المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أم درمان في عيون ساكنيها..( أم درمان القديمة )


imported_عبدالله الشقليني
12-07-2018, 07:36 PM
http://sudaneseonline.com/board/7/msg/%D8%A3%D9%85-%D8%AF%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%B3%D8%A7%D9%83%D9%86%D9%8A%D9%87%D8%A7..-1522817218.html

أم درمان في عيون ساكنيها..( أم درمان القديمة )

عبد المنعم حضيري
13-07-2018, 03:44 AM
العزيز بيكاسو
وبيكاسو هذه استوثقت منها من الاخوة الفاضل حسن عوض الله وسعادة السفير جمال (شقيقكم) واخرين من الدفع المختلفة لمدرسة المؤتمر الثانوية الذين يحمعهم قروب باسم المدرسة وهو من اجمل القروبات والجميع يسال عنك هناك.


احي قلمك الرشيق واشكرك على هذا التوثيق الجميل ويا ريت لو كنت نقلته لنا حيا على الهواء مباشرة هنا...

اخوك ... عبد المنعم حضيري
الاهلية الوسطى دفعة ١٩٧٢
المؤتمر الثانوية دفعة ١٩٧٥

تحياتي

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 10:27 AM
لك جزيل شكري وتقديري أخي الأكرم : عبدالمنعم
كانت لنا أيام
هكذا صدق الشاعر
لكل هذا الجيل أقدم تحية متألقة لجيل كنا نقضي أجمل أيام شبابنا
برفقته ، لك التحية مُجدداً وسوف أحاول نقل الملفات

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 11:17 AM
(1)
أم درمان في عيون ساكنيها

قرية تثب وتتوهج على ضوء المدائن قمراً ، شعلتها من داخل براكينها. مدينة هي من تُراب . تتلوى عواصف الصيف في عز الشتاء ، تلد الشياطين متدثرة في أطياف النهار ، ووهج الشمس . لا يعرف شتاؤها لوناً ولا لقافيتها شِعراً . في بطن التاريخ كانت مرتع خيول قصة دولة . في بيوت الطين بنت أعشاشها ، وانزوى التاريخ ، حتى نهض الغناء من سُباته ، وصفّقت الأيدي بإيقاع التُم تُم . سلام .. من نُورك نوّر الرّسن الذي يقود فرس الصهيل . مشاعل أحكمت خناقها عليه وسمّمته بالفرح. شابهت " الأبيّض " في ملامح عشائرها من كل طيف ، وتشبه أسواقها وعادات أهلها ،كأنها تأبى الصفاء الخالص بين الأجناس والبشر.
(2)
عندما يتقلص الظل ، وتغلي الأرض والحجر ، وتسكُن الشجر كالتماثيل ، تبدأ عاصفة لولبية ، تقذف بالأوراق وأكياس البلاستيك إلى السماء ، فنعرف أن الريح سوف تزيّت مفاصل السكون . الصيف في أم درمان نار ولهيب. وحجارة الأرض تغلي كالمرجل، ولكن البيوت القديمة حوائطها من الطين وفي داخلها باردة . سقفها من القنا والبروش والمروق ، وفتحات صغيرة على ارتفاع المتر ، تمنع دخول الأغنام وتُدخل الهواء البارد . وفتحات عُليا قرب السقف لتُخرج الهواء الساخن . الهواء البارد ثقيل الوزن يدخل ، والهواء الحار خفيف الوزن يخرج . والأرض مفروشة بالرمل الخشن ، الذي يُرش بالماء .تلك وسيلة أم درمان لتقاوم المناخ الصعب لتُروضه .
(3)
كتب شاعر هِجاء المدائن " دكتور " محمد الواثق " يهجو أم درمان :
أكلما قام فيهم شاعـــرٍ فطِن
جمّ المقال نبيل القلــب مبتـكرُ
ضاقوا بهمّته واستدبروا جَـزعاً
صمّ القلوب وفي آذانهــم وقـرُ

