تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : اين هم فى الزحام الآن ؟ (1-64) بقلم : سيد احمد الحردلو


elmhasi
26-01-2018, 05:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الاثنين 28 محرم 1427هـ الموافق 27 فبراير 2006م
اين هم فى الزحام الآن ؟ (1)
بقلم : سيد احمد الحردلو
اكاد ازعم ان المحظوظين هم الذين عاشوا بعض الوقت فى قاهرة ستينات القرن العشرين ، فقد كانت قاهرة جمال عبدالناصر ايامها تكاد تكون (حفلاً متنقلا) بتعبير الروائي الامريكى ارنست همنجوي وهو يصف باريس ايامه تلك . كان كل شئ مزدهرا فى تلك القاهرة ، خاصة الآداب والفنون بكل ضروبها - كانت القاهرة تكتب وبيروت تطبع والخرطوم تقرأ ، وكانت الدنيا بخير .
* وكنت ادرس اللغة الانجليزية بجامعة القاهرة الام ، واتابع الحياة الثقافية بكل ضروبها ، واحرص على حضور الندوات ، خاصة منتدى نجيب محفوظ فى كازينو صفية حلمى بميدان الاوبرا ، وندوة محمود العقاد فى ميدان روكس بمصر الجديدة .
* واذكر ان واحدة من اهم المعارك بين الدكتورين محمد مندور ورشاد رشدى فى بدايات الستينات ، فمندور كان يؤمن بأن الفن للحياة ، بينما رشدى كان يقول ان الفن للفن ، وكان الرجلان يتبارزان امام جمهور بعضه مؤيد للاول والآخر مؤيد للثانى فى عدد من الاندية والمنتديات .
حتى ان الكاتب المصرى الشهير محمود السعدنى كتب مرة فى روز اليوسف او صباح الخير - كتب يقول (يا سيد .. يا احمد .. يا حردلو .. بطل متابعة الدكاترة .. وشوف دروسك) وهي عبارة ظل الصديق العزيز والفنان الكبير ابراهيم العوام - وكان زميل دراسة فى تلك الايام - يرددها كلما التقينا .. وآخر مرة رددها هذا الاسبوع ، الامر الذى اثار فى ذاكرتى ذكريات تلكم الايام ، فدفعنى للابحار نحوها .
* وكنت ايامها كذلك اراسل ’’مجلة الاذاعة والتلفزيون‘‘ والتى كان الفيتورى رئيساً لتحريرها ، غير ان الاستاذ الراحل بشير محمد سعيد رئيس تحرير ’’الايام‘‘ طلب منى ان احرر صفحة اسبوعية مقابل خمسة جنيهات شهرياً ، وهكذا بدأت احرر صفحة اسميتها (نافذة على القاهرة) كنت انقل فيها اخبار الادب والمسرح واجرى مقابلات مع رموز الصحافة والادب ، واذكر منهم احسان عبدالقدوس ومصطفى وعلى امين ونجيب محفوظ وتحية كاريوكا وغيرهم .
* وكان الناقد الفنى جليل البندارى رجلاً مهابا فى الوسط الفنى وكان يحرر صفحة اسبوعية فى ’’اخبار اليوم‘‘ بعنوان (ليلة السبت) وكنت ازورهـ فى مكتبه مساء كل جمعة ، وكان هو الذى يرتب لى المواعيد مع الفنانين ، اما الادباء والصحفيون فكنت اعرف سكتى اليهم . دخلت عليه ذات مساء لاحظت انه يدخن بشراهة ومشغول البال ، وما ان ابصرنى حتى نهض وهو يقول (يا سيد .. يا احمد .. انا عندة خبر قنبلة .. ام كلثوم حتغنى من الحان عبدالوهاب .. وانا عايز لهذا الخبر) - قلت (ما تسميه لقاء القمة) قال : (لا .. ما ينفعش .. كلمة قمة دي للسياسة) واشعل لي سجارة فقلت وانا اشكرهـ على السجارة (ايه رأيك فى ’’لقاء السحاب‘‘) فإنتفض واقفاً بجسدهـ الضخم وهو يقول (هيه دي .. يا ابن الايه .. انت تستاهل جائزة) وجلس يكتب ، تركته حتى ينتهى من صياغة الخبر ، فقلت له (سمعتك تقول جائزة) قال ايوهـ انت تستاهل جائزة ، فقلت له جائزتى هي ان تعمل لي موعدا مع صديقتك تحية كاريوكا - وكنت اعرف انهما صديقان ولكن لدودان .. كل واحد فيهما لسانه (سلبه) ما ان يلتقيان حتى يشتمان بعضهما .. حتى فى الاذاعة رفع سماعة التلفون .. وبدأ يشتم الطرف الآخر .. فأدركت على الفور ان الطرف الآخر هو (تحية كاريوكا) وبعد ان انتهى سجال الشتائم - قال لها (معاي شاب سودانى جدع .. شاعر وصحفى وطالب بالجامعة .. ويراسل صحيفة ’’الايام‘‘ اكبر الصحف السودانية .. وعايز يجرى حوار معاكى .. خاصة وانت محبوبة فى السودان) - وضع السماعة وهو يقول (تحية تقابلك بكرة الساعة اربعة فى مسرح الازبكية .. بس قبل ما تمشى مر عليا عشان اشوف الاسئلة لازم الاسئلة تكون جامدة أوي) ..
* وعدت فى اليوم التالى الى مكتب البندارى ، واعطيته الاسئلة ، وقرأها وقال (الاسئلة كويسة .. بس هنا فى نصف الصفحة (قولها .. (انت ليه بتحبى القطط اكتر من الكلاب ، مع انو القطط غدارين) - عجبت للسؤال .. ولا شأن له بالمسرح او الرقص - وعلى كل ذهبت للمسرح ، حيث تعرض مسرحيتها (قهوة التونة) وكان توفيق الدقن احد ابطالها - ووجدت جميع افراد الفرقة جالسين على النجيل ، ومعهم زوج تحية ومخرج المسرحية - فايز حلاوة - وهو يذكرك بفتوات شارع محمد على شكلاً وحجماً ولبساً .
* يتضرع واحدهم فى الشارع وهو يقول (اوديكى فين يا عافية) - لكن فايز حلاوة رحب بي - وكذلك توفيق الدقن وبقية الفرقة وطلبوا منى ان اقترح على الست زيارة الفرقة للسودان . ثم اخذنى المخرج الى حيث تجلس (الست) نهضت ورحبت بي ترحيباً حاراً ، وجلست امامها ، وهي تلبس قميصاً وبنطالاً وكركباً ، ممتلئة الجسد ، ودودة الوجه واللغة - وجاء فايز بالكازوزة .. وبدأت الاسئلة ، وهي ترد مبتسمة ومرات ضاحكة ، الى ان جاء دور السؤال (الكارثة) ’’إنتى ليه بتحبى القطط اكتر من الكلاب ، مع انو القطط غدارين‘‘ وتعال شوف .. (وعينك ما تشوف الا النور) ساعة انتفضت وقفزت وصرخت (يا ابن الكلب .. يا ابن الـ .. انت البندارى مسلطك عليا .. يا فايز!)
* واخرجت الكركب من قدمها وتقدمت نحوى .. فخطفت اوراقى وقفزت من النافذة - وظللت اعدو طوال شارع فؤاد .. وانا العن سنسفيل جليل البندارى ، الى ان وصلت لدار ’’اخبار اليوم‘‘ فوجدت البندارى ومعه مجموعة من المحررين جالسين امام المدخل على الارض ، وجميعهم يكادون ينفجرون من الضحك والصراخ ، وكان البندارى (يتدردق) على الارض - وهو فى كامل هندامه الابيض - وما ان رأي الشرر يتطاير من عينى حتى نهض وهو يقول (حقك عليّ) وانا اصرخ فيه (عملت فى كدهـ ليه) وهو يقول معليش تعال فوق .. اشرب كوب ليمون .. وانا احكى لك كل الحكاية) وصعدت معه على مضض .
وحكى لى الحكاية التالية : (طبعاً انت عارف انو الست كانت متزوجة الفنان محرم فؤاد .. وبعدين هيه اللى طلقته فغنى لها اغنية اسمها (غدارين) وهي لاتطيق سماع الاغنية ولا كلمة غدارين - هيه اتصلت بى مباشرة بعد ان قفزت انت من الشباك ، وشتمتنى وطيبت على خاطرها ، ووعدت بدعوتك للعشاء فى بيتها واكمال الحوار على العشاء) .. وقد كان .
-2-
* هبط القاهرة (عام 1963م) الاستاذ الراحل المقيم والاديب محمد عثمان يس وكيل وزارة الخارجية فى طريقه الى غانا فى مهمة رسمية ، وكان السفير ابوبكر عثمان محمد صالح يعمل وقتها مستشاراً بالسفارة فى القاهرة ، اتصل بي يخبرنى بوصول الوكيل ودعانى للعشاء معه ، وقبل واثناء العشاء دار حوار طويل حول الشئون الثقافية والادبية ، فكلا الرجلين اديب وقارئ ممتاز (يس كتب (باليه الشعر) فيما بعد - وابوبكر بشرنى قبل ايام بأنه عاد للتو من القاهرة ومعه الجزء الاول من مذكراته) .. وعند انتهاء العشاء ونحن نهم بالخروج قال لى الوكيل يس ان مكانك الطبيعى هو الخارجية .. ونحن سنكون فى انتظارك .. وظل السفير ابوبكر يذكرنى دائماً بذلك وفى يوليو 1965م بعد تخرجى سافرت للاسكندرية للمشاركة فى معسكر لوداع الخريجين ، وظل ابوبكر يبحث عنى لأن هناك امتحاناً للسكرتيرين الثوالث ، وكان هو قد رتب لى بأن اجلس للامتحان فى السفارة - وحين عدت من الاسكندرية ذهبت لزيارته فى مكتبه وحين رآنى قال (انت وين يا اخى - فتشنا عليك القاهرة كلها .. كان هنالك امتحان وفاتك .. على كل حال سيكون هنالك امتحان آخر بعد ثلاثة اشهر) .
* اعطيته نسخة من شهاداتى واعطيت نسخة اخرى للملحق الثقافى واظنه كان الراحل ابوبكر عبدالهادى عليه رضوان الله - وتركت له عنوانى بالسودان .
* نسيت ان اقول اننى وقبل ان اذهب للاسكندرية كنت قد كتبت خمس مقالات بعنوان (يا سيدى الرئيس .. نستأذنك فى كلمتين من القلب) وكانت موجهة لذلك الانسان العظيم .. الراحل المقيم (البوس) محمد احمد المحجوب ، رئيس الوزراء ووزير الخارجية ، وارسلتها للصديقين الاديبين والقاصين الكبيرين محمود محمد مدنى والحسن محمد سعيد ، مع توصية بتشرها فى احدى الصحف المستقلة (وحددتها بصحف الايام او الرأي العام او السودان الجديد او الزمان) لكن الصديقين العزيزين اخذا المقالات الى صحيفة ’’الميدان‘‘ حيث اطلع عليها الاستاذان احمد سليمان المحامى وسمير جرجس سكرتير التحرير ، واحتفلا بالمقالات وتم نشرها من الاول وحتى الخامس من يوليو 1965م - ولم اكن اعرف ذلك حتى ذهبت مع السفير ابوبكر عثمان محمد صالح لاعود الاستاذ موسى المبارك الذى كان يستشفى باحد مشافى القاهرة ايامها ، وكان راقداً على السرير وسلم علينا ، ولكن حين قال له السفير (دهـ سيداحمد الحاردلو) نهض الرجل من رقدته واستوى على السرير وهو يقول (انت عامل ضجة كبيرة فى السودان) - فاجأنى قوله ، وكانت المرة الاولى التى اراهـ فيها (فسالته فى حياء كيف!) فقال : (مقالاتك الخمس المنشورة فى الميدان اثارت ضجة كبيرة) - نفس هذا الكلام قاله لى سمير جرجس ومحمود محمد مدنى والحسن محمد سعيد واخرون لدى عودتى للسودان .
-3-
* عدت للخرطوم ومعى (ملعون ابوكى بلد) واثار هو الآخر ضجة باسمه اكثر من محتواهـ ، وسافرت لتنقاسى ثم ناوا ، ولعجبى وجدت برقية من وزارة التربية والتعليم تقول بانهم عينونى استاذاً للغة الانجليزية بالاهلية الثانوية بامدرمان (انظر كيف كان الضبط والربط فى السودان) وعدت لامدرمان والتحقت بالاهلية الثانوية ، وكانت مدرسة عجيبة الشأن تعج بالادباء والشعراء ، الطيب شبيكة ، كرف ، نورى ، عوض احمد ، عثمان عثمان حسن احمد - ومن تلاميذى فى الصف الثالث الضابط العظيم عبدالعزيز خالد ، وزروق وكانا شاعرين .
* وذات يوم وانا لم اكمل شهرين بتلك المدرسة فاجأنى ابن عمى القاضى وقتها الاستاذ الصادق سيداحمد الشامى ، بان هنالك امتحاناً بالخارجية سيكون بعد ايام ، وانه قدم لى ، وهكذا جلسنا للامتحان فى قاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم ، ثم بعد فترة طلبوا من الاوائل الحضور للخارجية (للإنترفيو) وكان برئاسة السفير والعالم الموسوعى الثقافى عبدالكريم ميرغنى وعضوية عدد من السفراء اذكر منهم رحمة الله عبدالله ، كمال البكرى ، المليك ، وطال الحوار معي لدرجة اقلقت زملائى المنتظرين بدورهم فى الخارج ، فقد كان عبدالكريم ميرغنى يحاورنى عن الادب الاغريقى والرومانى والانجليزى والعربى والمصرى ، وبالذات د.ليوس عوض ، كما شمل الحوار (ملعون ابوكى بلد) - وبعد اسابيع جئت للخارجية ومعى الصديق محمود نديم ، وكان هو ايضاً قد امتحن ، فوجدنا السفيرين عبدالكريم ميرغنى وابوبكر عثمان محمد صالح واقفين فى حديقة الخارجية . فقال لى عبدالكريم ميرغنى (ان موقفك ممتاز جداً .. ولكن تقرير البوليس ضدك ويقول بانك يسارى وهاجمت الرئيس فى صحيفة الميدان) واضاف وايدهـ السفير محمد صالح (بانهما سيذهبان للرئيس ’’البوس‘‘ هذا المساء ، وطلبا منى الحضور غداً فى نفس هذا الوقت ، وفى نفس المكان) ونظرت للساعة وكانت الحادية عشر .
* وجئت فى اليوم التالى فى ذات الزمان والمكان ، ووجدتهما واقفين وما ان ابصرانى حتى هتفا معاً : (مبروك .. البوس قال ياخدوك اول واحد) .
ايها الناس .. ايها السودانيون - الاحياء منكم والاموات . الديمقراطيون منكم والشموليون .. الحاليون منكم والقادمون .
هكذا كان السودان .. فأعيدوا الينا ذلك السودان ، واستووا .. يرحمكم الله .

سيداحمد الحردلو


الخرطوم 24 فبراير 2006م

elmhasi
26-01-2018, 05:45 PM
جريدة الوطن - الاحد - 18 صفر 1427هـ - الموافق 19 مارس 2006م
اين هم فى الزحام الآن ..!؟ ) 2 ( من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
وصلت القاهرة فى اكتوبر 1960م ، بقصد الدراسة الجامعية (لم تكن زيارتى الاولى للقاهرة .. لكن تلك قصة اخرى) ونزلت فى بيت عمى عثمان الحسن الشامى ، بكشاويش نقطة الهجانة المعادى المجاورة لقصر الملكة دينا عبدالحميد زوجة الملك حسين الاولى ، وكانت المعادى ايامها ماتزال مدينة السفراء والباشوات ، والعلماء من امثال الدكتور مصطفى مشرفة ، مدير جامعة القاهرة السابق ، وكذلك كانت مدينة بعض الفنانين ، واذكر منهم حسين صدقى صاحب فيلا البنفسج ، والسيارة البنفسجية ، وشيد مسجداً بجانب الفيلا ، اسماهـ مسجد حسين صدقى ، ذهبت لمكتب القبول بجامعة القاهرة ، لكن مديرهـ اخبرنى بأن موعد القبول قد انتهى ، فعدت ادراجى حزيناً الى دارة عمى بالمعادى ، لاحظ عمى ذلك فسالنى ورويت له ما جرى ، فرد بإقتضاب (خليك جاهز الساعة خمسة) خرجنا معاً هو ببزته العسكرية ضخماً وفخماً ، يضرب الارض وكأنه يمشى فى طابور عسكرى ، وانا اسعى بجانبه فى صمت وحيرة ، لا ادرى الى اين نحن ذاهبان .
كانت المعادى مدينة صغيرة ، جميلة وهادئة ، اشجارها مزدهرة بكل الوان وانواع الزهور ، ممنوعة فيها الشاحنات واللوارى وصافراتها ، لاتسمع وانت فى شوارعها سوى هفهفة الاشجار وشقشقة العصافير الملونة هي الاخرى ، وقفنا امام احدى الفلل ، فخرج الحارس يرحب بعمى ، فساله عمى (الباشا موجود؟) فقال (نعم) ودخلنا الى الصالون ، وبعد دقيقة ، ولدهشتى جاء رجل مشلول يسعى على عجلة يديرها بنفسه ، فحكى له عمى ما جرى ، رفع السماعة وقال للطرف الآخر فى حدهـ (ازاي يجيلك إبن أخ الشامى وتقولو التقديم انتهى ! بكرهـ حيجيلك احمد الحردلو وتأخدوهـ فى قسم اللغة الانجليزية!) واغلق التلفون ، وخرجنا وانا لا اكاد اصدق ما رأيت وسمعت ، وعملت من عمى ان هذا هو الدكتور مشرفة .
نهضت مبكراً فى اليوم التالى وذهبت الى مكتب عميد كلية الآداب وقلت للسكرتيرة (انا عندى موعد سيادة العميد) تفحصتنى من خلف نظارتها قليلاً ، وسالتنى (نقول له مين؟) وقلت اسمى فرفعت السماعة واخبرت العميد ، فإذا بالعميد يفتح الباب وهو يصيح (يا ابنى انا عملت فيك إيه ؟ تشتكينى للدكتور مشرفة .. ليه ؟ تعال اتفضل) فتبعته وانا اعتذر ، فأنا لم اشتك احداً ، ثم بدأ يتحدث معى بإنجليزية جميلة ، وسالنى هل تعرف الدكتور عزالدين المهدى (انه صديقى وزميل دراسة فى لندن) (اذكر اننى كنت اشاهد اسمه على باب عيادته حين امر فى الشارع الممتد بين نادى الخريجين ومشفى امدرمان).
جئت فى اليوم التالى الى قسم اللغة الإنجليزية ، وجلست فى آخر صف فى مدرج كبير ، وبدأت اتأمل واحصى عدد الطلاب ، فوجدتهم حوالى المائتين طالب ، ثمانون فى المائة منهم صبايا - وعملت فيما بعد ان معظمهم ينتمون للطبقات المرتاحة ، حيث يتلقون تعليمهم فى المدارس الانجليزية .
كان رئيس قسم اللغة الانجليزية هو الدكتور رشاد رشدى ، وكان ناقداً وكاتباً مسرحياً ، وكان معجباً بالشاعر الانجليزى تى اس اليوت لدرجة الهوس شعراً ونقداً وفكراً ، وكان يحفظ معظم قصائدهـ (كالارض اليباب والرجال الجوف) وهي قصائد طويلة واليوت امريكى ، لكنه تجنس بالجنسية الانجليزية ، وكانت هناك الدكتورة فاطمة الموسى استاذة الادب المقارن ، والدكتور شوقى السكرى ، آخرون غابت عنى اسماؤهم ، لكننى مازلت اذكر معيدين كانا صديقين وهما محمد عنانى والدكتور سمير سرحان .
وكانت الدراسة فى هذا القسم متشعبة ، فهم يدرسون اللغة الانجليزية وآدابها وفكرها من الشعراء جوسر ، والذى كان يلقب باب الانجليزية ، وكان يكتب بلغة شبه حوشية ، الى شكسبير الى الشعر الميتافيزقى الى الانطباعى الى الرومانسى الى الشعر المعاصر ، الى جانب تدريس اللغتين اللاتينية والفرنسية ، وكانوا يدرسون الشعر والرواية والمسرح الامريكى كاشعار ذلك الشاعر الامريكى إي - إي - كمنقز (E.E.Cummings) والذى لايؤمن بالـ (Capital Letters) ولكنه يبدأ قصائدهـ بالحروف الصغيرة ، وكانوا يحفلون كذلك بالرواية الانجليزية لشارلز دكنز ، وبرنارد شو ، وفروست ، ودي اتش لورنس ، وجويس ، الى آخر القائمة . وكذلك يدرسون روايات وقصص ومسرحيات الامريكيين ، ارنست همجوي ، وآرثر ملر ، وتنسى ، وليمز ، الى جانب الادب السوفيتى لأنطونى شيكوف ، وجوركى ، الى الادب الفرنسى ، خاصة جي دي موباسان ابوالقصة القصيرة ، الى جانب الآداب الاغريقية الرومانية القديمة ، الى المعلقات السبع ، والى الآداب الآسيوية ، فالدراسة فى قسم اللغة الانجليزية كانت سياحة كونية فى آداب وافكار الدنيا .
-2-
كان هنالك قسم للاعلام ، قريب من قسم اللغة الانجليزية ، وكان يحاضر فيه الاستاذ مصطفى امين رئيس تحرير الاخبار واخبار اليوم ، وكنت احرص على حضور محاضراته ، ومن هنا بدأت صداقتى معه .
وبدأت رويداً رويداً اتعرف على المسرح المصرى ، وكان فى قمة ايامه لكتاب كبار كيوسف ادريس ونعمان عاشور ، وسعدالدين ابراهيم ، وغيرهم . وكانت مسرحيات شهيرة كالفرافير ليوسف ادريس وسكة السلامة لسعدالدين وغيرها تعرض على مسارح القاهرة ، وفى تلك الايام ظهر سعد ادرش ، وكرم مطاوع ، وجيلهما ، وكانت هناك مجموعة من الشباب المسرحى يدرسون معنا فى جامعة القاهرة ، كالضيف احمد (قسم اللغة الانجليزية) وعادل امام (كلية الزراعة) وكانت لهم بداياتهم المسرحية فى فرقة ضمت الى جانبها يونس شلبى ، سمير غانم ، وجورج سيدهم .
وكان الضيف احمد يشارك فى مسرحية بطلاها فؤاد المهندس وشويكار (زوجته ايامها) وكانت تعرض على المسرح العائم (وهو عبارة عن صندل على النيل ويجلس المشاهدون على الشاطئ) وذهبنا لمشاهدة المسرحية الدكتور الطاهر محمد على وبدرالدين هاشم (عليهما رضوان الله) وشخصى ، وكان يجلس على الطرف الايمن من المسرح الدكتور كمال مصطفى والسيدة حرمه ، وبدأ العرض ، وكانت مسرحية فيها الكثير من التهريج وجاء مشهد هكذا (يسأل فؤاد المهندس احدهم : انت اسمك مينا؟) فيرد الآخر (اسمى اسمانا) فيسأل المهندس :(انت من فينا يا اسمانا؟) ويرد الآخر (انا من ام درمانه!) وما ان انتهى المشهد ، حتى وجدت نفسى اقفز من مكانى واعبر (السقالة) وانا اصرخ فى الضيف احمد ثم امسكت فؤاد المهندس من رقبته ، وصرخ المهندس (الحقنى يا ضيف ، صاحبك حيموتنى) فأمسك الضيف بى وهو يقول : (خلاص يا سيد .. حنحذف المشهد) .
وعدت الى مكانى فوجدت الطاهر وبدرالدين يقهقهان وهما يقولان (يا اخى مافيها حاجة !) .
وبدأت اتعرف على الشعر المصرى والسودانى والعراقى (كان البياتى لاجئاً فى مصر) بشكل مباشر بعد ان كنت اطالعه فى الدواوين والمجلات والصحف ، فقد نشأت علاقات وطيدة بينى وبين شعراء مصر ، ايامها خاصة صلاح جاهين وعبدالرحمن الابنودى واحمد عبدالمعطى حجازى وصلاح عبدالصبور ومحمد ابراهيم ابوسنة ، كما نشأت علاقة صداقة بينى وبين محي الدين فارس وتاج السر الحسن (والذى كتب مقدمة ديوانى الاول (غداً نلتقى) والذى كتبت اشعارهـ فى مدرسة وادى سيدنا الثانوية ، كما نشأت صداقة قوية بينى وبين الشاعر جيلى عبدالرحمن ، والذى كان يعمل صحفياً بجريدة المساء ، اما الفيتورى فقد تعرفت عليه فى السودان ، حين جاء اليها فى الخمسينات وعمل رئيساً لتحرير صحيفة النيل الناطقة بلسان حزب الامة ، ثم عمل رئيساً لتحرير مجلة الاذاعة والتلفزيون فى عصر عبود ، وقبل ثورة اكتوبر بقليل عاد الى مصر .
كنا - الشاعر تاج السر الحسن وانا ، نلتقى فى مقهى باب اللوق كل شهر ، وكان قريباً من اذاعة ركن السودان ، ومن هناك كنا نذهب الى السيدة الفضلى ثريا جودت (البقرة الحلوب ، كما كنا نسميها) كانت حين ندخل عليها (تهش وتبش) وتدخل بنا الى الاستديو وبعد التسجيل تسلم كل واحد منا اربعة جنيهات (قيمة القصيدة خمسة جنيهات ، وكانت تخصم جنيهاً للضرائب ، حسب العرف المتبع) .
ذات يوم كتب الشاعر صالح جودت مقالة يهاجم فيها الشاعر الكبير التجانى يوسف بشير ، ويطالب وزارة التعليم المصرية بحذف قصيدة للتجانى ، كانت تدرس لطلاب المرحلة الثانوية فى المنهج .
وزرت الشاعر الجيلى عبدالرحمن محتجاً ، فشجعنى على الرد عليه وبالفعل كتبت مقالاً شديد اللهجة ونشرهـ جيلى فى جريدة المساء ، وحين عدت لجيلى بعدها قال لى (حتعمل ايه مع ثريا بعد كدهـ ؟) وحين سألته (لماذا؟) قال ضاحكاً (انت ما تعرفش انه صالح جودت عمها!) فانقطعت عن اذاعة ركن السودان حينا من الدهر ، لكن السيدة الفضلى أرسلت من قال لى (ثريا تقول لك إنت واحشنا) وعدت ولم تفتح الموضوع معي أبدأ !
* أعلن فى القاهرة عام 1961م بأن الرئيس جمال عبدالناصر سيزور السودان ، وكتبت قصيدة ترحب به فى السودان ، ونشرها جيلى عبدالرحمن فى جريدة المساء ، وحين إلتقيته بعد أيام قال لى (يا إبن الإيه .. دهـ الريس قرأ القصيدة وأشاد بها ، وأخبر الصاغ صلاح سالم بذلك ، وإن الصاغ أخبر مصطفى بهجت رئيس التحرير والذى بدورهـ أخبرنى) .
-3-
* زار القاهرة فى تلك الأيام الفنان الكبير ابراهيم عوض (شفاهـ وعافاهـ الله) وكان الاستاذ رحمى سليمان رئيس تحرير الاخبار قد اطلق عليه لقب (الفنان الذرى).
وطلبت اليه ان يجرب ان يغنى لجمهور غير سودانى ، فوافق على الفور ، فحشدت له مئات الطلاب المصريين والعرب ، فى مسرح تابع للجامعة ، وجاء ابراهيم عوض ومعه فرقة موسيقية كاملة ، وقدمته للحضور ، فغنى وأطرب ، وكانت تجربة ناجحة للغاية ، وكانت مجانا منه ومن الفرقة .
ثم جاء الفنان الكبير محمد وردى فأخذته الى مكتبة مدبولى ، وكانت مجرد كشك فى ميدان طلعت حرب ، وكان مدبولى يرص الكتب على الارض امام الكشك ، وكنت أنوى إهداء وردى بعض الكتب ، ووقفنا امام الكتب وبدأت أقرأ عناوينها ، وكلما ذكرت عنوانا كان وردى يقول (قريته) فقلت له (مادمت قد قرأت كل هذه الكتب .. لماذا لاتكتب؟) ثم أخذت وردى الى الناقد الفنى الكبير جليل البندارى بأخبار اليوم وقلت له (هذا هو عبدالحليم حافظ السودان .. وبالمناسبة وردى غنى (بعد إيه) السودانية قبل أن يغنى عبدالحليم حافظ (بعد إيه) المصرية ، وإستمع البندارى الى مقاطع من (بعد إيه) وقال لوردى (والله إنت بتغنى احسن من عبدالحليم!).
-4-
كنا نسافر لمصر بالقطار حتى حلفا بالباخرة حتى اسوان ثم بالقطار حتى القاهرة ، لكن فى عام 1964م إنخفض منسوب النيل بشكل كبير لدرجة ان الملاحة توقفت بين حلفا واسوان . وكان العام الدراسى الجديد يوشك أن يبدأ فى الجامعات المصرية ، وكان عدد الطلاب السودانيين فى الجامعات المصرية بالمئات ، فوجه الرئيس ابراهيم عبود (عليه رضوان) سودانير بتخفيض تذاكر السفر للطلاب ، فأصبحت قيمة التذكرة سبعة جنيهات فقط . بينما نحن فى الطائرة التى ما تزال فى مطار الخرطوم ، شاهدت بالنافذة رجال امن وموتر سايكلات ثم رتلا من السيارات هبط من احدهما الرئيس عبود ونائبه حسن بشير نصر وعدد من الوزراء واذكر منهم الاستاذ احمد خير وزير الخارجية ، وصعد عدد منهم الى الطائرة وجلسوا فى مقصورة الدرجة الاولى ، كان ذلك فى شهر اكتوبر 1964م ، كانوا فى طريقهم لحضور قمة عدم الإنحياز المنعقدة فى القاهرة .
(لاحظوا معي رئيس السودان يركب فى رحلة سودانير العادية ، ودرجتها السياحية مكدسة بالطلاب العائدين للدراسة !!!) .
حين هبطنا مطار القاهرة لاحظنا إن الطائرة إقتربت كثيرا من مبنى المطار ، ولاحظت بالنافذة الزعيم جمال عبدالناصر واقفا وحوله عدد من كبار المسئولين ، وهبط الرئيس عبود ومعاونوهـ من باب الدرجة الاولى ، وأغلق باب الطائرة وسحبت بعيدا الى مكانها العادى .
إنتهى المؤتمر وعاد عبود الى السودان ، وماهي إلا ايام حتى إندلعت ثورة أكتوبر يوم 21 ، كانت الإتصالات بالخرطوم شبه معدومة ، كانت الاخبار تأتى من السفارة المصرية بالخرطوم الى وزارة الخارجية .. وكان الاستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الاهرام وقتها مقربا من الرئيس جمال عبدالناصر ، وكانت تصله فى الحال نسخة التقارير السرية الواردة لوزارة الخارجية المصرية من جميع سفاراتها - كانت الاهرام ايامها فى مبناها القديم وسط القاهرة ، وكان الاستاذ الصحفى عبدالله عبيد (اللاجئ فى مصر) يقيم فى شقة مجاورة للاهرام وكان يكتب فى الاهرام ، وكان له علاقات طيبة بالعاملين ، فقررنا ان نجتمع عندهـ كل صباح (الشريف حسين الهندى) وكان لاجئا بمصر ، وابوالمعالى عبدالرحمن الذى كان يعمل فى الجامعة العربية والشاعر محمد مفتاح الفيتورى وشخصى الفقير الى الله . وكان عبدالله عبيد ينقل الينا بالهاتف من الاهرام اخبار ثورة اكتوبر - التفت فلم اجد الفيتورى ، معنا فخرجت من الصالون ابحث عنه فى الغرفة المجاورة ، فوجدته فى دوامة بكاء شديد ، فسألته (مابك؟) فقال بالحرف (كلكم شرفاء إلا انا الخائن الوحيد بينكم!) .
ربت على كتفه وقلت له (يكفيك ان الزعيم الازهرى انشد قبل قليل امام الجماهير المحتشدة قبالة بيته قصيدتك (اصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باقى) - كان وردى قد غير فى بعض كلمات القصيدة المكتوبة اصلا لافريقيا - مثل (ابدا ماهنت يا افريقيا يوما علينا) وصيرها (ابدا ما هنت ياسوداننا يوما علينا) - وعلمت ان وردى كان قد لحنها قبل ثورة اكتوبر وإحتفظ بها فى مسجل فى بيته - وأطلقها مع شرارات اكتوبر الاولى) فإنفجرت اسارير الفيتورى ، وقدمت له ورقة وقلما وانا اقول له :
(هيا .. أكتب قصيدة جديدة عن الثورة) فأخذ القلم والورق وخرجت الى الصالون - وقبل ان نغادر ، قرأ لى (لولحظة من وسن تغسل عنى الحزن - تحملنى - ترجعنى - الى تخوم وطنى!) وارسلناها لوردى .
كتب هيكل مقاله الشهير (ثم ماذا بعد!؟) وكان سؤالا مشروعا ، لكن الاخبار بدأت تتواتر الينا فى القاهرة (ان المظاهرات الغاضبة فى الخرطوم تحاصر السفارة المصرية ، وقد حرقت العلم المصرى!) وزار القاهرة وفد سودانى برئاسة سرالختم الخليفة رئيس الوزراء ومحمد احمد محجوب وزير الخارجية ، والتقوا بالرئيس جمال عبدالناصر وكبار معاونيه ، واحتشدنا (نحن السودانيون) (طلاب موظفون وعمال) فى مسرح البالون وهو اكبر مسارح مصر نستقبل وفد ثورة اكتوبر وخطب فينا كل من الخليفة والمحجوب فاجاد الاول وجود الثانى شعرا ونثرا .
وذهبنا نحن الطلاب الى السفارة السودانية بنواحي جاردن ستى مختفلين بالثورة . ووقف يخطب فينا ذلك الرجل الوطنى العظيم واحد رواد الحركة الوطنية السفير احمد مختار ، فإذا بطالب جاهل جهول يصرخ فيه (يا خائن!!) توقف احمد مختار عن الكلام ونظر لى وقال (انا خائن ياحردلو؟!) فهتفت (كلا .. وكلا .. بل أنت واحد من رموز الحركة الوطنية السودانية الاصيلة) وكان الاستاذ ابوبكر عثمان محمد صالح - المستشار وقتها بالسفارة واقفا بجانب السفير .
ولقد طلبت من ذلك الطالب ان يعتذر للسفير وبالصوت العالى وقد فعل .

سيداحمد الحردلو
الخرطوم 16 مارس 2006م

elmhasi
26-01-2018, 05:50 PM
الخميس 22 صفر 1427هـ الموافق 23 مارس 2006م
اين هم فى الزحام الآن !؟ (3) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* ظهر فى تلك الستينات مسرح الجيب او التجريب او اللامعقول او العبث فى مصر ، وكان قبلها قد ظهر لكتاب من اوربا الاطلس والورال ، وشيد المصريون له مسرحاً صغيراً فى المنطقة المتاخمة لمبنى الاوبراء الآن ، وكان روادهـ من المثقفين والمسرحين والادباء ، وترجمت تلك المسرحيات الى اللغة العربية ، وكان اشهرها مسرحيتى ’’الكراسى‘‘ و ’’فى انتظار جودو‘‘ واختاروا لها افضل المخرجين والممثلين مع ديكور بسيط وغير معقد .
* الكراسى المصفوفة فى المسرح خالية ، وكان الممثل يخاطب تلك الكراسى الخالية ، وتستمر المسرحية هكذا الى نهايتها !
* اما مسرحية ’’فى انتظار جودو‘‘ فهي حول رجل غامض غير معروف المكان ، يدور الحوار حوله وعن متى سيأتى لأنه هو المخلص لهم مما هم فيه ، لكن ’’جودو‘‘ هذا لايأتى ابداً ، حتى ينفض سامر المسرح والمسرحية .
* كان من اشهر كتاب مسرح اللامعقول صمويل بيكت ويوجين يونسكو وادموف .
* كانت التجربة مشوقة فى بدايتها لجدتها وغرابتها وعبثيتها ، لكنها لم تعمر كثيراً وعاد رواد وعشاق المسرح الى مسرحهم التقليدى والجديد فى آن واحد .
-2-
* صدر ديوانى الاول ’’غداً نلتقى‘‘ فى نهايات عام 1960م من مطبعة الكاملابى وهو سودانى كان يعيش فى القاهرة ، واحتفل به النقاد والشعراء كالشاعر الدكتور تاج السر الحسن ، والدكتور مصطفى السحرتى ’’والذى كتب دراسة نقدية انطباعية مطولة ، وكان يطلب منى ان نجلس فى مقهى ، وان احدثه عن تجاربى الذاتية والقومية والانسانية‘‘ اما الصديق الدكتور تاج السر الحسن فقد نظر الى الديوان نظرة ناقد واقعى ويسارى وانتقد الشعراء الذين يريدون للمرأة ’’ان تعيش مستكينة فى قصر مخروطى ، كنزار قبانى مثلاً‘‘ واشاد الناقدان بعدد من قصائد الديوان اذكر منها ’’من طفلة افريقيا الى ديجول‘‘ و’’بروون‘‘ و’’عيوب حبيبتى‘‘ و ’’مع مغزل‘‘ ومن ’’اسيا الى اسيا‘‘ و ’’رسالة حب من الجزائر الى جميلة بوحريد‘‘.
* يقول السحرتى فى مستهل دراسته ص 245 من اعمالى الشعرية ’’الجزء الاول‘‘ الشاعر السودانى سيداحمد الحردلو شاعر ذو طاقة شعرية قوية وايقاعات موسيقية سيالة ، وصياغة انيقة النسج وقدرة عجيبة على تطويع القافية للتعبير عن خواطرهـ وآرائه وتجاربه الذاتية والقومية والانسانية ، قدرة اذهلتنى من شاب لم يتجاوز الثانية والعشرين من العمر ’’كتب السحرتى هذهـ الدراسة بعد صدور الديوان بعامين‘‘!.
* اما الصديق الشاعر الكبير تاج السر الحسن فقد بدأ دراسته بقوله ونحن عندما نلقى نظرة على ديوان ’’الحردلو‘‘ نجد انه شاعر تعتنى قصائدهـ بالصور الحالمة الغزلية وترى فى شعرهـ موسيقى دفاقة وارفة مما يبشر بقدر وموهبة فطرية مزدهرة‘‘.
* اما الاديب المشرف على الملف الثقافى فى جريدة المساء ، فقد كتب عنواناً كبيراً يقول فيه ’’نزار قبانى جديد من السودان ! وكتب عنه كذلك كل من الشاعر الجيلى عبدالرحمن وسعيد الشيبانى ’’اليمنى الاصل‘‘ والاستاذ الناقد المصرى احمد رشدى صالح‘‘.
اما الطلاب السودانيون الدارسون بالازهر الشريف فقد اقاموا امسية خاصة بالاحتفاء بالديوان تحدث فيها ادباؤهم عنه حديثاً طيباً .
* كنت من رواد منتدى الروائى الكبير نجيب محفوظ صباح كل جمعة فى كازينو صفية حلمى ، بميدان الاوبرا القديم ، وكان نجيب محفوظ يحفظ قصيدة ’’من طفلة افريقية الى ديجول‘‘ وينشدها من وقت لآخر على رواد منتداهـ .
-3-
* لااذكر اين كان اللقاء الاول بينى وبين صدام حسين ، هل كان فى نادى البحرين ام فى كفتيريا كلية الآداب ام فى مقهى انديانا بميدان الدقى ، حيث تعود صدام ان يلعب النرد مع الناقد الكبير رجاء النقاش ، المهم ان علاقتى به تحولت الى صداقة ، لاحظت انه كثير الانتشار فى اوساط الطلاب العرب ، فى محاولات لتجنيدهم لفكر البعث ، وهكذا وجدت نفسى عضواً فى حلقة سرية فى شقة فى الدقى ، كان يوصينى بعد الحلقة ان اغير خط سيرى فى طريق عودتى لشقتى فى شارع الفريق ابراهيم عبود ’’كان يقول لى اركب تاكسياً اولا لمدة خمس دقائق ثم خذ اتوبيساً لباقى المسافة او اعمل العكس!‘‘ وكان يطلب منى ان اذهب معه لزيارة بعض الطلاب العرب فى اماكن سكنهم ، واذكر مرة ذهبنا لزيارة طلاب كويتيين ، وكان هناك مطرب حسن الصوت يغنى ’’ياحادى العيس عرج كي اودعهم‘‘ ولاحظ صدام اننى لست معهم فى احاديثهم ، ولكنى مع المطرب والمسجل . فقال لى ’’يا احمد هذا ناظم الغزالى وهو فنان عراقى كبير‘‘ و ’’بعد ايام زارنى فى شقتى واهدانى الشريط الذى به تلك الاغنية‘‘.
* كان مسؤول تلك الحلقة وكان يحاضرنا عن فكر البعث وعن تاريخ نشوء الحزبين فى كل من العراق وسوريا ، وكان يعطينا كتب ميشيل عفلق ومنيف الرزاز ، وغيرهما .
* زارنا فى تلك الايام وفد من طلاب جامعة الخرطوم من ’’جمعية الصداقة العربية‘‘ وكانوا يردون زيارة قام بها وفد من الاطلاب المصريين لهم . وكان الوفد مكوناً من الاساتذة :
1 - الصادق سيداحمد الشامى ..المحامى .
2 - اسحق شداد .. المحامى .
3 - جلال عتبانى .. السفير .
4 - المرحوم عبدالله محجوب سيداحمد ’’السفير‘‘.
5 - الزعيم محمد بشير ’’الكاتب المعروف‘‘ .
6 - على الحسن محمد ’’الاقتصادى الكبير‘‘ .
7 - المرحوم عبدالله محمد عبدالرحمن .
8 - جعفر الامين .
9 - كمبال .
والسيدات الفضليات :
10 - بدور عثمان ابوعفان .
11 - زكاء عبدهـ دياب .
12 - الدكتورة ام شديد .
* اخبرت صدام عنهم فتحمس للقائهم واخذتهم الى النادى البحرينى حيث التقى بهم صدام حسين ، والذى طلب منى ان ارحب بهم باسم الطلاب العرب ، وارتجلت كلمة حماسية ، خاف بعض اعضاء الوفد ان يصيبنى مكروهـ بسببها !
* كان الصديق حسن صالح بيومى ’’المسئول الامنى السابق‘‘ يسكن بالعمارة المجاورة للعمارة التى فيها شقتى ، وكان دائماً يشاهد صدام قادماً او خارجاً معى ، وكان يأتى قريبا منى ويهمس فى اذانى ’’العراقى دهـ حيجيب خبرك !‘‘ وكنت دائماً اقول لبيومى ان هذا الشاب سيحكم العراق ، وكان يردد ’’ودهـ رأيي انا كمان‘‘ وكان الدكتور سعيد الشيبانى يسكن شارع شاهين وهو طريق ذهابنا وايابنا ، ودائماً تجدهـ جالساً فى بلكونة شقته فى الطابق الاول يكتب شعراً عن الثورة الوطنية اليمنية . وكان كلما ابصر صدام معى يهتف من مكانه وبالصوت العالى ’’حيضيعك .. حيضيعك!‘‘.
* حدث انقلابان بعثيان خلال 1963م احدهما فى مارس فى بغداد والآخر فى دمشق بعد عدة اشهر ان لم تخنى الذاكرة ، وأظنهما كانا سبب قطع صدام لدراسته الحقوقية ، وكان فى الصف الثالث وعودته الى بغداد .
* ففى ذات يوم خلال عام 1963م ونحن فى الحلقة قال لنا ’’انا ماشى فى مأمورية‘‘ وقدم لنا عراقياً آخر يتولى شؤون الحلقة ، وكان ذلك اليوم آخر عهدى بالحلقة ! .
* وللحقيقة والتاريخ كان صدام حسين ، الطالب شاباً مهذباً وحازما ومثقفا لا يدخن ولايعاقر الخمر ، ولا يبصبص للبنات ، واستلف منى رواية الامريكى ارنست همنجوي ’’العجوز والبحر‘‘ وقال لى انه قرأ الرواية ثلاث مرات ، وانه معجب بصبر وجلد واصرار وشجاعة العجوز !
* كنت افكر دائماً عن سبب اعجاب صدام بذلك العجوز حتى سمعت وقرأت كيف جاهد وثابر وصبر فى شجاعة واقدام حتى اصطاد حوت قيادة العراق لاكثر من ثلاثين سنة ، ولولا حرب ايران ثم اجتياح الكويت وحربها ثم الغزو الامريكى - البريطانى ، لحول صدام العراق الى الدولة العربية الاولى فى الصناعة والزراعة والعلوم ، بكل انواعها ، لكن يبقى السؤال ’’هل كانت الصهيونية العالمية ومن خلفها سيسمحون له وللعراق بذلك ؟!‘‘.
-4-
* ومر عام على سفر صدام وكنا نجلوساً فى مقهى انديانا وكنا مجموعة من الطلاب العرب ، وكان رجاء النقاش يلعب النرد كعادته مع شخص آخر ، ودخل المقهى شخص لم نرهـ من قبل ، وسأل ’’اين عم حنفى؟‘‘ ’’حنفى هو جرسون المقهى وهو نوبى مصرى‘‘ فقيل للسائل ’’ذاك عم حنفى‘‘ فسلم عليه السائل وقال له ’’الرفيق صدام يسلم عليك وبعث لك بهذا الظرف‘‘ فاذا بعم حنفى يرفع عقيرته قائلاً ’’صدام مين .. صدام‘‘ فقال له صاحب المقهى ’’يا جدع متفضحناش .. دهـ الجدع اللى كان ’’بشكك‘‘ وما بدفعش!‘‘ فرد عم حنفى ’’آهـ .. هو أشتغل والا إيه؟‘‘ وتسلم الظرف ، وعلمنا ان بداخله ثلاثة آلاف جنيه مصرى ، سال لها لعاب الحاضرين ، وعلى رأسها صاحب المقهى ، وعم حنفى ، لكن عم حنفى اختفى بعدها ولم نعد نراهـ فى المقهى .


-5-
* زار احمد شامى ’’عليه رضوان الله‘‘ القاهرة فى تلكم الايام وهو امين عام ’’الحزب الشيوعى - القيادة الثورية‘‘ وهو ابن عمى ، وكان فى طريقه الى الصين بدعوة من الحزب الشيوعى الصينى .
واقام بفندق فى العتبة ، وارسل لى خطاباً بالبريد الى قسم اللغة الانجليزية ، وما ان تسلمت الخطاب حتى ذهبت اليه فى الفندق ووجدته يرتب حقيبته استعداداً للسفر بعد ساعتين ، فأخذته لغداء سريع فى مطعم مجاور للفندق ، وحين وصلنا للمطار كانت الطائرة قد اقلعت قبل دقائق ن وحين ابصرنا دبلوماسى صينى يقف بعيداً للدواعى الامنية ، صار يصفق يديه اسفا على هذا التاخير ، ولكنه اشار الى ان هناك طائرة باكستانية اخرى بعد ساعة ، المهم سافر الاستاذ احمد بعد ان اخبرنى بموعد عودته .
* طلب منى الاستاذ ابوالمعالى عبدالرحمن حين شاهد كثرة الزوار الذين يزوروننى فى شقتى ، وامتحانات الجامعة على الابواب ان انتقل الى شقته لاجد وقتاً كافيا للمذاكرة ، خاصة وهو يسكن وحدهـ ، فرحلت الى شقته ، وكان يخرج لعمله فى الجامعة العربية مبكراً ويعود عصراً ، وكنت اجد نفسى اقرأ لمدة 17 ساعة فى اليوم .
* عاد احمد الشامى من الصين ونزل معنا ، وطلب منى ان اجمع له عدداً من الشيوعيين المصريين ، فدعوت له محمد عودة وآخر نسيت اسمه ، كما دعوت الاستاذين سالمين وعلى سالم البيض ، واللذين اصبحا رئيسين لجمهورية اليمن الديمقراطية فيما بعد ، كما دعوت طالباً كان يدرس معنا ، وكان يزعم بانه شيوعى ، وكانت جلسة ممتعة للغاية .
*عاد احمد شامى الى السودان ، وبعد يومين رن جرس الشقة ففتح الباب ابوالمعالى عبدالرحمن ، واذا احد يسأله ’’هل انت قريب احمد شامى ؟‘‘ فرد ابوالمعالى ’’لا‘‘ ولكنه قريب الحردلو‘‘.
فسأله صوت آخر ’’وكانا اثنين‘‘ الحردلو موجود ؟‘‘ وقبل ان يرد ابوالمعالى خرجت اليهم ، فقد كنت اسمع الحوار الدائر ، وقلت لهما ’’نعم - انا الحردلو‘‘ فسألنى احدهما ’’احمد شامى قريبك؟‘‘ فقلت ابن عمى . فقال ’’كان بيعمل ايه فى الصين ؟‘‘ فقلت ’’لاادرى‘‘ فسأل ’’هو سافر امته للسودان؟‘‘ فقلت : قبل يومين . فقال ’’هو بيشتغل ايه فى السودان؟‘‘ قلت ’’فى العمل الوطنى‘‘ فقال ’’العمل الوطنى ، والا الشيوعية ؟‘‘ قلت له : ’’انا لا اجد فرقاً بينهما‘‘ فقال ’’نحن عارفين انه زعيم الحزب الشيوعى - القيادة الثورية‘‘ فقلت : ’’ما هو انتوا عارفين كل حاجة‘‘ وذهبا - وعدت للجامعة فى اليوم التالى ورويت لاصدقاء مصريين مقربين ما حدث ، وكانت قناعتنا ان ذلك الشاب المصرى الذى كان يزعم انه شيوعى ، ليس شيوعياً ، ولكنه مخابرات ، وقطعنا صلتنا به نهائياً !!.
-6-
* كنت موفقاً - بحمد الله - فى دراستى فى قسم اللغة الانجليزية ، بسبب اننى كنت ومازلت عاشقاً للادب والقراءة ، وكانت النتائج تتراوح بين ممتاز وجيد جداً فى جميع المواد ، وكان الاستاذ رشاد رشدى ’’رئيس القسم يدرسنا شعر اليوت ، ومدرسته فى النقد ، وكان الى جانب الامتحان التحريرى لديه امتحان شفهى ، يندهـ اسم الطالب او الطالبة فيقف المنادى عليه ويسـأله سؤالاً فيجيب عليه ويسجل فى الورق الذى امامه الدرجة التى يستحقها المجيب ، وكان حين يأتى دورى ينادى اسمى فأقف ، ولا يسألنى ، بل ينحنى على الورق ويسجل الدرجة و’’كان الطلاب دائماً يقولون لى بعد الامتحان‘‘ طبعاً .. عشان انت شاعر ، ما بيسألكش .!‘‘ ولم اكن اعلق ’’ولاحقاً وفى زيارة له الى لندن دعاهـ السفير الاديب والمفكر جمال محمد احمد للعشاء وكانا صديقين ، ودعانى وحين وصلت بيت السفير وجدت ان الدكتور رشاد رشدى قد سبقنى ، وهنا قال السفير جمال ’’اهو اديت السودان دبلوماسى ممتاز‘‘ فرد دكتور رشدى ’’آصل - دهـ كان اجدع طالب عندنا!‘‘ رويت هذهـ المقدمة التى اجد حرجاً فى روايتها لامر مذهل حدث لى فى نهاية العام الدراسى لعام 1963م اذ وجدت نفسى راسبا فى ثلاث مواد كان يدرسها لنا المعيد الاستاذ محمد عنانى ’’وكنا اصدقاء جدا‘‘ لم اصدق ما حدث ، ولم يصدق زملائى ما حدث ، ولم اقابل عنانى ، وسافرت للسودان ’’على الراسب فى ثلاث مواد ان يعيد السنة‘‘ المهم اكملت دراستى ، والتحقت بالخارجية ونقلت الى السفارة فى لندن ، وذات يوم وانا فى ادارة الاعلام ’’اخبرتنى السكرتيرة شيلا قوقر ان شخصاً اسمه محمد عنانى على الخط ، رفعت السماعة فاذا به محمد عنانى استاذى وصديقى وقال ’’انه جاء لندن لعمل الدكتوراة ، واعطانى عنوانه واخبرنى انه قد تزوج ويريد ان يرانى حالاً لامر ضرورى ، وحملت معى بعض الهدايا وذهبت اليه - وقدمنى لزوجته ، وجلسنا نتحدث انا وهو عن لندن ، فقال لى : ’’انا مستغرب بقالنا حوالى نصف ساعة ، ولم تسألنى عن امر ظل يشغلنى لثلاث سنوات ، ولابد انه اصابك بصدمة شديدة‘‘ فقلت له :’’هات ما عندك!‘‘ فقال : ’’اقصد موضوع رسوبك فى الثلاث مواد ، واعادتك لسنة بسببها‘‘ قلت له ’’اننى حتى اللحظة لااعرف السبب ، ولم افكر ان أسألك ونحن فى القاهرة‘‘ .
* قال ’’الآن اقول لك الحقيقة ، هناك نظام كانت تعمل به المخابرات المصرية ، فى ذلك الزمان ، بالنسبة للطلاب العرب المشاغبين سياسياً ، وكان النظام يحتوى على ثلاث عقوبات :-
1 - عقوبة الابعاد للذين يهددون الامن القومى .
2 - عقوبة السجن للاقل خطراً ، لفترة تاديبية ، ثم اطلاق سراحهم وإعادتهم للجامعة .
3 - عقوبة الرسوب فى ثلاث مواد ، وهذهـ للذين لهم نشاط سياسى غير خطير ، وهي عقوبة تحذيرية ، وقد جاءت توجيهات لادارة القسم بنتفيذ هذهـ العقوبة عليك ، واختارونى بوصفى صديقاً لك لتنفيذها !؟
* وظللت اتساءل عن سبب هذا العام الذى ضاع من عمرى ، هل كان سببه علاقتى بصدام حسين ، وهل شعر صدام بانه مراقب وسيرحل ، فبادر بالرحيل ؟؟ ام سببه ذلك اللقاء الذى دعوت له بعض الشيوعيين للقاء احمد شامى ، ام سببه الامران معاً ؟!.
-7-
* كما اسلفت كنت اسكن فى العجوزة ، وكان هنالك مقهى بجوار سكنى ، وكنت اتردد عليه كثيراً لشرب القهوة التى كانت تساعدنى على السهر ، لمواصلة المذاكرة ، وكان الطلاب العرب والسودانيون بالعجوزة يسمون تلك القهوة ’’قهوة الحردلو‘‘ لكثرة ترددى عليها .
* قام الرئيس التونسى الحبيب بورقيبه بزيارة للقاهرة ، بعد قطيعة طويلة وخصومة شديدة بينه وبين الزعيم جمال عبدالناصر ، واحتفلت مصر الرسمية والشعبية بالزيارة ، فانزلوهـ فى هيلتون النيل ’’وكان جديداً‘‘ واقاموا له حفلاً فى نادى الضباط بالزمالك ، احييته السيدة ام كلثوم ، واشادت الصحف والاذاعات والتلفزيونات بالمجاهد الاكبر ، وصدر بيان مشترك اشتمل على العمل على توطيد العلاقات الثنائية وتحرير فلسطين .
* غادر بورقيبه القاهرة الى بيروت ، وقال فى اريحا كلاماً مخالفا لما اتفق عليه فى القاهرة ، وطالب بالقبول بحدود 48 حلاً للقضية الفلسطينية !
* فقامت قيامة الاعلام فى القاهرة صحفاً واذاعات وتلفزيونات ، تهاجم بورقيبه هجوما شديدا بعضهم يصفونه بـ .. بورقيبه!!
* جئت للمقهى كعادتى فى المساء لتناول فنجان قهوة وجلس بجانبى رجل عجوز فطلبت له ايضا فنجان قهوة ، وبدأ يتكلم : ’’شوف كمان بورقيبه دهـ .. سكناهـ فى الهيلتون .. وأكلناهـ فراخ .. جبنالو الست غنت له .. يقوم يروح بيروت ويقول كلام تانى!‘‘ .
* فقلت له ’’لكل مقام مقال - فالبيان المصرى التونسى اولاً ، ثم الرأي العام العربى ثانياً ، اما خطاب بورقيبة فكان محاولة لمخاطبة المجتمع الدولى ، وعندنا فى السودان .. ولم ’’لم اكمل جملتى!‘‘ فإذا به يضع الفنجان بعصبيه على الطاولة ، ويرفع من نبرة صوته ويسالنى ’’هو الاخ من فين؟‘‘ فقلت بهدوء ’’من السودان‘‘ وزاد من ارتفاع نبرة صوته ’’وبقالك ادى ايه كده عندنا اهو!؟‘‘ فقلت بصبر ’’سنتين‘‘ وارتفع صوته مرة ثالثة حتى التفت جميع رواد المقهى نحونا ’’سنتين .. وبتتكلم عربى كدهـ اهو .. ينصرك يا مصر تنطقى الحجر!!!‘‘ .
* ولذت بصمت وجيع .
* جاء صاحب المقهى مسرعاً وغاضباً وجذبه من جلبابه الى خارج المقهى ، وشتمه بصوت عال وهو يقول له ’’يا حمار دهـ طالب جامعى ، وشاعر وبيتكلم عربى احسن منى ومنك ومن كل اهل العجوزة ، وما تهويش تانى ناحية القهوة دي‘‘ ثم جاء صاحب المقهى يعتذر لى ، فشكرته ، ودفعت حساب الفنجانين ، فنجان الشاتم والمشتوم‘‘ و ... مضيت سكتى الى شقتى !!.

سيداحمد الحردلو
الخرطوم 20 مارس 2006م

elmhasi
26-01-2018, 05:52 PM
جريدة الوطن - السبت 2 ربيع الاول 1427هـ الموافق 1 ابريل 2006م
اين هم فى الزحام الآن ..!؟ (4)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
كانت الخرطوم منورة باهلها ايامها تلك نيلاها يزينانها من الشمال والغرب ، وشوارعها نظيفة وعفيفة ومبانيها مصفوفة وكانها خارطة للعلم البريطانى ’’هكذا كانت تبدو للناظر اليها من طائرة‘‘ مقاهيها ومنتدياتها وكازينوهاتها معبأة بالرواد ، ومكتباتها عامرة بالجديد ، ومكتبة الملايين لصاحبها حامد المطرى بالمحطة الوسطى ، روادها من المثقفين يطالعون صحف ومجلات القاهرة وصحف ومجلات وكتب مطابع بيروت يوم صدورها .
وكان مقهى الـ G.M.H او صالة غردون للموسيقى تعرض فنون فرق اوربية من اسبانيا وبريطانيا وفرنسا ومن امريكا ، وكان شارع الجمهورية بحيرة من الضوء والنيون يترامى امامك وحولك كأنه شارع من الاحلام ، وكانت الاسواق مليئة بكل ما لذ وطاب ، والجنيه السودانى يساوى ثلاثة دولارات وثلث الدولار .
* كانت الدنيا ما تزال سودانية متسامحة ومتصالحة مع الذات والآخرة الحرية لكل الناس والديمقراطية لكل الناس ، حرة ، ولم تكن الشمولية قد عرفت سكتها - بعد - الينا .
* وكان هناك زعماء افذاذ نذكر منهم الازهرى والمحجوب ، لأنهما كانا مهندسى مؤتمر اللاءات الثلاث .
-2-
فبعد شهرين وازداد اياما على نكسة حزيران (كان عبدالناصر هو الذى اطلق كلمة ’’نكسة‘‘ على ما جرى فى 5 حزيران - يونيو 1967م فى خطاب استقالته فى 9 حزيران - يونيو 1967م ، لكن الامة العربية كلها هبت فى مظاهرات صاخبة رافضة الاستقالة ، وحاصر الملايين من المصريين بيت عبدالناصر حتى تراجع عنها)
فتحدد ان ينعقد المؤتمر يوم 28 آب - اغسطس 1967م بالخرطوم .
* كانت وزارة الخارجية هي التى تولت الاعداد للمؤتمر فقد كان المحجوب هو رئيس الوزراء ووزير الخارجية ، وكان وكليها السفير خليفة عباس .
* كلفت الوزارة عدداً من الدبلوماسيين الشباب بمرافقة الوفود خلال القمة ، كان ابراهيم حمرا قد كلف بمرافقة الوفد المصرى ، وكنت قد كلفت بمرافقة الوفد الكويتى ، ولكننا تبادلنا المواقع ، وصار حمرا مرافقاً للوفد الكويتى ، وانا مرافقاً للوفد المصرى ، ثم كلفنا السفير الراحل المقيم عمر شونة أنا بمداومة الوجود فى برج المراقبة بمطار الخرطوم ، بمتابعة دخول طائرات الملوك والرؤساء المجال الجوي السودانى ، وسرعة اخطار القصر ومجلس الوزراء ووزارة الخارجية بلحظة وصولها مطار الخرطوم - وظللنا قابعين فى البرج نتابع ونخطر .
* وبين هلالين كان المناخ العربي ايامها هكذا (نكسة حزيران ، وتداعياتها على الساحة العربية ، ثم الحرب الدائرة بين الجمهوريين والملكيين فى جبال اليمن ، بعد ثورة عبدالله السلال عام 1962م ، ثم الصراع الدائر الرئيس جمال عبدالناصر والملك فيصل ، فالاول ارسل جيشاً لدعم الجمهوريين والثانى كان يقوم بدعم الملكيين ، وصار المحجوب - فيما بعد - رئيساً للجنة الثلاثية حول اليمن) .
* اخبرنا البرج فى الصباح (ان طائرة مصرية تحمل شخصية مهمة قد دخلت الاجواء السودانية من الشمال ، فكرنا انها تحمل الزعيم جمال عبدالناصر ، فاخطرنا الجهات المعنية ، جاء الازهرى والمحجوب وكبار المسؤولين الى المطار ، وهبطت الطائرة المصرية (فاذا بالرئيس عبدالله السلال يهبط منها) .
وتواصل وصول الملوك والرؤساء هكذا حتى منتصف النهار ، وكان مئات الالوف من السودانيين قد اصطفوا امام المطار وعلى طول الطريق المؤدى منه الى فندق السودان ، حيث سينزل الملوك والرؤساء ، كانت كل هذهـ المئات المؤلفة قد جاءت لإستقبال الزعيم جمال عبدالناصر أخطرنا البرج (بان طائرة مصرية تحمل شخصية مهمة قد دخلت الاجواء من الشمال ، وفى ذات الوقت فإن طائرة سعودية تحمل شخصية مهمة دخلت الأجواء من الشرق)
* كان واضحاً من هما القادمان ، وعلى الفور ابلغنا الجهات المعنية الثلاث وجاء الازهرى والمحجوب وكبار المسؤولين الى المطار ، وصلت طائرة الرئيس عبدالناصر بخمس دقائق قبل طائرة الملك فيصل ، تركنا البرج واقتربنا من الطائرة (كان عبدالناصر قد اصدر امرهـ باعتقال صديقه المشير عبدالحكيم عامر ، ذلك الصباح ، ثم ركب الطائرة للخرطوم!‘‘
* وقفت اراقب خروجه من الطائرة (وقف فى باب الطائرة ، رفع يدهـ بالتحية ، ثم خلع نظارته السوداء ، ووضعها فى جيب بزته الصغير الاعلى ، كان وجهه شاحبا ، هبط الدرج فى هدوء باسم ، عانق الازهرى ثم المحجوب ، وكان محمد الازهرى نجل الزعيم يرتدى بزة بيضاء ، كان قد تجاوز العاشرة بقليل ، فإنحنى عبدالناصر وقبله) ثم بدأت مراسم الإستقبال .
* كان يقف على يمينى الاستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الإهرام ، يراقب المشهد فى دقة كعادته ، وبعيدا منه كان يقف ابراهيم ماخوس نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية ورئيس الوفد السورى للقمة - (اظن أن الرئيس الاتاسى كان الغائب الوحيد عن القمة).
* بعد لحظات قال الازهرى لعبدالناصر (الاخ فيصل على وشك الهبوط .. ما تقابله معانا؟) فرد عبدالناصر بهدوء (انا عندى مؤتمر صحفى فى قاعة كبار الزوار ، وسيكون معي المحجوب) .
* وبعد لحظات كلف الاستاذ احمد السيد حمد ليخرج للجماهير خارج المطار فى سيارة مكشوفة بمايكرفون يقول لهم (إن عبدالناصر وفيصل سيكونان فى سيارة واحدة نرجو استقبالهما معا) .
* ذهبت الى ماخوس وهيكل وقلت لهما ماسمعت (فالرجلان فى خصومة وليس هذا بالمكان المناسب للقائهما) . فاتفقا على الذهاب فورا الى غرفة كبار الزوار ، لإخطار عبدالناصر ، وتبعتهما ، وكان يحرس مدخل الغرفة الضابط العظيم كمال شريف (وهو صديق دراسة من وادى سيدنا الثانوية) وحاول منعهما من الدخول ، وعرفته عليهما ، ورجوته ان يسمح لهما بالدخول لأمر مهم جدا .
* ودخلا ، وبعد دقيقتين خرج عبدالناصر والمحجوب ، وركبا سيارة مكشوفة ، وركبنا انا وعمر شونة فى سيارة الأمن التى امام سيارتهما مباشرة ، فقد كان قائد فريق الأمن هو الآخر - صديقا من وادى سيدنا وإن كان قائد فريق الأمن اسمه قد غاب عنى للأسف ! .
* وإنطلق الموكب وسط بحر متلاطم من البشر ، بهتفون ويصفقون ، يكادون يحملون السيارة التى تمشى فى بطء شديد ، كان منظرا مدهشا هذا الذى يجرى ، بدأت اراقب وجه عبدالناصر ، فإذا بالدم ويعود الى وجهه ، وإذا بذلك الألق الوسيم يعود الى وجهه ويمتلئ عبدالناصر بالفرح والسعادة (قالت الصحف البريطانية ومنها الغارديان والتايمز فى اليوم التالى (الخرطوم تستقبل القائد المهزوم وكأنه القائد المنتصر!) .
* وصل الموكب الى فندق السودان ، ووقفنا شونة وانا داخل حديقة الفندق ، نراقب باقى الموكب ، ورأينا الوكيل خليفة عباس وهو يدخل وحين ابصرنا فعل بأصابع يدهـ اليمنى حركة تعنى (صبرا) فى إشارة منه الى اننا تركنا موقعنا فى البرج ، وجئنا مع موكب عبدالناصر .
-3-
* فى ذات المساء جمع المحجوب بين عبدالناصر وفيصل فى دارهـ بالخرطوم واحد ، وتم لقاء المصالحة الشهيرة بينهما تحت شجرة ما تزال سامقة تحمل اسم (شجرة المصالحة) .
* صدرت الصحف السودانية فى اليوم التالى ، ولم تشر واحدة منها الى تلك المشاهد التى حدثت لموكب عبدالناصر بين المطار والفندق ، وكنا نقف فى ذلك الصباح (هيكل والفيتورى وشخصى) فى بهو فندق السودان ، وكنا ثلاثتنا غاضبين على ذلك ، سأل هيكل أين يستطيع مقابلة الصحفيين ؟.
فقلت إنهم هناك فى الفندق الكبير ، وذهبنا اليهم ، فقال لهم هيكل بالإنجليزية :
(There was acomplate store between the airport and the hotel , but you did not mention aword about it!)
* (كانت هنالك قصة كاملة بين المطار والفندق ، ولكنكم لم تذكروا عنها كلمة واحدة!) .
* ومضينا والفيتورى يقول لهيكل (ديل كلهم لـ ... ساكت!) .
وضايقنى كلمة وردت فى عبارته ! .
-4-
* إنعقد المؤتمر فى البرلمان القديم ، ووقف الازهرى امام الباب يستقبل الرؤساء ، حتى إكتمل عددهم ودخل اخيرا ، وجلس على منصة الرئاسة وقال (دخلت القاعة ولم اجد كرسيا فارغا غير هذا .. فجلست عليه) ضحك الملوك والرؤساء .. (أظن النكتة مقصودة من الرئيس الازهرى ، ليضفى جوا من المرح المشحون ساعتئـذ !) لكن المحجوب تضايق وقال : (ما إنت الرئيس!) .
* كانت القاعة متواضعة ، وكان الملوك والرؤساء يجلسون فى صفوف متقابلة ، اخرج عبدالناصر نظارة للقراءة ولبسها ، فسأله الملك حسين الذى كان يجلس قبالته (إيه الحكاية !) فرد الرئيس عبدالناصر (من كثرة المشاكل) وضحك ، كان المحجوب هو رئيس وفد السودان ، وجلس محمد حسنين هيكل مع وفد السودان !.
-5-
* وهكذا بدأ المؤتمر فى مناخ من التسامح والتصالح والإخاء ، وصدرت قراراته بالإجماع ، وأكاد أزعم إنها المرة الاولى والاخيرة التى تصدر فيها قمة عربية قرارتها بالإجماع .. وقد يكون زعمى مردودا! .
(أ) اللاءات الثلاثة .. ’’لاتفاوض ... لا إعتراف ... لاصلح‘‘.
(ب) الدعم المادى لدول المواجهة الثلاث - مصر ، سوريا ، والاردن.
(ج) الدعم المادى للسودان بسبب إغلاق قناة السويس ، وإضطرار السودان لسفر صادراته ووارداته عبر رأس الرجاء الصالح ، فإذا بالسودان العظيم يشكر ويرفض الدعم !
-6-
* نسيت ان اقول أن وزارة الخارجية كانت تعد نشرة بأهم الاخبار الإقليمية والدولية فى الساعات الاولى من الصباح وتسلم كل مرافق وفد نسخة ليأخذها الى الوفد المكلف بمرافقته ، واتاح لى ذلك الدخول على الرئيس عبدالناصر مرتين ، وهو على مائدة الإفطار (ولعجبى كان فطورهـ مكونا من الفول والجبن وكوب عصير وفنجان قهوة!).
* دعانا الرئيس عبدالناصر ، كمال شريف وانا لزيارة مصر ، فسمحت القوات المسلحة للضابط العظيم كمال شريف القيام بالزيارة ، بينما رفض وكيل الخارجية (الصارم الذرب) استاذنا خليفة عباس السماح لى القيام بالزيارة ! .
* ذهبت الى المطار لوداع الوفد المصرى بوصفى مرافق له ، فوجدت الرئيس عبدالناصر والملك حسين يقفان داخل المطار وعبدالناصر يقول له (حنسافر دلوقت) ورد الملك (بنعم) وصعد الى طائرته ودخل الى كابينة القيادة ، ليقود الطائرة بنفسه ، فقد كان طيارا ماهرا .
* ومن ثم غادر الرئيس عبدالناصر والوفد المرافق له مطار الخرطوم .. وعدت ادراجى الى وزارة الخارجية !
سيداحمد الحردلو
الخرطوم 29 مارس 2006م

elmhasi
26-01-2018, 05:54 PM
جريدة الوطن - الاربعاء 6 ربيع الاول 1427هـ الموافق 5 ابريل 2006م
اين هم فى الزحام الآن ..!؟ (5)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
التحقنا بوزارة الخارجية فى 6 يناير عام 1966م ، وكنا عشرين من السكرتيرين الثوالث ، وادينا القسم امام رئيس الوزراء ووزير الخارجية الاستاذ محمد احمد محجوب ، وعلى يدي مولانا عوض الله صالح - عليهما رضوان الله - وطلب منى السفير كمال البكرى ، مدير عام الشئون الادارية والمالية وقتها ان ارد على كلمة الرئيس نيابة عن زملائى ، وقد فعلت ، ثم تم تقسيمنا على الادارات المختلفة ليقضى كل واحد منا بعض الوقت ، فى كل ادارة للتعرف على العمل - واذكر اننى بدأت بإدارة الاعلام والتى كان يديرها الاستاذ السفير سرالختم السنوسى ، والذى سبق ان درسنى فى مدرسة وادى سيدنا الثانوية ، ثم طلبنى السفير احمد الطيب الكردفانى ، مدير ادارة غرب اوربا لإنضم الى ادارته ، ثم انتقلت الى الادارة الافريقية التى كان يديرها السفير حسان المصباح ، ويعاونه الوزير المفوض ’’حينها‘‘ عبدالماجد بشير الاحمدى ، وذات صباح طلبا منى أن اعد تقريراً عن يهود الفلاشا الاثيوبيين ، ولم اكن قد سمعت بهم من قبل ، فإنكببت على القراءة والتنقيب فى مكتبة الخارجية ، ثم المكتبة المركزية بامدرمان ، ثم مكتبة جامعة الخرطوم ، ثم دار الوثائق القومية ، ثم داومت على قراءة الاهرام الاقتصادى ، والذى كان يحفل بمختلف الشؤون المعرفية ، واجتمعت لديّ مادة لابأس بها فصغتها فى تقرير رفعته اليهما ، فاحتفلا به وعمماهـ على مختلف الادارات والبعثات الدبلوماسية السودانية .
-2-
* ثم قررت الوزارة ارسالنا الى جامعة الخرطوم لدراسة القانون الدولى والعلاقات الدولية واللغة الفرنسية .. وبينما نحن كذلك قررت الوزارة خصم العلاوة من رواتبنا وكانت ’’15 جنيهاً‘‘ فقدنا اضراباً كان هو الاول والاخير فى تاريخ الدبلوماسية السودانية .
* وكان للوزارة وكيل حازم ومهاب ومثقف وعفيف يد ولسان هو السفير خليفة عباس ، وكان وما يزال يسكن فى الجيلى فى بيته الخاص - اطال الله عمرهـ - ذات عصر احتاج الى لوح ثلج فارسل سائقه ليجلبه له من الخرطوم ، لكن السائق المسكين لم يجد كيساً او جوالاً يضع فيه لوح الثلج فذهب الى الخارجية فوجد فى حوشها قديماً فاخذهـ وعاد ، فغضب الوكيل وطلب اليه اعادة الكيس للخارجية حالاً وفى الليل ، ودون انتظار الصباح - ’’اننا فقط نضرب الامثال!!‘‘ .
* وكانت دفعتنا قد اختارت السفير محجوب رضوان ’’السكرتير الثالث وقتها‘‘ مشرفاً على شؤون وجبة الفطور ، وكان كل صباح يجمع منا ما تيسر فيرسل احدا يعود بصحن كبير ملئ بالفول ، وكان محجوب يعطى كل واحد منا رغيفا وخبز ويوقف كل اربعة منا فى صف فيتقدم الصف الاول نحو قصعة الفول ياخذ لقمة ثم يعود للوراء .. فيتقدم الصف الثانى ، وكان ذلك امام حائط بعيد عن المبنى الرئيسى للوزارة حيث مكتب الوكيل - وذات صباح وبينما نحن كذلك اذا بالوكيل واقفا على بعد بضعة امتار منا وهو يصفق ويصرخ ’’الخارجية هاصت وجاطت .. اضراب ثم فطور بالصحانة والصفوف!!‘‘ - واصدر قراراً ذلك اليوم يمنع الفطور بالصحون وان يكون الفطور بالساندوتشات فقط !
-3-
ذات مساء وكنت ’’نوبتجياً‘‘ وكان هناك حفل استقبال فى حديقة الخارجية التى كانت على النيل الازرق ، وكان المحجوب قد ترك الخارجية وتفرغ لرئاسة الوزراء ، وكان ابراهيم المفتى قد اصبح وزيراً للخارجية ، سأل المحجوب الحاضرين ’’اين الحردلو؟‘‘ فإذا باحدهم يأتى لمكتبى ويقول لى مسرعاً ’’الرئيس عايزك‘‘ فخرجت مسرعاً فوجدته جالساً والجميع قيام بمن فيهم الوكيل بجلال قدرهـ ، وطلب منى الرئيس الجلوس بجانبه ، فترددت وانا استرق النظر للواقفين ، فإذا بالرئيس وبصوت سمعه الجميع يقول ’’اقعد‘‘ فجلست بجانبه وبدأنا نتحاور فى الادب والشعر وقصيدته الشهيرة ’’الفردوس المفقود‘‘ .
* وذات مساء دخلنا انا ومحمد عثمان النجومى ومحمود نديم الى فندق السودان ووجدناهـ جالساً وحوله عدد من الوزراء والصحفيين ، فسلمنا عليه وعليهم ، وجلسنا فى طاولة بعيدة عنه ، فإذا به ينادى ’’الجرسون‘‘ ويقول شيئاً لم نسمعه ، وبعد أن تناولنا العشاء ، ناديت على الجرسون لأدفع الحساب ، فإذا به يقول : ’’الرئيس قال حساب الحردلو والمعاهو مدفوع‘‘.
* وذات مرة كان هناك حفل عرس لإحدى كريماته ، وكان جالساً بعيداً عنا ، وكنت اتجاذب اطراف الحديث مع إحدى كريماته ، فسأل ’’الحردلو وين؟‘‘ فقيل له ’’إنه وفلانة جالسان هناك‘‘ فقال لهم :’’نادوهما الاثنين‘‘ وحين جئنا ، اجلسنا بجانبه ، وتحول الحديث الى الشعر والادب .
* كان ما يزال رئيسا للوزراء ووزيراً للخارجية ورئيسا للجنة الثلاثية حول اليمن ، وكان جمال محمد احمد قد اصبح وكيلاً للخارجية ، فاختارنى الرئيس ان اسافر معه للقاهرة لأنه كان على موعد مع جمال عبدالناصر ، كان ذلك فى الاسبوع الثالث من ديسمبر 1967م ، اعطانى الوكيل جمال ملفاً سريا وقال لى : ’’إذا اعطيت هذا الملف للرئيس بدون مقدمات تضعه فى ’’المود‘‘ فإنه لن يقرأهـ ، والافضل ان تفعل ذلك فى الطائرة‘‘ . اقلعت الطائرة من مطار الخرطوم ، وبعد نصف ساعة حملت الملف ودخلت للدرجة الاولى ، فوجدته جالسا فى الصف الاول وبجانبه الاستاذ داؤود عبداللطيف ، سلمت عليهما وجلست خلفهما ، وانشدت بعض ابيات من قصيدته الرائعة ’’الفردوس المفقود‘‘ ثم قلت له : اننى لم افهم معنى كلمة ’’زفزاف‘‘ فأطنب فى شرح المعنى وضرب بعض الامثال ، وهنا شعرت انه فى مزاج ممتاز ، فقلت له : ’’سيدى الرئيس .. انا اعرف انك تعرف كل مافى هذا الملف ، لكننى اقدمه لك من باب تنشيط الذاكرة‘‘ فأمسك بالملف وقرأهـ كاملاً ، وشعرت بزهو كبير .
* نزلنا فى فندق شبرد ، وزارهـ عدد كبير من اصدقائه المصريين ، خاصة الادباء واهل المسرح والصحافة ، وكان يسهر فى المساء ، فى بيت صديقه عبدالرحمن الخميسى ، وزوجته الممثلة فاتن الشوباشى .
* التقى عبدالناصر ، وانتهت الزيارة ، وكان العيد على الابواب ، وتحدد موعد عودتنا الى الخرطوم ، فاستأذنته فى ان يسمح لى بقضاء العيد فى القاهرة فاستجاب على الفور .
* وقد سبق ان قلت فى مقال سابق حين قال له السفيران عبدالكريم ميرغنى وابوبكر عثمان محمد صالح ’’إن تقرير البوليس عن الحردلو سيئ ، إذ يقول : إنه هاجمك فى خمس مقالات فى صحيفة الميدان ، وإنه يسارى‘‘ ردّ على الفور ’’تاخدوهـ أول واحد‘‘!.
* هؤلاء كانوا كبارنا فجئنى بمثلهم !!؟.
-4-
* عدت من القاهرة فى الاسبوع الاول من يناير عام 1968م ، وطلب منى الوكيل جمال محمد احمد ان اتولى رعاية صديق له اسمه جراهام تاير ، وهو يهودى ويعمل فى الـ ’’بي . بي .سي‘‘ ومتعاطف مع القضايا العربية ، وكان شخصاً ظريفاً ، اصبحنا اصدقاء حين عملت فى سفارتنا فى لندن أواخر ذلك العام ، اعطانى الوكيل سيارة وسائقاً وطفت على المدن الثلاث ومتحفي الخليفة والتأريخ ، وأخذته الى حفل خطوبة الصديق محجوب رضوان ، وكان صلاح بن البادية يغنى فصار جراهام يرقص مع الراقصين ، وفى المساء كنت آخذهـ الى مضيفة خارجية فى بيت محجوب محمد احمد شقيق جمال حيث كان يسكن هناك .
* ذات يوم قال لى الاستاذ جمال ’’نحن اليوم مدعوون الى عشاء فى منزل الاستاذ محجوب محمد صالح ، فأحضرهـ هناك ، حوالي الثامنة مساء‘‘ وذهبنا متأخرين قليلاً - كان المكان مكوناً من صالة وصالون ، شاهدت المشهد التالى فى الصالة عند دخولنا ’’الدكتور حسن الترابى والاستاذ عبدالخالق محجوب جالسان يتحادثان وعلى مبعدة منهما احمد سليمان المحامى وآخرين‘‘ قدمت جراهام لعبدالخالق والترابى ، وقلت له : ’’هذا زعيم الحزب الشيوعى السودانى ، وهذا زعيم الاخوان المسلمين‘‘ ’’برقت عيناهـ من خلف نظارته عجباً‘‘ ثم قدمت له الاستاذ احمد سليمان وانا اقول ’’انه من قيادات الحزب الشيوعى السودانى‘‘ ودخلنا الصالون ، وكان المشهد هكذا : ’’مختلف الوان الطيف السياسى‘‘ محمد احمد محجوب ، جمال محمد احمد ، بشير محمد سعيد ، يحى الفضلى ، محجوب محمد صالح ، محمد توفيق ، داؤود عبداللطيف ، الشريف حسين الهندى ، محجوب عثمان ... إلخ‘‘ القائمة التى غاب عنى بعضها !!!.
* جلسنا جراهام تاير وانا قريباً من باب الصالون ، وبدأت احدثه بصوت خفيض عن اسماء وانتماءات الحاضرين السياسية ، فقال لي فى دهشة وإعجاب ’’إن هذا لايحدث حتى فى بريطانيا ام الديمقراطيات‘‘ ثم أضاف :’’خذنى الى الشيوعى والاسلامى ، وأستأذنتهما فى الجلوس معهما لأن هذا الرجل يريد أن يعرف عن ماذا تتحدثان ، ورويت لهما ما قاله لى فى الصالون .. فضحكا وتغيرت لغة الحوار الى الانجليزية ، وقالا فى صوت يكاد يكون واحداً ’’هذا هو السودان، إننا نختلف فى النهار ونتصافى فى الليل‘‘!.
* ترى اين ذهب كل هذا السودان المتسامح المتصالح ، الذى كان يختلف فى النهار ويتسامى فى الليل ؟!.
* وقبل انفضاض السهرة قال الاستاذ : بشير محمد سعيد وهو يخاطب الوكيل جمال محمد احمد ’’ارسل الحردلو الى السفارة فى لندن .. لتغسل له لندن هذهـ الافكار الناصرية التى عاد بها من القاهرة!‘‘.
* ضحك القوم وضحكت ، وسلكت سكتى الى سكنى .

elmhasi
26-01-2018, 05:57 PM
جريدة الوطن - 9 ربيع الاول 1427هـ - الموافق 8 ابريل 2006م
اين هم فى الزحام الآن ...!؟ (6)
بقلم : سيداحمد الحردلو ..
* صدر كشف التنقلات فى مارس 1968م ’’كالمعتاد‘‘ وهو كشف ذوشقين ، شق بالنقل للخارج ، والآخر بالنقل لديوان الوزارة ، ونفذ استاذنا جمال محمد احمد وصية الاستاذ بشير محمد سعيد ، فنقلت الى لندن ، على ان يكون تنفيذ النقل فى يوليو ، اي امامى ثلاثة اشهر ، قضيتها الى جانب عملى اليومى ، فى قراءة التقارير الواردة من سفارتنا فى لندن ، والتعود على قراءة الصحف الانجليزية ، والتى كانت تصل الخرطوم بانتظام .
* وقبيل يوليو باسبوعين اخذت اجازة لوداع الاهل فى تنقاسى وناوا ، ثم رأسا الى مدينة الضباب والمطر . كان السفير ايامها الاستاذ سر الختم الخليفة رئيس وزراء ثورة اكتوبر ، والوزير المفوض كان عيسى مصطفى ، والمستشار عمر قرنى ، والسكرتير الاول على ابوسن ، وكان عمربريدو هو السكرتير الثانى ، والعبدلله السكرتير الثالث ، وانضم الينا فيما بعد السكرتير الثانى محمد احمد ميرغنى ’’السوس‘‘ منقولا من روما الى لندن ، ونزل معى فى شقتى بنواحى هسمتد ’’قبلها كنت اسكن فى فندق ثم غرفة بحمام ومطبخ ، تتحول الغرفة بالنهار الى غرفة جلوس وبالليل تتحول الكنبة الى سرير دبل فى ’’مي فير‘‘ (May Fair) وهو من ارقى احياء لندن ساعتئذ .
ثم انتقلت الى ماربل آرش القريبة من هايد بارك ، وشارع اكسفورد الشهير ، كل هذا التجوال ، وانا ابحث عن شقة فى شارع الملك ’’King Rood) فى جلسى حي الادباء والشعراء والفنانين . واخيراً وجدت الشقة المطلوبة ، وفى الحي المطلوب ، وبالايجار المحدد للسكرتير الثالث ’’اربعون جنيهاً استرلينياً فى الاسبوع‘‘ فاتصلت من مكتب العقارات بالادارى المسؤول عن الشؤون الادارية والمالية بالسفارة ، وقلت له ’’الشقة مناسبة وهم هنا يطلبون الدفع مقدما‘‘ فاذا به يقول لي ’’اعطينى صاحبا لمكتب‘‘ وحولت السماعة للرجل فاذا بالادارى يصرخ فيه ’’Do you think we are going to eat you?‘‘
’’هل تعتقد بأننا سنأكلك؟‘‘ .
* فصرخ الانجليزي ’’Eat me!!‘‘ وصار يخرج ’’No .. No‘‘ ’’لا .. لا‘‘ الشقة ليست للايجار ، وعبثاً حاولت اقناعه بأنه تعبير سودانى ’’يعنى انه سيدفع‘‘ وراح يكرر لزملائه ’’الرجل يريد ان يأكلنى حقا يبدو انه من آكلة لحوم البشر‘‘!
* وخرجت وانا اعلن سنسفيل ركاكة انجليزية ذلك الادارى !
* وانتهى بي المطاف الى ’’إلزي ويرزي رود‘‘ فى نواحى همستد ، وهو حي يسكنه الكثيرون من الشعراء والفنانين كذلك .
* كان السفير سرالختم الخليفة يؤمن بان على السكرتير الثالث ان يتدرب على كل شئ ، فاذا سافر ضابط الجوازات فى اجازة كان السفير يكلفنى بعمله ، واذا سافر الباشكاتب فى اجازة ، كان يكلفنى بعمله ، وهكذا حتى مررت على معظم ادارات السفارة ، حتى انتهى بي المطاف اخيرا الى ادارة الصحافة والاعلام وشؤون الجنوب .
* كان للسفير علاقات واسعة بالمسؤولين الانجليز وبالجامعات وكان يأخذنى معه فى جولاته تلك ، وذات مرة دعاهـ مدير جامعة ردنق ’’Redding‘‘ للغداء فطلب اليّ ان اذهب معه ، ولاحظت ونحن نتغدى ان رجلا يجلس على الناحية المقابلة لي ينظر نحوى كثيرا كمن يحاول ان يتذكر شيئا ثم فجأة هتف الرجل وهو يشير لى ’’المليونير‘‘ ورددت فى فرح ’’هالو مستر هارتلى‘‘.
* وبين هلالين كنت بعد الثانوى قد عملت استاذا فى حضرموت ، وكانت عدن وحضرموت تسمى المحميات البريطانية ، وكان المستر هارتلى هو المدير العام للتعليم ، وكنت وقعت عقدا بواسطة وزارة المعارف السودانية مع السفارة البريطانية بالخرطوم ، لكن كان فيه خطـأ إذ انه منحنى مرتب استاذ ثانوى ، وانا مجرد استاذ وسطى ، وحين وصلت عدن وجدت عددا من الاساتذة السودانيين وعلى رأسهم صديق مدثر ، وذهبت لمقابلة المستر هارتلى لأعرف المدرسة التى سأعمل فيها ، وحين رآنى قال لي ’’انت صغير جدا بالنسبة لأستاذ الثانوى‘‘ فقلت له ’’انا لست استاذ ثانوى ، انا استاذ مدرسة وسطى‘‘ فقال ’’ولكن العقد الذى امامى ، وجاءنا من السفارة البريطانية فى الخرطوم يعطيك مرتب استاذ ثانوى‘‘!
* قلت له ’’إذن نغيرهـ ‘‘ فقال ’’لا استطيع ان اغير عقدا عليه ختم صاحب الجلالة‘‘ قلت ’’ما العمل؟!‘‘ فأجاب ’’تستمر فى صرف المرتب المنصوص عليه فى العقد‘‘.
ومن يومها وكلما التقانى كان يهتف بالانجليزية ’’المليونير‘‘ .
-2-
اصبت بألم فى اللوز وانا ما ازال حديث عهد بلندن ، فقامت سكرتيرة السفير بعمل موعد لى مع دكتور يحمل لقب سير والذى قرر على الفور استئصال اللوز ، وبعد اجراء العملية ارسل رسالة الى صديقه السفير يقول فيها ’’اليوم اجريت عملية استئصال لوز لسكرتيرك الثالث الوسيم - واستعمل كلمة ’’Charming وكان السفير يتذكرها ويضحك‘‘ - وانصح بمنحه اسبوعين اجازة راحة يقضيها فى مكان هادئ خارج لندن‘‘ - وحين سألت الدكتور أين تقترح أن اذهب ؟ أقترح أن أذهب الى قرية على ساحل بريطانيا الجنوبى الغربى اسمها آيفز .
وانشد ابياتا ما زلت اذكرها :
As Iwos going st Ives
Imet a man with seven wives
Every wife has seven kids
Eveny kid has seven cats
How many men , wives , hids
And cats were going to st , Ives
* بينما كنت ذاهبا الى سنت آيفز
التقيت رجلا معه سبع زوجات
كل زوجة لها سبعة اطفال
وكل طفل له سبع قطط
فكم عدد الرجال والزوجات والاطفال والقطط الذين كانوا فى طريقهم الى سنت آيفز ؟‘‘
-3-
سألت العارفين فى السفارة ، فقالوا إنهم لم يسمعوا بسنت آيفز ، طلبت من سكرتيرة السفير أن تسأل عن رحلتى المجهولة هذهـ ، جاءتنى بعد ربع ساعة وهي تحمل ورقة ووضعتها امامى وقالت ’’تأخذ قطار كذا ، الذى يغادر محطة فكتوريا فى الساعة كذا ، والمتجه الى مدينة كذا ، وهناك تنتهى رحلته ، ومن هناك تأخذ قطارا صغيرا مخصصا لطلاب الثانوى القادمين من سنت آيفز ، وسيأخذك هذا القطار الى هناك‘‘ .
* توكلت على الله واغلقت غرفتى فى حي ’’مي فير‘‘ وأخذت حقيبتى وخرجت الى محطة فكتوريا ، وأخذت قطارا الى تلك المدينة ، ثم من هناك دخلت ذلك القطار الصغير ، فإذا بالعربة التى دخلتها كلها طالبات ، وبدأن كلهن ينظرن نحوى ، ويتهامسن ، وكنت قد اخترت كنبة فارغة ، فإذا بإثنين تنهضان وتسلمان عليّ وتجلسان بجانبى وتمطرانى بوابل من الاسئلة ’’من اين ؟ وماذا تفعل فى لندن ؟ وما سبب زيارتك لسنت آيفز؟ كنت اعتقد فى البداية ان ذلك هو بسبب لونى ، لكن إحداهن سألتنى ’’ألست الممثل ’’ ....‘‘
نسيت اسمه وله فيلم مشهور اسمه ’’Guess who is coming to dimer‘‘
’’خمن من سيأتى للعشاء‘‘ !
* وحين وصلنا محطة سنت آيفز حملت إحداهن حقيبتى ، واخذتانى الى فندق واوصتا صاحب الفندق بي خيرا ، وقالتا إنهما ستعودان فى المساء لأخذى فى جولة حول سنت آيفز ، ووجدتها قرية صغيرة ، أهلها طيبون ، ودودون ، حدثت لى حادثة واحدة غير سارة ، حين اخذ احد الجالسين يجرحنى بنظرات غاضبة ، ويلعن افريقيا ، وكان مخمورا ، فلم ارد عليه ، واعتذر لي صاحب المقهى والحاضرون ’’بأن اخاهـ قتل فى كينيا‘‘ وسألتهم وما دخل كينيا بالسودان ، وأنتم لابد تعرفون ما فعل كتشنر بعشرين الف سودانى ، فى موقعه كررى ، وما فعل هكسى وغيرهما !
* المهم تعرفت على اسرة انجليزية مكونة من زوج وزوجة وابن خطيبته ، جاءوا يسوحون فى سنت آيفز ، وقضينا وقتا طيبا معا ، وجاءوا لندن فيما بعد ونزلوا معي فى غرفتى ’’اياها‘‘ الرجل وزوجته ينامان على الكنبة - السرير - وثلاثتنا نفترش الموكيت ، وقضوا معي عطلة نهاية الاسبوع .
-4-
كان السفير سرالختم الخليفة مدعوا لإلقاء محاضرة عن جنوب السودان فى جامعة كمبردج ، وكالعادة اخذنى معه ، وكنا كلانا نتأمل جمال الريف الانجليزى ، واخضرار النجيل من سيارتنا ، وفجأة تذكرت قولة شهيرة اطلقها السفير الامين محمد الامين فى رسالة ارسلها لى مرة مع ابنيه مكى وسامى ’’اين هما فى الزحام الآن؟‘‘ وكانا يدرسان فى مدرسة جنوب لندن قال فيها ’’لسه الانجليز نجيلتن خضرا اكتر من نجيلة الناس ، اتقول بيسقوها موية الليمون ‘‘ وظل السفير الخليفة يكررها مرة بعد مرة ، ونحن فى الطريق الى كمبردج .
* وصلنا كمبردج قبل المغيب .. نسيت ان اقول إن ذلك كان يوم 24 مايو 1969م ، وتناولنا شيئا من الشاي ثم دخلنا الى قاعة ضخمة مكتظة بالاساتذة والطلاب ، والقى السفير الخليفة محاضرة رائعة عن جنوب السودان . ’’وهو العارف بالجنوب‘‘ بإنجليزيته البريطانية الرصينة ، نالت استحسان جميع الحاضرين ، وتناولنا العشاء مع مدير جامعة كمبردج واساتذتها .
* عدنا الى لندن فى تمام الساعة الواحدة صباح 25 مايو 1969م ، وقبل ان يترجل السفير من السيارة امام بيته ، اخبرهـ الحارس بأن زوجته فى المستشفى ، وقد وضعت بنتاً ، فتوجهنا للمستشفى ، ووجدناهما فى حالة جيدة ، هنا طلب السفير من السائق أن يأخذنى الى شقتى فى همستد وان يعود الى المشفى .
* رن جرس الهاتف فى شقتى فى تمام الخامسة صباحا وكان المتحدث صديق انجليزى من البي بي سي ، وقال لى : ’’هناك انقلاب فى السودان‘‘ ! سألته ’’من قائدهـ‘‘ ؟ قال :’’شخص يدعى نميرى‘‘ - رفعت سماعة التلفون واتصلت بالسفير واخبرته ، فقال : ’’تابع الاذاعات والتلفزيون واحطنى بما تسمع!‘‘ .
* وصلت السفارة فى السابعة والنصف ، ووصل البيان الاول فى الثامنة صباحا - وجاءت بعدهـ بدقائق ’’شفرة‘‘ قام الوزير المفوّض عيسى مصطفى بدعوة من يفك رموزها ، واغلق مكتبه عليهما ، وعلمت من عثمان يوسف ’’أو عثمان سفارة‘‘ ان عيسى قد خرج مسرعا من السفارة الى جهة غير معلومة .
* كانت الشفرة التى وصلت بعد البيان الاول هي اقالة السفير سرالختم الخليفة !! تساءلت وانا اكاد لااصدق ، هل كل قضايا السودان ومشاكله وحرب جنوبه سببها سرالختم الخليفة ؟ اين برامج مايو ؟ التى جاءت ، ولماذا اصبح سرالختم الخليفة هو البيان الثانى ؟!
* قيل لى فيما بعد ’’والعهدة على الراوى‘‘ إن الذى كان وراء هذهـ ’’الشفرة - البيان الثانى‘‘ هو الاستاذ بابكر عوض الله نائب رئيس مجلس قيادة الثورة !
* سألت بعض الزملاء بالسفارة إن كان احدهم يعرف النميرى ، وكان عثمان سفارة واقف معنا ، فقال لى ’’تتذكر انت كنت واقف قدام الاسانسير قبل شهور ، وجاء واحد ودفرك ودخل الاسانسير قبلك ، وداس الزر على الدور الرابع ولم يسألك انت ماشى الدور الكم ، وكان مكتبك فى الدور الثالث؟!‘‘ قلت ’’نعم - اتذكر ذلك‘‘ .
فقال عثمان سفارة ’’داك كان جعفر نميرى‘‘!!

