تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : أيــام النميري - كلام ساكت 1-40 - لواء ’’م‘‘ محي الدين محمد علي


elmhasi
05-02-2018, 12:31 PM
السبت 3 ذو القعدة 1429هـ الموافق 1 نوفمبر 2008م

أيــام النميري - كلام ساكت 1 - 40

لواء ’’م‘‘ محي الدين محمد علي
تخرجت من كلية الشرطة عام 1967م وبشوتة طويلة من دائرة السنتر فى رئاسة الشرطة بالخرطوم ، كنت فى مدينة جوبا حاضرة الاستوائية ، وفى العام 1968م كلفت بقيادة طوف من العربات واللوارى التجارية يربو على المئة عربة من جوبا مروراً بتوريت وإنتهاءاً بكبويتا ثم العودة منها بنفس السكة . إذ لا توجد سكة اخرى غير المرور على كبرى (الدليب) الذى (يقيف) فيه شعر الرأس والجلد كالشوك وتبلغ القلوب الحناجر وتزوغ الابصار .
قدت الطوف بسلام ذهاباً وإياباً ، ولم يتعرض لنا المتمردون البته ، ولما عسكر الطوف فى مدينة توريت ، وإضطررنا للمبيت فيها ، إلتقانى عدد من ضباط الجيش والشرطة الذين يعملون هناك وأخذونى الى منزل القائد .
الليلة العشاء فى بيت القائد ، وذهبنا جميعاً ووجدنا القائد فى إنتظارنا ، فرحب بالجميع ، وخصنى بمجاملة خاصة أجلسنى قريباً منه ، وهمس احد الضباط فى اذنى قائلاً : دهـ العقيد جعفر محمد نميرى ، وإستمرت ساعات حفل العشاء المبسط عامرة بالضحكات والقهقهات وحكاوى ونوادر القادة القدامى وغرابتها .. حتى إنقضى الليل .. وأخلد البعض للنوم وهو على كرسيه .
ثم تركنا العقيد النميرى ، وخرج ليطوف بعربته متفقداً آمن المدينة ، ثم رأيته مرة أخرى وهو فى زيه العسكرى مع ساعات الفجر الاولى يراقب (الطوف) وهو يغادر توريت .
لقد رأيت من الضباط ما رأيت ، ولا ادرى لماذا رسخت صورة العقيد النميرى فى خيالى وارتسمت فى خاطرى ، وهو يرحب بنا فى دارهـ ويكرمنا ، بتواضع نادر ، وهو يمشى فى زيه العسكرى واثق الخطوة فارساً يشهى من يراهـ العسكرية .
وفى صبيحة 25 مايو 1969م داهمنى صديقى ودفعتى الخبير الامنى محمد الفاتح عبدالملك ، وأيقظنى من نوم عميق ، بعد سهر وتجوال فى ليل مدينة جوبا الصاخبة (بالترم ترم) فى كل ناحية من أنحائها ..
وصرخ فى وجهى قائلاً : النايم ليها شنو والبلد فيها إنقلاب عسكرى !! قلبها عقيد إسمو النميرى ..
فضحكت وقلت له : دهـ الزول بتاع توريت الذى حدثتك عنه !!
وإستنفرت القوات النظامية التى كانت فى الاصل مستنفرة ، وضجت المدينة بالحركة والحكايا ، والاقاصيص التى تتحدث عن النميرى وبطولاته و(رجالته) وشجاعته ومواقفه فى معركة (إكتوس) التى إنتصر فيها على المتمردين إنتصاراً عظيماً ، وبدأ واضحاً إنحياز القوات المسلحة والشرطة لحركة التغيير بل وخرجت المظاهرات الشعبية تهتف بالثورة وتؤيدها وتناصرها وبعدها بعدة أشهر تم نقلى الى الولاية الشمالية فى مدينة دنقلا ، ومن هناك تبينت إن جماهير الشعب السودانى برمتها قد أيدت الثورة وباركتها ، بصورة فريدة لم يحظ بها أي عهد سابق . واعترف واقر بعظمة لسانى ، بأنى قد أيدتها واصبحت ادافع عنها بشراسة واحسب أن خلاص الشعب السودانى من ربق التخلف وثالوث المرض والجهل والفقر سيتم على أيدى الزعيم القائد النميرى .
وعندما وقع إنقلاب هاشم العطا فى 19 يوليو 1971م ، وهو إنقلاب شيوعى لاريب فيه ، جلست حزيناً فى مكتبى ، أتسقط اخبار بعض المظاهرات المتفرقة المناوئة وبعضها المؤيد ..
واجمع برقيات التأييد التى ارسلت مناصرة لهاشم العطا ، وأذكر حتى اليوم إن عددها كان ستين برقية أو تلغرافاً ، وفى هذا الاثناء دخل مكتبى شاب فى مثل سنى وقتها ، اعرفه جيداً وكان رئيس احدى النقابات ، وعندما اقترب منى وقفت لاصافحه ولكنه امسك يدهـ ، وقال انا ما بصافح حثالة الخونة الرجعية . ثم إستل منشوراً مطبوعاً يسب النميرى ويؤيد هاشم العطا ، ووضعه امامى بصفاقة . وقال لي : إقرأ .. ثقف نفسك يا جاهل ..
ولا ادرى بعد ذلك ما حدث ، غير أنى صفعت الرجل وحملته ، وهو يرفس ويسب ويشتم حتى ادخلته الحراسة واغلقتها وعدت الى مكتبى ، وانا ارتجف من الغضب .
والذى زاد من غضبى وحقنى هو أن بعض الاهل من دنقلا ، وبعض صف الضباط الذين يعملون معى ، كانوا يتعاقبون عليّ ويطالبون بإطلاق سراح النقابى المعتقل .
ويا إبنى ما تدخلش نفسك فى مشاكل ، دهـ إنقلاب شيوعى ، ودول ما بيرحموش ، وكان المعتقل بأمرى فى حراسته يهتف بسقوطى وسقوط النميرى ، وبحياة هاشم العطا ، التى كان قد وضع حداً لها بيدهـ .
وعندما كثر المتحدثون معي بشأن النقابى الصفيق صرخت فيهم وقلت : عليّ بالطلاق بالثلاثة ما يطلع من الحراسة ، إلا إذا دخلتها أنا ، وكان طلاقاً خطيراً ، وانا وقتها عريس جديد لنج !!
وإنصرف الناس على وبقيت وحدى فى محنتى ، إستمع الى الراديو ، والمارشات العسكرية تتوالى ، ومحمد وردى ينشد من بعد مايو الخلاص ، حتتقدم حتتقدم مثل الريح حتتقدم . وفى احلك لحظة من لحظات اليأس والقنوط التقط سمعى الصوت الاجش الما بغبانى .. أقبضوهم .. أضربوهم .. وشكراً لشعبى .. شكراً شعبى !!
إنزاح الهم الذى خيم على قلبى ساعات طوال ، فأخذت الراديو وهو يردد خطاب الرئيس العائد وادخلته فى الحراسة مع النقابى الصفيق .. الذى لم يصدق نفسه وأخذ (يجعر) ويبكى ويلطم الخدود ويشق الجيوب .. وخرجت من الحراسة ، لأجد مدينة دنقلا وهي تموج بالالاف من الرجال والنساء ، يهتفون للنميرى وينادون بسقوط (الشيوعيين) ومن العجب ، فإن اضخم مظاهرة كان يقودها رجل الدين الاعمى الشيخ حسن احمد حامد ، وقد رأيته بعينى رأسى ، وهو يتقدم المتظاهرين بأمتار عديدة ويندفع وكأنه مبصر يتحاشى الاشجار والاعمدة ، والحفر ..
ويا سبحان الله !!

elmhasi
05-02-2018, 12:41 PM
جريدة الوطن - الاحد 11 ذو القعدة 1429هـ الموافق 9 نوفمبر 2008م

كلام ساكت - أيــــــام النمـــــيري (2)

لواء «م» محيى الدين محمد علي
إن سنوات العهد المايوي لازالت .. تعيش في خواطر أهل السودان الذين عاصروها .. ما بين سادن من سدنتها .. وما بين معجب بها وما بين ناقم منها وشامت عليها .. والدليل على ذلك ... أن الكثيرين من المعارف والأصدقاء والقراء الذين اطلعوا على المقال الأول من هذا المسلسل المايوي .. (شاغلوني).. بعضهم يتوجس خيفة من انطلاقة قلمي .. وخدشها .. لصورة بديعة في خواطرهم عن مايو .. التي عاشوها .. براعم .. وطلائع وكتائب .. وأعضاءً في الاتحاد الاشتراكي ويتمنون.. الرحيل إلى دار الخلود وفي أنفسهم شيء من مايو!!.. والبعض الآخر قال لي .. عاوز تشكر مايو .. وأنت صاحب ديوان الشعر.. (رسالة من شرطي إلى الصنم)؟!.. وآخرون ذكروني بمقالات كتبتها قبل عدة سنوات ، أحث فيها من تبقى على ولائه المايوي .. لينضم إلى يونيو الإنقاذ باعتبار أن هناك قاسم .. بل قواسم مشتركة تجمع بين .. (مايونيو)!!.. كل (المشاغلات) كانت حبيبة إلى نفسي .. لأنها على الأقل ... طمأنتي بأن الناس تقرأني .. وقد غبت عن ساحة الإعلام حولاً وبعض حول ... وأقول لهم (شيلوا الصبر) لأن المقالات القادمة ستكون عند حسن ظنهم بإذن الله!! أما الأعزاء الذين وضعوا أيديهم على رؤوسهم خوفاً وفرقاً .. ظناً منهم بأني - لا سامح الله - أنوى تقمص روح مكي شبيكة ... وقلم زلفو .. والتجرؤ على كتابة مادة تؤرخ للحقبة المايوية من تاريخ السودان الحديث .. وكشف أسرارها وخباياها ... ورصد نجاحاتها وإنجازاتها.. و(نكش) سلبياتها وسقطاتها .. وفضح بلاويها الأخرى .. التي يعجز القلم عن قولها أو التعبير عنها ... فإني أطمئن القراء الكرام .. بأني ، لم أفكر في ذلك .. ولن أفكر فيه .. مع أن الأمر الآن متاح للجميع ويستطيع من يشاء .. أن يقول ما كان يود قوله زمان .. وأبوعاج أخوي يتقافر في الساحات .. ويزحم براياته الآفاق!!
نعم .. أنا لم أفكر لحظة في كتابة تاريخ مايو أو النميري .. لأني ببساطة لست مؤرخاً.. ولأن المؤرخين على قفا من يشيل.. ثم أني أيدت مايو وناصرتها عهداً.. ثم داهنتها وقتاً. ثم (كجَّنتها) زماناً.. وناصبتها العداء سنينا .. حتى سقطت وأصبحتْ في ذمة التاريخ .. ولو أني . كلفت بكتابة تاريخها (لغطستُ) حجرها .. وما أنصفتها .. فماذا أود أن أقول إذن؟!..
وأهو.. دهـ السؤال!! فأنا أود أن أقول وأحكي للناس.. ما رأيت وشفت عديل كدهـ .. من مواقف وتصرفات.. وضحكات وغضبات وأحاديث و(طبظات) وأقاويل.. وحكايات وشمارات.. وطرائف .. ومقالب وحركات... وهلم جرات.. ترتسم صورها .. أبيض .. وأسود .. في خيالي كفيلم (هندي) مايوي طويل.. ممتع .. لا يمل يتقاسم الأدوار فيه.. بعض رموز النظام المايوي.. وبعض أعدائه.. وبعض من لا هم في العير ولا في النفير.. مع دور البطولة المطلق.. الذي لعبه النميري بتميز وإتقان.. ولعلها يا صديقي الشاعر الأديب اللطيف.. كمال الجزولي.. هي في حكايتنا مايو.. والتي أصبحت مايو في حكاياتنا..!!
إن الذين كتبوا تاريخ مايو.. لم يوثقوا لهذه المواقف المايوية .. والذين سيكتبون من بعد ذلك.. لن يوثقوها.. لأنهم لن يجدوها (طازة) وقد تصلهم كبينة سماعية.. لا يمكن تصديقها أو الاقتناع بها ويسهل رفضها ودحضها واعتبارها من سقط القول.. والافتراء .. وبما أني .. كنت ضابطاً شرطياً صغيراً في جوبا.. عندما أذاع النميري البيان الأول في 25 / مايو 1969م .. وأعلن ثورة اشتراكية.. وعربية.. وشكل مجلس قيادتها برئاسته .. مزيناً من المدنيين بالسيد بابكر عوض الله رئيس القضاء الأسبق .. أمد الله في عمرهـ ومن الضباط .. المقدم بابكر النور والرائد فاروق حمدنا الله والرائد هاشم العطا والرائد أبو القاسم هاشم والرائد زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر .. عليهم الرحمة جميعاً.. ومتّع الأحياء منهم.. الرائد خالد حسن عباس والرائد أبو القاسم محمد إبراهيم والرائد مأمون عوض أبوزيد بالصحة والعافية .. وأناشدهم بحق هذا الوطن أن يكتبوا لنا سِفراً يحوي أسرار هذه الثورة .. التي تركت بصماتها على وجه هذا البلد الجميل!!
لقد عاصرت مايو كما ذكرت من قولة (تيت) وسمعت ببيانها الأول وما تبعه من قرارات في مدينة جوبا .. وعشت حديث المدينة عندما.. وصل إلى هناك.. بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة ... ودخلوا القيادة الاستوائية وسط انبهار وترقب ضباطها وجنودها .. وتلقاهم قائد القيادة .. حافي الرأس .. وبدون كاب حتى لا يؤدي التحية العسكرية .. لضباط كانوا بالأمس .. يوقرونه .. ويؤدون له التحية طاعةً وانضباطاً.. وأن هذا القائد غادر معهم إلى الخرطوم... ليتقاعد.. بالمعاش بطوعه أو رغماً عنه.. لست أدري !! وظللت معاصراً للنظام وأنا اتنقل في شمال البلاد .. وغربها .. وقلبها واختزن في ذاكرتي.. كل ما يسر لي الله من المواقف .. ذات المعاني .. والتي لا يهتم بها عادة المؤرخون.. استمرت هذه المعاصرة كما قلت .. من قولة (تيت) وحتى قولة (طيط) وسقوط النظام تحت جحافل ثورة الجماهير في أبريل 1985م !! والذي حدث بعد عام واحد تقريباً من قيام النميري بنفسه.. تقليدي وآخرين من دفعتي .. نوط الخدمة الطويلة الممتازة .. والذي يمنح عادة بعد عشرين عاماً من العمل الممتاز .. كان نصيب مايو منها ستة عشر عاماً حسوماً .. وهي المعاصرة التي أعنيها والتي تخولني حق الكتابة.. عن مشاهدات رأيتها بعيني رأسي ... لم يرها أحد غيري .. أو رآها ولم يتوقف عندها .. أو يهتم بها .. وكما يقولون ... حبُّ الناس مذاهب !!.
أعلم أن القاريء الكريم .. قد تململ من طول هذا الحديث وبات يتشوق لسماع المشاهدات والمواقف التي أزعمها.. ولكن ما باليد حيلة .. فهذه الحلقة .. لا تحتمل المزيد .. لضيق ذات الورق .. ونعد بالانطلاق في فضائيات المشاهدات في الحلقات القادمة... ولكننا لا نرى بأساً من سرد .. فاتحة شهية .. حدثت قبل انقلاب مايو .. بأيام قلائل عندما احتجزت شرطة مرور الخرطوم .. العقيد جعفر النميري وآخرين من أعضاء مجلسه فيما بعد .. واتهمتهم بمخالفة قانون المرور.. واتخذت معهم كامل الإجراءات.. من كشف طبي واستجواب .. ثم سلمتهم لوحداتهم .. وأختم حديثي هذا بإرسال التحايا لحكمدار المرور وقتها أحمد هارون عبد المجيد .. والمزارع الآن في الدالي والمزموم .. وصاحب (كمبو الحلبي) الشهير .. وأساله عن مصير البلاغ ... وماذا كان سيفعل لو كان يعلم بما سيفعل النميري ؟!

ونواصل ..

elmhasi
05-02-2018, 12:52 PM
جريدة الوطن - الاحد 18 ذوالقعدة 1429هـ - 16 نوفمبر 2008م

كلام ساكت - أيــــــام النمـــــيري (3)

لواء «م» / محيى الدين محمد علي
صدر كشف التنقلات من رئاسة الشرطة .. بعد انقلاب مايو .. ونقلت من الإستوائية للولاية الشمالية الكبرى .. وكان مدير شرطتها في ذلك الوقت .. العميد الرشيد أحمد جلي عليه رحمه الله .. والذي أبرق قومندان الإستوائية مفيداً بنقلي إلى بربر .. حتى أتحرك إليها مباشرة عوضاً عن التباطؤ والتسكع في رئاسة شرطة الولاية .. فحزنت لذلك جداً .. لأني كنت أرغب في الانتقال إلى مدينة دنقلا .. نسبة لمرض والدتي .. ففكرت في حيلة .. تعالج هذا الأمر .. ولم أتردد في إرسال برقية باسم مدير شرطة الإستوائية .. لعناية مدير شرطة الشمالية وقلت فيها .. برقيتكم بتاريخ كذا غير واضحة .. هل نقل الضابط محيي الدين إلى بربر أم دنقلا ؟! وكانت المفاجاة .. أن جاءنا الرد .. نقل إلى دنقلا ويتحرك إليها رأساً ، وقد علمت مستقبلاً من صديقي ودفعتي اللواء المحامي صديق الهادي والذي كان هناك وقتها .. أن المرحوم العميد الرشيد أحمد جلي.. المتميز بذكائه .. عندما اطلع على برقية الإستوائية .. ضحك وقال .. الزول دهـ عاوز دنقلا .. عدلوا الكشف .. وأخطروهـ بالموقع الجديد..!!
وهكذا نفذت النقل إلى مركز شرطة دنقلا .. وتوليت أعبائي فيها .. وكانت حدود المركز .. تمتد على طول النيل العظيم من عبري إلى دلقو.. ديار المحس والسكوت ومروراً .. بكرمة وأرقو .. والحفير ودنقلا .. والقولد .. وأهلها الدناقلة .. وحتى مشارف أهلنا المناصير .. والشايقية .. واستمتعت شهوراً بتولي رئاسة شرطة مركز دنقلا بالإنابة حتى وصلنا منقولاً .. العم (الملاحظ) أو النقيب .. محمد عبد الله محمد صالح وهو من ضباط الصف الأذكياء الأكفاء وقد تعلمت منه الكثير .. وقد كان المركز على امتداد طوله المترامي (كالعجورة) .. هادئاً .. (زيت في قدر) .. نسيجه الاجتماعي متماسك ومترابط .. لا جرائم ولا سرقات .. ولا نهب .. ولا صراعات قبلية .. أو أثنية .. والخير باسط والمسكين الفقير فيه يبدو في مظهرهـ متألقاً ومتفوقاً على بعض أثرياء الخرطوم هذهـ الأيام .. لا يمد يدهـ لأحد ولكن الخيرين هم الذين يمدون أيديهم إليه !!
وسمعنا ونحن في شمالنا السعيد أنباءً .. عن أحداث الجزيرة أبا .. وودنوباوي .. وتأثرنا لها .. مع أنها كانت حوالينا ولا علينا .. ولكن جهاز الأمن وقتها .. أراد أن يقض مضاجعنا ويؤرقنا .. فأرسل إلينا قائمة بوكلاء الإمام الهادي رحمة الله الذين يقيم معظهم .. في مناطق القولد .. والخندق .. ولبب وما جاورها .. وأمرنا باعتقالهم فوراً ورفع التمام بالتنفيذ .. وأصدر السيد الملاحظ أمرهـ لي بالتنفيذ وسلمني كشفاً بأسماء ثلاثة عشر وكيل إمام .. (فنقنقت سراً) وتحركت ومعي مجموعة من رجال الشرطة .. على متن عربة لاندروفر بكب .. ركبها الزعيم الأزهري عند استقباله في دنقلا .. بعد إعلان الاستقلال عام 1956م .. وأمر بعد الزيارة أن تسلم العربة للشرطة .. وبعد أن خرجنا من المدينة .. وعند قرية لاتبعد كثيراً جنوب دنقلا انقطع (سير) العربة .. فجلسنا تحت شجرة عتيقة ظليلة وبدأنا في (فتل) (سير) من حبال الأشميق أو العشميق لا أدري .. ولكني أدري بانه مستخرج من بين (أبج) النخيل .. وفي هذه الأثناء مر بنا رجل صبوح وحيّانا .. وعلم بمشكلتنا .. وقال سيبوا الكلام دهـ .. أنا عندي عربية لاندروفر زي حقتكم .. ستأتي بعد قليل .. يمكنكم أخذها .. أو أخذ (سيرها) .. ثم دعانا إلى بيته فذهبنا .. وجلسنا خارج الدار فجاءنا أحد أقربائه (بجردل) ليمون بارد من (زير السبيل) فشربنا منه .. حتى ارتوى ظمؤنا .. والدنيا حر .. ثم جاء الرجل .. وقال .. ياجماعة أنا ضبحت خروف .. ولكم الخيار في الإفطار .. أو أخذه برأسه وجلدهـ .. فقلت له .. عجل لنا بالفطور حتى .. نتمكن من أداء المهمة (الراجيانا) ... ودخلنا إلى الديوان .. في انتظار الفطور وهالنا .. أن جدران الديوان الأربعة مزينة بصور للإمام المهدي والإمام عبد الرحمن والإمام الصديق ... وصور شتى للإمام الهادي في طفولته .. وفي صباهـ .. وفي شبابه وإلى أن تولى الإمامة وارتدى العمامه ..!
فحملت هماً كبيراً .. وأثناء احتساء الشاي .. سألت من يصبه عن اسم صاحب الدار .. وكان وياللهول هو الاسم الأول في الكشف الذي أحمله وأنا .. كالحمار يحمل أسفارا .. وجاءت العربة المنتظرة .. وتمت الناقصة وكان مكتوباً عليها .. حزب الأمة رمز القوة ..!
استشرت زملائي رجال الشرطة .. الذين كانوا معي .. وقلت ليهم كيف الشورة ؟! فقالوا لي .. الشغل شغل .. أكلنا وغسلنا إيدينا وظبطنا الكيف بالشاي ويمكننا .. الآن .. أن نعتقله !! فقلت لهم والله .. لا أفعل .. فلنأخذ منه (السير) ونعتقل الآخرين .. ثم نفوض أمرهـ للملاحظ .. ليعتقله بنفسه .. وما بين غمضة عين وانتباهتها قد يغير الله من حال إلى حال !!.. وتمكنا في زمن وجيز من اعتقال كل الأسماء التي كلفنا بها .. دون جلبة أو ضوضاء .. غير نظرات الكرهـ والاحتقار التي كان يشيِّعنا بها أهل المعتقل .. وأبناؤهـ وبناته .. وأتوقف هنا.. عند اعتقال السيد .. وكيل الإمام .. (الفضل) وهو والد الصديق الفنان التشكيلي عبد الحميد الفضل .. والذي .. استهجن أمر اعتقاله .. وهتف بحياة الإمام ثم لف عمامته تاركاً (العَزَبة) تجر من ورائه على الأرض .. حتى ركب العربة .. مثيراً قدراً من السخرية والتهكم بنا .. وبمهمتنا (المهببة) .. وجئنا بكل المعتقلين .. إلى نقطة شرطة القولد وأدخلناهم الحراسة .. وجلست أسجل بيانات المعتقلين في دفتر القبض .. وقبل أن أفرغ .. جاءني أحد رجال الشرطة مفزوعاً وهو يقول .. الحق .. ياجنابو .. النميري على «الهط» .. فأسرعت وأخذت سماعة التلفون .. وعرَّفت نفسي فقال لي .. أنا جعفر نميري .. رئيس مجلس قيادة الثورة .. جاتكم برقية لاعتقال وكلاء الإمام ؟! قلت نعم.. وقد اعتقلناهم.. فقال لي .. لا.. وكلاء الإمام في دنقلا ما في خطورة منهم.. أمسكوا.. واحد ولا اثنين منهم للتحذير وفكوا الباقين !! قلت .. له ياسيدي الرئيس .. إن الأمر يتصل بالأمن .. وأنا أتلقى الأوامر.. من القومندان في عطبرة.. فقال.. كويس خبِّط للكبانية لتحويلي إلى القومندان في عطبرة .. وفي لمح البصر .. نفذ عامل الكبانية الأمر .. وقبل .. أن أغادر مكاني .. اتصل بي (الملاحظ) من دنقلا .. وقال لي .. أوامر جديدة .. امسك واحد فقط .. وأطلق الآخرين .. ولم أتردد البتة في كتابة اسم صاحب الليمون والخروف ضمن المعتقلين .. ثم إطلاق سراحه ضمن الآخرين ولم أُبقِ في الاعتقال ـ بكل أسف ـ إلاَّ والد الأستاذ عبد الحميد الفضل .. وعدنا إلى مدينة دنقلا سعداء .. وقابلنا الرجل الكريم .. لنرد له .. (السير) فقال .. أنا عندي (سير) تاني.. فسيروا وعين الله ترعاكم !!

elmhasi
05-02-2018, 01:22 PM
جريدة الوطن - السبت 24 ذوالقعدة 1429هـ - 22 نوفمبر 2008م

أيـــــــــام نمـــــيري - كلام ساكت (4)

لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
ظللت أعمل بمركز دنقلا ... قرابة العامين .. وحدثت خلال هذهـ الفترة أحداث جسام .. منها كما ذكرت في مقال سابق .. أحداث الجزيرة أبا ... والتي تأثر لها .. أهالي دنقلا الجنوبية ... وهي جزيرة لبب وما حولها ... مسقط رأس الإمام محمد أحمد المهدي .... وأهل الدائرة المقفولة للراحل أمين التوم ... كما تأثر كذلك أهل جزيرة بدين .... حزناً على استشهاد ابنهم محمد صالح عمر .. وتعاطف الجميع في ديار الشايقية وحتى أرقو .. حيث ينتشر (الكوارير) مع الشيخ الكاروري .. والذي كان مع الإمام الهادي .. وكان من أبرز الأحداث زيارة النميري مصحوباً بوفد كبير من الوزراء وقادة الخدمة إلى دنقلا ... وقد جاءوا إليها على متن الباخرة (كربكان) .. ثم تحركوا بالسيارات والأقدام تحيط بهم الجماهير حتى صيوان الاستقبال .. وحيا النميري جموع الشعب التي ظلت تهتف باسمه .. بعض الوقت .. وجلس في الموقع المحدد له ... وكان يبدو مستاءً ولا أدري لماذا .. ولعل ذرات التراب الناعم .. التي علت رأسه وملابسه وملامحه .. كانت هي السبب .. وقبل أن تبدأ مراسم الاحتفال .. نهض رجل طيب جداً .. وهو من أثرياء دنقلا ورموزها الخيرين .. وتحدث بصوت جهوري قوي .. وقال: «يا ريس إنت ولدنا وأنحنا عاوزين ننصحك» ... وقبل .. أن يتم كلامه .. ويقول نصيحته قاطعه النميري .. بحدة قاسية وقال له : «أنا الجيت أنصحكم .. موش عشان تنصحوني»!! فأسقط في يد الرجل وأحس بالحرج .. وتراجع ليتلاشى وسط الجموع .. ثم ينسحب بهدوء .. ويغادر إلى متجرهـ أو دارهـ .. وهو يردد : «الدين النصيحة .. لكين دول ما عايزين نصيحة .. بكرهـ يكوسوها ما يلقوها .. على كيفهم»!!
وبدأ برنامج اللقاء الجماهيري وخاطبه النميري .. ونصح أهل دنقلا .. بالتخلص من عار الشكاوي الذي إرتبط بهم .. وقبل أن يختم خطابه .. أفلتت امرأة من أيدي رجال الشرطة .. واندفعت لتعانق النميري وهي تردد : «أبو عيالي .. أنا عاوزهـ أبو عيالي»!!. لم يتضايق النميري كثيراً ولكنه قال : «يا بتاع البوليس .. ماله أبو عيالها»؟! فقلت : «إنه محكوم بالسجن لمدة عام» .. فقال النميري : «خلاص كفاهو .. فكوهو طوالي» .. فخرجت المرأة .. وهي تزغرد .. لتتعلق برقبة رئيس الشرطة .. ولعل هذا الحادث قد لفت نظر النميري .. فدخل السجن وحراسات الشرطة .. وظل يسأل كل محتجز عن ظروفه وأسباب احتجازهـ .. ويأمر باطلاق سراح البعض .. غير أن أحد عتاة المجرمين أجاب عليه باستهتار .. وكأنه يباهي بارتكابه جريمة أخلاقية مع آخر ... فأنتفض النميري وابتعد عنه وخرج من السجن .. وهو يردد : «الله لا رحمك.. الله لا رحمك».. وفاتت بذلك فرصة نادرة للعفو عن آخرين .. لم يحادثهم الرئيس!! ومن طرائف ذلك اليوم.. أن أحد المايويين .. كان مكلفاً بإعداد الوجبات لضيافة الرئيس والوفد المرافق له .. وتصرف الرجل بأخذ الخراف المحشوة ... وذهب بها إلى أحد الأفران في السوق وقام بطهيها وتحميرها .. وإحضارها للفندق ولكن أحد الاشقياء .. وكان يعلم بأن الرجل حساس .. وخواف شوية .. فسأله : «إنت ما عارف صاحب الفرن دهـ من الأنصار ... جايز جداً يكون سمم الأكل .. شيل شيلتك .. والله الرئيس دهـ تحصل ليهو حاجة يعلقوك في الميدان»!!.. وتأثر الرجل .. واهتزت أعصابه .. مرض (رسمي) ولم يبلغ صحته إلا بعد أشهر!! وفي صبيحة اليوم التالي .. كان برنامج الرئيس .. أن يزور حوض السليم ليستمع إلى تفاصيل وشكاوي أهل المنطقة .. المتصلة بتوزيع حواشات الحوض .. فأسرعت قبل الموعد بساعة كاملة وأخذت قوة من رجال الشرطة وتممت عليها داخل البنطون توطئة للعبور إلى السليم .. ثم صعدت بعد ذلك إلى برج البنطون .. حيث (يتحكر) الريس الذي يقود البنطون .. وما أن صعدت حتى فوجئت .. بريس آخر يجلس في موقعه .. ويمسك بعجلة القيادة .. وقد كان هو النميري بشحمه ولحمه في كامل زيه العسكري .. فلما رآني خاطبني بلغة آمرة .. وكأنه لم يحدث أن رآني في توريت زمان .. وقال : «أمشي الباخرة .. وخلي الوفد المرافق .. يحضر الآن .. في خمسة دقائق» ... فجريت جرياً .. وصعدت إلى الباخرة وفجرت الخبر .. ونهض الكل مذعوراً ... يرتدي ملابسه .. قبل أن يتسوك .. أو يغسل وجهه .. والأهم من ذلك .. قبل شاي الصباح .. وفي أقل من نصف ساعة تحرك البنطون يحمل الجميع إلى الضفة الشرقية .. ولعلها كانت أصعب لحظات (ريس البنطون) .. وهو يقود بحذر ويختلس النظرات بقعر عينه .. إلى النميري .. الذي كان يجلس إلى جوارهـ ..!!
ولما بلغ الموكب ساحة اللقاء الجماهيري في السليم .. وجلس الوفد داخل الصيوان .. وقف النميري وأخذ يتلفت ويشتم رائحة الأريج والعبير .. الذي عبق وغمر الجميع ويتساءل عن مصدر هذا العطر ... ولما علم بأن مكان الاحتفال محاط بعشرات الصفائح .. وبداخلها باقات مفرهدة من النعناع .. في حجم ربطة البرسيم .. انفرجت أسارير النميري .. وسعد أيما سعادة وقال : «موضوع النعناع دهـ كلام جميل جداً .. في الخرطوم .. وزير الزراعة .. بشم زهور بلاستيك»!!
ثم تعاقب المتحدثون وأصحاب الشكاوي .. حتى .. أمسك بالمايكرفون كهل (عكليتة) .. وأخذ يشكو ما حاق به من ظلم .. وكان صوت الرجل ناعماً رقيقاً .. كصوت الطفل .. وطأطأ النميري رأسه محاولاً منع ضحكة .. كانت على وشك الافلات منه .. ولكن الرجل قال بجرأة يحسد عليها : «بتضحك ليه يا ريس ..؟! أنت سمعت صوتي كده فاكرني أيه؟ عليّ الطلاق أنا أرجل راجل في السودان كله»!!..
أكمل النميري ضحكته المكتومة وخاطب رئيس اللجنة المختص ... وقال : «حلوا مشكلته .. حل نهائي»..!!
وعندما زار مدينة أرقو نزل الرئيس والوفد المرافق في ضيافة .. المرحوم جاد غريب مقلد .. وهو أثرى أثرياء المنطقة .. وقدم للجميع أصنافاً من الطعام .. جعلت البعض يتساءل عن ماهيتها .. وأخذ النميري .. الرغيف البلدي الذي يصنعه الناس هناك في حجم (طارة الكلتش) وصار يقلبه بين يديه متعجباً ويقول : «ده رغيف واحد بس؟ .. تبقوا إنتو يا ناس أرقو .. السبب في أزمة الدقيق» .. وأضاف : «لقد زرت معظم مدن السودان ولم أجد بلد ما عندها مشكلة غيركم .. أنا تاني موش حأجيكم» .. وأحسب أنه قد صدق!!.
وعندما أليل الليل في مدينة أرقو ذهب كل واحد من أفراد الوفد إلى مضجعه .. عدا مجموعة من أعضاء المجلس وآخرين .. جلسوا يتسامرون في ركن قصي من حديقة منزل جاد غريب .. وإلى جوارهم صينية فارهة تنوء بالدجاج والأوز واللحوم والكنافات والمكسرات والمربات .. وأحسب أن الجماعة .. قد استرجعوا وجبات الكسرة والعصايد .. وغيرها من الوجبات البسيطة التي تنم عن حال أهلها في مناطق أخرى من السودان .. فأرادوا بذلك أن يلقنوا أهل أرقو درساً قاسياً في الثورية والاشتراكية .. والاقتصاد ... فطلبوا القائمين على أمر خدمتهم .. وأمروهم برفع صينية العشاء فوراً .. واستبدالها بصحن فول من فول السليم المعطون بزيت السمسم ... فأخذوا الصينية وجروا شرقاً وغرباً لاحضار الفول وأرضاء الحكومة ... ولم يكن الفول وقتها (أكلة متداولة) .. كما يحدث الآن .. فألتقوا رجلاً بسيطاً .. وقد أعد صحن (طلس) كامل بالفول .. المدعوم بالزيت والبصل وقد زرعت فيه ألغام الشطة الخضراء وعندما أخبروهـ بحاجتهم للفول ... بناء على طلب الحكومة .. قدر الرجل الموقف وأعطاهم الصحن وطالبهم بإعادة الفاضي .. ولكن الصحن أعيد إليه وفيه دجاجتين محمرتين و(هَُبراً) من اللحم المجاور للعظم ... احتفى الجماعة بصحن الفول فأنكبوا عليه كمن يؤدون القسم .. وقضوا عليه هنيئاً مرئياً .. ثم خرجوا من دائرة الأكل كالعائدين .. من موقعة حربية .. يتصببون عرقي .. أقصد عرقاً .. وانصرفوا إلى مضاجعهم .. سعداء .. وشاع بعد ذلك أكل الفول بالبصل بين العباد وتطور حتى صار الفول فطوراً وعشاءاً .. بعد اسقاط وجبة الغداء!!.

ونواصل

elmhasi
05-02-2018, 01:36 PM
جريدة الوطن 2 ذو الحجة 1429هـ الموافق 30 نوفمبر 2008م

أيـــــام النمــــــيري - كلام ساكت (5)

لواء «م» / محيى الدين محمد علي
زيارات النميرى التاريخية للشمالية التى ينتمى اليها .. غطت كما اسلفنا فى الحلقة السابقة .. مدينة دنقلا .. وحوض السليم .. ومدينة ارقو .. ثم امتدت الزيارة .. لتشمل منطقة الحفير .. ومشو بالضفة الغربية للنيل ، ومنطقة السكوت والمحس .. فى دلقو وعبرى على الضفة الشرقية من النيل .. وكانت الزيارة ختام المسك .. الى ارض اجدادهـ وابائه .. وحيث لازالت .. مبانى قصر ود النميرى باقية تهزأ بالسنوات .. ولما كانت القرى تمتد من دنقلا على شط النيل الغربى .. تتماسك ويشد بعضها بعضاً .. حتى تصل الى كمنيه وكويه ومشو والحفير . حتى ارتقاشة فإن جماهير هذهـ القرى .. تكدست واحتشدت على جانبي الطريق .. تهتف باسم النميرى .. وترفع شعاراتها فى استقباله .. ولما كان النميرى صاحب حس شفيف .. بنبض الجماهير واشواقها فقد صعد الرجل على ظهر عربة لاندروفر صالون وانتصب عليها كالطود يلوح بالعصا .. والكاب ويبادلها حباً بحب .. ولم تؤثر حركة العربة وسيرها وهي تشق طريقها وسط الزحام على ثباته .. ووقفته الواثقة .. وكأنه .. بطل من ابطال السيرك والاكروبات .. ومن الطريف .. أن احد الوزراء ضمن الوفد المرافق قد سولت له نفسه الامارة بالسوء .. ان يفعل مثل النميرى ومافيش حد احسن من حد .. وصعد ووقف على ظهر عربة لاندروفر اخرى .. ولما تحركت اهتزت اوصاله واعصابه وكاد ان يسقط من على ظهرها .. فتدارك الامر بان برك كما يبرك الجمل .. حتى احس به من كانوا بداخل العربة ، فتوقفوا وانزلوهـ وحشروهـ معهم حيث مكانه الطبيعى .. واستمر الموكب يمشى .. حتى .. خفت حشود الجماهير .. وتلاشت تماماً .. وعند منطقة قاحلة تماماً اوقف النميرى الموكب .. ونزل واخذ يمشى نحو الخلاء الغربى .. وكانت مئات العيون المطلة من عربات الموكب المختلفة ترمقه باندهاش وحيرة .. والرئيس ماشى .. حتى اختفى عن الانظار خلف كثيب رملى صغير .. دقيقة او دقيقتين .. ثم قفل راجعاً .. وهو يعدل من هندامه ويصلح ’’قاشه‘‘ .. حتى بلغ عربته وركبها وتحرك الموكب نحو وجهته .. وكان يجلس الى جوارى الاستاذ حسن عبدالماجد .. متعه الله بالصحة والعافية .. وهو من قدامى الشيوعيين .. وكان رجلاً لطيفاً ساخراً ضحوكاً مضحكاً .. فحدق فى وجهى ملياً وقال : إيه رأيك بأهـ ؟!
قلت : فى إيه ؟! .. قال : فى المصيبة اللي شفناها .. سوا .. انا وانت وغيرنا قبل شوية ؟! قلت : يا حسن يا اخوي .. الرئيس كرعينو اتعقلت .. نزل يطلقهم شوية .. فيها حاجة دي ؟! فقال حسن : لا ابداً مافيهاش .. بس سيادتو .. طلقهم بالتلاتة ..!!
وخلال زيارته الى ارض السكوت والمحس فى عبرى ودلقو .. ابصر الرئيس فى طريقه امرأة ورجلاً عجوزين يجلسان بانسجام تحت ظل نخلة سامقة وهما يحتسيان الشاي بمزاج .. اوقف النميرى الموكب .. ونزل من عربته .. ومشى نحوهما .. وجلس على الارض الى جوارهما .. وطلب منهما كوب شاي .. فقدما له الشاي وهما فى غاية السعادة .. فاخذ يحادثهما وسألهما .. قائلا : عرفتونى ؟! فقالا : ابداً والله !! فقال لهما : انا رئيس السودان !! فقالا : ايوهـ .. إنت عبود الغرقت هلفا ؟! فضحك الرئيس .. وودعهما .. وقفل راجعاً .. لينطلق الموكب نحو غاياته فى مناطق السكوت والمحس .. وكان النميرى يحرص على قراءة الشعارات المكتوبة على اللافتات وجدران المنازل وصخور الجبال .. ولاحظ انها لم تخرج جميعها عن الترحيب بقدومه .. وقولة ’’لن نعيش فى الظلام يا نميرى‘‘ .. وعند اللقاء الجماهيرى حث النميرى المواطنين على زراعة كل ارض حولهم .. وإلا فإنه سيحضر من يزرعونها .. ثم قال متسائلاً : وإيه حكاية لن نعيش فى الظلام دي ؟! لو قلتو ظلام الجهل .. إنتوا اول من طلّق الامية فى السودان .. ولو كان قصدكم الكهرباء .. انا حاكم السودان .. موش حتجيكم كهرباء !! واحسب أن الرجل قد صدق .. وأن قولته .. الصادقة هذه لا زال يرن صداها فى اصقاع ارض الحجر ..
وحتى يأذن الله بقيام سد كجبار ’’المكاجر‘‘ !!
زار النميرى معظم انحاء الولاية الشمالية والتقى باهلها جميعاً .. واستمع لشكواهم .. ومشاكلهم .. وخاطب كل اللقاءات الجماهيرية التى احتشد لها الناس ولم يحشدوا .. وكان خطابهم دائماً صادقاً .. وخالياً من كتروسترول الوعود الفارغة .. والامانى العذبة المستحيلة ..! .
ثم كانت الزيارة الخاتمة .. واللقاء الجماهيرى او بالاحرى اللقاء العائلى مع اهله وعشيرته .. فى ود نميرى .. فتحرك الموكب المهيب الى هناك .. تحلق وترفرف على اجوائه .. اغانى الطمبور .. واناشيد محمد وردى .. وهتافات الجماهير .. ولما بلغ الموكب .. حيث اعد مكان الاحتفال على شاطئ النيل العظيم .. ذهل الناس .. والجمت الدهشة افواهـ الجميع وهم ينظرون الى صفحة النيل وكأنهم فى حلم جميل وعشرات المراكب وقد ارخت اشرعتها البيضاء .. وظلت تدور وتدور مع ’’الهواء الصلاح‘‘ لتكتب على صفحة الموج بوضوح يقرأهـ الاميون - 25 مايو - !! .. ثم ومن بعد ذلك .. اندفعت الجماهير .. نساءاً ورجالاً وشباباً واطفالاً .. كالسيول .. نحو النميرى .. الكل يحاول ان يحتضنه او يضمه الى صدرهـ .. أو مسالمته .. وبدأ النميرى مستسلماً للجميع .. يحدق فى الوجوهـ .. وكأنه يري بين الرجال وجه ابيه .. وبين النساء وجه امه اللذين رحلا عن الدنيا .. ولم يريا ويسعدا بما بلغه من مكانة ومجد .. وقد هزت جوانحه كل امرأة .. تحتضنه هي تشرق بالدمع وتقول انا هالتك .. انا عمتك .. انا بت هالة امك .. وحاول النميرى ان يتماسك وهو رئيس البلاد .. كلها .. وهو العسكرى الصلب .. ولكنها صلة الرحم المعلق بعرش الرحمن .. ومنه اشتقت .. الرحمة هزت النميرى فإهتز وسالت دموعه وفقد رابطة جأشه .. فإنفلت من بين الجموع واسرع نحو جزع نخلة صرعتها الرياح .. فارتمى عليه .. ودفن رأسه بين يديه ورجليه وانفجر باكياً بصوت رجولى مسموع .. فتركه الكل وابتعد عنه .. وخيم الصمت على الجميع .. وظل النميرى على حاله برهة طويلة .. ثم وقف وكفكف دموعه .. واستعاد تماسكه .. وراجع هندامه والنياشين والانواط التى سقط بعضها .. لحظات .. العناق .. والزحام الرهيب .. ثم واصل البرنامج .. بمشاركة اهله .. فقرات احتفالهم .. به .. مشبعاً روحه .. وجوانحه بمحبتهم .. وحنونهم .. ومودتهم له .. مستشرفاً غدهـ .. بالتأمل فى ماضى جدودهـ .. وقصر ودنميرى الذى يتحدث بهذا الماضى العظيم .
لم تكن زيارات النميرى لاصقاع السودان المختلفة زيارات للتسلية والترفيه .. ولكنها كانت زيارات عمل يتقصى فيها اخبار المشاكل .. ويسعى لحلها .. وكما يقولون : يمشى للعقرب فى جحرو .. وقد قام النميرى بمعالجة العديد من المشاكل ورد الكثير من الظلامات خلال زيارته للشمالية التى استعرضنا بعض ملامحها ..
ولعل الطف انموذج لهذه الزيارات الطويلة العديدة المفعمة بالعمل .. كان هو عبورهـ النهر فى مركب نيلى .. ودخوله الى جزيرة .. تسمى جزيرة ’’درار الصغيرة‘‘ وهي جزيرة صنعها النيل الى جوار جزيرة ’’درار الكبيرة‘‘ وقريباً من ضفة النيل فادعاها سكان الجزيرة كما ادعاها سكان الضفاف وتنازعا عليها واشتجرا .. الكل يزعم بان النيل قد اخرج هذه الجزيرة من العدم لحضرتهم !! .. والذى حدا بالنميرى .. أن يجئ بنفسه ويدخل الجزيرة ويسعى لحل مشكلتها بين الطرفين هو أن فريقاً من المتنازعين هم ابناء عمومته .. وفريقاً من ابناء خؤولته !!
توهط النميرى على كرسى وسط الجزيرة وجلس الطرفان عن يمينه وعن شماله ، وإبتدر الحديث عن المشكل الذى يكاد أن يفرق بين الاسرة الواحدة .. ولاحظ .. إن بعض العناصر التى ترتدى البدل والكرفتات يجوسون بين الطرفين يلقنونهم الكلام والحجة .. فنادى النميرى على رجال الامن .. وقال .. الجماعة ديل محامين وهم سبب المشكلة .. امسكوهم .. وختوهم فى مركب وارموهم برهـ الجزيرة .. ونفذ الامر فى لمح البصر ..
وعلق معلق منهم .. والله الرئيس كشف اللعبة وقطع عيشنا !!

نواصل .

النور يوسف محمد
05-02-2018, 02:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سلام يا المحسى ،

سعادة اللواء محى الدين من أجمل الناس وأرقاهم
عملت معه فى بداية فى مدينة نيالا وكان وقتها رئيس مركز نيالا

متعه الله بالصحة فمازلت أتواصل معه

elmhasi
06-02-2018, 03:39 PM
سعادة اللواء محى الدين من أجمل الناس وأرقاهم

هو كما قلت ...
متعه الله بالصحة وتمام العافية ... عمنا الحلبي محي الدين

elmhasi
06-02-2018, 08:14 PM
الاحد 9 ذو الحجة 1429هـ الموافق 7 ديسمبر 2008م

كلام ساكت ايام النميرى (6)

لواء «م» / محيى الدين محمد علي
لقد بدأت مايو ثورة حقيقية .. وتقبلها الشعب رغم سمرتها العربية المشربة بالحمرة .. وإستطاع النميرى بملامحه القومية السودانية .. وبساطته الشعبية .. وتصرفاته المحببة ، المخالفة للبروتكولات ، ومواقفه العديدة التى تنم عن الاصالة والشهامة ، ووطنيته الصادقة التى لامراء فيها ، وإحساس جماهير الشعب كلها ، بأن الرجل صفحة بيضاء ناصعة البياض ، سودانية مية المية ، لاتشوبها عصبية ولاعنصرية ولاقبلية ولاجهوية ولاحزبية ، إستطاع بكل ذلك أن يدخل قلوب الناس جميعاً ، ويتربع فيها رئيساً وقائداً ، ولولا أولاد الحلال الذين احاطوا به ليجعلوا منه ملهماً ومفكراً ، وعالماً وشيخاَ وإماماً فى آخر المطاف لانتشل السودانيين من (غيابت الجب) وإنطلق به نحو فجر جديد ، ومستقبل زاهر ، ولما نازعه آخرون على السلطة ..!َ!
قال جمال عبدالناصر فى خطابه التأريخى بدار الرياضة .. إنى المح فى عيون هؤلاء الشباب رغبة فى احداث التغيير بخطى أسرع ، مما فعلنا فى مصر !! وأحسب أن ناصر : أراد أن يقول بتهذيب على مهلكم ’’روقوا المنقة‘‘ قيسوا الف مرة وأقطعوا مرة واحدة .. حسب المثل الصينى .. ولكن قادة مايو إندفعوا وإرتكبوا أفعالاً كثيرة ، بدافع الاصلاح بس ’’ياهسارة‘‘ ، بدون دراسة ، ومن بين هذه الافعال الثورية التى عاصرتها فى دنقلا ، ومايو ما تزال طفلاً يحبو ’’يا دابو اتولد‘‘ استجلاب مجموعة من الخبراء الصينيين ، ليجوبوا الصحراء الغربية التى تمتد حتى حدودنا مع ليبيا وتشاد ، للتحقق من أي مؤشرات تنبئ بوجود البترول فيها بكميات تجارية ، وقد كنت اقدم المساعدات الممكنة لهؤلاء الخبراء ، متى ما طلبوها منى ، وذات مرة جاؤنى وطلبوا منى ان اساعدهم فى ايجاد (خبير شعبى) من ذلك النوع الذى يقص الاثر ، ويهتدى بالنجوم ، وله دراية بشعاب الصحراء ، وجئتهم برجل يدعى (حمدن الله) إن لم تخنى الذاكرة ، وهو من عرب الكبابيش الدناقلة ، فأخذوهـ معهم فى طائرة صغيرة ليدلهم على موقع الجبل الابيض مع الحدود الليبية ، ولكن الطائرة عادت ادراجها بعد ساعة ، وجاء الصينيون وعلى وجههم خيبة امل كبيرة ، وسألت الخبير الشعبى السودانى عن الحاصل ؟ فقال : وهو يضحك ’’عليّ الطلاق‘‘ وكت طرنا فوق والناس بقوا تحت زي النمل ، ما عرفت نفسى فى السماء وألا فى الواطا ! قلت ليهم لزمونى الجابرة ، وإن بقوا دايرين يمشوا بالعربات وألا يركبوا الجمال ، انا مستعد أوصلهم .
وبالفعل تحركوا نحو اهدافهم بمساعدة الخبير ، عن طريق العربات اللاندروفر ، وأعلم أن هؤلاء الخبراء قد اعدوا تقارير وافية عن مهمتهم ورفعوها للجهات المسئولة ، أما انا فقد قالوا لى ’’تحت إلحاحى‘‘ البترول موجود بكثرة ، ولكن لايستطيع إستخراجه إلا الامريكان ، لآن الامر يتطلب مدناً ومنشآت ضخمة فى قلب الصحراء ’’ودهـ طبعاً قبال اربعين سنة تقريباً‘‘ وقد تغير الحال ، وأصبحت الصين نفسها تستخرج البترول السايح فى الرمال !!
كذلك فقد جاءت مايو بخبراء روس وكلفتهم بدراسة ’’الخوي‘‘ ورفع التوصية المدروسة بشأن قيام مشروع زراعى ضخم فى المنطقة و(الخوي) هي الارض النائمة فى إنحناءة النيلن بيكريمة ودنقلا ، شبه جزيرة يحفها النيل من الشمال والغرب والجنوب ، ويحتويها البر الى ما لانهاية شرقاً !! وقد ظل الروس يجوبون تلك المنطقة ليلاً ونهاراَ ، يحللون تربتها ، ويقيسون حرارتها وبرودتها ، بل ويحسبون أنفاس هوائها ورياحها ، وقد رفعوا مجلداً ضخماً بخلاصة ابحاثهم وملاحظاتهم .
وقد علمت من غيرهم ، إنهم أوصوا بقيام مشروع زراعى يوطن للقمح والنخيل والاعناب والخضر والفاكهة بشرط أن تنشأ فى قلب (الخوي) مدينة للمزراعين بمنازلها ومدارسها ومستشفياتها وباقى الاحتياجات من شوارع وماء وكهرباء .
وأحسب إن ملف الروس قد اعدم ضمن موجة الاعدامات التى اعقبت حركة 19 يوليو 1971م لأن (الخوي) الذى رأيته قبل نصف قرن ، لازال (مرمياً) تحت الشمس لا ماء ولاشجر ، ولاجديد سوى شارع الاسفلت الذى ربط بين دنقلا وكريمة أخيراً . والذى يمكن أن يكون فاتحة خير لإحياء هذا (الخويّ الخواء) وكهرباء السد العظيم تدق ابواب الشمال بقوة ..!
ولعل أخطر الافعال الثورية التى ارتكبتها مايو ، كان إقدامها على (خرمجة) حوض السليم والقيام بتوزيعه على من يستحق ولايستحق ، دون دراسة أو تخطيط ، بل ودون أهداف سوى التشبث بشعارات هلامية كانت موضة ، كالاصلاح الزراعى والارض لمن يفلحها ، وتقليم أظافر الاقطاعيين ، وليس ثمة زراعة فى الحوض يمكن اصلاحها ، وليس ثمة إقطاعيون لهم أظافر ، ومن منحوا الارض رعوا فيها اغنامهم لأنهم لايملكون القدرة على فلاحتها ، لأن الفلاحة ليست فلاحَة ..!!
إن الشمالية لم يكن لها دور فى توزيع حوض السليم بالصورة التى تمت ، ولكن القرار جاء من فوق ، ولعله قرار الحزب الشيوعى ، والذى جاء محاطاً بضوابط صارمة وحازمة وقاطعة ومحددة . لاتتيح فرصة للجنة التوزيع المكلفة بالتصرف المناسب حسب كل حالة ، ولما كنت دائم التواجد مع هذه اللجنة والتى أذكر أن رئيسها مرة كان الادارى المشهود له بالكفاءة والكاتب المرموق الاستاذ حمدنا الله عبدالقادر ، صاحب ’’خطوبة سهير ، والحيطة المايلة‘‘ والروائع الاذاعية الاخرى ، والذى كانت بعض تعليقاته الساخرة تدل على موقفه من القرار ، وتتفق مع ما أبوح به الآن بعد عقود من الزمان !!
إن حوض السليم مساحة شاسعة من الارض تحاذى النيل شرق من دنقلا الى ارقو بمسافة خمسين كيلو متر تقريباُ ، وكان هذا الحوض يروى بأن تغمرهـ مياهـ النيل وقت الدميرة فتخصبه بالطمى ، وتسقيه شربة ظمـأ لايظمأ بعدها إلا فى الدميرة القادمة ، وعندما ينحسر النيل تزرع الارض بالفول ووالقمح والشمارات والتوم ، وغيرها ، ولما تراكم الطمى وعجزت النيل من (ركوب) الحوض ، لجأ الناس الى زراعته بالمترات والوابورات ، وأستطاع الكثيرون الكثيرون من أن يحيلوا عشرات الافدنة الى جنان نخيلها باسقة وثمارها لامقطوعة ولاممنوعة .
وفولها : فول السليم سيد الاسم ، وكان من المتوقع أن تحول مايو هذا الحوض الى مشروع تعاونى مثلاً وأن توفر له الري المستدام بقنوات كبرى من النيل ..
إلا إن ما حدث كان مظاهرة سياسية فى ظاهرها الرحمة ، وباطنها من قبله العذاب ، لأن حواشات بكاملها إنتزعت من أهلها الذين عمروها عبر السنين وصرفوا عليها دماء قلوبهم ، وسلمت لقمة سائغة لاخرين .. لاعلاقة لهم بالزراعة أصلاً ، وعلى رأي المغنى ، إشتراكية لأبعد حد !! وشمل النزع أول ما شمل أعيان المنطقة بإعتبارهم (الاقطاع) برأي أصحاب القرار ، ولم تسلم حتى مشروعات الناظر الزبير حمد الملك من النزع الجائر ، ولكن ولأن أهل السودان (دقة براهيم) وقد جبلوا على العفة ويقظة الضمير ، فإن الكثيرين من البسطاء ، الذين آلت اليهم بين غمضة وعين وإنتباهتها حواشة من عشرة أفدنة بمتراتها ووابوراتها وسواقيها ونخيلها واشجارها وثمارها وفومها وبصلها وبطيخها وعجورها ، لم يترددوا لحظة بعد استلام عقودها ، فجاءوا بها قبل أن تجف احبارها ، وسلموها لأصحابها الذين نزعت منهم ، وأنفاسهم اللاهثة ، تقول : دهـ ظلم ..
ولو الحكومة ما عندها ضمير ولا مخ ، أنحنا عندنا ضمير ومخ !!
وكثرت الشكاوى والتظلمات ، فالذى نزعت منه أرضه يشكو ، والذى منحت له يبكى تماماً كقصة الحلاق المجنون الذى أزعجته وجننته فوق جنه ، كديسة ظلمت تموء وتتمسح برجيله ، فقام بقطع أذن الزبون وقدمها للكديسة ، وقامت القيامة ، وإختلط المواء والبكاء وجاطت الاشياء !!
لقد حققت مايو نجاحاً منقطع النظير ، وتمكنت من توزيع الحوض على الناس من طرف ، وتسببت بذلك فى الفشل الذى يلازم حوض السليم حتى الان ، لأن تسليم اي مواطن عشرة افدنة من الارض الاخصب فى الدنيا ، دون أن تضع فى يدهـ مالاً ، وعلى رأسه إدارة ، وتحت رجليه جداولاً وماء ، ومن حوله آلة تحرث وتحفر وتزرع لايعنى شيئاً ، سوى حصاد الحصرم ، وقبض الريح والكتاحة !!
لقد احست الخرطوم والدامر إن مشروعها الثورى لم يحقق ما كانت تهفوا له مايو من نجاح يحمل أهل الشمال على الهتاف والتصفيق ، وتأكد لها إن الامر يمشى فى اتجاهـ الفشل ، وظلت الوفود تغدو وتروح بحثاً عن معالجة ، ومافيش فايدة ، حتى إن الرئيس النميرى نفسه جاء كما ذكرت فى مقال سابق ، وطاف حوض السليم ، وإستمع الى المشاكل ، وامر بحلها ، ولكن اصل المشكلة لايمكن حله إطلاقاً ، إلا بقرار إلغاء التوزيع ، ودهـ بالطبع لم يكن ممكناً وقتها ، لأن الثورة تراجع ولا تتراجع !!
لقد حملت الدهشة احد الدراويش ، وهو يرى (مرزقين) يحملون عقود ملكية أرض من عشرة فدان ، وبعضها غابة من النخيل واشجار الفاكهة ، فظل يجرى فى طرقات الحوض ، وهو يصيح الاكل أكل .. دهـ شئ ما حصل !! ولعل ما قاله لي مدير شركة (ارقو) المصرية . يدل على إن مايو إرتكبت افعالاً ثورية غير مدروسة فى ولايات اخرى .
فالرجل كان يأتى من مصر يقود عشرات العربات الضخمة لحفر آبار فى السودان ، ودرج على ان يكون ضيفى جيئة وذهاباً ، ولا يفتأ يذكر النميرى ، ويشيد به ، وبقيادته للسودان إشادة بالغة ويتمنى هامساً أن لو كان النميرى رئيساً لمصر والسادات رئيساً للسودان .. ومالو يا عم موش من عندكم ..!!
وحانت الرحلة الاخيرة لشركة (ارقو) وفى طريقها الى مصر بعد إنتهاء مهمتا . قال لي رئيسها وهو يغادر .. يا عم رئيسكم دهـ مجنون .. ما يصدق يلاقى شوية ناس قاعدين يقول احفروا ليهم بئر ، وابنوا ليهم مستشفى ، وكمان مدرسة وهلمجرا .. علشان إيه دهـ كله ؟؟ دهـ انا لو كنت محل الرئيس النميرى لاشتريت مليون كرباج ، ودورت فى العباد ضرب من اللي بالك عليه سقتهم بالقوة نحو البحر ، جنب الميه .. اشربوا وبلبطوا وازرعوا ’’’واللى موش عاجبو يشرب من البحر الاحمر‘‘ !!
اعزائى القراء الكرام كل عام وانتم بخير
وسنواصل بإذن الله .