لا أظن مقالته الشاعرة إلا أن تتوهج في ذاكرة كل بنيها وبناتها . لم تُحلِّق القصيدة ، إلا كما يُحلّق الشاهين في أعلى القِمم ، أكبر من الهجاء . كأن شاعر قرية " النَيّة " يُجرّب في مبسمها طلاء المفاتن . ترنو إلى الآفاق ديدنها ، الصموت ، لا تلتفت لعاشق وإن صفا بعشقه، ولا لهاجر مهما حذق تصفيف الشِعر من غضبِ، أو عزول وإن أكل قلبه الحسد. ككل دنياوات الغيرة ، لا تنفث في صدر المدينة مخالب تشخب أظافرها جلدها الطيّوب.
(4)
كتب الشاعر " سيف الدين الدسوقي " ،ونقطف بعضاً من قصيدته :
ولذلك حينَ عبرتُ البحر إلى السودانْ
غنّيتُ سعيداً كالأطفالْ
ونسيتُ حلاوةَ طعم المالْ
ورجعتُ أغرّد بالأفياءِ بكل مكانْ
وركعتُ أقِّبلُ أم درمانْ
هذى العاصمةُ الأنثى
أهواها منذ كنتُ غراماً فى عينىي أمي وأبي
وحملتُ الحبَّ معي بدمي..
فى رحلة هذا العمرِ...
(5)
لن يكون الشاعر " محمد محمد خير " حتى وإن ضّل الطريق إلى الدُنيا ورشَدها السياسي، لكنه لن يضل الطريق إلى الهوى. نعرف الدروب التي سلك ، فكل الدروب لن تقودك إلى روما ، وإن مللت الرحيل . ولكنه شاعر رغم أنف منْ لا يحبه . هجى أبوالطيب المتنبي " كافور الإخشيدي " بفاحش لغة الشعر . ذاك الذي ركب عربة تجُرّها السنين . لا يُذكر الناس كافور ، إلا بقصيدة المتنبي حين هجاه ، ولكن لم يزل المتنبي شاعراً ، وأن لم يحبه " طه حسين " ، فلأننا من قوم ليسوا أصحاب شأن في الحضارة، وإلا لكان المتنبي من أشعر البشر منذ فجر التاريخ وإلى اليوم، كما قال " الطيب صالح "كتب الشاعر " محمد محمد خير " في قصيدته العامّية :
**
من ليل ملتّخ بالكوابيس والسهر...
فجّيت رؤاي...
قالدتَ سوق الشجرة وأب روف والبنات...
الزنكي...سوق الناقة...والناس والخدار...
وقطعت حي البوستة مرفوع الكلام...
ودمي ينبح ويندهِك...
تاوقتَ بي عيني اليمين..
جوّه الشمال...من قلبي كان نازل مطر...
لون المطر كان بشبهك...
عبيت مشاعري من النسيم..
.وزفرت طلعت الوحيح...
خُفت النسيم ما يجرحك...
الله إذا ما أرتاح شجاي...
صبح الحزن مليان ضحك...
وجاني المنادي ينادي بيك...
وسرتَ زي الضو عليك...
وصرخت ياجنّة بلال...
عالجني ياعابدين شرف...
سامحني يا استاد الهلال...
الليلة يا أم درمان بشوف....
كل المدن في دوب سماحتك تنهجك...
زهت الفتيحاب بالشمش...
وإتبسمت بانت على وش أبكدوك...
والعرضة غنت من مطامير الحقيبةالصادحة....
هُم ما بشبهوك...من يوم ولدتي العاشقين...
ما شفتي يوم بيت ناس أبوك...
وعشق المدن توّر علي جرح الغرام...
غرامي ليك...خايف...
بي جمالك يشدهك....
وإتلملمن بنوت فريق القلعة...
غنن من شعر ناس أبو صلاح.....
يا الله لزّمني الجراح....
أنا ما حبيس سجن التلج...
لكني مطلوق السراح....
والموردة بتلعب...
على قلبي المورّد بي غناك...
عبد الله عشري مع بريش..
.جوة الشباك...بكري عثمان...
والمحينة...وزاهر السادات...
وأولاد من حشاك...آل الأصم....
وعوض سرور...
.أولاد خليفة...
وزهرة النار والملاك....
الليلة يوم عيد النزيف...
من روحي سجاد مطرحك....
*
مشى الشاعر دروب أم درمان القديمة ، يسأل عن هواه الذي يسفح مياه السحاب كالمطر العُشاري . غيب كل أم درمان وأظهر محاسنها كلها . مطمورة فراستها في جباه شبابها ، وبين جمال حسانها ، منذ " البِلّيم " . حضور التاريخ ساكناً يمشي حافياً من علايل أبروف للمزالق .
(6)
ماذا أشعر خليل فرح ؟ ...نورد بعض أبيات قصيدته :
الحبايب لفتوا الخلايق
بيني وبينهم قطعوا العلايق
إن دلال إن تيه كله لايق
نحن ما مجّينا الخصام
**
يا جميل يا نور الشقايق
أملأ كأسك واصبر دقايق
مجلسك مفهوم شوفو رايق
عقدو ناقص زول ولا تام
**
من فتيح للخور للمغالق
من علايل أبروف للمزالق
قدله يا مولاي خافي حالق
بالطريق الشاقي الترام
(7)
هكذا كتب الشاعر "عبدالله محمد زين " ونورد بعض أبياته الشعرية :
أنا أم درمان مهيرة الميس أصيلة و مرّسوني رجَال
قــلادتي القُـدرة و التقديس و إرادتي تــسابق الآجال
أجلب فوق ربوع داري و نـفـسي تنافـس أقداري
أريتم يعرفو مسداري و يخلّو زمامي للفرسان
(8)
وكتب الشاعر "عبد المنعم عبد الحي" قديماً قصيدة ، نذكر بعض أبياتها :
أنا امدرمان تأمل في ربوعي
أنا السودان تمثّل في نجوعي
أنا ابن الشمال سكّنتهُ قلبي
على ابن الجنوب ضمّيت ضلوعي
(9)
وكتب الشاعر " الفاتح حمدتو "، ونذكر بعضاً من قصيدته :
فالبحر حبري والتبحّر غايتي
أسرجته بدراً كي ينير مقاطعي
ودسست في الليل البهيم شكايتي
٭٭
وسكبت عطراً من أزاهر روضتي
في كل حرفٍ من حروف حكايتي
هي قصة " أم درمان" يا فجر الصبا
يا مسرح الإلهام مصدر آيتي
(10)
نذكر الشاعر "محجوب شريف" وهو يُرثي البروفيسور "علي المك" بقصيدة نذكر منها :
ود باب السنط والدكّة والنّفاج
والحوش الوسيع للساكنين أفواج
واللّمة التي ربّت جَنا المحتاج
والنار الدغش والريكة جنب الصاج
والسكسك المنضوم
حول الجبينة نجوم
والفنجرية تقوم تقهوج الحُجّاج
طقْ طرق يا بن
القهوه كيف ومزاج
طق طرق يا بُن خلي النعدل الراس
ونحصِّل الترماي
*
لا نعرف البروفيسور"علي المك " إلا وهو صاحب عشق قديم يصدح بأمدرمان . هو عاشق من عهد مجيد ، يرخي حبال الوصل حتى يرتاح فرسان المحفل التاريخي، ويسلسون قياد الجياد العاشقة في فناء مدينة التُراب . هناك في بيوت الطين وأبواب خشب الصُنط ، وأهازيج أيقاع " الدِنقِر " الحزائني ، ينطق بأننا فقدنا بوصلة تاريخ أم درمان فجأة بغياب " علي المك".
(11)
رثى البروفيسور "علي المك " ارتجالاً الهرم الأم درماني الكبير" الأستاذ أحمد بشير عبادي"ونذكر بعضاً من رثائه :

