تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : محاولة لفهم مغاير للمبدأ الاسلامي "الامر بالمعروف و النهي عن المنكر"


حسين عبدالجليل
22-10-2015, 02:50 PM
دائما مايشغل تفكيري التخلف الذي يرزح فيه معظم العالم الإسلامي . بالطبع لاأقصد بالتخلف فقط التخلف التقني ولكن أيضا التخلف في تعاملنا مع بعضنا و مع الآخر و مع البئة .

ليه نحن سجمانين كدا ؟

"هنالك شيئ مفقود." , كما تقول الفرنجة . وهذه محاولة متواضعة من مواطن مسلم يؤمن بكمال اﻷسلام , لتشخيص هذا الداء العضال الذي نعاني منه !

ف لكي نصلح حالنا لابد في البدء بالاعتراف بأن حالنا اليوم مائل , وعدم الرضا عن وضعنا الحالي , رغم إمتلاء المساجد بالمصلين أكثر من اي وقت في ال 30 عاما الاخيرة . فكما يقول إبن عطاء الله السكندري فإن " اصل كل معصية وغفلة وشهوة ...الرضا عن النفس .. واصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها ."

قادني بحثي عن الشئ الضائع منا , للتفكر في المبدأ الهام الذي سماه القرآن ب "اﻷمر بالمعروف و النهي عن المنكر" ,هل فهمنا لهذا المبد باختزاله فقط في جهاز رسمي كل همه زي النساء ومراقبة المظهر العام للشباب و الشابات , هل هذا الفهم صحيح ؟ أم أن هذا المبدأ أكبر من ذلك بكثير ؟

هل يمكننا تطوير فهم السلف الصالح لهذا المبدأ , مستصحبين في معيتنا أدوات التنظيم الحديثة ومحاولة الإتفاق علي تعريف ماهو "المعروف" و ماهو "المنكر" ؟ .

هل كل المنكر له نفس الدرجة ويجب محاربته و النهي عنه بنفس الجهد و الوقت و الحماس ؟ أم أن هنالك منكر كبير عام Macro ك أكل أموال الناس بالباطل (المال العام) يؤدي في النهاية لمنكرات Micro كثيرة كانحراف الشباب و الشابات نتيجة للفقر و عجز الدولة عن تدريبهم و تعليمهم و فرضها لرسوم دراسية باهظة عليهم ؟ اي المنكرين , في وجهة نظر الاسلام, احق برفع الصوت الأعلي للنهي عنه ؟

حسين عبدالجليل
22-10-2015, 05:42 PM
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

دعت آيات قرآنية الافراد للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ولكني سأركز في هذا العصف الذهني علي الدعوة الجماعية للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر . واضح أن هذه اﻵية تدعو لعمل جماعي منظم ولم تحصر اﻵية - كما يفهم البعض خطأ- هذا الأمر للحاكم (ولي الأمر) بل هي دعوة للكل . أي أن العمل اﻷهلي المنظم (جماعات المجتمع المدني) يمكن أن يدخل تحت عباءة " و لتكن منكم أمة".

تستعمل اﻷية الكريمة فعل "يدعو" لعمل الخير ويستعمل الغربيون الناطقون بالانجليزية المقابل بلغتهم لنفس جذر الكلمة القرآنية لوصف منظماتهم الطوعية التي تدعو لعمل خيري محدد بأنها Advocacy Group "جماعة لدعوة"

ولكن قبل ان استرسل , من اﻷفضل أن نتفق علي ماهو "المعروف" و ماهو "المنكر"؟ هل هناك قاسم مشترك أدني للمعروف و للمنكر يتفق عليه اغلب البشر , المسلم , المسيحي , الهندوسي , الملحد ....الخ ؟

أزعم بأن الإجابة علي السؤال أعلاه هي "نعم". و استند في إجابتي علي فهمي لبعض الايات القرانية , سيرة المصطفي عليه الصلاة و السلام و بعض النصوص المسيحية .