سيداحمد الحردلو
الخرطوم 6 ابريل 2006م

elmhasi
26-01-2018, 06:20 PM
جريدة الوطن - الاربعاء 20 ربيع الاول 1427هـ الموافق 19 ابريل 2006م
أين هم في الزحام الآن..!؟ (7)
بقلم : سيد أحمد الحردلو
حدثت وعكة صحية خطيرة للرئيس محمد أحمد المحجوب قبيل انقلاب مايو - وأظنها كانت أواخر عام 1968م ، ونقل المحجوب على الفور إلى لندن ، وصلها ومعه ابناه سامي وسيد ، واستقبلناهم في مطار هيثرو وفي مقدمتنا السفير سر الختم الخليفة ونقل في سيارة اسعاف إلى أحد مشافي لندن وأظنه «London Clinic» ولقي المحجوب رعاية مكثفة من كبار أطباء لندن ، أولاً لمكانته السامية ، وثانياً لأن السفير الخليفة حشد له أفضل أطباء بريطانيا ، وبدأت حالته الصحية تتحسّن رويداً رويداً إلى أن بلغ تمام العافية.
ثم انتقل إلى فندق وأظنه «الدورجستر» وهو من أرقى فنادق لندن - ونزل ابنه سيد في شقة متاخمة للفندق، وكنا نزوره كل مساء ثم نهبط إلى شقة سيد فنسهر معه.
* أقام السفير سر الختم الخليفة حفل عشاء على شرف الرئيس دعا له كل الأطباء الذين اشرفوا على علاجه، فنهض كبيرهم وقال وهو يخاطب المحجوب: «نحن لم نعالجك وإنما أنت عالجت نفسك بنفسك لحبك للحياة»!!
* وكان السفير فخر الدين محمد المندوب الدائم للسودان بالأمم المتحدة قد أرسل قصيدة للرئيس من نيويورك بدأها هكذا:
«Was it a chapanese pote who said»
وطلب مني المحجوب ترجمتها للعربية ، وطلب مني فيما بعد قراءتها في تلك الأمسية باللغتين الإنجليزية والعربية ففعلت وكانت قصيدة رائعة وكأنها كتبت له ، وقد فعلت فيه فعل السحر.
* ولدهشة الحاضرين بدأنا معه حواراً حول «أهمية أن تسيطر الطلائع الثورية في الجيش على الحكم في السودان كما حدث في مصر وكنت أتولى قيادة ذلك الحوار أنا وعلي ابوسن ومحمد أحمد ميرغني ولدهشة الجميع أيّدنا ابنه سيد ، وكان الرجل يستمع في هدوء وصبر وديمقراطية وقال عبارة واحدة «لو حدث ذلك ستندمون.. فما أعظم الديمقراطية»! «وتعرفون أنه وبعد انقلاب مايو كتب كتابه الشهير «الديمقراطية في الميزان» بالإنجليزية «Democracy on Trial» وترجم فيما بعد للعربية وأهداني نسخة منه حين زرته في منفاه الإختياري في لندن عام 1974م ، حين كنت أدرس في باريس».
* زاره في لندن وفد من «جماعة مذكرة العشرين» من الخرطوم حين نشبت أزمة سياسية في السودان أثناء غيابه ، فإستمع إليهم وحاورهم طويلاً وعادوا للخرطوم قانعين مقتنعين.
* ثم جاءته دعوة كريمة من الملك الحسن الثاني لقضاء فترة نقاهة في المغرب ، وحدثني السفير أبو بكر عثمان محمد صالح سفيرنا وقتها في الجزائر أنه وأحمد صلاح بخاري سفيرنا في روما وقتها زاراه في المغرب ووجدنا أن الملك يزوره في الصباح والمساء ، وأنه يجد رعاية كاملة ، وأن الملك يجمع له الشعراء كل مساء وكان المحجوب سعيداً بإقامته هناك ، وبعدها عاد للخرطوم لمزاولة عمله .
- 2 -
* نعود بعد ذلك إلى صباح 25 مايو ، وإقالة السفير سر الختم الخليفة بتلك «الشفرة» التي أسميتها البيان الثاني ، وغادر الرجل بيت السفير في كبرياء الأنبياء وأخذ زوجته وطفلته ذات الأيام الثلاثة إلى شقة صغيرة في إحدى نواحي لندن، ولم أنقطع عن زيارته كما فعل آخرون بل دعوته للعشاء في شقتي بحضور الزميل والصديق محمد أحمد ميرغني «السوس» وآخرين .
* وفيما بعد إستيقظ القوم من سكرتهم في الخرطوم ، وأرسلوا إليه يطلبون عودته وعيّنوهـ وزيراً للتربية والتعليم !
- 3 -
* ثم جاء السفير جمال محمد أحمد سفيراً إلى لندن وهو عالِم ومفكر وأديب ، وقلنا «الحمد لله ذهب سفير عظيم وجاء آخر عظيم» وكنت وقتها قد أصبحت مسؤولاً عن إدارة الصحافة والإعلام وشؤون الجنوب وهي إدارة مستقلة في الطابق الرابع وأمامها مكتبة تحوي كل ما كتب عن السودان باللغة الإنجليزية ، وكانت مهملة وفي حالة فوضى ، فجلبت إثنين من إختصاصيي تنسيق وتنظيم المكتبات وعمل الـ«Classification» للكتب ، وأذكر من الذين استفادوا منها في عمل دراساتهم العليا الدكتور مأمون سنادة والضابط العظيم عصمت حسن زلفو والذي كتب كتابي «شيكان» و«كرري» وآخرون غابت عني اسماؤهم .
* وكان العمل بالإدارة ممتعاً وشاقاً في آن واحد - وكان عليّ أن أنتشر بين أجهزة الإعلام البريطانية بدءاً بالبي - بي - سي العربية وكان فيها الصديق الطيب صالح والأستاذ محمد خير البدوي وبالبي - بي - سي الإنجليزية وكان فيها جراهام تاير وآخرون ، وصحيفة التايمز والتي فيها الصديق مايكل ولفرز رئيس القسم الإفريقي والغارديان والتي فيها انطوني سلفستر اليوغسلافي الأصل ، ورئيس تحرير«Confidenial Africa» وكان مكتبه في بيت السودان وقد نسيت اسمه .
والمستر ريتشارد في الفاينانشيال تايمز ، وباختصار كل الصحف الانجليزية وتلفزيون البي - بي - سي والـ I.T.V - إلى جانب الجامعات مثل اكسفورد وكمبردج ، وجامعة الدراسات السوداء والتي كان يرأسها روي صو - وهو انجليزي أصوله من ترنداد.
* كان لديّ سكرتيرة تُدعى شيلا قوقر وما تزال تعمل في سفارتنا بلندن إلى يومنا هذا ، كانت توجيهاتي الدائمة لها «وكنا مشتركين في كل الصحف الإنجليزية الجادة» أن تقطع لي قصاصات من تلك الصحف وأن تدبسها على ورق وأن تبدأ أولاً بما يكتب عن «أ» السودان «ب» العالم العربي «ج» إفريقيا «د» ثم كل العالم «أعني أهم الأخبار والمقالات».
* ثم كنت احتشد لترجمة كل هذا ونصور منه ثلاث نسخ - نسخة للسفير وأعضاء السفارة ونسخة ترسل باللاسلكي إلى رئاسة الوزارة ونسخة ثالثة للأرشيف ، ثم أبدأ الاتصالات بالصحفيين الذين كتبوا عن السودان أناقشهم فيما كتبوا ثم التقيهم في مكتبي أو شقتي حيث يصير الحوار أكثر وداً.
* كانت هناك سيدة في خمسينياتها لها «متجر» في نيويورك، وقامت بفتح آخر في لندن، ودعت أصدقاءها لحضور حفل الافتتاح في صالة كبيرة، ودعت السفير ودعتني «كنت ازورها في دكانتها قبل الافتتاح وهي مليئة ببضائع تجذب إليها الشباب» وذهبنا للحفل ووجدت بين الحاضرين الأمريكي «مايلز كوبلان» والذي كتب كتابه الشهير «The game of nations» أي «لعبة الأمم» وكان قبلها يقيم بالقاهرة ويعمل دبلوماسياً بالسفارة الأمريكية ظاهرياً ، ولكنه في الواقع كان يعمل لحساب الاستخبارات الأمريكية ، وكانت له علاقة صداقة بالأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام ، ومن خلاله استطاع أن يلتقي بالزعيم جمال عبد الناصر، قدمتنا السيدة الأمريكية إليه ، فتجاذب أطراف الحديث مع السفير، ثم التفت نحوي وقال «وأنت ماذا تعمل في السفارة»؟ قلت له «إنني أشرف على العمل الإعلامي»، ثم محاولاً تغيير دفة الكلام حتى لا يتبحر في الاسئلة خاصة وأنا مسؤول عن ملف جنوب السودان ، قلت له «إنني قرأت كتابك - لعبة الأمم» فإنفرجت أسارير وجهه طرباً ، وسألني : «وهل أعجبك!» قلت : «إنه أدهشني حقاً وتعلمت منه أشياء عن كيف تدار السياسة الأمريكية .. كانت غائبة عني!» فقدمني إلى فتاة أمريكية جميلة واقفة بجانبه وهو يقول لنا : «But no politics» أي لا تتحدثا في السياسة . أخذتني الفتاة جانباً وأخذنا نتحدث عن لندن وكان حديثها حديث العارف بلندن وسياستها وصحفها ، رغم أنها قالت إنها تزورها لأول مرة ، وطلبت أن نلتقي مرة أخرى ، وتبادلنا أرقام التلفونات ، وبينما كنت في طريقي إلى بيتي أيقنت أنها تعمل لحساب المخابرات الأمريكية وقررت عدم الإتصال بها ! كنا في طفولتنا نخاف من البوليس ، وأثناء عملي الدبلوماسي كنت أحرص على تجنب رجال المخابرات الأجنبية ، رغم قول الإنجليز «الدبلوماسي ما هو إلا جاسوس مأجور»!
- 4 -
* نسيت أن أقول إنني أقمت حفلين لكتابيّ الروائي العالمي الأستاذ الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال» و«عرس الزين» بعد أن تمت ترجمتهما إلى اللغة الإنجليزية - كان الحفل الأول في السفارة لـ«موسم الهجرة للشمال» في عصر السفير سر الختم الخليفة دعونا له مئات الروائيين والنقاد والشعراء ، وإحتفوا به كثيراً في صفحاتهم الأدبية وكتب أحدهم «أن الطيب صالح يشن حرب غوريلا على الحضارة الغربية».
* أما الحفل الثاني فقد أقمناه في دار السفير جمال محمد أحمد ، وكان عن «عرس الزين» وقد دعونا له أيضاً مئات الروائيين والنقاد والشعراء وكان الاحتفاء به كبيراً في الصحف البريطانية.
* إن الروائي الكبير الطيب صالح يُقرأ له الآن بأكثر من أربعين لغة ، لكنه بتواضعه الجم وزهده الصوفي وابتعاده عن الأضواء أضاع علينا جائزة نوبل والتي يستحقها أكثر من كثيرين نالوها بسعيهم إليها.. متّعه الله بالصحة والعافية والتواضع والعمر المديد.
-5-
* وبينما كنا سعداء بصحبة السفير جمال محمد أحمد ، وحواراته الرائعة في أمسيات لندن ، وهو المعروف والعارف بلندن ، إتصل ذات صباح ودعاني إلى مكتبه في الطابق الثالث ، فدخلت عليه فإذا به في حالة حزن وأسف شديدين ، وناولني ورقة «مشروطة» ومكتوبة بخط اليد ، تنقل إليه في كلمات موجزة «أنه قد تقرر نقله إلى الخرطوم فوراً» وبدون إبداء أية أسباب . وإن لم تخني الذاكرة كان المُوقِّع على الخطاب هو استاذنا عبد الله الحسن الخضر وكيل الخارجية وقتئذٍ . وكان السفير جمال لم يكمل شهرهـ السادس في لندن .
* علمت منه فيما بعد أن وزيراً زار لندن في رمضان وأنه استقبله في المطار وكذلك ودّعه ، لكنه لم يدعوهـ لبيته فإشتكاهـ الوزير للرئيس نميري والذي وجّه بنقله للخرطوم!!!
سيداحمد الحردلو
الخرطوم - 18 - أبريل - 2006م

elmhasi
26-01-2018, 06:23 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 26 ربيع الاول 1427هـ - الموافق 25 ابريل 2006م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (8) من (...)
بقلم / سيداحمد الحردلو
-1-
* وجاء القانونى الضليع الاستاذ عابدين اسماعيل سفيرا للسودان فى لندن ، وكانت الملكة فى رحلة قد تطول الى كندا ، ولذا اخطرنا بأن الملكة الام هي التى ستستقبل السفير ، وتقبل اوراق إعتمادهـ ، وذهبنا نحن الدبلوماسيين الى مخزن متخصص فى البدل التى يستقبل بها الدبلوماسيين الملكة ، وإستأجرنا البدل وفى الصباح وفى الموعد المحدد جاء موكب السيارات الملكية تسحبها خيول مطهمة الى السفارة المتاخمة لقصر سنت جميس تقيم الملكة الام ، ومضى الموكب بنا الى قصر بيكنغهام ، وفى الطريق كان المارون يتوقفون لمشاهدة الموكب ، ودخلنا القصر .. (حين ذهبنا قبل ذلك موكب السفير جمال محمد احمد ، وبعد دخول السفير للملكة لقننا اهل مراسم القصر كيف نتصرف امام الملكة ، فإذا سألت أي سؤال تكون إجابتنا (Yes mam) وحين ننصرف يجب ان لا نعطيها ظهرنا ، بل نمشى بخطوات هادئة للخلف حتى ندرك الباب ! هذه المرة لم يقل احد شيئا سوى ان نقف امام الباب حسب درجاتنا الوظيفية ، وحين دخلت رحبت بي الملكة الام فكنا كثيرا ما نلتقى فى المناسبات الاحتفالية والخيرية ، وكانت دائما تمنحنى بعضا من وقتها وحديثها ، وبعدها سلمت عليّ السيدة مارغريت الواقفة بجانبها ، فإذا بالملكة الام تقول لمارغريت ! (إنه شاعر) .. وإذا بالأخيرة تسألنى عن رأيي فى الشعر الإنجليزى ، فحدثتها بإعجابى بشعراء مثل جوسر وشكسبير والرومانسيين ، حتى المحدثين مثل تي.إس إليوت .. وكانت مندهشة لمعرفتى بالشعراء الانجليز ، وكنت فى غاية الخجل لأن الحديث قد طال .. فستأذنت وخرجت هذه المرة بدون ان امشى للخلف) .
وكالعادة يقام إحتفال بالسفارة بعد العودة من قصر بيكنغهام ، بلاس يحضرهـ الى جانب العاملين فى السفارة بعض الضيوف من السودانيين ، كالاستاذين الطيب صالح وابراهيم الصلحى (المستشار الثقافى) وبعض الاصدقاء الانجليز خاصة الصحفيين .
-2-
* وجدت فى مكتبة إدارة الاعلام قائمة بمعظم اسماء الانجليز الذين حكموا السودان ، ففكرت فى ربطهم باخبار السودان بنشرة مكتوبة بلغة عربية مبسطة وعرضتها على السفير فسعد بها ، وقال ارسلها لهم (كان عنوان كل واحد منهم امام اسمه) وقد اتصل كثيرون منهم شاكرين هذه المبادرة ، وقلت للسفير (لماذا لاندعوهم فى عيد استقلال السودان القادم؟) .. فقال : (افعل) .. وجاءوا وإمتلأت بهم قاعات الطابق الارضى ، من الحاكم العام الى السكرتير الادارى الى المديرين والمفتشين إلخ . وكانوا فى غاية السعادة .
-3-
كانت انانيا (ون) قد فتحت لها مكتبين احدهما فى لندن برخصة تجارية يديرهـ مادينق دي قرنق ، والآخر فى باريس يديرهـ د.لورنس وول وول .. وكنت اتابع كل نشاطات مادينق الإعلامية والمحاضرات التى كان يلقيها فى الجامعات خاصة جامعة الدراسات السوداء ، واستطعت بعلاقتى القوية بالمستر روي صو إيقاف تلك المحاضرات فى تلك الجامعة ، وكان يصدر مجلتين إحداهما إسمها (ستار الحشائش) (The Grass Curtain) والاخرى اسمها (اليقظة) (The Vigiland) ومرة علمت ان الاستاذ زكريا دينق والذى كان يحضر للدكتوراة سيلقى محاضرة عن الجنوب فى جامعة اكسفورد ، فذهبت ومعي محمد احمد ميرغنى ، وحين دخل زكريا القاعة ، ورآنا جالسين فى الصف الامامى قال بعفوية (Oh, The Embassy is here) (أووهـ ..السفارة هنا) .
* كان يسكن معي فى شقتى الصديقان برفيسور محمد عمر بشير ، والذى كان قد اصبح مديرا للإدارة الافريقية بوزارة الخارجية ، وكان عائدا من نيويورك فى طريقه الى الخرطوم ، واللواء الشاعر عوض مالك ، والذى كان يدرس دراسات عليا خارج لندن - وبدأت اقص عليهما المعارك السياسية والاعلامية التى كانت تدور بينى وبين مادينق دي قرنق ، وقلت لهما لماذا لا نلتقيه ونحاورهـ ، فنحن فى النهاية جميعا سودانيون ، فوافقا على الفور ، وطلبت موعدا معه ، فوافق على الفور ، فعلنا ذلك دون إذن من السفير أو الخارجية ، وذهبنا واجتمعنا به عدة ساعات ، وكان ذلك اول اتصال مباشر مع الانانيا ، ووعد بانه سينقل كل ذلك الى رئاسته ، وكان (البروف واللواء) يقولان دائما - فيما بعد - إن ذلك اللقاء كان هو الذى مهد الطريق للجلوس معا فى اديس ابابا فى يناير 1972م .
* إنضم الى السفارة السيد فليب اوبانق ليتولى شؤون الجنوب التى كنت اتولاها الى جانب عملى الاعلامى ، وبدأت اعرف اوبانق بالصحفيين الانجليز ، كانت للسفير شقة فى الطابق الخامس ، وبدأت كل اسبوع ادعو صحفيين اثنين للغداء فى تلك الشقة ، وكان يحضر الغداء معنا السفير والصحفيان واوبانق وشخصى ، وحين يصبح عددهم ستة مثلا .. كنت اقترح على السيد فليب اوبانق ان ادعو هؤلاء الستة للعشاء فى شقتى ، لكي يكون اللقاء غير رسمى ، وكان يوافق ، وننتظرهـ فلا يأتى ، وحين اسأله فى اليوم التالى كان يكتفى بالقول (والله ياحردلو نمت) .
-4-
كما هو معروف فإن الاحزاب البريطانية تعقد مؤتمرات حولية كل عام فى مختلف المدن ، وكان حزب العمال فى السلطة برئاسة هارولد ولسون ، وكان حزب المحافظين فى المعارضة برئاسة ادوارد هيث ، وكان قد اعد العدة لعقد مؤتمرهـ السنوى فى مدينة صغيرة اسمها بيرث Perth بشمال اسكتلندا ، ودعا الحزب الملحقين الاعلاميين بالسفارات لحضور ذلك المؤتمر ، وسافرت بالقطار الى هناك ، واكتشفت اننى الملحق الاعلامى الوحيد الذى استجاب للدعوة ، كان المؤتمر ينعقد بالنهار ، وفى المساء كنا نلتقى جميعا فى احد المقاهي التى يسمونها (Pubs) وكنت الاجنبي والاسمر الوحيد بين أؤلئك القوم ، وكانوا سعداء جدا باننى لبيت الدعوة خاصة المستر ادوارد هيث وسير الك دوغلاس هيوم (وزير الخارجية السابق ، ووزير خارجية الظل) وكانا يحرصان كل مساء على ان اجلس بينهما ، وكانت الحوارات بيننا تتواصل الى منتصف الليل (برغم ان القانون كان يحدد الساعة الحادية عشرة مساءا لإغلاق تلك المقاهى ، لكن كان واضحا ان صاحب ذلك المقهى كان سعيدا بضيوفه ، ولايستطيع إغلاق المقهى وهم جلوس فيه) .
* ذات امسية خطرت لى فكرة ان احدثهم عن نشاط مكتب الانانيا بلندن ، والذى حصل على رخصة تجارية ، ويقوم من خلال ذلك بعمل عدائى ضد حكومة السودان ، فقال لى على الفور (المستر هيث) : (لو فزنا فى الانتخابات القادمة ’’وكانت بعد شهرين ‘‘ ساقوم بإغلاق ذلك المكتب!) .
-5-
* ركبت القطار فى طريقى الى لندن ، وتوقف القطار فى ادنبرة ، وقررت ان انزل لقضاء يوم فيها ، اسلم فيه على قريبى وصديقى المهندس عوض الكريم محمد احمد ، والذى كان يجرى دراسات عليا هناك - نزلت فى فندق فى محطة ادنبرة - صعدت الى غرفتى بعض الوقت وفتشت الاوراق التى معى ، ولم اجد فيها رقم هاتف المهندس عوض الكريم ، ولاعنوانه ، فقد نسيتهما فى شقتى فى لندن ، وقررت العودة الى لندن صباح اليوم التالى ، ونزلت الى بهو الفندق وجلست على طاولة وحدى ، ولاحظت ثلاث فتيات يشربن ويضحكن كثيرا - فسالتهن : لماذا كل هذا الضحك ؟) فقلن : (إننا نحتفل بصديقتنا هذهـ فالليلة ليلة عرسها وسنأخذها بعد قليل الى عريسها المنتظر فى شقته) .. وعجبت لزواج هؤلاء القوم).
* ثم سألتهن : (هل تعرفن أين يجلس السودانيون بالليل ؟!) ولدهشتى قلن : (نعم - إننا نعرف المقهى الذى يسهرون فيه !) فقلت لهن : هل توصفنه لي ؟ فجاءت إجابتهن : (حان موعد رحيلنا من هنا وسنأخذك الى ذلك المقهى) .. وحين خرجنا (قلت لهن فلنأخذ تاكسيا) فقلن : (إنه قريب من هنا ، وهو فى طريقنا) .. وبعد خمس دقائق توقفن وقلن : (هذا هو المقهى) .. فشكرتهن متمنيا للعروس زواجا سعيدا ، ودخلت المقهى فابصرت خمسة سودانيين يجلسون على طاولة فى اقصى يسار المقهى ولم يبصرنى احدهم ، كانوا يلعبون (الكنكان) مشغولين به والخامس ينتظر دورهـ ، درت حول المقهى من خلفهم ووقفت وراء المهندس عوض الكريم ، وقلت له بالرطانة (أمانة ما حأكلم ابوك) .. ولم يتلفت وقال وهو ينظر فى الورق الذى بين يديه (انت الجابك شنو؟) وقال للخامس المتفرج .. (قوم ..جيب ليه شاي!) .
* إنتهوا من الذى كانوا فيه ، وأصروا عليّ الذهاب معى للفندق لأخذ حقيبتى والذهاب الى بيت عوض الكريم ، وعبثا حاولت إقناعهم بترك ذلك الى الغد .
* وهكذا قضيت يومين رائعين فى ادنبرة ، اخذونى الى قلاعها الاثرية وحصونها ، وعدت بعدها الى لندن ، ورفعت تقريرا للسفير عابدين اسماعيل ، بما جرى فى مؤتمر المحافظين والوعد الذى وعد به المستر ادوارد هيث إن هم فازوا فى الانتخابات!
-6-
* وجاءت الانتخابات ، وكانت معظم استطلاعات الرأي تشير الى فوز العمال على المحافظين ، وكان السفير عابدين يضحك ويقول : (وعد هيث ليك راح شمار فى مرقة!) .. كان العمال متقدمين فى بادئ الامر - وكنت اتابع النتائج من تلفزيون فى مكتبى - وكانت قد انضمت الى سكرتيرتى شيلا قوقر سيدة انجليزية فى اربعيناتها ، وكانت حزينة لسببين :
اولهما انها من المحافظين ، وثانيهما لمعرفتها بعلاقتى بالسيد ادوارد هيث ..
وكان السفير يتصل من مكتبه ضاحكا :
(تعبك راح شمار فى مرقة!)
* وفجأة تغيرت النتائج وصار المحافظون يتقدمون بشكل مطرد ، وصارت السيدة الانجليزية تصرخ مع كل نتيجة حتى اضطررت لتوجيهها بالتعبير عن سعادتها بدون صراخ ، وكان الدوام قد انتهى .
وهرعت لشقتى لمتابعة النتائج ، وحوالى منتصف الليل كان المحافظون قد اكتسحوا الانتخابات ح مددت يدى للهاتف لأقول للسفير (تعبى ما راح شمار فى مرقة!) .. ثم أشفقت عليه فقد يكون نائما وذهبت للسفارة باكرا واول شئ فعلته هو اننى ارسلت برقية تهنئة للمستر ادوارد هيث ، ثم اخطرت وزارة الخارجية بفوز المحافظين ، وبتقرير عن مسار تلك الانتخابات .
* وصل السفير لمكتبه وطلب منى ان انزل الى مكتبه ، وعندما دخلت عليه سألنى : (هل أرسلت برقية تهنئة لصديقك ؟) .. قلت : (نعم) .. فقال لى بصوت جاد ووجه حازم : (إننى كنت اتحدث مع الرئيس النميرى قبل قليل ، وقد طلب منى أن أكلفك بعمل وطنى كبير) ..
فقلت : (وانا جاهز لذلك) .. فقال بنفس الحزم والصرامة : (طلب منك ان تفعل كذا ..!) نظرت اليه فى دهشة واستغراب وحيرة ، ولكنه فجأة اطلق ضحكة مجلجلة ، رددت عليها انا باحسن منها !
* وطلب منى الجلوس وامر لى بفنجان قهوة .. ثم قال : ( بمجرد تشكيل الوزارة عليك ان تذكرهـ بوعدهـ ، بأية وسيلة ترى .. برسالة .. ببرقية .. بتلفون .. وانا سأكمل الباقى !) ..
* وهكذا عدت لمكتبى لأواصل بقية عمل ذلك اليوم .

سيداحمد الحردلو
الخرطوم 20 ابريل 2006م

elmhasi
26-01-2018, 06:27 PM
جريدة الوطن - الاثنين 3 ربيع الثانى 1427هـ - الموافق 1 مايو 2006م
أين هم فى الزحام الآن .. !؟ (9) من (...)
بقلم / سيداحمد الحردلو
-1-
* قمت بمهاتفة الاديب والصديق عيسى الحلو مساء يوم 22 ابريل وسألته كم مائة عام ستمر فى ابريل الحالى منذ ميلاد شكسبير ورد بأنه سينقب أوراقه طالبا اليّ الاتصال به فى اليوم التالى على هاتف الصديق كمال حسن بخيت .
* فتحت تلفونى السيار فى الساعة الثامنة من صباح 23 ابريل فوجدت الابيات المترجمة التالية :
مرضاة ليسوع احجم عن نبش الرماد لمحتوى ها هنا)
بورك من تجاوز عن هذهـ الاحجار)
(اللعنة على من حرك رميمى)
شكسبير .. (ابوخالد) .
* وعلى الفور ادركت ان صاحب الرسالة هو صديقى الآن وتلميذى (آواخر 1965م) فى الاهلية الثانوية بأم درمان لمدة ثلاثة اشهر الضابط العظيم عبدالعزيز خالد ، وأرسلت إليه أسأله عن مناسبة هذهـ الابيات ؟ ، فرد بما يلى : (ولد شكسبير فى 23 ابريل عام 1564م ، ودفن يوم 25 مايو 1616م (أي بعد اكثر من نصف قرن على وفاته) وأضاف ابوخالد (إن اليونيسكو كان قد إتخذ قرارا عام 1995م بإعتبار تاريخ ملادهـ عيدا سنويا ، ودهشت للمصادفة العجيبة !
فقد كنت اعد العدة للكتابة عن مشاركتى بإحتفالات عيد ميلادهـ الأربعمائة (كما اعتقد) فى مدينته (استراتفورد ابن ابون) وهي مدينة من جمالها كأنها قصيدة كتبها متنبئ إنجلترا وليم شكسبير وأذكر إن ذلك كان فى ابريل إما فى عام 1970م أو 1971م . كنت قد تلقيت دعوة للمشاركة واظن ان نفس الدعوة قد ارسلت لكل السفارات وازعم اننى كنت الملحق الإعلامى الوحيد الذى شارك فى تلك الاحتفالات ، وقد يكون زعمى مردودا !
* طلب منا منظمو الاحتفالية ان نتجمع فى مكان معين تنطلق منه الوفود الى مكان الاحتفال ثم بيت شكسبير (كانت الوفود مكونة من ادباء من بلدان كثيرة ، وكان يقف الى جانب كل وفد احد منظمى الاحتفال يحمل لافتة كتب عليها اسم البلد الضيف ، ووقف على يمينى احدهم وهو يحمل لافتة كتب عليها (السودان) وسار الموكب الطويل يطوف احد الشوارع المهمة فى الطريق الى دارة شكسبير ، وبينما نحن هكذا ابصرت سيدة سودانية تلبس ثوبها واقفة تشاهد الموكب ، فندهت عليها ان تنضم لوفد السودان ، وجاءت وسألتها : (ماذا تفعلين هنا؟) فقالت : إنها مع زوجها الدارس هنا .. ثم قالت : (إن زوجى هو محمد الحسن استيف) وغمرتنى الفرحة فأنا لم أرهـ منذ ايام وادى سيدنا الثانوية ، وهو دفعتى وصديق عزيز وكنا نناديه بإسم (استيف) وقلت لها : (أين هو الآن؟!) فقالت : (سينضم إلينا بعد قليل) وبالفعل رأيته بعد قليل بجلابيته البيضاء وعمامته المقنطرة واقفا على شمال الموكب ، فندهت عليه وجاء وإنضم الينا ، فصار موكبنا محط أنظار الواقفين على جانبيّ الطريق ، وصاروا يحدقون فى الموكب فى فرح ودهشة من الثوب والجلابية ، ربما لأن عددا كبيرا منهم لم يشاهد الثوب والجلابية السودانيين من قبل . وكنت سعيدا بذلك ، ولكن الإنجليزى المرافق كان اسعدنا فهو يرافق موكبا ينظر اليه كل الواقفين ويسألون من هم ، وكان يرفع لهم اللافتة التى عليها اسم السودان (فأين هما ’’استيف وزوجته!؟‘‘ فى الزحام الآن ، أسأل الله انهما بخير وفى صحة وعافية) .
* وصلنا الى مكان الإحتفال وأخذ الادباء يتبارون فى ذكر عظمة شكسبير ورواياته واشعارهـ ، ووصفوهـ بأنه (ثروة قومية لبريطانيا) ثم أخذونا الى بيته وطافوا بنا على الغرف كلها ، من سرير نومه الى مكتبه الذى كان يكتب فيه ، الى مكان جلسته الصباحية فى الحديقة ، الى مكتبته العامرة بكتبه ، وكتب الآخرين عنه ، ثم دعانا عمدة استراتفورد آبن أبون الى حفل عشاء فى بيته.
* كان اساتذتنا فى أواخر المرحلة المتوسطة يقولون لنا إن اسم شكسبير الحقيقى هو شيخ زبير وانه دنقلاوى وكان بعضنا يصدق ذلك !!.
* إنتهى الإحتفال وودعت الصديق استيف السيدة الفضلى حرمه ، وركبت القطار وطوال الرحلة كنت اتذكر اننا كنا نقرأ شكسبير ومعظم الروائيين الانجليز فى كتب لغتها مبسطة صاغها ادباء انجليز ، لكي يتعرف صغار الدارسين على أدابهم . ولكننى حين التحقت بقسم اللغة الانجليزية بجامعة القاهرة استطعت ان اقرأ شكسبير ومعظم روائيي وشعراء بريطانيا بذات اللغة التى كتبوا بها ، ثم كنت حريصا على متابعة المسرح الانجليزى - اثناء اقامتى فى لندن فى مسارح شافتسبرى افنيو كل اربعاء ، إذ كان السائد ايامها إن علية القوم يلبسون اجمل ما عندهم ويذهبون لمسارح شافتسبرى أفينو ، وكان صديقى الدبلوماسى محمد احمد ميرغنى والذى كان يسمينى (لورد هاملتون) واسمه (لورد مورغان) يحرص ان نذهب الى تلك المسارح ليلة الاربعاء (لأننا لوردات!!) .
* وكنت أحرص على الذهاب لمسرح الاولدوتش (Ald witch) حيث تعرض مسرحيات شكسبير ، كما ان السينما الانجليزية اعطت شكسبير حقه ، ومازالت تطن فى اذنى عبارة ذلك الملك المحاصر وهو يصرخ : (My Kingdom for a horse) (مملكتى من اجل حصانى!).
* واذكر ان اول مرة دخلت فيها مسرحا انجليزيا كانت بعد وصولى لندن لأول مرة وبعد اسبوع (كان ذلك فى يوليو 1968م ، إذ لفت نظرى مقالان فى صحيفتي التايمز والغارديان اشادا بمسرحية اسمها (Advertsment) أي الإعلان ، وسألت الدبلوماسى على ابوسن : (عليه رضوان الله) عن مكان ذلك المسرح ، وحين سألنى (لماذا تسأل ؟) قلت (اريد ان ارى تلك المسرحية) فقال : (سأدعوك اليها خلال يومين ، فأنت لاتعرف لندن بعد .. فقط كن مهندما فالإنجليز يذهبون للمسرح وكأنهم ذاهبون الى حفل!) واتصل بى فى اول مساء اليوم التالى وقال : (سأمر عليك الساعة كذا) وجاء وذهبنا للمسرح ووجدنا فى انتظارنا فتاتين انجليزيتين وقدمنا للبعض ودخلنا الى المسرح (وكانت المسرحية وبإختصار شديد عن رجل وجد فى صندوق مغلق فى محطة فكتوريا!)
* وقلت للفتاتين إن مسرحية (أدفرتايزمنت مسرحية ممتازة) وايدنى ابوسن ونطقها بنفس طريقة نطقى ! فقالت الفتاتان بتهذيب شديد إننا ننطقها (أدفير تسمنت!).
ومن يومها تعلمت حين اتحدث الى الانجليز ان استمع اليهم اكثر من ان اتكلم اليهم ، فالنطق الذى تعلمناهـ فى الكتب يختلف احيانا عن نطقهم لكلماتهم - وعجبت فيما بعد ان كثيرين من السودانيين وفيهم بعض السفراء ينطقونها بالطريقة الخطأ متأثرين بالفعل (Advertise) والله اعلم !.
-3-
* كان الاستاذ الطيب صالح والذى كان يعمل فى الـ(بي.بي.سي) مذيعا منذ الخمسينات قد جاء للخرطوم بطلب من رئيس الوزراء المحجوب لإصلاح حال الإذاعة السودانية ، والتى كان الاستاذ صلاح احمد محمد صالح يعمل بها ، وقال فى خطاب استقالته (إننى لست سعيدا بوضعى ولا بوضع الإذاعة) ثم حزم حقيبته والتحق بالـ(بي.بي.سي) .
* وصل الطيب صالح للخرطوم منتصف عام 1966م وظل يبذل جهدا جبارا فى إصلاح حال الإذاعة رغم العراقيل التى وضعت امامه من بعضهم ! أتصلت به هاتفيا صباح احد الايام ولم نكن قد التقينا من قبل ، وسألته عن امكانية زيارته فقال (إنه يجلس كل مساء امام باب المبنى الرئيسى للإذاعة) وذهبت لدار الإذاعة مساء احد الايام فوجدته جالسا وحدهـ موليا وجهه شطر حوش دار الاذاعة ، رحب بي وتبادلنا الاحاديث حول شئون شتى ، ولم يكن الطيب صالح قد عرف بأنه اديب عملاق حتى ذلك الحين ، المهم ان الطيب سئم عمله بالإذاعة من كثرة ما عانى من عراقيل داخل الإذاعة . وحزم حقيبته وعاد ادراجه الى الـ(بي.بي.سي) .
وبعد عام نشرت مجلة حوار روايته (موسم الهجرة الى الشمال) وأذكر إنها كانت فى (86) صفحة ، وإتكأت على طرف مكتبه الملايين وأخذت نسخة من مجلة حوار ولم اصدق عينى ولا ذاكرتى أن هناك روائيا سودانيا او عربيا ، يكتب بهذا الحسن والجمال وبلغة كأنها نعنعة الماء ! فنذهت .. يا حامد .. يا مطرى ’’صديق وصاحب مكتبة الملايين بالمحطة الوسطى بالخرطوم‘‘ قلت : (سجل فى دفترك ثلاث نسخ من حوار) فسمعت واحدا يقهقه خلفى فالتفت فإذا به القاص والناقد عبدالله على ابراهيم (وكان ايامها من قيادات الحزب الشيوعى ، وكان لهم ولآخرين تحفظات على مجلة حوار ، وكانوا يقولون إنها النسخة العربية لمجلة ’’Encounter‘‘ الإنجليزية والتى كان يقال إنها تابعة للإستخبارات الإنجليزية) قلت لصديقى عبدالله إننى اعرف رأيك فى حوار ، ولكننى سأهديك نسخة لتقرأ من صفحة كذا ... لصفحة كذا ... واشتريت ’’سندوتش‘‘ وركبت تاكسيا الى دارتى فى حي الامراء بام درمان ، وقرأت الرواية ثلاث مرات ونسيت الساندويتش ونمت ، وكانت حوار ممنوعة فى مصر ، وكنت مسافرا برفقة المحجوب الى مصر ، فأخفيت نسخة تحت ملابسى فى حقيبتى ، وكنا نسكن فى فندق شبرد ، وجاء الدكتور رجاء النقاش لزيارتنا ، وعند خروجه من غرفة المحجوب خرجت معه ووضعت له (حوار) فى جيب سترته ، وحين رويت هذه القصة لصديقى الطيب صالح حين دعانى لمصر - كرما منه ونبلا - هو والصديق الاديب محمود صالح عثمان صالح - قال لى الطيب إن صديقه عبدالمنعم سليم ’’رحمه الله‘‘ قال لى إنه أعطى رجاء النقاش نسخة من حوار - ولا بأس!! .
* المهم فى الامر ان الاستاذ رجاء النقاش كتب مقاله الشهير فى (المصور) بعنوان (الطيب صالح عبقري الرواية العربية) بل إن رجاء النقاش فى اليوم التالى بعد ان سلمته المجلة اتصل بى فى فندق شبرد وسألنى (مين الطيب صالح دهـ؟!) قلت : (إنه يعمل فى إذاعة الـ’’بي.بي.سي) فقال : (دهـ عبقري!!) وهل له مؤلفات أخرى !؟ قلت له (حسب علمى هذه اول رواية له!) .
-3-
* رويت كل هذا لأعود الى لندن .. حيث توطدت علاقتنا واصبحنا صديقين نكاد لانفترق وتعلمت منه اشياء كثيرة وغابت عنى اشياء كثيرة كنا نلتقى فى دارتى بنواحى همستد مرة كل اسبوع ، حيث يكون معنا دائما ابراهيم الصلحى ومحمد احمد ميرغنى وعثمان وقيع الله ، واحيانا جمال محمد احمد ومحمد عمر بشير ومنصور خالد وصلاح احمد محمد صالح وتوماس هود جكن وزوجته الحائزة على جائزة نوبل فى العلوم - وكنت اذهب اليه فى نادى الـ’’بي.بي.سي‘‘ وتعرفت من خلاله على عدد كبير من العاملين فى الـ’’بي.بي.سي‘‘ وعلى بعض الاديبات العربيات ، اما غادة السمان فقد بدأت علاقتى بها بالمساجلات الخطابية حين كانت تكتب فى مجلة الحوادث البيروتية ، فقد كتبت لها مرة أخالفها الرأي فى مقال كتبته ، فردت علىّ : (إن الواضح من اسلوبك انك اديب فواصل مراسلتى) واصبحنا اصدقاء على الورق - وحين وصلت لندن لأول مرة .. وانا فى مكتبى بالسفارة إتصل بي المستشار عمر قرنى وقال (لديك مكالمة فى تلفونى!) وذهبت وأخذت السماعة وسمعت صوتا نسائيا يقول (حزر فزر .. أنا مين؟) فقلت لها : (انا لم أسمع هذا الصوت الجميل من قبل ، ولكنى أعتقد إنك غادة السمّان) فضحكت وقالت : نعم - دعنا نلتقى هذا المساء .
وأقامت بلندن شهرين ، ثم عادت الى بيروت - ثم بعد عامين وذات مساء سمعت صوتها فى التلفون وقالت : انا الآن مع احمد الشيخ وزوجته فى شقتهم ، وذهبت وقالت انا تزوجت بشير الداعوق - فإذا جئت بيروت (فعنوانى هو شارع الداعوق - عمارة الداعوق لـ/غادة السمّان بطرف بشير الداعوق) وحين سألتها : (أين بشير الداعوق الآن!؟)
قالت إنه سيصل لندن غدا)..
* وذهبت بعد يومين مساءا لأزور صديقى الطيب صالح فى نادى الـ’’بي.بي.سي‘‘ فوجدت غادة السمّان هناك وقدمتنى لزوجها - وأضافت - لدهشتى ودهشة الحاضرين - هذا هو احمد الحردلو الذى كلمتك عنه وكان يشاكلنى كثيرا وهو شاب حمش اكثر من اللازم!!) .
* قال لى الاستاذ الطيب صالح (خلال عمله فى اليونسكو واقامته فى باريس) : (إن غادة لم تعد تقابل الناس - لأنها كما يبدو كبرت وتغير شكلها!) .
* كنت فى طريقى الى باريس عبر بيروت للدراسة فى ابريل عام 1974م ، فطلبت منى ان احضر معى رسائلها التى كانت ترسلها لى فى الخرطوم ، وأخذتها معى (لأنها تريد نشر رسائلى ورسائلها فى كتاب) ، ونزلت فى فندق البحر الابيض ، وأتصلت بها ، فأرسلت لى سيدتين تشبهان المصارعات اليابانيات ، فأخذتا الرسائل وإختفتا فى الزحام !!!
-4-
* الحديث عن لندن تلك الايام طويل ويطول . فمازلت أذكر البرت فيستفال هول على ضفة التايمز الاخرى حيث كانوا يدعون الشعراء الكبار كالشيالى بابلو نيرودا لإنشاد اشعارهم أو يقيمون حفلات سيمفونية أو أوبرالية ، وكنت كلما أعبر جسر لندن (London Pridge) مشيا أتذكر ابيات تى اس اليوت فى الارض الخراب ..
(London Pridge is falling down, falling down)
(جسر لندن يسقط للقاع)
ثم أتذكر قوله :
(Sweet Thames . run sofdy till i end song)
(ايها التايمز الجميل إجر برقة حتى أكمل أغنيتى) .. وكنت كلما وقفت امام برج لندن اتذكر آلاف الرؤوس التى تدحرجت من فوقه حتى وصلت بريطانيا الى ديمقراطية وست منستر .
-5-
كانت هنالك دار اسمها (بيت افريقيا) فى لندن وكانت تقام فيها الإحتفالات الافريقية بالشعراء والادباء والتشكيليين واذكر ان تلك الليلة كانت مخصصة للشعراء ، كان الشاعر ينشد قصيدته بلغة بلدهـ وكان يقف الى جانبه إنجليزي يقرأ النص باللغة الإنجليزية ، وجاء دور الشاعر والفنان عثمان وقيع الله ، ونادوا عليه ثلاث مرات ، وكان يجلس بجانبى ثم إختفى ، فرحت ابحث عنه فى جميع أركان القاعة ووجدته فى موقف لايحسد عليه . فقلت له يا عثمان ندهوا عليك ثلاث مرات ، فقال لى (قول لهم مانى جاي) وكررها ثلاث مرات فجذبته وأخذته عنوة الى المنصة ، وكان الإنجليزي يحمل نص القصيدة المترجمة للغة الإنجليزية .
فإذا بعثمان يضع أصبعه فى أذنه ويفاجئ الجميع بغناء ’’الطابق البوخة والايدهـ مجلوحة‘‘ وسط صفقة وضحك كل الحاضرين .

سيداحمد الحردلو
الخرطوم 28 ابريل 2006م

elmhasi
26-01-2018, 06:30 PM
جريدة الوطن - الاحد 9 ربيع الثانى 1427هـ - الموافق 7 مايو 2006م
أين هم فى الزحام الآن ..؟! (10) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* زار لندن ايام سفارة السفير جمال محمد ، الراحل المقيم جوزيف قرنق وزير وزارة شئون الجنوب ، وأقام مع السفير جمال ، وقد بهرنى ذلك الرجل بسماحته واخلاقه الفاضلة ، وإنكبابه على القراءة ، ولم يذهب للسوق ليتبضع كما يفعل الوزراء الآخرون ، وتحدث إليه الأستاذ فاروق ابوعيسى وزير الدولة بالخارجية وقتها (وكان يقيم مع جمال) والسفير جمال وشخصى - بأن يقدم محاضرة عن جنوب السودان فى مجلس العموم البريطانى ، فوافق الرجل على الفور ، وإحتشد على الكتابة ، وقد محاضرة شاملة وكاملة عن موضوع الجنوب والحلول المطروحة لحلها . وقد وجدت استحسانا كبيرا من جميع حضورها من نواب برلمانيين وسياسيين وصحفيين ، ورأيت ولكي تعم الفائدة أن أرسل هذهـ المحاضرة القيمة الى جميع سفاراتنا مباشرة مع نسخة بالطبع لوزارة الخارجية - وإستأذنت السفير جمال فقال (افعل) ففعلت ذلك - اولا : لقيمة المحاضرة وضرورتها فى ذلك الوقت ، وثانيا : كسبا للوقت حتى لا يتأخر تعميمها من الوزارة على السفارات ، وكان أول الذين اشادوا بالفكرة السفير فخرالدين محمد ، المندوب الدائم للسودان بالامم المتحدة ، وآخرون .. غابت عنى أسماؤهم - غير أن سفيرنا فى تنزانيا وكان من اشقائنا الجنوبيين أرسل رسالة الى وزارة الخارجية يحتج عن كيف يخاطبه سكرتير ثان ، فأرسلت الخارجية نسخة من إحتجاجه لإطلاعى (عبر السفير) وبدون تعليق منها ! .
-2-
* ثم زار لندن الاستاذ الجليل بابكر عوض الله نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ووزير الخارجية فى طريقه الى نيويورك لإلقاء خطاب السودان فى الامم المتحدة ، وإقترحت على السفير أن ندعو مذيعا من البي بي سي ’’العربية‘‘ ليجرى معه حوارا هنا فى السفارة ، فوافق . فإتصلت بالاستاذ الطيب صالح ليساعد فى ذلك - ففعل - وجاء المذيع يحمل مسجله - وبدأ التسجيل : وكان الوزير منفعلا يهاجم الاستعمار والامبريالية ، ويدق بيدهـ على الطاولة التى امامه - وخشينا السفير وانا ان يشوش هذا (الدق) على الكلام فلا يكون واضحا لدى المتلقى . فنظرت للسفير والذى قال لى (امسك يدهـ) وبالفعل امسكت يدهـ ، فإنتبه الرجل وتوقف عن دق الطاولة !
* ثم سافر الوزير الى نيويورك والقى خطاب السودان والذى شبهته الصحف الامريكية بخطاب خرتشوف وكاسترو فى إجتماع زعماء العالم ، قبل ذلك بسنوات حين اخرج نيكيتا حذاءهـ ولوح به وضرب به المنصة التى امامه (فكتبت الصحف الامريكية !(إن الغزاة قادمون!) The invadors are coming) .
* كان خطاب الوزير عنيفا هاجم فيه الامبريالية العالمية هجوما عنيفا وبالذات امريكا .
-3-
* كان الصحفى انطونى سلفستر (اليوغسلافى الاصل) والذى كان يعمل فى صحيفة الغارديان ، يكتب مقالات عنيفة معادية للسودان . ودعوته عدة مرات لزيارتى فى المكتب وزودته بكل الوثائق الى لدينا ، ثم دعوته للغداء والعشاء عدة مرات ، فصارت مقالاته معتدلة ، ثم إستأذنت الخارجية فى دعوته للسودان ، فوافقت ، وزار السودان مرتين أو ثلاث (لا أذكر) وكانت النتيجة إنه اصبح صديقا للسودان وكتب كتابا كاملا عن السودان ! .
-4-
وصلتنا دعوة لدعوة المستر براون (ناظر حنتوب المشهور) والذى درس نميرى ونقد والترابى وابوبكر عثمان محمد صالح وآلاف الطلاب وقتها ، فإتصلت به فرحب بالفكرة ، وسافر للخرطوم ، ثم حنتوب وحضر الإحتفالات ، وقابل نميرى ، ثم عاد الى مدرسته التى كان ناظرا لها خارج لندن ، ولم يتصل بي ، لأعرف إنطباعاته عن الزيارة .
* ثم وصلت دعوة اخرى لدعوته لحضور إحتفالات العام التالى ، فإتصلت به أنقل إليه الدعوة ، فإذا به يقول لى (إنك تعرف إننى اعمل ناظرا لمدرسة ثانوية ولا استطيع الغياب عنها - على كل حال سأزورك غدا فى مكتبك!).
* وجاء الى مكتبى وقال لى إن الصحفيين المصريين كانوا يحرجوننى بأسئلة محرجة فى زيارتى السابقة من شاكلة (هل كنت تتوسم فى نميرى سمات القيادة والزعامة؟ هل كنت ترى إنه سيكون رئيسا للسودان!!) وكان ذلك يضايقنى جدا . إنه فقط كان شابا قويا .. ولاعب كرة قدم .. ذلك كل مافى الامر ! ثم سألنى متى سيكون الإحتفال ؟! فقلت : (فى يوم كذا) فقال : (لى شرط واحد ، إذا قبلتموهـ سأذهب!) فسألته : (ما هذا الشرط؟) .. فأجاب (أغادر ليلة الاحتفال بالبريطانية التى تغادر مطار هيثرو فى الحادية عشرة مساء الاحتفال ، لنصل الخرطوم فى الصباح الباكر يوم الاحتفال ، تأخذنى المروحية الى حنتوب ، وبعد انتهاء الاحتفال ، تأخذنى المروحية الى مطار الخرطوم حيث أستغل اول طائرة متاحة فى تلك الليلة الى لندن ، فأنا لااستطيع أن اغيب عن المدرسة اكثر من هذا!!) .
* قلت له (سأنقل ذلك للخرطوم ، وسأفيدك بردهم حال وصوله) وأبرقت الخارجية وجاء الرد فى اليوم التالى بالموافقة على تلك الترتيبات ، وأخطرته تلفونيا بذلك ، وغادر بالفعل حسب تلك الترتيبات ، وعاد كذلك حسبها ، وإتصل معبرا عن سعادته بالرحلة وإنها كانت فى غاية الدقة والنظام ، وإنه إلتقى الرئيس نميرى ، وتحدثنا مطولا عن ذكريات ايام حنتوب ، كما أنه إلتقى عددا كبيرا من طلابه الذين اصبحوا مسئولين كبار .
-5-
* وصلتنى برقية من اخى عبدالحفيظ من دنقلا بأن والدى قد أدخل مستشفى دنقلا فى اول يوليو 1970م ، كانت ساعة ارسال البرقية الثانية ظهرا ، ووصلتنى فى مكتبى فى الرابعة عصرا ، أخذتها ونزلت الى مكتب السفير عابدين اسماعيل ، فقرأ البرقية ، وقلت له إنها المرة الاولى التى يمرض فيها والدى ، وأنا قلق جدا ، وأريد أن اسافر الليلة للخرطوم ، فقال : (على بركة الله) صعدت لمكتبى وأرسلت برقية لأخى (بأن أحضروا والدى غدا بالطائرة الى الخرطوم) ووصلتهم البرقية فى السادسة مساءا ، وصلت الخرطوم فى الخامسة صباحا - وعدنا الى المطار فى الحادية عشرة صباحا مع هبوط الطائرة القادمة من دنقلا وشاهدت والدى وهو يهبط سلم الطائرة متوكئا عصاهـ التقليدية بدون مساعدة احد (وحمد الله على ذلك) وذهبنا الى بيت صهرى عبدالحفيظ كتاب ، وكان يسكن فى الحارة الرابعة بالثورة ، وعند الرابعة تحركنا نحو الخرطوم ، وحين وصلنا الموردة سألنى ابى (دي الموردة؟) فقلت : (نعم) قال : (واين المشرع؟) فأشرت إليه ، وترجل من السيارة ومشى نحو المشرع ، فتبعناهـ ، فتوقف وقال : كنت أملك مركبين فى عام 1927م ، وكنت اتاجر بين ام درمان وكاكا التجارية فى الجنوب ، أخذ لها بضائع ام درمان ، وأعود من هناك ببضائع كاكا ، وكنت أنزل مع ابناء عمومتى (آل ابوشمة فى بيت المال) وكانت كل هذهـ المنطقة عبارة عن خلاء يقصدها قطاع الطرق بالليل . وذات يوم وأنا فى طريقى من المشرع الى بيت المال ، إلتقانى موكب المفتش الانجليزى ، وقال لي المفتش يا حاج الحردلو إنت عندك قروش كثير أنا اديك الارض دي كلها بخمسة وعشرين (لا أذكر قرشا أم جنيها الآن!) وحسب وصفه كانت المنطقة الممتدة من حديقة الموردة الآن الى نواحى مبانى التلفزيون الآن ..! فقال .. قلت له (انا بعد شوية راجع بلدى - اوديها وين!؟) فقلت له ضاحكا (لو أخذتها كان دلوقت إسمنا أولاد الموردة!).
* وصلنا مستشفى الخرطوم ، ولحسن الحظ وجدت الدكتور عبدالرازق المبارك مدير المستشفى ، والذى وجه بوضعه فى إحدى غرف الدرجة الاولى وأوصى بسرعة البدء فى إجراءات الفحوصات الشاملة ، وحين انا وهو فى الغرفة ، راح يسألنى عن لندن واسلوب الحياة فيها ، وعلاقات الرجال بالنساء ، ومعاملتهم للغرباء .. ؟؟ ثم قال لى (انا اعرف إن حالتى خطرة .. وأريد أن أوصيك وصيتين) الاولى : إن الدكان الذى فى تنقاسى والبيوت والنخيل لإخوانك عوض ومحمد وعبدالحفيظ وأختك .. والدكاكين التى فى امنتقو وناوا والبيوت والنخيل لك ولشقيقاتك الثلاث ، والوصية الثانية .. حين أموت أدفنونى قرب ضريح السيد المحجوب) وسالت من عينى دموع كثيرة وانا اقول له (انت بخير ومن الغد سأحضر لك افضل الاطباء) وحشدت له اصدقائى من الاطباء (عبدالرازق المبارك - احمد عبدالعزيز تاج السر عبدالماجد وبرفيسور داؤود وغيرهم) وحين لاحظت إن حالته بدأت تتدهور فكرت فى أخذهـ الى لندن ، وأحضرت مصورا لأخذ صور له لعمل جواز سفر وأخذهـ الى لندن ، وبعد أن اخذ المصور الصور ، وبدأت فى هبوط السلالم إلتقاهـ الدكتور عبدالرازق المبارك وسأله (ألا تعرف إن التصوير فى المستشفى ممنوع ؟! فرد المصور كنت اصور والد سيداحمد الحردلو) وجاءنى الدكتور عبدالرازق المبارك ، وأخذنى الى خارج الغرفة وقال (لقد قابلت مصورا .. وقال إنه كان يصور والدك ! ماذا تنوى أن تفعل؟) قلت : (اريد أخذهـ الى لندن) فقال (يا إبنى والدك لن يقوى على ركوب الطائرة) وسمع بهذا عدد من المسئولين والاصدقاء والاهل وبدأوا يتوافدون على المستشفى (عمر الحاج موسى ، ابوالقاسم هاشم ، احمد عبدالحليم ، موسى المبارك .. وغيرهم) .
* كان احمد شامى يزورنا فى المستشفى كل يوم حوالي الثانية ظهرا ، وجاءنى ذات يوم وقال (ارجو ان نتعشى معا اليوم فى المقرن) كنا نتناوب انا واخى عبدالحفيظ على البقاء بجانب الوالد ومعنا اهل كثيرون (انا من السابعة صباحا الى السابعة مساءا وهو من السابعة مساءا الى السابعة صباحا) وكان احمد شامى صديقا عزيزا للدكتور تاج السر عبدالماجد ، وجاء احمد شامى للمستشفى وذهبنا للمقرن ، وكان يتحدث فى مواضيع شتى إلا مرض الوالد .. وبعد أن تعشينا قال لى احمد شامى (يا سيداحمد .. الموت قانون .. وكلنا سنموت .. ووالدك حالته غير مطمئنة ، واريدك ان تتقبل هذا فى شجاعة وإيمان) شعرت إن د.تاج السر عبدالماجد هو الذى اخبرهـ بحقيقة موقف والدى الصحى ، وبدأت ابكى فأمسكنى من يدى وأوصلنى الى حيث اسكن !
* بعد ذلك بيومين إستحم والدى وغير ملابسه ، وكان اليوم جمعة وبدأ يتلو سورا من القرآن الكريم (فهو حافظ للقرآن) وكنت فى غاية السعادة ، وغادرت فى المساء الى حيث اسكن مع عدد من ابناء عمى (آل الشامى) وكنا حوالي سبعة ، وفى الساعة الواحدة صباحا نقر الباب وجاء صوت عمى عثمان (سيداحمد الحردلو معاكم؟) ولم يرد احد ، ولبسنا ملابسنا على عجل ، وذهبنا للمستشفى ، ووجدنا ان اخى عوض واعمامى قد سبقونا - وكانوا يتساءلون أين يكون مكان الدفن ؟ فأخبرتهم بوصية ابى ، وإنطلقنا بالجثمان الى منزل عمى محمد عثمان شامى بالصافية ، وبينما كانوا يعدون الجثمان ، إنطلقت الى مقابر السيد المحجوب وأيقظت الحارس وقلت له (اريد قبرا لوالدى) فنهض وطاف حول المقابر التى حول إستراحة الصلاة على الموتى ووقف تجت شجرة ظليلة وقال : (يا ولدى انا لى عشرين سنة احرس هذهـ المقابر ولم ار هذا القبر إلا الآن .
* بدأ الحارس وأولادهـ وعدد من الاهل فى إعداد المقبرة ، وعدت انا لبيت الشامى لأعود مع الجثمان - كان الشامى يستأجر طابقا فى عمارة يملكها الإذاعى محمد خوجلى صالحين (عليه رضوان الله) والذى اتصل بالإذاعة طالبا إذاعة النبأ ، فرشنا يوما واحدا بالخرطوم بحرى ، ثم غادرنا الى تنقاسى ثم ناوا .
* كان رحيل الوالد يوم 28 اغسطس 1970م - واستمر الفراش فى ناوا لأكثر من اسبوعين ، فقد كان والدى (عليه رضوان الله) معروفا بالتقوى وتلاوة القرآن وهو على حمارهـ بين امنتقو وناوا يوميا ذهابا وإيابا ، وكنا نسمع صوته وهو يتلو القرآن كلما استيقظ احدنا من نومه اثناء الليل ، وكان يعمل بالتجارة ، وكان ميسور الحال بمقاييس تلك الايام - وكان سباقا فى عمل الخير ، وكان الناس يلجأون اليه فى فض منازعاتهم . ويعتمد عليه العاملون فى مصر والسعودية فى رعاية اسرهم ، وقالت لى اليوم الاربعاء السيدة الفضلى نفورة محمد خير الحداد ، إنه ومحمد حسن الفنجرى كانا يقومان ضمن ما يقومان به من اعمال خير برعاية وتعليم تلميذ فقير حتى اصبح استاذا فى المدارس الاولية فكتبت والدته السيدة الفضلى خدم الله زيناب وهي امية قصيدة تقول فيها :
الحردلو حقيقة حجيت
ومسكت شباكه وقريت
الحردلو الناس مسكوا البشارات
وقالوا بابور الحردلو جات
وعندهـ كيلة وعندهـ قيراط
الحردلو حقيقة حبوب
وفوق العراقى ملفح التوب
* ويروى اهل ناوا حتى يومنا هذا روايات عن تقواهـ منها مثلا (إن إعرابيين طلبا ان يشتريا منه كيسين من العيش ودفعا الثمن ووضعا الجوالين على الجمل ، وهمس أحدهما للآخر - الليلة حتشرب مريسة تمام ! - وسمع والدى همسهما وقال لهما : ارجعا الجوالين للمخزن .. فعيشى ليس للمريسة)هذهـ قصة حكاها لى شاهد عيان وهو إبن شيخنا محمد عثمان رحمة والذى كان صاحب خلوة درست فيها القرآن الكريم . وقال ابن عمى الاستاذ حسين سيداحمد الشامى (شفاهـ وعافاهـ الله) والذى اصر على السفر مع والدى من تنقاسى الى ناوا ، وكان ما يزال طفلا القصة التالية : (إنه كان مع ابى فى محطة امنتقو حيث ترسو البواخر ، فأخذ العمدة بطيخة من بائع بطيخ وقطعها واعطى قطعة لأبى اخرى لحسين وهم حسين بأكلها ، فقال له ابى (لا تأكلها) فسأله العمدة (لماذا ياحاج الحردلو ؟!) فقال له ابى (انت لم تدفع ثمنها لصاحبها) وهنا قام العمدة بدفع ثمن البطيخة لصاحبها ، وعندها سمح والدى لحسين بأكل البطيخة !.
* ويروى أهل ناوا قصة أكدها أخى عبدالحفيظ الحردلو (ان الحمار الذى كان - يقضى به والدى مشوارهـ اليومى الصباحى بين ناوا وامنتقو وهو يتلو القرآن بصوت مسموع ، وكان والدى لاينتهر الحمار ، فالحمار حافظ لمشاوير ابى من البيت لمكتب البريد ، ومن مكتب البريد الى دكان سوق امنتقو ، ومن سوق امنتقو الى محطة امنتقو ، حيث آلاف الجوالات المنتظرة للترحيل) وكان يأتى صندل يسمى المخصوص لنقل بضائعه الى كريمة ثم بالقطار الى السيد بدوى حسن ، وكانا لم يلتقيا إلا مرة واحدة . وكان البدوى هو وكيل ابى فى ام درمان ، يقوم ببيع البضائع (ومعظمها من التمور والفول والقمح) يخصم عمولته ويحول المبلغ سالما كاملا لأبى - قلت كل هذا لأصل الى قصة الحمار الذى توفى بعد اسبوع من رفع الفراش ، فجروهـ الى فضاء بين حوض لتى ووادى البشير ، فظل الحمار شهورا وكأنه نائم ، لم يتورم ولم يتعفن . (فرأى الخيرون أن يدفنوهـ) وهم يقولون إن تلك بركات القرآن الكريم . القصص والروايات كثيرهـ ، ولكننى أكتفى بهذا .
* زرت قبر والدى قبل سنوات بعد غيابى فى اليمن فوجدت ان شجرة قد نمت فى منتصف القبر ، وفكرت فى قطعها وشاورت بعض العلماء الذين طلبوا منى عدم قطعها فإنها بركة من بركات الله على والدك .
* عدت للخرطوم فى الاسبوع الثالث من سبتمبر 1970م - لكي استعد للعودة الى لندن وحجزت للسفر يوم 29 سبتمبر - وأقام الصديق العزيز والصحفى الكبير محمد سعيد محمد الحسن حفل عشاء على شرفى مساء 28 سبتمبر ودعا له عددا من اصدقائى ، عمر الحاج موسى ، احمد عبدالحليم ، موسى المبارك ، محمد الحسن احمد ، كمال شانتير ، عوض مالك ، الفاتح التجانى ، وابوآمنة حامد ، وبينما نحن كذلك نقر الباب وجاء صوت (الصحفى) توفيق جاويش وهو يسأل (عمر الحاج موسى معاكم؟) وهرع للباب عمر ومحمد سعيد وموسى المبارك ، وعاد محمد سعيد وهو يصرخ (حدثت كارثة كبيرة .. جمال عبدالناصر مات!!!) .
* وإنفض شملنا وركبت مع احمد عبدالحليم ، وكنا نقصد السفارة المصرية ، لكن احمد دار بالسيارة الى بيته ، وهناك وجدنا مع زوجته الفنان شفيق شوقى وزوجته وذهبنا جميعنا الى السفارة التى كانت قد إمتلأت بالسودانيين والسودانيات وهم جميعا يبكون ويصرخون بأصوات عالية ، وحضنا بعضنا انا وقريبى المهندس محمد الحسن رغيم وبيكينا كما لم نبك من قبل !
إنه بالفعل يوم سقوط الحلم ويوم الهول العظيم !
-6-
* وإستيقظنا صباح اليوم التالى ولم يكن فى الخرطوم مسئولا كبير واحد ، ولافى مطارها طائرة واحدة ، كانوا كلهم وعلى رأسهم الرئيس نميرى قد غادروا مبكرين الى القاهرة ، فكتبت قصيدة بالعامية (مناحة) فى نفس اليوم ونشرها الراحل المقيم الفاتح التجانى فى الايام . وقيل لى (إن الانساء كن يمنحن) بها امام القصر الجمهورى ، وإنتظرت حتى انتهت مراسم تشييع الزعيم عبدالناصر ، وغادرت فى أول طائرة الى لندن .
* وبمجرد دخولى الى شقتى جاء الي الصديقان مأمون عوض ابوزيد عضو مجلس قيادة الثورة ومسئول الامن ، وعوض مالك - كان مأمون يقيم فى فندق وبمجرد علمه بعودتى غادر الفندق الى شقتى وأقاما هو وعوض مالك معي - كان مامون فى طريقه من موسكو للخرطوم وتحاشى المرور على القاهرة لأنه لايطيق ان يرى مصر بدون عبدالناصر - هكذا حدثنى .
وكنت ادعو بعض الاصدقاء للسهر معنا ، إحتفاءا بمامون ، وذات ليلة دعوت صديقى روى صر وزوجته ، وهو المتحدث الاشهر فى هايدبارك كورنر ورئيس جامعة الدراسات السوداء بلندن ، وكان مامون سعيدا بتلك السهرة والحوار الطويل الذى دار حول السودان خاصة قضية الجنوب !.
* ذات ليلة وكنا اربعة فقط (مامون وعوض ومحمد احمد ميرغنى وشخصى) قال مامون (جاءنا تقرير بان هناك احدا من الاخوان المسلمين فى سفارتكم يقوم بنشاط معاد لثورة مايو!) قلت لمامون (حسب علمى لايوجد احد فى السفارة يقوم بنشاط معاد لثورة مايو) - فقال التقرير يقوم إن اسمه فلان - فقلت لمامون (خذها كلمة صدق منى إن هذا الرجل متدين ويؤدى واجبه فى السفارة بشكل ممتاز ،وهو رجل فى غاية التهذيب والتواضع والادب ، وأؤكد لك انه لايقوم باي نشاط سياسى ضد مايو) ثم اضفت (اتمنى عليكم ان لاتمسوهـ بضر) .
* نظر لى مامون كثيرا ونحن اصدقاء من وادى سيدنا الثانوية وقال : (قلت كدهـ ؟ يا سيداحمد ! قلت : نعم) فقال (لن يصيبه سوء) وهذا ما كان .. إستمر الرجل دبلوماسيا ثم سفيرا طوال عهد مايو !
-7-
* نزل معى فى شقتى هذهـ عدد كبير من الدبلوماسيين والضباط والرسميين والمدنيين ، أذكر منهم منصور خالد ، صلاح احمد محمد صالح ، احمد عبدالحليم ، د.كمال زكى ، عبدالرحمن سعيد ، على نميرى ، عوض مالك ، ونزل معى عبدالعزيز يحي منور ، ود.محمد عبدالحي ، ومحمد المكى ابراهيم ، ومحمد عبدالدائم وعدد من آل ابوشمة (وهم اهلى) ود.محمد الطاهر عبدالرازق ، والمهندس عوض الكريم محمد احمد ، وابناء السفيرين مصطفى مدنى والامين محمد الامين فى طريقهم لمدارسهم خارج لندن او عائدين الى مقار آبائهم ، كما سكن معى لفترة السفير العالم صلاح عثمان هاشم ، وطفلته التى كانت تدرس خارج لندن ، ويوسف محمد على حميداب ، وعمر الزين صغيرون وذلك الصحفى وأظن إسمه محمد وعروسه ، ولم ألتقيه منذ ذلك الزمن ، ومحمد العباس ابا سعيد ، وآخرون ! وعند قيام إنقلاب مايو جاءت برقية معنونة للدكتور منصور وأبلغتها له فى باريس واصبح وزيرا للشباب والرياضة ، ثم جاءت برقية معنونة للاستاذ احمد عبدالحليم وكان يدرس خارج لندن ، فأبلغتها له وسافر للخرطوم واصبح وكيلا لوزارة الشباب .
* كانت مشاركة الصديق محمد الحسن استيف والسيدة الفضلى حرمه فى موكب السودان للمشاركة فى إحتفالات شكسبير فى استراد فورد ابن آفون والتى جاءت فى مقالى السابق تستحق أن نزجى لهما الشكر على الاقل بنشر صورتهما مع الموكب ، ولكن يبدو أن (الاعلان) لم يترك مجالا لنشر تلك الصورة ، فأتمنى على صديقى سيداحمد الخليفة ومساعديه ان يفعلوا إكراما لمشاركتهما الكريمة والتى جعلت كل الواقفين على طرف الشارع يهتمون بالوفد السودانى بسبب الزي القومي السودانى ، ذلك كل مافى الامر !.
* وصل لندن فى الاسبوع الثانى من يوليو 1971م وفد برئاسة الصديق العزيز اللواء خالد حسن عباس وزير الدفاع فى طريقه الى يوغسلافيا والاتحاد السوفيتى - استقبلنا الوفد بالمطار وإقترح الملحق العسكرى صلاح سعيد (عليه رضوان الله) أن يقيم الوزير بالفندق وأن يسكن الباقون مع العاملين فى السفارة ، وكان نصيبى اصدقائى اللواء الشاعر عوض احمد خليفة والوزيران الشقيقان محمد واحمد عبدالحليم ، ومعهم شخص رابع نسيت اسمه واظنه محمد نور سعد - لكن وبينما هم فى يوغسلافيا ادركهم إنقلاب هاشم العطا - لكن ذلك قصة اخرى !!.

سيداحمد الحردلو
الخرطوم 2 مايو 2006م

elmhasi
26-01-2018, 06:53 PM
جريدة الوطن - الاربعاء 12 ربيع الثانى 1427هـ - الموافق 10 مايو 2006م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (11) من (...)
بقلم : سيد احمد الحردلو
-1-
كلمة لابد منها
* هذهـ المقالات الخمس سبق نشرها فى صحيفة الصديق العزيز احمد البلال الطيب ’’اخبار اليوم‘‘ فى اغسطس 1995م اي قبل احد عشر عاما ، ولأننى أؤرخ لفترة مهمة من تأريخ هذا الوطن عشتها وعايشتها ، وليكون السياق العام متسقا لهذهـ السلسلة من المقالات والتى انوى - بمشيئة الله - ان اسجل فيها مشاهداتى ومتابعاتى منذ الطفولة الى يومنا هذا - إن مد الله ، جلت قدرته فى العمر - فإننى أستأذن الصديقين احمد البلال الطيب - معتذرا له ، وسيداحمد الخليفة ، شاكرا له - فى إعادة نشرها لتكتمل رواية احداث لندن يومها ذاك ..!
-2-
شهادة للتاريخ
هذهـ مقدمة لابد منها ، فأنا لم امارس الكتابة الصحفية منذ سنوات ، ذلك لأن الكتابة - بحد ذاتها - مسئولية امام الله والناس ، وإذا كان لديك ما تقوله ولاتستطيع أن تقوله كاملا ، فالصمت - إذن - هو الحل المتاح ، وكنت وما أزال - على قناعة بذلك - من هنا كان صمتى طوال سنوات مضت - ومن هنا كان اعتذارى لعدد من رؤساء تحرير صحف طلبوا مباشرة أو ارسلوا يستكتبوننى لصحفهم ، ومنهم كان الاستاذ احمد البلال الطيب .
إذن - فلماذا الكتابة الآن !؟
أولا : لأنها تأريخ ، وظنى أن لامحاذير حول كتابة التاريخ .
ثانيا : لأن الاحداث التى بدأت فى 19 يوليو 1971م تشكل واحدة من اهم الاحداث التى شهدها السودان ، ومن آجل ذلك وجدت تلك الاحداث ذلك الزخم الاعلامى الذى لم يجدهـ ’’السودان منذ مقتل غردون نهايات القرن قبل الماضى ‘‘ - على حد تعبير صحيفة ’’التايمز‘‘ اللندنية والتى كانت تصدر ثلاث طبعات يوميا عن السودان .. كذلك كانت تفعل صحف لندنية اخرى هي ’’الغارديان - الديلى تلغراف - المورننق استار - الايفننق ستاندرد‘‘ .
ثالثا : إن الإنقلاب العسكرى كان يساريا ، وكان إثنان من قادته موجودين فى لندن وهما المرحومان المقدم بابكر النور والرائد فاروق حمد الله .
رابعاً : إن التداعيات التى تلت ذلك أدت الى ضرب اكبر وأقوى حزب شيوعى مستقل عن موسكو - فى عالمنا الآفرو - عربى .
خامساً : إن تلك التداعيات أدت فى ’’ذلك الصيف الساخن حيث غاب العقل‘‘ - على حد تعبير محمد حسنين هيكل - الى أن يفقد السودان عددا من أميز مفكريه ونقابييه .
سادسا : إن إثنين من أهم شهود ايام لندن تلك قد رحلا عن عالمنا وهما المرحومان د.عزالدين على عامر ، واللواء عثمان بلول ، ويبقى من شهودها استاذنا الجليل عابدين اسماعيل - أطال الله عمرهـ - ويبقى كذلك السفيران احمد نور ومحمد احمد ميرغنى ’’أين هما فى الزحام الآن !؟‘‘ وكذلك العميد صلاح محمد سعيد ’’الملحق العسكرى‘‘ والاستاذ توفيق ابوقرون ’’المستشار التجارى‘‘ أمد الله فى أيامهم ، وأردت أن ادلى بشهادة للتاريخ فى حضرة هؤلاء الاحياء الاجلاء .
-3-
لندن بعيون سودانية
كنت اسكن فى شقة بشارع ’’الزي ويزرى‘‘ بناحية همستد فى لندن ، وكانت منتدى لمفكرين وادباء سودانيين ’’جمال محمد احمد ، داؤود عبداللطيف ، صلاح هاشم ، محمد عمر بشير ، الطيب صالح ، ابراهيم الصلحى ، عثمان وقيع الله ، د.محمد عبدالحي ، عوض مالك ، مامون عوض ابوزيد وغيرهم‘‘ وكان يقصدها من الصحفيين والادباء العرب ’’على امين ، احمد رشدى صالح ، غادة السمان ، احمد سعيد محمدية ، وغيرهم‘‘ ومن البريطانيين ’’العالم توماس هود جكن وزوجته الحائزة على جائزة نوبل فى العلوم ، والصحافيين مايكل ولفرز ’’التايمز‘‘ وانتونى سلفستر ’’الغارديان‘‘ وريتشارد ’’الفاينينشال تايمز‘‘ وجراهام تاير ’’قسم الدراما بـ البي .بي . سي‘‘ وروي صو مدير جامعة الدراسات السوداء وغيرهم‘‘ .
- جاء عابدين اسماعيل سفيرا - وجاء الدكتوران عزالدين على عامر واحمد النجيب وإنضما الى المنتدى ، وكان النقاش السياسى يحتد دائما بين الدكتورين ’’عامر مهاجما النظام ، والنجيب مدافعا - لكنه ظل خلافا بين صديقين‘‘ .
- وجاء يوليو 1971م - وهبط لندن المقدم بابكر النور وحرمه والرائد فاروق حمد الله . ورأيت أن أختصر فى عدد الحاضرين ، فقد كان فاروق يحرص على زيارتى كل مساء .
-4-
من هو محمد الذى فى برلين؟
- كان فاروق يجئ دائما قبل الآخرين وكان دائما يعطينى رقما لهاتف فى برلين ، ويطلب منى أن أطلب ’’محمد‘‘ - لم تكن الاتصالات مباشرة مع شرق اوربا أيامنا تلك ، وكان لابد أن تطلب المحادثة من الكبانية ، وكانت تأتى فى دقائق ، شعرت فى المرة الاولى أن الحديث يدور هامسا من جانب فاروق - فخرجت أتشاغل بترتيب شئ فى المطبخ ريثما تنتهى المكالمة ، وهكذا كنت أفعل فى المرات التالية . لم أكن اعرف من هو ’’محمد‘‘ هذا - ولم أسأل فاروق عنه . لكننى كنت على يقين بأن هنالك شيئا ما يدور فى المطبخ السياسى السودانى . وكان د.عزالدين يقول لى من وقت لآخر إن أحداث مهمة ستحدث فى السودان ، لم يكن فاروق يتحدث عن ’’النظام‘‘ فى حضور الآخرين إلا نادراً .
سألناهـ مرة ’’محمد احمد ميرغنى وأنا‘‘ كيف تم إختياركم لنميرى قائداً ؟ قال : كان أمامنا أحد ثلاثة ’’مزمل غندور - احمد الشريف الحبيب - وجعفر نميرى‘‘ .. خفنا من قوة شخصية الآولين - ووقع إختيارنا على نميرى على اساس إنه ’’غبي‘‘ وفى الإيد - فطلع ليس غبيا وليس فى الإيد!!‘‘.
-5-
ظروف فاروق المادية
كان فاروق يمر بظروف مادية حرجة ، وأخبرنى إن الرائد ابوالقاسم محمد ابراهيم زارهـ قبل سفرهـ الى لندن وطلب اليه ان يأخذ من الملحق العسكرى ما يشاء من مصروفات لكنه - أي فاروق - غير راغب فى ذلك .
وتفاكرنا حول الاتصال بالدكتور منصور خالد ’’المندوب الدائم للسودان بنيويورك وقتها‘‘ - واتصلت به ووعد بالحضور الى لندن خلال ايام . كذلك تم الاتصال بالاستاذ يوسف همت بباريس ووعد بإرسال تذكرة لفاروق ليسافر الى باريس ويقيم معه بعض الوقت ، كان هذا قبيل أيام 19 يوليو 1971م .
-6-
السابعة مساء الاثنين 19 يوليو
- كان فاروق - كعادته - سيزورنى ذلك المساء وكان قد سبقه الى بيتى السفير الراحل يعقوب عثمان وآخرون . ودق جرس الهاتف فى السابعة مساءا . كان المتحدث رئيس القسم الافريقى بصحيفة ’’الديلى ميرر‘‘ وبادرنى ’’تلقينا الآن نبأ عاجلا ’’فلاش‘‘ من وكالة الانباء العراقية يقول إن هنالك إنقلابا بالسودان؟!‘‘ . سألته ’’من قائد الإنقلاب؟‘‘ فأجاب : ’’مستر أتا أي العطا‘‘ وطلب منى أن أعطيه تعليقا .. فقلت : ’’لايمكننى التعليق فى هذا الوقت المبكر ، سأتصل بك لاحقاً‘‘ نسيت أن اقول إننى كنت المسئول عن قسم الإعلام والصحافة بالسفارة .
وطلبت بيت السفير عابدين اسماعيل ولم أجدهـ ، وتلفنت فاروق حمد الله وكان رد فعله الفورى ’’الله .. إستعجلوا‘‘ .. كان بابكر وفاروق يعدان العدة للعودة للسودان أواخر يوليو أو أوائل أغسطس‘‘ ثم قال فاروق لى : ’’أحسن انا ما أجى حيكونوا معاك ناس وأنا مش عايز إتكلم قدامن . أنا حأمشى أكلم بابكر النور .. أرجو الاتصال فى شقة بابكر إذا جدّ جديد‘‘.
وظللت أتابع محطتي تلفزيون الـ’’بي.بي.سي‘‘ والـ’’أي.تي.في‘‘ اللتين قطعتا برامجهما لبث النبأ .. وظللت أتابع كذلك الإذاعات البريطانية طوال الليل . ولم يكن لديهما من إضافة أو جديد ..!

elmhasi
26-01-2018, 06:55 PM
جريدة الوطن - الاحد 16 ربيع الثانى 1427هـ الموافق 14 مايو 2006م
اين هم فى الزحام الآن ..؟! (12) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
أسرار تُنشر لأول مرّة عن حقيقة ما حدث بلندن أيام 19 ، 20 ، 21 يوليو 1971م !
ماذا حدث بالعاصمة البريطانية عندما علمت أن اثنين من قادة الإنقلاب العسكري السوداني بأراضيها؟
-1-
لندن تكتشف أنهما هناك
* استيقظت مدينة الضباب صباح الثلاثاء 20 يوليو وأخبار السودان تتصدر بالمانشتات صدور صفحاتها الأولى، ولم تكن لندن تعلم حتى ذلك الصباح أن اثنين من قادة الإنقلاب موجودان على مرمى حجر من قصر بكنجهام.. حيث يقيمان في شقتين هناك.
دخلتُ السفارة باكراً وصعدتُ إلى الطابق الرابع حيث مكتبي، وبدأ التلفون رنينه الذي تواصل طوال النهار، صحافيون وإذاعيون يريدون «تعليق» السفارة على تلكم الأحداث، وقلت للأصدقاء منهم أن اثنين من قادة الإنقلاب موجودان في لندن ويمكنهم الإتصال فيما بعد لنرى امكانية ترتيب لقاء لهم بهما، ولدهشتي وبعد ساعة أو تزيد قليلاً جاء الساعي كارتر مهرولاً وهو يحمل مجموعة من الصحف يضعها أمامي وهو يصيح «إنهم هنا!»، كانت طبعات ثانية من معظم صحف لندن قد صدرت بتصريحات منسوبة لمصدر بالسفارة يؤكد وجود قادة الإنقلاب في لندن ، اتصلتُ بالسفير عابدين إسماعيل أنقل إليه هذا ، ثم سألته إن كان قد ذهب لمقابلة المقدّم بابكر والرائد فاروق وكان ردّه القاطع في التلفون «ما مشيت ولا ماشي الدايرني يجيني في سفارتي».
انهمكتُ في قراءة القصاصات الصحفية التي اعدّتها السكرتيرة شيلا عن أخبار الإنقلاب واعددت برقية مطوّلة بها ارسلت باللاسلكي لوزارة الخارجية بالخرطوم ، ومرّة أخرى جاء كارتر وهو يلهث «كان السيدان كارتر وعثمان يوسف «المشهور بعثمان سفارة» هما نجما السفارة نشاطاً وحيوية ، كان يخيّل للمرء أن المستر كارتر يمكن أن يكون موجوداً في طوابق السفارة الخمسة في آن واحد من كثرة حركته» وجاء كارتر وهو يصيح «سيد حردلو - استقبال السفارة محاصر بالصحفيين والكاميرات وهم يريدون مقابلتك»، طلبتُ إليه أن ينقل لهم أنني سأكون معهم بعد قليل، رنّ جرس التلفون وكان المتحدث العميد صلاح محمد سعيد «الملحق العسكري» والذي قال لي «المقدّم بابكر والرائد فاروق معي هنا في شقّة السفارة بالطابق الخامس» وطلب مني الصعود إلى الشقّة، وقلتُ له «يا سيادة العميد.. إنني اتلقى التوجيهات من السفير فقط»!!.
ورنّ جرس التلفون بعد خمس دقائق وكان المتحدث هذه المرّة هو السفير عابدين إسماعيل والذي أخبرني أن الملحق العسكري أحضر «الجماعة» للشقّة وطلب إليّ أن ألحق بهم ، نزلتُ إلى الطابق الأرضي فإذا بي في سوق من البشر، عشرات الصحفيين والمراسلين والمصوِّرين وقد انتصبت كاميراتهم في كل الزوايا ، بعضهم بريطانيون وبعضهم قاريون والباقون أمريكيون، وصعدتُ إلى الطابق الخامس حيث الشقّة.
كان هناك المقدّم بابكر والرائد فاروق والسفير عابدين والدكتور عزالدين علي عامر والعميد صلاح، ونقلتُ لهم أن هناك عدداً كبيراً من الصحفيين يريدون مقابلة بابكر وفاروق اللذين طلبا أن تكون الأسئلة مكتوبة ليكون الرد عليها أيضاً مكتوباً ، لم أكن مقتنعاً باسلوب الأسئلة والأجوبة المكتوبة ، كانت علاقتي بفاروق وهي صداقة قديمة بدأت بمدرسة وادي سيدنا الثانوية تسمح لي بالإعتراض والمحاججة ، ولكن علاقتي بالمقدّم بابكر كانت جديدة بدأت في لندن منذ أسابيع ، وهكذا عدتُ للصحفيين أنقل لهم ذلك فاحتجوا بأسلوبهم الإنجليزي الناعم ثم راحوا يكتبون اسئلتهم التي حملتها صاعداً مرة أخرى.
وطلب بابكر وفاروق أن أرد أنا على الأسئلة كتابة وكانت كثيرة جداً.. وهنا نهض دكتور عز الدين متبرعاً بالمساعدة ، وهبطنا إلى الطابق الثالث ، إلى مكتب الوزير المفوّض «لم يكن العمل في مكتبي ممكناً مع رنين التلفون المتواصل»، وإنضم إلينا الوزير المفوّض حينها أحمد نور والسكرتير الأول وقتها محمد أحمد ميرغني والذي قطع اجازته وعاد للعمل بعد أن كان يصطاف في جزيرة نائية في المحيط. «وبالمناسبة كنتُ سكرتيراً ثانياً وقتئذٍ» وجلسنا نتشاور نكتب ونكتب.
-2-
المؤتمر الصحفي الأول:
لستُ أذكر على وجه الدقة مَنْ الذي اقترح عقد المؤتمر الصحفي لكنه على كل حال - كان مخرجاً مناسباً، فالمباشرة من شأنها أن تشبع فضول الصحفيين وتجعل الحوار ساخناً وحياً. وافق بابكر وفاروق على الفكرة، وطلبتُ لعثمان سفارة وكارتر إعداد الصالة الكبرى بالطابق الأرضي لتكون مسرحاً للمؤتمر وبدأ المؤتمر. كانت كشافات الضوء قويّة ومن كل الجهات تُسلّط أضواءها على وجه المقدّم بابكر، حيث تجمّعت حبات العرق بكثرة على وجهه وتقدّم أحدهم وأخرج منديله ومسح حبات العرق عن وجه المقدّم بابكر، تحدث مطولاً عن أسباب الإطاحة بنميري ورد على الأسئلة بلباقة ولغة إنجليزية حسنة ، وكان من وقتٍ لآخر يشير على فاروق للرد على بعض الأسئلة ، وأجرت صحيفة القارديان لقاءً مطولاً مع الرائد فاروق بعد المؤتمر مباشرة.
-3-
ذاك المساء.. وهذا الصباح:
ذاك المساء هو مساء الثلاثاء 20 يوليو، وكان من وجهة النظر الإعلامية مساءً سودانياً لا ينقصه سوى النيل، فقد كانت كل محطات التلفزيون والإذاعة في بريطانيا تتناقل أخبار السودان وتحاور خبراء الشؤون السودانية عن الذي جرى ويجري في السودان.
وهذا الصباح هو صباح الأربعاء 21 يوليو، وكان كذلك صباحاً إعلامياً سودانياً - لا تنقصه سوى شمس يوليو الحارقة فوق الخرطوم، فقد كانت أخبار السودان والمؤتمر الصحفي على الصفحات الاولى من كل الصحف. كما كانت في افتتاحيات الصحف تتحدّث عن الذي جرى ويجري في السودان.
لم يكن الأمر عادياً لمن يستطيع أن يستشرف ويرى ويمد بصره وخياله إلى وراء ما يرى هل كان الأمر عند لندن وغيرها مجرد فضول إعلامي لإنقلاب في بلد من بلدان العالم الثالث أو في مستعمرة بريطانية سابقة!؟.
لا أظن أن عاقلاً سيقول نعم!.
-4-
كيف سيسافران للخرطوم؟
بدأ البحث عن وسيلة لسفرهما للخرطوم بالصوت العالي وكان ذلك خطأ قاتلاً ، قال قائل: لماذا لا نطلب طائرة من إحدى دول شرق أوروبا ؟ وقال آخر إن سفرية الخطوط الجويّة البريطانية العادية تغادر لندن - عادة - قبيل منتصف ليل الأربعاء فلماذا لا يسافران بها؟!
وللحقيقة والتاريخ سجلت اعتراضي على الاقتراحين بحسبان أن الأول لا يجوز ولا يليق وللثاني محاذيره وقلت أخاطب الرائد فاروق «إنني اقترح أحد أمرين ان نطلب طائرة سودانية أو نستأجر طائرة»، ودار نقاش حول خط سير الطائرة إن تمت الموافقة على أحد الاقتراحين لكن الصديق فاروق - يرحمه الله - قال إن «الحردلو متشائم لدرجة المغالاة» وأمر بالحجز على البريطانية وذهب مندوب من السفارة يُرتّب أمور الحجز والتذاكر وأخطرنا الخرطوم بذلك وطلب الرائد فاروق مني الإتصال بمحمد في برلين ليحضر إلى لندن قبل موعد إقلاع البريطانية ووجّه بالحجز له معهم وهنا سألته - وللمرة الأولى - «ما هو الاسم الكامل لمحمد حتى نحجز له» وضحك فاروق وهو يقول «أنا كنت قايلك عارف يا أخي ده الرائد محمد محجوب».
-5-
سفرية متلفزة
وكانت المفاجأة أن البريطانية قررت إلغاء سفريتها «لندن - الخرطوم - لوساكا» بسبب أن مطار الخرطوم مغلق أمام الملاحة الجويّة ونقلنا ذلك للمقدّم بابكر والرائد فاروق واللذين طلبا نقل قرارهما بفتح مطار الخرطوم للبريطانية للهبوط والإقلاع والتي طلبت بدورها أن يكون هذا الإذن كتابة ، وقد كان!
كان خبر سفرهما بالبريطانية قد ذاع وانتشر في كل العواصم ، وكانت كاميرات التلفزيون قد نصبت في مطار هيثرو بإنتظار تلفزة سفرهما وإذاعته على الدنيا على نحو ما سنرى!

elmhasi
26-01-2018, 07:01 PM
جريدة الوطن - الاربعاء 19 ربيع الثانى 1427هـ الموافق 17 مايو 2006م
أين هم فى الزحام الآن ..؟! (13) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
فاروق حمد الله في رسالة شفهية
لبثينة خليل : جعفر اخونا وما حيحصل ليه أي شيء بطال!
كــل إسـتخبارات الدنيا كانت تراقــب الطــائرة
التي أقلّت بابكــر النور وفاروق حمد الله
- 1-
توجيهات الرائد فاروق للملحق العسكري :
كانت الساعة منتصف نهار الأربعاء وكان المكان مكتب السفير، دخلت المكتب وكان الجالسون في مقدمة المكتب هكذا «المقدّم بابكر ، السفير عابدين ، الأستاذ محمد ناصر رئيس قسم المشتروات بالسفارة ، العميد صلاح محمد سعيد ، الدكتور عز الدين والأستاذ توفيق ابو قرون» .
وكان الرائد فاروق يجلس على مكتب السفير، قلت السلام ، وتقدّمت نحو فاروق «سعادتك أنت الآن في السلطة ، وأنت تعرف أن لديّ أصدقاء في مجلس الثورة السابق و...» قاطعني الرائد فاروق «عارف .. ابو العوض»؟ - يقصد مأمون عوض ابوزيد - قلت : «والزين والشيخ»، قاطعني للمرّة الثانية «مالُن»؟ قلتُ «جئتُ لأطمئن عليهم» إبتسم «ها أنت تعود لحساسية الشاعر ورقته ، إنهم إخواننا - إطمئن ، وتعال الخرطوم بسرعة عشان تشوف بنفسك «كان فاروق مُصرًّاً على عودتي للخرطوم في ذات الطائرة لأعمل مديراً لمكتبه ، وإستطعت إقناعه بعد عناء لأجيئ الخرطوم بعد أسبوع».. ثم نادى فاروق «يا صلاح» وجاء العميد صلاح وقال له «يا صلاح الشاعر ذكرني بحاجة مهمة ، أرجوك أنقل للأخت بثينة تحيات بابكر وتحياتي وقول ليها تطمئن ، جعفر أخونا وما حيحصل ليه أي شيء بطال ، ده خلاف بين أخوان ، ويا صلاح أديها أي فلوس تحتاج ليها إذا حبّت تسافر تسافر معززة مكرّمة وإذا حبّت تقعد في لندن تقعد معززة مكرّمة»، كانت السيدة الفضلى حرم الرئيس نميري في زيارة خاصة إلى لندن وكان يرافقها إثنان من حرس الرئيس هما النقيبان وقتها - حسين صالح وكمال خضر .
- 2-
والقنصل موسى إسماعيل :
كان القنصل موسى شاباً مليئاً بالنشاط يريد أن يتعرّف على بريطانيا والسودانيين فيها وكان مجتهداً في عمله من وجهة نظره ، وتعرّف من خلالي على عدد من الصحفيين الإنجليز، لم أرهـ يوم الثلاثاء ربما كان مشغولاً بحرق الأوراق السريّة - جاءني يوم الأربعاء وكان في حالة نفسية سيئة للغاية خاصة وقد جاءت توجيهات بعودته فوراً للخرطوم ، وأخذته وذهبت به إلى فاروق حيث طمأنه بأن لن يصيبه أي أذى وعليه فقط أن يعود للخرطوم حسب التوجيهات .
- 3-
زحام الكاميرات في مطار هيثرو :
كانت صالة كبار الزوار والطرق المؤدية إليها مزدحمة بعشرات الصحفيين وكاميراتهم يريدون مقابلة المقدّم بابكر والرائد فاروق - حاولت جاهداً إقناعهم بصعوبة ذلك ، شاهد فاروق محاولاتي وأخبرته بإصرارهم على إجراء حوارات أخيرة قبل الإقلاع ، ووافق، وإنعقد المؤتمر الصحفي الثاني في غرفة مهيأة لذلك ، ودار معظم المؤتمر حول برامجهم وكيف ستكون علاقات السودان بالغرب.
وانتهى المؤتمر وبينما كنت اتحدّث مع الرائد فاروق تقدّم منّا صحفي وعرَّف نفسه بأنه يعمل في صحيفة «الديلي تلغراف» وحجز على نفس الطائرة للخرطوم لكن ليست لديه تأشيرة دخول ويريد من الوزير فاروق منحه ورقة لسلطات مطار الخرطوم للسماح له بالدخول ، وكتب فاروق على ورقة «أرجو السماح له بالدخول» وذهب الرجل سعيداً ، وقلت لفاروق ضاحكاً «على كل حال ستكون الـ C.I.A معكم على الطائرة»، وتساءل مندهشاً :
«كيف!» وقلت : «إنهم يقولون هنا إن «الديلي تلغراف» هي صحيفة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية!» ولم أكن أعرف لحظتها ولا كان فاروق يعرف أن كل استخبارات الدنيا كانت تراقب بدقة متناهية تلك الطائرة البريطانية التي ستقلع بعد قليل !
-4-
أين الرائد محمد محجوب ...!؟
فجأة تذكرتُ.. أين الرائد محمد محجوب ؟! إنشغلنا طوال اليوم عنه بزحام العمل ، لم يهبط لندن قبيل إقلاع الطائرة ولا بعدهـ ، وليس صحيحاً ما أُشيع وقتها من أنّه كان بالطائرة وليس صحيحاً كذلك ما أُشيع من أن الـ«K.G.B المخابرات السوفيتية» طلبت إليه عدم السفر بتلك الطائرة «لو كان ذلك صحيحاً لأخطروا - بابكر وفاروق» والحقيقة أنه لم يجد وسيلة متاحة ذلك اليوم للسفر إلى لندن ، ذلك كل مافي الأمر .
كان المرحوم عثمان بلول قد جاء قبل أيام من موسكو بعد فترة تدريبية في طريقه للخرطوم عبر لندن وكان يقيم معي ، وقرر أن يسافر بنفس الطائرة ، وكذلك كان بالطائرة المرحوم البروفيسور يوسف بدري وحرمه .
وغادرت الطائرة قبل منتصف الليل بساعة واحدة ، كنت متعباً ومرهقاً منذ يوم الاثنين وأنا أعمل ليل نهار وأنام ساعة أو ساعتين فقط ، كان يقف بجانبي في مطار هيثرو النقيبان حسين صالح وكمال خضر ولاحظا أنني مرهق جداً .
قلت لهما إنني سأذهب لبيتي وسأنام ولن أجيئ للسفارة غداً ، وانصرفت وانصرف الجميع إلى منازلهم ، وصلت بيتي بعد منتصف الليل ، تناولت عشاءً خفيفاً واشعلت سيجارة ووقفت أمام النافذة ، أنظر للحديقة الكبيرة ، النجيل أخضر .. أخضر كأنه يشرب ريق الليمون على حد تعبير السفير الراحل الأمين محمد الأمين .. الأزهار بكل ألوانها ترسل العطر والندى .. الأضواء خافتة في البيوت .. لندن نائمة في طمأنينة وهدوء ، كم هي جميلة لندن هذه .. كم هي خضراء! أهو ويردز ويرز الذي قال :
هذه الأرض الخضراء
هذا الفردوس
هذه الإنجلترا
نظرت للساعة .. كانت الثالثة صباحاً ، دخلت إلى غرفة النوم ، رميت نفسي على السرير، كان كل شيء حولي مرهق ومتعب .. اغمضت عينيّ و .... ودقّ التلفون عنيفاً وقاسياً ، توكّلتُ على الله ورفعت السماعة ، وجاءني صوت السفير عابدين إسماعيل وكان صوته كذلك .. عنيفاً وقاسياً ..!

elmhasi
26-01-2018, 07:16 PM
جريدة الوطن - الاثنين 24 ربيع الثانى 1427هـ الموافق 22 مايو 2006م
اين هم فى الزحام الآن ..؟! (14) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
وكانت لندن كَمَنْ يبكي وينوح

كيف أجبرت السلطات الليبية طائرة بابكر النور وفاروق حمدالله على الهبوط في مطار بنين وأخذهما؟
(أ) اجبار الطائرة على الهبوط
كانت الساعة الرابعة صباح الخميس 22 يوليو ، رنّ التلفون عنيفاً وقاسياً ، كذلك جاء صوت السفير عابدين (إتصل بي مدير الخطوط الجويّة البريطانيّة الآن ، وقال إن السلطات الليبية أجبرت الطائرة على الهبوط في مطار بنين وأنهم أخذوا بابكر وفاروق) .. ثم أضاف السفير (إنني علمتُ من المدير أن الطائرة الآن في طريقها إلى لندن .. أرجو أن تذهب الآن للمطار وأن تقابل كابتن الطائرة وتعرف منه الذي جرى بالتحديد).
* اتصلتُ من جانبي بالوزير المفوّض أحمد نور فربما يفكّر في الذهاب معي وبالتالي يحل اشكالية المواصلات ، إذ لديه سيارة ، ووافق بالفعل على المرور عليّ حالاً ، واتصلت بالدكتور عز الدين علي عامر والذي قرر أيضاً الذهاب معنا .
وصلنا مطار هيثرو حوالى الخامسة وكانت الطائرة قد هبطت للتو . دخلتُ صالة الوصول ولدهشتي وجدتُ الكاميرات قد نُصبت مرّة أخرى .
بدأ الركاب يدخلون . ركّز المصوّرون كاميراتهم على النقيب عثمان بلول والذي رفض الإدلاء بأية تصريحات وطلب إليهم الإتصال بالسفارة . وأخذت عثمان بلول جانباً . سلّمني ملفاً كنتُ قد اعطيته لفاروق ليطّلع عليه في الطائرة وهو يحوي قصاصات صحفية عن كل ما نشر منذ صباح الثلاثاء .
ثم سألته : (ماذا حدث!؟) قال عثمان بلول : (أنْزَلوا الطائرة في مطار بنين ، دخلت مجموعة في ملابس مدنيّة ، جمعوا جوازات السفر من كل الركاب ، فحصوها ثم أعادوها ثم طلبوا من بابكر وفاروق الخروج معهم ، ولقد حاولت الخروج معهم إلاّ أن فاروق منعني وحمّلني إليك الوصية التالية «قول للحردلو أن يبرقوا هاشم العطا بألاّ يقبلوا أية مساومة بنا ، حياتنا فانية والمهم أن تستمر الثورة»).
* لمحت طاقم الطائرة يدخل الصالة ، تقدّمتُ من الكابتن وقلتُ له (نحن من السفارة ونريد التحدث إليه) ، أخذنا إلى مكتب مجاور وسألناه أن يروي لنا ما حدث . قال - وكنت أُسجّل ما يقول - (حين دخلنا المجال الليبي طلب منّا مطار طرابلس أن ننزل فيه لأن مطار الخرطوم مغلق ، واخبرتهم أن لدينا إذناً مكتوباً بالهبوط والإقلاع) لكنهم عادوا بعد قليل وكرروا الأمر بالهبوط . درتُ دائرة كاملة عائداً وطلبت إذناً من مطار مالطة واعطوني الإذن ثم عادوا بعد دقائق وسحبوه ، فحاولت الإتصال بمطار روما وفشلت كل جهودي ، وهنا رأيت استشارة الرئيس ونائبه (يقصد بابكر وفاروق) ورويت لهما كل ذاك فطلبا مني التوجُّه للخرطوم رأساً دون الالتفات لأية أوامر أخرى ، ودرتُ دائرة كاملة أخرى وتوجهتُ جنوباً ، وبعد فترة ليست طويلة حلقت على يمين ويسار الطائرة طائرتان مقاتلتان وأرسلتا اشارات بالهبوط ، وحرصاً على سلامة الركاب قررت الهبوط ، وهبطنا في مطار بنين حسب توجيهاتهم . وجاءوا وأخذوا الرئيس ونائبه . إنهما شجاعان جداً لقد كانا يدردشان معي ومع الركاب حتى آخر لحظة).
* وعدنا إلى السفارة وأعددت برقيتين واحدة بوصية الرائد فاروق والثانية بأقوال الكابتن وأخذتهما إلى السفير عابدين الذي وجّه بإرسالهما للخرطوم حالاً . وبينما أنا عائد لمكتبي التقاني النقيبان حسين صالح وكمال خضر وسألاني : (ما قلت ما جايي السفارة الليلة)! فقلت لهما : (نعمل إيه مع نميري وقذافي) قلت شيئاً مثل ذلك ولم يكن مهماً ولا مفيداً لأحد !
(ب) نميري على الهواء
إتصل السفير عابدين يطلب مني الإعداد لمؤتمر صحفي في الخامسة من عصر اليوم الخميس ، وبدأت الاتصالات بالصحف وأجهزة الإعلام الأخرى . وطلبت لعثمان يوسف إعداد المكان .
* كان السفير يريد إدانة ما حدث . كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة ظهراً . كنت منهمكاً في قراءة قصاصات ذلك اليوم . رنّ جرس التلفون . كان المتحدث صديقاً من القسم الإنجليزي بالبي - بي - سي ، قال (نميري يتحدّث الآن على الهواء) . نزلتُ إلى الطابق الثالث . كان عزالدين علي عامر يجلس على مكتب الوزير المفوّض وحيداً واضعاً يديه فوق صدغيه ، قلتُ له (نميري يتحدّث الآن) لم أسمع ولم اشاهد في حياتي مشهداً مثل ذلك . طار سيل من الدموع من عيني عزالدين إلى الأمام . قفزت الدموع إلى الأمام قفزاً . سألته (هل أنت بخير؟!) أخرج منديله يمسح الدموع ، دلفتُ إلى مكتب السفير وقلتُ له (نميري يتحدّث الآن) وقلتُ له بعد قليل (أرى أن نلغي المؤتمر الصحفي) وردّ السفير عابدين (لا .. لن نلغيه ، إن ما حدث خطير ولابدّ من إدانته) . عُدتُ إلى مكتبي .
(ج) إنهم يغادرون كالريح !
سمعت ضجيجاً وهجيج أقدام في ممرات السفارة . سألتُ السكرتيرة (ما هذا؟) قالت (لا أدري) قلتُ (اندهي مستر كارتر) وجاء مستر كارتر كالعادة مهرولاً (سيد حردلو ، إنهم يغادرون كالريح بالمصعد ، بالسلالم ، أوهـ ، غير معقول!) لابدّ أنهم عرفوا أن نميري قد عاد ، ولكن لماذا كل هذا الضجيج والهجيج ، لماذا يغادرون هكذا ؟! كانت الساعة توشك على الخامسة ، سألتُ مستر كارتر (هل القاعة جاهزة ، وهل جاء الصحفيون!؟) قال إن الغرفة مليئة بالصحفيين .
* هبطتُ من مكتبي إلى مكتب السفير، نهض وخرج أمامي ، لم يكن المصعد موجوداً فدلف يهبط بالسلالم في عنفوان شاب في الثلاثين . يمشي كجنرال والرقبة متكية لليسار، (كان السفير المغربي يعتقد أن عابدين إسماعيل جنرالاً بالجيش) ومن يومها كنتُ ومحمد أحمد ميرغني نسميه فيما بيننا بالجنرال . كان الجنرال يهبط الدرج أمامي وليست في يدهـ ورقة واحدة .
* قبل يومين قال (ما مشيت ولا حأمشي) (وكانا في قمة السلطة) اليوم هما في محنة وبدون سلطة ، وهاهو يهبط الدرج ذاهباً لإدانة العملية والدفاع عنهما . أي عظيم هذا الرجل ؟! دخلنا قاعة المؤتمر .
(د) عجبي عجب !
كانت القاعة مكتظة بالصحفيين - تقدّم السفير نحو المقدمة - ناداني الملحق الإعلامي في السفارة المصرية وكان صديقاً عزيزاً . (يا سيد) هكذا كان يندهـ اسمي (دهـ نميري رجع) قلت (عارف) .. (والسفير عارف!) قلت (نعم) (وحتعملوا المؤتمر!) قلت (نعم) وصفّق يديه وهو يقول (عجبي عجب!) أدان السفير العملية ، وقال (إنها قرصنة غير مسبوقة) وحين سألوهـ (سفير مَنْ أنتَ ؟ نميري أم بابكر!؟) قال (أنا سفير السودان!) وخرج وخرجت الكاميرات وراءهـ حتى السيارة .
* وجاءت تظاهرة يقودها بعض الإنجليز وبعض السودانيين وعلى رأسهم السفير يعقوب عثمان والذي كان يقول لي دائماً (أنا حزب أمّة جناح الإمام الهادي ، يعني يمين اليمين !) سألته (ما شأنك وهذه التظاهرة!؟) قال (نحن - السودانيين - قادرون على حل - مشاكلنا فلماذا يتدخّل بيننا الآخرون ! كنتُ أريدهما أن يصلا الخرطوم وأن نتداوس هناك - جئت أُدين هذه العملية)!.
(هـ) كانت لندن تنوح مطراً
* خرجتُ من السفارة ، قصر سنت جيمس على اليمين والسفارة على اليسار . كانت زخات المطر تتناثر عبر الظلام (أين هما في الزحام الآن ! رجلان من أميز الرجال . هل يستحقان هذا المصير!؟) (جعفر أخونا - دهـ خلاف بين أخوان) (إنها قرصنة غير مسبوقة) (كنت أُريدهما أن يصلا الخرطوم وأن نتداوس هناك!) إنني سعيدٌ بإنتمائي إلى وطن هؤلاء الرجال . كان المطر يزخ عنيفاً يجلد الظلام وينهال على الأرض . وكانت لندن كَمَنْ يبكي وينوح!

elmhasi
26-01-2018, 07:21 PM
جريدة الوطن - الاثنين 30 جمادى الاول 1427هـ - الموافق 29 مايو 2006م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (15) من (...)
بقلم / سيداحمد الحردلو
(أ) توجيهات فاروق للملحق العسكرى فى (التايمز)
بثت وأذاعت محطات التلفزيون والراديو أنباء المؤتمر الصحفى الذى عقدهـ السفير عابدين اسماعيل طوال ليل الخميس ، كذلك فعلت الصحف صباح يوم الجمعة ، وأبرزت كذلك نبأ نقل بابكر النور وفاروق حمد الله فى طائرة عسكرية الى الخرطوم ، إتصلت صباح الجمعة (وهو يوم عمل فى لندن) بالصحفى مايكل ولفرز رئيس القسم الافريقى بصحيفة ’’التايمز‘‘ اللندنية وطلبت حضورهـ عاجلا للسفارة لأمر مهم ، وجاء .. قلت له : (نريد أن نعمل شيئا يخفف من غضب نميرى وأقترحت أن ننشر سريعا توجيهات الرائد فاروق للملحق العسكرى حول السيدة الفضلى حرم الرئيس نميرى والتى جاء فيها أيضا قوله ’’جعفر اخونا ودهـ خلاف بين إخوان ، وما حيحصل ليه أي شئ بطال‘‘ . وأخذ مايكل ولفرز ورقة وقلما وكتب .. ونشر المقال - الوصية فى صفحة النصف فى عمود كامل على يسار الافتتاحية ، وهو مكان بارز ومقروء فى صحيفة ’’التايمز‘‘ - كان هذا صباح السبت ، وأعددته فى شكل برقية عاجلة للغاية بدون ترجمته وعنونته (خارجية الخرطوم - مكرر - قصر الشعب) وطارت البرقية للخرطوم وأخطرت السفير بذلك .
(ب) نداء الى الشعب البريطانى
وبينما كان مايكل ولفرز معي صباح الجمعة إتصلت بالدكتور عزالدين على عامر الذى عبّر عن سعادته بالفكرة ثم إقترح أن نلتقى لعمل نداء الى الشعب البريطانى تبثه السيدة الفضلى حرم المقدم بابكر النور من إحدى محطات التلفزيون وأعدّ الدكتور عزالدين النداء بلغته الانجليزية الصافية وإلتقينا فى أحد الاستديوهات (عزالدين - توفيق ابوقرون - مايكل ولفرز - السيدة حرم المقدّم بابكر النور وشخصى) وقرأت السيدة الخنساء النداء امام الكاميرات الدائرة وبثه تلفزيون الـ(اي.تى.فى) ذات مساء الجمعة أكثر من مرة وأعيد نشرهـ فى صحف السبت ، وابرقته كذلك للخرطوم .
وإنهمرت البرقيات من الاحزاب والهيئات والاشخاص من مختلف أنحاء بريطانيا على السفارة تطالب الرئيس النميرى باللجوء للرأفة والرحمة تجاهـ الرجلين ، وأبرقتها - كذلك - للخرطوم ، لعل وعسى !
(ج) تقرير للرئيس مع حرم الرئيس
غادرت السيدة حرم الرئيس نميرى لندن يوم الجمعة فى طريقها للخرطوم ، وأرسل (أحدهم) معها تقريرا عاجلا للرئيس حول نشاط اربعة اشخاص خلال الايام الثلاثة وهم السفير والوزير المفوّض والمستشار التجارى وشخصى . لم أطلع على ما حواهـ التقرير حول السفير والوزير والمستشار ، ولكنه أتيح لى الإطلاع على ما جاء فيه حول شخصى أثناء التحقيق الذى أجراهـ معى فيما بعد الاستاذ محمد ميرغنى (الفك المفترس) كما كان يحلو لأهل الخارجية تسميته ، وهو رجل حازم وقت الحزم وإنسان طيب المعشر (حفظه الله) وجاء فى التقرير إننى (شتمت الرئيسين نميرى والقذافى ، وإننى كنت سعيدا ومتحمسا ومبسوطا!) ويشهد الله إننى لم أجد خلال تلك الايام ثانية واحدة (لأنبسط) من هول الزحام ، ولكنه على كل حال (كلام ساكت) أراد مرسله به أن يدفع عن نفسه تهما أخرى لا داع للخوض فيها الآن !!
(د) إستدعاء بالجملة
إتصل بي الوزير المفوّض احمد نور صباح الاحد فى البيت (وهو يوم عطلة) وقرأ عليّ نص البرقية العاجلة التى وصلت للتو من الخرطوم والتى تقول :
(قرر مجلس قيادة الثورة أن يعود السادة عابدين اسماعيل واحمد نور وسيداحمد الحردلو فورا ونهائيا - نكرر فورا ونهائيا) تلت ذلك برقية اخرى توجه بتسليم مقاليد إدارة السفارة للسيد فليب أوبانق الذى كان يرعى معى شئون جنوب السودان فى لندن ، ثم وصلت برقية ثالثة تستدعى المستشار التجارى الاستاذ توفيق ابوقرون .
(هـ) مات بطلا !
لست ادرى كيف وصل صحفى الديلى تلغراف للخرطوم ، ومن اين حصل على تأشيرة الدخول ! كتب فى صحيفته يصف تصرفات الرجلين فى الطائرة ، وكيف كانا لطيفين يدردشان مع الركاب ويطلقان النكات حتى فى لحظات إجبار الطائرة على الهبوط .
وكتب مقالاً آخر من الخرطوم نشر فى الصفحة الآولى تحت عنوان (مات بطلا) يصف فيه كيف مات الرائد فاروق وكيف أستقبل الموت بشجاعة وثبات.
(و) عدن تعرض اللجوء إليها
إتصل سفير جمهورية اليمن الديمقراطية فضل السلامى ينقل رسالة من الرئيس سالم ربيع - وقتها - يعرض على السفير عابدين ودكتور عزالدين على عامر وشخصى التوجه الى عدن ، لكننا ثلاثتنا - شكرنا السفير وعبرهـ الرئيس اليمنى الجنوبى وذهبنا للمطار نودع السفير عابدين والذى غادر لندن للخرطوم فى اول طائرة متاحة .
(ز) الاصدقاء يقترحون بقائى فى لندن
جاءنى العالم البريطانى توماس هود جكن يطلب اليّ أن أختار بين جامعتى كمبردج وأكسفورد لعمل دراسات عليا فى اللغة والادب الانجليزى ، وجاءنى الطيب صالح يقترح عليّ الإلتحاق بقسم الدراما بالـ(بي.بي.سي) حيث كان يعمل وقتها .
ثم جاءنى الصحفى مايكل ولفرز ينقل لي إنهم فى صحيفة (التايمز) قد قرروا تعيينى محررا بالقسم الافريقى ، والحق أقول كانت العروض الثلاثة مغرية وتستحق التفكير ، وبينما أنا كذلك إتصل الاستاذ ميرغنى ابوشمة من أستكهولم يسألنى أخبارى ، ورويت عليه ما كان من أمرى ، فإعترض بشدة على بقائى بلندن ، إذ إنهم فى الخرطوم سيقبضون على احد إخوانى (رهينة) ونصحنى بالتريث قليلا حتى تهدأ العاصفة فوق الخرطوم ثم أعود إليها !
(ح) أمر مكتبى بالتسليم والمغادرة
كنت اقوم بتعريف السيد فيلب أوبانق بأصدقائى من الصحفيين والكتّاب الإنجليز بدعوتهم للغداء والعشاء وكنت حينها أشرف على قسم الصحافة والإعلام ، وكذلك شئون الجنوب وكان العمل كثيرا على شخص واحد . وكنت قد قطعت شوطا لا بأس به فى مجال التعريف بقضية الجنوب بدءا بمجلس العموم ورئيس الوزراء وقتها ادوارد هيث الى جامعة الدراسات السوداء الى ملاحقة السيد مادينق دي قرنق المسئول عن شركة جنوب السودان والتى كانت تصدر صحيفتيّ (اليقظة) و(ستار الحشاش) وكان اينما ذهب محاضرا وجدنى فى الصف الاول فى القاعة ، وكان أول ما يرانى يقول (أوهـ .. السفارة هنا!) واستطعت أن أحوّل الصحفى اليوغسلافى الاصل انتونى سلفستر من مقاعد الانانيا الى مقاعد السودان غير ذلك كثير وليس هذا مجاله!) .
* كنت أضع تلك التجربة أمام السيد فيلب أوبانق كل يوم قبل 19 يوليو . وجئت مكتبى فى نهايات ذلك الاسبوع العاصف الملم أوراقى ، فإذا بأمر كتابى بتوقيعه يطلب إليّ تسليم مكتبى للقنصل موسى اسماعيل ومغادرة لندن للخرطوم فورا !!.
حملت أوراقى وخرجت . وقال لى غيرهـ إن هنالك ضغوطا مورست عليه ليكتب ما كتب من شخصين بالسفارة !!.
(ط) من لندن الى كوبر مع تحيات سودانير!
دخلنا طائرة الخطوط الجوية السودانية (أسرة السفير عابدين واحمد نور وأسرته وتوفيق ابوقرون واسرته وشخصى) وحين هبطت الطائرة فى مطار الخرطوم فى ذلك الصباح الباكر كانت هي أيضا تمطر ! ورأينا من خلال المطر دبابات تجثو فى المطار وهتف ابناء السفير وهم يشيرون لى :
(إن تلك الدبابات فى إنتظارك!) وخرجنا من المطا ، وذهبت الى ميز الهبوب أنزل فى غرفة الصديق هاشم التني (الذى كان بكوبر ، وكان المفتاح عند صديق الطرفين ضابط الشرطة فيصل عباس) وذهبت للخارجية فى ذات اليوم وقابلت وكيلها السيد محمد ميرغنى الذى طلب منى أن ارتاح اليوم وأجئ فى اليوم التالى ، وجئت وبدأ هو التحقيق معى ، وأشهد أن الرجل كان نبيلا وكريما معى ، كان يسأل وحين أجيب كان يعيد صياغة الإجابة نيابة عنى بدقة وحذر ضابط الشرطة حتى لاتكون هنالك ثغرة ضدى ، وتبرع الصديق سمير مصطفى خليل ليشهد لمصلحتى ، وكان ضابطا بالقوات المسلحة وشهد جزءا من تلكم الايام بلندن ، وذات صباح إتصل بي أهلى ينقلون نبأ رحيل عمتى زينب شامى ، وإتصلت بالسفير الرصين احمد صلاح بخارى مدير المكتب التنفيذى أستأذنه فى الذهاب للعزاء ، لكنه طلب حضورى للخارجية لأمر مهم ، ودخلت مكتب مدير الشئون الإدارية ووجدت اربعة من ضباط الامن فى إنتظارى ، وذهبت معهم الى جهاز الامن ، حيث أخذونى الى غرفة وأعطونى صحيفة وطلبوا لى فنجان قهوة وجلسوا هم فى مكتب مجاور ، طال إنتظارى ، فنهضت ووقفت أذكرهم بأننى ذاهب للعزاء ، قال احدهم (نحن فى الحقيقة محرجين معك!) وقلت على الفور (الحكاية كوبر وألاشنو؟) .. قالوا (نعم) .. قلت : (إذن هيا بنا!) .. أخذونى الى وزارة الداخلية وتركونى على كرسى حوله قضبان وكانوا قد سلمونى الى الجهة التى ستأخذنى الى كوبر . ظللت قابعا هناك ، ثم أخذونى الى كوبر ، ورفض الضابط المختص إستلامى بدعوى إن الخطاب الموجه لإدارة السجن يقول : (يطلق سراح المذكور!) وطالبت بإطلاق سراحى . لكنهم عادوا بي الى وزارة الداخلية لتصحيح الخطاب ، وعدنا الى كوبر ثانية ، وقفت امام السور الذى يكاد يلامس السحاب ، هناك باب كبير وداخل الباب الكبير يوجد باب صغير لا تملك إلا ان تنحنى إن قصدت الدخول ، وإنحنيت ودخلت ، وإنسد الباب الصغير على الباب الكبير المنحوت فى السور الذى يكاد يلامس السحاب !
هذا كل مافى الامر!!