{ كنا نأتي دار "العبادي " أيام الاجازات من " مدرسة وادي سيدنا الثانوية "ومن الجامعة .وكما ألفته سنين طويلات ، كان مهيباً جليل الخُطى . هو هو . رصانة ووقاراً. منذ أن كنا نحضر إلى البيت في ذلك الحي القريب من دارنا . حي قديم ودار قديمة . زقاق يفضي إلى "حِلة المغاربة" وهي رغم أن الناس قد اصطفوا لها اسماً ، قنُعت به وأعجبها لونه . زقاق واحد لا يزيد . يمتد متعرّجاً . خيرانه أخاديد وحصاه لهبْ . يرقد من الشمال إلى الجنوب . ثم ينفذ ضلعٌ من أضلاعه يبلغ الشرق ،يقود الأعمى والبصير والمريض والسليم إلى جامع " خضر النّحاس ". والشارع مكان الزفّة إلى مطالع رمضان تهفو ، وإلى مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وطريق الناس إلى المعالي. وأم درمان كلمتني أنها تفاخر به البلدان والأمم .حزن فريد .أكاد أعرف الحصى ولون الإسفلت في الشارع وشروخه . وأعرف وفاءه ينقل المظاهرات الملتهبة إلى الجمعية التشريعية . وبأعين الطفولة قبلها رأينا جنودنا العائدين من حرب الفاشيّة في الصحراء الغربية وغيرها ، ولم تتبدل به الحركة ولا وفاء للناس يحملهم من "أبوروف" إلى السوق . ومن السوق إلى الهجرة والنهر . وكشّة العصاصير هناك ، وصانعوا الحلوى والسروجي ، و"سبيل نايل" والترام يسرع مخادعاً ، يهدئ روع نفسه ومن أنفاسه المبهورات ، يلتقطها . بأعين الترام أرى " سبيل نايل " لا هو محطة ولا هو سندة . وما للترام به شأن لأنه أقيم للسابلة وللظمأ اللاهب والعطش الحرّاق . أتحدث عن المعلم في الذين جاءوا بعده ودرسنا عليهم ما درسوا عليه . بذل لهم بُسط العلم ، وبذلوه لنا يتجدد فيهم ويشمخ . حين أتحدث عن المعلم " أحمد بشير عبادي " فإن الكلام كثير والكلام يجدي ولا يجدي أحياناً . فأي حديث يفي حين نواجه الأنهار والمعالم والمدن }