.

elmhasi
06-02-2018, 08:48 PM
جريدة الوطن - الاثنين 17 ذوالحجة 1429م - 15 ديسمبر 2008م

أيـام النمــيري - كلام ساكت (7)

لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كان المد الاشتراكي .. يتنامى في العالم .. وكان العالم الثالث كله يتململ راغباً في الانعتاق .. واستشراق .. فجر جديد تسودهـ العدالة .. وكان صوت الزعيم الثائر جمال عبد الناصر .. يجلجل في كل أنحاء العالم .. وبخاصة في أفريقيا والعالم العربي .. ولم يكن غريباً .. أن تتفجر في أي دولة من الدول ثورة .. تنادي بالاشتراكية .. أو الشيوعية (حتة واحدة كدهـ) .. وخلال هذا المناخ السياسي المواتي .. مدفوعاً بالمناخ السياسي القاتم .. داخل البلاد.. تفجرت ثورة مايو عام 1969م .. تتوشح وشاح الاشتراكية وترفل في (قرجيه) الوحدة العربية .. وتستطيع أن تستضيف الزعيم جمال عبد الناصر ليدعمها ويخاطب العالم كله من دار الرياضة في الخرطوم ..
وخرجت جماهير الشعب كلها .. الأعمى شايل الكسيح تهتف للثورة وتؤيدها .. وتدافع عنها .. وترحب بقرارات التأميم والخطوات الاشتراكية الأخرى التي اتخذتها .. والخطوة الجريئة التي مشتها في اتجاهـ حل مشكلة الجنوب ... (الغرغرينة) التي أصابت جسد الوطن قبل استقلاله وكان يمكن لمايو أن تستمر .. وتبقى وتنجح وترسم خط المستقبل للسودان وأهله .. ولكن وآهـ .. من لكن هذه .. فقد آثر الشيوعيون أن يظهروا عياناً .. بياناً .. وهم الذين لم يؤيدوا بيان الثورة الأول .. تقيةً أو تمويهاً أو من باب خلي نصفك عاقل ونصفك مجنون .. ولما تحقق الانتصار .. ذهب التردد وجاءوا بمعاولهم يهدمون القديم بدون روية .. و(يورُّونا) جديداً ما كان على بال .. ويخرجون وفي يديهم .. الفرشاة .. حتى أن نكتة لاذعة سرت بين الناس تقول بأن النميري سيقوم بتأميم المساجد .. وتسميتها (مؤسسة الرحمن للصلاة) .. إن الشعب السوداني شعب اشتراكي تعاوني بطبعه .. وقد قال الرئيس الصيني شاوين لاي عندما أدخله الرئيس الأزهري صيوان عزاء .. ورأى مئات الصواني الملأى باللحم والخبز .. والناس يبكون ويأكلون بلا هوادة .. وتساءل .. من أين لأهل الميت إعداد كل هذا الطعام ؟! فأوضح له الأزهري بأن هذهـ الموائد .. جاءت من كل بيت في قرية المرحوم .. ففغر الصيني فاهـ .. وقال .. بالصيني طبعاً .. دي الاشتراكية الكايسنها في الصين وما لا قنها !!.. ومغزى كلامي أن أهل السودان .. لم .. ولن يكونوا في حاجة إلى ماركس أو لينين أو حتى ماو ليعلمهم شؤون حياتهم .. وبين أيديهم دين حنيف .. يقول : تبسمك في وجه أخيك صدقة .. واتقوا النار .. ولو بشق تمرة !!
كرد فعل طبيعي على نشاط الشيوعيين وتحركات بعض كوادرهم المستفزة لمشاعر الناس .. ظهرت فئات تناصب مايو العداء.. تكتب على الجدران .. وتهاجمها في الساحات والمساجد .. ومن المواقف التي عاصرتها في مدينة دنقلا .. والتي أشرت إليها في مقال سابق .. أن مولانا حسن أحمد حامد وهو عالم ضرير .. خطب في أحد مساجد المدينة وهاجم مايو بشراسة .. وقال ضمن خطبته .. إن الشيوعيين قد تجاوزوا كل الحدود .. وهم يحتفلون بذكرى ميلاد لينين .. وهذه الذكرى تصادف ميلاد سيدنا عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» .. أهاجت خطبة مولانا حسن مشاعر المصلين .. حتى كادوا أن يخرجوا في مظاهرة تدين مايو .. وقمت كضابط مسؤول عن الأمن في المدينة برفع تقرير إلى الرئاسة .. بهذا الحادث .. وسرعان ما جاءني الأمر باعتقال الشيخ وفتح بلاغ ضده .. وقمت بهذا الإجراء واعتقلت الشيخ في هدوء ودون إثارة ، ولكن مركز الشرطة بعد لحظات كان محاطاً بالمئات من رجال دنقلا وشيوخها الذين يقدرون الرجل ويجلونه ، وحاصروني بالأسئلة والانتقادات واستطعت أن أجبر بخواطرهم .. وأهدئهم وأعدهم .. بأن الأمر سينتهي على خير بإذن الله .. وعلى ذلك توليت التحري في البلاغ بنفسي .. واستمعت لأقوال المبلغ والشهود .. وأُحضر الشيخ أمامي .. فأجلسته .. وبدأت أسأله للتيقن من النقاط التي وردت في خطبته والتي تجرمه وتحسب عليه ، وأحسن الشيخ بذكائه الفطري وأدرك قصدي وقال لي .. يا إبني أنا أحفظ ما قلته عن ظهر قلب وأكتب عندك .. وقام بقراءة خطبته عليّ بالسرعة الإملائية .. فكتبتها كما قالها وكل حرف فيها يكفي لإدانته بارتياح شديد وبدون شهود كمان!! شكرت الشيخ وأعدته للحراسة .. لتبدأ معه رحلة العذاب .. وأحسب أنها المرة الأولى التي يعذب فيها المتهم معتقليه .. ذلك لأنه شيخ وقور وعالم .. وأنه ضرير .. وأنه في حراسته .. لا يتوقف عن التسبيح وتلاوة القرآن .. ثم لأنه ظل ينادي في كل لحظة .. أريد أن أتوضأ أريد أن أصلي الفجر لوقته .. أريد أن أصلي الضحى .. أريد أن أتنفل .. وأن أتهجد .. وأن أتطهر .. وظل باب حراسته يفتح ويقفل بانتظام .. وقد أمرت رجال الشرطة بأن يستجيبوا لكل طلباته .. عدا الضمانة!!
تضايقت كثيراً من وجود الشيخ حسن في الحراسة لظروفه الخاصة .. وتعدد دخلاته ومرقاته من الحراسة .. وما ظل يحاصرني به .. أهل دنقلا وشيوخها .. فتوكلت على الله وخاطبت الرئاسة ـ عطبرة .. موضحاً محنتنا مع الشيخ .. ومعبراً عن إمكانية تحول الجماهير عن الثورة ومناصبتها العداء .. بسبب اعتقال هذا الرمز الديني .. وطالبت بالعفو عنه وإطلاق سراحه .. أو تحويله إلى عطبرة .. وكانت المفاجأة .. أن جاء الأمر بالعفو عنه وإطلاق سراحه وبقرار من النميري شخصياً .. ولا أجزم بأن خطابي كان السبب!!
ومثل ما فعل الشيخ حسن .. فعل آخرون .. في شتى المواقع .. وكنت أحسب كل ذلك إرهاصات تنبىء بتغيير ما .. وكان تقديري .. يتجه نحو إعلان النميري .. براءته من قوم ابن محجوب .. أو «مزيكة» جديدة وانقلاب عسكري وأنا ماشي أمريكا أو ثورة شعبية .. كثورة أكتوبر .. تعيد السيدين الجليلين .. إلى القصر .. ولكن حدث ما لم يتوقعه حتى الذين قاموا به .. والذين لم يعجبهم (حَمَار) مايو .. فجاءوا بحركة أكثر احمراراً!!
لقد حزنت جداً لوقوع انقلاب 19 يوليو 1971م والذي تم في منتصف النهار على غير عادة الانقلابات والمغيرات صبحا .. وحزن أهل السودان جميعاً ولكني كنت مثل .. الإداري الجنوبي .. برنابا كاسنقا .. محافظ الشمالية بالإنابة عندما قام الشيوعيون بمظاهرة صاخبة تظللها الرايات الحمراء في عطبرة .. وساروا إلى قيادة المدفعية .. وخرج لهم قائدها وخاطبهم مؤيداً مباركاً .. ثم اتجهوا إلى المديرية وقدموا المحافظ بالإنابة برنابا كاسنقا ابن الجنوب الثائر ليخاطب الجماهير .. ولكنه وبحكمة أهل الجنوب ودهائهم أمسك بالمايكرفون وقال.. طبعاً يا جماعة إنتوا عارفين عربي بتاعي ماكويس .. شكراً.. ليكم .. ثم نزل ودخل مكتبه .. وداعبه أحدهم وقال له .. وليه ما إتكلمت بالإنجليزي؟! فقال برنابا : يا أخوي.. أنت ما نصيح .. والله جماعة ديل ما بتموا إتنين يوم في كرسي !!
لقد كان انقلاب 19 يوليو .. هو الانقلاب الخطأ .. في الزمان الخطأ .. وفي البلد الخطأ ... وقد وصفه بعضهم بالمثل السوداني الظريف .. عايرة وأدوها سوط .. وكما توقع برنابا .. سقطت الحركة وأعادت الجماهير النميري .. إلى دست الحكم في 22 يوليو.. وظل بعدها في السلطة خمسة عشر عاماً .. أعانته عليها 19 يوليو بلا شك .. ورب ضارة نافعة .. ورب نافعة ضارة!!
لقد كان انقلاب 19 يوليو .. انقلاباً مشؤوماً انتهى بإعدام كل قادته ومؤيديه .. وراح ضحيته رجال من أكفأ الضباط في مجزرة بيت الضيافة .. بل وحرمت البلاد من قامات سامقة تستحق الاحترام والتقدير .. مثل المفكر عبد الخالق محجوب والنقابي الكبير الشفيع أحمد الشيخ .. والجنوبي اليساري جوزيق قرنق .. وانتهت حيواتهم بطلقات نارية لو كانت تعلم نتيجة فعلها لاستحالت إلى فشنك!!
نعم كان انقلاباً مشؤوماً لأن السجون والمعتقلات اكتظت على أثرهـ بالرجال والنساء .. وتجاوز عددهم في الشمالية وحدها الألف معتقل .. قضى المخططون منهم في المعتقل شهوراً طوالاً وبقي الآخرون سنوات أطول .. فقدوا خلالها وظائفهم .. وخسروا أعمالهم وضاعت أسرهم .. وتفككت!!
عندما .. وقع انقلاب هاشم العطا نهاراً جهاراً رُصد من أيدوهـ بالبرقيات والتهانئ وكان عددهم ستين شخصاً .. دوافعهم كلها لا علاقة لها بالشيوعية .. ومظاهرة بائسة واحدة خرجت من بضعة رجال .. وزفة أطفال وعيال .. ولما فشل الانقلاب .. وعاد أبو عاج .. قمت باعتقال بعض المتظاهرين .. وبعض المؤيدين وكانوا لا يتعدون السبعة .. ولكن لقد «جاطت» البلاد بعض الوقت بعد اندحار الانقلاب الشيوعي .. ونصّب العديد من أنفسهم حراساً لمايو .. فظلموا بغير علم وأصابوا الكثيرين بالأذى .. وبلغت آثار هذه «الجوطة» الشمالية ومنطقة دنقلا إذ تنفست الأحقاد بين الناس .. وسعى بعضهم لاستغلال الظروف لينتقم ويثأر أو يبتز .. وأصبحتُ أستقبل بين الفينة والأخرى .. رجالاً مكتوفين بالحبال .. محمولين على ظهور الحمير.. وعربات الكارو .. وأمسك يا جنابو .. ده (شعوعي) ابن الـ......! وتصرفت .. باللجوء إلى بعض شيوخ المدينة وحكمائها ... لمنع الناس من مثل هذه التصرفات التي ستنقلب في النهاية إلى صدامات بين الأُسر .. والبيوتات .. وحدث حادث بشع .. أدى لتوقف الناس من هذه الممارسات القبيحة .. وذلك عندما هاجم البعض رجلاً .. قدم إلى دنقلا بحثاً عن الرزق ورجموه بالحجارة .. وهم يهتفون .. أضرب الشيوعي أضرب الشيوعي .. وتدخلت الشرطة في اللحظات الأخيرة وانقذت الرجل المسكين وهو على مشارف الهلاك .. فاستغليت هذه الحادثة وأجريت تحقيقاً .. مع كل من اعتدى على الرجل أو حرض على ذلك .. وشمل العشرات من مثيري الشغب .. فهدأت الأحوال وكف الناس عن مهاجمة الآخرين واعتقالهم .. وامتلأت المجاري والكوش وتطايرت في سماء المدينة .. آلاف الأوراق والكتب والمنشورات الشيوعية ، والتي تخلص منها أصحابها من ذوي الميول اليسارية تحسباً لحملات تفتيش متوقعة!!
عمر انقلاب 19 يوليو .. كان عمراً قصيراً جداً بحسب الساعات ، وقد كشف هذا الوقت القصير كل الذين كانوا ينافقون النميري .. وكشف الغطاء عن أسرار الحزب الشيوعي التي ظل يتميز بها .. فبدد شمله وفت في عضده .. ولعل أصدق تعبير عن ذلك عندما التقاني الأستاذ محمد إبراهيم عبده كبج .. وكان مناوئاً للراحل عبد الخالق محجوب .. فسلم على طفلي الصغير ولم يسلم عليّ .. فسألته عن ذلك فقال .. علشان نعيد الحزب من تاني .. يتحتم علينا أن نبدأ المشوار مع الأطفال عمر يوم واحد!!
شاعت في البلاد .. نكات وطرائف كثيرة ورسمت العديد من الكاركتيرات .. تعبر عن الجهجهة التي وقع فيها الكثيرون .. (المذبذبون) ومطاردتهم لبرقياتهم التي أرسلوها .. بقصد اللحاق بها وإعدامها .. وشاعت طرفة .. الفنان الذي بدأ يسجل أغنية مطلعها هاشم العطا .. صحَّح الخطأ.. ولما سمع أصوات المدافع .. عدل الكلمات وقال .. هاشم العطا (سوا) الخطأ ...؟
لقد عاشت البلاد (جوطة) ودفع كثير من العباد ثمنها غالياً .. وقد كنت أستمع إلى المذياع ومايكرفون الإذاعة يجري لقاءً على الهواء مباشرة مع أحد الجرحى في السلاح الطبي ويسأله عن الحاصل .. فقال .. الموضوع هو أن جماعة هاشم العطا عملوا مؤامرة دنيئة شالوا النميري .. أنحنا كمان عملنا مؤامرة دنيئة أكبر من حقتهم ... ورجعنا النميري !! ويا لها من دناءة!!



نواصل

elmhasi
06-02-2018, 09:13 PM
جريدة الوطن - 25 ذوالحجة 1429هـ - 23 ديسمبر 2008م

كلام ساكت - أيـــــام النمــــــيري (8)

لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كانت مدينة دنقلا .. مدينة صغيرة وكان عدد الموظفين فيها محدوداً جداً .. مما جعلهم أُسرة واحدة .. تلتقي في المكاتب والأمسيات .. وكان الأستاذ حسن عبد الماجد المحامي .. والرمز الشيوعي المعروف .. هو نوارة الجماعة .. بلطفه وظرفه وخفة دمه وحلو حديثه .. وشهامته التي كانت تتجلى في دفاعه عن المعوزين أمام المحاكم بلا مقابل .. والتي كان يحرص على حضورها الكثير من الناس .. لأن دفاع الأستاذ حسن كان لا يخلو من طرفة أو نكتة .. وذات مرة فتح ملاحظ الصحة بلاغاً ضده ، وقال للقاضي هذا المحامي يربي الناموس في (خرارة) ماء مصدرها منزله .. وقال المحامي حسن مدافعاً عن نفسه .. يا مولانا أنا موش قادر أربي عيالي .. أقوم أربي الناموس ؟! وضحك الجميع وانتهى الأمر .
لقد كان الرجل صديقي ومع ذلك فإن واجبي الشرطي قد حتم علىّ أن أخصه بتقريرين متباعدين رفعتهما للرئاسة عنه مرة .. عندما خطب في أحد الأندية بدنقلا وقال إن المرء .. يسعد .. أنه عاش ورأى الحكومة تحتفل بعيد العمال .. ومرة أخرى لما قال في (ونسة).. أن الشيوعيين جناح معاوية .. مرتزقة وجماعة عبد الخالق .. حيودوا الحزب في ستين داهية!!.. ولكن وفي صبيحة يوم 17 يوليو .. جاءني الأستاذ حسن عبد الماجد .. وهو بالمناسبة صهر الفنان محمد وردي .. ودخل لمكتبي على عجل .. وقال .. أنا لازم أكون في الخرطوم اليوم .. أنا عاوز بنزين كفاية .. وطلب شيئاً آخر .. لا أذكره وأعطيته ما أراد .. فودعني وقال لي .. أنا ماشي الخرطوم .. عاوز تبقى مدير عام شرطة .. ولا .. محافظ الشمالية ؟!.. فقلت له وأنت حتكون الرئيس؟! فقال مقهقهاً أنا حأكون وزير الداخلية .. ثم ودعني مرة ثانية وخرج مسرعاً .. وغادر بالفعل إلى الخرطوم .. واعتبرت كل ما قيل .. بعض نوادر المحامي حسن .. التي عودنا عليها غير أني تذكرت كل ذلك في يوم 19 يوليو .. عندما أُذيع بيان هاشم العطا .. ولم يلبث .. أن قرأ .. المذيع .. أول برقية تأييد لحركة التصحيح من حسن عبد الماجد المحامي .. بقلمه السلس ولغته االرفيعة الما بتغباني!!
استقبلت الشمالية وأهل دنقلا ما حدث في الخرطوم .. بالصمت والوجوم والبعض بالغضب والبكاء .. وكان أول من دخل مكتبي .. مجموعة من الرجال والنساء .. كانوا قد تعاقدوا مع الفنان عثمان حسين وأبو عركي البخيت وآخرين لإحياء حفل ليلة 19 يوليو وذلك .. إن لم تخني الذاكرة من أجل الثورة الصحية .. وأبدوا تخوفهم من إلغاء الحفل الذي يتسبب في خسارة للمتعاقدين .. وربما يؤدي إلى ثورة المواطنين .. الذين قطعوا التذاكر وتهيؤوا وأُسرهم لهذا اليوم الترفيهي النادر .. وتوكلت على الحي الدائم .. وقلت .. لهم .. ليقم الحفل في موعده .. وسأكون أول من يحضره .. وقام الحفل بالفعل .. وسلمت الجرة هذه المرة !!
وفي صبيحة 20 يوليو والأيام التالية هاجمني شاب شيوعي .. يرأس إحدى النقابات العمالية .. واقتحم مكتبي وسبني .. واتهمني بالرجعي المتعفن و(دق) أمامي منشوراً مطبوعاً طويلاً لحركة 19 يوليو .. وقمت باعتقاله والزج به في الحراسة .. كما سبق وأن ذكرت ثم تحركت مواكب مؤيدة .. هزيلة جداً يقودها بضعة من الرجال وزفة من الأطفال الصغار .. فراقبتها حتى تفرقت .. وأخطرت الرئاسة بأسماء عناصرها وهتافاتهم .. ونسقت مع ضابط البريد المسؤول .. لمدي بصور كل البرقيات التي أرسلت تأييداً ودعماً للانقلاب ، وكان مجموعها ستين برقية .. ليس من بين مرسليها .. شيوعي واحد .. ولما سقطت حركة 19 يوليو .. وعاد النميري إلى السلطة اجتاحت الولاية الشمالية .. مظاهرات عارمة تندد بالشوعيين .. وتهتف بحياة النميري وتطالب بالمزيد من الاعتقالات والإعدامات .. التي طالت العديد من العساكر والمدنيين .. ولكني تصرفت بهدوء شديد .. واعتقلت سبعة أشخاص كانوا ضمن المتظاهرين .. ولم أعتقل أحداً من مرسلي البرقيات .. وبعد أن استتب الأمن في الخرطوم .. انطلقت قيادات مايو .. لأصقاع السودان المختلفة .. يهنئون ويتلقون التهانئ .. بعودة الرئيس القائد .. وجاءنا الدكتور محيي الدين صابر .. يرافقه محافظ الشمالية .. سعد عوض .. عليهما الرحمة ، واستغلا رفاساً أو باخرة نهرية صغيرة.. وجابا بها كل القرى .. على الضفتين.. يخاطبان الجماهير .. ويسعدهما الهتاف الظريف .. أي والله نعم .. قلناها نعم .. ولما توغل الرفاس.. في مناطق السكوت والمحس.. قال الدكتور محيي الدين صابر .. ياجماعة أنا (كُوفَرْتَ) من كثرة الخطابة وبالعربي الفصيح .. وأخذ يخاطب الناس بالرطانة .. وقد استهوى ذلك أهل المنطقة وتجاوبوا معه تجاوباً كبيراً .. وكان يرافق الدكتور.. في غرفته رجل يناهز السبعين من العمر وكان يحترمه ويجلس عند قدميه .. ولا يشعل سيجارته أو غليونه.. في حضرته.. وعرفت أنه الرجل الذي رعى الدكتور.. عندما كان طالباً .. وساعده حتى أصبح .. علماً من أعلام السودان .. وذات ليلة .. استدعاني الدكتور .. ومعه المحافظ وهما يجلسان على سطح الرفاس.. وقالا لي .. لماذا اعتقلت سبعة أشخاص فقط .. والمنطقة بها العديد من الشيوعيين .. وأن هناك ستين شخصاً أبرقوا مهنئين قادة الانقلاب .. وحاولت أن أبرر موقفي ولكنهما (استهونا) أمري كضابط صغير (نجمتين).. ولم يستمعا إليّ ، وأمراني فور عودتي إلى دنقلا .. أن أقوم باعتقال كل من أيد .. حركة يوليو .. وأضاف الدكتور من عندو قائمة أخرى .. كان معظمهم زملاء دراسة لي في وادي سيدنا .. فقلت للسيدين .. الوزير والمحافظ .. إن العمل الأمني عمل تخصصي .. وأنا المتخصص الوحيد .. ومن الأفضل تركي .. أعمل بالتنسيق مع رئاسة الشرطة في عطبرة .. فقال لي المحافظ أنا رئيس لجنة الأمن .. وعليك أن تنفذ الأمر.. وإنت ساكت.. مفهوم؟! فغضبت جداً وقلت لهما .. إذن فلنبدأ العمل من هذه الباخرة .. وأرجو أن يسمح لي السيد الوزير باعتقال الرجل الذي يقيم معه في غرفته !! فاستشاط الدكتور غضباً وقال .. هي حصلت؟
فقلت له .. هذا الرجل .. أرسل برقيات عديدة تأييداً لقادة الانقلاب .. وخص كل واحد منهم ببرقية.. ويمكنك أن تسأله .. فأسرع بالدخول إلى غرفته .. وعاد بعد برهة .. ووضع يده على كتفي وقال لي .. يا إبني إنت فعلاً عارف شغلك .. أمشي اشتغل بطريقتك!!
وعندما وصلنا إلى دلقو .. استضافنا الدكتور محيي الدين في منزله .. وهيأ لنا مكاناً نستريح ونأكل ونشرب فيه .. وانسحب من مجلسنا .. وغاب قرابة الساعتين وتساءل الجميع عنه .. ولكني كنت أعلم أين هو .. فالدكتور محيي الدين صابر هو ابن خالة المقدم .. أبو شيبة وكلاهما وحيد أمه .. وأبو شيبة كما يقول البعض .. هو المنفذ الفعلي لانقلاب مايو .. ثم هو المنفذ لإنقلاب هاشم العطا .. رغم الصداقة القوية التي كانت تربطه بالنميري .. وأنه هو الذي أخرج عبد الخالق محجوب من السجن .. وخبأه في القصر الجمهوري ... وقد كان وقتها مسؤولاً عن الحرس الجمهوري .. وشملته موجة الإعدامات .. ولم تشفع له صداقة النميري .. ولا وساطة ابن خالته محيي الدين صابر !!
إذن ذهب محيي الدين .. ليعزي خالته وأهله .. في ابنهم أبو شيبة الذي أعدم .. ودخل المنزل وكان الناس جميعاً جلوساً .. لم يتحرك أحد لاستقباله أو رفع الفاتحة معه .. وظل يتحدث ويتحدث مبرراً .. عجزهـ .. عن إنقاذ ابن خالته .. الذي جاء به إلى الوزارة كما يقول البعض .. ولما لم يجد .. أي تجاوب من أهله .. انسحب بهدوء وخرج وعاد ليواصل جلسته معنا ويتناول العشاء .. وخاطبني فجأة .. وقال برضك وراي وراي .. أنا شفت عساكرك .. هناك .. قريب من بيت أبو شيبة .. أنا كنت عاوز الحكاية سرية خالص .. فقلت له .. إنت دكتور .. ووزير .. وأنا مسؤول عن حمايتك !!.. فقال لي اللي حصل حصل .. بس ما ترفعش الموضوع ده إلى الجهات العليا .. فوعدته بذلك ولكن الجهات العليا .. هي التي نبهتنا لما قمنا به .. والشغل شغل!!
واستمرت رحلة الدكتور محيي الدين والمحافظ سعد عوض .. وعند اللقاء الجماهيري الحاشد هناك.. قال الدكتور.. ما فيش حد .. يخطب معاي شويه .. أنا تعبت خالص .. فقلت له .. أنا .. ممكن أخطب .. فأخرج نظارته .. ونظر إليَّ مندهشاً .. إنت بتتكلم جد؟! فقلت نعم .. وتقدمت نحو المايكرفون .. وتحدثت ساعة من الزمن .. أثارت الجماهير وقاطعها الناس بالهتافات والتصفيق .. ولما انتهيت .. صفق الدكتور بنفسه طويلاً .. وهنأني .. وقال لي .. أنا عاوزك في الخرطوم ضروري .. أنا محتاج لواحد زيك .. أنا حأعينك مدير لمكتبي في درجة ما تحلمش بيها .. وذهب الرجل إلى الخرطوم .. ولم ألحق به .. لأن تقريري الشامل .. عن زيارته .. كان قد سبقه مفصلاً وبالحتة !!
أما الأستاذ حسن عبد الماجد .. وبعد برقيته الشهيرة .. اختفى ولم يعد إلى دنقلا .. وذات صباح .. رن جرس التلفون .. في مكتب المساحة .. وهو المكتب الذي تعودنا أن نلتقي فيه جميعاً لتناول طعام الإفطار .. المكون عادة من فول السليم العجيب .. وكبده الإبل التي كان السادة الجزارون .. «يبروننا» بها .. وجاءت ساعة الاتصال التلفوني .. متزامنة مع لحظات الفطور .. وانبرى أحد الموظفين للرد على التلفون .. وفجأة انتفض كمن لدغته عقرب .. ورمى السماعة .. وجاءنا .. وهو يلهث .. ألحقوا .. حسن عبد الماجد على الخط .. فأسرعت وأخذت السماعة .. وبادرته بالتحية .. والسؤال عن أحواله .. وفهمت منه أنه يرغب في تسليم نفسه .. فقلت له .. يا صديقي .. لو سلمت نفسك في دنقلا .. فستكون أهم المعتقلين .. ولكن ترتيبك في الخرطوم سيكون في أدنى قائمة «فطاحلة الخرطوم» .. ويبدو أن الأستاذ حسن .. قد قلب الأمور واختار الوسط خير الأمور .. وسلم نفسه في مدينة عطبرة .. وعلمت بذلك .. وعزمت في دواخلي .. أن أقدم له كل المساعدة الممكنة .. سيما وقد تقرر نقلي إلى عطبرة .. ولكن لما وصلت عطبرة .. علمت .. أن الرجل تم تحويله إلى الخرطوم .. فاعتصرني الألم وأشفقت عليه .. من هول ما كان يجري في الخرطوم .. من إعدامات !!
وذات يوم .. وصل رئاسة شرطة الشمالية مظروف أبيض كبير عليه رسم شعار الجمهورية .. معنون لشخصي «شخصياً» فارتعدتُ وأصابني الخوف .. واستعرضتُ سنوات عملي الماضية .. وأنا أحادث نفسي .. يا ربي أنا سويت شنو ؟! وهل هي شكوى أخرى ضدي .. كالتي جاءت للتحقيق معي بأمر الرقيب العام .. وفحواها «يوجد في مدينة دنقلا .. ضابط اسمه محيي الدين .. يأكل الخرفان كالأحزاب البائدة .. ويشرب المكيفات غير اللازمة»؟!
على كل حال فتحت المظروف .. وقرأت بداخله تكليفاً .. من مدير الأمن العام .. بكتابة تقرير .. عن الأستاذ المحامي حسن عبد الماجد .. فأخذت نفساً عميقاً .. وارتحت .. واعتبرتها فرصة .. لتقديم المساعدة لصديق عزيز .. وفكرت ملياً .. حتى اهتديت .. وقمت بمراجعة كل التقارير الأمنية التي كنت أرسلها من دنقلا ، وعثرت لحسن الحظ على التقريرين اللذين سبق وأن أرسلتهما عن نشاط الأستاذ حسن وقمت بإرسالهما لإدارة الأمن العام .. لأنهما كانا يصبان في مصلحته .. وقد ساعدا على إطلاق سراحه .. ومع ذلك فإن الرجل كان عاتباً عليّ .. لأني كتبت ما كتبت .. من وراء ظهرهـ !!

imported_حسن النضيف
07-02-2018, 09:50 AM
نميري تسبب في الكثير من المشاكل والمصائب للبلد.
مجزرة الجزيرة ابا
عدنان خاشقي
مقتلة قادة الحزب الشيوعي
الخ
شخص مهوووس مزاجي كالقذافي كثير من القصص تروى عن تهوره وتقلبه مرة يفك مجرم شان خاطر مرتو ومرة يسجن صاحب قعداتو شان زكاو بالموتر وهو يجلس في العربة الرئاسية.
للاسف السودان لم يحكمه راجل يخاف على شعبه وموارده.
اخير الناس تدي فرصة لتحكنا النساء لانهن حنينات براعو لينا
من الاستقلال نحن من سئ لاسوأ
التحية للاخ المحسي ومن قبل لعمنا محي الدين

imported_أبو جعفر
07-02-2018, 12:06 PM
نميري تسبب في الكثير من المشاكل والمصائب للبلد.
مجزرة الجزيرة ابا
عدنان خاشقي
مقتلة قادة الحزب الشيوعي
الخ
شخص مهوووس مزاجي كالقذافي كثير من القصص تروى عن تهوره وتقلبه مرة يفك مجرم شان خاطر مرتو ومرة يسجن صاحب قعداتو شان زكاو بالموتر وهو يجلس في العربة الرئاسية.
للاسف السودان لم يحكمه راجل يخاف على شعبه وموارده.
اخير الناس تدي فرصة لتحكنا النساء لانهن حنينات براعو لينا
من الاستقلال نحن من سئ لاسوأ
التحية للاخ المحسي ومن قبل لعمنا محي الدين

تحياتي حسن النضيف والتحية موصولة لمفترع البوست وله الشكر على المفترعات القيمة.

في الحقيقة النميري هو ضحية لفكر فاسد متخصص في تدمير البلاد واستعباد العباد وعنده مشكلة لكل حل، زرعه اليهودي هنري كوريل بواسطة عملاءه أمثال عبد الخالق محجوب والشفيع تحت ستار العطف على الفقير وهم من دمر معيشة وعلاج وسترة الفقير بتدميرهم لمقدرات الدولة من تعليم وصحة وزراعة وصناعة تحت وهم الشرعية الثورية التي أسلمت السلطة لمغامرين من أصحاب المرتبات، لم يديروا من قبل شأنهم الخاص فما بالك بشأن دولة تحتاج كل يد فيها لتبنى ... فكان أن سلطوا يد من بينها يد صاحب المذكرات، لكي تقبض على باقي الأيدي فتعطل كل شيء.

ومن هنا فالنميري وكاتب المذكرات هم ضحية لتعليم فاسد أعطاهم الوظيفة ولم يبصرهم بواجباتها وعلى رأسها حماية سلطة الجماهير حتى لا تفسد البىلاد وتنتهك حقوق العباد.

وأذكر أن إحسان عبد القدوس كتب مقالاً طلب فيه من قيادة انقلاب يونيو 1952م في مصر، الظهور للعلن بدلاً من تلك .السرية المعتمة في إدارة شأن الدولة والحكم، وذلك حتى يحاسبهم الشعب على قراراتهم ... لأن الشعب هو المالك الحقيقي للدولة وحاكمها، وأن الوحيد الذي لا يسأل في الكون هو الله سبحانه وتعالى. فكان نصيبه أن سجن ثلاثة أشهر ... ونصيب كل من نصحهم وأفتروا كذباً الخزي والعار والشنار. فقد مات عامر وناصر وكل من ساندهم، تسبقهم لعنة الطغيان إلى قبورهم.

imported_حسن النضيف
07-02-2018, 12:48 PM
التحية لك العزيز أبو جعفر.
الواحد المغصة بتكتلوا لمن يقرأ عما فعله الحكام بالبلاد والعباد.
والله البلد دي لو حكمه زول بخاف الله جد كان بقت شئ عظيم.
مشكلتنا حكامنا كلهم مرض وجايين من قلب الفقر شان كده عذبوا الخلق ونفثوا عقدهم.
لو جانا حاكم ود عز ساي كان عزانا

elmhasi
29-03-2018, 10:29 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 3 محرم 1430هـ الموافق 30 ديسمبر 2008م

كلام ساكت - أيـــــام النمــــــيري (9)

لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
بعد أن تأكد نقلى من جوبا الى دنقلا .. راجعت حساباتى فتبين لي بعد ثلاث سنوات من العمل بالاستوائية أنى لا املك مالاً .. وكل حيلتى (هاندباك) نصفها ملابس واحذية .. والنصف الباقى .. هواء ساخن .. وتخيلت موقفى بين يدي ابى وامى واهلى .. وانا اعود بعد كل سنوات الاغتراب .. (وهاندباكى والنجم) !! فكرت ملياً ولم اتردد فى اقتحام مكتب السيد قومندان بوليس الاستوائية .. الفارس الشهم .. عصمت معنى .. الذى تغنت بشمائله الركبان والحسان .. وقلت له : يا سعادتك إن ليالى (الترم ترم) فى جوبا .. لم تترك فى يدى مالاً يمكننى السفر به الى دنقلا .. انا لا اطلب مالاً ، ولكنى ارغب فى العمل مدة اخرى بالاستوائية !! ضحك الرجل وقال : دي بسيطة جداً .. وسأعالج الامر مع الرئاسة .. فرجعت مسروراً .. وقررت أن أعيد تذكرة سفرى لإلغائها .. ولكن كلباً إبن كلب .. عض مواطناً جنوبياً .. فقمت باتخاذ الاجراءات واحضرت المتهم وكان تاجراً إغريقياً لسوء الحظ من أصدقاء القومندان .. فترددت فى ادخاله الحراسة .. ولكن اصدقائى الاعزاء أولاد دفعتى محمد الفاتح عبدالملك وعوض الكريم ابوسن .. حرضانى على المضي قدماً فى الاجراءات .. دون خوف أو وجل فطاوعتهما .. وحدث ما توقعته وأمرنى القومندان بإطلاق سراحه بالضمان فوراً .. ولكن صديقنا وكبيرنا القاضى .. مولانا .. الصادق الشامى أتم الناقصة .. ورفض الموافقة على الضمانة .. حتى الافادة (عن سبب السعر من دونه) بلغة كاتب البلاغات !!
ولما كان السيد عصمت ، على علم بالصداقة التى تربطنا مع الاستاذ الشامى .. فقد ظن - وهو محق - إن فى الامر مؤامرة .. فأستدعانى الى مكتبه .. ووبخنى .. وأمرنى بتنفيذ النقل فوراً الى دنقلا .. فخرجت من عندهـ والتذكرة مازالت فى جيبى . وذهبت الى الميس وأخذت (هاندباكى) وتوجهت الى المطار وتيسر الامر فحلقت بين طيات السحاب بعد ساعة تقريباً .. ومن الخرطوم .. واصلت الى دنقلا .. ووجدت دفعتى الاستاذ المحامى اللواء ’’م‘‘ صديق الهادى الخضر .. وكان وقتها بنجمتين رئيساً لشرطة دنقلا بالإنابة ، وعملنا معاً فى إنسجام تام سيما ونحن أصدقاء .. حتى غادر الى عطبرة ، ثم الخرطوم ، حيث تم إختيارهـ مديراً لمكتب اللواء الباقر احمد وزير الداخلية .. ولما كانت مايو قد بادرت وإعترفت بالمانيا الشرقية فقد .. مد الالمان أيادى بيضاء للسودان فى شتى المجالات .. وفتحت الابواب امام وزارة الداخلية وضباطها لتلقى دورات تدريبية .. إدارية .. وجنائية .. وأمنية .. ومرورية وغيرها ، وكان من الغريب جداً أن تم إختيارى لدورة تدريبية على اعمال المرور .. وسافرت الى ماقدبرج .. ضمن مجموعة من الزملاء .. الطريفى .. واحمد حميدة ومبارك .. وحسن محمد خير .. ورأينا هناك العجب العجاب .. والذى لا مجال لسردهـ .. ضمن هذا المقال .. ولكن .. كان صدى إعتراف السودان بالمانيا الشرقية عظيماً .. فقد كانت صورة نميرى .. تزين أماكن كثيرة من شوارع المانيا .. وكان ابتهاج الناس بنا .. ونحن نقدل .. بجلابيتنا وعمائمنا .. وشالاتنا .. وبدلنا الافريقية .. يثلج صدورنا .. بل وكان اكثر ما يسعدنا .. هو همس الفتيات الجميلات فى وجوهنا .. نميرغى .. نميرغى !!
لقد تعامل معنا .. الالمان الشرقيون بندية .. بإعتبارنا رفاقاً شيوعيين .. قادمين من افريقيا .. علماً بأننا جميعاً أبرياء من الشوعية .. ولا علاقة لنا بها .. وكان سكرتير الحزب الشيوعى فى مدينة ماقدبرج .. هو رئيس قسم المرور فى المدينة .. والذى كنا نتلقى الدورة التدريبية المرورية تحت اشرافه .. وكان رجلاً لطيفاً .. ظللنا فى كل مرة .. ندعوهـ للعشاء والسهر معنا .. فيلبى الدعوة .. حتى (تجوعل) الرجل ودعانا الى عشاء وسهرة فى دارهـ امتدت لما بعد (نص الليل) .. فأكلنا وشربنا .. وفجغنا وجغجغنا .. كما يقول اسماعيل عبدالمعين .. والخواجة ينظر الينا ساهماً .. محمراً .. ويزداد إحمراراً ويكاد ينفجر بالدماء ’’الارية‘‘ ولما ’’هسك‘‘ اليل خرجنا .. وخرج ليودعنا وعند الباب سألنا إن كنا نمتلك بترولاً .. فقال احدنا عندنا الذهب الابيض .. القطن.. فأستشاط الخواجة غضباً .. وقال .. إنتوا مش شيوعيين .. أنتم تصرفون ببذخ لاعلاقة له بالاشتراكية .. وظللتم تكرموننى حتى اضطررت لدعوتكم رداً للجميل .. وضاعت بذلك كل مدخراتى .. فلا رحلات ولاسفر .. ولاسياحة .. لقد خربتم بيتى .. أو هكذا قال !!
لقد كانت دورتنا التدريبية لبضعة اسابيع واحسب اننا رأينا فيها الاشتراكية العملية الشيوعية مطبقة كما لم تطبق فى الاتحاد السوفيتى نفسه .. فقد كان الاكل والشرب والعلاج والتعليم متاحاً للجميع .. غير أن الجميع سواسية كأسنان المشط .. عند الفقر .. وإن الافواهـ (مطبولة) جميعاً عند حرية الكلام .. أو كما حكى لي احد اليمنيين بأنه عاد الى بلادهـ .. فقدموهـ ليصلى بهم فصلى بهم العشاء سراً ؟ فقال : عندنا فى المانيا الشرقية كله سر فى سر !!
لقد كانت ايامنا بالمانيا هي الاحلى لولا أن كدرتها وفاة الزعيم جمال عبدالناصر .. قبل عودتنا ورأينا بأم أعيننا شعوب الارض جميعاً وقد توشحت بالسواد وهي تتوجع وتتلوى على الطرقات والميادين تولول وتصرخ وتهتف وقد تعجبت فى حينها على رحيل الزعيم ، ولم يشذ عنهم إلا العرب فقد كانوا منشقين حتى فى البكاء !!
ولما عدنا الى السودان الحبيب قام كل منا بكتابة تقريرهـ عن الدورة ، وكتبت تقريراً وافياً شاملاً وختمته بقول ’’موش مظبوط‘‘ .. وقلت إن إختيارى لهذه الدورة فى مجال المرور .. لم يكن موفقاً .. لانى لم اجرب العمل فى مجال المرور من قبل .. لأنى اعمل فى مدينة دنقلا .. التى ليست بها سوى بضعة لوارى وعربة تاكسى واحدة ومئات الحمير .. وتلقف تقريرى (أشاوس) فى رئاسة الشرطة ووضعوهـ امام السيد المدير العام الفريق على صديق وخطوا خطاً احمراً تحت كلماتى الفارغة ، آملين أن يقطع سيادته (خيطى) ولكن الرجل وهو المدير العام الذى جاء مع مايو اصيلاً من شركائها خذل الجماعة وقال : إتفق مع الضابط الشجاع ، وعلى الادارة أن توفر له فرصة العمل فى مجال المرور عاجلاً .. ! .
ولما نقل القومندان عصمت معنى مديراً جديداً للشمالية .. ورئيساً لي للمرة الثانية .. توجست خيفة منه ، ولكنه الرجل عليه رحمة الله كان اكبر من توجساتى وظنونى ، ولعله إطلع على ملفى وتقريرى وتعليق السيد المدير العام عليه .. فأصدر قراراً بنقلى من دنقلا الى عطبرة .. لتأسيس قسم المرور فيها .. وإعداد الخطة والقوة المطلوبة .. لتنفيذ مشروع تحويل الحركة من الشمال الى اليمين والذى بدأت شهورهـ فى عدها التنازلى .. فإنتابنى شعور غامر بالفرح .. وسارعت بتنفيذ الامر والسفر الى عطبرة لإقوم بتأسيس قسم المرور وإنشائه من العدم مستعيناً بكل ما تزودت به من معرفة أغدقها علينا الالمان بإخلاص ، ولما وصلت عطبرة أحبطت وصدمت جداً لما علمت بأن السيد عصمت معنى قد تم استدعائه الى الخرطوم وإن قومندان السكة حديد يحي حسين على نور قد كلف بامر شرطة الشمالية أيضاً ، وإن اول ما قام به هو نقلى الى قسم المباحث والامن (فعصلجت) وتذمرت وابديت عدم رغبتى فى عمل الامن والمباحث ، وطالبت بتمكينى من ممارسة عمل المرور ، وظل الرجل الانسان المرحوم الحكمدار احمد محمد سعد ينصحنى بالتنفيذ ، وكنت اصر على مقابلة السيد القومندان ، حتى ساقونى بظلفى الى حتفى ، وادخلت على السيد القومندان يحي حسين ، والذى لم يتيح لى فرصة الكلام ..وقال : إنت موش عاوز تنفذ النقل ليه ؟! فقلت : انا لا اعرف عمل الامن !! فقال : آمال فى الجنوب كنت بتعمل إيه ؟ بتلعب ؟! أمشى من قدامى الى مكتبك طوالى ، ولو ما عاجبك ملص الدبابير دي ختها قدامى وامشى بيتكم !!
وخرجت مهزوماً مدحوراً ، وجلست الى مكتبى وطلبت شاي سادة وحبتين بندول !! وأحس الحكمدار احمد محمد سعد بهزيمتى ومحنتى وأراد أن يخفف عنى ويدخلنى فى اجواء العمل بهدوء ، فقال لى : إن الرئيس النميرى سيعبر من الخرطوم بقطار خاص ، وسيتوقف قليلاً فى محطة عطبرة ، ويغادرها الى ابى حمد ، وانه ليس ثمة لقاء شعبى أو رسمى ، لأن القطار سيدخل عطبرة عند الخامسة صباحاً وإن واجبى هو التحرك على رأس قوة وتأمين قطار الرئيس من دخوله الى عطبرة وحتى مغادرتها ، والحرص على حماية الرئيس والوفد المرافق له ، خلال الوقت الذى يتوقف فيه بمحطة عطبرة ، ونفذت الامر بحذافيرهـ ، وإخترت أن أكون مع قوة مناسبة على مقربة من صالون السيد الرئيس ، وكانت المحطة خالية تماماً ، لا احد فيها سوى بعض (العطشجية) والعمال المكلفين بمراجعة وقود القطار ، والماء وربما خدمات (السناطور) !! ونزل الرئيس وحام بالمحطة ، فشات كرتونة صغيرة برجله حتى طارت بعيداَ ، وظل يحك بالعصا بعض الاوساخ من جدار احد المكاتب ، وكان الوفد المرافق من خلفه يمشى إذا مشى ويقف إذا توقف ، تكسو كل اعضائه هالة من التأدب والخضوع فى معية الرئيس ، وجاء رجل سكران وهو يهتف باسم النميرى ويحاول الصعود الى تلتوار المحطة ويصر على ذلك إلحاحاً ، وحاول احد رجال الشرطة ان يمنعه ويبعدهـ ، ولكنه سقط على ظهرهـ ، فقد كان الرجل (عاجزاً عن نفسه) ورأي النميرى كل ذلك فصاح يا بتاع البوليس سيبوهـ خلوهـ يجئ ، وكان حالنا كحال خادم الفكى ، فأحضرنا الرجل ورفعناهـ على التلتوار فمشى نحو الرئيس هو يهتف : ابوكم مين .. نميرى .. وعندما اقترب من الرئيس جرى نحوهـ محاولاً إحتضانه ، ولكن النميرى قفز برشاقة مبتعداً عنه ، وسقط السكران على وجهه ، وجاء النميرى وجلس الى جوارهـ وأمسك بإذنه وظل يفركها ، ويقول : سكران ستة صباحاً آمال بالليل تعمل إيه ؟ ووقف النميرى ويدهـ لازالت ممسكة بإذن السكران ، الذى وقف هو الآخر على أصابع قدميه ، من شدة الفرك ، وكانت شفتة الرجل السفلى حمراء ، فعلق عليها النميرى قائلاً : تشرب العرقى حار من نارو .. لما برص ليك خشمك .. صبر ما عندك !! ثم أطلق أذن الرجل فعاد خائباً ، وهو يمسك بها ، ولما وصلنا هتف قائلاً : البوليس عدو الشعب .. صبحتونا قطعتوا رزقنا .. قلنا الريس يدينا حق الشربة ، ملص لينا إضنينا ، بالمناسبة رئيسكم ما شاء الله عليه .. علي بالطلاق إيدهـ مفتاح إنجليزى عديل كدهـ !!
ودخل الرئيس (قمرته) أما المرافقون فقد ظلوا بعض الوقت خارج القطار ، يقهقهون من فعل الرئيس ويتلوون ، ولكن الله سلم ، لآن أحداً منهم لم يمت من الضحك !! غادر القطار وغادرنا المحطة ، بعد أن وضعنا امام السكران كميات من الطعام ، وقلنا له : هاك فكها .