يقول المفكر المسيحي س اس لويس في كتابه "المسيحية الخالصة" بأن وجود الخالق يمكن الاستدلال عليه بوجود قانون أخلاقي عام, هو قبس من روح الخالق, عند كل البشر بغض النظر عن تدينهم من عدمه . فكل البشر يكرهون الظلم و يحبون العدل , يكرهو الكذب و يحبون الصدق ....الخ - و يتسآل لويس "فمن أين جئنا بفكرة "عادل وظالم"؟ إن الإنسان لا يقول هذا الخط أعوج ما لم يعرف أن هناك خط مستقيم."

ايضا من النصوص المسيحية التي تؤكد معرفة الكل للخير و الشر , قول الرسول بولس في رسالة رومية:
أن الله يعاقب الخطية أينما وُجدت، حتى الأمم حين يخطئوا مع أنهم لم يعرفوا قانون الله المكتوب لكنهم يدركوا الخير والشر لأن قانون الله المكتوب في داخلهم لأن ضمائرهم أما أن تشتكي عليهم أو تبررهم
(رومية12:2-14)
https://www.facebook.com/ChristianUnionMiddleEast/posts/325103680931938


النصوص القرآنية التالية :
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)
تدل علي ان الفطرة البشرية تعرف الفجور و التقوي - كما و يمكنني الاستدلال بحلف الفضول لنصرة المظلوم الغريب في زمن الجاهلية وهو الحلف الذي قال عنه الرسول الكريم: ( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم: ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت ))

imported_رأفت ميلاد
23-10-2015, 11:31 AM
سلامات يا حسين

تعرف التخلف الحرفى فى الفهم للنصوص ما قصراً على المسلمين .. دايماً يضيع الجوهر المراد من النصوص الذى يمكن تطويعه على كل الأزمان يضيع بتطبيقه الحرفى كما الحال الذى نزل فيه

اللأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فى ذلك الزمان وطريقة تطبيقه الحازم ملائم لذلك الزمان الفاحش الذى كان يدفع البعض وئد بناتهم وكذلك زمن موسى مما جعل صرامة قانونه من رجم وجلد

لدى خاطرة تأملتها هنا فى سويسرا .. الملاحظة التى ينتبه لها أى زائر مهما كانت البيئة التى أتى منها هى (النظافة) .. بإنغماثى فى هذا المجتمع عشرون عاماً علمت أصل السويسرين قبائل جبلية خشنة طعامهم البطاطس والسمك وإحترافهم للرعى (الأبقار) .. يغترب النساء فى النمسا وألمانية محترفين مهنة (الخدم) والرجال مهنة القتال المأجور (مرتزقة) فى كل أوربا والى الآن حرس بابا الفاتيكان من السويسرين وإن أختلف المعنى معنوياً كمظر كلاسيكى

المهم فى تلك الحقبة كانوا بعيدين كل البعد عن النظافة .. يدعى المصريين أنهم من علمهم النظافة من بعثة تبشيرية للأقباط الآرثودوكس .. لا أعتقد فى ذلك فلا يظهر ذلك على البيئة المصرية .. النظافة فى سويسرا دخلت فى إطار القانون لأى مهنة وإرشادات الطريقة المثلى للتطبيق مكتوبة على كل المرافق مدعمة بالصور وأحياناً مضاف لها لغة فاقدى البصر فليس هناك إستثناء

تأملت ذلك ووجدته تطبيق مثالى (للأمر المعروف و النهي عن المنكر) ورغم أن ذلك مقرون بقوة القانون لكن اللغة تعكس التهذيب فى المعاملة ولا تستعمل تعابير مثل (ممنوع) أو تلك المدعمة بالتهديد والوعيد

الملاحظة التانية وأنا أقرأ إرشادات الغسيل والحمام تذكرت فرائض الوضوء والغسل التى درسناها فى الوسطى .. خطر فى بالى بأن الأعراب فى ذلك الزمان كانوا وسخين شديد ياخ :p

حسين عبدالجليل
23-10-2015, 03:07 PM
سلامات يا حسين


لدى خاطرة تأملتها هنا فى سويسرا .. الملاحظة التى ينتبه لها أى زائر مهما كانت البيئة التى أتى منها هى (النظافة) ...................................
.................................................. .......................
المهم فى تلك الحقبة كانوا بعيدين كل البعد عن النظافة .........................
.................................................. ............................
الملاحظة التانية وأنا أقرأ إرشادات الغسيل والحمام تذكرت فرائض الوضوء والغسل التى درسناها فى الوسطى .. خطر فى بالى بأن الأعراب فى ذلك الزمان كانوا وسخين شديد ياخ :p