(12)
تحدث القاص الأم درماني الكبير " عثمان حامد سليمان " :
{ إن المكان كما قلتُ مراراً ولا أمل التكرار هو الوعاء المكاني الذي احتضن تجربتي بكل الحنو . فالنيل هو ابنها يلتف في خاصرتها ، فأنا أحد أبناء مدينة أم درمان ، فقد ولدتُ وتشكل وعيي. شب واستوى على خاصرتها. مدينتي يسير الأبيض كتفاً بكتف مع الأزرق ، يحفانها بالبركة والرجاء. مدينة أمدرمان ونهرها ومزيجها " خاتفة لونين "، فشرقها كله ماء عذب و انعكاس شمس الصباح على ملاءة الماء جمال قلّ من يصحو ليشهده .سأتحدث عن المكان الذي احتضن تجربتي بكل الحنو والرفق ، كانت أم درمان ذلك الوطن الذي ينام على الضفة الغربية من النيل . يمتد من الموردة وحي الأمراء والهاشماب . المدينة بأحيائها .أسماء اللأسر والعائلات ، تبدو الأحياء قرية مسورة .الأمراء إلى مرقد الإمام المهدي حيث القبة والطابية وبيت خليفته ، ثم الملازمين وبيت المال و ود دورو والركابية و ود البصير وأبو روف و ود البنى وحي القلعة و ود نوباوي إلى مقابر شرفي أفندي والبكري ثم الركابية وحي العرب والمسالمة والمظاهر والبوستة والعرضة والعباسية وأبو كدوك والشياخة وغرباً إلى مقابر العارف بالله الشيخ حمد النيل ثم بانت شمالاً والموردة الميناء النهري العتيد خور أبو عنجة وحي الضباط ومن الجنوب الفتيحاب .أرض بما حوت من مصاهرات وأعراق وأجناس وثقافات. أم درمان الحركة الوطنية وأم درمان مؤتمر الخريجين وأم درمان جوامع وكنائس ودور ومدراس وبيوت حانية بأهلها وأندية النقابات وأهل الرياضة والفن والقضاء والمجلس البلدي وطير السمبر وآنسات الشاطئين والبرَدَة والصارقيل والورل . أم درمان السياسة وأم درمان الفن وأم درمان المسرح والإذاعة والأسواق والمهن والصناعات والتعليم . أهلها يمارسون حياتهم حين اجتمعت النحل والملل وكل شيء هناك .}
*

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 11:20 AM
كتبت التومة :

(2)

لها سيرة تحيي القلوب وتبعث الشجن
ترابها مزيج من النقاء والحب والحكمة والفنون
وكما قالت جدتي: ما حباها شقي
هي البقعة المباركة..منهل العلوم وخلوة الصلاح ومنبع القيم
إنسانها فريد بالفطرة مميز جميل الروح..متعايش مع غيره ومتصالح..له بصيرة وإدراك..محترم وغيور
تألفه قبل أن تعرفه..وهو أمين مؤتمن
عني: أشتاق إليها وأنا فيها
عبور الجسر إلى الخرطوم يقبض قلبي..وأحس الهواء قد إختلف
أستمتع جداً بالسير في الطرقات الضيقة والأحياء القديمة والسوق ووو
جميلة أم درمان


أنا في قلبي ريد لي ام در محل ربوني
في بلد الشعِر والفن وناس حبوني
بي حب الوطن والخير يمين عبوني
قدلة ونسمتين من الجروح طبوني

تحياتي وأكثر

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 11:23 AM
(3)
الفاضلة التومة