ونواصل .

elmhasi
29-03-2018, 10:48 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 10 محرم 1430هـ - 6 يناير 2009م
كلام ساكت - أيـــــام النمــــــيري (10)

لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كانت رئاسة الشرطة في عطبرة قد أصدرت قراراً بنقلي من دنقلا .. إلى عطبرة .. لإنشاء وتأسيس قسم لحركة المرور .. يضطلع بدور العمل المروري ووضع خطة العمل .. لمقابلة مشروع .. تحويل حركة المرور من اليسار إلى اليمين .. ولكن وبعد وقوع إنقلاب هاشم العطا 19 يوليو 1971م .. تم استعجالي لتنفيذ أمر النقل .. ولما وصلت عطبرة .. علمت بأن أمر نقلي قد عدل .. للعمل بقسم المباحث والأمن فتذمرت وأبديت عدم رغبتي في عمل المباحث والأمن .. ولكني أجبرت قهراً وبالتعليمات .. وهذا حال القوات النظامية كلها .. التي يسير فيها دولاب العمل بالأوامر الهادئة .. وفي حال العصلجة والتراخي أو الإهمال .. فإن «ظرابين» الرئيس تظهر وتتجلى بوضوح فيلجأ إلى المحطة القصوى .. ويسري حكم القوي على الضعيف !!
المهم .. جلست إلى مكتبي مهزوماً مدحوراً عن يميني المساعد عوض حسين .. وعن يساري الرقيب أول كبير .. ومن أمامي .. الطابعان على الآلة الكاتب .. العريف عبدالله فضل المولى .. والشرطي غاندي .. ومن حولنا جميعاً .. رجال أفذاذ .. ناشطون في مجال العمل الميداني .. وعلى رأسهم العريف فضل عبدالله فضل .. والذي بلغ بكفاءته إلى رتبة العميد شرطة .. وآخرون يضيق المجال عن ذكرهم .. وقد تبدو ملامحهم في صورة فوتغرافية .. أنوي نشرها مصاحبة لهذا المقال .. وبدأت في إجراءات التسليم والتسلم بيني وبين الصديق العميد «م» حالياً بشير حسن عبدالقادر .. الذي زودني بتفاصيل كثيرة عن طبيعة العمل بالقسم .. وعرفني .. بشخوص من كانوا حولي والذين لم أتشرف بمعرفتهم من قبل .. وبعد أن تم ذلك .. عكفت على قراءة التقارير وموجهات العمل والأوامر والمنشورات الصادرة .. واستوعبت الكثير .. ولكني كما يقولون «رأسي انشطب» لما علمت .. بأن عدد المعتقلين بعد الإنقلاب الشيوعي واندحاره .. قد بلغ أكثر من الف معتقل .. تم تجميعهم جميعاً في عطبرة إلا أن لجنة الأمن بادرت بإطلاق .. قرابة الثلث منهم .. شاملاً بعض النساء .. وصغار السن .. ومن حشروهم ضمن المعتقلين زوراً وبهتاناً وتشفياً .. واستغلالاً لظروف «الجوطة» .. التي جعلت بعض المايويين .. ينصبون أنفسهم حماة لمايو ... ولكن ومع كل ذلك .. فإن عدد المعتقلين .. القابعين في معسكر ضخم .. تحت إدارة سلاح المدفعية .. كان ثمانمائة معتقل وأكثر .. وكنت مطالباً باستجواب .. كل هذا الكم الهائل من العباد .. نفراً نفراً .. ومن ثم إعداد تقرير مستوفي عن كل فرد ... موضحاً أصله وفصله وسيرته الذاتية .. وملابسات اعتقاله والجهة التي اعتقلته .. وتقريرها عنه ومن ثم ملخص أقواله واستجوابه .. وفيشه وبصماته مدعوماً .. بصورة فوتوغرافية .. وجهاً .. وجنباً وأية علامات مميزة .. كالشلوخ والفصود .. وغيرها من .. طعنة سكين .. أو لطشة عكاز أو خبطة شامة .. كما جاء في مسرحية شاهد ما شفش حاجة !!
توكلت على الحي الدائم ... وبدأت في اتخاذ الإجراءات ... والتدابير .. لتنفيذ المطلوب بدقة وعلى عجل .. وكلمات .. العميد .. يحيى حسين على نور .. يتردد صداها في أذني .. موش عاوز أشوفك قدامي تاني .. ولو حسيت بأي تقصير حأملص دبابيرك !!.. ولم نقطع شوطاً يذكر في العمل .. حتى حلّت علينا مصيبتان جديدتان ... وكانت الأولى عبارة عن أورنيك ضخم .. مكون من ثلاثة عشر صفحة .. تحتوي على .. خمسة عشر بنداً .. تصر إدارة الأمن العام على ملئها من ثلاث نسخ .. عن كل معتقل .. والمصيبة الثانية .. كانت هي تصنيف كل المعتقلين حسب خطورتهم على أمن الدولة .. كمجموعة أولى .. ومجموعة ثانية ومجموعة ثالثة .. وهي التي ستبدأ لجنة أمن المديرية .. في الإطلاع عليها .. واتخاذ القرار بشأن المذكورين فيها .. باطلاق السراح أو الإبقاء في المعتقل .. أو أحياناً .. بترقية المعتقل إلى المجموعة الثانية أو الأولى !!
لقد حزنت لهذه المصيبة الثانية جداً لأنها تحمّلني مسؤولية أكبر من رتبتي وترهن مصائر هؤلاء جميعاً بكلمة مني .. وتدخلني دون أن أشعر في ورطة الاضرار بالناس ..!! وفكرت في الأمر ملياً .. ووصلت إلى قناعة بأن الأمر أكبر وأصعب مني .. وأن الأوامر .. والتعليمات لن تجدي نفعاً وأنه لا مناص البتة من استمالة .. الصف والجنود الذين يعملون معي بالمكتب والميدان وعددهم لا يتجاوز الخمسة عشر .. رجلاً .. وتحفيزهم على التعاون والعمل معي بإخلاص وتفانٍ وكأسرة واحدة .. ونجحت في ذلك نجاحاً بعيداً .. لأن الرجال كانوا في الأصل أوفياء ومخلصين للمهنة .. وبدأنا أول ما بدأنا .. في إستدعاء كل من اعتقل أو أعد تقريراً عن أي معتقل واستجوبناهـ على القسم .. عن مضمون تقريره وملابسات الإعتقال .. وتنكر الكثيرون لتقاريرهم .. أو عدّلوا فيها .. وطلع بعضها «فشنك» ساكت .. وعلى ضوء ذلك أطلق سراح .. أكثر من ثلث المعتقلين وانزاح بذلك كابوس كان يجسم على صدورنا بسبب تأنيب الضمير .. والإحساس بالمشاركة في عمل ظالم !!.. وتفرغنا بعد ذلك في إكمال الإجراءات بالنسبة لبقية المعتقلين .. وملء الأورنيك المطلوبة عنهم .. ومن ثم تصنيفهم .. في إحدى الدرجات الثلاث .. بحسب درجة نشاطهم .. وخطورتهم .. وموقعهم داخل الحزب الشيوعي .. كأعضاء اللجنة المركزية .. أو الكادر السري .. أو العضو العادي .. أو ذلك الميم نون .. أي المغفل النافع .. ومن ثم يأتي الناشطون .. ضد النظام المايوي .. من الاحزاب والفئات الأخرى .. والنقابات على وجه الخصوص !!
لقد كان هاجسنا جميعاً ونحن نعمل ليلاً ونهاراً .. لإنجاز العمل .. هو أن نبرز الحقائق والمعلومات الصحيحة القاطعة حتى لا يبقى بالحجز معتقل بريء أو حتى نصف بريء .. وكان أداء القسم على المصحف الشريف .. فيصلاً حاسماً بين ما يقال ونما لعلمنا .. وأفادت مصادرنا .. وبين تأكد لنا .. وثبت بما لا يدع مجالاً للشك .. ولكن ومع ذلك فإن بعض الشكوك كانت تساورني حول العديد من المعتقلين العطبراويين ... وهم أغلبية .. ولكن شهد شاهد من أهلهم وهو المسؤول عن أُستديو الشرطة .. والذي تستعين به على تصوير (ضيوفها الأجلاء) ويبدو أن الرجل كان شرطياً أحمراً .. أو على الأقل (مكجن) مايو والنميري .. .. فخرج بالكاميرا .. وصوّر مظاهرات الشيوعيين ومسيراتهم .. إبتهاجاً بحركة 19 يوليو التصحيحية .. تصويراً شاملاً دقيقاً أظهر كل شىء بوضوح تام .. وكان يبدو خائفاً من فعله .. بعد عودة النميري فطلبت منه .. أن يعد (البوم) بكل الصور التي التقطها ببراعة .. وطلبت منه تكبير بعضها لأقصى مقاس ممكن وفعل الرجل .. وكانت المفاجأة ظهور كل المعتقلين أمامي بصورهم .. يهتفون .. ويلوحون بالرايات الحمراء وهم هناك .. داخل المعتقل .. يتوسدون الثرى ويلتحفون السماء !!
وأضيفت .. بذلك صورة فوتغرافية بملف كل معتقل .. تقف بينة قاطعة على مشاركته الفعلية في تأييد الإنقلاب .. ومن الطرائف .. أن أحد المعتقلين .. كان رجلاً ضخم الجثة بصورة مبالغة .. إدعى بأن إعتقاله غير صحيح لأنه موش شيوعي .. ولم يقم بأي نشاط معادي يستدعي إعتقاله ...
والصورة الوحيدة التي عثرنا عليها .. كانت لقطة من الخلف .. فأنكرها أيضاً وقال ده .. ما .. أنا .. وطالب بالمثول أمام لجنة أمن المديرية .. وسقناه اليها .. وأمام اللجنة .. طلب منه أن يعمل خلف دور .. ففعل الرجل .. وعدّ أعضاء اللجنة ... عدد (النخلات) في رقبته .. فكان عددها أربعة عشر (نخلة) كما عدّوا الطبقات والحزّات فيها .. فكان عددها أربع طبقات .. مع طبقة خامسة تحت التكوين وأذنين صغيرين .. غاطستين في اللحم .. ومبادى صلعة في مؤخرة الرأس .. مضافاً اليها حجمه الهائل .. الذي حجب نصف .. المظاهرة التي كان يواجهها .. وهو يهتف .. ويلوح بالبيرق الأحمر !!.. فقال رئيس اللجنة .. يا أخونا ما في داعي للبطبطة او البتبتة .. دي صورتك ما في كلام !! قال الرجل يا جماعة يخلق من الشبه أربعين !! فقال رئيس اللجنة يا أخي أربعين زيك .. معناها مجاعة !! وعلق آخر .. يا سيد يخلق من الشبه أربعين قبلناها .. لكين ما بالطريقة دي .. أربعطاشر نخلة وأربع طبقات ..؟! ده مستحيل !!
لقد أنجزنا العمل المطلوب .. بفضل تكاتفنا وإحساسنا بالمسؤولية .. سيما وقد كنا جميعاً مايويين على السكين .. من تلقاء أنفسنا .. لا نبتغي من وراء ذلك جزاءً ولا شكورا .. وقد دفعني هذا الحماس لمايو .. والغيرة عليها .. أن قطعت من رأسي بنداً إضافياً لبنود الأرنيك الخمسة عشر الواجب ملئها عن كل معتقل وكان في شكل سؤال .. يجيب عليه المعتقل بخط يده .. ويمهره بتوقيعه ونص السؤال هو .. هل تعتقد أن حركة 19 يوليو تخريبية أم تصحيحية ؟! وأسقط في أيدي الكثيرين .. ولكن كان لكل إجابة معناها ومغزاها .. وقد وفرت أنموذجاً لخط المعتقل وتوقيعه على الأقل !! ومن الطريف أن ساقتني قدماي بعد ربع قرن الى مكتب ما .. ظل المسؤول فيه يتفحصني من رأسي الى أخمص قدمي .. ويقوم بالإجراءات المطلوبة .. ولما سلمني أوراقي .. قال لي .. يا جنابو ..عليك الله .. كان في داعي لسؤالك .. حركة يوليو .. تصحيحية أم تخريبية ؟! علىّ الطلاق سؤالك ده حارقني لي الليلة !! ثم داعبني قائلاً هسع مايو رأيك فيها شنو؟! فقلت له .. زمان شىء وهسع شىء ثاني خالص ..
لقد أنجزنا المهمة بكفاءة وسلاسة واستطعنا أن نضع بين يدي الوزارة وإدارة الأمن العام .. ولجنة أمن المديرية كافة البيانات .. مرتبة ومنظمة .. وبلغتنا الإشادات والثناءات من كل الجهات .. ومن السيد العميد يحيى حسين علي نور .. شخصياً .. والذي عبر عن ذلك كتابة .. ولم يملص «دبابيرنا»
وهدأ دولاب العمل ـ وظلت لجنة أمن المديرية .. تجتمع .. كل أسبوع وتأمر بإطلاق سراح بعض المعتقلين بناءً على التقرير الشامل الذي أعددناهـ او على ضوء .. أمور أُخرى .. خافية علينا .. وظل عدد المعتقلين يتناقص وخف ضغط العمل .. وأتجهنا لممارسة العمل العادي في حفظ الأمن والإستقرار وفي هذهـ الأثناء .. جاءنا من إدارة الأمن العام بالخرطوم النقيب أحمد موسى يحمل معلومات .. بوجود وكر شيوعي .. في مدينة عطبرة .. وتعاونت معه قوة الأمن والمباحث بالمدينة .. وجرت العديد من (التفاتيش) والمطاردات .. والبحث عن الوكر .. بغمر الأماكن المشبوهة بالمياه .. لأنها تدل على المواقع المحفورة حديثاً .. واستعمال السيخ في طعن الأرض .. حتى يتبين الموقع الهش من الصلب .. ونجحنا في ضبط أكبر وكر شيوعي في عطبرة وتم تحفيزنا جميعاً بمائة جنيه فقط لا غير .. فقال أحد ظرفاء التيم .. تأبى القروش إذا إجتمعن تكسراً وإذا إفترقن تكسرت آحاداً .. وفهم الجميع المطلوب .. وتحول الحافز لحفل عشاء (كارب) لا زالت لحظاته محفورة في الخاطر .. غنى فيها الجميع وصفقوا وعرضوا وسادها جو من المرح والنكات وطرائف المعتقلين ونوادرهم وإبداعاتهم وأشعارهم والكتابات التي ضبطت معهم وهم رهن الإعتقال .. ولا زلت أذكر أبياتاً عامية أعجبني منها .. أن لم تخني الذاكرة .. وقد مرت عليها قرابة أربعة عقود .. وأنا أكتب ما كتبت .. وما سأكتب بإذن الله (روسي) من الذاكرة .. وهي مفكرتي الوحيدة .. وهي ذاكرة غريبة .. تنسى كل شىء .. ولكنها تحتفظ بصور فوتغرافية للأحداث والمواقف في قاعها .. وتقول هذه الأبيات العامية على ذمة الذاكرة ..
يا نمر الورق كم مرة حذرناك
ما تسمع حكاوي الإفك والتلفيق
وما تبيع القضية .. بلاش
وتخون الزميل .. ورفيق
لكن كيف تحس .. تسمع
أضان خدرانة بالتصفيق !!
ولما كان المعتقلون .. يأملون في الجماهير وأن الشارع السوداني سيثور ويحطم المعتقلات ويخرجهم منها محمولين على الأعناق .. فقد إستطاع أحد المعتقلين وكان .. حارس مرمى شهير .. لفريق عاصمي مشهور .. أن يتسلق سور السجن ويطل على الشارع .. فرأى شيخاً يعرفه .. فناداه بإسمه وقال .. الشارع كيف يا عم حسن ؟!
فقال الرجل .. لا حول ولا قوة إلا بالله خلاص الجماعة جننوك يا ولدي الشارع ياهو .. قدامك .. ظلط في زفت !!


«نواصل»

elmhasi
31-03-2018, 07:07 AM
جريدة الوطن - الثلاثاء 17 محرم 1430هـ - 13 يناير 2009م

كلام ساكت - أيام النميري «11»

لواء «م» محيى الدين محمد علي
ذكرت سابقاً .. بأن عدد المعتقلين الذين تم التحفظ عليهم .. داخل معسكر ضخم تحت إشراف وإدارة سلاح المدفعية بعطبرة .. كان يتجاوز الثمانمائة معتقل .. معظمهم من موظفي وعمال السكة الحديد .. ومن المعلمين ... وعمال وموظفي المصالح الأخرى .. وقليل من عامة الناس .. وكان لزاماً عليَّ بالتعاون مع أسرة مكتب الأمن والمباحث .. أن أقوم باستجوابهم جميعاً وعمل ملف بكل التفاصيل عن كل معتقل ، ومن ثم تصنيفهم إلى مجموعة أولى .. ثم ثانية .. وأخيرة ثالثة.. وهم الأقل خطورة ... وقد أدينا هذه المهمة .. بكل أخصلاص وتفانٍ ... نبدأ نشاطنا صباحاً .. ويستمر حتى منتصف الليل .. وقد صرعتني الملاريا .. ثلاث مرات .. أثناء هذا العمل الاستثنائي المرهق ... ولكن .. ومع قساوة هذا العمل .. فإنه لم يخلُ البتة .. من لحظات الفرح .. ولحظات الضحك والابتسام .. والمواقف الإنسانية .. فالفرح كان يغشانا جميعاً .. كلما .. صدر كشف من لجنة أمن المديرية .. بإطلاق سراح مجموعة من المعتقلين .. فنحمله على جناح السرعة .. لإدارة المعتقل .. ونحيا تلك اللحظات المؤثرة ..... والرفاق يودعون الرفاق .. ويرتمون في صدور أهلهم وهم يجأرون بالبكاء ودموع الفرح .. ويحتضنون أبناءهم وبناتهم .. ويمشون إلى بيوتهم .. زرافاتٍ ووحدانا .. ولا ينسون أبداً .. أن يخصونا.. بعناق الوداع ... فقد كنا .. لهم أصدقاء .. ناصروهم على محنتهم ولم يظلموهم ..!!
أما الطرائف ولحظات الضحك والابتسام فقد كانت .. هي زادنا .. ودافعنا على العمل.. لأن كل المعتقلين الذين كنا نتعامل معهم صباحاً .. ومساءً ... كانوا من الصفوة المسلحين .. بأفكار اليسار .. وكانوا على درجة من الثقافة والوعي ... ويتميزون بالذكاء ... والسخرية والملحة والطرفة .. وحتى جماعة الميم نون.. فهم على غفلتهم .. أصحاب شخصيات خاصة .. وقدرات وطاقات نادرة .. لا أحسب أن الحزب الشيوعي السوداني .. كان في مقدوره الاستغناء عنها ..!!.. ومن الطرائف التي يحكيها الشيوعيون .. أن .. رفيقاً من جماعة (الميم نون).. لم يكن لديه أي مؤهل تعليمي .. وظل يطالب قيادة الحزب لإرساله في بعثة دراسية .. ويلح على ذلك.. فتم إرساله.. إلى روسيا.. في دورة تدريبية .. حسب قدرته ... ولما عاد إلى السودان .. سألوه عن الشيوعية ومزاياها فقال لهم.. ده موضوع طويل.. لكن باختصار أنحنا هنا في السودان.. واقفين صفوف علشان نلقى لوح ثلج.. لكين في موسكو.. تقوم من نومك تلقى ثلجك راجيك في الشباك.. وما عليك إلا تخرط ساي!!
إن طرائف الرفاق المعتقلين ... التي أضحكونا بها.. أو ضحكوا بها علينا.. لا تحصى ولا تعد.. وبعضها يصعب سرده.. ولكني... أرغب في سرد.. بعض المواقف.. لرجال وجدتهم داخل المعتقل.. أحدهم.. كنت قد تعرفت عليه في جوبا.. والثاني.. عرفته في دنقلا. أما الأخير.. فكان من أبناء.. أرقو وزميل دراسة حتى المرحلة الثانوية .. فلما كنت.. استدعي المعتقلين من معسكر الاعتقال لاستجوابهم وإكمال الإجراءات المطلوبة بشأنهم... شهق الرجل عندما رآني واندفع نحوي يضمني.. ويعانقي، وسرعان ما ربطتُ بين اسمه.. وهيئته وتذكرت.. أيامنا معاً في مدينة جوبا.. فسألته عن سر اعتقاله.. والرجل حسب علمي.. لا علاقة له.. بمايو.. ولا.. بيوليو.. فقال لي.. إن علاقته كانت سيئة جداً بأحد ضباط الشرطة.. فتربص به. ولما تيقين بأنه قد أرسل برقية تهنئة لرجل من الذين عينتهم حركة «19 يوليو».. في منصب حساس ومهم.. استغل الضابط هذا الأمر، وقال باعتقاله.. باعتبار أن البرقية تأييد ودعم للانقلاب الشيوعي.. وأوضح لي الصديق المعتقل.. بأنه أرسل برقية التهنئة بصفة (أخوية).. لأن الرجل كان صديقه. وقد عملا معاً في شبابهما في مجالات أخرى.. وقد سره وأسعده وأثلج صدره.. أن يصل إلى المرتبة العليا التي أختير لها.. وعلشان كد بس أبرقه مهنئاً!!.
وطالبني بالمساعدة لشرح موقفه ورفع الظلم عنه.. وإطلاق سراحه.. وبالفعل رفعت توصية.. إلى لجنة الأمن عبر القنوات طبعاً.. وذكرت بأن برقيته لا تحمل أي بعد سياسي يمكن أن يُحسب عليه.. وقامت اللجنة باستدعائه واستمعت إليه.. وتوقف أحد اعضائها عند جملة (في هذا المنعطف الخطير من تاريخ أمتنا).. وقال له ده شنو؟ فقال المعتقل (دي ثقالة مني ساكت)!!
ضحكت اللجنة.. وأمرت بإطلاق سراحه!!. أما الرجل الذي تعرفت عليه في دنقلا.. فهو نفس الرجل الذي تحدثت عنه من قبل.. صاحب العربة اللاندروفر.. حزب الأمة رمز القوة والذي أكرمنا بخروف وساعدنا على مهمتنا في اعتقال مجموعة من وكلاء الإمام الهادي. وكان لا يعلم بأنه على رأسها.. ولكننا.. اعتقلناه على الورق وأطلقنا سراحه.. وهو لا يعلم برضو.. فأحسنت استقباله وصافحته وأجلسته وأكرمته بكوب شاي.. وسألته عن علاقة وكيل الإمام.. بالشوعية.. فقال لي أنا ما شيوعي.. ولكني أكره النميري من قبال يبقى رئيس.. وهو من أهلنا.. ولما سمعت بالانقلاب.. خرجت بعربتي أهتف ضد النميري .. وقبضوني وأرسلوني إلى عطبرة .. وبعد إكمال الإجراءات أعدته إلى معسكر الاعتقال ، وهو يردد التجي من السماء.. تحملها الواطا..!!
أما زميل الدراسة وابن منطقتي .. فقد كنت أعلم باعتقاله قبل ان أصل إلى عطبرة .. وقد اتصل بي أهله عدة مرات سائلين عن ظروف اعتقاله .. وإمكانية إطلاق سراحه .. فذهبت إليه في المعتقل واستعمت منه حديثاً طريفاً .. فالرجل بالإضافة لمهنته كمحاسب ، فهو خطاط درجة أولى (يسترزق) من فنه .. ووجد فيه الشيوعيون ضالتهم .. فجعلوا كل شعاراتهم ولافتاتهم المكتوبة (حصرياً) على (نصر الدين) .. وكان الرجل إذا خطَّ شعاراً أو لافتة .. مهرها باسمه .. من قبيل الدعاية والإعلان عن فنه ... وحسبت أجهزة الأمن أن مسلكه وإصرارهـ على كتابة اسمه .. مغالاة .. وتطرفاً وتبجحاً بشيوعيته .. ومما زاد الطين بلة وأزم موقفه .. أنه كان يقف في قلب المظاهرات .. ضاحكاً يستمتع بلافتاته الحمراء .. التي غطت الساحة .. واسمه يتراقص في أسفل كل لافتة!!
لم تكن البينات .. ضد .. وكيل الإمام .. وزميل الدراسة .. تمكنني .. من التعجيل بمخاطبة لجنة الأمن لإطلاق سراحهما ، وقد تفهما ذلك .. ولكنني ظللت أزورهما .. بانتظام .. وأقدم لهما المساعدة الممكنة من سجائر وصعوط .. وغيرها .. حتى حل عيد الأضحى المبارك .. فأسرعت بكتابة خطاب لقائد المدفعية موضحاً .. إن إدارة الأمن العام .. تطلب معلومات مهمة جداً عن المعتقلين - وكيل الإمام وزميل الدراسة - وطالبت بأخذهما معي إلى مكاتب الأمن والمباحث .. لإجراء اللازم .. ووافق القائد .. وهو مندهش لإخلاصي في العمل .. قبل صلاة العيد!!.
فاستلمت الرجلين وذهبت للرئاسة (للتمويه) وأنزلت الحرس وجئت بهما إلى منزلي .. حيث .. حضرا معي نحر أضحيتي .. فأكلا منها .. المرارة والشواءات وظلا معي حتى وجبة الغداء .. وأحتسيا من الشربوت المعتق .. ثم اعدتهما إلى معسكر الاعتقال .. قبل غروب الشمس!!
ومن الطرائف ان أحد المعتقلين .. وهو مزارع بسيط .. محدود الفهم . قد تم استغلاله بواسطة بعض الشباب المعادين لمايو .. فدفعوا له بعض المال وطالبوهـ .. أن يطوف بالقرى .. ويذيع على الناس بأن النميري شالوه ... وفعل الرجل .. وكان يردد بأعلى صوت .. أيها المواطنون .. النميري راحت في ستين داهية .. ويضيف الرجل .. أولاد الآبالسة غشوني .. لحد.. ما.. رحت.. أنا ذاتي في ألف داهية!!
لقد ظلت لجنة أمن المديرية.. تحرص كل الحرص على متابعة موقف المعتقلين ومراجعة موقفهم .. والنظر في حالاتهم واطلاق سراح بعضهم .. حتى تقلص عددهم إلى الثلث تقريباً .. فأخرجوا من معسكر الاعتقال .. وتم التحفظ عليهم ... في سجن عطبرة .. والدامر .. وأصبح اتصالنا بهم سهلاً .. وميسراً .. وقد كانت هذه المجموعة المتبقية من المعتقلين من العناصر.. المتشددة .. والتي لا تخفي عداءها للنميري وتأييدها .. لانقلاب هاشم العطا .. وانتماءها .. للحزب الشيوعي .. الجناح الموالي للراحل عبد الخالق محجوب بالتحديد .. وعلى ذلك فقد تجاوزت مدة اعتقالهم .. عاماً كاملاً ... ولما حلت الذكرى الأولى لانقلاب هاشم العطا .. استنفرت قوات الشرطة كلها .. وتحوطت لوقوع أي اضطرابات أمنية .. من قبيل المظاهرات والتخريب وكتابة الشعارت على الجدران ... والمنشورات ..... ولكن شيئاً لم يحدث .. فطابت أنفسنا وشعرنا بالارتياح .. لأن الخطة الأمنية .. قد حققت أهدافها .. ولكن حدث ما لم نكن نتوقعه أو نحسب له حساباً.. إذ استغل الشيوعيون تجاوز ادارة السجن.. وسماحها بدخول الوجبات البلدية.. زي أم رقيقة.. والمفروكات بأنواعها فاستطاعوا أن يدسوا في قاعها مئات النفاخات أو البالونات.. وعند منتصف النهار... نفخوا هذه البالونات.. وعلقوا عليها.. هتافاتهم المعادية للنميري.. والهتاف بحياة الحزب الشيوعي ونضاله.. مكتوبة على أوراق علب السجائر.. والأوراق الأخرى ثم أطلقوها.. لتصعد إلى سماء السجن.. ثم.. تنداح في سماء المدينة مع تيارات الهواء.. لتبلغ كل مكان.. وكان مضحكاً جداً.. أن ينطلق خلفها الرجال.. لقبضها.. وقراءة مضمونها ثم طرشقتها.. وعند سؤالنا للمعتقلين عن هذا.. انكروه جميعاً.. وقالوا.. إنهم لا علم لهم بذلك.. وأن هذه البالونات لم تصعد من السجن أصلاً.. وكان ضباط السجن رجلاً لطيفاً.. فقال لهم طلعت من عندكم ولا ما طلعتش.. تاني مفروكة ما في!!
وبعد هذه الحادثة الطريفة تزايد نشاط الشيوعيين.. وكلما أصبح الصبح طفنا بمدينة عطبرة وشوارعها.. لنجد.. جدرانها وقد ازدحمت بالشعارات المعادية... وأصبح التحري في هذا الأمر.. لنعرف من فعله.. غير مفيد.. فأخذنا نبدأ صباحنا بتوزيع رجالنا وهم يحملون الفرشاة والجير الأبيض.. في جرادل... لطمس معالم الشعارات المعادية المكتوبة على جدران المنازل.. وجلبطتها أو شخبطتها.. وكله على حساب صاحب المنزل المغلوب على أمره.. وليس له في.. (النمير) ولا النفير.!!. وذات يوم دخل السيد الدكتور محي الدين صابر مدينة عطبرة فجراً في سيارة ورأى جماعتنا وهم يطمسون شعاراً يقول.. (لن ترتاح يا سفاح) وكانوا قد بدأوا في عملية الطمس مبتدئين من (الحاء) في نهاية الشعار.. فحسب انهم من الشيوعيين.. وجاء مسرعاً.. والتقى.. مدير الشرطة وقتها العميد.. عصمت معني.. وابتدره قائلاً: موش ممكن اللي بيحصل ده.. الشيوعيون يكتبون على الحيطان في وضح النهار؟! وقام السيد عصمت بشرح الأمر له.. فقهقه.. ضاحكاً.. وقال: صدق اللي قال.. كلام الليل يمحوهـ النهار!!.



ونواصل

elmhasi
04-04-2018, 09:24 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 23 محرم 1430هـ - 20 يناير 2009م

كلام ساكت - أيام النميري «12»

لواء «م» محيى الدين محمد علي
الشمالية .. كانت لها حكومة برأسين .. رأس في الدامر .. والأخرى في عطبرة .. وللتوضيح .. فإن الدامر .. والتي وصفها الشاعر فاجاد حين قال :
يا دامر المجذوب .. لا انت قرية
بداوتها تبدو .. ولا انت بندر ..
وده طبعاً.. قبل اربعين سنة ولا أدري ما حل بها الآن.. ولكنها كانت مع ذلك .. مقر .. حكومتها وعلى رأسها المحافظ .. صاحب السلطان والسلطات .. أما عطبرة والتي كان يمقتها البعض ويقولون عنها ـ عطبرة المقبرة ـ فهي بالقطع لم تكن كذلك .. بل كانت جوهانسبرج السودان أو مدينة الحديد والنار ... وكانت مقر سلاح المدفعية .. ورئاستي شرطة .. الشمالية والسكة الحديد .. ومقر رأس الحكومة الثاني المتمثل في هيئة السكة الحديد ومديرها العام وهو صاحب المال والجاه والإمكانات والمقدرات وأحسب أن مدير عام السكة الحديد ـ زمان موش هسع ـ كان قادراً على دعم محافظ الشمالية ليستمر ويبقى .. كما كان قادراً على مناكفته وعدم التعاون معه .. ليسقط أو على الأقل ينقل .. ويحل محله محافظ .. بمواصفات (ديزل).. بل أن مدير عام السكة الحديد .. كان من الأهمية والقوة .. بحيث يغبطه رئيسه .. وكيل وزارة النقل ويتمنى أن لو خفضت .. وظيفته إلى مدير السكة .. والدليل على ذلك أن أكثر من مدير عام .. مغضوب عليه لم يرفت أو يفصل .. ولكن Kicked up أي تم ترفيعه إلى وكيل!!.
هذان الرأسان الحكوميان.. كان لكل واحد منهما جيش من المستخدمين .. فرأس الدامر .. المحافظ .. يتربع على المئات من ضباط المجالس التنفيذين .. والإداريين والزراعيين .. والمهندسين .. والموجهين والمعلمين واضعافهم من الكتبة والباشكتبة والمحاسبين والسعاة .. والعمال .. والسواقين والميكانيكيين والمهنيين بصفة عامة وغيرهم .. والرأس العطبراوي مدير عام السكة الحديد .. يمشي ويجر من ورائه جيشاً عرمرماً .. من المهندسين.. والبرادين والخراطين والمهنيين وسائقي القطارات.. والكماسرة والمفتشين و(العطشجية) والطباخين والجنائنية.. والخفراء.. وعمال البلاط وعمال الدريسة وعمالاً.. بلا حدود.. من حلفا إلى واو ومن الضعين وحتى بورتسودان... حيث تزحف قضبان السكة الحديد.. زحف الرقطاء.. فوق الرمال.. وتنتشر بيوتها.. شبه البيضاوية.. كالقباب في كل مكان.. والتي تقاوم الحر.. والبرد والمطر والكتاحة.. واحسبها تقاوم الزلازل.. ومن لطائفها أن مغنية خواجية.. زارت السودان فأجرت معها إحدى الصحف لقاءً .. فابدت إعجابها بالسودان وأهله الطيبين .. ولكنها تحسرت على ما يجري في بلادنا .. من أمور غير مدروسة وغير منطقية.. ولا معقولة واستشهدت على ذلك بصواريخنا المنصوبة في الارياف والمدن .. والصحراء.. (عينك عينك).. وكان من الواجب اخفاءها في مواقع سرية عسكرية .. حتى لا.. يتم تدميرها بواسطة الاعداء الحاقدين.. وأحسب أن الصحفي قال لها.. دي ما صواريخ.. دي قطاطي السكة الحديد يا سجم الرماد!!.
لقد كانت هذه الجيوش الجرارة من الموظفين العاملين.. التابعين للسكة الحديد.. أو المحافظة.. في تقديري الشخصي.. أكثر من حاجة العمل ولكن ومع هذا الترهل الوظيفي .. والذي كان المسؤولين يغضون الطرف عنه.. حتى تتاح فرصة العمل لأكبر قطاع من الناس (المرضى) بالمقولة الساذجة (إن فاتك الميري.. إتمردغ في ترابه..) إلَّا أن الفساد استشرى بصورة واضحة وسط هذه المجموعات.. وصار كل فرد من الاوفياء المخلصين الذين يقدرون المسؤولية.. ويخافون الله في وطنهم وأهلهم محاط بالعشرات الذين لا يعملون أو يعملون لمصلحتهم .. أو كما قال أحدهم أُمال سموها مصلحة ليه؟!.
لقد كان من ضمن مبررات استيلاء الضباط المايويين على السلطة.. إنتشار الفساد في البر والبحر.. فجاءوا لإستئصال شأفته.. باستحداث جهاز الرقيب العام وتمكينه من العمل والتدخل بالتحقيق والمساءلة والمحسابة.. وتورطوا.. بإرتكاب قرارات التأميم .. (فدرعوا حبل الفساد في رقبتهم).. ثم اضافوا وزارة جديدة .. هي وزارة الخدمة والإصلاح الإداري .. وهي خطوة صائبة في الطريق.. ثم استلوا سيف التطهير الذي تجاوز الأشرار.. بسبب الولاء واطاح بالاطهار.. لأنهم يا عيني لا.. ولاء لهم!!.. وعلى ذكر وزارة الخدمة والإصلاح الإداري فإني لا استطيع أن اتجاوز موقفاً طريفاً حدث.. لوزيرها العالم والخبير عندما جاء إلى عطبرة.. لشأن يخص وزارته.. فلاقى مسيرة كبرى صامتة.. في مقدمتها المحافظ فمشى معهم مجاملة وهو لا يدري وجهة المسيرة أو اهدافها.. وعندما توقفت المسيرة.. تقدم المحافظ.. ليضع باقة من الزهور على قبر الجندي المجهول.. وكان السيد الوزير ساهما شارداً.. لا يهتم بما يدور حوله.. وفجأة.. تحدث حادي المسيرة.. وقال.. الوزير الثائر (فلان) يخاطب جمعكم الكريم وسلمه المايكرفون فقال الوزير: السلام عليكم ورحمة الله.. وظل بعدها صامتاً.. لا يجد ما يقوله.. لأنه موش عارف الحاصل.. واستمر الصمت برهة طويلة حتى انقذ الموقف أحد النقابيين.. فأخذ المايكرفون من يد السيد الوزير.. وقال: بعد هذه الكلمة الضافية .. يخاطبكم السيد المحافظ!!.
نعود ونقول لقد كانت مايو في بداياتها جادة في محاربة الفساد وإصلاح الحال.. وبذلت المؤسسات والمصالح والهيئات.. جهوداً مقدرة.. لتواكب جهود الحكومة.. وخلال هذه الفترة التي اعقبت الإنقلاب الشيوعي.. حتى غادرت عطبرة.. عام 1973م.. فقد شهدت ولمست كغيري من الناس تقارباً شديداً.. حدث بين (الرأسين) الخدمة.. في السكة الحديد.. والمحافظة والدليل على ذلك أنهما طلبا من رئاسة شرطة الشمالية وربما.. أيضاً من شرطة السكة الحديد.. لرفع مالديها.. من معلومات وتقارير.. تعكس أي حالة من حالات التسيب والإهمال والفساد تخدم الإتجاه الإصلاحي الذي يسعيان لتحقيقه.
ولما كانت الشرطة بحكم مسؤولياتها تراقب وترى وتسمع بعيونها وآذانها.. وعون آخرين.. فقد استطاعت.. أن ترفع ملفاً ضخماً مذهلاً بصور شتى للفساد هناك وهنا.. وقد حوى هذا الملف.. كشفاً طويلاً بالمئات من مستخدمي السكة الحديد.. الذين يتقاضون مرتباتهم وينالون علاواتهم.. وترقياتهم.. وهم ينطلقون في انحاء المدينة.. يبيعون ويشترون.. ويعملون كحلاقين.. وجزارين.. ونقاشين وحناطين.. واصحاب مطاعم ومقاهي وستات شاي ولقيمات!! وكان هناك كشف آخر مماثل.. من أتباع المحافظة.. مضافاً إليه.. اسماء العشرات من الموظفين والمعلمين على وجه الخصوص.. الذين اغتربوا ويعملون في دول الخليج وليبيا.. وغيرها ومرتباتهم يتم صرفها بانتظام لأُسرهم عن طريق التواكيل ومسائل أُخرى محزنة كالذي مات ولازال يباشر عمله.. ويحظى بالترقي كمان!!.
لقد كانت السكة الحديد.. في ذلك الوقت دار واسعة.. للمئات من الخفراء والجنائنية المفرغين للعمل في بيوت.. (الكبارات) من قيادات العمل في الهيئة وغيرها.. والمخصصين لرعاية (صواني الحركة) المتعددة.. داخل المواقع والاحياء والساحات التي تشملها امبراطورية السكة الحديد.. وتتمدد فيها قضبانها حتى تدخل البيوت.. وتحمل ساكنيها من القيادات العليا.. حتى لا يتجشموا عند المأموريات مشقة الحضور إلى المحطة.. والله اعلم.. وكان معظم هؤلاء الخفراء والجنائنية.. يسكنون بيوت المصلحة.. ويستفيدون من خدماتها الإجتماعية.. وقد تجاوزوا سن المعاش ودخلوا في ارزل العمر.. فحصرتهم الشرطة.. وأرسلت كشفاً وافياً باسمائهم لمدير عام هيئة السكة الحديد.. فقام على الفور بتسوية معاشات بعضهم على ضوء شهادات الميلاد أو تقدير العمر.. في ملفاتهم.. وإرسل أكثرهم للكشف الطبي.. لتقدير اعمارهم أو تسنينهم إن كانت لهم سنون..!.
وكان يقوم بالكشف الطبي وتقدير العمر طبيب مصري.. يعمل بمستشفى عطبرة.. وكان جاري الذي تجاوز السبعين.. عن عرضه لهذا الطبيب.. فحلق رأسه صلعة على الزيرو.. وصبغ حواجبه وشاربه وذهب للكشف وعاد وهو يردد.. المصري أذاني عديل .. المصري ما قلعني هدومي .. وقال لي: أيه يا عمي قطن الجزيرة ده؟!.. أنا لو عارفو .. بعمل كده .. كان صبغت أي حاجة .. أو على الأقل .. إتصرفت .. لكن معليش الله يأذى الأذانا!!.
لقد كانت صور الفساد التي اشرنا إليها .. هي لقطة من صورة .. ضخمة مريعة.. أحسب أن النقابات كان لها دور فيها.. لأنها أي النقابات.. كانت قوية جداً.. وبالذات نقابات عمال ومستخدمي السكة الحديد.. والتي يكون رئيسها عادة هو البعبع الذي يخيف مدير الهيئة.. وتعمل له الحكومة نفسها ألف حساب.. لأنه قادر بإشارة منه أن يدخل قاعدته في إضراب يعطل حركة النقل في البلاد.. وقوة هذه النقابات.. كانت لا تخدم إلَّا قاعدتها.. وتحسين شروط خدتها.. والدفاع عن مصالحها.. ونصرة أفرادها ظالمين أو مظلومين.. ولا أكاد أذكر موقفاً للنقابات في ذلك الوقت..
قامت فيه بدور وأضح.. يعير ويفضح ويحاسب الفاسدين والمفسدين في صفوفها أو على الأقل عدم التدخل عند محاسبتهم.. كذلك فإن النقابات بصفة عامة.. ونقابات عمال وموظفي هيئة السكة الحديد بالتحديد.. وقتها لم تكن مهنية بحتة.. ولكنها كانت منتمية لشتى الأحزاب السياسية في الساحة السودانية.. وعلى سبيل المثال.. فان النقابي محمد الحسن عبدالله الذي ترأس إتحاد نقابات عمال السكة الحديد.. كان ينتمي للإتحاد الديمقراطي وعدوه التقليدي.. الذي صرعه عدة مرات.. الراحل موسى متى.. كان من الإسلاميين.. والشيخ النقابي والبرلماني الحالي عباس الخضر.. والذي قاد العمل في أشهر واطول إضراب.. أحسب أنه كان من الإنقاذيين قبل مجئ الإنقاذ..!.
لا أود الخوض كثيراً في بحور العمل النقابي وأنا في الأصل شرطي.. كان يمكن أن يعد مارقاً وخائناً.. لو فكر سراً أو جهراً في تكوين (نقابة للشرطة).. ولكني.. أجزم بأنه لو كانت النقابات.. ساعداً وعيناً لمدير عام الهيئة وحملت معه هم تطويرها وإصلاحها وتطهيرها.. لما آلت السكة الحديد إلى ما آلت إليه الآن.. ولما توقف دبيب قضبانها عند واو والضعين قبل نصف قرن... وكأن الشاعر قد عناها.. بالضل الوقف مازاد!!.
لقد بدأت السكة الحديد حريصة على اموالها وممتلكاتها.. فظلت تدمغ اكوابها وصحونها وملاعقها وحتى ازيارها وكيزانها وكل اشيائها بختم SR ونتعامل.. بالإسلوب الأوربي.. في عملها ونومها وقيامها.. وتأكل بالشوكة والسكين وكانت (تشفق وتحن) على مستخدميها.. وتسعى ... لإعانتهم ومساعدتهم.. لأداء مهامهم بسهولة ويسر ودون عناء.. وإهتمت إهتماماً كبيراً برجالها المنتشرين في الصحاري والفيافي.. والمقيمين في (السندات) وهي المناطق التي يتوقف عندها القطار دقائق معدودات ثم يغادرها.. ويتركهم معزولين عن العالم.. لا جار.. ولا مجير ولا مدرسة ولا طبيب.. ولا أنيس إلَّا الراديو الترانسستر.. وقد سعت الإدارة في تخفيف معاناتهم.. بمدهم بالازيار الفاخرة.. والكيزان الأنيقة.. كما دعمتهم بأغنام (تغزرهم).. وتوفر لهم السنحلان واللبن لشاي الصباح والمساء.. ولما تبين للإدارة.. بأن الأغنام موش مبسوطة.. ولا تحتمل حياة العزوبية.. فقد تفتقت عبقرية السكة الحديد.. عن حل عجيب.. وبدلاً من اضافة تيس عمبلوق لأغنام كل (سندة) رأت أن تحتفظ (بتيس مركزي) واحد وهيات له عربة أو (قمرة) خاصة تليق بفخامته.. في كل قطار.. مزودة.. بالماء.. ومالذ وطاب.. من العلف.. على أن يظل في مامورية دائمة.. يزور خلالها اغنام (السندات) ليبدد وحشتها.. ويسكر ليالي الصمت فيها.. ثم يغادرها بعد أداء مهمته إلى سندة أُخرى مودعاً بمثل ما استقبل به .. من ثغاء وعلف.. ولهذا (التيس الحديدي) .. ملف ضخم برئاسة السكة الحديد .. لا يستطيع أحد أن يتمالك نفسه من الضحك.. وهو يطالع ما قيل وما أرسل من برقيات بشأنه.. واخفها.. عجلوا بإرسال التيس.. لأن اغنامنا في حيص بيص .. أو التيس منذ أن جاء غير طبيعي وفي حالة صمت .. نطالب ببقائه حتى فتح الخشم !!.



منقول من صحيفة الوطن السودانية (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=14026&bk=1)

imported_شبارقة
06-04-2018, 09:08 AM
شكراً أخونا المحسي على هذه المذكرات .. لم أكمل قراءتها بعد ..

وبعدها سنقوم بالمناقشة والحوار وبالذات نحنا العشنا فترة مايو بأكملها وبحلوها ومرها

بابكر مخير
11-04-2018, 08:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام يا المحسى ،
سعادة اللواء محى الدين من أجمل الناس وأرقاهم
متعه الله بالصحة فمازلت أتواصل معه

كان واحد من عقد زين عنق الشرطة، بريكة، فيصل بريمة، عشرية و و و و ..
أتذكر الحقت بي دفعتهم..
التحقت بالشرطة بعد حصول على درجة أكاديمية وعملت بوزارة الصحة حتى ال DS في الخدمة المدنية وهي ما يعادل رتبة النقيب وقاتلت كثيرا وبمساعدة شيخي العزيز دكتور حاكم وصديقه من ديوان الخدمة د كبسون وبدعم خاص من جدي صديق مخير حين كان في وزارة الخدمة والذي كان مساعد مدير الشرطة زماااااان وعميد آل مخير من منتسبي الشرطة..
أتذكر لمن نلت شرف الإنضمام لي دفعة تلك الكوكبة لقبونا،،،، كمال أحمد حسن ومعتصم كريم وجاه النبي وأبورفاس "حسن" ومعاوية شرفي وشخصي بي دفعة أولاد مدينة "والمقصودة أمي.. مدينة بابكر بدري".
لأني كنت في رأس المدفع في الحصول على هذه الرتبة...
أفتكر محي الدين كان عمل قانون في جامعة القاهرة ومنها إنتهى في الإدارة القانونية،،،
مش كدآ يا جنابهو..
لهم التحايا والمحبة والشوق،،، دفعة الخالدين وأولاد مدينة

اسمر
11-04-2018, 02:03 PM
الاخ المحسي سلامات
متابعة لما تكتب .
واصل
تحياتي

elmhasi
16-04-2018, 09:29 PM
كل الحضور لكم التحايا العاطرات بلا حدود





جريدة الوطن - الثلاثاء 30 محرم 1430هـ - 27 يناير 2009م

كلام ساكت - أيــــام النمـــيري (13)

لواء «م» محيى الدين محمد علي
منتهى آمال كل حزب شيوعي .. أن تتحقق .. ديكتاتورية الطبقة العاملة .. في كل ناحية .. ومن ثم .. وبصرخة داوية واحدة .. يا عمال العالم اتحدوا .. تتحول الكرة الأرضية إلى (أنبوبة) غاز لتعمل وفق (المنظم) الشيوعي !!
والحزب الشيوعي السوداني .. مهما اختلفنا حوله .. فهو لم يكن (أي كلام).. بل كان حزباً .. يوقرهـ .. الاتحاد السوفيتي .. ويبني عليه آمالاً عراضاً .. في اكتساح العالم الثالث .. وقد بدأ هذا الحزب نشاطه في السودان .. وفق رؤى .. قياداته المستنيرة ونشاطها الدؤوب .. المدعوم بتصورات وخطط الحزب الكبير الأم .. وخالاته في أوربا .. وآسيا .. وأمريكا اللاتينية .. وكان طبيعياً .. أن .. يولد في بلادنا من (نطفة) مستوردة ويجيء أفضل .. ترتيباً .. وتنظيماً وتنسيقاً .. وأقدر .. نشاطاً .. وحركة ومناورة .. وأكثر .. توهجاً .. وحماساً وبريقاً .. وأن يتخير مدن السودان جميعاً .. ويرى في محطة عطبرة مدينة الحديد والنار والعمال .. محط آماله .. وينزل محملاً بمنشوراته على تلتوارها .. ويقتحم ديارها .. ويعشش في أوكارها .. ويتسقط أخبارها وأسرارها .. ويوسوس في صدور صغارها وكبارها .. و(يُشَيِّع) أفكارها .. ويجوس في ورشها وقطارها .. ليتحكم بالنقابات في مسارها..!!.. وكانت عطبرة بذلك .. مقر أقوى نقابة للعمال في السودان .. أيا كانت قيادتها فإن أصابع الحزب الشيوعي السوداني كانت توقع أهازيجها على أوتارها !! ولولا أننا التزمنا للقارئ الكريم .. في بدايات هذا المسلسل .. أن نكتب .. فقط .. ما يسر الله لنا أن نشاهد .. أو نعيش من المواقف في أيام النيمري .. لاسترسلنا في هذا الحديث .. ولكننا نختصر ونقول .. بأن نشاط الحزب الشيوعي (الدؤوب) وسعيه الجاد .. للتغلغل في مفاصل النقابات .. قد أجج الصراع النقابي .. وجعله أكثر حيوية .. ودفع بالتوجهات السياسية التقليدية الأخرى أن تخوض معاركه .. معتمدة على أغلبيتها .. الميكانيكية الموروثة أصلاً .. وتستطيع أن تفوز .. بقيادة العمل النقابي ورئاسته .. ولكنها في كل الظروف .. كانت (تحت تحت) تنسق مع الشيوعيين وتتيح لهم فرصة المشاركة .. لأن الشيوعيين في هذا المجال .. كملح الطعام أو الفلفل .. ولأن النقابة التي تقوم دون علائق معهم .. لابد .. وأن تتعب وتشقى بهم .. وهم المتمرسون .. على خلق المتاعب .. وعلى ذلك فقد ظلوا بحنكتم .. ونشاطهم السري في قلب الحركة النقابية .. يزجون بعناصرهم داخلها .. ويؤثرون على تحركاتها .. ومواقفها بصورة واضحة .. وكانت لهم طرقهم المتعددة والمتنوعة .. وبعضها لطيف وطريف .. وعلى سبيل المثال .. فإن أحد (المقاهي) في مدينة عطبرة .. وفي موقع استراتيجي منها كان .. مكاناً متفقاً عليه .. يوجد فيه الشيوعيون بانتظام ساعات فراغهم .. يتسامرون .. ويتسلون بلعب الورق .. و(الضمنة) وغيرها ويتفاكرون في شؤونهم .. ويستعرضون نشاطهم .. وأدوارهم !! وكان في هذا المقهى (بيك أب) أو بالعربي فوتغراف .. يشغل .. الأسطوانات الغنائية .. بناءً على طلب الزبائن .. مقابل بعض المال عن كل أسطوانة... وحتى هذه استغلها الشيوعيون.. فكانوا يحضرون فجراً مع فتح المقهى.. ويضعون في يد صاحبه مبلغاً من المال.. ويقولون.. شغل لينا عشرة وردي.. وعشرة محمد الأمين.. وبذا ينتهي اليوم ولا تتاح فرصة.. حتى لعشرة بلدي..!!
كذلك فإن رواد هذا المقهى الاستراتيجي من الشيوعيين.. كانوا دائماً على أهبة الاستعداد للمشاركة.. في أي شغب.. أو تظاهرات.. تجتاج المدينة.. لا يترددون في اعتلاء أكتاف بعضهم بعض ... وتقدم المظاهرة والهتاف دعماً للتي (تعجبهم).. وإفساداً.. للتي لا تروقهم.. ينحرفون بها ويتسببون في فشلها.. واستعداء الشرطة عليها.. وما أن تحل جحافل الخوذات والعصي والبمبان.. حتى ينسحبوا.. بهدوء.. ويعودوا إلى المقهى.. ولعب الورق.. والصياح.. خمسين.. يا كيشة!!
عندما جئت منقولاً إلى عطبرة.. كان النقابي محمد الحسن عبد الله.. هو رئيس نقابة عمال السكة الحديد... والرجل شايقي وبالتالي فهو ختمي.. ومن باب أولى اتحادي.. وكان يتصعد من فرعية نقابة الكماسرة.. حتى المركزية.. ورئاسة النقابة... وعلى ضوء تقارير إدارة الأمن والمباحث.. التي كنت أقوم بتلخيصها غالباً.. فإن الرجل كان متعاوناً مع النظام المايوي.. واستطاع بذلك أن يحقق مكاسب عديدة.. للعمال.. حتى انتهت دورته وأصبح من الملزم إجراء انتخابات جديدة.. لنقابة جديدة... وهي الفرصة التي ينتظرها العمال بفارغ الصبر.. للتغيير والأتيان بوجوه جديدة.. أكثر حماسة لتأتي بالمزيد من المكاسب... والجديد شديد.. كما يقولون... وأطل في المنافسة للثعلب النقابي محمد الحسن... نقابي فولاذي.... من فرعية عمال البلاط.. اسمه موسى مُتَيْ.. وهو جعلي.. إسلامي.. بل أخو مسلم عديل كده.. ويقال.. إن الرئس أزهري.. أو النميري.. لما اطلع على اسمه قرأه موسى مَتَّى.. فعلق على ذلك بقوله.. السكة الحديد.. كلها أقباط!!.. ولما كان الصراع بين الرجلين في ظاهره نقابي.. إلا أن باطنه حزبي مطعم بالشيوعي.. وأن الامتيازات التي ينالها عضو النقابة المركزية من تفرغ كامل عن العمل.. مع صرف جميع استحقاقته بالكامل.. وعليها (بوسة) كما يقول المصريون.. مضافاً إليها ما تغدقه النقابة عليه من حوافز تحيطه بها من مزايا.. وما تنشره عليه.. من إحترام... وقيمة اجتماعية.. في مدينة مثل عطبرة... ووسط هيئة معتبرة كالسكة الحديد... جعل الصراع بين المتنافسين حاداً.. ومريراً.. تكثر فيه التصريحات النارية.. والملاسنات التي تبلغ أحياناً.. حدود كشف المستور... ولا نود.. الحديث عنها.. ولكن.. محمد الحسن عبد الله.. هدد وتوعد.. موسى مني .. بالهزيمة والسقوط على البلاط!!.. فغضب موسى متي.. وأقسم قسماً غليظاً.. بأن يسقط محمد الحسن عبد الله... سقوطاً مذلاً.. يحرمه التفرغ.. والعودة إلى عمله ككمساري تنأى به القطارات شرقاً وغرباً.. وهو يرفل في (بردلوبه) الكماسرة.. وكان له ما أراد.. وأصبح موسى رئيساً لنقابة عمال السكة الحديد.. وهو معروف جداً بصلابته.. وحرصه اللا متناهي على حقوق العمال ومكتسباتهم... وكان لابد.. من أن ترتعد فرائص.. حكومة الشمالية وحكومة السكة الحديد.. وكان لابد من تململ.. النميري في الخرطوم... وانطلق موسى.. في قيادته للنقابة.. وقد (جرَّ ترس القوة).. مدعوماً بقوة العمال وتأييدهم له .. وكان موسى ... لا يجيد المراوغة والتراجع .. فظل مطالباً صامداً لا يتراجع (سنتي).. حتى ساءت علاقة النقابة.. بمايو جداً.. وانتهز أعداء متي.. والثعلب على وجه الخصوص هذه الظروف.. فألَّبوا النميري عليه.. وكان مفاجئاً جداً أن اتصل النميري شخصياً برئيس لجنة أمن المديرية.. المرحوم حسين محمد أحمد شرفي.. وأمرهـ بفتح بلاغ تحت قانون أمن الدولة ضد.. رئيس ومركزية نقابة عمال السكة الحديد واعتقالهم جميعاً.. وقد سمعت السيد شرفي.. يحاور النميري تلفونياً.. ويقول له يا رئيس أدينا فرصة.. مفاوضاتنا معاهم ماشة كويس.. والبلاغات والاعتقالات قد تضر ولا تنفع.. واستمر الحوار طويلاً.. ولكن وكما علمت فإن النميري حسم الأمر وقال.. «أنا قلت أفتحوا بلاغات واقبضوهم .. وموش حتراجع من كلامي..» وقفل الخط!!.
اجتمعت لجنة أمن المديرية لساعات طوال .. وأجرت اتصالات عديدة .. لإبطال (قنبلة النميري) ولكن دون جدوى .. وكان حظي أن أُستدعيت .. عند الغروب من بيتي .. وكلفت كتابةً بفتح البلاغ ضد مركزية النقابة .. واعتقال كل أعضائها والتحري معهم توطئة لمحاكمتهم!!
لقد كلفت إبان عملي بالجنوب.. بالعديد من المأموريات الشاقة واحتمال الموت فيها وارد.. ولكن هذا التكليف كان هو الأقسى في حياتي.. لأن موسى وجماعته كانوا محط تقديري واحترامي.. فجلست على كرسي.. في منتصف رئاسة الشرطة بعطبرة ومن حولي.. عدد من رجال الأمن والمباحث نتفاكر في كيفية تنفيذ هذا الأمر الخطير.. مع أمكانياتنا الشحيحة وقوتنا المحدودة.. التي لا يمكن أن تصمد لثوانٍ معدودات أمام جحافل عمال السكة الحديد.. إن هم.. قاوموا.. البلاغ والاعتقالات... وسألت الله.. أن (يجيب العواقب سليمة)... والتفتُ إلى باب الرئاسة.. ورأيت موسى متي بشحمه ولحمه.. يأتي.. ويصافحني بود.. ويقول.. أنحنا عارفين الحاصل وعارفين ظروف البوليس.. عربية ما عندكم.. علشان كده.. جيناكم برانا في عربية النقابة.. معانا غياراتنا.. وبطاطينا.. وأدويتنا... يلا قوم اتوكل على الله.. وابدأ.. تحرياتك!!
وبدأت الإجراءات... مع موسى مُتَيْ وكنت أستجوبه في مكتب صغير.. فقال لي.. شايف المكتب ده.. سنة كام وخمسين كان حراسة.. وكنت معتقلاً فيه.. يعني إحنا يوم في الحراسة.. ويوم في الرئاسة فما تخسرنا.. وتعمل قضيتنا معاك شخصية... إتحرى معانا زي ما عاوز بس .. عاملنا بالقانون .. ولا تعتدي على حقوقنا.. أو تسيء معاملتنا..!!
طمأنت الرجل .. وأكملت التحقيق معهم على جناح السرعة وتم التحفظ عليهم جميعاً بسجن عطبرة .. لأن المواد المفتوحة ضدهم ... لا تتيح الضمانة ... فظلوا بالسجن مدة تجاوزت العام .. جعلت منهم أصدقاء لي ... وكنت أجد الراحة في وجودي والونسة معهم ... وعلى امتداد شهر رمضان الكريم .. كنت أجيء بفطوري .. وأشاركهم الإفطار وأقاسمهم السحور أحياناً... وعندما تقرر سفري إلى الخرطوم منقولاً.. ذهبت لوداعهم... وكان وداعاً حزيناً.. أدمعت فيه العيون.. وغادرت وتركتهم.. يقاسون مرارة الحبس الظالم.. ومع ذلك يرفضون كل المساومات لإطلاق سراحهم.. حتى أن.. الرائد أبو القاسم محمد إبراهيم.. جاءهم وزارهم داخل السجن.. وحاورهم.. حول بعض الشروط لإطلاق سراحهم .. ولكنهم آثروا عليها البقاء في السجن ... وهذا بالطبع هو موسى متي .. الذي لا يساوم أبداً.. وهو الذي ظل بالسجن لأكثر من عام.. رافضاً كل المحاولات التي بذلت معه.. لتسليم مفاتيح خزانة النقابة وأختامها.. وأموالها.. باعتبارها أمانة وضعها العمال في رقبته.. ولن يفرط فيها!!
لقد فوجئت.. لما جئت عطبرة معزياً في وفاة أحد أقربائي وكان موظفاً بالسكة الحديد وجاءني وفد.. من نقابة عمال السكة الحديد.. يقدم المساهمة لأسرة المرحوم.. مع الموافقة المكتوبة من مدير عام السكة الحديد.. ببقائهم في المنزل الحكومي.. حتى يتدبروا أمرهم... ثم لم يلبثوا أن وجهوا لي دعوة عشاء... بدارهم... وهناك التقاني كل أصدقاء السجن.. ورحبوا بي.. وأكرموني... وقال لي موسى متي ... أها .. أنا ما قلت ليك زمان .. أنحنا يوم في الحراسة .. ويوم في الرئاسة ؟!.