سلامات يارأفت وإن شاء الركبة الجديدة شغالة تمام !
مثلك أعتقد بأن العرب تعلموا النظافة من الإسلام , ودعنا نقرأ هذا الحديث :

عن أنس رضي الله عنه في الحديث المتفق عليه قال:
بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيحون به: مه مه (أي دع)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزرفوه، دعوه" (أي لا تقطعوا عليه بوله)، فترك الصحابة الأعرابي يقضي بوله، ثم دعا الرسول صلى الله عليه وسلم الأعرابي فقال له:
"إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن"
و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه دلوا من الماء"،
فقال الأعرابي:
"اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا"،
https://www.facebook.com/7n3ml.5er/posts/448605065231839

قارن بين رحمة الرسول الذي دعاهم ليتركوه حتي يكمل بوله في المسجد ! وبين ماكان سيحصل له اليوم في اي مسجد !


و بمناسبة السويسرين والنظافة هاك الكلام دا عن رحلة احمد ابن فضلان (توفي في 921م) عن رحلته لبلاد الروس و الصقالبة و الاسكندنافيين وقوله التالي في وصف الروس:
«وهم أقذر خلق الله لا يستنجون من غائط ولا بول، ولا يغتسلون من جنابة، ولا يغسلون أيديهم من الطعام، بل هم كالحمير الضالة، يجيئون من بلدهم فيرسون سفنهم بإتل وهو نهر كبير، ويبنون على شطه بيوتاً كباراً من الخشب.
.................................................. .............
.................................................. ................
ولا بد لهم في كل يوم من غسل وجوههم ورؤوسهم بأقذر ماء يكون وأطفسه. وذلك أن الجارية توافي كل يوم بالغداة، ومعها قصعة كبيرة فيها ماء، فتدفعها إلى مولاها فيغسل فيها يديه ووجهه، وشعر رأسه فيغسله ويسرحه بالمشط في القصعة، ثم يمتخط ويبصق فيها، ولا يدع شيئاً من القذر إلا فعله في ذلك الماء. فإذا فرغ مما يحتاج إليه حملت الجارية القصعة إلى الذي إلى جانبه ففعل مثل فعل صاحبه، ولا تزال ترفعها من واحد إلى واحد حتى تديرها على جميع من في البيت. وكل واحد منهم يمتخط ويبصق فيها ويغسل وجهه وشعره فيها»[14]."
http://www.alukah.net/culture/0/6567/#ixzz3pOjf3Gdl

في فيلم امريكي اسمو The 13th Warrior مأخوذ من قصة رحلة احمد بن فضلان لاوربا ومثل فيهو عمر الشريف , لو لقيت طريقة شوفو .

imported_عبدالله علي موسى
24-10-2015, 04:22 PM
مولانا الجميل حسين ليك وحشة. جينا نطايبك بهناك لقينا الباندويدث كملت. السيد رأفت لعلك شديد. متابعة

imported_عبدالله علي موسى
24-10-2015, 04:37 PM
إبن سعود و إبن عبدالوهاب قاموا بتسييس و دعشنة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" عندما جندوا "الاخوان" و أنقنعوهم أن حربهم لدرء المفاسد والنهي عن المنكر و كاد السحر أن ينلقب على الساحر في أكثر من مناسبة والإشارة لحروب إبن سعود مع الأخوان بعد فتح الحجاز....ألخ. و إلى يومنا هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكله الفج يكاد يقتصر على الوهابية و هو إتصال مباشر لفكر و دور الأخوان.
حتى لا يشتبه البعض أعني اخوان الجزيرة العربية الذين ثاروا على حاكم نجد قبل إبن سعود و سكنوا الواحات ولا أعني الأخوان المسلمين.

منقول جيد من محمد عابد الجابري رحمة الله.



7- في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...