تحية لك وألف نور عليك وأنتِ تُحلين في موضع الندى ،
للمكان رونق وحفاوة ، وللطفولة ميعادها الذي تثب فيه إلى الأعالي . لأم درمان قصص لا تنتهي ، فمدينة التُراب ترهلت لتحتوي كل القادمين والقادمات . كُنا في طفولتنا نسمع في الليل أصوات الطبول ، لكل قبيلة وثقافة طابع مُميّز . تعرف كيف تتداخل الثقافات . تبدأ من توجُس الأعراق من زماناً ، حتى ألفوا حياة بعضهم ، وتداخلوا ، بل وتناسبوا . فأهل المدينة مُسالمين بطبعهم .
لكل المدائن ، لها أن تُفرد جناح الطاوؤس ، في ضوء الشمس ، ترى أنت الألوان باهرة حين تعيش فيها ، وتعرف سُكانها . كان بأم درمان باحات فسيحة وملاعب . كُنا نخرج من البيت إلى الطريق ، فنكتشف تلك الباحات .
الحرّ يقف منتصف النهار ، والهواء يقف مكانه ، حتى يتحرك شيطان الريح ، فيرتفع لولبياً . وتأتي الأمطار وتشتم رائحة المطر ، فتهجد الغبار .
لك الشكر الجزيل أن اشتركتي معنا في هذا المسلسل ، الدافئ العُشرة .
*
http://sudaneseonline.com/db/blank.gif (http://sudaneseonline.com/board/265.html)http://sudaneseonline.com/db/blank.gif (http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=profile&nickname=�d8�b9�d8�a8�d8�af�d8�a7�d9�84�d9�84�d9�8 7�20�d8�a7�d9�84�d8�b4�d9�82�d9�84�d9�8a�d9�86�d9� 8a)http://sudaneseonline.com/db/icon_edit.gif (http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=editmsg&board=7&msg=1522817218&rn=5&page=)http://sudaneseonline.com/db/icon_reply.gif (http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=post&board=7&msg=1522817218&rn=5)

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 11:25 AM
كتبت التومة

(4)
والله أنا من تشرفت بالكتابة معكم أستاذي وكنت قد إكتفيت منذ سنوات "بالنظر" والمتابعة الصامتة.
حكايا الذكريات فيها وعنها تحلو وتطول
وقد ولدت و لازلت أعيش في أرضها وكنت رفيقة ومستمعة جيدة لكبار السن من الأهل والجيران بمختلف الوانهم ومعتقداتهم
تحفل ذاكرتي بأصوات ووجوه وروائح ومذاقات أخاف عليها من غبار العمر و"خربشة الزمن" وما تراكم في الخاطر من هم وشرود.

ربما أكتب عنها يوماً..وإن لم أفعل فعزائي أن الحب لها وراثي في الجينات..يقوم الوارث بمهمته.

التحية عبركم "لباب الله "وكل من مر ونظر

http://sudaneseonline.com/db/icon_edit.gif (http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=editmsg&board=7&msg=1522817218&rn=6&page=)http://sudaneseonline.com/db/icon_reply.gif (http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=post&board=7&msg=1522817218&rn=6)

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 11:40 AM
(5)
السيد محمود أبوالعزائم

عندما تقلد " أبو العزائم " منصب مدير إذاعة أم درمان ، بدأ في إخراج برنامج ( أولاد دُفعة ) .جلس هو إلى كل كبار السن من أساس الأحياء الأم درمانية . وكان البرنامج يحكي تاريخ تكون الأحياء منذ مطلع القرن العشرين .ووثق لجميع أحياء أم درمان القديمة :
حي الأمراء – حي الهاشماب – حي الموردة – حي الملازمين – حي بيت المال – حي الهجرة – حي ود نوباوي – حي القلعة – حي أبوروف – حي القماير- حي العمدة – حي مكي – حي الشهداء – حي البوستة – حي العرب- حي المظاهر – حي المسالمة – الركابية – حي العباسية – حي أبوكدوك – حي الشياخة – حي الحضراب – حي الشياخة – حي الضباط – حي أبوعنجة – حي ود البنا – حي العبابدة – حي المستشفى – العرضة – حي بانت .
وقد ترك الفتيحاب وأبوسعد لأنها تكوّن وحدة كاملة ،وكذلك الأحياء الجديدة .

كان محور الحلقة حول البيوتات والأسر والمهن والنشاطات الاجتماعية . وكان شيوخ الأحياء ذاكرة تشهد بتفاصيل الحياة .