نواصل (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=14128&bk=1)

elmhasi
17-04-2018, 10:51 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 7 صفر 1430هـ الموافق 3 فبراير 2009م

كلام ساكت - أيـــــام النمــــــيري (14)

لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
طرفة سرت بين الناس فى الماضى ولا زالت ، تقول : بأن الرئيس النميرى قد ضاق ذرعاً بعطبرة ، وقال : ’’انا محطة عطبرة دي لو ما سويتها سندة موش حارتاح‘‘ .. ويكاد المرء يصدق هذهـ الطرفة ، لأن عطبرة ظلت على امتداد سنوات النظام المايوى ، مصدر قلق وإزعاج للسلطة ، بسبب نشاط نقاباتها المتعاظم ، ومواقفها المتشددة ، وتهديداتها الدائمة بالإضرابات والاضطرابات ، والتى ربما كانت السبب وراء تأسيس الكتيبة الاستراتيجية فى القوات المسلحة تحسباً لمخاطر توقف حركة النقل الحديدى فى البلاد ، مضافاً الى ذلك إزعاج الحزب الشيوعى الذى تفاقم وتطور بعد سقوط 19 يوليو والذى انهى شهر العسل ، وأوقع الطلاق البائن بينونة كبرى بينه وبين النميرى .
إن القسوة المتناهية التى تعامل بها النميرى مع حركة الانقلاب الشيوعى وسلسلة الاعدامات التى لم تشفع لزملاء الكاكى ولم ترحم أو تقدر تاريخ ومكانة الاخرين من امثال عبدالخالق محجوب والشفيع احمد وجوزيف قرنق . أججت نار البغضاء والكراهية والحقد فى نفوس الشيوعيين .
فحاربوا النميرى بلا هوادة وأقضوا مضجعه ، ولم (تبرد بطونهم) إلا بعد سقوطه ، ودخلت 25 مايو الى ود اللحد لتقبر مع عدوتها 19 يوليو !! .. وعلى هامش هذه الطرفة التى تشبه الحقيقة ، كانت زيارة النميرى الى عطبرة تتكرر ، تارة لتلافى مشكلة وتارة لمناسبة ، وتارات لتفعيل الاتحاد الاشتراكى ، وكانت احدى زياراته بمناسبة الاحتفال بعيد التعليم ، والتى اقيمت فى استاد مدينة عطبرة ، وبدأ الاحتفال بعدد من المناشط الرياضية ، وفوجئ قمندان البوليس ’’السيد عصمت معنى‘‘ بالمايكرفون يذيع مباراة فى جر او شد الحبل بين شرطة الشمالية وسلاح المدفعية ، ولم تكن الشرطة على علم بهذهـ الفقرة ، فطلب منى السيد القمندان أن اتصل بمقدم البرنامج ، لتأجيل الفقرة وأن أتحرك لجلب العدد المطلوب من رجال الشرطة ، لمنافسة الجيش ، فأتفقت على التأجيل ، وعجزت تماماً عن تجميع اي عدد من رجال الشرطة يصلحون لهذه المهة ، فلم اجد حلاً امامى سوى إحضار العدد المطلوب من بين المجندين تحت التدريب ، وكانوا يرتدون السراويل والقمصان البيضاء المعروفة بالطلبة ، ودخل جنود المدفعية يرتدون الفنايل وأحذية ’’البوت‘‘ وقاموا بإستعراض حاز على رضاء الجماهير ، وعندما أدخلت المستجدين الى الاستاد ضج الجميع بالضحك ، وظنوا إن المعركة غير متكافئة ، وهم على حق ، وبدأت عملية شد الحبل بين الطرفين ، وكانت مفاجأة للجميع أن إنتصر المستجدون إنتصاراً ساحقاً ، وذلك بسبب السخرية التى قابلهم بها الجمهور ، فحركت نفوسهم ، وبسبب ’’البوت‘‘ الذى كان يرتديه الجنود ’’فزحلقهم‘‘ ولم يمكنهم من الثبات امام المستجدين الحفاة ، الذين غرسوا اصابعهم فى ارض الاستاد ولم يتزحزحوا عنها !! لقد كان لهذه الحداثة الطريفة اثرها فى اشاعة جو من المرح بين الجماهير وضيوف المقصورة من الوزراء والدستوريين ورموز المجتمع . استمرت فقرات مهرجان الاحتفال بعيد التعليم ، وتعاقب الخطباء والشعراء ، حتى تقدم الدكتور منصور خالد وزير التربية والتعليم وقتها ، واستلم المايكرفون والقى خطاباً رصيناً ، ثم قال : لقد دهشت جداً ، لهذه اللافتات التى تحتفى بعيد العلم ، وما ورد فى الصحف واجهزة الاعلام وغيرها ، مع أن كلمة عيد العلم غير صحيحة مطلقاً ، لأن العلم هو (Sience) من قبيل الفيزياء والكيمياء والاحياء ، ولكن الصحيح هو عيد التعليم أي الـ (Education) وإعتباراً من هذا العيد والاعياد المقبلة من عمر مايو المديد بإذن الله ، فسنحتفل بعيد التعليم ، وصفق الجمهور ، وتقدم النميرى وسط عاصفة من الهتافات و(استولى) على المايكرفون وقال ما قال .. ثم إلتفت الى منصور خالد وقال .. ’’أنا قلت دهـ عيد العلم .. يبقى خلاص عيد العلم .. وموش عايز أي فلسفة فى الموضوع دهـ تانى‘‘ . وهاج الاستاد وماج معلم معلم يا نميرى .. قائد قائد يا نميرى .. حاسم حاسم يا نميرى .. عيد العلم عيد الشعب .. !!
اما زيارة نميرى الى مدينة عطبرة والتى تعيش فى خيالى ، وكأنها حدثت بالامس .. فقد جاءت اثر مذكرة ضافية من قرابة العشرين صفحة ، رفعها أهالى قرى نهر عطبرة ، سردوا فيها كل مشاكلهم ، وعبروا عن مطالبهم وإحتياجاتهم ، ومهرها رئيس لجنة كل قرية بتوقيعه ، عدا رئيس قرية واحدة من منظومة القرى هذهـ رفض التوقيع بعذر إن المذكرة فيها مبالغة وتهويل يجافى الحقيقة .
إنزعج النميرى جداً .. وجاء الى عطبرة مصحوباً بالعديد من المسئوولين ، واقيم فى استقباله لقاء جماهيرى هائل ، جمع سكان كل هذهـ القرى ، عدا القرية التى رفض رئيسها التوقيع .. وبدأت فقرات الاحتفال حتى تقدم مندوب هذهـ اللجان القروية جميعاً ، وبدأ فى إلقاء خطابه الطويل الممل المستنسخ من المذكرة ، التى جاءت بالنميرى وصحبه ، وعندما بلغ الخطيب الفقرة التى تقول : يا سيدى الرئيس : لقد ساء حالنا وساءت احوالنا .. وعشش الفقر فى كل دار ، وعدمت البيوت نفاخ النار ، وصارت اغنامنا يا سيدى الرئيس تأكل الدلاقين !!
تفاجأ الجميع بالرئيس يقفز كالنمر ، وينتزع المايكرفون من أيدى الرجل ، وهو يقول : ’’بالله ده كلام تقولوهـ .. غنم شنو البتأكل الدلاقين !! أظنها الدلاقين فاضت عليكم وجدعتوها .. بعدين أدا الجمل ودهـ الجمال .. أنا عايزكم هسع تجيبوا غنماية قدامى اشوفها بتأكل الدلاقين .. قوام جيبوها أنا عاوز الغنماية دي‘‘ .
وساد الصمت برهة من الزمن وطأطأ الجميع رؤوسهم والنميرى واقف ينظر إليهم بغضب ، ثم قام بعدها بإلقاء المايكرفون فى أيدى الخطيب سيئ الحظ ، وقال له : خد تم كلامك الفاضى دهـ ، وعاد ليجلس فى موقعه غاضباً متوتراً .. وواصل الخطيب سيئ الحظ ، وقد اضطربت نفسه ، وأصطكت قدماهـ ، وأرتجفت يداهـ ، وإرتخت أذناهـ .. حتى صارت النظارة تسقط منهما ، وتهدج صوته ، وصارت بلحة زورهـ تعمل بلا توقف ، وواصل القراءة مضطراً وهو (موش على بعضه) حتى بلغ فقرة اسوأ من سابقتها ، لوكنت أنا فى موقعه لقفزت وتخطيتها أو أنهيت الخطاب الطويل ، ولكن الخطيب المنحوس ، قرأها وقال : وعيناهـ تدور فى محاجرهما .. يا سيدى الرئيس ، لقد كنا نعيش فى رخاء معتمدين على الاشجار والاخشاب التى كان يجئ بها النهر فننتشلها ونصنع منها العناقريب والاثاثات ونبيعها فى المدينة للافران والبيوت والكمائن ، حتى قام خزان خشم القربة وإنقطعت عنا هذه الاخشاب ، إن الخزان قد جاء وبالاً علينا يا .. وقبل أن يكمل .. هجم النميرى عليه .. غاضباً وإنتزع المايكرفون من يديه .. حتى (تترتح) وكاد أن يسقط وقال غاضباً : ’’كلام عجيب وغريب .. خزان خشم القربة جاء وبالاً عليكم !! عشان شوية أخشاب واشجار بجيبها البحر .. زرعتوها إنتوا ؟ .. وألا خلاص إتعودت على الراحات والميتات وأكل الملح .. ملح تانى مافى .. تشتغل تأكل ما تشتغل تموت فطيس .. ‘‘ وأعاد المايكرفون للخطيب .. ليواصل محنته وعاد الى موقعه والشرر يتطاير من عينيه ، وواصل الخطيب المسكين ، وقد ساءت حاله واحواله .. وإنهد حيله ، وصار يتوكأ على اي شئ ، ويكاد يسقط على الارض ، ولو كان قادراً لولى الادبار ، ونفذ بجلدهـ من هذا الموقف الرهيب ، ولكنه واصل .. وقفز الى الصفحة الاخيرة من الخطاب .. وفيها خلاصة الشكوى وقال : .. يا سيدى الرئيس .. هذا حالنا ظاهر بين يديك ، وظروفنا كما عبرنا عنها إليك .. ونحن نعشم فى دعم الحكومة ودعم صناديق الامم المتحدة ، والدول الصديقة .. والسلام عليكم ورحمة الله ..
لم يصدق الرجل أن الخطاب (الكارثة) قد إنتهى فتركه فى موقعه على منصة الخطابة ، وإرتمى على اقرب كرسى ، وأنفاسه تتصاعد وعرقه يتصبب ، وكأنه عائد للتو من معركة حامية الوطيس .
قام النميرى .. وارتجل خطاباً نارياً .. زجر فيها جماهير هذهـ القرى زجرة قاسية .. مكرراً ما قاله عن الغنماية والدلاقين والخزان الذى صار وبالاً .. ’’بعد دهـ كله عاوزنى انا جعفر النميرى أشيل القرعة واشحد ليكم من الامم المتحدة والدول الصديقة .. أنا اشحد ليكم اليسوى والما يسوى .. عشان تأكلوا .. وتملوا كروشكم .. افتحوا خشومكم وأكلوا تأكلوا الهارى .. أهي دي الواطا وهداك البحر .. العايز يعيش يحفر ويحرث ويزرع ويأكل من عرقو والما عايز على كيفه !! وبالمناسبة انا جيت وشاحن معاي وابور زراعى ضخم يحل مشكلتكم كلكم .. لكنكم ما بتستاهلوهـ .. وأنا من هنا دربى على قرية .. ’’...‘‘ التى لم توقع على هذهـ المذكرة الفضيحة‘‘ .. وإنتهي اللقاء الجماهيرى الاسطورى ..
وغادر موكب السيارات ساحة الاحتفال .. ولم يهتف أحد .. ودخلنا القرية التى لم يتوقع أهلها فى ساعة متأخرة .. ليلاً فأستيقظت على اصوات المايكروفونات والاناشيد والهتافات .. وجاء أهلها رجالاً وشيوخاً ونساءاً وأطفالاً وقد طردوا النعاس من أعينهم .. ورحبوا بمقدم الرئيس ، ثم قدموهـ لمخاطبتهم فقال : ’’الاستعمار لما جاء .. داخل البلد دي .. راجل وقف قدامو ما فى غيركم .. والناس البلاقو الاعداء ما بوقعوا على مذكرة هزيلة زي حقت الجماعة .. ناس زيكم لو ماتوا بالجوع ما بقولوا لرئيسهم .. اشحد لينا علشان نأكل .. وهسع أنا جيت شاحن وابور زراعى كبير يكفيكم كلكم لكن علشان كلامهم الموش مزبوط انا قررت ودهـ قرار نهائى الوابور دهـ يكون حقكم براكم .. إستلموهـ حلال عليكم .. وأحرثوا وأزرعوا .. وأنا إن شاء الله حأجى علشان أشوفكم عملتوا شنو ..
وبعدين أنا بحذركم ما تخلوا أي قرية تانية تشارككم فى الوابور دهـ .. ولو اي واحد جاكم يلعب بي ضنبه .. اقطعوهـ ليهو طوالى وانا المسئول‘‘ ..
وغادر قطار النميرى الى الخرطوم وفى معيته الوفد الذى قدم معه .. وهم صامتون ، وأهالى قرى نهر النيل ، وهم حانقون ، وأهل قرية واحدة فقط ينططون .. ويرقصون ، وهكذا كان حال النميرى حيث مشى يجرح ويداوى ..



نواصل ..

elmhasi
17-04-2018, 11:08 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 14 صفر 1430هـ - 10 فبراير 2009م

كلام ساكت - أيـــام النمــيري «15»

لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
ربما أني سرحت .. طوال الحلقات الماضية ... في سرد شتى المواقف والمشاهدات ذات الصلة بالأمن ... وتجاهلت .. العديد من الأحداث الجنائية .. التي حدثت خلال أيام النميري تلك .. بالشمالية الكبرى .. ولكني رأيت .. أن أستعرض بعض المواقف المسلية .. منها .. والتي لا يمكن فصلها عن الحالة الأمنية.. والحياة السياسية في تلك الحقبة ..
لقد كانت العلاقات السودانية الليبية المصرية .. في أوجها .. مع بدايات مايو.. حتى أن اسم مصنع اسمنت عطبرة .. تحول إلى ماسبيو .. «مايو - سبتمبر - يوليو) .. وعاش الناس حلم الوحدة الكبرى بين دول الجوار الثلاث.. حتى ضاع الحلم وتبخر برحيل جمال عبد الناصر ... المهم .. أن .. شاباً مصرياً .. استغل هذهـ الحقبة من الانفتاح والتكامل المصري .. السوداني .. الليبي .. فدخل السودان متسللاً.. وسرح في انحائه .. وارتكب سلسلة .. من (الاستهبالات) والاحتيالات التي تثير الضحك .. وكأنه يستمتع بحركاته ويختبر قدراته في الضحك على الدقون .. وكما يقول المصريون .. هات م الآخر ... فان قصة هذا الشاب المصري (الألعبان) بلغتني وأنا .. أباشر عملي بمركز شرطة دنقلا .. عندما جاءني مدير إحدى المدارس الوسطى بمنطقة عبري ... وقال .. بأن شاباً ـ مصري الملامح .. جاءهـ .. زاعماً بأنه سوداني وأن اسمه .. محمد أحمد عبد الواحد ... وأنه قد تم تعيينه مدرساً .. للتربية الوطنية بالوزارة في الخرطوم .. وأنه نقل للعمل في هذهـ المدرسة التي أديرها.. وأن أوراقه وآخر صرفيته .. في طريقها إلينا.. فرحبت به.. وهيأت له مكتباً.. واسكنته مع أحد المعلمين.. وشرع.. في تدريس مادة التربية الوطنية .. بصورة رائعة.. جعل بعض الأساتذة.. يحضرون حصته .. ويستمتعون بها .. ومن ثم انهالت.. على الأستاذ السوداني المصري .. الهدايا والعطايا والهبات.. من الطلاب والمعلمين .. وأهل البلد الطيبين .. وأخذ يستلف .. ويقترض من هذا وذاك مبتدئاً بشخصي أنا مدير المدرسة.. ونزولاً حتى الفراشين ... وظل يماطل في السداد بذريعة أن أوراقه وآخر صرفيته لم تصل .. وقد انقضت حتى الآن بضعة أشهر وما في أي خبر من وزارة التربية والتعليم !!
عاتبت السيد ناظر المدرسة ولمته على غفلته .. وأرسلت معه شرطياً .. لاحضار هذا المدرس المصرداني ... وفي صبيحة اليوم التالي .. جاء به ... بكامل ملامحه ولسانه المصري.. ويرتدي جلابية سودانية.. وطاقية حمراء... فحياني.. بتهذيب بالغ.. وأخذ يمثل دوراً درامياً.. يعجز عنه.. أحمد زكي... وقال.. يا بيه.. أنا وحيد أمي وأبوي... جبرتني الظروف للعمل كمدرس.. الوزارة عينتي.. ونقلتني إلى هذهـ المنطقة النائية.. ولأني وطني مخلص.. نفذت النقل طوالي.. وعلى حسابي كمان.. وأدي آخرتها.. أنا عايش (ستشهر).. بدون ماهية.. لحد ما غرقت في الديون والناس الطيبين.. صابرين عليَّ.. جزاهم الله كل خير.. ولو سمحت يا سعادة البيه.. تساعدني.. أمشي الخرطوم.. لتسوية أموري مع الوزارة.. وأرجع أحصل شغلي في المدرسة.. العيال ما لهمش ذنب!!
أمرت الشرطي بأخذهـ إلى الحراسة.. وفتح بلاغ ضدهـ .. وقلت له محذراً.. أوعك تكذب.. لأننا أتصلنا بالوزارة.. وقالت بإنها لم تعينك مدرساً.. وأنها لم تدخل مادة التربية الوطنية ضمن مناهجها.. وقبل أن يسحبه الشرطي.. قال.. سيادتك أنا حأقول كل حاجة.. بس لو سمحت.. أنا عاوز كباية (مية) وكباية شاي.. أصلو بعيد عنك.. رأسي عاوز ينفجر بالصداع... ثم حكى.. كلاماً.. كالخيال.. وقال.. يا عمي أنا مصري من القاهرة.. وخريج كلية الزراعة زهجت من (الصرمحة) في مصر.. قلت أجي السودان وأجرب حظي.. واستطعت أن اتسلل من حلايب لبورتسودان.. وعشت فيها كويس أوي.. قام واحد عسكري قصدني وراح قابضني.. باعتبار اني مصري وما عنديش أوراق ثبوتية.. وقابلت السيد القاضي وقلت له.. يا بيه أنا سوداني وأبوي شغال في السكة الحديد.. بوادي حلفا.. ولهجتي مصرية بسبب التكامل.. بين بلدنا.. وبين مصر.. فأمر القاضي بارسال برقية.. لناظر محطة السكة الحديد بحلفا ان كان من بين مستخدميها.. أحمد عبد الواحد وكانت الاجابة.. مفاجئة لي قبل القاضي تصدق يا بيه.. قالوا نعم.. ونقل إلى بابنوسة.. وعلى ذلك أمر القاضي بشطب البلاغ واطلاق سراحي.. فتقدمت للسيد القاضي برجاء لاعطائي مكتوباً بهذا المعنى.. حتى لا اتعرض للقبض والتلتلة مرة أخرى.. ووافق القاضي مشكوراً وسلموني الخطاب.. واخذت اترحل من بلد.. لبلد.. أجرب حظي.. ولما طاب لي المقام.. في كسلا الجميلة.. قبضتني الشرطة مرة ثانية.. بتهمة أني أجنبي بدون أوراق ثبوتية.. وعندما قدموني للمحاكمة.. أبرزت خطاب قاضي بورتسودان فشطب البلاغ.. ومنحت خطاباً آخر يؤكد سودانيتي.. وبراءتي... فسافرت إلى مدني.. ومدن كثيرة.. وجئت إلى الخرطوم.. ومنها إلى عطبرة.. وهناك علمت.. أن هناك منزلاً شاغراً من بيوت السكة الحديد.. مخصصاً لأحد المهندسين.. والذي يتوقع حضورهـ بعد شهر.. ولما كنت في غاية (الفلس).. توجهت إلى ذلك المنزل.. وقابلت الخفير المسؤول.. وأوضحت له.. بأني شقيق المهندس (فلان).. عاوز أرتب البيت لحين حضورهـ .. فرحب بي الخفير وفتح لي البيت كله.. وكان بيتاً مريحاً فأقمت فيه عدة أيام .. وكانت الوجبات (على سنجة عشرة) تأتيني من الجيران وذات يوم سمعت طرقاً على الباب.. وظننت ان الجيران قد بعثوا بوجبة الفطور.. فخرجت لأفاجأ.. برجلين من رجال الشرطة يسألاني إن كنت أنا شقيق المهندس (فلان) فقلت لهم... المطلوب.. نايم جوة.. أروح أناديه حالاً.. ودخلت وخرجت من الباب الخلفي وغادرت عطبرة في نفس اليوم بقطار كريمة.. ومن هناك قررت ان أعود إلى مصر عن طريق وادي حلفا.. فداعبته قائلاً.. وكنت حتعمل أيه.. لو قابلك أبوك.. أحمد عبد الواحد؟!.. فضحك.. وقال لي.. يا عم أنا أبوي مات وشبع موت.. وأبوي الثاني نقلوهـ بابنوسة!!.
المهم يا سعادة البيه.. وصلت عبري .. و(ما حيلتيش) حاجة أروح بيها مصر.. ففكرت في العمل كمدرس تربية وطنية.. أحوش من وراها قرشين حلوين وأرجع مصر بس حضرة الناظر.. ما صبرش عليَّ وبوظ كل حاجة.. الله يسامحه بأهـ ..!
ظل هذا المتهم المصري في انتظار المحاكمة شهوراً.. ولم نجد في مدينة دنقلا كلها من يتحمل ضمانته المصدقة.. حتى ظهر أمامي.. مزارع كبير من مزارعي حوض السليم.. وقام بضمانته.. وكنت أحس بأن الرجل فعل ذلك.. (عشماً) في الاستفادة من خبرات المهندس الزراعي المتهم.. في استصلاح أراضيه الزراعية الوافرة.. وخرج المضمون من الحراسة.. وهو يتأبط ذراع ضامنه.. وذهب ليقيم معه في منزله... وبعد مضي ثلاثة أسابيع جاءني الضامن.. يصرخ.. الحقني يا جنابو المصري.. شرد.. طلع قبال أسبوع وما رجع فقمنا بعمل نشرة جنائية فتمكنت الشرطة من اعتقاله على مشارف الحدود المصرية.. وأعادته إلى دنقلا.. وجاء المزارع الضامن.. وهو يصر على استمرار الضمانة.. فرفضت ذلك لقناعتي.. بأنه ينوي الانتقام .. وسألته عن الكيفية التي هرب بها المضمون فقال وهو يضحك .. دهـ ما بني آدم .. دهـ جن مصرم.. تصور الزول ده قعد معانا في أمانة الله.. وكان في كل صباح يذهب.. إلى الحواشات.. ويعود.. بعينات من التربة في (زجاجات المربة) الفارغة.. ويكتب على كل زجاجة أرقام.. لا أعرفها حتى صار عدد العينات خمسين عينة.. ثم أخذني ذات يوم بعيداً عن المنزل وأخرج من جيبه خارطة بخط اليد.. وقال لي.. دي الخارطة البتودي لمحل الكنز.. انا عندي جهاز لفحص التربة.. تمنه.. مليون دولار.. وهو جهاز عجيب.. لو أدخلت (الترابة في خشمه) على طول يوريك المحاصيل التي يمكن أن تنتجها من هذه العينة من التربة.. وان هذا الجهاز.. أنا دفنته في الخلاء.. شرق مدينة عبري.. وعلشان نبدأ العمل ونحصل الشتوي باذن الله.... قوم رجعني الحراسة وخد الخريطة وياك.. وروح هات الجهاز وأعمل حسابك ما حدش يشوفك!!
أحسست ان الرجل صادق.. وطلبت منه ان يذهب لوحده ويأتي به... وسأكون في انتظاره. وبعد تمنع.. سافر المهندس الزراعي إلى عبري وقال.. كلها يومين وأكون عندك.. ولكنه واصل.. وكاد أن يدخل مصر... وعليّ الطلاق يا جنابو.. أنا كنت ناوي أرميه البحر.. علشان يمشي مصر عديل.. لكين إنت عرفتها.. غايتو ربنا ستر!!
وفي ذات الانفتاح والتكامل المصري الليبي السوداني.. حدث في مدينة جنوب عطبرة.. أن أقض مضاجع أهلها.. مجرم يسطو ليلاً على المنازل ويسرقها.. وجأر الناس بالشكوى وتوالت جرائم السطو والكسر المنزلي المتشابهة والمتهم مجهول.. وبذلت الشرطة كل الجهد الممكن.. دون جدوى.. حتى قادت المتهم رجلاه الآثمتان.. فتسور منزل امرأة دلالية موفورة العافية.. تقيم وحدها.. وأراد أن يسرق مقتنياتها الثمينة من غوائش وحلي ذهبية.. ولكنها أحست به.. وهاجمته وأمسكت به بكل قوتها.. وهي تصرخ.. فضربها بفأس حتى شج رأسها شجاً بليغاً فانهارت وسقطت.. وهرب اللص المجرم ولكنه ترك عمامته في يديها.. كأغلى بينة ضده... ولما كانت الشرطة.. لا تملك.. دليلاً آخر يمكن الوصول به إلى المتهم المجهول.. فقد قامت بجمع كل عناصر المدينة من المتعطلين والمتبطلين وأصحاب السوابق.. ومرتادي مجالس الخمر والمخدرات.. وكل المشبوهين.. وأوقفتهم في صف طويل أمام باحة مركز الشرطة.. ثم جئ بالشاهد.. المخلوق العجيب الخطير.. الذي وصل من الخرطوم في عربة مكيفة.. ونزل منها وهو يلهث.. ومعه مدربه.. لقد كان هذا الشاهد الخطير.. كلباً بوليسياً.. جاء لتوه من ألمانيا... عرضت عليه عمامة اللص المجهول.. فشمها.. و(كرف) رائحة الصناح الفائح منها.. فلم يتمالك نفسه وظل يتقافز.. ورفض كليةً.. أن يتجه صوب (المرصوصين) من المشبوهين.. واستطاع أن ينتزع حبله من مدربه.. ويجري في اتجاهـ مغاير.. والناس يجرون من خلفه... ولما تبين.. أنه يتجه إلى عنبر رجال الشرطة (العزابة).. صعق الجميع.. وخارت قوى.. رئيس القسم... ودخل الشاهد الألماني العنبر.. وعندما وصله الناس كان قد أخرج من العنبر.. رجلاً أسود.. عارياً تماماً بعد أن مزق الكلب ملابسه.. وهدأ بعد ذلك ليسلم قيادهـ لمدربه!!
لقد كان هذا الرجل الأسود هو المتهم الحقيقي الذي ارتكب كل هذهـ الجرائم... بعد أن ضبطت كل المسروقات في غرفته التي كان ينام فيها.. وضبط الفأس الذي شج به رأس الدلالية ملوثاً بالدماء... وباستجواب رجال الشرطة من ساكني هذا العنبر أوضحوا بأن الرجل من ليبيا.. جاءهم يبحث عن عمل... فوفروا له السكن والمأكل والمشرب.. مقابل كنس ونظافة العنبر ونقل الماء.. إلى الازيار.. ووعدوهـ بايجاد عمل مناسب له.. سيما والرجل على خلق يحافظ على صلواته!!
نأسف.. للحادثتين تعبيراً عن عهد التكامل السوداني المصري الليبي.. أيام النميري... ولا نستبعد.. أن مصرياً.. فعل شيئاً مماثلاً في ليبيا.. أو أن ليبياً فعل مثل ذلك في مصر.. أو أن سودانياً.. استباح مصر.. وليبيا.. جريمة واحتيالاً.. وتكاملاً.. وآل تكامل.. آل..!!






نواصل (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=14331&bk=1)

elmhasi
13-05-2018, 07:38 PM
كلام ساكت

لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
أيـــــــــــــــام النمــيري (16)
مع اطلالة فجر 25 مايو 1969.. أذاع النميري بيانه الأول منقلباً على النظام الديمقراطي حسب زعم أهله... وإستمر قابضاً على صولجان السلطة.. مسنوداً بقوى الجيش والأمن تارة.. وبالجماهير.. تارات وبدول الجوار.. تارات أخرى.. حتى أكلت السنون منسأته.. واضعفت قوائم كرسيه.. فسقط.. في صبيحة 6 أبريل عام 1985م..
إن السنوات التي قضاها النميري في الحكم تعدل سنوات تلميذ صغير.. تنقل من الإبتدائية إلى الثانوية.. ثم الجامعة.. وتخرج منها.. يحمل درجة البكالريوس... ولكن النميري.. دخل مدرسة الحكم الإبتدائية عام 69.. وظل (يُرَبّت) في الصف الأول... حتى تم فصله منها عام 1985... لأنه لم يجتهد ويبذل ما في وسعه... ليضيف إلى شخصيته العسكرية الفذة.. مظهراً وجوهراً.. بعض (محسنات) الزعامة والقيادة.. فظل يطفو على بحور السياسة.. كمن يتزلج على الماء.. ويأبي أن يبتل بأمواجها.. أو يغوص في أعماقها.. ويسبر أغوارها.. أو حتى يسبح فيها.. مع أو عكس التيار.. وذلك لا يستقيم أو يجوز في حق.. رئيس.. يحكم.. أكبر قطر في قلب أفريقيا والعالم العربي.. كذلك فان النميري ظل على إمتداد السنوات.. التي عاصرها البعض أطفالاً.. حتى صاروا رجالاً.. يحملون الشهادات الجامعية.. عاجزاً عن إتقان فن البيان والخطابة.. الضروري كالهواء والماء.. لكل سياسي طامح في الزعامة والقيادة.. وأحسب أن البيان الأول لثورته.. كان هو الذي لم يأت بأفصح منه..!!.
لقد.. القى النميري عبر هذه السنين من حكمه الذي تجاوز الخمسة آلاف يوماً.. خطابات بالآلاف.. مكتوبة ومرتجلة.. ومع ذلك.. فإن أركان نظامه المايوي ورموزه.. كانوا يرتعدون.. كلما أرتجل كلمة.. أو خطاباً أو أدار مؤتمراً صحفياً على الهواء مباشرة.. مثل ذلك المؤتمر الذي وقف فيه المذيع أيوب صديق... ليسأل باسم هيئة الإذاعة البريطانية.. فهاج النميري وقال له: هيئة الاذاعة البريطانية.. بتاعت أيه.. انت موش معانا هنا في التلفزيون.. انت فاكرني موش عارفك ولا أيه؟!.. وحاول من حوله أن يوضح الأمر.. ولكن دون جدوى!!.. أو ذلك المؤتمر الذي حاول فيه أن يترجم إلى اللغة الإنجليزية حرفياً.. المثل الذي يقول «ضربني بكى وسبقني اشتكى».. وما ينسبه إليه البعض.. بأن مراسلاً صحفياً.. انجليزياً.. سأله.. إن كان الشعب السوداني راضٍ عن بعض قراراته.. فقال.. No body can say kani mani ما تباع ذلك من شمارات.. بأن الصحفي ظل يبحث عن (كأني ماني) في كل القواميس ولم يجدها.. والحديث عن مؤتمرات النميري وتصريحاته وخطبه الهوائية حديث يطول.. ولعل هذا الضعف الواضح في مادتي الخطابة والسياسة.. كان هو السبب الرئيسي.. الذي قَصَّر أجل حكمه.. وليس أدلّ على ذلك.. من لقائه على الهواء.. في برنامجه بين الشعب والقائد.. والذي قال فيه ما قال.. ضارباً بنصائح الخبير الإعلامي.. البرفيسور علي شمو عرض الحائط.. فأشعل بذلك نار الثورة الشعبية التي التهمت مايو.. وتهاوى عرشها..
إذن كيف حكم النميري السودان.. وقد جردناه.. من جلباب السياسة.. وعمامة الخطابة؟! لقد ذكرنا.. أن النميري.. كان رجلاً عسكرياً فذا.. ظاهراً وجوهراً.. وله بطولاته في ميادين القتال.. التي يحفظها له سجله العسكري... كما يحفظ له العالم وكافة الشعب العربي... موقفه الرجولي.. الذي إستطاع به أن ينقذ ياسر عرفات من براثن الموت.. يضاف إلى ذلك بأن النميري.. كان يصغي ويستمع إلى الرجال الخبراء الذين كانوا يحيطون به ويحاورهم.. وإذا بلغ درجة من القناعة بأي أمر.. فإنه لا يتردد في إتخاذ القرار الشجاع والإصرار عليه حتى يصبح حقيقة على أرض الواقع..
بهذه الخاصية العسكرية الفذة.. والقدرة على إتخاذ.. القرار.. حكم النميري ستة عشر عاماً أنجز فيها الكثير.. وجاط.. وخرمج الكثير.. فالنميري.. الذي لم يعرف عنه أي إنتماء لأي حزب.. سوى الإنتماء للوطن.. قاد إنقلاباً هجيناً من الشيوعيين والقوميين العرب وعناصر أُخرى بين هؤلاء.. وأولئك... وعمل بنصائحهم فأمم الصحف.. وكل المؤسسات وتواصل مع دول المعسكر الشرقي.. وإعترف بالمانيا الشرقية... وقطع أشواطاً في التكامل بين ليبيا.. ومصر.. وعندما إنقلب عليه الشيوعيون.. إنقلب عليهم ولم يراع فيهم إلَّا ولا ذمة.. حتى قال شيوعي عجوز.. إن عبدالخالق محجوب.. قرأ ماركس ولينين ولكنه لم يتدبر قول لينين (على الحزب الشيوعي أن لا يصادم أي حركة ثورية... لأنها هي القادرة على تحطيم الحزب وسحقه).. وهذا ما حدث بالضبط.. فقد صادم الحزب حركة مايو الثورية.. (فغطَّست) حجره ولم (يُقَلِّع) ويظهر على السطح... إلَّا في مؤتمره العام الخامس.. بعد كام وأربعين عاماً... متزامناً.. مع أفراح أمريكا.. بعريسها الجديد أوباما.. وبالله شوف!!.
كذلك فان النميري.. الذي إنقلب على الأحزاب الكبرى في البلاد.. هو النميري ذات نفسه الذي حقق مع هذه الأحزاب مصالحة وطنية.. (قرقرت بيته من الداخل) وهو ذات النميري.. الذي بدأ أحمراً.. ثم صاراً أصفراً.. وإنتهى أخضراً.. في أيدي الحركة الإسلامية.. وقد سمعت بأذني (هاتين).. الدكتور حسن الترابي يتحدث في ندوة بنيالا.. وكان وقتها مستشاراً للنميري ومشرفاً سياسياً على دارفور.. لما سأله.. أحد المواطنين.. عن قناعاته بالنميري.. فقال: نحن أصحاب فكرة.. وعاوزين نطبقها.. والنميري.. مع كل مسالبه.. وعيوبه هو من نستطيع أقناعه.. بإتخاذ القرار.. وأضاف ضاحكاً: ومن أجل أهدافنا.. لا نتعاون مع الشيطان.. ولكن مع النميري!!.
لقد نجح الإسلاميون في إحتواء النميري وتطبيق قوانين سبتمبر والمحاكم الناجزة والتي يحسب البعض بأنها.. التجربة التي كانت متسرعة.. وجاءت خصماً على الشريعة الإسلامية السمحاء... وعندما غادر.. النميري.. إلى أمريكا.. كانت السجون تعج بالإسلاميين.. ولو أنه.. عاد بعدها.. لوقعت.. مجزرة أخرى.. ولكن الله قدر.. ولطف!!.
لقد استطاع النميري استناداً إلى شخصيته العسكرية القوية.. المتماسكة وشجاعته المتناهية المتفق عليها.. أن يتخذ أقسى وأصعب القرارات.. التي توالت كركلات الجزاء.. في كرة القدم.. فأحرز بعضها الهدف.. وكاد بعضها أن يحرز الهدف ولكنه دَقَّ في العراضة.. وفشل بعضها وقَلشَ.. وطلع آوت!! ومن أهم هذه القرارات التي احرزت الهدف كان قرار.. الحكم الإقيمي للجنوب ومن القرارات التي طلعت آوت.. كان قرار تقسيم الإقليم إلى ولايات ثلاث.. ولعل قرر تطبيق قوانين سبتبمر.. كان هو الذي دَقَّ في العراضة!!.
إن هذه الصفحات.. لا تكفي.. لإستعراض قرارات النميري صالحها وطالحها.. ولكن قراراً عظيماً وحيداً أتخذه النميري.. لا يكاد الناس يذكرونه.. أو يحسون بأهميته أو يقدرونه حق قدره.. بل ويسقطونه إذا ما عَدَّدوا أنجازاته.. ولا يحسبونه حتى ضمن.. إخفاقاته... والقرار التاريخي الذي إتخذه النميري على ضوء دراسات مضنية متأنية حصيفة.. قام بها خبراء وطنيون على رأسهم.. المرحوم الفريق أول شرطة علي يس.. الأب المؤسس للعمل المروي في السودان.. كان قراراً عظيماً.. وإستباقاً.. إستشرف.. المستقبل.. وما سيطرأ على البلاد من تقدم.. وطفرة.. إنشائية عمرانية كبرى.. تستوجب إتخاذ مثل هذا القرار.. بأعجل ما يمكن.. لأن كل يوم يمر.. سيلقي على كاهل البلاد تكلفة باهظة جديدة.
إن القرار العظيم الذي اتخذه النميري وكان بمثابة الضوء الأخضر.. الذي أباح.. ومكن اللجنة القومية.. برئاسة المهندس.. البروفسير أحمد عبدالرحمن العاقب... أن تعمل وتحقق.. تحويل حركة المرور من اليسار إلى اليمين.. في يوم الجمعة المبارك.. الموافق 19/8/1973.. ليفاجأ الناس يوم السبت.. بأن كل شيء.. قد تعدل على الطريق العام!!.
ولمقابلة هذا الحدث التاريخي الفريد.. والاعداد والاستعداد له.. في مدينة عطبرة.. فقد.. قام السيد.. العميد عصمت معني... بإيجاد مكاتب أحسب انها كانت تتبع لوزارة الزراعة وتمت صيانتها وتجهيزها... لتكون مقراً لإدارة قسم المرور.. وكلفت برئاسة هذا القسم.. والقيام باعباء الترخيص والضبط المروري.. ومن الطريف اللطيف.. أن أول من دخل مكتبي.. كان رجلاً.. ناحلاً دقيق الجسم صارم القسمات... وضع أمامي أوراقاً.. وقال بحزم: عاوزين نرخص التراكتور ده.. تجديد ترخيص يعني!!. فقلت له: وأين هو التراكتور.. فقال لي: في الدمازين!!.. أندهشت جداً لهذا الطلب العجيب.. وطلبت من الرجل أن يجلس.. حتى اتفرغ للحديث معه... ولكن تلفوناً من المرحوم الحكمدار أحمد سعد.. أنقذ الموقف.. وقال لي: عارف القاعد جنبك ده مين.. ده اللواء أحمد عبدالوهاب.. نائب عبود ووزير الداخلية يوماً ما... ده راجل صعب.. شوف طَلَبهُ.. وخليه يروح!!.
ولم أتردد.. في سحب أوراق السيد اللواء الركن والكتابة عليها.. بالتصديق.. واستدعاء أحد الرجال.. لإكمال الإجراء.. فوراً.. وقد كان.. وغادر الرجل المكان بانحناءة لطيفة تعبر عن الشكر والإمتنان.. وكفانا الله.. شر غدر.. الزمان!!.
لقد كانت امكانات.. شرطة الشمالية متواضعة جداً.. ولكنها مع ذلك.. فقد دعمت قسم المرور الجديد.. بعربة كومر نص عمر.. وجيب ويلز قديم وبضعة مواتر.. كما أنها نقلت مجموعة من رجال الشرطة.. لدعم القسم واستيعاب قانون ولوائح المرور.. والتدرب.. على عملية.. ضبط الحركة.. على الشارع العام توطئة.. لاستقبال اليوم التاريخي 19/8/73 وتعديل مسار.. حركة المرور.. من اليسار إلى اليمين واعانة المشاة.. وراكبي الدرجات وسائقي العربات والسيارات.. لإتباع قواعد المرور الجديدة.. وعلامات المرور الدولية.. والعلامات الأرضية.. التي ستظهر على طول الشوارع.. والتقاطعات بصورة أشمل لأول مرة... وبدأت أول ما بدأت.. بتدريس رجال الشرطة.. مواد قانون ولوائح المرور... ثم.. عرضت عليهم علامات المرور الدولية والأرضية.. وشرحت معانيها.. وهي كما نعلم.. لغة عالمية... وقمت.. بالعشرات من المحاضرات والندوات في مختلف المدارس والأندية.. وأحسب أنني نجحت.. في تهيأة.. قطاع عظيم من الطلاب والعمال.. وغيره.. للحدث العظيم.. وابتكرت أسلوباً طريفاً لتدريب رجال الشرطة وتعميق فكرة السير على يمين الشارع في عقولهم فأخترت ميداناً واسعاً ورسمت.. فيه (بالطوب الأحمر) شكل تقاطع شارعين رئيسين.. وصينة حركة أو دوار.. وأوقفت رجال الشرطة.. على يمين كل شارع تماماً كما تقف العربات... وهم في حالة خطوات تنظيم.. عوضاً عن الماكينات المدورة... وعند اطلاق صافرة مني.. يبدأ الجميع في التحرك.. مع الإلتزام بقاعدتين هما.. التزام اليمين.. ومراعاة أولوية.. المرور.. للعربة أو بالأحرى للشرطي القادم من جهة اليسار..!!.
لقد كان هذا التمرين ممتعاً لرجال الشرطة والمتفرجين من المدنيين الذين راقت لهم الفكرة.. فصاروا يتدربون عليها من تلقاء أنفسهم.. بدراجاتهم.. أو كداري.!! وعندما إقترب اليوم المضروب.. كنا في قسم المرور وبالتعاون مع جهات هندسية.. في المجالس.. والسكة الحديد.. قد أكملنا (تأثيث) كل الشواع بعلامات المرور الدولية.. وحجبناها بالجولات.. حتى لا يتعامل أو يتقيد بها شركاء الطريق.. وحتى الأسهم الأرضية كانت جميعها.. بلا رؤوس.. ولا تشير لأي اتجاه... ومع ساعات الفجر الأولى من يوم 19/8/73... زودنا كل سهم برأسه.. ونزعنا القناع عن وجه كل علامة دولية... ومع خيوط الشمس الأولى.. جاء المئات بعرباتهم وسياراتهم.. وفي مقدمتهم.. قيادات العمل.. العسكري.. والمدني.. والسكة الحديد.. ونقابات.. البصات والتاكسي وجيش من الدراجات.. يجوبون المدنية.. من أقصاها.. إلى أقصاها.. وهم متفائلون وقد أصبح الحلم حقيقة.. وصار السودان من أهل اليمين.. مارقاً على دول الكمونويلث.. ومن بين الذين كانوا يجوبون المدينة رجل.. من أصحاب الطرائف والقفشات يقود دراجته الرالي.. ويحمل قدامه.. (عتوداً).. فأستوقفه.. رجل من رجال شرطة المرور.. وقال له بحزم: انت رادف ليه يا زول؟!. فمضى في حاله ولم يتوقف ورد على الشرطي: يا جنابو راجع قانونك.. ده أقلَّ من سطاشر سنة..!!.

 
 
نواصل ... (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=14445&bk=1)

elmhasi
13-05-2018, 07:41 PM
وقال لي : عارف القاعد جنبك ده مين.. دهـ اللواء أحمد عبدالوهاب.. نائب عبود ووزير الداخلية يوماً ما ... ده راجل صعب .. شوف طَلَبهُ .. وخليه يروح !!.