محمد عابد الجابري
من المعروف أن جميع الذين مارسوا التطرف والعنف باسم الإسلام، في الماضي كما في الحاضر، قد فعلوا ذلك تحت شعار "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". وهذا مبدأ إسلامي لا جدال فيه أقرته عدة آيات، منها قوله تعالى : "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ"، وقوله "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110-114 -آل عمران).
ونريد هنا أن نبين كيف تناول علماء الإسلام من مختلف الاتجاهات هذا المبدأ.
رأينا في المقالات السابقة كيف حمَّل خوارج الأمس –ويحمِّل خوارج اليوم- هذا المبدأ ما لا يحتمل، فخرجوا به عن نطاقه ومقصده: فمن جهة رفعوه في وجه كل من لم يخرج معهم، فـ"المعروف" عندهم هو رأيهم، والمنكر هو رأي مخالفيهم، لقد اعتبروا فرض عين، يجب على كل مسلم. ومن جهة أخرى جعلوا العنف (العنف بالقول والعنف بالسيف) وسيلة لتطبيقه، وطبقوا ذلك على الأفراد وعلى الحكام، فجعلوا الخروج على الإمام من مقتضياته.
أما المعتزلة المعروفون باتجاههم العقلاني فقد جعلوه خامس أصول مذهبهم (بعد التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد). غير أنهم لا يوافقون الخوارج في فهمهم ولا في تطبيقهم له. هم يؤكدون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، بمعنى أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقي، واشترطوا فيمن يجوز له القيام بهذا الفرض الكفائي شروطا: منها أن يعلم أن المنكر موجود حاضر، والمقصود بالعلم هنا هو علم اليقين وليس مجرد الظن. ومنها أن يعلم أن قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يؤدي إلى مضرة أعظم منه. ومنها أن يعلم، أو يغلب في ظنه، أن لقوله فيه تأثير، أما إذا لم يتأكد، أو لم يكن يرجح في ظنه، أن قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيأتي بالنتيجة المرجوة، فإنه لا يجب عليه فعل ذلك. ومنها أن يعلم، أو يغلب على ظنه، أنه لا يؤدي به ذلك إلى مضرة في ماله أو في نفسه.
وإضافة إلى ذلك يميز المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين: مالا يقوم به إلا الأئمة، وما يقوم به مطلق الناس. أما الأول فكإقامة الحدود وحفظ بيضة الإسلام وسد الثغور وتنفيذ الجيوش وتولية القضاء والأمراء الخ. وأما ما يقوم به غيرهم من عامة الناس فهو كشرب الخمر والزنا, "ولكن إذا كان هناك إمام مفترض الطاعة فالرجوع إليه أولى". غير أنهم جوزا الخروج على الإمام إذا كان فاجرا فاسقا ولكن بشرط التأكد من النجاح في تغيير الوضع.
ومع أن أهل الحديث يوردون حديثا نبويا مشهورا بالصيغة التالية: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه"، فإن بعض المعتزلة يذكرونه بالصيغة التالية :"من رأى منكرا فليغيره بلسانه فإن لم يُجْدِ ذلك فبِيَدِه". وهذا مفهوم، فالمعتزلة يجعلون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلا من أصول مذهبهم مرتبطا بالأصل الذي قبله وهو أن الله لابد وأنه ينفذ وعده ووعيده، وبالتالي فمرتكب الكبيرة (وهو فاعل المنكر) مدان ما لم يتب.
أما الأشاعرة وهم منظرو مذهب أهل السنة والجماعة فيرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية لأنه "مشروط بالعلم بالمعروف وبالمنكر": "فإن الجاهل ربما دعا إلى الباطل وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف، وربما عرف الحكم في مذهبه وجَهِلَه في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا". ولذلك كان المكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم العلماء دون غيرهم، فهم الذين يعرفون المعروف ويعرفون المنكر، في كل وضعية وحسب الأحوال.
والشيء نفسه يقوله الحنابلة. ومن متأخريهم، المنظم لمذهبهم، الذي يحاول الجمع بين "صحيح المنقول وصحريح المعقول"، الفقيه ابن تيمية. والضابط عنده لهذه المسألة هو مراعاة المصلحة، فإن كان تغيير المنكر سيؤدي يقينا إلى مصلحة فهو واجب، أما إن كان هناك شك في ذلك فالأمر يختلف. يقول: "ولهذا لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه؛ ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إن كان ما يحصل بذلك من فعل المحرمات وترك واجب، أعظم مما يحصل بفعلهم المنكر والذنوب، ولو نهوا عن ذلك وقع بسبب ذلك شر أعظم مما هم عليه من ذلك، ولم يمكن منعهم منه، ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة. فالمنهي عنه إذا زاد شره بالنهي وكان النهي مصلحة راجحة كان حسناً، وأما إذا زاد شره وعظم وليس في مقابلته خير يفوته لم يشرع، إلا أن يكون في مقابلته مصلحة زائدة. فإن أدى ذلك إلى شر أعظم منه لم يشرع، مثل أن يكون الآمر لا صبر له، فيؤذي فيجزع جزعاً شديداً يصير به مذنباً، وينتقص به إيمانه ودينه. فهذا لم يحصل به خير لا له ولا لأولئك؛ بخلاف ما إذا صبر واتقى الله وجاهد، ولم يتعد حدود الله بل استعمل التقوى والصبر".
