانت تلك هي المرّة الأولى التي أشعر فيها بهذا القدر من الأهمية والاحترام منذ أيام طماية نوره ومشاويرها الملّفقة.
جالت في خاطري أفكار مجنونة أشعرتني بالخوف. قلت في نفسي: "ربما اقترفتُ جرماً عظيماً لا أتذكره الآن. ربما أحسّت الخواجية الملعونة برغباتي الشهوانية، ونظراتي الماجنة التي كانت تخترق جسدها الأبيض البض فأخبرت العمدة بذلك. ربما وشت بي إحدى الفتيات وأخبرتهم بأنني رشفت رشفةً من شراب الكركدي المُعد للخواجات، أو ربما عبث أحدهم بمعدات الشياطين البيضاء فعطبت، واتهموني بها، وربما عرفوا بطريقة ما بأمر عادتي السرية!" كل الاحتمالات كانت واردة بنسبة كبيرة، حتى غير المنطقية منها.
العم سمل الذي ظنّ سكوتي الطويل تردداً في الاستجابة، ومحاولة مني لترتيب أولوياتي التي كان يُحدثني عنها قبل قليل، ربّت على ظهري وهو يقول:
"لا بأس يا بني، اذهب الآن وانظر ما تريده منك تاتا حليمة. ولا تخف؛ يُمكننا أن نبدأ درس الناي في وقتٍ آخر."
مضيت مع بابا إلياس التي تقافزت أمامي كجندب رشيق، بينما لم أكن أقوى على تحريك قدمي كما يجب. تمنيت أن يختفي هذا العالم فجأة فلا يعود له وجود.
كان ثمة قط في الجوار يُطارد خنفساء قرب جدار بيت ميرغني كلس؛ فحسدته على راحة البال والحرية. تمنيت أن أكون قطاً أو حجراً أو أيّ شيء آخر. لم أعرف لم تضخم شعور الخوف بداخلي وطغى على كل شيء، ولكن وجب أن أخاف فقط؛ فلم يحدث أن بعثت تاتا حليمة في طلبي بالاسم، ولم يفعلها شخص آخر غيرها قط.
الطريق التي رأيتها طويلة وبعيدة بالأمس، هي نفسها التي أراها اليوم قصيرة وقريبة. لم أكد أخطو خطوتين أو ثلاث حتى وجدتُ نفسي على مشارف المنطقة المحاطة بالسلك الشائك.
لم أكره أحداً في حياتي مثلما كرهت عبد المجيد سائق البنطون تلك اللحظات. لم يكن بحاجة إلى كثير عناء ليرسم على وجهه الدميم أصلاً ملامح البؤس والكآبة؛ ذلك آخر ما كنتُ أتمناه وأنا في تلك الحالة.
أخذتُ أنظر إلى الضفة الأخرى؛ حيث مدافن القرية وقبة التمتام كأنني أحاول رؤية الجموع هناك، كأنني أحاول معرفة ما يجري قبل أن أصل، أن استشف من هيئة المكان ما يهبني الراحة والطمأنينة؛ غير أنني لم أستطع رؤية شيء، كل ما رأيته هو قبة التمتام وقورة وشامخة كما هي دائماً.
الجو صامت وهادئ فعبد المجيد الكئيب لا ينطق ببنت شفة، وبابا إلياس عادت أدراجها بعد أن تأكدت أنني ركبت البنطون. الحق أقول: إنني كدت أتبوّل على نفسي ذلك اليوم من شدة الخوف.
عندما وصلنا إلى الضفة الغربية من النهر أقفل عبد المجيد عائداً، وتوّجب علي أن أقطع المسافة بين النهر وبين مدافن القرية سيراً على الأقدام، وآهٍ ما أطول الخطوات إلى المجهول وما أشد قساوتها!
تمنيتُ أن تعثر عليّ عواضة بصيلي وتنهشني لأرتاح من تلك المطارق التي يكف دويّها في الدماغ، وتلك الأفكار والتساؤلات المجنونة التي تواردت إلى خاطري كهلاوس الصرعى والمعتوهين.