:D

elmhasi
13-05-2018, 07:46 PM
من أصحاب الطرائف والقفشات يقود دراجته الرالي.. ويحمل قدامه.. (عتوداً).. فأستوقفه.. رجل من رجال شرطة المرور.. وقال له بحزم: انت رادف ليه يا زول؟!. فمضى في حاله ولم يتوقف ورد على الشرطي : يا جنابو راجع قانونك .. دهـ أقلَّ من سطاشر سنة..!!.
:D:D:D
اتاريهو ناس الحركة من يومهم دهـ حالهم

elmhasi
25-05-2018, 08:55 PM
كلام ساكت أيــــــام النمــــيري (17)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
زيارات النميري .. إلى الشمالية وعطبرة كانت عديدة .. وكانت في معظمها زيارات عادية خالية من المواقف الممتعة التي يتطلبها السرد .. في هذا المسلسل .. غير أن هناك بعض الأحداث المتفرقة والتي سأتعرض لها - درءاً للتكرار - وكأنها قد حدثت ضمن إحدى زياراته .. لأن الحدث يهمني هنا أكثر من الزيارة نفسها .. ولأني أكتب من قاع الذاكرة .. بدون مفكرة أو مذكرة... ولما كنت قد سلمت موقعي في المباحث والأمن لزميلي وصديقي.. المثقف المهذب الملازم أول حسين عثمان صلاح - صاحب الاسم المقلوب - كما يداعبه أصدقاؤهـ .. تحركت لموقعي الجديد بقسم المرور.. وباشرت عملي فيه .. وذات صباح.. كنت في مطار عطبرة .. النائي عن قلب المدينة .. وقد حَطت طائرة الرئيس النميري .. وصحبه .. وكان عليّ كضابط للمرور.. أن أكون قائداً للتشريفة .. في مقدمة الموكب .. أقودهـ من باحة المطار البعيد جداً حتى موقع الاحتفال داخل المدينة .. وحسب الحال وقتها.. كنت أقف بعربة جيب ويلز صفراء فاقع لونها لا تسر الناظرين.. في انتظار إشارة التحرك.. ولما جاءت الإشارة.. كانت الفضيحة.. و«حرَنتْ» العربة وأبت أن تستجيب.. لتوسلات (الاستارتر).. ولم يجد الموكب بداً.. من مواصلة مسيرته.. متخطياً حضرتنا.. ضابط التشريفة.. وعربته (المكارهـ).. وبعد أن أصبحت ساحة المطار قاعاً صفصفاً ولم يبق في المكان.. إلا الغبار العالق الذي خلفته إطارات.. سيارات.. موكب الرئيس - ثابت العربة إلى رشدها.. و(الجماعة نزلوا منها).. فدوَّت ماكينتها.. ودخلت المدينة.. وبلغت مكان الاحتفال.. وهناك أحاط بي الزملاء يتندرون.. ويضحكون.. واشتد أوار الضحك.. عندما سألني القومندان.. وقال لي عربيتك مالها.. فقلت له.. أظنها شيوعية!!
وفي المساء أقامت هيئة السكة الحديد إفطاراً رمضانياً فخماً.. للرئيس وصحبه وأعيان المدينة.. وجلس الحضور حول المائدة الطويلة.. الزاخرة بما لذ وطالب من الطعام والدجاج المحمر... الذي كان يزين المائدة.. في خط مستقيم.. وحول المكان.. العشرات من رجال الشرطة الصائمين.. الذين يحلمون بتمرة بلح.. وكوب ماء بارد.. وعندما أذن المؤذن.. نهض النميري.. وأخذ تمرة و(جرح) بها صيامه واحتسى كوب ماء.. ثم تأمل المائدة الرهيبة وقال.. ده فطور شنو.. فطور ما فيهو قراصة.. ده يسموه فطور؟! ثم تحرك نحو المصلى.. لأداء صلاة المغرب وتحرك معه الجميع (فاطرون وصائمون) واختفى العشرات.. من القادة وانطلقوا بسياراتهم الفارهة إلى بيوتهم.. وبعد الصلاة التي تعمد الأمام أن يطيلها.. تحرك الجميع نحو المائدة الطويلة الفخمة.. ولما جلسوا.. كانت هناك.. عشرات الصحون.. الملأى بالقراريص.. والمعطونة بالويكة.. وشتى أنواع المفروكات.. وضحك النميري حتى بانت نواجزه.. وأخذ يتناول من الكابيدة.. بالويكة.. ويشيد بطعمها.. وتحول الجميع عن الدجاج المكرفس والشواءات نحو القراريص... وانتهزت الفرصة وقمت بحمل كم هائل من الدجاج واللحم والبيض.. والعصائر.. وذهبت بها إلى رجال الشرطة وبعض رجال الجيش والأمن.. الذين جلسوا بعيداً على استحياء... في انتظار الفرج... وبدؤوا يأكلون في سعادة.. وحاولت مداعبتهم قائلاً.. أجيب ليكم قراريص.. فقالوا بصوت واحد.. عليك الله.. ما تجيبها.. القراريص راجيانا في السحور!!
انتهت زيارة الرئيس إلى عطبرة.. وغادر بالطائرة التي جاء بها... وعادت عشرات العربات والسيارات التي كانت في وداعه إلى مقارها في المدينة... وكنت.. أسير بعربة المرور المنهكة.. وأمامي.. عربة كومر تيبر.. درج رجال الشرطة على تسميتها (بقميص النوم) ولا أدري إن كانت التسمية مدحاً أو ذماً.. وعندما اقتربنا من المدينة.. كان في طريقها الخط الحديدي وقطار.. يقترب بسرعة... وسائق (التيبر).. منغمس في الحديث مع من يقاسمه المقعد الأمامي.. ولم ينتبه البتة للقطار العابر.. وتفاجأت بان (التيبر) صعد على القضيب.. وفي لمح البصر.. صدمه القطار.. فخرج عن القضيب واستدار في الهواء دورة أو دورتين.. ثم انقلب على جنبه.. وأنا أحملق في دهشة.. لا أصدق بأن ما وقع أمامي.. حادث حركة حقيقي.. وليس خيالاً... وكان على متن (التيبر).. ثلة من ضباط الشرطة.. من رتبة النجمة أو النجمتين ومعظمهم أبناء دفعة واحدة.. ونجوا جميعاً من موت محقق.. إلا أن بعضهم.. أصابته خدوش ورضوض.. كالملازم ونستون سايمون الذي تقاعد على رتبة اللواء.. والملازم فضل الله محمد فضل الله الذي كسرت يده.. وتم علاجه ولكنه غادر موقعه في الشرطة مبكراً.. وأصيب آخرون إصابات مختلفة.. وكان من بينهم الملازم بشير حسن عبد القادر الذي تقاعد على رتبة العميد.. ومن الطرائف.. أن أحد الضباط الذين تعرضوا لهذا الحادث.. فقد أسنانه الأمامية.. فاضطر لاستبدالها بأسنان صناعية (طقم).. وكان عندما يخلد إلى النوم.. يخلع هذا (الطقم).. ويضعه على تربيزة جوار سريره.. وكان كلب (ميس الضباط) جرواً صغيراً.. غريراً.. مستجداً.. فظن وبعض الظن إثم.. أن الطقم لحم يجاور العظم فاقترب منه أمام شهود.. وخطفه وجرى به... ودقش الخلا.. ولا أحد يدري أين ذهب.. أو فعل به.. وعاد سعيداً يتلمظ.. ويلحس فمه.. ولكنه ذهب مبكياً على (جروتيه) رمياً بالرصاص!!
وددت.. لو أكتب.. بلا انقطاع من الشمالية ودنقلا موطن أجدادي ومسقط رأسي.. وأرقو التي دفنت بها (سُرتي). وأن أسترسل في الحديث... عن عطبرة مدينة الحديدة والنار.. والتي قضيت بها أحلى الأيام وربطتني بأهلها أعمق الصلات والصداقات.. والتي مازالت حية ومتينة وقوية حتى الآن... ولكن كشف التنقلات.. (فرَّاق الحبايب).. وبعد أن ترفعت إلى رتبة النقيب.. تقرر تغيير موقعي.. ونقلي إلى شرطة مديرية الخرطوم... فودعت الأحبة.. وغادرت مع زوجتي وطفلتي.. في عربة نوم.. أكرمتني بها السكة الحديد وانطلق القطار.. ويا خرطوم جاك زول.. وكان حظي الجميل.. أن أستاجر منزلاً في حلفاية الملوك.. يقارب الفدان في مساحته.. وأن تكون.. صاحبة هذا الدار السيدة.. (الموسيقار) أسماء حمزة بشير والتي امتدت علاقتي الأسرية بها حتى اليوم، وتوطدت أكثر بعد انتمائي لمنتدى الحلفايا الثقافي.. كيف لا.. وكانت هي أم المنتدى الرؤوم.. وكانت كما قال الشاعر عتيق.. زيارتك.. (أسما) غاياتنا و(همزة) وصل بيناتنا.. وأضاف لها شعراء المنتدى.. و(بشير).. الخير في غنواتنا..!!
قابلت مدير إدارة المرور.. فوجهني بالتحرك إلى الخرطوم بحري رئيساً لقسم المرور فيها... ولما أحس في عيوني سؤالاً عن عربة رئيس القسم.. قال لي.. في طريقك (أغشى) النقل الميكانيكي.. واستلم العربة المخصصة للعمل معك.. فرحت فرحاً.. شديداً.. ودخلت مباني النقل فأخذوا بيدي وفي ركن قصي من الورش.. وجدت كومة من الحديد (المشلع) فقالوا لي دي عربيتك!! حزنت جداً وعلمت.. أنها الصدمة التي يتعمدها (العسكريون) لإحباط صغار الضباط.. وقتل الأحلام الوردية في نفوسهم.. حتى يلزموا الجابرة!! لم أضيع وقتاً وانخرطت في العمل.. مع الميكانيكية والكهربجية والسمكرجية.. وأغدقت عليهم السجائر البنسون والروثمان.. وأخذت أفك وأربط.. وأعينهم على العمل.. حتى خرجت العربة الهيلمان 67.. فانطلقت بها إلى الحلفاية.. لتفرح أم العيال.. ويا فرحة ما تمت.. وقبل أن أصل إلى هناك.. وفي منتصف شارع الطيار الكدرو.. أخذت العربة تلف وتدور حول نفسها.. وكأنها ترغب في رؤية (خطراتها).. ولم تعد عجلة القيادة.. تؤدي دورها التحكمي وصارت.. العربات المندفعة عن يميني وشمالي تتحاشى الاصطدام بالعربة التي تحولت إلى مروحة.. وأخيراً توقفت وخرجت منها وأنا لا أصدق بأني حي أزرق.. وتطوع أحد الميكانيكية.. وفتش العربة.. وقال لي.. صامولة الدركسون مافي.. يظهر عليها ما كانت (مقرطة) فطارت غايتو الله شافك.. وشاف العباد!!
أكملت إجراءات التسليم والتسلم بيني وبين المقدم أحمد هارون عبد المجيد.. والذي يرى البعض أنه خلق ليكون ضابط مرور.. وأحسست من الوهلة الأولى.. أن رجال شرطة القسم (موش مبسوطين).. وغير سعداء بمقدمي.. ظناً منهم بأني أسوأ خلف لخير سلف... وعبروا عن ذلك بانضباط شديد.. ورفضوا تجديد عقود خدمتهم.. فلم أكترث لذلك.. وواصلت العمل في أداء واجبي وتركت الملفات على مكتبي قرابة شهر.. ولما أقبلت عليها.. للبت فيها.. اكتشفت أن الرغبات قد عدلت جميعاً.. وكفى الله المؤمنين القتال... وصار رجال هذا القسم.. هم الأحب إلى نفسي .. أتسنط أخبارهم ويسألون عني .. حتى اليوم وقد غير الزمن ملامحنا ومواقعنا .. وعجز تماماً عن تغيير دواخلنا .
كنت كرئيس لقسم مرور الخرطوم بحري .. أقلب الملفات والمستندات.. واقرأ كل صغيرة وكبيرة.. للاستفادة من خبرات أحمد هارون .. والرجل مدرسة مرورية قائمة بذاتها.. وتوقفت عند خطابات عديدة كان يرسلها للرئاسة عندما كان في موقعي.. يطالب فيها بقرار.. يمنع مرور الشاحنات والبصات الكبيرة.. والعربات الثقيلة من قبيل المجروسات والقلابات.. من دخول كبري النيل الأزرق العتيق.. وتحويلها جميعاً لكبري القوات المسلحة.. بحيث.. يبقى النيل الأزرق خالصاً للسيارات والعربات الصغيرة.. ولكن طلبه كان يقابل بالرفض وعدم الموافقة... فسألت أحد صف الضباط الظرفاء... عن مغزى هذه الخطابات.. فقال.. جنابو أحمد كان على حق نسبة لتعدد الحوادث الشنيعة بسبب هذه العربات الكبيرة .. مر إتنين قلابات اتلاقوا.. واحد ماشي والتاني جاي.. صناديقهم شبكوا مع بعض.. الصناديق وقعوا في نص الكبري.. والقلابات طلعوا (ميطي) بدون صناديق.. والحركة وقفت في الكبري يومين... وفي مرة من المرات احتك بصان كبيران من قبيلة الفورد.. وكان أحد الركاب يطل برأسه.. فانقطعت وسقطت على الأسفلت.. وظلت تنطط زي الكورة.. وتكورك.. الله ينعل البصات.. والبركب باص تاني!!
المهم في الأمر.. فقد قمت بجمع خطابات المقدم أحمد (الكان بوديها) مضافاً إليها خطاباتي.. وأرسلتها لعنايته.. وكان وقته مديراً لإدارة المرور بالإنابة.. فاتصل بي على الفور.. وقال لي.. بكرة الساعة ستة صباحاً ترجاني في مدخل الكبري من جهة بحري.. ومعاك صنف من رجال المرور.. وعندما جئنا وجدناهـ هناك.. يصرف الحركة بنفسه... ويغير اتجاه.. كل العربات المعنية في اتجاه كبري القوات المسلحة.. وانسابت الحركة انسياباً ووجه رجال المرور.. أن يفعلوا كما فعل وعدت معه إلى المكتب حيث داهمنا جيش جرار من المعترضين.. أصحاب المصالح.. ورؤساء النقابات.. وحتى بعض قادة الجيش والشرطة.. الذين تقع وحداتهم على مقربة من كبري النيل الأزرق... فاستمع إليهم وقال لهم.. أنا معاكم.. لكين الرئيس النميري استدعاني في القصر وقال لي أعمل كده.. أقول لا.. قال الجميع.. طبعاً لا... وانصرفوا.. وانسابت الحركة.. بدون.. ثقالة العربات الثقيلة على كبري النيل الأزرق.. وحتى اليوم.. وسألته ذات يوم عن سر قرار النميري في هذا الشأن.. وما دفعه إليه.. فأشعل سيجارته التي لا تفارقه حتى الآن.. وقال.. يا حلبي إنت مجنون.. النميري فاضي للأمور دي... الكلام ده من رأسي أنا.. كضبة بيضا.. يعني!!
قلت له.. دي كضبة من العيار الثقيل وسيجعلها الله في ميزان حسناتك يا شيخ الحلب أجمعين!!




رابط (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=14569&bk=1)

elmhasi
27-07-2018, 06:02 AM
جريدة الوطن - الثلاثاء - 6 ربيع الاول 1430هـ - 3 مارس 2009م

كلام ساكت - أيــــــام النمــــيري (18)

لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
أكتب الآن .. وأهل السودان يعيشون بدايات العام 2009م .. وتعود بي الذاكرة إلى أيام النميري في السبعينيات .. وأجري في دواخلي مقارنة لحالات الانضباط .. وتقدير المسؤوليات .. زمان .. وهسع .. وألقى الفرق شاسع .. كما كان يغني المرحوم خلف الله حمد .. وأسعى لو أسعفتني الذاكرة في سرد بعض هذه الحالات .. التي تبدو عادية جداً .. ولكنها ذات مغزى عظيم .. فأنا .. مثلاً (خرطومي قِشرة) درست في وادي سيدنا المدرسة.. الكائنة على هامش شمال أم درمان .. وظللت سجيناً بكلية الشرطة حتى تخرجت .. فيها .. وأرسلت بقذيفة إلى الاستوائية .. ثم قذيفة عكسية إلى الشمالية . وفي العام 1974م .. جعلتني التنقلات .. رئيساً لشرطة مرور الخرطوم بحري .. فأحسست بالخجل لكوني ضابط المرور .. المحدود المعرفة بشوارع العاصمة المثلثة وأحيائها وأنديتها ومعالمها .. وشتى مواقعها المهمة .. بل وبيوت رموزها .. وقياداتها .. نجومها .. ومناطقها المختلفة .. ولكني طمأنت نفسي .. بالقول حنتعلم من الأيام .. وتجرأت .. وقدت عربة القسم .. في كل أنحاء العاصمة .. وكنت أجد صعوبة في بلوغ أهدافي .. وكثيراً ما ألف وأدور .. في حلقة مفرغة .. و(أُجَلِّي) الشوارع .. وأكاد أن أرتكب حادثاً مرورياً .. وأنجو من الموت أحياناً وأحس بأن شركاء الطريق حولي .. يعبسون في وجهي وينظرون إليّ في ضيق وامتعاض .. وأكاد أسمع نظراتهم تقول .. وده حالتك ضابط حركة .. كمان !!
ويا عيون الناس أشهدي .. على لخمتي وترددي .. وعلى بكاي وتنهدي .. فقررت .. وحزمت أمري أن أقود العربة .. كل يوم .. بعد منتصف الليل .. أتأمل الطرقات .. وعلامات المرور .. والجسور ومعالم المدينة .. وأقرأ اللافتات .. على أبواب وزاراتها .. ومؤسساتها .. وكل الإعلانات والدعايات .. وداومت على هذا التمرين المروري وأحسست بأني (إبتديت أفهم) .. وأشعر بالفخر .. وأنا أتحدث .. عن المرر محدداً الطرقات والشوارع بمسمياتها .. ومفصلاً الوزارات والمؤسسات .. بمواقعها (المزبوطة) .. بل وأدمنت هذه الجولة يومياً .. لأن العاصمة المثلثة بعد منتصف الليل .. تتعرى وتخلع كل ما يحجب جمالها وروعتها ومفاتنها .. من أستار الحديد .. الهائم على الأرض .. في شكل لواري .. وبصات وتاكسيات وسيارات .. وأرتال من البشر تجري في كل اتجاه تلُفُّها .. الكتاحة والعجاج المضمخ بالدخان المتصاعد من كل عادم .. وتنعبث منها الأصوات والصيحات المزعجة المتداخلة مع .. أزيز الماكينات .. والكلكسات .. فتضيق الصدور .. وتعمى الأبصار ولا تكاد تبصر .. شيئاً في المدينة .. سوى الأسفلت !!
وذات ليلة .. أوقفت العربة .. في موقع مدينة الحجاج الحالي .. ووقفت على حافة الطريق .. محاولاً تثبيت صورة للموقع في خيالي .. فمرت بي عربة المرور الليلي .. ونزل منها (المساعد شرطة) جعفر الهادي وسألني إن كنت في حاجة إلى مساعدة .. فقلت لا .. وشكرته على اهتمامه .. ثم عدت إلى داري .. وعندما جئت لمباشرة عملي صباحاً وجدت أمراً بتحركي فوراً لمقابلة .. (الليث الأبيض) .. فيصل محمد خليل .. عليه رحمة الله وكان وقتها مسؤولاً .. عن شرطة (منطقة) الخرطوم .. أي أنه لم يكن مسؤولاً عن المرور وكان الرجل ضابطاً مميزاً وعلى درجة عالية من الانضباط .. يمقت التسيب .. وقلَّ ما يفلت من يديه .. مخطئ .. فنفذت الأمر فوراً ودخلت مكتبه وأنا أتوجس خيفةً .. فلم يمهلني .. وقال لي .. أمبارح الساعة الواحدة صباحاً .. سايق عربية الحكومة .. وواقف (تتصرمح) جنب مطار الخرطوم ليه .. وليه رفضت المساعدة من المرور الليلي ؟! فشرحت له .. الموقف بهدوء .. فضحك وقال .. خارجت رقبتك .. لكن لو عايز تعمل حاجة زي دي تاني .. سجل قيد في دفتر الأحوال !! حمدت الله أن جات سليمة .. ورجعت إلى مكتبي .. ولم أستمتع مرة أخرى بالخرطوم في الليل .. إلا مع شرحبيل !! ومن عجب .. أنه في نفس هذا اليوم .. المهبب .. اضطررت .. لزيارة القسم الشرقي (سابقاً) .. وكان مقره .. موقع الشرطة العسكرية الحالي .. وكان الموقف أمام هذا القسم مرتفعاً ومتدحرجاً في اتجاه شارع الأسفلت .. وبعد أن أوقفت عربتي .. وتحركت لدخول القسم أحسست أن العربة (تتدردق) من تلقائها نحو شارع الزلط .. وتشاء الصدف .. أن تتعالى أصوات (السايرينات) معلنة قدوم موكب الرئيس النميري .. من المطار .. في اتجاه القيادة العامة .. بعد أن ودع ضيفاً من ضيوف البلاد .. أحسب أنه كان بوكاسا .. أو عيدي أمين .. وكان الموكب ينطلق بسرعة جنونية .. وقد أكد لي عدد من ضباط التشريفة .. وقتها ومنهم ضابط شرطة المرور السابق صلاح أبو زيد .. المدعي العام الحالي بوزارة العدل .. أن النميري كان كثيراً ما يخاطبهم عن طريق .. الأجهزة المركبة في عربات القصر .. ويحثهم على .. المزيد من السرعة .. المهم لم تكن أمامي فرصة .. لمنع عربتي من الاندفاع نحو شارع الأسفلت والاصطدام بأي عربة من عربات الموكب المنطلق .. سوى الإمساك بتصادمها بكل قوة .. وهي تنازع للإفلات مني .. وظللت مشدوداً .. صامداً حتى مضى الموكب له .. وكنت طوال هذه الدقائق .. أسمع (طقَّات) في ظهري .. وعند (الطقَّة) الثالثة تركت العربة .. فتدحرجت وتوقفت في منتصف الشارع .. فحمدت الله على ذلك وقابلت طبيباً مختصاً .. بما حدث لي .. فقال إنها (الموزة) التي تُمكن الذراع من الحركة .. وأن كل (طقَّة) فيها .. تعني (فرتقة) لغة من لفائفها .. ولو أن إمساكي بالعربة استمر لمدة أطول لحدثت .. طقطقات كثيرة .. وتفرتقت (الموزة) كلها وفقدت وظيفتها تماماً .. وأصبح الذراع مدلدلاً ساكت !!
وبهذا ظللت على مدى أكثر من ثلاثين عاماً أعاني الأمرين بسبب الفليتة أو (الملخة المايوية) .. التي لا علاج لها .. سوى الدلك .. والذي ملَّته حرمنا المصون .. وقد فكرت مرة أن أرفع مظلمة للنميري بما حدث لي بسبب موكبه عسى أن يكرمني .. بنوط من الأنواط .. أو ترقية استثنائية أو حتى (ظرف) تقيل .. ولكن أحد أصدقائي حبطني وحذرني من فعل ذلك .. لأن (الشمارات) ستكثر في هذا الموضوع .. لأجد نفسي يوماً ما .. متهماً بالشروع في اغتيال الرئيس .. وصحبه الكرام !!
ومن ضمن المواقف .. التي تعبر عن حرص المسؤولين على المال العام .. وتَحركهم الجاد والمسؤول لوضع الأمور في نصابها .. فإن دفعتي .. النقيب عمر ميرغني عشرية (لواء م) كان ضيفاً عليّ في منزلي المستأجر بالأملاك .. واستمرت (الونسة) حتى منتصف الليل .. ولما كان ضيفي .. بدون سيارة .. أخذته معي بسيارة (هلكانة) بنمرها الحكومية .. لتوصيله إلى مسكنه وقتها في أبي روف .. وفي الطريق شعرنا .. بأن عربة تتبعنا .. تتوقف إذا توقفنا وتسير إذا سرنا .. وأيقنا .. بأنها تقصدنا .. فدخلنا كبري شمبات فدخلته معنا .. وفي نهاية الكبرى اتجهنا .. لشاع النيل .. فتبعتنا وعندما توقفنا .. أمام المنزل .. توقفت العربة على مقربة منا .. ونادانا من بداخلها .. وكانت العربة فارهة .. تدل على أن (شاغلها) زول مهم فذهبنا إليه .. وأقتربنا منه .. فلم يشتم فينا رائحة الخمر .. وأراد أن يستوثق من ذلك أكثر .. فقال .. أنا منو ؟! فقلت له .. أنت وزير النقل .. اللواء مصطفى عثمان .. الشهير بمصطفى جيش .. ضحك الرجل .. وقال جايين من وين ؟! فعرفته بنفسي وزميلي عمر عشرية .. وشرحت له الحاصل .. فانصرف الرجل وعدت إلى بيتي .. وظللنا نتوقع (قنبلة) .. موش زي قنبلة طه سليمان .. ولكن الرجل لم يفعل شيئاً ضدنا . بحكم مسؤولياته وقتها عن العربات الحكومية ..
لقد كان حول النميري العديد من الرجال الذين .. يقدون المسدودة .. حتى اتسع الخرق على الراتق .. وكان ما كان .. ولكن وللتاريخ .. فقد كان حوله من الأوفياء الذين يسدون المقدودة .. ويحملون الوطن في حدقات العيون .. ومن بين هؤلاء الأوفياء كان السيد مهدي مصطفى الهادي .. محافظ مديرية الخرطوم .. الشهير .. الذي يعدل والي الولاية الآن .. وكان محافظاً ميدانياً .. له عنقريب هبابي .. يرتاح عليه .. قرب مكتبه بعد ساعات العمل الرسمية .. يصرف أعباءه في حالة انقطاع التيار الكهربائي .. اجتمع مرة بضباط المرور .. وفهم منهم .. أن رخص القيادة .. وترخيص العربات .. يتم بواسطة الضباط الإداريين .. وأن إدارة شرطة المرور .. هي الأحق بهذه المسؤولية . فأصدر قراراً بهذا المعنى فوراً وتم تحويل مسؤولية الترخيص والرخص برمتها لشرطة المرور .. في نفس اليوم .. وفي لقاء آخر معه أبدى ضباط المرور .. رغبتهم في شراء عربات .. من البكاسي التايوتا .. التي بدأت في الانتشار موضحين أنها تصلح .. لكل الأغراض .. فسأل عن قيمة أربعة منها .. وكانت حوالي أربعة آلاف جنيه من فئة الجنيه أبو عمة .. فما كان من الرجل .. إلا وأن استل دفتر الشيكات من بدلته .. ووقع شيكاً بالمبلغ المطلوب .. وتم شراء البكاسي .. وأرسلت للنقل الميكانيكي .. لضمها ألى أسطول العربات الحكومية .. وتزويدها بالنمر الحكومية .. ولكن مدير النقل الميكانيكي .. هاج وماج وقال .. هذه العربات لا تتطابق مع مواصفات العربات الحكومية .. وأن النقل .. لا يملك قطع غيار لها .. وأن مهندسي النقل الميكانيكي .. لا يفهمون في إصلاحها وصيانتها .. ولكن السيد المحافظ. .. اتصل به .. تلفونياً .. وقال له .. ضم هذه البكاسي لأسطول العربات الحكومية .. وامنحها النمر المطلوبة .. أو سلم مسؤولية العمل .. لمن هو دونك .. وتعال قابلني !!
وهكذا دخلت أول أربعة بكاسي في أعمال المرور .. وكان لها دور .. وأي دور في تصريف أعباء المرور .! ومن المواقف التي لا أنساها أبداً .. أن السيد المحافظ مهدي مصطفى .. عقد اجتماعاً موسعاً مع قيادات العمل التنفيذي في المديرية .. بالإضافة لبعض القيادات الشعبية .. وذلك لمناقشة أمر البصات التي تأتي إلى الخرطوم .. من أطراف المديرية .. كالسروراب وأبو دليق .. وود رملي .. وغيرها حتى لا تدخل وسط الخرطوم وتم استدعائي .. لكتابة وقائع الاجتماع .. فجلست غير بعيد وظللت أسجل كل ما يقال .. وكل المداخلات .. وبعد ساعتين من الحوار أجمع الحضور على عدد من القرارات .. كان يمليها السيد المحافظ .. وأقوم بتدوينها .. وأنا غير راضٍ عنها .. وقد لمح السيد المحافظ ذلك .. من تعبيرات وجهي وبعض (النقنقات) .. فطلب مني الوقوف .. وقال لي .. أنا شايفك ما راضي عن هذه القرارات .. السبب شنو ؟!
فاستجمعت قواي .. وعيون القادة المجتمعين تكاد تخترقني .. فتلعثمت وترددت ولكنه ظل يحثني على الكلام .. ففجرت حديثاً خطيراً وكلاماً (كُباراً) وقلت يا سيدي المحافظ .. إن مايو ترفع شعار الانفتاح على الريف .. وهذه القرارات لو تم تنفيذها .. ستعزل الريف وتقفل العاصمة في وجهه .. لأن هذه البصات القادمة من أقاصي الأطراف تحمل ركاباً بعينهم .. ومعهم أمتعتهم وخرافهم ودجاجهم وعيوشهم .. وتظل في انتظارهم لتعود بهم بحاجياتهم ومشترواتهم ودقيقهم وأشيائهم .. وإن مثل هذه البصات .. لا يمكن مقارنتها بمثيلاتها .. التي تتحرك داخل المدينة وتعمل في اليوم (عشرين فردة)!!
أمرني الرجل بالجلوس .. وهمهم الجميع في انتظار نهاية بطل .. ولكن السيد مهدي قال .. لقد نبهنا هذا الضابط الصغير لحقائق لا أدري كيف غابت عنا .. وعلى ذلك يُرجأ العمل بهذه القرارات وينفض الاجتماع .. لتقوم لجنة يتم تشكيلها بدراسة هذا الأمر .. على الطبيعة .. ورفع التوصيات المناسبة .!!
واختم بالحدث عن المسؤول الأول .. النميري وذلك .. عندما اتصل النوبتجي بقسم مرور بحري .. حوالي الساعة السادسة صباحاً وقال منزعجاً .. ألبس تعال يا جنابو .. النميري حايم في بحري .. فلبست وخرجت .. وعلمت أن النميري في حديقة البلدية .. قلت اللهم اجعله خيرا .. وذهبت إلى هناك .. ورأيت بعيني رأسي النميري .. وهو يخطط الأرض بقدميه .. يمشي .. ومن ورائه رتل من المهندسين .. يكتبون ما يقول .. يحددون .. المواقع التي وطأتها قدماه .. يمشون إذا مشى ويقفون إذا وقف .. ويرهفون السمع لكل تعليق أو كلمة تصدر منه .. ولم ألتقط .. فوق ما رأيت إلاّ جملة وحدة .. قالها عدة مرات .. أنا عاوز الواقف هنا يشوف .. المجلس الوطني في أم درمان .. وقاعة الصداقة في الخرطوم .. وكذلك .. ألفي أم درمان ولا الخرطوم يشوف هنا .. ثم انصرف فسألت .. مهندساً كنت أعرفه عن الحاصل .. فقال لي .. تصور الراجل ده عاوز يعمل فندق هنا .. ويلغي البلدية .. طيب خمايسنا نقضيها وين .. والبَفَوِّر اللساتك ده منو ؟! وأشار بيده نحو ترابيز الحديقة والتي كانت مصممة على شكل إطارات أو عجلات سيارات!!




نقلا عن جريدة الوطن (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=14667&bk=1)

بابكر مخير
27-07-2018, 09:53 AM
elmhasi
الشئ الأحمراني دى كتابته سمحة تب وذاكرة ما شاء الله ما بتنضب
وإتا ذوقك رفيع وإختيارك يبهر اللُب...

elmhasi
01-08-2018, 09:05 PM
elmhasi
الشئ الأحمراني دى كتابته سمحة تب وذاكرة ما شاء الله ما بتنضب
وإتا ذوقك رفيع وإختيارك يبهر اللُب...






سلام الحبيب
بابكر

الحلبي ده زول وناس ونسة .......












.

elmhasi
01-08-2018, 09:22 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 13 ربيع الاول 1430هـ - 10 مارس 2009م
كلام ساكت - أيــــــــام النمــيري (19)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
لعلَّ فكرة (توتو كورة) وتطبيقها بكفاءة عالية .. كانت هي واحدة من إبداعات مايو .. التي شغلت العباد .. وصرفتهم عن السياسة .. ومصادمة النظام .. وكانت .. الفكرة تقوم .. على إجراء إحدى عشرة مباراة في كرة القدم .. بين الفرق الرياضية على امتداد القطر.. ويتبارى أهل السودان جميعهم .. في شراء كبونات (توتو كورة) والتنبؤ بنتائج المباريات ، ومن ثمَّ تعلن أسماء أو بالأحرى أرقام الكبونات الفائزة .. والتي تدفع حوافزها من دخل هذه المباريات .. والتي قد تبلغ مبلغاً خرافياً .. أحياناً .. إذا جاء الفائز الأول بدون منافس .
حقيقة .. لقد شغلت (توتو كورة) العباد حتى عن شؤون أسرهم .. وصار مألوفاً أن ترى الناس في كل .. موقع .. داخل الأندية والمكاتب .. وداخل المنازل .. ينكبون على ملء الكبونات وإرسالها .. وكان منظر الصفوف حول أكشاك (توتو كورة) لشراء الكبونات ليلاً ونهاراً .. أو تسليمها .. منظراً عادياً جداً .. وقد ظلّت منافسات (توتو كورة) مشتعلة حتى تم إيقافها بسبب ما أُثير حولها من لغط .. فحزنت الملايين التي كانت تتسلّى بها .. وتنام وتصحو على أمل الفوز بجوائزها .. التي تصلح الأحوال .. وقد نجحت وسائل الإعلام كلها في تعميق الفكرة والترويج لها .. بالإضافة للإثارة .. التي تصحب لحظات .. الجائزة .. وبهرجة الأضواء حولها .. وحول أقاصيصها .. ونوادرها .. والذي فاز وباع الكارو .. واشترى كرولا .. ومَنْ هجر العشوائي .. وسكن الصحافة .. ومَنْ تنبأ بنتائج كل المباريات وتقاعس عن تسليم الكبون .. فأصابته الحسرة .. ومَنْ ضاع رأسماله وهو يشتري الكبونات .. ويعبئها وفق نظريات رياضية لا أساس لها .. دون أن يحقق فوزاً .. ونوادر الذين فازوا .. فقلبوا الترابيز على مديريهم السابقين .. أو العسكر الذين ملّصوا الكاكي .. ودخلوا السوق .. بفلوس (توتو كورة)!!
لم أكن محظوظاً في الأصل .. ولم أنغمس في (توتو كورة) .. وإن كنت قد مارستها على خفيف .. ولكنّي والحق يقال كنت سعيداً بهذه الفكرة (الجهنمية) والتي نشطت على إثرها الحركة الرياضية .. واستفادت من ورائها الأندية والحكام والمدربون واللاعبون .. ولو أنها استمرت على عِلاَّتها لكان حال منشط كرة القدم في السودان غير حاله اليوم.
وعلى ذكر (جهنمية) (توتو كورة) تحضرني مواقف لطيفة وظريفة.. منها أنَّ أحد الأصدقاء من المعاشيين.. المفلسين.. لم يتردد في فتح محل داخل بيته والقيام فجر بداية المسابقات أو المراهنات بشراء مئات الكبونات.. ويعكف على ملئها بشتى (الصلايب) مروساً أم الطيور أو الأمل عطبرة مثلاً ويكثر من الدرونات.. ويبيع هذه الكبونات (الملأى) الجاهزة بضعف سعرها.. ويجني من وراء ذلك مصاريف البيت وقُفة الخضار.. وقد خدمته الظروف مرة إذ فازت إحدى كبوناته الجاهزة بالجائزة الأولى. فحفّزه الفائز بمبلغ معتبر وذاع اسمه وأقبل الناس على بيته (محل الكبونات الجاهزة).. بل ومارس عملاً إضافياً (بالمقاولة) تجاه مَنْ يحضرون الكبونات بأنفسهم.. ويعبئونها تحت إشرافه.. ونصائحه.. باعتباره خبيراً (توتو كروياً).. كذلك فإنَّ الأناطين أدلوا بدلائهم وإفكهم بخداع مَنْ يركن إليهم.. في مباريات معيّنة فيُكَتِّفون فريقاً.. أو يَعمُون حارس مرماه أو يطرطشون حكم المباراة.. ويلخبطون رجال الخط.. وهلمجرا.. وحتى ستات الودع.. جلسن على كنبات الاحتياطي.. قريباً من أكشاك (توتو كورة) ويأتي حامل الكبون و(يَضْمُر) على كومين من التراب.. أحدهما على سبيل المثال.. الزومة.. والثاني أبو سعد.. وذلك طبعاً دون علم الوداعية التي تكشح حباتها.. وتقول الودع مُحمِّد الكوم ده.. وهكذا حتى تبيّن نتائج الحداشر مباراة قبل لعبها.. وإذا لم يُحمِّد الودع أحد الكومين أو (سيّح) فإنَّ النتيجة هي التعادل.
وقد قمت ومعي زميل آخر.. بالضحك على ذقن أحد الأنطونات (الكتبلاص) وعرضنا عليه كبوناً لمباريات لُعبت قبل شهرين.. وأخذ الأنطون مسيلمة الكذاب يهزم ويُفوِّز ويُدَرِّن.. ثم طالب بالأتعاب.. بعضها (قيدومة) والباقي بعد (الجايظة).. ولما أوضحنا له المقلب إكفهر وجهه وقال بالطريقة دي.. ظعلتوا الروهانيين وطفشتوهم خلاص!!
إنّ (توتو كورة) التي ابتدعها نظام النميري.. هي نفسها التي وئدت على يديه بعد تطبيق الشريعة باعتبارها مُغامرة يحرمها الدين الحنيف.. وقد كلّفني محافظ المديرية وقتها.. باستلام كل الأكشاك من هيئة (توتو كورة) المحتلة.. وإغلاقها ورفع تقرير بذلك.. وقد أديت هذه المهمة.. ورفعت له طوقاً به عشرات المفاتيح.. فاستلمها وقام بتوزيعها لجهات عديدة منها شرطة الجوازات وشرطة مديرية الخرطوم.. وكما يقول المثل (التسويه كريت في القرض تلقاه في جلدها).. فقد كُلِّفت مرّة بفتح مكتب للجنسية في الكشك الكائن على شارع الأزهري.. تقاطع الكدرو بحري ونفّذتُ الأمر.. وأنا غير راضٍ عنه تماماً، فزارني متفقداً.. الفريق شرطة علي يس.. فقلت له: يا سيادتك أنا في رتبة المقدّم.. زي المقدّم الحمدي بتاع اليمن فكيف يحكم هو جمهورية اليمن.. وأكون أنا رئيساً لهذا الكشك؟! فضحك - عليه رحمة الله - حتى أدمعت عيناه وعالج الأمر.. بأن استأجرنا منزلاً مناسباً لمكتب الجنسية على مقربة من مستشفى بحري.
إنَّ فكرة (توتو كورة) للمراهنات كانت فكرة خطيرة استطاعت أن تشد أهل السودان شداً نحو منشط كرة القدم.. وأن تستقطب الجهد الشعبي وتؤدي دورها في تثوير اللعبة.. على امتداد الوطن.. فتدعم الأندية وتصلح من حال الملاعب.. وتدعم اللاعبين والحكام.. والمدربين.. وفوق هذا وذاك تبعث الأمل في نفوس الجميع لنيل جوائزها المعتبرة.
إنَّ على الحكومة والمعنيين بأمر الرياضة في البلاد.. أن يعيدوا فتح ملف (توتو كورة) مرّة أخرى وإخضاعها لدراسة مستفيضة من منظور إسلامي يؤدي في النهاية إلى (أسلمة توتو كورة).. والأمر في تصوري سهل ومهم للغاية.. والمسألة معادلة واضحة بين أن تدفع الجماهير لتطوير اللعبة بالمراهنات أو أن تدفع الحكومة التي لا تدفع.. وإن دفعت فالبشيكات المرتدة.. وأحسب أنَّ هناك دولاً إسلامية لها تجارب في هذا المجال.. ومنها كما علمت جمهورية إيران الإسلامية.
أما الكارثة الرياضية التي ارتكبها النميري فكانت.. فكرة الرياضة الجماهيرية التي قطعها من رأسه.. أو زيّنها له زين العابدين ومَنْ حوله.. فالرئيس النميري كان من أنصار الأحمر الوهاج.. ولم تجف مريخيته.. حتى قيل إنه بنى مسجداً ووضع على مئذنته.. نجمة بدون هلال.. وقيل إنَّ إدارة المريخ اجتمعت به وطالبته بدعم ناديها.. الذي هو ناديه.. ولكنه اعتذر.. وقال.. أمامكم قريباً مباراة مع الهلال.. على كأس الذهب ولو أنكم انتصرتم وأخذتم الكأس فسأجد المبرر الكافي لدعمكم.. وجرت المباراة في حضوره وكانت مباراة حامية الوطيس حكمها الراحل حمدي محمود واستطاع الهلال فيها أن ينتصر على المريخ بهدف.. اللاعب عز الدين الدحيش.. وظلّت الجماهير الهلالية المنتشية بالنصر تهتف:
رئيسكم مين ** علي قاقارين
فاديكم مين ** علي قاقارين
وتحمّل النميري الهزيمة وأخفى مشاعره.. ولكن الهتاف لرئيس غيره لم يرضِه بالقطع وكانت الطامة الكبرى.. عندما وقف النميري لتسليم كأس الذهب لكابتن الهلال.. ناداه أحد المشجعين المعروفين باسمه فالتفت النميري ويا ليته لم يفعل.. فإنّ المشجع أتى بحركة بذيئة (صورة وصوت) ليغيظ النميري دون مراعاة لمكانته كرئيس للجمهورية.. فخرج النميري من الأستاد.. غاضباً مغتاظاً.. وقد بيّت في نفسه شراً مستطيراً.. وبعد أيام دعا كل قادة الأندية والعمل الرياضي.. في باحة الاتحاد الاشتراكي.. وخاطبهم معدداً مسالب الوسط الرياضي وفاجأ الجميع بحل الأندية الرياضية وإعلان الرياضة الجماهيرية.. بحيث تجري المباريات بين المناطق والمؤسسات.. ثم هتف.. ورددت من خلفه الجموع: (لا هلال.. ولا مريخ.. لا مريخ.. ولا هلال).. وقيل إنَّ أحد قادة فريق التحرير.. قد أبدى سعادته بقرار حل الهلال والمريخ ولكن النميري أحزنه هو الآخر عندما هتف: (ولا موردة.. ولا تحرير)!!
أحسب أنَّ هذا القرار كان من أفدح أخطاء النميري.. الذي استعدى عليه القطاع الرياضي الذي هو أقرب القطاعات إلى نفسه.. ولم يتراجع النميري عن هذا القرار وظلّت الرياضة الجماهيرية (الما معروف راسها من رجليها) مستمرة لمدة عام كامل.. استطاع بعدها المقرّبون منه.. أن (يليّنوا) رأسه.. ويقنعوه بالهداوة.. حتى عادت الرياضة سيرتها الأولى.. ليلتقي الهلال والمريخ مرّة أخرى.
إنَّ قرار حل هيئة المراهنات وإيقاف.. (توتو كورة).. والقرار الأسوأ بإلغاء الهلال والمريخ.. وكافة الأندية.. والاستعاضة عنها بالرياضة الجماهيرية.. التي لا يمكن بأي حال من الأحوال.. أن تستأصل من وجدان أهل السودان عشقاً قديماً.. لأنديتها.. عشش فيها لأكثر من نصف قرن.. وقد أدى هذا القرار الأهوج إلى قطع أرزاق الآلاف من العباد.. الذين عاشوا على مهن شتى مرتبطة بالأندية الرياضية.. وساحات الملاعب والتي أحالتها مراهنات (توتو كورة) إلى مجال واسع للمهن البسيطة.. من بيع الشاي والمبردات.. وترمس كبكبي.. والساندوتشات بأشكالها.. من فول وطعمية.. وحتى كسرة بالملوخية.. وفوق كل هذا وذاك فإنَّ قرارات النميري التي مسّت الوسط الرياضي.. كانت مثل الصقر الذي اقتحم الدوحة الظليلة.. فطارت كل عصافيرها.. وفقد السودان خيرة لاعبيه الذين هاجروا إلى دول الخليج.. والبترول.. والتي كانت وقتها تحلم باللاعب السوداني في ميادينها.
وفي خضم ذلك أيضاً ضاعت مباريات السباق وديربي الخيول في الرجلين. ومنع الرهان عليها.. فأصبحت المسابقات التي تجري (مسيخة) وبدون طعم.. وتلاشت أخيراً.. وهي على أشدها في دول إسلامية كثيرة.. مضافاً إليها سباق الهجن.. وقد رأيت بعيني رأسي في دولة الإمارات العربية المتحدة كيف يتزاحم الناس بالمناكب لدخول ساحات السابق.. والمراهنة على الخيول.. وكسب الجوائز القيّمة.. بل وهالني أن رأيت غالبية مرتادي هذا المجال.. نساءً ورجالاً من أهل السودان.. بثيابهم وعمائمهم وسحناتهم وشلوخهم التي تميّزهم عن الآخرين.
إنَّ على أهل السودان أن لا يسمحوا لرياضتي كرة القدم والخيول بالاندثار.. وعليهم أن يجلسوا جميعاً لدراسة الأمر وأَسلمة هذه المناشط ليرتاح عمنا أبو خضرة.. الذي كان يرفع يديه بالدعاء بعد الصلاة ويقول: اللهم أزرقنا من حلالك وحرامك.. ولما سألته عن الحرام الذي يطلبه.. قال: جائزة الديربي السوداني أو (توتو كورة) أو العقوبتين معاً..!



نواصل ..








ربط النقل (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=14762&bk=1)

elmhasi
22-09-2018, 08:26 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 20 ربيع الاول 1430هـ - 17 مارس 2009م
كلام ساكت - أيــــــــام النمــيري (20)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
تحزَّم النميري وتلزَّم .. وانطلق صبيحة الخامس والعشرين من مايو 1969م .. يقود السفينة في بحر هائج متلاطم الأمواج .. تلفه الأعاصير والأنواء .. وكان من حوله فتيةٌ أوفياء مخلصون متحمسون .. ولكن تنقصهم الخبرات والتجارب .. فأعلاهم رتبة .. كان المقدم بابكر النور .. والآخرون .. في رتبة الرائد .. وهي الرتبة التي قد يصلها الضابط آنذاك في أقل من عشر سنوات ... فدخلت السفينة في دوامات من الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات .. وكادت تغرق .. لو لا .. حبال النجدة الشعبية التي أنقذتها ...
ولم تلبث السفينة المايوية .. طويلاً وهي تمخر في عباب المحيط السياسي .. حتى اصطدمت في مارس 1970م بجبل الجليد الأنصاري العائم في الجزيرة أبا واشتعلت الأحداث الجسام .. وامتد أوارها .. ليبلغ معاقل الأنصار في ود نوباوي .. حيث قتل الأنصار نفراً من رجال السلطة .. وكان من بينهم الملازم .. معاوية سبدرات .. شقيق .. الشاعر الوزير عبد الباسط .. وتصاعدت الأحداث ومات الكثيرون وكان على رأسهم .. الإمام الهادي عبد الرحمن المهدي الذي قتل وهو يحاول الخروج من حدود السودان الشرقية والدكتور محمد صالح عمر .. من قادة الأخوان المسلمين البارزين .. كما اكتظلت السجون بالمعتقلين والمحكومين .. وكان من أبردهم الشيخ / محمد محمد الصادق الكاروري ... لقد انتصرت مايو على الجبل الأنصاري بقوة السلاح وبدعم من الجارة مصر .. وذك استناداً على ما أوردته أقلام مصرية.. وعندما أراد السادات أن يمتن على السودان فكشف المنكور .. المستور .. ولم تهدأ الأمواج حول سفينة مايو كثيراً.. حتى واجه القبطان النميري في 19 /7 /1971م انقلاب هاشم العطا .. الشيوعي .. وقد كانت الساحة كلها تنبئ بإرهاصات انقلاب.. يحول البلاد من خانة المعسكر الاشتراكي إلى معسكر اليمين أو عدم الانحياز على الأقل.. ولكن.. تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.. نجح الانقلاب... وانطلقت المظاهرات الشيوعية تلوح بأعلامها الحمراء.. وتثير حفيظة الجماهير.. ولكن النميري استطاع أن يفلت من الاعتقال.. وتحرك الشارع.. مضطراً لاستعادة سلطة مايو.. التي كان يرغب في التخلص منها.. ولكن بعض الشر أهون من بعض.. وإيه الجابرك على المُر.. قال الأمَّر منه!!
لقد تحدثنا في مقالات سابقة عن هذه الحركة الانقلابية الشيوعية بتفاصيلها.. ونذكرها الآن فقط.. في عرض مسلسل.. المحن.. والابتلاءات... والمجابهات التي ظلت مايو.. تصارعها.. وتصرعها!! وفي 1/9/1973 واجهت أعتى هياج شعبي.. قاده طلاب الجامعات والمدارس وعرف بأحداث شعبان.. وأشعلت فتيله.. الأحزاب مجتمعة وعلى رأسها الحركة الإسلامية.. وتضامنت نقابات العمال مع تلك الأحداث.. فسارت التظاهرات والاعتصامات والإضرابات.. واشتعلت لساتك العربات في كل ناحية.. وأضرمت النيران في طلمبات البنزين وانهكت دوريات الشرطة.. بالجري ومطاردة المشاغبين والمتظاهرين والمخربين.. وكاد عقد الأمن في البلاد أن ينفرط.. وكادت الأحزاب أن تنتصر.. وتكرر تجربة أكتوبر.. لو لا.. أن النميري.. أحس بالخطر.. فتصدى لها بقوة.. وقمعها بشراسة.. مستعيناً بالقوات المسلحة.. وهدأ الموج.. ومضت سفينة مايو.. تمخر عباب الأحداث في حذر.. وما إن استرد القبطان النميري أنفاسه.. وتمدد في استرخاء بكابينة القيادة.. يستمتع بنسمات أمواج محيطه.. الباردة.. حتى أقض مضجعه راديو غرفة القيادة.. وصوت المقدم حسن حسين عثمان.. يذيع بيانه الانقلابي يوم 5/9/75 معلناً حل مجلس قيادة الثورة.. ومجلس الوزراء.. وجهاز الأمن القومي.. وجهاز توتو كورة... ويقال إن هذا البيان الأول والأخير.. لانقلاب حسن حسين.. قد صاغه.. المحامي كمال الدين عباس.. وهو من قيادات حزب الأمة.. ومن عجب فإن هذا الانقلاب قد تم بصورة.. مثيرة جداً.. لا تصدق إذ أن قائد الانقلاب.. جاء على ظهر دبابة.. ومعه.. جندي واحد فقط.. بخلاف سائق الدبابة.. ودخل الإذاعة.. وقدَّمه المذيع كال محمد الطيب... فألقى بيانه.. ثم خرج.. وترك الدبابة التي جاء بها.. لتحرس الإذاعة.. وذهب إلى القيادة العامة.. ولكن الضابطين شامبي وحماد الإحمير.. وهما من رفقاء حسن حسين.. أخذا الدبابة وذهبا بها إلى سجن كوبر.. لإطلاق سراح المعتقلين والمحكومين السياسيين.. وتمكنا بالفعل من إطلاق سراح بعضهم.. وفي هذه الاثناء.. دخل قائد الانقلاب في محنة مع القيادة العامة... واحتدم الأمر حتى أن الملازم كمال محمد أحمد.. الذي كان يرافقه.. أطلق عليه النار لقتله.. ولكنه أصابه إصابة بليغة تم على إثرها اعتقاله.. وإرساله.. للعلاج.. بحراسه مشددة طبعاً.. واتجهت قوات مايو إلى الإذاعة.. ودخلتها.. بدون مقاومة.. لأنه لم يكن في الأصل ثمة انقلاب بها.. وأذاع الرائد أبو القاسم محمد إبراهيم.. بياناً.. أعلن فيه دحر الحركة الانقلابية.. وقبرها في مهدها في بضعة ساعات... ومن اللطائف.. أن الراحل المذيع الدكتور أبو بكر عوض.. سارع بارتداء الزي العسكري وتسلح ببندقية.. وجاء لنصرة الانقلاب ولكن بعد فوات الأوان.. و(يا فرحة ما تمتش).. ويقال إن المذيع أبو بكر.. كان طالباً حربياً يوماً ما وتم فصله.
إن هذا الانقلاب.. لم يكن معزولاً كما صوره البعض أو عنصرياً.. كما دمغته مايو وأجهزتها.. ولكنه كان مسنوداً بقوى سياسية كبرى وتنظيمات تندرج تحت لافتة الجبهة القومية السودانية.. وهي قوى كانت قادرة على تثبيت دعائمه إذا نجح.. ولكنه فشل فشلاً ذريعاً.. والقيادة العسكرية.. وحدها هي التي تتحمل المسؤولية... وقد دفعت ثمن ذلك.. من أعمارها.. ولو أردنا تحليلاً لأسباب هذا الفشل فإنه يمكن تحديده فيما يلي:-
1- باستثناء المقدم حسن حسين.. والحكمدار الطيب أحمد حسين.. فإن كل العناصر التي شاركت في التنفيذ.. كانت من صغار الضباط وصف الضباط.. الذين لا قبل لهم بالمهمة الجسيمة التي تحركوا من أجلها..
2- فشل بعض المكلفين في تنفيذ بعض المهام عجزاً أو تقاعساً..
3- تحرك المنفذون.. كلٌّ بطريقته دون التقيد.. بالخطة.
4- تسرب المعلومات.. بالدرجة التي جعلت.. النميري.. يهجر بيته.. وينام ليلتها في منزل السيد/ بابتود.. بالخرطوم بحري.. وهو أحد أصدقائه العسكريين.. وبالتالي فشل الانقلابيون في اعتقاله.. أو اعتقال أي من رموز النظام.. أو احتلال أي موقع إستراتيجي من مواقع النظام.. بل وفرطوا في الإذاعة..
5- عدم وضع أي خطة.. للانسحاب والاحتماء في حالة الفشل الذي تعقبه عادة حملة اعتقالات وتصفيات.
6- الأسلوب الذي تم به تنفيذ الانقلاب.. كان سهلاً ومسالماً.. وكأنه لعبة مسلية وليس انقلاباً.. على حكم راسخ قوي له أنصاره داخل الجيش ووسط الشعب.. وحتى في دول الجوار.
7- حصر الانقلابيون.. -عسكريين ومدنيين- أنفسهم في جهوية واحدة.. هي غرب السودان.. (دارفور وكردفان) وما كنت أحسب أن جماهير العاصمة.. وهي قومية تمثل كل أهل السودان.. كانت ستخرج لنصرة الانقلاب.. إذا نجح.. والله أعلم.
8- أن قائد الانقلاب.. حسن حسين.. باشر المهمة بنفسه (برجولة وجسارة) زايدة حبتين.. وكانت النتيجة.. أن أصيب واعتقل بعد ساعة من بيانه الأول والأخير.. وأصبح الانقلاب بلا رأس.. أو رئيس..
غايتو.. أن الفشل السريع الذي مني به انقلاب حسن حسين.. لم يتح لمن خططوا له.. من السياسيين.. فرصة ارتداء جلابيبهم وعمائمهم.. والخروج إلى الشارع.. للتأييد والمناصرة.. وبذا.. انتهت هذه الحركة الانقلابية.. وقُبرت مع قادتها الذين أعدموا.. أسراراً كثيرة.. وربما مثيرة.. وقد أكد لي الحكمدار (مقدم شرطة) الطيب أحمد حسين.. الذي كان شريكاً أصيلاً في هذه المحاولة.. بأنهم لم يفكروا في قيام مجلس للثورة.. أو حتى يشاركوا في الحكم.. وأنهم كانوا بصدد إعادة الديمقراطية.. ومراقبتها بواسطة القوات المسلحة.. على الطريقة التركية دون غيرها.. وأن الأحزاب والتنظيمات السياسية التي كانت من ورائها.. هي (غرباوية) المنشأ والمنبت.. كجبهة غرب السودان.. وقائدها عز الدين المهدي.. واتحاد جبال النوبة.. بقائديه فيليب غبوش المسيحي.. وحسين خرطوم دارفور.. الاسلامي وجبهة نهضة دارفور برئاسة أحمد إبراهيم دريج وحزب وحدة غرب السودان.. بزعامة معتصم التقلاوي.. وهي جميعها تنضوي تحت مسمى الجبهة القومية السودانية.. كما أكد رئسها عبد الرحمن إدريس في بيانه الصادر بالوثيقة رقم (1) عام 1985 من مركز الجبهة القومية السودانية بأم درمان.. والذي أكد فيه أن هذه الجبهة تأسست في مايو 1970.. وأنها المسؤولة عن انقلاب 5/9/75.. حسن حسين.. واعتبرت أن الذين تم إعدامهم هم شهداؤها.. وهم.. بالإضافة لحسن حسين.. الرائد حامد فتح الله.. النقيب محمد محمود التوم.. والملاز أول عبد الرحمن شامبي نواي.. والملازم أول حماد الإحيمر والملازم أول طيار القاسم محمد هارون.. والسيد عباس برشم.. وكان من طلاب جامعة الخرطوم ومحركاً لأحداث شعبان.. بالإضافة إلى ستة عشر آخرين من الرتب الأخرى.. والسيد عبد الرحمن إدريس.. كان شريكاً أصيلاً مع حسن حسين في الإعداد والتخطيط.. ولكنه عندما أحس بفشل الانقلاب آثر الهرب.. وقد ظلت وسائل الإعلام تردد.. وتدعو الناس لاعتقال.. القاضي الهارب أو هكذا أسموه ولم يعد ثانية إلى أرض الوطن.. إلاّ مع المصالحة الوطنية.. حيث عينه النميري.. أميناً مناوباً للاتحاد الاشتراكي.. وقد أسر لي ابن خالي القاضي الشهيد عبد الفتاح محمد عبد الجليل.. الذي قتل في أحداث جامع أنصار السنة بالثورة.. أن عبد الرحمن إدريس.. صديقه.. وأنه بعد فشل الانقلاب.. قد جاءه واستعان به على الهرب..
أحسب أن أجهزة الأمن كانت قد اعتقلت.. كل العسكريين الذين كان لهم ضلع في التخطيط.. أو التنفيذ.. بل وشمل الاعتقال عدداً من المدنيين السياسيين الذين ورد ذكرهم.. وشكلت لمحاكمتهم.. ثلاث محاكم أمن دولة.. شملت (195) متهماً.. أعدم منهم ثلاثة وعشرون رجلاً.. وتحاكم الآخرون بالسجن.. والبراءة... وحكم على الحكمدار الطيب أحمد حسين.. وهو شريك أصيل.. تربطه بالمقدم حسن حسين.. صداقة.. منذ عهد الدراسة بخور طقت.. علاوة على الانتماء لكردفان.. حكم عليه بخمس سنوات قضى منها ثلاثاً وأفرج عنه.
ويروى أن المحاكمات تمت في مدينة عطبرة.. وأن الذين حكموا بالإعدام قد أخذو إلى ساحة الموت.. في منطقة خلوية اسمها وادي الحمار.. وأن الجميع تلقى الموت بشجاعة وبسالة.. بل.. الملازم أول عبد الرحمن شامبي.. استطاع أن ينتزع بندقية أحد الجنود.. ويحاول قتل جلاديه.. لكن البندقية.. كانت خالية من الذخيرة!!
إن الانقلاب العسكري.. لا يعد جريمة إلاّ إذا فشل.. وفي تصوري أن انقلاب حسن حسين.. كان مسالماً ولم يصادم القوات المسلحة أو يخلف ضحايا.. وأن العقوبات كانت قاسية جداً سيما على المشاركين من الرتب الأخرى.. والذين قد ينصاعون للأوامر.. أو يشاركون في الانقلاب وهم (ما عارفين الحاصل)..
ومن طرائف هذه المأساة.. ولما أذاع حسن حسين بيانه.. هلل أحد الضباط الكبار.. وهتف ضد النميري.. وكررها.. حسن حسين أبو شنب.. الراجل الضكر.. صاحبي أنا.. الليلة حأمشي ليهو في القيادة.. العامة.. وكنت شاهداً على الفرح الخرافي لهذا الضابط الكبير.. ولما فشل الانقلاب.. أجلسني في مكتبه إلى جواره.. وصار يكلفني بأعباء كتابية ولا يسمح لي بالخروج.. وكان يأتيني بما لذ.. وطاب من الطعام.. فطوراً وغداءً.. ولم يفرج عني.. إلاّ بعد أن هدأت العاصفة وأيقن بأني لن أضره.. وده ما نابني من حسن حسين!!.