ويشترط ابن تيمية في الناهي عن المنكر شروطا منها: "أن لا يتعدى على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم، أو نهيهم أو هجرهم، أو عقوبتهم؛ بل يقال لمن اعتدى عليهم عليك نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت". ومنها: "أن يقوم بالأمر والنهي على الوجه المشروع، من العلم والرفق، والصبر، وحسن القصد، وسلوك السبيل القصد"، فلا يبالغ ولا يتصرف بحقد الخ. ومنها "إقبال المرء على مصلحة نفسه علماً وعملاً، وإعراضه عما لا يعنيه، كما قال صاحب الشريعة: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، ولاسيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء إليه حاجة من أمر دين غيره ودنياه، لا سيما إن كان التكلم لحسد أو رئاسة".
ويؤكد ابن القيم الجوزية، تلميذ ابن تيمية، هذا الاتجاه فيجعل "إنكار المنكر أربع درجات : الأولى: أن يزول ويخلُفُه ضدُّه. الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته. الثالثة: أن يخلُفَه ما هو مثُلُه. الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه. فالدرجتان الأوليَاَنِ مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة".
ويضيف: "فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحبّ إلى الله ورسوله كَرَمْي النشَّاب وسباق الخيل ونحو ذلك. وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مُكاءَ وتَصْدِية (صفير) فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيراً من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلاً لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلاً بكُتُب المجون ونحوها وخِفْتَ من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر فَدَعْهُ وكتبه الأولى، وهذا باب واسع".
ثم يضيف : "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول: مررت أنا وبعضُ أصحابي في زمن التَّتَار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم مَنْ كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يَصُدُّهم الخمرُ عن قتل النفوس وسَبْي الذرية وأخذ الأموال، فَدَعْهُم".
وهكذا: "فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه وأهله. وهذا كالإنكار على الملوك والوُلاَة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر. وقد استأذن رسولَ الله في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: لا، ما أقاموا الصلاة». وقال: «مَنْ رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعَنَّ يداً من طاعته».
وإنما نحا فقهاء السنة هذا المنحى لأنهم قارنوا بين وضعية الدولة ووضعية الفتنة، وضعية اللادولة، ففضلوا أخف الضررين وفقا للقاعدة الفقهية المعروفة. وهذا ما قصده ابن القيم فهو يضيف مباشرة: "ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها (وجدها حدثت بسبب من) إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر؛ فطلب إزالته فتولَّد منه ما هو أكبر منه؛ فقد كان رسول الله يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عَزَمَ على تغيير البيت ورَدِّهِ على قواعد إبراهيم، ومَنَعه من ذلك ـ مع قدرته عليه ـ خشيةُ وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حَدِيثي عهدٍ بكفرٍ، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه".
***
وبعد، فقد كان قصدنا هنا التذكير لمن يعرفون والبيان لمن لا يعرفون. إن مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" مبدأ إسلامي حقا. ولكن فهمه وتطبيقه مقيدان بالنتيجة. هنا لا يكفي أن نقول "الأعمال بالنيات"، بل لابد من إدخال النتائج في الحساب. ذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتحدد بنية صاحبه فحسب إذ هو لا يتعلق بعلاقة المرء بالله فحسب، بل هو يتعلق أساس بالعلاقة بالناس، أي بالتشريع. ولذلك كان لابد من اعتبار النتيجة والمصلحة.
على أن ما يثير الانتباه حقا هو أن الجانب الفقهي المتعلق بـ "النهي عن المنكر" يكاد يطمس في فكر القدماء الجانب الثاني وهو "الأمر بالمعروف"، مع أن هذا هو الأصل. إن اتجاه تفكير الفقهاء كان مشدودا إلى الجانب القانوني أعني "النهي عن المنكر". أما الجانب الأخلاقي الذي هو "الأمر بالمعروف" فلم يحظ منهم بنفس الاهتمام، بل وقع السكوت عنه، على عكس ما هو الحال عليه في القرآن: فقد ورد الحث على المعروف وحده في 27 آية، وإذا أضفنا إليه "المعروف" الوارد في عبارة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" بلغ عدد آيات الحث على المعروف 37 آية، في مقابل 13 أية فقط لشجب المنكر. إن هذا يدل على أن الحث على المعروف هو الأصل، وأن "النهي عن المنكر" فرع منه، مستند إليه. وهذا عام في القرآن فآيات الأحكام قليلة العدد جدا بالقياس إلى آيات الأخلاق. والحق أن القرآن كتاب أخلاق، عظيم مجيد، وليس مجرد "مسطرة جنائية".
وهذا موضوع آخر يحتاج إلى تفصيل.