بدأت أرى خيالاتهم من بعيد كأنها أشباح مسعورة تنتظر روحاً ما آتية في طريقها إلى البرزخ، وبطريقة لاشعورية وجدتني أردد: "أعوذ بكلمات الله التامات من شرّ ما خلق".
نهضت من باطن الأرض مخلوقات ذات ملامح أشبه بملامح عبد الحميد سائق البنطون الكئيبة، حاولت مطاردتي والتهامي؛ لم أهرب منها على أيّة حال؛ بل كنتُ سعيداً بذلك، وحزنت عندما أدركت أنها لم تكن سوى عاصفة ترابية عابرة ومسالمة.
في المكان، وقفت تاتا حليمة تنظر إليّ بنظرات غريبة لم أستطع تفسيرها في الحال، كانت نظرات متأسية أو مشفقة أو حانقة؛ لا أدري. وجدتُ نفسي متوجهاً إليها بطريقة ميكانيكية؛ إلاّ أن المترجم رفعت كامل أوقفني وقال:
ـ هل أنت صالح؟
ـ نعم أنا هو.
ـ اخلع قميصك لو سمحت.
ـ لماذا؟
ـ نريد أن نتأكد من أمر ما فقط.
نظرتُ إلى العمدة التي أومأت برأسها بأن أمتثل؛ فامتثلت. أشار رفعت المصري إلى موضع الجرح في كتفي وهو يثرثر: "إنها هي، علامة الصليب على الترقوّة".
أرد أن يسألني عن أمر ما، إلاّ أن السيدة البيضاء المثيرة أوقفته، وتقدّمت نحوي بخطوات أنثوية رشيقة، وكأنها تمشي على قطعة من الإسفنج المبلول. خمّنتُ بأنها سوف تحتضنني لسبب ما وتقبلني كما حلمتُ دائماً، ولكنها وقفت أمامي مباشرة ونظرت إليّ في عيني.
لم أصدّق أن إحدى أحلامي السخيفة تتحقق الآن؛ هاأنذا أنظر إلى عينيها الزرقاوين مباشرة دون أن أخشى شيئاً. بدأ حيواني في الانتصاب، وأنا استشعر برودة كفّيها على كتفي العارية.
لا أذكر كم وقفنا على تلك الحال، ولكن عمراً كاملاً تجسّد في اللحظة التي لا زمن لها، واختفت الدنيا والأصوات، ولم أعد أرى غير زرقة عينيها، وأصوات أنفاسها الملتهبة.
أحسستُ أن حاجزاً ما غير مرئي بدأ يتكسّر، كأن حجاباً من العُجمة انكشف عني فجأة. لا أعرف ما الذي جرى، ولكنني كنتُ أتبادل معها الحديث. أفهمها وتفهمني بلا ترجمان. قالت:
ـ أنت بشارة أحد الأحفاد القادمين من المستقبل. النوبي الأسود الذي تخرج من صلبه عشيرة كاملة من البيض المُخلّصين. هذا الجرح على كتفك كعلامة الصليب، وموت والديك قبل أن تراهما، والعاصفة الترابية التي غطّتك وأنت قادم. أنت هو.
ـ ماذا تقصدين؟
ـ أنت تفهمني؛ أليس كذلك؟
ـ أجل، ولكن أجهل ما يعنيه كلامك.
ـ أنت جد صاحب هذه القبّة، جلال عبد الحفيظ صالح.
ـ ولكن جلالاً مات قبل أن أولد، هو مدفون هنا تحت هذه القبّة.
ـ لم يمت؛ لأنه لم يولد أصلاً!
ـ لم يولد أصلاً؟ كيف، وجدتي حكت لنا عنه حكايات وقصص مثيرة؟ كل أهالي القرية يعرفون قصته، لقد جاء هنا وهو يحمل جراباً من المعجزات، وكلباً أسوداً وديكاً لا يؤذن ولا يُلقح، ومات متشبثاً بصورة لفتاة جميلة.
ـ هذه الفتاة هي أنا ..