*

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 11:42 AM
(6)
يا ماري عند الأصيل

في ذكرى الوالد الحاج "محمد الشقليني"، التي تجري مجرى الدم في العروق ، تمر حياته علي كعبور نيزك في السماء المظلمة يُضيء ، ثوانٍ ثم يختفي. نهضت تلك الذكريات كأنها نبتت وبانت أغصانها من بعد رحيله 2011 . تذكرت ذلك اليوم حين التقي بصديق عمره " عوض الله حسين " في بيتنا .وتذكرا إعجابهما بأغنية الفنان المُطرب " حسن عطية " في شبابهما في أربعينات القرن العشرين ( يا ماري عند الأصيل) :

(2)
أذكر في سبعينات القرن العشرين ، اعتادت جمعية الفلسفة في كلية آداب جامعة الخرطوم ، أن تحتفي كل شهر ، وتقدم أحد المطربين السودانيين ، في أمسية ، يحكي عن حياته ما شاء أن يحكي ، ويقدم أغنيات على آلة العود ، وهو يرتدي بدلته الأنيقة ورباط العُنق .
جاء المطرب " حسن عطية " بآلة العود ، مع كامل هندامه بالزي الإفرنجي .أذكر ذلك اليوم عند المساء ، و حكى " ، كيف كان يحضر منزل" عبد القادر سليمان" في غياب أهل المنزل وغياب " خليل فرح " . و يأخذ آلة العود من فوق خزانة الملابس ، ويتمرن عليها عزف الأغنيات التي حفظها عن " خليل فرح ". وساعده شغفه في تعلم العود ، حتى أتقنه .
(3)
مرة زارنا الراحل العم " عوض الله حسين " والتقى بوالدي ، وكان " ود خالته " ووزير زواجه عام 1943 . التقيا في غرفة والدي وطرقا موضوعات شتى ، وانشغلت أنا برعاية الضيافة . ولم تكن سوى الشاي الأحمر .
في لحظة صفاء ، ولجا صندوق الذكريات . يبدو أن لهم فيه كثير شأن . ذكّر أبي ضيفه بمقدمة " يا ماري عند الأصيل " للفنان "حسن عطيّة" . لمحت طرفاً من شبابهما ، وكأنه يعود من جديد ، ي بعد أن غرّب الشيب وشرّق فوق رأسيهما .ابتعدت أنا ، خوفاً من أسطو على ذكريات شبابهما . وأغنية ( يا ماري عند الأصيل ) من كلمات الشاعر والملحن المُخضرم " عبد الرحمن الريّح :
يا ماري عند الأصيل
وحدك بشاطئ النيل
صدقني شكلك جميل
يا ماري أجمل مرور
بين المرح والسرور
ما بين أغاني الطيور
تسمع حفيفك زهور
(4)
ولد المُطرب الفنان "حسن محمد عطية الريح" في حي المراسلات بالخرطوم عام 1921 . وهو في سنه يقارب ميلاد والدي والعم " عوض الله ".وعاش في بيئة تسودها طبقة متوسطة ، من الموظفين والتجار وأفراد من الجاليات الأجنبية ويقيم في الحي نفسه عدد من الفنانين. وأطلق عليه لقب " أمير العود" لأنه تميز بالعزف فيه بشكل جيد دون غيره من الفنانين السودانيين الذين عاصروه . وقد بدأ تعليمه في خلوة الشيخ محمد حنفي ، شيخ الطريقة الإسماعيلية ، في حين التحق والدي بخلوة " الفكي الصلحي " بالعباسية بأم درمان .
(5)
دارت بذهني ذكريات موغلة في القدم ، أيام الطفولة الجريئة . وتذكرت في أحد رمضانات الطفولة ، حملت " عمود الطعام " لوالدي . وقد كان حينها يعمل في " معديّة أبوروف " . لم يكُن " كوبري شمبات " قد بدأ تنفيذه .ركبت البص إلى المحطة الوسطى بأم درمان ، ثم ركبت التُرام من محطته الرئيسة ، قاصداً "أبوروف " . سار التُرام كل المحطات ، ماراً بـ "مكي ود عروسة " و" ود أرو " وسوف الشجرة ، حيث انتظر بضع دقائق ، ومنه انطلق إلى محطة المُشرع في " أبوروف " . كادت الشمس أن تغرب . نزلت المحطة ، ووجدت " معديّة أبوروف " راسية قُبالة مرسى أبوروف . وجدت الجميع يجلسون على " برشين " متقابلين . كانا مُجهزين ليكون طعام إفطار رمضان بينهما .
لم أنتظر قليلاً ، إلا وتقاطرت " الصواني " ، تحمل طعام الفطور . و " بستلات " تحمل شراب " الآبرى الأحمر " و " الآبرى الأبيض " وصحائف " العصيدة ، و " ملاح التقلية " . يبد أن كل البيوت التي تقابل الشاطئ ، كانت تُجهز طعامها لإفطار رمضان . كانت الأُسر توسِّم الأوني ، فلا تختلط .
بعد تناول الإفطار ، انتظم الجميع للصلاة ، وبعدها استأنس الجميع في مسامرة وضحك ، حتى الموعد المضروب . انطلقت صافرة المعديّة . وما هي إلا دقيقتان ، وبدأت المعديّة تشتعل ماكينتها . جمعت الأواني في " العمود " ، انتظرت التُرام ليعود بي للبيت .
*