elmhasi
26-01-2018, 07:28 PM
جريدة الوطن - الاحد 28 جمادى الاول 1427هـ الموافق 25 يونيو 2006م

أين هم فى الزحام الآن ..؟! (16) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
المنتخب الثقافي السوداني في حضرة كوبر..!
يا عــزيزي نيكـــيتا.. إننا فـــي بلاد غـــريبة..!
ـ1ـ
* وقفت أمام السور الذي يكاد يلامس السحاب ، هناك باب كبير وداخل الباب الكبير يوجد باب صغير .. لا تملك إلاّ أن تنحني إن قصدت الدخول ، فانحنيت ودخلت ، وإنسدّ الباب الصغير على الباب الكبير المنحوت في السور الذي يكاد يلامس السحاب .. هذا كل مافي الأمر!
ـ2ـ
* رفعت رأسي فإذا أنا أمام هرج ومرج لفريقين يلعبان كرة السلة ، أحدهما يحمل اسم السفير عبدالكريم ميرغني ، والآخر يحمل اسم مولانا صلاح حسن رئيس القضاء ، كان يرافقني ضابط من مدينة الغابة ، مهذّب وخلوق ، قال لي سآخذك لتقيم مع قوم محترمين في خيمة الكويت ، سألته (لماذا اسمها «خيمة الكويت!») فأجاب لأن ساكنيها من علية القوم ومرتاحون وعندهم سجاير كثيرة ! درنا يميناً ثم يساراً وكان مشجعو الفريقين يصطفون فوق المسطبة .. سأل أحدهم جارهـ (ده منو وليه جايي متأخر) ردّ عليه الآخر (ده جايبنو من لندن) .. فردّ الأول (أتاري الحكاية كبيرة كدي ونحن ما عارفنها) !
* رآني الفنان محمد وردي من بعيد فصرخ (يا أخي متأخر لا هسع مالك!) (نسيت أن أقول إن ذلك كان يوم 13 أغسطس 1971م) دخلت خيمة الكويت فرحّب بي الموجودون فيها إلاّ واحد وبمجرد دخولي وأنا منشغل بالسلام وكان راقداً غطى وجهه (بكُم) جلابيته وعمل نفسه نائماً .. وخلال دقائق امتلأت الخيمة بالناس وبدأوا يمطرونني بالأسئلة عن الذي حدث في لندن .. فرويت لهم بعض ما رويت في الحلقات السابقة .. وانصرفوا . وهنا رفع النائم الصاحي (كُم) جلابيته عن وجهه ، وهو يقول (يا دباس .. ديل كلهم غواصات) (غواصات بلغة كوبر تعني جواسيس!).
وإذا به هو الصديق سعيد كسباوي (أو كبس الجبة) كما يسميه الصديق كمال ، وكان نزلاء الخيمة إلى جانب كسباوي هم الأساتذة صلاح حسن وحسن التاج وحسبو ، وحمد الجزار ، ودكتور عمر اختصاصي طب الأطفال وآخرون غابت عني أسماؤهم ، وكان سبب اعتقال بعضهم أنهم ذهبوا لزيارة الأستاذ عبدالخالق محجوب في دارهـ ولم يجدوهـ فتركوا له رسالة تقول : (قنطرناها ليكم فلا تنسونا) ووقّعوا اسماءهم ، ووجد رجال الأمن الرسالة !
ـ3ـ
* كان السجن مقسماً إلى أقسام منها السرايا والمعاملة والكرنتينة والطواريء والمستشفى والشرقيات والغربيات والزنزانات والمشنقة !
* وكان كل معتقل فيه يمنح برشاً و«كورة» البرش للنوم ، و(الكورة) لشاي الصباح وللإفطار والغداء ، ولا يوجد عشاء!
* أما أنواع الطعام فكانت الفول والعدس وبعض أنواع الطبيخ المطبوخ بالقرع وخلافه . كانوا يجلبون إلينا اسوأ اللحوم . وذات مرة وكنا نتغدى ألقى جاري بقطعة لحم على مسافة مترين من مجلسنا .. فهبط إليها صقر والتقطها وطار إلى أعلى وبعد أقل من دقيقة ألقى بها إلى الأرض .. وطار إلى سماواته يبحث عن لحم يمكن أكله .
ـ4ـ
* كان المعتقلون يمثلون معظم ألوان الطيف السياسي السوداني ، فيهم الشيوعيون ، ولهم الغلبة ، والديمقراطيون والبعثيون والناصريون والإتحاديون والمستقلون ، وكان معظمهم لهم وظائف عليا في القضاء الجالس والواقف والدبلوماسية والعسكرية ومختلف مرافق الخدمة المدنية ، وفيهم الشعراء والنقاد والفنانون والصحفيون والنقابيون والأطباء والمهندسون والوزراء السابقون .
* كنت حين أنظر فيهم وحولهم أشعر أن منتخب السودان الثقافي معتقل هنا في كوبر!
ـ5ـ
* لم يكن ذلك سجناً عادياً ، بل كان منتدى ثقافياً وفكرياً وفنياً ، كانت لا تكاد تخلو أمسية من محاضرة في شأن من شؤون الثقافة والفكر والسياسة والموسيقى والغناء . كان هناك إلى جانب من ذكرت الأساتذة أبوزيد محمد صالح وعبدالله علي إبراهيم ومحجوب شريف ونور الهدى محمد نور الهدى وبدر الدين مدثر وشوقي ملاسي ومحمد بشير الزعيم وسعيد حمور واسحق شداد وسيد أحمد الخليفة ، وكان هناك الفنانون محمد وردي ومحمد الأمين وإدريس إبراهيم ، وكان هناك النقابي والشاعر الحاج عبدالرحمن وإبراهيم المحلاوي وزير الثروة المعدنية في الديمقراطية الأولى ، وأحمد (رأس النيفة) والموسيقار الأستاذ أحمد سعد الذي ترجم النشيد الأممي للعربية (لن ننسى أياماً مضت .. لن ننسى ذكراها ... لن ننسى أياماً مضت لن ننسى ذكراها) وحفّظه لجميع المعتقلين ينشدونه عند إطلاق سراح أحد المعتقلين .. حين يصطفون أمام البوابة الرئيسية ، وكان هناك عوض الصائغ ، والضابط العظيم علي عبدالله أبو شمّة وعدد من الضباط ، والمئات من الذين لا يسمح المجال والذاكرة بذكرهم !
ـ 6ـ
* كان سعيد كسباوي يعمل طياراً بوزارة الحكومة المحلية قبل ذلك ، وكانت له علاقة وطيدة بالرائد فاروق حمد الله ، فطلب إليه أعضاء مجلس الثورة قبيل قيام مايو ، أن يذهب بطائرته إلى جبيت لينقل منهم رسالة لنميري بتحديد موعد ساعة الصفر وضرورة حضور نميري للخرطوم عاجلاً ، وقام كسباوي بنقل الرسالة وجاء نميري وحدث الإنقلاب .
* كان للمستشفى بسجن كوبر شباك يطل على باحة السجن ولكنه كان مغلقاً دائماً ، وكان المعتقلون بالمستشفى لديهم الراديو والصحف اليومية ، أي لديهم الأخبار، كان كسباوي يطلب مني كل يومين أو ثلاثة أن نذهب إلى جوار المستشفى ، هو يتكيء على الشباك وأنا أقف على مسافة ثلاثة أمتار منه ، أُحرّك يديّ وكأنني أتحدّث إليه ، بينما هو يتحدّث إلى الذين في المستشفى ويسألهم إن كانت لديهم أخبار بإطلاق سراح بعض المعتقلين ـ فإن قالوا (لا) ينادي بأعلى صوته (يا وردي .. الليلة غني «أي المشانق» ـ وإن قالوا (نعم) ينادي كذلك بأعلى صوته يا وردي .. الليلة غني «غلطة كانت مشيت جبيت»!
ـ7ـ
* وجدني المحلاوي اتناول فولاً في الفطور فسألني (إنت ما عندكش سُكري!).. فقلت (لا) ـ فقال (لا ، انت عندك سُكري)» وأخرج كباية من جيبه وقال لي (روح هات بول) ففعلت.. فوضع سكراً فيه ، وأخذني إلى المستشفى وبعد الفحص المعملي تبيّن أن عندي سكري وكتبوا لي غذاءً خاصاً !
* سألت المحلاوي عن سبب وجودهـ في كوبر فقال (إنه أرسل رسالة للملك فيصل يخبرهـ فيها بوجود معادن من كل الأصناف وبكميات هائلة في السودان طالباً منه مساعدة السودان في اخراجها وأن رسالته وقعت في يد الأمن)!
* طبعاً لم يُصدّق روايته أحد !
* كذلك فعل أحمد الذي اشتهر بـ(رأس النيفة) إذ كان يقول إن أسباب وجودهـ في كوبر (أنه كان يعمل صبي نجار في السجانة ، وأن النجار «انبسط» ذات يوم من أدائه فإشترى له «رأس نيفة» وبينما كان يحملها عائداً إلى بيته التقته سيارة أمن وأخذته إلى كوبر!).. وكان هو والمحلاوي أول الذين أُطلق سراحهما ، وحين وقفنا ننشد للمحلاوي (لن ننسى أياماً مضت) هتف أحدهم (عائد .. عائد يا محلاوي) فصرخ المحلاوي (بس .. بلاش مسخرة)!!
وأما أحمد (رأس النيفة) فقد وقف في صمت وحين انتهى إنشادنا انحنى وعبر الباب الصغير بدون أن يقول (وداعاً) ـ وبعد إطلاق سراحي ، سافرت إلى بورتسودان في يناير 1972م ، لأنه كانت لديّ كتب واسطوانات مشحونة بالبحر من لندن ، وبينما كنت اتجوّل في سوق بورتسودان التقيت أحمد رأس النيفة ، وأخبرني العارفون بأنه (نقابي كبير)!
* أما عمنا عوض الصائغ فقد قال .. (إنه أرسل برقية لهاشم العطا بثمانية عشر قرشاً وحين عاد نميري أرسل له برقية بثلاثين قرشاً)» .. ورغم ذلك اعتقلوهـ ! وكان هناك هاشم التني صاحب البرقية الشهيرة (من هاشم إلى هاشم)!
ـ8ـ
كان كسباوي يوصيني دائماً بالحذر عند الحديث عن الذي جرى في لندن لأن بالسجن عدداً من (الغواصات) ـ وكان حسن التاج يروي لنا دائماً كيف أن السكرتير الخاص بالزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف كان يلاحقه في سفراته الخارجية وكلما همّ خروتشوف بتفجير قنبلة من قنابله المشهورة كان يقول له (يا عزيزي نيكيتا .. إننا في بلاد غريبة)!
* وإذكر من قنابله الشهيرة أنه كان في زيارة إلى لندن ، وأثناء لقاء ضمّه مع زوج الملكة دوق أدنبرهـ قال خروتشوف أمام الحاضرين وهو يخاطب الدوق (إننا نعرف ماذا تفعل بالليل ولكننا لا نعرف ماذا تفعل بالنهار)!!
* وهكذا كان حسن التاج وحين يشعر بأن شخصاً غريباً أو مشكوكاً فيه أتى إلى الخيمة يقول وكأنه يحادث نفسه (يا عزيزي نيكيتا.. إننا في بلاد غريبة)! وكنا نفهم ونلزم الحذر!
ـ9ـ
* كان الصول عم لوج شخصية شهيرة في سجن كوبر، وكان يقسو حيناً ويحنو أحياناً وكان هو الآمر الناهي داخل السجن ، وكان يناديني (بسعادة السفير) ولم أكن حينها سوى سكرتير ثان فقط ! كان يقول لي دائماً (دهـ بلد عجيب .. ناس جوّهـ هنا يطلعوا وزراء .. وناس وزراء برّهـ يدخلوا جوّهـ)!
* كان قد تشاجر يوماً مع أحدنا ، وكنا قد قررنا الاضراب عن الطعام في اليوم التالي لأسباب نسيتها ، وكان الجو بارداً جداً وجاء عم لوج في الصباح ، ووجد أننا لم نشرب الشاي وظنّ أننا فعلنا ذلك غضباً منه وعليه ، وظلّ يمر على الجميع وهو يقول (يا أولادي .. الدنيا برد قوموا اشربوا الشاي .. انتو زعلانين منّي) فقلت له (يا عم لوج .. نحن ما زعلانين منك .. نحن زعلانين من إدارة السجن . عندنا مطالب ما وافقوا عليها عشان كدهـ نحن مضربين عن الطعام)!
ـ10ـ
* كانت إدارة السجن تدخل المساجين المحاكمين في الجرائم المختلفة إلى باحة سجن السرايا ليقوموا بنظافته ، وكنا نطلب منهم غسيل ملابسنا مقابل السجاير .. كانت العملة المتداولة هناك هي السجار . وكان من أشهر سجناء الجرائم ابوجنزير الذي أرعب أهل عطبرة بجنزيرهـ ، حيث كان يقفز في البيوت ليلاً ويرعب الأسر الآمنة بدون أن يستطيع أحد معرفة شخصه ـ استمر ذلك ردحاً من الزمن ، حتى قيّض الله لقوات الشرطة القبض عليه ، حين كنت أراهـ كل صباح ينظّف ويغسل ولا يبدو عليه الشر كنت أكاد لا أُصدّق أن هذا هو ابوجنزير الذي أرعب مدينة الحديد والنار!
* أما الثاني فإسمه (رب الختر) سألته كم سنة قضيتها في سجون السودان ؟ فقال : (إن مجموعها 17 سنة ، يرتكب جريمة يحكم عليه بالسجن ـ يقضي مدته ـ يخرج ـ يرتكب جريمة أخرى ، فيعود إلى السجن .. وهكذا).. وأضاف (سجن كوبر دهـ ما سجن ـ دهـ كلام فارغ) .. السجن هو سجن بورتسودان ـ العسكري مفروض يطلع من السجن الساعة خمسة .. مرّة في عسكري قعد جوّهـ السجن بعد خمسة ـ عارف عملنا فيه إيه . ضبحناهـ وحرقناهـ ـ وفي الصباح ناس الحكومة ما لقو غير جزمته)!!
* قال ذلك ومضى في سكته .. (وبراءة الأطفال في عينيه)!!!
ـ11ـ
* ذات صباح ندهوا بعض الأسماء ، كان بينها اسمي واسم وردي ومحجوب شريف وآخرين . ظننا في باديء الأمر ـ وبعض الظن إثم ـ أنهم سيطلقون سراحنا ـ فإذا بهم يقتادوننا إلى سجن اسمه الطواريء ـ كانت السرايا بالنسبة لهم هي هيلتون النيلين ـ مكثنا فيه زهاء الاسبوعين ، ثم ندهوا اسماءنا تارة أخرى واعادونا إلى السراية (حيث تنفسنا الصعداء!) .. صحيح أننا لم نفهم سبباً للتهجير ثم إعادة التوطين ـ لكننا حمدنا الله على سلامة العودة إلى هيلتون النيلين!!!
ـ12ـ
* ذات صباح في بداية الأسبوع الثاني من ديسمبر 1971م ، كنا نتناول الإفطار أنا وكسباوي ، وكنا نرى حشوداً من المعتقلين يحتشدون أمام البوابة الرئيسية وصوت أحد يعلن أسماء المفرج عنهم ولم نكن نسمعه جيداً ـ جاء أحد الأصدقاء وقال لي (أنت قاعد هنا مالك!) .. قلت (كما ترى .. في حاجة!).. قال (لقد أعلنوا اسمك ضمن المفرج عنهم).. ألقيت (كورة) اللبن حتى سال على الأرض ونهضت وأتيت بحقيبتي ، فلحق بي كسباوي وطلب مني أن أنزل في بيته بالقرب من مقابر فاروق وأن لديه (شغال) واسمه (بادي) وهو يجيد الطهو والغسيل والنظافة ، وشكرته على ذلك .
* وقفنا أمام البوابة الرئيسة فأنشدوا لنا نشيد الوداع ، وركبنا عربات الأمن وأخذونا إلى جهاز الأمن ـ وهناك وجدت صديقي وزميل الدراسة بالقولد محمد عبدالعزيز (رحمه الله) جالساً على مكتب في الهواء الطلق وأمامه كميات من الأوراق المطبوعة . ولدهشتي وجدت أخي عوض الحردلو الذي جاء من تنقاسي وابن عمي محمد عثمان شامي واقفين بالقرب من محمد عبدالعزيز يطلبان إذناً بزيارتي في كوبر، فقال لهما ستشاهدان مفاجأة بعد قليل ، فسلّمت عليهما ، وهنا طلب مني محمد عبدالعزيز التوقيع على ورقة مطبوعة ، فإذا هي تقول ما معناهـ (إنني قمت بالإشتراك في الإنقلاب وأنني ألتزم بعدم تكرار ذلك)!.. ورفضت التوقيع ، فأنا لم أقود دبابة ولا حملت مدفعاً وكنت على مسافة سبع ساعات طيران من الخرطوم ساعة وقوع الإنقلاب ، فقال محمد عبدالعزيز (إنها مجرد إجراءات شكلية) أما أخي عوض فصار يستحلفني بالله أن أُوقّع وكذلك فعل محمد عثمان شامي ـ فوقّعتُ ـ وانصرفنا.
* كان القرار الصادر من السلطة العليا هو إعادتنا إلى العمل وصرف رواتب الشهور الأربعة التي قضيناها في كوبر!
ـ13ـ
* ذهبت إلى الخارجية في اليوم التالي وطلب مني وكيل الوزارة محمد ميرغني (رحمه الله) أن أغادر فوراً منقولاً إلى سفارتنا في نيروبي ، وطلبت إليه امهالي حتى أزور أهلي في تنقاسي وناوا ، لكنه قال لي (نفِّذ النقل ثم أطلب إجازة) ، لم استطع الموافقة فأنا كنت أحس وأعيش مشاعر والدتي وأخواتي وأخواني وعموم الأهل ، وطلبت منه إجازة قصيرة فوافق على الفور . وهبطت إلى إدارة الشؤون الإدارية والمالية وأخذت تصاريح السفر ، وأخذت حقائبي الثلاث إلى بيت كسباوي ، كان ذلك حوالى الساعة الرابعة عصراً ، واستقبلني (بادي) ومعه شخص آخر، وحملا حقائبي إلى إحدى الغرف ، وفتحاها بدون أن أطلب منهما ذلك (ورصا) الملابس في دولاب كبير، وقال (بادي) (سنحضر في الخامسة صباحاً لخدمتك).
* قلت (إذن أذهب لسوق الخرطوم 2 لأشتري بعض المواد التموينية) وذهبت واشتريت مواد بخمسة عشر جنيهاً (وهو مبلغ لا بأس بي فلوس وأسعار ذلك الزمان).
* إلتقاني صديقي كمال رمضان المحامي في السوق وأخذني بسيارته إلى دار كسباوي ـ فوجدنا باب الشارع مفتوحاً ، وكنت قد اغلقته - قلت : لكمال يبدو أن ملابسي قد سُرقت .. فوقف كمال في الباب يصيح (انت اللي جوّهـ أطلع برّهـ) ولم يرد أحد ، فدخلنا ودلفنا إلى الغرفة التي وضعتُ فيها ملابسي ، وأول ملاحظة كانت أن الحقائب الثلاث الفارغة غير موجودة ، وفتحت الدولاب وكان خاوياً . لم يبقَ لي إلا هذا الذي ألبسه (قميص وبنطال وجاكت إسبورت)!
* إستعنت بضابط الشرطة أحمد مالك ، فعمل كميناً فجر اليوم التالي وألقى القبض على (بادي) فأنكر ، وسأله عن الذي كان معه ، فقال له (سافر إلى مدني ولا يعرف عن مكانه شيئاً) وقضى (بادي) اسبوعاً في القسم الجنوبي وأُطلق سراحه ، وهكذا ضاعت كل ثروتي اللندنية من الملابس بسبب دعوة كسباوي الكريمة لي بالإقامة في دارهـ !!
ـ14ـ
* وهكذا عدت إلى ميز الهبوب ، وفي اليوم التالي ذهبت إلى السوق الأفرنجي واشتريت ما تيسّر من الملابس .
* ذات مساء اشتريت بعض الطعام وذهبت إلى بيت عم لوج بكوبر وحين فتح الباب صاح في دهشة (سعادة السفير) فقلت له (يا عم لوج جئت لأتعشى معك) وناولته الكيس ، فإذا بدمعتين تسيلان على خديه ! جلسنا في حوشه الصغير نستعيد الذكريات ، سألته عن كل الإخوة فقال (إنهم جميعاً بخير خاصة ناس الكويت .. والأحوال اتصلحت فقد سمحوا لهم بإدخال بعض الطعام) فقلت له (باكر سلم عليهم جميعاً وأوصيك خيراً بهم وما تنسى كلامك ليّا في السجن «ناس جوّهـ يطلعوا وزراء .. وناس وزراء برّهـ .. يدخلوا جوّهـ»)!! ضحكنا معاً وإنصرفت..!
* إتصل بي الأستاذ موسى المبارك وكان عضواً في المكتب السياسي ووزيراً سابقاً ولاحقاً ودعاني إلى العشاء بعد ذلك بأيام .
* وظلّ يسألني عن الذي حدث في لندن وكان يكثر الأسئلة ويطيل الحديث ، فنظرت للساعة فكانت الثانية صباحاً ، أوصلني إلى ميز الهبوب ، ولم يذهب ، بل صعد معي إلى الشقة ، وهناك طلب مني أن أضع ملابسي في حقائبي ، فقلت له (ليس لديّ سوى هذه الحقيبة).
* فقال لي (أنا حجزت لك بقطار كريمة الذي يغادر غداً صباحاً)! سألته (ما الأمر!) ولدهشتي قال (سيعاد اعتقال معظم الذين أُطلق سراحهم خلال يومين وأظنك منهم ، وأرى أن تغادر غداً لترى أهلك ولتكون بعيداً عن الخرطوم لبعض الوقت)!
* أوصلني إلى محطة السكة الحديد ، وجلس معي زهاء الساعة ، وعند الرابعة صباحاً شكرته على كل شيء ، وطلبت إليه أن يعود إلى دارهـ ففعل .
* دخلت إلى قمرة النوم في قطار كريمة حوالى السادسة صباحاً ، وأغلقت الباب ورقدت على السرير أفكّر في كل هذا الذي جرى ويجري في هذا البلد ، وأفكّر في نبل هذا الصديق النبيل ، عليه رضوان الله .
* وعند السابعة صباحاً تحرّك القطار، وادركني النوم فلم استيقظ إلاّ في شندي !

elmhasi
26-01-2018, 07:31 PM
جريدة الوطن - 5 جمادى الثانى 1427هـ الموافق 2 يوليو 2006م
أين هم فى الزحام الآن ..؟! (17) من (...)
بقلم : سيد أحمد الحردلو
عوج خشمه وراح يكرر (كتب وأسطوانات)!!!
ـ1ـ
عدت من ناوا وتنقاسي أواخر ديسمبر 1971م، والتحقت بالمكتب الوزاري التنفيذي، والذي كان يديره السفير احمد صلاح بخاري، وكنا اثنين معه، فاروق عبدالرحمن السكرتير الاول وشخصي، وكنت السكرتير الثاني ـ وكان حسين سيد أحمد هو سكرتير هذا المكتب والذي ترفع إليه تقارير الادارات المختلفة برئاسة الوزارة، وتقارير السفارات السودانية بالخارج، وكنا نعدّ ملخصات لها بتحليل وتعليق ترفع للوزير ثم إلى رئيس الجمهورية، وكان يسمى (التقرير اليومي)، وكنا نأخذه بعد اطلاع الدكتور منصور خالد ـ وزير الخارجية ـ إلى بيت الرئيس نميري بين التاسعة والعاشرة مساء.
ثم انضم السفير محمد عزت بابكر الديب لهذا المكتب مديراً له ـ كان العمل يتصل النهار بالليل، كان مرهقاً ولكنه كان ممتعاً ومفيداً.
ـ2ـ
سافرت في اول يناير 1972م إلى بورتسودان لإحضار بعض اغراضي المشحونة بالبحر، وقبل ذلك مررت على إدارة الشؤون الادارية والمالية، وكان مديرها السفير جعفر ابوحاج. ودخلت على الباشكاتب للحصول على خطاب بالاعفاء الجمركي ـ وتناول الباشكاتب ورقاً وقلماً وبدأ يسأل (عربية) فقلت (لا) فقال (ثلاجة) فقلت (لا)، (تلفزيون) فقلت (لا) ـ (غسالة) (لا) وراح يعدد، وانا اقول (لا) ـ فألقى بالورق والقلم في عصبية، وهو يقول (انت عايز اعفاء لي شنو!؟) فقلت (كتب واسطوانات) فصرخ (قلت شنو!) فقلت (كتب وأسطوانات) فصاح بأعلى صوته يدعو العاملين معه بالإدارة للحضور لمكتبه وقال لهم (الأستاذ ده داير إعفاء لكتب وأسطوانات ـ يعني ده كل ما عاد به بعد ثلاث سنوات في لندن!) (وعوج خشمه) وهو يكرر (كتب وأسطوانات) ـ وسمع السفير ابوحاج ببعض هذا الذي يدور فجاء وسأل (حاصل ايه!) فرد الباشكاتب (الحردلو داير إعفاء لكتب واسطوانات!) فقال ابوحاج لي (ديل اعداء للثقافة والفن، أدوه الاعفاء وبلاش سفسطة)!

ـ 3ـ أخذت قطار الدوران ذلك الذي كان يدور من الخرطوم إلى مدني فسنار فكسلا فبورتسودان. حين وصلنا كسلا كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة مساء. قلت لنفسي (إنهم يغنون لكسلا ذات التاكا وسيدي الحسن والسواقي والقاش فلماذا لا اقضي فيها يوماً!) واخذت حقيبتي ونزلت، وقلت لسائق التاكسي (خذني إلى فندق ممتاز) فقال (هناك فندق جديد اسمه إفريقيا)، حين دخلته وجدت شخصاً واحداً فيه ، فطلبت عشاء، فقال (لايوجد عشاء، فالساعة الآن منتصف الليل) فتوكلت على الله، ونمت. إستيقظت في الخامسة ، وطلبت (شاياً) فقال لي نفس الشخص (توجد قهوة بجانب الفندق!) شربت شاياً وقهوة. ثم سألت احد الجالسين عن الطريق إلى جبل التاكا ، فصعدت فيه قليلاً ثم شربت من مياه توتيل ثم توجهت إلى ضريح (سيدي الحسن) فوجدت عدداً من الرجال والنساء وقد افترشوا الارض امام الضريح ، سألتهم عن موعد الزيارة، فأجابوا انها (بعد بكره) سألتهم عن المسؤول هنا، فأشاروا إلى باب مفتوح ورجل جالس على (عنقريب) ذهبت اليه، سلمت عليه وطلب مني الجلوس ـ فجلست ـ قلت له (إنني وصلت من الخرطوم ليلة البارحة واريد ان ازور واغادر اليوم!) فقال (الزيارة عندها ايام والليلة ما يوم زيارة) لاحظت ان شلوخه شايقية. سألته (من اين انت) فقال (من نوري) ثم سألني (وانت من وين!) فأجبت (من تنقاسي) ولدهشتي سألني (بتعرف سيد احمد شامي) قلت (انه عمي) واستطرد (والحردلو) قلت (إنه والدي يرحمه الله) فصب لي شاياً ووضع (صحناً مليئاً بالزلابية امامي) وراح يناولني واحدة بعد اخرى ، حتى اخذت كفايتي ، ثم رأيت يده اليمنى تنسرب تحت المخدة وتعود بعدد من المفاتيح ونهض وهو يقول (بسم الله) ونهضت ومشى امامي نحو الضريح ومشيت ، واذا بالنساء يزغردن، والرجال ينهضون، وفتح باب الضريح ودار بي داخل الضريح، ثم قال (خلف هذا الضريح توجد صخرة كبيرة، أرقد فوقها قليلاً ، فهي تداوي اوجاع الظهر) شكرته، وفعلت كما قال!
كان الوقت ما يزال باكراً فمضيت نحو السواقي والقاش، كان القاش خاوي الوفاض ، التقيت رجلاً امام احدى السواقي، قلت (جئت أرى السواقي) فقال (هذه ساقيتي، تفضل) واجلسني على كرسي ، وراح يقطف البرتقال ويضعه امامي حتى اخذت كفايتي . ثم سألته عن الطريق إلى محطة السكة الحديد، فوصفه لي، فشكرته ومضيت.
وجدت موظفاً يجلس خلف شباك في احد مكاتب المحطة، فسألته (متى يأتي قطار بورتسودان!) فرد باقتضاب (لقد جاء البارحة ليلاً) قلت (أعرف ـ لقد جئت به، انني اسال عن القطار التالي) فقال (هنالك قطاران في الاسبوع لبورتسودان والقطار التالي سيأتي بعد يومين!) فحجزت فيه ، وانطلقت ابحث عن اهلي واصدقائي في كسلا فمقامي سيطول!

ـ4ـ ذهبت إلى ديوان المراجع العام حيث يعمل الشاعر الساخر محمد احمد كرفس وحين رآني ادخل.. عقدت الدهشة لسانه، (كيف دخلت كسلا بدون علمه!) ورفع سماعة التلفون واتصل بالنقيب شرطة سعيد محمد علي الشايقي والنور محجوب طه (وثلاثتهم من اهلنا بتنقاسي) وذهب كرفس معي إلى الفندق واخذ حقيبتي إلى دارته ، وبدأت اتعرف على كسلا من جديد. (كسلا النهار وكسلا الليل)، كانت لياليهم عامرة بهم وبمن معهم وبفنانهم البدري حسين.
وكنت كلما جلست اليهم اتذكر عصماء توفيق صالح جبريل:
(كسلا اشرقت بها شمس وجدي فهي بالحق جنة الاشراق)
واخذوني إلى رحلة خلف جبل التاكا وكان مجلسنا ليس بعيداً عن حدودنا مع إريتريا . وهناك في كسلا بدأت اكتب (مسدار عشان بلدي) والتي اشتهرت بـ (يابلدي يا حبوب) ـ ويوم سفري طلبت اليهم ان نزور القطب الاتحادي الأستاذ محمد جبارة العوض (بطل قطار ثورة اكتوبر ـ فقد صادر القطار وحشده بالمؤيدين للثورة من الكسلاويين والمشرقيين ودخل الخرطوم غازياً)!
سمعت بتلك القصة وانا مازلت منقطعاً للدراسة في مصر، وقلت لنفسي في كسلا (هذا رجل يستحق الزيارة والتحية).
وجدناه جالساً في حديقة منزله يشرب شاي العصر ، وما ان قدمني اليه كرفس ، حتى انتصب واقفاً وقبل السلام صاح (ياولد اضبح خروف) فقلت له (انا مسافر الليلة في المساء إلى بورتسودان) فرد معاتباً (كيف تزورني في آخر لحظة)! ثم غاب عنا قليلاً داخل البيت ثم عاد وجلسنا نتحدث عن اكتوبر وما بعدها، واطرى على مقالاتي الخمس في صحيفة (الميدان) وانه مايزال يحتفظ بها . وعند انتهاء مجلسنا نده على شاب جاء يحمل كيسا ضخماً فخماً كان عبارة عن زاد للسفر!

ـ5ـ انهمكت في القطار لأكمل (المسدار) وانا احتفل (بزوادة) محمد جبارة العوض (عليه رضوان الله) وحوالي الرابعة صباحاً وضعت القلم والقرطاس، فالقصيدة كانت قد (تسبكت) واسلمت نفسي لنوم عميق!
خارطة المشرق السوداني رائعة ومدهشة ، الجبال السامقة ، وانسياب القطار في تلك المنافذ الضيقة بين جبل وجبل ، واشجار الاراك ، والهدندوة والبجة والبني عامر، يرفع الواحد فيهم رجله اليمني على اليسرى ، وسيفه أو عصاهـ بين يديه فوق كتبه ، وهو يتأمل القطار الصاعد الهابط بين الجبال والوديان.
تذكرت الشاعر الصديق أبوآمنة حامد في هيأ ، وفي جبيت تذكرت نميري وطائرة كسباوي، و(غلطة كانت مشيت جبيت) !
ودخلنا عروس البحر الأحمر بسلام آمنين.
ـ 6ـ استقبلني في محطة بورتسودان اللواء محمد الحسن مالك ، واخذني إلى دارته ، وفي اليوم التالي تسلمت اغراضي المشحونة بالبحر . كانت بوتسودان أيامها نظيفة وجميلة ، وأهلها طيبون ودودون ، ولياليها كانت عامرة بهم ، مثل ليالي كسلا ، وكان ومايزال فيها الصديق وابن العم عمر شامي ، والذي كان ومايزال نجماً من نجومها (انا ما قلت ليكا)! وانضم اليه فيما بعد الصوفي الورع يوسف شامي والذي يعمل في البحرية . ويقال ان من يعيش في بورتسودان ردحاً من الزمن ـ يعشقها ـ ولايستطيع الفكاك من اسرها ، ومن عجب ان هذا حدث لكثيرين من الشمالين الاوساط والاقصى.
ـ 7 ـ كان اللواء محمد الحسن مالك يذهب باكراً لعمله في سلاح البحرية وكنت اذوب الوقت تجوالاً في السوق او أجلس في حديقة البلدية او اتمشى على شاطئ البحر، وذات ظهيرة عاد اللواء مالك وهو يحمل برقية وصلت إلى رئاسة البحرية. تقول البرقية بالحرف (لإخطار الموظف سيد احمد الحردلو بقطع اجازته والعودة فوراً حسب توجيهات الوزير)! التوقيع (وزارة الداخلية) (لاحظ اللغة!) ولم ننته من قراءة البرقية ، حتى جاء ضابط بوليس يحمل ذات البرقية وكانت قد وصلت لرئاسة الشرطة . فتيقنت ان جهاز الامن قد قرر اعادة إعتقالي كما حدثني الأستاذ موسى المبارك ، وطلبت من سعادة اللواء ان نذهب للمحطة ونحجز بقطار اليوم التالي ، وبالفعل غادرت بورتسودان ـ هذه المرة ـ بقطار هيأ ـ عطبرة ـ الخرطوم.
وصلنا الخرطوم في اول المساء ، وتوجهت للخارجية رأساً وانا أشعث .. أغبر، ودخلت على حسين سيد احمد بهيئتي تلك ، فضحك وهو يسألني عن سبب حضوري بهذه الهيئة ، فأخرجت اليه البرقيتين ، فقال: (لقد طلبنا من قريبك ضابط الشرطة ان يساعدنا في عودتك سريعاً لأن الوزير يريدك ان تسافر معه ضمن وفد السودان لمحادثات اديس ابابا مع الانيانيا (ون) والتي ستبدأ خلال الايام القادمة)!
تنفست الصعداء ، وعدت لبيتي في المقرن ، وأخذت دشاً بارداً و........ نمت !!!

سيداحمد الحردلو
الخرطوم في 26/يونيو/2006م

elmhasi
26-01-2018, 07:41 PM
جريدة الوطن - الاحد 12 جمادى الثانى 1427هـ - الموافق 9 يوليو 2006م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (18) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* لست ادرى لماذا إخترنا السفر الى اديس ابابا عن طريق اسمرا التى قضينا فيها ليلة وبعض نهار . كان ذلك فى مفتتح الاسبوع الثانى من يناير 1972م ، وكان الوفد الحكومى بقيادة معالى السيد ابيل الير نائب رئيس الجمهورية ، وعضوية كل من الدكتور منصور خالد وزير الخارجية ، واللواء الباقر احمد وزير الداخلية ، وعبدالرحمن عبدالله وزير الخدمة العامة والاصلاح الادارى ، ودكتور جعفر بخيت وزير الحكم المحلى ، والسفراء احمد صلاح بخارى والامين محمد الامين ، وشخصى ، ونزلنا فى فندق الهيلتون .
* بينما كان وفد الانانيا (ون) بقيادة اللواء جوزيف لاقو ، وعضوية كل من مادينق دي قرنق ودكتور لورنس وول وول ، وآخرين . ونزلوا فى فندق افريقيا ، وكانت الإجتماعات بين الوفدين تنعقد فى قاعة المؤتمرات بفندق الهيلتون ، تحت إشراف الجانب الاثيوبى ، وكانت الإجتماعات تنعقد منذ الصباح وتتواصل أحيانا حتى بدايات المساء .
-2-
* كان وفد الانانيا قد واجه صعوبات جمة فى الوصول الى الطائرة التى كانت تنتظرهـ على مدرج مطار نيروبى فى طريقه الى اديس ابابا - كانت المخابرات الاسرائيلية تحاصرهـ من كل فج وتسعى للحيلولة دون سفرهـ ، حتى إن الوفد أضطر لأن يسلك سكة غير مطروقة داخل غابة أوصلته الى الطائرة ، هكذا أخبرنا العارفون والذين تابعوا تلك اللحظات على الارض هناك !
-3-
* كانت الإجتماعات تسير فى البداية بوتيرة بطيئة لاتخلو من الخلافات حول بعض القضايا الاساسية ، ولكن السيد ابيل الير بحكمته وهدوئه وصبرهـ ودكتور منصور خالد بتجربته وخبرته الواسعة ، ودكتور جعفر محمد على بخيت بحنكته اعطوا تلك المفاوضات دفعات قوية للأمام ، وكانت سودانوية الطرفين الأصيلة تعلو وتطفو فوق أجواء تلك المحادثات وتمنحها الأمل والرجاء فى الوصول الى ساحل بحر السلام .
-4-
* كان لى صديقان فى وفد الانانيا وهما مدينق دي قرنق مسئول مكتب الانانيا بلندن ودكتور لورنس وول وول مسئول مكتب الانانيا فى باريس . وكان دكتور منصور خالد قد طلب منى زيارة وفد الانانيا فى الامسيات وإدارة حوار هادئ وغير رسمى معهم فى مقر إقامتهم حول بعض المسائل الخلافية (فالحوار بالليل ليس كالحوار بالنهار!) .
* وذات أمسية وأنا أدخل الى فناء فندق افريقيا لاحظت اللواء جوزيف لاقو واقفا مع رجل ابيض وسيدة بيضاء ، فعدت ادراجى الى ضابط الاستقبال وسألته (من هذين الابيضان؟) وجاءنى ردهـ صاعقا (إنهما سفير اسرائيل وزوجته!) وسألته (ومتى جاء السفير وزوجته الى الفندق؟) وكان ردهـ الصاعق الثانى (إنهما يقيمان فى جناح هنا منذ الصباح!!) اي إنهما تركا بيتهما ورحلا الى الفندق لمحاصرة وفد الانانيا ، وتعقيد مسار المفاوضات !!
* خرجت من الفندق وأنا كمن يركض وأخذت تاكسيا الى الهيلتون ، وصعدت الى غرفة الدكتور منصور خالد ووجدته ينظر فى بعض الوثائق ، وما أن أخبرته بما شاهدت وسمعت ، حتى ألقى بالذى فى يديه جانبا ونهض وهو يقول (دعنا نصعد الى السيد ابيل الير) وصعدنا ، ووجدناهـ هو الآخر يقرأ ، وهنا قال لى دكتور منصور (أروى ما شاهدت وسمعت للسيد ابيل الير!) (ورويت ما شاهدت وسمعت) وهنا قال السيد ابيل الير وهو يوجه حديثه للدكتور منصور خالد (لابد أن يعرف الامبراطور هذا الآن . أرجو الإتصال بوزير الخارجية الأثيوبى) .
ونهضنا وخرجنا ثم هبطنا الى غرفة الدكتور ، وكانت تربطه علاقة صداقة بالوزير الاثيوبى (وكان من هرر) . وقام دكتور منصور خالد بنقل ما جري ويجرى فى فندق افريقيا الى الوزير الاثيوبى .
* طلب منى دكتور منصور (حوالي الساعة الحادية عشرة ليلا) أن اعود الى فندق افريقيا لأرى ما يحدث ، وعدت فوجدت فى باحة الفندق عددا من السيارات ، ورجالا واضح إنهم من ألامن ، ثم رأيت عددا من المسئولين الكبار يخرجون ، ومعهم (السفير والسفيرة) وإنتظرت حتى ركبوا سياراتهم وغادروا ، فغادرت ثانية الى فندق الهيلتون ، ونقلت للدكتور منصور خالد ما رأيت ، وقام بدورهـ بنقله للسيد ابيل الير . (فقد اعادوهما الى بيتهما العامر بيهما!!) .
-5-
* سلكت الامور بعدها ، فراحت الخلافات تتساقط الواحدة بعد الاخرى ، والإتفاقات تسمو الواحدة بعد الاخرى ، ووقع ما عرف (بإتفاق أديس أبابا) فى الثانى من مارس 1972م بحضور الإمبراطور هيلاسلاسى والجانب الاثيوبى والجانبين السودانيين ، اللذين اصبحا جانباً واحدا ، فى القصر الإمبراطورى ، وبحضور أجهزة الإعلام السودانية والعالمية .
* وقف الإمبراطور والسيد ابيل الير واللواء جوزيف لاقو يتلقون التهانى من اعضاء الوفدين ، وحين جاء دورى ، قال مدينق دي قرنق وبصوت عال وهو يخاطب السيد ابيل الير بالإنجليزية وهو يشير لى (سيدى الرئيس) لو كنت مكانك لأرسلت هذا الرجل سفيرا للسودان فى لندن ، فقد أعطانى وقتا صعبا هناك !(A hell of time) .
-6-
* كان الفنان حسن عطية موجودا فى اديس ابابا يتابع ما يجرى ، وكان يقف اسدان بكامل هيئتهما بجانب فندق الهيلتون قريبا من المدخل ، حيث يقوم السواح بأخذ صور معهما ، إقترحت على الفنان حسن أن نأخذ صورا مع الأسدين فضحك وهو يقول (تلقاها عند الغافل ، ديل ما عارفين حسن عطية ، لو قام واحد فيهم قطع إيدى أعزف العود بي شنو ؟؟! أما إنت لو قطعوا أيدك ممكن تملى شعرك لى زول تانى!) .
* إحتفل السودانيون والوفدان وكبار المسئولين الاثيوبيين بتوقيع الإتفاق فى النادى السودانى بأديس ابابا ، وكان نجوم الحفل هم الفنانون حسن عطية ومنليك وتلهون والمايو الذى كان ينادي حسن عطية بالأب الروحى له ! .
-7-
* ثم بدأنا الإستعداد للعودة الى الخرطوم ظافرين منتصرين بالسلام ، وكان الاقتراح السائد هو العودة بطائرة نهارية ، لذا قررنا العودة بطائرة مصرية .
* كان يجلس فى الصف الامامى فى الدرجة الاولى على اليسار كل من السيد ابيل الير واللواء جوزيف لاقو ، وتوزع الباقون على مقاعد الدرجة الاولى والسياحية ، وجلسنا اللواء الباقر احمد وشخصى فى آخر صف فى الدرجة الاولى ، واقلعت الطائرة . وبعد نصف ساعة من إقلاعها ، إلتفت نحوى اللواء الباقر وقال (أجمع جوازات وفد الانانيا!) - وكان واضحا إننا معا لم نفكر جيدا !! فنهضت وتقدمت الى الصف الاول وإنحنيت امام اللواء جوزيف لاقو وأنا اقول (هل تسمح بجواز السفر؟) وإذا بالسيد ابيل الير يقول بحدة غير معهودة فيه (جواز شنو!! يا حردلو يا أخي!) وعدت الى مقعدى وجلست ساكتا وجلس اللواء الباقر ساكتا ، فقد إكتشفنا الخطأ الذى وقعنا فيه !
-8-
* إستقبلت الخرطوم الوفدين إستقبالا حسنا فى المطار ، وأقامت لهم حفلا راقصا فى حديقة دار الضيافة ، إفتتحه كل من الرئيس نميرى واللواء جوزيف لاقو ، وسهر القوم حتى ساعات الفجر الاولى ، بينما الخرطوم تتوسد يديها نائمة فى امان تحلم بالسلام الهابط من الهضبة وهي تغنى فى منامها :-
(المجد لله فى الاعالى
وبالناس المسرة
وعلى الارض السلام!)

سيداحمد الحردلو
الخرطوم 5 يوليو 2006م

elmhasi
26-01-2018, 07:59 PM
جريدة الوطن - الاثنين 28 جمادى الثانى 1427هـ الموافق 24 يوليو 2006م

أين هم فى الزحام الآن ..؟! (19) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
شعرهـ لا ينقر في قلبي !
لا أعـــــــرف عنه كثير شــــــيء..!
عذراً أيها القراء فالأخطاء الطباعية غير المقصودة التي وقعت في هذا الموضوع الأدبي لا يمكن غض الطرف عنها ، لذا وجب إعادة اللوحة الأدبية للأستاذ الحردلو كاملة .. مع صادق الإعتذار لقلمه المرهف والحساس .
* هبط الإمبراطور هيلاسلاسي مطار الخرطوم بعد أيام من عودة الوفدين من أديس .. تلبية لدعوة من الرئيس نميري للمشاركة في احتفالات الخرطوم وجوبا بتوقيع (إتفاقية أديس أبابا) فأقام له الرئيس نميري حفل عشاء بالقصر الجمهوري شهدهـ الوفد الاثيوبي المرافق للإمبراطور ورئيسا الوفدين والوزراء ووكلاء الوزارات والسفراء.
* وكنت في تلك الليلة الدبلوماسي الوحيد الموجود بالوزارة وفي المكتب الوزاري التنفيذي وكنت منهمكاً في إعداد التقرير اليومي ، رن جرس الهاتف الذي بجانبي وجاءني صوت لهجته تشبه اللهجة الشامية ، وسألني إن كان وكيل الوزارة موجوداً ، فقلت له إنه غير موجود ، فسألني (مَنْ أنتَ!) فقلت (سيد أحمد الحردلو) فقال (يا ألف مرحب بالشاعر العروبي الفلسطيني الهوى!) فقلت (وأنت مَنْ تكون!) فقال (صديق لك ولكنني لا أستطيع البوح باسمي .. أريدك أن تخبر الوكيل بأننا مجموعة فلسطينية قمنا باحتجاز كل من سفراء السعودية والأردن والسفير الأمريكي ونائبه والسفير البلجيكي ونحن وهم الآن في دار السفارة السعودية وسنقوم بقتلهم)! وأغلق الهاتف!
* بين هلالين كانت السفارة السعودية تقيم حفل استقبال وداعاً لنائب السفير الأمريكي والذي كانت مدة خدمته قد إنتهت بالسودان ، وكان قد جاء للخرطوم منقولاً إليها من عمان ، وكان الفلسطينيون يتهمونه بأنه مهندس أحداث أيلول الأسود في الأردن ، حيث شهد الأخير أحداثاً دامية بين الأردنيين والفلسطينيين ، وكان عبدالناصر (وبينما كانت القمة العربية منعقدة في القاهرة) قد طلب من الرئيس نميري والأستاذ فاروق ابوعيسى العمل على إخراج ياسر عرفات من الأردن وإحضارهـ للقاهرة ، وقد قام الرجلان بعمل بطولي وشجاع وعادا به إلى القاهرة !
* وكنت أيامها أقوم بعمل التنسيق مع الجهات والسفارات المختلفة لإيصال دعم الدول المانحة والمنظمات الطوعية لإعادة إعمار الجنوب ، كان يصل بعضها عن طريق بورتسودان وميناء ممبسا بكينيا وبعضها عن طريق مطاري الخرطوم وجوبا - وكان نائب السفير الأمريكي يزورني كثيراً في الوزارة وكنت أجتمع به في مكتب مجاور لمكتب الوزير ، حيث كان ينقل لي ما وصل من دعم أمريكي وماهو في الطريق وكنت أقوم بنقل ذلك للجهات المختصة . كنت ما أزال سكرتيراً ثانياً ، لكنه ذات يوم ناداني بعبارة (السيد السكرتيرالأول) وحين حاولت تصحيح معلومته .. اكتفى بالضحك ! وبعد أيام أُعلنت الترقيات وأصبحت سكرتيراً أولاً !!
-2-
إتصلت على الفور بالقصر بعد أن أغلق الفلسطيني الهاتف ، وطلبت من عامل كبانية القصر أن ينادي لي الوكيل فضل عبيد ، لكنه قال لي «إنهم جميعاً يتعشون في حديقة القصر) قلت له (أسمع أنا فلان والأمر خطير جداً ولا يحتمل الإنتظار) وجاء الوكيل للهاتف وأخبرته بما جرى ويجري في السفارة السعودية ، فقال لي (إنني سأخطر الدكتور منصور خالد الآن ، وأنت إتصل بالتلفزيون والإذاعة وأطلب حضور مديري إدارات الأمريكتين وأوروبا والعالم العربي ، وضباط اللاسلكي وجميع العاملين بالمكتب الوزاري التنفيذي) .
* واتصلتُ بالتلفزيون والإذاعة وقاما بقطع برامجهما وبثا وأذاعا البيان ، ويبدو أن عدداً قليلاً منهم سمع البيان ، فلقد جاء اثنان منهم فقط !
* كان البرنامج الموضوع للإمبراطور أن يقوم بزيارة لجوبا في صحبة الرئيس نميري ، وكانت خطة نميري هي أن تقوم قوات من الجيش السوداني بإقتحام السفارة في ذات الليلة وتحرير الرهائن وطلب إخطار السفارة الأمريكية بذلك ، ولكن الرد الأمريكي جاء عاجلاً (لا تفعلوا شيئاً .. فإن قوات مدرّبة لمثل هذه العمليات في طريقها للخرطوم)! وهكذا غادر الرئيس مع ضيفه لجوبا ، بينما تضرب قوات الأمن والجيش والشرطة حصاراً على السفارة السعودية وتحاول التحاور معهم بمكبرات الصوت ! وتأخر وصول (القوات الأمريكية المدرّبة)!! فقامت المجموعة بقتل السفير الأمريكي ونائبه والسفير البلجيكي ، وأطلقوا سراح كل من سفيري السعودية والأردن .
* وألقت الأجهزة المختصة القبض على المجموعة واعتقلوا في معتقل بوادي سيدنا قضوا فيه بعض الأشهر ثم سلموا لمصر بدعوى محاكمتهم هناك - غير أنه في الثمانينيات وحين كنت نائب رئيس البعثة والمندوب الدائم بالإنابة بدرجة سفير في تونس إلتقيت الذي هاتفني ليلتها بما حدث في السفارة السعودية !
-3-
* كان العمل في المكتب الوزاري التنفيذي مرهقاً - كما أسلفت - ولكن كان هنالك عائد لذلك الرهق ، من ذلك - مثلاً - أنك تكون ملماً بما يحدث حولنا من تقارير الإدارات والسفارات ، ومنها - مثلاً - أنك بطبيعة عملك تجد نفسك قريباً من الوزير والوكيل وتكون ملماً بأشياء قد لا تكون متاحة للآخرين ، فقد دخلت يوماً مكتب الوكيل وكان السفير مصطفى مدني هو الوكيل بالإنابة وما أن رآني حتى نظر إلى ورقة أمامه وكان فيها حوالى سبعة أسماء وقال لي ضاحكاً (بختك يا حضرة المستشار)! وحين سألته عن الأمر قال (الوزير قال ديل يترقوا من سكرتيرين ثواني إلى مستشارين مكافأة لهم على جودة أدائهم)! هنا قلت له ( باكر سيقولون الحردلو ترقى بالقفز بالعمود ، انا أريد حقي فقط وهو الترقية الى سكرتير أول)! وإستأذنته وأنا أحمل قلمه وأشطب اسمي)! بل وقلت (هؤلاء الستة أصدقائي وأنا لا أريد لهم أن يكونوا مضغة في أفواهـ الناس)! وذهبت لمكتبي ، وبعد نصف ساعة دخل إلى مكتبي الصديق العزيز يوسف مختار (عليه رضوان الله) وهو في حالة إحتجاج وكان ضمن السبعة ، فقلت له (انت داير الناس بكرة يقولوا يوسف مختار إترقى بالزانة) !! فأطلق ضحكته الشهيرة ومضى في سكّته !
* واستطرد فأقول كانت كذلك إحدى مزايا العمل في المكتب الوزاري التنفيذي أنه يتيح لك السفر في معية الوزير الذي اشتهر برحلاته المكوكية حول العالم لإصلاح ذات البين السوداني بوضع الدبلوماسية في خدمة التنمية والحق أقول (إن الدكتور منصور خالد كان وزير خارجية لا يشق له غبار)!
-4-
* شاركت الوزير خلال عامي 1972م و 1973م عدة رحلات إلى كل من باريس ولندن وبون وروما ونيويورك ، ذهبنا إلى باريس لحضور إجتماعات نادي باريس ، وإلى بون حيث إلتقى عدداً من كبار المسؤولين الألمان ، كان السفير وقتها هو اللواء مزمل غندور، وكان الوزير يقيم في فيلا تابعة للسفارة ، وكنت أقيم مع صديقي السكرتير الأول (وقتها) إبراهيم حمرا ، وكانت الحقيبة الدبلوماسية قد وصلت للسفارة لتوها ، فقام السفير بزيارة للوزير وأخذ معه بعضاً من الصحف السودانية التي وصلت بالحقيبة ، إتصل بي الدكتور منصور خالد وهو يضحك ويقرأ حواراً «أظن أن الذي أجراهـ هو الشاعر محمد يوسف موسى مع الدكتور عبدالله الطيب (عليه رضوان الله) جرّد فيه حوالى العشرين من شعرائنا من شاعريتهم وشعريتهم فكان يكرر إحدى جملتين حينما يسأل عن رأيه في أحد هؤلاء الشعراء ، فيقول عن هذا : (شعرهـ لا ينقر في قلبي)!! ويقول عن ذاك (لا أعرف عنه كثير شيء)! وحين عدت للوطن أجرى الشاعر محمد يوسف موسى حواراً مطولاً معي سألني عن رأيي في الدكتور عبدالله الطيب ، فقلت له (إنه عالِم في مجاله) وعن شعرهـ ، فقلت (شعرهـ لا ينقر في قلبي)! كان هذا في صحيفة (الأيام) . وسألني (ماذا بعد)! فقلت (أنا في إنتظار جودو!) فإتصل بي الرجل الراقي عمر الحاج موسى وكان وزيراً للثقافة والإعلام (رحمه الله) وقال وهو يضحك (الليلة قالوا قلت كلام فيه مطاعنة للحكومة)!!.
* أما صديقنا الشاعر ابو آمنة حامد فقد شنّ هجوماً كاسحاً على الدكتور عبدالله وإشتبك في معركة شرسة مع الأديب الكد!
-5-
* خرجنا من قاعة كبار الزوار بمطار الخرطوم في طريقنا إلى طائرة أليتاليا وظلّ دكتور منصور خالد يملي عليَّ بعض الأشياء التي عليَّ القيام بها أثناء غيابه ، وعند باب الطائرة ذكرته بأنني مسافر معه فضحك ودخلنا الطائرة ، قام مدير مكتب أليتاليا بالخرطوم بإعطائي بطاقة حمراء وطلب مني الجلوس بالدرجة الأولى ، بينما كانت تذكرتي بالدرجة السياحية . إلتفت دكتور منصور الذي كان يجلس في الصف الأول فوجدني أجلس في الصف الثاني فقال القعدك هنا شنو فرفعت إليه الكرت الأحمر . مكثنا في روما بضعة أيام قابل فيها الوزير بعض المسؤولين الإيطاليين ثم دخلنا طائرة أليتاليا المتوجهة إلى نيويورك ومرة أخرى ناولني مسؤول بأليتاليا تلك البطاقة الحمراء وطلب مني الجلوس بالدرجة الأولى وكان الكرسي الوحيد الشاغر بالدرجة الأولى هو الكرسي الذي على يسار منصور خالد فجلست عليه ، فإذا به يقول لي (الطليان ديل انت عامل ليهم شنو)! فقلت له (عندهم بُعد نظر) وبعد ساعات تسع من الطيران المتواصل دخلنا أجواء نيويورك وسط ضباب كثيف إنعدمت فيه الرؤية ، فصمت جميع من في الطائرة والمضيفات جلسن وحدث نوع من التوتر والقلق . وبعد دقائق رأينا الأرض تحتنا فصفق جميع ركاب الدرجة السياحية.
* كان وفد السودان لحضور دورة الأمم المتحدة لذلك العام يشمل كلاً من الدكتور منصور خالد ، مصطفى مدني ، هاشم عثمان ، صلاح أحمد إبراهيم ، صالح محمد عثمان ، محمد المكي ابراهيم ، عمر الشيخ ، عمر شونا وعلي خالد وشخصي . ألقى دكتور منصور خالد خطاب السودان أمام الجمعية العمومية ، وحين جاء دور أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل نهضت كل الوفود العربية وغادرت القاعة . عدنا لبعثة السودان بنيويورك حيث دخل الوزير وأنا إلى مكتب فيه مايكرفون يصل البعثة بالقاعة الأممية واستمعنا هناك إلى خطاب أبا إيبان الذي يذكرك أداؤهـ بأداء بعض الممثلين الإنجليز القدامى في الأفلام التاريخية !
* كان جورج بوش الأب هو المندوب الدائم لأمريكا بالأمم المتحدة وأقام حفل استقبال دعا إليه الوزراء والمندوبين الدائمين الذين حضروا تلك الدورة وذهبت مع الدكتور منصور خالد إلى هذا الحفل ، وبعد إنتهاء الحفل وقفنا جورج بوش وحرمه ودكتور خالد وشخصي نتجاذب أطراف الحديث وانقلب ذلك إلى عشاء بيننا الأربعة ، وكانت جلسة ممتعة أعطونا فيها تلفوناتهم في أماكن شتى في أمريكا . أخرج دكتور خالد نوتته الزرقاء الشهيرة وسجّل تلك التلفونات أما أنا فقد سجلتها على ورقة عادية ووضعتها في جيبي . ظل دكتور منصور على إتصال بجورج بوش منذ ذلك الوقت حتى أصبح نائباً للرئيس الأمريكي ثم رئيساً لأمريكا ، أما أنا فقد أضعت أو أهملت الورقة !
* التقى دكتور منصور خالد عدداً من وزراء الخارجية العرب والأفارقة ووزير خارجية أمريكا وقتها ، ثم عدنا أدراجنا هذه المرة إلى باريس حيث كان في استقبالنا في المطار الصديق يوسف مختار القائم بالأعمال وقتها ، حين تعود من نيويورك إلى عاصمة أوروبية فإنك تشعر بأنك قد عدت إلى مدينة صغيرة ! قضينا فيها أياماً ثم عدنا إلى خرطومنا فدخلناها بسلام آمنين !
سيداحمد الحردلو
الخرطوم 16 يوليو 2006م

حسين عبدالجليل
26-01-2018, 08:16 PM
متابعة لصيقة لهذا البوست المفيد , الذي زاد معرفتي بالحردلو إبن قرينا البار , رحمه الله و غفر له .

elmhasi
27-01-2018, 07:28 AM
جريدة الوطن - الاربعاء 30 جمادى الثانى 1427هـ - الموافق 26 يوليو 2006م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (20) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* رشحت للدراسة فى باريس فى المعهد الدولى للإدارة العامة (I.A.P) فى بدايات عام 1974م وغادرت الخرطوم فى بداية ابريل بطيران الشرق الاوسط قاصدا بيروت لأراها ، فقد كان جيل شعراء وأدباء الستينات عاشقا لبيروت من خلال الزخم الثقافى الذى كانت تحفل به ، وكنا ندمن قراءة مطبوعات بيروت الآدبية (الآداب - حوار - شعر - الأديب) وصحفها (الأنوار - الشبكة - الحوادث - الحرية) وكذلك المطبوعة فيها ، وكانت لى مساجلات أدبية مع بعض أدبائها مثل غسان كنفانى وغادة السمان وسعاد الاسعد ، وكانت صحفها تنشر أشعارى كالأنوار والحرية والآداب .
* طلبت منى غادة السمّان (حين علمت إننى ذاهب لباريس عبر بيروت) أن أحمل إليها رسائلها التى ارسلتها لى ، لأنها تريد نشر رسائلنا المشتركة فى كتاب ، كما فعلت مع غسان كنفانى . (لكننى لم أشاهد هذا الكتاب حتى الآن . بيد إن الصديقين فيصل الغانمى ’’ابوترك‘‘ الملحق العسكرى السعودى السابق والطيب العباس ’’المحام‘‘ هاتفانى مرة من بيروت وقالا إنهما طالعا الكتاب ، كما إن الاستاذ الصادق الشامى حدثنى قبل سنوات بأنه سمع به) المهم إننى أخذت الرسائل معى وطرت الى بيروت .
* تعرفت فى الطائرة على الاستاذ - حسبو- المراجع القانونى الذى كان يعمل فى الكويت ، وخرجنا الى خارج المطار ، كان السفير الشاعر صلاح احمد محمد صالح سفيرنا وقتها فى بيروت قد ارسل سيارته وسائقه لإستقبالى ، لكن السائق لايعرفنى ولا اعرفه ، فقد دار وإستدار حول المطار ثم مضى !
فأخذنا تاكسيا ، حسبو وزوجته وطفلته فى الخلف ، وانا جلست على يمين السائق الفلسطينى - وقرب السفارة العراقية سألت السائق (وليتنى ما سألته!) (ما هذهـ المخيمات على يسارنا؟) فإنفعل السائق وإسترسل (هذهـ مخيمات الفلسطينيين المشردين .. إلخ) وحاول أن يتجاوز البص الذى امامه فإذا به يصطدم بسيارة قادمة من الإتجاهـ المعاكس ، بل ويقفز من فوقى ، ويعبر بحذائه فوق رقبتى من الباب الذى بجانبى ، ويطلق ساقيه للريح . بينما الدماء تتساقط من وجهى وفمى فقد إصطدم رأسى ووجهى بزجاج السيارة عدة مرات ، وإذا بالسفير العراقى وأركان سفارته يتداعون لنجدتنا ، فأخرجونا من السيارة وأدخلونا الى السفارة وقاموا بالإسعافات الاولية ، كانت أصابتى هي الاشد ، كان حسبو وزوجته بخير ، بينما كان قليل من الدم يتساقط من فم الطفلة التى أصطدمت بكرسى السائق ، وجه السفير اركان سفارته بأخذنا الى المستشفى الامريكى ، وهناك أطلقوا سراح أركان حسبو وزوجته وطفلته بعد أن إحتجزوهم زهاء ساعة ، أما أنا فقد إحتجزونى حتى المساء ، لاحظت إن كل السيسترات والممرضات يتحدثن بالإنجليزية أو الفرنسية ، ولايوجد للعربية بينهن مكان من الإعراب !
* سألتهن عن فندق مناسب فقلن (مدترينى) اي البحر الابيض !
وحين إستقر حالى بالفندق هاتفت غادة السمّان والتى رحبت بي فى بيروت ، فقلت لها (ولكن بيروت التى احب لم ترحب بي فقد شجت لي رأسى ووجهى!) ثم قالت : (سأرسل إليك مندوبا ليأخذ منك الرسائل) وبعد قليل جاءتنى إمرأتان ظننتهما مصارعتين يابانيتين من ضخامتهما وعضلاتهما ، فسلمتهما الرسائل وأسلمت نفسى لنوم عميق .
-2-
* تلفنت السفير فى الصباح فأخبرنى بأنه ظل يبحث عنى طوال الليل ، فأخبرته بما جرى فأرسل لي سيارة ، وقضيت معه بعض الوقت ، وأخبرته بأننى مسافر غدا وأريد أن ارى بعض بيروت ، وطلبت من السائق الذى وضعه تحت تصرفى أن يمر بي بشارع الحمراء والروشة وبيروت الشرقية والغربية ، وأن ينتهى التطواف بالهورس شو - المقهى المشهور - وهناك وجدت صديقى احمد سعيد محمدية صاحب دار العودة والذى غير إسم ديوانى (مقدمات) الى (أغنية الى يافا) وكنت قد أعطيته لصديقى رجاء النقاش والذى زار الخرطوم هو وبعض الأدباء العرب فى الستينات بدعوة من عبدالماجد ابوحسبو وزير الثقافة والإعلام وقتئذ ، ثم راح محمدية (سامحه الله) يعيد طباعة كتبى بدون إذن منى وبدون مقابل مادى (خاصة ’’ملعون ابوك بلد!‘‘) وفى النهاية اشترى لنفسه مزرعة فى الغرب الامريكى ، وترك إدارة العودة لشقيقه ! (حيروح من ربنا فين !!) .
-3-
* نزلت باريس وأنا متورم الوجه والفم وأشكو من ألم حاد فى أحد أسنانى ، فأخذنى زملائى بالسفارة الى احد أطباء الاسنان ، وإكتشف الطبيب إن هناك ورما حول السن ، فأعطانى دواء وطلب منى مراجعته بعد عدة أيام - كان يزور باريس تلك الايام الدبلوماسى والصديق النعمان النور ، وكان يجيد الفرنسية ، فأخذنى تانى لوصولى الى إدارة المعهد الى السيدة المسئولة فإذا بها تقول لى (تحدث معي بالفرنسية) قلت لها (إننى وصلت البارحة) قلتها بالإنجليزية ، فقالت : (حاول) وهنا تدخل النعمان والذى كان يقوم بالترجمة .
المهم قمت بعمل الإجراءات الأولى للإلتحاق بالمعهد وكان أولها إجراء الفحص الطبى الشامل والكامل (فأنا قادم من أفريقيا!).
* عدت الى طبيب الاسنان الذى قال إنه لابد من خلع السن ، وبدأ عملية الخلع فلم يستطيع ، فأستعان بممرضتين تعملان معه ، وأمسك ثلاثتهم (بكماشة) وبدأوا يحاولون خلع السن ،وبعد معركة حامية الوطيس إستطاعوا خلع السن . ثم أمسكوا بالسن وبدأوا يتغزلون فى حجم وجمال السن ، وهم يسألون النعمان عن السن والنعمان يترجم . فقلت له : قل لهم (إننى فى طفولتى تربيت على أكل البلح والدوم!) .
-4-
* باريس صبية جميلة وشقية ، وهي التى وصفها الروائى الامريكى آرنست همنجوي (بالحفل المتنقل) حين قال (لوعشت بعض سنوات شبابك فى باريس ستظل حياتك دائما حفلا متنقلا!) وهي عاصمة ديغول ومنتدى جان بول سارتر وسيمون دي بفوار وفرانسوا ساغان ورامبو وبولير وفولتير .. إلخ . وهي سينما بريجيت باردو وألن ديلون (يا على مهدى!!) .
* وهي متحف اللوفر وسان جيرمان والشانزليزيه ومقهى اللا دوم (La Dome) ومسرح الليدو ونهر السين وبرج إيفل وقوس النصر .
* ودخلت باريس عاشقا لا غازيا ، كما فعل مصطفى سعيد بطل رواية الاستاذ الطيب صالح (موسم الهجرة الى الشمال) حين دخل لندن غازيا !
يبهرك الفرنسيون بإعتزازهم بلغتهم وبفرنسيتهم وبأسلوب حياتهم .
* لحق بي من سفارتنا فى لندن الصديق عمر شونة (عليه رضوان الله) وذهبنا الى المعهد وإلتقينا هناك بصديقى القديم حسن صالح بيومى (زميل الدراسة فى القاهرة) وفريد الطيب والدكتور الطيب حاج عطية (أين هم فى الزحام الآن!؟) وكانوا قد سبقونا الى المعهد .
* بدأنا تعلم اللغة الفرنسية وقبل أن نتعلم فك رموزها بدأوا يدخلون الى (الغريق) بدراسة العلاقات الدولية ، فإحتج الدارسون وجلهم من آسيا ، وكنت أسكن فى البدء فى (البيت الامريكى) بالمدينة الجامعية ، ثم إنتقلت الى (البيت الكندى) ولحق بي الطيب حاج عطية بالبيت الكندى بعد ان كان يسكن فى (البيت الإيرانى) .
* زار باريس فى تلك الايام الصديقان الصحفيان محمد الحسن احمد ومحمد سعيد محمد الحسن وقضينا معهما وقتا طيبا ، وكنت أيامها قد كتبت (سندباد فى بلاد السجم والرماد) فأخذا القصيدة معهما ونشراها فى صحيفة الصحافة وكتبا (وجدنا الحردلو قد خلع البدلة والكرافتة ولبس الاوفر أوول) - ويقال- والعهدة على الراوى - إن الدكتور منصور خالد قد غضب من تسميتى باريس (بلاد السجم والرماد!).
* ثم زار باريس الصديق والفنان على مهدى وأخذنى معه الى (سهرية) فى بيت الفنان الكبير والممثل الشهير (ألن ديلون) وكانت بحق (سهرية) عجيبة الشأن !!.
* فرقونا أيدي سبأ بعد الإحتجاج الذى قمنا به فى المعهد فأرسلوا كل واحد فينا الى جهة .. وكانت مدينة فيشى الشهيرة بحكومتها التى قاومت النازية هي مستقرى الجديد .
فالتحقت بمعهد كافيلام التابع لجامعة كليرمنوفرا ، وهي مدينة جميلة ترتاح على ضفتى نهير وسكنت فى شقة صغيرة فى فندق يطل على ذلك النهر الصغير ، كانت تسكن فى ذلك الفندق مائة فتاة من نيجيريا جئن يتعلمن الفرنسية إستعدادا لمهرجان ثقافى كبير كانت نيجيريا تعد له فى العام التالى - وكانت تأتيك روائح المطبخ النيجيرى ليلا أينما وليت وجهك خارجا أو داخلا فى ردهات الفندق !
* كان الدارسون كافيلام من معظم أنحاء العالم من الامريكتين غربا الى اوربا وافريقيا والعالم العربى وباكستان وآسيا البعيدة .
* حصلت على دبلوم فى اللغة الفرنسية وعدت الى باريس لألتحق بالمعهد وفوجئت بأن بعثتى قد قطعت ، وقبلها كان أعلن إننى بعد البعثة منقول الى بيروت .. كان سفير السودان ايامها فى باريس هو الصديق ابوبكر عثمان محمد صالح ، وسالته عن سبب قطع بعثتى ووجدت إنه لا علم له بذلك . كذلك كان موقف مندوب السودان فى اليونسكو وهو المسئول عن المبعوثين السودانيين ، الصديق الاستاذ احمد عبدالعظيم .
* كانت هناك جالية سودانية صغيرة من أهلنا الدناقلة والمحس يعملون فى باريس وكانوا بزعامة عثمان محمد احمد الحداد المشهور فى ناوا (بعثمان الفرنساوى) وكانوا سعداء بوجودى بينهم ومعهم ، وكانت لديهم شقة صغيرة شاغرة قرب بيت السفير ابوبكر فنزلت فيها ، كان السفير يدعونى كل مساء لأسهر معه ، وكان يمتعنى ببعض ذكرياته الشيقة عن الدبلوماسية والسياسة ، والتى ضمنها أخيرا فى سفرهـ الرائع الجامع (فى بلاط الدبلوماسية والسلطة) .
* إستأذنت السفير فى السفر ، وإخترت أن أسافر بالقطار فالبحر فالقطار فالنهر فالقطار الى الخرطوم - وركبت قطار الشرق من باريس وعبر بي سويسرا الى إيطاليا فنزلت فى فينيسيا (البندقية) يومين والتى منحتنى قصيدة جديدة ، ثم عبرت الى يوغسلافيا فنزلت فى ضيافة الصديقين السفير صلاح احمد محمد صالح والوزير المفوض فاروق مصطفى ليومين ، ثم غادرت عبر بلغاريا الى تركيا فنزلت فى اسطنبول فى فندق يملكه يهودي سودانى وكان حفيا بي أثناء إقامتى ، وطلب منى أن ارسل له علم السودان ، وزرت فى اسطنبول مسجد السلطان حسين وجميع مساجدها والتوب كابى وعبر الجسر الواصل بين أوربا وآسيا ، وهي مدينة جميلة ورخيصة ومدهشة بما حوته ايامها من محاسن الشرق ومساخر الغرب ! وكتبت فيها قصيدتى (مرسوم من جناب الباب العالى) والتى رفضت بعض الصحف نشرها فيما بعد ، بحسبان إنها ربما تكون عن الرئيس نميرى - وذات صباح مررت على الشارع الرئيسى ووجدت الصحف التركية وفى صدر صفحاتها الأول صور الملك فيصل - ولم أجد صحفا بالإنجليزية أو الفرنسية لأعرف سر نشر صور الملك فيصل بهذهـ الكثافة ، فدخلت الى احد المقاهى وسألنى أحد الجالسين سؤالاً بالتركية أحسست إنه يريد أن يعرف من أين أنا ! فقلت (السودان) فقال فى دهشة أووهـ سعودى اربستان .. فيصل (شيخ!) ومرر يدهـ اليمنى على رقبته ، كما تفعل السكين ! لحظتها ادركت ان الملك فيصل قد قتل ! كان ذلك فى مارس 1975م .
-6-
* اخذت قطار اسطنبول - انقرة - حلب - بغداد - لاحظت كثرة القواعد والمعسكرات على جانبي خط السكة حديد ، ومررت على انقرة مرور الكرام - وبعد عدة محطات دخل الى قمرتى - وكنت وحدى تارة اتفرج وتارة اقرأ - اربعة اتراك يبدو من هيئتهم انهم فلاحون يحملون كيسين كبيرين اي جوالين - وسألوا بنفس الاسلوب (من أين!) فقلت (السودان) وكرروا (سعودى .. اربستان!) وقلت فى سري (لافائدة ، حكم جدودهم معظم شرق وغرب اوربا ومعظم البلاد العربية بما فيها السودان ، ونحن فى الشايقية نسمى الخرطوم (بلد الترك) وفى ناوا نسمى شارعنا الرئيسى (درب الترك - ودرب المأمور - والدربوق) وعندنا كلمات تركية او متوركة (كالادب خانة - والشفخانة - وغيرها) ودفترداهم قتل ثلاثة ملايين من السودانيين انتقاما لحريق شندى ، ورغم كل ذلك فالسودان عندهم هو (سعودى - اربستان!) .
* فتح الاربعة الكيسين المليئين بالخبز الاسمر الكبير الحجم والبصل الاخضر ومدوا لى خبزا وبصلا ، وراحوا يلتهمون الخبز والبصل التهاما ، اعجبتنى طريقتهم فى الإلتهام .. فالتهمت مثلهم .. وظلوا يلتهمون مسافة محطة ثم جمعوا الكيسين وأحسنوا وثاقها وودعونى وغادروا .
* لم أكن فى حاجة لمزيد من الإلتهام حتى وصلت حلب عند منتصف الليل ، وأخذنى سائق تاكسى الى فندق ، وظللت أكافح (البق) حتى الصباح !
* خرجت من الفندق باكرا وبدأت اتمشى فى احد الشوارع الرئيسية بدون هدف معين سوى مشاهدة حلب (الشهباء) وفجأة تذكرت وصية عمى احمد شامى فى احدى اجازاتى بتنقاسى السوق وانا اجلس معه امام محله التجارى (يا ولدى انت بتسافر كتير بحكم عملك ، فإن اوصلك السفر الى حلب ، أسأل لنا عن اهلنا هناك . إذ يقال إن جدنا الرابع أو الخامس (الصديق) والملقب بالشامى من هناك ، وإنهم اسرة كبيرة وميسورة الحال ومعروفة!) ومضيت سكتى وانا اتلفت يمنة ويسرة علنى اجد مدخلا لتلك الاسرة ، وفجأة استوقفنى لافتة ضخمة تقول (مخازن الشامى) فى واجهة مبنى فخم ، ووجدتنى ادخل اليه واسأل احد العاملين ، ويبدو انه فى سبعيناته ، سلمت عليه ، وطلب منى الجلوس وسألنى (من اين؟) فقلت (من السودان) فقال (والله انتم خيار الناس - هل تدرس هنا ؟) فقلت (لا - ؟إننى وصلت من باريس فى طريقى الى بيروت فالسودان) فأمر لى بفنجان قهوة وشجعنى كل هذا على فتح الموضوع ، فسألته (هل لديكم جد هاجر الى السودان ، إذ لدينا جد اسمه الصديق الملقب بالشامى جاءنا من هنا من حلب !) تغير وجه الرجل وتغيرت لهجته وقال بحسم (جدنا ذهب الى افريقيا ولا نعرف اسمه ولا مكانه !) (جئته اقصد اقصد اهلا فخالنى اقصد سهلا!) استاذنته فى الإنصراف ، وخرجت اتمشى ، وبينما انا كذلك شاهدت فتاة سودانية بثوبها وكتبها واقفة فى محطة الاتوبيسات ، فسلمت عليها ، وسألتها (ماذا تفعلين هنا ؟) فقالت (إننى ادرس فى جامعة حلب) وسألتها (من أين أنت فى السودان ؟) فقالت (من كسلا) وسألتنى عن إسمى فأخبرتها به ، فقالت (إنت إذن الشاعر ، سأخذك الى بيت الطلاب السودانيين لتقيم لنا أمسية شعرية !).
* كنت اريد ان اعرف منها مكان وسيلة السفر الى بيروت ، لكنها أصرت على أخذى الى الطلاب ، ففرحوا بي وأخذونى الى كافتيريا الجامعة ، وأغدقوا فى اكرامى ، وأقترحوا أن أقيم لهم أمسية شعرية ، فأعتذرت بأن إجازتى تكاد تنتهى ولابد من سفرى ذلك الصباح الى بيروت ، وكرما منهم ونبلا اخذونى الى موقف تاكسى بيروت ، فشكرتهم وودعتهم واخذت تاكسيا فيه آخرون يذكرك (بطراحات) زمان (الخرطوم نفر - امدرمان نفر - بحرى نفر) وانساب التاكسى فى الريف الشامى الساحر والاخضر ، وكان بالتاكسى مجموعة من النساء والرجال ، يدردشون فى شتى المواضيع ، وصاحبنى احدهم وراح يحدثنى عن الاماكن التى نمر بها ، حتى ادركنا طرابلس الراقدة فوق المتوسط كالحورية ، ومن حسن الحظ كان طريقنا يمر بينها وبين البحر .. ثم دلفنا الى بيروت ، وسألت صاحبى عن فندق انزل فيه ، ولدهشتى قال : (مدترينى) وطلب من سائق التاكسى ان يأخذنى الى هناك .. فنزلت فيه شاكرا له ولسائق التاكسى ومن معهما!
سيداحمد الحردلو
الخرطوم 20 يوليو 2006م

elmhasi
27-01-2018, 07:44 AM
جريدة الوطن - 5 رجب 1427هـ الموافق 1 اغسطس 2006م
أين هم فى الزحام الآن ..؟! (21) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
يا ست الدنيا يا بيروت! (نزار)
* لا بحر في بيروت! (غادة)
* بيروت هي باريس الشرق (سيدة إسرائيلية للبي. بي. سي قبل أيام)!
* من يوم ما جيتي ضيعتنا ... خربت علينا ضيعتنا ! (الرحابنة)
ـ1ـ
هاهي بيروتُ
مثقلةٌ بالسوادِ..
يحاصرها الموجُ عند الخليجِ
الذي ينحني فوق رملِ السّواحلِ
أو ينثني مدبراً،
فتغتسل الأرضُ بالدم ينزفُ في كلِّ دارْ
فإنّ عطورَ الجزيرةِ والهندِ والصينِ
ليس بمقدورها غسل رائحةِ الدمِ
عن أنفِ بيروتَ
رائحةُ الدمِ صارتْ كما الخبزِ والماءِ
مثل الهواءِ..
وشمسِ النهارْ
(سيد أحمد)
-2-
* جئت بيروت هذه المرة أواخر مارس 1975م ، ونزلت كما اسلفت في فندق (مدتريني) ليلاً . تلفنت في الصباح صديقي المستشار (وقتها) عمر الشيخ الذي نُقل إلى سفارتنا على عجل لأن الرئيس نميري كان قد قرر زيارة لبنان (قلب الله) (لب نان) بالفينيقية على حد قول الشاعر الكبير سعيد عقل ، إذ كان لابد أن يكون القائم بالأعمال أثناء زيارة الرئيس في درجة سامية . وهكذا طارت مني بيروت كما طارت البعثة ، المهم أنها ذهبت إلى صديق عزيز .. ولا بأس!
* قلت لصديقي عمر ضاحكاً (يلا فضي الفيلا .. أنا وصلت!) وجاء وأخذني إلى مكان سكناهـ وأظنه كان بيت السفير . كانت أجواء بيروت في تلك الأيام متوترة إلى أقصى درجات التوتر ومشحونة بعشرات الإحتمالات ، كانت تلك هي الأيام التي سبقت انفجار الحرب الأهلية والتي تفجرت في الأسبوع الثاني من أبريل 1975م ــ إذا مررت ليلاً في بيروت كنت ترى أماكن تفتيش في مداخل عدد من الشوارع ، وجنوداً ومسلحين بأعداد كبيرة . غير ذلك كانت الحياة تسير سيرتها اللبنانية الودودة والإحتفالية ـ المقاهي والكازينوهات المنتشرة على بحر بيروت تفيض بروادها ، وكذلك كانت المسارح والمراقص . كان يعمل في السفارة الأديب والصديق عبدالهادي صديق (رحمه الله) واقترحت عليه أن نشاهد المسرحية الغنائية (زيون) لفيروز ، وقد فعلت زيون هذه بالضيعة التي أتت إليها ما يكاد يشبه ما تفعله إسرائيل الآن في بيروت والجنوب ، لدرجة أن أهل الضيعة تظاهروا ضدها وطالبوا بطردها من ضيعتهم (من يوم ما جيتي ضيعتنا .. خربت علينا ضيعتنا).
* وطلبت من عبدالهادي أن يدعو بعض الشعراء والأدباء إلى دارة المستشار عمر الشيخ ، فإتصل أولاً بالشاعر نزار قباني وحين قال له (إن سيد أحمد الحردلو هنا) ردّ نزار على الفور (بيني وبينه ثأر)! وكان بهذا يشير إلى قصيدتي (هوامش على دفاترهم) التي رددت بها على قصيدته (هوامش على دفتر النكسة) والتي هاجم فيها الزعيم العربي جمال عبدالناصر ، ومنعته الأجهزة الأمنية من دخول مصر، فأرسل نزار رسالة إلى عبدالناصر الذي قال (إنه لم يقرأ القصيدة) وأمر بالسماح له بدخول مصر . أما قصيدتي فقد نشرت في جريدة (الصحافة) هنا ، ثم في (روز اليوسف) في مصر ، ثم في (الأنوار) في بيروت ، ثم في الصفحة الأولى بصحيفة (الرياض) السعودية .
* سأل نزار عبدالهادي (مَنْ سيكون معنا)! فأجاب عبدالهادي (سهيل إدريس وأدونيس والشاعر العراقي بلند الحيدري «الذي أنشد بعض أشعارهـ» ويبدو أن العلاقة بين نزار وأدونيس لم تكن طيبة ، فإمتعض نزار من ذكر أدونيس وقرر عدم الحضور)! وبالفعل فإن أدونيس هاجم نزار أثناء السهرة وإتهمه (بأنه قبل زيارة الملك حسين وتلقى منه هدية) وتصدى له د. سهيل إدريس مدافعاً عن صديقه نزار، ثم وجّه حديثه لي قائلاً (إن الشعراء لا يحبون بعضهم)! فردّ أدونيس ضاحكاً (أنا أحب المتنبي وأرى أنه أعظم شاعر عربي)!.
-3-
* ذهبت ذات صباح إلى مقهى الهورس شو - فوجدت أحمد سعيد محمدية (صاحب دار العودة) جالساً فيه ، فدعاني إلى غداء في اليوم التالي وكنت أعرف زوجته منذ زاراني في لندن ، وعرّفني على فتاة ليبية كانت على الغداء معنا ، ثم وضع أمامي كرتونة فيها عدد من مطبوعات دارهـ ، هذا كل مافي الأمر!
* كنت كلما مررت في بيروت ليلاً أشعر كأنها مقبلة على حريق لا يبقي ولا يذر فحزمت حقيبتي (كنت قد قضيت فيها نحو اسبوعين) ونويت السفر بحراً إلى الإسكندرية على باخرة روسية ، وسافرت من الإسكندرية إلى القاهرة بالقطار. وإشتعلت الحرب الأهلية في لبنان في اليوم التالي لوصولي القاهرة وأظن أن ذلك كان يوم 15 أبريل 1975م . نزلت في ضيافة الدبلوماسي الصديق أحمد بعشر وطفنا معاً على عدد من المسارح والمنتديات ، وكان سفيرنا بالقاهرة أيامها أحمد صلاح بخاري (عليه رضوان الله) .
* كانت المرة الأولى التي أزور فيها القاهرة بعد رحيل الزعيم جمال عبدالناصر عام 1970م ، ولم يكن من المعقول أن أغادر القاهرة بدون زيارة ضريحه وقراءة الفاتحة عليه . وكنت عائداً من عين شمس ليلتها وكانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل ، فسألت سائق التكاسي (إن كان طريقنا يمر بضريح عبدالناصر) فقال (نعم) فنزلت وتوجهت نحو قبرهـ ، وكان هناك عدد من الجنود جالسين بعيداً ، وبينما وقفت أقرأ الفاتحة ، شعرت بأن هناك أحد يقف قريباً مني ، وعندما انتهيت ، التفت فوجدت ضابطاً يحييني ، ويسألني (من أين؟) فقلت (من السودان) فقال (طبعاً .. السودانيون شعب أصيل). ومنحتني تلك الزيارة قصيدة (بابا جمال).
-4-
* التقيت عدداً من اصدقائي الأدباء والصُحفيين والسيدة ثريا جودت الإذاعية الشهيرة بإذاعة ركن السودان ، وعدداً من زملاء الدراسة ، ثم أخذت القطار الواصل بين القاهرة وأسوان والذي كانوا يسمونه (قطار السودان) لكثرة المسافرين به من السودانيين في الإتجاهين . دخلت الغرفة المحجوزة لي في الباخرة ، أخذت منشفة وبينما أنا خارج من باب الغرفة خرجت فتاة تحمل منشفة هي الأخرى وكان الحمام الذي بين الغرفتين واحداً فابتسمت وهي تقول (تفضل) فقلت لها (بل تفضلي أنتِ) عرفت من لهجتها أنها أمريكية ، وعدت إلى غرفتي ، وذهبت فيما بعد إلى الحمام .
* حين جاء المساء صعدت إلى قاعة فوجدتها جالسة ودعتني لمشاركتها طاولتها ، وعلمت منها أنها تعمل مذيعة في تلفزيون طوكيو (القسم الإنجليزي) وإنها تعد لتقديم برنامج عن الآثار على طول النيل بين القاهرة والخرطوم .
وسألتني (وأنتَ ماذا تفعل)! فقلت لها (أنا أعمل بوزارة الخارجية السودانية وعائد للتو من باريس) وأعجبت بالطريقة التي سافرت وأسافر بها .
* وبينما نحن كذلك شاهدت الصُحفي صالح مرسي (إن لم تخني الذاكرة) وطلبت إليه أن ينضم إلينا وعلمنا منه أنه سيتابع مجرى نهر النيل حتى منبعه ليكتب كتاباً يسميه (النهر)! وفيما بعد نشر سلسلة مقالات عن رحلته هذه في (روز اليوسف) وقال في إحداها : (إن المستشار بالخارجية السودانية إنصرف عنّا وإنشغل بصديقته الأمريكية)! وكل مافي الأمر أنني لكثرة أسفاري أيام الدراسة بين السودان ومصر كنت أكاد أحفظ أسماء المناطق التي تمر بها الباخرة والمحطات التي تتوقف فيها ، وكانت الأمريكية متشوقة لمعرفة كل شيء وكانت تسجل مذكراتي وتصوّر تلك المناطق الخاصة الأثرية مثل أبو سمبل والقرى النوبية التي تدهش الناظرين بمعمارها المدهش ذلك كل ما كان !
-5-
* كنت قد أبرقت من القاهرة الصديق الشيخ شقالي أحد المسؤولين الكبار في رئاسة بنك الوحدة بالخرطوم بأن يحوّل لي مبلغاً من المال من حسابي لديهم إلى فرع البنك في حلفا ، ففعل . وإلتقيت الأستاذ أحمد حسين الذي كان يعمل في جمارك حلفا وطلبت إليه أن يحجز لنا ثلاث قمرات نوم للأمريكية ولصالح مرسي ولي ، ولكني لم أستطع الوصول إليه أو معرفة مكانه في ذلك الزحام !
* كان قطار أكسبريس الخرطوم ـ حلفا هو أنظف وأسرع قطارات السودان ينهب تلك المحطات ذات الأرقام نهباً في صحراء العتمور التي تذكرك بالشاعر علي الجارم الذي ألهمته هذه الصحراء قصيدة يقول أحد أبياتها :
(صحراء فيكِ خبيء سر عزتنا فأفصحي عن مكان السر وأهدينا) ولما بلغ شندي واستقى (جبنة) قال (وأنتِ بالجبنات الحُمر تسقينا) في إشارة إلى (ست الجبنة).
* ولما وصلنا الخرطوم بعد منتصف الليل ، سألت الأمريكية (أين ستنزل) فقالت إنها حاجزة من طوكيو في فندق السودان ، فأخذتها إلى هناك ، على وعد أن أزورها في اليوم التالي لأخذها إلى المتحف القومي ومتحف الخليفة ومتحف التاريخ الطبيعي ، وقد كان ، وكانت سعيدة جداً بما حصلت عليه من معلومات عن الحضارة السودانية . بل قلت لها (إن الحضارة الأولى في العالم قامت في السودان ، وأن السودانيين القدامى هم الذين علّموا المصريين القدامى ومنهم إنتقلت الحضارة إلى الإغريق ثم الرومان ثم إلى الإنجلوساكسون ، وكانت تستمع في دهشة وعجب . وحدّثت بروفيسور محمد عمر بشير عن أمر هذه الأمريكية ، فدعانا إلى عشاء ، وهناك كانت تنتظر الأمريكية مفاجأة مذهلة إذ كان الصديق البروف قد دعا للعشاء عالم اللغويات الشهير الإنجليزي الذي تأمرك أو العكس .
كانت اليونسكو قد دعت هذا العالم لكتابة أسماء القرى النوبية من جنوب حلفا إلى أسوان قبيل أن تغمر مياه السد تلك المناطق وقد فعل . بيد أنه أحب السودان لدرجة العشق ! وقرر البقاء فيه لبعض الوقت ، وهو دارس للغتين النوبية والمصرية القديمتين ، وهو صاحب نظرية (إن اللغة المصرية لا يوجد فيها حرف ـ الخاء ـ ولذلك فإنه يجزم أن (تود عنخ آمون) نوبي سوداني ، وبالمناسبة (تود) بلغة الدناقلة تعني (ولد) ولا أدري إن كانت كذلك بالمحسية .
(ومن عجب أن أهل الشلال يتحدثون نفس لغة الدناقلة)!.
* فجّر هذا العالم في عام 2002م عند زيارته الأخيرة للسودان (إن حضارة وادي النيل أصلها سوداني ونشأت في السودان) قال ذلك في مؤتمر صُحفي عقدهـ في الخرطوم أيام عيد الأضحى عام 2002م وقرأته في صحيفة (الشرق الأوسط) ، وأثار ذلك احتجاج بعض المثقفين المصريين من أصدقائنا حين قرأناهـ عليهم بالهاتف (الطيب صالح وشخصي) وأزعم أنني احتفظ بتلك القصاصة في مكان ما في مكتبتي التي تحتاج إلى إعادة ترتيب وتنسيق وتنظيم ! والله وحدهـ يعلم ما أعانيه إن أردت كتاباً أو مرجعاً !
* وحدثت ذلك العالم عن هذهـ الأمريكية وما تريد ، فبدأ يحدثها عن الحضارة السودانية حديث العارف العالم ، فهو على كل حال ليس سودانياً ، فهو عالم لغويات ومحايد ، فإنبهرت الأمريكية ، بما سمعت وتسمع .
كانت خطتها أن تقيم بالخرطوم ثلاثة أيام فأقامت اسبوعين . وحين علمت من البروف أنني مسافر إلى قريتي أصرّت على السفر معي لترى الريف السوداني ولتزور جبل البركل وكرمه!
لكن البروف (رحمه الله) إنبرى لها محاولاً اقناعها بأن لا تفعل ، (فهناك لا توجد مراحيض بسايفونات) فقالت مُصرّة (سأفعل كما يفعل الناس هناك)!.
- 6-
* خرجنا من بيت البروف عند منتصف الليل ، كان عالم اللغويات يقود سيارته ، وزوجته إلى جانبه ، ونحن في الكنبة الخلفية ، أبصر عالم اللغويات عرساً في الهواء الطلق فدلف إليه ، ونزلنا ووقفنا نتفرج وأنا أشرح لهم طقوس الزواج عندنا ، فإذا بالعالم وزوجته والأمريكية يدخلون للدارة ويبشّرون للعريس والعروس والفنان وهم في غاية السعادة !
* غادرت الأمريكية بعد ذلك بثلاثة أيام إلى جزر السي شل في طريقها لليابان . وعدت إلى وزارة الخارجية ، ذلك كل مافي الأمر !

سيداحمد الحردلو
الخرطوم في 28 يوليو 2006م



**
كيفَ للوردةِ أنْ تَنْمُو


(1)
كيفَ للوردةِ أنْ تَنْمُو
وللعصفورِ أنْ يَشْرَبَ في النيلِ
وللطفلةِ أنْ تَلْهُو..
علَى رَمْلِ الفراتْ
كيفَ يأتي الشعرُ والعِشقُ
ويأتي الحُسْنُ للدنيا..
فَتَزْدَانُ،،
وتَخْتَالُ الحياةُ
كيفَ للإنسانِ
أنْ يَسْعَى..
وللحُلوةِ أنْ تَحلْلمَ بالحُلوِ..
وللأرضِ السلامْ
كيفَ هَذا العَالَمُ العَربِيُّ - باللّهِ - يَنَامْ
بَيْنَما يَجثو علَى قَارعَةِ الحُزنِ ..
مُهَاناً ..
ومُدَاناً ..
ومُلامْ !
(2)
كيفَ والعَدلُ طَرِيد..
يُصبحُ العَدلُ..
مُتَاحَاً للأنامْ
ليسَ شَرعْاَ
أنْ يَظَلَ الظُلمُ عَربياً..
ولا هذا الظَلامْ
آنَ أنْ يُزْهِرَ
بالناسِ .. وللناس
على الأرضِ .. السلامْ
(3)
آنَ للوردةِ أنْ تَنْمُو
وللعصفورِ أنْ يشربَ في النيلِ ..
وللطفلةِ أنْ تَلْهُو
علَى رَمْلِ الفراتْ
آنَ أن تَزْهُو
وتختال الحياةْ!

elmhasi
27-01-2018, 07:58 AM
جريدة الوطن - الاثنين 11 رجب 1427هـ - الموافق 7 أغسطس 2006م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (22) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* أخذت هذه المرة قطار كريمة - أي قطار العودة للجذور - لتحية الاهل فى تنقاسى وناوا ، وتجديد البيعة لمنحنى النيل حيث غابات النخيل تزين صفتى النهر العجوز ، فتزيدهـ جمالا وشبابا وعافية ، وأكاد أزعم إن ثمانين بالمئة من مبدعى السودان فى جميع المجالات جذورهم جاءت من هذا المنحنى !
* كانوا يلقبون قطار كريمة بساعة (بق بن) لإنضباط مواعيدهـ ، فهو يغادر كريمة فى السابعة صباحا ويدخل الخرطوم فى العاشرة صباح اليوم التالى ، والعكس صحيح ، فلقد غادرنا الخرطوم فى السابعة صباحا ودخلنا كريمة فى العاشرة صباح اليوم التالى . ثلاثة قطارات فى الاسبوع وثلاث بواخر تأخذ ركاب قرى المنحنى من كريمة الى كرمة ، وكانت الرحلات بتلك البواخر فى غاية المتعة والإمتاع ، كان الشعراء يكتبون عن تلك القطارات والبواخر فيغنى المغنون ’’يا حليلة بلا عدد .. اللى شاله قطار اللحد) وغنوا لكركبان والجلاء وفكتوريا و(جكسن باشا أبرتاين .. صفر قبل الجناين .. ويا التربال لا تعاين!) .
-2-
* اخذت حافلة مع غيرى من كريمة الى بنطون مروى ثم عبرنا الى مروى التى اسمها الآخر ’’صنب‘‘ وفيها المركز والمفتش والمستشفى والمدارس والشرطة والسجن والمحكمة ... إلخ .
وعبرنا خور أب دوم ، والمطار على يسارنا ، وبعد دقائق دخلنا سوق تنقاسى العامر بأهله ، ورويت لعمى سيداحمد شامى ما كان من امر زيارتى لحلب ، وقضيت بعض الوقت هناك ثم غادرت تنقاسى بالباخرة قاصدا محطة امنتقو المجاورة لناوا .
* كانت المرة الاولى التى اعود فيها من سفر ولا أجد والدتى فى البيت ، سألت إخواتى وكانت الإجابة صاعقة ’’هولة ماتت وذهبت الوالدة للعزاء!‘‘ لايستطيع المرء أن يتخيل ناوا بدون هولة قبلاب ، فقد كانت ركنا من اركانها ، كانوا يتهمونها بالجنون ، وهي ليست كذلك .
كانوا يزعمون أن الجنون يأتيها دائما ايام الدميرة وإرتفاع منسوب مياهـ النيل فيقيدونها ويربطونها الى نخلة على طرف الدربوق أو درب الترك - أو درب المأمور ’’كانت لهذا الشارع ثلاثة اسماء‘‘ وأغلب الظن إن كلمة ’’دربوق‘‘ هي كلمة تركية ، إذ لا وجود لها فى اللغات النوبية !
* كانت لهولة ’’عليها رضوان الله‘‘ غرفة صغيرة ومظلمة حتى بالنهار ، ليس فيها سوى باب صغير ، كنا فى طفولتنا نخشى دخول تلك الغرفة المظلمة ، وأظن أن هذه الغرفة ما تزال قابعة فى مكانها فى آخر ساقية الكتاتيب على الدربوق ايضاَ ! كان ذلك فى مايو 1975م - فكتبت قصيدة بالعامية وأسميتها ’’هولة قبلاب‘‘ أدخلت فيها كلمات نوبية مثل ’’قايبكن‘‘ أي غاب و’’الكبدان‘‘ أي الصايح .
* كان الصايح يمر بالدربوق على حمارهـ وهو يصيح ’’الحي الله والدايم الله ، فلان ولد فلان راح فى حق الله‘‘ أما الكبدان فكان يصيح بالدنقلاوية ’’فلان تود قايبيكن‘‘.
* قضيت بعض الوقت فى ناوا ثم عدت للخرطوم بنفس الوسائل التى جئت بها ..
-3-
* إلتحقت بإدارة الإعلام بوزارة الخارجية مديرا لها ، لم يكن بالوزارة وزير لها ، إذ كان د.منصور خالد قد اصبح وزيرا للتربية والتعليم ، وكان الوكيل محمد ميرغنى هو الذى يتولى إدارة الوزارة ، وكان الرئيس نميرى يزور الوزارة كثيرا فى تلك الايام - كانت إدارة الإعلام فى الطابق الخامس ، وكنت فى طريقى للطابق الثالث لمقابلة السفير امين عبداللطيف مدير عام الشئون السياسية ، فهبطت للطابق الرابع فإذا بالرئيس والوكيل خارجان من المكتب المخصص للوزير ، فسلمت على الرئيس الذى سألنى (جيت متين من باريس!) فقلت : (قبل شهرين!) فقال ضاحكا ’’الجرايد ما نشرت خبر ليه .. ولا شعرك فك!) .
* سألت فى الوزارة عن أسباب قطع بعثتى فلم أجد إجابة شافية ، غير إن أحدهم ألمح بأن الوزير التقى المستشار الفرنسى فى حفل استقبال وطلب اليه قطع بعثتى ، فقمت بزيارة الدكتور منصور خالد فى زارة التربية فعبّر لى عن دهشته لما جرى بل إنه لم يكن يعرف إننى أصلا قد عدت من باريس ! هكذا ظل أمر قطع بعثتى سرا حتى يومنا هذا !
* إتصل بي السفير مامون ابراهيم حسن مدير إدارة المؤتمرات وطلب منى الحضور الى مكتبه لأمر مهم ’’كان هذا بعد لقائى بالرئيس قبل‘‘ قال السفير مامون ضاحكا ’’شد حيلك .. انت ماشى المكسيك لحضور المؤتمر العالمى الاول للمرأة مع الوفد السودانى‘‘ وحين شاهد الدهشة فى وجهى ، أضاف ’’انا وإنت وسينضاف إلينا دبلوماسى من بعثتنا الدائمة فى نيويورك‘‘.
* علمت فيما بعد من الوكيل ثم الاستاذ احمد عبدالحليم وزير الثقافة والإعلام وقتها ، إن الرئيس زار الوزير احمد مساء نفس يوم لقائى به وكانا يتشاوران فى تكوين الوفد ، وكان الرئيس يرى انه لابد أن يكون مع الوفد النسائى دبلوماسيون ، لتجربتهم فى المؤتمرات ، فإتفقا على أن يكون مدير إدارة المؤتمرات بالخارجية عضوا فى الوفد ، ثم سأل الرئيس الوزير ’’الحردلو بيعرف فرنساوى؟‘‘ فأجاب الوزير ’’نعم‘‘ فقال الرئيس ’’إذن يكون عضو بالوفد‘‘ .
* كان الوفد برئاسة الدكتورة فاطمة عبدالمحمود وزيرة الشئون الإجتماعية ، والتى ألقت خطاب السودان ، والسيدة محاسن جيلانى والاستاذة نايلة بشارة بالإضافة الى السفير مامون ابراهيم حسن وشخصى ، وقد إنضم إلينا فى نيويورك الدبلوماسى هاشم عبدالرحيم .
* غادرنا الخرطوم فى أوائل يونيو 1975م الى لندن ، ثم الى نيويورك ومن ثمّ الى مكسيكوسيتى ’’هذا هو إسمها المتداول ، وهي عاصمة المكسيك‘‘ اين سينعقد المؤتمر ؟ كان هناك مؤتمران ، الأول هو المؤتمر الرسمى الذى تداعت له معظم دول العالم إن لم أقل كلها ، من شرقها وغربها وشمالها وجنوبها ، أما الثانى فمن عجب كان مؤتمر ’’المثليين والمثليات‘‘ وقد إنعقد فى قاعة أخرى ، وللحقيقة والتأريخ كان الوفد السودانى نشطا ومشاركا فى كل المداولات مما لفت اليه انظار الوفود الاخرى ، كان بعضها يطلب مساعدتنا فى صياغة خطابه ، وبعضها يطلب وقوفنا معه لتمرير مشروع قرار ، وكان هناك مشروع قرار بإدانة إسرائيل فى امر يخص المرأة الفلسطينية ، ولدهشة الوفود العربية والصديقة فإن السيدة جيهان السادات تحفظت على مشروع القرار ، ويبدو إن الإتصالات بين مصر وإسرائيل كانت قد بدأت منذ ذلك الوقت إعدادا وتمهيدا لإتفاقية كامب ديفيد !!.
* أقام الوفد السودانى حفل إستقبال حضرهـ معظم رؤساء وأعضاء الوفود وكبار المسئولين المكسيكيين وعلى رأسهم ممثل لرئيس الجمهورية .
* كما إن إجادة الدكتورة فاطمة عبدالمحمود للغة الروسية ساعدت كثيرا فى إقامة علاقات طيبة مع وفد الإتحاد السوفيتى ومنظومة دول شرق أوربا ، كذلك فإن تجربة السفير مامون ابراهيم حسن الواسعة فى المؤتمرات كانت لها إيجابياتها الكثيرة .
* مدينة مكسيكو سيتى مدينة جميلة شعبها ودود وفيه الدم العربى الذى ورثوهـ من أسبانيا ، ولغتهم الرسمية هي الإسبانية ’’ولاننسى فرقة الجنود السودانيين الذين ارسلهم محمد على باشا للمكسيك!‘‘ ولفتت أنظارنا ظاهرة مناخية مدهشة إذ كان المطر يبدأ الهطول فى الرابعة والنصف عصرا ويتوقف فى السادسة والنصف مساءا طوال مدة إقامتنا هناك !
* وكعادة المدن الجميلة التى تمنح الشعراء شعرا ، فقد منحتنى مكسيكو سيتى قصيدة ’’سنيوريتا‘‘ وأخبرتنى طالبة سودانية كانت تدرس فى العراق - فيما بعد - إنها كانت تنشدها لزميلاتها وزملائها فى الجامعة وكانوا معجبين بها لدرجة إن عددا منهم كان يحفظها عن ظهر قلب ’’ربما للتشابه الذى بين العاميتين لورود اسماء رموز من التاريخ العربى ، وربما لخفة دمها!! والله اعلم‘‘.
* إستأذن لأستلف منها بعض المقاطع . فيما سيأتى :
-1-
سنيوريتا مكسيكية ..
مية المية
غير إنو العيون عربية
فيها تشوف مضارب عبس
والشوفة الحجازية
وتتكلم فرنساوى
وطليانى
واسبانى
وجميع يا لغوهـ فى الدنيا ..
وقالت : يا ولد .. من وين ؟
وقت لها : من بلاد نيلين ..
وناسا هناك حبوبين
وقالت .. وليش
وطبعك شين !
تعاين للبنات فى العين ؟
وما عندك سوى العييين !
-2-
وقت لها .. إنت يا بنية اللي طبعك شين ..
ولد جاييك من واق .. واق
وشايل الشوق دراش
ودقاق
وعادى البحر فوق البحر
ليهو دنين
وشايل فى العيون طارق
وناس عنتر بنى شداد
وكم كتّل سلاطين روس
وكم اكل الكعب والسوس
عشان يوصل لعينيكى
عشان يديك
وصية جدو ود عباد
وإنه حصل تزوج واحدة أندلسية
لكن الخليفة امر بأن يعود الى بغداد
لأمر هام
ومن داك المعاد هاجر
وخلى البنت شايلة ولاد
ولم قد عاد
-3-
وقت لها .. لي سنين طافش
لأمر هام
لأنه بناتنا فى المكسيك
وفى الاسبان
بدون اخوان
وذاك حرام
وقت لها .. شوفى ، يا بنية :
وشوفى تمام
ولون عينيكى زي عينيا
شوفى تمام
ولازم إنت يا حليوهـ - حفيدة
جدى
والله تمام
وفرحت زين
وقت لها .. كيف .. بصير
.. لكن ..
يجيكى الزول وشايل الريد
وشايل القول
وخرمان ضمة .. داير الكيف
وكايس الزاد
وطالب الزين
تقومى تقولى هذا القول !
وتسألى .. ليش .. تعاين ؟
ليش ؟
وفى عينيكى مفروش عيش
ومحروس بالرصاص
والديش
-4-
وفرحت زين
وقالت .. زين
.................
........................
.......................
..........................
وقالت زين
حلاتك إنت .. يا واق .. واق
وطبعك زين
وبلدك وين !
وقت لها .. من بلاد كاكا
وقالت .. سوقنى وياكا
وقت لها .. ليش ..
وقالت .. شان يكون العيش
حلالك
شان يدوم العيش
-5-
وقت لها يمة بس معليش
اصلى جراب .. ومليان
عيش !