ونواصل



http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=14880&bk=1 (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=14880&bk=1)

elmhasi
16-10-2018, 06:54 PM
أيــــــــام النمــيري (21) كلام ساكت

لواء «م»/ محيى الدين محمد علي

لا أحسب أن نظاماً سياسياً قد لاقى .. ما لا قى نظام النميري .. من تأييد جماهيري .. عريض .. ورفض من شتى ألوان الطيف السياسي في السودان شديد .. وقد بادر بهذا الرفض .. في مارس 1970م .. حزب الأمة .. وجماعة الأخوان المسلمين .. وكانت أحداث الجزيرة أبا وود نوباوي .. هي أول لكمة يمينية في وجهه وقد تحملها واستطاع أن يصمد .. ويواصل البقاء داخل حلبة الملاكمة السياسية .. ولكن الحزب الشيوعي في 19/7/71 ... عاجله بلكمة يسارية قوية (الضحى الأعلى) أسقطته أرضاً ..
ولكنه تحامل على نفسه ونهض .. وهزم اليسار بالضربة القاضية ودق النميري صدرهـ .. وفاخر بأنه هزم اليمين واليسار المتطرفين .. ورأي أن يثبت أركان حكمه .. بتحقيق ما بشر به في بيانه الأول من حل لمشكلة الجنوب .. واستطاع في 3/3/72 أن يوقع اتفاقية أديس أبابا برعاية الأمبراطور هيلاسلاسي .. ودعم مجلس الكنائس العالمي .. وكان السيد أبيل ألير .. هو عراب هذهـ الاتفاقية وقد فاوض في جانب الوفد الحكومي مع السيد اللواء محمد الباقر أحمد والدكتور منصور خالد .. وآخرين وكان المفاوضون .. من جانب حركة الأنانيا المتمردة برئاسة قائدها جوزيف لاقو .. واحتفلت البلاد جميعاً في الجنوب والشمال بهذهـ الاتفاقية التي حققت السلام .. وأسكتت صوت المدافع .. وهيأت لأبناء الجنوب حكماً ذاتياً .. أرضى طموحاتهم .
وحسب النميري أنه بعد أن هزم اليمين واليسار وأطفأ نار الحرب ولكنه تفاجا في 1/9/73.. بعصبة من الملاكمين .. تقتحم الحلبة .. ترتدي شعارات الحركة الاسلامية .. فأشبعته .. صفعاً وركلاً .. في الرأس .. وتحت الحزام .. وكاد أن يسقط ميتاً لولا أن تداركه أهله العسكريون .. واستطاع أن يسترد عافيته .. ويعود لحلبة الملاكمة في 5/9/75 .. أي بعد عامين . ونازل متحدياً جديداً .. صعد الحلبة من الجهة الغربية .. ليسحقه بالضربة القاضية في الثواني الأولى .. من الجولة الأولى ..!!
ولا يحسبن القارئ الكريم .. ان الأحداث الجسام .. التي حدثت في مارس 70 .. ويوليو 71 .. وسبتمبر 73 .. وسبتمبر 75 .. هي كل صراعات النميري من اجل البقاء .. ولكن كل حدث كان بمثابة رأس جبل الجليد .. وقد شهدت الساحة السودانية أحداثاً أخرى لا حصر لها .. يضيق المجال عن ذكرها .. كما لا يحسبن القارئ .. ان هذه الأحداث التي وقعت في الثلث الأول من عمر مايو .. هي كل شيء لأن لياليها كانت حبلى تلد كل جديد .. وقد (لاوز) النميري .. بعد هذه الأحداث .. وبدأ يشعر بالخوف .. من السقوط .. وفقدان تاج بطولة الملاكمة السياسية الذي ناله عن جدارة .. بعد أن صرع أفذاذاً من الوزن الثقيل .. كالإمام الهادي المهدي .. والسيدين النقيضين محمد صالح عمر .. وعبد الخالق محجوب .. وأحس أن كل جهوده في استقطاب الجماهير بالعمل السياسي والتنمية .. والانفتاح على الريف وتحقيق السلام بإنهاء الحرب التي قد أرهقت البلاد قرابة العشرين عاماً .. لم تنس الجماهير .. انتماءاتها الحزبية والطائفية .. وتعاطفها مع الجبهة الوطنية .. التي أوجدت لنفسها موطأ قدم في كثير من البلاد .. ودول الجوار على رأسها .. الجماهيرية الليبية .. بعد أن (باظت) العلاقات بين النميري والقذافي وأصبح صوت الشريف حسين الهندي عبر الإذاعات .. يقض مضجع الرجل .. ومع ذلك سرى في الشارع حديث بأن أحد أذرع مايو .. أسرَّ للنميري وقال له بأنه يستطيع تصفية الشريف حسين والتخلص من (وجع رأسه) .. ولكن النميري .. انتفض ورفض وقال للرجل .. والله الهندي ده .. يموت موت الله .. أنا ما أخليك !!.. على كل حال .. إن صح هذا القول أو لم يصح .. فإنه يشبه النميري الذي كان سودانياً .. حتى النخاع .
في اليوم المحدد لافتتاح مصنع الصداقة للغزل والنسيج بالحصاحيصا كُلفتُ وقتها وأنا برتبة النقيب .. ومعي الملازم أول مبارك شيخ أدريس لتغطية .. الشارع برجال المرور .. في المنطقة جنوب سوق الخرطوم المركزي .. قبل منعطف الشارع إلى سوبا .. وكان موكب الرئيس النميري .. سيتحرك إلى هناك في تمام الساعة الثامنة صباحاً .. وبالطبع .. كان الجنود وكنا هناك قبل ساعة من الموعد المضروب .. ولكن .. دون إبداء الأسباب .. تأخر موكب الرئيس حتى الساعة العاشرة .. فأخذت معي مبارك وذهبنا لأحد البقالات لشراء .. حاجة باردة .. وقد بلغ منا الظمأ مبلغاً .. ولكن مبارك أخذني من يدي إلى منزل مجاور وقال.. هذا منزل خالي .. نخُش .. نشرب .. بارد.. وشاي.. ودخل هو إلى جناح الأسرة.. ودخلت الصالون.. لأفاجأ بجمع من الناس يقارب العشرين.. وكنت أرتدي الزي الشرطي الأبيض لضباط المرور.. وأحسست أن الجميع قد اندهشوا لمقدمي.. ولكن الأستاذ علي محمود حسنين الذي كان بينهم .. والذي تربطني به صلة القربى .. والانتماء لمدينة أرقو .. قام .. وجاءني وسلم على بالأحضان .. الأمر الذي أراح الجميع وطمأنهم .. بعد ذلك جاء آخر (بجك) ليمون بارد فاضطرب لما رآني.. وظل يدفق الليمون في الكوب تارة.. وخارجه تارات.. وظلت كل أعين الجميع ترمقني وتنظر إلي بريبة .. حتى جاء مبارك من الداخل .. وأخذني.. لنلحق بالشارع.. وقد علت أصوات (السايرينا) معلنة قرب وصول النميري وما إن خرجنا.. حتى تفرق الجمع في لحظات وسألت مبارك عن الحاصل.. فقال لي إن ابن صاحب البيت كان معتقلاً وأطلق سراحه بالأمس .. وأن الحضور في الصالون جاءوا يهنئونه بسلامة الخروج .. فقلت له.. هو ذاك.. ولكنه اجتماع سياسي استغل الظرف بذكاء .. وأن من بين الحضور.. الأستاذ علي محمود حسنين وهو من المناوئين للنظام.. والرجل الذي كان يجلس إلى جواره.. هو في اعتقادي الشريف حسين الهندي أو رجل من أسرته قريب الشبه به.. وإنه يتحتم علينا.. أن نتعاهد على الله.. بكتمان هذا السر وعدم البوح به.. حتى لا يضار خالك وأسرته التي أكرمتنا.. ولا يضار الأستاذ علي محمود.. وأنا في مقام خاله وقلت له محذراً.. أعمل حسابك يا مبارك.. فإن هذا الاجتماع سيكون له ما بعده وربنا يستر!!.. وذات يوم.. بعد أسبوع أو أسبوعين من الحدث.. جاءني مبارك شيخ إدريس.. وهو من أبناء منطقة كرمة.. جاءني غاضباً.. وقا لي لقد كشفت السر.. وأبلغت جهاز الأمن.. لأن الجهاز قد استدعاني وأنا ذاهب إليه الآن.. وحيستدعوك إنت كمان!!
فقلت له.. ثق تماماً بأني لم أفعل.. وعليك أن تذهب وأنت ثابت الجنان وسيكون الأمر مختلفاً جداً.... وذهب مبارك وجاء وهو يضحك وقال تصور.. إن جماعة الجهاز فتشوا نفس المنزل بالأمس ولم يجدوا شيئاً سوى كرتونة مكتوب عليها الملازم أول مبارك شيخ إدريس.. وسألوني عن ذلك.. فقلت لهم إن صاحب المنزل خالي.. وإن الأهل أرسلوا لي كرتونة بلح.. بواسطته.. ولكني تنازلت عنها لأسرته.. وانتهى الأمر.. ثم اعتذر لي عن سوء ظنه بي!!
لقد صحت توقعاتنا.. بأن التجمع الذي اقتحمناه.. بزي ضباط المرور الأبيض.. كسلامة نوايانا.. كان اجتماعاً مهماً جداً.. لشيء مهما سيحدث بدليل.. أن أجهزة الأمن.. قد قامت بتفتيش مقر الاجتماع بعد فوات الأوان.. وقد سرت في الشارع العام أقاويل.. وإشاعات.. وتخرصات كثيرة تنذر.. بوقوع حدث.. جلل.. غداً أو بعد غدٍ.. ونشطت أجهزة الأمن والاستخبارات تلتقط كل شاردة وواردة.. وتجمع كل الخيوط.. وتراقب كل البيوت.. وتستجوب.. وتعتقل وتصل في رأيي.. إلى نصف الحقيقة.. وقد علموا.. شيئاً.. وغابت عنهم أشياء والحقيقة.. كلها.. قد يجليها الله إلى بعض عباده.. ولكن أحداً.. لن يفهمها إلاّ بعد وقوعها.. وقد كنت رئيساً لقسم مرور بحري.. وكان هناك رجل حبشي مسلم.. يدعى إبراهيم.. يحسبه البعض مختلاً.. وكنت أحسبه من الصالحين لما رأيت.. ورأى كل رجال شرطة المرور من كراماته.. لقد كان المرحوم إبراهيم.. لا يحادث احداً.. إلا نادراً.. يظل يتمتم.. بعبارات هامسة.. لا نفهمها.. ويقوم أحياناً.. برسم مربعات على الجدران.. ويكتب فيها أرقاماً ويمضي عنها.. مشغولاً بتمتماته.. ورغم أن عمره.. كان قد ناهز السبعين إلا أن مجرماً من المعتادين.. حاول مضايقته.. فصفعه صفعة كان لها صوت (الكومبرشن).. جعلت المجرم يجري هارباً.. مذهولاً.. وكان إبراهيم.. بعد (حوامته).. يعود إلى القسم.. وبين (كراكيب) وبراميل وصفائح وغيرها.. يفترش الأرض.. وينام عليها حتى الصباح.. دون ان يمسه سوء.. من عقرب أو حتى نملة.. هذا الرجل الصالح.. انتابته حالة هياج رءاها الجميع.. فظل يقف بالساعات الطوال محدقاً في اتجاه الغرب.. وكأنه يرى شيئاً ما.. فيتمتم.. ويرمي بالحصى.. والحجارة الصغيرة في الاتجاه.. فطلبت من رجال القسم.. أن يتركوه على حاله.. ولا يتدخلوا.. إلا اذا أفرط في الهياج واستمر الشيخ إبراهيم.. يبدأ نشاطه اليومي بالوقوف في نفس المكان.. ومحدقاً في اتجاه الغرب.. ويتحدث وكأنه يخاطب مخلوقات.. لا نراها.. ويقذف نحوها بالحصى.. وكان الرجل رغم حالة الانجذاب التي يعيشها.. يدنو مني ويسعد.. بمداعباتي له.. فجئت ووقفت إلى جواره.. وحدقت كما يحدق في الأفق عسى أن أرى شيئاً.. وقلت له يا حاج إبراهيم.. إن شاء الله خير؟!
فقال.. ما خير.. القبلة من الشرق.. بقت غرب.. القبلة بقت غرب.. وظل بعد ذلك يكررها كل يوم جديد.. حتى وقع الحدث الجلل في 2/7/1976.. وهو الذي شاع بين الناس.. بالغزو الليبي وانصرف من بعده الشيخ إبراهيم.. نحو رسم المربعات.. والتمتمات.. غير مهتم بالأحداث.. وقعقعات السلاح.. ورائحة الموت وكأنه يقول أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر القوم جراها ويختصم.



ونواصل


منقول من جريدة الوطن (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=14983&bk=1)

elmhasi
16-09-2019, 11:17 PM
كلام ساكت
أيـــــام النمـــيري «22»
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي

تشكلت الجبهة الوطنية لأول مرة في المملكة العربية السعودية .. من أحزاب الاتحادي الديمقراطي ... والأمة .. والإخوان المسلمين .. إلاّ أنها ضعفت جراء الضربات التي تلقتها من نظام النميري .. بعد أحداث شعبان والجزيرة أبا .. ولكنها عادت وتكونت من جديد في 14 /11 /1974م بإثيوبيا برئاسة الشريف حسين الهندي .. وعضوية د. عمر نور الدائم .. وعثمان خالد مضوي .. وآخرين .. وحدث ما لم تكن تحلم به هذه الجبهة .. من قطيعة بين النميري والقذافي ، فتمكنت على اثرها من فتح معسكرات التدريب في الكفرة والعوينات .. وكان قوام المتدربين من شباب الانصار والاخوان المسلمين .. وكان الصادق المهدي .. الذي جاء إلى هناك يرى أن يفتح الباب امام القوى السياسية الصغيرة الاخرى لتشارك ، ولكن رأيه لم يرضِ الاخوان ..
وبعد أن تجمعت القوة الكافية .. وتوافر التسليح المناسب .. كان لابد .. من قائد عسكري .. ذي كفاءة عالية تمكنه من غزو الخرطوم .. والسيطرة علي مقدراتها الأمنية والعسكرية .. وقلب النظام لصالح الجبهة لتحكم البلاد لفترة انتقالية .. عمرها خمس سنوات يتم خلالها تصفية مايو وآثارها ومحوها من ذاكرة الجماهير.. وتدور من بعدها عجلة تداول السلطة ديمقراطياً .. ووقع الاختيار على العميد م. محمد نور سعد المشهود له بالذكاء والكفاءة وهو الحاقد على النظام المايوي .. كما قيل بسبب طردهـ من القوات المسلحة .. وعزله بقص رتبته العسكرية بالمقص إمعاناً في التشفي .. وعند الاتصال به .. رحب ووافق وباشر مهامه في الإعداد والتخطيط والتنسيق والاستعداد للتنفيذ ، وكانت اجهزة الامن والاستخبارات والشرطة كلها تطارد المجهول وتجري وراء كل خيط وتتسقط كل الاخبار .. وتراقب الدور والعناصر المناوئة .. وتلقى حينها الرائد ابو القاسم محمد ابراهيم اول معلومة .. من مصدر ما .. مغزاها أن جماعة كبيرة ستأتي إلى مقابر شرفي .. وكأنها تحمل جنازة ولكنها جماعة مسلحة .. ستنطلق من هناك لقلب نظام الحكم .. وقد كشف المصدر ذاته أسماء كثيرة كان لها دورها الخارجي والداخلي وتم اعتقال معظمها ومن بينهم الأستاذ علي محمود حسنين .. كما أن مجموعة من عناصر الجبهة الوطنية القادمة من معسكرات الحبشة قد وصلت إلى منطقة كبكابية وكتم والفاشر وتم الاشتباهـ فيهم واحتجازهم وعددهم حوالي 216 فرداً .. فأرسل المقدم أمن وقتها محمد الفاتح عبد الملك .. وكمال علي مختار ونصار للتحقيق معهم .. وقد توصلوا إلى حقيقة هامة هي أن تحركاً سيحدث في الخرطوم .. وهو ما يعضد الأقوال التي بلغت الرائد أبو القاسم ويؤكد صلة الاجتماع الذي اقتحمناهـ دون قصد .. كما ذكرت في المقال السابق مع ما وقع وسيقع من أحداث .. وكما يقول المثل السوداني .. وقوع البلاء ولا انتظارهـ .. فإن السلطة بأجهزتها الأمنية مجتمعة كانت تملك الأدلة ... على احتمال وقوع الحدث الجلل وتتساءل بقلق متى سيقع وكيف سيقع وهل سيجيء من الشرق أو الغرب .. من السماء .. أو الأرض .. من الجيش أو من غيرهـ ؟ ولا احد كان يملك الاجابة القاطعة على هذهـ الاسئلة .. فوضعت كل قوات الشعب المسلحة .. والشرطة والأمن تحسباً .. في حالة الاستنفار القصوى 100% غير إن استنفار القوات المسلحة في خطوة مثيرة للدهشة خفض الى 50% .. والاقاويل في هذهـ «الحتة» مختلفة جدا .. بعضها يشير باصابع الاتهام .. نحو قيادات نافذة .. في جهازي الامن والاستخبارات «عليها جميعا رحمة الله» بحسبانها متواطئة مع الجبهة الوطنية .. وبعضها يزعم بان محمد نور سعد كان قد تصرف بذكاء شديد واتصل تلفونياً بالفريق محمد عثمان هاشم .. رئيس هيئة الأركان وقتها وقال له : أنا حأستلم البلاد اليوم .. والقوة التي أعتمد عليها .. هي القوة التي حولك في حالة استعداد .. وبكرة تشوف !!
وأن السيد رئيس هيئة الاركان .. قلب امر هذه المكالمة وعلى حكمة نصفك عاقل ونصفك مجنون .. امر بتخفيض استعداد الجيش الى 50% وكما تشاء الاقدار .. دائما .. ان تكون لي صلة بالكثير من الاحداث ايام النميري .. فان صلتي هذه المرة طريفة مخيفة .. وكان من ورائها .. صديقي النقيب وقتها سعد عابدون .. شقيق اللواء طيار«م» الفاتح عابدون وهو خرطومي المولد والمنشأ .. وكان اكثر ما يضياقه في العمل الشرطي ان يكلف بعمل الضابط .. المناوب .. وبالاخص يوم الجمعة .. الذي يمارس خلاله نشاطات اجتماعية كثيرة وكنت على عكسه افضل العمل مناوبا يوم الجمعة .. فدخل معي في مفاوضات طويلة .. انتهت بان اقوم بسد مناوبة يوم الجمعة عنه .. مقابل .. عشرة جنيهات .. يتم دفعها يوم الخميس .. واستمر الحال وشاع بين الزملاء .. وكنت سعيدا به .. لأنه يكفيني شر «جوطة» يوم الجمعة في المنزل .. ولأن الجنيهات العشرة كانت تكفي لشحنه الثلاجة باللحوم والدجاج والاسماك .. وحق السجائر .. وكنت أحرص على مناوبة سعد اكثر من حرصي على مناوبتي الاصلية .. فأتهيأ واتوجه الى مقر الضباط المناوب برئاسة شرطة المديرية .. لتسديد فاتورة الدفع المقدم ..!!
وفي يوم الخميس الفاتح من يوليو .. استلمت المبلغ المتفق عليه بيننا» .. وكانت قوات الشرطة كلها في حالة استنفار قصوى في انتظار «بشرى» وهو الاسم الحركي لمحمد نور سعد .. كما اتضح لاحقا .. وسمح لي وحدي بالانصراف حتى اتمكن من «سد النوبتجية» صباح يوم الجمعة .. وبالفعل صحوت باكرا وتهيأت .. وارتديت زي ضباط المرور الابيض .. وتحركت بالعربة البوكس الصفراء .. المزينة .. باجهزة «السابرين» الحمراء على راسها .. ولم اكد اخرج من دائرة المنزل حتى احاطت بي مجموعة من رجال ونساء حي الاملاك يمنعونني من الخروج .. ويوضحون لي ان البلد فيها انقلاب .. فوعدتهم بالذهاب الى قسم المرور بحري .. ولكني وما إن تخلصت منهم .. حتي انطلقت الى الخرطوم .. عبر كبري النيل الازرق .. وعندما دخلت منتصف الكبري .. هز قصف الراجمات .. الكبري حتى تخيلته سيسقط وينهار .. وارتسمت ورقة العشرة جنيهات «العابدونية» امامي وايقنت بانها ستكون سبب هلاكي .. فعبرت الكبري وواصلت السير .. في طريق الجامعة متجها إلى رئاسة شرطة المديرية التي كان مقرها مجلس الوزراء الحالي .. وحرصت علي ان لا تتعدى سرعة العربة التي اقودها بنفسي الخمسة اميال في الساعة . تحسباً لموتة هادية .. طلقة تخُمَّنا !!
وعلى جانبي الطريق .. كانت مجموعات من الرجال ذوي السحنات السوداء والسمراء .. المجللة بالتراب والعرق التي يطل من عيونها العناء والسهاد والرهق .. وكانوا جميعا .. في قمصان ومنطلونات مدنية .. يحملون الكلاشنكوفات وانواعاً اخرى من الاسلحة التي لم ارها من قبل .. كما كانوا جميعهم مزودين بالسلاح الأفريقي الدفاعي .. ماركة Hijabat «حجابات» تطوق اذرعهم .. وتتدلى كالنياشين على صدورهم وطلبت مني اول مجموعة ان أتوقف .. ففعلت ولم اترجل من السيارة .. فاقتربوا مني .. فلاحظت في عيونهم دهشة من هذا البوكس الاصفر ذي العرف الاحمر .. والضابط «الحمريطي» الذي يقودهـ .. في زيه العسكري الابيض وغطاء راسه الازرق .. فسالوني بتهذيب عن وجهتي .. فتعمدت ان اجيبهم بحزم ورباطة جاش .. انا ماشي استلم المناوبة في رئاسة المديرية ... فسمحوا لي بالمرور .. فواصلت سيري وتوقفت عند المجموعة الثانية وقلت لهم .. أنا ماشي أستلم عمل الضابط المناوب في رئاسة شرطة المديرية .. فاذنوا لي بالسير .. فسرت ثم توقفت .. ثم سرت .. وتوقفت وكانوا يسالونني نفس السؤال ولايزيدون واجيبهم .. بنفس الجواب ونفس الحزم .. حتى وصلت المديرية .. فاحاط بي الضباط الموجودون بها منذ الخميس .. يسالون عن الحاصل ... وكيف وصلت اليهم من الخرطوم بحري .. وجوانب الخرطوم تهتز باصوات المدافع .. والقوات الغازية .. تنتشر في كل المواقع وحكيت لهم بالتفصيل .. مارايت وتعامل الجماعات المسلحة معي وسماحها لي مواصلة السير .. فعلق احد الضباط ساخرا وقال ..الجماعة افتكروك الملحق العسكري الليبي .. وقال اخر .. جايز .. فاكرنك .. قريب غازي صلاح الدين الذي كان يحتل دار الهاتف مع عبدالاله خوجلي .. شقيق حسين - وقد صرع ولاقى ربه وهو يدافع عن موقعه !!
وثم توليت مهمة مناوبة الدفع المقدم .. و«توهطت» وجلست وبدات .. اكتب .. واكتب بلا توقف والانباء والاقاويل تنتشر والتعليمات تتوالى .. وتتضارب احيانا والاخبار .. تجيء من كل صوب وناحية .. والطلقات وهدير المدافع لا يتوقف .. والموتى يتساقطون هنا وهناك والجثث على الطرقات ولا احد يجروء على بلوغها .. وظللت اكتب واكتب .. علي مدي ثلاثة ايام .. فسودت ثلاثة دفاتر احوال .. ولم اتنفس الصعداء .. حتى انقضى الأمر .. وعاد النميري يلعلع من جديد !!
فقد نجح العميد م. محمد نور سعد .. في تنفيذ خطته .. واستطاع الاستيلاء على الاذاعة والتلفزيون والقيادة العامة وسلاح الاسلحة ... والمهندسين ودار الهاتف وقد دخلت قواته الخرطوم وأمدرمان بحيلة ذكية .. في عربات كبيرة .. مكتوب عليها هيئة توفير المياهـ .. والتي اعتاد الناس على رؤيتها تدخل العاصمة وتخرج منها .. ومع كل هذا النصر الذي حققته قوات الجبهة الوطنية بقيادة العميد م.محمد نور .. الا أنها في النهاية ... أي بعد ثلاثة ايام بالتقريب .. هزمت شر هزيمة .. واستعاد النميري قبضته على مقاليد الامور .. ودفعت الجبهة الوطنية ثمنا غالياً .. أفلت منه قادتها بالهرب .. ودفن المئات تحت الثرى .. قتلا واعداماً .. واكتظت السجون والمعتقلات .. ولكن لماذا هزمت قوات الجبهة الوطنية .. بعد الفوز الكاسح الذي حققته ؟!
لقد كانت الاسباب عديدة .. بعضها مسؤولية الجبهة .. وبعضها من تصاريف القدر ومنها :-
1/ ان الخيوط التي تجمعت بايدي السلطة واجهزتها الامنية .. والتي كانت تشير بقوة الى وقوع حدث ما .. هيأتها نفسياً .. ولم تؤخذ على حين غرة .. ثم ان الاعتقالات التي تمت على ضوء هذه الخيوط .. قد أضعفت قوة الجبهة الداخلية المساندة للغرور وأربكتها ..
2/ ان المجموعة التي كلفت باحتلال .. دار الاذاعة والتلفزيون .. الحقت اضرارا بالجهازين .. ولم يكن من بينها فنيون .. وقد تمكن مهندسو هذه الاجهزة .. من الفرار وبذا عجزت .. قيادة الجبهة الوطنية من اذاعة بيانها ومخاطبة الجماهير والافصاح عن نفسها وهويتها .
3/ نجاح السلطة .. في مخاطبة الجماهير بلسان اللواء الباقر .. عبر اذاعة بثت برامجها من سلاح الاشارة . سمت قوات الجبهة «بالمرتزقة الغزاة» وحرضت الجماهير على مصادمتهم ومقاومتهم .
4/ فشل الجهات المنوط بها .. توفير احتياجات القوة .. من مأكل ومشرب ووسائل نقل وإتصال .. في مهمامها .. كما فشلت في توفير الزي العسكري للمحاربين والذي كان سيخلط الحابل بالنابل ويقلب الموازين .
5/ وصول طائرة النميري .. الى مطار الخرطوم قبل نصف ساعة من الموعد المضروب لها .. فغادر المطار .. قبل وصول القوة المكلفة بتدميرها .. بمن فيها .. فور هبوطها..
6/اخطأت قوات الجبهة في الاتي :-
آ - عدم تامين منطقة بحري والقيادات العسكرية فيها .
ب - عدم الاستيلاء على مواقع الامن والشرطة والاستهانة بقدراتها مما جعلها تساهم بفعالية في افشال الغزو .
ج - استفزاز القوات المسلحة .. باحتلال القيادة العامة .. وبعض القيادات الاخرى .
د - تفلت بعض أفرادها .. واطلاقهم النار بلا مبرر .. على المواطنين الابرياء .. فازهقت العديد من الارواح وأستعدت المواطنين عليهم
7/لقد كان قادة الجبهة في عجلة من امرهم وفي شوق عارم لكراسي السلطة .. شوق العرسان لـ«الكوشة الزفاف»، ولولا ذلك لما جاءوا غزاة عبر الحدود ودهـ الكلام البجنن «بوبي» السوادني .. ولو انهم صبروا وحشدوا قواتهم بالداخل .. ثم انقضوا على السلطة لانتهي العهد المايوي عام 1976م .. وهبت ثورة الانقاذ الوطني في اي شهر من شهور 1989م .. وانا ماشي نيالا ..!





ونواصل (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=15076)

elmhasi
03-12-2020, 07:29 AM
جريدة الوطن : الثلاثاء 11 ربيع الثانى 1430هـ - 7 ابريل 2009م
كلام ساكت - أيـــــام النمــــــيري (23)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كنت فى المقال الفائت قد قلت إننى تحركت من منزلى فى الاملاك بالخرطوم بحرى فجر الجمعة 2 يوليو 1976م لإستلام مهامى كضابط مناوب برئاسة شرطة المديرية لأنى كنت قد عاهدت الزميل النقيب سعد عابدون على القيام بها نيابة عنه مقابل عشرة جنيهات إستلمتها وبعزقتها ، وفى الطريق أستوقفنى شاب فى سنى يرتدى الملابس المدنية وعرفنى بأنه ضابط فى وحدة نظامية اخرى ، وطلب أن يرافقنى الخرطوم فسمحت له ، وركب الى جوارى وعند مدخل كبرى النيل الازرق أحاط بى عدد من رجال شرطة المرور أعرفهم وحاولوا إثنائى عن التقدم ، لأن الخرطوم ’’جايطة‘‘ ولكنى واصلت لأن فاتورة الدفع المقدم ، كانت تستفزنى لتسديدها ، ومشيت نحو الهدف ، وفى منتصف الكبرى دوت عشرات المدافع ، فى منتصف الخرطوم ، حتى إهتز لها الكبرى وإرتج إرتجاجاً عنيفاً وأحسست بالضابط الذى كان الى جوارى يرتعد ، ثم يفتح باب العربة ويقفز ، وهو يردد .. دهـ مجنون !! ويجرى عائداً من حيث أتى الى الخرطوم بحرى ، ولكنى واصلت مشوارى فى طريق الجامعة ’’مجبر أخاكم لابطل‘‘ حتى وصلت الى رئاسة شرطة المديرية ، وتسلمت أعباء أطول مناوبة فى التأريخ ، وذلك لأن القوات التى كانت فى حالة أستعداد بالرئاسة ، جميعها من الرتب العليا ، ولم يكن بينهم من هو فى رتبتى ، ليحل محلى ، ثم إن الاحداث بالخرطوم وامدرمان على وجه الخصوص حظرت التحركات فيها تلقائياً ، واصبح كما يقولون ’’الجوة جوة والبرة برة‘‘ بل إن الكثير من الرتب العليا فى مختلف القوات النظامية كانوا التحقوا بأقرب مواقع الشرطة من منازلهم لإستحالة التحرك الى أماكن عملهم ، وكان من الطريف جداً أن تجد فى نقطة شرطة الحلفايا مثلاً عدداً من العمداء والعقداء وأهل الدار يقومون على ضيافتهم ، بإمكاناتهم المتواضعة !!
تسلمت أعباء المناوبة ، وكانت هناك فرية أو شائعة كبرى لا يعرف مصدرها تقول : بإن ما يحدث فى أنحاء العاصمة هو من فعل الاثيوبيين .. مما دفع المواطنين على التحرش بهم ، وتسبيب الاذى والضرر للكثيرين منهم ، وقد حاولت بحكم المشاهدة التى أتاحتها لى الرحلة من بحرى الى الخرطوم ، وتحدث الجماعات المسلحة معي أن أقنع قيادات الشرطة العليا الموجودة برئاسة المديرية بأن العناصر على جانبي الطريق لا علاقة لها بالاثيوبيين ، سحن ولا لهجة وبدأت الامور تتجلى وتتضح الرؤية ، بأن الجبهة الوطنية قد غزت البلاد من ليبيا بواسطة قوات من المرتزقة وبدأت القوات المسلحة والشرطة والامن تتعامل معها وتحاصر جيوبها ، وتستعيد القيادات المواقع من قبضتها ، وتحسم المعركة لصالح النميرى وتتفرق قوات الجبهة الوطنية أيدى سبأ ، بين هارب ومعتقل وقتيل .. وتمكن العميد ’’م‘‘ محمد نور سعد القائد العسكرى لعملية الغزو من الفرار والهروب من ساحة المعركة التى آلت إليه ..
ثم إنقلبت عليه ، وكنت بحكم واجبى ’’الضابط المناوب المقيم‘‘ أكتب كل شئ ، وكل شاردة وواردة ، وكل تحرك يحدث ليلاً أو نهاراً وأسجل كل عمليات الدهم والمطاردات والتحقيقات والاعتقالات التى قامت بها قوات الامن والشرطة والاستخبارات وارصد اسماء الجرحى والقتلى وحجم التدمير والاضرار الذى حاق بالمرافق والوحدات ، وذلك طبعاً وفق التقارير التى تأتينا شفاهة أو كتابة أو هاتفياً عبر الخطوط الداخلية ، إذ أن الاتصالات التلفونية المباشرة كان قد تم تعطيلها بإحتلال دار الهاتف ، ولم تكن وقتها ثمة موبايلات فضعف أو إنعدم إتصال القيادات بوحداتها ودفع حركة الغزو نفسه ثمن ذلك وعجز عن الاتصال برجاله ففضل الهرب ، ويضيق المجال هنا عن حصر شهداء القوات المسلحة والشرطة الذين لقوا مصرعهم اثناء هذهـ الاحداث ، ولكن كان من بينهم العميد يحي منور مدير الاستخبارات وقائد السلاح الطبى الفريق الشلالى ، والذى يقال : إن احد قادة المؤتمر الشعبى الحاليين قد قام بتصفيته جسدياً ، بعد إحتجازهـ جوار كبرى شمبات .. والله اعلم .
كما ان البلاد قد فقدت نجماً لامعاً جراء هذهـ الاحداث بمصرع النجم الرياضى الشهير ، ولاعب كرة السلة العالمى الذى قاد فريق السودان القومى الى انتصارات باهرة ومرموقة .. وهو الفنان وليام اندريا ، الذى ظل يعطر ليالى الخرطوم بأغانيه العذبة وينداح صوته مع النسمات يردد ضمن إحدى اغنياته الشهيرة ’’بدور ارتاح بدور ارتاح‘‘ حتى كتب له القدر الراحة الابدية ، بطلقة طائشة ، من طائش ، دون ذنب ، فأضاعه ، وهو لايدرى اي رجل أضاع !!
وكان طبيعياً أن تحدث اضرار بليغة وخسارات كبيرة تحت وطأة الصراع المرير بين القادمين ، والمقاومين وقد استعملت الاسلحة الفتاكة والثقيلة مما الحق الضرر بوسائل الاتصالات وتعطيل اجهزة البث الاذاعى والتلفزيونى ، والطريف فى هذا الامر إن تلفزيون السودان كان ابيضاً واسود ، لايميز بين الكابلى وعبدالعزيز داؤود ، وانه كان هدية مهداة من المانيا ، وعندما تعطل بفعل قوات الجبهة الوطنية ، ارسل الاسبير المطلوب الى المانيا لإستبداله ، وعلم اهل السودان عندها بأن تلفزيونهم ، يمكن ان يكون ملوناً وقد كان . ورب ضارة نافعة .. لقد سمعت ذلك كثيراً ، وراق لى .. ولكنى لا أجزم بصحته .!!
لقد كانت ساعات المناوبة ’’التأريخية‘‘ التى تحملتها مضنية وقاسية ، ولكن الله اكرمنى بها كرماً عظيماً يلازمنى حتى اليوم ، ويبقى حياً .. وقد دخلت الاحداث كلها فى ذمة التاريخ ، وذلك بسبب ما إنتابنى من حزن وغبن وانا اعيش هذهـ اللحظات من بداياتها الى نهاياتها واقوم بتسجيلها وما سرى فى اعماقى من شعور وطنى عميق . وغضب عارم على غزو المرتزقة للبلاد أو هكذا قيل .. وإشاعة الفوضى والخراب فيها ، فاستيقظ الشاعر فى دواخلى إنفعالاً وتأثراً ، فإختلست هدأة الليل وقد خلد الجميع حولى من الضباط لسلطان النوم ، وأنا مساهر فى عز الليل مع دفاتر الاحوال .
فأخذت قلماً وورقاً ، وكتبت بنفس واحد ، وكأن هاتفاً يملى عليّ أبيات قصيدة سميتها ’’الغازى البنغازى‘‘ وارسلتها لصحيفة الايام الغراء .. فنشرتها على صفحاتها بصورة مميزة .. واصبحت القصيدة التى يقرأها الناس فى كل محفل ، ومنتدى وطنى .
وقد كنت فى زيارة لدولة الامارات مرة وساقنى احد الاصدقاء ، الى ساحة احتفال بمناسبة وطنية ، لا أذكرها ، وقام احد المشاركين بإلقاء القصيدة بصورة رائعة جداً .. وأسبغ على شاعرها من الاوصاف ، وهو لا يعلم بوجودى ، فهمست الى صديقى بنكتة كاتب العرضحالات .. انا ما كنت قائل نفسى مهم للدرجة دي !!
المهم ظللت منذ ولادة القصيدة فى يوليو 1976م ، وحتى يومنا هذا ، لا أتورع من اسقاط ابيات منها أو تعديلها أو أن أضيف لها ابياتاً أخرى . لتواكب الاحداث الوطنية . قديمها وجديدها ، والتى خص الله بها السودان وأهله دون غيرهـ ولا ارى حرجاً فى ذلك لآن الهدف الاساسى للقصيدة هو الهاب الشعور الوطنى ، وتعميق روح الانتماء للارض ، ثم إن القصيدة قصيدتى ، ومن حقى التصرف فيها ، وقد التقى بي يوماً سعادة الفريق أول ابراهيم احمد عبدالكريم عليه رحمة الله وانا احد تلاميذهـ تعليماً وعملاً ، وأدهشنى برغبته الاكيدة فى تسجيل القصيدة بصوته فى جهازي الاعلام ’’الاذاعة والتلفزيون‘‘ فقلت له هذا شرف عظيم ، ان يقرأ الفريق أول شعر العقيد .. واوضحت ، بأن القصيدة فى الاصل كان اسمها ’’الغازى البنغازى‘‘ ولكثرة ما اضفت اليها من ابيات عملت لها ’’سماية‘‘ جديدة وسميتها عيال مهيرة ، فضحك الرجل ضحكته المجلجلة ، وقال وانا كمان أسقطت منها بيتين احس بأنهما سيغضبان رجلاً يحبك كثيراً ، فوافقت ، والمادة بالتأكيد محفوظة بارشيف الجهتين ان لم يكن قد قرضها الفأر شعراً !!
وعندما كنت اكتب لصحيفة الحرية بدون اجراس .. زرت الاستاذة الصحفية آمال عباس ، وقد كانت رمزاً باهراً من رموز ايام النميرى فأشادت بالقصيدة وعاتبتنى على التعديلات التى ادخلتها عليها ، وفتحت حقيبة يدها ، وأخرجتها لى ، وقالت : انا أحتفظ بها فى حقيبتى حوالى ثلاثين سنة ، ولأن الاستاذة آمال عباس كانت رمزاً سامقاً من رموز مايو وأصبحت الان رمزاً عظيماً للوفاء والاخلاص بالقدر الذى يجعلها تحتفظ بقصيدة ’’مايوية‘‘ لثلاثة عقود ، ورغم تغيير الحال وقد صار أعداء الامس اصدقاء اليوم ، يزورون النميرى ويزورهم ، وياهو دهـ السودان .. فإننى أنشر القصيدة الاصل كاملة كما اعطتنى لها آمال عباس على علاتها أو ’’بضبانتها‘‘ كما يقولون ..



نقلا عن جريدة الوطن

elmhasi
28-12-2020, 09:41 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 18 ربيع الثانى 1430هـ - 14 ابريل 2009م
كلام ساكت - أيــــام النمــيري«24»
لواء «م» محيى الدين محمد علي
خلصنا في الحلقة الماضية الى أن الغزو المسلح الذي أعد له ونفذته الجبهة الوطنية بقيادة العميد«م» محمد نور سعد .. قد هزم تماماً .. وتفرقت عناصرهـ .. بين هارب أو قتيل .. أو معتقل .. وتعد قادة الجبهة الوطنية جميعهم «وبسلامتهم» بجلودهم ولم يمت او يعتقل منهم احد .. وتلفت القائد العسكري الهمام .. يمينا ويسارا .. ولم يجد حوله الا جنديا واحدا .. وسائق عربته .. فانطلق بهما هاربا .. في اتجاهـ الدويم ولعله .. كان ينوى الانحراف غرباً .. املاً في بلوغ معسكرات الجبهة بليبيا مرة اخرى .. فاخطأ للمرة الثانية .. ولم يتوخَ الحيطة والحذر .. واتصل ببعض المواطنين ربما بحثاً عن مأكل او مشرب او وقود فشكوا في امرهـ .. وابلغوا .. قوة من قوات المطاردة المشتركة .. من الجيش والشرطة والأمن .. فاقتفت اثرهـ .. واعتقلته .. في ضواحي .. الدويم الشمالية ودون مقاومة .. وجئ به يرسف في الاغلال .. واجهزة الاعلام تضج بالتهافات .. احتفالاً بالنصر المبين وتشكلت المحاكم العسكرية في جبل الاولياء وامدرمان .. والخرطوم بحري وغيرها للبت في مصائر قرابة الاربعمائة معتقل .. رماهم الحظ العاثر .. في يد من لا يرحم .. ودفن المئات تحت الثرى .. قتلا واعداما في ساحات المعارك .. وساحات المحاكم ودارت عجلة الزمن .. ونسيهم الناس ونسيهم حتى القادة الذين غرروا بهم وساقوهم دون وعي منهم .. الى الموت الزؤام . ومن ضمن المحاكم العسكرية التي تشكلت كانت المحكمة .. التي نظرت .. قضية العميد .. محمد نور سعد .. وعدد «22» متهماً آخرين .. بالخرطوم بحري .. وباشرت عملها يوم 26 /7 /1976م .. وقد حرصت كل الحرص على حضور جلسات هذهـ المحكمة رغبة مني في معرفة «الحاصل بالضبط» .. والتعلم وقد تجبرني الظروف ان اقف في مثلها مدعياً .. او قاضياً .. او ربما لا قدر الله متهماً .. ولما جئ بالمتهمين وعلى رأسهم العميد «م» .. محمد نور .. بهرني باتزانه ورباطة جأشه .. وقد جلس والاغلال في يديه يحمل قلماً واوراقاً .. يكتب .. ويسجل فيها ما يقال .. ويدون فيها ما يود ان يقول وكان أنيقاً جداً في زيه السوداني .. بالجلباب الابيض والعمامة .. وابتسامته الناصعة البياض .. والتي ظلت مرسومة في فيه .. على امتداد الجلسات .. ومع هذا .. فقد غشيتني حالة من الحزن وخنقتني العبرة من اجل المتهمين الآخرين الذين كانوا حوله وآثار اللكمات .. والكدمات .. بادية على وجوههم .. وعيونهم .. وعناء السهر والتحقيقات .. والاعتقال تنضح به .. اجسادهم المتهالكة .. الخائرة فخروا جلوساً على كنبات المحكمة .. ولما ضربهم هواء المكيفات البارد.. راحوا جميعاً .. في سبات عميق .. وشخروا وفندقوا خشومهم اليابسة في اتجاهات شتى كلوحة سريالية تعبر عن اليأس والشقاء .. ولم يكن يعنيهم .. ما ستفعله المحكمة بهم .. او كأنهم اكتفوا من الدنيا بهذهـ «الصقطة الواقفة» حولهم بفضل المراوح والمكيفات .. والماء البارد .. لمن أراد .. ولم اتصور مطلقاً .. بانهم لم يكونوا على علم بجسامة .. الجريمة .. التي يحاكمون بموجبها والتي غالباً ما تقود للمشنقة .. او الدروة .. ظللت اتابع جلسات المحكمة .. ويزداد اعجابي .. بثبات .. محمد نور .. وحرصه على الاستماع .. والتهيؤ للدفاع عن نفسه ويزداد حزني .. على اليائسين من حوله الذين «قنعوا من خير فيها» .. وفضلوا قضاء ما تبقى من اعمارهم .. نوماً .
وخلال احدى الجلسات .. ادخلت ورقة لرئيس المحكمة فاطلع عليها .. وقال ترفع الجلسة .. ويسمح للمتهم .. العميد «م» محمد نور سعد .. بالخروج لمقابلة والدته .. وأخيه اللذين ينتظرانه خارج المحكمة .. وخرج محمد نور مصحوباً بحراسته .. والاغلال في يديه وخرج كل جمهور المحكمة ليشهد اللحظات الانسانية المفعمة بشتى المعاني بين الام والابن في مثل هذهـ الظروف الاستثنائية .. وجاءت الام تمشي نحو ابنها .. نحيلة ... هزيلة . آثار المعاناة والشقاء .. ومكابدة شظف العيش بادية عليها .. وظاهرة ظهوراً غير مختلق او مفتعل .. وكانت ترتدي ثوب زراق «من الطِرقة» مهترئ .. وتنتعل سفنجة .. مقطوعة .. وموصولة بسير بلاسيتك .. تظهر فيها قدمان .. جافتان مشققتان جراء السعي والعمل .. وكان الاخ .. يرتدي قميصاً .. ومنطلوناً .. عليها آثار اتربة .. وجير وبوهيات .. اقتربا . من المتهم .. ومدا يديهما إليه بالسلام والتحية .. دون حرارة ودون انفعال .. لم يحتضنه احد ولم تصرخ والدته او تبكِ .. بل ولم تدمع .. ووقف الشقيق جامداً يرنو إليه .. ولم يتدخل احد من المحكمة لإنهاء هذا اللقاء ولكنها الوالدة هي التي فعلت .. فأمسكت بيدهـ .. واعتصرتها وهي تقول أها .. ودعتك الله ياوليدي . شد حيلك .. واخذت بيد اخيه او شقيقه .. لست ادري .. وقفلا عائدين وعاد محمد نور .. الى قاعة المحكمة .. وتواصل الاستماع .. الى شهود الاتهام ، ظللت واقفاً خارج المحكمة .. وقد غامت الدنيا في وجهي .. واهتزت الصورة التي رسمتها للمتهم في خيالي .. وسمعت صوتا في داخلي يقول .. لقد تمت المحاكمة الفعلية .. خارج المحكمة .. وقررت الذهاب وعدم متابعة اجراءات المحكمة ... او حتى الاهتمام بالعقوبات الباطشة التي وقعتها عليهم جميعاً وآثرت البقاء في قسم مرور الخرطوم بحري الذي اديرهـ .. واشرف على قوة الشرطة الموجودة في حالة استعداد استمر .. لقرابة الشهرين .. وعبر رجال من اهالي شرق النيل .. عن فرحتهم بانتصار الرئيس «ابو عاج» على اعدائه .. فتبرعوا لقوة الاستعداد .. بقطيع من الخراف .. وظل رجالنا .. ينحرون بعضها كل صباح .. ويطبخونها .. في «قيزانات» اي حلل كبيرة «اكس لارج».. وكان الرقيب اول حسن سعد عليه رحمة الله .. يشرف على هذا العمل .. ويضبط توزيعها على العاملين بعدالة .. وحتى لا ينفرد البعض .. بالدوش والمطايب ويترك للآخرين .. الكوارع والعكو ورأس النيفة .. وصادف ذلك .. ان جاءت مجموعة من الجعليين الى القسم اثر حادث حركة .. فنظر شيخهم الى المرحوم حسن سعد ... وقاله له .. الجنا جعلي ؟! فرد عليه .. احمد الله !!.. فقال الشيخ .. علي بالطلاق . جدك عبدالله ود سعد لو حضرك .. وانت مباري القيزانات والحلل كان .. ضبحك .. قبال الخرفان !! فضحك المرحوم حسن سعد .. وقال ياشيخنا علي الحرام .. جدنا عبدالله ود سعد.. لو حضر الزمن دهـ .. كان حش البصل .. ودقّ التوم !!
المهم .. وبعد ان «خلّص» النميري على كل المتهمين .. الذين تم اعتقالهم من عناصر الجبهة الوطنية .. لم «تبرد بطنه» والاحكام على قسوتها .. لم تشفِ غليله .. وقد أفلت جميع قادة الجبهة من القبض والموت .. فأمر بمحكمة سياسية لمحاكمتهم غيابياً .. ترأسها .. عبدالله الحسن الخضر.. وكان ادارياً ودبلوماسياً .. وكلف بحقيبة الداخلية من بعد ذلك .. ومثل القوات النظامية الراحل الفريق اسماعيل عطية .. وعن المزارعين حسن مصطفى .. وعن العمال جماع شاور .. كما مثل الرأسمالية الوطنية فؤاد مكي عبدهـ .. اي ان المحكمة كانت تمثل تحالف قوى الشعب العامل .. في منظومة الاتحاد الاشتراكي السوداني .. ومثل امام هذهـ المحكمة الغيابية على «الهواء مباشرة» الصادق المهدي .. والشريف حسين الهندي .. وإبراهيم السنوسي .. والفاضل ومبارك عبدالله الفاضل .. الصادق يعقوب .. ميرغني ضيف الله .. احمد سعد عمر .. والدكتور زكريا بشير امام .. قريب الله خليل .. حسن دندش .. عبدالدائم ابوبكر .. نصر الدين الهادي .. محمد عبدالجواد .. عبدالحميد صالح .. محمد صالح عثمان صالح .. عثمان خالد مضوي .. بابكر كرار .. عمر نورالدايم .. توفيق عثمان صالح .. الصادق بله .. ناصر الدين السيد .. وقد اصدرت حكماً بالإعدام والتجريد من الممتلكات على المتهمين الثمانية الاوائل .. واحكاماً اخرى بالسجن على باقي المتهمين ..!
وكما يقول المصريون .. ظل النميري خلال النصف الأول .. من حكمه المديد « يطلع من حفرة ليقع في ضحديرهـ» .. او بالسوداني .. يقوم ويقع .. فقبل بعد كل العناد .. ان يستمع للناصحين من العقلاء حوله .. وفهم بان «الاحزاب البائدة» لن تتركه يهنأ بالسلطة .. وقد خبرتها وذاقت حلاوتها من قبله .. والحل الوحيد هو اشراكها في السلطة لتستمتع بنصيبها من «ويكة» وليس «كيكة» السلطة .. فاستجاب واعطى .. الضوء الاخضر .. بذلك .. فتحركت سيارات المصالحة ..!!
وقبل ان يكتمل الحول .. على الجبهة الوطنية .. بعد هزيمتها في يوليو 1976م .. تحرك عراب المصالحة الوطنية الاداري المشهود له بالكفاءة .. ورجل الاعمال الناجح الراحل فتح الرحمن البشير .. واستطاع ان يفاتح الصادق المهدي خارج الحدود في فبراير 1977م ... ثم كان لقاء الصادق .. مع النميري في يوليو 1977م بمدينة بورتسودان والاتفاق فيه على اصدار عفو عام .. وإلغاء المصادرات واطلاق سراح المعتقلين .. ومن ثم تنفيذ برنامج اصلاحي وطني .. عبر فترة انتقالية .. غير ان الشريف حسين .. والاخوان المسلمين لم يرفضوا الفكرة .. ولكنهم رفضوا اسلوب الصادق المهدي .. وعلى نظرية وجوب طرق الحديد ساخناً .. سافر عمر محمد الطيب .. وابو القاسم .. الى لندن .. حيث التقيا بالشريف حسين .. وجاءا منه بخطاب شهير للنميري وعد فيه بالعودة الى السودان .. ودخلت المصالحة الوطنية .. طور التنفيذ .. وعين الصادق المهدي .. والسيد احمد الميرغني .. احمد عبدالرحمن المهدي .. عبدالحميد صالح .. حسن الترابي .. احمد السيد حمد .. جميعاً اعضاء في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي .. الحزب الحاكم .. كما عين بكري عديل محافظاً .. ويسن عمر الامام عضواً في مجلس الشعب وآخرون في مواقع تنفيذية ... وبقي الشريف حسين كالسيف وحدهـ ولم يصالح ولم يعد للبلاد الا جثمانه الطاهر.. وتعثرت خطوات المصالحة الوطنية .. وقد تنبه الحزبان .. الاتحادي .. والامة بأنهما قد خسرا كل شئ .. وان النظام المايوي قد ازداد منعة وراحة بال بهما . فانسلخا وجمدا نشاطهما .. وبقي الترابي وجماعته يجوسون بين المايويين .. ليس اقتناعاً بفكرهم .. ولكنهم ..«كانوا راقدين فوق راي» .. وقد ظفروا بالفعل . بمايو كلها .. وتسربوا في مفاصلها. . وعلى رأي المثل السوداني.. «جداد برهـ .. طرد جداد جوهـ».. فإن عناصر الجبهة الاسلامية قد زاحمت الحرس المايوي القديم وحجمته .. وعلا صوتها .. بالحديث عن الشريعة الاسلامية السمحاء ..وعن أشواق اهل السودان لها.. واستطاعوا في نهاية المطاف .. ان يحولوا .. النميري .. الى صفهم .. فطبق قوانين سبتمبر 1983م المستمدة من الشريعة تطبيقاً .. ما حصلش قبل كدهـ ..!