08-07-2003

imported_رأفت ميلاد
24-10-2015, 05:39 PM
كدة إحلوت بوصول عبدالله موسى ألف مرحب بيك

قارن بين رحمة الرسول الذي دعاهم ليتركوه حتي يكمل بوله في المسجد ! وبين ماكان سيحصل له اليوم في اي مسجد !

والله يا حسين ملاحظة قوية شديد بتذكرنى قصة الراجل الطردوه من الجامع الكبير فى الخرطوم عشان عندو إيدز

بعدين ياخ الركبة ما جديدة بس شوية صيانة وإصلاحات عشان نواكب ياخ

حسين عبدالجليل
27-10-2015, 07:55 PM
مولانا الجميل حسين ليك وحشة. جينا نطايبك بهناك لقينا الباندويدث كملت. السيد رأفت لعلك شديد. متابعة

إبن سعود و إبن عبدالوهاب قاموا بتسييس و دعشنة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" عندما جندوا "الاخوان" و أنقنعوهم أن حربهم لدرء المفاسد والنهي عن المنكر و كاد السحر أن ينلقب على الساحر في أكثر من مناسبة والإشارة لحروب إبن سعود مع الأخوان بعد فتح الحجاز....ألخ. و إلى يومنا هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكله الفج يكاد يقتصر على الوهابية و هو إتصال مباشر لفكر و دور الأخوان.
حتى لا يشتبه البعض أعني اخوان الجزيرة العربية الذين ثاروا على حاكم نجد قبل إبن سعود و سكنوا الواحات ولا أعني الأخوان المسلمين.

منقول جيد من محمد عابد الجابري رحمة الله.





في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...