المكسيك يونيو 1975م
* من ديوان ’’سندباد فى بلاد السجم والرماد‘‘ .

elmhasi
27-01-2018, 08:31 AM
جريدة الوطن - الاحد 7 صفر 1428هـ - الموافق 25 فبراير 2007م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (23) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* ساقنى المرض الى اكثر من عشرة مشاف ، خلال عمرى الذى تجاوز الستين ببضع سنوات ، والتى إمتدت من لندن الى الخرطوم الى فيشى بفرنسا الى الدوحة بقطر ، واشهد إننى وجدت العناية اللازمة فى جميعها ، لكننى اشهد كذلك إن ما وجدته فى مشفى الصفا التخصصى بنواحى الطائف لصاحبه الرجل النبيل الدكتور فتح الرحمن الحاج ، من رعاية وإهتمام ومهنية عالية فاق كل تصوراتى ، وأقنعنى بأننا دخلنا مرحلة المشافى التى تسير بذكرها الركبان ، إنه مشفى الوجوهـ الهاشة والباشة ، والعيون التى ترى مالا يرى الآخرون ، والمباضع العارفة والرقيقة والتى تتعامل مع الجسد كما تفعل الموسيقى الحالمة بالوجدان !
-2-
* إتصلت صباح الجمعة العاشر من يناير بصديقى الدكتور فتح الرحمن الحاج ، أنقل إليه إننى فى طريقى للمشفى وإننى أشعر بآلام حادة فى طرف جسدى الأيسر إثر سقوطى فى الحمام ، فرد على الفور (إننى خارج المشفى بالأجهزة اللازمة وليأخذوك فورا الى غرفة الاشعة لإجراء اللازم .. وسأكون معكم بعد قليل!) وما أن وصلنا بوابة المشفى حتى وجدنا عددا من العاملين وامامهم نقالة وكرسى متحرك ، ولم تمض لحظات حتى وجدتنى فى غرفة الاشعة والايدى المدربة تدير جهاز التصوير ، ثم أخذونى بنفس الرعاية والسرعة الى غرفة ووضعونى على سرير وبعد دقائق دخل الغرفة الدكتور كراسمير ميخالوف (وهو بلغارى الجنسية) يحمل صورة الأشعة ومعه رهط من الأطباء والسسترات ، وفاجأنى الدكتور كراسمير بقوله (عملت إنك كنت دبلوماسيا فى يوغسلافيا) وصار يحادثنى بالصربية ، فرددت عليه بما عندى من صربية متعبة!
ثم قال (يؤسفنى أن لديك كسرا فى المخروقة والعملية غداً) فاجأنى الخبران ، لكننى قلت له (هل يمكن أن تكون العملية بعد غد؟) فأجاب (لابأس) ولكن الاطباء والسسترات إعترضوا على طلبى خشية أن يلتهب أو يزداد الكسر ، وإزاء ذلك قلت : (على بركة الله .. فلتكن العملية غداً!).
-3-
* ثم دخل الغرفة النطاسى البارع عبدالسلام محمد عثمان (إختصاصى الباطنية) والدكتورة هدى محمد على دول والدكتورة صفاء فتح الرحمن ، والمترون سامية مصطفى بشير وعدد من السسترات السودانيات (إخلاص - وصال - هاجر - سارة) والممرضان سيف الدين الحبر وعماد الشيخ والفلبينيات (إدنا - روز - هرسا - وماربل) وبدأ الإعداد واليوم جمعة - وخلال ساعات قليلة كان كل شئ قد أعد بالتمام والكمال (من القلب - الى الصدر - الى وظائف الكلى - الى الهيموقلوبين - زجاجتي دم أخذوهما من إبنى سامح وصديقه محمد الفاتح الشاذلى ، أما المتبرع الثالث حسن وهو إبن قريبى محمد حسن فرح ، فقد كان فصيلته مختلفا - فشكرا لأبنائى الثلاثة).
* ثم جاء الدكتور نشأت - إختصاصى التخدير - وافادنى بأن التخدير سيكون نصفيا ، وهكذا أعدوا كل شئ فى أقل من ساعتين إعدادا للعملية التى ستكون بمشيئة الله صباح السبت ، وخلال كل ذلك كان الصديق العزيز الدكتور فتح الرحمن الحاج يتابع كل ذلك بإهتمام ومودة رائعة .
-4-
* وجاء صباح السبت فأخذونى الى غرفة العمليات ، وقام الدكتور نشأت بإجراء التخدير اللازم ثم طلبوا منى الجلوس على كرسى بعد أن ربطوا رباطين على مرفقى يدى اليمنى واليسرى ، ثم جلس على يمينى دكتور نشأت (الدنقلاوى الابيض) يدردش معى وينتقل بى من موضوع لآخر - كان صوت الدكتور البلغارى ومساعدوهـ يأتينى من بعيد ، وكأن المسافة بيننا عشرة امتار (مرة بالبلغارية ومرة بالإنجليزية) .
أحسست أن العملية لم تبدأ بعد ، وكيف تبدأ وأنا أجلس على كرسى وكأننى فى مقهى !
* سألت دكتور نشأت (متى تبدأ العملية ؟!)
* ولدهشتى قال (إن العملية شغالة منذ ساعة!) .
ثم طلب منى أن أنظر الى شاشة تلفزيونية مثبتة على الحائط الذى امامنا ، فرأيت شكلا المسطرة ، ثم أخذت تظهر مسامير الواحد تلو الآخر حتى بلغوا الخمسة مسامير - ثم شعرت بشئ ما ينساب فى أسفل جسدى ، ثم ساد صمت عميق لمدة طالت ، فسالت د. نشأت (لماذا سكتوا هكذا؟) وجاء ردهـ المدهش أيضا (إنهم يخيطون الجرح!) وسألته (وهل هنالك جرح وكيف وصلوا الى جسدى ، وهم يجلسون بعيدا هناك - !) فضحك ثم قال بعد قليل (مبروك - العملية إنتهت!!) . علمت فيما بعد إنه كانت هناك ستارة على يسارى تحول بينى وبين الدكتور ومساعديه ، وإنهم أجلسوا دكتور نشأت على يمينى ليشغلنى بالدردشة عنهم ! .
-5-
* أخذونى الى غرفة غير الاولى واسعة ومريحة ، وأمام الغرفة ، وحولها شاهدت زحاما بالمئات لأهل وأصدقاء ، كنت قد اخبرت ثلاثة فقط بالعملية (د.فضول سعيد والذى حاول الإتصال بالدكتور هاشم على احمد ووجدهـ خارج مشفى فضيل ، لكن الرجل الفاضل زارنى فى البيت . والأستاذين الصادق الشامى ويعقوب محمد على حميداب) .
* دخل الى الغرفة الدكتور كراسمير وهو يحمل صورة للعملية ، وهو يقول فى فرح وسعادة :
(This is the best operation I have ever done in my life)
أي (هذه أفضل عملية عملتها فى حياتى!).
ومدّ لي الصورة فقلت له (إنها كالنوتة الموسيقية!)
وحقا كان ذلك احساسى ! وحين همّ بالخروج ، إلتقاهـ الدكتور فتح الرحمن الحاج ، فعاد بالصورة وهو يقول (هذهـ لاتحدث حتى فى لندن) وكان احساسى أن كليهما صادق فيما قال ، فغمرتنى سعادة غامرة .
* وتهاطل الزوار الى الغرفة كلهم يدعو لي بالشفاء ، لكن أستوقفنى عبارة قالها صديقى وقريبى الاستاذ محمد عبدالله قرافى ، وهو يضع وجهه فوق صدرى ويقول (اللهم أجلعها آخر آلامك!) فقلت (أللهم آمين) وكررها الحاضرون !
-6-
* ظل الزحام على ما كان عليه فى اليوم الاول ، ونقر احدهم باب الغرفة فى العاشرة والنصف مساءا ، وحين فتحت زوجتى الباب دخل ثلاثة مسئولين كبار ، وكان أولهم د.عاصم عبدالسلام (المدير العام) والثانى د.محمد عثمان (المدير الطبى) وقد غاب عنى إسم الثالث ، قال أولهم بتهذيب شديد (نحنا جينا عشان خاطرك - هذا الزحام ليس فى مصلحة صحتك ، لذلك قررنا وقف الزيارات نهائيا إبتداءا من الغد!).
* رجوتهم أن لايحرموا المرضى الآخرين من ذويهم بسببى ثم سألتهم (متى تبدأ الزيارة؟) فقالوا (من الثالثة ظهرا حتى السادسة مساءا) فرجوتهم مرة أخرى أن يكون عدد الداخلين محدودا فى كل مرة شريطة أن لايبقى الزائر مع المريض أكثر من دقيقة!) وإنصرفوا مشكورين.
-7-
* ظل الدكتور فتح الرحمن يزورنى يوميا ولعدة مرات (ويقول بسماحته المعهودة) (هذا المستشفى مستشفاي انا واريدك أن تعتبرهـ مستشفاك أنت!).
* شكوت له فى اليوم الاول للعملية إن عيني صارتا تريان الناس والاشياء بالمقلوب ! فإستدعى الدكتور ياجى اسلاف اختصاصى العيوم وهو روسى ، وبعد كشف دقيق طمأننى إن عينيّ بخير ، وإن ذلك سببه تأثير البنج ، وإن ذلك التشويش سينتهى غدا ، وقد كان.
* كان مستوى التمريض من الدرجة الاولى كفاءة وتهذيبا ، وكذلك كان تعامل اهل مشفى الصفا من سيدهـ الى أطبائه الى سستراته الى ممرضيه والى كل العاملين فيه من سودانيين واجانب .
* رغم كل المحاولات التى بذلها إبن شقيقى فيصل كتاب لدفع نفقات العملية ، كان رد الصديق الدكتور فتح الرحمن الحاج ، قاطعا وحازما (ولامليم!!).
* لحظة خروجى من المشفى وانا محمول على نقالة جاء يودعنى امام الاسانسير وهو يقول بالصوت العالى وامام كل الذين حولى (إنت محبوب من كل الشعب السودانى!)
فقلت له شاكرا : (هذا نبل وكرم منهم) .
* تبقى أن أتقدم بالشكر الوافى والنبيل لتلك السيدة الفضلى حرم الدكتور فتح الرحمن ، والتى كانت تزورنى كل يوم أكثر من مرة ، ولإبنته الدكتورة صفاء التى كانت تفعل نفس الشئ ، ولإبنه الدكتور محمد والذى كان يتصل من امريكا بإبنى سامح ليطمئن على صحتى .
والشكر موصول لكل الكرام والكريمات الذين زارونى فى المشفى والبيت ..
* وبعد :-
أنتم الناس .. يا أهل مشفى الصفا ، ويا سيدهـ .. ويا كل العاملين فيه!

سيداحمد الحردلو
الخرطوم 19 مارس 2007م

elmhasi
27-01-2018, 08:34 AM
جريدة الوطن - الاحد 7 صفر 1428هـ - الموافق 25 فبراير 2007م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (24) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* حين دخل السوق عسكريا شريفا نظيفا منضبطا ، ظلمه السوق ، بل تماسيح البر وعبر البحر وأوسعوهـ لكما ، فركز كفرسان الزمن القديم ووقف شامخا كجبل البركل حتى تبثت براءته وعفته ، ثم عاد هادئا بكبريائه المعهود الى حبه القديم المتجدد ، محبة الشعر والادب ومجالسة الكتاب والقرطاس والقلم وزيارة الاصدقاء .
* انكب على الكتابة شعرا ونثرا - لدرجة انك لم تعد الا لماما .. يحرر صحفة اسبوعية فى ’’الوفاق‘‘ وركنا اسبوعيا فى ’’اخبار اليوم‘‘ ثم اعطى المكتبة السودانية رواية مذهلة ادهشت كل وانا أولهم لصداقتنا التى بدأت صيف عام 1946م ونحن فى الصف الثانى بمدرسة تنقاسى الآولية استمرت الى رحيله المفاجئ والدرامى وكأنه مأساة اغريقية !
-2-
* هو من قريتين ’’قلعة ود مالك وتنقاسى‘‘ وأنا من قريتين ’’ناوا وتنقاسى‘‘ درس هو الوسطى فى مروى ، وانا درستها فى القولد ، ثم إلتقينا مرة ثانية فى مدرسة واحدة هي ’’وادي سدنا‘‘ بدون الياء كما كان يسميها الشاعر العظيم محمد محمد على فى قصائدهـ الحولية التى كان ينشدها فى الإحتفال السنوى لمدرسة وادى سيدنا .
* كنا نقضى إجازتنا مقاسمة ، هو بين القلعة وتنقاسى وأنا بين ناوا وتنقاسى ، كنا نتفق على موعد محدد نلتقى فيه فى تنقاسى .
* بدأنا مصاحبة الشعر فى زمن باكر ، يأتى من بيتهم فى رويس تنقاسى الى بيتنا فى شاماب تنقاسى ، وقبل التوجه لنادى تنقاسى ، كان يخرج من جيبه قصيدة ويتلوها ، ثم اخرج قصيدتى الجديدة فأتلوها ، ومن عجب كانت القافية فى القصيدتين واحدة ويكاد مضمون القصيدتين ان يكون واحدا! وكنا دائما نعجب من هذا التوفق الشعرى!
-3-
* كانت وادى سيدنا لوحة رائعة وجميلة ، يزينها النيل .. فالغابة فميادين كرة القدم بنجيلها الاخضر ثم حوض سباحتها الذى كان ملوكه ابناء الشمالية ، أنشأنا صحيفة حائطية اسمها ’’الآداب‘‘ كنت رئيس تحريرها وعوض مالك سكرتير تحريرها ، ومامون عوض ابوزيد مديرها وخطاطها ..
* ثم اصبحت انا رئيس الجمعية الادبية وعوض سكرتيرها وكانت تحت اشراف الشاعر محمد محمد على ، كنا ندعو بعض الادباء والمفكرين ليحاضروا الطلاب فى موضوع ما .
وبين هلالين اريد ان اصحح معلومة وردت سهوا فى المقال الذى كتبه الاديب والصديق وعضو الجمعية الادبية الاستاذ حديد السراج فى رثاء عوض مالك ونشر فى صحيفة ’’الوان‘‘ فانا الذى ذهبت معه يوم ذاك الى دارتهم العامرة على نيل ابوروف لدعوة والدهـ العالم العلامة ’’عليه رضوان الله‘‘ فإستقبلنى الرجل إستقبالا حسنا .. وحين قدمت له الدعوة قال سيأتيكم إبنى فراج ليحاضركم ، وحين رأيت فراج وكان شابا دقيق الجسد عجبت .. كيف لهذا الشاب ان يحاضرنا ! لكننى كتمت عجبى وأعلنت موافقتى وحددنا تأريخا للمحاضرة ، وجاء فراج الى وادى سيدنا ، وقدمته وانا فى غاية التردد ! وفوجئت وفوجئ الجميع باننا نستمع الى شاب اكبر من عمرهـ ، عارف باللغة العربية ، ويحسن آدابها ، ولا عجب .. فهو تلميذ العالم والشاعر الطيب السراج .
-4-
* قلت إن الراحل المقيم عوض ’’عليه رضوان الله‘‘ إنكب نثرا وشعرا فى السنوات الاخيرة ، ولكننى لاحظت فى أشعارهـ الأخيرة رنة حزن متواصلة وتردادا لكلمات مثل ’’الرحيل‘‘ واستدعاء لأسماء بشر عزيزين عليه وعلينا رحلوا عن هذهـ الدنيا فى قصيدته قبل الاخيرة ’’حدثينا يا فطين‘‘ وفطين هي أخته وأنا خالها وهي زوجة الاستاذ حسن هليس .. استدعى اسم الحاجة قصورة بابكر ’’عليها رضوان الله‘‘ وهي والدة أخوانه الراحل المقيم الشاعر إدريس واللواء محمد الحسن مالك والنطاسى العبقرى جعفر مالك - ثم استدعى اسم - الحاجة رقية سيداحمد الشامى ’’عليها رضوان الله‘‘ وهي والدة اللواء والشاعر والفنان محمد عثمان مالك وابوالحسن مالك المحامى والمهندس ميرغنى مالك والمصرفى عبدالله مالك والاستاذة فاطمة مالك - وقبلها كتب عدة مقالات عن امه صفية وحبوبته ’’ميمونة‘‘ ’’عليهما رضوان الله‘‘ وكيف رحلت وهم صغار ، وكيف قامت حبوبته بتربيتهم ، هو وإخوانه العميد شرطة احمد والشاعر عباس وعبدالحليم وزينب وطيبة .
* استدعى خلال تلك المقالات ذكريات اسرية حميمة ، وهو نفس الخط - خط الموت أو الرحيل الذى ساد فى روايته ’’عدلان الاصم‘‘ كان عوض مالك يبشر فى روايته بيوتوبيا أو مدينة فاضلة ، الناس فيها سواسية فى الحقوق والواجبات ، يحبون البعض ، يساعدون البعض ، الناس كل الناس إخوة ، لافروق دينية أو سياسية .
لكل هؤلاء الرجال والنساء الذين أحببناهم فى روايته يرحلون الواحد تلو الآخر : حتى حسن البصيلى الشاب المسكون بالوفاء والنبل ، يرحل فجأة وبلامقدمات ، بينما كان ابوهـ فى المشفى ينتظر الموت فى أية لحظة ، ومن عجب أن الرحيل الدرامى لحسن أعاد والدهـ الى الحياة فغادر المشفى وعادت اليه عافيته وعاش حينا من الدهر .
-5-
* كان عوض مليئا بالحياة والحيوية والشجاعة والإقدام ، ومسكونا بمحبة الحياة ، ومشحونا بالآمال والاحلام ومحبة الناس ، لكننى لاحظت فى ابداعاته فى السنوات الأخيرة شيئا ما كأنه خيط ما ، هاجس ما .. يتحدث فى حياء عن الرحيل والموت!
* كانت حبوبته ’’ميمونة‘‘ والتى حلت لهم مكان أمهم قد رحلت عن هذهـ الدنيا فى منتصف الستينيات ، فذهبنا الى قلعة ود مالك للعزاء ، وكان يقود السيارة القاضى عبدالرحمن الاقرع ، وأثناء عودتنا وكان الدرب خلاء والشمس توشك على الرحيل ، طلبت من صديقى الأقرع ’’أين هو فى هذا الزحام ..!؟‘‘ أن يتوقف لحظة لقضاء حاجة ، وظننته قد توقف وكنت اجلس الى يمينه ، فقفزت من السيارة فإذا بي أضرب الارض ضربا مبرحا واصاب بكدمات هنا وهناك .
وحينما عدنا للخرطوم كتبت قصيدة اسمها ’’الموت فى الطريق‘‘ نشرت فى حينها فى إحدى الصحف وهي مثبتة فى احد دواوينى وأظنه ’’مقدمات‘‘ وكان عوض حين يذكر الحادثة يضحك ملء فمه .
* كان يحادثنى هاتفيا قبل رحيله بأسبوع ، وكنت قد إنتهيت للتو من قراءة روايته ’’عدلان الاصم‘‘ بعد الإنتهاء من العملية الرابعة فى عينيّ والتى حالت دونى ودون القراءة حينا من الدهر ، وكنت احدثه عن انطباعاتى عن الرواية ، وما كنت أعلم إنه يكتب ما أقول .
* زارنى فى اليوم التالى فى بيتى وقرأ علىّ ما قلته فى الهاتف ، وأستأذننى فى نشرهـ فى ’’أخبار اليوم‘‘ يوم الجمعة تم إتصل بي صباح الخميس التالى وقال لى (أقرأ ’’الوفاق‘‘ اليوم فقد أعدت نشرهـ فى ’’الوفاق‘‘) .
* ثم إتصل بي فى المساء مرة ثانية وقال محزونا ’’لديّ خبر مفجع ، لقد مات الدكتور عبدالرحمن ابوزيد فى امريكا!‘‘ فقلت له : ’’إنك تعرف إننى غادرت قيادة السيارة منذ سنوات ولا أغادر البيت إلا للأطباء ، ارجوك حين يصل الجثمان أن تمر عليّ لنذهب للعزاء معا!‘‘.
* ثم أضاف ’’إننى ذاهب للقلعة غدا صباحا‘‘ .. فقلت ’’يا عوض ، يا أخى القلعة دي كل جمعة!‘‘ فسألنى : ’’لماذا تقول ذلك ، وأنت تعرف إننى أذهب للقلعة كل جمعة؟‘‘ قلت له : ’’لست ادرى ما مرتاح من الرحلة دي!‘‘ فأرسل ضحكة مجلجلة وهو يقول ’’الموت فى الطريق ! الموت فى الطريق!!‘‘.
-6-
* صباح اليوم التالى - أي الجمعة - اتصلت بي شقيقة زوجتى وهي تقول فى بكاء :
’’لديّ خبر مفجع - عوض - مات!!‘‘.
* ’’لاحول ولاقوة إلا بالله - لا حول ولا قوة إلا بالله - لا حول ولاقوة إلا بالله!‘‘.
-7-
* سيدتى الفضلى أم نزار .
يا أبنائى نزار ونازك ومحمد
يا إخوان وأخوات عوض -
يا جميع أهل تنقاسى والقلعة والزومة
يا جميع أهل السودان
عوض مالك كان ثروة قومية - رحمه الله - وجعل الجنة مثواهـ مع الانبياء والصديقين والشهداء .

سيداحمد الحردلو
الخرطوم 22 فبراير 2007م

elmhasi
27-01-2018, 08:42 AM
جريدة الوطن - السبت 13 صفر 1428هـ - الموافق 3 مارس 2007م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (25) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* كنت اود أن اواصل ذكرياتى عن الدبلوماسية السودانية وما عاصرته وشاركت فيه خلال عملى فى وزارة الخارجية لربع قرن من الزمان (من 6 يناير 1966م - 6 نوفمبر 1989م) إلا أن رحيل صديق العمر الشاعر واللواء عوض مالك المفاجئ .. جعلنى أؤجل وأقدم - خاصة وبعض شهود ايام وادى سيدنا احياء .. متعهم الله بالصحة والعافية والعمر المديد .. أريد أن يكونوا شهودا على ما أقول .. فالتاريخ تكبته الوثائق والشهادات .
-2-
* سبقنا الى وادى سيدنا رجال ظلت ذكراهم فى جنبات الوادى .. حدثنا عنهم من عاصروهم .. منهم د.منصور خالد والطيب صالح واحمد شامى وحسين بازرعة وعبدالحفيظ باشرى وسعيد حمور ومهدى مصطفى الهادى وآخرون كثيرون ..
* وحين جئنا الوادى فى العام الدراسى (1954م - 1955م) وجدنا فى الصف الرابع السيد ابيل الير ومحمد صالح عمر وفاروق حمد الله وكمال مصطفى ومامون السيد وعلى المك وكثيرين غيرهم .
* ووجدنا فى الصفين الثالث والثانى محمد خلف الله وعبيد قسم الله واحمد نور مرحب واحمد دياب وعبدالحليم البشير وعوض الكريم فضل الله وصلاح عبدالجليل ، وآخرين كثيرين .
* وعاصرنا عمر عبدالعاطى وعبدالرحيم حمدى وابوالعوض وعياد جرجس واسحاق محمد ابراهيم وامير عبدالله خليل ومحمد الامين عبدالله والسر الرفاعى وابوآمنة حامد والصادق شامى واسحق شداد وتاج الدين ميرغنى وقمر الدين عثمان عيسى والمقبول الحاج وعبدالله محمد عبدالرحمن وخليل طه سورج ووداعة الله عبدالله وحسن وعلى البيلى وكبج وشرفى عمر وكمال شريف وميرغنى على وعلى التجانى وعلى الحسن عمر والامين محمد عثمان وابراهيم احمد عمر ومحمد العباس اباسعيد وابراهيم طه ايوب وميرغنى جاويش والحبر يوسف نور الدائم وشمس الدين اللدر وطارق ابراهيم وصلاح التجانى وغيرهم .. فقد كان تعدادهم اربعمائة وتسعين طالبا مما يجعل إحصاءهم مستحيلا .. فلهم العتبى !
-3-
* كان الاساتذة خليطا من السودانيين والانجليز والمصريين والهنود ، وعاصرنا ناظرين للمدرسة هما السنوسى وحسن فريجون عليهما رضوان الله ، إلا إن عددا من هؤلاء الأساتذة غادروا التدريس الى الدبلوماسية .. أذكر منهم أستاذنا سرالختم السنوسى ، والراحل المقيم جعفر ابوحاج .
-4-
* شهدت الوادى كـ(حنتوب) و(خورطقت) نشاطا سياسيا تسودهـ الجبهة الديمقراطية والإخوان المسلمون ، فالمستقلون ، والذين كان يسميهم البعض ’’بالبيبسى كولا‘‘ ولست ادرى لماذا! .. كانت العلاقات بين هذه التيارات ودودة وحميمية .. ما عرف التهاتر أو العنف طريقا اليها كأيامنا هذه ! وكان الشيوعيين ينضوون تحت مظلة الجبهة الديمقراطية . وكنت قد جئت الوادى وانا ’’جبهة ديمقراطية‘‘ حيث كان قد جندنى لها احمد نور مرحب وانا فى الصف الرابع بالقولد الوسطى ، بينما كان هو فى وادى سيدنا حين جاء الى القولد فى اجازة .. فهو اصلا من القولد .. كان الراحل المقيم محمد صالح عمر هو زعيم الاخوان المسلمين بالوادى ، وكان يأتى الى داخليتى ’’المختار‘‘ فيأخذنى الى الاستاذ محمد احمد محمد على حميداب ’’تيوتر‘‘ داخلية جماع ، وهو من اهلى بناوا وكان من قيادات الاخوان المسلمين فى السودان ، فى محاولة لضمى للاخوان المسلمين ، غير انه نقل فى ذات العام الى مدرسة رمبيك الثانوية واستشهد هناك . كان الرجلان يتمتعان باخلاق نبيلة وراقية وسمحاء .. عليهما رضوان الله .
-5-
* كان هناك تقليدا آخر ، هو اختيار لجنة اتحاد الطلاب بالمدرسة من طلاب الصف الثالث ، ورشحت ضمن آخرين من الديمقراطيين . الى جانب قائمة الاسلاميين ، فحصلت على اربعمائة وتسعين صوتا هم مجموع طلاب المدرسة ، أي أن كل الإتجاهات صوتت لي ، وضمت قائمة الفائزين كلا من طه سورج ’’من الديمقراطيين‘‘ وعبدالرحيم حمدى من الاسلاميين وآخرين ، وبرغم حصولى على كل الاصوات إلا إن الإخوة الشيوعيين اجتمعت قيادتهم فى المدرسة سرا واختاروا الصديق طه سورج رئيسا للاتحاد وشخصى نائبا لرئيس الاتحاد (جاءنى من يقول : ’’إقتضت بعض الظروف ذلك!‘‘)
لم تكن هناك اي ظروف .. فقط اراد الإخوة فى رابطة الطلبة الشيوعيين ان يكون رئيس الاتحاد شيوعيا ! .. ذلك كل مافى الامر ! .. وسكت من اجل وحدة الجبهة الديمقراطية ، وذلك أيضا كان كل مافى الامر !.
* كان هناك اقتراح بالقيام باضراب عام فى جامعة الخرطوم والمدارس الثانوية ، وكان لابد من أخذ رأي الجمعية العمومية قبل الرد على رسالة تلقيناها من رئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم وقتها عبدالماجد بشير الاحمدى ’’السفير فيما بعد‘‘ لكن ادارة المدرسة هددت علنا بفصل لجنة الاتحاد ان هي لذلك الاجتماع ، وقبيل موعد الاجتماع بيومين غادر طه سورج المدرسة الى ام درمان ! ووجدتنى وبصفتى نائبا للرئيس أزور صالة الطعام الرئيسية ، ثم قاعة طعام داخلية ابوقرجة ، واعلن للطلاب (إن الجمعية العمومية ستنعقد فى الساعة كذا فى اليوم كذا) امام نادى المدرسة ، ودعانى على الفور الاستاذ حسن فريجون ناظر المدرسة ’’كان عليه رضوان الله .. طيبا وودودا .. ولكنه كان قاطع كالسيف عند الشدة‘‘ فما ان نقرت باب مكتبه ورآنى حتى صاح ’’أهلا بالثائر الذى يريد أن يتحدى فريجون وإدارة المدرسة!‘‘.
* رددت فى هدوء : (إننى لا أسعى لتحدى الناظر فريجون ، أو إدارة المدرسة ، إنما انفذ قرار لجنة الاتحاد التى تمثل الجمعية العمومية‘‘ .. فرد بحزم ’’أنت تعرف المصير الذى ينتظرك .. إتفضل امشى..!‘‘ ومشيت .!.
* وإنعقد اجتماع الجمعية العمومية الذى حضرهـ بعض الاساتذة كمراقبين ، وأذكر منهم المرحوم صالح محمد صالح ، والذى كان مسئولا عن داخلية المختار التى اسكن فيها ، وأكاد أزعم إننى أحسنت إدارة الإجتماع بتوزيع فرص الكلام على كل الإتجاهات محاولا بقدر الامكان تهدئة خواطر المتشددين . وانتهى الاجتماع محاولا برفض فكرة الاضراب ووجدت مرة ثانية انه عليّ أن احمل الرد المكتوب الى رئيس اتحاد جامعة الخرطوم عبدالماجد بشير الاحمدى ، وذهبت اسأل عن غرفته بالداخلية فدلنى عليها بعضهم - ولحسن الحظ وجدت معه صديقى على المك الذى قدمنى اليه ، والى ثالثهم وكان الشاعر صلاح احمد ابراهيم الذى كنت اراهـ للمرة الاولى ، وكان لقاءا حسنا ، سلمت الاحمدى خلاله الرسالة ، ودردشنا بعض الوقت حول الشعر والسياسة ، ثم ذهبت الى ام درمان فقضيت الليلة فيها ثم عدت للوادى فى اليوم التالى .
* جاءنى عوض مالك الى غرفتى بالداخلية واخبرنى ان الشاعر محمد محمد على نقل اليه ان مجلس الاساتذة انعقد بعد الاجتماع مباشرة بقيادة الناظر لينظر فى امر فصلى من المدرسة ، لكن الشاعر محمد محمد على وعدد من الاساتذة اعترضوا على فكرة فصلى ، وكانوا اغلبية !.
-6-
* هل الحديث عن وادى سيدنا طويل أم يطول ؟ .. فحين حدث العدوان الثلاثى على مصر ، خرجت المدرسة كلها صباحا وسرنا على اقدامنا من وادى سيدنا عبر ام درمان فقنطرة النيل الابيض الى السفارة المصرية فى مكانها الحالى الآن فى المقرن ، وقابلنا السفير المصرى واركان سفارته فى فناء السفارة ومعهم إذاعة ركن السودان والتى طلبت منى أن تسجل قصيدتى (أنا مستعد ياجمال) والتى لم أثبتها فى أحد دواوينى والتى يقول مطلعها :
انا مستعد يا جمال
انا مستعد للقتال
انا مستعد كي أجئ معي الرجال
* وأخذها ابن عمى حسين سيداحمد الشامى ونشرها فى صحيفة ’’صوت الشعب‘‘ والتى كان يرأس تحريرها ابوالمعالى عبدالرحمن عليه رضوان الله ، وهي أول قصيدة تذاع وتنشر لى ، وكنت وقتها فى الصف الثانى !.
* ومن عجب أن صديقى الضابط العظيم كمال شريف حسين رآنى فى سرادق عزاء الراحل المقيم عوض مالك جاء وجلس بجانبى وقال :’’أريد نسخة من ’’أنا مستعد يا جمال‘‘) فقلت له : ’’يؤسفنى إننى لاأملك نسخة منها!‘‘ .. ومن عجب ايضا ان صديقى الشاعر حديد السراج وكان يهاتفنى مساء الجمعة الماضى قال لى : ’’إنه مايزال يحتفظ بنسخة منها‘‘ فرجوته ان يأتى لى بنسخة منها .. فوعدنى بذلك - فانا ما ازال طريح الفراش لا اقوى على المشى والحركة لكنه نبلا منه وكرما وعد بزيارتى!.
-7-
* تقاليد مدرسة وادى سيدنا الحسنة كانت كثيرة اذكر منها مثلا اختيار ثلاثة طلاب من طلاب الصف الرابع ليكونوا رؤساء للداخلية وكنا انا ومحمد ابراهيم كبج وشرفى عمر رؤساء لداخلية المختار .
* وأذكر كذلك انه كان يقام مهرجان رياضى كل عام يشمل جميع المناشط الرياضية ، غير أن الشاب المهذب ابيل الير كان يحصد جميع الجوائز المائة متر والميل ورمي الجلة والقفز العالى ورمي الرمح .
* وطلبت منّا ادارة المدرسة ذات مرة وفى سلوك ديمقراطى ان نختار فنانين من ثلاثة هم عثمان حسين (أطال الله عمرهـ) واحمد المصطفى وحسن عطية (عليهما رضوان الله) فإختارت الاغلبية الفنانين عثمان حسين وحسن عطية .. فأجادا أطربا .
-8-
* ثم جاءت انتخابات الاتحاد العام التالى وفاز عوض مالك باغلبية الاصوات ، وكانت اربعمائة وستين صوتا كان هو الاولى برئاسة الاتحاد ، غير أن احبابنا الشيوعيون - سامحهم الله - فعلوها للمرة الثانية فاختاروا صديقنا محمد الامين رئيسا للاتحاد وعوض نائبا للرئيس ، وثارت ثائرة عدد كبير من الديمقراطيين خشية ان يصبح هذا الاسلوب نهجا سائدا وتحدثنا اليهم بلا فائدة ، وهكذا قدنا انقساما داخل الجبهة الديمقراطية وكونا رابطة الاشتراكيين العرب عام 1957م وكان ابرز اعضائها عوض مالك والصادق الشامى واسحق شداد وتاج الدين ميرغنى ومقبول الحاج محمد وعلى الحسن عمر وعبدالله محمد عبدالرحمن وآخرين غابت عنى اسماؤهم !
* وأزعم إنها كانت الحركة العربية الأولى فى السودان ثم انتقلت بعدها بسنوات الى جامعتي الخرطوم والقاهرة فرع الخرطوم ، وهناك تحولت رويدا رويدا الى حزب البعث العربى الاشتراكى بقيادة بدرالدين مدثر وشوقى ملاسى وحسن عبدالهادى ... ’’أين هو فى الزحام الآن..!؟‘‘ كذلك نشأ الحزب الناصرى فى تلك الفترة واتخذ مكانه فى ساحة الفكر والسياسة السودانيين !.
-9-
* تلك كانت بعض ايام وادى سيدنا وبعض ذكرياتها واختم فأقول .. كان اولاد امدرمان وعلى رأسهم الصديق احمد دياب .. يأكلون ’’قرقوشنا‘‘ نحن اهل الشمالية ، ويعيروننا بالتخلف ، وكنا نشرب بيبسي كولتهم .. ونهزمهم فى السباحة !
ولكننا كنا نغنى معهم : -
* الوادى ضجت وجنتوب احتجت
يا حليل الطلبة الـ فى خورطقت

* واعترف إننى لا أعرف إسم قائلها ولا مناسبتها !!

سيداحمد الحردلو
الخرطوم 28 فبراير 2007م

النور يوسف محمد
27-01-2018, 08:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


يا سلام ياخ


قمة الامتاع ، ومازلت اتابع القراءة ،

اشكرك على هذه السياحة الاديبة الراقية

elmhasi
27-01-2018, 08:46 AM
جريدة الوطن 16 صفر 1428هـ الموافق 6 مارس 2007م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (26) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* عدنا من مكسيكو ستى أواخر يونيو 1975م بعد ان شاركنا فى مؤتمر المرأة العالمى الاول ضمن وفد السودان بقيادة الدكتورة فاطمة عبدالمحمود وزيرة الشئون الاجتماعية وقتئذ ، اقول .. عدت الى مكتبى بإدارة الاعلام التى كنت اعمل مديرا لها ، وبعد ايام اخطرنى السفير محمد عزت بابكر الديب الذى كان يعمل مديرا عاما لإدارة الشئون الإدارية والمالية (بأننى منقول الى سفارة السودان بكنشاسا عاصمة زائير قائما بالأعمال) وهكذا خلال اسابيع غادرت الخرطوم قاصدا نيروبى التى مكثت فيها بضعة ايام ، خرجت من الفندق فى المساء الاول ليوم وصولى ، وبينما كنت اتمشى فى احد شوارعها الرئيسية شاهدت إعلانا مكتوب بالبنط العريض على قماش يقول (تقيم فرقة الاكروبات السودانية - عرضها الاول الليلة بقاعة جوموكنياتا ) - كنت اسمع عن الفرقة ولكنى لم اكن قد شاهدتها بعد ! ولم اجد كثير عناء فى الوصول الى القاعة فهي كانت اعلى مبنى فى نيروبى أيامهم تلك ، وهكذا وصلت الى رحاب القاعة ولدهشتى وجدت السفير هاشم عثمان واركان سفارته يجلسون امام مدخل القاعة على عدد من الكراسى يبيعون تذاكر الحفل لجماهير حاشدة مصفوفة فى صفوف طويلة .. وشاركتهم فيما يفعلون .. ثم دخلنا القاعة ، وقال لى السفير : (إن عدد كراسى القاعة ثلاثة آلاف) وكانت مليئة ثم أضاف (وعدد الواقفين يقدر بأربعة ألاف) .
-2-
* وبدأ العرض .. وتعال وشوف ..
ولا أجد نثرا يعبر عن الذى حدث وشاهدته فى تلك القاعة أفضل من قصيدة (أكروبات سقدان) التى كتبتها تلك الليلة فى نيروبي !
-1-
مرة .. من ذات .. فى المرارير
وليله .. من .. ذاك .. فى الزمان
كت فى نيروبي .. طفشان
والفؤاد كان مرهـ ندمان
ايوهـ ... كان شايل غرام لسه يا دوب فى الفطام
شوفه خايفة
ونضمه واجفة
ولسه يا دوب .. دابو .. قام
وقمت خليتو
وركب درب الغمام !
-2-
وسمعت هاتف من بعيد
فى الساعة ديك
هاتف وراي
يا سندباد
يا سندباد الجن كفاك درب السجم
اقعد على الواطة
وشوف ناس العقاب
شوف البنيات
واللميمات .. والتراب
والغنيمات ..
والزرايب .. والعيوش
وسوى شيتا يبقى - ي زول - للجنات!
-3-
وكت رايخ فى دروب نيروبي زي زولا يتيم
لا انس .. لا جنى
لاقلبا رحيم
وكت ماش
زي العجاج .. والليل طشاش
وكت طاش
واشكر خبر
يلقانى اعلان
فى الدرب .. بيضوي نور
وعليه مرشوم بالنيون
اسم الحبيب .. سقدان كبير
والدنيا هاشت .. يا ولد
والدنيا باشت يا ولد ومشيت لى حوشا كبير ولقيت كل الناس حضور
والبوش مدور .. والسرور
ووقف - يمين - يا زول اباشر فى الضيوف
وتعال وشوف
ساعة وقف زولا من السقدان .. وقال :
يا ناس سكوت
وكشف ستار
وتعال شوف
يا الله - يا سقدان - وشوف
إسمك ورسمك فى العيون
كيفن .. يخونوك - يا بلد
كيفن .. ورسمك فى العيون !
-4-
وكشف ستار
وسلام عليك
لما تكون فى الغربة
والسقدان امامك ينكشف ليلة قدر
لمان فؤادك ينشرح
لمان دميعات الفرح
فوقات وشيشك .. ينطرح
بالفرحة بالجايين وراك
من الوليدات والبنات
اللسه - دوبك - شفعين
لما تشوف انك سمح
يا سلام عليك
-5-
والله إن شفت الشويفعات
بس الهواليق
ضمه فوق الناس تحاحى
ذات يمين
أو ذات شمال
الشافعة طايرة بدون حبال !
حرم قليبى وقع ثلاثين مرة خوف
وإن ما خجل
قربت أقوم أحلف طلاق
لازم يقيف هذا الفعل
خوفا .. عليهن .. يا سلام
وجنا أخوك لزم جناك .
يا زول يمين - ماهن بناتنا اللولى
بس جن مصرم .. فى إنس
وإن شفت ديك الشفعين
يا زول تقول المرفعين
الكر وفر
والفر وكر
بس الفوارسين القدام
زمن الامام
-6-
يا زول - يمين - بي عينيى شفت الليل يهوش
والناس تدوش
نيروبي بى ذات نفسها هاشت
وداشت بالفرح
وسمعت بي إضنيّ تلاتين الف زول
بيقولوا .. هذا لم جرا
فى أي بلدان فى الورى !
-7-
يا زول - يمين - والهوشة جات ووقفت فى نص الحضور
وندهت .. يا سقدان تعيش
تكبر
وتكتر
تملأ كل الدنيا ... ريش
والآمة ندهت من ورايا
يعيش .. يعيش !
-8-
ومرقت للشارع
وكان النيل مريسة مدفقة فى البرمه دوب
والحظ سمح
وقرفت تاما شفت نفسى براي .. أدوب
وبقيت أقدل فى الدرب
والمشية قرضمه
والصفافير ديله سادات الدرب
بس التقول فى جيبى نص مليون
عجب
بس التقول ملك الملوك .. فرعون ..
عجب
والدنيا دلوكه .. وطرب .


نيروبى - اغسطس 1975م

* أهلنا فى الشماليين (الاوسط والاقصى) ينطقون الســــودان : سقدان .
* الهواليق : جمع هوليقه ، وهي الحاحاية ، عبارة عن مظلة عالية تطل على الحقول ، ويجلس عليها المزارع ليحاحى العصافير عن العيش بحبال ممدودة بأجراس على طول وعرض المزرعة .
-9-
اين اكروبات سقدان
اين هم فى الزحام الآن ..!؟
بل أين السودان .
أين هو فى الزحام !!!؟

سيداحمد الحردلو
الخرطوم 3 مارس 2007م

imported_أبو جعفر
27-01-2018, 08:47 AM
متابعة لصيقة لهذا البوست المفيد , الذي زاد معرفتي بالحردلو إبن قريتنا البار , رحمه الله و غفر له .

تحياتي حسين وعساك بألف خير

لاحظت شيئاً في هذه المذكرات ... وندوات كنت قد حضرتها ... وهو تبني الكثير من النخب والموهبين فنياً وأكاديمياً للفكر الشمولي والعمل على تمكينه ... ومن ثم البكاء من نتائجه.

أعتقد بأننا نحتاج إلى تربية وطنية مبكرة تعالج التطرف، وتفرق بين العواطف الحميدة والخبيثة حتى لا نرزأ بأمثال من أضاعونا ثم ضاعوا ...

تحياتي وشكري لصاحب المفترع.

elmhasi
27-01-2018, 09:03 AM
جريدة الوطن - 20 صفر 1428هـ الموافق 10 مارس 2007م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (27) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* كانوا يسمون نيروبى (لندن الصغيرة) وهي حقا مدينة جميلة فيها أشياء لندن ، وأشياء افريقيا ، وبعض من هنا وبعض من هناك ، حين زار الرئيس جومو كنياتا الخرطوم لأول مرة فى منتصف القرن الماضى ، هتف (كم أنت مشرقة يا افريقيا!) كانت الخرطوم حقا عروس افريقيا غير المتوجة ، تخطيطا ونظافة وجمالا ، يزينها نيل شاب فى عنفوانه يهبط من الهضبة متلاطما كالخيول الجامحة ، ونيل فيه هدوء ، ووقار الكهولة وحكمتها .. ينساب وكأنه على عصا أبنوسية مرصعة بالعاج ، ثم يتعانقان قبالة توتى ، ثم يتمازجان ثم يتوحدان (فلا أزرق ولا أبيض) فيمضى (سليل الفراديس) شمالا يمنح الجمال والنبل والحياة لوطن الاوطان!
-2-
* كان فى نيروبى أيامها الى جانب السفير هاشم عثمان (عليه رضوان الله) سفير سودانى آخر يعمل فى الامم المتحدة هو الدكتور الصديق جعفر كرار ، الذى دعانى الى عشاء ضمن آخرين ، وبينما نحن نتسامر فى دارته العامرة قال : (لديّ مفاجأة للحردلو) ثم نهض وأدار جهاز المسجل ، فإذا بصوت فنان ناوا الاول محمد عبدالرحمن الجزار ، يشنف آذاننا بصوته الرائع وأدائه الاروع وهو ينشد ويغنى أشعار شاعر ناوا الكبير احمدون ، فسالت دكتور جعفر كرار (من أين لك هذا..!؟) فقال : (دعانا الدكتور محمد الطاهر عبدالرازق الى عشاء على شرف الجزار الذى جاء للخرطوم وأطربنا حقا .. ومن يومها وأنا استمع إليه من وقت لآخر).
-3-
* أخذت الطائرة الزائيرية من نيروبى قاصدا كنشاسا ، وأثناء تحليق الطائرة طلبت كوب عصير لاتزيد قيمته عن دولارين ، ووقفت المضيفة تنتظر قيمة المشروب ، فأعطيتها ورقة من فئة المائة دولار على اساس أنها ستعيد الباقى ، لكنها دارت وإستدارت ومضت سكتها الى مؤخرة الطائرة وإختفت كليا ، وظللت أنتظر وأنتظر ، ثم ضغطت على زر المضيفات أكثر من مرة ، ولم تأت إحداهن إلي ان وصلنا مطار كنشاسا وكان ذلك الدرس الزئيرى الأول فى مسلسل الدروس التى لقيتها فى تلك الاصقاع !
* لقينى فى المطار طاقم السفارة المكون من ثلاثة اشخاص ، السكرتير الثالث احمد الشيخ والملحق الإدارى ملك وضابط اللاسلكى بابكر (اين هم فى الزحام الآن ..!؟) وأخذونى الى شقة على الشارع الرئيسى فى كنشاسا ، وهكذا وصلت كنشاسا وانا (منشول!!).
-4-
* كنشاسا مدينة جميلة ، وتتمتع بطقس جميل ، ويفصل بين زائير وقتها والكنغو برازفيل نهر له إسمان ، ففى كنشاسا إسمه زائير وفى برازفيل إسمه الكنغو ، والعاصمتان تنهضان قبالة بعضهما فى غير مودة ولا حسن جوار برغم إنهما كانتا يوما وطنا واحداً ، هذا كان على ايامنا تلك وكان أهل برازفيل يسمون كنشاسا (نيويورك) لعلو مبانيها وربما لجمالها !
-5-
* ما كنت أعرف الملاريا حتى ذلك الوقت ، لكنها اصابتنى بعد وصولى ربما بيومين أو ثلاثة .أخذنى الإخوة بالسفارة فى جولة حول كنشاسا وإنتهى بنا المطاف فى سوقها ، وشاهدت عجبا (صفوف من النساء والرجال يفترشون الارض وامامهم قرود حية مذبوحة ، وقرود ناشفة ، ثم صفوفا أخرى وفى كل إناء نوع من الديدان المختلفة الأشكال والألوان!!).
وعلمت من الإخوة إنها وجبات محببة لدي الزائيريين !
* كان موبوتو سيسى سيكو هو حاكم زائير المطلق ، يحكمها بيد من حديد ، وكان فرنسى الهوى .. وكانت زائير بما تزخر به أرضها من معادن وإمكانات تعتبر من أغنى بلدان افريقيا ، وموبوتو هو صاحب نظرية العودة للجذور أو التأصيل ، فغير إسم الكنغو الى زائير ، وغير إسمه الى موبوتو سيسى سيكو (اي الديك الذى لايترك الدجاج ينام!) (باللغة اللنقالية) وطلب من جميع أفراد شعبه تغيير أسمائهم الى اسماء زائيرية .
* كان موبوتو قد القى خطابا فى اجتماع الجمعية العمومية عام 1960م والذى حضرهـ جميع زعماء العالم حتى إن الصحف الأمريكية كتبت وقتها فى مانشيتاتها تقول :(The invadros are coming) أي (الغزاة قادمون).
* وكان تلفزيون كنشاسا يبدأ إرساله هكذا :
(يطل وجه موبوتو من خلال السحاب وسط غناء يقول : (يقال إن هناك إلهاً .. لكننا لانراهـ ونعرفه .. أنت إلهنا الذى نرى ونعرف!!!) ثم تبدأ نشرة الأخبار فيطل وجه موبوتو وهو يقرأ ما قاله فى خطابه فى الامم المتحدة عام 1960م عن زائير ، ثم تأتى بعد ذلك اخبار زائير المحلية ، ثم يأتى دور أخبار افريقيا فيطل وجه موبوتو وهو يقرأ ما قاله عن افريقيا فى خطابه فى الامم المتحدة عام 1960م ، ثم تأتى بعد ذلك أخبار افريقيا ، بعدها ياتى دور الاخبار العالمية فيطل وجه موبوتو وهو يقرأ ما قاله عن العالم فى الامم المتحدة عام 1960م ، ثم تأتى بعد ذلك الأخبار العالمية ، هذهـ المشاهدات كانت تتكرر عدة مرات يوميا فى جميع نشرات الأخبار فى تلفزيون وراديو كنشاسا !
-6-
* أقام موبوتو مزرعة ضخمة وفخمة على نهر زائير على مسيرة ساعة من كنشاسا بمساعدة خبراء من الصين الوطنية (تايوان حاليا) وكان فيها تقريبا كل شئ من الفواكه الى الخضروات الى كل انواع الماشية والدواجن والمحصولات ، وكانت مزرعة نموذجية يقصدها الدبلوماسيون والسوّاح ، ويروى الدبلوماسيون الذين الذين سبقونا الى كنشاسا حكاية تقول : ’’إن الرئيس موبوتو طلب الى وزير ماليته أن يشتريها منه لتكون ملكا للدولة ، فقال الوزير للرئيس (أنت الرئيس وأنت الدولة) وتلكأ فى عملية البيع والشراء ، فزارهـ زوار الفجر فى بيته وأجروا اللازم !! وعين وزير مالية آخر ، وطلب منه الرئيس نفس الشئ وكان الوزير (عاقلا) فأشترى المزرعة التى اقيمت بمال الدولة من الرئيس الى الدولة ، ونجا بجلدهـ !
* اما الحكاية التالية فقد عشنا أحداثها ، إذ اشيع أنه كانت هنالك محاولة إنقلابية ، فكلف موبوتو رئيس الاركان بمحاكمة المتأمرين امام محكمة عسكرية ، غير أن المحكمة لم تجد ما يثبت إدانة المهتمين ، وقبل ان تعلن قرارها وصلت برقية لقيادة الجيش بأن زوجة رئيس الاركان مريضة فى قريتها البعيدة من كنشاسا ، وفى (سابقة إنسانية) وجه الرئيس بإعداد مروحية تحمل رئيس الاركان وأحد الاطباء الى تلك القرية ، ثم إنتشرت أخبار بأن الإتصال قد إنقطع بالمروحية ، وبعد بحث عثروا على حطام المروحية (وكان قد تم إجراء اللازم!!) ومشينا خلف النعش يتقدمنا الرئيس وشاهدناهـ يخرج منديله ويمسح دموعه من وقت لآخر!!.
كانت ماما موبوتو هي سيدة زائير الأولى ، وأشيع أن الرئيس قرر أن يتزوج أخرى (فأجرى اللازم فيها!!) ومشينا خلف النعش والرئيس يخلع نظارته كل حين ويمسح دموع الحزن عليها!!.
-7-
* كانت حقيبتنا الدبلوماسية تغادر الخرطوم الى نيروبى بالسودانية ، ومن هناك الى كنشاسا بالزائيرية ، وذهب الملحق الإدارى (ملك) الى المطار كالعادة ، وأخطروهـ بأن الحقيبة الدبلوماسية لم تصل ، فأبرقنا وزارة الخارجية بالخرطوم ، بذلك فأكدت إرسالها الى نيروبى ، وأكدت نيروبى إرسالها الى كنشاسا بسفرية رقم (كذا) بتاريخ (كذا) وذهب الملحق الإدارى يراجع الخطوط الزائيرية بالمطار بلا فائدة ، وذهبت وأخطر وأراجع وأحتج لدى وزارة الخارجية الزائيرية بلا فائدة ، وأخطرت الخرطوم بذلك ، وبعد اسبوعين وصلنا كيس بالبريد العادى ومكتوب عليه بلجيكا ، وكانت سكرتيرة السفارة بلجيكية ، فطلبت اليها فتح الكيس .. ولدهشتى وجدت محتويات الحقيبة فيها كل الرسائل السرية والعادية مفتوحة ، ووجدت رسالة بخط اليد من مواطن مصرى يقول فيها : (إنه أستاذ يعمل فى مدرسة فى محافظة كسنجانى) (المتاخمة لحدودنا الجنوبية مع زائير) ويضيف الاستاذ المصرى (إن مسئول مكتب البريد فى كسنجانى طلب إليه فتح الرسائل وترجمتها له) - ثم يقول (وأستاذن فقد أخذت بعض الصحف السودانية لأطلع عليها!).
* طلبت موعدا مع وكيل وزارة الخارجية الزائيرية ، وأخذت معي الكيس ومحتوياته ورسالة الاستاذ المصرى - واستمع الوكيل الى كل ما قلت خاتما قولى (بأن هذا خرق لكل الاعراف الدبلوماسية!)
فرد عليّ بفرنسية (لنقالية) (هذا يحدث فى كل مكان!).
* سألته (أهذا كل ما عندك!؟) فأجاب (وماذا تريدنى أن أفعل!) قلت (لاشئ..فقط أطالبكم بتسليمنا كيس حقيبتنا الاصلي!).
* قال (أتريدنى أن أسافر لإحضار الكيس!؟).
* قلت إننى أطالبكم بإسم حكومتى تفسير مكتوب لكل هذا الذى حدث .. كما أكرر طلبى بتسليمنا كيس الحقيبة ! وغادرت مكتبه الى مكتبى ، وأرسلت كل هذا الى رئاسة الوزارة ، مقترحا المعاملة بالمثل ، بأن ترسل السلطات المختصة بالمطار بحقيبة سفارة زائير بالخرطوم الى مكتب بريد القضارف او كسلا ، وأن يفعلوا فى الحقيبة نفس ما فعلوهـ فى حقيبتنا ، وأن يطلبوا من مواطن يجيد الفرنسية أن يكتب رسالة مثل رسالة الاستاذ المصرى!!).
* ومر وقت ليس طويلا فإذا بإدارة المراسم بالخارجية الزائيرية تتصل بى (وتنقل لى أن الوكيل يريد مقابلتى الآن) وذهبت .. ودخلت مكتب الوكيل ، فإذا به ينهض هاشا باشا ويتقدم نحوى فاتحا ذراعيه .. ثم يأخذنى الى كرسي ويجلس فى الكرسى المقابل وهو يكرر كلمات مثل (يا صديقى - نحن جيران ، العلاقات بين رئيسينا ممتازة ، معتذرا عن الذى حدث وإنه لن يتكرر!!).
وبينما كان يقول ذلك .. لمحت كيس حقيبتنا فوق طاولة بجانب مكتبه .. فنهض وأتى به وأخذته وانصرفت !!
-8-
* حين نقلت الى كنشاسا كنت فى درجة مستشار وليس قائما بالأعمال ، فقد كان السفير النور على سليمان (عليه رضوان الله) فى إجازة استمرت لثلاثة اشهر بالسودان ، وعاد فقضينا وقتا رائعا معا ، فهو رجل فاضل وحبوب واخو إخوان وكنا نسهر معا ، وكان صديقا للدكتور محمد الطاهر عبدالرازق وهو عالم وخال وصديق (عليه رضوان الله) وسبق للسفير النور أن زار ناوا فى صحبة صديقه الدكتور محمد الطاهر لحضور زواج الدكتور عثمان عبدالنبي النور الوكيل الاسبق لوزارة الصحة (رحمه الله).
* سألنى السفير ذات ليلة :(عندك بيت فى الخرطوم؟!) فقلت :(لا) - ثم سألنى : (عندك أرض؟) فقلت : (لا) فقال : (أووهـ) وسكت.
* وجاء آخر الشهر ودخل مكتبى الملحق الإدارى ووضع شيكا أمامى فنظرت فيه فإذا هو مرتبى ناقصا ثلثين ! فقلت : (يا ملك - عايز تنشلنى زي مضيفة الزائيرية!) فقال ضاحكا : هذهـ توجيهات سعادة السفير فقد طلب منى ان احول ثلثي مرتبك الى حساب بإسمك فى بنك سنت جيمس فى لندن!
* ومر شهر ولم أسأل السفير عن ذلك ، وذات ليلة قال (لم تسألنى لماذا فتحنا لك حسابا بلندن ؟ لقد سبق أن أبرقت المستشار محجوب رضوان (السفير فيما بعد) بأن يشترى لك قطعة أرض من إدارة المغتربين بالخرطوم ، ولقد جاء بحجز قطعة لك وهم بإنتظار أن نرسل لهم شيكا بالمبلغ) (أنظروا عظمة هذا الرجل ونبله!) وبعد شهور ارسلنا شيكا بمبلغ (1557 جنيه استرلينى) هي قيمة الأرض ، لكن حسابى فى البنك كان دون ذلك بخمسة عشر جنيها ، فقام الصديق فاروق عبدالرحمن الوزير المفوض بسفارتنا فى لندن بإكمال المبلغ مشكورا!.
* لم تطل إقامة هذا الرجل العظيم معنا ، فقد نقل من كنشاسا الى موسكو .
-9-
* تعرفت على دبلوماسى امريكى وزوجته فى كنشاسا سبق أن عملا بالخرطوم وكانا مغرمين بالخرطوم لدرجة الوله لأمنها ونبل أهلها (علمت منه إنه درس السفير على نميرى حين كان ضابطا وحين ذهب لأمريكا فى بعثة دراسية) دعا الامريكى عددا كبيرا من الدبلوماسيين الى حفل تنكرى فى بيته ، فقلت لنفسى : (انا مالى ومال التنكر!) ولبست جلابيتى وعمامتى ومركوبى الفاشرى الما خمج .. ثم درعت عبايتى وذهبت للحفل .. وهناك قدمانى هو وزوجته الى دبلوماسية امريكية كنت والامريكية نتجاذب اطراف الحديث .. إذا بدبلوماسى من تلك البلاد يأتى إلينا ويسألنى : (من اين أنت؟!) فقلت : (من السودان) فقال بفرنسية مخمورة : (اين هذا!؟) تجاهلته وعدت الى الذى كنت فيه !
* عجبت له ومنه هذا العلج .. (السودان دهـ أكبر قطر افريقى مساحة ، وهو سيد الحضارة الاولى فى الدنيا وجيوشه دافعت عن بلدهـ وعن لوممبا والسودان هو جار بلدهـ ويسأل (أين هذا!!؟) وعدت الى شقتى ووجدت أن فيديل الشغال قد وضع الورق والقلم على الطاولة وامسكت القلم ولم أتوقف عن الكتابة إلا فى الرابعة صباحا من قصيدة (نحن)
والتى تبدأ هكذا : -
تقول لي شنو
وتقول لي منو
انحنا الساس
ونحن الرأس
ونحن الدنيا جبناها
وبنيناها بويت فى بويت
واسأل جدي ترهاقا
وخلى الفاقة والقاقا
تقول لي شنو
وتقول لي منو

-10-
* جاءنا السفير مبارك آدم الهادى ، وهو كذلك إنسان فاضل وشاعر وقضينا معا وقتا طيبا ، لكن إقامتى لم تطل ، إذ نقلت للخرطوم ، وفى الطريق توقفت فى نيروبى ، ثم أخذت السودانية التى كانت فى ابهى مجدها وسفريتها كانت نيروبى - الخرطوم - لندن ، ولم يكن بها مسافر سودانى غيرى وطاقمها ، كانت مليئة بالركاب وكلهم إنجليز وكان ربانها زميل الدراسة والصديق كابتن شيخ الدين والذى دعانى الى كابينة القيادة فقضيت معه بعض الوقت ثم هبطنا الخرطوم بسلام آمنين.

سيداحمد الحردلو
الخرطوم 8 مارس 2007م

elmhasi
27-01-2018, 09:27 AM
جريدة الوطن - السبت 27 صفر 1428هـ الموافق 17 مارس 2007م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (28) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* هانذا اعود مرة اخرى الى إدارة الإعلام برئاسة الوزارة مديرا لها فى بدايات عام 1976م ، وكنت أسكن أيامها فى السجانة ومعي عبدالمحمود عبدالحليم (المندوب الدائم للسودان بالأمم المتحدة حاليا) وشقيقه الشاعر والأديب (والجمهورى ايامها) عبدالرحيم عبدالحليم المقيم الآن فى كالفورنيا - وكان معنا آخرون .. وكان يسهر معنا بين الفينة والاخرى الاستاذ الفنان الكبير محمد وردى والاستاذ الصحفى النجم وقتها والكبير والآن حسن ساتى .
* أيقظنى عبدالمحمود ذات عصرية وهو يقول (أذيع فى نشرة الخامسة الآن ان الرئيس نميرى قد أصدر قرارا جمهوريا بتعينك الوكيل لشئون التنمية بوزارة الشئون الإجتماعية ، (وهنا لابد من عودة للوراء قليلا) إذ أن الدكتورة فاطمة عبدالمحمود كانت قد أقامت مؤتمرا جامعا لنساء السودان بالباقير دعت إليه عددا كبيرا من النساء العربيات واتصلت بوزير الخارجية تطلب إنتدابى لفترة اسبوع لأرافق ضيوف المؤتمر أثناء إنعقادهـ ، وقد كان ، وفتحت الوزيرة معي عدة مرات أمر إنتقالى للعمل معها بوزارة الشئون الإجتماعية ، وكنت دائما أقول لها (إننى أحب عملى الدبلوماسى ، كما أنه يتيح لي مشاهدة العالم ومزيدا من التعلم والعلم ، وأذكر أن السيدة الفضلى ثريا خليل زوجة الدكتور مصطفى كامل ، وبنت خال الرئيس شهدت احد هذهـ الحوارات ووقالت للدكتورة (إذا كان الحردلو ما داير ما تخليه).
* نسيت أن اقول أن الدكتورة فاطمة عبدالمحمود كانت قد إتصلت بي فى زائير تطلب منى التوجه فورا الى برلين للمشاركة فى المؤتمر العالمى الثانى للمرأة ضمن وفد السودان كما حدث فى المكسيك .. فقلت لها : (إنه لابد من إخطار رئاسة الخارجية ، وأخذ الإذن منهم!).
* فقالت (إنتوا بتلعبوا .. دي سياسة عليا!).
* أخطرت السفير النور على سليمان بفحوى المكالمة فقال لى : (بختك .. على الاقل تشوف برلين!) فقلت له : (الأفضل أن نخطر الخارجية ونسمع رأيها) وجاء الرد (أن الوزير قد أقنع الوزير بأن زحام العمل فى السفارة لايسمح بذلك).
-2-
* ذهبت للخارجية صباح اليوم التالى لصدور القرار الجمهورى وتوجهت الى مكتب الوكيل محمد ميرغنى والذى قام بالإتصال تلفونيا بالسيد عبدالله الحسن الخضر (وزير رئاسة الجمهورية) والذى أخبرهـ (بأن السيد محجوب مكاوى وزير الخارجية علم بالقرار وموافق عليه!)
* وهكذا وجدت نفسى نائيا لوكيل الشئون الإجتماعية وشئون التنمية ومترقيا الى الدرجة الثالثة .
* نسيت ان اقول أن القرار الجمهورى شمل تعيين الدبلوماسى والشاعر والصديق عبدالمجيد حاج الامين وكيلا ... والسيدة الفضلى رشيدة عبدالمطلب نائيا للوكيل للشئون الاجتماعية .
* وجدت أن الدكتور فاطمة إمرأة حديدية تدير الوزارة بعين وترى وتسمع كل شئ يدور فى وزارتها وانها تتمتع بنشاط وحيوية وايمان بعملها كما وجدت إن الوزارة تحفل بشباب من الجنسين مثقفين ورائعين كالقاص والروائى الحسن محمد سعيد ومنصور عمر المنصور ، وصلاح فرح ، وعثمان عابدين وخلف الله اسماعيل والإعلاميان عبدالواحد لبينى وحسن الحميدى (اين هما فى الزحام الآن..!؟).
*كانت العلاقات طيبة بين الجميع من الوزيرة الى الوكيل ونائبيه الى العاملين بالوزارة .
فأتاح لي هذا المناخ الصافى والودود أن أتحمس للعمل فتفرغت فى البداية لمعرفة المهام المناطة بي .. ثم عملت على تطبيق الأساليب والنظم المتبعة فى وزارة الخارجية خاصة فى المكاتبات والمذكرات والتقارير من القاعدة للهرم والعكس صحيح ، وأدخلت أسلوب المذكرات المروسة فى إدارة التنمية ، فما إن رأت الوزيرة ذلك حتى طلبت أن يعمم هذا النهج على جميع اقسام الوزارة .
-3-
* زارنى فى مكتبى كل من السيدين الجليلين ابوالقاسم محمد ابراهيم وزين العابدين محمد احمد عبدالقادر (عليه رضوان الله) كل على حدهـ وبينما إكتفى زين العابدين (بأن الإختيار جاء مكانه) وقف السيد ابوالقاسم محمد ابراهيم والقى علىّ خطابا (بأن العمل الإجتماعى هو عمل جماهيرى مكانه ميادين العمل وليس المكاتب!).
* كما زارنى الفنان الاكبر محمد وردى ، وكان حين يزورنى لايجلس بجانبى ، كان قد جاء لإستلام شيك يخصه قيمة حفل أقيم للشهداء - لكنه فتح الدرج الذى على يمينى وأخرج منه ورقا وبدأ يقرأ ثم إلتفت نحوى معاتبا وهو يقول (بالله .. إنت صديق ! دي ما قصيدة ملحنة وجاهزة!) فقلت له (ياوردى إنت أصلك سمعت أنا أديت فنان قصيدة!) نهض من مكانه وأخذ من أمامى ورقا وقلما وجلس على كنبة على يسار مكتبى ونقل القصيدة .. ثم أعاد الى الأصل .. وخرج ناسيا كوب الليمون الذى امامه والشيك الذى جاء من أجله ! (هكذا الفنان الحقيقى . فالفن عندهـ فوق كل شئ!) .
* إتصل بي فى اليوم التالى وقال (لحنتها .. وسأوقعها فى نادى الفنانين مساء اليوم .. بتجئ!!) لم اصدق ما يقول .. فقلت (مابجى) لكنه فى اليوم التالى إتصل وقال (سأغنيها اليوم فى المهرجان الثقافى بالمسرح القومى..)
وأضاف (بتجى!) فقلت (طبعا حاجى . فالحكاية بقت جد!).
* وذهبت .. وجاء وردى ، فقال مذيع الحفل :
(سيقدم الفنان محمد وردى أغنية جديدة إسمها (مسدار عشان بلدى) للشاعر ... !) وغنى وردى : (عشانك بكاتل الريح .. عشانك فؤادى جريح ..).
* لقد أدهشنى وردى تلك الليلة .. باللحن والاداء الرائعين وبالسرعة التى لحن بها القصيدة التى إشتهرت بإسم (بلدى ياحبوب) وما أن خرجنا من المسرح إلا وكان الناس يغنونها وهم فى الطريق ، وعند مدخل الكبرى أوقف وردى سيارته وترجل منها ، فتوقفت كل السيارات ، وتقدم نحو سيارتى وهو يقول (معليش يا أخوانا .. عايز أدى الشاعر المجنون دهـ حاجة!) ثم عاد لسيارته وإنطلق الجميع يعبرون الكبرى وهم يرددون مقاطع من الأغنية!
-4-
* تلقت الوزيرة دعوة من وزيرة العمل والشئون الإجتماعية الكويتى بإرسال وفد ليطلع على جهود الوزارة هناك فكلفتنى الوزيرة بقيادة وفد أذكر من أعضائه السيدة الفضلى ثريا خليل والاستاذ منصور عمر المنصور ، فأستقبلنا فى مطار الكويت نائب الوكيل والقائم بالاعمال بسفارتنا (السفير فيما بعد) مصطفى حسن (يرحمه الله) ومعه الدبلوماسى محمد آدم عثمان .
وقمنا بزيارات للوزارة وفروعها وشاهدنا إمكانيات كبيرة متاحة لمناشط الرعاية الإجتماعية ، ثم صحبنا الوزير (نبلا منه وكرما) الى متحف الكويت وهناك رأينا كيف كانت الكويت وكيف كانت الحياة قبل النفط وهناك وقف امامى رجل يحمل ابريقا مليئا بالقهوة العربية ومدّ لي فنجان قهوة فارتشفت ما فيه ، ومددت له الفنجان شاكرا ، لكنه صب لى قهوة مرة أخرى وثالثة ورابعة ، شاهد الوزير الحيرة فى وجهى فقال ضاحكا (إذا لم) (تهز) الفنجان سيظل يصب لك القهوة حتى المساء !) فهززت الفنجان فتوقف الرجل ، فقال الوزير (هذا تقليد كويتى!).
* ذات مساء إلتقانى الشاعر والسفير (أظنه إسمه رشيد جعفر) وكان سفيرا للكويت فى زائير فدعانى الى سهرة أن أرى الكويت بالليل!
* كما إلتقيت الفنان السودانى (إبن مدنى) والمقيم فى القاهرة ابراهيم خان فى الهيلتون ، وسألته (ماذا يفعل فى الكويت؟) فقال (إنه يقوم بتدريس التمثيل) . فقلت له (ما أحوجنا إليك فى السودان) فقال (لى زمن من السودان - وسأزورهـ بعد إنتهاء مهمتى هنا ، فإن وجدت الظروف المواتية ، إذ أسمع من وقت لآخر إنه جاء وذهب للسلام على اهله فى مدنى ثم كر عائدا الى القاهرة!.
* هبطت جدة فى طريق العودة معتمرا ونزلت فى ضيافة الصديق وابن تنقاسى اللواء احمد ادريس الملحق العسكرى (عليه رضوان الله) وذهبنا لمكة معتمرين وكان معنا واحد عارف بآداب ودعوات العمرة ، وحين أوشكنا على دخول مكة بدأت الدنيا تمطر فقال صاحباي (هذا فآل حسن ، فهي لم تمطر منذ عدة سنوات!) وشعرت براحة تجتاحنى !
-6-
* عدت للخرطوم .. نسيت أن اقول إن الاديب المفوهـ اللواء عمر الحاج موسى (عليه رضوان الله) كان صديقا عزيزا - بدأت صداقتنا حين جاء لندن مستشفيا عام 1969م - وحدث إنقلاب مايو وهو معنا وأحيل للتقاعد وكان تعليقه هادئا (معهم حق ، ديل شباب ونحن خلاص عجزنا) وكان دون الخمسين وقتها ، دخل مكتبى فى السفارة بعد ايام قليلة وهو يحمل قطعة قماش عليها آيات قرآنية وقال : (أقسم على هذه الآيات إنك لن تقول لأحد ما ستقرأ فى هذه الرسالة) وناولنى الرسالة وكانت بتوقيع جعفر نميرى رئيس مجلس الثورة (يدعوه للعودة للسودان وزيرا للدفاع) وسألنى رأيي .. فقلت (رأيي أن تقبل فورا) وعاد للخرطوم وأصبح وزيرا للثقافة والإعلام ، ثم إنتقل فيما بعد الي الاتحاد الإشتراكى وكان يتصل بي أو إتصل به صباحا ويوميا مع فنجان القهوة ، اقول فى الهاتف (مولاي) فيقول (سيدى) ذات صباح إتصل بي وقال : (انا مشغول جدا جدا بالتنظيم لهذا المؤتمر الذى سينعقد بعد ايام بقاعة الصداقة ، والمفترض أن ألقى خطاب الإفتتاح أقدم فيه (الريس) للناس .. أقول فيه .. إنه إبن بلد . يقعد معانا .. يأكل معانا .. يغنى معانا .. إلخ).
* ثم اضاف (ارجوك يا سيداحمد اكتب لى هذا الخطاب!) وأغلقت مكتبى وكتبت خطابا سلمته لإحدى الطابعات بالوزارة من سكرتارية الوزيرة وحين إنتهت من طباعته أخذته إليه .. قرأهـ .. ثم قال (دهـ كلام فيه نفس حردلو .. خليه يكون عمرى ! وبعدين ما تطبعوا .. إنت خطك واضح .. جيبو بخطك).
وفعلت .. وقرأهـ .. وقال (دهـ كويس) وحين القاهـ فى الجلسة الإفتتاحية وجدت إنه عمل له مقدمة جميلة وإضافات هنا وهناك مثل وجلسنا (جلابية وتوب وصديرى وسروال ومركوب ومنصور خالد) لم يحذف قهوة ام الحسن ولا الزلال بت ابنعوف وهي (يرحمها الله) خالتى ولا دويم ود الحاج .. إلخ.
لكنه شعر ببعض الإعياء بعد إلقاء الخطاب وأخذوهـ لبيته ليرتاح لأنه كان مرهقا جدا ، وعند عصر نفس اليوم صعدت روحه الى بارئها ، وكان رحيلا مفاجئا ومذهلا ، جئت فى أول المساء الى مكتب نظارات صديقى محمد سعيد العيد بشارع الجمهورية .. وأول ما رآنى قال (صاحبك مات!) قلت (صاحبى منو!) قال (عمر الحاج موسى) قلت له : (المات دهـ عمو .. أمبارح مشينا الفراش) فقال (يا حردلو .. التلفزيون أذاع الخبر قبل دقائق!).
* فأنطلقت من هناك الى شمبات وانا لااكاد اصدق ما قال محمد سعيد باسي وكانا صديقين (Life is meanngless) (أي الحياة بلا معنى!) .
* كتبت مرثية عنه إسمها 76218 - وكان هذا رقم تلفونه فى مكتبه ونشرت فى حينها وأذيعت من راديو ام درمان حين علم الصديق الدكتور اسماعيل الحاج موسى وزير الثقافة والإعلام وقتها إن الإتحاد الإشتراكى أقام حفل تأبين له ولم يطلب منى احد منهم المشاركة فارسل مندوبين من الاذاعة الى مكتبى وسجلوا القصيدة !.
* ذات صباح طلبت منى الدكتورة فاطمة عبدالمحمود ان اكتب لها مرثية عن عمر الحاج موسى ، فقلت لها (إن هذا شبه مستحيل لأن المرثية تعبير خاص عن مشاعر إنسان نحو إنسان رحل وهو أمر شخصى جدا!).
فجاء ردها (إن أسلوبك واسلوب عمر فى الكتابة متشابهان .. ألم تكتب له الخطاب الذى القاهـ يومها!) ومضت تقول - وسط دهشتى الغامرة - (انا عاملة توجيه لكل الطابعات أن يأتين لى بنسخة من كل شئ تكتبه انت!) .
* قلت فى سرى (هانذا اخرج من حصار الدبلوماسية الى حصار الوزيرة الحديدية !) وجلست وكتبت مرثية نشرتها بإسمها!.
-7-
* كنت قد أمضيت الفترة المتفق عليها بينى وبين الوزيرة وأزعم إننى أنجزت الكثير ، وكان إحساسى إنه لم يعد لدي من مزيد .. وهكذا فاتحت الوزيرة فى امر عودتى للخارجية .. فرفضت مجرد مناقشة الفكرة ، وتحدثت مع صديقى عبدالمجيد حاج الامين وكيل الوزارة ، فتحدث إليها وقال لها كما حدثنى بعدها (إن الحردلو مريض وستتيح له الخارجية النقل الى احدى سفاراتها للعلاج!) وواقع الامر لم اكن مريضا ، ولم أقل شيئا من ذلك للوكيل لكنه - نبلا منه - كان يحاول المساعدة - وكنت قد تحادثت مع الراحل المقيم رئيس الوزراء الرشيد الطاهر (عليه رضوان الله) (وقلت له إننى لا أريد أن أعود للخارجية بالمجموعة الثالثة التى نص عليها القرار الجمهورى ، بل أطلب أن اعود بالمجموعة الخامسة التى كنت فيها حتى لايظن ظان إننى جئت للشئون الإجتماعية لأعود منها وانا قد قفزت فوق زملائى ودفعتى بالخارجية !! نظر إليّ بدهشة وقال سأتشاور مع جهات الإختصاص حول هذا) ومضى سكته ومضيت سكتى ، إتصل رئيس الوزراء بوزير الخدمة العامة والإصلاح الإدارى يستفتيه فقال الأخير (إن التخفيض من درجة الى درجة يتم عادة بقرار من مجلس محاسبة ينعقد لمحاسبة الموظف المخطئ ، وهذا لاينطبق على حالة الحردلو) وحين أخبرهـ رئيس الوزراء (إن الحردلو مصر على التخفيض) قال الوزير (إن هذه ستكون السابقة الاولى فى سجل الخدمة المدنية السودانية!).
* وهكذا اصدر السيد رئيس الوزراء قرارهـ بعودتى للخارجية بالمجموعة الخامسة التى كنت فيها ، وأتصل بي مدير مكتبه بعد لحظات من صدور القرار وكان الوقت ليلا .. وكنت أسكن فى حي كوريا فى برى يوم ذاك .
-8-
* ذهبت لوزارة الشئون الإجتماعية صباحا ودخلت مكتب الوزيرة لأشكرها وأستأذنها فى الرحيل فإذا بها تطلب منى البقاء فى الوزارة اسبوعا لإدارة الوزارة لأنها والوكيل ورشيدة مسافرون الى المملكة العربية السعودية فى مهمة وبقيت أدير شئون الوزارة حتى حان موعد عودتهم ، وذهبت للمطار فى الرابعة صباحا لإستقبالهم عند سلم الطائرة .
-9-
* أكاد اقول (إنها كانت تجربة رائعة .. تجربتى بوزارة الشئون الإجتماعية ، تعلمت منها أشياء وغابت عنى أشياء!).
وسعدت فيها كثيرا بصحبة كل أؤلئك البشر الرائعين ، بدأ بالوزيرة فالوكيل فنائبه الوكيل للشئون الإجتماعية بل بكل العاملين فيها ، لكن أعظم ما حدث لى هناك كان رسالة من عمال الوزارة موجهة لى كانت كأنها مكتوبة بمداد من دموع تتحدث عن حزنهم وإحساسهم باليتم لذهابى عنهم ، شعرت إنها أعظم شهادة حصلت عليها فى حياتى - فقرأتها على صديقى حسن الحميدى ولعله لاحظ دمعات تكاد تتجمع فى عيني .. ثم مشيت سكتى نحو الحبيبة القديمة الجديدة وزارة الخارجية!) لأمشى فيها وعبرها مشاوير جديدة .


سيداحمد الحردلو
الخرطوم 14 مارس 2007م

elmhasi
27-01-2018, 10:29 AM
السبت 5 ربيع الاول 1428هـ - الموافق 24 مارس 2007م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (29) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* عدت الى الخارجية أواخر عام 1976م - وكالعادة الى ادارة الإعلام - لست ادرى على وجه الدقة لماذا كانت قيادة الوزارة ترى إن مكانى المناسب - دائما - هو إدارة الإعلام ! ربما لعلاقاتى الطيبة بالعاملين فى أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة - ربما !
* ذات صباح ذهبت لزيارة الدكتور اسماعيل الحاج موسى وزير الثقافة والإعلام .. فوجدت الفنان محمد عثمان وردى جالسا فى مكتب السكرتيرة بإنتظار مقابلة الوزير ، وفاجأنى بأنه قد صدر قرار بإيقاف جميع أغانيه من الإذاعة والبث بسبب أغنية ’’يا بلدى ياحبوب‘‘ والتى كانت هناك جهة قد طلبت عدم غنائها فى الإذاعة والتلفزيون بدعوى انها غير مجازة من لجنة النصوص!
لكنه غناها فى حفل المسرح القومى إستجابة لطلب الجمهور .
وبين هلالين كانت الإذاعة أيضا قد اوقفت برنامج ’’نفحات الصباح‘‘ الناجح للإذاعية الكبيرة ليلي المغربى ’’عليها رضوان الله‘‘ لأنها قدمت خلاله أغنية ’’يا بلدى يا حبوب!‘‘ .
* دخلنا معاً الى الوزير وأخطرهـ وردى بما جرى ، فتساءل الوزير ’’ولماذا لم تقدموا القصيدة الى لجنة النصوص؟‘‘ ونظر اليّ ، فقلت : ’’إنها القصيدة الاولى التى تغنى لى ، وليس لديّ علم بأن يقدم الشاعر الى تلك اللجنة ، بل كنت اعتقد ان تلك مهمة الفنان !‘‘ المهم أن الوزير أمر فى الحال بإلغاء ذلك القرار وإعادة إذاعة وبث أغانى وردى !
* علمت فيما بعد أن بعض أعضاء لجنة النصوص .. كانوا يعترضون على كلمات مثل ’’سروال ومركوب ، فكتبت مقالاً مطولا ضد لجنة النصوص ’’أظن فى جريدة الصحافة‘‘ وقلت فيما قلت ’’إن هناك أغنية أم درمانية شهيرة تقول : ’’البنطلون والجزمة لون! بينما قصيدتى تتحدث عن اوصاف وسجايا شعب ووطن ، وسجاياهما هي الحسن والإحسان والحسنى !‘‘ وأضفت ’’إنها أغنية ولدت بأنياب وأظافر ، وأصبحت نشيد إنشاد السودانيين .. فأذهبوا وخذوها من افواهـ الاطفال والشباب والكهول ، ومن مسجلات اللوارى والبصات التى تشق الرمال غربا .. وتصعد الجبال شرقا .. وتضرب فى السهول جنوبا وشمالا‘‘ .
* غير أن الراحل المقيم احمد شامى كان قد حدثنى يومها إنه كان مع بعض الاصدقاء فى إحدى حارات الثورة وانهم استمعوا الى شريط فيه لحن ’’بلدى يا حبوب‘‘ ولكن بكلمات غير كلماتها من شاكلة ’’يا بلدى يا منكوب!!!) لكن تلك قصة اخرى !
-2-
صدر فى مارس 1977م كشف تنقلات الدبلوماسيين ، وكنت وقتها وزيرا مفوضاً ، فنقلت الى واشنطن ، وقبيل تنفيذ النقل تزوجت وذهبنا الى فندق الهيلتون ، وحوالى العاشرة ليلاً وبينما كنا نستعد للذهاب للمطار اتصل بي الدكتور منصور خالد ’’والذى كان قد عاد للخارجية مرة اخرى‘‘ وسألنى : ’’متى ستسافر ؟ فقلت بعد قليل‘‘ فقال ’’مصيبة‘‘.
لم أسأله ’’لماذا‘‘ قال ذلك لكننى شعرت ان فى الامر شيئا!‘‘ وغادرنا الى لندن فقضينا فيها اسبوعا ، ثم توجهنا الى مطار هيثرو ودخلنا الطائرة التى كانت فى طريقها الى نيويورك ، وقبل الإقلاع بدقائق جاءتنى مضيفة وقالت ’’إن سفير السودان ينتظرك على هاتف مكتب الامن الملاصق للطائرة !‘‘ فذهبت ، فوجدت صديقى فاروق عبدالرحمن الوزير المفوض وقتها‘‘ على الهاتف فحيانى وهو يقول سعادة السفير عايز يكلمك‘‘ وكان السفير وقتها الصديق امير الصاوى ، والذى بادرنى بقوله : ’’إنت تعيش اجمل لحظات حياتك .. ولا اجد نفسى قادرا على نقل ما طلب إليك .. فقد إتصل بي وزير الخارجية قبل دقائق من باريس وهو جاءها مع الرئيس فى زيارة رسمية ، وطلب منى إخطارك بأن الرئيس قد امر بإلغاء نقلك الى واشنطن .. والعودة للخرطوم !‘‘ قلت للسفير ’’خروجنا من الطائرة غير ممكن الآن زوجتى داخل الطائرة وكذلك امتعتنا . أرجو أن تنقل للوزير أن يصلنى ذلك مكتوبا على سفارتنا بواشنطن!‘‘.
* وما أن عدت الى الطائرة حتى اغلقت ابوابها واقلعت .
كنت قد سافرت فوق المحيط الاطلسى عدة مرات قبلها .. وهي رحلات جميلة تأخذك عبر المجهول ، فلا ترى سوى الماء ثم الماء ثم الماء طوال سبع ساعات . يطفئون الانوار ويضعون لك سماعة لتختار بين مشاهدة فيلم او متابعة عدد من الإذاعات الداخلية‘‘ لكن هذه الرحلة لم تكن ممتعة . قلت لنفسى ’’الآن فهمت لماذا قال الوزير ’’مصيبة‘‘ تلك الليلة فى الهيلتون!
* نزلنا نيويورك وقضينا الليلة فى فندق فى المطار ، ثم توجهنا الى المدينة صباح اليوم التالى فقضينا يومين فى ضيافة الاستاذ يحي عبدالمجيد ، وكان وقتها يعمل فى الامم المتحدة .. ’’درنا بعض الوقت فى نيويورك ، ثم توجهنا الى واشنطن بالقطار ، وعند محطتها استقبلنا الصديق عبدالحميد عابدين ’’السكرتير الاول وقتها والسفير فيما بعد‘‘ وأخذنا الى شقة . ذهبت للسفارة فى اليوم التالى ، وكان السفير هو عمر صالح عيسى ، ومعه مجموعة من الدبلوماسيين على رأسهم الوزير المفوض الرشيد خضر وعبدالهادى صديق ’’المستشار وقتها‘‘ ’’عليه رضوان الله‘‘ وآخرون غابت عنى أسماؤهم ، وضع السفير امامى مجموعة من ملفات عن شركات يتعامل معها السودان ومقارها فى كل من فلوريدا وتكساس ، طالبا منى تلخيص كل هذه الملفات فى وريقات احملها معى فى رحلة الى فلوريدا وتكساس ، لتكون الرحلة رحلة شهر عسل وعمل ، نظرت اليه وقلت ’’لا أظن إن هذه الرحلة ستتم!‘‘ قال ’’لماذا؟‘‘ قلت ’’سنرى قريبا!‘‘ وإنكببت على الملفات ولخصت كل ملف فى ورقة أو ورقتين ، وحملتها إليه ، فأعجبه الاسلوب الذى سلكته ، وقال ’’أستعد لبدء الرحلة!‘‘ وقلت ’’سنرى!‘‘ .
* ذهبت لزيارة الصديق الدكتور حسن ابشر الطيب ’’المستشار الثقافى وقتها فى واشنطن فى ملحقيته التى كانت خارج السفارة ، وقضيت معه وقتا للتعرف على عمله وعدت للسفارة ، رنّ جرس الهاتف فى مكتبى بعد لحظات فإذا بالدكتور حسن ابشر الطيب يطلب منى ان اوافيه الى مكتبه ! وحين قلت له ’’لقد كنت معك قبل قليل!‘‘ رد إن ’’الأمر هام وعاجل!‘‘ أخذت السيارة التى جئت بها ، وقلت للسائق ’’الى المستشارية الثقافية‘‘ فتح الرجل عينيه وفمه لحظة ، ثم إنطلق بي الى المستشارية ، كنت اكاد اعرف ما لدى الدكتور ، فدخلت عليه وجلست ، فقال لى ’’إتصل بي الدكتور منصور خالد قبل قليل ، وقال : ’’قل للحردلو أن يعود عاجلا الى الخرطوم كي نتمكن من تنظيف الغبار‘‘ وأستعمل عبارة To clear the dust - قلت للدكتور :
’’كنت اعرف ذلك من مطار هيثرو !‘‘ وبينما أنا اقول ذلك رنّ جرس الهاتف الذى بجانبه فناولنى السماعة ، فإذا بالسفير على الخط يقول لي :’’وصلت شفرة موجهة إليك!‘‘ قلت له ’’أعرف محتواها، ولكنى أرجو أن تطلب من عبدالهادى فك رموزها .. وسأكون معكم بعد قليل!‘‘.
* عدت للسفارة فإذا بالبرقية من وكيل وزارة الخارجية هاشم عثمان يقول فيها ’’تقرر إلغاء نقلكم الى واشنطن ، نرجو أن تعود فورا للخرطوم !‘‘ ولعلكم تذكرون ايها القراء الكرام ان هذه هي البرقية الثانية التى تطلب ’’عودتى للخرطوم فورا‘‘ فالاولى كانت وانا بسفارتنا فى لندن إثر إنقلاب هاشم العطا ، وهي المرة الثالثة التى اعود فيها للخرطوم بعد قطع بعثتى الى فرنسا من مجهول حتى كتابة هذه السطور! .
* دعانى خلال اقامتى القصيرة فى واشنطن السفير الى حفل استقبال فى بيته ’’لا اذكر مناسبته‘‘ وإن كنت اعتقد انه كان احتفالا بذكرى 25 مايو‘‘ كما دعانا كل من الدكتور حسن ابشر الطيب والدكتور احمد الامين البشير ’’وكلاهما اديب لايشق له غبار‘‘ الى عشائين ’’نبلا منهما وكرماً‘‘ .
* وهكذا حزمنا حقائبنا وذهبنا الى محطة القطار فى واشنطن يصحبنا الصديق والقريب وابن ناوا الدبلوماسى عبدالحميد عابدين . استقبلنا ثم ودعنا ، وتركت الوزير المفوض الذى جئت لأحل مكانه ما يزال يراوح مكانه فى واشنطن !
* قضينا وقتا قصيرا فى نيويورك ، وأسبوعا فى لندن ، ثم هبطنا الخرطوم ، فإذا بي أري من نافذة الطائرة الوكيل هاشم عثمان ’’عليه رضوان الله‘‘ وعوض حسين من مراسم الوزارة واقفين عند سلم الطائرة . ’’كانت بادرة طيبة من الوكيل‘‘ ذهبا بنا الى قاعة كبار الزوار ثم اوصلنا سائق من الوزارة الى ام درمان .
-3-
* قيل لي إن هناك من ذهب يوغر صدر الرئيس ضدك ، ويقول للرئيس إن الحردلو إدعى المرض وكسر قرارك الجمهورى ، ونقله الى اهم سفارة لديك سيعوق عمل السفارة!!‘‘ .
* وقيل لي ’’لو جات سيرتك او اسمك قدام الريس ، فإن الريس ’’يكفت كل الجالسين حوله!!‘‘ .
* وقيل لي ’’إن الريس وجه بعدم نقلك لأية سفارة!!‘‘.
-4-
* وجئت الوزارة صباحا فطلب منى الوكيل أن اعود لإدارة الإعلام ، فقلت للوكيل ’’يا سعادة الوكيل .. هذهـ الإدارة مللتها وملتنى .. فأبحث لى عن غيرها .. ثم إننى سمعت قصة طريفة تقول إن احد الزملاء كان ينقل لإدارة المراسم كلما عاد من سفارة ، وحين حانت الترقيات كتبوا عنه تقريرا يوصى بعدم ترقيته ، لأن خبرته الدبلوماسية غير متنوعة !‘‘ . ’’وانا لا ارضى لنفسى بذلك المصير!!‘‘ ..
فأطلق الوكيل إحدى ضحكاته المجلجلة التى اشتهر بها ، فرددت عليه بواحدة افضل منها ، وصعدت الدرج من الطابق الرابع حيث مكتب الوكيل .. الى الطابق الخامس حيث إدارة الإعلام!! .
-5-
* ذات يوم طلب الدكتور منصور خالد ان اوافيه الى مكتبه قبل نهاية الدوام بدقائق ، وكنا فى رمضان .. وطلب منى كتابة مذكرة فى امر ما .. وكان الجميع قد غادروا الوزارة الى منازلهم ، نظرت لساعتى .. فقال لى ’’صائم!‘‘ فقلت ’’نعم‘‘ فقال ’’إذن .. نترك ذلك للغد‘‘ .
* هبطت فناء الوزارة ’’كانت ايامها بجانب وزارة التجارة‘‘ وبينما كنت امشى نحو سيارتى .. شاهدت احد العاملين بمراسم القصر يحمل ظرفا كبيرا وهو يحث الخطى نحو مدخل المبنى ’’حيّانى فرددت عليه من بعيد‘‘ وشعرت أن فى الامر شيئاً ! .
* وصلت دارتى فى بيت المال ، وقلت لنفسى ’’فلنسمع نشرة الثالثة ظهراً‘‘ وادرت مؤشر الراديو على ام درمان فإذا بالخبر الأول عن تعديل وزارى شمل ضمن من شمل الدكتور منصور خالد ! إن لم تخنى الذاكرة فإن دكتور منصور كان بعدها قد اصبح مساعدا للرئيس ، وإنتقل الى القصر الجمهورى ، واصبح الرشيد الطاهر وزيرا للخارجية .
* طلبت من الوكيل هاشم عثمان أن تتاح لي فرصة للعمل مديرا لإدارة البحوث ، فهي ستتيح لي وقتا للقراءة والبحث .. بعد هذا الكم الإعلامى الكبير ، فوافق الرجل ، وذهبت لإدارة البحوث ، ووجدت فيها الدبلوماسى على قاقرين .. مهاجم الهلال الشهير ، وهو شاب خلوق ومهذب للغاية .
* ذات صباح دخل مكتبى الاستاذ الطيب عبدالله - رئيس نادى الهلال وقتها - ومعه عزالدين الدحيش ، وشخص ثالث غاب عنى اسمه ، قال لي الاستاذ الطيب عبدالله ’’لدينا مشكلة ، ونحن نعرف انك هلالابى ، وجئناك لتساعدنا فى حلها ، فهناك عدم تعاون بين الدحيش وقاقرين ، وانت تعلم إنهما ركنان اساسيان فى هجوم الهلال ، ونحن نعرف ايضا ان قاقرين يعمل معك وصديق لك !‘‘ قلت على الفور ’’كلاهما صديق لى ، دعونى اولا استفتى قاقرين‘‘ ودخلت مكتبه المجاور لمكتبى فنهض الرجل بادبه الجم ، قلت له ’’أجلس .. لديّ امر مهم اريد ان اتحدث فيه معك ، وحدثته عن الذى جرى ويجرى فى مكتبى ، وقلت له ’’إننى اريدك الآن .. من أجل الهلال واجلى .. أن تذهب معي الى مكتبى وان تصافح الدحيش ، وأن تعودا للتعاون الذى كان بينكما ‘‘ فنهض الرجل ودخل معي مكتبى وتعانق الرجلان ، وإنتهت الجفوة التى كانت بينهما .
ومرت شهور فجاءنى قاقرين وطلب منى ان اكتب له كتاب اعتزال للكرة ، فقلت له ’’إن ذلك مستحيل .. فهو ما يزال فى قمة عطائه ، وانا لن افعل ذلك به وبالهلال وبنفسى!‘‘
* لكنه ظل يعاود المحاولة تلو المحاولة ، فوجدت نفسى مضطرا لكتابته ، وقد كان . وقام بنشر رسالة الإعتزال ، وأكاد أقول إن ذلك قد وقع كالصاعقة على قيادة الهلال وعلى معشر الهلالاب!!.

elmhasi
27-01-2018, 10:45 AM
السبت 12 ربيع الاول 1428هـ - الموافق 31 مارس 2007م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (30) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* طلب منى الوكيل فى بدايات عام 1978م الحضور الى مكتبه فذهبت والرجل كان دائما مبتسما وضاحكا ، ولكنه ما أن رآنى حتى أفتعل وجها حازما وهو يقول : -
(هناك أمر وزارى عليك تنفيذهـ فورا!) جلست ، وقبل أن أقول شيئا ، قال : (الوزير أمر بأن تعود الى إدارة الإعلام ..!!) ثم أضاف (وبدون مناقشة!) .
* قلت (يا سيادة الوكيل .. انا مرتاح فى إدارة البحوث ، فهل حصل شئ يستدعى عقابى بإعادتى لإدارة الإعلام للمرة العشرين!) قال وهو يفتعل الصرامة (أيوهـ حصل .. منو القال لي أديه ملف كامل ومطبوع بمهام وإنجازات إدارتك!!) فقلت (وهل فى ذلك خطأ!) وكان ردهـ ضحكة مجلجلة من ضحكاته الشهيرة ، ثم قال : (إن مؤتمر القمة الافريقى سينعقد بعد ثلاثة اشهر فى الخرطوم ، ولأول مرة ولقد بدأنا الإعداد له ، والريس مهتم جدا بهذهـ القمة ، وكذلك الوزير ، وضمن هذا الإعداد رأينا أن تعود لإدارة الإعلام ، وبدون مناقشة!).
* طلبت مهلة لإنهاء ما بيدى من أعمال ، ثم توكلت على الله ، وصعدت الى الطابق الخامس حيث إدارة الإعلام (لست أدرى للمرة الكم!).
* وجاء ابريل (كما اذكر) وانعقدت القمة فى مناخ ربيعى تغطى السحب سماء الخرطوم فى مشهد لم تشهدهـ الخرطوم من قبل ، إختارت قيادة الوزارة عددا من الوزراء المفوضين لإستقبال الرؤساء امام القاعة وعند باب الاسانسير (أظن فى الطابق الثالث ، بقاعة الصداقة) شريطة ان يحفظ كل منّا مكان مقاعد الرؤساء فنأخذهم إليها مباشرة ، إذ كانت هناك جلسة مغلقة للرؤساء ، قبيل افتتاح القمة ، وبينما كنت واقفا امام باب الاسانسير ومعي الرائد زين العابدين محمد احمد عبدالقادر والسفير فاروق مصطفى سمعنا (صفقة) ترحيب بأحد الرؤساء ، فقال زين العابدين (الرئيس السادات قادم) وكان الرئيس نميرى يمر بجانبى فقال وهو ينظر لى (قعدوهـ كويس!).
* سألت نفسى (قعدوهـ كويس .. يعنى إيه!!) وكان زين سمعنى ، فقال (ياحردلو .. دهـ باشا .. وقع ليك كلام الرئيس!) كان مقعد السادات فى آخر صف فى القاعة ، ومقعد نميرى فى الصف الاول (حسب الحروف الابجدية للبلدان) - وهكذا انفتح باب الاسانسير وخرج السادات فمضيت امامه وانا امد يدي اليمنى امامى ، الى أن وصلنا مقعدهـ ورأيت الرئيس نميرى ملتفتا للوراء يراقب (كيف سنقعدهـ) فتوكلت على الله ، وأمسكت الكرسى للسادات حتى جلس ! ونظرت للرئيس فإذا به يهز رأسه إستحسانا ! كانت هي المرة الاولى التى أمسك فيها الكرسى لأحد ليجلس .. وحتما كانت وستكون الاخيرة ! غير إن كل ذلك لم يشفع لى عند الرئيس نميرى كما سنرى بعد قليل!.
-2-
قبيل بد الجلسة الإفتتاحية بقاعة المؤتمرات الكبرى بالطابق الارضى - كنا نقف صفا مولين ظهورنا لمكتب يدخل إليه الرؤساء أولا قبل دخولهم القاعة ، كنا فى الجانب الشرقى للقاعة وعلى يسارنا باب الدخول للقاعة ، ونفس هذهـ الترتيبات توجد فى الجانب الغربى للقاعة ، وكنت انا مسئولا عن الجانب الشرقى .
* كنا نقف صفا كما اسلفت امام ذلك المكتب ، وكنا ستة ثلاثة واقفون فى اقصى اليسار (أظنهم من جهازالامن) ثم يليهم اللواء السر احمد ثم الدكتور بهاء الدين محمد ادريس وزير شئون الرئاسة ثم شخصى .. سألنى بهاء الدين (كيف ستدخلون الرؤساء للقاعة؟!) قلت (بالبابين) فقال (الباب الغربى ليس امامه بساط ، بينما يوجد بساط امام هذا الباب ، احسن يدخلوا بهذا الباب !).
* وهنا وصل الرئيس نميرى وبدأ من اليسار يسلم على الواقفين معي وحين وصل عندى تجاوزنى ومضى بدون سلام ، وكنت أتوقع ذلك ، لذلك ظلت يدي على يمينى ثابتة فى مكانها !
* مضت دقيقتان .. فإذا بصوت من خلفنا يندهـ (سيداحمد) لم ألتفت تكرر النداء ثانية ، وهنا قال بهاء الدين (ياسيداحمد الرئيس بيناديك!) إلتفت فرأيت الرئيس ينظر نحوى من خلف نظارته الراقدة فوق انفه ، فدلفت إليه (وكان يجلس بجانب باب المكتب) فسألنى (كيف حتدخلوا الرؤساء !) قلت كان رأيي أن يدخلوا بالبابين .. لكن دكتور بهاء الدين (قال يدخلوا بالباب الشرقى فقط) فقال (ليه) قلت (قال الباب الغربى ما فيه بساط!) وإذا به يقول ولدهشتى : (كلامك إنت يمشى .. يدخلوا بالبابين!) .
* عدت لمكانى وانا اقول لنفسى (هاهو الرئيس يصالحنى .. ويفتتننى مع اخطر رجل فى السودان!).
* وقفت صامتا .. فسألنى د.بهاء الدين (الرئيس قال ليك شنو!) فرويت له ما حدث ، فقال (طبعا كلامك ماشى .. يدخل الرؤساء بالبابين!) عجبت له وعليه ومنه ، لكننى لذت بصمت عميق ، وبعد دقيقتين سمعته يقول بصوت مسموع (المصرى قال ’’زي ما آل الحردألو .. ملعون ابوكى بلد!) (لاحظ الحردألو وليس الحردلو) وصار يكرر هذا لمرتين وثلاث ! هنا قلت له (يادكتور بهاء .. انا مش قدرك .. إنت اقوى رجل بعد الرئيس ! وانا رجل على قدر حالى .. فأتركنى وحالى!!).
-3-
* بدأ الرؤساء يتوافدون على قاعة المؤتمرات الكبرى من البابين .. وألتأمت الجلسة الإفتتاحية .. قبل ذلك بيومين حدث إنقلاب عسكرى فى موريتانيا ، إنسحب على إثرهـ الوفد الموريتانى من إجتماعات وزراء الخارجية ، وبينما كنت واقفا مكانى فى الجناح الشرقى رأيت مجموعة تتكون من حوالى خمسة أشخاص يتقدمون نحوى، وبعد التحية بدأ احدهم يقدم لى الوفد الموريتانى الجديد وعلى رأسهم وزير الخارجية الذى طلب منى (إنهم يريدون مقابلة الرئيس نميرى عاجلاً) طلبت منهم الجلوس ريثما أخبر الرئيس ، ودخلت للقاعة واخبرت الرئيس الذى قال (إنه سيأتى بعد قليل) وحين عدت وجدتهم ما يزالون واقفين ، وبينما كنت احاول اقناعهم بالجلوس فى الكراسى التى فى الصالة ، خرج الرئيس الجزائرى هوارى بومدين من القاعة وحياهم ووقف يقول لهم (إذا كنتم تريدون علاقات إخاء وصداقة .. أهلا وسهلا .. وإذا كنتم تريدون علاقات حسن جوار .. أهلا وسهلا..!).
* كان واضحا إنهم فوجئوا به كما فوجئت انا كذلك ، ولست أدرى حتى هذهـ اللحظة كيف عرف أن الوفد الموريتانى الجديد ينتظر خارج القاعة !(وبين هلالين .. كان الرئيس بومدين يصر على المشى من القاعة الى الهيلتون ، صحيح إن الطقس الجميل أيامها والحدائق والنيلين كلها كانت تغرى بالمشى .. لكن رجال الامن السودانى والجزائرى لم يكونوا سعداء بذلك!).
* المهم .. إن الرئيس بومدين حين لاحظ إننى أسمع ما يقوله للوفد الموريتانى طلب منهم الذهاب معه للجلوس حول طاولة كنت قد دعوتهم من قبل للجلوس حولها ، فذهب ، وذهبوا ، وبحسن نية أملتها الضيافة السودانية ، ذهبت للرئيس بومدين وسألته (ماذا تشربون!) وإذا به يقول (اي حاجة أي حاجة!) فأمرت لهم بشاي ، ووقفت بعيدا حتى لايظن الرجل بي الظنون ، لكنه رغم ذلك اخذهم الى المكتب الملاصق للصالة والذى كنت قد أعددته للرئيس نميرى وللوفد الموريتانى ، وبينما كنت أهم بإخطار الرئيس بذلك ، فإذا به يخرج كالصاروخ متوجها لذلك المكتب ، فأسرعت وراءهـ وانا اناديه (يا ريس .. يا ريس!) لكنه لم يلتفت ودفع الباب ودخل ، وجاء وراءهـ وزير الخارجية مولانا الرشيد الطاهر وهو يسعى بنفس السرعة الصاروخية ، وندهت عليه (مولانا .. مولانا) فمضى وهو يقول (خليها بعدين .. خليها بعدين !) وخليتها بعدين .. وليكن ما يكون !!
خرج الرئيس ومعه الوزير بعد دقائق والرئيس يقول غاضبا (تحرجونا وما تكلمونا) فقلت له بنفس الحدة (ياريس انا انادي فيك ياريس ياريس .. فلم تلتفت !!!!