نقلا عن جريدة الوطن (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=15380&bk=1)

elmhasi
13-01-2021, 06:55 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 25 ربيع الثانى 1430هـ - 21 ابريل 2009م
كلام ساكت - أيــــــــام النمــيري (25)
لواء «م» محيى الدين محمد علي
بعد انتقالي من عطبرة .. إلى إدارة المرور بمديرية الخرطوم .. ظللت رئيساً لقسم مرور الخرطوم بحري .. من بدايات العام 1974م وحتى نهايات العام 1976م .. وعاصرت كثيراً من الأحداث في العهد المايوي .. وقد استعرضت معظمها في الحلقات الماضية .. وتبقت في الذاكرة بعض الأحداث أو المواقف الطريفة .. والتي لا يربط بينها رابط .. إلا حدوثها .. أثناء قيامي بواجباتي .. كضابط مرور .. ومنها بالتحديد حادثة تلقي ظلالاً من الضوء على شخصية الرئيس الأسبق النميري .. وحرمه السيدة الفضلى بثينة خليل .. لقد كان هناك مؤتمراً .. أو مهرجاناً ضخماً يقيمه .. اتحاد نساء السودان وقد حشدت له جموعهن حشداً .. وشد الشريط التقليدي ووقفت الصبيات الجميلات يحملن الورود .. والمقص .. في انتظار وصول الرئيس .. لقص الشريط .. ايذاناً بافتتاح المهرجان .. والدخول في فقرات البرنامج .. وكنت الضابط المسؤول عن ضبط حركة المرور في النقطة الأخيرة المؤدية إلى سرادق المهرجان .. وكانت التعليمات المستدامة في مثل هذهـ التغطيات .. أن تجئ إحدى دراجات المرور البخارية .. وهي «تولول» لتعلن لرجال المرور وغيرهم بأن موكب الرئيس سيتحرك فوراً .. وعلينا نحن رجال المرور .. أن نغلق كل التقاطعات ونخلي الشارع .. وأن لا نسمح بدخول أي شخص .. راجلاً كان أم راكباً .. مهما كانت مكانته السياسية أو الاجتماعية ولا يستثنى من ذلك .. إلا قادة معروفين من الأمن والشرطة .. محددة أدوارهم في برنامج المناسبة الصادر .. ونفذت الأمر بحذافيرهـ بعد مرور الموتر الأول وتوقفت الحركة تماماً في انتظار الموكب .. ولكني رأيت عربة السيدة بثينة حرم الرئيس .. وقد أوقفها رجال المرور ومنعوها من بلوغ سرادق المهرجان فلم أتدخل .. باعتبار .. أن الأوامر يجب أن تنفذ وأن على السيدة الفضلى أن تتحمل مسؤولية تأخرها عن الحضور في الموعد المحدد .. ولكن السيدة تصرفت بذكاء .. فتركت عربتها وجاءتني «راجلة» وصافحتني وقالت : يا ولدي .. أنا اتأخرت فعلاً .. وهذا المهرجان للمرأة .. يخصني جداً .. فإن سمحت لي بالدخول .. فلك الشكر .. وإن لم تسمح فهذا من حقك .. ولكن ثق تماماً بأنك ستخلق مشكلة بيني وبين الرئيس .. وإنت عارفه كويس !!
تأثرت جداً لحديث السيدة الفضلى المهذب وسمحت لها بالدخول .. وما أن فعلت .. حتى وصل موكب الرئيس فحمدت الله على ذلك كثيراً .. وقصصت ما حدث لمدير المرور وقتها .. فابتسم وقال : جات سليمة .. ولم أفهم شيئاً .. هل كان راضياً عن تصرفي أم غاضباً على .. عدم تمسكي بالأوامر .!!
لقد كان اللواء الطيب محمود بخاري .. عليه رحمة الله .. طيباً .. اسماً على مسمى .. وقد قضيت تحت إدارته سنوات ذاخرة بالعمل والبذل والعطاء .. وهو يقود دفة العمل بإدارة المرور على مستوى ولاية الخرطوم .. وكان بيننا ود واحترام متبادل .. يحتد معنا .. أحياناً حتى يخرجنا عن طور الانضباط .. ولكنه لا يخلط بين العمل والعلاقات الشخصية .. فما أن تنتهي جولة العمل .. حتى يهدأ .. ويروق .. ويبتسم في وجه الجميع .. وكأن شيئاً لم يكن .. ولما كانت المناسبات في القصر الجمهوري إبان العهد المايوي لا تتوقف درجت إدارة المرور على اصدار كشف أسبوعي .. يحدد المناسبة والضابط المسؤول .. عن تنظيم حركة المرور بشارع النيل .. أمام القصر .. مهمته الأساسية .. هي استقبال عربات الضيوف وتنظيم وقوفها .. حتى وصول موكب الرئيس ومن بعد ذلك لا يسمح لأحد بالوقوف أو حتى المرور .. أمام القصر وبعد انتهاء المناسبة .. أو العشاء غالباً .. يعزف السلام الجمهوري .. وينصرف الجميع .. وهنا تتجلى كفاءة الضابط ورجاله .. في تصريف جميع السيارات بأسرع ما يمكن حتى لا يتصل .. أي من المسؤولين .. بالمدير العام .. أو مدير المرور .. ويقول : الضابط دهـ جبتوهـ من وين .. دهـ عرقل الحركة ولخبطها .. وأنا قعدت ملطوع في عربيتي .. نص ساعة .. حتى قدرت أطلع .. غيروهـ طوالي !!
مثل هذهـ الشكاوى من بعض السادة الذين «يدعون الأهمية» ويحسبون .. أنهم مميزون أكثر من النميري ذات نفسه .. كانت تزعجنا كضباط صغار .. وتجعلنا لا نرغب في العمل في هذهـ المنطقة الحساسة والبتجيب الهوا .. كما يقولون .. وذات يوم كنت قد برمجت فيه برنامجاً للأسرة فوق العادة .. أخطرت بأن السيد المدير .. قد منح الضابط المكلف إذناً .. وأمر بأن أحل محله في تنظيم المرور .. حول القصر حتى ينتهي الاحتفال منتصف الليل .. فأخذت أرنيكاً مرضياً .. فكظم اللواء الطيب غضبه وعالج الأمر بنفسه وتحت إشرافه .. وعندما عاودت عملي بعد الراحه من المرض المفتعل .. شعرت بالخجل من نفسي .. وحزنت لأن مدير الإدارة الطيب .. لم يعاتبني أو يسألني .. وساورني شك .. بأن الرجل .. «سيكشني» بتقرير« يكسرني دنيا وأخرى» كما كان يقول أحد الزملاء الظرفاء .. وفي نهاية الأسبوع جاءني الساعي يحمل مظروفاً سرياً .. ومعنوناً لشخصي وباسمي .. فتوجست خيفة .. وحسبته .. استيضاحاً .. أو مجلس تحقيق .. فما بدر مني يبدو .. تافهاً ولكنه .. في حقيقته أمر خطير .. يهدم كل قواعد الانضباط .. ويهزم الأوامر والتعليمات التي هي عصب العمل الشرطي وفتحت الخطاب .. وفوجئت بمضمونه .. وكما يقول النحويون .. المدح في صيغة الذم .. فقد كان الخطاب عقاباً .. في صيغة الاشادة .. إذ جاء فيه : نسبة للأداء المتميز الذي ظل يقوم به النقيب ـ اللي هو أنا ـ في تنظيم وتصريف حركة المرور في مناسبات القصر الجمهوري جمعيها .. فقد تقرر الآتي :-
- على النقيب محي الدين محمد علي .. أن يكون مسؤولاً عن تنظيم وتصريف المرور .. في كل مناسبات رئاسة الجمهورية .. بالقصر .. بصفة مستديمة
- لا يجوز .. أن يحل محله ضابط آخر إلا بموافقتي .
- يستمر العمل بهذا الأمر .. إلا إذا تم الغاؤهـ ..
واستمر العمل بهذا الأمر وباءت كل محاولات إلغائه بالفشل .. مع اصرار اللواء الطيب بخاري عليه .. وأحسب أن الرجل قد لقنني درساً بليغاً .. علمني تقدير المسؤولية .. ودفعني لتطبيق دروس من هذا القبيل على العديد من الضباط .. وصف الضباط الذين عملوا معي .. وكانت النتائج باهرة .. وطيبة جداً ..
وقد قيض لي هذا الوضع «الاستثنائي» .. بالوجود قريباً .. من القصر الجمهوري .. في كل المناسبات .. أن أسمع .. وأرى .. ما لم يرهـ أو يسمعه أحد .. فقد كنت وبعد أن يكتمل حضور المدعوين في كل مناسبة وتنظيم سياراتهم .. أجلس في عربة المرور .. المزودة بالاجهزة .. لاكون على الاتصال بالرئاسة وغيرها والترفيه بالاستماع لبعض شرائط الكاسيت .. وبينما كنت يوماً على هذا الحال .. رأيت رتبة عسكرية رفيعة جداً .. أوقف عربته بعيداً وجاء راجلاً .. وهو يرتدي ما يعرف بزي السهرة .. بدلة عسكرية كاملة بكرافتة .. وعلى رأسه .. غطاء .. يشبه ما يرتديه الضباط العراقيون .. ولما كان لي شرف العمل مع هذا الرجل .. في منطقة ما .. كان هو قائدها .. وكنت ضابط الشرطة فيها .. اسرعت بالنزول ولحقت به للتحية .. فحياني .. وسأل عن أحوالي .. ثم نظر إلى بعيد وصاح .. صيحة العسكر .. أمشي تمشي بطنك .. ونظرت فاذا هي حرمه المصون وهي تمشي بصعوبة «كالمخرطة» وقد دخلها الما بداوي .. ولما علم ما يدور في رأسي قال : يا ولدي .. دهـ حكم ابتكرو جعفر النميري .. قال نلبس كدهـ .. وكل واحد يجيب مراته معاهـ .. لأن السادهـ الضيوف جايبين «مرتاتهم» معاهم .!!
وكان أخطر ما رأيت .. وأنا كالكاميرا الخفية داخل سيارة المرور .. والقصر يحتفل برئيس جمهورية الهند فخر الدين والوفد المرافق له .. وهو رجل مسلم .. وبدأت مراسم الاحتفال والعشاء .. ولم يمض وقت طويل حتى جاء النميري مسرعاً وحدهـ ووقف في الشارع أمام مدخل القصر .. فوضع شيئاً في فمه ثم نفض يديه بعصبية .. ولحق به رجل جاء يجري .. ووقف أمامه كمن يقول أي خدمة يا ريس .. فقال له : امشي نادي فلان .. الحيوان دهـ ... فذهب الرجل وجاء «فلان» فثار النميري في وجهه .. وقال له : أنا مليون مرة قلت ليكم .. في حالة الضيوف المسلمين .. ما تقدموا خمرة .. ما تقدموا خمرة .. قدمتها ليه .. أنا بهظر معاكم .. أمشي بيتكم طوالي .. وافتح الراديو .. وعاد النميري إلى داخل القصر .. وظل الرجل .. يجري يسرة ويمنة بحثاً عن سيارته .. حتى وجدها وتحرك بها .. بجنون وقمنا في عربة المرور .. بفتح إذاعة هنا أمدرمان التي لم تلبث وقطعت إرسالها لتقول : جاءنا الآن ما يلي .. أصدر السيد رئيس الجمهورية قرار باعفاء «فلان الفلاني» من جميع مناصبه .. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله .. والحوقلة دي .. مني أنا .


نقلا عن جريدة الوطن (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=15503&bk=1)

elmhasi
14-02-2021, 06:14 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 2 جمادى الاول 1430هـ - 28 ابريل 2009م
كلام ساكت - أيـــام النمـــيري«26»
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
في 25 مايو 1969م ... قلب النميري الطاولة على الأحزاب التقليدية .. التي كانت .. ولا زالت هي محور الحركة السياسية في السودان .. وتربع على كرسي الرئاسة والقيادة وبدا يدخل في قلوب الناس .. من اتجاهات عديدة .. كان أولها .. الضيق والتبرم من الأحزاب السياسية .. وانشغالها عن قضايا الشعب وانصرافها .. للمكايدات السياسية .. وكثرة الحديث .. والخطب الجوفاء .. كما دخل إلى قلوب الناس بشخصيته العسكرية القوية وشجاعته التي رويت عبر ماضيه العسكري .. والتي عكستها مواقفه .. وهو يدير شؤون البلاد .. ودخلها أيضاً .. بوطنيته الصادقة الخالصة التي أجمع الناس عليها .. ولم يختلفوا حولها .. وأكدتها مواقفه المختلفة .. ولكن النميري .. في تصوري .. قد دخل قلوب الناس .. وتربع فيها .. بشخصيته السودانية الأصيلة .. وبساطته .. وشعبيته .. التي لم يكن يفتعلها .. وقد بلغ الناس .. أن النميري لما دخل القصر الجمهوري لأول مرة .. رئيساً .. ورأى الأطباق الفاخرة تنوء بما تحمل من اللوز والبندق والفستق وعين الجمل .. وغيرها من الحلويات والفواكه القادمة للبلاد عبر المحيطات من شتى أنحاء الدنيا .. لم يتمالك نفسه فأطاح بها وقلبها رأساً على عقب وأمر باستبدالها الفوري بالمنتجات السودانية من القنقليز والتمور.. وفول الحاجات .. وأن تستبدل عصائر التفاح والكمثري .. بأخرى من العرديب والكركدي .. والقريب .. وغيرها من فاكهة الوطن .. ومن اللطائف .. أن لقاء جماهيرياً ضخماً عقد .. بالخرطوم .. في ساحة عامة .. وكانت المنصة دائرة في قلب الجماهير يجلس عليها .. النميري وسط .. أعضاء مجلس قيادة الثورة .. بتشكيلته الأولى .. ومن على البعد .. لمح النميري .. عمنا الرقيب شرطة ... أبو خضرة يضع سفة السعوط في فمه ثم يقفل الحقة .. ويضربها كما يفعل الكييفون .. عادة .. ثم يدخلها جيبه فوقف النميري .. وأشار إليه وطلب منه الحضور إلى المنصة .. فتخلص أبو خضرة من السفة بحرفنة واخترق الجماهير حتى وقف أمام النميري فقال له : ساعوطك البتشكر فيهو دهـ وين؟! فاضطرب أبو خضرة .. وقال : والله العظيم ما شكرته !! فقال النميري: طيب جيب الحقة .. فأخذها .. ودردم منها سفة قوية .. وضعها في فمه وأعاد الحقة إلى صاحبها في لقطة نادرة بين رئيس .. ورقيب تعبر بقوة عن تواضع النميري .. وبساطته وانتمائه القوي .. لعامة الناس .. وتمردهـ على البرتكولات .. والاتيكيتات التي لا تتواءم في كثير من الحالات .. مع سلوك المواطن السوداني بصفة عامة ..
لقد كان النميري مزيجاً .. سودانياً خالصاً يمكن أن ينسب لأي جهة من السودان شكلاً ومسلكاً .. ورغم سنوات الحكم والسلطة والأضواء والهتافات والأناشيد .. فقد ظل النميري على حاله .. يصل أرحامه ويزور أصدقاءهـ .. ويرتاد بيوت الأفراح مهنئاً ومباركاً ومشاركاً .. ولا يتخلف عن المآتم .. مواسياً ومعزياً ومجاملاً .. وقد رأهـ الناس يبكي ويدمع ويجأر بالبكاء عند رحيل الزعيم جمال عبد الناصر .. ورأيته كما رويت في مقال سابق وهو يرتمي على جذع نخلة في ود نميري .. ويجعر بالبكاء من فرط تأثرهـ بمشاعر الحب التي أحاطه بها أهله .. وكثيراً ما رأيناهـ .. يضحك من أعماقه .. ويحزن ويغضب ويطرب .. ويرقص وقد شهدته عن قرب في مدينة جوبا .. وهو يشارك الجميع في حفلات «الترم ترم» والرقص على ايقاعات .. «كيري كيري أفريكا» وأغاني شرق إفريقيا .. بالسواحلي .. وسعدت برؤيته أثناء حفل أقامته فرقة الفنون الشعبية بالمسرح القومي عندما قدمت إحدى قبائل الجنوب المغمورة رقصة نادرة على ايقاع نادر هز مشاعر ... الجميع ولكن النميري لم يتمالك نفسه فقفز بقوة وصعد المسرح وشاركهم .. الرقص بصورة أدهشت الجميع .. وأذهلت ناس القبيلة ذاتهم .. لأن الرئيس كان يرقص ببراعة وكأنه نشأ وترعرع وسط هذهـ القبيلة !!
وللنميري مواقف كثيرة .. تكشف عن معدنه .. السوداني الأصيل .. وتواضعه الذي ظل يلازمه .. على امتداد سنوات حكمه .. وبعدها .. وقد رأيته مرة يشارك في .. مناسبة دينية بدار الأدارسة في أم درمان .. ولما خرج الناس من داخل الصالون .. إلى خارجه كما اقتضت ظروف الاحتفال .. خرج النميري .. يحمل كرسيه بنفسه .. ولم ينتظر أن يقوم أحد بذلك نيابة عنه .. باعتبارهـ رئيساً سابقاً للبلاد .. مع رغبة الكثيرين في حمل الكرسي عنه .. وقد شهدته إبان حكمه .. وفي معيته .. «مظاريف» كثيرة بها .. عطايا من المال .. كان يوزعها بنفسه .. على رجال ونساء عرفهم وعاشرهم إبان عمله بدارفور .. في بدايات عمله بالقوات المسلحة .. وقد حدث أن جاءت امراة عجوز من دارفور إلى الخرطوم بغرض .. اكمال اجراءات سفرها للمملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج .. ولما كانت التصديقات بالخروج والسفر بالنسبة للنساء معقدة .. لمسائل عديدة تتصل بالعمر .. والمرافق .. والفحص فإن هذهـ العجوز قد رفض طلبها ولما كانت تعرف النميري قبل عقود من الزمان عمل فيها .. بدارفور .. سعت لمقابلته .. ولكنها لم توفق .. فاختارت بذكاء .. أن تقف بشارع النيل .. قريباً من القصر .. عسى أن يبصرها .. النميري فتفاجأت .. عندما أوقف النميري موكبه .. وترجل عن سيارته وجاء إلى السيدة العجوز وحياها بالأحضان ثم أخذ بيدها .. ومشى معها راجلاً حتى أدخلها القصر .. وأكرمها واستمع إليها .. ثم اتصل بالجهات المسؤولة .. وكلفها باكمال اجراءاتها وحتى ركوبها الطائرة إلى الأراضي المقدسة .. ومما يروى في هذا الجانب الشخصي من النميري .. أنه ذهب لزيارة مصلحة ما .. بعربة خاصة .. في زيه القومي .. فاعترضه خفير المصلحة .. فقال له النميري : إنت عرفتني .. فقال الخفير وهو «من عندنا» : طبعاً عرفتك .. إنت النميري .. رئيس السودان .. بس الأوامر من المدير العام ما حدش يخش !! وحسم رجال الأمن المرافقون الأمر .. ودخل الرئيس المصلحة .. وأدخل «الخفير» حراسة الأمن .. وبعد يوم أو يومين .. سأل عنه الرئيس .. وأمر باحضارهـ أمامه .. وطيب خاطرهـ .. ووضع في يدهـ مظروفاً مريحاً .. فقبضه الخفير اللي من عندنا .. ووضعه في جيبه .. ولم يسكت بل زود الرئيس بنصيحة غالية : شوف يا ريس إنت ما تشوف الفيل .. وتطعن في ضله ..!
وعلى امتداد الزيارات المتبادلة بين مصر والسودان .. فقد كان الكتاب .. والصحفيون المصريون .. لا يصدقون ما يرونه ماثلاً أمام أعينهم .. والرئيس يجوب القصر .. يداعب العمال والجناينية .. ويتطلف مع المراسلات والسعاة .. وكانوا يعكسون ذلك على صفحات الجرائد والمجلات المصرية .. بدهشة بالغة .. وقد حكى لي أحد موترجية تشريفة موكب النميري بأن الرجل .. إذا ما أحس بأن العمل كان مرهقاً .. جاءهم بنفسه يحمل إليهم بعض المأكولات والحلوى والكيك .. ويوزعها عليهم .. ولا نكاد نذكر .. أن النميري على امتداد سنوات عمله . كان يهرب من جحيم العمل المتواصل إلى منتجعات العالم السياحية ليتزود بقسط من الراحة والاستجمام .. وعمل chek كما يفعل رؤساء الدول عادة .. بما فيهم الدول النائمة التي لا تملك قوت يومها .. ولكن النميري كان يقتل العمل بمزيد من العمل .. ويجد متعته وراحته النفسية في زيارة مناحي السودان المختلفة والاختلاط بأهلها .. يأكل من أكلها .. ويشرب على القذى من مائها .. وقد شكا له .. أحد المواطنين في منطقة ما جاء يحمل قرعة ملأى بالماء الأخضر .. وقال دي مويتنا يا ريس .. فامسك بها «وقرطعها» .. ولم يبق منها سوى القليل .. أعطاهـ لزوجته فشربته .. حال خادم الفكي !! ولعل المنتجع السوداني الذي كان يركن إليه .. هو قصر متواضع شيدهـ في أرض أجدادهـ .. بود نميري .. وكان يأتيه في كل عام مرة في شكل رحلة ترفيهية .. يرافقه فيها من يختارهم من الأصدقاء والأقرباء .. وبعض الظرفاء والشعراء .. ومداح الرسول صلى الله عليه وسلم .. كما كان يحرص على برنامج .. صباحي للرياضة .. وضرب النار .. وكان ينصب أمام قصرهـ المتواضع .. خيمة ضخمة مهيأة بالمفاريش والكراسي .. مفتوحة للجميع يدخلونها بدون فرز يجلسون حيث شاءوا .. يأكلون من أطباق البلح .. ويشربون الماء المثلج .. والشاي الذي يطوف على الناس بلا توقف .. مثنى وثلاث ورباع .. وأكثر لمن يرغب .. وكان الرئيس يجلس بين الناس يستمع إلى تعليقاتهم وأحاديثهم وقفشاتهم .. ويتحدث كثيراً .. في مواضيع شتى .. بعضها سياسي .. وبعضها أي كلام .. وقد استرسل مرة في الحديث عن أمريكا .. وقال .. إنها قادرة على تغيير أنظمة الحكم في العالم الثالث بالتلفون .. بواسطة عملائها في الداخل .. وهسع أنا .. قاعد معاكم هنا .. جايز واحد ينط فوقها .. فهاج الحضور وقالوا : والله أبو أمريكا .. ما يقدر يشيلك .. واللي ينط فوقها .. والله نقطعوا .. حتت حتت .. ضحك النميري .. وارتاح لحديث ضيوفه .. وقال : على كل حال .. البجي بعدي ودي سنة الحياة .. أنا عملت ليهو خوازيق .. لا بقدر يتحملها .. ولا بقدر يغيرها .. أولها الحكم الذاتي لجنوب السودان .. تاني زول بهبشوا ما في .. والحكم الاقليمي في الولايات الشمالية .. أداهم سلطات .. ومن يحاول انتزاعها منهم .. حيتمردوا عليه .. وتطبيق الشريعة ما يقدر راجل تاني يلغيها .. والبحكم بعدنا حيمشي في نفس سكتنا .. ودهـ المطلوب .. فهل صدق النميري ؟!
يبدو أن النميري .. قد فكر في «خازوق» جديد .. لمن يحكم بعدهـ .. فأراد أن يستن سنة .. تلزم كل رئيس بالصلاة .. ولو جمعة واحدة في العمر .. في الجامع الأثري .. الذي شيدهـ المسلمون .. على عهد القائد عبدالله بن أبي السرح في منطقة دنقلا العجوز .. وهو أقدم مسجد في السودان بلا منازع .. وكعادته قرر أن يصلي الجمعة .. مع المواطنين الذين هرعوا إلى هناك في انتظارهـ .. فنحروا الذبائح .. وهيأوا المسجد .. النائئ .. عن مناطق العمران والسكن .. وصلى النميري الفجر في ود نميري وتحرك ومن معه .. علي ظهر«اللنش عروس» وكان يقودهـ بنفسه .. وكانت الرحلة عكس التيار .. الذي قوياً وعاتياً .. بفعل «الدميرة» .. وظل «اللنش» يمشي خطوة اتنين مستحيل .. أو صار كالطائر الطنان .. الذي يظل يرفرف ثابتاً ليتمص رحيق الزهور .. «فاللنش» كان ثابتاً .. وكذلك الشطئان .. والنيل يجري وحدهـ في اتجاهـ الشمال .. وعندما وصل النميري .. إلى جامع دنقلا العجوز .. كانت الشمس .. تختفي خلف ذؤابات النخيل ولم يبق .. إلا بضعة رجال .. ظلوا في الانتظار فصلى .. معهم صلاة المغرب .. وعاد .. من طيبة أول جمعة .. للدار .. منكسف ..!!

نقلا عن جريدة الوطن (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=15609&bk=1)

elmhasi
20-03-2021, 06:34 AM
جريدة الوطن - الثلاثاء 9 جمادى الاول 1430هـ - 5 مايو 2009م
كلام ساكت أيـــام النمـــيري «27»
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
بناءً على طلبي .. نقلني اللواء حسين عثمان أبوعفان .. مدير الجوازات وقتها إلى دارفور .. ونفذت أمر النقل بالفعل وعدت للخرطوم .. لمعالجة مشاكل قسم الجوازات والجنسية مع الرئاسة .. فصدر أمر آخر بإلحاقي وتكليفي بفتح مكتب للجنسية بالخرطوم بحري ففعلت .. وبدأت العمل في كشك من أكشاك توتو كورة .. بشارع الزعيم الأزهري .. ثم انتقل العمل إلى مكاتب بالإيجار .. جوار مستشفى الخرطوم بحري .. وظللت ملحقاً هكذا لأكثر من عام .. حتى صدر كشف أخير عام 1978م .. تم فيه نقلي مرة أخرى إلى جنوب دارفور .. ولكن في وظيفة الرجل الثاني .. لمدير شرطة محافظة جنوب دارفور .. ولحرصي الأكيد على الخروج من الخرطوم .. كنت أول من نفذ أمر النقل .. مصحوباً بأسرتي وطفلين صغيرين .. وآخر هو الملازم الربيع الآن .. وكان عمرهـ وقتها ثمانية وعشرين يوماً .. فقط لا غير ..؟!
وكانت رحلة المعاناة .. مع قطار نيالا الذي .. يتلوي ويتوقف ويحبو حبواً ليقطع الرحلة .. في ثمانية ايام .. ليلها كنهارها .. ونفد الماء والزاد .. من الركاب .. وكان القطار يدخل المحطات .. حسب التساهيل وبلا مواعيد .. فلا نجد فيها من يبيع طعاماً او شراباً .. فصبرنا وتحملنا وسررنا لما علمنا .. باننا على مشارف الضعين .. حاضرة الرزيقات ولكن أصواتاً غريبة .. صكت مسامعنا .. وقبل أن نتيقن منها .. تهاوت على رؤوسنا الحقائب والكراتين .. وسقطت عربتنا على الأرض .. والقطار «يكرها كراً ..» ونحن في هذهـ المحنة .. كان أطفالي ينططون ويصفقون .. ظناً منهم بان الحكاية لعبة مسلية ويا لبراءة الاطفال .. ولما توقف القطار «الحمار» باصرنا النزول الأكروباتي .. وذهلنا لما رأينا عربات أخرى كانت قد خرجت عن القضيب .. ومن حولها موتى ومرضرضين ومجرحين ونجونا نحن بفضل الله .. ربما إكراماً لشفعي الصغار .. ولبسالة أمهم .. التي حمتهم بنفسها .. دخل القطار عصر اليوم الثامن مدينة نيالا الجميلة .. وكنا جميعاً في غاية الرهق والعطش والجوع .. والقرف والندم .. على طلب النقل من الخرطوم .. في عربة نوم .. أحسب انه النوم الملاقي النوم ..!!.
ودخل علينا «القمرة» رجل أسمر طويل مشلخ مية وحداشر .. يرتدي جلابية وطاقية وعلى كتفه عمامة .. وصافحنا جميعاً بنبرات تفيض مودة .. وطيبة .. وطفق يحمل أمتعتنا ويخرجها من القطار .. ثم يعتلها إلى عربة حمراء .. فورد بوكس ثم يعود ثانية ليأخذ قطعة أخرى .. حتى نقل كل أمتعتنا وحمل الصغيرين عبير .. وزهير .. معاً وخرجنا جميعاً وركبنا الفورد .. وتحركت بنا يقودها .. بنفسه إلى داخل المدينة وعند بيت جميل .. يقف كالقصر مطلا على وادي نيالا .. نزلنا ودخلنا الصالون .. وقلبي يلهج بالود .. لهذا الرجل الذي حسبته «سواق» القومندان ... ولكني لما حدقت في الصورة التي كانت تزين الجدار .. برسم ضابط عظيم في زيه الرسمي .. علمت أن الرجل «زولي زاتو» وانه رئيسي الذي تعامل معي بلطف .. قلما يفعله رئيس لمرؤوس ..
إنه العميد هاشم محمد هاشم « اشكوندي» كما يلقبه اصدقاؤهـ .. الحلفاوي المفعم بالطيبة والمودة .. والتواضع والكرم وحسن الخلق .. وطهارة اليد واللسان .. أحب دارفور حباً .. جعله يخدم فيها في كل الرتب .. التي تقلدها .. بل تكاد أن تكون هي جل خدمته حتى رتبة العميد .. وقد تعلق أهل دارفور وتمسكوا به وبادلوهـ .. حباً بحب .. ووفاءً بوفاء .. وقد عملت .. تحت ادارته .. أجمل سنوات العمر .. لأنها كانت مفعمة بالثقة والمحبة والأخوة والتعاون .. والإحترام .. خالية من المكايدات والمضايقات والمنغصات «والكلتشات» .. والناس على دين ملوكهم ..!!
ولما كنت أعمل برئاسة الشرطة .. وهاشم سادر في حبه لدارفور .. علمت أن المدير العام .. وقتها .. يسعى لإحالته للصالح العام .. فكسرت كل قواعد الإنضباط .. ودخلت عليه وقلت له أرجوك .. أشطب .. اسم هاشم من هذا الكشف .. فضحك الرجل وقال .. نشطبوا ليه علشان صاحبك ..!؟
وتقبل الرجل قرار إحالته بروح المؤمن وظل يكابد قسوة الحياة .. حتى داهمه المرض وغادر دنيانا التي كان زاهداً فيها وفي نفسه غصة .. لأنه لم يتمكن من بناء بيت يأوي أهله من بعدهـ ..!!
رحم الله .. الحلفاوي الطيب .. البسيط هاشم .. وأدخله الجنة مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا ..
باشرت عملي رئيساً لشرطة نيالا ونائباً لمدير شرطة محافظة جنوب دارفور بعد تقسيم دارفور الكبرى إلى محافظتين وكان محافظ .. المحافظة وقتها .. اللواء الركن محمد عبدالقادر عمر .. وهو رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الأسبق .. وكان رجلاً ورعاً متديناً مثقفاً .. كبحر زاخر بعلوم الدين والدنيا .. يملك ناصية الحديث في كل ما يثار من مواضيع .. عرفه الناس .. محافظاً على محافظة .. كسلا بشرق السودان التي بادر فيها بتطبيق .. قيم الشريعة وحارب الرذيلة .. في شتى أشكالها .. وسار على نفس النهج عندما تولى مهام المحافظ بجنوب دارفور .. فأغلق البارات .. وأصدر القرارات الرامية لأسلمة الحياة .. واستئصال المظاهر السالبة والتي تجافي الشريعة فيها . وسعى .. لإغلاق المواخير والأنادي .. و«طلمبات» العرقي ولاقى ما لاقى في سبيل ذلك .. من «صعاليك» المدينة الذين كانوا يقذفون بيته وسيارته بزجاجات الخمر .. وجركانات المريسة و«موية الكسرة» .. ومن المضحكات المبكيات أن المحافظ محمد عبدالقادر وهو في خضم معاركه لأسلمة سلوك الناس .. واستئصال شافة الإنحرافات السلوكية المجافية للشريعة الاسلامية .. فاذا بكارثة لم يحسب لها أي حساب .. تحط أمامه .. في شكل .. عربة شحن .. من عربات السكة الحديد التي تترنح بحمولتها .. من الخمور« الحرة» جوني ووكر وبلاك ليبل وغيرها من جماعة أبوبت وبيرة أبوجمل .. مرسلة لعنايته بإعتبارها البضاعة المزجاة التي طلبها سلفه ودفع قيمتها من خزينة المحافظة .. وذلك للخدمات الفندقية التابعة للمحافظة وإكرام ضيوفها وفتح شهيتهم لأكل الخراف .. وإدخال البهجة والفرفشة .. في نفوسهم وعصلج محمد عبدالقادر ورفض استلامها فأقترح البعض تكسيرها وأراقتها على الثرى .. فقال ومن يعوض الخزينة ما دفعت ؟! وتقدمت محافظة مجاورة وطالبت بتحويل الشحنة «المسكرة» إليها وإلتزمت بتسديد قيمتها .. فرفض وقال نحن لا نحرّض اخواننا على السكر ..!!
وأحسب أن الإتفاق قد تم على إعادتها إلى الجهة التي أرسلتها .. واسترداد قيمتها ..«مشرومة» ..!!.
وسرت في المدينة طرفة .. ظل يتناقلها الناس .. عندما اتصل السيد محمد عبدالقادر المحافظ .. برئيس شرطة نيالا .. وكان رجلا لطيفاً .. فحسب أن المتصل هو أحد زملائه او أصدقاءهـ فأجابه قائلاً : أيوهـ معاك حكمدار بوليس مكه !!.
كان اللواء الركن محمد عبدالقادر عليه رحمة الله مهموماً بأسلمة المجتمع .. وأحسب أن ما فعله في محافظتي كسلا وجنوب دارفور.. كان هو« قيدومة» تطبيق الشريعة الاسلامية في السودان .. وأن مبادراته كانت جس نبض واستفتاء للناس .. لاقى القبول وشجع النميري على تطبيق قوانين سبتمبر .. وقد تحاور معنا مرة بشأن الكثير من النساء اللائي امتهن البغاء وصناعة الخمور بسبب ظروف قاهرة وتساءل عن أنجع السبل لتوفير الحياة الكريمة لهن وألمح الى التجربة الناجحة التي أقدم عليها اللواء الراحل روبن ماك .. مدير شرطة الاقليم الجنوبي .. بعد اتفاقية أديس أبابا وقام بتجنيد العديد من أمثالهن .. وتم تدريبهن على تنظيم حركة المرور في مدن الجنوب الرئيسية فاستطعنا إقناعه .. بان الاختلافات الجوهرية بين أهل الجنوب .. وأهل دارفور لا تشجع على تكرار التجربة في أية محافظة من المحافظات الشمالية وقصصت عليه التجربة التي خاضتها مديرية الخرطوم .. على عهد محافظها مهدي مصطفى الهادي .. فاستوعبت عدداً كبيراً من المومسات الشابات اللائي أبدين رغبتهن في عمل شريف ولقمة حلال .. وأفردت لهن معسكراً خاصاً لتدريبهن عسكرياً .. وتنويرهن بالقوانين التي تحكم مهنتهن الجديدة ووعظهن وإرشادهن لطريق الفضيلة والمثل العليا .. والزامهن .. بالتطهر وأداء الصلوات في مواقيتها .. ولكن معلومات تواترت عن أعمال فاضحة ترتكبها المجندات « المومسات» داخل المعسكر .. فتمت المداهمة وضبط الجميع بدون فرز في قعدة حالمة يدخنون السجائر «ماتيني» .. ويشربون البيرة ويغنون .. سنة يا ولد .. الحكومة سوت غلد «دي لزوم القافية» والطريف في الأمر.. أن بعض البنات كن يرتدين زي الرجال .. ويجلس كل واحد من هؤلاء الرجال «التبوان» .. مع فتاة حقيقية ولكنها يا هسارهـ .. سكوند هاند ..!.
وتم فصل المجندات جميعاً وثبت بالدليل القاطع .. والتجربة .. أن الشرطة والمومسات على طرفي نقيض .. وأن المومس لا تصلح للعمل كشرطية ولو أن التجربة مرت .. ولا أقول نجحت .. لأصاب الشرطة أذى كبير .. وتكاثرت فيها بذرة الفساد حتى غطت وجهها الجميل .. أضحكت هذهـ القصة .. المحافظ محمد عبدالقادر .. وصرفت نظرهـ تماماً عن معالجة مشاكل .. المومسات وغيرهن على حساب الشرطة .. أنبل المهن .. وأطهرها ..

«ونواصل»


نقلا عن جريدة الوطن (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=15708)

elmhasi
24-04-2021, 07:17 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 16 جمادى الاول 1430هـ - 12 مايو 2009م
كلام ساكت أيــــام النمـــيري (28)
لواء «م» محيى الدين محمد علي
كان اليسار هو قبيلة مايو وقبلتها عند اندلاعها .. وسرعان ما توطدت علاقاتها .. بالاتحاد السوفيتي الذي كان .. والصين التي يتعاظم أمرها .. كل يوم .. ودول المعسكر الاشتراكي .. كلها والتي تنكرت الآن لماضيها .. وكان عادياً .. أن تجد صور النميري .. تزين شوارع تلك الدول وصحفها .. سيما بعد أن فجر قنبلته الدبلوماسية واعترف بألمانيا الشرقية .. ولكن بحر السياسة في السودان .. اضطرب بفعل .. الصراع المرير .. بين اليسار واليمين وغيرها على كراسي السلطة .. فجرى قارب مايو في كل الاتجاهات .. وفق إملاءات ونصائح مساعدي (الريس) .. وسدنته .. وكان الإعجاز المايوي .. الذي لم يسبقها عليه أحد .. فاحتفظت بشعرة معاوية مع المعسكر الاشتراكي .. ومدت أياديها مستنجدة بأمريكا وأوربا .. وفتحت صدرها لكل العرب .. وتعاملت (بحرفنة) مع كل التناقضات الإفريقية .
خرجت مايو .. بعد معركتها مع الشيوعيين وقد خلعت رداء .. المواقف العقائدية .. والمبادئ التحررية .. وانتهجت خطأ في سياستها الخارجية .. يقوم على المصلحة .. ولا شيء غيرها .. وقد أرضى ذلك الكثيرين .. الذين يفضلون (الإستفادة) بأي ثمن .. ولم يرضَ بالطبع صفوة المثقفين والسياسة من أصحاب المبادئ .. والقيم .. والمواقف ..
لقد استطاعت مايو .. بانتهاجها .. السياسة الخارجية (المصلحية) .. ان تستفيد من روسيا والصين .. وكوريا .. وألمانيا .. ورومانيا وأوربا .. وأمريكا وسائر الدول العربية .. وعلى رأسها دول النفط .. وتمكنت من تسليح الجيش .. وتطوير الشرطة .. وان تشيد قاعة الصداقة .. وقصر الصداقة .. ومصنع الصداقة وقصر الشباب والاطفال .. وكبري القوات المسلحة .. وأن ترفع كفاءة السكة الحديد .. وتبني دار المجلس الوطني (البرلمان) .. وان تعبّد آلاف الكيلومترات من الشوارع والطرق ... بل .. واكتشاف البترول واستخراجه .. واستطاعت ان تفتح ابواب الجامعات العالمية .. لطلاب السودان .. فنالوا ارفع الدرجات .. في سائر التخصصات العلمية .. وقائمة (الاستفادة) طويلة جداً .. في شتى المجالات .. واحسب ان مايو في تعاونها المطلق نحو التكامل مع مصر بخبراتها وخبرائها .. وليبيا بمالها ورأسمالها .. والسودان بأرضه وامطارهـ وانهارهـ كانت ستحقق (الاستفادة القصوى) ..غير ان الرياح لم تأتِ .. كما تشتهي سفن مايو .. لأن ليبيا ومصر .. (على ما أظن) قد ضربا هذا التكامل .. واكتشفا .. ان السودان .. سيكون (المستفيد) الأكبر .. من العملية .. (فزاغا) منها .. وكانت يا عرب !!
إن علاقات مايو الخارجية مع (القطبين) وما بينهما .. ظلت علاقات (مصلحية) عجيبة .. خرج السودان مستفيداً منها .. كالمنشار .. طالع يأكل .. نازل يأكل .. ولا أدل على ذلك من مليارات الدولارات التي خلفتها مايو .. ديوناً على عاتق اهل السودان .. ولكن هنالك .. قائمة اخرى (خفية) من الفوائد .. خدمتها علاقات مايو الخارجية وكانت سبباً اساسياً في كل الهزائم التي لحقت بمسلسل الانقلابات والانتفاضات التي كانت من ورائها .. الاحزاب المعارضة والمتطلعة لكراسي السلطة .. ويكفي مثالاً على ذلك .. مشاركة مصر .. في إخماد التمرد بالجزيرة أبا .. وقيام ليبيا .. باعتقال بعض قادة الانقلاب الشيوعي .. وتسليمهم للنميري .. والطائرة القادمة .. وعلى متنها البعثيون .. من العراق وتفجرت بمن فيها .. والفاعل مجهول .
لقد تجلت براعة مايو (وشيطنتها) في علاقاتها الخارجية .. مع المتناقضات الافريقية ودول الجوار منها على وجه الخصوص .. لأنها .. كانت علاقات في ظاهرها .. تجارية واقتصادية وثقافية .. ولكنها كانت (في ضمير مايو) علاقات ... مصلحة أمنية ترمي لمحاصرة التمرد الذي اشتعل في الجنوب مع ارهاصات الاستقلال واستشرى كالنار في الهشيم .. يحرق الحرث والنسل .. ويرهق كاهل الحزبية العامة المرهق اصلاً .. ويهدد بسقوط عواصم الجنوب في ايدي المتمردين .. وينذر بانفصاله عن الشمال .. ونجحت مايو .. في الاحتفاظ دائماً .. برئيس مايوي في تشاد .. وعلاقات .. ودية وحميمة مع يوغندا .. وتنزانيا .. وكينيا .. والكنغو .. ولكنها حرصت على علاقات متينة وقوية .. ومتميزة مع إثيوبيا .. وامبراطورها العجوز .. هيلا سلاسي ومع افريقيا الوسطى .. ورئيسها (الغريب) بوكاسا .. وقد استطاعت مايو بهذهـ العلاقة الفريدة بين الدولتين الجارتين .. ان تنهك التمرد وتضعفه وتكسر عظم الظهر منه .. فاثيوبيا .. نظير (التجنيات المايوية الخطيرة) على الثورة الاريترية .. قلبت ظهر المجن .. لحركة الانانيا .. وحدت من نشاطها على اراضيها .. وفتحت افريقيا الوسطى ابوابها .. لقوات الامن السودانية .. فلاحقت قادة التمرد .. واقضت مضاجعهم .. و(فرزعتهم) .. وحسم الامر في النهاية .. عندما قام هيلا سلاسي بالتعاون مع مجلس الكنائس العالمي . الذي يوقرهـ ويحترمه ويقدسه .. وعدد من الدول الاوربية بتحقيق اتفاقية اديس ابابا بين مايو .. والانانيا .. ووقع النميري عليها مع جوزيف لاقو .. في وقت كانت حركة التمرد .. تلفظ أنفاسها الاخيرة .. بسبب الضربات التي تلقتها من الداخل والخارج .. وساد السلام في الجنوب بعد عقدين من الحرب الضروس بين ابناء الوطن الواحد .. وسكت صوت المدافع .. وانصرف الناس جميعاً للتنمية .. غير ان (الود الحبشي السوداني) مدفوع الاجر استمر .. وربما كان هو .. الذي قاد النميري لارتكاب اكبر هفواته واسوأ (طبزاته) .. عندما قام بترحيل الفلاشا من اثيوبيا .. الى اسرائيل .. وعبر السودان الطاهر .. الذي لم يدنسه اليهود من قبل .. أما علاقة الصداقة والمودة التي ربطت بين النميري .. وبوكاسا .. فتوطدت ولم تنفصم .. لان سياسة مايو الخارجية (المصلحية) كانت توصي لصداقة بوكاسا .. لان بلادهـ .. جارة لغرب الاستوائية .. واهلها متداخلون مع الزاندي .. ويقال ان بوكاسا نفسه (زانداوي) .. كما ان لإفريقيا الوسطى .. حدوداً مشتركة مع جنوب دارفور .. وتبادل تجاري عبر نقطة ام دافوق الجمركية .. وان اهل السودان من قبيلة التعايشة .. يرعون قطعانهم داخل اراضي افريقيا الوسطى .. ويبقون فيها لأكثر من ستة اشهر كل عام .. ثم يعودون .. لمناطقهم في رهيد البردي .. وقد ادت هذهـ العلاقات عبر السنين الى تداخلات عميقة في مجالات عديدة .. تلزم البلدين بعلاقات حسن الجوار .. وقبول صداقة بوكاسا على علاتها ..!!
ظل بوكاسا .. يزور السودان .. كلما (هفّت) له .. ويبقى فيه اياماً طويلة .. تعطل دولاب العمل في البلاد .. ومن طرائف بوكاسا انه بعد .. ان قضى .. قرابة الاسبوع في السودان .. وازمع مغادرة البلاد .. وودعه النميري وداعاً حاراً .. وركب الطائرة التي بدأت .. تتحرك على المدرج .. للإقلاع .. وغادر النميري عائداً إلى مكتبه في القيادة العامة .
إلا ان بوكاسا لما تبين له ان اليوم خميس .. امر الكابتن بالتوقف .. ونزل مرة أخرى .. ومدد الزيارة يومين آخرين ولسان حاله يقول .. هو احنا ورانا حاجة ؟!
ان بوكاسا كان على علاقة غرامية بإحدى بنات الهوى المقيمات في الخرطوم .. وكان يزورها .. بلا خجل ولا حياء .. وعينك عينك .. ويبقى معها ساعات الليل وبعض ساعات النهار .. وكانت الاجهزة الامنية .. مضطرة .. الى مراقبته وحمايته من طرف خفي .. فالرجل رئيس دولة مهما كان يعني ..!!.. وقد حكى لي صديق .. رافق الرئيس النميري في زيارة الى افريقيا الوسطى .. ان بوكاسا .. رحب بالوفد السوداني ترحيباً كبيراً ورائعاً ولكنه .. كان بين الفينة والاخرى .. يقترب من احد اعضاء الوفد .. الذي تربطه به .. مودة خاصة .. ويسأله عن احوال عشيقته .. فقال له .. خلاص كشوها .. فاندهش بوكاسا .. وقال .. زي دي .. بكشوها ؟! أحسب ان هذا القول من قبيل الشمارات .. والله أعلم .
ولما كان السودان يعتمد على الهبات والعطايا والقروض .. ودعومات الوفود .. لتسيير أمورهـ .. فإن النميري .. بأنفة السوداني .. كان (يبيض) وجهه .. بالهدايا والعطايا .. من خيرات السودان .. وقد رأيت بعيني رأسي هدايا النميري .. من الغزلان والفهود والزراف .. ونحوها .. وقد صارت الآن حدائق للحيوان .. في كثير من البلدان تشد إليها الرحال .. وشهدت في دولة من دول الخليج .. هدية من آلاف الخراف الحمرية .. بعث بها النميري .. والناس يتدافعون بالمناكب لرؤيها .. ثم يعودون .. وهم يرددون .. والله النميري رجال زين .. وخرفانة مليحة .. وقد اهدى الرئيس ملكاً من ملوك العرب .. عدة جوالات من الكركدي .. درجة اولى ونشر الظلال في موقف عرفات .. بزراعة الآلاف من اشجار النيم .. واستضاف رئيس جمهورية اليمن .. المرحوم الحمري وظل .. يطوف به .. وبنفسه ويفسحه حيث شاء نزولاً عند رغبته .. بل وختم زيارته بحفل ساهر .
ومن طرائف الرئيس الراحل بوكاسا .. انه طلب من النميري .. بعضاً من الخراف .. فخاطب .. محافظ جنوب دارفور .. وكلفه بشراء ألف خروف فاخر (خمسة شنكل) وإرسالها لعربات القوات المسلحة .. الى افريقيا الوسطى وتسليمها .. للرئيس بوكاسا شخصياً .. وقام المحافظ بإعداد هذهـ الكمية المهولة من الخراف النقاوة التي تتطابق اشكالها .. وتجر أذيالها .. ويسر الناظرين حالها ويمتع الآكلين .. لحمها .. واوصالها .. وتحركت بطوف من عربات الجيش .. الى بانقي وتم تسليم الهدية لصاحبها .. فسر بها سروراً عظيماً .. وسعد سعادة غامرة .. واكرم ضيوفه .. وسلمهم خطاب شكر وعرفان لمحافظ جنوب دارفور .. ولما فتح الخطاب .. وضح انه مكتوب باللغة الفرنسية .. فاستعان المحافظ بأحد معلمي البعثة التعليمية المصرية وكان متخصصاً في اللغة الفرنسية .. وبدأ يترجم الخطاب .. وفجأة برقت عينا الاستاذ المصري .. ودخل في هستيريا من الضحك حتى سرت عدواها لمن كانوا حوله .. ثم تمالك نفسه وقال .. يظهر ان الريس بوكاسا عاوز يعمل (قوازهـ) جماعية .. دهـ بقول لكم شكراً على الخراف .. والتفضل بإرسال ألف نعجة .. فوراً .. وضحك المحافظ ضحكاً كالبكاء .. واحتفظ بالخطاب !!