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 11:44 AM
(7)
مسو نوركم

كلمات: سيد عبدالعزيز
***
مسو نوركم شوفوا المن جبينة صباح
والصباح إن لاح لا فايدة فى المصباح
***
هل اتاك حديث الكوكب النضاح
قمرة تمطر خمرة حارسا الفضاح
لو تحيجنا محاسن شمس للايضاح
مابتحيجنا محاسن محيها الوضاح
***
نور جمالا دهشنا معشر الفصاح
بين ناطق صامت بين صامد صاح
غانية غالية محاسن فيها شوف يا صاح
الجمال الفيها..كل معناً صاح
***
ننظر الايات من نور على الالواح
المعانى الفُرد ومُنية الارواح
فى العيون المُرد والسحر لاواح
تجلب الالباب ويفرح النواح
***
القوام اللادن والاريج الفاح
من جسيما الناعم الاسمر التفاح
خلا عقلى وخلا فى هواى كفاح
جيش هواها احتل قلعة الاصفاح
***
روضة غنى جمالا يجلب الافراح
حورا من الجنة فيها تسقيك راح
كل هذا تراه ما بزيل اتراح
من بحبو تهالك واستراح وراح

*********
ياليالى احبابى ما شفيتى جراح
بل شفيتى فؤادى ومدية الجراح
صرت اتلو حديثك فى الوجود بصراح
لو تليت بو كتابى سميت بالشراح
***
كم نظرنا مناظر يعلم الفتاح
لو قفلنا قلوبنا كانت تكون مفتاح
ادرى ام لم ادرى صرت كالملتاح
لو رضاكى هلكنا للهلاك نرتاح
***
ما جنيت بهواى ما على جناح
إشتكيت للقمرى لم يعيرنى جناح
يكفيك لسانى الغنا فيك ليك لوناح
لو رثيت بو حياتى ما إحتجت لى مناح
***

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 11:46 AM
(8)
الترام

فى العام 1905 بدأت خدمة الترماج فى العاصمة المثلثة كوسيلة مواصلات تعمل بالبخار وفى عام 1906م تمّ افتتاح خط للترماج فى أم درمان بمعدل 12 رحلة فى اليوم من ابوروف شمالا و حتى الموردة جنوبا ومن هناك يستغل الركاب معدية بخارية تنقلهم الى الخرطوم . بعد عام 1925م آلت خدمة الترماج إلى شركة النور و الكهرباء المحدودة التى إمتلكت الحكومة 49% من أسهمها وفيها تمّ توظيف اكثر من 200 عامل و فنى و اصبح الترماج يعمل بالكهرباء بدلا من البخار .
الترماج كان مكشوف الجوانب فى بدايته و فى نهاية الأربعينات تغير الموديل و أصبحت العربات مغلقة ومطلية باللون الأخضر وعلى جوانبها من الخارج مرسوم رأس فيل و هو شعار الشركة. يتكون الترماج من جزءين : الرأس الساحب و المقطورة .على طرف الراس الساحب توجد غرفة قيادة تستخدم فى مشوار الروحة و أخرى على الطرف الاخر تستخدم فى مشوار العودة . ينقسم الرأس الساحب ألى درجة أولى و هى للرجال فقط بعدها غرفة منفصلة و مخصصة للنساء فقط أما المقطورة فهى درجة ثانية وكلها للرجال . كانت هناك اربعة خطوط للترماج فى العاصمة المثلثة . الخط الأول يبدأ من المحطة الوسطى بأم درمان ومن هناك يتحرك متجهاً شمالا إلى أن يصل إلى مشرع الموردة كمحطة أخيرة حيث المعدية البخارية (أقنس) العاملة بين مشرع الموردة و مشرع مقرن النيلين . من المقرن يستقل الركّاب ترماج البخار إلى المحطة الوسطى الخرطوم . بعد تشييد كبرى النيل الأبيض منتصف العشرينات اصبح الترماج يواصل مساره إلى الخرطوم ويعبر الكبرى ثم ينحرف يمينا بعد فندق هيلتون ثم يسارا إلى شارع الجامعة حتى جامع فاروق و من هناك يسلك شارع الجمهورية إلى المحطة النهائية وهى المحطة الوسطى الخرطوم ومن هناك يعود أدراجه إلى المحطة الوسطى أم درمان سالكا نفس المسار .
محطات الترماج على هذا الخط تبدأ بمحطة (برمبل) عند ميدان بوستة أم درمان الحالية ثم محطة (الضبطية) عند (سبيل سلاطين باشا) جوار مبنى المجلس البلدي أو محلية أم درمان حاليا ثم محطة (الدايات) عند دار الرياضة ثم محطة (شوقي) أول سوق الموردة ثم محطة (كاسوري) في نهاية السوق الصغير بحي الموردة عند (المشرع) ثم محطة (كاس كومري) قرب كبرى أبوعنجة ثم محطة (الطيارات). ثم محطة (المقرن ) و(الإدارة المركزية) و (حديقة الحيوانات) و (صينية الحركة ( و (البنك التجارى) ثم (المحطة الوسطى)>