عكــود
27-01-2018, 11:45 AM
متابعة ...

elmhasi
27-01-2018, 01:03 PM
جريدة الوطن - السبت 19 ربيع الاول 1428هـ الموافق 7 ابريل 2007م
أين هم في الزحام الآن ..!!؟؟ (31)
بقلم : سيداحمد الحردلو
كيف إنتقل السودان من شمال افريقيا الي شرقها .. !؟
منقستو شايقي من الدهسيرة .. !
-1-
كان العمل في ادارة الاعلام مفيدا لأنه يتيح للمرء الإلمام بكل ما يكتب في الصحافة الإقليمية والعالمية عن السودان . وكانت هذه المواد تصلنا في برقيات يومية ، وتقارير إعلامية اسبوعية من سفاراتنا في افريقيا وآسيا واوربا الاورال والاطلسي وامريكا . وكنا نقوم من جانبنا بعمل تقارير بأهمها ترفع الي قيادة الوزارة ثم تعود للمكتب الوزاري التنفيذي والذي كان يضمن اهمها في (التقرير اليومي) الذي ابتدعه الدكتور منصور خالد . وكان هذا التقرير يرسل للرئيس نميري في بيته بحي المطار حوالي العاشرة مساء كل يوم .
وكنا كذلك نزود سفاراتنا ببرقيات بأهم ما ينشر في الصحافة السودانية صباح كل يوم . كما كانت هذه الادارة تمارس شيئا من الرقابة علي ما ينشر ويذاع ويبث من اجهزتنا الاعلامية (ضد) أو (عن) دول الجوار والدول الشقيقة والصديقة وتقوم بإبداء النصح لمن ينتصح ، حتي لا تتسبب بعض هذه المواد في الإساءة للعلاقات بين السودان وبعض تلك الدول .
كما كانت هذه الإدارة تقوم بإرسال المواد التعريفية بالسودان بالتنسيق مع وزارة الثقافة والاعلام وبعض الوزارات الاخري الي سفاراتنا بالخارج للإفادة منها في مناشطهم الاعلامية .
ذلك غيض من فيض مما كانت تقوم به إدارة الاعلام علي أيامنا تلك .
-2-
وجاء عام 1979م حيث دعت منظمة الوحدة الافريقية الي عقد اجتماع لوزراء الاعلام الافارقة بمقرها في اديس ابابا للنظر في انشاء وكالة الانباء الافريقية (تانا) وتحديد مكان رئاستها وامكنة فروعها . وكان الوفد السوداني برئاسة الدكتور اسماعيل الحاج موسي وزير الثقافة والاعلام وعضوية كل من الفاتح التجانى وكيل وزارة الثقافة والاعلام وشخصي ، وانضم الينا هناك الصديق الدكتور ابراهيم دقش مسئول الاعلام بالمنظمة .
كان السودان موضوعا في قائمة شمال افريقيا ، وكنا نريد فرعا لهذه الوكالة في الخرطوم . وكانت الاجواء العربية متوترة عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد واثيوبيا كانت تسعي ان تكون عاصمتها مقرا لرئاسة الوكالة ، وكانت السنغال تسعي ان تكون عاصمتها - كذلك - مستقرا لرئاسة الوكالة - قلت لنفسي لماذا لانطلب ان ينتقل السودان الي قائمة دول القرن الافريقي ، وبعدها نساوم اثيوبيا في ان نؤيد مسعاها ، لتؤيد مسعانا ، فالسودان - بالضرورة والواقع - اقرب للقرن الافريقي - وعلاقاتنا طيبة بكل دول القرن باستثناء اثيوبيا وقتئذ ، فطلب الوزير من دقش نقل رغبة السودان في الانتقال الي شرق افريقيا لسكرتارية المنظمة ، وقد كان ، وطلب مني ان انقل كل ذلك لمدير الادارة الافريقية ، ففعلت ، فقال الاخير (هذه ترتيبات رائعة) .
شهد الرئيس منقستو الجلسة الافتتاحية ، وكان لايكاد يرفع عينه عن الوفد السوداني ، فرغم الخصومة السياسية (فالدم يحن للدم !) أو ليس هو إبن رجل سوداني وشايقي من الدهسيرة . حدثني صهري الحاج عبدالله حسين والذي كان يعرفه جيدا ، انهم حين اخبروهـ بان ابنه صار رئيس الحبشة قال لهم (ولد ياتها فيهن!) فقد كانت له ثلاث أو اربع زوجات ، وقيل لي (ان منقستو ارسل مندوبا ليبحث له عن مكان والدهـ في السودان ) إلا ان هذا المندوب لم يجد المساعدة المطلوبة ! فأحد عيوبنا (أننا لا نلعب بوليتيكا صاح !) .
القي الرئيس منقستو كلمته وخرج ، فذهبنا في استراحة الي كفتيريا بجانب القاعة ، فإذا ببعض اعضاء الوفد الاثيوبي وعلي رأسهم مدير الادارة الافريقية يأتون ويجلسون معنا ويتحدثون عن العلاقات الحميمة بين الشعبين السوداني والاثيوبي ، وصار هذا ديدنهم في كل استراحة .
ثم بدأ وزراء الاعلام يلقون خطاباتهم طوال يومين .
-3-
وجاء اليوم الثالث فطلب رئيس المؤتمر من المجموعات الافريقية الخمس (شمال وشرق ووسط وغرب وجنوب افريقيا) ان تجتمع كل مجموعة وقوفا في احد اركان القاعة للتشاور والاتفاق حول مقر فرع المجموعة .
لم يستغرق اجتماع مجموعة شرق افريقيا اكثر من خمس دقائق اتفقنا فيها علي ان تكون رئاسة الوكالة لأثيوبيا ، وفرع شرق افريقيا للسودان (كنا قد تشاورنا مع وفود تلك الدول خلال اليومين الماضيين ، وعبروا عن موافقتهم للمقترح السوداني) فعدنا لمقاعدنا نتفرج علي بقية الوفود وهي تتحاور في هدوء ، ثم بدأت وفود وسط وغرب وجنوب افريقيا تعود لمقاعدها ، اما وفود شمال افريقيا قد ارتفعت اصواتهم بالسباب والاتهامات من شاكلة الخيانة والعمالة .. والتفتت جميع الوفود تراقب هذه المعركة الحامية بين العرب الاشقاء ! بينما كان وفد او وفدان منهم يحاولان التهدئة وفك الاشتباكات . وعادت وفود شمال افريقيا الي مقاعدها دون الاتفاق علي مقر فرع شمال افريقيا ، بل وغادروا اديس بعد انتهاء المؤتمر بدون اتفاق ، ولست ادري ان كان هذا الفرع قد قام فيما بعد !
(لكن ومن عجائب الصدف ان الذي اصبح مديرا لفرع تانا بالخرطوم هو صديقي وابن قريتى - تنقاسي السوق 0 الاعلامي الكبير محمد خير عثمان (عليه رضوان الله) ولست ادري اين ذلك الفرع في الزحام الآن !) .
وكان لاثيوبيا ما ارادت اذ صوتت اغلبية الوفود لها فصارت مقرا لرئاسة وكالة تانا .
-4-
كان سفير السودان وقتها في اثيوبيا هو الصديق ميرغني سليمان وكان من اركان سفارته الدبلوماسية ميرغني جاويش (سفير السودان في العراق الآن) وعباس الخليفة (أين هو في الزحام الآن ؟) وآخرون غابت عني اسماؤهم ، وكان هناك كذلك الملحق العسكري العقيد فارس حسني (عضو المجلس العسكري الانتقالي) بعد انتفاضة ابريل (كان انسانا رائعا وفاضلا وكريما) التقيته آخر مرة في القصر الجمهوري في اجتماع مع المجلس العسكري بقيادة المشير سوار الدهب ، فقال لي ضاحكا (من ديك وعيك) ولقد اخبرني اليوم السفير ميرغني سليمان بنأ رحليه قبل شهرين (عليه رضوان الله) وكان هناك ايضا هاشم السيد ذلك المترجم الفذ الذي كان يترجم حتي ضحكات المتحدثين ثم السفير في ليبيا فيما بعد .
كانوا مجموعة رائعة قضينا معهم اياما جميلة يصحبنا دائما في لياليها صديقي الفنان الاثيوبي الاصل والسوداني الهوي منليك ، والذي كان يغني ضمن ما يغني (يا بلدي يا حبوب) و (عزة في هواك) .
كان هناك حظر تجوال يبدأ من الثانية عشرة ليلا ، وكانت سيارات الامن الاثيوبية تتابعنا من بعيد وكأنما تود ان تطمئن علي سلامتنا حتي نصل الي اماكن سكننا .. لآننا كنا نعود اليها دائما حوالي الثانية صباحا !
مرة اقترح الدكتور ابراهيم دقش علي ان نسهر في فندق تغني فيه الفنانة الاثيوبية الكبيرة استر وصوتها لايقل جماله عن صوت فيروز ، والفنان المايو المعروف هنا في السودان ، وحين قلت لدقش (لكن ليست لدينا سيارة دبلوماسية ، وركوب التاكسي فيه مخاطر ومحاذير مع حظر التجوال هذا !)
اكد لي انه قام بحجز غرفتين لنا في ذات الفندق كما يفعل رواد هذه الحفلات ، فذهبنا ودخلنا صالة الغناء ، وما ان رآنا المايو (وانا اعرفه ويعرفني منذ عام 1972م أبان مفاوضات اتفاقية اديس ابابا) وما ان رآنا حتي تحول من غنائه الاثيوبي وبدأ يغني اغنية وردي الشهيرة (19 سنة) فإذا بالفتيات الاثيوبيات بالصالة (وعددهن لايقل عن المائة) يتحولن الي رقصة (الرقبة السودانية) باسلوب محبب وجميل .
وبينما كنا نشاهد هذا المنظر البديع جاءت الينا الفنانة استر وسلمت علينا ، وبدأنا ندردش معها حول هذا التقارب الرائع بين الغنائين السوداني والاثيوبي ، فسألتها (ان الفنانين الاثيوبين خاصة منليك والمايو وتلهون يأتون للخرطوم ، فلماذا لا تأتين وتغنين مثلهم في المسرح القومي بام درمان؟) وهنا كان المايو قد انتهي من غنائه وجاء الينا . وسلم علينا وهو يقول (يا حردلو .. انت بتحب عائشة الفلاتية!!) وهو يشير الي استر ، وصعدت استر الي المسرح وغنت بصوت ملائكي وتذكرت قول الشاعر :
(فلم افهم معانيها ولكني شُجيت بها فلم انكر شجاها)
انتهي الحفل حوالي الثانية صباحا ، فذهب بي دقش الي استقبال الفندق لنسأل عن مفاتيح وارقام غرفتينا ، فقال ضابط الاستقبال (لقد تلقينا مكالمة تلفونية الغت حجزكما!) ولاتوجد غرف شاغرة !!
اسقط في ايدينا ونظرت الي دقش في حيرة ، فضحك وقال (لابد مما ليس منه بد - التاكسي هو الحل!)
وتوكلنا علي الله وركبنا تاكسيا احضرهـ لنا ضابط الاستقبال .. وذهب بنا الي اماكن سكننا ، ولم يعترضنا امن ولا يحزنون ! فقلت لنفسي : (لابد انه من تكاسي الامن!!) .
-5-
كان السفير واركان سفارته في استقبالنا في المطار عند وصولنا اديس ، فاقترح السفير ان لا نسكن في الفنادق ، بل نتوزع علي بيوت الدبلوماسيين الذين ليست لديهم اسر ، اصر الصديق عباس الخليفة علي استضافتي نبلا منه وكرما ، وكانت معظم جلساتنا المسائية تلتئم في دارته العامرة .
ذات صباح وكنت اجلس وحدي اشرب القهوة الحبشية واتصفح صحيفة اثيوبية تصدر باللغة الانجليزية ، فرأيت الشغالة خارجة ، فسألتها (الي أين) فقالت (الى الماركاتو) اي السوق ، فأعطيتها عشرين دولارا اثيوبيا فقط ، وانا اقول (هاتي معك بعض الاغراض) وعادت بعد اقل من ساعة وهي تحمل اكداسا من الاكياس وخلفها رجل يحمل علي كتفه (خروفا مذبوحا ومسلوخا) دخلت الي المطبخ ثم عادت ومدت يدها وهي تقول (هذا هو الباقي) فسألتها (هل كل هذه الاكياس وهذا الخروف بأقل من عشرين دولارا!) فقالت (أشي) أي (نعم) قلت (سبحان الله - احتفظي بالباقي) .
-6-
زارني الدكتور اسماعيل الحاج موسي في بيتي قبل فترة ، وجلسنا نستعيد بعض الذكريات وتطرقنا الي ذلك المؤتمر ، فقال (لقد كان مؤتمرا ناجحا بل انني اعتقد انه كان اهم مؤتمر شاركت فيه).
وكان صادقا ، ألم ننقل السودان من شمال افريقيا الي شرقها ونعود اليه بفرع وكالة الانباء الافريقية (تانا) ! والذي لست ادري (اين هو في الزحام الآن !!)
ربما يعرف دكتور اسماعيل ، وربما يعرف دكتور دقش .
اما انا فلا اعرف .. بل ولا اعرف ان كانت الوكالة الام ما تزال علي قيد الحياة !!
الخرطوم في 4 ابريل - 2007م

elmhasi
27-01-2018, 01:27 PM
جريدة الوطن - الاحد 27 ربيع الاول 1428هـ الموافق 15 ابريل 2007م
أين هم فى الزحام الآن ..؟! (32) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
ســفارة زرايب الماشــية والأســواق الحــرة!!

-1-
رفعت تقريراً بما جرى في أديس أبابا لقيادة الوزارة بعد عودتنا للخرطوم ، وذات صباح طلب مني الوكيل موافاته في مكتبه ، فأشاد بما فعله وفدنا هناك ، ثم أضاف (لدينا كشف تنقلات سيصدر بعد أيام ، وناقشت موضوع نقلك لإحدى سفاراتنا مع الوزير فوافق على ذلك ، ونسبة لأنك ظُلمت كثيراً فقد رأيت نقلك إلى سفارتنا في موسكو).
كانت إشاعة أن الرئيس قد وجه بعدم نقلي لأي سفارة ما تزال تلوكها بعض الألسن في الوزارة وفي المدينة ، المهم أنني استمعت للوكيل وأنصرفت ، وظل هو يقسم لي كلما التقينا (مرة بالطلاق ومرة باسم ابنته الصغيرة) (بأنني منقول إلى موسكو) وبدأ كشف التنقلات يتسرب ، وعرف كل المنقولين السفارات التي هم قاصدوها بما فيهم شخصي .
ذات صباح جاءني الصديق والوزير المفوض وقتها الفاتح عبد الله يوسف مقطب الجبين وهو يقول لي (للأسف ، حدث تعديل في الكشف بالنسبة لك ، فقد جاء السفير محمد ميرغني سفيرنا في القاهرة ، وعدّل نقلك من موسكو إلى بلغراد ، ومحجوب رضوان من القاهرة إلى موسكو!) ما كنت أصدق ذلك لولا أن المتحدث هو الفاتح ! جمعت أوراقي الخاصة ونهضت . فسألني الفاتح (ماشي وين!) فقلت : (إلى البيت!) وذهبت وأنا أردد (الذي عندهـ يُعطى والذي ليس عندهـ يؤخذ منه)!.
اتصل بي الفاتح بعد ساعة أو ساعتين في البيت وقال لي :(أنا كلمت الوكيل ، والوكيل حلف طلاق إنك لازم ترجع للوزارة)!.
جئت في اليوم التالي إلى الوزارة وذهبت إلى مكتبي ، وجسلت أكتب ـ كتاب استقالتي - فرن جرس الهاتف بجانبي ، فرفعت السماعة فاذا هو الوكيل يطلب حضوري إليه . حين دخلت مكتبه استقبلني بضحكة مجلجلة وهو يقول (إنت ماشي بلغراد قائم بالأعمال وما حنعين سفير جديد ، وأنت بعد شهور ستترقى إلى درجة سفير - والبيت الذي ستسكن فيه عبارة عن قصر .. وأنا سكنت فيه اسبوعاً وهو في أرقى حي في بلغراد .. الخ)...
قلت له : (إنني كنت أكتب في استقالتي حين هاتفتني)!.
فقال : (على الطلاق استقالتك مرفوضة قوم أمشي مكتبك واستعد للسفر)!.
جئته للوداع قبيل سفري فقال لي : (أسمع .. البيت اللي حتسكن فيه مسكون!) وأردف ذلك بضحكة مجلجلة ، ثم قال : (لم أنم ليلة واحدة .. كانت تنطلق في غرفة النوم الرئيسية أصوات مثل (دكَكْ.. كَكَكْ!!) طوال الليل !.
سألته : (ولماذا لم تقل لي ذلك من قبل .. على كل حال .. مسكون والا ما مسكون .. أنا مغادر غداً إلى لندن ومن هناك بالقطار إلى بلغراد!) كان ذلك في يوليو 1979م .. ومن عجب أن الطائرة البريطانية عبرت فوق يوغسلافيا ، فقلت للمضيفة (ألا تهبطون في بلغراد لأنها مقصدي)!.
فضحكت وهي تقول : (سننزلك بالباراشوت) ـ أي المظلة ـ قضيت أياماً ثلاثة في ضيافة الصديق الدبلوماسي عبد المنعم مبروك (السفير الآن .. فأين هو في الزحام الآن)!.
-2-
أخذت قطار الشرق من لندن ، فعبر بنا بحر المانش محمولاً على ظهر باخرة ضخمة إلى فرنسا ومن هناك عبر باريس وجنيف وميلانو والبندقية إلى يوغسلافيا حيث غادرته في بلغراد ، فاستقبلني الاخوة العاملون بالسفارة وملحقياتها في محطة القطارات . أخذوني إلى ذلك القصر المحاط بحديقة في حجم استاد للكرة ، والمكون من طابقين ، صالون ضخم وفخم بالطابق الأرضي وبجوارهـ غرفة وحمام ثم المطبخ ، أما الطابق العلوي فمكون من ثلاث غرف وصالة وحمامين . كان الوقت في بدايات المساء ، فجلس معي القائم بالأعمال والملحق العسكري العميد أبو بكر ، والثقافي الأستاذ صلاح المشهور بصلاح صنه والسكرتير الثالث ، والملحق المالي محمد سر الختم كمبال وضابط اللاسلكي ، جلسوا يدردشون معي حتى العاشرة ، ثم ذهبوا ووجدتني وحدي في هذا المكان الضخم والفخم والموحش معاً . (إنه كان هدية الرئيس تيتو للسودان ممثلاً في صديقه الجنرال السفير عثمان حسين والذي كان (بالطبع) يجيد الرمي بالبندقية في رحلة الصيد السنوية التي كان تيتو يحرص عليها ويدعو لها رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدين لدى بلغراد ، ومن هنا نشأت الصداقة بينهما . وقيل - فيما بعد - وحين قرر الرئيس نميري اغلاق بعض السفارات ومن بينها سفارة بلغراد ، أن السفير الامريكي هرول للقصر الرئاسي طلباً لهذا البيت الذي ضاع على السودان)!.
جذبت الغطاء فوقي وتركت ضوءاً خافتاً في الغرفة محاولاً النوم ، فإذا بتلك الأصوات (تُتكْتِكُ) حولي (كَكْ كَكَكْ!) .. جلست على السرير أراقب الموقف - لاحظت أن هناك دواليب صغيرة مصفوفة على حيطان الغرفة في شكل نصف دائرة ، فنهضت افتح هذه الدواليب واحداً بعد الآخر، حتى بلغت دولاباً فاذا به ثلاجة صغيرة وقديمة ، وقفت أمامها .. فاذا بها مصدر تلك الأصوات ، فسحبت السلك الذي بين الثلاجة والكهرباء فتوقفت تلك الأصوات التي ظنها الوكيل أصوات شياطين ، وعدت إلى سريري وأنا أكاد أقهقه من الضحك على الوكيل (آل مسكون آل)!.
-3-
ذهبت في صباح اليوم التالي في صحبة السائق اليوغسلافي شريف ، إلى السفارة التي كانت عبارة عن شقة كبيرة في إحدى العمارات - وكانت الملحقية العسكرية تحتل جزءاً منها . بينما كانت الملحقية الثقافية في مكان آخر . لفت نظري وأنا أدخل صالة السفارة منظر عجيب ، عبارة عن صور مكبرة ومعلقة لجمال وأبقار وخراف وغنم ! فهذا هو السودان !!.
كنت دائماً حين أُنقل لسفارة - وقبل سفري - أزور وزارة الثقافة والإعلام لأرى آخر ما أبدعته كمراتها من صور للخرطوم ، ومقرن النيلين ومشاريع التنمية والمناطق السياحية بأهراماتها وآثارها ، إلى جانب كتب مكتوبة باللغتين العربية والانجليزية عن السودان لتكون نواة لمكتبة بالسفارة يرجع إليها الباحثون ، خاصة أهل البلد المضيف . وهكذا - في صباح اليوم التالي - وجهت بانزال صور (زرايب) الماشية ورفع الصور التي حملتها معي ، كما طلبت من السكرتيرة (وكانوا يطلقون عليها اسم (الدحيش) ولم أسألهم لماذا)!.. أن تقوم برص الكتب في دولاب في مكتبي .
طلبت من سعادة القائم بالأعمال والذي كان يستعد للمغادرة .. أن يسلمني السفارة . كنت أتصور أنه قد أعد التقرير الختامي لانجازات السفارة إبان فترة عمله لكي أفيد منه ثم أتابع ما انقطع ، وكنت أتصور أنه كون لجنة لاعداد جرد بمقتنيات السفارة وبيت السفير والدبلوماسيين ، لتنتقل من عهدته ومسؤوليته إلى عهدتي ومسؤوليتي ، لكن ولدهشتي ، ناولني مفتاحاً وهو يقول : (ده مفتاح الحمام الخاص بك)!، فقلت :(أهذا كل شئ!) ، قال : (نعم .. هذا ما تسلمته من سلفي!) فقلت لا (بأس)!!.
-4-
زارني في البيت الأستاذ أحمد محمد نور زميل الدراسة منذ القولد الوسطى إلى وادي سيدنا الثانوية ، وكانت بيني وبينه معارك أدبية مستمرة ولكنها لا تتعدى كراسة الإنشاء . كان استاذنا سيد محمود يطلب مني أن أقرأ ما كتبت هذا الاسبوع ، وحين أفعل ، كان يطلب من أحمد نور أن يقرأ ما كتب ، فاذا به يرد على مقالي السابق - استمر هذا طوال سنوات الوادي .. كان مستقلاً وكنت ديمقراطياً .. وكان قد أصبح ماركسياً في يوغسلافيا .. التحق بكلية الهندسة في جامعة بلغراد - درس خمس سنوات بتفوق ، لكنه لم يمتحن الإمتحان النهائي ، والتحق بالعمل بالسفارة السعودية وله عشرون عاماً هناك .. ولم يزر السودان خلالها ، نسيت أن أقول إنه من ’’إرتدي‘‘ المتاخمة لمدينة دنقلا بالشمال الأقصى .
سألته : (لماذا لا تزورون السفارة)؟ فقال : (نحن لا نزور سفارة الغنم والجمال والخراف!!) قلت له : (تعال غداً وسترى أن كل ذلك قد تغير وسترى ما يسر الناظرين!) .. فقال : (حسناً .. ولكن نحن لدينا موقف من النظام!) .. قلت له : (السفارة هي سفارة الشعب السوداني ، وأنا لا أطلب منكم تأييد النظام ، بل كل هدفي أن نقوم معاً بعمل إعلامي وتعريفي بالسودان ، وطن الجميع) .
قال : (إنني أدعوك لزيارتنا بالداخلية وسأجمع لك عدداً من الطلاب لنتحاور حول كل ذلك !) .. قلت : (حسناً) وحددنا موعداً ، وذهبت بسيارة الملحق المالي كمبال وليس بالسيارة السوداء المخصصة لرئيس البعثة .. وتحاورنا كثيراً وطويلاً ، وكان واضحاً أنهم يمثلون قيادة الإتحاد العام للطلاب السودانيين في عموم جمهوريات يوغسلافيا . وإتفقنا على أن نقوم معاً بعمل إعلامي وتعريفي بالسودان في جميع المجالات . وكبداية ردوا زيارتي لهم بزيارة السفارة ومكان إقامتي ، وقال جميعهم إنها المرة الأولى التي يزورون فيها السفارة وبيت السفير .
-5-
شعرت - منذ الأيام الأولى - أن هنالك شيئاً غير عادي جرى وربما يجري في هذه السفارة حتى بعد وصولي !..
أولاً : هنالك دبلوماسي تشعر من كلامه وتصرفاته أنه فهلوي ومريب ومرتاب !..
ثانياً : هنالك يوغسلافي يتجول في السفارة ، ثم يختفي معظم ساعات العمل . فسألت السكرتيرة (ما هي وظيفة هذا الرجل!).. فقالت : (إنها لا تعرف!).. سألت الملحق المالي كمبال (ما هي وظيفة هذا الرجل!) فقال : (إنه لا يعرف .. فهو يعمل مع ذلك الدبلوماسي!) هذا الدبلوماسي لم أكن قد التقيته من قبل .. شعرت على الفور أن هنالك شيئاً ما بين هذا الدبلوماسي وذلك اليوغسلافي .. طلبت من السكرتيرة أن تنادي الأخير إلى مكتبي .. فردت على الفور (أنه قد خرج!) قلت : (إلى أين!) قالت : (إنه يخرج هكذا دائماً ، ولا أحد يعرف أين يذهب ولا ماذا يفعل)!.
شعرت أن لا أحد يعرف ماذا يفعل هذا اليوغسلافي في هذه السفارة سوى ذلك الدبلوماسي !.
فندهت عليه وسألته : (ما هو هذا اليوغسلافي وما هي وظيفته ، فتلجلج وهو يقول (إنه يقوم بأعباء كثيرة فهو ضابط استقبال ، وضابط علاقات عامة ويقوم بمشتريات السفارة واحتياجاتها)!!.
قلت له : (أفهم أن يكون ضابط إستقبال .. ولكنني لا أفهم أن يكون ضابط علاقات عامة أو مشرفاً على مشتروات السفارة ، أعطه أمراً بأن لا يغادر السفارة أثناء ساعات الدوام إلاّ بعلمي وأن يظل في مكان ضابط الاستقبال حتى إشعار آخر)!.
-6-
وصلت الحقيبة الدبلوماسية في اليوم التالي من الخرطوم وبها خطاب معنون لي ومكتوب عليه (سري للغاية وشخصي).. ففضضت الرسالة ، فاذا بها توجيه بتكوين لجنة تحقيق مع هذا الدبلوماسي ، برئاسة الملحق العسكري وعضوية السكرتير الأول حامد التني والذي كان قد إنضم للسفارة قبل اسبوعين وكلفته بالاشراف على الشؤون الإدارية والمالية ، وثالثهم في اللجنة كان الملحق المالي . ومع الرسالة تقرير خطير أرسل به الملحق العسكري لرئاسته التي أحالته لوزارة الخارجية يشتمل على مخالفات خطيرة كان يمارسها في شراء الخمور والسجاير والالكترونيات ، بالسعر الدبلوماسي ويقوم اليوغسلافي (الغامض) ببيعها في السوق لصالح ذلك الدبلوماسي !.
وقمت على الفور بتكوين اللجنة وسلمتها التقرير الذي وصلني من الخرطوم ، وأخبرت ذلك الدبلوماسي بأنني كونت لجنة للتحقيق معه !.
وطلبت موعداً عاجلاً مع مدير الإدارة الأفريقية التي يتبع لها السودان ، وكنت قد زرته للتعارف بمجرد وصولي ، فهاتفني الرجل وقال : (يمكنك الحضورالآن) وذهبت .. قلت له : (أريد أن أعرف كل الطلبات التي تقدمت بها السفارة لشراء أغراض بالسعر الدبلوماسي خلال عام!).. نهض الرجل إلى دولاب وعاد بملف ضخم ووضعه أمامي ، كانت فيه مئات الطلبات لشراء خمور وسجاير وتلفزيونات وثلاجات .. وباختصار كل أنواع البضائع الموجودة في السوق الحر في بلغراد !.
إعتذرت له على كل هذا الذي حدث واستأذنته أن أخذ هذا الملف معي ، ففعل ، وشكرته على ذلك وعدت للسفارة ، وأعددت تقريراً موثقاً بكل ذلك . وحين إنتهت اللجنة من التحقيق ، أرسلت التقريرين - تقرير اللجنة وتقرير الوثائق إلى الرئاسة ، وطلبت من السكرتير الأول فصل اليوغسلافي وتعيين سكرتيرة لتساعد في العمل الكتابي وتشرف على مهمة الاستقبال ، ولم يمض اسبوعان حتى جاء توجيه بنقل ذلك الدبلوماسي إلى رئاسة الوزارة .
-7-
كان هناك اجتماع مشترك للبنك وصندوق النقد الدوليين ، في بلغراد ، فوصل وفد السودان برئاسة الاستاذ بدرالدين سليمان وزير المالية ، وعضوية وزير التخطيط وكوكبة من وكلاء الوزارتين ضم الأساتذة الدكتور عبد الرحمن عبد الوهاب ، وعبد الوهاب عثمان شيخ موسي ووصفي وسيد كرار وشخصي ، وكان وفد السودان مشرفاً للغاية بقيادة الأستاذ بدر الدين سليمان ، وقضينا معاً أيام عمل جادة بالنهار، وليالي سمر ممتعة في دارتي .
وأعلنت بعض الترقيات في دفعتنا تجاوزتني وتجاوزت صديقي محمد المكي إبراهيم ، فأما أنا فقد هجوت وزارة الخارجية وأنا في مقامي هناك ، فها هو الوكيل يلحس كلامه مرة ثانية ، وإنتشرت القصيدة بين الزملاء في الرئاسة ، وفي السفارات .
وجاء شهر نوفمبر موعد رؤساء البعثات للصيد مع الرئيس تيتو في غابة خارج بلغراد ، وذهبنا نحن الدبلوماسيين العرب في اتوبيس قاصدين محطة القطار ، وبينما كنا ندخل للاتوبيس (تشنكل) بالطو القائم بالاعمال العراقي وكان اسمه صالح بباب المدخل ، فقال له السفير المصري جمال منصور ضاحكاً (حتى البالطو العراقي مشاغب!!) وتعال وشوف.. اذ إنتفض العراقي غضباً وصراخاً .. فأخذته إلى آخر الاتوبيس ، وأنا أقول له (يا أخي .. الراجل (بيهزر) معاك ، وهو من الضباط الأحرار زملاء عبد الناصر و.. و...) فقال لي : (نحن ما بنعرف (الهزار) والتمثيل .. نحن فشلنا في عمل سينما أو مسرح في العراق .. لأننا لا نعرف التمثيل !! المهم هدأت من روعه ، وكنا قد وصلنا إلى محطة القطارات ، حيث ينتظرنا (القطار الأزرق) قطار الرئيس تيتو، والذي انطلق بنا نحو تلك الغابة .
لاحظنا أثر المرض الذي بدأ يبدو على تيتو وكان يصوب بندقيته نحو الحيوان الذي يريد .. فترتعش يدهـ والبندقية كذلك .. لكن وبرغم ذلك يصيب الهدف وتسقط الفريسة ، وعلمنا أن صيادين مهرة كانوا يقفون على مبعدة منه يتابعون حركة يدهـ وإتجاهـ البندقية ومكان الهدف ، فيرمون حين يرمي ، فتسقط الفريسة ، وكانت تبدو عليه السعادة لأنه رمى فأصاب.
عدنا بالقطــــار الأزرق إلى محطة بلغراد ووجدنا سياراتنا تنتظرنا في المحطـــة بأكياس مليئة بصيد وفير ، فقلنا (ما رمينا ولكن الله رمى).

الخرطوم - 13 أبريل - 2007م

elmhasi
27-01-2018, 01:49 PM
جريدة الوطن - السبت 3 ربيع الثانى 1428هـ - الموافق 21 ابريل 2007م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (33) من (...)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
زارنى المستشار الثقافى الاستاذ صلاح الحاج على ذات صباح ووضع امامى تقريرا خطيرا عن سلوكيات طالب سودانى فى إحدى جمهوريات يوغسلافيا .. اقل ما توصف به تلك السلوكيات إنها غير لائقة ، وهي مسيئة لسمعة معشر الطلاب السودانيين فى يوغسلافيا ، وأن اتحاد الطلاب السودانيين فى تلك الجمهورية ارسل وفدا لينقل له ذلك مطالبين بإبعاد ذلك الطالب عن يوغسلافيا .
* تشاورت مع المستشار الثقافى وإتفقنا على خطورة الامر ، ووعدته بإخطار جهات الإختصاص فى الخرطوم بذلك للحصول على إذن بترحيله فورا ، وقمت بالفعل بإرسال رسالة عاجلة أرفقت معها تقرير المستشار الثقافى ، وكتبت عليها (سري للغاية وشخصى) ومن تقاليد خارجية أيامنا إن مثل هذهـ الرسائل يطلع عليها كبار المسئولين فقط ، ثم تحال بذات السرية للجهة المعنية ، وذات مساء رنّ جرس الهاتف فى بيتى فإذا بصوت سيدة سودانية يأتى من بعيد وكأنه قادم عبر الفيافى والبحار .. فقالت : (أنا شقيقة فلان ونستحلفك بالله أن لاترحله للسودان ، وهاك والدتى) وجاء صوت الوالدة حزينا وملحاحا (ياولدى ما ترحله .. أنا جاية يوغسلافيا .. لكن البرد قالوا عندكم شديد ، بعد ما ينتهى البرد حأجى طوالى) فقلت لها : (يا والدة إطمئنى .. أنا ما حأرحلة لا هسة .. ولابعدين!) .
* أنظر مافعل هؤلاء الناس ..! رسالة سرية للغاية وشخصية لجهة رسمية ، حملوها أو حملوا مضمونها لأمه وشقيقته ، وأصبح الامر كله فى رقبتى وأنا لاأعرفهم ، ولا أعرف إبنهم ، وليس بينى وبينهم ضغينة أو ثأر ، إنما كنت - فقط - أؤدى واجبى بوصفى رئيسا لهذهـ البعثة ، وهؤلاء الطلاب هنا هم جزء من مسئوليتى .. قلت هذا وغيرهـ لصديقى صلاح صنه ، وقلت له بطريقته المحببة ’’أديها صنه!‘‘ (فأين هو فى هذا الزحام الآن ..!؟)
* وإنتهى الشتاء وجاء الربيع ، وإنتهى الربيع وجاء الصيف ، وإنتهى الصيف وجاء الخريف .. ولم يصل رد على رسالتى لا من الخارجية ولا من الجهة المعنية ولم تصل امه ولا شقيقته (فسجلت الأمر ضد مجهول ومزقت المحضر!) .. وعلمت فيما بعد إنه من أسرة معروفة وكريمة .
-2-
* تمشْوَارا مدينة رومانية متاخمة لحدود يوغسلافيا ، وتبعد عن بلغراد مسيرة ساعتين ونصف بالسيارة ، إقترح صلاح أن نزورها ، فقد سبق أن زارها معظم الدبلوماسيين السودانيين الذين عملوا فى بلغراد ، خاصة وأن اسعار المأكولات والملبوسات رخيصة ورخية ، وفيها طلاب سودانيين دارسون فيها سيقومون بأعمال الترجمة لنا ، فقلت (لم لا .. على الاقل نشاهد شيئا من رومانيا شاوسسكو الاسطورة!؟) .
* وذهبنا فى سيارتين إذ كان معنا آخرون ، وإحتفل بنا الطلاب وقالوا : (إنهم لايجدون مثل هذهـ الزيارات من سفارتنا فى بخارست لأنها بعيدة جداً) أخذونا الى فندق مناسب ، ثم طافوا بنا حول تمشوارا حتى جئنا الى ميدان تساوى مساحته مساحة إستادي الهلال والمريخ ، فإذا به يعج بمئات بل آلوف الناس الواقفين فى حلقات ، سالتهم (ما هذا .. وماذا يفعلون؟) قالوا : (كما تعلم نحن فى عطلة نهاية الاسبوع ، فيلجأ التمشواريون) الى هذا الميدان ليتحدثوا عن فرقهم الرياضية فالحديث فى السياسة ممنوع هنا ونصف هؤلاء الواقفين من الامن السرى الرومانى يشاركون فى الحديث ويراقبون !! .
* ومن عجب أن الشرارة الاولى للثورة ضد شاوسسكو بعد سنوات إنطلقت من هذا الميدان .. فقتل رجال الامن السرى حوالي خسمة آلاف شاب وشابة ، لكن الثورة إنتشرت كالنار فى الهشيم فى عموم رومانيا ، وقتل الثوار شاوسسكو وزوجته ، ولم يشفع له أنه سدد جميع ديون رومانيا البالغة عشرين مليار دولار ، وجعلها افضل دول المنظومة الشيوعية رخاءا وإزدهارا !!!.
فليس بالخبز وحدهـ يحيا الإنسان .. فالحرية أولا .. والخبز ثانيا !!.
* كانت المتاجر الضخمة المعروفة الآن بالـ Malls (المول) منتشرة فى تلك المدينة ، فقضينا حاجتنا من إحداها ، وذهبنا معهم الى داخلياتهم لنرى كيف يعيشون ، لكننى بعد قليل وجدت نفسى فى شبه إجتماع مغلق مع رئاسة إتحادهم ، إذ قالوا لي : (لدينا مشكلة نتمنى عليك حلها .. وتتلخص فى أن هنالك طالبا أثيوبيا يتحرش بطالبة سودانية ، نحن نريد منك التدخل حفاظا على سمعتها وسمعتنا !. وإلا فإننا سنعطيه درسا يهدد مستقبلنا الدراسى!) .
* قلت لهم (أنتم تعلمون إنكم تابعون للسفارة فى بخارست .. تدخلى قد يضايقهم ، وقد يكون فى غير مكانه!) فقالوا : (أنت مسئول سودانى ، ونحن لجأنا إليك!) قلت (إذن يذهب احدكم معي الى هذهـ الطالبة حيث تحدثت إليها مطولا كأخ أكبر ، وأوصيتها بالتفرغ لدراستها ، وقطع أي إتصال بهذا الطالب .. فوعدت خيرا .. ثم طلبت منهم أن يحضروا هذا الطالب .. فجاءوا به ، وكان فى حالة شديدة من الخوف والهلع ، فطلبت منه بحزم أن يوقف أي إتصال بهذهـ الطالبة ، وأن يتفرغ لدراسته ، فأعطانى عهدا بذلك ، وصار هؤلاء الطلاب كلما جاء عدد منهم الى بلغراد ينزلون فى بيتى ، وزرت تمشوارا ثانية بعد حين من الدهر ، فوجدت الامور طيبة بينهم ، إنهم يعيشون فى مودة وشفافية كأسرة سودانية واحدة .
-3-
كانت الخطوط البحرية السودانية (Sudan Line) تشترى بواخرها من يوغسلافيا ، وكانت تعتبر أنجح المؤسسات السودانية على أيامنا تلك ، وتحت قيادة السيد اسماعيل بخيت (عليه رضوان الله) كانت الجهات المختصة فى بلغراد تخطرنى بأن موعد تسليم الباخرة الجديدة سيكون بتاريخ (كذا) فأخطر الخرطوم بذلك ، وسيكون التسليم فى ميناء (رلكا) بجنوب غربي يوغسلافيا ، وكنت آخذ معى دائما المستشار الثقافى العارف بتضاريس يوغسلافيا من كثرة زيارياته للطلاب السودانيين فى كل الجمهوريات ، وكذلك السائق شريف وكان سائقا ماهرا ومهذبا ويتحدث شيئا من العربية .. بدأت لى الرحلة الأولى طويلة لأن المشوار طويل ويطول .. فأقترح صلاح صنه أن يركب بجوار السائق (ليدردش) معه حتى لاينام ، المهم إننا وصلنا غايتنا فى الساعات الأولى من صباح اليوم التالى ، وعرجنا على فندق فيه حجز لنا ، وكنا بعد ساعات من الراحة فى الميناء قبيل الوقت المحدد ، ثم إنضم إلينا السيد مدير (سودان لاين) والملحق التجارى السودانى فى باريس والمصور البارع جاد الله ، وبدأت مراسم التسليم والتسلم ، وكان طاقم الباخرة الجديدة قد وصل قبلنا وأجرى المعاينات الضرورية ، وقام بإختبار الباخرة ، كان جاد الله يتسلق أعمدة الباخرة فى خفة ومهنية عالية ، ليقوم بتصوير المشاهد من كل الإتجاهات ، كانوا يطلقون إسم المدن والمديريات السودانية على البواخر مثل دنقلا ، الخرطوم ، كردفان ، دارفور .. ألخ . وأظن أن التى كنا بصددها كان إسمها دارفور ، حين غادرت بلغراد كان عدد اسطول سودان لاين من البواخر الجديدة قد وصل الى ثمانية هذا غير البواخر القديمة (فأين هي ؟ بل أين ’’سودان لاين؟‘‘ فى الزحام الآن..!؟) .
-4-
* كان الرئيس تيتو قد ادخل احد مشافى بلغراد وكان رأي الاطباء بتر رجله ، ولكنه رفض لأنه لايريد أن يرحل إلا بكامل جسدهـ!.
* طلب مدير الإدارة الافريقية مقابلتى لأمر هام ، وحين زرته أخبرنى بأنهم يريدون إذنا من السودان لعبور طائرة عسكرية ضخمة أجواءهـ وهي محملة بالأسلحة الى يوغندا ، وأضاف إن الامر عاجل .. وإقترح أن افعل ذلك تلفونيا ، وحين أخبرته أن الإتصالات التلفونية بين بلغراد والخرطوم لا تتوفر بالسرعة الكافية ، وعد بتسهيل ذلك مع الجهات المختصة ، وقد كان ، وجاء الإذن بالسرعة المطلوبة .
-5-
* وصلتنى ذات صباح برقية رمزية تقول أن الخارجية قد رشحت سفيرا جديدا للسودان فى بلغراد ، وإنهم سيسلمون الترشيح للسفارة اليوغسلافية بالخرطوم ، طالبين منى المتابعة مع وزارة الخارجية فى بلغراد .
* قلت لنفسى .. هاهو الوكيل يلحس كلامه ووعدهـ الثالث ! ولكن العزاء أن السفير المرشح هو الأخ الكريم والصديق العزيز محمد عزت بابكر الديب ، فبدأت إتصالاتى بصديقى مدير الإدارة الافريقية وأخبرته (بأن السفير الجديد صديق عزيز لي وتمنيت عليه أن تكون الموافقة سريعة.. وقد كان) .
* طلبت من الملحقين الإدارى والمالى أن يبحثا لي عن سكن مناسب فى حدود المبلغ المصدق به للوزير المفوض ، وبينما نحن كذلك جاءت برقية مفتوحة تطلب منى أن أواصل سكنى فى دار السفير ، وكان واضحا إن الذى وراء هذهـ البرقية هو السفير عزت ، فكلانا كان عازبا ، وفى ذلك توفير مالى للخارجية ، ثم صحبة أن نكون معا فى المكتب والبيت ، ونسي أنه كان يتندر علينا أياي وفاروق عبدالرحمن (كنا نعمل فى مكتب واحد ، ونسكن فى بيت واحد) وكان حين يرانا فى دعوة عشاء ما .. ونحن ندردش معاً .. كان يقول لنا (إنتوا بتقولوا فى شنو ؟ .. تعملوا فى مكتب واحد وساكنين فى بيت واحد ، وتتكلموا مع بعض فى عشاء خارج البيت .. إنتوا كلامكم ما بنتهى!) .
-6-
* وصل السفير عزت الى بلغراد اواخر عام 1979م أو أوائل عام 1980م وكان أول شئ وضعته أمامه تقرير الإنجازات التى قمنا بها خلال الستة أشهر الماضية أي منذ وصولى لبلغراد ، وكذلك تقرير جرد مقتنيات السفارة ، ودار السفير ودور أعضاء البعثة ، وقام السفير بتقديم أوراق إعتمادهـ الى نائب الرئيس تيتو ، وشهدت الشهور الأولى من ذلك العام رحيل تيتو احد مهندسى باندونق وحركة عدم الإنحياز (عبدالناصر ، نهرو ، سوكارنو ، الأزهرى ، وغيرهم) وبرحليه بدأ الخوف يعم يوغسلافيا بأن السوفيت قادمون لإحتلال يوغسلافيا ، لكن شيئا من ذلك لم يحدث ، كان مجرد توجس وإشاعات !!.
-7-
* دعوت لجنة الإتحاد العام للطلاب السودانيين للقاء مع السفير (كنت قد نقلت إليه ما أنجزت معهم من إتفاق .. فبارك ذلك وتحمس له .. فبدأنا النشاط المشترك بيننا بإقامة إحتفال ضخم بعيد الإستقلال ، شهدهـ مئات الطلاب السودانيين وأصدقاؤهم من الطلاب العرب والأفارقة ، وبعض المسئولين اليوغسلاف ، وقال الطلاب (إنها المرة الاولى التى يحدث فيها مثل ذلك الإحتفال) وخاطبهم السفير مشيدا بالعلاقات الثنائية بين البلدين .. ومشيدا بطلابنا فى عموم يوغسلافيا ، وهكذا إنهار ذلك الجدار بين السفارة والطلاب !. ثم أقمنا إحتفالا آخر فى إحدى الجمهوريات فى شرق يوغسلافيا .
* وجاء ابريل فصدر كشف ترقيات لوزراء مفوضين الى سفراء ، وشملنى ذلك مما يعنى نقلى سفيرا الى جهة أخرى !.
* لكننا إنشغلنا بالإعداد لإجتماعات اللجنة الوزارية السودانية - اليوغسلافية المشتركة والمقرر لها الإنعقاد فى الخرطوم ، وهكذا هبطنا الخرطوم السفير وشخصى ، ثم لحق بنا الوفد اليوغسلافى .. إنعقد الإجتماع المشترك الذى خاطبه وزير الخارجية الرشيد الطاهر (رحمه الله) ثم وزير الخارجية اليوغسلافى .. وكانت وجهات النظر متطابقة فى معظم القضايا ، إذا كانت العلاقات جيدة بين البلدين .
-8-
* وعدنا الى بلغراد نواصل ما إنقطع ، وكان الوكيل قد أخطرنى فى الخرطوم بأننى منقول الى تونس فى يوليو ، وسيكون معي سفير آخر ، أحدنا سفير السودان فى تونس ، والآخر مندوب دائم للسودان لدي الجامعة العربية ، وسنرى!!.
* تحدثت مع صديقى احمد محمد نور على ضرورة ذهابه للسودان ، والسفر الى قريته (إرتدى) لمشاهدة الاهل ، ملحا عليه بذلك كلما إلتقينا ، ففعل بل وفيما بعد أصبح أكثر إرتباطا بالسودان ، فتزوج وأنجب ثم إنتقل من بلغراد الى سراييفو ، وكان يهاتفنى وأنا فى المشفى فى الدوحة ، وجاءتنا السيدة الفضلى حرمه وزارتنا عدة مرات ، وإن كان المرض قد منعنى من رد تلك الزيارات خلال السنوات الاربعة الماضية ، فلها العتبى حتى ترضى .
-9-
* وجاء يوليو وعدت للخرطوم ، لأفاجأ بأننى أصبحت نائبا لرئيس البعثة بدرجة سفير ، والمندوب الدائم بالإنابة فى الجامعة العربية بتونس !.
* الم أقل قبل نصف دقيقة (سنرى) فهانذا أري!!!.
سيداحمد الحردلو
الخرطوم 19 ابريل 2007م

elmhasi
27-01-2018, 02:41 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 1 ربيع الثاني 1428هـ الموافق 24 ابريل 2007م
أين هم في الزحام الآن ..!؟ (34)
بقلم : سيداحمد الحردلو
والد منقستو .. اسمه احمد الحسن محاري ؟!
اخوانه واخواته واعمامه وعشيرته يطالبون بالمساعدة في معرفة مكانه والاتصال به !
د. الآرياني يهاتفني ذات نهار "منقستو طار"
-1-
ذكرت في الحلقة بالرقم (31) ان الرئيس السابق لاثيوبيا .. منقستو هيلا مريام" قد اخذ من اسم الامبراطور هيلا سلاسي .. حيث كانت ام منقستو تعمل "شغالة" في قصر الامبراطور وهناك تربي ونشأ منقستو ، واظن ان هذا كان سبب إنقلابه علي الامبراطور ثم دفن جثمانه في مكتبه امعانا في الانتقام منه !" اقول إنني قلت في تلك الحلقة إن "منقستو .. شايقي من الدهسيرة!) .
* وحين قرأ الحاج عبدالله حسين مصطفي تلك الحلقة اكد لي ان مبعوث منقستو وجد المساعدة اللازمة وسافر الي مروي ومن هناك وبصحبة المحافظ سافر الي الدهسيرة ، وهناك وجدا السيد احمد الحسن محاري في حالة صحية لا تسمح له بالحديث . فكرا عائدين !
-2-
* اتصل بي بعد نشر تلك الحلقة هاتفيا عدد كبير من رجال ونساء الدهسيرة واستغرقت المكالمة اكثر من نصف ساعة يتزعمهم السيد عبدالعظيم تاج السر عبدالحفيظ ، وهم يعبرون عن سعادتهم بما كتبت مطالبين بمعرفة مكانه والمساعدة في إلتئامه بهم ، وكما قالت لي سيدة فضلي هي السيدة نورهـ الشيخ محاري "خلوهـ يجئ عشان يغزر اخوانه!"
* ما زلت اذكر تلك اللحظة جيدا وكنت لاجئا سياسيا باليمن ، وكان الدكتور عبدالكريم الارياني وزير الخارجية ، ومعه بعض المسئوولين اليمنيين في دارتي ، اتصل الدكتور الارياني وهو يقول : "منقستو طار!" كان ذلك في تمام الثالثة ظهرا ، ووصل هو في تمام الثالثة والربع كعادته ، فهو دائما اول الواصلين ، ثم وصل الباقون وإلتأم المجلس ، ودار الحديث حول منقستو الذي كان قد طار للتو الي زيمبابوي ، وبينما نحن كذلك دخل علينا الصحفي الصديق محمد عبدهـ محي الدين حاملا حقيبته وعائدا للتو من مطار صنعاء من اديس ابابا ، قدمته للحاضرين ومعظمهم يعرفونه فقد كان يكتب في صحيفة "المستقبل" التي كان يصدرها الحزب الاشتراكي .. ثم سالته "كيف اخبار منقستو!" فرد "إنه بخير" فقلت له : "منقستو طار وهو الان في طريقه الي زيمبابوي !" فرد متعجبا "لقد تركت الامور عادية في اديس ، ولم ألاحظ شيئا غير عادي في مطارها!"
فقلت : "ربما هرب من مطار آخر .. أو من مطار اديس في سرية تامة!".
-3-
* عرفت فيما بعد انه يملك مزرعة ضخمة في زيمبابوي ، غير أنني قرأت في صحيفة - بعدها - او سمعت في إذاعة - انه غادر الي كوريا الشمالية ، وحين اصر اهله الدهسيريون علي معرفة مكانه "فكرت في الاتصال بالسفير ابوزيد الحسن العائد للتو من اثيوبيا ، حيث كان سفيرا للسودان بها ، لكنني وجدت تلفونه لايعمل "فهل هي الشبكة الشابكة المشبكة؟" فإتصلت بالسفير عبدالحميد عابدين ، والذي قال "إن معلوماتي انه ما يزال في زيمبابوي .. لكن دعني استوثق من ذلك" وبعد قليل اكد لي ان منقستو ما يزال في زيمبابوي !"
-4-
* ثم وصلتني الرسالة التالية من السيد عبدالعظيم تاج السر عبدالحفيظ ، وهي تقرأ :
(...................
بسم الله الرحمن الرحيم
السيرة الذاتية :
للمرحوم : احمد الحسن محاري والد الزعيم منقستو
1- ولد المرحوم احمد الحسن محاري بقرية الدهسيرة مركز مروي ، وعمل بشرطة السكة الحديد ، وعندما صار عمرهـ ’’20 سنة‘‘ سافر الي الحبشة واستقر فيها حوالي الـ’’35 سنة‘‘ وكان يحضر الي كسلا مع التجار بغرض التجارة ، ولقد قابله عبدالقيوم الخليفة واخبر عمته آمنة بنت محمد ود طه محاري وقالت له ترجع الي الدهسيرة فأبي الذهاب الي البلد ، وقامت عمته آمنة بنت محمد احمد ود طه محاري وارسلت الي خاله احمد الحسن تبلغه بذلك وهو الشيخ علي الكانكين شيخ ابورنات ان احمد الحسن محاري ومعه احباش بكسلا ، فقام الشيخ علي الكانكين بإرسال شقيقته ام الحسين الحسن محاري وآمنة الحسن بكسلا وفعلا قاموا واحضروهـ الي الدهسيرة وكان يتكلم بلغة الاحباش ، وفي ذلك الوقت اخبرهما انه عندهـ ولد في الحبشة ومتزوج هناك .
2- تزوج من إمرأة اسمها ام هاني وانجب منها ولدا وسمي طه احمد الحسن محاري وتوفي وعمرهـ ’’18 سنة‘‘ .
3- تزوج المرأة الثانية وهي فاطمة احمد مدير وانجب منها محمد احمد الحسن محاري وخضرة محمد الحسن محاري .
4- تزوج المرأة الثالثة واسمها عشمانة الطيب وانجب منها ولدا واسمه حسن احمد الحسن محاري .
5- تزوج المرأة الرابعة واسمها خديجة ابن عوف بدري فانجب منها عبود احمد الحسن محاري وفاطمة احمد الحسن محاري .
وعاش في قرية الدهسيرة مركز مروي الى ان توفي رحمه الله عليه سنة 1985م ودفن في قرية الدهسيرة .
جمع المعلومات
عبدالعظيم تاج السر عبدالحفيظ
من قرية الدهسيرة والآن يعمل تاجرا بسوق ليبيا
مربع ’’5‘‘ دكان رقم ’’819‘‘
تلفون : 0912212162
’’إنتهت‘‘
-5-
* إنني اقترح علي الاستاذ سيداحمد خليفة رئيس تحرير صحيفة ’’الوطن‘‘ ان يكلف احد المحررين ان يذهب معه مصور لمقابلة اهل المرحوم احمد الحسن محاري الموجودين بالعاصمة .. خاصة ابناءهـ وبناته ، وإن استدعي الحال سفر المحرر للدهسيرة ، فالآمر يستحق الاهتمام !


سيداحمد الحردلو
الخرطوم 22 ابريل 2007م

elmhasi
27-01-2018, 05:25 PM
جريدة الوطن - السبت 17 ربيع الثاني الموافق 5 مايو 2007م
أين هم في الزحام الآن .. !؟ (35)
بقلم : سيداحمد الحردلو
الرئيس بورقيبة (جمهورية السودان الديمقراطية .. ! ديمقراطية إيه .. ! ما تسموها الإسلامية !!!)
-1-
* هبطت تونس اوائل سبتمبر عام 1980م وانا اردد مطلع قصيدة نزار قباني :
يا تونس الخضراء جئتك عاشقا
وعلي جبيني وردة وكتاب

* البيوت كل البيوت مطلية باللون الابيض (هذا قانون) وحولها اشجار خضراء ، إذن الابيض والاخضر هما لون تونس ، المستريحة علي الساحل الجنوبي للأبيض المتوسط ، أخذوني الي فندق فليس هنالك بيت جاهز لسفير آخر .
* كان قد سبقني اليها باسبوع السفير موسي عوض بلال يرحمه الله - كان رجلا طيب المعشر ، عفيف اليد واللسان ’’واخو إخوان‘‘ وكان في تونس حوالي الاربعين من السودانيين وعلي رأسهم العالم والمفكر والشاعر الدكتور محي الدين صابر مدير المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة ’’الكسو‘‘ ومعه كوكبة من الكفاءات السودانية اذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر الاستاذين علي بابكر ود.عبدالله كريم الدين (عليهما رضوان الله) ود.الفولي ، والسفير محمد العباس ابا سعيد وطه النور والدرديري وغيرهم .
وهناك في الجامعة العربية الاساتذة ابوالمعالي عبدالرحمن (رحمه الله) وحسن شبو وكمال سنادة واحمد علي (المشهور بأمبكول) وغيرهم . وكان في إتحاد الإذاعات العربية كل من محمد سيداحمد وعبدالرحيم سليمان .
* اما السفارة فكان عدد العاملين فيها كبيرا نسبيا لانها كانت ترعي شؤون العلاقات الثنائية بين السودان وتونس ، وشؤون الجامعة العربية التي كانت قد انتقلت اليها من القاهرة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد ، فقد كان فيها الوزيران المفوضان محمد احمد ميرغني وسليمان الدرديري والمستشار بشير محمد الحسن والسكرتير الاول سيداحمد البخيت والسكرتير الثاني ابراهيم احمد ، ولحق بنا فيما بعد المستشار جعفر كبيدة ، وعدد من الإداريين وضباط اللاسكي ، الي جانب القنصلية والتي كانت بقيادة القنصل محمد محمود ، ومساعديه الإثنين .
* لم يكن موقع السفارة مناسبا ولا متسعا بالقدر الكافي ، فنقلناها الي مبني مكون من طابقين بالمنزهـ الخامس ، وكان موقعا قريبا من بيت السفير موسي عوض بلال ومن بيتي وبيوت العاملين بالسفارة .
-2-
* وبدأنا السفير موسي وشخصي نقوم بزيارات لكبار المسؤولين في تونس والجامعة العربية ، وكنا نستعد لدورة إنعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب والذي كان ينعقد مرتين في العام في شهري مارس وسبتمبر .. وكنا وقتها في سبتمبر .
* وذهبنا لتقديم اوراق الاعتماد في القصر الرئاسي وبدأ الرئيس بورقيبة (وكان يسمي بالمجاهد الاكبر) بدأ في قراءة اوراق الاعتماد بصوت عال (جمهورية السودان الديمقراطية .. ديمقراطية إيه .. ما تسموها الإسلامية!) وكاد يطبز عين موسي بأصبعه !.
وفعل نفس الشئ مع سفير جمهورية اليمن الديمقراطية ، الذي قدم اوراقه قبلنا .. وكان ذلك علي مشهد منا ! وكان ذلك أيضا في حضور الوزير الاول (هذا لقب رئيس الوزراء) محمد المزالي ، وهو اديب كبير ، ووزير الخارجية ومدير المراسم الرئاسي .
-3-
* انعقد مؤتمر وزراء الخارجية العرب (دورة سبتمبر) بعد ذلك ، وكان الامين العام لجامعة الدول العربية هو الاستاذ الشاذلي القليبي وهو اديب تونسي كبير ، كان مقعد السودان يتوسط مقعدي السعودية علي اليمين وسوريا علي اليسار ، الامير سعود الفيصل بتهذيبه وادبه الجم ، وعبدالحليم خدام (الشاكس المشاكس دائما!) ، وكان طارق عزيز وزير خارجية العراق (الله يطراهـ بالخير) يجلس في اقصي اليسار ، ومشهود له بمداخلاته التي تستدعي الإنتباهـ . اما وزير خارجية الكويت الشيخ الاحمد الصباح (امير الكويت الحالي) فهو الآخر يتمتع بجاذبية وشفافية وروح تصالحية حين تلتهب الامور بين الوزراء ، وكان الوفد الليبي بقيادة التريكي يجلس في الجانب الآخر من القاعة أو المجلس الدائري ، وكان الوفدان اليمنيان يجلسان بجانب الوفد الليبي .
هذه نظرة طائرة سريعة لأمكنة بعض الوزراء العرب وانا اجلس للمرة الاولي في تلك القاعة ، حيث تواصلت المرات لخمس سنوات كاملة .
* طلب الامين العام في بداية الجلسة ان تقدم (الكسو) تقريرها وبدأ احدهم يقرأ (كان د.محي الدين صابر موجودا في رئاسة وفد الالكسو) ولكن الذي يقرأ كان شخصا آخر يجلس خلف دكتور صابر ، لانكاد نتبين وجهه ، كان يقرأ بصوت قوي ولغة صافية كنعنعة الماء إنه - ولا شك صوت سوداني - اردت ان أسأل السفير موسي (من هو؟) وإذا به يسألني (من هو؟) علمنا فيما بعد .. (إنه الاستاذ علي بابكر احد كبار مساعدي د.محي الدين صابر).
* كان اهم اجندة ذلك المؤتمر (تعديل ميثاق الجامعة العربية) ولقد ظللنا نناقش ذلك البند لخمس سنوات متوالية بدون الوصول الي منتهي ، كنا نتفق علي اشياء ونختلف علي اشياء .
لكن ظلت قضية اجازة القرارات بالاجماع او بالاغلبية .. هي قضية القضايا .. والتي ظلت تراوح مكانها حتي غادرت تونس بعد خمس سنوات .
ولست ادري علي وجه الدقة حتي يوم الناس هذا .. إن كان الميثاق قد تم تعديله .. وإن كانت إجازة القرارات قد صارت بالإجماع أم بالأغلبية !!.
-4-
* تونس الخضراء (اسم علي مسمي) فهي صغيرة المنديل ، وحسناء كقمر متوسطي ، لأهلها إيمان قوي بأهمية السياحة فشيدوا علي البحر مدنا سياحية اشهرها الحمامات وسوسة والمنستر (مسقط رأس بورقيبة) يقصدها ملايين السواح من اوربا بشقيها الاطلس والاورال وامريكا وكندا ، والعالم العربي ، تمتاز تونس الساحلية بطقس متوسطي بارد صيفا ودافئ شتاءا ، بإستثناء الجنوب ومدينة القيروان الشهيرة بمسجدها الذي بناهـ عقبة بن نافع ، حيث صيفها الذي يفوق صيف الخرطوم سخونة ، وليس بعيدا من المنستير ينهض ناد يهودي يؤمه اليهود من الدول المطلة علي المتوسط يمارسون فيه كل الذي يعن لهم (لست ادري ان كان ما يزال قائما!؟) .
* تشتهر تونس باشياء كثيرة اخري كجامعة الزيتون ، وشارع وتمثال ابن خلدون ، وسوقها القديم ثم تمرها الذي ينقط شهدا .
* كان تلفزيون تونس ايامنا تلك يبث برامجه باللغة العربية لساعتين ، ثم يتحول الي اللغة الفرنسية لبضع ساعات ، لكنه وبوجود الجامعة العربية (بيت العرب) سادت العربية ومنحت المزيد من الوقت والتنوع ، وصرنا نشاهد مسلسلات مصرية . بل وحوارات علي الهواء مع شخصيات عربية مرموقة ، محمد حسنين هيكل ومحمود رياض والمفكر الفلسطيني صدقي الدجاني ولطفي الخولي وآخرين .
* وكانت تصدر فيها مجلة النهضة النصف حولية ، والتي كان يرأس تحريرها محمد المزالي ، الي جانب صحيفتين يوميتين هما ’’الصباح والدستور‘‘ وكان بها ادباء كبار كالمسعدي وزوكار .. وشعراء شباب منفتحين علي المشرق العربي ، اذكر منهم منصف المرغني ، محمد الغزي ، منصف الوهايبي ، وسوف عبيد ، ومحمد العوني ، والناقدة خديجة الشيباني والتي كتبت عن شعري عدة مقالات في جريدة ’’الشرق الاوسط‘‘ .
* وقامت دار ديميتير - كبري دور النشر التونسية بطبع ديواني الجديد - وقتها - (بكائية علي بحر القلزم) كما اعادت طباعة ديواني الاول (غدا نلتقي) في طبعته الرابعة .
* وبين هلالين كان مطربون ومطربات بينهن لطيفة الشهيرة الآن لكنها لم تكن بهذا الصوت الجميل .. ولا هذا الجمال .. فسبحانه مغير الاحوال ! .
-5-
كان السفير حسين مشرفة هو سفير مصر في تونس ، وهو من اسرة مشهورة بالعلماء والافذاذ . وكان محبا للشعر والشعراء والفن والفنانين ، وسرعان ما توطدت العلاقات بيننا واصبحنا اصدقاء .
* دعاني ذات امسية علي عشاء اقامه علي شرف الفنانة نجاة الصغيرة التي كانت في زيارة لتونس للمشاركة في مهرجان ’’قرطاج‘‘ السنوي وهو مهرجان يقام سنويا للشعر والغناء ، ويدعون له كبار الشعراء والفنانين ، واكتشفت في نجاة الصغيرة عمق ثقافتها ومحبتها للشعر ، وقد تغنت لنزار قباني بقصيدته (أيظن اني لعبة بيديه .. انا لا افكر في الرجوع اليه!) كما غنت لكمال الشناوي قصيدته (لاتكذبي) والتي كتبها في نجاة الصغيرة ذاتها . وهو رجل قلب مقاييس الكون ، فقد كان ينام النهار كله ، ويسهر الليل كله ، ويعشق كل ليلة فتاة جديدة .
لتنتهي ليلته بقصيدة جديدة حين اهديته ديواني الاول (غدا نلتقي) والذي كتبته في مدرسة وادي سيدنا الثانوية ، وكان هو يستشفي بمستشفي العجوزة ، تصفحه واعجبه واطري عليه .
طلبت مني نجاة الصغيرة - ليلتها - ان ارسل اليها بعض قصائدي علي عنوانها بالقاهرة ، او ان اسلمها للسفير مشرفة لأنها ستغادر تونس صباح اليوم التالي ، لكنني لم افعل ! ولست ادري لم لم افعل !
-6-
* ذات صباح فاجأني السفير مشرفة بانه تلقي رسالة نقله سفيرا لمصر بالسودان ، وقد اسعدني ذلك واوصيته بان يفتح قلبه وعقله لكل الوان الطيف السياسي ، وان يكون سفيرا للشعب المصري لدي الشعب السوداني ، وحين عدت للسودان فيما بعد .. وجدته قد فعل . فحين دعاني لحفل استقبال اقامه لذكري ثورة يوليو ... وجدت كل الوان الطيف السياسي في بيته (كان ذلك بعد الإنتفاضة) .
-7-
* دعتني الهيئة المنظمة لمهرجان ’’قرطاج‘‘ للشعر ضمن شعراء عرب وتونسيين للمشاركة في فعاليات ذلك العام (أظنه كان عام 1983م) وقد كان . وكانت صحيفة ’’الصباح‘‘ تحتفي بأشعاري بين الفينة والاخري .
* ودعت الفنانين عبدالكريم الكابلي وعبدالقادر سالم ومعهما فرقة موسيقية كبيرة بقيادة الموسيقار برعي محمد دفع الله (عليه رضوان الله) فأجادا وجودا في المنستير وسوسة والحمامات ثم في الليلة الاخيرة في ’’قرطاج‘‘ حيث اجري التفزيون حوارا مطولا مع الكابلي علي الهواء مباشرة ، واقمت لهم حفل عشاء في بيتي ودعوت كل السودانيين الموجودين هناك .. فهوم الفنانان بالحضور الي سماوات من الطرب الجميل .
* زارني الوفد الفني في السفارة في اليوم التالي فقمت بالاتصال بالفنان محمد وردي والذي كان حينها بالرياض فعاتبني علي عدم دعوته لمهرجان ’’قرطاج‘‘ فاخبرته بان الدعوة كانت مباشرة من الهيئة المنظمة للفنانين ، وهنا قال (لدي خبر سئ للفن السوداني عامة ولبرعي خاصة) فناولت السماعة لبرعي ، فقد كان الفنان الكبير عبدالعزيز داؤود قد انتقل الي رحاب الله (عليه رضوان الله) .

سيداحمد الحردلو
الخرطوم في 1 مايو 2007م

elmhasi
27-01-2018, 07:48 PM
جريدة الوطن - السبت 24 ربيع الثاني 1428هـ الموافق 12 مايو 2007م
أين هم في الزحام الآن ..!؟ (36)
بقلم : سيداحمد الحردلو
الرئيس بورقيبة (ياسر عرفات شيوعي ..!) وقال لي : (إنت والنميري مع الامريكان ..!)
وقلت له : (ايوه ... انا والنميري .. كيف .. كيف ..!)
* كان مكتبي في الطابق الاول ، ومكتب السفير موسي عوض بلال في الطابق الارضي هاتفني ذات صباح وهو يقول (انا عايزمك فنجان قهوة علي الريحة .. كما تحب) .. فهبطت الدرج الي مكتبه ، وما ان جلست حتي سألني (بيتك في الخرطوم في أي حيً!؟)
فقلت له (ما عندي بيت!) فاستطرد (طيب ارضك وين ؟) فقلت : (في المغتربين باركويت) فقال في ثقة (ستبني) ورفع سماعة التلفون وقال للسكرتيرة (اخبري مدير بنك ابوظبي اني والسفير الحردلو بانتظارهـ في العاشرة من صباح الغد ، وعليه ان يحضر الورق الخاص بالسلفيات) .
* وحين اعترضت علي ذلك ، وقلت (الاليق ان نذهب نحن اليه) .
قال : (نحن سفراء وهو مدير وهذا عمله) ثم مضي يقول : (كانت اول وظيفة لي في الخدمة هي الإلتحاق بمكتب العمل في بورتسودان ، ونزلت عند اخي الاكبر الذي كان يعمل في تلك الديار ، وكان يوم وصولي متزامنا مع يوم احالته للمعاش .. فطلبت منه ان ينصحنى ، فانا داخل للتو وهو خارج للتو) واضاف : (نصحني بإختصار شديد قائلا :(لاتمد يدك للمال العام ، لكن استلف قدر ما تقدر) ، (وهكذا فانا اعمل بنصيحة اخي منذ ذلك الحين) .
- هاتفني السفير موسي صباح اليوم التالي في العاشرة تماما وهو يقول :(سعادة المدير شرف) .
فهبطت اليهما ، فقال السفير موسي وهو يخاطب المدير بدون ان يشاورني :(اعط السفير الحردلو 12 الف دولار وانا 12 الف دولار علي ان تخصم من حساب كل منا خلال عام بارباحها) وفعل الرجل .
كانت حسابات السفارة والعاملون فيها ومعظم السودانيين العاملين في تونس في بنك ابوظبي ، ويروي انه ذات يوم قدم احد السودانيين شيكا للصراف بمبلغ محدد ، ولكن الصراف في زحام العمل اعطي السوداني مبلغا كبيرا بكثير من المطلوب .. وضع السوداني المبلغ في جيبه بدون احصائه وسلك سكته الي دارهـ ، احصي المبلغ في المساء ... فوجدهـ اكثر بكثير مما طلب .
فهرع للبنك صباح اليوم التالي .. فوجد العاملين في هرج ومرج ، لآن الصراف اكتشف نقصا كبيرا في رصيد خرينته .. تقدم السوداني الي الصراف واخبرهـ بما كان من امرهـ - قالها - وهو يمد اليه المبلغ الزائد .. قفز الصراف من فوق الحاجز ، وحضن السوداني ، واشبعه ’’تبويسا‘‘ لقد غاب اسم ذلك السوداني الاصيل عني ، فله العتبي حتي يرضي .
-2-
* كانت الجهات المختصة بالمناسبات الدينية كرمضان والعيدين لا تتقيد بتحري رؤية الهلال .. وكانت تعتمد علي وثيقة اقرها علماء اجتمعوا في اسطنبول قبل اكثر من مائة عام ، تحدد تلك المواقيت ، وكانت تلك الجهات تصدر بيانات تقول : (إن اليوم الاول من رمضان سيكون يوم كذا حسب اتفاق العلماء الذين اجتمعوا عام كذا في اسطنبول).
- وكان الرئيس بورقيبة يقضي الاواخر من رمضان في مدينة المنستير (مسقط رأسه) ، يتفقد المقبرة التي كان يشيدها لنفسه كلما ذهب هناك ، خاصة في العيدين ، ذهبنا السفير موسي وشخصي ليلة اول عيد لنا هناك الي المنستير لنقضي الليلة هناك ، ونذهب في الصباح الباكر الي مقر اقامته للتهنئة حسب العرف المتبع بالنسبة للسلك الدبلوماسي .
- نهضنا باكرين ، وخرجنا من الفندق بقصد ان نتمشي علي ساحل البحر حتي يحين موعد لقاء الرئيس بورقيبة ، وبينما كنا كذلك ..
فوجئنا بمنظر تشيب له الولدان ، إذ شاهدنا حوالي عشرين رجلا وامرأة (لابسين من غير هدوم!) يتجهون نحونا ، فدرنا فورا الي اليمين ، وذهبنا بعيدا نحو ساحل آخر ، ونحن لانكاد نصدق ما رأينا !.
- وحين حان موعد لقاء بورقيبة ذهبنا الي قصرهـ مهنئين ، ثم عدنا ادراجنا الي تونس .
-3-
- طلب الاتحاد العربي للسكر من السفير موسي الحضور الي المملكة العربية السعودية ، فقد كان مرشحا لمنصب الامين العام للإتحاد وقد كان .
- زار تونس في تلك الايام الدكتور منصور خالد مدعوا من ولي العهد الاردني الامير الحسن بن طلال لحضور ندوة اقامها في سوسة ، وبعد انتهاء الندوة عاد الي تونس ، واخذته الي دارة الاستاذ النذير دفع الله الذي كان يعمل مع احدي منظمات الامم المتحدة ، حيث دار نقاش ساخن بينهما حول الدستور الذي كان د.خالد قد شارك في وضعه .
- عاد السفير موسي الي تونس ، وحزم حقائبه الي الخرطوم التي كانت مقرا للإتحاد .
- وصل تونس بعدها ياسر عرفات ومساعدوهـ وبعض قواته ، وكان بعضها قد جاء للسودان ، وغيرها قد ذهب لليمن الشمالي وغيرهما .
- وصلتني برقية من سفارتنا في القاهرة تقول ان السيد محمد محجوب وزير شؤون الرئاسة سيصل تونس حاملا رسالة من الرئيس نميري للرئيس ’’ابوعمار‘‘ فأخذت الوزير الي مكان اقامة ’’ابوعمار‘‘ الذي كنت أراهـ للمرة الاولي .
- نسيت ان اقول انه قبل وصول ’’ابوعمار‘‘ الي تونس وكان ذلك عام 1981م وصلتني رسالة بالحقيبة الدبلوماسية موجهة من الرئيس نميري الي الرئيس بورقيبة . كان ذلك خلال شهر رمضان حيث يكون بورقيبة في المنستير .. فسلمت الرسالة لوزير الخارجية التونسي ، والذي وعد بتسليمها للرئيس ، ونشر خبر الرسالة في اجهزة الاعلام التونسية . وكالعادة ذهبت للمنستير صباح العيد لتهنئة الرئيس بالعيد ، وكان السفراء يقفون في صف ، وكان يقف خلفي حكم بلعاوي سفير فلسطين في تونس ، فسالني عن الرسالة ، فقلت له : (انها عن العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تطويرها) كان يقف محمد مزالي الوزير الاول علي يمين بورقيبة ووزير الخارجية علي يسارهـ - وجاء دوري فقدمني مدير المراسم للرئيس وهو يقول :(سفير السودان) ، فإذا بالرئيس يمسكني من يدي اليمني وهو يقول بأعلي صوته :(النميري ارسل لي رسالة بيشتكي من ياسر عرفات .. عرفات شيوعي ، ياسر عرفات قال لي انت والنميري مع الامريكان . فقلت له : ايوهـ انا والنميري كيف .. كيف!) أي زي بعض ، كان سفير فلسطين خلفي يسمع كل ذلك ، لم التفت ، وليت وجهي شطر باب الخروج ، ودلفت الي سيارتي التي دلفت بي الي تونس .
-4-
- انعقدت القمة العربية في فاس بالمغرب عام 1981م ، وكنت في الخرطوم في إجازة ، فسافرت ضمن الوفد السوداني الي جدة التي قضينا فيها ليلة في احد فنادقها (علمت في الصباح ونحن نغادر الي المطار ان الشريف حسين الهندي - عليه رضوان الله - كان ينزل في ذات الفندق)
وصلنا مطار الدار البيضاء ، فأخذنا انا والسفير عوض الكريم فضل الله مدير الادارة العربية سيارة قاصدين مدينة فاس ، حيث تم سيلتئم مؤتمر القمة العربية .. تستغرق المسافة بين اربع الي خمس ساعات .. شعرنا بشئ من الجوع ، فطلبنا من السائق المغربي ان يتوقف عند اول مطعم يقابلنا علي الطريق ، كنا نتحدث بلغة عربية صافية . وكان السائق يتحدث بلغة ’’أي كلام‘‘ وعاجلة مستعجلة ، قلنا (فنحاول معه الفرنسية) ولا فائدة فلجأنا الي تمثيل ما نريد وكان ينظر الينا من خلال المرآة - وفهم . فقلت (وفهم عمر الكلام) وتوقف عند اول مطعم ، فتناولنا شيئا من الزاد ، وانطلق بنا الي فاس (الماوراها ناس) وكان ذلك يوم خميس . وانزلونا في فندق باجنحة متعددة .
- ذهبنا صباح الجمعة الي مطار فاس نستقبل السيد الفريق اول عبدالماجد حامد خليل النائب الاول لرئيس الجمهورية ، وعدنا الي النزل ، وبينما نحن جلوس نادي علي احد صحفيي ’’سونا‘‘ واعطاني برقية وصلتهم للتو بتعديل وزاري جري في الخرطوم ، وعدت الي السيد عبدالماجد اخبرهـ بذلك ، فقال : (أقرأ الاسماء وهو يخرج ’’نوته‘‘ من جيبه ويقول : (لقد كنت مع الرئيس مساء امس ، واتفقنا علي هذا التعديل).
وبدأت أقرأ الاسماء ، وكلما قرأت اسما كان يقول (عجيبة) أو (غريبة) وكان واضحا ان هذا التعديل لم يكن التعديل الذي اتفقا عليه !.
-5-
- بدأ المؤتمر عاصفا ، كانت هناك المبادرة التي اطلق عليها (مبادرة فهد) وكان وقتها وليا للعهد - عليه رضوان الله - غير ان ياسر عرفات وآخرين كانوا غير موافقين عليها ، فقرر الامير فهد سحب المبادرة ، وكان مغضبا ، فكتب الفريق عبدالماجد ورقة يقول فيها : (اتمني عليك ان تراجع موقفك ، وتعيد المبادرة الي طاولة المؤتمر) وناول الورقة الي الامير فهد الجالس علي يمينه .. فرد الامير كاتبة (كان بودي الإستجابة لطلبكم (ولكن) ، وحاولت وضع الورقة في جيبي فإذا بالفريق يقول ضاحكا (دي في المستقبل سأبيعها بملايين الدولارات) ويعضها في جيبه !.
- تري .. هل ما تزال تلك الورقة مع سعادة الفريق ؟!.
(وأين هو في الزحام الآن!؟)
- لقد كان ذلك المؤتمر فاشلا - وسمي بفاس الاولي ، وستنعقد فاس الثانية في العام التالي .. كما سنري .


سيداحمد الحردلو
الخرطوم في 9 مايو 2007م

ناصر يوسف
28-01-2018, 12:14 PM
حولاااااااااااااااااا ياخ

يا المحسي ما تدينا فرقة للقراية ياخ

ههههههههههههه

متابعة وقراءة بتأني

elmhasi
28-01-2018, 01:34 PM
حسين عبدالجليل
متابعة لصيقة لهذا البوست المفيد , الذي زاد معرفتي بالحردلو إبن قريتنا البار , رحمه الله و غفر له .
عليه رضوان الله ورحمته تعالي ..

النور يوسف محمد
يا سلام ياخ
اشكرك على هذه السياحة الاديبة الراقية
لا شكر علي واجب .. فالحردلو جماله يملأ الافاق ويتمدد في كل الاتجاهات .


أبو جعفر
لاحظت شيئاً في هذه المذكرات ... وندوات كنت قد حضرتها ... وهو تبني الكثير من النخب والموهبين فنياً وأكاديمياً للفكر الشمولي والعمل على تمكينه ... ومن ثم البكاء من نتائجه .

صحيح كلامك .. وده كله نتاج الإنفراد بالرأي وعدم تقبل الآخر والثقة فيه ..


عكــود
متابعة ...

خليك قريب المشوار 65 مقال ..






ناصر يوسف
حولاااااااااااااااااا ياخ
يا المحسي ما تدينا فرقة للقراية ياخ

انا في زيارة قصيرة للعاصمة الخرطوم وإذا رجعت البلد .. مافي طريقة تاني ...
قلت انزلها ليكم كده وكل زول يشوف الزمن البيناسب معاهـ ..
ولك العتبي حتي ترضي ...

elmhasi
28-01-2018, 07:05 PM
السبت 1 جمادى الاولى 1428هـ الموافق 19 مايو 2007م
اين هم فى الزحام الآن .. !؟
(37 - من (....)

بقلم : سيد احمد الحردلو
الملك الحسن للوزراء والسفراء :
(أنتم مجرد موظفين سامين .. لاتملكون القلم !!)

(ولاتملكون القرار .. فانصرفوا الى فاس !!)

-1-
* انعقد خلال عام 1981م مؤتمر وزراء الخارجية العرب دورة انعقادهـ العادية ، وكان وفد السودان بقيادة محمد ميرغنى المبارك وزير الحارجية ، وعضوية السفير عوض الكريم فضل الله مدير الادارة العربية ، وشخصى وسيداحمد البخيت السكرتير الاول وقتها .
* كانت اهم اجندة ذلك اللقاء تعديل ميثاق الجامعة العربية (والذى كان لا جديد فيه) ثم استصدار قرار ليبى بإدانة امريكا لعدوانها على ليبيا - كان الوزير قد صعد الى غرفته لامر ما - وجلس مكانه السفير عوض الكريم ، وبدأ الاجتماع يناقش موضوع القرار الليبى ، واجازهـ ، غير ان السفير عوض الكريم فاجأنى بإعلانه تحفظ السودان ، فقلت له : (لايجوز ان نتحفظ على قرار مثل هذا مهما كانت العلاقات سيئة بين البلدين !) واقترحت عليه ان نذهب للوزير فى غرفته ، فذهبنا اليه واخبرناهـ بما كان ، فنهض من توهـ وهو يقول : (لايجوز هذا !) وما ان دخلنا القاعة حتى طلب الكلمة وسحب تحفظ السودان على القرار الليبى .
-2-
* شهد عام 1982م الاجتياح الاسرائيلى بقيادة شارون على لبنان ومذابح صبرا وشاتيلا ، وقرار المقاومة الفلسطينية بالرحيل عن لبنان .
* انعقد اثناء ذلك مؤتمر وزراء الخارجية والدفاع العرب الطارئ فى تونس ، وكان من المقرر ان يشارك فى هذا المؤتمر رئيس هيئة الاركان الفريق عزالدين على مالك ، الذى تأخر وصوله نتيجة عدم وجود طائرة تقله من جدة التى كان قد وصلها .. الى تونس فى الوقت المناسب ، وهكذا وجدت نفسى رئيساً للوفد السودانى . حدث شئ فى بداية الجلسة لم يكن فى حسبان احد ، اذ طلب رئيس الوفد الليبى (لم يكن التريكى بل كان شخصاً آخر شارك فى اجتماعات الجامعة للمرة الاولى) طالب بطرد وفد الخيانة (أي الوفد السودانى) من قاعة الاجتماعات لأن هذا الوفد سيقوم - على حد تعبيرهـ - بتسريب القرارات السرية التى سيتخذها المؤتمر الى اسرائيل !!) كان الوفد السودانى يتكون منى ومن السكرتير الاول حينها سيداحمد البخيت وآخرين .
* كانت الجلسة برئاسة الشيخ احمد الصباح وزير الخارجية الكويتى فطلبت الاذن بالحديث وقلت : -
(لم يدهشنا طلب رئيس الوفد الليبى ، فهم ائماً يصرفون الانظار عن القضايا الاساسية الى قضايا جانبية . نحن احتشدنا هنا على عجل لوقف نزيف الدم الفلسطينى فى لبنان ، وهاهم يلوون اعناقنا الى اكاذيب وافتراءات ، ناسين أو جاهلين ما قدمه الجنود السودانيون فى فلسطين . والذين ما تزال رفاتهم مدفونة فى الفالوجا والقدس والجليل ، ناسين أو جاهلين الدور العظيم الذى قام به الجيش السودانى اثناء حرب الاستنزاف على ضفة القنال . ثم ازيد فأقول : اذا كنت انا رئيس وفد الخيانة ، فلماذا تذيع وتبث اجهزة اعلامكم اشعارى بحسبان أنها اشعار عروبية ثورية تدافع عن الحق العربى !! ) .
* طلب رئيس الوفد الليبى الكلمة مرة اخرى ليقول : (قصدنا بوفد الخيانة النظام فى السودان ، وليس رئيس الوفد السودانى الذى نعتز باشعارهـ العروبية) واسهب فى ذلك -
* طلبت الكلمة للمرة الثانية ولكن رئيس الجلسة الشيخ الصباح ترجانى ان لا ارد ، كذلك ايدهـ الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي الجالس على يمينى .

-3-
انعقدت القمة العربية فى ذات العام فى فاس والتى عرفت (بفاس الثانية) لكننا ذهبنا اولاً الى مدينة المحمودية لحضور مؤتمر وزراء الخارجية العرب ، وكان وفد السودان لهذا المؤتمر بقيادة محمد ميرغنى المبارك وزير الخارجية ، وعضوية السفير عبدالله الحسن الخضر المرشح كرئيس للبعثة ومندوب دائم للسودان بالجامعة العربية ، والسفير عباس موسى سفيرنا بالمغرب وشخصى .
* بمجرد دخولنا لقاعة المؤتمر للنظر فى تحديد الاجندة ، اخطرنا بالتحرك الى مكان ما لمقابلة جلالة الملك الحسن ، ركبنا السفير عبدالله الحسن وانا فى سيارة واحدة ظلت منطلقة بناء زهاء الساعة حتى وصلنا الى قاعة ضخمة فى الدار البيضاء ، كانت القاعة خالية - ليس بها كراسى ولا مقاعد .
ظلت جميع الوفود واقفة على القدمين زهاء ساعة ، ثم ندهوا علينا للهبوط ، ثم انطلقت السيارات زهاء ساعة ثالثة حتى اتينا قصراً منيفا تتدفق المياهـ على اسوارهـ (من فوق لتحت) واوقفونا على ارجلنا فى قاعة اخرى زهاء ساعة رابعة ، ثم طلبوا منا الدخول الى قاعة ثانية ، غير اننا وجدناها وكأنها قد اعدت لمؤتمر وزراء الخارجية ، فجلسنا .. وتنفست اقدامنا الصعداء .
* وبينما تعقد الدهشة السنتنا .. لماذا كل هذا ..!! فاذا بصوت مؤذن يؤذن .. ثم صوت اخر ينادى (أمير المؤمنين) ثم يدخل جلالة الملك وهو يسير فى هدوء وحياء ، وحوله الاميران وخلفهم كبير الياوران . نهضنا ونحن نستحسن هذا الهدوء . وذاك الحياء فوقف واشار علينا بالجلوس ، واذا بذلك الحياء وهذا الهدوء يتحولان الى وجه صارم القسمات وصوت يكركر كالرعد وهو يقول (انتم مجرد موظفين سامين . لاتملكون القلم ، ولا تملكون القرار . وانا تشاورت مع الملوك والرؤساء واتفقنا على اجندة القمة . فانصرفوا الى فاس) .

-4-
* بدأ الملوك والرؤساء العرب يتوافدون الى فاس ، وذهبنا الى مطارها لنستقبل الرئيس نميرى ، وجاء معه الوزير محمد محجوب وكبير الياوران ، وطبيبه الخاص الدكتور مصطفى كامل .
* ثم وصلت خمس طائرات جامبو عراقية ، تحمل واحدة منها الرئيس صدام حسين والاخريات - كما قيل لنا - كن يحملن سيارات مدرعة وآليات الى جانب الحرس الخاص .
* ثم هبطت جامبو سورية ، تحمل احداها الرئيس حافظ الاسد ، والاخريات - كما قيل لنا - كن يحملن الحرس الخاص وسيارات وآليات مدرعة .
* كان هناك اتجاهـ قوى لدى الملك الحسن وبعض الملوك والرؤساء لعقد لقاء مصالحة بين الرئيسين قبل افتتاح القمة ، وانعقد اللقاء بالقرب من فاس فى بستان من بساتين الملوك ، لكن اللقاء تحول الى مناظرة ساخنة بين صدام والاسد (عليهما رضوان الله) .
* ثم انعقدت القمة ، كان المتبع ان يحضر القمة الى جانب الملك او الرئيس وزير الخارجية والمندوب الدائم لذلك البلد بالجامعة العربية ، لكن الامر مع وفد السودان اختلف هذه المرة اذ كان معنا وزيران ، وهكذا شهد القمة الى جانب الرئيس نميرى كل منى محمد ميرغنى المبارك ومحمد محجوب ، وظل باقى الوفد يتوافد الى غرفتى يتسامرون ويتعشون ، وكنت اطلب لهم كل مساء صينية ضخمة من الحمام المحشى بالارز ، وكان عبدالله الحسن وعباس موسى والاخرون يلتهمون ذلك اتهاماً . على كل فقد عدت الى تونس باصبع قدم منتفخ فقد اصابنى القاوت او مرض الملوك جراء ذلك !!
* ذات مساء وبعد ان تعشوا ووغادروا ركنت للنوم ، وحوالى الثانية صباحاً رن جرس الهاتف بجانب سريرى ملحاحاً فرفعت السماعة ، فاذا بصوت يسالنى (اسفير الحردلو؟) فقلت : (نعم) فقال : (انا كبير الياوران ، الرئيس يطلب حضورك !) نهضت وارتديت ملابسى وذهبت الى جناح الرئيس فوجدت عندهـ الوزيرين والسفيرين ود.كامل مصطفى ، فقلت للرئيس (اسف ، كنت نايم) فقال لى : (نايم ! مافيش نايت كلبس!) فقلت (ياريس ، نحنا مع القيادة الرشيدة ) فقال ضاحكاً (امش بلاش كلام فارغ معاك - اقعد) وجلست امامه مباشرة تفصل بيننا طاولة عليها صينية مليئة بالحلوى . لاحظت انه بين الحين والاخر يمد يدهـ للحلوى وياكل منها .
* فجأة .. قال لى (انا لا احب اصحابك الطيب صالح ووردى واليمنى!) فسألته (لماذا) فقال (ارسلت عمر الحاج موسى للطيب صالح فى لندن ليأتى ويطور الاذاعة ، فقال لعمر (انه مرتبط بعقد مع البى بى سى . ولا يستطيع الانتقال لعمل اخر ، وبعد سته شهور لقيناهـ روح قطر) .
قلت للرئيس : طيب وردى ؟ فأجاب ولدهشتى (ماغنى لمايو) كدت اقول : (لقد غنى وردى .. يا فارسنا وياحارسنا) ثم سألته (وماذا عن اليمنى) فقال : (ماعندهـ حاجة غير قصيدتك (تقول لى شنو .. وتقول لي منو!)
* ثم فجأة .. انتقل لناوا فقال : (انا مشيت ناوا .. جابوا لى واحد يقرأ القرآن فلحن فيه) ..
* قلت له : (ياريس .. هذه فرصة لنسألك .. لماذا لم تقدم لمناطقنا شيئاً .. لقد قلت فى اول زيارة لك للشمالية وفى دنقلا بالذات .. انها ستكون آخر المستفيدين من مايو .. ومرت سنوات كثيرة ولم تبن مدارس ولا مشافى ولا كهرباء ولا ماء .. فاعمل لنا طريق دنقلا - ام درمان) .
فقال لى على الفور (ما عندهـ اسبقية .. ساعمل لكم مطار دنقلا مطار دولى .. واعمل مطارات صغيرة فى عبرى والدبة الى جانب مطار مروى .. لكي يأتى اهلكم الذين يسافرون دائماً الى السعودية والخليج ومصر الى دنقلا ومن هناك الى مقاصدهم ) وعلمت فيما بعد انه قد فعل ذلك .
* سألته (ماذا جرى بينك وبين على ناصر محمد الرئيس اليمنى الجنوبى فى لقائكم المغلق نهار البارحة !!) فقال : (قال لى انهم رصدوا ان اذاعة تهاجمهم تنطلق من ناحية السودان) فقلت له ليست لدينا اذاعة سرية تهاجمكم أو تهاجم أي بلد آخر . وكما تعلم فإن الاذاعات فى هذا الزمن يمكن أن تكون متحركة وتقام على ظهر جمل او حمار او باخرة !!) ثم قال الرئيس لى : والآخرون يسمعون (هناك بالفعل اذاعة تمولها السعودية موجودة فى الخرطوم بحرى!!)
* كان الموضوع الوحيد المطروح على قمة مبادرة الامير فهد ولي العهد السعودى ، واختلف الملوك والرؤساء حولها ولم يتفقوا . سألنا الوزير محمد ميرغنى المبارك عن الذى جرى فى القمة فقال : (باختصار شديد .. لقد قام الملك الحسن بطرد الملوك والرؤساء!)
* ذلك كل مافى الامر ! .

سيداحمد الحردلو الخرطوم 18 مايو 2007م

elmhasi
28-01-2018, 07:44 PM
جريدة الوطن - السبت 9 جمادى الاول 1428هـ - الموافق 26 مايو 2007م - العدد
اين هم فى الزحام الآن .. (38 الى ..)

بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* وصل السفير عبدالله الحسن الخضر الى تونس قادما من الخرطوم بعد اسابيع من انتهاء قمة فاس الثانية ، وقدم اوراق اعتمادهـ للرئيس الحبيب بورقيبة ، ثم راح يزاول مهامه كرئيس للبعثة ومندوب دائم للسودان بالجامعة العربية .
كانت اجتماعات المندوبين الدائمين تنعقد بقاعة الجامعة العربية كلما استدعى الحال ، وذات مرة كان اجتماع المندوبين يناقش تأخر بعض الدول الاعضاء فى دفع مساهماتهم لميزانية الجامعة ، والقى السفير الكويتى كلمة حماسية تطالب تلك الدول بالإسراع فى تسديد ما عليها ، غير ان كلمته لم تخل من بعض الهمز واللمز ، فإنبرى له السفير عبدالله الحسن وهو يبدأ مداخلته قائلا : (اللهم أحيينى فقيرا وأمتنى فقيرا .. إلخ) الآمر الذى أنزعج له السفير الكويتى ، فأقسم بأنه لم يكن يقصد السودان ! .
* كانت الجامعة العربية تحتاج لعدد من المديرين لبعض مكاتبها ، وجاء من السودان ثلاثة من الكفاءات العالية ، غير أنه بسبب عامل السن أستبعد إثنان ، وأختيرت السيدة الفضلى الاستاذة حاجة كاشف ، مديرة لمكتب الجامعة بنيودلهى الهند .
* ثم بدأنا نعد العدة لترشيح السفير مهدى مصطفى الهادى لمنصب الامين العام المساعد ، كان السفير عبدالله يعالج الامر مع الاستاذ الشاذلى القليبى ، وانا مع الاستاذ منجي الفقيه (الرجل القوى بعد الامين العام) وتم اختيار السفير مهدى ، وتفضل - نبلا منه وكرما - للإقامة معى فى دارتى لبضعة اشهر ، ريثما يجد السكن المناسب .
-2-
* إنعقد مؤتمر السفراء فى الخرطوم ذاك العام ، وقد شاركنا فيه السفير عبدالله وشخصى الى جانب سفراء السودان فى معظم سفاراتنا ، إحتوى على اجتماعات للسفراء بقيادة وزير الدولة مصطفى مدنى وقتها ، ثم تلتها تدريبات عسكرية على ضرب النار فى إحدى القواعد العسكرية بالقرب من وادى سيدنا ، ثم أختتمت بإفطار ولقاء مع الرئيس نميرى ، قلت للرئيس اثناء الفطور (التعلمجية أخدوا الموضوع جد ، وأغلظوا فى معاملتنا ، وكانوا ينادون علينا بكلمة ’’يا مستجد‘‘ فضحك وهو يقول ’’لو كانوا عارفين إنكم حتقابلونى كانوا حلقوا ليكم صلعة!!‘‘)
* نسيت أن اقول ان الفريق السر اب احمد امتعنا بمحاضرة قيمة وعارفة فى ذلك المعسكر ، ولقد لفت نظرى بثقافته الواسعة ولغته العربية الرصينة .
-3-
* لم تطل اقامة السفير عبدالله الحسن فى تونس ، إذ سرعان ما ترشح سفيرا للسودان لدى بلاط صاحبة الجلالة البريطانية ، وكانت هذه هي المرة الثانية ، وهكذا غادرنا الى لندن .
-4-
* قام الفريق اول عمر محمد الطيب النائب الاول لرئيس الجمهورية ، بزيارة رسمية الى تونس اجرى خلالها مبلاحثات مع الرئيس بورقيبة ، ثم مع الوزير الاول محمد مزالى ، وبعض كبار المسؤولين ، وكانت زيارة ناجحة بالفعل ، وقبيل مغادرته طلب منى اخطار الشيخ جلول ليستعد للسفر معه هو وزوجته لأنه يريد اخذهما معه للحج الذى كان وشيكا ، والشيخ جلول هو شيخ الفريق عمر ، وكان شيخا ورعا يمارس علوم الفلك ، وله مؤلفات ، وكان قد تنبأ لى بسقوط مايو فيما بعد ، على نحو ما سأروى لاحقا !.
-5-
* و .. هذه قصة ، بل تراجيديا ، سأروى بدايتها بين القاهرة وتونس وهولندا ، ثم أعرج على اواسطها فى الخرطوم ، ثم أدلف الى خواتيمها بين صنعاء والخرطوم .
* كان السفير على احمد سحلول (عليه رضوان الله) يعمل سفيرا للسودان بالكويت ، وكان اللواء خالد حسن عباس (وزيرا للدفاع فيما أظن وقتها) يقوم بزيارة للكويت ، وعلمت أن السفير لم يستقبل الوزير فى المطار كما جرى العرف ، ولم يحسن التعامل مع تلك الزيارة المهمة ، وحكى اللواء خالد ما جرى من السفير للرئيس نميرى عند عودته للخرطوم ، فما كان من الرئيس إلا طرد سحلول من السفارة والخارجية ، فإتخذ سحلول من القاهرة مقرا له .
* كنت فى إجازة فى الخرطوم وعرجت على القاهرة فى طريقى الى تونس ، ونزلت فى فندق المريديان ، وذهبت كعادتى الى مكتبة مدبولى لأقتنى الجديد من المؤلفات ، وهناك وجدت الشاعر نزار قبانى الذى جاء هو الآخر لنفس الغرض ، أو ربما لمعرفة سير بيع دواوينه فى مكتبة مدبولى ، وكان نزار يقيم فى القاهرة بعد هدوء العاصفة التى اثارتها قصيدته (اليوميات السرية لبهية المصرية) والتى هجا فيها السادات هجاءا مرا!.
* مضى بنا الحديث مشارب شتى حتى اننا نسينا ما جئنا اليه ، واخبرنى بانه يعيش على ريع اشعارهـ فى منافيه المتعددة ، واشاد بالشعب السودانى الذى هو الذواقة والعاشق الاول للشعر فى الوطن العربى ، وكيف أن الناس كانوا يستمعون اليه كالعصافير من فوق الاشجار ! قلت له (للأسف لم أكن موجودا بالخرطوم وقتها ، وأظننى كنت فى يوغسلافيا ! لكننى سمعت بكل ذلك وقرأت ما قلته عن السودان والسودانيين!) .
* زارنى ذلك المساء بالفندق السفير على سحلول والسيدة حرمه ، وحدثنى بأنهما يمران بظروف قاسية ماديا ولايستطيعان مقابلة اقل متطلبات العيش ، طالبا الى أن ادبر له عملا بالجامعة العربية ، ووعدته خيرا ، لكنه ظل يلاحقنى بالهاتف من السفارة السودانية بالقاهرة ، وغيرها بشكل يكاد يكون يوميا ، وكان موعد الترشيحات لمديرى مكاتب الجامعة لم يحن بعد .
* قمت بزيارة الاستاذ الشاذلى القليبى ، الامين العام للجامعة العربية وقلت له (إننى أجئ إليك اليوم بترشيح سفير عروبى يستحق أن يكون سفيرا لكم فى بلد ما) فرد على الفور (يا سى احمد انت كل فترة تأتى الينا بمرشح جديد .. نحن نريدك انت فانت عروبى وافريقى وشاعر ، ونحن نريدك مديرا لمكتبنا فى نيروبى ، وإذا كنت لاتريد نيروبى فسنرسلك مديرا لمكتبنا فى لندن!) .
* قلت له (سيقول الناس إن الحردلو إنتهازى ، إستغل فرصة وجودهـ فى تونس وعلاقته بالامين العام ودبر وظيفة مهمة لنفسه .. فيا سى شاذلى الخدمة التى تريد أن تقدمها لى .. قدمها للسفير سحلول).
* فقال الامين العام (أنا موافق مبدئيا ، وعليك إقناع المندوبين الدائمين ليصوتوا له يوم الإقتراع .. فالمرشحون كثر ..) .
* كانت توجد فى تونس إثنتان وعشرون سفارة عربية ، فمررت على المندوبين الدائمين جميعا ’’بإستثناء السودان بالطبع‘‘ بواقع ثلاثة مندوبين فى اليوم لمدة سبعة ايام .
* نسيت أن أقول أن السفير سيد شريف كان قد وصل تونس رئيسا للبعثة ومندوبا دائما للسودان . وقدم اوراق إعتمادهـ للرئيس وبدأ مزاولة عمله فى المجالين ، وأقول الحق إن العمل مع السفير سيد شريف ممتع فهو متواضع وديمقراطى وحقانى .
* كان يتابع ما أقوم به نحو سحلول ، وكان يضرب كفا بكف ، وهو يقول : (ياحردلو حتندم .. حتندم يا حردلو !!)
* لكننى كنت أمضى فى الذى انا فيه .. وجاء يوم الإقتراع ، وفاز سحلول بالإجماع ، كان المرشح الوحيد الذى فاز بالإجماع ، بل ذهبت أكثر من ذلك فطلبت من الامين العام أن يعينه مديرا لمكتب الجامعة فى هولندا ، وفى بالى إنه والسفير الشاعر صلاح احمد محمد صالح سيكونان تيما سودانيا فاعلا ومتناسقا لحضور سودانى رائع فى ظل علاقات سودانية هولندية متنامية .
* وكان السفير سيد شريف يكرر على مسمعى دائما (يا حردلو .. حتندم .. حتندم يا حردلو!!) .
* وأخطرت سحلول بكل ذلك وجاء تونس وأخذ أوراق إعتمادهـ وغادر الى هولندا ، بدون إخطارى بحضورهـ وبدون مجرد تحيتى ، أو حتى شكرى ، ولم أكن أعلم بكل ذلك !
إلا حينما صعد السفير سيد شريف الى مكتبى ويسبقه السؤال : (هل إتصل بكل سحلول ؟) وحين قلت (لا) ضحك وهو يكرر : (يا حردلو .. حتندم .. حتندم ياحردلو!!) واستمر يزور تونس من وقت لآخر .. ونسمع أنه جاء وذهب !!
* علمت فيما بعد أن سحلول خاصم السفير صلاح بعد وصوله هولندا باسبوعين ، ونقل صلاح ، وذهب السفير سيد شريف الى هولندا وخاصمه سحلول بعد اسبوع من وصوله ، ونقل سيد شريف للخرطوم ، وذهب مكانه السفير الفكى عبدالله (عليه رضوان الله) . فخاصمه من المطار حين ذهب لإستقباله (هكذا قيل لى) وعلى كل حال هناك إثنان من الشهود احياء .. متعهما الله بالعافية والعمر المديد وهما السفيران صلاح احمد محمد صالح وسيد شريف .
-6-
* انا مضطر للقفز فوق السنوات أي من تونس للخرطوم من أجل تواصل السياق على وعد ان اعود لتونس بعد الإنتهاء من هذهـ المأساة الإغريقية ! .
* نقلت للخرطوم بعد الإنتفاضة وبالتحديد فى 31 أغسطس 1985م ، وكالعادة كلفت بإدارة الإعلام ، فوجئت ذات يوم بالسفير على سحلول يدخل مكتبى فرحبت به ، وكنت على وشك أن أتناول (سندوتش) فطلبت له أخرى وكوب ليمون ثم شايا .. تكررت زياراته لمكتبى ، حتى أن بعض الزملاء سألونى عن سر هذهـ الزيارات لى ، وقال احدهم (إنه لايلقى ترحيبا إلا منك ، فالآخرون يشيحون بوجوههم عنه!) .
* وجاءنى سحلول ذات صباح وجلس وقال ونحن نتناول الفطور : (اريدك فى امر مهم ، اريد منصب وكيل الوزارة ، وأتمنى مساعدتك!) فقلت (سأحاول) وخرج . ونهضت من توى وذهبت لمكتب وزير الخارجية وقتها الدكتور مامون سنادة وقلت له (لديَ سفير ممتاز اسمه على سحلول ، يصلح وكيلا للوزارة ، ’’وكانت الوزارة بلا وكيل بعد .. فقد كان البحث جاريا‘‘ فقال لى الوزير : (أنا موافق ، ولكن عليـك إخطار السيد الصادق المهدى والحصول على موافقته) وذهبت لمقابلة السيد رئيس الوزراء الذى سألنى عن رأي الدكتور مامون سنادة ، فقلت له : (إنه موافق وهو فى إنتظار رأيك) فقال على الفور (ما دمت انت رشحته ، والوزير موافق ، فأنا موافق) نقلت موافقة الرئيس للوزير الذى طلب منى أن يوافيه سحلول حين يزورنى ، وقد كان !
* وهكذا أصبح سحلول وكيلا للوزارة !!
-7-
* وجاء الشريف زين العابدين الهندى وزيرا للخارجية ، وكانت لجنة التنقلات قد اوصت بنقلى الى براغ ، وكان الوزير فى زيارة لليمن لحضور اجتماعات اللجنة الوزارية المشتركة ، كان ذلك فى مارس 1987م ، وحين عاد عرض عليه كشف التنقلات ، حمل قلمه ورسم خطا من اسمى من براغ الى صنعاء ، وخطا آخر من صنعاء الى براغ ، وحين سئل (لماذا؟) قال (إن السودانيين فى اليمن اشتكوا من السفارة ، ووعدهم بأن يأتيهم بسفير قوي) . أخبرنى بذلك السفير يوسف مختار (عليه رضوان الله) والذى كان رئيسا للجنة التنقلات ، فقد جاءنى مقطب الجبين ، وهو يقول (الوزير غير نقلك من براغ الى صنعاء!) .
* دخلت على الوزير يوما لأننى أرسلت صحفيا من جريدة ’’الراية‘‘ يريد مقابلة الوزير ، الى مدير مكتبه ليسهل دخوله للوزير ، لكن الصحفى عاد بعد قليل والدم ينزف من وجهه ، وحين سألته (ماهذا؟) أجاب (لقد ضربنى مدير مكتب الوزير ’’بنية‘‘ ثم أضاف ، انا ذاهب لفتح بلاغ) . فقلت له وانا اطيب خاطرهـ (الخارجية لاتفتح ضدها بلاغات ، لأنها وزارة الدبلوماسية ، تعال معى للوزير) .
* قلت لمدير مكتب الوزير (يا فلان .. دي وزارة خارجية مش حلبة ملاكمة!) ودخلت ومعى الصحفى على الوزير ، وأخبرته بما جرى ، فطيب خاطر الصحفى ، وأعطاهـ رقمه ، وبينما كنت أحاول الخروج ، قال الوزير وهو يخاطبنى (صنعاء حتوحشنا ، قالوا انت زعلان .. اقعد فيها ثلاثة شهور .. إذا ما عجبتك .. سأنقلك الى أي بلد تريد) وقبل إنقضاء الثلاثة شهور استقال الشريف زين العابدين الهندى من الوزارة (عليه رضوان الله) وجاءها وزيرا محمد توفيق (رحمه الله) .
* وصلت صنعاء مساء 5 اكتوبر 1987م ، وخلال فترة وكالة سحلول ارسلت عشرين تقريرا موجهة اليه حول امور خطيرة كانت تجرى هناك وتتطلب الحسم ، ولم أتلق ردا واحدا عليها ! وجاءت الإنقاذ وصار سحلول وزيرا للخارجية ، وأخطرت بأننى منقول الى رومانيا ، وجاءت موافقة رومانيا خلال اسبوعين . وجئت الخرطوم فى اكتوبر فى طريقى الى رومانيا ، وظهر احد ايام نوفمبر جاءنا احد سعاة الخارجية يحمل خطاب إحالتى للصالح العام !
* كان اليوم خميسا (11/23) وكانت الساعة الثانية ظهرا ، وكنت أستعد للمغادرة الى بغداد لحضور مهرجان المربد ، فإذا بالسفير اليمنى عبدالسلام العنسى يطرق باب بيتنا ، ويدخل ويجلس ، ثم يقول (جئت من صنعاء مساء الاثنين ، وتركت الرئيس على عبدالله صالح وكل أصدقائك من المسؤولين منزعجين عليك بما سمعوا من أنك أحلت للصالح العام ، وأنك معتقل . وقد طلب الرئيس منى العمل على اطلاق سراحك وتسهيل سفرك لليمن) ثم أضاف (طلبت مقابلة بعض كبار المسؤولين يوم الثلاثاء ، وسألتهم عن كل ذلك ، فطلبوا منى إمهالهم للتقصى ، وأتصلوا بي اليوم الخميس ، وقالوا لى : أولا : الحردلو ليس معتقلا .. وثانيا : إنهم لم يحيلوهـ للصالح العام ، فالذى أحاله للصالح العام هو وزير الخارجية على سحلول ، وذلك لتصفية خلافات شخصية بينهما ! وطلبوا منى أن أطلب إليك أن تكتب رسالة للرئيس البشيرلإستثنائك من الفصل ، وسأحلمها أنا إليهم!).
* قلت لسعادة السفير اليمنى (أسمع هذه القصة!) ورويت له كل الذى قدمته لسحلول من تعيينه مديرا لمكتب الجامعة بهولندا .. الى تعيينه وكيلا للخارجية .. والأخيرة جعلته وزيرا!) .
* فرد ردا مقتضبا وصادقا .. قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ’’إتق شر من أحسنت إليه‘‘) فقلت : (صدق رسول الله) .
* وهنا تذكرت نبوءة الصديق العزيز السفير سيد شريف ، وهو يكرر عليَ فى تونس (ياحردلو .. حتندم .. حتندم يا حردلو!!) .
* وقلت للسفير اليمنى (أنا لا استطيع مخاطبة الرئيس البشير .. فعلى هؤلاء المسؤولين مخاطبة الرئيس ما داموا مقتنعين بأن ظلما قد أصابنى!).
* لم أكن انوى زيارة اليمن ، لكنَ أهل الخارجية اصروا عليَ أن أذهب لليمن لإستلام مرتب الثلاثة اشهر التى منحت لمن اصابهم وابل الصالح العام ، قلت لهم (لقد منعتمونى من وداع الرئيس اليمنى ، فكيف تطلبون منى أن أذهب لليمن!) . وكان ردهم (أن الضغط على سفارتنا فى السعودية كبيرا).
* وتوكلت على الله وسافرت من بغداد لصنعاء ، وفى بالى أن أعود من هناك الى الخرطوم ، إتصلت مساء يوم وصولى صنعاء بأسرتى فى اركويت والديوم ، وعلمت منهم أن عناصر من الامن زارت البيتين تسال عنى !.
* إتصل بي الدكتور عبدالكريم الاريانى وزير الخارجية اليمنى مساء ذات اليوم مرحبا بي وأفادنى بأنه سيرسل مرافقا لأخذى الى مكتبه فى الحادية عشر من صباح اليوم التالى ، وقد كان فقال لى بالحرف ما يلى (الرئيس قال .. افتحوا ابواب اليمن للحردلو .. أعطوهـ اي وظيفة يريد .. فقط أن لايطلب أن يكون وزيرا أو يجلس فى مكانى !!) .
* فأقمت فى اليمن معززا مكرما - وأصدر الرئيس توجيها للوزير وعبرهـ للسفير بالخرطوم بإخراج اسرتى لليمن .
وظل السفير اليمنى يتصل دائما فى محاولة لعودتى للخرطوم ، وجاءت وفود سودانية سامية لذات الغرض سنفرد لها جانبا حين يحين الحديث عن اليمن حسب التسلسل التاريخى ..
* المهم أن زوجتى وأبنى أضطرا للعودة للخرطوم ، لأن زوجتى كانت حبلى ، ونصحنى الدكتور حسين الاريانى بأن تضع زوجتى مولودها فى مدينة على مستوى سطح البحر ، وليست مرتفعة كصنعاء لقلة الاوكسجين فيها ، وهما يحملان جوازي سفر دبلوماسيين يمنيين ، وهكذا جاءت اسرتى للخرطوم ، ولم يكن احد يصدق ان يحدث لهم ما حدث ، فلقد منعوا من العودة الى صنعاء - ولقد علمت فيما بعد أن سحلول كان وراء ذلك فأصبت بمرض ضغط الدم ، الذى أدى الى الفشل الكلوى فيما بعد ، فقررت العودة للخرطوم لألتئم بإسرتى ، وأصدرت بيانا بذلك نشر فى الصحف اليمنية والعربية .
* وحين وصلت الخرطوم أستقبلنى فى المطار الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل أمين مجلس الصداقة العالمية ، وعرض علي أن أعمل سفيرا بمجلس الصداقة فشكرته ، وإعتذرت ، لكن سحلول ذهب الى الشيخ حسن الترابى يشكو الدكتور مصطفى بأنه أحضر الحردلو ليعود للخارجية . وقال (يا أنا يا الحردلو فى الخارجية!) . ثم ذهب الى الرئيس البشير وقال نفس الشئ !!).
-8-
* إن سحلول فى رحاب الله الآن .. اللهم إنى أمامك وامام عيون هذا الوطن العظيم ، أعلن أننى قد عفوت عن المرحوم على احمد سحلول ، اللهم أغفر له ، وارحمه أحسن إليه ، وأجعل الجنة مقامه مع الانبياء والاولياء والصديقين والشهداء .