نقلا عن جريدة الوطن (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=15808&bk=1)

elmhasi
11-06-2021, 12:07 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 23 جمادى الاول 1430هـ - 19 مايو 2009م
كلام ساكت أيــــام النمـــيري (29)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
لقد كان جهاز الامن العام .. الفرع الاصيل .. في شجرة وزارة الداخلية .. والذي لم اتشرف .. بالإنتماء إليه طوال خدمتي بالشرطة والذي لم ألتحق به .. حتى بعد فصله من الوزارة .. كان جهازاً قوياً .. يتمتع بكفاءة عالية في الأداء .. وقد صقلته كل الاحداث والحوادث .. ابان العهد المايوي .. واكسبته خبرة .. ومعرفة .. ودربة .. ولا أود الإسترسال في هذا الجانب باكمله .. ولكنني .. اسلط الضوء فقط .. على المقدرات التي كان يتميز بها الجهاز .. في كبح جماح .. الوسائط الاعلامية .. بالقدر الذي .. لا تضر به أمن البلاد ومصالحها أو تكشف أسرارها لاعداء البلاد .. كما أن هذا الجهاز كان يعمل في تناسق وتعاون وإنسجام مع أجهزة أُخرى في الشرطة والقوات المسلحة .. فلا تفلت من قبضته شائعة .. أو تتسرب أي معلومة يمكن إستغلالها .. في الداخل أو الخارج للإضرار بمصالح البلاد .. وسيتجلى ذلك بوضوح وقد حدث بدارفور .. حدث جلل .. وخطير كان يمكن أن يغير مسيرة الحياة السودانية في السودان بصورة جذرية .. ولكن الحدث مر .. مرور الكرام .. ولم تتناقله الأجهزة.. «جوه.. أو بره».. وكثيرون عاصروا مايو.. ولازالوا على قيد الحياة أو غادروها.. وكانوا من قياداتها.. في مجالات شتى .. ولم يسمعوا بهذا الحدث وربما اندهش البعض .. وفندقوا خشومهم .. وهم يقرأون .. ما اكتب اليوم .. ويستغربون .. كيف استطاعت .. أجهزة .. مايو الأمنية والتي كانت شهوداً عليه برموزها .. ومن بينهم أخي وصديقي العميد أمن «م» .. محمد الفاتح عبدالملك .. كيف إستطاعت أن تتكتم على هذا الحدث .. و«تكفي على الخبر ماجور» بلغة أهلنا الصاعيدة ؟!.
كانت البلاد .. تحتفل في فبراير من كل عام .. بعيد التعليم .. الذي اصر النميري أن يسميه .. عيد العلم .. وكان يتم الإحتفال به .. متنقلاً في مدن السودان المختلفة .. وتزينت مدينة نيالا ولبست ابهى حللها .. عام 1979م .. للإحتفال بهذا العيد .. وإستطاعت محافظة جنوب دارفور .. بقيادة .. الراحل اللواء .. محمد عبدالقادر عمر .. أن يعد برنامجاً رائعاً .. لهذهـ المناسبة .. وحلقت طائرتا النميري .. اللتان جاءتا به .. والوفد المرافق له .. وكان الإستقبال في المطار .. هائلاً وخرافياً .. يعج بالآلاف من البشر .. ولما اعتلى النميري .. العربة الاسكاوت العسكرية (حَرَنت) .. ورفضت .. أن تفهم بأن على رأسها رئيس البلاد .. فتصرف المقدم أمن محمد الفاتح .. فقاد عربة صديقه .. كعيكاتي .. وهي عربة (صيد مجيهة) فركبها الرئيس .. وطاف بها على الجماهير .. ومن ثم .. واصل الرئيس برنامج الزيارة .. فافتتح القرية التراثية التي تعبر عن ثقافات دارفور المختلفة .. ثم حضر حفلاً ساهراً.. بكلية المعلمات .. كما حضر كرنفالا .. وتلقى التحية من مواكب الاندية وفعاليات المجتمع .. وطوابير الشباب وقام بتوزيع الشهادات على المكرمين من رموز المعلمين .. والمهتمين بقضايا التعليم .. ومن الطرائف .. أن رجلاً (جهامه) يرتدي بدلة فول سوت . شق الصفوف اثناء استدعاء المكرمين .. ووصل إلى النميري وصافحه .. ولكن النميري غضب وزجرهـ لما علم بأن الرجل .. لاعلاقة له .. بالتكريم وأنه أراد فقط .. أن يصافح النميري .. على مرأى من أهل نيالا جميعهم ويحظى بلقطة فوتغرافية .. وحدث أيضاً واثناء مرور طوابير الشباب .. أن انفلت من بينهم .. شاب وجرى نحو المنصه .. وصعدها .. وسلم النميري .. مكتوباً .. (حمدهـ في بطنه).. وكلا الحالتين كانتا .. ملحوظتين امنيتين سالبتين .. وعلى غرارهما قتل رئيس هندي .. وقتل السادات .. بفدائية الإسلامبولي وكان يمكن أن يقتل الشاب .. وهو يجري نحو الرئيس !!.
بعد عناء اليوم الأول من الزيارة .. خلد النميري للراحة .. في غرفة على شكل قطية تقع في اقصى فناء منزل .. قائد المنطقة ومنها يستطيع النميري .. أن يشاهد المنطقة العسكرية .. ويلحظ حركة الجند فيها .. واختار أن يبدأ يومه الختامي .. بمخاطبه الحشد الجماهيري بمناسبة عيد (العلم).. بأن طلب تجهيز .. ثلاثة خيول .. وإعدادها بصورة جيدة .. لتكون رهن إشارته . فجر يوم عيد العلم .. ولا أحد يدري من سيكونا .. رفيقيه الفارسين .. وهل كان ينوي أن يأتي للساحة .. حيث الحشد الجماهيري .. ومعه من معه .. على ظهور الجياد .. أم أنه .. كما .. قال .. ناس الأمن .. كان يرغب .. في سياحة .. يستشرف فيها فلق الصباح .. ويستنشق عبيرهـ الفواح ويستمتع بجمال الطبيعة الخلابة في وأدي نيالا الساحر .. أم أن الأمر كما يزعم عامة الناس من قول يدخل في الرأس .. لأنه مبني على أساس .. بأن النميري كان ينوي .. أن يسجل زيارة صباحية مفاجئة للمنطقة العسكرية .. وأن يدخلها فارساً على ظهر جواد .. برفقة.. اللواء الركن«م» محمد عبدالقادر عمر محافظ جنوب دارفور.. والدكتور حسن الترابي المشرف السياسي عليها .. وإن كنت غير واثق .. من قدرة الأخير .. على امتطاء الصافنات الجياد !!.
المهم .. تم الإتصال بالسلطات البيطرية المحلية .. فبذلت أقصى الجهد حتى احضرت ثلاثة من الخيول الماصلة المفصلة حتى أن السائس قال : «دي خيول احر مني .. لانو جدها السابع معروف .. وانا واقف في الجد الثاني».. كذلك فقد احضرت معها السروج الفاخرة .. وركائبها الأنيقة .. واعنتها اللائقة .. وعلفت قريباً جداً من محل إقامة الرئيس .. طوع بنانه !!.
وكان داري .. قريباً من المنطقة العسكرية .. لا يفصله عنها .. إلَّا ميدان صغير يمارس فيه الاطفال كرة القدم .. عادة .. وقررت يومها أن أنام مبكراً .. لاصحو باكراً .. إستعداداً للعمل المضني الذي يصاحب نشاط الرئيس ولقائه الجماهيري .. ومن ثم مغادرته إلى الخرطوم .. وقبل أن اخلد للنوم قرأت .. بعض السور القرآنية الكريمة .. منها سورة الطارق .. وسورة الإنشقاق وسورة الإنفطار .. وتوقفت كثيراً عند معانيها .. والصورة المذهلة التي رسمتها لنهاية الكون .. أو يوم البعث والنشور .. ولما تمكن مني سلطان النوم .. كُنت احلم .. بالنجم الطارق بطرق الأرض ويثقبها .. وأرى السماء تنشق .. وتنفطر .. وتنتثر كواكبها .. مثل كرات النار .. وبينما كُنت .. غارقاً.. في هذا الحلم المرعب .. وعند الساعات الأولى .. من الفجر.. شعرت بأن الأرض تميد بي .. ثم تهتز وترتج .. وأن قوة غريبة مجهولة .. تنتزعني من مرقدي .. وترفعني .. وترمي بي .. واقفاً مرتعداً في منتصف الغرفة .. واصوات مدوية قوية تصم الآذان .. لم اسمع بها من قبل .. في الخيال أو حتى افلام الرعب .. فخرجت من الغرفة .. ونظرت إلى السماء .. فكانت كتلة من اللهب الأحمر تضئ الأرض وتكشف تفاصيلها .. ويتوالى الدوي .. وتتقاطع اصوات الإنفجار .. ويتفاقم الإشتعال .. وكأن براكين عدة تقذف حممها نحو سماء .. نيالا .. فايقنت أن السماء انفطرت .. وأن النجم الثاقب .. قد بدأ يثقب الأرض .. فهرعت إلى الداخل .. وتوضأت .. وشرعت اصلي .. عسى .. أن تكون صلاتي .. هي الخاتمة .. ولكن ومع كل ركعة .. كانت الأرض تهتز من تحتي .. بإنفجار أقوى يتردد صداهـ .. في اركان المدينة .. يتضاءل أمامه .. قصف الرعود .. فأجد نفسي اقفز من مكان .. إلى مكان واصر .. الحاحاً .. على مواصلة الصلاة .. وتجمع اطفالي في حضن أُمهم .. يرتعشون ويصرخون .. ويزداد صراخهم مع كل إنفجار .. يشتعل في السماء .. وإستمرت ثورة الجحيم هذهـ لغرابة الساعة من الزمن .. ثم بدأت السماء .. تصفو .. إلَّا من اعمدة الدخان .. وإستمرت اصوات إنفجارات صغيرة كثيفة وكأنها الموسيقى التصويرية لهذا الإنفجار العظيم .. وكان أول من طرق بابي .. هو المقدم أمن .. محمد الفاتح عبدالملك .. الذي جاء في معية الرئيس .. فأطمان علي وعلى أُسرتي .. واطمان على نفسه بوجودهـ .. معنا .. ونحن .. صديقين .. واولاد دفعة .. وعلمت منه .. أن ما حدث هو إنفجار مخازن الأسلحة والذخائر في المنطقة العسكرية المجاورة لبيتي .. وهذهـ المخازن عادة ما تكون بناءً مسلحاً .. تحت الأرض .. يحفظ بداخله سائر الذخائر .. والقذائف .. والقنابل الضخمة .. وبعضها من بقايا الحرب العالمية الثانية !!.
وبعد أن خمدت النيران .. وسكنت اصوات الإنفجارات .. هرع الناس نحو (قطية) الرئيس .. فوجدوهـ .. قد صلى صلاة الصبح .. وجلس على كرسيه .. خارج غرفته وهو في جلابيته .. يداعب حبات مسبحته .. وكان هو الذي يطمئن من جاءوا للاطمئنان عليه .. ويقول لهم : ما في حاجة .. عوجة مافي !!.
التقارير الرسمية والأمنية .. تقول .. إنه إنفجار خطير .. واخطر ما فيه هو تزامنه مع .. وجود الرئيس .. في نيالا .. وفي غرفته التي .. كانت الاقرب من موقع الإنفجار .. أما حديث المدينة فكان الأمر .. خطة مدبرة بليل لتصفية ثلاثي اضواء المسرح السياسي النميري .. ومحمد عبدالقادر .. والترابي .. عندما يدخلون المنطقة العسكري على ظهور الخيول ولكن الحكاية (فرقت بنط) .. ووقع الإنفجار قبل ساعة الصفر .. بخطأ من المدبرين وبفضل من مدبر الأمور !.
إن كلماتي بالتأكيد .. قد عجزت عن وصف هذا الحدث الجلل .. ولكن .. وحتى يستطيع القارئ أن يتصور جسامته .. فإن الكتل .. الخرسانية .. التي كانت سقفاً لمخزن السلاح .. قد طارت مسافة عدة كيلو مترات خارج المدينة .. وأن جنوداً كانوا .. يحرسون الموقع .. لم يعثر لهم على أثر .. فبعض الاقاويل ترجح .. هروبهم .. أو احتراقهم بالكامل .. وأُخرى تنفي كل ذلك .. وتقول لا خسائر في الارواح .. ولا أدري كيف .. وقد تكسرت اقفال كل المخازن والغرف المغلقة في المدينة .. وتحطم زجاج النوافذ في كل بيت بل وطال حتى زجاج بعض السيارات .. وتصدعت جدران الكثير من المواقع .. بل أن اقفال وطبل المتاجر كلها تحطمت .. وفتحت ابوابها على مصاريعها .. ولكن ليس ثمة لصوص وقتها .. والخزن الحديدية المتينة كلها .. انفتحت من تلقاء نفسها والقت ما فيها وتخلت .. وسقطت مراوح السقف في كل بيت ومؤسسة .. بعد أن تعوجت وتكعوجت بفعل الفراغ الذي احدثته نيران هذا الإنفجار .. والطريف في الأمر أن سكان المدينة .. اصحاب المنازل المشيدة بالقش والمواد المحلية .. هم الذين .. ناموا .. وقاموا .. وحاموا .. ولم يسمعوا بما حدث !!.
دعوت مرة .. عدداً من ضباط حامية نيالا .. للطعام في منزلي .. وما أن دخلوا .. حتى وضعوا اياديهم على رؤوسهم .. وقالوا : ما هذهـ .. التي يلعب بها طفلك .. فقلت لهم : هي طلقة (انيرجا) مكضبة .. سقطت في داري زمن الإنفجار .. قبل عدة اشهر .. وتركتها للاطفال يلعبون بها .. فاجروا إتصالاً عاجلاً وجاءت قوة من الحامية .. فأمروها .. بأخذ الطلقة الرهيبة .. وتفجيرها خارج المدينة .. وقال لي اللواء كمال أبشر عليه رحمة الله .. انت عليك كرامتين .. لأن الطلقة عندما سقطت في منزلك لم تنفجر .. وأنها ظلت طوال هذهـ المدة صابرة ولم تنفجر .. ولما شرعنا في تناول الطعام .. دوى صوت الإنفجار .. واهتزت نوافذ المنزل .. وضحك الجميع .. وقالوا : دي طلقتك المكضبة !!.



نقلا عن جريدة الوطن (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=15915)


** ملحوظة :
العقلية العسكرية تري في الصحافة ’’ناشرة قوالات‘‘ وتحشر انفها في ما لا يعنيها .
وتلك هي العقلية التي تربت علي إطاعة التعليمات .
ولكن نفس هذهـ العقلية لاتتحرج من ان تتداول من الاحداث والمواقف ما تحرم علي نشرهـ في الصحف ..
*** إشارة اللمز الي قدرة الترابي الي ركوب الصافنات الجياد ... شئ لا يمت بصلة ...
**** إشارة إن الرئيس جاء يطمئن عليه ، فيه نظر ... خاصة وهو يعود ويقول ان الناس عندما جاؤوا يطمنون عليه ، فيطمئنهم هو !!!
هل هذا ’’من الحب ما قتل؟؟؟‘‘ ...

elmhasi
27-07-2021, 10:09 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 8 جمادى الاخر 1430هـ - 2 يوليو 2009م
كلام ساكت - أيـــــام النمــــــيري (30)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كما إن أبغض الحلال عند الله الطلاق ، فإن ابغض الحلال عند الوطن ، هو الانحياز للقبيلة على حساب امن الوطن ، وخصماً على استقرارهـ ، وقد كنت شاهداً إبان عملى بمركز شرطة جوبا على مشاجرة بين مجموعتين قبليتين كانوا فى البداية يرقصون ويغنون سوياً ، وقد تلونوا بشتى الالوان و’’جلبطوا‘‘ وجوههم وأجسادهم بمواد جيرية وغيرها ، فحدث إحتكاك بين الطرفين ، تطور الى معركة دامية ، جاءت بهم جيمعاً الى القسم ’’مفلقين‘‘ ومجرحين ، ومعتدين ، ومعتدى عليهم وكان المتحرى شاباً ذكياً من ابناء الجنوب ، فجمع كل الاطراف بالقرب من صنبور المياهـ ، وأمرهم بالاغتسال وإزالة الالوان الجيرية ، التى وزعت بتشكيل سريالى على وجوههم وأجسادهم ، حتى غطتها فأخفت ملامحهم ، وشخصياتهم فأصبح مستحيلاً التعرف عليها ، وكانت المفاجأة المذهلة بعد الغسل ، وإختفاء الوان التنكر أن تكشف العديد من المتشاجرين عن رتب عسكرية شتى من رتب صف ضباط فى القوات النظامية المختلفة ، وقد اثار ضحكى أن بعضهم ، كان يعرف نفسه ، بلفظة ’’زميل‘‘ لعلها تعينه فى ورطته !!
لقد كانت الاستوائية هي أول عهدى بالعمل الشرطى ، وقد ظننت إن ما رأيته من ’’جنون القبيلة‘‘ قاصر على اهل الجنوب وحدهم ، سيما ، وقد كنت المتحرى من قبل فى قضية بين قبيلتين ، مات فيها أكثر من مائة ضحية ، دون سبب ، غير التعصب الاعمى للقبيلة ، وأن الحراب من فصيلة ’’الكوكاب‘‘ البشعة قد استلت عشرات الاجنة من بطون النساء الحوامل ، فى محاولة لقطع نسل القبيلة العدو ، ولم أكن أحسب أن فى ولايات الشمال تعصب أقوى للقبيلة إلا عندما عملت زهاء الاربع سنوات بشرطة جنوب دارفور !!
لقد كانت سنوات من العمل المرهق ، والمحزن قضيناها فى خدمة شرطة جنوب دارفور ، عشناها على اعصابنا ، فقبل أن تهدأ معركة بين قبيلة عربية وأخرى غير عربية ، حتى تشتعل نار الفتنة بين قبيلتين غير عربيتين ، وأخرى بين قبيلتين عربيتين .. وأخيرة بين خليط من هذهـ القبائل . والضحايا يتساقطون ’’سمبلا ساكت‘‘ والنساء يترملن والاطفال يتشردون ، ويحترق الزرع ويجف الضرع ، ويتنامى أوار العداوات فى نفوس الجميع ، والاسباب جميعها تافه . وصغيرة جداً ولا تبرر قتل نملة .
والامثلة كثيرة أستدل منها بواحدة عندما كان الناس مجتمعون ، وطلب أحدهم من الاخر أن يناوله ورقة كانت الى جوارهـ .. فقال : أنا ود القبيلة ’’الجعيصة‘‘ ما بتخدم زولاً زيك ولا بنديك الورقة !!
فقال الرجل أنا قبيلتى أجعص من قبيلتك وهجم على ود الجعيصة وقتله ، فقام أهله بقتل عشرة من القبيلة الاجعص ، وهكذا حتى تجاوز عدد الضحايا المئات من خيرة شباب القبيلتين ، ورسمت الدماء الحمراء التى سالت خطاً احمر يفصل بين القبيلتين ويمنعها من التداخل والتماذج والتصالح ، وتطورت الاحداث هكذا آلت دارفور الى ما آلت إليه الان ..
وكلما رتق الخيرون رتقاً فى نسيجها الاجتماعى حتى أطل شيطان من شياطين الانس واحدث فيها خرقاً جديداً .. وكما يقولون فتش عن المرأة .. كنا نفتش عن القبيلة والمرأة ، والمرأة فى دارفور هي ’’الحكامة‘‘ بلا منازع !!
وكان المؤسف والمحزن حقاً أن كل حادثة تحدث بين أفراد قبيلة واحدة أو قبيلتين تجلعنا فى الشرطة نعانى الامرين ، فى إختيار عناصر لا علاقة لها باي طرف من الطرفين ، لتكليفها بمهمة التعامل والتحقيق فى الامر ، وقد اثبتت التجارب بأن رجال الشرطة الذين كلفوا بمهمة ما إنحازوا إنحيازاً سافراً لقبيلتهم ، وحاربوا الى جانبها ، ومن لم يستطيع أعطاها سلاحه وذخيرته ، وعاد يزعم بانها سرقت منه !!
لقد اقلق هذا الوضع كل القيادات التى تعاقبت على ادارة جنوب دارفور ، فدرست الامر دراسة عميقة ، وخلصت فى النهاية الى ضرورة الاعتماد على قوات شرطة لا علاقة لها بقبائل دارفور ، فعملت على تنفيذ هذهـ الفكرة ، بإرسال ضباطها الى كردفان لتجنيد افراد يعملون ضمن شرطتها ، ونجحت الخطة وصار عدد من رجال الشرطة ’’الكردفانيين‘‘ عدداً مقدراً فى جنوب دارفور ، ومن ثم كان لهم دورهم المؤثر والواضح فى بسط الامن والتحقيق فى شتى الصراعات والجرائم بكفاءة عالية وشفافية وتجرد ، وقد ساعد على تحقيق هذا النجاح بكل تأكيد ، أن مدير الشرطة وأركان حربه جميعاً كانوا من اقاليم السودان الاخرى !!
ورغم هذا التشظى القبلى المخيف ، فإن بعض المتفائلين من ابناء دارفور وكردفان المثقفين كانوا يحركون نشاطاً سياسياً ملموساً ، يخطط لكيان سياسى يجمع أهل غرب السودان .. دارفوريين وكردفانيين فى صيغة واحدة بحسبان أن اهل هاتين المنطقتين يجمع بينهما رباط ثقافى واحد ، وتمازج عرقى واضح وتاريخ مشترك ، يؤهلهما للتجمع ، فى صيغة فدرالية أو كونفدرالية تحت مظلة السودان الكبير ، وقد قيض الله لى أن اكون جاراً ملاصقاً لأحد الناشطين فى هذا المجال ، وكنا نقضى الساعات الطوال فى الحوار . ومناقشة الفكرة وأخالفه الرأي بقوة وأقول له .. إن أهل الغرب هم كأهل الوسط والشرق والشمال .. قبائل شتى .. من مصاهرة زنجية عربية تتحدث لغة القرآن بألسنة متعددة .
يوحدها الاسلام بقيمه العظيمة ويجمعهم السودان بتأريخه وارثه العريق .. وأن علاقات أهل السودان المتداخلة ومصالحه المترابطة وانسابه المتشعبة يجب ان تشدهم نحو الوحدة .. ولا احسب أن عاقلاً يسعى لكيان جغرافى ، بعيد عن نهر النيل العظيم ، وكان صديقى يصر على فكرة الاقليم الغربى ، على غرار الاقليم الجنوبى ، رغم الاختلاف الجوهرى بين الاقليم الجنوبى وغيرهـ من اقاليم الشمال ، ولما أصدر النميرى قرارات جعلت من دارفور إقليماً ومن كردفان إقليماً آخر .. إبتهج دعاة الاقليم الغربى ، وحسبوا أن الامور تمشى كما يتمنون فى اتجاهـ دمج الاقليمين ، تحت مسمى الاقليم الغربى ، ولكن تأتى الرياح بما لاتشتهى السفن .. فقد تهاوت الطموحات فى اقليم الغرب ، وذبلت احلام الناشطين الوردية ، لما قام ’’ولي الله‘‘ جعفر النميرى بإصدار قرار عفوى عيّن بموجبه صديقه العسكرى الطيب المرضى ، حاكما لإقليم دارفور .
والطيب كما هو معروف من اسرة عريقة فى شمال كردفان ، وقامت القيامة وخرجت دارفور عن بكرة ابيها ، تشجب وتدين وتستنكر وترفض القرار ، فى مظاهرات عارمة ، لم تشهدها دارفور من قبل ، وهتف المتظاهرون يطالبون بحاكم من ابناء دارفور ، وتجاوزت بعض الهتافات كل الخطوط الحمراء ، ورددت ميه قطر لاولاد البحر ، والف قندران لاولاد كردفان ، بل حاولت بعض العناصر المخربة والمدفوعة من قبل جهات ما ، أن تستغل غضبة الجماهير وتجرها للتخريب أو توظيفها لصدامات عنصرية وعرقية وتؤلبها على الاقليات غير الدارفورية التى تعيش بينها ، وتوجس بعضهم خيفة وغادر دارفور ، بل إن كل رجال الشرطة الذين تم تجنيدهم من كردفان وسهرت عليهم السلطة ودرستهم وأهلتهم عبر سنوات عديدة ، ودرجت على الاستعانة بهم فى مجابهة القضايا ذات النعرات العنصرية والقبلية ، كلهم تجمعوا بليل ، اثناء التظاهرات الاحتجاجية العنيفة ، وغادروا دفعة واحدة بقطار نيالا مخلفين وراءهم فراغاً شرطياً هائلاً . أربك حساباتنا وكاد أن يؤدى لإنهيار تام ومريع فى الاداء الشرطى !!
وفى غمرة الاحداث المحزنة ، فإن المرء لايعدم الابتسامة ، وقد كان سائق عربتى الرقيب العجب ، رجلاً طيباً ولطيفاً ، ومضحكاً ، ولكنه جاءنى صباح هذهـ الاحداث مكفهر الوجه وقال لى : (الامور بايظة خالص .. أنا جهزت العربية والتنك ’’فل‘‘ وجركانتين فى الضهرية ، جهز نفسك .. وجهز العيال ، وأنا طالع بيكم الخرطوم طويل)!! .
ضحكت من تصرفه وقلت له : انا الليلة مسؤول الشرطة الاول بالانابة .. عاوزنى أهرب ؟! بالغت يا العجب !!.
أحس العجب بخطئه .. فصمت وخرج ، وجاء بعد برهة يحمل ’’قاشا‘‘ مزوداً بالعديد من ’’الحجبات‘‘ وقال لي : وكت أبيت السفر أمسك دهـ ، أكربه فى وسطك ، تانى اي سلاح ما بيأكلك !! فقلت له : وإنت حتعمل إيه ؟! فقال : أنا الشئ دهـ شاربه عديل كدهـ .
ومن المضحكات المبكيات .. إنه لما إحتدمت المظاهرات فى مدينة نيالا ، تكدس عشرات الالاف من الرجال والنساء والاطفال على شارع الزلط الوحيد فى المدينة ، والذى كان يشقها من اقصاها الى اقصاها ، وكنا نسمى هذا الشارع تندراً بـ’’الكرفته‘‘ فادرت القوة بنفسى ، ولعبت بخطة دفاعية مية المية ، فحرست المواقع الاستراتيجية ، ومكاتب الدولة وسوق المدينة ، وسوق ام دفسو ، ونبهت رجال الشرطة بعدم التعرض للجماهير الثائرة أوإستفزازها أو الاستجابة لإستفزازتها ، وكان قائد المنطقة العسكرية يوافقنى الراي ، ولكن المحافظ بالانابة جاء يقود عربته بنفسه ، ولم يابه لتحرشات الجماهير ، فقمت بتنويرهـ ، بما حدث ويحدث وبالخطة التى قررت التعامل بها مع التظاهرات الصاخبة ، ولكنه إعترض على خطتى وطالبنى بالتدخل فوراً وتفريق التظاهرة بالقوة ، فأوضحت له بأن خطتنا سلمية وأن التدخل بالقوة سيتم إذا حاول المتظاهرون التخريب ، وأن استعمال القوة والسلاح النارى إذا دعت الضرورة ، فى هذا الحيز الضيق قد يخلف عشرات القتلى والجرحى ، ثم إن رجل الشرطة ، وكلهم من ابناء دارفور ، غير متحمسين لمجابهة أهلهم وذويهم ، ولكن المحافظ بالانابة أصر على التدخل ، والتصدى للمظاهرات بالقوة ، فأردت أن أثنى الرجل عن قرارهـ فقلت له : أكتب لي أمراً بذلك ، فلم يتردد الرجل ’’الشجاع‘‘ فأخرج ورقة وقلماً واستند على حائط قسم الشرطة ، وكتب الامر بلهجة قوية وواضحة ، ومهرهـ بتوقيعه ، ولم ينسى أن يوضح اليوم والساعة والدقيقة التى أصدر فيها أمرهـ ، فأخذته منه ووضعته فى جيبى ووعدته بالتنفيذ بعد حضور القاضى المقيم ، فانصرف الرجل سعيداً الى دارهـ ، ولم يأبه للمرة الثانية لتحرشات الجماهير به ، ولم أنفذ الامر بالطبع ، وظلت المظاهرات تجوب المدينة وتبلغ هتافاتها عنان السماء ، ولكنها تحاشت كل المواقع التى تمركزت فيها قوات الشرطة ، كما سبق وأن اشرت ، وعندما إنتصف النهار ’’والنار ولعت‘‘ وأرتفعت الحرارة ، بدأت المظاهرات تتفرق رويداً رويداً ، حتى تلاشت تماماً . ومع ذلك ظل المحافظ بالانابة غير راضى عنى ، ولا ادرى ما كان سيحل بنا لو أننى ’’جبنت‘‘ ونفذت الامر ، وأزهقت الارواح ، وكان فى مقدورنا أن نتحاشى ذلك ؟! .
لقد سعدت كثيراً ، وقد تجاوزت شرطة جنوب دارفور المحنة دون اراقة دماء أو حتى بلاغات جنائية ضد المتظاهرين الذين إنتصروا فى النهاية ، وتراجع النميرى فأعفى الطيب المرضى ، وعيّن الدكتور احمد ابراهيم دريج ، حاكماً لدارفور ، فقامت القيامة مرة أخرى ولكن هذهـ المرة فى حماية الشرطة ، لأنها كانت تظاهرات الابتهاج والفرح العارم ، وقد الت السلطة أخيراً لأحد ابناء دارفور ، وسلطة عضم شيطان ولا مال خنقاً !!.


نقلا عن جريدة الوطن

elmhasi
03-03-2025, 08:27 PM
جريدة الوطن - الثلاثاء 15 جمادى الاخر 1430هـ - 9 يوليو 2009م
كلام ساكت / أيــــام النمـــيري (31)
لواء «م»/محيى الدين محمد علي
قلنا .. لقد قامت القيامة مرتين متلاحقتين في دارفور.. الأولى عندما أعلن النميري تنصيب السيد الطيب المرضي حاكماً على اقليم دارفور.. وهو من أبناء كردفان وثارت ثائرة الجماهير.. وخرجت في مظاهرات عارمة .. تستنكر وتشجب وتطالب بحاكم من الدارفوريين .. وتتنكر في ساعات الثورة والإنفعال .. لكل أحلامها التي رسمها مثقفوها والصورة الزاهية التي بشروا بها عن الاقليم الغربي (الكردفاني الدارفوري) ولولا تراجع النميري السريع ورضوخه لإرادة الجماهير الدارفورية .. لتطورت الأحداث بصورة مخيفة ووقع الصدام الذي تخشى عواقبه بين الجماهير الثائرة .. والقوات النظامية التي كانت على أهبة الإستعداد للدفاع عن أنفسها .. قبل الدفاع عن قرار النميري .. ولكن النميري فعلها .. وأعفى الطيب المرضي وعين الدكتور أحمد ابراهيم دريج .. حاكماً على الاقليم وقامت قيامة أخرى .. لا أحسب أن أحداً من أبناء دارفور .. قد تغيّب عن المشاركة فيها .. وهدأت الأحوال .. وتشكلت حكومة الاقليم .. وتوزعت المناصب برئاسة الدكتور دريج وهو من قبيلة الفور وبعكس ما كان يتصور الجميع .. أن يكون نائبه .. من قبيلة عربية او مستعربة إلا انهم أي العرب زهدوا في المنصب فصار المهندس محمود بشير جماع نائباً للحاكم .. وهو من أبناء الزغاوة .. وقد ظللتُ منذ ذلك اليوم أحس في قرارة نفسي بأن القبائل العربية في دارفور وبعض القبائل الصغيرة الأخرى لا تروقها فكرة الاقليم الواحد .. وليس أدل على ذلك من تشظي الاقليم .. إلى ثلاث ولايات حالياً .. قد يلدن .. ولايات ثلاث أخرى .. في الغد القريب ..!!.
بعد أن تقلد د. دريج .. صولجان السلطة في اقليم دارفور .. بالفاشر جاء أبو زكريا لزيارة جنوب دارفور وحاضرتها مدينة نيالا .. وأشهد بأني لم أر أو أشاهد جمعاً من البشر كالذين رأيتهم في استقباله .. قدرهم البعض بالمليون أو أكثر .. من الرجال والنساء والأطفال .. أحاطوا بمطار نيالا .. الذي كان ساحة بلا أسوار .. أحاطه السوار بالمعصم وإنداحت دوائر الجماهير لتغطي كل المساحات المحيطة بالمطار .. ثم تمددت على طول شارع نيالا الوحيد المسفلت الممتد من المطار .. وحتى قاع المدينة .. ورئاسة حكومتها .. ومدينتها الرياضية التي تم فيها اللقاء الجماهيري بين السيد دريج وأهله ..
نزل الدكتور دريج من الطائرة التي أقلته إلى نيالا .. وكان وقتها شيقاً وأنيقاً .. وعند سلم الطائرة .. احتضن أحد رجال الشرطة وكأنهما على موعد ثم التفت إلى .. السيد مدير شرطة ج دارفور العميد المرحوم (هاشم محمد هاشم) .. وقال له .. الزول ده .. دفعتي في الأولية .. ما معقول أنا أبقى حاكم .. وهو لسع نفر .. كتفه فاضي !! وضحك الجميع .. وقال هاشم عليه رحمة الله .. خلاص سيادتك أنا رقيتو .. وكيل عريف !!.
بعد ذلك تحرك موكب الحاكم دريج ومرافقوه بصعوبة بالغة وسط آلاف الأيدي التي كانت تتشابى نحوه .. حتى بلغ مقره بعد ساعات من الزحف .. وعندما أعلن عن اللقاء الجماهيري بدار الرياضة خفت النساء قبل الرجال والصغار قبل الكبار إلى هناك وازدحم الاستاد ولا تكاد ترى فيه إلا كتلاً متلاحمة من البشر .. غطت ميدانه .. ومقاعده .. وأسواره .. ولم تبق إلا المنصة التي سيتعاقب عليها خطباؤهم .. ويخاطبهم منها دريج ذات نفسه ..!!.
لقد كان اللقاء جماهيرياً حاشداً .. يعبر عن تلاحم الجماهير بحكومتها الجديدة .. وقائدها ولكن الخطابات التي القيت كانت في معظمها .. حماسية ومثيرة ومستفزة .. ولا تحفز الجماهير على التماسك والتوحد والتلاحم .. ونبذ القبليات والعنصريات التي أقعدت دارفور وجعلتها تسبح حتى اليوم في دوامة الخلافات .. وكان أكثر ما أحزنني ما تبرع به المتحدث الذي لا أذكره .. وقرأ .. خطاباً طويلاً مملاً وظالماً وقاسياً .. استعرض فيه ما أسماه بالكتاب الاسود .. لم يترك فيه مديراً لأية مصلحة أو مؤسسة في جنوب دارفور .. إلا وكال له من الإتهامات جزافاً .. ونسب إليه من الجرائم ما يكفي لشنقه في ميدان عام .. ولم يفتح الله عليه بكلمة طيبة في حق أحد من الرجال الذين جاءت بهم كشوفات التنقلات إلى هناك رغم أنوفهم .. وأدوا فيها أداءً مميزاً .. لازالت آثاره باقية حتى اليوم ..
ومن طرائف هذا الكتاب الاسود .. انه طال بعض ضباط الشرطة ولحق طرف السوط .. بالضابط برعي أحمد عبدالرحيم .. ونسب إليه اتهام لاعلاقة له به .. بل أن مرتكبه أصلاً .. ليس من ضباط الشرطة .. ولكن الاستاد .. الذي درج على الهتاف للضابط برعي .. كان هدافاً مرموقاً في فريق الهلال بنيالا .. هتف هذه المرة مردداً .. يسقط الضابط برعي .. فتدخل مدير الشرطة المرحوم هاشم محمد هاشم وخاطب الجماهير عبر المايكرفون مبرئاً .. برعي وقال إن من فعل ذلك هو ضابط آخر .. فدوي الاستاد بالهتاف .. يسقط ضابط آخر .. يسقط ضابط آخر !!
وكما امتد طرف السوط .. لكل من عملوا بجنوب دارفور فقد لحق بي أيضاً وسماني الكتاب ـ (بطل مهاجرية) سخرية واستخفافاً وقصة مهاجرية تستحق السرد.. ليس لأني بطلها كما جاء في الكتاب .. الذي قرئ على مسامع الدكتور دريج ومائة ألف أو يزيدون من البشر.. ولكن .. لأن الأمر كله محض إفتراء .. وتشهير بالرجال الذين بذلوا الغالي والرخيص من أجل دارفور وسلامتها وأمنها ولأن ما حدث .. كان من ورائه .. سياسة خاطئة إرتكبتها مايو .. وبروقراطية .. قاتلة ساهمت فيها أجهزتها .. ودفع الناس الثمن وكدنا أن نفقد أرواحنا بسببها .. وذلك لما اتخذت مايو قراراً .. ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب .. وأخضعت اختيار أعضاء المحاكم الشعبية .. للانتخاب بواسطة الجماهير في دوائر الإختصاص .. دون مراعاة .. أو اعتبارات لأمور كثيرة .. والتي سنتحدث عنها بإذن الله بإسهاب في حلقة قادمة..
ونواصل حديثنا عن أيام دريج .. والذي أحسبه قد تأثر بما سمعه .. من إتهامات باطلة ومجحفة في حق الكثير من الرجال الذين أعطوا دارفور .. كل جهدهم وفكرهم .. فكان جزاؤهم .. ظلم الكتاب الاسود .. الذي أثر في معنوياتهم .. وجعلهم جميعاً يتلمسون الطريق للخروج من دارفور .. وحتى دريج نفسه .. الذي صار حاكماً .. لم يجد نفسه في اقليمه .. كيف لا .. والرجل الماني .. المصالح والمشارب .. بحكم المصاهرة ..!!.
لقد سعى الرجل .. لعمل شئ ما يخدم أهله الذين آزروه .. ونصروه .. واستبشروا بمقدمه فرأى .. أن يخفض تكاليف المعيشة الباهظة عن كاهل العباد .. وكان ذلك أمراً .. في عهد النميري دونه خرط القتاد .. فلجأ .. إلى احتكار النقل برمته من الخرطوم إلى دارفور .. وحصره على شركة نقل .. قيل إنها تخصه .. ظلت تنقل كما يقول الفنانون .. بحق العازفين .. وأشهد بان أسعار الدقيق والسكر والزيوت وغيرها تأثرت بذلك .. وصارت أقل سعراً .. ولكن ذلك صار حديث المدينة .. وونسة .. تجارها وكبارها .. ودار الهمس عن الملايين التي دخلت جيبه بسبب الإحتكار .. ولم يحسب أحد .. حساب الملايين التي رفعت عن كاهل المواطن !!.
لقد كنت أحس بالراحة .. عندما يتحدث د. دريج بلباقة ولطف وتهذيب .. وعندما يتصرف كسياسي مخضرم عاصر المحجوب و(ختوا قرض) ..
ولكني ظللتُ طوال المدة التي قضاها حاكماً على قصرها .. أحس بأن الرجل عينه على أهله في دارفور.. وقلبه معلق بألمانيا .. حيث .. المال .. والمجال وراحة البال والعيال .. وانه .. (يفرفص) للتخلص من قيود الحاكم .. والهروب إلى بلاد برة .. وقد فعلها .. وغادر .. مفتعلاً .. سبباً ما مع النميري وترك الجمل بما حمل .. لنائبه المهندس محمود جماع .. ولازلت أعتقد .. بأن السيد دريج .. بما له من مكانة علمية .. وخبرة سياسية .. وما له من مال .. وإنتماء لقبيلة الفور .. التي تنسب إليها دارفور كلها .. كان يمكنه أن يحقق نجاحاً باهراً .. لو شال الصبر .. غير أن ذهابه .. ترك حكومة .. بلا قائد .. رصيد كل فرد فيها .. قبيلة يركن إليها ويحتمي بها .. ولعله من المفيد أن نستعرض بعض المواقف التي .. ما كان يمكن أن تحدث من السيد دريج .. كالذي اتصل بالسيد المحافظ وقتها اللواء فضل الله حماد .. وقال له .. أبقى عشرة على أهلي الـ (...) فرد عليه المحافظ بهدوئه المعهود .. لكن أنا ما عينوني محافظ لقبيلتك !!.
او ذلك .. الذي جاء تحيط به جماعة من أهله .. وأمرني بإطلاق سراح مجموعة من المقبوضين في بلاغات جنائية .. فأعتذرت موضحاً .. انهم قد تم قبضهم بأمر من المحكمة وهي التي تتصرف بشأنهم غداً بإذن الله .. فانتفخ بالغضب .. وأشعل غليونه ونفث دخانه في الهواء وقال .. ما في حل إلا نجيب أولادنا هنا !!
فعلقت على قوله .. أخير يا جنابو .. تودينا لي أهلنا .. بسألوك مننا ..!.
وذات هذا الرجل .. رأيته مرة ثائراً وغاضباً يعاتب الباشكاتب المسكين .. ليه سميتوا هذا الملف .. باسم العرب الرحل ؟! هو ما في ناس تاني برحلوا .. سموه ملف الرحل فقط .. وما عاوز كلمة عرب تاني .. فتذكرت مثل الجماعة البايخ .. الذين يحسدون القرد .. على ايه .. ما أعرفش !!.
وأختم بأن واحداً من الطاقم الحكومي الذي تركه دريج .. جاء معزياً في وفاة أحد رجال الشرطة .. الذي يقام مأتمه بقشلاق شرطة نيالا .. وكنت قد سبقته إلى هناك .. فقدم لي أهل العزاء .. (كورة مريسة) .. فلم أشربها وكشحتها وقلت لهم .. رتلوا القرآن على روح الميت .. ولابد من نبذ هذه العادة .. على الأقل داخل قشلاقات الشرطة .. ووافقني الجميع بقولهم .. صحي .. صحي .. كلامك صحي .. ولكن الوزير الذي جاء بعد أن شال الفاتحة وجلس .. وتحدث لذوي المرحوم قليلا .. نادى على أحدهم .. وقال له .. بصوت قصد أن يصلني .. انتو يا جماعة مريستكم وين ؟!
وعلى الفور .. اتجهت نحوه (عدة كواري مريسة) فآثرت .. الإنسحاب والخروج .. قبل أن تصلني كورة أكبر من التي كشحتها ..!!.
إن ما أوردناه .. من مسالب .. في عهد دريج لم تسلم منه العهود الأخرى .. ولا يختلف كثيراً عن ما حدث ويحدث في الاقاليم الأخرى من السودان .. من احتماء بالقبيلة .. ومحاباة للاهل والتشبث بأعمال وأفعال من العادات القبيحة منافية للاديان .. والسلوك الحضاري .. بزعم انها من التراث !!.
ترى كم يدفع الانسان الآن .. لإزالة الشلوخ القميئة من خدود زوجته الجميلة .. ومن وجهه وجبهته .. أو يزيل آثار البطان من على ظهره أو يعيد أسنانه البيضاء التي خلعها بيديه .. أو .. أو .. ترى كم يدفع كل منّا .. للتخلص من تراث قبيح لحق به وبال بيته ؟!.
إننا لا نستطيع أن ندفع لأن (اللي كان كان) ولكن علينا .. أن لا نصمت .. حتى لا نكون شياطيناً خرساً ..!!.


رابط (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=16057)

elmhasi
07-06-2025, 02:19 PM
كلام ساكت - أيــــام النمـــيري (32)
لواء «م»/محيى الدين محمد علي

الرئيس الراحل جعفر محمد نميري .. كان مثل رب الأسرة .. المجاهد .. المناضل .. الذي يكد .. ويشقى من أجل إسعادها .. وإصلاح حالها .. ويهمبت شرقاً وغرباً ليأتيها بالمال .. ولكنه يصرفه بمزاجه .. ولا يشرك أسرته .. في توزيعه أو تنميته .. والنميري .. لم يترك جهة يمكن أن تدعم السودان بالمال .. إلا وصلها .. فاقترض المليارات التي لازالت (تُسردب) كاهل الوطن .. وطأطأ .. وتلقى الهبات بلا حصر.. نقوداً.. وبترولاً ودقيقاً .. وآليات .. قوَّى عينه .. ومد قرعته .. للأصدقاء فأعطاهـ بعضهم بلا من .. وبعضهم بالمن والأذى وشيلة الحس حتى ابتدع دمغة لتسديدهم .. وتحصل على معونات في شتى المجالات .. وانهالت عليه العطايا من كل حدب وصوب - والدين في الكتوف والأصل معروف - وأغمض عينيه وقفل الأضنين واحدة بطينة .. والثانية بعجينة .. وتقبل ما جاء به الأوفياء من رجاله .. ناس فايف بيرسنت .. وناس فيفتي .. فيفتي!! ومع ذلك فإني لا أجرؤ على القول .. بأن الرجل قد لبع هذا المال الوفير .. أو حوله لمنفعته الخاصة .. ولكنه تصرف فيه بإلهامه ومزاجه وحدهـ .. فأصاب وأخطأ كثيراً .. لأن جيش المستشارين والكفاءات والخبرات وأصحاب التخصصات العلمية النادرة الذين احاطوهـ .. كانوا قادرين على مساعدته لاتخاذ القرار الصحيح .. والمزبوط ولكنهم بالتأكيد لم يُستشاروا .. أو أنهم ضللوهـ .. وهذا أسوأ الاحتمالات وأضعفها .. وأن ما يدعم رأيي بأنه لم يشاورهم في الأمر .. ما قاله لي .. الخبير الإداري حيدر كبسون وكان مستشاراً برئاسة الجمهورية ، عندما سألته عن الكيفية التي يشاورهم بها الرئيس .. هل تجيء المبادأة منهم أم أن الرئيس هو الذي يجمعهم ويستشيرهم .. وما مدى صحة الطرفة التي تقول بأن الرئيس كان يجمع مستشاريه وينصحهم؟!
ضحك السيد حيدر وقال .. لو تصدق فإني لم أتشرف بلقاء الرئيس مباشرة منذ تاريخ تعييني .. ناهيك عن المشاورة أو المناصحة!!
لقد كان النميري شديد الاعتداد بالنفس والرأي .. وربما ازداد اعتداداً .. بفضل الزخم الإعلامي الذي أحاط به وظل يطبل لهفواته .. ويدافع عنها .. والقرارات الخاطئة التي اتخذها النميري عديدة .. وسنتناول منها .. ما عاصرناهـ وعشناهـ .. في دارفور وحدها .. ونتحدث عن مصنع النسيج الحديث .. المتطور .. الذي تم تركيبه في نيالا بجنوب دارفور.. وسط دهشة وذهول الجميع .. وسألنا .. فقيل لنا .. إن هذا المصنع واحد من عدة مصانع وزعها الرئيس بنفسه .. على ولايات مختلفة .. والغرض من مصنع نيالا .. هو تغطية السوق المحلي في دارفور .. بالأقمشة الشعبية .. من دمورية وغيرها .. فقلنا يا جماعة .. دارفور فيها الفول والسمسم .. ويمكنها أن تتحمل عشرات المصانع لإنتاج الزيوت .. ولكن دارفور ما فيها قطن «طويل التيلاً»!! فقالوا .. لقد تحوطنا لذلك فإن الخيوط المطلوبة .. ستأتي إلى دارفور من المحلة في جمهورية مصر العربية .. تصوروا !! على كلٍّ هذا المصنع لم يسد حاجة منجدي المراتب في نيالا .. وظل حتى غادرتُ دارفور هاجسي الأمني الأول .. لأن العمالة فيه .. بلا عمل .. ومع ذلك تطالب برواتبها الشهرية .. الأمر الذي كان يجعل مدير المصنع ضيفاً على مركز الشرطة قبل وقت كافٍ .. من مواعيد الصرف!!
أما هاجسي الأمني الثاني .. فقد كان مدبغة نيالا .. التي تم تركيبها أيضاً في ذهول وحيرة .. أهلها الذين جاءوا بها قبل أهل دارفور .. فقلنا ما هذا يا سادة .. فقالوا .. إن دارفور بها .. كذا مليون رأس من الأنعام ولهذا جيء بالمدبغة .. فقلنا يا سادة هل تدبغ الأنعام حية قبل ذبحها وسلخها ؟! وهل جيء بالمدبغة الهائلة لمقابلة .. جلود الثيران .. والخراف وجلود عبدالجليل التي تستهلكها دارفور .. لتلتهما في ساعات .. وتبقى طوال العام بلا عمل؟! ثم أيها السادة .. ألا تعلمون مشكلة المياهـ في دارفور .. وأن جلداً واحداً لن يتم دبغه قبل أن يستهلك ضعف قيمته ماء؟! .. وقد شكى لي مدير المدبغة مرة عن تكلفة المياهـ .. فقلت له احفر بئراً .. فقال لقد حفرت حتى كدنا نخرق الأرض .. فلم نجد ماء فماذا نفعل؟! .. فقلت له .. توكلوا على الله .. وتيمموا صعيداً طاهراً وضحك الرجل حتى البكاء!!
إن المرء ليحار .. بشأن هذا الأمر ولا يكاد يصدق .. بأن علماء وخبراء هم الذين قرروا تشتيت هذهـ المدابغ والمصانع بهذهـ الطريقة العجيبة .. ولو كنت المسؤول لأجريت تحقيقاً في هذا الأمر .. ليعلم الشعب على الأقل .. من الذي ارتكب هذهـ الجناية في حقه .. وإن كنت على يقين .. بأن قرار الفرد ظاهر وواضح وضوح الشمس .. فالمسألة لا تقتصر على المدبغة والمصنع فقط .. ولكن هناك أخرى غيرها ايضاً .. «بشتنها» قرار الفرد .. ليست موضوع هذا المقال!! ولكن ثالثة الأثافي .. التي لا يمكن لحلَّة هذا المقال أن تستوي طبختها وتنضج كلماتها للقارئين بدونها .. فهي هدية النميري لجنوب دارفور المتمثلة في طريق نيالا .. كاس .. زالنجي .. وبالعكس!!
لقد تفاءل الناس بهذا الطريق الأول من نوعه في دارفور كلها .. وافترّت ثغورهم وظنوا .. وبعد الظن إثم .. أن مدينة نيالا .. سيجوس خلالها شارع فخم يرفع من قدرها .. ويصبح توأماً لشارعها الوحيد الذي يسمونه تندراً بالكرافتة .. ويحيلها إلى مدينة عصرية حديثة .. سيما .. وهي عروس الجبل الرائعة الحسن .. التي زينتها الطبيعة في انتظار الفرح القادم على شارع الأسفلت .. الجميل .. والذي سيعبر بها وادي نيالا .. فوق جسر عالٍ أنيق .. لأن هذا الوادي العظيم كان دائماً سر جمال نيالا .. وروعتها .. كما كان في ذات الوقت مشكلتها الكبرى .. لأنه وادٍ عريض .. و «مزاجاتي» تعبرهـ صباحاً أو مساء .. وقد جف ماؤهـ .. وأصبحت رماله «النديانه» مرتعاً .. للصبيه والغيد الحسان .. يسعدن بالجري والتمرغ عليها .. وتحولت بعض بؤرة الصغيرة المبتلة .. ملاذاً.. تسترخي فيه الكلاب .. وبعض الحيوانات الأخرى الكسولة فتستجم .. وتستغرق في النوم .. وقبل أن تبارحه .. تسمع دوياً كهدير الرعود .. والكل يجري طالباً النجاة .. الوادي جا .. الواد جا .. ويا لها من لحظات عظيمة .. تنطق بجلال الله وعظمته .. عندما يطل الوادي من على البعد مندفعاً كقاطرة هائلة من الماء الفوار .. يجاوز ارتفاعها عمارة من عدة طوابق .. تمضي مسرعة .. تلتهم الرمال .. وتطبق على الكلاب والحمير الكسولة .. وتأخذها في رحلة .. نحو المجهول .. وقد أخذ هذا الوادي يوماً .. عربة لوري مشحونة بصفائح الجبنه .. ودفعها بعنفوانه عشرات الأميال .. خارج المدينة .. ولم يعثر عليها إلاّ بعد عام .. مدفونة تحت الرمال .. هكذا يجيء هذا الوادي «دُهمة» من المياهـ فيمتلىء حتى تحسبه .. نيلاً أزرقاً آخر فيفصل نيالا إلى نصفين .. شمالي وجنوبي .. وتتعطل مصالح الناس .. وتزداد معاناتهم .. ولاتجف دموعهم حتى يجف الوادي!!
لقد حسب الناس جميعاً .. أن طريق النميري جاء .. يحمل الحلول الكبيرة .. لنيالا .. وكاس وزالنجي .. في مجالات الطرق .. والمعابر والجسور والتواصل .. علاوة على الأهداف والمقاصد الأساسية .. التي كانت وراء تمويله والشروع في تنفيذهـ .. وهي أهداف اقتصادية تفتح الباب أمام خيرات دارفور نحو الأسواق المحلية والعالمية .. كما تشرع أبواب دارفور بكاملها .. للسياحة وهي التي تملك كل مقوماتها .. ولكن المؤسف والمحزن حقاً .. هو أن الجهة الهندسية .. الاستشارية التي رسمت مسار هذا الطريق .. بكل تأكيد .. لم تحددهـ على الطبيعة .. ولكنه «قطعته من رأسها» .. لأن الشارع بدأ .. واكتمل .. وتم تسليمه ولم يحقق إلاّ ربط المدن الثلاث بعضها ببعض بشريط طويل من الاسفلت الاسود .. ولكنه لم يحقق غرضاً من الاغراض الأخرى التي أشرنا إليها .. فالكبري الذي يشبه كبري شمبات .. عبر وادي نيالا بعيداً عن المدينة وربط الخلاء .. بالخلاء .. وانطلق الشارع من الكبرى إلى منتهاهـ .. ولم يقرئ نيالا السلام !! .. ولم يدب في أنحاء جبل مرة .. أو يصعد قمته التي تجاوز ثلاثة عشر ألف قدم فوق سطح البحر، حيث الغيمة تغازل كل زهرة .. ويتراءى خيال الرمانة على المجرى .. في انتظار مرسال الشوق .. وحيث .. لازال الناس يتنادون باسم آدم وحواء اللذين هبطا من جنة السماء .. إلى جنة الجبل .. ولم يكلف نفسه هذا الطريق الطويل .. أن يغتسل من وعثاء السفر .. في قلول .. ويستحم في مرتجلو .. ويتوضأ في نيرتتي .. ولكنه مضى إلى منتهاهـ .. وكأن الأمر لا يخصه !! لقد تنبهت حكومة دريج .. لكل هذا الذي اوردت .. وتفهمت الفوائد الجمة التي ضاعت على أهل دارفور بسبب مسار الطريق «الأشتر» .. وكأن من رسمه .. وقررهـ .. قد أراد ذلك الضرر .. وقد حاولت حكومة الإقليم تدارك الأمر .. ولكن بعد فوات الأوان .. وقد كنت في معية السيد نائب حاكم دارفور المهندس محمود بشير جماع .. عندما ذهب إلى مدير الشركة المنفذة .. ليقنعه بضرورة تعديل مسار الطريق ليمر بالأماكن السياحية من الجبل .. كالشلالات ولكن «الخواجه» رد ببرود شديد ولغة خالية من العواطف .. وقال نحن شركة منفذة .. لا علاقة لها بدراسة الجدوى .. أو تحديد مسار الطريق .. ولا نستطيع العمل إلاّ وفق خارطة الطريق التي تعاقدنا عليها .. ولكننا تقديراً للسيد نائب الحاكم .. على استعداد لتوقيع عقودات جديدة لأي طرق أخرى وبالجنيه السوداني .. تاني قصرنا معاكم ؟!
لقد غادرت دارفور .. ولا علم لي بما تم بعد ذلك .. ولكن الذي أعلمه .. هو أن الحكومة .. قد شيدت كوبري أو جسراً يربط بين شطري نيالا عوضاً عن الجسر الذي ربط الخلاء بالخلاء .. وأسمته كبري مكة .. إذ يبدو أنه قد شيد بدعم من أهل مكة !!
إن «المغسة» التي دخلتني جراء هذا الطريق .. لن تفارقني أبداً .. وقد احتفل الخواجات في الشركة المنفذة يوماً في مدينتهم التي بنوها .. لهم ولأسرهم بشوارعها وإضاءتها .. ومنازلها ومدارسها وميادينها الرياضية المختلفة .. بل وأحواض سباحتها .. وكأن جنود سليمان عليه السلام هي التي أوجدتها .. وكنت ضمن المدعوين بحكم تعاوني معهم كرئيس لشرطة نيالا .. وكانت الأضواء والبالونات الملونة .. والأغاني الراقصة .. والصاخبة والجميع .. في حبور .. يأكلون الشواءات ويشربون الخمور .. وليس ثمة كريسماس أو رأس سنة .. فلماذا الاحتفال .. فقال كبيرهم .. إن تكلفة هذا الطريق التي تعاقدنا عليها .. كانت «محسوبة ومضربة» باعتبار أن مسار الطريق رملي .. ولكن وعندما بدأنا شق المسار .. اتضح لنا أنه .. يقوم على أرض صخرية .. هي أقوى من الأسفلت .. يعني بالعربي كدهـ .. كسبنا ثلث التكلفة ساكت .. وإن شاء الله - دي من عندي - سننتهي من رصف الطريق .. قبل عام كامل .. من الموعد المحدد في الكنتراتو .. تصوروا!!
ومع ذلك .. قام أحد الألمان .. بعد .. أن لعبت «خمرة أبو صرهـ» برأسه .. فبرطم بلغات كثيرة .. شي ألماني .. وشي عربي فالتقطت منه جملة واحدة .. لا زال صداها يطرق .. في أعماقي اليوم وحتى الممات .. This the road from no where to no where ومعناها تقريباً .. هذا الطريق من حيث لا مبتدأ إلى حيث لا منتهى .. أو كما قال .. فهل صدق السكران؟!




نقلا عن جريدة الوطن (http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=16169)