محمد عابد الجابري
.................................................. ..............................................
.................................................. ..............................................
وبعد، فقد كان قصدنا هنا التذكير لمن يعرفون والبيان لمن لا يعرفون. إن مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" مبدأ إسلامي حقا. ولكن فهمه وتطبيقه مقيدان بالنتيجة. هنا لا يكفي أن نقول "الأعمال بالنيات"، بل لابد من إدخال النتائج في الحساب. ذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتحدد بنية صاحبه فحسب إذ هو لا يتعلق بعلاقة المرء بالله فحسب، بل هو يتعلق أساس بالعلاقة بالناس، أي بالتشريع. ولذلك كان لابد من اعتبار النتيجة والمصلحة.
على أن ما يثير الانتباه حقا هو أن الجانب الفقهي المتعلق بـ "النهي عن المنكر" يكاد يطمس في فكر القدماء الجانب الثاني وهو "الأمر بالمعروف"، مع أن هذا هو الأصل. إن اتجاه تفكير الفقهاء كان مشدودا إلى الجانب القانوني أعني "النهي عن المنكر". أما الجانب الأخلاقي الذي هو "الأمر بالمعروف" فلم يحظ منهم بنفس الاهتمام، بل وقع السكوت عنه، على عكس ما هو الحال عليه في القرآن: فقد ورد الحث على المعروف وحده في 27 آية، وإذا أضفنا إليه "المعروف" الوارد في عبارة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" بلغ عدد آيات الحث على المعروف 37 آية، في مقابل 13 أية فقط لشجب المنكر. إن هذا يدل على أن الحث على المعروف هو الأصل، وأن "النهي عن المنكر" فرع منه، مستند إليه. وهذا عام في القرآن فآيات الأحكام قليلة العدد جدا بالقياس إلى آيات الأخلاق. والحق أن القرآن كتاب أخلاق، عظيم مجيد، وليس مجرد "مسطرة جنائية".
وهذا موضوع آخر يحتاج إلى تفصيل.


ملاحظة في غاية الروعة من الجابري!


سعيد جدا برجوعك للمنبر عبر هذا البوست يا عبدالله , فلا تحرمنا من كتاباتك و مواضيعك القيمة و المفيدة .

حسين عبدالجليل
27-10-2015, 07:57 PM
كدة إحلوت بوصول عبدالله موسى ألف مرحب بيك
......................




بالتاكيد يارأفت أخوي !

حسين عبدالجليل
27-10-2015, 08:00 PM
احتاج لمداخلة أخيرة لإكمال فكرتي .

imported_قرقاش
28-10-2015, 09:17 AM
الحبيب حسين ..عساك طيب يارجل ...مشتاقين كتير..
بالنسبه للموضوع ..صامتين ومنصتين وجالسين متحكرين
التحيه لك ولضيوفك بدون فرز ..

حسين عبدالجليل
01-11-2015, 07:25 PM
الحبيب حسين ..عساك طيب يارجل ...مشتاقين كتير..
بالنسبه للموضوع ..صامتين ومنصتين وجالسين متحكرين
التحيه لك ولضيوفك بدون فرز ..

تحياتي الحارة لأخينا العزيز قرقاش , اتشرف جدا بوجودك هنا .

حسين عبدالجليل
01-11-2015, 07:29 PM
الناظر لحال معظم المجتمعات الاسلامية اليوم يلاحظ حرصا أكثرا علي تأدية الشعائر الدينية الفردية من صلاة و صيام مما كان عليه الحال في جيل آبائنا وهذ بفضل الله شيئ جميل . الا أن هذ الطفرة الملحوظة في أداء الشعائر لم تواكبها طفرة أخري في الدعوة للتمسك بقيم أسلامية أخري هامة تقوم و تسقط بها اﻷمم ,مثل العدل و مايتبعه من عدم المحاباة و المساواة أمام القانون.

"إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ."

ماأدعو اليه هو أن يتبني معظم أصحاب الخطاب اﻵسلامي العالي اليوم ,كخطباء المساجد , و المنضوين تحت مظلة التنظيمات الدينية من طرق صوفية و سلفيين, فهما أكثر شمولية للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .

تبني الخطاب الديني لفهم شمولي للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يشمل مقاصد الاسلام في العدالة اﻻجتماعية , المساواة , التعمير , محاربة الفقر - وكل مايؤدي للحكم الراشد سينتج عنه فرض هذه اﻻجندة علي الطبقة الحاكمة و سيؤدي الي أنهاء الاستقطاب الحاد في المجتمعات الاسلامية بين دعاة الخطاب الديني و دعاة الخطاب الليبرالي او حتي العلماني , اذا أن كل هذه المدارس الفكرية تلتقي في مثل هذه القيم السامية.

و أزعم أن الريادة أﻷخلاقية التي ستتأتي بتبني هذا الطرح الكلي ستجعل مهمة اﻷمر بالمعروف و النهي عن المنكر في السلوك الفردي أكثر قبوﻻ واكثر مصداقية مما هو عليه الحال اليوم .