سيد احمد الحردلو

الخرطوم 23 مايو 2007م

elmhasi
28-01-2018, 08:07 PM
جريدة الوطن - السبت 16 جمادى الاول 1428هـ - الموافق 2 نيويو2007م - العدد
اين هم فى الزحام الآن .. (39 الى ..)

ما نزال فى تونس فالحديث عن تونس طويل ويطول!

بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-


* إتصل بي الاديب الاكبر الطيب صالح من باريس حيث كان يعمل فى اليونسكو فى ابريل 1984م ، وقال (إن التأريخ لن يرحمنا إن نحن سكتنا عن الذى يجرى فى السودان ، فعلينا أن نكتب ونفضح عرى هذا الزمن القبيح ، حيث تمارس البشاعات بإسم الشريعة السمحاء ، على هذا الشعب السودانى ’’السمح والزين على حد تعبيرك‘‘ ووافقته على كل ما قاله ، وبدأت أكتب ، فكتبت ديوانا كاملا بالفصحى والعامية ، وأسميته ’’كتاب مفتوح الى حضرة الإمام‘‘ للشاعر سليم عبدالسلام عبدالله ، وصورت منه نسختين فى جهاز تصوير بإتحاد الإذاعات العربية ، بمساعدة الصديق محمد سيداحمد ، الذى يعمل بالإتحاد ، ولم يكن يعرف محتويات ذلك الورق ، ثم وضعت النسختين فى درج مكتبى فى دارتى ، ثم اتصلت بالصديق الطيب صالح ، أنقل اليه إننى جاهز فقط أبحث عن دار تقوم بطباعته شريطة أن تكون خارج تونس ، كان ذلك أواخر يوليو 1984م .
-2-
* زار تونس الاستاذ على عثمان محمد طه ، رائد مجلس الشعب فى سبتمبر 1984م ، وعقد لقاءات مع قيادات البرلمان التونسى ، وكان يشتمل برنامجه على زيارة خاطفة لإحدى مدن فرنسا ، وأظنها نيس . قلت له ونحن داخل السيارة فى طريقنا الى المطار (جاء فى النشرة الإعلامية اليومية التى ترسلها إدارة الإعلام للسفارات أن الرئيس نميرى قد اعفى ’’فلان الفلانى‘‘ من منصبه ، فإذا به يطلب منى العودة للسفارة ثم الفندق ، وإنه قرر إلغاء سفرهـ لفرنسا والعودة فورا للخرطوم !.
* طلبت من السائق الخروج من الشارع والتوقف ، ودار بينى وبين الأستاذ على .. حوار فحواهـ أن يختصر زيارته لفرنسا ليوم واحد يعود بعدهـ الى تونس ثم ينطلق بالتونسية للخرطوم ، فوافق على اقتراحى ، وذهب لفرنسا وعاد ثم انطلق بالتونسية للخرطوم ، ولم أسأله ما قصة هذه العجلة للعودة للخرطوم !.
-3-
* وجاء اكتوبر شهر العجب العجاب . إذ حدثت فيه عدة احداث مهمة ، أولها .. وصلتنى برقية من سفارتنا فى جدة تقول : (يصلكم الدكتور حسن الترابى مستشار رئيس الجمهورية بالتونسية يوم كذا ، لإستقباله وتسهيل مهمته!) فقمت على الفور بإخطار وزارة الخارجية التونسية ، ووجهت بالحجز له فى فندق هيلتون ، وطلبت فتح قاعة كبار الزوار ، وذهبت حتى سلم الطائرة ومعي مسؤول من الخارجية لإستقباله ، وحين إنتهينا من مراسم الاستقبال وركبنا فى السيارة قلت للسائق (فندق هيلتون) فإذا بالشيخ الترابى يقول (انا احجزوا لي فى فندق ابونواس) وهو فندق على البحر فى ضاحية تدعى قرطاج ، يقصدهـ طلاب شهر العسل ، فقلت للسائق (فندق ابونواس) سألت الشيخ إن كانت زيارته رسمية أم شخصية ، فرد بأنها شخصية ، بدأت أفكر (برقية من سفارتنا فى جدة ، وليست من وزارة الخارجية!) (احجزوا لي فى فندق ابونواس!) ولديه سفارة (حدادى مدادى فى تونس!) قلت لنفسى (لابد فى الامر شئ ما .. ربما هنالك إجتماع للتنظيم الدولى للإخوان المسلمين) . حين وصلنا للفندق ، أعطيته أرقام هواتفى فى المكتب والبيت طالبا اليه ان يتصل بي لو احتاج شيئا ، وطلبت اليه كذلك ان يحدد لى يوما ليتفضل بتناول طعام الغداء فى دارتى ، فحدد لى يوما بعد ثلاثة ايام ، فقلت له (سأرسل له السائق ظهر ذلك اليوم) .
* كان قد وصل على نفس الطائرة الصديقان صلاح الشيخ وعوض محمود صديق ، وتفضلا بالإقامة معى أياما ثم قاما بزيارة سوسة ، ثم ذهبا للمغرب ، ثم عادا لتونس ، وقضينا وقتا طيبا معا ً .
* حان يوم موعدى مع الشيخ الترابى ، وتم إغتيال انديرا غاندى صباح ذلك اليوم ، ارسلت اليه السائق ودعوت عددا من الدبلوماسيين منهم المستشار جعفر كبيدة السفير فيما بعد ، والقنصل مكى الشيخ ابوحراز (رحمه الله) كما جاء تونسى لا اعرفه ، ولكنه كان شديد الاعجاب بالشيخ الترابى ، وجاء آخرون ، وجاء الشيخ . وقدمت اليه الحاضرين . وما ان جلس حتى فاجأنى بقوله (الليلة تلقى صاحبك (.....) فى لباسه!!!) .
فهمت الإشارة لكننى سألته (صاحبى منو؟!) فقال (نميرى) فقلت له (نميرى ما صاحبى .. نميرى صاحبك انت بدليل إنه عيَنك مستشارا له ، أما انا فقد كنت فى الخارجية قبل مجيئه وسأظل فيها بعد ذهابه) ثم سألته (يادكتور إنت درست فى السوربون وشاهدت العالم المتحضر الذى يرعى حقوق الإنسان ، فما هذهـ القوانين ؟ (قوانين سبتمبر!) التى قمت بصياغتها وهي قوانين أهانت الشعب السودانى!) فقال (والله .. لم أكتبها وما قرأت غير ثلثها حتى اليوم ، لقد كتبها بعض الذين حول نميرى فى القصر الجمهورى ، بل أزيدك علما .. لم يدخل مكتبى ملف واحد منذ ستة أشهر!) فسألته (لماذا لاتستقيل!؟) وكان ردهـ (نحن لانستقيل ، نحن نعمل من الداخل ، ويا سيداحمد نحن حنحكم السودان ، واخير ليك تكون معانا!!) طلبت من القنصل ألا يكتب ما دار من الشيخ الى رئاسته ، خشية أن يصيبه مكروهـ !.
-4-
* وجاء برفيسور على شمو وزير الثقافة والإعلام فى زيارة رسمية لتونس ، وطلب عقد مؤتمر صحفى - ونحن على الغداء فى بيتى - وحين سألته (عن ماذا سيتحدث؟) قال (سأتحدث عن قوانين سبتمبر!) فنصحته ألا يفعل ، وقلت له بالحرف (لن ينشروا عنها كلمة واحدة!) لكن الصديق شمو لم ينتصح بنصحى ، وقال ما قال .. ولم ينشروا عنها كلمة واحدة !!.
-5-
* كان من المقرر أن ينعقد مؤتمر المحامين العرب فى سوسة فى اكتوبر ذاك ايضا ، وكان قد وصل بالفعل وفد قيادة الإتحاد بقيادة الاستاذين احمد الخواجة وفاروق ابوعيسى امينه العام ، وعدد من الوفود العربية . وبينما كنت اتهيأ لإستقبال وفد المحامين السودانيين بالمطار ، هاتفنى الاستاذ امين مكى مدنى من لندن وقال لى (حدثت مشكلة فى مطار الخرطوم إذ أنزلت عناصر الأمن الأستاذ تيسير مدثر من الطائرة ، فغادر كل المحامين الطائرة إحتجاجا على منع تيسير من السفر ، وهكذا فإن الوفد قرر عدم الحضور الى تونس) وطلب منى أن أنقل ذلك الى الاستاذ فاروق ابوعيسى ، وفعلت .
* ذهبت الى مطار تونس لوداع صديق مغادر الى اوربا ، وبينما كنت أودعه امام صالة المغادرة ، إذ بي ارى رجالا ً لا تخفى سحناتهم السودانية ، وهم يهمون بدخول السوق الحرة - كانوا بعيدين عنى ، ولكننى شاهدت وسط زحامهم الاستاذ الصادق شامى ، فأدركت أن الوفد السودانى قد وصل ، وهكذا دخلت الى صالة الوصول لتحيتهم فلى بينهم اصدقاء كثر ، وعلمت منهم أن الرشيد الطاهر هو الذى تدخل وحل المشكلة ، فجاء الوفد كاملا الى تونس ، وعلمت منهم أنهم جاءوا بلا تأشيرات دخول ، فقدمت نفسى لضابط الجوازات المسؤول والذى منحهم جميعا تأشيرات دخول ثم سبقتهم الى خارج المطار وأستأجرت لهم بصين سياحيين لأخذهم الى سوسة ، وكان عددهم حوالى الستين محاميا ، يتقدمهم الاستاذ ميرغنى النصرى وعابدين اسماعيل (عليه رضوان الله) وقفت حتى يغادر البصان وتحدثت مع السائقين عن ضرورة القيادة بسرعة معقولة فهما يحملان شخصيات مهمة .
وتحرك البصان بإتجاهـ سوسة ، أخبرنى الاستاذ الصادق شامى فيما بعد (أن الاستاذ طه ميرغنى المحامى ’’والذى لم اكن اعرفه من قبل‘‘ قد تأثر جدا حتى دمعت عيناهـ من حسن المعاملة التى صدرت منى تجاههم!) . فقلت (إنما كنت أودى واجبى نحوهم).
* غادرت الى سوسة صباح اليوم التالى ولحق بي القنصل لحضور الجلسة الإفتتاحية ، وكانت القاعة مكتظة فى إنتظار وصول الوفد السودانى ، وما دخل الوفد السودانى ، حتى نهض جميع الجالسين ، وعلت أصوات الهتاف والصفقة ترحيبا به ، وكان مشهدا رائعا حقا ً ..
اما الاستاذ شوقى ملاسى المحامى فقد جاء من لندن ، وإنضم للوفد .
* عاد المحامون الى تونس بعد انتهاء المؤتمر فأقام معى حوالي العشرين .. أما الباقون فقد نزل بعضهم فى فنادق ، وبعضهم وزعناهم على بعض السودانيين فى تونس ، أذكر من الذين اقاموا معي الاساتذة عابدين اسماعيل ، الصادق شامى ، سعيد حمور ، يحي الحسين ، عمر عبدالعاطى ، تيسير مدثر ، ابوالحسين مالك ، وكان يأتى جميع اعضاء الوفد الى جانب وفد قيادة الإتحادى الى بيتى كل مساء ، وذات مساء كنا نجلس فيما يسمى بـ(الأنترى) فى الطابق الاول بإنتظار وصول الآخرين فدخل علينا شوقى ملاسى ، وجلس وقال موجها كلامه لى (إن التأريخ لن يرحم شعراء السودان الصامتين على هذا الذى يجرى للشعب السودانى ، وأنت أولهم ، فالدبلوماسية قد شغلتك عن قضايا الشعب).
* قلت لشوقى والأساتذة الجالسين ، وأذكر منهم الصادق شامى وسعيد حمور وتيسير مدثر ويحي الحسين وابوالحسن مالك (تعالوا معي الى مكتبى المواجه لمجلسنا هذا) وجاءوا وجلسوا ففتحت الدرج وأخرجت نسخة من نسختى ديوان ’’كتاب مفتوح الى حضرة الإمام‘‘ وناولتها للأستاذ شوقى ملاسى فأعادها لى بدون أن يفتحها وهو يقول (أقرأ علينا القصيدة الاولى وبدأت أقرأ ، وحين أدركت البيت العاشر) سحب شوقى المسودة من يدى ووضعه تحت إبطه الأيسر وهو يقول (كلامى مسحوب!) وعاد الى لندن ونشر الديوان فى كتيب صغير وضع داخل مجلة الدستور ووزع معها ، وقيل لى ايامها إن مجلة الدستور كانت توزع أكثر من مائة الف نسخة ، كان ذلك فى أول يناير 1985م ، إحتفالا بعيد الإستقلال المجيد ، كانت بالوفد محاميتان هما الاستاذتان حرم وابنة بابكر النور التى غاب عنى اسمها فلها العتبى حتى ترضى ، وأذكر أننى حصلت لها على فيزا لزيارة عمها الذى كان يستشفى بالمانيا .
-6-
* كان ليو بولد سنغور الرئيس السنغالى الاسبق والشاعر الافريقى الكبير هو مؤسس ماعرف برابطة الاشتراكية الافريقية ، وكان السودان على عهد الرئيس نميرى عضوا فيها ، وكان الرائد ابوالقاسم هاشم (عليه رضوان الله) هو ممثل السودان فى حضور تلك الإجتماعات ، وصلتنى برقية من الرئاسة على تمثيل السودان فى ذلك الإجتماع الذى كان سينعقد فى سوسة (قبل هذا التأريخ) وذهبت الى سوسة ، وإلتقيت الرئيس سنغور للمرة الاولى ، فوجدت فيه رجلا دمث الاخلاق ، متواضعا ودودا ، وسرعان ما نشأت بيننا علاقة طيبة ، كانت الإجتماعات تنعقد صباحا ، وكنا سنغور وشخصى نذيب بعض الليل فى حوارات عن الشعر الافريقى والاشتراكية الافريقية ، كان يجيد الفرنسية ، ويحسن الانجليزية ، اما انا فكانت فرنسيتى متعبة ، وإنجليزى حسنة ، وهكذا ذات امسية استنشدنى بعض شعرى ، فترجمت اليه بعض ، حتى أتيت الى قصيدتى العامية (نحن) والتى يقول مطلعها
-1-
تقول لى شنو
وتقول لى منو
نحن الساس
ونحن الرأس
ونحن الدنيا جبناها
وبنيناها بويت فى بويت
واسأل جدى ترهاقا
وخلى الفاقة والقاقا
تقول لى شنو
وتقول لى منو
-2-
تالا ابوي بعانخى لزم
وتالا اللم ابواولباب
*(الى آخر القصيدة) .

* وقلت له (إن هناك من اتهمنى بالنرجسية بسبب هذهـ القصيدة) وكنت اعنى ابن اختى ابوالحسن مالك المحامى ، فقال سنغور (هذا هراء ، انت لست نرجسيا ، انت قلت الحقيقة ، إن الحضارة الاولى فى العالم قامت فى السودان ، ربما قبل عشرات الآف السنين ، حيث نشأت فيه زراعة متطورة ، وصناعة متقدمة ، كما كان رائدا فى صناعة الفخاريات ، وشهد السودان بناء أول أهرامات فى الدنيا ، فالسودانيون هم الذين علموا المصريين ، والمصريون هم الذين علموا الذين علموا الإغريق الرومان ، والذين بدورهم علموا الانقلو ساكسون ، بل اننا فى غرب افريقيا تعلمنا من الحضارة السودانية ، ولدينا قبائل مثل الدينكا والشلك والنوير يقيمون فى السنغال ، وما يزالون يتحدثون بلغاتهم (الأصلية!) .
* قلت للرئيس سنغور ..(هل انت مستعد لتقول كل هذا فى الخرطوم ، لو دعوناك إليها!؟) فقال على الفور (نعم) فأرسلت رسالة بكل هذا ، وفى وقت قياسى جاءت دعوة موجهة الى الرئيس سنغور سلمتها للسفير السنغالى فى تونس ، والذى وعد بتأمين وصولها إليه .
* علمت فيما بعد وأنا ما أزال فى تونس أن الرئيس سنغور جاء الخرطوم بالفعل ، وألقى محاضرة قيمة فى قاعة الإمتحانات بجامعة الخرطوم ، وأن الدكتور اسماعيل الحاج موسى هو الذى قام بأعمال الترجمة من الفرنسية الى العربية .





سيداحمد الحردلو
الخرطوم 29 مايو 2007م

ناصر يوسف
29-01-2018, 06:56 AM
انا في زيارة قصيرة للعاصمة الخرطوم وإذا رجعت البلد .. مافي طريقة تاني ...
قلت انزلها ليكم كده وكل زول يشوف الزمن البيناسب معاهـ ..
ولك العتبي حتي ترضي ...



حبابك متي ما تهل وتهطل علينا هنا يا حبوب والبيت ياهو بيتك

elmhasi
26-02-2018, 09:36 PM
جريدة الوطن - الاحد 24 جمادى الاول 1428هـ - الموافق 10 يونيو2007م
اين هم فى الزحام الآن .. (40 الى ..)

بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
* وجاء وجه يناير 1985م وصدرت مجلة الدستور اللندنية ، وكانت تقود معارضة شرسة ضد نظام مايو ، وكان رئيس تحريرها هو الاستاذ شوقى ملاسى البعثى الهوى ، صدرت وبداخلها كتيب عبارة عن ديوان شعر يحمل اسم (كتاب مفتوح الى حضرة الامام) للشاعر سليم عبدالسلام عبدالله ، وانتشر الديوان سريعا فى دروب الريح الاربعة ، ولم يكن احد يعرف صاحبه سوى ملاسى وإيايَ .
* كانت والدتى (عليها رضوان الله) تعانى من مرض المرارة ، وطلبت أن يعرضوها على النطاسى البارع ميرغنى السنهورى ، واتصلت بابن عمى الصادق شامى الذى افادنى بان الدكتور السنهورى قال إنه لابد من إجراء عملية ، لكن الحاجة رفضت عملها إلا بعد حضورى ، خاصة وأنا ابنها الوحيد .
* كان اليوم يوم جمعة ، فإتصلت بالاستاذ هاشم عثمان وزير الخارجية ، اطلب إجازة عاجلة فصدق بها فورا ، وكنت مازلت أجلس على الكرسى الذى تلفت منه فى الطابق الاول ، عندما رنَ جرس الباب ، وفتحت الشغالة رفيقة الباب ، وصعد الي حيث كنت اجلس الشيخ بابكر عبدالله ومعه شخص آخر ، نهضت لتحيتهما ، وطلبت من الشيخ بابكر أن يجلس على الكرسى الذى كنت اجلس عليه ، وبينما كان يهم بالجلوس إنتفض واقفا وهو يقول (إنت على سفر ... ولا أنا بهضرب !) أخذتنى دهشة عارمة ، وحين كادت الدهشة أن تمضى حالها قلت (نعم) ورويت عليه ما كان من أمر سفرى الذى قررته قبيل لحظات !.
* وهنا لابد من وقفة عند هذا الشيخ المدهش العجيب ، فهو شقيق الدكتور سيداحمد عبدالله ، عبقريَ زمانه ، وزميل دراستى وصديقى فى وادى سيدنا الثانوية . كنت فى الصف الاول وكان فى الصف الثالث ، وكان اديبا اشتراكيا تعرفت منه على كتابات ابوالصين الرئيسى الرئيس ماو تسى تونغ ، وبعدها صار استاذا فى جامعة الخرطوم ، غير أن الموت غيبه باكرا وهو فى قمة عطائه الفكرى (رحمه الله) .
* أما شيخنا بابكر عبدالله فهو إسلامى ، جاء تونس من مكة المكرمة التى إتخذها مقرا بعد أن أعفاهـ نميرى من منصب مدير ديوان الزكاة ، وكنا نسمع قصصا عجيبة عنه ، المهم انه دخل بيوت معظم السودانيين فى تونس فصرنا نختم القرآن الكريم كل ليلة فى بيت احدنا ، ثم يكون العشاء فتة ، وهكذا أقلع كثيرون عن ام الكبائر .
-2-
* بدأت أستعد للسفر للخرطوم عن طريق القاهرة ، وبينما انا كذلك جاءنا الخبر الصاعق بإعدام الشيخ محمود محمد طه ، الذى سمته الصحافة التونسية بـ(حلاج العصر) أما الصحف الفرنسية والإنجليزية فحدث ولا حرج فقد اقامت سرادقات من الكتابات الباكية ! .
* تشتهر تونس بعدد من المنجمين الذين تنشر لهم جريدة الصباح أواخر كل عام نبوءاتهم عن العام الجديد ، فقد تنبأت احداهن بإغتيال زعيم عربى كبير خلال عام 1981م ، فقتل السادات وتنبأ غيرها أو هي نفسها بمحاولة لإغتيال ريغان والبابا ، ومرض الرئيس نميرى ، وكل ذلك وغيرهـ حدث ! .
* أتصل بي الشيخ جلول ذات صباح وعاتبنى بأنه زارنى ولم ارد له زيارته ثم : أضاف : (إننى سمعت انك مسافر للسودان ، واريد ان احملك رسالة مهمة للأخ عمر) يقصد الفريق عمر محمد الطيب - النائب الاول لرئيس الجمهورية ، فطلبت منه ان يحدد لي موعدا ، وحددهـ ، وذهبت اليه ، فاستقبلنى هاشا باشا ، وهو رجل قصير القامة ، سريع المشية والحركة ، وبدأ انه فى صحة جيدة ، اهدانى بعض مؤلفاته فى الدين والادب والفلك ثم جلس الى جهاز الفلك ، وكشف لي بعض الاسرار الفلكية ، ثم استوى على كرسى وهو يقول (انا وانت لن نلتقى مرة اخرى) فقلت مذهولا ً (لماذا يا شيخنا جلول!؟) قال فى هدوء (لأننى سأنتقل الى الرفيق الاعلى) قلت وانا اغالب ذهولى (ولكنك فى صحة جيدة!) قال إننى اعرف نفسى ، ثم مضى شأنه قائلا ً (قول .. ’’وأطال نطقها‘‘ (قول للأخ عمر سيقع إنقلاب ضدكم فى الشهر الثالث أو الرابع ، وسيقبض عليك وستحاكم وستسجن وستصادر ممتلكاتك ، ولكن سيطلق سراحك بعد حين!) .
* نظرت الى الرجل نظرة طالت فوجدته واثق الوجه ، وانه يعنى ما يقول ! ودعته وداعا طويلا ، وخرجت الى السيارة المنتظرة ، وقلت للسائق (الى البيت) وأشعلت سيجارة ، وانا فى العادة لا ادخن فى السيارة ، وظل صوت الشيخ جلول يلاحقنى فى البيت والمكتب وفى الطائرة ، حتى ادركتنا القاهرة ، فنزلت فيها لقضاء بضعة ايام !.
* نزلت فى فندق هلتون النيل ودعانى الاستاذ فاروق ابوعيسى الى عشاء ، وجاءنى وردى فى غرفتى ومعه احد اقاربه ، وطلب منى ان اذهب معه الى مسرح حدد اسمه ، لأنه سيغنى للطلبة ثم نذهب معا الى ابوعيسى ، لأنه مدعو ايضا ً ، قلت له إننى لست مستعدا ً بعد للخروج ، فأذهب انت لتغنى للطلبة ، وسنلتقى فيما بعد فى بيت الاستاذ فاروق .
* ذهبت الى بيت الاستاذ فوجدته فى مكالمة هاتفية طويلة ، وحين انتهت المكالمة قال لى (كنت اتحدث مع رئيسك!) (يقصد الراحل المقيم الاستاذ بدرالدين مدثر .. فقد كان الاستاذ فاروق يعتقد اننى بعثى ، لعلاقاتى الطيبة بالبعثيين ، ولأنهم طبعوا ذلك الديوان الذى اشترى منه خمسين نسخة ليوزعها على اصدقائه) .
* جاء وردى وصاحبه ، فقال وردى (غنيت يا بلدى يا حبوب ، فخرج الطلبة فى مظاهرة) همست للصديق فاروق أن يعطى وردى نسخة من الديوان ، راح وردى يتصفحه وهو يبدى إعجابه بقصائدهـ ثم يقول لى (أكتب زي دهـ يا حردلو ، الدبلوماسية قتلتك !) سألته (من صاحب الديوان ؟) فقال (زميل !) فضحك فاروق وهو يقول (صاحبه هو الجالس على يمينك دهـ ، أسحب كلامك!) .
* دعانى الاستاذ وردى للغداء معه فى اليوم التالى ، وبعد الغداء امسك عودهـ وسجل ثلاث اغنيات جديدة هي (السنبلاية ، ويا شعبا تسامى يا هذا الهمام ) وهما للشاعر الكبير محجوب شريف ، ثم غنى (بالسلامة) وأظنها للشاعر الغنائى الكبير اسحق الحلنقى ، وطلب منى وردى أن اصور هذا الشريط ، وأعطى نسخة منه للصديق محجوب شريف ، وبعض اصدقائى ، ونزلت الخرطوم ، وذات يوم فى بدايات فبراير 1985م كنت احمل نسخة من الشريط فى جيبى بحثا عن وسيلة لإيصاله لمحجوب شريف ، وفجأة وامام محل عقارات شهير ابصرت الاستاذيين الصحفى محجوب عثمان والشاعر محجوب شريف ، وهكذا سلمته الشريط .
-4-

* أنشغلت بعد ذلك بعلاج الوالدة (عليها رضوان الله) فاجريت لها عملية فى عينها حيث طلب منى الدكتور السنهورى اجراء عملية العين أولا ً ، ثم بعد فترة حددها يقوم هو بإجراء عملية المرارة ، فذهبت لوزارة الخارجية ، ووجدت برقية موجهة لى من سفارتنا فى تونس ، وكانت تحمل نبأ فاجعا ً (لقد إنتقل الشيخ جلول للرفيق الاعلى) عليه رضوان الله .
* إذن صدقت نبوءته الاولى ، وتبقت الثانية !! .
-5-

* وجاء شهر مارس وافتتحت مدينة الحديد والنار مهرجان المظاهرات ضد مايو ، التى سرعان ما انتقلت الى الخرطوم الكبرى ، كان الدكتور السنهورى قد ضرب تاريخا للعملية الثانية لوالدتى وطلب منى ان احجز لها غرفة فى مستوصف النيل بالعمارات ، وجاء النطاسى البارع والورع ، وصلى ركتين لله ، ثم دخل غرفة العمليات ، وطال إنتظارنا ، وأصابنى شئ من القلق ، زادهـ ضراوة قلق اخوتى واهلى ، وخرج الدكتور السنهورى من غرفة العمليات ومشيت نحوهـ ، فقال (الحمد لله العملية ناجحة جدا ً) . فقلت (الحمد لله ، ولكنها طالت !) فقال : (بعد أن انتهيت من المرارة وجدت ان ’’الفتاق‘‘ ايضا يحتاج لعملية .. فعملتها !) . (أنظروا العظمة هذا الطبيب الانسان) . شكرته وانا امشى معه نحو استقبال المستوصف فإذا به يفاجئنى ويقول لضابط الاستقبال (تأخد من السفير حق الغرفة فقط) .
فرجوته ملحا فى الرجاء أن يسمح لى بدفع اتعاب الدكتور ، فرفض ومضى سكته .
* انشغلنا بحال الوالدة ، فعمليتان كثيرتان عليها فى عمرها ذاك ، فجلسنا حولها حتى انصرف تأثير البنج عنها ، وجلست معهم حتى العاشرة مساء ، ثم مضيت الى بيت احمد شامى القريب من المستشفى حيث كنت اقيم - وهناك وجدت عددا من الاهل ، عثمان الطيب الحداد ، الصادق شامى ، عثمان بلول ، وخالد الزين (عليهما رضوان الله) وسيد عيسى المحامى .
* كنت بالإضافة الى انشغالى بحال الوالدة ، مشغولا بوصية الشيخ جلول للفريق عمر محمد الطيب ، خاصة والشيخ اصبح الآن فى رحاب الله ، رويت لهم ما كان من أمر الشيخ جلول ، فقالوا : (أولا .. الفريق عمر فى امريكا .. ثانيا : إذا كان عدم إخطارهـ سينقذنا من مايو .. ففى ذلك ثواب لك وخير لنا جميعا ً) .
* وبينما كانت الوالدة تتماثل للشفاء ، كانت المظاهرات تشتد اوارا ً .. وخرجت الوالدة من المستشفى الى بيت ابنتها ، ومضيت اتابع ما يجرى فى شوارع الخرطوم ووزارة الخارجية ، وكان الرئيس نميرى قد سافر لأمريكا ، تذكرت اننى كنت قد وعدت الفريق اول شرطة عباس مدنى مفتش الشرطة حينها حين زارنا فى تونس ومعه الاديب الاريب الفريق شرطة الصديق ابراهيم عبدالكريم بزيارة خاصة ، وكان كثير الحديث عن بركات وورع الشيخ صائم ديمة ، واخبرنى بانه سيأخذنى لزيارته حين اجئ الخرطوم ، فقصدت مكتبه ، وعند الباب الخارجى رأيت الشيخ صائم ديمة خارجا يتوكأ عصاهـ مسرعا ، وخلفه عباس مدنى الذى قدمنى اليه ، واضاف (تعال نوصله الى عربيته) وبينما كان الشيخ يسعى امامنا سأله عباس (بيرجع !) فتوقف الشيخ ورسم باصبع يدهـ اليمنى اشارات ستا ذات اليمين والشمال ، من ما يعنى (لا ..!!) أي أن نميرى لن يرجع !! وهكذا التقت نبوءة الشيخين مع ارادة وجبروت الشعب المعلم ! .
-6-

* وجاء 6 ابريل وانحاز الجيش كعهدهـ الى الشعب ، وظهر المشير سوار الدهب على شاشة التلفاز يتلو بيانه ، فامتلأت الشوارع المؤدية الى الخرطوم فى لحظات بشباب رائعين وكأنهم جاءوا من كوكب آخر - مشينا على اقدامنا فى شوارع الديوم فرأينا عجبا ، رأينا شبابا منتظمين فى صفوف طويلة وكأنهم جيش نظامى يركضون فى تناسق وانسجام ، يضربون الارض ضربا ، وهم يقصدون قلب الخرطوم والقيادة العامة .
* شاهدت فى هذا الزحام الحاج محمود صديق وزوجته وابنته السيدة فاطمة التى كانت تقود سيارتها ، فأخذونى معهم ، وراحت تقود سيارتها بصعوبة وسط هذا الزحام ، وكان الراجلون يغنون (الجنيه أب عمة .. الجنيه الرمة!!) (ما قال بجي .. ما له ما جاء!) ترجلت امام الخارجية ، وذهبوا يعودون شقيق الحاج محمود ، الذى كان يستشفى بالسلاح الطبى .
* دخلت الخارجية فوجدت السفيرين ابراهيم محمد على ، وعبدالمجيد على حسن ، وبدأنا نرسل بعض التوجيهات الى كل بعثاتنا الدبلوماسية ، وكان اولها وقف سحب اية اموال من حسابات تلك البعثات حتى اشعار آخر .
* ثم اجتمعنا بكل العاملين فى الوزارة لإختيار وزير الخارجية فى سابقة هي الاولى فى السودان ، وتم اختيار السفير ابراهيم طه ايوب بالإجماع وزيرا للخارجية ، تاركين له اختيار الوكيل ، فاختار السفير فاروق عبدالرحمن وكيلا للوزارة .
* التقيت ضابطا عظيما (غاب عنى اسمه فى الزحام!) وسالته عن مكان الفريق عمر فقال إنه فى السلاح الطبى ، سألته هل هناك إمكانية لزيارته ، فأجاب الزيارة ممنوعة للمدنيين . فطلبت منه أن ينقل عنى وصية الشيخ جلول له ، وجاءنى بعد ايام وقال (إن عمر قال ’’الله اراد ألا يخبرنى الحردلو ، لكي تنجح الإنتفاضة .
* اتصل بي البرفيسور محمد عثمان بشير طالبا اقامة امسية شعرية فى مقر الدراسات الافرو - آسيوية ، وحدد لي امسية الخميس القادم ، ولكنه فى زحام مشاغله - نسي وأخبر مساعديه بأن الآمسية ستكون يوم الأربعاء ، فاحتشد المكان بالناس مساء الاربعاء ، وبالطبع لم اذهب ، وذهبت مساء الخميس فى صحبة الصديق صلاح الشيخ ، فوجدنا المكان قاعا صفصفا ، اتصلت بالبرف صباح السبت لأعاتبه ، فإذا به يسبقنى فى العتاب ، واتفقنا ان نعيد الكرة ، وقلت له وللذين معه (فلتكن الامسية فى الميدان الشرقى بجامعة الخرطوم امسية الخميس 28 ابريل ، وسأحضر معي الاستاذ صلاح احمد ابراهيم ومحمد وردى ، وحين قالوا (إنهما ما يزالان خارج خارج السودان!) قلت لهم (انشروا الخبر على مسؤوليتى) . ونشروا خبرا صغيرا فى الاخيرة بصحيفة ’’الأيام‘‘ ومن عجب أن وردى وصلاح هبطا مطار الخرطوم يوم الثلاثاء ، وردى من السعودية ، وصلاح من باريس ، فذهبت لكليهما فى بيته وأخبرته بما كان .
* وجاء يوم الخميس ذاك فإمتلأ الميدان الشرقى بحشود من الصبايا والصبيان ، وتسلق المئات ’’عمدان‘‘ كشافات الضوء ، وفروع الاشجار ، وكانت تقديرات البعض ان الحضور كانوا اكثر من مائة الف ، وقف شاب يقدمنى ، فإذا به ينشد قصيدتى (خربشات على دفتر الاستقلال) التى كتبتها فى السبعينات ، وبين هلالين تكرر هذا الموقف ، حين ذهبنا فى معية الارباب صلاح احمد ادريس الى الحصاحيصا نشارك اهلها احتفالهم بوداع الشاعر ازهرى محمد على ، فقد وقف نفس الشاب وانشد نفس القصيدة ، فالتفت الارباب نحوى وهو يقول (هذه من قصائدك فى السبعينات) .
* نعود الى الميدان الشرقى حيث قرأت قصيدتين ، وبينما كنت أقرأ (كتاب مفتوح الى حضرة الامام) قطع بعضهم التيار الكهربائى ، ولكن بعض الشباب سرعان ما أعادوهـ ، لاحظت وانا اقرأ أشعارى ان الاستاذة الجليلة فاطمة احمد ابراهيم وصلاح شقيقها وعلى المك يجلسون على النجيل فى مقدمة الحضور ، وكانت الاستاذة فاطمة تبكى بكاءا ً شديدا ، وكان ذلك خليطا من الحزن والفرح ، وجاء دور الشاعر الكبير صلاح احمد ابراهيم فانشد قصيدتين ، ثم جاء دور وردى ، فغنى اغنيته الجديدة (يا شعبا تسامى يا هذا الهمام) وبعض اغانيه الاخرى .
* وجاء الخبر الاول فى نشرة التلفزيون المسائية فى اليوم التالى ، هو خبر تلك الامسية الشعرية الغنائية ، التى لم تسبق ولم تتكرر حتى يومنا هذا ، ونشرت بعض الصحف العربية اخبار ذلك المشهد السودانى البديع .
* عدت الى تونس بعد ذلك لاواصل عملى حتى يوم 31 اغسطس 1985م و ... تبقت كلمة عن انسانة تونسية عظيمة حقا ، كانت تعمل فى بيتى ، احبها جميع الذين نزلوا معي ، وعلى رأسهم السفير مهدى مصطفى الهادى وبرفيسور عبدالله هداية الله واسرته ، ووفد المحامين السودانيين ، والاستاذان صلاح الشيخ وعوض محمود صديق ، وقبلهما الحاج محمود صديق واسرته ، وعدد طويل من العرسان والضيوف والزوار .
* كان اسمها رفيقة ، تزوجت بعد مغادرتى تونس من ضابط شرطة من مدينتها الكاف ، وعاشا فيها وانجبا اطفالا ، جاء اطفالها من المدرسة فوجدوها نائمة ، فدخلوا المطبخ واكلوا ، ثم عادوا اليها يوقظونها ، وحين فشلوا استعانوا بالجيران .. كان الموت قد غيب رفيقة عليها رضوان الله .
* هكذا حدثنى الاستاذ محمد سيداحمد الذى ما يزال يعمل فى اتحاد الاذاعات العربية فى تونس ، حين جاء يزورنى فى دارتى فى العام الماضى .

الخرطوم 8 مايو 2007م

سيداحمد الحردلو

elmhasi
26-02-2018, 10:01 PM
جريدة الوطن - السبت 30 جمادى الاول 1428هـ - الموافق 16 يونيو2007م
اين هم فى الزحام الآن .. (41 الى ..)

بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-

* كنت ومازلت من المترددين على مشفى (يستبشرون) كلما الم بي او بأسرتى طارئ استدعى ذلك ، والحق اقول كنا دائما نلقى العناية والرعاية والإبتسامة الرائعة من العاملين فيه من اطباء وسسترات وفنيين وفنيات فى المعمل ، بل ان بعض الاطباء اصبحوا اصدقاء كالنطاسين سمير ابارو وكمال هاشم ، وقد زارنى كلاهما فى دارتى .
* ومقدما اقول .. تحدث بعض الاخطاء فى معظم المشافى ، وقد تكون بسيطة أو خطيرة ، فمثلا ، وساضرب مثلا قد اسميه بسيطا .. فلقد تعود السودانيون على معرفة اعراض الملاريا ، وشعرنا بها انا وافراد اسرتى فى اوقات متفرقة ، وذهبنا الى بعض المعامل ، ومنها معمل يستبشرون ، وقيل لنا (ليست عندكم ملاريا) وذهبنا الى معمل المركز العلاجى للاطفال لصاحبه اختصاصى الاطفال الدكتور زكريا المبارك ، فأكد لنا الدكتور المشرف على المعمل وجود ملاريا ، حدث هذا لنا عدة مرات ، وقلنا (بسيطة!!) .
-2-

* وحدث لى فيما بعد فى احد المشافى امر جلل ، إثر عملية استئصال بروستاتا مصحوبة بتضخم سرطانى ، إذ اعطونى دما ملوثا باليرقان ، ودخلت فى غيبوبة لعدة ايام ، لكن - عناية الله - جلت قدرته - ورعاية الدكتور الفاضل محمد عثمان ، ونبل وكرم الفريق اول عبدالرحيم محمد حسين الذى وجه بنقلى الى مشفى (ساهرون) أعادت اليَ عافيتى - فحمدا لله - وشكرا لهما .
-3-

* والآن يجئ دور الطامة الكبرى ، والتى للأسف - حدثت لى فى معمل (يستبشرون) فقد طلب اليَ الاطباء خالد وكمال ابوسن فى لندن ، والفاضل محمد عثمان فى الخرطوم أن أقوم بفحص الـ PSA لمتابعة نمو السرطان - لاقدر الله - كل ستة اشهر - وكانت النتائج منذ 11 سبتمبر 2005م تتراوح بين :
1- 657, - مختبر مركز فضيل الطبى 11 سبتمبر 2005م .
2- 41, - مستشفى جسر لندن 25 نوفمبر 2005م .
3- 498, مختبر مركز فضيل الطبى 28 مارس 2006م .
4- 336, مختبر مركز فضيل الطبى 6 يوليو 2006م .
5- 355, مختبر مركز فضيل الطبى 21 نوفمبر 2006م .
6- 00,22 ng/ml (أي 22 درجة كاملة) مركز يستبشرون الطبى بتاريخ 6 يونيو 2007م .
* العادى اربعة ، لكن الرقم 22 مخيف جدا فى ستة اشهر فقط !
فإتصلت على الفور بالدكتور الفاضل محمد عثمان ، وكان على سفر ، ثم اتصلت بالدكتور كمال ابوسن ، الذى انزعج ، ولم يصدق ذلك ، وطلب منى رأيا آخر ، وبالفعل قلت له (إننى خارج الآن لعمل فحص آخر) فقال لى (إننى قادم للخرطوم فجر الجمعة ، وسأمر عليك فى البيت) كان ذلك مساء الاربعاء الموافق 6 يونيو 2007م .
* خرجت للتو قاصدا مختبر مركز فضيل الطبى ، وبعد آخذ العينة أخبرنى المشرف على المختبر ان النتيجة ستكون مساء السبت ، وحين قلت له (هذا وقت طويل!) قال (إن الإختصاصيين لايعملون بالخميس والجمعة هي الجمعة !) .
* ظللت أنتظر فى قلق شديد ، ومعي اسرتى واهلى واصدقائى ، وجاءنى دكتور كمال ابوسن والاستاذ عبدالمنعم ابوسن - سالنى د.ابوسن إن كنت ادخن ، وحين أجبته بأننى طلقت التدخين منذ يناير 1997م - قال لأن التدخين يساعد على نمو السرطان ، سألنى مرة أخرى (هل حدث لك اي التهاب ؟) فقلت : (نعم ، لقد سقطت وكسرت المخروقة ، وأجريت لي عملية) فقال (هناك احد احتمالين ، إما التهاب نتيجة للكسر ، وإما ان هنالك خطأ فى التشخيص) طلب منى الرجل الشهم الاستاذ عبدالمنعم ابوسن ان اعطيه الايصال ليذهب الى مختبر فضيل ليتسلم النتيجة مساء السبت .
* كان الدكتور ابوسن مسافرا فى ذات الليلة الى مدنى ، لإجراء ثلاث عمليات نقل كلى ، لثلاثة اطفال يوم السبت ، ثم ليعود فجر الاحد الى لندن .
* وراح الزمن يمشى بطيئا كمعاق يتوكأ عصاهـ ، أحاول القراءة فتختلط الحروف بعضها ببعض ، فألجأ الى الصلاة والدعاء والقرآن الكريم من فضائية المجد .
* وجاء يوم السبت يمشى هو الآخر بطيئا ، وكأنه يحمل الكرة الارضية على ثوانيه ودقائقه وساعاته .
وأطل وسط هذا الزحام والركام وجه الاستاذ محمد عبدالله قرافى وهو يضع رأسه فوق صدرى فى المشفى قبلها ، ويدعو (اللهم اجعلها آخر آلامك) .
* واقبل الليل . ورنّ جرس الهاتف عاجلا مستعجلا ، وجاء صوت الاستاذ عبدالمنعم ابوسن ، وهو يقول : (الجماعة ديل قالوا النتيجة الساعة التاسعة) قلت (مش معقول!) فإذا به يقول لهم (يا جماعة دهـ سيداحمد الحردلو) وبعد برهة سمعت اصواتا تقول وجدناها ! فهتفت فى ابوسن (افتحها بسرعة وأقرأ) .. فقرأ وكانت النتيجة هي (461,) أي لاتصل حتى الى نصف الواحد ! .
* الحمدلله الفا ، مليونا ترليونا ، وامتلأ البيت فرحا وابتساما وصلاة وسلاما ، وراحت التلفونات ترن هناك عندهم وهنا عندنا .
* وجاء الاستاذ عبدالمنعم يحمل النتيجة ، فشكرته الفا ، وذهب الى بيته ، وتلفن دكتور ابوسن الذى كان قد انتهى للتو من عملياته ، أخطرهـ بالنتيجة وحول التلفون لتلفونى ، فإذا بى بابى سن فى غاية الفرح والسعادة ، وامسك الدكتور مدير مشفى مدنى السماعة ليعبر عن سعادته بالنتيجة وبسماع صوتى ، فهو يقرأ لي دائما كما تفضل كرما منه .
-4-

* لماذا كتبت كل هذا ؟ ولماذا وجهت هذهـ الرسالة الى برفيسور مامون حميدة ؟ فقبل ايام معدودة قرأت إعلانا فى الاخيرة بصحيفة (آخر لحظة) عن ندوة عن (أخطاء التشخيص الطبى) دعا لها وتبناها البرفيسور مامون حميدة ، لتقام بجامعته يشارك فيها الى جانبه عدد من كبار ذوى الاختصاص ، ويديرها الاستاذ الهندى عزالدين نائب رئيس تحرير صحيفة (آخر لحظة) ثم قرأت له مقالا جيدا فى ذات الخصوص ، يطلب فيه من الذين لهم تجارب سالبة ان يشاركوا فى تلك الندوة ، ولآن ظروفى الصحية ما تزال لا تسمح لى بالخروج ، فقد حاولت الإتصال هاتفيا بالاستاذ الهندى عزالدين ، ولكن بلا جدوى ، ثم طلبت من الاستاذ عصام عباس سكرتير تحرير جريدة (الوطن) أن يحاول الإتصال بالاستاذ الهندى ، لكنه حاول وبلا جدوى ايضا ، وكان هدفى أن أنقل اليه بعض ما اسلفت .
-5-

* اريد أن اقول .. إن الدعوة لعقد تلك الندوة كانت مطلوبة وموفقة ، وإن كنت لست ادرى ما دار فيها وهل خرجت بتوصيات لتجويد اداء التشخيص فى كل المعامل وسط رقابة مشددة ومراجعة دقيقة لنتائج التشخيص ، بل ومعاقبة المهملين واللا - مسؤولين .
ببساطة لأن الامر يتعلق بحياة ملايين السودانيين الذين عانوا ويعانون من إهمال بعض المهملين ، ومن لا - مسؤولية - بعض اللا - مسؤولين ! .


الخرطوم 13 يونيو 2007م

سيداحمد الحردلو

elmhasi
26-02-2018, 10:57 PM
جريدة الوطن - السبت 3 جمادى الثانى 1428هـ - الموافق 19 يونيو2007م
اين هم فى الزحام الآن .. (42 الى ..)

بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-

* وجهت رسالة صباح السبت الموافق 16 الجارى ، عبر صحيفة ’’الوطن‘‘ المحترمة الى سعادة البرفيسور مامون محمد على حميدة ، استاذ الطب الباطنى ، رئيس جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا ، وجاءنى ردهـ الكريم صباح اليوم التالى الاحد الموافق 17 يونيو 2007م ، فى بيتى ، كانت رسالتى حول اخطاء التشخيص الطبى ، والتى بادر هو وعقد لها ندوة بجامعته ، حشد لها عددا من كبار ذوى الاختصاص فى ذلك الشأن ، وكنت أتمنى لو سمحت ظروفى الصحية بحضور ذلك المنتدى .
* التقيته مرة واحدة حين كنت اعبر صالة مستشفى يستبشرون داخلا بينما كان خارجا ، إذ قدمنى احدهم لبعض ، فتبادلنا التحية ، وانصرف كل الى غايته ، ومرة ثانية اتصل بي الدكتور الفاضل الملك الجراح الشهير ، والذى اجرى لوردى ولي عمليتى نقل كلى طالبا الي المشاركة فى برنامج يشرف عليه البرفيسور مامون حميدة ، ويشارك فيه د.الفاضل والفنان الكبير محمد وردى وشخصى واتفقنا ان تكون مشاركتى بالهاتف ، ولقد حاول المخرج الإتصال بالتلفون الثابت بلا جدوى .
ولقد حدثنى الاستاذ وردى بعد انتهاء البرنامج بأن المخرج حاول الإتصال بي اربع مرات بدون فائدة ، واكتشفنا ان مازن ابنى والذى كان وقتها فى السادسة كان قد اغلق جرس الهاتف الثابت (شاكسا مشاكسا!) وهكذا ضاعت فرصة اللقاء بالبرف ولو هاتفيا عبر التلفاز !.
-2-

* دخل عليَ هذا الصباح الاستاذ لطيف مسؤول الإعلام بالجامعة ، يحمل رسالة رقيقة من البرفيسور حميدة ، فقرأتها مثنى وثلاث ، وسعدت كثيرا بالرسالة ، والتى نزلت بردا وسلاما على قلبى وجسدى والاخير كان مثخنا منذ زمن باخطاء التشخيص الطبى ، فها هو احد علمائنا الكبار يسارع فيرد ، بل ويحقق بتكوين لجنة من الدكتورين حافظ محمد على ومحمد عبدالعال ’’لمعرفة اسباب هذا الاختلاف فى نتيجة العينة الصادرة من مركز يستبشرون ! فهل هنالك اعظم وانبل من هذا !!؟‘‘ .
* وسيظل مشفى يستبشرون هو احد المشافى المهمة والتى نتردد اليها كلما الم بنا طارئ .
* ولقد سمحت لنفسى بنشر الرسالة لمهنيتها العالية ولرقيها وانسانيتها ونبلها النبيل .
* وزارنى مساء يوم الاحد 17 الجارى ، وفد من مستشفى يستبشرون بقيادة الاخ الدكتور حافظ محمد على حميدة ، رئيس المركز والدكتور محمد عبدالعال المدير العام والاستاذ احمد محمود شاويش المدير المالى والإدارى والسيدة الفضلى الدكتورة هاجر عبدالعزيز ، وكانت زيارة كريمة منهم إعتذروا فيها عن ما حدث ، واعلنوا انهم اتخذوا اجراءات جديدة وصارمة لكي لا تتكرر اي اخطاء مستقبلا ، وذلك عن طريق إعادة الفحص أكثر من مرة الى جانب إجراءات اخرى .
* ولقد كان لهذه الزيارة الكريمة اثرها العميق والنبيل فى نفسى وافراد اسرتى .
* نسيت أن اقول إن المسؤول عن مختبرات مشفى يستبشرون هو الصديق الدكتور البارع عبدالفتاح عبدالقادر الذى تربطنى به علاقة حميمة منذ سنوات طويلة ، وهو كفاءة كبيرة فى هذا المجال .
مرة اخرى اعلن شكرى للبرفيسور مامون حميدة وللوفد الكريم الذى زارنى ولكل العاملين فى مشفى يستبشرون متمنيا له ولهم المزيد من التقدم والنجاحات .
التاريخ : 17 يونيو 2007م .
الأخ الاستاذ
سيداحمد الحردلو
السلام عليكم عليكم ورحمه الله وبركاته ..
شكرا على رسالتكم بصحيفة ’’الوطن‘‘ صفحة ’’11‘‘ بتاريخ 16 يونيو 2007م ، بخصوص التشخيص الخاطئ فى مركز يستبشرون ونتمنى ان يديم الله عليكم الصحة والعافية .
نحن نتعامل بكل شفافية فى كل الاخطاء الصادرة من المؤسسات التى نشرف عليها ، وحقيقة نرى ان اشارتكم هذه تصب فى تصحيح مسار التشخيص ، وعندما طرحنا هذا الموضوع نعلم ان ليس هنالك من مركز أو شخص بدون اخطاء ، ولكن الوقوف عليها والتقصى اللازم يدفع بكل المؤسسات الى الاصلاح والتقويم ، ونحن نتحمل كل مسؤولية ناتجة عن اخطاء هذهـ المؤسسات ، رغم حرصنا الشديد على التجويد .
وقد طلبت من الاخ د. حافظ - رئيس المركز والدكتور محمد عبدالعال - المدير العام ، عمل تحقيق عاجل لمعرفة اسباب هذا الاختلاف فى نتيجة العينة الصادرة من مركز يستبشرون .
وأكرر تحملنا للمسؤولية إن كان هنالك خطأ ونعتذر عنه ، ونأمل أن تعيننا مثل هذه اللفتات لتحسين الاداء ، وسنكتب لكم مرة ثانية بعد إجراء التحقيق اللازم .

دمتم فى رعاية الله وحفظه .

بروفيسور مامون محمد على حميدة

استاذ الطب الباطن .


الخرطوم 18 يونيو 2007م

سيداحمد الحردلو

imported_أبو جعفر
06-03-2018, 06:21 AM
سلام المحسي
وأرجو المواصلة مشكوراً

elmhasi
23-03-2018, 02:15 PM
جريدة الوطن - السبت 7 جمادى الثانى 1428هـ الموافق 23 يونيو 2007م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (43 من ...)
سيداحمد الحردلو
-1-
* وطنت نفسى منذ زمن بعيد ألا انساق وراء معارك فى غير معترك ، ولا اسمح لقلمى أن يسف ، أو ينجر وراء المهاترين من اصحاب الغرض ، فالغرض مرض ، إيمانا منى بالكتابة مسئولية امام الله والوطن ، وعيون الناس وامام التاريخ وعينى نفسى .
* ووفقنى الله - جلت قدرته - أن اتخذ خطا كالصراط المستقيم هو جانب الشعب ، فى كل الظروف ، فى الديمقراطيات وفى الشموليات ، وما بينهما ، فما نافقت ولا تسولت حاكما ، وما احنيت رأسى لعاصفة ، ظللت صامدا رغم المعتقلات والسجون والمنافى ككثيرين من ابناء هذا الوطن المتخم والجائع .. فى آن , والجبار والطيب فى آن آخر ، لا أرد على من يدعى عليَ كذبا ، وأشكر الذى يقول عنى حقا .
فأنا رجل ديدنه أن يؤجل العتاب ويقدم الشكر .
-2-
* كتبت عشرين ديوانا من الشعر ، نشر منها ستة عشر ، وهي تقول الذى فى ضمير ووجدان سيد الشعوب ووطن الاوطان جهرا وسرا ، ودفعت قيمة ذلك معتقلات ومنافى وتشريدا وفاقة ، لكننى ظللت مكانى واقفا ، لا راكعا ، وشجاعا لا مرتعدا ، ومقداما لا متقهقرا .
* ولقد تفضل المئات من السودانيين والعرب ، فكتبوا عنى - نبلا منهم وكرما - ما فاق احلامى ، وزادنى ذلك تمسكا وإيمانا بذلك الخط الذى يشبه الصراط المستقيم ، وأستغفر الله .
* ورحت فى السنوات الاخيرة أسجل مذكراتى منذ المدرسة الثانوية ، الى الجامعة ، الى وزارة الخارجية ، وآمل أن يكون ذلك الى يومنا هذا ، بل أسأل الله - جلت قدرته - أن يمد فى العمر فأعود الى سنوات الطفولة الباكرة ، فالخلوة فى مسيد انباب حاج بناوا والاولية بتنقاسى والوسطى بالقولد - أكتب هذهـ المذكرات ووثائقها موجودة ، وشهودها احياء ، بإذن ربهم يرزقون ، وهي أوراق شاهد عصر ، شهد ورأى وسمع وشارك ، بلا غرض ولا مرض ، وبلا منَ ولا أذى ، وبلا إدعاء ولا تسويف ، إنها شهادة للتاريخ ، والتأريخ موجود على الارض ، وليس على المريخ .
-3-
* هذه المقدمة - اعتذر عنها فلقد تحدثت فيها عن نفسى ، هذهـ الريفية الطيبة ، المسلمة المؤمنة ، المتواضعة الى حد التراب ، الهينة اللينة ، الصادقة الصدوق ، التى لاتلغو لغوا ، ولا تشى ولاتغتاب ، ولاتكذب ولا تسرق ، ولا تدعى ما ليس فيها ، ولاتنكر عيوبها ، ولا تتلصص على احد ، ولا تقفز حيطان بيوت الناس ليلا ، ولاتنبش قبور الموتى لمحاكمتهم ، الصابرة الصبور التى اصابها ما اصابها من عنت ، وظلم وحيف وأكاذيب من بشر كنت أعدهم اصدقاء فإذا بورقة التوت تسقط عنهم ، فإذا هم ما هم ، عراة حفاة ، لايسترهم ساتر سوى انتهازية ناعمة تقول قبل ان يقولوا ، وتفضح عريهم للسابلة وابناء السبيل .. (ومثل هؤلاء لايملك المرء إلا ان يرتع فيهم حتى يقول واحدهم ’’ويلي!‘‘ وسيكون ويلهم ويلا طويلا ً !) على حد تعبير الدكتور منصور خالد ، وسيأتى ذلك فى (يوم يرونه بعيدا ونراهـ قريبا) بمشيئة الله ، وهو الشاهد الحكم والاوحد والفرد الصمد .
-4-
* لكن تلك قصة أخرى .. ليس هذا مجالها ، وإن كان وقتها كان يجب أن يكون منذ وقت مضى وزمان فات ، لكننى كما اسلفت أؤجل العتاب واقدم الشكر ، والحمد لله الفا على ذلك .
* أما قصتى اليوم فغريبة وتستدعى الرثاء والضحك فى آن واحد ، وما كنت أود الرد أو التعليق عليها كديدنى كما اسلفت ، ولكننى خشيت أن يكون قد قرأ البعض ما كتبه الاستاذ احمد حسن احمد - ام درمان - فى صحيفة (الوطن) فى باب (صباح الخير ايها القراء) بتاريخ السبت الموافق 16 يونيو الجارى ، وفى الصفحة التاسعة بعنوان (لماذا يا حردلو) خشيت أن البعض قرأ ذلك .. ولم يقرأ ما كتبته فى ذات الصحيفة بتاريخى 26 مايو و2 يونيو - 2007م - لذا رأيت أن أجعله يرد هو على نفسه من ادعاءات وتلفيقات وزيادات ومزايدات حاول فيها باسلوب هافت متهافت أن يلوى عنق الحقيقة وان يقولنى ما لم اقل لمصلحة اجندة يعرفها هو وحدهـ بعد الله جلت قدرته وجل علمه .
-5-
* فلقد قلت وبالحرف الواحد فى الصفحة الخامسة من صحيفة (الوطن) بتاريخ 2 يونيو (وبينما كنت اتهيأ لإستقبال وفد المحامين السودانيين بالمطار ، هاتفنى الاستاذ امين مكى مدنى المحامى من لندن وقال لى : (حدثت مشكلة فى مطار الخرطوم إذ أنزلت عناصر الامن الاستاذ تيسير مدثر من الطائرة ، فغادر كل المحامين الطائرة احتجاجا على منع تيسير من السفر ، وهكذا فإن الوفد قرر عدم الحضور الى تونس) . وطلب منى أن أنقل ذلك الى الاستاذ فاروق ابوعيسى وفعلت .
* ذهبت الى مطار تونس لوداع صديق مغادر الى اوربا ، وبينما كنت أودعه امام صالة المغادرة ، إذ بي أرى رجالا لاتخفى سحناتهم السودانية ، وهم يهمون بدخول السوق الحرة ، كانوا بعيدين عنى ، ولكننى شاهدت وسط زحامهم الاستاذ الصادق شامى ، فأدركت ان الوفد السودانى قد وصل ، وهكذا دخلت الى صالة الوصول لتحيتهم ، فلى بينهم أصدقاء كثر ، وعلمت منهم انهم جاءوا بلا تأشيرات دخول ، فقدمت نفسى لضابط الجوازات المسئول والذى منحهم جميعا تأشيرات دخول ، ثم سبقتهم الى خارج المطار ، وأستأجرت لهم بصين سياحيين لأخذهم الى سوسة ، وكان عددهم حوالي الستين محامحيا ، يتقدمهم الاستاذان ميرغنى النصرى وعابدين اسماعيل (عليه رضوان الله) وقفت حتى يغادر البصان وتحدثت مع السائقين على ضرورة القيادة بسرعة معقولة ، فهما يحملان شخصيات مهمة .
وتحرك البصان باتجاهـ سوسة ، أخبرنى الاستاذ الصادق شامى فيما بعد (أن الاستاذ طه ميرغنى المحامى ’’والذى لم اكن اعرفه من قبل قد تأثر جدا ، حتى دمعت عيناهـ من حسن المعاملة التى صدرت منى تجاههم!‘‘ فقلت : (إنما كنت أؤدى واجبى نحوهم) المتأثر هو طه ، والقائل هو الصادق ، والمستمع هو شخصى (فأين المن والاذى؟) فى هذا ؟!! .
-6-
* قال هذا الكاتب (ثم قيامه ايضا بالمساعدة والضيافة بدارهـ لوفد سودانى زائر جعلت احد افرادهـ كما ذكر الحردلو يذرف الدمع لهذا الكرم وتلك المساعدة) .
* أنظر هذا الخلط المتعمد والمقصود ، فالمطار ليس دارتى ، ولم أفتح فمى بكلمتى (مساعدة أو ضيافة) لا فى المطار ولا فى دارتى ، ودونكم مقالى المنشور بـ(الوطن) يوم السبت 2 يونيو - بل ودونكم وفد المحامين الكريم !!! .
* وقلت فى مقالى ذاك (عاد المحامون الى تونس بعد انتهاء المؤتمر ، فأقام معي حوالي العشرين ، أما الباقون فقد نزل بعضهم فى فنادق ، وبعضهم وزعناهم على بعض السودانيين فى تونس ، أذكر من الذين أقاموا معي الاساتذة عابدين اسماعيل ، الصادق شامى ، سعيد حمور ، يحي الحسين ، تيسير مدثر ، وابوالحسن مالك ، وغيرهم .
وكان يأتى جميع أعضاء الوفد الى جانب وفد قيادة الإتحادى الى بيتى كل مساء .
* هذا ما قلته بلا زيادة ولا نقصان فى مقالى ذاك .
* فماذا قال ذلك الكاتب ! قال (لافض فوهـ) (ثم إمتنانك على الوفد الزائر بما قدمت له يداك من ضيافة بدارك هو الآخر ضرب من ضروب المنَ والاذى ، وكأنك بذلك تدفع فاتورة حساب ترجو سدادها ، ليس من الله ، ولكن من الآخرين ، وأنت من أمة أصلها الجود وطبعها الكرم) .
* أيها الناس .. هل تحدثت عن ضيافة وامتنان قدمته يدايَ لذلك الوفد ، وأين هو المنَ والاذى ، فيما كتبت (وأية فاتورة ماذا .. يا هذا!!!) .
-7-
* بدأ الكاتب بالتعليق على ما كتبته عن المرحوم سحلول ، ثم فجأة إنتقل الى وفد المحامين ، وهما مقالان مختلفان .. فى عددين مختلفين ! وكأنه بذلك يلاحقنى فى كل كتاباتى - ليكشط اسمى من قائمة المبدعين .. كذبا وبهتانا .. ولكن هيهات !!.
* واقول له .. إننى كنت اسجل وقائع تاريخ حدثت بالفعل ، وشهودها احياء ، وبدون اضافة منى أو اساءة للرجل ، وبدون تعليق أو توصيف لها كما جاء فى مقالك مثل قولك (وكيف أن الاخير وفيما بعد قابل ذلك بالجحود والنكران!) . هذا قولك انت ، وليس قولى أنا ! .
* ثم يقول الكاتب الذى اتمنى ان يكون اسمه حقيقيا ، وليس وهميا : (وقد كان من الامانة بمكان ان يقول الحردلو ما قاله عن الراحل حينما كان حيا يرزق ، حتى يرد عليه بمثلها أو بأحسن منها).
* واريد للكاتب ان يعرف اننى كتبت هذا فى صحيفة (الوفد) المصرية وكان الرجل فى هيله وهليمانه ! (ولقد قرأ ذلك أناس كثيرون فى مصر واليمن وهنا .. وهنا قرأهـ السفيران الطيب حميدة الزعيم ومحمد عزت بابكر الديب ، كما حدثانى فيما بعد) .
* وكان يمكنه أن يرد ، ولكنه لم يفعل (بمثلها أو بأحسن منها!) على حد تعبير الكاتب ! وله سفارة فى القاهرة كانت توافيه بكل شاردة وواردة !.
-8-
* نهاية الامر وخلاصته .. انه كان ينطلق من اي شئ إلا قول الحقيقة ، كان هدفه فقط إطلاق الإتهامات والإدعاءات والهمهمات والعنعنات والاكاذيب .
وكان هدفه المقدس ان يلوى اعناق كلماتى حتى تتكسر على يديه الراعشتين ، فهو يقرأ بطريقة ذات غرض ويكتب بطريقة ذات مرض .. ويبدل ويغير فى سياق ما كتبت .. يقدم ويؤخر والعكس صحيح ، حتى تنطلى خربشاته على القراء ! والقراء أذكى من ذلك بمليون مرة .
* وسؤال أوجهه للأساتذة الأجلاء المحامين الذين زاروا تونس فى اكتوبر 1984م ، هل حدث حقا ما كتبه ذلك الكاتب ؟ (هل بدر شئ من الذى زعم عليَ أو مني؟) .
* ألم أقل إننى ومنذ زمن بعيد لا أرد على المهاترات والمهاترين عفة نفس وإحتراما لذاتى ، وإحتراما للقراء المحترمين الذين يتابعون - نبلا منهم وكرما - ما اكتب بمودة وحضارة ، ويتصلون ويتواصلون معى كلما كتبت .
* واعتذرت إن بدرت منى كلمة فى غير مكانها ، فالظلم - للأسف - صار ظلمات فى وطن البشارات !!!.


الخرطوم 20 يونيو 2007م

سيداحمد الحردلو

elmhasi
23-03-2018, 02:22 PM
جريدة الوطن - الاربعاء 11 جمادى الثانى 1428هـ الموافق 26 يونيو 2007م

أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (’’44‘‘ - من ’’...‘‘)

سيداحمد الحردلو
-1-
* قرأت فى صحيفة (السودانى) المحترمة ، يوم الاحد الموافق 24 يونيو 2007م العدد رقم (575) (شهادة للتاريخ يرويها لـ(السودانى) د.الهادى احمد الشيخ ، بعنوان (الساعات الـ 72 من عمر الشفيع بعد 19 يوليو 1971م) يرد فيها على ما جاء فى مقال كتبه احد الكتاب (وهو مقال للأسف لم اطلع عليه) لكنه ذكر فيه (أن الشفيع كان وزير داخلية 19 يوليو 1971م الاحمر .. الخ ما جاء فى افادته!) .
* وقد ردَ عليه الدكتور الهادى بشهادات من عاصروا تلك الايام الثلاثة ، وأنا لم أشهد تلك الايام لأننى كنت منقطعا بلندن فى السفارة ، لكننى شاهد على ما حدث فى لندن منذ الساعة السابعة من مساء الاثنين الموافق 19 يوليو 1971م وما تلى ذلك حتى عودة نميرى نهار الخميس ، ثم ما تلى ذلك فى لندن من احداث وتداعيات ، بل وسجلتها فى مقالات خمس فى صحيفتيَ (اخباراليوم) وفيما بعد (الوطن) المحترمتين ، سجلتها كما حدثت وعشتها بلا زيادة ولا نقصان ، ولم يتقدم احد منذها للطعن او التشكيك فيها ، وكان شهودها احياء رحل منهم ثلاثة بعد نشرها ، ولم ينف احد ما جاء فيها وأطال الله عمر الباقين .
* ولست اليوم بصدد الدفاع عن النقابي الكبير الشفيع احمد الشيخ (عليه رضوان الله) ، فسجله النضالى والنقابى كتاب مفتوح لمن يشاء حين يشاء ، ولكننى بصدد احقاق حقيقة تأريخية عشتها وسمعتها من صديق عزيز هو الراحل المقيم الرائد فاروق حمد الله (عليه رضوان الله) .
-2-
* كما اسلفت فى مقالاتى المشار اليها آنفا ، كان الرائد فاروق حمد الله والسفير يعقوب عثمان وآخرون يسهرون عندى كل مساء ، وكان فاروق لايتحدث فى السياسة ابدا .
* وذات مساء حوالي السابعة مساء (الاثنين 19 يوليو) رنَ جرس الهاتف ، فإذا المتحدث مسئول القسم الافريقى فى صحيفة الديلى ميرور ، فاجأنى بقوله (تلقينا فلاش من وكالة الانباء العراقية ، بأن هنالك انقلابا فى السودان) سألته (من قائدهـ؟) فقال (مستر أتا) ، وفهمت انه يقصد الرائد هاشم العطا ، وطلب منى التعليق ، فاعتذرت له (بأننى لا أملك معلومات تؤهلنى للتعليق).
* اتصلت على الفور بالرائد فاروق حمد الله ، أنقل اليه الخبر ، فكان ردهـ العاجل (الله .. استعجلوا!) وأضاف (احسن انا ما اجئ الليلة ، طبعا حيكونوا معاك ناس آخرين ، وسأذهب انا لإخطار المقدم بابكر النور ، أرجوك تابع التلفزيونات والإذاعات ، وإذا جد جديد أرجو افادتى فى شقة بابكر النور (عليه رضوان الله) .
-3-
* رويت هذه المقدمة لأصل الى حقيقة سمعتها من الرائد فاروق حمد الله - وهي ان الاتفاق تم ليتولى هو حقيبة وزارة الداخلية ، وانه يريدنى ان اغادر معهم فى نفس الطائرة لأتولى منصب مدير مكتبه ، فاعتذرت ، ولكنه رفض اعتذارى ، وأصر على طلبه ، فتوافقنا أن أوافيه فى الخرطوم خلال اسبوعين ، بعد أن اقوم بترتيب امورى فى لندن . وكانت وزارة الداخلية شاغرة خلال الايام الثلاثة ، كما افاد الدكتور الهادى .
* بل ازيد فاقول انه فى التاسعة من مساء الاربعاء الموافق 21 يوليو ، ونحن فى مطار هيثرو لوداع الوفد ، تقدم اليَ صحافى من الديلي تلغراف ، وأخبرنى بأنه مغادر فى نفس الطائرة للخرطوم ، وليست لديه تأشيرة دخول ، ويتمنى أن يكتب له السيد حمد الله لسلطات المطار فى الخرطوم رسالة موجهة لسلطات المطار للسماح له بالدخول ، ومهرها باسمه - ثم اضاف عبارة (وزير الداخلية) .
-4-
* المهم حدث ما حدث على نحوما هو معروف فى مطار بنين بليبيا وعادت الطائرة البريطانية الى لندن بدون بابكر وفاروق . لكننى فؤجئت بهذا الصحفى يكتب لصحيفته من الخرطوم ، ولا ادرى كيف حصل على تأشيرة الدخول ، فهل حصل عليها من السفارة فى لندن ، أم من سفارة اخرى فى طريقه الى الخرطوم ؟!.
فقد كتب عدة مقالات عن الذى حدث فى (ذلك الصيف الساخن) على حد تعبير الاستاذ محمد حسنين هيكل فى الاهرام .
وكانت مقالات ذلك الصحفى عن الرائد فاروق حمد الله مقالا تنشر فى الصفحة الاولى بالديلى تلغراف بعنوان ... (He died a hero) أي مات بطلا .
* تحدث فيه عن حوار دار بينهما فى الطائرة حين ارسلت مقاتلتان ليبيتان اشارات للطائرة البريطانية بالهبوط فى مطار بنين !
* وبعد ذلك كان ما كان على النحو المعروف ...


الخرطوم 24 يونيو 2007م

سيداحمد الحردلو

elmhasi
23-03-2018, 02:49 PM
جريدة الوطن - الاثنين 16 جمادى الثانى 1428هـ - الموافق 2 يوليو 2007م

أين هم فى الزحام الآن ..!؟ . (’’45‘‘ من ’’...‘‘)

سيداحمد الحردلو
-1-
* كما اسلفت عدت الى تونس بعد انتفاضة ابريل 1985م ، فى مايو وواصلت عملى بالسفارة ، كان قبل ذلك وفى ديسمبر 1984م - أي أيام مايو - قد وصلتنى رسالة (مكتوب عليها ’’شخصى وسرى للغاية‘‘) تخطرنى بأننى منقول للرئاسة فى 31 اغسطس 1985م ، وكنت فى ذلك التاريخ أكون قد شارفت على اكمال خمس سنوات فى تونس ، وكانت اطول فترة قضيتها فى سفارة ، والحق اقول .. كنت قد مللت تونس وملَتنى !
وكنت انوى تنفيذ النقل الذى حددته الخارجية على ايام مايو فى موعدهـ ، لأننى كنت اتطلع لسودان الإنتفاضة والحرية والديمقراطية ، وحقوق الإنسان ، وبدأت بالفعل انفذ برنامج الوداع التقليدى الذى يقوم به السفراء والدبلوماسيين مع اقرانهم فى الدولة المضيفة وفى السفارات المعتمدة لديها .
* بينما انا كذلك ، فوجئت ببرقية مفتوحة من وزارة الخارجية تطلب منى تنفيذ النقل الذى حدد لي فى ديسمبر 1984م فى 31 اغسطس 1985م ، لم يكن اعتراضى على التنفيذ ، الذى كنت قد بدأت فيه منذ اول يوليو أي قبل شهرين من تنفيذهـ ، بل كان اعتراضى على البرقية المفتوحة ، إذ كان الاكرم والاجدر أن تكون رسالة موجهة لي كسفير وليس كعامل محلى ، ولذلك لم ارد عليها ، وواصلت ما أنا فيه من وداع واستعداد للرحيل .
* هاتفنى بعدها ذات مساء الوزير والصديق ابراهيم طه ايوب ، وزير الخارجية ، والذى كان فى زيارة رسمية للمغرب ، ومعه السفير والصديق جلال عتبانى للتحية ، واخبرت الوزير والسفير بمكان من امر البرقية المفتوحة !.
* وعلم الاخوة فى السفارة والجامعة العربية والالكسو واتحاد الاذاعات العربية بأمر البرقية المفتوحة ، وحددت موعدا للمغادرة ، واعترض الجميع على تاريخ المغادرة ، إذ كان يوم 31 اغسطس يصادف أول ايام عيدالاضحى المبارك ، فاعترضوا وعلى رأسهم الاستاذان الجليلان د.محي الدين صابر مدير منظمة الالكسو ، ومهدى مصطفى الهادى ، الامين العام المساعد بالجامعة العربية ، ولكننى كنت مصرا على المغادرة ، وجاء الرجلان الكبيران لوداعى فى المطار ، وهما يعبران عن اسفهما لقرارى بالمغادرة يوم العيد ! وهكذا قضيت العيد بين مطاريَ تونس والقاهرة ، وبين مطار القاهرة والفندق !
* كنت انوى مواصلة الرحلة الى جدة لإعتمر بعد أن فاتنى الحج ، ولأتسوق بعض الاغراض كما يفعل كل المنقولين للخرطوم ، لكن مطار جدة كان مغلقا بسبب الحج ، وغادرت اليها بمجرد فتح المطار ، فاستقبلنى فى مطارها الصديقان السفيران عبدالمجيد على حسن الذى جاءها كما يبدو حاجا ، وعبدالحميد عابدين السفير نائب رئيس البعثة . وما ان ركبنا السيارة حتى سألنى السفير عبدالمجيد (فاروق ماله معاك!) وحين سالته (لماذا؟) أجاب (انه ارسل برقية يسأل إن كنت قد وصلت جدة!) دهشت لهذه الملاحقة المستمرة من تونس الى القاهرة الى جدة ! ، لكننى كتمت دهشتى ، ومضينا نحو جدة ، وأنا اقول (لا بأس) والبأس واقع ! .
* استضافنا السفير عبدالحميد عابدين ، عبدالمجيد وشخصى ، فى دارته العامرة بجدة ، واخذنى فى سيارته الى مكة فاعتمرنا ، ثم تفضل وساعدنى فى شراء اغراضى - كرما منه ونبلا - وظل معى حتى غادرت جدة الى الخرطوم ، ولاعجب .. فهو ابن ناوا البار باهله ! .
-2-
* وصلت الخرطوم ، وذهبت للخارجية ، وكالعادة كلفت بإدارة الإعلام ، والتى كادت أن تكون وقفا عليَ وحدى من دون معشر السفراء ! ، فكلما هبطت الخرطوم كلفت بها ! ، حتى إننى قضيت معظم حياتى الدبلوماسية فيها إلا قليلا ً ! .
* كان الاعلاميون يكثرون من طلباتهم لمقابلة الوزير ، فاقترحت عليَ الوزير والوكيل ، أن نعقد لقاءا صحفيا تفاكريا اسبوعيا مع رؤساء تحرير الصحف ، يأتون بما لديهم ونأتى بما لدينا ، حتى يتفرغ الوزير لإصلاح ما خربته مايو فى ايامها الاخيرة من علاقات مع المحيط والدائرة .. ووفقا .. وبدأت بالفعل دعوة رؤساء تحرير جميع الصحف ، وتوافقنا على يوم محدد اسبوعيا ، وميقات محدد ، وكان السادة رؤساء التحرير يحافظون على ذلك الموعد والميقات بدقة متناهية ، كان الوزير يبدأ بتنوير عام عن مستجدات الاحداث التى تهم السودان وموقفه منها .
ثم يبدأ الصحفيون فى الاسئلة والاستفسارات ، وكان هدفنا بعد ذلك ايقاف بعض النقد الذى كانت توجهه بعض الصحف خاصة لدول الجوار ، وازعم ان التقليد كان جيدا ، وانه افاد سياستنا الخارجية ، خاصة علاقاتنا بدول المحيط والدائرة ، وأزعم مرة أخرى بأن الدبلوماسية السودانية كانت فى قمة عطائها اثناء الفترة الإنتقالية ، تحت قيادة الوزير ايوب ، وإن كان هذا التقليد الحميد توقف مع بداية الديمقراطية الثالثة لأسباب لم أكن طرفا فيها ، رغم أننى ظللت مديرا لإدارة الإعلام حتى اكتوبر 1987م ، حيث غادرت الخرطوم سفيرا مقيما للسودان باليمن الشمالى ، وغير مقيم بجمهورية اليمن الديمقراطية وجيبوتى . لكن تلك قصة أخرى .
-3-
* وجاء عام 1986م ، واشرقت شمس الديمقراطية الثالثة فى منتصفه ، وعادت الاحزاب القديمة والجديدة الى الساحة ، وتفاءل الشعب السودانى خيرا ، وهو الذى عانى ما عانى من الإعدامات والسجون والتعذيب والجوع والتشريد وقوانين سبتمبر سيئة الصيت ، وخطب الإمام نميرى ومواعظه فى مسجد القوات المسلحة ، وأذكارهـ فى كوستى وغيرها ، والقفز فى بيوت الناس وهم نيام ، وبدعة الشروع فى الزنا ! فإنصرف الرجل من إدارة الدولة الى أمور لاتتصل برجل الدولة بصلة !!.
* حكى لى الصديق الراحل المقيم الاديب وصاحب برنامج (نسايم الليل) الفريق شرطة ابراهيم احمد عبدالكريم القصة التالية : - (كان الرئيس نميرى قد قال للشيخ الورع صايم ديمة - عليه رضوان الله - إنه سيقوم بزيارة مقر (حضرته) مشاركا فى فعالياتها التى كانت وقفا على تلاوة القرآن ، وعبادة الله وتعظيم المصطفى عليه افضل الصلاة والسلام . وذهب نميرى فى اليوم والميقات المحددين بهيله وهيلمانه وكاميرات تلفزيوناته ومايكرفونات إذاعاته وحاشيته من وزراء وحرس وعسكر، وحوَل ’’الحضرة‘‘ فأصبحت محطة بث تلفزيونى مباشر وإذاعة ’’ترطن‘‘ على الهواء مباشرة ، وأعلن من هناك عدة قرارات جمهورية سياسية ، لا شأن لها بقداسة ’’حضرة‘‘ الشيخ وتقاليدها ، وانطلق نميرى بعدها يكر راجعا الى حيث أتى وموكبه ’’يكتح‘‘ الحضرة ومن فيها بالغبار والأتربة)!!.
* وأضاف الفريق ابراهيم أن الشيخ صايم ديمة أمسكه من يدهـ وساقه الى مكان قصيَ فى آخر الحضرة ، وقال له بالحرف (نحن الراجل دهـ ظللنا نلولى فيه كالاطفال ، فأنظر ماذا فعل بي وبحضرتي ؟ّ! ، فقد حولها الى ساحة سياسية كما رأيت ! أنا من الليلة دي رفعت إيدى منه!) .
* كان ذلك فى شهور مايو الاخيرة ، فرحل نميرى بدون هيله وهيلمانه ، وبقى الشيخ الجليل بسبحته وسجادته وكتابه وتعظيمه لأنبل خلق الله .
-4-
* قلت قبل دقيقة (وتفاءل الشعب السودانى خيرا بعودة الديمقراطية الثالثة) لكن أهل البوربون ظلوا هم أهل البوربون (لم ينسوا شيئا ولم يتعلموا شيئا!) عادت الاحزاب الى (دلوكتها ونقارتها) عادت الى فوضاها وزعيقها ونهيقها ، وخلافاتها التى بدأت منذ عشية الإستقلال الى يومنا هذا ، وستستمر الى الديمقراطية الرابعة والخامسة والعاشرة ، إن كانت هناك هناك ديمقراطية رابعة أو خامسة أو عاشرة !.
* لقد عاشت الديمقراطية الثالثة أو ظلت فى سكرات الموت من منتصف عام 1986م الى منتصف 1989م ، أي ثلاث سنوات فقط لاغير !.
حدثت فيها ستة تعديلات وزارية ، شرف الخارجية خلالها ستة وزراء خارجية هم بالتوالى (1) الشريف زين العابدين الهندى ، عليه رضوان الله . (2) د.مامون سنادة . (3) الاستاذ محمد توفيق ، عليه رضوان الله . (4) د.حسين ابوصالح . (5) الشيخ حسن الترابى . (6) الاستاذ سيداحمد الحسين .
بعضهم لم يقضى فى الخارجية ثلاثة اشهر ، وبعضهم اربعة ، وطويل العمر فيهم ظل ستة أشهر ! .
* يأخذ الوزير الجديد ملابسه للترزى ، وقبل أن يستلمها ، وقبل أن (يتوهط) فى كرسيه ، وقبل أن يقرأ ويسمع ويعرف اسرار الدبلوماسية ، ويتعرف على سياساتنا الخارجية ، وعلاقاتنا بالمحافل الإقليمية والدولية ، بل وقبل أن يتعرف على العاملين معه ، تطلق صافرة الحكم نهاية ولايته ، فيعود الى بيته ، وينسى ملابسه التى عند الترزى ، وينسى حتى اسم وعنوان الترزى !.
* انظر حولنا (وشوف) كم سنة قضاها محمود رياض فى وزارة الخارجية ! ، وكم سنة قضاها بوتفليقة ، وكم سنة قضاها الشيخ الاحمد الصباح ، وكم سنة قضاها الدكتور عبدالكريم الاريانى ، اما سمو الامير سعود الفيصل ، فأظن أنه تجاوز الثلاثين عاما وزيرا للخارجية ، وأنظر طارق عزيز وخدام والتريكى ! .
* ونفس المأساة الملهاة تكررت فى جميع وزاراتنا الاخرى ، فى عهد الديمقراطية الثالثة ! فـ لله فى خلقه شئون ، وللسودان فى حكامه شجون ! .
* ولماذا نذهب بعيدا - دعنا هنا فى السودان ، فقد قضى الراحلان المقيمان احمد خير والمحجوب ست سنوات فى حقيبة الخارجية ، بل المحجوب أكثر من ست سنوات فى مرحلتين متتاليتين ، وكذلك دكتور منصور خالد ، والاستاذ فاروق ابوعيسى .
* وجاء دكتور مصطفى عثمان اسماعيل فى الإنقاذ الثانية ، لينظف دبلوماسية البيت السودانى ، من هيجان الإنقاذ الاولى وشعارات (امريكا وروسيا حان ضرابها!) فاصبحت روسيا صديقة للإنقاذ ، وكذلك الصين ، ورتق ما انشق فى جدار علاقات دولتى وادى النيل ، ووصل الى بلاد الشام ، ممثلا للجامعة العربية ، وغيرها من دول المحيط ، والدائرة ، لأنه وجد وقتا لذلك ! ونتمنى أن يطول الوقت امام د.لام اكول ! .
* اعط الوزير وقتا ليتعلم ويجيد ويجود ، كان نميرى يختار وزراء اكفاء ونصف اكفاء ، يعطى بعضهم بعض الوقت ، ويلعب بالباقين (السيجة) حتى لم يبق حوله سوى حفنة من اصحاب الغرض والمرض ، وهكذا ركب التونسية !! .
* فيا أيها الحالمون بالديمقراطية الرابعة .. تعلموا فالعلم متاح ومباح ومطلوب حتى لو كان فى الصين البعيدة !!! .
-5-
* وجاء عام 1987م وانعقد فيه مؤتمر القمة الاسلامى فى الكويت ، وبينما كنت منشغلا بإعداد ملف تعريفى عن السودان ، خاصة قضية الجنوب باللغات الثلاث (العربية والإنجليزية والفرنسية) وحين تأخرت طباعة النسخة الفرنسية عند سكرتارية الاديب الراحل المقيم الصديق على المك ، الذى كان مسئولا عن قسم الترجمة بجامعة الخرطوم ، فاتنى السفر مع الوفد الوزارى الذى كان برئاسة الشريف زين العابدين الهندى ، ووجدتنى أسافر مع الوفد الرئاسى بقيادة مولانا السيد احمد الميرغنى رئيس مجلس رأس الدولة ، وأنا أحمل فى حقائبى مئات النسخ من ذلك الملف التعريفى بالسودان ، وقضاياهـ ، باللغات الثلاث ، كان مولانا السيد احمد الميرغنى فى الصف الاول يسار الدرجة الاولى على الكرسى المجاور للنافذة ، وكان السيد محمد الحسن عبدالله يس يجلس فى الصف الثانى بالدرجة الاولى قرب النافذة على اليمين . وهناك بعض مرافقى الرئيس توزعوا على بقية الكراسى فى الدرجتين الاولى والثانية ، وكان الصف الاخير من الدرجة الاولى على الجانبين خاليا ، فاتخذت مكانى فيه على اليسار قرب النافذة ، وإنشغلت بقراءة اخيرة للملفات الثلاثة ، وبينما انا كذلك وفى زحمة القراءة نسيت وأشعلت سيجارة وانا منهمك فى القراءة ، وجاءنى بعد دقائق رسول يقول لى (مولانا يرجو حضورك اليه) أطفأت السيجارة ، وذهبت الى مولانا احمد الميرغنى والذى استقبلنى استقبالا حسنا ، وطلب منى الجلوس بجانبه ، وبدأ يحدثنى حديث العارف عنى وعن أهلى الختمية فى تنقاسى وناوا ، وعاتبنى على عدم الحضور لزيارتهم كما كان يفعل آباؤنا ، ثم سألنى (لماذا تخلفت عن السفر مع الوفد الوزارى؟) وحين اخبرته بالسبب ، طلب منى أن أعطى سكرتاريته بعض النسخ من الملفات الثلاثة ، وكان مرحا ومتواضعا ولا تخلو احاديثه من طرف وضحكات ، وقبل عودتى لمكانى طلب منى أن نلتقى فى الكويت لنواصل ما انقطع ، وأن أزورهم فى بيته من وقت لآخر حين نعود للخرطوم .
-6-
* نزل الوفد السودانى بشقيه الرئاسى والوزارى فى قصر السلام ، اما انا فلقد انزلنى مدير مراسم الديوان الاميرى فى فندق الهيلتون ، وكان يمر علي صباحا لأخذى لقاعة الإجتماعات والتى كانت محفوفة من داخلها الى ميادينها وحولها باحواض من الزهور بجميع الوانها ، وكأنها مزروعة فيها ، ولكننى علمت أن طائرة كانت تغادر لهولندا كل يوم لتعود بتلك الزهور من كل الانواع ، فتغرس فى تلك الاحواض فى الفجر ، كذلك شاهدنا غابات النخيل الباسقة التى حملت بطائرات الهيلكوبتر من العراق وكأنها مزروعة فى الكويت منذ زمن بعيد ، كانت الكويت تبدو بستانا من الخضرة والالوان ، طيلة ايام انعقاد المؤتمر .
كان سفيرنا هناك محمد الامين عبدالله ونائبه الوزير المفوض حسن جاد كريم .
* قمت بتوزيع الملفات التعريفية بالسودان ، لكل وفد حسب لغته ، كذلك قمت بتوزيعها على أجهزة الاعلام المختلفة ، وبدأ مؤتمر القمة بكلمات من الملوك والامراء والرؤساء ، وقد استوقفنى من دونهم خطاب الملك حسين (عليه رضوان الله) بلغته الصافية وأدائه الحسن ، والقى مولانا احمد الميرغنى كلمته ، وتعاقب المتحدثون ، وتواصلوا الى قرارات توفيقية ، فى كل الموضوعات ، وكان مؤتمرا اسلاميا حقا ، لم يشهد ملاسنات ولاخلافات ذات بال .
* كان هناك الصديق العزيز السفير مامون ابراهيم حسن مدير المؤسسة العربية لضمان الاستثمار الكويتية ، والذى كان يزورنى باستمرار .
* كذلك كان هناك الاستاذ محمد سيداحمد بابكر ، وعدد من اهل ناوا فيهم ابناء اخوتى سمير وفيصل وعادل كتاب ، والمرحوم محمد عثمان محمود ومحجوب عثمان كتاب ، وآخرون غابت عنى اسماؤهم ، وقد اكرموا وفادتى فاحسنوا .
* والتقيت د.حسن محمد يوسف الذى كان يعمل فى وزارة الدفاع الكويتية وقتها ، ورجل الاعمال السودانى حاليا ، والعميد الركن صديق محمد طه ، رئيس الاركان والذى سبق ان درس ضباطا كويتيين ، وكان قد زار الكويت فى مهمة عسكرية .. كللت بنجاح كبير ، وكان صاحب حظوة عند طلابه من الضباط ، فأغدقوا فى الإستجابة لطلباته ، بل زادوا عليها (عليه رضوان الله) .
-7-
*فوجئت بعد انتهاء المؤتمر بالشريف زين العابدين الهندى يطلب منى السفر مع الاستاذ محمد الحسن عبدالله يس فى مهمة للعراق ، وبمجرد وصولنا فندق الرشيد ، سقط صاروخ ايرانى بالقرب من الفندق ، فارتجت له بغداد ، عندها قال اصدقاء سودانيون يعملون فى منظمات دولية لبعضهم ’’إن الحردلو قد وصل‘‘ فقد كان كلما وصلت بغداد للمشاركة فى مهرجان المربد .. يسقط صاروخ حال وصول وفدنا ، وهكذا تلفنوا بعض الفنادق حتى عرفوا اننا بفندق الرشيد ، فجاءوا وملء افواههم ضحك لاينتهى ! .
* وهكذا ادينا المهمة التى جئنا من أجلها ، فسافر الاستاذ محمد الحسن عبدالله يس للقاهرة ، وعدت أنا للخرطوم .
-8-
* دخلت مكتبى فى وزارة الخارجية صباحا ، وجاءنى الصديق العظيم والراحل المقيم السفير يوسف مختار ، ينقل لى أن لجنة التنقلات قد اوصت بنلقى سفيرا الى براغ ، عاصمة شيكوسلوفاكيا ايامها ، وقبل ان يعرضوا الكشف على الوزير ، سافر الشريف الى اليمن الشمالى لحضور اجتماعات اللجنة الوزارية المشتركة بين البلدين وعاد ، ورفعوا اليه كشف التنقلات ، فرسم خطا تحت اسمى ، من براغ الى صنعاء وآخر من صنعاء الى براغ .
وجاءنى السفير مختار مقطب الجبين ، كما سبق أن رويت فى حلقة سابقة ، وأخبرنى بما كان ، وقال إن السودانيين اشتكوا من السفارة ، ووعدهم الوزير بسفير سيشكرونه عليه ! .
* بل الوزير قال لى وبدون أن اساله - كما سبق أن رويت - (إذا لم تعجبك صنعاء ، خلال ثلاثة اشهر ، سأنقلك الى اية سفارة تشاء) وقبل سفرى لصنعاء وبعد اسابيع من ذلك .. قدم استقالته ورحل عن الوزارة ! .
* الحديث عن اليمن طويل وسيطول لذا سارجئه الى حين بعض الوقت ، وسادلف الى البدايات الاولى أي الطفولة ، الى ناوا ، وبعدها تنقاسى ثم القولد ، لكي تكون هذه تكملة او بدايات لما كتبت حتى يتسق السرد .. من الطفولة الى الخامس من اكتوبر 1987م ، يوم هبوطى مطار صنعاء ، وقد يصلح ذلك كجزء اول للمذكرات ، يعقبه الجزء الثانى الذى يبدأ من صنعاء الى يومنا هذا ، نسأل الله أن يمد فى العمر .. ولكم التحية والعرفان .


الخرطوم 30 يونيو 2007م

سيداحمد الحردلو

elmhasi
23-03-2018, 03:01 PM
جريدة الوطن - السبت 21 جمادى الثانى 1428هـ الموافق 7 يوليو 2007م

أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (’’46‘‘ من ’’...‘‘)

ناوِي - ناوهـ - ناوا ..!! (’’1‘‘ من ’’...‘‘)

سيداحمد الحردلو
-1-
* أستأذن اليوم أولئك الذين - تواضعا منهم وكرما - يتابعون هذهـ السلسلة من الذكريات والمذكرات ، ويتصلون ويتواصلون معي تعليقا وترحيبا بها ، استأذنهم لأعود بهم الى البدايات الاولى لنشأتى وطفولتى فى مسقط رأسي ناوا ، والتى هي من اعمال مركز دنقلا (ودنقلا تعنى ’’الشمس المشرقة‘‘) بالنوبية القديمة ، كما حدثنى ذات مرة المؤرخ الكبير جعفر ميرغنى ، والذى ما زلت أتمنى ان ينشر ما كان يتفضل به فى الإذاعة عن تاريخ السودان القديم ، فى مجلدات توثق لذلك التاريخ العظيم والذى يجهله كثيرون من أهل السودان قبل غيرهم من شعوب الارض ! .
* فنحن - كما ظللت اعيد وأكرر وأعيد - نثرا وشعرا - سادة الحضارة الاولى فى الدنيا ، وإن كان هناك من بعض الاشقاء من يحاول طمس أو اخفاء هذه الحقيقة حتى فى كتب تاريخهم ومناهج تعليمهم ، ناسين أو متناسين ان الحقائق بتاريخها ما تزال مطمورة فى باطن ارض السودان الشاسعة .. الواسعة والمهومة كالخيال والاحلام الجميلة ! .
* ويكفى أن معرضنا الاثرى والذى كان يتجول منذ سنوات فى اوربا وامريكا والذى اثار ضجة تاريخية واثرية ضخمة وفخمة فى تلك الانحاء من ان تاريخ الحضارة فى السودان قد بدأ قبل أكثر من مائتى الف سنة ! هذا المعرض الكنز والثروة القومية - لست ادرى اين هو الآن !؟ هل ما يزال يتجول منذ اعوام فى العالم ، أم سرقه سارقوا اثار العراق وقبلها آثار مصر ، بل هنا فى شمال السودان حيث حدثنى ابن اخى المهندس عماد محمد الحردلو ، احد مسئولى مطار مروى الجديد (أن طائرات كانت تهبط فى ذلك المطار القديم ينزل منها خواجات يطوفون ’’بلا عين تراقبهم‘‘ حول تنقاسى ومروى ونورى والبركل ، ثم يحملون حقائبهم المدججة بما لذ وطاب من آثار ثم يغادرون الى حيث جاءوا ، والى حيث لايعرف احد!) واسأل الآن وبالصوت العالى (أين ذلك المعرض الكنز والثروة القومية ، الذى ظل يتجول منذ سنوات ، هل عاد للسودان سالما كاملا مكملا .. أم انه سقط فى بحر الظلمات..!!؟) .
-2-
* إننى أبدأ بالحديث عن ناوا قبل اكثر من نصف قرن ، كما شاهدتها وعشتها ، فقد كان اسمها جزيرة شرق ناوا ، وكان النيل ينشطر شطرين ، احدهما هو النيل الحالى ، الذى ينساب غرب ناوا شمالا ، والآخر كان يدلف من دنقلا العجوز والغدار بسهل يمتد من هناك متجها شمالا شرق حوض لتى الممتد من الغدار الى ناوا ثم غرب قرية ود عباد الحالية ، حيث قبب شيوخنا وأولياء الله الصالحين ، وقبور ناوا ، ثم يواصل ويتواصل النهر شرق احياء ناوا شمالا حتى يصل الاتر (اتر النبيَ) (الذى سيجئ الحديث اليه لاحقا) ثم يدلف الى تمر العرب ثم ينحنى غربا فيصب فى النيل الكبير ، كان ذلك قبل مائتين وخمسين الى ثلاثمائة سنة ، ثم نضب أو اختفى ، ربما بفعل الطبيعة وتحولات النيل ! .
-3-
* كان تأريخيا اسمها (ناوِى) بكسر الواو والياء المعرجة ، لكننى وأنا فى المدرسة الوسطى لم تكن تعجبنى هذهـ الكسرة ، فصرت أكتبها (ناوهـ) بالهاء ، وحين بدأت أكتب الشعر خاصة فى الوسطى والثانوى حولت (الهاء) (الفا) فأصبحت (ناوا) فصار أهل ناوا يكتبونها بالالف ، ثم انتقل ذلك الى مدارسها ومغتربيها ودواوين الحكومة ، وأجهزة الإعلام وعموم السودان !.
* كان يشغلنى فى طفولتى ويزعجنى الى درجة الهوس ما يشاع عن ناوا من أنها بلد (السحاحير!) أي أكلة لحوم البشر ، كان كبارنا يحذروننا من الخروج بعد المغرب من بيوتنا ، لأن (دارة) السحارة تعشق أكل الاطفال ، وكانت دارة عليها رضوان الله ، امرأة فى خمسينياتها ، فى حالها ، لاتؤذى ولا تضر احدا ، كانت تسكن لوحدها فى بيت صغير بعيد عن بيوت الآخرين وقريب من النيل بين ساقيتى عمى على خالد وساقية ود محمود ، صحيح انه كان هناك سحرة يسحرون بالعين ، وآخرون بالتشبيهات ، ولكنهم كانوا قلة ورحلوا .
* ذهبت طالبات مدرسة ناوا الاولية الى مروى للإمتحان للمدرسة الوسطى ، وكانت فيهن شقيقتى آسيا ، ولكن طالبات المدارس من دنقلا الى مروى رفضن البقاء فى داخلية واحدة معهن خشية أن تأكلهن بنات ناوا ، فأخذ مدير المدرسة طالبات ناوا الى بيت مظلم لاضوء فيه ، ولا رتينة ولا حتى فانوس ، وكانت معهن مديرة مدرستهن ، وكن ينمن الليل من الخوف ، بمن فيهن المديرة ، قضين عدة ايام هكذا ، وهن فى خوف وهلع ، وجاء الامتحان ولم تنجح واحدة فيهن ! .
* وهكذا وجدت نفسى وأنا فى الثانوى أطرق باب الإذاعة وبعض ابواب الصحف ، لأتحدث وأكتب عن فرية وإشاعة سحاحير ناوا ، بل إن أحد الشعراء كتب - وهو ليس من ناوا يقول لحبيبته :
(الله من خلانى سحار
من سحاحير ناوى الكبار
كت الفك لف السجار
وكت اقطع بيكى البحار) .

-4-
* كنت اقول للناس وأحكى لهم قصة الفتها دفاعا عن ناوا من أن فرعون مصر استعان بسحرة من ناوا ، فى محاولة يائسة ليتحدى بهم نبيَ الله موسى عليه السلام ، إذ كنت أقرأ وأعرف أن ملوك الممالك القديمة كانوا يستعينون بالسحرة ضد أعدائهم ، لكن فريتى تلك - ولدهشتى - طلعت صحيحة ، وحمدت الله الفا على ذلك .
* كنت أزور مكتبة فى تونس فى ثمانينات القرن الماضى ، وكنت ابحث عن بعض الكتب ، فالتقيت مصحفا جميلا وضخما على مكتب صاحب المكتبة ، وجلست اقلب فيه فقد راقتنى أناقته وحروفه الكبيرة ، وشروحه الوافيه المستفيضة ، فقرأت ما يكاد يقول الآتى : (كانت بلاد النوبة القديمة مشهورة بكثرة السحرة فيها ، فأرسل فرعون مصر الى ملك النوبة يطلب إليه إرسال عدد من امهر السحرة لديه ، وبالفعل فإن ملك النوبة ارسل اليه عدد من احذق السحرة من بلدة نوبية تدعى ’’ناوِى‘‘ ! وقد استعان بهم الفرعون ضد سيدنا موسى ، فألقى بعضهم بعصيهم فإذا هي حيات تسعى ، ثم ألقى سيدنا موسى بعصاهـ ، فإذا بها حية ضخمة تبتلع حيات السحرة النوبيين ، والذين أعلنوا اسلامهم وانضموا الى سيدنا موسى! ، (لاحظ معي أن ’’ناوا‘‘ مكتوبة ’’ناوِى‘‘ بكسر الواو والياء المعرجة!) .
* قلت للشيخ صاحب المكتبة (أريد نسخة من هذا المصحف) لكنه صدمنى بقوله : (إنها النسخة الوحيدة ، وهي ليست للبيع ، لأنها هدية من صديق مغربى عزيز عليَ ، والهدية لاتباع ولاتشترى!) سألته (هل هناك امكانية لتتصل به ليرسل نسخة أخرى!) قال (نعم . ولكن لماذا لاتشترى مصحفا آخرا؟) قلت (إننى أريد هذا المصحف بالذات) فرد بأننى سأتصل به ليرسله ، فهل أنت مقيم فى تونس ؟) فقلت : (بلى ، ولكن الوقت قد أزف للمغادرة!) وأضطررت لمغادرة تونس قبل أن يصله رد من صاحبه !
* ثم أروى حكاية أخرى عن أسم ناوا التأريخى ، كنت أزور الملحق العسكرى السعودى قبل سنوات عشر فى ملحقيته العسكرية بشارع 35 بالعمارات العميد فيصل المشهور بـ(ابوترك) وهو شخص احب السودان وبادله السودان حبا ، فوجدت خارطة للسودان امريكية على شاشة الكمبيوتر امامه ، فقلت له (هات ناوا) فسألنى (أين تقع؟) فقلت (بين مروى ودنقلا) وجاء بها ، وكانت اسماء جميع مدن وقرى السودان ومجارى السيول وقيزان الرمل والنخيل والغابات والنيل والانهار ، من حلفا الى نمولى مكتوبة باللغة الانجليزية ، طلبت منه أن يكبر خارطة ناوا والنيل والجزر التى امامها ، وأول ما لاحظت أن ناوا مكتوبة هكذا (NAWI) أي (ناوى) بالكسرة والياء المعرجة ، وأمامها جزر (أرت رما) أي الارض السوداء ، وبسلان ، وأريته مكان بيتنا فى ناوا ، ثم قلت له (هات خارطة اركويت) فجاء بها ، وأريته مكان بيتى فى اركويت ، وطلبت منه ان يقيس المسافة بينهما فقال (350 كيلو متر) ثم طلبت منه أن يقيس المسافة بين بيتنا فى تنقاسى السوق وبيتى فى اركويت فقال (أيضا 350 كيلو متر) والغريب أن المسافة بين ناوا وتنقاسى لاتزيد عن المائة كيلو متر بسبب منحنى النيل ! .
إن سافرت من ناوا شرقا عبر الصحراء ، فتلقاك الكرو ، وتعبر النيل الى تنقاسى ! .
* ترى .. هل أخطأت حين غيرت اسم ناوا من (ناوى الى ناوا !؟) إن كان كذلك فليغفر الله لى وبعدهـ أهل ناوا والتاريخ ! .
* ترى .. لماذا يورد الامريكان فى خرائطهم كل هذهـ التفاصيل الصغيرة والدقيقة ، مثل مجارى السيول مثلا .. والجزر الصغيرة مثلا .. وقيزان الرمل مثلا ... !؟ .
* لماذا يعرفون عنا كل شئ .. ونحن لانعرف عنهم قليل شئ !! .
* لابدَ أنك ستجد الإجابة عند الغافلين منَا ... وما أكثرنا !!؟ .

الخرطوم 4 يوليو 2007م

سيداحمد الحردلو




ناوا
ناوا حديقة كرنفال
ناوا
جمال ... لايقال
عمرى يباح
للحظة قمرية
عند التلال
تنداح آفاق الندى
والطيب
يهمرها وصال
قلبى هناك تركته
طفلا
يغازله الجمال
يعدو وراء حمامة
ويلوب
فى نفضات شال
فى الطنضبات
مغلغلا
خلف الشياهـ .. بلا كلال
فى ريش دوبيت
سبوح ..
فوق كثبان الرمال
قلبى هناك معلق
فى نخلة ...
عند الزوال
فى ضفة النيل
الكريمة
كان يحلو المجال
لما ادور
مع السواقى
قافزا فوق الحبال
واطير خلف فراشة
وأعوق فستان (أمتثال)
أهدابها..
كانت كلون الحقل
خضراء الظلال
لما تخاصمنى
اموت من الاسى
حتى الوصال
كم طرزت اوقاتنا
بطفولة المرح
الحلال
الله يرحم عهدنا
الذخار ...
بالذكر الطوال
ناوا
شرايينى .. حقول هواك
صفراء الغلال
قمرية سرحت هنا ..
فارتج فكرى ..
الف بال
فى حوض (لتى)
كم ركضنا ..
كم عشقنا ذات خال
الله ..
يا أهدابها ...
فى الخد .. كم ألقت ظلال
وعلى جواد ..
من جريدات
طوال
كنت أزهو
مثلما يزهو ..
ابوزيد الهلال
وخرافنا
بيض وسود
كانسراحات الخيال
حينا تفر ...
ولحظة ...
تتفيأ العطر .. ظلال
فى الحقل
كم غافلت فلاحا
لألثم برتقال
كم مرة
بالنجم
عبأت السلال
وارتاع بدر ابيض
فهوى على صدرى
وسال
وستأثر الغرب
الصبيغة
ترمى نبع اخضلال
الله
كم غمست انفاسى
بانداء الشمال
والشرق
يفتح بابه متثائبا ...
والضوء مال
وغناء مئذنة
يشق الصمت
يغرقه ابتهال
ناوا ...
بلاد الطيب ... الاخضر
فى باب الشمال
أنا ساجد
فى راحتيك
أشم أخبار الجمال
علمت قلبى
أن يغنى
أن يكون ...
وأن ينال
أخبرتنى أمجاد ارضى
كيف أمتشق النضال
يا أرض ميلادى
غرامى ...
فوق تخمين الخيال.