ـ أنت؟ أأنتِ ابنته؟
ـ بل أمّه .. هل تعرف معنى ألا تكون الأشياء الكائنة؟ نحن لا نختار قدرنا، هو الذي يفعل. جلال عبد الحفيظ مسافر عبر الزمن، عبر الكون الموازي، وجاء من المستقبل ليقابلني ويُقابلك، لم يكن له أن يموت في الماضي، لأنه سيموت في المستقبل. الأمر غاية في التعقيد، ولكن ستنبش هذا القبر وتخرج ما به من كنوز وتموت.
ـ أموت؟
ـ أجل؛ لأنك لم تولد بعد. سوف تختفي كما اختفى التمتام أنت هنا لتنبش هذا القبر؛ هذا ما حدث في اللازمن من قبل.
كل ما سمعته كان من شأنه أن يزرع في داخلي الخوف والرهبة. لم أفهم ولم أستوعب ما قالته الخواجية، ولكنني صدّقته. صدقته وأنا لا أعلم أني صدقته. أمسكت بجرافة متسخة الأطراف، وبخطى وئيدة دخلت القبة، وبدأت أنبش في القبر، كان الجميع يقفون ورائي وهم يتابعونني باهتمام وأنا أحفر.
في لحظة ما لم أكن مقتنعاً أن بإمكاني الحفر بمفردي، ولكنني كنتُ أحفر بهمّة، وأستعيد ما قالته لي السيّدة التي لربما كانت أحد بناتي أو أحفادي، أهي أيضاً مسافرة عبر الزمن؟
تعجبّت كيف أنني بين لحظة وضحاها بت أسطورة أرض الميّت التي لم تتغن في يوماً بغير أسطورة جلال التمتام، حتى أنا نفسي كنت أتغنى بتلك الأسطورة، الآن أصبحت أسطورة ينظر إليها الجميع في هيبة وإجلال.
تبادرت إلى ذهني عشرات الحقائق التي كنتُ أجهلها من قبل: عرفتُ لماذا كنتُ الوحيد الذي تقزز من رائح الدماء على لحاء سارية الرحمة، ولماذا لم أرم سني اللبنية نحو عين الشمس، ولماذا لم أتعلّم عزف الناي، ولماذا لم أحب بشّة سليم، ولماذا لم أكن قادراً على ترتيب أولوياتي، لقد كانت أولويات شخص في غير زمانه ببساطة! تكشفت الأمور أمامي شيئاً فشيئاً، وكأن الأشياء بدأت تتعرى من أقنعتها: الزمان والمكان والأشياء والذكريات.
كنتُ أسخر من نفسي وأنا أراني نوبياً عاش جزءاً من حياته كشيطان أبيض! وقلت في نفسي: "أسوأ شيء على الإطلاق أن تموت صغيراً، وأن تعيش كهلاً، وأن تنظر إلى الماضي بعين واحدة، وإلى المستقبل بعينين معصوبتين!"
تذكرت الحاج برهان وأسرار الطب النوبي، والعم سمل وحكمته التي زرعها فيني، والجدة مسكة وحكاياتها الشيّقة، وتاتا حليمة بقوتها وجبروتها، وعبد المجيد سائق البنطون بوجهه الدميم الكئيب، وبابا إلياس وقفزاتها الرشيقة، وطماية نوره ومشاويرها الملفقة ... كل هؤلاء كانوا أمواتاً عشت بينهم دون أن أعلم.
ارتطمت جرافتي متسخة الأطراف بشيء صلب أثناء الحفر، عندها أخذت أحفر بيدي ككلب جائع يبحث عن عظم قام بدفنه منذ شهور. رأيت صندوقاً خشبياً يُشبه صناديق القراصنة تغطي حوافه طبقة سميكة من التراب الناشف، رفعت الصندوق لمن هم أعلى القبر، ولم انتبه من تسلّم مني الصندوق، لم أهتم لذلك كثيراً، فقط هيئت لنفسي مكاناً وتمددت على تربة رطبة، ثم نمت!
نهاية الفصل الخامس
imported_هشام آدم
04-03-2012, 11:14 AM
أكتفي بالقدر المنشور من الرواية وربما إلى رواية أخرى
vBulletin® v3.8.8 Beta 2, Copyright ©2000-2026