سيداحمد الحردلو .
*


وادى سيدنا الثانوية 1957م

elmhasi
23-03-2018, 03:11 PM
جريدة الوطن - السبت 28 جمادى الثانى 1428هـ الموافق 14 يوليو 2007م

أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (’’47‘‘ من ’’...‘‘)

ناوِي - ناوهـ - ناوا ..!! (’’2‘‘ من ’’...‘‘)


سيداحمد الحردلو
-1-
* تنهض على ضفة النيل الشرقية ، وكأنها قمر تحوم حوله النجوم ، ونسمات النيل والجروف ، وحداء السواقى ، وغناء العصافير العائدة الى اعشاشها فوق النخيل واشجار السنط والسيسبان والجميز والدوم ، ويختلط هذا بصوت أجراس الهواليق الممدودة على طول وعرض المزارع ، وهي تحاحى الطير عن بيوتهم ، والشمس تدلف غربا ، تلون النيل بأشعتها الذهبية ، ثم تغرق فى بحر النيل ، متمنية لناوا ليلة سعيدة ! .
* كان هناك الدربوق الذى يمتد من آخر ناوا شمالا الى آخر الغدار أو دنقلا العجوز جنوبا ، ثم يتواصل الى قرى البديرية والشايقية ! .
* والدربوق كلمة تركية ، وكانت تعنى درب الترك ، حيث كان يمر حكامهم وسط هذهـ القرى ، على الدرب ، وفيما بعد سمى درب المأمور فى زمن الاستعمار ، أو الحكم الثنائى الإنجليزى فعلا ، والمصرى قولا .
ثم تتناثر البيوت غرب وشرق الدربوق الى حين تظللها غابات النخيل ، وكان هذا الجزء من ناوا يسمى (التقورية) وهي كلمة نوبية دنقلاوية تعنى (التحتانية أي الحلة التحت) .
ثم ينبسط سهل شاسع وخصيب حتى يصل حفافى الرمال شرقا و (كتن مار) شمالا وهي نوبية ، تعنى حي القوز أو التل أو الارض المرتفعة ، وتنتشر البيوت والنخيل فوق الرمال من وادى العقيداب الى حي الكتاتيب والحردلو ووادى بشير وآل خالد محمود ، وديار آل مختار ثم تدخل كتن مار بسوقها ودكاكينها وجزاراتها ، الممتدة عبر حي الحامداب الى آل العبادى ، واحمد محمد احمد والفنجرى ، وسنادة ، وآل عبدالله ، ومحمد احمد ، ويوسف عبدالرحيم ، وهم أباء شيخنا عبدالحيَ ، والمهندس عوض الكريم ، ود.جعفر والقاضى عبدالقادر ، وسيد الهادى وصولا الى ساتى نصر ، حيث ديار ميرغنى عثمان ، والعالم محمد الطاهر عبدالرازق ، وسهول (أي الارض المنخفضة) وصولا الى الآتر التى تسمى (اتر النبيَ) حيث توجد صخرة عليها أثر حافر حصان ، يروى الرواة انه حافر البراق الذى اسرى به سيدالخلق (صلوات الله وسلامه عليه) الى بيت المقدس ، والاتر هي ديار الاستاذ على السيد المحامى ، والدكتور بشير ارباب ، والسفير عبدالحميد عابدين ، وهي ديار آل حميداب والزين منهم الشهيد محمد احمد محمد على حميداب ، وكان من أوائل الاسلاميين ، وكان أستاذى فى مدرسة وادى سيدنا الثانوية ، فنقل الى مدرسة رمبيك الثانوية عام 1955م ، حيث كان من أوائل الشهداء .
وأقام اخوانه واهله وعلى رأسهم شقيقه القانونى الضليع مولانا يوسف محمد على وحميداب ، ويعقوب ومحمود وأيوب ، مدرسة تحمل اسمه (عليه رضوان الله) وهذه منطقة شهدت الديانات السماوية الثلاثة حيث يقيم على شمالها فى منطقة عرفت باسم (نقدن بوش) وهي عبارة نوبية تعنى ترجمتها الحرفية (سبت العبيد) ولكننى اعتقد أنها تعنى (سبت العباد) حيث كان يسكنها يهود ، ثم من بعدهم مسيحيون ، ما تزال آثار معابدهم وبقاياها موجودة الى يومنا هذا .
ثم تأتى تمر العرب ذات النخيل الظليل فى مواجهة جزيرة كومى والقولد .
-2-
* ثم نعود الى وسط ناوا الواقعة بين السهل والرمل حيث صارت مأهولة بالبيوت والمدارس والأندية الثقافية ، الى جانب المركز الصحى والمتاجر ، وسوق تويس الشعبى .
* كانت أول مدرسة فى ناوا قد انشئت فى بداية اربعينات القرن الماضى ، وكان اسمها مدرسة ناوا النصفية ، لكنها اشتهرت باسم شيخنا محمد مختار ، الذى كان مديرا لها ، وكان من استاذتها عبدالله فقير سقدان ، والد السفير ابراهيم ، وناصر عبادى ، وساتى على ، وعثمان مصراوى فى اجازتهما حيث كانا يدرسان فى مصر ، وهو والد كل من عبدالله ود.عبدالرحمن ابناء بنت عمى وعمتى ، كما اشتهر المسجد القريب منها باسم مسجد محمد مختار ، وكان امامه الشيخ الورع محمد احمد فرح ، ومؤذنه الشيخ ضرار (عليهما رضوان الله) .
* ثم ندلف بالدربوق جنوبا فنجد مسيد انباب حاج ، والذى تخرجت فيه اجيال وأجيال من حفظة القرآن الكريم ، ومسجدهـ الشهير والذى قام رجل الاعمال محمد عبدالله قرافى وشقيقه عبدالله مؤخرا بإعادة بنائه بمئذنة تكاد تناطح السحاب (حياهما الله) ويدير المسيد والمسجد الشيخ احمد انباب حاج ، ومنهم الشاعر عبدالرحمن محمد على مؤلف اغنية (غلطة) التى اهداها لإسماعيل حسن ، والتى اشتهرت باسمه ، ود. عبدالمجيد اب سوقى ، والذى كان جدودهـ ملوكا فى نوبيا ، ودكتور عثمان عبدالنبي النور ، والقاضى عبدالرازق مختار ، والاستاذ مختار ، والدكتور محمد احمد جدو .
* ثم حي الحصى وأشهر قاطنيه فى ذلك الزمان كان (طاهنتود) أي (ابن طه) بالقرب من حفير ناوا ، حتى نصل الى ساقية الحد التى تفصل بين أمنتقو وناوا .
* كان عدد السواقى فى ناوا يفوق المائتى ساقية ، وكل ساقية تسكنها اسرة مكونة من الاشقاء ، وابناء العمومة والخؤولة .
* ثم قام مشروع تعاونى زراعى فى بلدة (كسى) اعتمد عليه المزارعون فى ري حقولهم ، على امتداد اكثر من عشرة كيلو مترات ، أي من كسي مرورا بأمنتقو الى حدود ناوا الشمالية ، ثم أقامت ناوا بعد ذلك مشروعها التعاونى الخاص بها ، ثم جاءت مرحلة الدوانكى ، وكان الراحل المقيم عبدالله عبدالرحيم هو أول من أدخلها الى ناوا .
-3-
* ثم نصل الى امنتقو زعيمة (المشيخات) الممتدة من الغدار الى ناوا ، فهي كانت مقر العمدة والعمودية ، ومحطة البواخر النيلية ، وبسوقها (يوم الاربعاء) الذى كان يؤمه الناس من كل صوب وحدب ، من شرق النيل الى غربه حيث رومى البكرى ديار مشايخنا العجيمية ، ودكتور مصطفى عثمان اسماعيل ، الى فرجى وبسلان والقولد بشقيها القبلى والبحرى ، وكان بامنتقو ايضا مكتب للبريد وكبانية للتلفونات ، كان العمدة محمد عمر على ضخما وفخما ومهابا ، ثم خلفه بعد رحيله ابنه المشهور بميرغنى العمدة ، ولايكاد المرء يذكر امنتقو إلا وتجتر ذاكرته استاذين جليلين هما ساتى على حاج محمد وحسن محمد احمد العمدة ، اطال الله عمرهما ، والقانونى المقبول حاج محمد ومحمد عثمان كريرى اللذان رحلا الى رحاب الله فى شبابهما الباكر ، عليهما رضوان الله ، ولا ننسى بكرى حمد الله وصحبه الكرام .
* اما فى ناوا فقد كانت (الشياخة) عند جدى عبدالرحمن احمد كتاب ، والتى فقدها بسبب توبيخه للمفتش الانجليزى على حادثة اخلاقية اقترفها المفتش ، فلوَح المفتش بسوطه يهم بضرب الكتاب ، فإذا بالكتاب يسبقه بصفعة ، غادر بعدها المفتش الى مركزهـ ، حيث اصدر قرارا بإعفاء الكتاب ، وتكليف الشيخ سنادة بإدارة (المشيخة) وما درى المفتش أن الشياخة قد انتقلت من أهل الى أهل !!.
* كان الاستاذ فرح سنادة قد اكمل تعليمه فى كلية غردون التذكارية ، وإنضم الى كلية المأمير ، لكن رحيل والدهـ ، الشيخ سنادة فرح ، وصغر سن أخويه عابدين وعبدالعال (السفير فيما بعد) أضطرهـ للعودة الى ناوا ، لخلافة والدهـ ، وحين قوي عود شقيقه عابدين ترك له إدارة المشيخة ، والتحق بمصلحة التعاون ، حتى اصبح نائبا لمديرها ، ومن آل سنادة الاساتذة محمد وسعيد ميرغنى حمور ، ومولانا عبدالرحمن فرح سنادة ، وفيصل وغازى وكمال سنادة ، والدكتور تاج الدين ميرغنى ، وسيداحمد عابدين ، وطارق سنادة .
* وهنا لابد من وقفة وفاء وإجلال لرجل كان شاعرا وكاتبا مسرحيا وسياسيا ، ولكن من طراز فريد ، ظل نظيف اليد وعفيف اللسان ، كبيرا وسامقا الكبرياء ، صار وزيرا فما تغير فيه شئ ، واستمر مقيما فى بيته الذى بناهـ فى شبابه بنواحى ود نوباوى . ما تغير ملبسه ولاتغيرت لغته ، ولاتواضعه ، عاد لجذورهـ فى امنتقو وناوا وكدكول ، وصار نائبا برلمانيا لدائرة دنقلا الجنوبية ، ثم صار يرسل اولادهـ ليتعرفوا على اهلهم هناك ثم زرع لهم فى ارضه بستان من النخيل ، وأنكب على تعليم أولادهـ البرفيسور مهدى والنطاسى عبدالله والقانونى بابكر ، ثم انصرف الى كتابة مذكراته عن سيرته الذاتية وعن الحركة الوطنية ، فعل كل ذلك فى هدوء وشفافية تشبه هدوء وزهد وشفافية الانبياء ، ثم رحل قبل سنوات الى رحاب الله راضيا مرضيا ، فهو ذلك الانسان العظيم الخال امين التوم ساتى حمد ، عليه رضوان الله .
-4-
* وترقد قرية شيخ اسماعيل على حفافى حوض لتى ، وحوض لتى كان انجازا عظيما ومشهدا رائعا ، ومزرعة ضخمة تمتد عشرات الكيلومترات من الغدار الى ناوا فى سهل منبسط وخصيب ، اقامها الاتراك مستفيدين من انحدار النيل نحو الشمال ، فأقاموا حفيرا يرفع مياهـ النيل من الغدار فيصبها فى جنوب حوض لتى ، فتنساب الى شماليه شرق قرى المقاودة وكدكول وعرب حاج وكسي وامنتقو الى ناوا ، ثم قاموا بحفر حفير فى أواخر حوض لتي فى ناوا ، يسدون منفذ حفير ناوا حتى يمتلئ الحوض ويشبع بالماء ، ثم يفتحون ذلك المنفذ فيعود الماء مرة اخرى لنهر النيل ، فيتحول الحوض الى مزرعة ضخمة من الخضرة والالوان والمحاصيل بجميع انواعها ، كانت اسر كثيرة تملك نمرا فى هذا الحوض ، وتعيش فيه بحبوحة من العيش ، وكنا فى طفولتنا نرعى فيه اغنامنا وخرافنا ، ثم تغير الحال ، كمعظم مشاريعنا الكبيرة من الاحسن الى الاسوأ ، ولست ادرى اسباب توقف انسياب مياهـ النيل الى ذلك الحوض ، وهل هي عائدة الى تحولات نهر النيل كل مرحلة زمنية ، فلقد اصبح مجرى النيل يميل للضفة الغربية ، بينما امتلأت الضفة الشرقية بجزر متناثرة هنا وهناك ، أم هي بفعل الإنسان ، خاصة اولئك الذين ملأوا الحوض برافعات الماء اي الدوانكى ، وحولوا الحوض الذى كان مشاعا للجميع الى اقطاعيات خاصة بالقادرين ! .
-5-
* ثم نصعد ناوا شرقا عابرين مجرى النهر الذى كان فى الماضى الى قرية ود عباد الرابضة فوق تلة كبيرة حيث ديار شيخنا ود عباد الكبير وابناؤهـ حاج محمد وعبادى وعبدالعال ، عليهم رضوان الله .
* كان لأهل ناوا تقليد جميل ورائع فى الاعياد ، كانوا يحتفلون بالعيدين ، فيلبسون الجديد ، اطفالا ونساءا ورجالا ، ويمضون زمرا الى قرية ودعباد ، يؤدون صلاة العيد خلف ودعباد الكبير ، ثم يقومون بزيارة قبور ارحامهم ، يرشون القبور بشئ من الماء ويضعون على القبور تمرا وجريد نخل ، ثم ينصرف الكبار لزيارة قباب اولياء الله ، يمرون عليها واحدة بعد الاخرى ، حوالي التسع عشرة قبة ممتدة من ناوا حتى دنقلا العجوز ، بينما يقول آخرون إنها تسعون ، أذكر منها قبة ودعباس وقبة شهمبكول ، وقبة ودجنيد وقبة ودعشاب وقبة شيخ ادريس .
بينما ينصرف الاطفال الى متابعة سباق الخيول والتى كان اشهرها حصانيَ طاهنتود وبابا ، ولا انسى قبة الشيخ الولى منور جد كل من د.مامون والشهيد محمد وعبدالعزيز وعمر ابناء المرحوم يحي منور وهو من أهل ناوا الذين هاجروا الى ابوحراز .
-6-
* كان شاعر ناوا الكبير احمدون يسكن شرق قرية ود عباد ، وقريبا من حوض لتي فى منطقة (الم تر) وهي نوبية تعنى (أطرد التماسيح) وكان شاعر ومغنيا ومادحا يملك صوتا جميلا وهو القائل :
(أنا ملك شعراء المديرية الشمالية) .
(سكونى بلتى والم تر حلالى)
* حاولت تسجيل اشعارهـ ثلاث مرات ، مرة فى بيتنا فى ناوا ، وكان المسجل جاهزا فقال لى (نغنى الليلة ، ونسجل باكر الصباح) وغادر فى الصباح الى الم تر ، بوعد أن نلتقى قبل سفرى ، أتصلت بميرغنى العمدة احمد حسن الحداد وابنائه - ميرغنى وعوض وعبدالله - ورويت لهم ما كان من امرى معه ، فاتصلوا به وذهب الى بيتهم فى امنتقو ، وقال نفس الموال (نغنى الليلة ونسجل باكر!) وغادر فى الصباح الى الم تر ، وعدت للخرطوم وارسلت اليه ادعوهـ للخرطوم ، واخذته لزيارة الفنان الكبير وردى حيث كان يسكن فى شارع 61 بالعمارات ، واعجب وردى باشعارهـ ووافق على حضور ليلة كنت قد دعوت لها احتفالا بالشاعر ، وجاء كذلك الشاعر اسماعيل حسن ، وجاءت الدكتورة فاطمة عبدالمحمود وزيرة الشئون الاجتماعية ، واحتشد نادى ناوا الثقافى بمئات الناس ، فقدمت الشاعر احمدون اليهم ، ثم تحدث الشاعر اسماعيل حسن ، وذهب حال سبيله ، وجاء وردى وانشد قصيدة لأحمدون يقول فيها :
يا مرسالى قوم لاتبقى نسايَ
وأقرب لك ناوى بي جايَ
وإن سألوك قول زول سكة صلايَ
بتلقاها بتهب فى منقدهـ اب شايَ
غيَك يا ام ضمير سوانى نسايَ
والما يغوي البنات (بومه) وقليل راي
* وانشد احمدون مجموعة من اشعارهـ ، وتبرعت الدكتورة فاطمة باربعمائة جنيه لنادى ناوا ، وكان مبلغا محترما بفلوس تلك الايام ، وقدمته لصديقى التشكيلى العالمى والذى كان ايامها وكيلا لوزارة الثقافة والإعلام ، فوعد بتوجيه المسئولين بتسجيل اشعارهـ ، ثم جمعها فى كتاب ، وضرب موعدا لأحمدون للحضور للوزارة ، لكن احمدون كعادته ، لم يركب حمارهـ هذهـ المرة ، بل ركب بص ناوا عائدا الى عرينه فى الم تر !! .
* كان المرحوم محمد عبدالرحمن الجزار ، يملك صوتا جميلا وكان مقرئا ، ومادحا يحفظ معظم اشعار احمدون ويغنيها فى ليالى ناوا ، التى كانت عامرة ، كذلك كانت هناك مغنية ناوا الاولى (صاف النية) بصوتها الجميل وبجمالها تعطر ليالى ناوا وما جاورها بأغانيها الريفية الشجية البسيطة !! .
-7-
كانت ناوا ذات اغلبية ختمية إتحادية ، وامنتقو ذات اغلبية انصارية ، وكان يقود الإتحاديين الاستاذ محمد ساتى عبادى (ابن خالتى) وخريج الازهر ، وهو الذى كون شباب الختمية ، وكانوا يسيرون فى صفوف متراصة وكأنهم فرقة من الجيش ، يمرون بسهل ناوا ودبوقها (برتائنهم) واناشيدهم حول ناوا واحيانا يصلون الى امنتقو - وكانت وفود الإتحاديين تنزل فى دارته العامرة ، ورأيت فيهم فى طفولتى محمد نور الدين واحمد الرفاعى وهما ومعهم محمد ساتى عبادى يخاطبون الحشود من فوق تلة بجانب دارته ، وكان المكرفون أو مكبر الصوت يدخل ناوا للمرة الاولى فى اربعينات القرن الماضى ، وأذكر أن المكرفون معلقا على نخلة على مبعدة امتار من مكان الخطباء ، وكان بعض الصبية يتركون مكان الاحتفال ويذهبون الى النخلة ، يقفون تحتها وعيونهم وآذانهم مشدودة الى هذا الحدث الذى يحدث فى ناوا للمرة الاولى ! .
* بينما كان يقود الانصار الشيخ عبدالله الرحيم ، والذى اطلق اسم سيدالهادى على ابنه تيمنا بالامام الهادى .
-8-
* الحديث عن سيرة ناوا يطول رغم إننى ما أردت له أن يطول ويتداعى هكذا ، لكنها مسقط رأسى ، وأهل أهلى ولها فضل بلا حدود فى الذى قدمت من شعر ونثر لها وللوطن والإنسانية ، إن كنت قد كتبت أو قلت شيئا مفيدا أو ذا بال .
* هنالك رجال جذورهم من ناوا ، وبعضهم ولد فيها ، أسهموا اسهامات عظيمة نضاليا وثقافيا وسياسيا ودبلوماسيا فى إثراء الساحة السودانية ، أذكر منهم السفير عوض ساتى عوض ، الذى هاجر والدهـ الى الدويم ، ولكن ظلت علاقة اسرته متصلة ومتواصلة مع أهله من خرطومي ناوا ، كذلك الحال مع برفيسور محمد هاشم عوض ، ابن ناوا وقريب آل طاهنتود .
ولعلنى أتوقف امام رجال ثلاثة اخرين ، أولهم الفارس المهدى ابوقرجة كنتباي ، والذى ما تزال أثر قصرهـ فى ساقية الحداحيد وما تزال حجارتها وصخورها تذكر الناويين به ، ثم الاستاذ الشاعر والقانونى والسياسى عبدالباسط سبدرات ، ثم المسرحى الاستاذ مكى سنادة ، وثلاثتهم تجمعنى بهم أواصر دم وقربى من ناحية حبوبتى ريا محمود وجدى حامد عودينه ، وخالد محمود ، وقد طلب منى الصديق سبدرات مرة أن أعرفه بأهله منهم فى الخرطوم ، فذكرت له أسماء بعضهم كالمهندس خالد على خالد مدير مياهـ الخرطوم ، وشقيقه عكاشة ، والراحل المقيم خالد محمد خالد الذى كان يحفظ هذا التأريخ ، وكنت أكتب منه بعضه ، لكنه رحل الى رحاب الله قبل أن أكمل ما أريد ، ومنهم المهندس عبدالله محمد مختار ، وشقيقه الدكتور عبدالرحمن محمد مختار .
* بل إن الفنان الكبير محمد عثمان وردى له صلات قربى ودم باسرة ملوك ناوا ناس (فرح أورتود) وتعنى فرح ود الملك ، كذلك مع الاستاذ يوسف حمزة ، ومحمد على تمام وغيرهم .
-9-
وكانت ناوا مزدهرة بتجارتها وتجارها وأهمهم :
(1) محمد حسن الفنجرى الذى جاء اليها من حلفا وكان مهتما بالتعليم وضرورة بناء مدارس أكثر فيها .
(2) عبدالله عبدالرحيم .
(3) محمد احمد عبدالرحيم .
(4) محمد احمد اورتشى .
(5) احمد محمد احمد .
(6) على خالد .
(7) محمد خالد .
(8) عبدالحليم قلاب .
(9) الحردلو شامى .
ومن تجار ناوا الاقباط :
(10) شاكر منقريوس .
(11) عزيز منقريوس .
(12) النعيم .
(13) عطا الله .
(14) اسحق (وكان الاخير بامنتقو ثم انتقل الى دنقلا) .
(15) ومن أهم شخصيات ذلك الزمن الهمباتى والشاعر ود دهتى .
* ولذلك ولنا حديث آخر .
-10-
* زارنى اليوم الاستاذ الكبير سعيد ميرغنى حمور المحامى ، وسلمنى شهادة مهمة أورد نصها هنا تأكيدا لما قلنا وكتبنا عن اهمية ناوا التاريخية ، وفى المرة القادمة سنورد شهادة اخرى وصلتنى من الاستاذ يعقوب محمد على حميداب ، والان الى رسالة الاستاذ :

عزيزى الشاعر الفحل سيداحمد الحردلو ..
تحية من عند الله مباركة طيبة
لقد عزَ لي أن أسبر بعضا من غور ناوا ..
وإسم ناوا إسم موغل فى القدم .. وبالرجوع الى كتاب الخواجة قرفث (نقوش مروية) مجلد رقم (2) والى الخرطة الاثرية التى ضمنها موقع وادى ارشى فى ناوا ، وأسماهـ بقدو بوش (Bugdu Bush) حيث معبد الملك تهراقا الموجود فى ذلك المخازن .
(مطمور اسفل رمال قوز ناوا)
واسم ناوا مرسوم فى جزء من مصطلح كامل هو ناولى كو Nalwico ومعناهـ بالدنقلاوية أسد أهل ناوا .. وهو رمز القوة والسيادة .. وما زالت ناوا تحتفظ بالقابها القديمة منذ العهد النوبى ، مما يدل على عراقتها وجذورها التأريخية الضاربة فى القدم .. مع الاحتفاظ بخصوصيتها مثل :
شكناب .. قيلاب .. كتاب .. انياما .. أبكراوى ..
وقرى كتمار وساتى نصر ظلت محتفظة باسمائها القديمة حتى الآن .
لقد ولدت بناوا وأخى الاكبر محمد ميرغنى بمنزل جدنا لأمنا شيخ ناوا سنادة فرح درار من قبيلة الحاكماب .. منذ الثلاثينيات ولم نغادر الى جزيرة حمور مع والدنا إلا بعد وفاة جدنا سنادة فرح ، بعد بلوغنا سن السابعة .
ومما يجدر ذكرهـ أن جدتنا لأمنا فاطمة القرافية حفظت القرآن عن ظهر قلب .. ولم يتعد عمرها التاسعة وكتبته بخط يدها برواية الدورى .. وقد أودع هذا المخطوط المغفور لهما مولانا عبدالرازق مختار قاضى المحكمة العليا دائرة الخرطوم .. والبرفيسور محمد الطاهر عبدالرازق مدير مركز سوبا للأبحاث البيطرية ، فى متحف السودان التأريخى بالخرطوم لمن يرغب فى الاطلاع عليه .
هذا وسوف اقوم بطبع كشكول ذكرياتى فى ثلاثة اجزاء من الحجم الكبير والله اسأله التوفيق والسداد .

سعيد ميرغنى حمور

الخرطوم 11 يوليو 2007م

elmhasi
23-03-2018, 03:25 PM
جريدة الوطن - السبت 5 رجب 1428هـ الموافق 21 يوليو 2007م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (’’48‘‘ من ’’...‘‘)
ناوِي - ناوهـ - ناوا ..!! (’’3‘‘ من ’’...‘‘)
سيداحمد الحردلو
-1-
* (هل تقول سقط سهوا ..!!؟)
* نعم ، صحيح أنه لاتكاد تخلو صحيفة سودانية من أخطاء طباعية ، ولكن أن تكون بحجم ما حدث للحلقة (47) المنشورة بالسبت الماضى ، فهي تكاد تكون مصيبة على الكاتب ، قبل غيرهـ ! فربما يظن بعض القراء أن تلك مسئولية الكاتب وليس الطابع أو المصحح ! .
* فقد كتبت فى الفقرة (1) (ويختلط هذا بصوت أجراس الهواليق الممدودة على طول وعرض المزارع ، وهي تحاحى الطير عن العيش ، بينما يبدأ المزارعون فى العودة الى بيوتهم) فإذا بها تصبح (وهي تحاحى الطير عن بيوتهم!) .
* وقلت وأنا أتحدث عن آل حميداب وهي واحدة من أشهر بيوت ناوا ، قلت : (ومن آل حميداب الاستاذان محمد وعبدالله حسين حميداب المصرفيان الكبيران) وسقطت هذه الجملة .
* أما الفقرة (2) فقد كتبت عن مدرسة ناوا النصفية ، وقلت بالحرف : (كما أشتهر المسجد القريب منها باسم مسجد محمد مختار ، وهو والد المهندس عبدالله ود.عبدالرحمن ابناء بنت عمى وعمتى) ولكن الطابع قلب الآية فطبع نصف الجملة الاخيرة قبل نصفها الاول ! فأصبحت بدون رابط مع سابقتها ! .
* وقلت فى الفقرة (6) : (وقدمته لصديقى الفنان التشكيلى العالمى ابراهيم الصلحى) فطبعها (الفنان ’’التشكيلى‘‘) واسقط اسم ابراهيم الصلحى !!.
* كما اسقط الطابع بعض الاسماء التى سنعيد كتابتها !.
* أما الأخطاء الطباعية فقد وصلت الى حوالي عشرين كلمة وفيها بعض الاسماء التأريخية !.
* وهكذا وجدت نفسى مضطرا للإعتذار للقراء الكرام ، على ما اصابهم جراء ذلك ..
-2-
أرسل لي الصديق الاستاذ يعقوب محمد على حميداب رسالة أقتطف منها ما يلى :
* (تعتبر قرية ناوا واحدة من أقدم القرى التى سكنها الإنسان فى دنقلا من ارض النوبة العليا ، وأكبر شاهد على ذلك بقايا الآثار والتى ترجع الى ما قبل العصر المسيحى ، وأكبر دليل على ذلك مسلة قرية كدكول التى ترجع الى العهد النبتى ، وكذلك بقايا الكنائس المسيحية التى ما تزال آثارها باقية الى اليوم كما فى قرية الاتر والتى بنيت من الاحجار الضخمة ، وتوجد بعض القطع الصغيرة لآثار تلك القرية والتى سلمت للمتحف القومى قبل فترة طويلة من بعض أبناء المنطقة كالمرحوم الدكتور محمد الطاهر عبدالرازق والشهيد محمد احمد محمد على حميداب (عليهما رضوان الله) .
* لقد عاش فى تلك البقعة مجموعة من النوبيين تأثروا بالهجرات التى حدثت إبان العهد التركى بسبب اعباء الضرائب ، ووفدت إليها قبائل اخرى ، وإبان الثورة المهدية وعهد الخليفة حدث نزوح منها الى ام درمان وبعض قرى الجزيرة .
وبعد الفتح الإنجليزى المصرى حدث إنصهار بين القبائل الموجودة فى تلك المنطقة ، ثم جاء إليها بعض التجار من منطقة حلفا القديمة كأسرة موسى التاجر والد المرحوم بشير موسى . وينتمى موسى التاجر لأسرة طلسم (مبدعة البلابل) (هذهـ من عندى) وكذلك جاء الى ناوا التاجر محمد حسن الفنجرى والذى ينتمى لأسرة جريس ، ولقد لعب (رحمه الله) دورا رائدا فى نهضة التعليم فى ناوا ، كما وفد إليها الكثير من قبائل البديرية والشايقية وانصهروا مع النوبيين من أهل البلد الاصليين ، ولقد أدى هذا التمازج لظهور الكثير من الشخصيات السياسية والادبية من ابناء المنطقة ، والذين لعبوا دورا مهما فى الحركة الوطنية على مستوى المنطقة والوطن.
-3-
* أشتهرت ناوا بصناعاتها المتعددة منذ قديم الزمان وظلت أسر بعينها تتوارث هذهـ الصناعات حتى عهد قريب ، فكانت صناعة الحديد وقفا على ساقية الحداحيد ، والتى أنجبت الشاعر يوسف الحداد .
بينما ظلت صناعة الفخاريات مقسمة بين آل بشير فى وادى البشير ، وأهل ودعباد ، حيث برعوا فى صناعة القلل (ثلاجات ذلك الزمان) والاباريق .
بينما ازدهرت صناعة الغزل والنسيج على ايدى آل على جقيل ، وصناعة الجلود على ايدى آل عشيرى واسحق شاطر ، بينما انفردت امنتقو بصناعة الذهب على يد الحاج احمد حسن الحداد وابنائه ، أما آل عكود فقد هاجر بعضهم للخرطوم واشتغلوا بصناعة الذهب كأهلهم مسيكاب تنقاسى .
* ومن آل عكود الأستاذان فاروق وفؤاد عكود ولفؤاد عكود دراسات ومؤلفات فى التاريخ النوبى القديم .
* وكان أول من أقام مصنعا للعطور فى السودان هو الاستاذ ميرغنى عثمان حسين مستفيدا من تجربته مع الشبراويشى فى مصر وهو كما سبق أن اسلفت من ناوا أطال الله عمرهـ .
-4-
* وهنا اشعر انه من واجبى أن أذكر أسماء بعض الشخصيات التى اثرت الحياة فى ناوا ، فأبدأ بالرجل الورع الشيخ ادريس عبدالخالق تود (وهي نوبية تعنى ولد) صاحب قبة شيخ ادريس ، ولقد سبق أن أشرت الي قبته ، وكنت أزورها فى طفولتى فى العيدين .
وكان له ثلاثة أخوة هم حمد وموسى ومحمد ، وكان والدهم عبدالخالق حافظا للقرآن وملما بعلوم الإسلام ، ويتعهدهم بحفظ القرآن وآدابه وعلومه ، وحين أجادوا وجودوا طلب من أكبرهم شيخ ادريس أن يبقى معه فى مسيدهـ يعلم الحيران القرآن ، وطلب من الثلاثة الباقين أن ينتشروا فى الارض يعلمون الناس ما تعلموا وعلموا .. فذهب محمد الى المدينة المنورة ، واختار موسى بلاد المحس .
اما حمد فقد أوغل الى صعيد السودان ، وعرف باسم الترابى ، هناك من يقول إن الإمام المهدى هو الذى سأله (أصلك من وين؟) وهناك من يقول إن بعض أهل الصعيد سألوهـ (أصلك من وين؟) وفى الروايتين كان ردهـ واحد (أصلى من التراب) وسار عليه ، ومعه الترابى ، وهو جد المفكر الاسلامى الدكتور حسن الترابى ، وبرفيسور دفع الله الترابى ، عميد كلية الهندسة السابق بجامعة الخرطوم ، وزوج المرحومة الدكتورة زكية عوض ساتى التى كانت عميدة كلية الآداب ، وكان والدها معلما ثم صار أول سفير للسودان فى لندن ، وكما أسلفنا فى حلقة سابقة فإنه من ناوا .
-5-
* وعن بعض شخصيات ناوا فازيد واقول .. كان هناك شيخنا محمد احمد مختار من رعيل المعلمين الاوائل ، رحمه الله ، والمرحوم عباس محمد احمد أحد سادة الحكمة والطرفة وصديق المثقفين من امثال الاستاذ يوسف محمد على حميداب رئيس لجنة الاثنى عشر ، وهو والد الاستاذ محمد احمد عباس المحسى .
* وهناك الشيخ فرح عوض شيخ الكلاكلات والذى حول الكلاكلة الوحدة الى ناوا اخرى ، وهناك يوسف شرفى سفيرنا الشعبى فى جدة ، وحسن احمد الزبير مدير مشروع كسى التعاونى الزراعى ، وآل حماد عبدالعظيم ، ودكتور كمال ، والدكتور حسين الذى يعمل بمنظمة العمل العربية بالقاهرة ، ومولانا محمد الحسن حسين شرفى ، وخضر محمد على حميداب - الجنتلمان الزين محمد بخيت مسئول الجمارك الشهير .
* وكان فى ناوا صيادان ماهران يصطادان القطى وهو محلق فى سماواته ، وهما محمد عبدالرحمن كتاب المشهور بـ(شايقى) وحاج احمد وهو الى جانب ذلك كان يبدع فى صناعة السواقى مع آل البصير .
* ولا ينسى المرء فنان ناوا على الطنبراوى من فريق الحامداب ، وفى ذات الوقت كان شاعرا ، وكان يعمل مع الجيش الانجليزى فى السويس فسجنوهـ ، كتب أغنية حزينة ، أذكر منها بعض ابياتها :-
الخميس كانت جلستى
والخبر راح لي حلتى
وفى السجن باخد قمستى
جانى احمد وجانى اللمين
جونى يبكوا ومتأسفين
يا على الاصبحت مسكين
فى السجن وسط المجرمين
فى السويس حكم المصريين

* ولايكاد ينسى أهل ناوا ذلك الرجل الطيب ، الطويل كالنخلة ، وهو دائما فى حاله ، شعارهـ دائما (قدر ما تقدر اقطع الحركة!) كل نخيل رمال ناوا يعرفه ، فهو الذى سقاهـ ورواهـ ، يحمل اليه الماء (بالجوز) من الآبار ، وكان هو الذى يسقى ويرعى حدائق نخلنا حول بيتنا الذى اصبح اطلالا ، أما النخيل ، أما النخيل فقد مات تسعون بالمائة منه عطشا أو مرضا ! لكن خلوة الحاج الحردلو والحاجة فاطمة والتى أنشأتها بعد رحيلهما فما تزال - بحمد الله - عامرة بمصاحفها التى تفوق الخمسين ، تدرس النساء نهارا والرجال ليلا ، بل إن نساء كن أميات تعلمن وختمن المصحف على ايدى اساتذة متبرعين من الجنسين ، وفيها يجتمع أهل الحي فى رمضان لتناول الإفطار وصلاة المغرب والتراويح وفيها تقام المناسبات فرحا وترحا ، ويشرف عليها الاستاذ نقد صالح كتاب ، وإبن اخى واختى محمد يوسف كتاب حفظهما الله ورعاهما ، ورحم الله والدى وجعل الجنة مقاما لهما مع الانبياء والصديقين والشهداء .
-6-
* ويبقى شيخ زهاد ناوا شيخنا صاحب الكرامات والمعجزات عبدالرحيم الفقريادى والذى كان رفيقه فى غدوهـ ورواحه كتاب الله ، أرسل اليه مأمور الخندق للذهاب لمقابلته ، وحين ذهب قال له المأمور هناك جزيرة مسجلة بإسمه ، وكان ردهـ (إنها ليست جزيرتى!) أخرج المأمور الأوراق الثبوتية ، مكررا (إنها جزيرتك !) لكن الشيخ الزاهد مشى سكته الى ناوا .
* يروى الرواة انه كان مرة بسوق الغدار (المسافة بين الغدار وكتن مار بناوا حوالي عشرين كيلو متر) شاهدهـ الناس وهو يغادر السوق يقود عنزتين ، ومر بجانبه شاكر منقريوس يقود سيارته (البوكس) فطلب اليه الشيخ أن يوصله معه ، فرد شاكر بأن العربة مليئة ولايوجد مكان شاغر ، وحين وصل شاكر منطقة المدارس بناوا صعق حين رأي الشيخ يمشى أمامه مع العنزتين !.
* جاء الخرطوم بحرى مع زوجته وأقاما عند بعض اقربائهم ، لكننى علمت من بعض اهل ناوا إنه لم يكن راضيا عن تلك الرحلة ، كان ذلك فى تسعينات القرن الماضى ، خرج ذات صباح ولم يعد ، إنتشر الخبر بين أهل ناوا بالخرطوم ، فذهبوا الى كل المشافى فى المدن الثلاث والى مراكز الشرطة بدون جدوى ، ومر اسبوعان واتصلوا بناوا يسألون إن كان قد عاد إليها ؟ .
* كان هنالك معسكر للجيش فى نواحى الجيلى يحيط به سلك شائك ، فشاهد الجنود أن بعض صفحات القرآن تأتى من ناحية الخلاء ، وتتعلق بالسلك الشائك ، فأخبروا الضابط المسئول ، والذى وجه بعض جنودهـ بالسير ناحية الجهة التى تأتى منها أوراق ذاك المصحف بين الحين والآخر .
فذهبوا .. وبعد مسيرة دقائق وجدوا رجلا صبوح الوجه راقد ويداهـ فوق صدرهـ ، وبجانبه مصحف وابريق .
كان مصحفه دائما غير (ملصوق) الاوراق ، كانت كل ورقة فيه قائمة بذاتها .
* حاولوا إيقاظه فلم يفلحوا ، فأرسلوا أحدهم للضابط الذى جاء بسيارة عسكرية ، فرفعوا الرجل الراقد الى السيارة ومعه مصحفه وابريقه ، وانطلقوا الى مستشفى الخرطوم بحرى ، حيث كشف عليه الاطباء وقالوا (إنه توفى منذ أسبوعين!) . لم تكن هناك رائحة ولا انتفاخ فى جسدهـ ، ولا دلالات للوفاة ، مجرد رجل صبوح الوجه فى حالة نوم عميق .. سبحان الله ! .
* رحم الله شيخنا عبدالرحيم الفقريادى ، وجعل الجنة مثواهـ مع الانبياء والأولياء والصديقين والشهداء .

الخرطوم 12 يوليو 2007م

سيداحمد الحردلو

elmhasi
23-03-2018, 03:54 PM
جريدة السبت 19 رجب 1428هـ الموافق 4 أغسطس 2007م

أين هم فى الزحام الآن ..!؟ ( 49 الى ...)


سيداحمد الحردلو
-1-
* هذهـ وقفة مهمة وضرورية ، لنتوقف فى هذهـ الحلقة عند ناوا القرية .. لنتحدث عن منحنى الشمالى بالضفة الشرقية ، وسنلقى أن السياق متصل ومتواصل لأنه يتحدث عن تاريخ وجغرافية ومجتمع تلك المنطقة التى شهدت ذات التاريخ الاول والعظيم .. فسادت حوالى المائتى الف سنة .. ثم بادت .. فطمرتها عوامل الجغرافيا ، بكثبان الرمال والتجويف والتعرية ، ثم سنابك خيل الغزاة والمستعمرين ، وجاء الاستقلال واستمرت المنطقة مطمورة تحت قيزان الرمال ، وتقلبات الجغرافيا ولامبالاة الحكومات الوطنية المتعاقبة من ديمقراطية وشمولية ، بل أن الرئيس نميرى بعد انقلاب مايو ذهب الى هذه المنطقة وقال فيما قال : (إن هذهـ المنطقة ستكون آخر المستفيدين من مايو) وظل يحكم ست عشرة سنة ، وما قدم لها مثقال ذرة ! وجاءت الإنقاذ وأنجزت أو كادت تنجز أكبر مشروع عرفه السودان المعاصر ، ألا وهو سد مروى العظيم ، وبدأت فى شق الترع وسفلتة الطرق ، فأستبشرنا - نحن احفاد الكنداكة وبعانخى الفاتح وتهراقا ، وأبادماك - خيرا ، فإذا بالمشروع القومى (يحرن) عند (العفاض) لتنتهى الترعة الشرقية هناك .. لأسباب غير منطقية ولاعلمية ، ولتظل الرمال وعوامل التعرية والتجويف والنسيان تقضى على ما تبقى فى المنطقة من انسان وزرع وضرع ونخيل وبقايا حضارة هي الاولى فى الدنيا وبشهادة الآخرين من أثريين ولغويين وعلماء ، جابوا منطقتنا وعرفوا ما فيها من مجهور ومستور ! .
-2-
* وسأورد هنا وثيقتين مهمتين سلمنى إياهما المهندس عوض الكريم احمد عبدالرحيم ، تتحدثان عن قيمة هذهـ المنطقة تاريخيا وجغرافيا ومستقبلا ، سبق نشرهما الاولى بعنوان : (دنقلا .. حاضرة ارض النوبة) وللأسف فإن إسم الاستاذ كاتبها غير مذكور فى أعلى أو أسفل الوثيقة ، وإستأذنه لنشرها ، لأهميتها ، وسأضع عليها الحرف (أ) وأما الثانية فهي للأستاذ صلاح عمر شنكل وهو صحفى سودانى مقيم بالسعودية ، وسأضع عليها حرف (ب) أما الوثيقة الثالثة والتى أضع عليها حرف (ج) فقد سلمنى إياها أيضا المهندس المستشار عوض الكريم محمد احمد عبدالرحيم عن سكرتارية الضفة الشرقية ، ومعه مهندس مستشار خالد على خالد ، وهي رسالة موجهة الى السيد اسامة عبدالله محمد الحسن ، المدير التنفيذى لوحدة السدود - رئاسة الجمهورية .
* والوثائق الثلاث لاتحتاج الى تعليق ، ولكنها فقط تحتاج (وبسم الله) أن يرفع القلم الكريم بالتوقيع بالموافقة على (استمرارية الترعة الشرقية للمشروع الزراعى التعوضى لأثار قيام سد مروى الى الشلال الثالث) عبر ارقى وتنقسى بشقيها الجزيرة والضفة ، وهي ديار على فقيرى عبادى والعمديين احمد سعيد وسعيد ميرغنى ’’الدبة‘‘ وحمور ، ديار مولانا الفاتح عووضة ود. عبدالمتعال حمور ، والمرحومين د.بابكر وعمر حمور ، والاستاذ عثمان حمور ، والدكتور محمد عبدالعال حمور . والسياسى محمد زيادة حمور ، وذا النورين نور ناوا ونور حمور محمد وسعيد ميرغنى حمور ، والغدار ولتى بأقسامها .. الاربعة ، والمقاودة ، ديار المصرفى الكبير محمد صلاح الدين ، وكدكول ، وعرب حاج ، وأمنتقو ، وتمر العرب ، وملواد بلد السفير عطا الله حمد بشير ، والسير ، وكرمه ، وصواردهـ (وردى) وعبرى (جيلى عبدالرحمن) ، ود.محي الدين صابر ، والشاعر محي الدين فارس ، والصحفى والشاعر الزبير سعيد (جزيرة بنا) ، وهي منطقة شهدت فى تاريخها المعاصر رجالا اعطوا سياسيا ووطنيا كالزعيم الازهرى ، وطبيا الدكتور كمال ابوسن ، والدكتور عبدالرحيم محمد احمد ، وعلميا كالاستاذ عبدالمنعم ابوسن ، وفنيا صديق احمد واسحق ومحمد كرم الله وعبدالرحيم ارقى ، وعلى الضفة الغربية ، وهي مقرونة بالضفة الشرقية التى ابدعت الاديب الاكبر الطيب صالح (كرمكول) والشاعر الكبير محمد المكى ابراهيم (الدبة والغابة) ثم نعود للضفة الشرقية حيث اعطتنا تنقسى الجزيرة الشاعر الكبير محجوب شريف ، وتمضى المسيرة مرورا بالشهيد الزبير محمد صالح ، والفريق عبدالرحمن سعيد ، والسفير صالح محمد عثمان وثلاثتهم من الغدار ، ثم اعطتنا الضفة الغربية فى رومى البكرى الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل ، والذى تربطه اواصر القربى والدم بناوا ، وكذلك الشهيد عبيد ختم عكود ابن امنتقو وناوا .. وقد اسهبنا عن غيرهم فى حديثنا عن ناوا .. والقائمة طويلة ، وتطول ، وهل ننسى إنها مسقط رأس وديار الإمام محمد احمد المهدى مفجر الثورة المهدية .. وهي ديار الفريقين عبدالرحيم محمد حسين ، وبكرى حسن صالح .
* ألا يشفع لنا كل ذلك التاريخ وكل تلك الجغرافيا ، وكل ذلك المجتمع ، وكل ذلك العطاء فى كل ضروب الحياة ، فيساوينا بالضفة الغربية ، ويقنعكم فتصدرون قراركم الكريم بالتوجيه بمواصلة شق ترعة الضفة الشرقية ومشتقاتها الى غاياتها المطلوبة - بالضرورة والواقع والحق والعدل والتعويض - حتى الشلال الثالث !؟ .
* إننى أتمنى عليكم ذلك .
و .. لكم التحية من قبل ..

ولكم الشكر من بعد
مرفقات - وثائق (أ) و(ب) و(ج)
دنقلا .... حاضرة أرض النوبة
على بعد خمسين كيلو مترا على وجه التقريب من المنحنى على الضفة الشرقية للنيل فى شمال السودان ترقد مدينة فوق تل ـــــــــــ بناء من طابقين كان قصرا لملوك دنقلا العجوز ، حاضرة ارض النوبة ، لكنه استحال الى كنيسة ثم من بعد الى جامع ثم طمرهـ الخراب .
جاء فى مقدمة ابن خلدون أن نيل السودان كان يجرى الى الشرق من دنقلا العجوز أي أن النيل كان هكذا حين كانت حضارة الشرق تنير الارض ، وتبدل الحال الآن فإنقلب نحو الغرب ، كأنه وهو كذلك كائن حي يتعاطى مع الاحوال المتبدلة للأمم والشعوب ، يعبر بطريقته عن رأيه فى جحافل جيوش الغرب التى تحتشد الآن عند الحدود .
وتحت المدينة القديمة والتل الذى صار مقابر على مد البصر ،



ترجمة الوثيقة الثالثة
الى ادارة سد مروى
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
التاريخ 5 / 6/ 2006م
السيد / اسامة عبدالله محمد الحسن
المدير التنفيذى لوحدة السدود - رئاسة الجمهورية
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
الموضوع : إستمرارية الترعة الشرقية للمشروع الزراعى التعويضى لآثار قيام سد مروى

إن قيام مشروع سد مروى يعتبر إنجازا قوميا عظيما ومفخرة لأهل السودان عامة ، ولأهلنا فى شمال الوطن خاصة ، فالتحية والتقدير لشخصكم ولكل من ساهم فكرا وعملا وتضحية فى قيام هذا الصرح الشامخ .
هذا بقدر ما استبشر أهلنا سكان الضفة الشرقية لنهر النيل الممتدة من أرقى جنوبا وحتى الشلال الثالث شمالا بقيام هذا السد بإعتبارهـ مشروعا تنمويا عملاقا ويشكل رافعة اقتصادية واجتماعية ، ويدفع بعجلة التنمية المستدامة للسودان ، ولأهلنا على ضفتى النيل ، إلا إننا علمنا مؤخرا عن بروز إتجاهـ لدي إدارة السد يقضى بأن تكون العفاض هي اقصى منطقة تبلغها الترعة الشرقية للنيل ، والإستعاضة عنها بمضخات ضخمة ترفع المياهـ من المجرى الرئيسى للنيل لري الاراضى الزراعية الواقعة شمالا .
هذا الامر اصابنا بالإحباط والتوجس خيفة لمستقبل الضفة الشرقية شمال العفاض ، والتى عاشت منذ أن تم إنشاء خزانيَ الروصيرص وخشم القربة فى ستينات القرن الماضى ، تغيرات وتراكمات بيئية سالبة إذ ترتب عليهما تذبذب وانحسار مياهـ النيل فإزدادت معدلات التصحر والهدام وتقلصت المساحات الزراعية وانخفض منسوب المياهـ الجوفية واصاب العطش اشجار النخيل فتردت انتاجيتها وتراجعت قدرتها على مقاومة الآفات والآمراض التى أخذت تفتك بهذهـ الثروة القومية ، كما ترتب أيضا عن إنخفاض منسوب المياهـ فى المجرى الرئيسى للنيل ، توقف حركة النقل النهرى (كريمة - دنقلا) كوسيلة نقل منخفضة التكاليف ، ولاشك أن قيام السد وتوقف الترعة فى العفاض سيفضى الى المزيد من التدهور والإنهيار .
ربما يعزى توقف الترعة فى العفاض الى الرمال المتحركة شمالها ، مما يستدعى زيادة تكلفة استمراريتها ، وعلما بأن المشروع الزراعى لسد مروى ، والذى يعتمد على شق ترعتين على ضفتي النيل للري الإنسيابى هو مشروع تعويضى للآثار السالبة آنفة الذكر ، فإن إستمرارية الترعة الشرقية هي ضرورة تعويضية ، ويجب ألا تخضع لحسابات الربح والخسارة ، فهي ضرورية للآتى :
1 - لإيقاف زحف الرمال الذى ظل يدفن المساكن والآراضى الزراعية لعشرات السنين ، ويهدد نهر النيل ، وليس الحل فى إيقاف الترعة خوفا من الرمال ، فلابد أن يستصحب الترعة المعالجات الوقائية والتشجيرية وغيرها (Breakers, Shelter Belts Wind) وتنظيفها بالدفع المائى (Flushing) من وقت لأخر ، الامر الذى يكلف كثيرا .
2- لري الاراضى الزراعية الواقعة بينها وضفة النيل ريا انسيابيا وليس بالمضخات الضخمة ذات التكلفة العالية للتشغيل والصيانة ، وبالتالى تكلفة الإنتاج العالية ، مقارنة بمثيلاتها ذات الري الإنسيابى بالضفة الغربية ، هذا ولا نستبعد مستقبلا عدم توفر المياهـ الكافية فى بياراتها مع إنحسار المياهـ فى المجرى الرئيسى للنيل إضافة للمتغيرات المورفولوجية ذات الاثر المباشر ، ثم أن تلك المضخات ستغذى فى النهاية قنوات لري الاراضى الزراعية وهي معرضة بالمثل للرمال المتحركة والدفن !؟ .
3- للري الانسيابى للاراضى الزراعية الواسعة الواقعة شمال العفاض والتى تعادل مساحتها اضعاف تلك الواقعة جنوبها والتى تشمل اراضى حوض لتى والسليم ذات الخصوبة العالية .
4- لري أراضى زراعية جديدة والتى لم يكن ممكنا الإستفادة منها فى الماضى ، وبالتالى زيادة الرقعة الإنتاجية وفرص العمل لأهلها .
5- للإخضرار والتلطيف البيئى وجعلها جاذبة للسياحة ، خاصة وان المنطقة غنية بآثارها المروية والنوبية والإسلامية .
ثم إننا إذا أخضعنا الامر لحسابات الربح والخسارة أخذين فى الإعتبار أن العمر الإفتراضى للترعة هو ذات عمر السد فإن العائد المادى والمعنوى سيفوق أضعاف تكلفة شق الترعة .
هذا فضلا عن استمرارية الترعة مقرونة مع الخط الكهربائى والطرق المعبدة للمنطقة سيخلق الظروف الموضوعية لإنطلاق العديد من الانشطة الاقتصادية مما يسهم فى تنويع النشاط الاقتصادى وتوسيع سوقها وتكاملها مع المناطق الاخرى .
عليه ولكل تلك المزايا مصحوبة مع تغيير سبل الحياة فى المنطقة وجعلها بيئة جاذبة لأهلها الذين امتهنوا الإغتراب داخل السودان دافعين ضريبة الوطن تنمية لأرجائه المختلفة منذ عقود طويلة وكذلك خارج السودان ، فإننا نحن أبناء المنطقة نلخص مطالبنا لسيادتكم فيما يلى :
أولا : إستمرار الترعة الشرقية شمالا حتى مشارف الشلال الثالث .
ثانيا : مد شبكة الكهرباء لقرى الضفة الشرقية بالطاقة اللازمة بغرض الإستهلاك الإنتاجى ، وليس فقط للإنارة والترويح .
ثالثا : تشييد طريق مسفلت لربط قرى الضفة الشرقية ببعضها البعض .
رابعا : تشييد كبريين على امتداد المسافة الواقعة بين كبريي (مروى /كريمة) و(دنقلا/السليم) لربط الضفتين الشرقية والغربية وتسهيل انسياب حركة نقل السلع والافراد لمناطق السودان الاخرى .
هذا وإذ نؤكد اشادتنا بمجهوداتكم لقيام سد مروى نطمع فى استجابتكم الكريمة لمطالبنا ومواصلة جهدكم لتطوير المنطقة شرقا وغربا ، وإزاحة الظلم المتراكم عبر السنين عن اهلها .
والله ولي التوفيق

الموقعين ادناهـ



المنطقة //// الاسم

1- تنقسى الجزيرة /// بابكر ابراهيم عبدالله

2- تنقسى /// د. مدنى ابنعوف

3- حمور /// برفيسور / ميرغنى عبدالعال حمور

4- الغدار /// محمود محمد بشارة

5- لتي قسم 4 /// مصطفى محمد حمد

6- لتي قسم 2 /// سيد النور التوم

7- لتى قسم 1 /// محمد احمد وقيع الله

8- كدكول عرب حاج /// يحي محمد صالح

9- امنتقو /// عبدالعظيم عكود ساتى

10- ناوا /// احمد عبدالرحمن

11- اقدى /// عبدالوهاب محمد على احمد

12- ملواد /// احمد جميل






الخرطوم 24 يوليو 2007م

سيداحمد الحردلو

عكــود
23-03-2018, 04:18 PM
ألف شكر يا المحسي،

أتابع باستمتاع، الله يديك العافيه.

elmhasi
25-03-2018, 08:12 PM
جريدة السبت 19 رجب 1428هـ الموافق 4 أغسطس 2007م

أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (50 الى ...)

(ناوا - 4 من ’’...‘‘)

سيداحمد الحردلو
* قرأنا وسمعنا من بعض العارفين والمؤرخين من هنا .. وهناك .. أن الملك بعانخى كان يجلس الى علماء وأعيان مملكته من وقت لآخر ليتشاور معهم فى شئون البلاد والعباد فى قاعة ضخمة فى قصرهـ المنيف ، ودخل عليه وعليهم ذات يوم أحد أعيان مملكته فسأله بعانخى (أين كنت ؟ لم نرك منذ وقت طويل !؟) فقال الرجل (كنت فى بلاد الفرعون!) ويعنى مصر ، فساله بعانخى (وكيف حال الفرعون!؟) فأجاب الرجل (إنه فى أسوأ أحواله ، وإنه حتى لايعتنى بالخيول!) .
* كانت الخيول هي بنادق ومدافع ودبابات ذاك الزمان ، والسيوف هي ذخيرتها ، وكان بعانخى عاشقا للخيول ، فهي قوته الضاربة والمقدامة والمقتحمة ، وكان يرعى خيول مملكته ويغدق عليها ، بل كان لها حكماء واطباء مهتهم رعايتها وعلاجها والسهر على راحتها ، كما كان لها مدربون ، وفرسان يروضونها ويفسخونها ، وكانت لها مظلات ومضارب لسكناها تقيها الهجير والزمهرير ! .
* استشاط بعانخى غضبا حين سمع ما قاله ذلك الرجل ، وكان له جيش عرمرم فصاح فى قائد جيشه بأن يعد الجيش وبكامل عتادهـ وزادهـ ، وقرر غزو مصر ، وقد كان ، وحين دانت له نظر الى الشمال الشرقى وقرر غزو بلاد الشام ، فامتدت مملكته حتى مصر وبلاد الشام ، ويختلف المؤرخون .. فمن قائل إنه واسرته من بعدهـ حكموا تلك المنطقة الف عام ، ومن قائل إنهم حكموا خمسمائة عام . وقد لاتكون الخيول وحدها هي السبب ، ولكن هذا ما قرأناهـ فى زمن طال وأستطال !.
-2-
* تلك كانت القصة التى نعرف ، وأخبار تلك الحقبة ظلت شحيحة .. ولأسباب ليست سودانية ، ولاداعى للخوض فيها ، ثم قد يكون بيننا وبين الآخرين من يعرف اسرار تلك الحقبة ، ولماذا حاول بعض المؤرخين من غيرنا إغفال سيرة تاريخ تلك الاسرة النوبية العظيمة !! .
-3-
* زارنى الاسبوع الماضى وفى صحبة حامى حمي مسجد العصمة والذى يعتبرهـ الكثيرون أجمل مسجد فى السودان بمن فيهم الرئيس البشير الذى قام بإفتتاحه قبل أشهر ، وهو مجاور لدارتى فى اركويت (والذى أضفى مسحة من الجمال الرحيم على حينا المتواضع) بناهـ الدكتور عبدالوهاب عثمان شيخ موسى ، الاقتصادى المعروف ، ووزير المالية الأسبق ، وزميل الدراسة فى كل من القولد الوسطى ووادى سيدنا الثانوية ، زارنى اسماعيل بيرم حامى حمى المسجد ، فقد إنقطع عنا منذ افتتاحه ، ومعه الصديق الدكتور حيدر بدوى صادق ، الأستاذ بجامعة ميداي بنيويورك بالولايات المتحدة الامريكية ، والذى كنت قد التقيته آخرة مرة فى ابوظبى عام 1997م ، وكان قبلها يعمل بوزارة الخارجية فأصابه ما أصابنا من صالح عام !
* وحين دعوتهما لتناول طعام الإفطار معى إعتذرا بأن الفطور ينتظرهما فى بيت بيرم (كان ذلك يوم احد) ووعدنى بيرم بأنهما سيأتيان الى يوم الثلاثاء بقراصة لم أذقها فى حياتى ، وكتمت دهشتى ، فأنا تربيت بـ(الكابيدة) التى هي القراصة ، والتى كانت تجيد صناعتها والدتى بت الشيخ عليها رضوان الله ، وجاء يوم الثلاثاء ، وجاء الرجلان يحملان قصعة كبيرة مغطاة داخل كيس ، وما أن فتح بيرم غطاء القصعة حتى شاهدنا بخارها يتلوى حولنا ، وجلسنا اربعتنا حولها إذ انضاف الينا ابنى سامح ، وشاهدنا عجبا ، قراصة مبخرة مغطاة بقطع صغيرة وكثيرة من البصل ، وحولها شطة عجيبة الشأن ، وجلسنا نلتهم هذه (الكابيدة) النوبية التى لم أذق اطيب منها فى حياتى ، وطلبت من بيرم أن يستفتى صانعتها الماهرة (حفظها الله) لتفتينا بسرها ، فلا بد أنها سر من أسرار نوباتيا العظيمة ! .
* كان الحديث كله يدور حول تاريخ النوبة ونحن نلتهم (الكابيدة) ثم نرتشف الشاي ، فسالت الدكتور حيدر (ما .. ومن أنت!؟) فقال (انا نوبى جنوبى جمهورى!) اي انه نوبى ومع الحركة الشعبية وجمهورى ، ولدهشتى راح ينشد قصيدتى (محمود جنا طه) والتى يقول مطلعها :-
(محمود جنا طه
واحد من الاحياء
مع إنو عمرى انا
لم أمدح الاحياء)

* وزادنى علما بأنهم فى امريكا يحتفلون سنويا بذكرى استشهاد الاستاذ محمود محمد طه ، ويفتتحون احتفالهم بهذهـ القصيدة التى ينشدها الصديق والدكتور عبدالرحيم عبدالحليم ، وينشدونها معه فى اسلوب كورالى بديع .
(وبين هلالين كنت قد كتبت هذهـ القصيدة فى كنشاسا عام 1975م ، وحين كنا نسكن عزابة ، عبدالمحمود عبدالحليم المندوب الدائم للسودان بالامم المتحدة حاليا ، وشقيقه عبدالرحيم (الشاعر والدكتور بإحدى جامعات امريكا حاليا ، وشخصى وآخرون فى بيت فى السجانة فيما بعد ، أذكر أن عبدالرحيم الجمهورى أخذ نسخة من القصيدة وأوصلها للأستاذ محمود محمد طه ، وصاروا يفتتحون بها لياليهم الدينية منذ ذلك الحين!) .
-4-
* وما انتهينا من شرب الشاي حتى اخذ الدكتور حيدر بدوى الصادق قلما وورقا وكتب الواقعة التاريخية المهمة التالية ، والتى عنونها (استنجاد ملك اليهود فى القدس ببعانخى وتهراقا!) .
فكتب يقول :
* (غزت قوة باطشة من الأشوريين القدس وحاصرتها .. (فى سبيل تدميرها لإحتلالها) فإستنجد ملك اليهود فى القدس فى العام 731 قبل الميلاد بملك النوبة ، الذى كانت تربطه بالشام علاقات تجارية وثقافية حميمة بحكم القرب الجغرافى وسطوة الحضارة النوبية ، وتقدمها فى الثراء وأسباب الدعة والمنعة .
* وبحكم العلاقات الطيبة استجاب بعانخى وأرسل ابنه تهراقا كقائد للجيش النوبى من مصر ، حيث كانت تحكم مصر اسرة بعانخى ، فقام تهراقا بتحرير القدس فورا ، ويقول مؤلف كتاب صدر فى امريكا فى الاعوام القليلة الفائتة عن تلك الواقعة التأريخية الحاسمة والمهمة فى تاريخ البشرية (أنه لولا إنقاذ النوبة للقدس ، لما كانت هناك ولما كان هناك إسلام!!),
ذلك لأن تدمير القدس كان سيعنى تدمير اليهود ، وتدمير اليوم كان سيعنى قتل حاضنة المسيحية ، حيث كان السيد المسيح يهوديا فى الاصل ، ولولا المسيحية لما كان هناك إسلام !!
ذلك لأن النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم كان قد تعلم على اياد يهودية ومسيحية ، عرف منها أسس الأديان والتوحيد وقصص الانبياء ، وهذا بالقطع هو الذى هيأهـ (للتحنث) (أي التعبد) فى غار حراء ، وجعله يطلب الله فى غير الاصنام ، كما جعله يطلب التوحيد بدلا من التعددية وعبادة الحجارة ! وجدير بالذكر أن النوبة هم أول من أسس لديانات التوحيد ، قبل أن تكون هناك ديانات كتابية .
وسيدنا موسى عليه السلام ، ولد فى مناطق النوبة ، وحملته مياهـ النهر (نهر النيل) من الجنوب الى الشمال ، كما تروى القصة النوبية الشهيرة ، إذن ليس غريبا أن ينقذ تهراقا اليهودية ، وديانات التوحيد ! .
إنتهى ما كتبه الدكتور حيدر بدوى صادق !.
* سألته عن إسم المؤلف والكتاب فوعد بإرسال نسخة لى من الكتاب حال عودته الى أمريكا !
عود الى ناوا -
-5-
* أولا .. أستأذن لأبدأ بالشكر العميم والعظيم لكل أؤلئك الاهل والاصدقاء الذين تحملوا اسئلتى الكثيرة عن ناوا وتاريخها وجغرافيتها ومجتمعها فى كرم ونبل الناويين المشهود لهم وعنهم . فالمهندس عوض الكريم محمد احمد هو الذى لفت نظرى وقلمى الى علاقة الشيخ الترابى بـ(ناوا) حين قال لي إنه سمع ذلك مرة من خالنا الضابط أثناء الحرب العالمية الثانية فى الجبهة الشرقية ثم مدير مشاريع النيل الابيض فيما بعد الاستاذ مختار محمد مختار . ولقد حاولنا عوض الكريم من ناحيته وأنا من ناحيتى الإتصال بالأستاذ مختار دون جدوى ، وكان موعد نشر المقال قد آزف ، فإتصل المهندس عوض الكريم بالمهندس عبدالله محمد مختار ، الذى أكد الوقائع التى كتبتها فألف شكر لهما .
- وإتصل بي بعد النشر الشاعر احمد النمسى ذاكرا أن الذى قام ببناء قبة الشيخ ادريس عبدالخالق تود ، هو حاج عبدالرحمن سالم النمسى ، وقد أتوا به من أقجة شمال دنقلا ! .
* والشكر موصول للأستاذ يعقوب محمد على (بنك ناوا للمعلومات) والذى ساهم كتابة وشفاهة ، وكذلك الشكر متصل للأستاذ محمد عبدالله قرافى الذى ساهم مساهمة فعالة فى شرح الصناعات التى اشتهرت بها ناوا ، ومواضيع أخرى . كذلك الشكر موصول للأستاذ محمد احمد المحسى الخبير فى اسماء واعداد سواقى ناوا .
* والشكر موصول كذلك لكل من اللواء ’’م‘‘ عبدالعظيم عكود ساتى وعبدالحليم محمد احمد عكود .
* أما أستاذنا سعيد حمور المحامى فقد عاد لوثائق قرفث (نقوش مروية) وأمدنا بمعلومة مهمة تؤكد أن معبد تهراقا وجد مطمورا تحت رمال ناوا . فالشكر العميم له ، وللسفير عبدالحميد عابدين على افاداته المفيدة عن ناوا واهلها .
-6-
* ولعلنى اعتذر لآل عبدالنبي النور وآل مختار لتغيير موقعهم من مكانه فى مقال سابق ، من بعد مسجد محمد مختار الى مكان آخر ، والصحيح كذلك أن شيخنا وكبير الاسرة عبدالنبي النور والذى كان يعمل فى محطة وميناء الاسكلا هو والد الدكتور عثمان عبدالنبي النور والذى اصبح وكيلا لوزارة الصحة فيما بعد ، وهو والد الدكتور الفاتح ، وخال معتصم عباس صاحب كازينو الاسكلا العائلى ، ومدينة الألعاب فى برى ، والتى يديرها الاستاذ فؤاد عكود .
* ولابد من وقفة أما شيخنا ساتى عبادى وابنائه الإتحادى الكبير ، كما اسلفت محمد ساتى عبادى ، وعبدالرحمن وابراهيم وعبدالوهاب واحمد ، أما شيخنا عبدالقادر ساتى عبادى ، فقد زار رومى البكرى فى شبابه واصبح عجيميا وتزوج سيدة فضلى من رومى وأنجب منها ، وقضى بقية عمرهـ شيخا يشار اليه بالبنان فى عين شمس بمصر المحروسة .
-7-
* وكانت ناوا على ايام طفولتنا الباكرة تشتهر بكثرة المساجد والخلاوى ، كمسيد البدرى الذى اقيم زمن التركية بالاتر - وكان البدرى قاضيا ومأذونا . ومسيد آل عبدالرازق وآل مختار فى ساتى نصر . ومسيد عطا المنان بالاتر - ومسيد فرجاب بالاتر . ومسيد سنادة ، ومسيد أنباب حاج (أي ابونا الحاج) ، ومسيد محمد احمد رحمة بوادى العقيداب - ومسيد ود عباد - وأخيرا خلوة الحردلو .
* التحقت بمسيد انباب حاج (والذى اسسه انباب حاج الاكبر عام 1200هـ) وأنا فى الرابعة من عمرى وقضيت فيه عاما ونصف ثم التحقت بمدرسة ناوا النصفية ، وقضيت فيها ثلاثة اشهر فقط ، بعدها سافرت مع حبوبتى ريا وأخى محمد الى تنقاسى السوق ، لألتحق بمدرستها الاولية ، لكن تلك قصة أخرى ، سنعود إليها لاحقا !.
* لكننى وانا اختم حكايات ناوا أتمنى أن أذكر أمرين عن مسيد انباب حاج : أولهما - كما روى لى الاستاذ محمد حسين حميداب أن عددا من أطفال القرى الاخرى كانوا يقصدون هذا المسيد ، وكان يستضيفهم أهل ناوا فى بيوتهم على طريقة كورسات لندن الصيفية والتى كانت تستضيف الاسر الانجليزية خلالها الطلاب الوافدين من افريقيا وغيرها !
والامر الثانى : وقد رواهـ لي الدكتور جعفر محمد احمد عبدالرحيم ، من أن الدكتور الفرد النعيم اصطفانوس كان قد التحق بمسيد انباب حاج ليحفظ القرآن ، وكان مجيدا ومجودا فاق أقرانه المسلمين ، حتى أن شيخنا انباب حاج (وكان رجلا ورعا ووقورا وحازما) صرخ فى اترابه من الحيران المسلمين موبخا (أهل كتاب يحفظون القرآن .. وأنتم لاتحفظونه!) ويبدو أن هذه العبارة لم تعجب ألفرد فإنقطع عن المسيد من يومها !
* كان والدهـ النعيم صديق والدى ، وقد أختار لمتجرهـ وحديقته مكانا على الدربوق بالقرب من ساقية الحد داخل ناوا ، وكانت علاقات جميع المسيحيين مع جميع اهل ناوا وامنتقو أخوية وإنسانية ورائعة ، يشاركون بعضهم فى السراء والضراء ، وكانوا يرفعون الفاتحة فى المآتم ، ويجيدون الدنقلاوية . ولهم بيوتهم وحدائق نخيلهم ومتاجرهم ، وبقى شاكر منقريوس والذى قام ببيع أملاكه فى ناوا واستوطن امبدة ، لكنه لم تنقطع صلته بناوا ولا بأهلها فى العاصمة المثلثة ، فهو كلما التقى احد اهل ناوا دمعت عيناهـ ، ودمعت عينا ملاقيه .
* كنت وما زلت أكتب عن ناوا قبل أكثر من نصف قرن ، فإن فاتت عليَ حادثة أو اسم أو واقعة .. فالعتبى للقارئ حتى يرضى .
-8-
* لا اريد ان اغادر هذا المكان قبل أن اذكر ثلاثة معالم من معالم ناوا أولها .. الردم - وهي كلمة عربية ، والردم هذا عبارة عن جسر ترابى عال شيدهـ الاتراك من دنقلا العجوز الى ناوا ليحول دون تدفق مياهـ حوض لتى أيام الدميرة وامتلآ الحوض على القرى الواقعة غربه ، بينه وبين النيل خشية ان يدمرها ، وصار الآن طريقا يكاد يكون ممهدا تسلكه السيارات والبصات القادمة والرائحة بين المنطقة وام درمان ودنقلا ومروى والقرى المبثوثة غربه بعد ان كانت هذه الناقلات تسلك درب الدربوق وتدمر الكبارى البدائية التى كان يقيمها بسطاء المزارعين وليت الجهات المختصة تقوم برصف هذا ’’الردم‘‘ الجاهز للرصف ولن يكلف هذا كثير شئ .. وليت هذا الخير يعم فينال الدربوق (أو درب الترك أو المأمور) حظه من الرصف ، ولن يكلف رصفه - كذلك كثير شئ !
وثانيها الجنابية .. وهي عبارة عن جدول كبير قوى وعال ، كانت تتدفق عبرهـ مياهـ المضخات الرافعة للماء من النيل من كسي الى ناوا ، ومن كسي الى الغدار ، وقد استطاع النيل أن ينسرب من ساقية الملك فى اقصى شمال ناوا ، أثناء فيضان 1946م ، ولحكمة ما وبدل أن يتوجه شمالا مع انحدار النيل ، توجه جنوبا ، ومضى تحت اقدام كتن ماروسلك سكته من ناوا الى الغدار ، لكن ارادة الله جلت قدرته جعلت هذه (الجنابية) سدا منيعا منعته من التسرب الى الآف البيوت التى كانت محصورة بين الجنابية والنيل (فى التقورية أي التحتانية) وهكذا سلمت الآف الارواح والآف البيوت وغابات النخيل ، ونحن الآن موعودون حسب البيانات الرسمية بفيضان يفوق فيضان 1946م ، فردوا بالكم يا أهل ناوا ويا أهل المنطقة .
وثالثهما .. تلك الباخرة الغارقة بين ناوا وفرجى ، والتى تظهر مدخنتها وبعض اجزاءها العليا عند انحسار النيل ، وتختفى ايام الدميرة ، وأظنها من بواخر حملة كتشنر ، وكانت تهدد النقل النهرى ايامنا تلك ، غير أن ريَسي تلك البواخر التى كانت تمخر النيل فيما بعد صاعدة نازلة ، وكان جلهم من أهلنا المحس ، كانوا يحفظون مجرى النيل بين كريمة وكرمه - أكاد أقول - مترا بعد متر ، وكانوا يتجنبون هذه الباخرة الغارقة خشية أن تصطدم ببواخرهم ، وأسأل .. ألم يحن الوقت لإنتشالها ووضعها كتذكار أو متحف لحملة كتشنر فى ناوا أو فرجى !؟ .
* وأخيرا هنالك اقتراح من اللجنة الشعبية لترعة الضفة الشرقية (ارقى الى الشلال الثالث) (بقامة كبيريين على امتداد المسافة الواقعة بين كبيريي مروى - كريمة ودنقلا السليم لربط الضفتين الشرقية والغربية) واقترح - وانا اعرف حدودى - بان انسب مكان لإقامة احدهما هو النيل الفاصل بين امنتقو - ورومى البكرى ، لضيق المجرى هناك ، وعدم تأثرهـ بتحولات النيل ، ولأن الشاطئين عاليين ، وامنتقو تعنى بالنوبية القديمة (مصطبة الماء) ، أي المكان العالى ، أقول هذا بلا نوازع جهوية ، وبلا نرجسية ، ولكن للحقيقة والتاريخ ، ولكم أن تستفتوا العارفين والمهندسين ، وذوى الدراية .
-9-
* وأنا بصدد ان انهى هذه السلسلة من محاولة كتاب لمذكرات أو سيرة ذاتية تبدأ بناوا مسقط رأسي ثم تتواصل الى قريتى الثانية تنقاسى السوق فالدراسة الاولية فيها ثم بعدها القولد حيث الدراسة المتوسطة ، بلغنى أن الاديب الاكبر الطيب صالح والذى - للأسف - (يعانى منذ ستة اسابيع من فشل كلوى ، وتجرى له حاليا عملية غسيل ، وربما يخضع لعملية فى غضون الايام القادمة) قرأت هذا اليوم الثلاثاء الموافق 31 يوليو الماضى فى صحيفة (الوطن) بقلم الاستاذة مشاعر عثمان نقلا عن الدكتور كمال ابوسن .
* وكان كل من الدكتور كمال ابوسن والاستاذ محمود صالح عثمان صالح والسفير الشاعر صلاح احمد محمد صالح قد اخبرونى فى زيارات كريمة لهم فى دارتى بداية هذا العام أن الاستاذ الطيب صالح يعانى من ضعف فى وظائف الكلى ، وقال للدكتور ابوسن قل للحردلو (ajoined the club) أي انه انضم الى رهطنا نحن أهل الفشل الكلوى وزارعيه ، ولأننى أعلم انه يقضى اشهر الشتاء الاولى من كل عام فى مصر هربا من برد لندن ، وللمشاركة فى مهرجان الجنادرية وزيارة شقيقه القاضى بشير فى البحرين ، فقد اتصلت به مرتين فى القاهرة لأطمئن عليه ، فوجدته يتعامل مع بدايات المرض بهدوء ، وبساطة ، وأخبرنى انه لن يقوم بعمل الغسيل او العملية ، لكننى طلبت اليه ألا يأخذ الامر بهذهـ البساطة ، وأن يبدأ فى الغسيل فورا ، وأخبرنى بأن الانسان الفاضل الاستاذ محمود صالح عثمان صالح اقترح عليه أن يقوما بزيارة للنرويج ، حيث يوجد نطاسى بارع فى امراض الكلى ، وباركت ذلك ، وزارنى قبل شهر الدكتور كمال ابوسن ، وطمأننى بأن الطيب بخير وانه وافق على القيام بعمليات الغسيل فى لندن ، وانه بالفعل قد قام بزيارة للنرويج فى صحبة الاستاذ محمود صالح عثمان صالح ، والتقيا بذلك الطبيب المشهور ، وطمأنهما خيرا ، وانشغلت خلال الشهر الماضى بشؤون خاصة أولها حالتى الصحية ، وللصديق والاديب الاكبر الطيب صالح افضال كثيرة عليَ ، آخرها كان هو السبب المباشر لذهابى للدوحة لزراعة الكلى ، فقد قام بمساعدة الصديق الشاعر الياس فتح الرحمن بمقابلة السفير القطرى بالقاهرة ، وحكى له ما كان من امرى ، ونقل السفير القطرى ذلك مشكورا ، لسمو الشيخ وزير الخارجية القطرى ، والذى وجه بعلاجى فى مشفى حمد الطبى بالدوحة ، وذلك جميل طوق به الطيب صالح عنقى ضمن جمايل أخرى ، شفاهـ وحفظه الله . وقد نقل لى تلك المراسلات الدائرة بين السفير القطرى ووزارة الخارجية القطرية ، ومشفى حمد الطبى بالدوحة ، الآديب الكبير والصديق العزيز الدكتور حسن ابشر الطيب (أين هو فى الزحام الآن !؟) .
* إننى ادعو الله ضارعا أن يتولى أستاذنا الطيب بعنايته ورعايته ، وأن يعود إلينا كما كان دائما صحيح البدن ، متقد الذاكرة ، هيمان الوجدان ، وضاح المحيا ، سمح السير والسيرة ، مثقفا موسوعيا ، مبدعا كونيا ، أثرى ويثرى وجداننا ووجدان الملايين ، وهو المقروء بأكثر من اربعين لغة حية فى جميع انحاء المعمورة العامرة به وبإبداعاته التى قلما تجارى ولاتجارى .
* وإننى أدعو - بالضرورة والحق والواجب الوطنى والقومى - كل السودانيين لكي يصلوا من اجله ، ويتضرعوا للمولى ليكلأهـ بعنايته ورعايته وأن يمتعه بالعافية والعمر المديد ، وبدون أن أستأذنه فإننى أطلب من كل قادر ومحب أن يتقدم للتبرع بكليته ، وما أكثر محبيه فى هذا الوطن العظيم ، وسأطلب من الأخ الكريم والصديق العزيز سيداحمد خليفة رئيس تحرير صحيفة (الوطن) تكليف احد العاملين معه بإستقبال المتبرعين وتسجيل اسمائهم وعناوينهم وارقام هواتفهم ، وسأطلب من الصديق العزيز الدكتور الخليفة العوض الحسن مدير المركز القومى لأمراض الكلى بالتفضل كعادته بإجراء الفحوصات اللازمة بعد التأكد من الدكتور كمال ابوسن من نوع فصيلة الدم الخاصة بالاستاذ الطيب صالح ، وتكملة الإجراءات الاخرى كتطابق الانسجة وخلافه ، ليكون كل شئ جاهزا ، حينما يقرر الاطباء المشرفون عليه ، إجراء العملية اين وحين يريد .. شفاهـ الله وعافاهـ .
* وتبقت لي أمنية وأثق أنها أمنية كل السودانيين وهي بناء صرح باسمه فى منطقة مسقط رأسه (كرمكول والدبة) عند منحنى النيل ، وذلك بإقامة كبرى يربط بين الدبة وارقى ، ويسمى (جسر الطيب صالح) وذلك قليل من كثير وعظيم قدمه الاستاذ للسودان وللعروبة وافريقيا ، بل وللإنسانية جمعاء .
* وهذه رسالة اخرى موجهة للأستاذ اسامة عبدالله محمد الحسن ، المدير التنفيذى لسد مروى ، وأعرف انه بحسه الوطنى والقومى والإنسانى سيتبنى هذا المشروع ، وسيعمل على تنفيذهـ عاجلا وفى حياة عمر الاستاذ المديد بمشيئة الله .
* بل اتمنى أن تقوم وزارتا الثقافة الولائية والإتحادية ببناء مركز ثقافى باسمه فى الخرطوم أو قريته ، يحفظ ابداعاته وسيرة حياته وصورهـ ، وما كتب عنه فى الداخل والخارج ، كما تفعل الدول المتحضرة لكبار مبدعيها ، وذلك أقل ما نرد به بعض جمايله علينا ، وهي كثيرة وبلا عدد .
-10-
* اتصلت بالاستاذ الطيب عصر الثلاثاء 31 يوليو ، فى دارته بلندن ، ووجدته ذات الانسان العظيم الشجاع الذى لايخشى ولايهاب المرض ، وحدثنى بانه اجرى ثلاث عشرة عملية غسيل حتى الآن ، وانه يمارس حياته المعهودة فيقرأ ويكتب ويتمشى ، واخبرته بانشغال الناس هنا عليه ، فطلب منى أن أطمأنهم ، وهانذا افعل ، فصلوا معي من اجله ، ولاتنسوهـ من الدعواتالصالحات فى مساجدكم العامرة ، حفظه وحفظكم الله .

الخرطوم - الثلاثاء - 31 يوليو 2007م

سيداحمد الحردلو

elmhasi
29-03-2018, 09:48 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 7 شعبان 1428هـ الموافق 21 أغسطس 2007م

أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (51 من ...)

سيداحمد الحردلو
(ناوا - تنقاسى السوق .. ’’5‘‘ من ’’...‘‘)

-1-

استاذن - وانا احاول كتابة مذكرات او سمها - إن شئت - ذكريات تعود الى حوالي الستين عاما (منذ كنت فى الرابعة من عمرى) أن أتوقف قليلا لأتذكر قليلا عن طفولتى ، وشيئا عن اسرتى ، خاصة وإنهما تمتدان من ناوا الى تنقاسى السوق ، لعل ذلك يساهم فى تببان التكوبنات الاولى لشخصيتى المتواضعة ، والتى أعطت وما فتئت سوى القليل الاقل ، مما كنت وما أزال اطمح ، فالتاريخ والمذكرات يكتبها العظماء ، واستغفر الله ، فلا ازعم اننى منهم ، فما زلت ذلك الطفل الذى يلهو على ساحل بحر المعرفة ، يتمرغ برماله ويعدو وراء فراشاته ولايقول كثير شئ !
* ولدت فى ناوا من اعمال دنقلا ، عند صلاة الصبح الاربعاء الموافق 22 اكتوبر عام 1940م ، كما وجدت ذلك بخط يد والدى وسط اوراق مصحف كان يحتفظ به أخى عوض الحردلو ، فى متجرهـ بسوق تنقاسى منذ وقت طويل مضى ، وكان بيننا ككل بيوت ناوا المتواضعة مبنيا (بالجالوص) على مسافة مائة متر من الدربوق ، بالضبط فى الحد الفاصل بين ساقيتى الكتاب واب سوقى ، وكانت هناك صخرة فى ركن حوشنا الجنوبى واقفة كالناطور الهو حولها واجلس فوقها ، وكانت هي الاشارة للحد الفاصل بين الساقيتين ، وقربها عصارة حسن ساتى ، التى كانت تمد ساكني المنطقة بزيت السمسم و(الامباز) والذى كان حلو المذاق ، وكان جدول ساقية الكتاتيب يمر بوسط اشجار النخيل ، من النيل الى حفافى الرمال ، الى يمينه بيتان فقط ، هما بيتنا وبيت عمر كتاب ، الذى كان يجاورنا من ناحية الغرب ، اما الجانب الشمالى من الساقية ، فكان يبدأ بديوان كبير وعال مخصص لضيوف الكتاتيب ، ثم بيوت أخوالى محمد واحمد (وكان له بيتان) ثم عبادى على نقد ، وابراهيم ومحمد نقد ، ثم بيت عثمان (المشهور بـ ’’السمان‘‘) وهي الترجمة لعثمان - كل ساقية كانت تسمى بإسم جد العائلة ، ويسكنها احفادهـ ، وكانت هناك غرفة لها باب ، ولكنها بدون باب وبلا نافذة ، تسكنها هولة قيلاب بالقرب من الدربوق وهي كتابية - قيلابية - كانت تصيبها نوبات من التوهان ايام الدميرة ، ثم يعود اليها صفاؤها ورقتها وعذوبتها فتغدو وتروح بين البيوت خاصة (بيتنا) ، وبيوت الحداحيد ، وكانت محبوبة لدي الكافة . لست ادرى لماذا كلما مررت قرب غرفتها هذهـ فى صباي كنت اتذكر سعيد عاقل وفيروز تنشد بصوتها الملائكى :
(يا ريت انا وانت فى بيت
شي بيت
ابعد بيت
ممحى ورا حدود العتم والريح
والتلج نازل فى الدنى تجريح
ويضيع طريقك
ما تعود تفل
وتضل حد تضل
وما يفضل بالقنديل نقطة زيت
يا ريت .)
* ربما لأن غرفتها كانت وحيدة ، بعيدة ، ومظلمة .. ربما !
* وبعد زمن طويل عدت من باريس الى ناوا ، ولم أجد بت الشيخ (أمى) فى البيت (كان ذلك عام 1965م) وسالت أخواتى فقلن لى إنها ذهبت للعزاء فى هولة .
وجلست وكتبت قصيدة بالعامية ، ووضعت فيها كلمات نوبية ، وذكرت المؤنث وأنثت المذكر كما كان يفعل أهل ناوا حينها ، فقلت فى مطلعها (قايبيكن .. هولة مات!) وهي مثبته فى ديوانى (سندباد فى بلاد السجم والرماد) .
-2-

* كان ابى (عليه ضوان الله) ينتمى الى تنقاسى بأبيه الحسن ود شامى ، والذى تزوج حبوبتى ريا محمود من ناوا ، وأنجب منها الى جانبه عثمان ومحمد وفاطمة ، وكانت أمى (عليها رضوان الله) تنتمى الى ناوا وهي ابنة شيخ ناوا عبدالرحمن احمد كتاب ، الذى تزوج حبوبتى فردوس (عمة الراحل المقيم - امين التوم ساتى حمد ، وكذلك عمة والد الصحفى الكبير ادريس حسن والذى هاجر جدهـ الى بلاد الجعليين قبل وقت طويل). وانجب جدى منها احمد وشيخ محمد وعبدالحليم ومحمد وعباس ومكة وزينب وفاطمة المشهورة بـ(بنت الشيخ) .
* كان جدي الحسن الشامى يمارس مهنة التجارة بين تنقاسى السوق وناوا ، فنشأت صداقة بينه وبين جدى خالد محمود ، وهكذا تزوج الحسن ريا شقيقة خالد وحمد عوينة ، كان أبى قبل ذلك متزوجا من ابنة عمه نفيسة الحسين شامى المشهورة بـ(بنت الحسين) . وهي فى ذات الوقت عمتى بنت جدى الحسين ، فأنجب منها جعفر الذى توفاهـ الله طفلا ، ثم أنجب أخى الاكبر وعميد العائلة عوض (اطال الله عمرهـ) ثم أخى محمد المشهور بـ(حمداتى) (عليه رضوان الله) ، ثم عبدالحفيظ ، ثم السارة ، وهنا فى ناوا أنجب أبى (يحي) الذى توفاهـ الله فى سنته الثالثة ، ثم أنجبنى فوق ثلاث أخوات هن فردوس والسرة آسيا .
-3-

* كان ابى تاجرا معروفا فى منطقة منحنى النيل ، لكن اعماله التجارية كان جلها متمركزا بين ناوا وامنتقو ، والمناطق المجاورة ، حتى بلاد المحس ، وكان يتاجر فى مختلف المحاصيل ، خاصة التمر والفول والقمح والذرة ، وكان له وكلاء يعاونونه فى مشترواته .. أذكر منهم على شوليب (ناوا) ومحمد محمد على ، وحسين هلالى (امنتقو) وحامد ، وعلوب ود زنوبة (ود عباد - ولتى) ، وكان له وكلاء فى كل من ام درمان (بدوى حسن) وبورتسودان (غاب عنى اسمه) ، كان يرسل اليهم البضائع بالبواخر ثم القطارات ، ثم فيما بعد باللوارى ، كانوا يبيعون تلك البضائع فى اسواق ام درمان وبورتسودان ، يأخذون الحقوق المتعارف عليها زمانها ، ويحولون له ثمن بضائعه فى منتهى الدقة والامانة ، وأزعم انه لم يشاهد وكيله فى بورتسودان ، ولكنه التقى السيد بدوى حسن فى حياته مرة واحدة ، حين أشتكى له بدوى الحسن فى رسالة من انه يعانى من رطوبة شديدة ، فأقترح عليه والدى الحضور الى ناوا لأخذهـ الى منطقة مشهورة شمال دنقلا اسمها (القعب) كان الناس يدفنون معظم اجسادهم فى رمالها لساعات .. لعدة ايام ثم يعودون الى ديارهم ، وقد زالت عنهم الرطوبة ، وقد فعلها . كانت العلاقات الانسانية والامانة التجارية غير ايامنا هذهـ (عليهم جميعا رضوان الله).
* وكان والدى - كذلك يرسل بعض تلك البضائع الى اخى عوض التاجر بتنقاسى السوق ، كان يرسلها اليه تسليم كريمة ، وكان سوقها مزدهرا أيامهم تلك ، وكان يبيعها هناك ، ويرسل قيمتها مع (كمسارية) البواخر لأبى بأمنتقو ، وتصله كاملة غير منقوصة .
* كانت القطارات من الخرطوم الى كريمة تأتى ثلاث مرات أسبوعيا ، وكانت البواخر تهبط وتصعد النيل بين كريمة وكرمة ثلاث مرات اسبوعيا ، ولم يكن ذلك يكفى لنقل منتوجات تلك المنطقة ، ولذلك كانت السكة الحديد تستعين بقطارات البضائع ، والنقل النهرى يستعين ببواخر اسمها (المخصوص) وكانت هذه (البواخر) تأتى خصيصا لنقل تلك البضائع ، وكان والدى يرسل برقية الى كريمة يطلب (المخصوص) فإذا به يصل خلال يوم واحد ليشحن تلك البضائع المكدسة فى ميناء امنتقو ، ويعود بها الى كريمة ، كان ذلك ايضا يفعله تجار من ناوا مثل محمد احمد عبدالرحيم ، وعبدالله عبدالرحيم ، والفنجرى وآخرين ، فقد كانت ناوا ايامها هي سيدة تجارة المحاصيل ، وتجارهم هم سادة السوق ، رحم الله ناوا تلك ورحم الله السودان ذاك !
-4-

* أنشأ لنا والدنا بيتا (فخيما) بمقاييس تلك الايام ، شرق ناوا فوق رمالها الصفراء والنظيفة ، وحوله حديقة من اشجار النخيل تفوق المائة تظلل بيتنا وتظللنا بسماحتها ورطبها وتمرها ، تشرب من بئر امام البيت ، ويشرب منها الجيران ، وابناء السبيل والدواب ، والعصافير والقمارى ، كانت الايام رخية والدنيا على افضل ما تكون ، فالناس بسطاء وطيبون !
* كان والدى قد حفظ القرآن وجودهـ وهو فى السابعة عشر ، ثم عمل بالتجارة ، ثم حج بيت الله الحرام وهو فى السابعة والعشرين ، كان الحج فيه رهق وفيه اخطار ، خاصة جراء العصابات المسلحة التى كانت تهاجم الحجاج بين جدة ومكة ، عاد بعدها يواصل عمله بين ام درمان وكاكا التجارية ، ثم عاد الى تنقاسى ، ومن هناك الى ناوا حيث استقر بها كما اسلفت ، كان يتلو القرآن معظم الليل ، وبعض صباح اليوم التالى ، ثم يبدأ عمله التجارى ، كان له متجر امام بيتنا لقضاء حاجيات اهل الحي ، ومتجر فى سوق امنتقو ، كان يمارس مشوارا يوميا الى امنتقو فى الصباح الباكر وهو يتلو آيات الله ، مرورا بمكتب البريد ثم دكان السوق ثم مراجعة جوالات المحاصيل المكدسة فى ميناء امنتقو ، يفعل ذلك وهو يستعين بحمار يعرف سكته ، ولا يحتاج للفت نظر بينما هو يتلو قرآنه الكريم .
* كان كثير من رجال ناوا وشبابها يعملون فى مصر أيامنا تلك ، وكانوا يرسلون خطاباتهم وتحويلاتهم الى زوجاتهم وذويهم بعنوان والدى ، وكان والدى يقوم بإرسال الخطابات الى ذويهم ، ولكنهم كانوا يطلبون منه الاحتفاظ ببعض مالهم لديه ، يشترون منه أغراضهم ويأخذون منه ما يحتاجون ، وكان يحتفظ لديه بدفترين كبيرين ، أولهما بمدخرات هذه الاسر لديه ، ومشترواتهم وما تبقى ، وإن نفد كان يقوم بإعطائهم ما يحتاجون من مال وبضاعة دون انتظار التحويل ، اما الدفتر الآخر فكان فيه ديونه على الآخرين .
* يروى أهل ناوا عنه وما يزالون قصصا لاتكاد تنتهى ، مثلا كان الناس خاصة من النساء يأتين اليه بما تيسر من مثلا ، كانت موازين ذلك الزمان هي (الكيلة) و(القيراط) و(الطاسة) ويبدأ الكيل ، فإذا تبقت خمس بلحات زائدة يقول لسيدتها (خذيها معك) وتحاججه السيدة (يا حاج إنها لاتسوى شيئا!) ولكنه كان يقول لها : (إنها عند الله وعندى تسوى أشياء!) ويروون .. أن أعرابيين ارادا شراء جوالين من الذرة .. ودفعا قيمتهما .. ووضعا الجوالين على الجمل ، وسمع ابى احدهما يقول للآخر (دهـ عيش سمح .. الليلة حتشرب مريسة تمام!) سمع ابى همسهما فنادى عليهما (أن أنزلا الجوالين عن الجمل ، أنا عيشى ما للمريسة!) وفعل الاعرابيان واستلما فلوسهما وضربا فى الرمضاء ! هذان مثالان فقط من عشرات الامثلة التى ما يزال يرويها اهل ناوا عن ابى (يرحمه الله) .
-5-

كان تجار تنقاسى السوق يأتون اليه فى ناوا ويقيمون معه ويساعدهم فى شراء المحاصيل كل عام ، وهم كثر أذكر منهم رغيم الحسن واحمد وعبدالحفيظ ومحمد الانصارى واحمد اسماعيل بحيرى ، وفتح الرحمن حامد ابوشمة ، وصاروا فيما بعد ملوك سوق تنقاسى .
* كان جدى الحسن شامى يتاجر بين تنقاسى وناوا والحبشة ، وكانت له قافلة من الخيل والجمال تحمل بضائع السودان الى الحبشة عبر البطانة ، وتعود ببضائع الحبشة الى السودان ، وهكذا نشأت علاقة حميمة بين جدى الحسن والحردلو شاعر البطانة الكبير ، ومن هنا سمى جدى والدى باسم الحردلو تيمنا بصديقه الشاعر .
* سألت والدى مرة (لماذا سمي شاعر البطانة الاكبر بإسم الحردلو؟) فقال : (كان الحردلو شيخا عربيا وكريما وأجوادا ، وكان يعترض القوافل الرائحة والغادية ، يقوفها وهو يقول لسادتها ’’الحر .. دلو‘‘ وكان يولم لهم ويكرمهم .. فإرتبط اسمه بالكرم وتعظيم الضيوف .. وهكذا سميَ بـ(الحردلو) . وتقول رواية آخرى (إنه كان رجلا حازما وحاد المزاج .. وحين اختار الاتراك والدهـ احمد ابوسن محافظا للخرطوم .. ولاهـ والدهـ على امارة الشكرية .. فذهب بعض الشكرية لوالدهـ وهم يشتكون : ’’الزول دهـ حار .. دلو) أي - بلغة اليوم - (حيله للصالح العام!) وتقول رواية ثالثة (إنه كان ينتقد فى اشعارهـ حكومة الخليفة عبدالله .. فأمر الخليفة بإعتقاله وإحضارهـ لأم درمان وسجنه ، ’’ فحردن له ، وبسبب ذلك البنات .. اللواتى كن يعشقن شعرهـ ، وهكذا سميَ بـ(الحردن .. لو)).
* غير أننى أعترف أن (الخبر الاكيد) عند د. ابراهيم الحردلو ، وبرغم أننى قرأت تحقيق المبارك ابراهيم ود.عبدالمجيد عابدين ، ثم تحقيق الدكتور ابراهيم الحردلو (وهو الادرى والاعلم) بسر التسمية ، إلا أن تلك القراءات قد طال عليها الزمن ، والذاكرة قد اصابها ما اصابها جراء الجراء ! لكننى لا أنسى رواية سمعتها أو قرأتها فى زمان مضى ، فحين كان الحردلو سجين سجن الخليفة ، ساله احد السجانين (أسمك منو؟) فنظر الحردلو سأئله مليا وقال ساخرا (اسمى فاطنة!) فهتف السجان (راجل بي شنب ! يقول اسمه فاطنة!) فرد الحردلو (لو انا ما فاطنة واحد زيك يسالنى ’’إسمك منو!!’’) .
* كان كثير من الناس وما يزالون يعتقدون أننى (شكرى) وأننى انتمى لهذه الاسرة الكريمة باواصر الدم والقربى ، والحق اقول (إننى انتمى لهذه الاسرة ذات السلطان والصولجان .. بأواصر الحب والصداقة والشعر ، فحين كان الدكتور ابراهيم الحردلو يعمل مستشارا ثقافيا بسفارة السودان بالقاهرة ، كان يقصدنى بوزارة الخارجية عشرات الآباء يريدون الحاق بناتهم وأولادهم بجامعات مصر ، ويطلبون منى أن أعطيهم رسائل (لأخي ابراهيم) ليساعد فى الحاق بناتهم وأولادهم بجامعات مصر ، وكنت أفعل ، وكان د.ابراهيم يفعل (كرما ونبلا) برغم اننا لانلتقى كثيرا!.
* أما د.عدلان الحردلو الاستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة الخرطوم ، فإننا نلتقى من وقت لأخر فى الخرطوم وفى القاهرة ، وفى بيتى فهو ظل يعودنى قبل واثناء امراضى المتواترة ، ومعه الصديق والاديب د.محمد المهدى بشرى ، والذى اختار أخيرا أن يجاور سد مروى أستاذا فى جامعة كريمة ، وحين كان يلتقينى طالبات وطلاب الدكتور عدلان - كانوا دائما يقولون لى (نحن طلاب اخيك د.عدلان ، وأنتما تشبهان بعضا!) وكنت اقول ضاحكا (من أين لى وسامته!) .
* والحق اقول أن صلتى بآل الحردلو الأكبر (شرف لا أدعيه .. وتهمة لا أنكرها!) .
-6-

* جاء خريف عام 1946م بفيضانه الكاسح ، وعزل ناوا عن بعضها البعض ، كما عزل كذلك كل القرى المجاورة ، وكنت حينها قد انتقلت من مسيد انباب حاج الى مدرسة ناوا النصفية ، وقضيت بها نحو ثلاثة اشهر إلا ان حبوبتى ريا واخى محمد واللذان كانا قد وصلا ناوا بمجرد انتهاء الفيضان اصرا على والدى لأسافر معهما الى تنقاسى لألتحق بمدرستها الاولية ، وكنت لم ابلغ السادسة بعد ، وكذا غادرت ناوا الى محطة امنتقو ، ودخلت الباخرة (كربكان) أول المساء ، فقد كانت تبيت فى امنتقو ، وتغادر فى الرابعة صباحا ، وأذكر جيدا أننى لم أنم تلك الليلة لحظة واحدة ، كان صوت الموج الذى يضرب الباخرة بعنف يخيفنى ، فإنها ربما تغرق ونغرق معها ، حتى وهي راسية فى مرسى امنتقو ، ظللت استرق النظر من سريرى الى حبوبتى وأخى طوال الليل لأجدهما مستغرقين فى نوم عميق ، وكنت أعجب من أين وكيف يأتيهما النوم وتلك الطمأنينة ، حتى أصبح الصبح ، وتحركت الباخرة فزال الخوف ، وأنشغلت بالنظر للشاطئين ومناظرهما الخلابة ، ثم رحت فى نوم عميق ، أدغدق به سهر الخوف فى عيون الطفولة ! .
-7-

* راحت الباخرة كربكان تصعد النيل جنوبا نحو تنقاسى ، وكانت بقايا الفيضان ما تزال تنداح شمالا مما يحول دون سرعة الباخرة الإنجليزية اسما ورسما ، ورحت أتابع المحطات فأنزل فى بعضها .. لكن حبوبتى كانت تمنعنى من النزول فيها بدون صحبة أخى محمد ، والذى كان يخبرنى بأسمائها (الغدار ، الغابة ، تنقسى الجزيرة) وهنا وجدت إمرأة تضع امامها البليلة وتغنى لها :
(البليلى ام ملحا نضيف
حبة لوبي وحبة عشريف
اليشوفك يحرن يقيف
ويا حلاتك فى الشلاليف!).
* فأكلنا من بليلتها (وهي تغنى لها بصوتها الطروب!) ثم وصلنا الدبة أو دبة الفقراء ، برصيفها العالى والمنحوت بالحجارة والاسمنت ، وزرنا سوقها ثم مررنا بـ(كرمكول) مسقط رأس الطيب صالح ، وربما كان وقتها فى وادى سيدنا الثانوية ، ولقد اسمعنى بعض الاغنيات التى كانت تروج فى كرمكول أيامهم تلك مثل :
(جكسن باشا اب رتاين
صفر قبل الجناين
’’ويا التربال لاتعاين!‘‘)
* وجكسن باشا هو أسم باخرة سميت باسم مفتش مروى الشهير (جاكسون) (والتربال لاتعاين ..) أي إنه ليست لديك فرصة أو مال للسفر (بجكسن باشا اب رتاين).
* وهذه قشابى وتلك العفاض ، وهذه قنتى التى كان يرتادها الشايقية المشهورون بفن بناء البيوت ضمن فنون اخرى كالزراعة والعسكرية والحكم واغانى الطنبور ، والحنين لبلادهم ، ومن أغانيهم أيامها :
جيت فتران من قنتى
وجيت ماكلنى النمتى
ترقدى جنبى ترقدى ميتى
* وهذه منصوركتى (وكتى كلمة نوبية تعنى القوز أو التل) وكانت تشتهر بأنها بستان للفاكهة بمختلف أنواعها كما كانت تشتهر بجناين السيد على .
* وهذه الحتانة بمضختها الكبيرة التى كانت تسقى المنطقة وحولها ، وقريبا منها وقعت معركة كورتى الشهيرة ، والتى قالت فيها الشاعرة مهيرة بت عبود وهي تدفع الفرسان للنصر شعرا كثيرا ، ولكن كان أقساهـ (أدونا سيوفكم وهاكم الرحاطة) لكن الشايقية أبلوا فيها بلاء حسنا ، وقد شارك فى تلك المعركة جداي الحسن والحسين ، وجرح الحسن ، فحمله توأمه الحسين من هناك الى تنقاسى على كتفه وسيرا على الاقدام وهو مشوار لو تعلمون طويل ، وهناك وجد بصيرا يعالجه من جراحه !
* وهذه مورة ذات النخيل والرمال والهدام والركابية .
* وهذه كرمكول وحسين نارتى وكلها أسماء نوبية ، كذلك فإن كل أدوات السواقى فى منطقة الشايقية هي كلمات نوبية ، وجبل كلاكنكول قرب كورتى هو اسم نوبي ، وهذه هي البرصة مقر وديار شيخنا العجيمى ، ثم تليها المقل بلاد العمد السورجاب ، ثم تطل القرير سيدة البساتين والطنبور والاشعار والفنانين والصبايا الجميلات !
* وأنشدنا مدائح حاج الماحى ونحن نستأذن الدخول الى جميلة الجميلات تنقاسى
(تنقاسى والقرير
حلة ولاد صبير
تنقاسى والكرى
حلة ولاد جديَ!).
* لكن كربكان لم تصل بنا الى ميناء تنقاسى الرئيسى لأنه كان ما يزال مغمورا ببعض المياهـ والطين ، وهكذا توقفت بنا الباخرة عند (شدرة زينهنه) فى العريان على اطراف تنقاسى الشمالية .
* وهكذا دخلنا تنقاسى بسلام آمنين .

السبت 18 اغسطس 2007م

سيداحمد الحردلو

elmhasi
03-04-2018, 08:49 PM
جريدة الوطن - الاثنين 13 شعبان 1428هـ الموافق 27 اغسطس 2007م

أين هم فى هذا الزحام الآن ..!؟ (52 من ...)

(تنقاسى السوق - ناوا ’’6 من ...‘‘)

بقلم : سيداحمد الحردلو
* هذهـ إذن تنقاسى - ذات الاسماء الاربعة - تنقاسى - تنقاسى السوق - سوق الثلاثاء - وسوق الحراز .
والطريق اليها كان عبر شارع ترابى طويل وعريض يشق الاحياء اليها ، والعريان ليست عارية (معاذ الله) ففى شمالها فضاء (كان غير مأهول فى ذلك الزمان سوى باشجار الاراك) يفصل بينها وبين الكرى .. ربما لذلك سموها العريان ! يليها حيَ ابورنات (مسقط رأس محمد احمد ابورنات ، أول رئيس قضاء سودانى) .
ثم تليها الرويس والتى فيها المسيكتاب والذين جاء جدهم من المحس واستقر فى امنتقو وناوا مع اهله العكوداب ، ثم انطلقوا الى تنقاسى يمارسون صناعة الذهب ، ثم رحل عدد كبير منهم الى الخرطوم ، واصبحوا يمارسون صناعة الذهب فيها الى جانب اعمال تجارية اخرى . والرويس هي ديار الحاج صالح اليمنى ، الذى استقر فيها وتزوج وانجب وكان له متجران احدهما فى الرويس والآخر فى سوق تنقاسى ، وحين علم مستقبلا (بأننى ذاهب سفيرا للسودان فى اليمن) جاء الخرطوم وطلب منى ان اساعدهـ للسفر لليمن لزيارة اهله ومعه اولادهـ ليشاهدوا أهلهم ، ولم تكن لديه ولا لأولادهـ وثائق سفر ، ففعلت ، وذهب لليمن ورحب به أهله ، وطلبوا منه أن يقضى بقية عمرهـ معهم ، ولكنه قال لهم (إننى أترك اولادى أمانة لديكم ، أما أنا فلا أستطيع العيش إلا فى تنقاسى) وعاد إليها وتوفاهـ الله بعد عمر مديد ، عليه رضوان الله .
* والرويس هي ديار البكباشى عبدالله ادريس ، رفيق محمد نجيب وجمال عبدالناصر ، هو وصهرهـ الصاغ نمر على من الزومة ، وعبدالله ادريس كان ناظر عموم مركز مروى ، وكان رجلا عسكريا مهابا ، كانت يدهـ اليمنى قد قطعت فى مصر أثناء الحرب العالمية الثانية ، وكان يقود سيارته بنفسه ، من سرايته الى مكتبه والعكس ، وكان الجالسون على الشارع الرئيسى ينهضون إجلالا ً له ، حين يمر بسيارته أو حصانه ، توفاهـ الله فى الستينات ، وأقمنا له سرادق عزاء فى بيت السودان فى القاهرة ، وكنت ايامها طالبا بجامعة القاهرة ، وجاء عبدالناصر معزيا . ثم خلفه شقيقه احمد ادريس ، وبعدهـ الزين ادريس ، والرويس هي ديار محمد مالك والفتيحاب ، والقابلة الشهيرة بت زامكية ، وتليها (سهلة) الطاهر الازيرق ، والتى كانت مجرى للسيول التى تجتاح تنقاسى من وقت لآخر .
لم تبدأ تنقاسى السوق بالشاماب والكرافسة والبلولاب ، ومنهم شيخ تنقاسى على بلول ، وسليمان وحسن وسيداحمد بلول - وغيرهم كثر وعدهم بلا عدد ، حتى ينتهى بك المطاف الى ديار القوس سيداحمد شامى .
وجامع تنقاسى وسوقها الكبير والذى لنا إليه عودة قد تطول معه وتجارهـ وروادهـ الذين كانوا من كل صوب وحدب .
* وتنتشر جنوب السوق أحياء عدة نذكر منها سمعريب (والعمدة حسن سعيد سمعريب) ومحمد على الشايقى الاستاذ ومدير المعهد الفنى ايامها ، ثم ديار الانصار ، وندلف الى جزيرة التلبنان والتى انتقلت الى البر محتفظة باسمها بعد فيضان 1988م ، ومنها المكى الحسن ، ثم تلقانا فتنة مسقط رأس الصحفى محمد عثمان الزومة ، الذى استشهد فى تشاد اثناء تأدية عمله - ثم الدبيبة ، ثم ابو دوم والحواشاب ديار الاستاذ الباهى محجوب ، ثم مروى المشهورة بصنب : (يالدويحية تقولوا كٌبَ .. وتقلعوا الميجر من صنب !) ومروى هي ديار آل خطاب واحمد خشبة ومحمد عبيد ، ثم اللار .. التى تقع فيها مدرسة مروى الثانوية العليا .
* إذن كانت عمودية تنقاسى السوق تمتد من العريان الى اللار .. جنوب مروى .
* وتشتهر تنقاسى بجامع ود عدلان ، الفقيه الذى جاءها من نواحي شندى ، وكان عالما جليلا ، فأقام (التنقاسيون) مقابر موتاهم بالقرب من جامعه ، فعرفت تلك المقابر بمقابر جامع ود عدلان ، وعلى مسافة منها كانت تقوم مدرسة تنقاسى الاولية للبنبن ، بينما كانت هنالك مدرسة للبنات وسط حلة الشاماب ، تطل على الشارع الرئيسى ، وخلفها وأمامها خلوة وديار الحردلو وآل الشامى . وكان بتنقاسى مكتب للبريد وكبانية للتلفون وشفخانة ، ولا أنسي الديم والذى اشتهر بديم النير ، وكان النير قصير القامة حاضر النكتة ، محبوبا لدي الكافة ! .
-2-
* أما سوق تنقاسى ، فإننى أكاد أزعم أنه كان اكبر سوق خارج المدن الرئيسية ، وأكاد أقول كان فيه حوالي المائة من الدكاكين والاكشاك وعدد كبير من البرندات ، بل كل ذلك كان يضيق بالتجار فيفترشون بضائعهم على الارض ، وتحت اشجار الحراز الظليلة ، وكان بالسوق حيشان ثلاثة على طرفه الشرقى ، احدها للماشية ، وثانيها للجمال ، وثالثها للحمير ، وكان للسوق حراس يحرسونه بالليل ، كان روادهـ من دنقلا حتى المناصير ، ومن ام درمان وعطبرة ونيالا ، حتى كادوقلى ، وعرب الفيافى والقفار ، كانوا يأتون صباح الإثنين (فالسوق يوم الثلاثاء) وكانوا يقيمون فيه حتى نهار الاربعاء ، وكانت به مقاهـى ومطاعم كثيرة ، وكان أشهرها مقهى عبدالرحمن عوض ، والد صارقيت ، ولقد امتهن صارقيت التجارة فيما بعد ، ومنها مقاهى مدنى التوم ، وحمد ود البيه ، وود فهمى ، وحسين سند .
* وكان تجارهـ بلا عدد ، ولعلنى أتذكر بعضهم الآن باللجوء الى خارطة السوق ، فأبدأ من شماله الشرقى بمحمد صالح الفكى ، والخليفة آدم ، وسيداحمد شامى ، ومحمد شامى ، والتوم وابراهيم شامى ، وعوض الحردلو ، ومحمد الحسن شامى ، واحمد فتيحابى ، والطاهر عبدالقادر ، ومحمد شريف ، ومحمد البرعى ، وعلى محبوب ، ثم أدور الى الجانب الآخر ، وهناك دكاكين ابوريدة ، وعلى الحاج ، واحمد ، وعبدالحفيظ ومحمد الانصارى ، واحمد اسماعيل بحيرى ، وعلى بلول ، ورغيم الحسن ، وربيع ومحمد ابراهيم حمدى ، وسيد ربيع ، وعلى القلق ، والشبلى حاج حسين ، وبدوى الجعلى ، وادريس الامين مالك ، وعبدالقادر محمد عبدالقادر ، والدوداب ، ثم الإدارة والمحكمة الإدارية ، وكان يديرهما البكباشى عبدالله ادريس . اما الجانب الشرقى من السوق ففيه دكاكين حسن غريبة ، وعلى حماد ، وابراهيم الدون ، وحسب الله حسين ابو جولة ، ومحمد احمد ابو جولة ، وآل حماد (من الزومة) والأقباط مسعد وعزيز ومرقص ، ثم المادح ، وعوض الله باشرى ، ومحمد سليمان الشامى (وهو شامى الأصل) والامين عمران ، وكان يسكن حول السوق من الناحية الجنوبية آل ابراهيم كوراك ، وآل كدكى ، وآل القنيباب والمنخاب ، ومن ناحية الشرق كان يسكن حوله آل غريبة .
* كما اسلفت فإن السوق - ايامها - كان يضيق بتجارهـ وروادهـ ، وبرنداته ، وكان بعض التجار يمارسون تجارتهم فى تلك البرندات وكان منهم اخي محمد الحردلو وصديقه الهميم ، واللذان كانا متخصصين فى تجارة المحاصيل ، بينما كان لأخي محمد متجرهـ فى حيَ الشاماب على الشارع الرئيسى .. لكن متجرهـ كان يتحول بعض ساعات النهار الى منتدى يؤمه طلاب المدارس الوسطى والثانوية فى إجازاتهم وكان (حمداتى) وهذا اسمه المشهور به ، يتمتع بقدر جيد من الثقافة ، والمشاركة فى الندوات والاعمال المسرحية ، كمسرحية عنتر بن شداد والتى كان بطلها الراحل المقيم احمد شامى ، ولقد شاركت فى تلك المسرحية وأنا فى الصف الثالث كتابع لمفرج بن همام ، والذى لعب دورهـ المرحوم محمد الحسن سيداحمد شامى .
-3-

* كانت هناك ثلاث خلاوى شهيرة فى تنقاسى ، قبل دخول المدارس إليها ، وهي خلوة محمد صالح الفكى بجامع السوق ، وخلوة الحردلو بالشاماب ، وخلوة ود شيخ الحيران بالرويس ، تعلم فيها معظم الذين سبقوا دخول المدارس الى تنقاسى .
* وسوق تنقاسى المشهور بحرازهـ الظليل والعجوز ، يقول العارفون إن هذا الحراز كان منذ عهد السلطنة الزرقاء ، من ما يوحى بأن هذا السوق بدأ منذ عهد السلطنة الزرقاء .. أو قبلها ! .
* وأول وآخر حادث إعدام وقع فى هذا السوق ، كان زمن الإنجليز حيث حكمت محكمة مروى على رجل يدعى (حرجولى) من أب دوم ، فتم تنفيذ حكم الإعدام فيه شنقا فى إحدى حرازات السوق ، بتهمة القتل العمد .
* وكانت فى تنقاسى شخصيات تستحق الوقفة والتأمل خاصة فى عمرنا الطفولى ذاك . أولها الشيخ الزاهد احمد ود عبيدالله ، الذى كان يحمل صفيحتي ماء على كفيه وزوادة متواضعة ، بالكاد تكفيه لأسبوع يمر على بعض البيوت ، ومنها بيتنا كل جمعة ، ثم يمرق الى خلاء تنقاسى المعروف بالسلم ، ولايعود إلا فى الجمعة القادمة ، يتعبد ، ولايكلم احدا إلا إذا سئل . سألته عمتى بت الحسين مرة وأنا ما أزال طفلا (الحالة هناك كيف؟) وكانت تقصد الآخرة !
وكان ردهـ المقتضب (زي ما هنا زي ما هناك.. إنتوا هنا بي سواقيكم وأطيانكم وجزايركم وبت داؤود ’’يقصد حبوبتنا‘‘ مبسوطة فى أحسن حال!).
* وكان هناك بدر وزوجته عفيفية ، كانا يسكنان فى غرفة فى الجانب الغربى من السوق ، كانا يتحدثان بطريقة ولغة لايكاد يفهمها احد ، وكانا فى حالهما يدوران فى السوق ثم يلتمسان غرفتهما ، وكان الناس يقولون (إنهما من أهل الله) .
* كان إسمه محمد زين العابدين سيد غريبة ، وكان مشهورا بإسم (البلك) ما كان يمشى ، ولكنه كان يهرول دائما غاديا رائحا فى السوق فى هجير الصيف وزمهرير الشتاء ، لايحدث أحدا ً ، فقط يهرول صامتا ً. كان البعض يقول إن ذلك نتيجة إصابته بالتايفوئيد فى طفولته ! .
وحدثنى أكثر من شخص وآخرهم ادريس بلول ، إنه إلتقى أحد المتصوفة يوما ما فى الخرطوم ، فقال له (أمبارح كنا فى تنقاسى مشينا عزينا شيخنا البلك فى وفاة والدهـ!) ولم يكن أحد حينها هنا فى الخرطوم ، قد سمع إن والد البلك قد توفى ، ورحل البلك قبل سنوات (عليه رضوان الله) .
* وأخيرا تأتى حكاية أطول رجل فى تنقاسى ، وكان إسمه العجب ، وأشتهر بإسم (صنفور) لطوله ، كان يمر يوم السوق على جميع الدكاكين وخلفه الاطفال ، وامام كل دكان كان يسمح (لصوت الريح) بأن ينطلق منه ، فيفرح الاطفال ، ويضحك التجار ، ثم يمضى سكته !.
-4-

* كان عبدون ود رزيق يجيد دق النقارة ، وكان والدهـ رزيق يجيد نقرشة الطنبور ، وكان يسمى الملك عبدون ، وكان الناس يهرعون للأفراح للإستمتاع بترحابه الرشيق والجميل مع النقارة والذى كان يجعل الصبايا يرقصن طربا والصبيان يملأون الدارة بالصفقة والضرب على الارض طربا وعجبا ! هذا غير (البطان) الذى اشتهر به الشايقية ، وكان نوعا من الفروسية .
-5-
* تلك نظرة طائر على تنقاسى قبل ستين عاما خلت ، والآن استأذن لأكتب كلمتين عن أسرتى بتنقاسى لعل ذلك يكمل اللوحة التى اتمنى ان ارسمها عن تنقاسى قريتى الثانية ، وأنا لم أبلغ السادسة بعد ! و.. لكننى لا أنسى غابات نخيلها وبساتين الفواكه الممتدة ، بينها وبين النيل وسواقيها وجروفها ، لكن تنقاسى كانت قد عرفت رافعات الماء من النيل قبل ذلك بوقت طويل لري الحقول والبساتين ، وكانت تقابلها بالضفة الشرقية قرى الكرو والدهسيرة والزومة .
-6-

* ولابد هنا من وقفة قد تطول اما اسرة آل شامى والتى تمتد من تنقاسى الى ناوا والى مساوى وام درمان وربما حلب الشهباء ، ببلاد الشام ! .
* كان الحسن والحسين توأمين ، ولهما إخوة وأخوات .. هم ابراهيم وسعيد وبخيتة وست البنات وشامية .
* سبق أن ذكرنا ما ما انجبه الحسن ، أما الحسين فأنجب محمد وزينب وعائشة ونفيسة وسيداحمد وعثمان ، بينما انجب ابراهيم احمد ونعمة .
* وآل شامى هم أخوال عمر وحامد وسليمان ابوشمة بام درمان وتنقاسى ، وهم اعمام واخوال دعبوش وود قمر وشيخ الحيران وآل النضيف وسعيد كريمة وشقيقه خضر ، ومحمد احمد ود جنقال وادريس جوجو ، وفتح الرحمن حامد ابوشمة بتنقاسى الرويس ، وود عطا المنان بجزيرة مساوى ، وهم كذلك اصهار خالد وحمد بدرى محمود ، وجدود على ومحمد خالد ، وصليحة وآمنة حمد ، وعبدالرحيم ادريس بناوا ، والحديث عن آل شامى طويل ويطول ، فهناك الأجيال التى جاءت بعدهم وأثرت ، وبعضها ما يزال يثرى الحياة السودانية ، لكن تلك قصة أخرى !.
-7-

هناك من يقول إن إسم تنقاسى ينسب الى ملك نوبى إسمه (تن) لكنه كان قاسيا ، فسميت (تنقاسى) ولكن ايضا - هناك من يرون ان الاسم النوبى قديم ويعنى (ابن الاخت) أو (اخو البنات) والله اعلم ! .
-8-

* حدثت أخطاء صغيرة وغير مقصودة فى المقال السابق ، بعضها يعود لى فأعتذر عنه ، وبعضها يعود - للجامع - فإعتذر له .. فمثلا إسم اخي الاول والذى توفاهـ الله فى طفولته كان اسمه (الحسن) وليس جعفر ، كذلك فإن المرحومة هولة قيلاب رحلت فى مايو 1975م - وكتبت قصيدتها فى مايو 1975م وليس فى عام 1965م - حيث كنت ما ازال فى الجامعة .
وحين قلت (إن السورجاب كان عمد المقل ، فإنما كنت اعنى العمودية ، فأما مسقط راسهم فهو ’’أراك سورج‘‘ وهو من أعمال عمودية المقل) والمقل هي وطن الصديقين الدكتور الخليفة العوض الحسن وشقيقه والاديب احمد العوض الحسن . ولقد لفت نظرى لذلك الاصدقاء محمد احمد كرفس واحمد العوض الحسن ومصطفى سورج (فأين الصديق طه سورج ، فى هذا الزحام الآن !؟) . حدث خطأ فى قصيدة (الصباح عندنا) فطبع الطابع (مساكب الضياء) لتصبح (مكاسب الضياء!) فإختل المعنى !!! .
-9-

* أخذنى أخى الأكبر عوض الحردلو (شفاهـ وعافاهـ الله) صباح يوم باكر فى نهايات خريف عام 1946م ، الى مدرسة تنقاسى الاولية ، وقدمنى لناظرها محمد العطا ، وكان رجلا فخما وضخما ، وحازما ، جذورهـ من القرير ، ولكنهم كانوا قد هاجروا الى نواحى شندى ، وأظنه والد الشهيد هاشم العطا ، فسألنى (ماذا وأين درست!؟) فقلت (درست القرآن فى مسيد أنباب حاج لسنة ونصف ، ثم ثلاثة أشهر فى مدرسة ناوا النصفية) فقال لأخى (نمتحنه فى العربى والحساب) وقد كان . فإذا به يفاجئنى بقوله (أذهب الى الصف الثانى) وذهبت للصف الثانى مباشرة ، بدون الدراسة فى الصف الاول ، وهكذا بدأت رحلتى الطويلة مع التعليم والتعلم والمعرفة ! .
* لكن تلك قصة أخرى ! .

الخرطوم 24 أغسطس 2007م

سيداحمد الحردلو



رجال تلات
شعر / سيداحمد الحردلو

ما فضلن عيكن .. لكن فضلن زايد ..
* الحسين وليد محمد ود شامى
* والخزين محمد وليد عبدالرحمن صارقيت .
* ومحمد .. وليد الحردلو ود شامى المعروف لدي الكافة
بإسم حمدات
من آهالى تنقاسى السوق
يا سلام ..
-1-
صارقيت
حسين
يا حمدات
واقفين تلات
والسوق تلات
زي الصوارى العاليات
بيضرو عيش
ويكيلو عيش
ويساوو ديش
-2-
قسما يمين
إن درتهم فى الحارة .. نار
وإن كستهم فى الباردة .. نار
ناسا يوزنوك بالدهب
ويزيدو كيل
ناسا يخلوك ديمة مارق
من جميل
ناسا قلوبن زي كتاب مفتوح امامك ..
دون رتوش
ما فيه طمس .. ولاطقوس
ناسا تقول من ناس قبيل
سمحين وزينين .. زي قبيل .
-3-
صارقيت
حسين
ياحمدات
رجال تلات
والسوق تلات
والزحمة عسكار فى السما لكتما هاشين
وباشين .. يا سلام
وكمان مباشرين كل زول
من (سمعريت) لى حد (نحول)
-4-
سوق الحراز ضالى على الناس العزاز
زي التخا
والحال رخا
واليوم بقانه متمتمه
والزحمة عسكار فى السما
لكتما
صارقيت
حسين
ياحمدات
واقفين صفا
وواقفين وفا
والدنيا خير .

تنقاسى السوق

مايو 1975م

elmhasi
06-04-2018, 11:57 PM
جريدة الوطن - الاحد 19 شعبان 1428هـ - الموافق 2 سبتمبر 2007م - العدد 1541

اين هم فى الزحام الآن .. (53 الى ..)

سيداحمد الحردلو
-1-

* دخلت الى الصف الثانى ، كان على اليمين من الصف الاول ، ثم يليه مكتب الاساتذة ، ثم برندة .. ثم مكتب الناظر ، وبعدهـ الصفان الثالث والرابع ، وأمامهم حوش أو فناء كبير هو مكان طابور الصباح ، يصطف تلاميذ الصف الاول على الناحية الشمالية ، وتلاميذ الصف الثانى على الناحية الغربية ، أما تلاميذ الصفين الثالث والرابع فعلى الناحيتين الجنوبية الشرقية ، كان الناظر يحمل سوطه وحوله الاساتذة ، يبدأون أولا فى أحصاء الحضور ، ويسجلون أسماء الغياب ، ونادرا ما كان يتغيب احد التلاميذ ، والمرضى منهم يرسلونهم فى كشف يقودهم احد المسؤولين الى الشفخانة القريبة ، بل ونادرا ما يمرض احد التلاميذ ، وكان الدواء السائدة ايامها دواء مر أظنه (الكينين) ثم كان يبدأ تفتيش جلاليب الطلاب حتى اللباسات للتأكد من نظافتها ! .
* وكانت توجد فى الجانب الشمالى من فناء المدرسة رافعة للماء مركبة على بئر فتحتها مغطاة بالاسمنت ، تدار بالايدى ، وكانت امامها حديقة متواضعة فيها انواع من الزهور ، يتناوب التلاميذ على سقايتها ، وكانت بالمدرسة (مزيرة) كبيرة بها عدة ازيار نشرب منها ، وكان للمدرسة بابان ، الجنوبى للناظر والاساتذة ، والشرقى (المقصود شرق النيل) لدخول التلاميذ .
وكانت توجد برندة طويلة من الصف الاول حتى الصف الرابع تقام فيها المناشط الثقافية ، وكانت السيدة الفضلى (بت الخياط) تأتى بآنية معبأة (بالزلابية) وتجلس امام الباب الشرقى ، وكانت قطعة (الزلابية) المرشوشة بالسكر بمليم واحد فقط ، وكانت خمس منها تكفينى ، وأذكر أن احد اقربائى وكان عندهـ (شلن) أي خمسة قروش ، فإلتهم فى الفسحة خمسين قطعة زلابية ، وأضطررنا لأخذهـ للشفخانة ! .
-2-

* دخلت الصف الثانى ، وكان كل درجين متجاورين أو متلاصقين .. خلفهما كرسيان ، واجلسنى الاستاذ فى الصف الثانى ، على الكرسى المجاور للممر ، وتلفت فلم اعرف احدا ، وبالطبع كان لا يعرفنى احد ، سألنى الجالس على يمينى (إسمك شنو؟) فاجبته ، وسألته عن اسمه فقال (عوض مالك) ورويدا رويدا تعرفت على الآخرين ، وتعرفوا عليَ ، واذكر منهم عثمان بلول ، الفاضل سيداحمد ، على المادح ، سيداحمد الحسين ، محمد احمد البرعى ، عثمان على وراق ، ابراهيم سعيد بريقع ، على محمد على (من الكرو) ومحمد ابراهيم كوراك ، وعثمان محمد الحسن شامى ، وحامد ابوزيد ، ومحمد عبدالخالق عبدالحيَ ، واحمد محمد نور ، وعباس حجار ، وحسن الفكى ، والشيخ الحسن الازيرق ، وحسن جيب الله كدكى ، وعطا لمنان حمزة ، ومحمد احمد الزين (من الزومة) ومحمد على بشير ، وعبدالعزيز يس ، وعبدالجليل عبدون ، وعثمان النور محجوب .
* وكان وراءنا الصادق سيداحمد شامى ، وحسن عبدالرحمن ابوراس ، وعباس زين العابدين ، ومحمود غريبة ، والحاج محمد الحاج .
* وكان يسبقنا كثيرون بعضهم عاصرناهم وبعضهم كنا نسمع بهم وهم فى مدارس عليا او امتهنوا التجارة او الزراعة او السفر . ومن الذين عاصرناهم فى الصفين الثالث والرابع سيداحمد خليفة والشيخ ابنعوف ومحمد شريف وعمر الخليفة آدم وابراهيم الحاج ومحجوب الحسن وعلى سيداحمد وكان يسبقهم محمد احمد المادح وعبدالقادر غريبة ومحمد عثمان فتيحابى ، وعثمان الطيب الحداد (مروى) وكمال محمد على الشايقى (عطبرة) ومحمد الحسن رغيم واحمد عبدالرحمن خضر ومحمد احمد كرفس وعمر بلول وعبدالواحد عبدالله ويحي شامى ، فقد درسا فى مروى ، بينما درس الشقيقان عمر واحمد شامى فى تنقاسى ، ثم انتقل حيران خلاوى محمد صالح الفكى والحردلو وشيخ الحيران الى مدرسة تنقاسى السوق الاولية عند انشائها قبيل اربعينات القرن الماضى ، ومنهم محمد عثمان محارى وحمد البشير ، ومحمد وعبدالحفيظ الحردلو ، وابراهيم شامى ، وحسين وعزيز شامى ، ومحمدالحسن الشيخ ، ومحمد احمد الازيرق ومحمد عبدالرحمن صارقيت ، ومحمد عثمان عباس كرفس ، وكان يدير خلوة الحردلو شيخنا محمد على كاجور .
* كان ناظر المدرسة فى عصرنا هو محمد العطا ، يعاونه معلمون هم شيخنا محمد الحسين الحسن (تنقاسى) وعلى طه الشايقى (مروى شرق) وعلى حليم (أوسلى) وعثمان المهدى (تنقسى الجزيرة) وشيخ الشيخ (دار مالى) اما جعفر ومحمد عباس فقد كانا يدرسان فى مصر ، ويقضيان اجازتهما السنوية معنا تحت تمر الحردلو ، وكان معنا دائما عمر الرحيمى .
* تلك لوحة اردت ان ارسم بها صورة تنقاسى وتاريخها وجغرافيتها ومجتمعها وسوقها وناديها التليد ومدرستها ، بعيد التحاقى بمدرستها الاولية أواخر خريف وتساب 1946م ، ومن عجب فإن مدرسة تنقاسى الاولية شهدت اول اضراب فيها قادهـ عبداللطيف على الدون عام 1943م ، بسبب معلم كان غير مرغوب فيه من التلاميذ فنقل من المدرسة !.
-3-

*طفت الى سطح الحياة السياسية والصوفية ايامها ظاهرة شباب الختمية ، وكانت تنقاسى إحدى معاقل الختمية (يا سيدى وزنك قاسى .. دايرنك تزور تنقاسى) تلك كانت إحدى ترانيمهم ، وما أكثرها أيامهم تلك ! .
* وتكون شباب الختمية برئاسة على الحاج بلال ومساعدهـ عوض الحاج ، كانوا يبلغون المائة ، ويزدادون ، كانت جلاليبهم دائما نظيفة وبيضاء ، كذلك عماماتهم ، ويتمنطقون بحزام اخضر ولديهم بيرق كبير كان يحمله ويتقدمهم اخي عبدالحفيظ الحردلو ، كنت أعجب كيف يحمل ذلك البيرق الكبير ويمشى كل تلك المسافات ، كانوا مهذبين وخلوقين .
كل ليلة كانت لهم ليلية فى احد بيوت تنقاسى ينشدون اناشيدهم الدينية ، ويتعشون ويذهبون فى صفوف مصفوفة ، وبخطوات متسقة ، الى جامع تنقاسى حيث المبتدأ ، لم يكونوا - حاشا لله - مليشيات ، ولا فرق ارهابية ، ولايحملون سلاحا سوى ايمانهم بختميتهم وكفى ! مرة قرروا زيارة مساوى مسقط رأس مولانا السيد على ، كنت ما ازال فى الصف الثانى طفلا فمشيت ومعي اطفال آخرون خلفهم الى شاطئ النيل ، وعبرنا النيل فى مركبين ، ثم ركبنا لوريا مشى بنا يقصد مساوى . وكان معنا الاستاذ مصطفى الصادق القمش ، والذى كان قد انضم لمدرسة تنقاسى معلما فيها .
اوقفنا شاب - ربما كان فى الخامسة عشر - انيقا يتهندم بجلابية وعمامة ، وكان يعرف ان الشباب فى طريقهم الى مساوى ، فإتخذ مكانه بيننا - كان اسمه احمد عثمان محمد ابراهيم ، من الاراك ، وامه خالة زوجتى ، لم نكن نعرف بعضا ، ثم التقينا فى وادى سيدنا الثانوية ، فيما بعد ، ثم صار استاذا فى جامعة الخرطوم ، ثم ذهب استاذا فى جامعة الجزائر ، واصابه مرض عضال فيما بعد ، فامر الرئيس الجزائرى بومدين بطائرة خاصة تنقله الى الخرطوم ، وبعد عودته نقل الى مشفى المناطق الحارة ، وهناك وبعد ايام صعدت روحه للرفيق الاعلى (عليه رضوان الله) .
* وصلنا مساوى فأستقبلنا بترحاب غير مسبوق ، كانت جزيرة مساوى مضاءة بالرتاين والفوانيس (وكأنها درة قد حواها النيل) وقف الاستاذ قمش خطيبا فقال (مساوى مضاءة الليلة بنورين . نور مولانا السيد على ونور الشباب !) وخطب احمد عثمان وقال شيئا مماثلا .
* كان الناظر محمد العطا ختميا ، وفيما بعد اصبح ناظرا لمنطقة شندى ومقربا من السيد على ، ولكنه منع التلاميذ منعا باتا من السهر او حضور ليالى شباب الختمية . فامتنعنا او على الاقل امتنعت انا ! .
وذات مساء كان الشباب مدعوا الى بيت على مسافة مائة متر من بيتنا ، فذهبت خلسة ، وما كنت ادرى ان الناظر كان هناك .
جلست بعيدا ما رأيته ولا رآنى . جاء الى الطابور فى الصباح التالى وقال (الكان فى الشباب امبارح يطلع خطوتين امام الطابور) فطلعت ، ولم يطلع غيرى ، وكان اطفال الحي كلهم معي فى تلك الليلة ، سألنى (منو الكان معاك؟) وكانت اجابتى قاطعة وبلا تردد (إنت قلت الكان فى الشباب يطلع برهـ .. وأنا طلعت .. فلا تسألنى عن من كان معى!) توقعت أنه سيعاقبنى ، لكونى كنت بالشباب .. ثم لردى . فإذا به يخاطب كل الطابور قائلا (دهـ ولد شجاع .. صفقوا له) وصفقوا .. ثم اردف (ارجع محلك!) ورجعت محلى! .
* نسيت أن اذكر بعض الاسماء التى ما تزال عالقة فى ذهنى من شباب (الشباب) حينها .. فأذكر عزيز وحسين محمد شامى ، حمداتى ، صارقيت ، النور محجوب طه ، ابراهيم شامى ، محمد الحسن الشيخ الازيرق ، عبدالحفيظ الحردلو ، ومحمد احمد الازيرق الذى كان يماز ويمتاز بصوت جميل ودافئ وهو ينشد .
* وهل ينسى المرء الشاعر الشايقى الاصل محمد جيب الله كدكى ! والإعلامى محمد خير عثمان والمسرحى الفكى عبدالرحمن !.
-4-

* نسيت فى زحام الذكريات ان اذكر رجلين مهمين من رجال جزيرة التلبناب (وهي بالباء وليست بالنون كما فعل المصحح فى المقال السابق) وهما الطيب الحداد وابراهيم سيداحمد ، وهما والد وخال المصرفى المعروف عثمان الطيب واخوانه .
وما كنت اعلم انه وبعد رحيل البكباشى عبدالله ادريس فى الستينات كانت قد اقيمت محكمة اهلية فى تنقاسى مكونة من (الجنتلمان) محمد عثمان محارى ، والاستاذ (م) محمد على الشايقى ، وابراهيم سيداحمد ، فحين قامت هذه المحكمة كنت فى الجامعة أو على وشك التخرج منها .. وانا كنت اكتب عن ذكريات حدثت قبل حوالى العشرين من السنوات قبل قيام هذه المحكمة !.
* كذلك سقط إسم (العبدلابى) فى المقال السابق رغم اننى ذكرت اربعة من اهم رموز تلك الاسرة .
* ولم يكن من الممكن ذكر كل اهل تنقاسى فى مذكرات ، كما قال الصديق المصرفى كمال محمد على الشايقى لى ولغيرى ، فالمقصود كان وما يزال تعريف من لايعرف بتنقاسى تاريخيا وجغرافيا ومجتمعيا من خلال سيرتى الذاتية .
* ولقد فات عليَ ذكر اسرة (الناطقاب) والتى تربط آل الشامى بها اواصر قربى ومصاهرة .
* بل اننى فكرت أن اكتب عن سيرة آل الشامى والكتاب ، ثم صرفت النظر عن ذلك حين ادركت اننى سأكتب عن خمسة اجيال ، ولن يفيد القارئ كثير شئ .
-5-

كان فى تنقاسى وقتها جهاز راديو ، أولهما فى سراي البكباشى عبدالله ادريس ، والثانى فى مقهى عبدالرحمن عوض والد صارقيت .
كنا نأتى مساء الى هذا المقهى نحتسى الشاي ، ونستمع لإذاعة ام درمان ، والتى كان يبدأ ارسالها من السادسة الى التاسعة مساءا .
ذات مساء جلس صارقيت بجانبى وهمس (يعنى حنفقد لينا سبع كبابى شاي كل مساء!) فسألته (لماذا؟) فقال (لقد وصل راديو عوض الحردلو الى كريمة صباح اليوم ، وسيصلكم غدا ، وهكذا سينقطع عنا سبعة من الشاماب !) . وقد كان . ولكن نادى تنقاسى كان يأخذنا اليه من وقت لآخر ، خاصة فى الإجازات المدرسية حين يعود طلاب المدارس الوسطى والثانوية الى تنقاسى ، ففيه الراديو . وطاولة بنق بونق ، وكان الكبار يفضلون (الكتشينة) وكان هنالك برنامج إذاعى بين العاشرة والحادية عشر صباحا كل يوم احد ، يبدأ بالقرآن الكريم ثم نشرة الاخبار ، ثم يتواصل بالاغانى المسجلة لكبار الفنانين (احمد المصطفى ، عثمان حسين ، حسن عطية ، عبدالعزيز داؤود ، وعثمان الشفيع) وذات صباح احد ذهب عدد من الطلبة للنادى فوجودهـ (مسكرا) وكان يقودهم (ابن ام درمان) يحي شامى ، فوجدوا طريقة لفتح الباب وظلوا يستمعون للإذاعة ، وفجأة توقفت سيارة البوليس امام النادى ، قادمة من مركز مروى ، ومع البوليس (تلغراف يقول :- الطلبة كسروا النادى) بتوقيع رئيس النادى ، وبعد أخذ ورد واستجواب وأجاويد أخلي سبيل الطلبة ! .
-6-

* كانت الدراسة فى مدرسة تنقاسى الاولية ممتعة ومشوقة ككل مدارس السودان ايامها .. تحت رعاية ومناهج معهد بخت الرضا والتى كان يعدها اساتذة انجليز ومعهم اساتذة من عباقرة السودانيين ، أظنهم كانوا بقيادة مستر قرفث ، يعاونه عبدالرحمن على طه ، ود. احمد الطيب ، ود.عبدالله الطيب وآخرون . كانت المناهج مبسطة ، ولكنها ممتازة فى كل المواد ، يدرسها اساتذة علماء وقادرون . وأذكر أن مادة الجغرافيا كانت محببة إلينا ، بخرط سيرها ، والقرى التى زرناها من خلال اناشيد وضعها عبدالرحمن على طه وآخرون منها (فى القولد التقيت بالصديق .. أنعم به من فاضل صديق ، وكم اكلت معه الكابيدة .. وكم سمعت أوروو الودهـ) . ومن خلال الجغرافيا عرفنا سبل كسب العيش فى كل اصقاع السودان .. من بابنوسة والجفيل الى ود سلفاب وريرة ، الى القولد ، الى محمد قول ، أنظر مناهج اليوم وقارن بين هذا الحشو . وذلك الإختصار المفيد والنافع .
وفى القرآن حفظنا جزئيَ عم وتبارك ، أكاد ازعم حتى الثانوى ، وانظر ما يحدث اليوم له وصل بهم الحال الى تدريس (العادة الشهرية) لأطفال زغب ، يفع وشفع !! اما سور القرآن الكريم فهم يختارون السور الطويلة والصعبة لاطفال مرحلة الاساس ، واما الاناشيد فمعظمها لشعراء عرب ، ورحم الله شعراء السودان الافذاذ والذين منهم .. ومنهم .. ومنهم ! وأما اللغتان العربية والإنجليزية فمثواهما القاع وبئس المصير !! .
* وفقنى الله فى مدرسة تنقاسى فكنت الاول من الصف الثانى الى الرابع ، وكان ينافسنى سيداحمد الحسن ، الذى انتزع منى الاول فى منتصف عام امتحانات الصف الثالث ، ولكننى عدت لقواعدى فى آخر العام ، ونقلت للصف الرابع وانا اول الدفعة .
* كان العام الدراسى مختلفا بين مركزي مروى ودنقلا ، فهو يبدأ متقدما عن مروى بشهرين ، وينتهى قبلها بشهرين ، وقبل إنتهاء العام الدراسى فى تنقاسى بشهرين وكنت فى الصف الرابع ، ارسل والدى رسالة لأخى الاكبر عوض يطلب حضورى الفورى الى ناوا لأجلس لإمتحانات اللجنة بالقولد الاهلية الوسطى ، وهي من أعمال مركز دنقلا ، هكذا شددت الرحال الى ناوا قبل إنتهاء العام الدراسى .. لأجلس لإمتحان الدخول لمدرسة القولد الوسطى ، لكن تلك قصة اخرى .


الخرطوم 2 سبتمبر 2007م

سيداحمد الحردلو

elmhasi
10-04-2018, 09:37 AM
جريدة الوطن - الاحد 27 شعبان 1428هـ - الموافق 9 سبتمبر 2007م
اين هم فى الزحام الآن .. (54 الى ..)
سيداحمد الحردلو
-1-
* الحديث عن تنقاسى طويل ويطول ، وأرى أنه من واجبى أن أتوقف عندها ولديها ، مرة رابعة ، أولا ً .. لأن هنالك المزيد ، وثانيا .. حتى يتساوى الكيل بينها وبين ناوا ، فهما اسرة واحدة وتكادان أن تكونا قرية واحدة لما بينهما من أواصر القربى والشبه والحسن والإحسان والحسنى ، بل وربما تتيح لي هذه الوقفة ، لأذكر ما سهوت عنه غفلة أو زحمة .
* ومن عجب فإننى كنت فى طفولتى انادى فى ناوا (بالشايقى) وفى تنقاسى (بالدنقلاوى) وكان النطاسى البارع والراحل المقيم والخال عثمان عبدالنبي النور - يقول لى (إنت بتميل لأعمامك) وكان بعض أهلى بتنقاسى يقولون :(إنك تميل أخوالك!) والحق اقول (لاهذا ولا ذاك) فأنا كما يسمينى السفير والخال عبدالعال سنادة (ذو النورين - نور ناوا ونور تنقاسى) وكان هذا كرما ونبلا منه (عليه رضوان الله) .
-2-
* كنا ما نزال فى أولية تنقاسى حين بدأت تجربة تعلم السباحة فى نهر النيل ، وكان المكان المناسب لتعلم السباحة هو مشرع تنقاسى ، وكنا مجموعة من الاطفال ، وكان اكبرنا هو الشيخ ابنعوف الذى كان يجيد السباحة ، وحاولت تقليدهـ بالدخول الى منطقة ضحلة ، فإذا بي (أغرق .. أغرق .. أغرق) وإذا بالشيخ ابنعوف يقفز بمروءته المعهودة فيه ، ينتشلنى ثم يدفعنى الى الامام نحو الشاطئ حتى رماله ، ويقوم بالتمارين المعتادة فى مثل هذه الحالات بافراغ الماء من الغريق ، وفتحت عيني حامدا لله شاكرا للشيخ ابنعوف ، ولم أتوقف عند تلك التجربة المريرة ، بل حاولت وحاولت ، حتى جدت السباحة ، والتى كان آخر عهدى بها حوض جامعة القاهرة بمصر ثم ساحل ميامى بالاسكندرية فى يوليو 1965م ! .
-3-
* كان كثيرون من اهل تنقاسى - كشأن معظم قرى الشماليين الاوسط والأقصى يسافرون الى مصر طلبا لسبل كسب العيش وكان جلهم يلتحق بسلاح الهجانة الشهير وقتها بحراسة الحدود المصرية ، وعمل بعضهم مع الجيش الانجليزى فى السويس ، وبعضهم فى اعمال اخرى ، وكان العزاء انهم ينالون احترام القيادة والشعب المصريين ، وكانوا يعيشون كجزء منهما لاغربة ولا إغتراب ، وكان من بين هؤلاء أهل كثيرون ، أذكر منهم على سبيل المثال ولا الحصر فقط ، إثنين من اعمامى هما عثمان ومحمد الحسن شامى ، وكلاهما كان يعمل بالجيش المصرى ، ولقد سبق أن أفردت حيزا لعمى عثمان والذى كان مسؤولا عن الامن فى مدينة الباشوات بالمعادى ، وكان فيهم من ابناء العمومة وتنقاسى احمد الفكى (ابوشنب) وعباس كرفس وحمد البشير صديق ايام الدراسة فى مصر ، وسرالختم كمبال الذى كان صاحب متجر فى عين شمس ، ومحمد عثمان الحسن شامى ، الذى كان مسؤولا بشركة اسمنت (ماسبيو) بحلوان ، وأذكر من أخوالى احمد وعبدالحليم ومحمد كتاب وعبادى على صالح نقد وابنائهم عبدالرحمن وعبدالحفيظ ويوسف كتاب ومحمد على وعثمان وابرهيم محمد حمد ومحمد على ابوبكر بوبو ، وعبدالقادر ساتى عبادى وحسن عطا الله وحسن كريرى وبعض آل حميداب ، وميرغنى عثمان حسين ، وعبدالنبى ويوسف عمر كتاب ، وآخرين لايحصيهم العد والعدد ، وكان معظمهم يقيم فى عين شمس والتى اصبحت مستعمرة سودانية ، والجبل الاصفر والسويس والازهر والمعادى وعابدين والزمالك والاسكندرية ، والحري بالذكر انهم علموا اولادهم وبناتهم فى مدارس وجامعات مصرية ، وتقلدوا فيما وظائف سامية فى مصر والسودان .
هذا غير مئات الآف من الطلاب السودانيين الذين درسوا فى مدارس وجامعات مصر ، الى جانب جامعة القاهرة - فرع الخرطوم أيامها ، وكانت إذاعة ركن السودان هي صوتهم إلينا وصوتنا إليهم ، كما أنجبت لنا مصر علماء ومفكرين وشعراء كانوا السابقين فى كتابة الشعر الجديد (أو شعر التفعيلة) كمحي الدين فارس وجيلى عبدالرحمن وتاج السر الحسن والفيتورى .. ويقول بعض النقاد إنهم أول مكتشفى هذا النمط من الشعر ، قبل شعراء العراق ، والكرة حول هذا فى ملعب الصديقين والشاعرين الكبيرين محي الدين فارس وتاج السر الحسن (أمد الله فى أيامهما) .
-4-
* ولنا قول آخر فى بعض آل الشامى ، نذكرهـ من أجل الحقيقة والتأريخ فقط ، فقد كان للحسن ود شامى مبنى من طابقين عرف بقصر ود شامى فى ذلك الزمن القصي ، وكانت أثارهـ ما تزال باقية تحت تمر الحردلو ، فى تنقاسى الشاماب ، حتى جاء فيضان 1988م ، فأزاله من خارطة الحيَ ! وكانت تعيش فى بقاياهـ السيدة سعدالزينات ، فرحلت ، ثم رحل بعدها ، وكانت حارسة محبة له فقد شهدت مجدهـ ، وذهبت مع زوال ذلك المجد !
* ثم نستأذن فى كلمتين عن عمنا الاكبر محمد الحسين شامى ، وكان موفور الحال والمال .. إذ لديه أراض ومزارعون يفوقون العشرين ، وكانوا حين يعودون مع المساء على حميرهم من الحقول ، يحولون تمر الحردلو الى زوبعة من الغبار ، يتسابقون وهم يغنون ، وكان أول من حفر (مترة) فى تلك النواحى فى سهل تنقاسى الاعلى بعد ان ضاق بطموحه سهل تنقاسى الاسفل !
* ثم نستأذن فى كلمتين عن (غوث زمانه وأوانه) عمنا سيد احمد شامى ، صاحب العقارات والدكاكين التى كانت تتجاوز العشرين .. فاما العقارات فكان يسكنها معلمو مدارس تنقاسى مجانا ، وكان رجلا شجاعا لايخشى فى الحق سلطة أو جاها ، بيوته الثلاثة مفتوحة للضيوف ليل نهار ، كان ابنه حسين شامى (شفاهـ وعافاهـ الله) يعمل فى ديوان المراجع العام ، وجاء وفد رسمى من المراجع العام الى مركز مروى ، وأقاموا فى بيت حكومى ، وكان ابنه حسين معهم ، فذهب اليهم فى مروى ، وأصر على انتقالهم الى تنقاسى للإقامة فى ضيافته ، وكان عددهم حوالى العشرين ، فأقاموا فى أحد بيوته تحت رعايته وكرمه الى ان انقضت فترة مهمتهم فى مروى ، بل أزيد فأقول .. إنه شيَد على حسابه الخاص مدرسة وسطى للبنات ، وطلب منى أن أطلب من مولانا الرشيد الطاهر وكان رئيسا للوزراء وقتها أن يأتى لتنقاسى لإفتتاحها ، وذهب الرجل النبيل فإفتتح (مدرسة سيداحمد شامى المتوسطة للبنات) عليهما رضوان الله .
* سبق أن تحدثت عن والدى بعض الشئ ، عنه فى ناوا ، وعن مدى الإجلال الذى كان يلقاهـ هناك وهنا ، لتدينه وصدقه وأمانته فى مهنة التجارة ودنيا الحياة الخاصة والعامة ، وكان الناس فى القريتين يثقون فيه لدرجة كبيرة ، وذات يوم وكلانا فى تنقاسى وصلت برقية معنونة الى شيخنا العالم ود الدقاق ، قرأها له مسؤول البوستة كما يلى (عبدالحفيظ توفى) وهو ابن شيخنا ود الدقاق . وبدأ النواح والبكاء على فقيد الشباب الذى كان يعمل شرطى بوليس فى عطبرة . ذهبت لأبى فى متجرهـ بالسوق لأخبرهـ بالخبر ، فنهض لتوهـ وجاء للعزاء ، وبعد إنتهاء عزائه لأهل المتوفى ، عرض عليه شيخنا ود الدقاق البرقية ، فقرأها ابى وقال لود الدقاق (عبدالحفيظ ترقى) وليس توفى ، لم يصدق البعض ، فخطب فيهم ود الدقاق قائلا (إنه حاج الحردلو وحاج الحردلو لايكذب) فإنقلب الترح الى فرح والمناحات الى زغاريد !
-5-
* وكان لى أعمام آخرون هم احمد وسعيد الحسن وعثمان الحسين شامى ، وكانوا يعملون بالتجارة والزراعة معا ، بينما أستوطن العم عثمان الحسين ام درمان معظم عمرهـ وكذلك ابناؤهـ وبناته .
* والمحسنون فى تنقاسى ايامئذ كانوا كثيرين ، ولكن يبقى المرحوم رغيم الحسن كرفس احد الذين كانوا يحسنون الى الفقراء والمحتاجين بدون معرفتهم أو معرفة احد .
كان رجلا خلوقا وميسور الحال ، يوزع زكاته بطريقة سرية ، كان الفقراء يفتحون ابواب بيوتهم صباحا فيجدون امام كل باب جوال عيش ، فلا يدرون من الذى فعل ذلك إذ كان يرسلها بعد منتصف الليل على دواب يقودها بشر لايذيعون سرا ، ولكن وبمرور الزمن عرف الناس أن ذلك المحسن هو رغيم الحسن كرفس ! وهل أنسى فى هذا الزحام ابنه الصديق عثمان رغيم الناشر ورجل الاعمال ، والذى اختار اخيرا مدينة ابوظبيَ مقرا ومستقرا (رد الله غربته)!
-6-
* وأخيرا وقبل ان انهى هذه الذكريات عن ناوا وتنقاسى ، أريد أن أعترف بأنها ذكريات طفل كان ما يزال فى الكتاب فى ذلك الزمان البعيد ، فكتب ما شاهد وعاش وسمع ، فإذا نسيت احدا ، فالعتبى له حتى يرضى .
* أما الاستاذان محمد خير محجوب القطب الاتحادى الكبير ، والضابط العظيم عثمان محمد الحسن حسب الرسول ، وبرغم أنهما من تنقاسى فما عاشا فيها ، وإن كانا قد ظلا ويظلان تنقساويين !
* وملاحظة أخيرة وتأريخية فإن الرجل الذى اكتشف طريق مروى عطبرة قبل ستين عاما ، هو البكباشى عبدالله ادريس ، ناظر عموم الشايقية ، وكانت تسكله اللوارى بركابها وتجارها الى سوق تنقاسى وقد افتتحه الرئيس البشير مؤخرا بعد سفلتته فقرب المسافة من يوم كامل الى ثلاث ساعات فقط ، وليت الدولة تطلق عليه اسم البكباشى عبدالله ادريس إكراما وتخليدا له لأنه مكتشف الطريق فى زمن كانت عبارة (وعثاء السفر) وكأنها ابتدعت عليه ، وإليه ولغيرهـ من طريق السودان ، ونقول إن ذلك وغيرهـ من الطريق التى تعم شمالنا - أكثر مناطق السودان تهميشا - سيحسب الى فضائل سد مروى والقائمين عليه ، رغم اننى اسمع عن السد عجبا ولم اشاهدهـ حتى الآن !
سيد احمد الحردلو
الخرطوم 7 سبتمبر 2007م

elmhasi
10-04-2018, 09:52 AM
جريدة الوطن - الاحد 4 رمضان 1428هـ - الموافق 16 سبتمبر 2007م
اين هم فى الزحام الآن .. (55 الى ..)
سيداحمد الحردلو
-1-
سأبدا هذا الصباح بوقفة قصيرة مع الصديق القديم الاستاذ حسن ساتي صاحب السيناريو الساخن احيانا .. و(السمح والزين) أحايين أخري - كنا نلتقي كثيرا في السبعينات حين كان الزمن جميلا ، حسن ساتي متواضعا .. في الخرطوم وفي صحيفة (الأيام) وفي دارتنا المتواضعة في حي السجانة حيث كنا نقيم - السفير عبدالمحمود عبدالحليم والاديب والشاعر الجمهوري عبدالرحيم عبدالحليم ، وآخرون - وكان الفنان الكبير محمد وردي يضمخ ليالينا بطنبور عبدالرحيم وأغاني الشايقية من وقت لأخر .
* ودارت الايام وهاجر حسن ساتي الي القاهرة كاتبا في صحيفة الشرق الاوسط ثم إنتقل (بنصفه البريطاني) (كما يحلو له أن يقول داشا) الي لندن (تلك المدينة التي تموت الحيتان من بردها) (كما قال الاديب الاكبر الطيب صالح في روايته سيدة زمانها(موسم الهجرة الي الشمال)) ، وكنا نلتقي في القاهرة من وقت لأخر ، وكان آخر لقاءنا في شقة الشاعر الغنائي عزمي احمد خليل في القاهرة ، وكان معنا القنان الموسيقار وردي والسفير عبدالمجيد علي حسن ، كان ذلك في مايو 1997م ، ومنذها لم نلتق .
* أخبرني قبل أيام الاستاذ عبدالحليم محمد احمد عكود بأن الاستاذ حسن ساتي وصل الخرطوم ، وسأل صديقي وابن ناوا علي فقيري عبادي عني كثيرا ، وإنهما إتفقا علي زيارتي بدارتي قريبا .
* احتفل الصديق حسن ساتي بإسم (زين) الإسم الجديد لموبيتل ، كما احتفل ملايين السودانيين والعرب والافارقة كل باسلوبه ، اما صديقنا حسن ساتي فقد افرد سيناريو الاحد المقبل الموافق 9/9/ 2007م تحت عنوان (زين ... ليس إعلانا أيضا) تحدث فيه عن (قيدومة) كانت يوم الجمعة قبل حفل تدشين إسم (زين) الذي كان يوم السبت الموافق 8/ 9/ 2007م ، ولقد زارني قبل ذلك وفد من (موبيتل) مرتين لدعوتي للحفل ، وكان بقيادة الاستاذ ابراهيم احمد الحسن ، المدير الإقليمي لموبيتل والاستاذ احمد حسب الله الحاج ، مدير لعلاقات العامة والاستاذ عبدالله محمد الحسن مسؤول الإعلام الإلكتروني ، فوجدت فيهم بشرا ودودين ورحيمين ، يمنحونك فوق الحسن حسنا ، وعلي الحب حبا ، كرما منهم ونبلا ، فعرفت يومها لماذا وصلت موبيتل الي ما وصلت اليه ، ولماذا قفزت ملايين الكيلو مترات (بزينها وزينتها) وطموحها الذي حدودهـ السماء ، وقالوا إنهم أستوحو (زين) من قصيدتي (يابلدي ياحبوب) وإنها ستكون نشيد إنشاد زين .
* ورغم مرضي وإنقطاعي عن المنتديات والحفلات لخمس سنوات كاملة فإنني رحبت بالدعوة الكريمة وقررت الذهاب ، وقبيل مغادرتهم قال لي الاستاذ عبدالله محمد الحسن (إنه سيأتي مساء السبت لأخذي للحفل) وإتصل عصر السبت ليؤكد لي إنه سياتي فقلت له (إنني أعرف مشاغلكم الليلة ، وسيقوم ابني سامح بأخذي إليكم ثم اتصل بمجرد خروجنا من البيت وطمأنته بأننا خرجنا متوجهين إليهم ، فقال (تعالوا بالبوابة الرئيسية وسنخبر الحرس بذلك) وبمجرد وصولنا قرب البوابة ، أستوقفنا الحرس وسأل ابني (من تكونان؟) وبمجرد ان رد ابني (هتف الرجل مبتسما وهو يقول (نحن راجينكم من قبيل تفضلوا) فرن تلفون الشاب (الزين) عبدالله يسأل (إنتوا وين ؟) وحين عرف اننا دخلنا باحة المعرض ، أقبل علينا ثلاثتهم ومعهم الصديق العزيز حسن فضل المولي مدير قناة النيل الازرق ، وامسك بي الاستاذ حسن يساعدني علي السير ، هو في يساري وعصاي في يميني حتي اجلسونا في طاولة بجانب المسرح ، وقبل ذلك جاء الاستاذ خالد المهتدي الرئيس التنفيذي بالسودان مرحبا بي ثم صعد للمسرح وامسك (المايك) وقال (نشكر الشاعر الدبلوماسي سيداحمد الحردلو الذي قهر الصعاب وجاء ليكون معنا) ، وكان الاستاذ ابراهيم احمد الحسن ورفاقه الكرام يمرون علينا بين الفينة والاخري ، يطمئنون علينا وبدأ الحفل الذي أري انه كان اعظم ما شاهدت من حفلات في (مجمع البحرين) وست الدنيا (الخرطوم) تنظيما وترحيبا ، تعلوهـ وجوهـ باسمة يتحرك قادة الحفل وسط وحول الناس هاشين باشين .. يريدون ان يكون كل شئ في مكانه وزمانه وعنفوانه وقد كان .
* استهل الحفل الاستاذ عبدالله محمد الحسن ، مرحبا بالحضور الحاشد ، ثم قدم نجمي التلفزيون الطيب عبدالماجد وهبة المهندس ، وجاء من البعيد وجه وصوت الشاعر والنجم التلفزيوني جورج قرداحي عبر شاشة ضخمة منصوبة امامنا ، وهكذا راح يتباري النجوم الثلاثة عبر الاقمار الصناعية ثم بدأت تطل علينا وجوهـ واصوات وكلمات الدكتور سعد البراك (من الكويت) والاستاذ خالد المهتدي الرئيس التنفيذي بالسودان ، وسعد ناصر الرئيس التنفيذي بالاردن واحمد الشطي الرئيس التنفيذي بالبحرين .
* وبينما نحن كذلك جاءت صبيتان سودانيتان فقلت لنفسي (ما شاء الله عليهما .. جمالا وادبا ورقة .. وبإختصار شديد(كل واحدة منهما كانت قصيدة) ولا أزيد فنحن في الشهر الفضيل .. وسلمتا وقالتا بأدب اديب (هل نحضر لك العشاء ؟؟) فقلت : ( شكرا لكما ، لقد جاؤوا لنا بالعشاء ) وغابتا في الزحام كما يغيب قمران خلف السحاب !.
-2-
* ثم غنت (التومتان) باسلوب محترم ومهذب وحشيم وجميل وكنت اراهما واسمعهما للمرة الاولي .. فطربت للغناء (وشجيت به فلم انكر شجاهـ)
* ثم أطلت هبة المهندس وهي تنشد المقطع الاول من مسدار (عشان بلدي) والتي اشتهرت بـ(يا بلدي يا حبوب) فأنشدت بصوتها العذب :
(يا بلدي يا حبوب)
(يا ابوجلابية وتوب)
(وسروال ومركوب)
(وجبة وصديري وسيف وسكين)
(يا سمح ... يا زين)
* فأطل عملاق العمالة وحفيد بعانخي الفاتح وتهراقا العظيم وابادماك إله الشعر والفن .. ومن عجب فإنه دائما ومن يوم ان ظهر قبل اعوام وهو يتهندم بهندام ملوك النوبة ، ودخل المسرح فوق عربة ملوكية تشبه ناقلات زمانهم ، إرتبط بشكله ومظهرهـ الملوكي في ذهني بشكل ومظهر تهراقا ، الذي شاهدت تمثاله الضخم والفخم في متحف مروي في طفولتي ، ومن عجب أيضا انهما ينتميان الي (ناوي) وذلك اسمها التاريخي ، وليس (ناوا) التي ابتدعتها ايام التانوي ، والتي استعان فرعون مصر بسحرتها ليبارز بهم سيدنا موسي ، ولكن عصا موسي ابتلعت عصيهم كما هو معروف .. فخروا ساحدين لله ، وأعلنوا اسلامهم بدين سيدنا موسي عليه السلام ... فقد وجد معبد تهراقا مطمورا تحت رمال ناوا فنقل تمثاله الي مروي ثم فيما بعد - الي المتحف القومي ، كذلك فإن العملاق محمد وردي ينتمي الي اسرة الملوك بناوا والتي هاجر جدودهـ منها الي صواردة .. !
إذن فإن اسم تهراقا العظيم والسوداني هو الانسب لعظيم السودان وردي وليس الفرعون - يا صديقي ابو علي - فالفرعون فرعونا ، وحاشا لوردي ان يكون فرعونا ، اما سمعت بـ(فرعون وقلة عقله؟) حين خدعه ترزي بملابس لاتري فمشي في شوارع عاصمته عاريا كما ولدته امه ؟ !.
ام نسيت ما فعل الله - جلت قدرته - بفرعون وتبعه في بحر القلزم ، وهل تواضعت يوما فقرأت قصيدة (بكائية علي بحر القلزم) والتي يعتبرها الشاعر الكبير مصطفي سند (اعظم قصائد القرن العشرين) ؟
وهل قرأت المقطع السابع فيها والذي يقول :
(أغني لرمل السواحل ما شهدته السواحل
( ما وشوش الموج
( ما فعل الفوج .. بالاولين
(فينفلق البحر
( حتي اذا ما توغل فرعون
(انبهل الطود .. وانسدل الموج
وارتحل البحر .. بالاخرين
(تونس مارس 1982م
-3-
ايها السادة الكرام - معشر الاصدقاء القراء - معذرة اليوم فقد دُفعت دفعا للحديث عن نفسي ، وما عودتكم ذلك ... ؟
* فأنا دائما اقول (إنني دائما اقدم الشكر وأوجل العتاب !) لكن الظلم حين يأتي من الصديق يصبح ظلمات .
-4-
إنني ادعوكم لقراءة مقطع واحد فقط من سيناريو كتبه الاستاذ حسن ساتي وهو يكتب عن (بروفه) سبقت الاحتفال بتغيير إسم موبيتل الي اسم زين بيوم واحد ، يقول الاستاذ حسن في (السيناريو) الذي اشرت إليه مفتتح هذا المقال (غني يا بلدي يا حبوب) بكل المركزية واللامركزية التي تحتلها في وجدان السودان ، وختامها وكما هو في اصل الاغنية كلمات ولحنا : (يا سمح يا زين ...) وحين قالها اول مرة ضج الحضور بالتصفيق ، طربا للأغنية ، ولرسالة (التضمين) (هكذا كانت مكتوبة) التي بشر بها الفرعون اهل زين ، وكان لسان حاله هنا لهم ولي ولمن دار في فلك الشكوك مثلي يقول : لا تخافوا ، فاالإسم موجود ومرتبط بسماحة البلد (الحبوب ، وموجود في قلوب الملايين منذ ان حفرته في تلك السنوات الماضية حنجرة هي حنجرة الفرعون وهو يعبئ شعبا بحاله ضد القهر والطغيان وهو يستهل اللحن بـ: عشانك يكاتل الريح...
يا سمح يا زين ...
(ويواصل ابو علي )
* إطمئنوا إخوتي في زين ، فلم تكن مخاوفي في مكانها ، وإن كنت احذر بمهنية الصحفي من محاولة تغيير الإسم مستقبلا ، فتلك مسألة لا تخلو من مخاطر ، ولكن يا سمح يا زين قد رحلت بها هذه المرة والي غير رجعة .
* إنتهي سيناريو الأستاذ حسن ساتي !
-5-
* ولا تعليق لي سوي الأتي : (إن قصيدة (يا بلدي يا حبوب) لم تهبط من المريخ لوردي بدون إسم شاعرها ، وتجاهل إسم صاحبها لا يضيرها ولا يضير إسم شاعرها بكثير شئ !!)
* كنت قد كتبتها في كسلا في يناير 1972م بعد خروجي من سجن كوبر مباشرة وهي اول قصيدة اكتبها بالعامية السودانية ، وازعم إنني كتبتها مثل معظم شعري العامي (بلغة ثالثة) وسطية بين العامية السودانية الموغلة في عاميتها ، والفصحي الوغلة في فصاحتها ، وقضيت في كسلا ثلاثة ايام في ضيافة صاحب وقائد قطار كسلا الإكتوبري محمد جبارة العوض والاستاذين الشاعر محمد احمد كرفس (كان بالمراجع العام) وضابط الشرطة سعيد محمد علي الشايقي (وكلاهما من أهلي بتنقاسي) .
* أطربتني كسلا بجمالها وجمال اهلها ومقام سيد الحسن والقاش وتوتيلها والتاكا وسواقيها)
اوليست هي (جنة الإشراق) علي حد تعبير الشاعر توفيق صالح جبريل ، وهكذا منحتني (مسدار عشان بلدي!!!) وظلت حبيسة درج مكتبي الي ان زارني وردي صباح يوم قبيل مهرجان الثقافة الذي كان قد استنه الدكتور اسماعيل الحاج موسي وزير الثقافة بيومين عام 1976م .. كان وردي قد جاء لوزارة الشؤون الإجتماعية التي كنت منتدبا فيها لأخذ شيك يخصه لقاء حفل اقامه للشهداء ، وجلس بجانبي علي يميني وفتح درج مكتبي ، ورأيته يأخذ من الدرج ورقا ويقرأ ثم يقول لي بعتاب شديد (بالله .. إنت صديق !!؟؟) فقلت : (ليه ؟) فقال علي الفور : ( هذه قصيدة ملحنة جاهرة !!) وأخذ قلما وورقا وجلس علي كنبة ونقل القصيدة ، ونسي ان يشرب كوب الليمون الذي امامه ونسي شيكه ، وخرج .. إتصل بي صباح اليوم التالي وقال : (لقد لحنت القصيدة وسأوقعها في نادي الفنانين مساء اليوم .. حتجئ ! فقلت (لا) ببساطة لأنني لم اصدق ! واتصل صباح اليوم الذي بعدهـ وقال : (سأغنيها اليوم في المسرح القومي في مهرجان الثقافة .. حتجئ !) فقلت : (نعم سأجي فالحكاية بقت جد) وذهبت للمسرح القومي ، مساء ذات اليوم وغني وردي (يا بلدي يا حبوب ) فأجاد ، وجود ، وأطرب كعهدهـ ، وخرجت للشارع في طريقي للخرطوم فإذا بالناس في الشارع وفي السيارات يغنون مقاطع منها ، وأوقف وردي عربته امام مدخل كوبري امدرمان ، وتوقفت الحركة ، ولم يتوقف إنشاد الناس لها ، وأقبل نحوي وهو يقول للناس المنتظرين في سياراتهم (يا اخوانا معليش .. عايز ادي الشاعر المجنون ده حاجة ... !)
وناولني شيئا وذهب لسيارته وانطلقنا نعبر الكوبري والناس يغنون (يا بلدي يا حبوب) وصارت في سرعة البرق نشيد إنشاد كل السودانيين من الاطفال الي الشباب الي الكهول وراحت لواري السودان تضرب في التيه والبيد شرقا وغربا وجنوبا وشمالا ، تحمل اسم (يا بلدي يا حبوب) في موخرتها ، وصارت الشغل الشاغل للإذاعة والتلفزيون وحفلات وردي في كل الليالي والمدن ، وجاءني الاستاذ احمد شامي (زعيم الحزب الشيوعي) (القيادة الثورية) أيامها ذات صباح وهو يقول لي (شد حيلك يا ابوالسيد أمبارح كنت في قعدة بالثورة واسمعونا شريطا فيه نفس وادا (يا بلدي يا حبوب) ولكن بكلمات مختلفة يقول مطلعها (يا بلدي يا منكوب .. يا الحاكمك (.....) حنتوب . وصدرت التوجيهات للإذاعة والتلفزيون بعدم إذاعتها أو بثها .. ولوردي بعدم غنائها في حفلات مذاعة علي الهواء ، لكن وردي غناها إستجابة لرغبة الجمهور في محفل مذاع ومتلفز في المسرح القومي ، وفي ذات الوقت كانت الإذاعية الكبيرة ليلي المغربي تبثها في برنامجها المسموع (نفحات الصباح) كثيرا . فصدر قرار بإيقاف جميع اغاني وردي من البث والإذاعة وإيقاف برنامج (نفحات الصباح) في الإذاعة ، بحجة ان الاغنية غير مجازة من لجنة النصوص ، وانهم معترضون علي كلمات مثل سروال ومركوب ! ولم يكن ذلك صحيحا ، فالقصيدة لوحة مرسومة ومصورة للشعب السوداني وسودانه العظيم بهندامه الجميل وقيمه السمحاء ، ونبله النبيل ، وجماله الجميل ، ولونه الاسمر والقمحي والابنوسي .. وسجاياهـ التي هي من سجايا الانبياء والاولياء والصالحين ، وقلت ومازلت اقول - رغم كل شئ - اننا انبل الشعوب وبلادنا اغني البلاد بالمطمور داخل ارضها ، وإننا سادة الحضارة الاولي في الدنيا ، وليس في القصيدة سيرة (لرئيس قائد وملهم ولا سيرة لرئيس مؤمن!) فالشعب السوداني هو القائد والملهم والمهلم والمؤمن .. وهوجمت في بعض الصحف خاصة (الايام) والتي كان يعمل فيها الاستاذ حسن ساتي بمقال كتبه رئيس تحريرها وقتئذ الشاعر عوض احمد خليفة وقال فيما قال انه لم يشاهدني ابدا ارتدي الجلابية او انتعل المركوب منذ طفولتي والي يومنا هذا كمعشر اهل السودان ...!
* المهم طوردنا وردي وانا وحاول البعض الإعتداء علينا بالضرب ، ورغم ذلك كتبت مقالا عنيفا في صحيفة الصحافة افضح فيه مؤامرة لجنة النصوص والذين هم وراء ذلك ، وكتب الراحل المقيم شريف طمبل مقالا بعنوان (حتي لانقول .. ملعون ابوكي بلد ثانيا) ، وكذلك فعل الاديب صديق محيسي وآخرون وقال الشاعر محمد عبدالحي (إنها عزة إن لم تكن أفضل منها!) .
* وأخيرا ذهبنا وردي وانا للدكتور الصديق اسماعيل الحاج موسي وزير الثقافة والإعلام في مكتبه وبعد حوار طويل وجه الوزير بإطلاق سراح اغاني وردي وإتاحة بثها وإذاعتها مرة اخري .
* هذه بعض قصة (يا بلدي يا حبوب) والقصة إن اردنا روايتها كاملة طويلة وستطول !
* اكتفي بهذا الآن وأزيد قليلا فأقول .. ليس وحدهـ حسن ساتي الذي حاول تجاهل إسم شاعرنا بلا جدوي ، فحتي تلفزيون السودان كتب مرة علي الشاشة (إنها من شعر اسماعيل حسن!!) لكنه سرعان ما صحح الإسم بعد إتصالات مكثفة منه .
* وذلك وغيرهـ كثير ... ولكنه لا يضيرني بكثير او قليل شئ .
الخرطوم في 13 سبتمبر 2007م
سيداحمد الحردلو

elmhasi
13-04-2018, 09:48 AM
-1-
يا بلدي ... يا حبوب
يا ابوجلابية ... وتوب
وسروال ... ومركوب
وجبة .... وصديري
وسيف ... سكين
يا سمح ... يا زين
-2-
يا وجه مليان غنا
ومليان عشق ... وحنين
يا بنت ... يا دوب .. نهيداته
يادوب .. قايمين وشايلين
تخا ... وفي رخا
وشايلين بنات وبنين
ويالسمح ... والزين
-3-
ياغابة قمحية
ومشرورة فوق البلود
زي الصباحية
ويا مزرعة باباي
يا حردة الهبباي
يا نخلة مسقية
من ريق دغيشية
يا مقطعين دوباي
صابين علي الدنيا
اشواق وحنيه
وبالعديل والزين
-4-
يا ليل ..وليله
يا نيل .. ونيليه
يا مرمي تحت الشمس
للقيلة ضلية
يا سحنة نوبية
ويا كلمة عربية
ووشمة زنجية
ويا سمح ... يا زين
-5-
عشانك بكاتل الريح
يا سمح .. يا زين
عشانك فؤادي جريح
يا سمح .. يا زين
عشانك .. انا مكتول
يا سمح .. يا زين
ومشيول في نعش هزيل
يا سمح ... يا زين
عشانك انا مسلول
يا سمح ... يا زين
وحكيمي مات مسلول
يا سمح ... يا زين
عشانك ... يا ليل ياليل
يا سمح ... يا زين
عشانك يا حزن جميل
وعشانك يا حزن نبيل
يا سمح ... يا زين
-6-
يا آهة ..
يا نمة
يا مدحة
يا عمة
ويا سمح ... يا زين
يا واحة
في صحراء
يا خدرهـ
يا قمرهـ
وبشارهـ
يا بكرهـ
ويا سمح ... يا زين
-7-
لابد جاييك يوم
وبالعديل والزين
وتضحك سنونك دهب
وبالعديل والزين
وتشلح عيونك عجب
وبالعديل والزين
لابد جاييك يوم
وبالعديل والزين
-8-
يا بلدي .. يا حبوب
يا أنبل محبوب
هاك عمري مكتوب صلوات .. وغناوي
ليـــــك ... يا حبوب
كسلا - يناير 1972م

elmhasi
21-04-2018, 09:04 AM
جريدة الوطن - الاحد 11 رمضان 1428هـ - الموافق 23 سبتمبر 2007م

اين هم فى الزحام الآن .. (56 الى ..)

بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-

* ظل مرضى وزارعو الكلى - واكاد ازعم أنهم أكثر من المليون (واظن أن هذا الرقم متواضع وغير دقيق) - ظل هؤلاء المليون يزدادون .. بسبب مياهـ الشرب غير الصحية وامراض الضغط والسكرى وغيرها ، يعانون من غلاء غسيل الكلى وارتفاع قيمة العمليات ثم ارتفاع اسعار الادوية - سنين عددا ، واذكر قبل سنوات أن الاستاذ على عثمان محمد طه - النائب الاول وقتها ، التفت الى هذا الموضوع وصرح بأن الدولة ستقوم بدعم هؤلاء المرضى والزارعين فى كافة المجالات ، وأستبشرنا نحن معشر المرضى والزارعين بذلك ، لكن الرجل انشغل بنيفاشا ثم ابوجا (وكلاهما جهد قومى ، يستحق ومستحق) فظل المرضى والزارعون يلوكون الصبر ، يتمترسون بالانتظار والرجاء ، فمات من مات لعدم مقدرته لتسديد نفقات الغسيل ، أو نفقات شراء الادوية ، وكان بعض الادوية غير موجود اصلا بالسودان ، وكانوا يستعينون بالاهل المغتربين . ثم توفر دواء (السايكلسبورين) (Cielosporin) (الهندى الصناعة) وظلت تدور حول فاعليته ظنون بين الزارعين وبعض الاطباء ، وصارت المستشفيات (مركز الشهيدة سلمى ، ومشفيا ابن سينا واحمد قاسم) يصرفونه للزارعين مجانا ، وكنا نأخذهـ شاكرين وغير قانعين به ، حتى قيض الله للدكتور الانسان محمد مندور المهدى مدير عام الامدادات الطبية . بمد تلك المشافى وغيرها فى مدنى بدواء (السايكلسبورين) (السويدى الصناعة) وصار يوزع مجانا للزارعين فاطمأنت قلوبهم .
* وتبقت مشكلة الادوية الاخرى وهي دواء (السلسبت) (Cellcept) (وبين هلالين كنت اشترى هذين الدوائين السايكلسبورين السويدى من إحدى الصيدليات ’’العلبة تكفى لثمانية ايام فقط بمبلغ مائتين وستين الف جنيها ً ‘‘ وعلبة ’’السلسبت‘‘ التى تكفى لخمسة وعشرين يوم بأربعمائة وخمسين الف جنيها ً ‘‘ ) حتى علمت صدفة وبعد مرور عامين ، إن جمعية زارعى الكلى والتى أسستها مجموعة من الزارعين على رأسهم المرحوم حسين شكاك والاستاذ عادل بابكر ، فى نوفمبر عام الفين ، وأصبح الاستاذ عبدالحميد حاج الحسين رئيسا لها - فيما بعد - واعطاها دفعة قوية باتصالاته وعلاقاته الواسعة بالداعمين ، حتى تم تشييد دار فخمة لها فى الخرطوم بحرى مهيأة بأجهزة غسيل وفحص حديثة ، وصار الاستاذ عادل بابكر نائبا ً للرئيس ، يديرها حين يغيب الاستاذ عبدالحميد حاج الحسن عن السودان ، حيث اتخذ من المدينة المنورة مقرا مؤقتا له ، لكنه لاينقطع عن السودان والجمعية) قلت علمت فى وقت متأخر بأن الجمعية تساهم بمبلغ 40% من قيمة السلسبت والباقى يتحمله الزارعون ، وكنا نشترى وما زلنا هذا (السلسبت) من صيدلية (ايمان) بالخرطوم 2 .
* زارنى اليوم الاربعاء الموافق 19 سبتمبر الجارى الاستاذ عادل بابكر وبشرنى بأن وزارة المالية قد قررت دعم دواء (السلسبت) بنسبة 40% لمدة الثلاثة اشهر المتبقية من العام ، على أن تقوم بدعم الدواء بنسبة 100% بداية من اول عام 2008م .
بينما قرر الدكتور محمد مندور المهدى أن تتحمل الإمدادات الطبية نسبة 20% خلال الثلاثة اشهر المتبقية من هذا العام ، وهكذا فإن زارعى الكلى سيتمتعون بمجانية هذا الدواء بداية من اول اكتوبر القادم .
* كما علمت من الاستاذ عادل بابكر بأن جمعية زارعى الكلى ومستشفى ابن سينا بقيادة الدكتور الخليفة العوض الحسن ، يقومان بعمل ورديات مجانية لغاسلى الكلى بالإضافة الى إجراء الفحوصات اللازمة مجانا ، كذلك كان وما يزال يفعل مركز الشهيدة سلمى (مركز الكلى سابقا) نفس الشئ تحت قيادة مديرهـ الدكتور حمزهـ هارون والمدير الادارى الاستاذ سيف الدين سعيد ، والباحثة الاجتماعية شادية السنهورى . بينما يلتقى الدكتور الفاضل محمد عثمان والدكتور محمد بابكر الهادى وآخرون زارعى الكلى كل صباح ثلاثاء ، لمراجعة نتائج الفحوصات ، وتقييم حالات المرضى والإشراف الكامل عليهم . فالشكر والإمتنان مبذول من معشر مرضى الكلى لهم جميعا ، وكذلك الشكر لمعالى وزير المالية الاستاذ الزبير احمد الحسن ، والوكيل الاستاذ الشيخ الملك والاستاذة نور عبدالرحمن القاضى بوزارة المالية ، وكذلك الشكر مبذول للدكتورين محمد مندور المهدى والخليفة العوض الحسن ، لما بذلوا ويبذلون لدعم جمعية زارعى الكلى وبالتالى مرضى وزارعى الكلى ، بل الشكر موصول ومبذول لكل اختصاصيى الكلى فى الخرطوم ومشفى احمد قاسم ومراكز الكلى فى كل من مدنى وبورتسودان والابيض واينما كانوا ، فى السودان أو خارجه خاصة الجراحين الفاضل الملك فى قطر ، وكمال ابوسن الذى يزور السودان من وقت لآخر لإجراء عمليات نقل الكلى فى الخرطوم ومدنى وأخيرا الابيض .
* وتصدر جمعية زارعى الكلى السودانية والمركز القومى لأمراض وجراحة الكلى مجلة شهرية اسمها الامل ، رئيس مجلس ادارتها عبدالحميد حاج الحسن ، ومديرها العام عادل بابكر الخضر ، ورئيس تحريرها عبود سلطان ، ومستشار تحريرها د.خيلفة العوض الحسن ، ولقد صدر العدد السادس منها هذا الشهر ، وهي حافلة بشتى الموضوعات الطبية والإجتماعية ، وهي أنيقة وتمتاز بإخراج ممتاز وطباعة جيدة ، فقط اعيب عليها كثرة الأخطاء الطباعية ، رغم أنها تطبع فى دبيَ .
* تبقت كلمة أخيرة أكتبها بالامل والرجاء وهي موجهة لكل القادرين والخيرين لدعم هذه الجمعية ، فما تزال هنالك حوالي ثمانية ادوية ضرورية لزارعى الكلى وشراؤها فوق طاقتهم وافصلها فيما يلى :
(1) Prednisolone
(2) Dilatrend
(3) Zantac
(4) One - Alpha
(5) Fefol
(6) Lescol
(7) Calcium
(8) Tenormin

* والرجاء والامل موجهان أيضا لمعالى وزير المالية الاستاذ الزبير احمد الحسن واركان وزارته ، وللدكتور محمد مندور المهدى مدير الامدادات الطبية ، وكل قادر ومستطيع خاصة شركات الإتصالات زين وسوداتل واريبا وكنار والسودانى ، وديوان الزكاة بشقيه الولائى والاتحادى .
* ولا يملك المرء إلا أن يشيد بالقائمين على ادارة جمعية زارعى الكلى وجهودهم المقدرة والمشكورة من معشر زارعى الكلى وأخص بالذكر رئيسها الاستاذ عبدالحميد حاج الحسن والذى كان قد عرض عليَ قبل عامين أن أتولى رئاسة الجمعية - بدلا عنه - نبلا وكرما - لكننى اعتذرت له - شاكرا - بسبب ظروفى الصحية . كذلك الشكر موصول للاستاذ عادل بابكر نائب رئيسها ولجميع العاملين فيها .
* لاحظت وألاحظ بكل الإعجاب والتقدير الروح التكافلية والودودة التى تسود بين زارعى الكلى . فهم يسألون بعضهم إن كان لدى احدهم نقص فى بعض الأدوية ليمدوهم بها من المتوفر لديهم ، وتسود بينهم علاقات تحولت الى صداقات فإن غبت عنهم يسالون عنك العاملين بمركز الشهيدة سلمى ، بل يتصلون هاتفيا ، حفظهم الله جميعا ورعاهم .
* كان هنالك فرع لجمعية زارعى الكلى بمركز الشهيدة سلمى ، لكنه أغلق ، وكان يساعد زارعى الكلى من قاطنى الخرطوم وضواحيها ، فرئاسة الجمعية ومقرها الرئيسى فى بحرى ، وأتمنى على رئاسة الجمعية وقيادة مركز الشهيدة سلمى ، أن يتعاونا معا لإعادة فتح ذلك الفرع ليسهلوا المشوار على قاطنى الخرطوم وام درمان وضواحيها .
وأن يسمحوا لهم بعمل فحوصات كما كان من قبل فى مركز الشهيدة سلمى ، ومن ثم مقابلة الاختصايين المشرفين عليهم فى ذات المركز .. بالتوافق بين الجهتين ، ذلك فيه خدمة إنسانية تسهل ما يعانيه هؤلاء الزارعون من رهق المشاوير المرهقة والمكلفة معا ، وسيقيهم هذا من عنت (السوليت) بين الجهتين ، خاصة ونحن فى شهر الفضيلة والبشارات !.
-2-
* حدثت بعض الاخطاء الطباعية فى المقال السابق رقم (55) فمثلا كتبت (فالفرعون فرعون) فأصبحت (فالفرعون فرعونا) و(الكبرى) كتبت (الكوبرى) و (حاول تجاهل اسم شاعرها) فكتبت ( حاول تجاهل اسم شاعرنا) كذلك (بعد اتصالات مكثفة منه) والصحيح (بعد اتصالات مكثفة من المشاهدين)
* اما فى القصيدة فى اصبحت (يادوب قايمين) (ياروب قايمين) و (صلوات .. وغناو) أصبحت (صلوات .. وغناوى) والخطأ فى الشعر يقتل القصيدة والشاعر !!
-3-
* كتب الاستاذ سيد حجار فى (استراحة الوطن) بعنوان (أين نحن .. من الزحام) بتاريخ 10 سبتمبر ملخصا جيدا لأحد مقالاتى عن تنقاسى ، ولكنه رمانى باننى لم أذكر أهله وأهلى (ناس حجار وناس غريبة!) والواقع اننى كنت اكتب عن زملاء الدراسة فى الاولية ، وذكرت زميلى عباس حجار والسيدة الفضلى بت الخياط وهي حجارية ، وذكرت آل غريبة مرتين ، مرة ذكرت متجرهم وانا اعدد متاجر سوق تنقاسى ، ثم ذكرت بيتهم المتاخم للسوق) وعلى كل فإن الاستاذ سيد حجار قد اوفاهم حقهم مما لم اكن اعرف ، إذ كان ما أكتب ذكريات طفل فى الاولية كتب ما شاهد بعيون الطفولة ، وعلمت أنه من آل حجار (ناس كريمة) ولابد أنه من أهل الاستاذ محمد سليمان حجار المراجع العام السابق ، وهو مثله ابن لكريمة وتنقاسى ، وبالمناسبة (أين هو فى هذا الزحام !!؟)



سيد احمد الحردلو

الخرطوم 21 سبتمبر 2007م

elmhasi
28-04-2018, 01:59 PM
جريدة الوطن - السبت 17 رمضان 1428هـ - الموافق 29 سبتمبر 2007م

اين هم فى الزحام الآن .. (57 الى ..)

بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-

* على من سيكون الدور .. يا ترى ؟!
- هذا الوطن .. الوطن .. الذى كان سيد الدنيا .. نبلا وكرما ، حسنا واحسنا وحسنى .
- هذا الوطن ، سيد الجغرافيا الشاسعة الواسعة ، والتى تجرى من تحته الانهار ، عشرون نهرا ، ومن فوقه الامطار والاقمار فى الصيف والشتاء ، وطن المليون ميل معذب وشقي بسياسييه ، وليس بسبب اهله الطييبين والحبوبين والسمحين والزنين ..
- هذا الواطن التاريخ ، والذى عمره المعروف مائتا الف سنة ويزدادون .. اصحاب الحضارة الاولى ، والذى شيد الاهرامات الاولى ، وابتدع الصناعات الاولى والزراعات الاولى والفنون الاولى ..
- هذا الوطن ، وطن الكنداكة .. مليكة الملوك ، والتى وضعت اسكندر مقدونيا فى مواعينه ، حين ارسل من مصر يهددها ، بأنه قاهر الفرس وقاهر آسيا ، وامبراطور الاباطرة ، فردت عليه الصاع صاعين ، فجاء متخفيا فى زي الوزير وهو يعيد اليها ابنها واسرتها والذين اختطفهم اللصوص على حدود مصر حين ذهبوا فى رحلة صيد ، فجاء ليرى تلك المرأة الحديدية التى تتحدى اسد مقدونيا ..!
- هذا الوطن ، هو وطن بعانخى الفاتح .. فاتح مصر والشام ، ووطن تهراقا العظيم الذى هزم الاشوريين فى القدس ، وهو وطن اباد ماك إله الشعر ..
- هو الوطن العالم ، المعلم والذى يعلم الدنيا منذ كانت الى يوم الناس هذا ، وهو الذى هزم الهكسوس والاتراك والانجليز ، وهو صاحب حريق شندى ومعارك كورتى والمتمة وكررى وشيكان وام دبيكرات ..
وهو الذى كان يرسل كسوة الكعبة سنويا الى مكة المكرمة ..
- هذا الوطن هو الآن اغنى وطن بالمطمور فيه ، وافقر وطن بالذى يجرى فوق ارضه بسبب سياسييه واحزابه .
خمسون عاما وسياسيوه يخرجون من خلاف لخلافين ، ومن عشرة لعشرين ، ومن خمسين الى مائة .
- من هذا الغراب او البوم الذى صبح علينا اول يناير 1956م .. فتفرقنا وما نزال أيدى سبأ .. فتاهت وحدتنا وتشرذمنا الى جنوب وشمال وغرب وشرق ووسط ، وظل وما يزال السيد النيل يجرى بيننا ، وامامنا ، محتارا ومذعورا ومخضبا بدماء اهلنا ..!
-2-

- ايها السياسيون ، نحن فى الشهر الفضيل الذى انزل فيه القرآن هدى ورحمة للعالمين ، فخافوا الله فى هذا الوطن العظيم ، وهذا الشعب المعلم ، وابعدوا عنه البلقنة واللبننة والعرقنة والصوملة .. فهذا الوطن ليس مزرعة لأحد ، انه وطن كل السودانيين الاربعين مليونا ، وهو يتسع لاربعين مليار .
- تواضعوا واجلسوا معا وحالا حول مائدة مستديرة او مستطيلة ، بعقول مفتوحة ، وقلوب هي على السودان واهله ، وليست على احزابكم ، ومليشياتكم ، وقصوركم التى تتطاول بمال وثروة شعب جائع ، ومريض وصل الى قاع الفاقة ، والعون والعوز ، والتسول والانفلات الاخلاقى ..!
- كدت لا اصدق ما كتبه الاستاذ سيداحمد خليفة عن انه شاهد بعض بنات السودان يجالسن موظفى وقوات الامم المتحدة بكازينو الاووزون ، وكدت لا اصدق ان استاذة جامعية صومالية تبيع الشاي ، وتسكن فى (عشة) قرب مقابر فاروق ، نتيجة افعال وافاعيل السياسيين الصوماليين ! .. فهل ينتظرنا مثل هذا المصير ؟!.
-3-

- هل يقرأ سياسيونا الصحف السودانية ؟ ، وهل يعلمون مدى انتشار السرطان بين صغارنا وكبارنا ؟ ، وهل جلس علماؤنا وسياسيونا ، وتفاكروا حول هذه المأساة ، التى تهدد حياة مئات الالاف من السودانيين ، خاصة فى شمال السودان وغربه منذ سنوات .
- لقد نشرت الصحفية النابهة حنان كشة تقريرا خطيرا فى صدر الصفحة الاولى بجريدة السودانى يوم 21 سبتمبر مفادهـ ان اعلى نسبة للاصابة بالسرطان عالميا توجد فى السودان . وعلق عليه الكاتب الصحفى الاستاذ زهير السراج ، منبها الى خطورة ذلك . كذلك كتبت الاستاذة امال عباس فى عمودها المقروء فى صحيفة الصحافة يوم الاحد 23 سبتمبر تحت عنوان (99199) (احفظ هذا الرقم جيدا .. احفظوهـ) تحدثت عن قيام مجموعة من النساء والرجال فى دارة الدكتورة بخيتة امين للتفاكر حول هذا المرض الذى بدأ ينتشر بين الاطفال ، ثم كتبت عن اجتماع تم فى قاعة الشارقة ، حيث قامت مجموعة من الشباب بإعداد مذكرات لبناء مستشفى خاص بسرطان الاطفال ، ويقود هذه الكوكبة الاستاذ زين العابدين الصائغ ، والرقم المذكور هو رقم الهاتف ورقم الحساب . الذى سيفتح فى البنوك ليقوم الشعب السودانى العظيم بالتبرع لقيام هذا الصرح الانسانى لإنقاذ اطفال السودان من هذا المرض اللعين .
- وأريد أن انقل هنا بعض ما سمعت عن اسباب انتشار السرطان بكافة اشكاله فى شمال السودان ، وبالتحديد فى منطقة منحنى النيل الممتدة من كريمة الى كرمة ، فبعض الناس يرون ثلاثة اسباب لذلك :
(1) أولها الآثار التى بدأت تطفو على سطح الارض .
(2) وثانيها .. ان الجبال التى فى المنطقة تلقى باشعة الشمس على تلك القرى ، وقد يكون بتلك الجبال معدن اليورانيوم ، وهكذا فإن تلك الجبال تلقى بأشعة اليورانيوم على تلك القرى ، (وهذا الاخير اجتهاد منى!).
(3) اما السبب الثالث فإن كثيرين يعتقدون أن هناك من دفن كميات من النفايات التى ادخلتها بعض الدول تخلصا منها الى السودان بإتفاق سريَ مع احدى حكومات السودان ، ويميلون الى فترة مايو ، فدفنت هذه النفايات فى صحراوات منحنى النيل الممتدة بين ضفافه الشرقية ، وعلى الرئيس نميرى مسؤولية تأريخية فى ان يدلو بدلوهـ حول حقيقة هذا الامر ، خاصة ونحن فى خواتيم هذا الشهر الفضيل .. ولقد هاتفنى السفير عبدالمجيد على حسن من امريكا وانا فى لندن فى نوفمبر 2005م حين علم اننى مصاب بسرطان البروستاتا ، فأكد لى أن العلماء الذين فحصوا موميات ملوك النوبة اكتشفوا ان جميعهم كانوا مصابين بمرض سرطان البروستاتا ، فهل لإنتشار السرطان فى منطقة المنحنى صلة بالآثار التى تعج بها تلك المنطقة !.
- إننى اتمنى على الدكتور حسين محمد احمد ’’مدير مستشفى الذرة‘‘ ان يسعى لقيادة وفد علماء سودانيين ومصريين وغربيين من اختصاصيي السرطان ويقوم بزيارة المنطقة .
اما فى غرب السودان ، فإننى اعتقد ان اليورانيوم الموجود هناك بكثرة هو سبب انتشار السرطان ، خاصة وقد قيل لى انه بدأ يطفو على سطح الارض .
-4-

وهناك ظاهرة جديدة وخطيرة وهي انتشار مرض السكر بين الاطفال - وابنى مازن اصيب به قبل عام ، وكان فى الثامنة من عمرهـ وليس فى اسرتنا من مصاب مرض السكر - وقد حدثنى الدكتور محمد احمد عبدالله اختصاصى سكر الاطفال بانتشار هذا المرض بين الاطفال مؤخرا ، وليت بعض شبابنا يتبنون حملة شعبية لبناء مستشفى لمرض سكر الاطفال ، مزود بكل مقتضيات الحداثة من اجهزة وادوية تغنى الطفل عن معاناة حقن الانسولين ، بتركيب جهاز باهظ الثمن .. قيل لى ان قيمته ستة آلاف دولار . أو تقوم الدولة - وهي المسؤولة امام الله عن هؤلاء الاطفال - ببناء هذا المستشفى إنقاذا ورحمة لهؤلاء الزغب اليفع الشفع ..!.
-5-

ثم هناك ظاهرة انتشار مرض الفشل الكلوى بين الصغار والكبار ، واذهبوا الى مركز الشهيدة سلمى ، ومشافى ابن سيناء ، واحمد قاسم ، ومدنى ، وبورتسودان ، ودنقلا ، والابيض ، وغيرها لتشاهدوا ان الاف الصغار والكبار يعانون من مرض الفشل الكلوى ، وان عشرات الامهات الكريمات العزيزات قد تبرعن لأطفالهن بكلاهن .
- هل نقول ايضا انه لابد من قيام مستشفى قومى ضخم وفخم مزود بجميع مطلوبات الرعاية الصحية الحديثة ، وان يكون العلاج فيه مجانا ’’يشمل ذلك اجراء الفحوصات والغسيل والعمليات والادوية‘‘.
- هل ذلك كثير على شعب طيب ، وكريم ، وسمح ، وزين ، يحصدهـ السرطان ، ومرض السكر ، والفشل الكلوى ؟؟!.
الى جانب الفقر والجوع .. وبلادهـ حباها الله بكل اسباب الرفاهية والتقدم ، غير ان سياسييها من بقايا اهل بيزنطة مايزالون منذ خمسين سنة يتجادلون (هل الملائكة ذكور ام اناث) والعدو يدق ابوابهم من جميع الجهات ..!
-6-

ايها البيزنطيون الجدد (فوقوا) وانظروا حولكم لتروا (ان الاشجار تمشى نحوكم ، وانكم محاصرون فى ذواتكم..) وان هذا الوطن الجليل بشعبه الجميل والنبيل يواجه خطر الموت مرضا وغرقا وحرقا - ولا قدر الله - زولا ً ..!! وليكتب التاريخ (انه كان هناك وطن اسمه السودان .. لكنه ساد .. ثم باد) والعياذ بالله ..!.


الخرطوم - 26 سبتمبر 2007م

سيداحمد الحردلو

elmhasi
25-05-2018, 07:14 PM
جريدة الوطن - الخميس 29 رمضان 1428هـ - الموافق 11 اكتوبر 2007م
أين هم فى الزحام الآن ..!؟ (58 الى ....)
بقلم : سيداحمد الحردلو
-1-
زارنى قبل رمضان الاخ الكريم والإذاعى الشهير الدكتور عبدالدائم عمر الحسن .. مدير اكاديمية السودان لعلوم الاتصال ومعه الصديق العزيز والاديب المتعدد المناشط الاستاذ عبدالمطلب الفحل ، وكانت اول مرة اتشرف فيها بلقاء الدكتور عبدالدائم ، ووجدته رجلا ودودا وخلوقا وعالما فى مجال علوم الاتصال . وقال فيما قال (انه اولا جاء ليطمئن على صحتى ، وثانيا .. هنالك مجموعة من الطالبات والطلاب الدارسين فى الاكاديمية يودون زيارتى لتوثيق سيرتى الذاتية للاستعانة بها فى امتحانات الدبلوم ، فهم فى المرحلة الاخيرة بالاكاديمية . فرحبت بالزيارة ، وبالفعل جاء اربعة منهم .. هم : -
1 - مودة عبدالوهاب .
2 - المعز احمد الشيخ .
3 - عبير عبدالوهاب .
4 - محمد نور عوض .
وقضوا معى زهاء ثلاث ساعات ، يريدون تسجيل كل شئ ، وبعد ذلك قالوا إنهم يريدون المزيد بعد العيد ، وفى ختام الجلسة قالت الاستاذة عبير (ما كنا نتصور انك انسان متواضع هكذا !) فقلت لها (يا بنيتى .. ماذا يجعلنى غير متواضع .. وانا ابن جروف النيل والسواقى والنخيل والحقول فى ذلك الشمال الجميل!) .
* وهكذا قررت ان ارد زيارة ذلك الرجل النبيل ، رغم ظروفى الصحية ، خاصة والاكاديمية على مرمى دقائق من دارتى ، فأحتفل الرجل بى ، ووجدته ومعه الاستاذ معاوية محمود ، يتفرجان على فيلم وثائقى اعدهـ وصوره واخرجه اولئك الدارسون ، والحق اقول .. كان عملا متقنا ، مادة وتصويرا واخراجا ، وكأن القائمين به محترفون منذ امد بعيد ، وقام الدكتور عبدالدائم بشرح برامج ومهام الاكاديمية والتى تعتمد الجانب العملى اكثر من النظرى ، لإعداد جيل إعلامى يناسب مرحلة الانطلاقة الاعلامية التى تشهدها البلاد خاصة فى مجال الاتصال والمعلوماتية ، من اذاعة وتلفزيون وصحافة وترجمة وعلاقات عامة الخ .. وعلى الدارس ان يختار احد التخصصات التى تؤهله للحصول على بكالريوس . وتحمس ابنى سامح الذى كان يرافقنى للإلتحاق بالاكاديمية بعد الذى شاهد وسمع ، وكان قد امضى عاما فى احدى الجامعات ، فتفضل الدكتور عبدالدائم مشكورا بالتوجيه لتقديم شهاداته لمكتب القبول ، وقد كان ، لعله يصبح نجما إذاعيا أو تلفزيونيا مستقبلا ، فالشكر العميم للدكتور عبدالدائم ومعاونيه وسكرتاريته ، فقد احسن الرجل استقبالى ووداعى ، وصحبنى حتى السيارة كرما منه ونبلا ، كما اسعدنى ان اعرف ان الاستاذ عبدالمطلب الفحل يعمل استاذا للغة العربية فى الاكاديمية .
* نسيت ان اقول إنهم يعدون العدة لإقامة إذاعة FM ومحطة تلفزيون تغطيان مساحة قطرها سبعين كيلو متر .
-2-
يمنحنى كثير من الشعراء والنقاد والكتاب - تواضعا منهم وكرما - الكثير من محبتهم بالكتابة عنى شعرا ونثرا فى مختلف الصحف ، واذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الشعراء محمد نجيب محمد على والدكتور مبارك بشير والزبير سعيد وصلاح الدين مصطفى ، ومن النقاد والكتاب الدكتور عبدالله على ابراهيم وعيسى الحلو ، ومجذوب عيدروس ودكتور ابراهيم القرشى ، وابراهيم عبدالقيوم ، ودكتور ابراهيم دقش ودكتورة بخيتة الامين والاستاذة امال عباس ، وعبدالمطلب الفحل ، وعلى نايل محمد ، وعبدالمنعم عبدالقادر عبدالماجد ، وكمال خشم الموس ، وبخيت احمد عبدالقادر ، ومقدم شرطة طيار ’’عثمان حسين داؤود ، والراحل المقيم محمد طه محمد احمد ومعتصم طه محمد احمد ، وحسن الحميدى ، وهل انسى الاستاذين كمال حسن بخيت ومصطفى ابوالعزائم فى زحام الزحام ، وابراهيم الزومة وسيد درويش ، ام انسى الاديب الاكبر الطيب صالح والذى ظل يذكرنى بالخير دائما فى صفحته المقروءة والمحبوبة فى مجلة المجلة السعودية ، ولا انسى الاديب السعودى عبدالله الجفرى والناقدة التونسية خديجة الشيبانى والشاعر والناقد المصرى ’’النوبى الهوى‘‘ حسن توفيق الذى كتب عن اشعارى سلسلة مقالات بصحيفة الراية القطرية ، اثناء اقامتى فى الدوحة ، كذلك فعل الاستاذ الكبير عبدالمنعم عبدالله المكي شفاه الله وعافاه . وهل انسى الشاعر الدكتور معز عمر بخيت والاديبة السيدة الفضلى حرمه والشاعر مدنى النخلى ، والدكتور والناقد والقاص مصطفى مبارك ، والدكتور عبدالله عووضة ، والعتبى لمن نسيت حتى يرضى .
* هؤلاء الكرام - نبلا وكرما - طوقوا عنقى بمحبتهم عبر كتاباتهم التى تفيض بالحسن والاحسان والحسنى ، ولا املك إلا ان احنى جبهتى إجلالا لهم ..!
-3-
* وبينما كنت منهمكا فى كتابة هذه الحلقة قبل ان ادلف لإكمال ذكرياتى عن مراحل الدراسة إذ كنت فى حلقة سابقة اعد نفسى للسفر من تنقاسى للقولد لأجلس لامتحان الدخول الى مدرستها الاهلية الوسطى - بينما انا كذلك رن جرس الهاتف الذى امامى ينقل لى مسؤول برئاسة الجمهورية انهم فى طريقهم الى دارتى فى صحبة نائب رئيس الجمهورية ، وانهم على مسافة خمس دقائق من بيتى ، فخرجت وابنائى الثلاثة الذين اجلسونى على كرسى امام مدخل البيت ، وما هي إلا لحظات ورأينا الموكب الرئاسى يدلف ناحيتنا ، ثم يتوقف امامنا ويترجل منه الاستاذ على عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية ، والوزير الشاعر والصديق عبدالباسط سبدرات وزير الحكم الاتحادى ، والسيدة الفضلى سامية احمد محمد وزيرة التنمية والرعاية الاجتماعية وابن الخال الاستاذ محمد عبدالرازق مختار الامين العام لديوان الزكاة الاتحادى بالانابة ، وعدد من الصحفيين والمصورين على رأسهم الاساتذة مصطفى ابوالعزائم رئيس تحرير صحيفة ’’اخر لحظة‘‘ والصادق الرزيقى رئيس تحرير صحيفة ’’الانتباهة‘‘ والصحفى عبدالماجد عبدالحميد من صحيفة ’’الوان‘‘ وعمر محمد الحسن ’’الكاهن‘‘ عن صحيفتى ’’الرأي العام‘‘ و ’’اخبار اليوم‘‘ كان ذلك ليلة الجمعة الموافق 5 اكتوبر الجارى .
* كانت الزيارة لفتة كريمة وتقليدا مبتكرا وسباقا وحميدا من نائب رئيس الجمهورية لتفقد احوال المبدعين ، فى الشهر الفضيل ، سألنى النائب عن آخر اشعارى فقلت له (آخر قصائدى قصيدة (شكرا لكم يا ايها العرب) وهي قصيدة عن الحرب التى دارت بين حزب الله واسرائيل وانتصر فيها حزب الله بقيادة الشيخ نصرالله ، رغم الصمت العربى الرسمى ، بعدها وقبلها تفرغت لكتابة مذكرات او سيرة ذاتية ما تزال متواصلة ) وهنا قال الوزير الشاعر سبدرات ’’إن آخر دواوين الحردلو هي ’’الاعمال الشعرية‘‘ ’’وقلت لنائب الرئيس إننى ارسلت نسخة اليه‘‘ فسأل مدير مكتبه الذى اكد ذلك ، كان ذلك اثناء انهماكه فى نيفاشا قبل سنوات .. ثم تطرق الحديث الى قصائدى ’’طبل العز ضرب‘‘ التى اشاد بها النائب ، وتحدث الوزير الشاعر عن ’’بلدى ياحبوب‘‘ وحكايتها مع لجنة النصوص ، والتى كان سبدرات ايامها عضوا فيها ، ثم دلف الى قصيدتى ’’ نحن - التى مطلعها‘‘ ’’تقول لى شنو .. وتقول لى منو ؟‘‘ وقد اشاد النائب كذلك بالقصيدتين ، وحين جاءت سيرة الشاعر عزيز التوم ، تساءل النائب إن كانت اشعارهـ قد طبعت فى ديوان ، فرد الاستاذ سبدرات ’’بأن ابن الشاعر قد قام بطباعة ديوانه‘‘ ولقد ادهشنا النائب بمتابعته للحركة الادبية والفنية التشكيلية ، رغم مشاغله الجمة ، وسألنى النائب ’’ماذا تفعل غير الكتابة للوطن!‘‘ فقلت ’’لاشئ‘‘ فسأل ابوالعزائم ’’لماذا لاتستكتبون الحردلو معكم فى ’’آخر لحظة‘‘ وهنا رد مصطفى ’’إن ذلك سيغضب علينا سيداحمد خليفة ، وعلى كل حال نحن نعد العدة لإصدارة جديدة الى جانب ’’آخر لحظة‘‘ وهنا قلت له ’’إن الاستاذ على فقيرى زارنى فى البيت قبل حوالي شهرين طالبا منى الكتابة لآخر لحظة ‘‘ فتساءل النائب ’’هل هو عبادى؟‘‘ فقلت ’’نعم‘‘ ’’على فقيرى عبادى‘‘ وهو من ناوا ، وقريب الاستاذ محمد عبدالرازق مختار وقريبى‘‘ فقال النائب ’’كان على فقيرى جارى فى مجلس الشعب لتشابه الاسماء‘‘ وهنا سألت السيدة الوزيرة الاستاذ محمد عبدالرازق مختار الجالس بجانبها ’’هل انتم اقرباء؟‘‘ فأجابها ’’نعم‘‘ وهكذا استمرت الزيارة الكريمة زهاء الساعة ، وخرجت لوداع النائب والوفد المرافق له شاكرا ومقدرا هذه اللفتة الكريمة منه .
* صحيح كما قلت واقول دائما ’’إن هذا وطن فريد ونسيج وحده ، حفظه الله سالما وموحدا ، وحفظ شعبه الكريم الطيب ، والذى هو كذلك فريد ونسيج وحدهـ .

الخرطوم 8 اكتوبر 2007م
سيداحمد الحردلو .


فكذبوا نبوءتى .. يا أهل بيزنطة
شعر : سيداحمد الحردلو
يا كل ابناء الوطن
من النساء والاطفال والرجال
فى كل لحظة من الجنوب ..
او سانحة من الشمال
فلنفكر مرة
ماذا يقول القادمون .
فى الزمن الآتى .
وكيف فينا سوف ينظرون
وكيف عنا سوف يكتبون
فلنفكر مرة
ان اخطأنا
لأي سبب من الاسباب
وان تجاهلنا حقائق العصر ..
وحكمنا علينا الظفر والانياب
وان رمينا وطنا مسالما ..
للقهر والجنون والحراب
ماذا يكون حكمهم فينا ..
ان عاث فى سوداننا .. الخراب !
(2)
ياليتكم .. لو تعلمون
يا كل ابناء الوطن
ياليتكم .. لو تعلمون
ماذا يحاك للسودان
للحديقة الغناء
للمزرعة التى تثمر فى الصيف وفى الشتاء
ياليتكم .. لو تعلمون
ماذا يراد للرجال والاطفال والنساء
ماذا يراد للنيل
وللسهل
وللغابة .. والصحراء
ماذا يراد للطير
وللاحجار
والجبال .. والسماء
ماذا يراد للمعابد التى نؤمها
كنا من الجنوب
او كنا من الشمال !
سيان ما نكون
فالمطلوب رأس هذا الوطن
الذى
ينداح فى الدنيا
كمال المحال
ويقهر القاهر والسفاح والدجال
ويفتدى الغالين والأتين
من اطفال سيان ما نكون
فالمطلوب ان يموت فى وجداننا ..
وان يهان فى سوداننا .. الجمال
(3)
يا كل ابناء الوطن
يا ايها الجميع
فى جميع اصقاع واوجاع الوطن
انى اصيح
ان شيئا ما .. يمد ظله على الوطن
وان شيئا ما يعد فى مطابخ
الكبار والصغار .. للوطن
واننى ارى فيما اري
وحشا من النار
وفى كفيه .. سيف وكفن
فكذبوا نبوءتى
يا ايها الرجال والاطفال والنساء
فاننى ارى الاشجار تمشى نحوكم
وانكم محاصرون فى ذواتكم
وان شيئا مثل ظل الموت مد ظله من حولكم
فكذبوا نبوءتى
يا أهل بيزنطة .. لأنكم
تجادلون بعضكم
ويستبيح الطامعون داركم
-4-
فكذبوا نبوءتى
يا أهل بيزنطة ..
وكذبوا الانباء
فالوطن الآتى
قصيدة
تبحث عن شعراء
الوطن الآتى
وصية
تبحث عن ابناء
والوطن الآتى
هو السلام
والعطاء .. والفداء
والوطن الآتى
هم الآتون
والوافون .. من ابناء
فكذبوا نبوءتى
يا أهل بيزنطة ..
وكذبوا الأنباء !

سيداحمد الحردلو
الخرطوم 1987م

elmhasi
30-09-2018, 10:06 PM
السلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاته
الاخوة الاعضاء وكل الحضور
واخص من مر من هنا
بتحية خالصة بلا حدود ...

حقيقة حز في نفسي ان ينقل بعض الحضور من هذه الحلقات من دون الإشارة الي انه منقول من موقع سودانيات ...

وكما يقرأ كل من مر من هنا .. إنني اصر علي الإشارة بان هذه المقالات منقولة من جريدة الوطن السودانية ..

وهذه المقالات تم نشرها في العام 2006م الي العام 2008م
وكنت متابعا لهذه الحلقات حتي إكتملت في العام 2008م كنت قد جمعت تقريبا اكثر من اربعين حلقة من هذه الحلقات ، وعند عودتي الي السودان في العام 2011م اول ما سعيت اليه هي جمع الحلقات التي فاتتني من النشر علي الانترنت ، فذهبت اول ما ذهبت الي دار الوثائق القومية ، والي المكتبة الوطنية ومنها الي ارشيف جريدة الوطن .
وعانيت ما عانيت في سبيل الحصول علي الحلقات المفقودة ، حتي استطعت ان اجمع الحلقات المفقودة والحلقات التي إعيدت نشرها بعد التصحيح ، نسبة للخطأ الفني او الطباعي الذي حدث في حلقتين او ثلاثة تقريبا .

عليه ارجو كل من يأخذ من هذه الحلقات أن يشير الي انه منقول من موقع سودانيات ...

طبعا حيجيوك ناس عقول ضكرا : ويقول ليك : هو انت ما ناقلو من جريدة الوطن . او هو انت شنو .؟؟
وانا غير ملزم بأن اشير الي جهة النقل .. طالما انت ما كاتب المقال ...

هؤلاء المحنطين لا عتب عليهم ...
وإنما قولي موجه الي ذو الالباب ...
والي حين ميسرة ...
سوف اكمل باقي الحلقات أو قد اترك البقية لحين نشر الكتاب ...
فقد كان الراحل المقيم يعد هذه الحلقات لنشرهـ في كتاب بعد إضافة وحذف .
ولم اجد من يرد علي تساؤلي عن ما حدث من بعد رحيله لهذا المشروع ...
خاصة وإن الراحل الحردلو كان يجهز الكثير من مسودات كتب للنشر ...
ارجو ان يوفق أهله علي نشر ما تركه من إرث حتي تعم الفائدة ..
والله من وراء القصد ..
وعلي الله قصد السبيل .
وصل الله علي سيدنا محمد في الاولين والاخرين وصل الله علي سيدنا محمد في الملأ الاعلي وصل الله علي سيدنا محمد الي يوم الدين ..