الخط الثالث يبدأ من المحطة الوسطى بأم درمان إلى أبوروف حيث ينتهى فى محطة ( اللبخ) وهى محطته الأخيرة عند مشرع المعدية القادمة من شمبات ثم يعود أدراجه بنفس المسار إلى المحطة الوسطى أم درمان . محطات الترماج على هذا الخط تبدأ بمحطة ( كهربة عامر) ثم محطة ( مكي ود عروسة) ثم محطة (ود اورو) ثم محطة ( ود البنا) ثم محطة ( سوق الشجرة ) و أخيرا محطة ( اللبخ ) فى ابوروف .
الخط الرابع يبدأ من المحطة الوسطى بحرى و يتجه شمالا مرورا بحلة حمد و حلة خوجلى إلى ان يصل مشرع معدية شمبات التى تنقل الركّاب من هناك الى ابروف ثم يعود الترماج بنفس المسار إلى المحطة الوسطى بحرى ولايوجد خط للترماج لينقل الركّاب إلى الخرطوم عبر كبرى النيل الأزرق منذ بداية هذة الخدمة فى العاصمة المثلثة و حتى وقت توقفها .
إشتهرت خطوط الترماج بما يعرف ب (الكشّات) وكشّة الترماج هى المرحلة التى تزيد فيها سرعته خلال مساره فكانت له ثلاث (كشّات) شهيرة فى خط أم درمان- الخرطوم تبدأ الأولى من بعد قهوة يوسف الفكي وحتى المجلس البلدي والثانية من المجلس البلدي وحتى مستشفى الدايات و الثالثة من الدايات وحتى محطة (كاس كومري) قرب كبري أبوعنجة . تلك الكشّات قد سببت إصابات بالغة للكثير من صبية أم درمان فى تلك الفترة فقد كانت السرعة الزائدة و " العفرتة " تغرى الصبى بتحدى زميله الآخر في طريقة النزول "عكس" اتجاه سير الترماج وقد ينجح فى ذلك و قد يفشل فيقع تحت عجلات الترماج و تقع الكارثة فتبتر رجله أو يده .
أشهر النساء التي كانت تنزل عكس هي (الشول) خالة الفنان كرومة .. ومشهورة بمواقفها الرجولية ..
كانت هناك كشّة واحدة فى خط المحطة الوسطى – أبوروف تبدأ من محطة سوق الشجرة وحتى نهاية الشارع قبل محطة مشرع المعدية . الكروان (عبدالدافع عثمان ) كان واحدا من ضحايا تلك الكشّات فى بداية الأربعينات عندما كان يعمل موظفا بمصلحة المخازن والمهمات واصيب في رجله اليمنى فبترها الاطباء بعدها أحيل للمعاش. أيضاً (ضُقنا) من بيت المال ، التروماي تسبب في بتر يديه الاثنين ..
نذكر بعض مشاهير كماسرة ومفتشى التذاكر و سائقي الترماج : (محمد سعيد احمد ابوقرجة ) و (وهدان) و (عبد الرحمن باظاروطة) (يحيى منور) و (اسكندر) و (الزبير) والد محمود الزبير لاعب الموردة و (الشقلينى) و (محمد خير سيداحمد) و (عربى البارودى) و ( العمدة ) .
للترماج في مجتمع أم درمان ثقافة قائمة بذاتها، فقد كانت محطاته مكاناً لتواعد العشاق ليتمكن للمحبوب أن يظفر بنظرة للمحبوبة وأيضاً كان مسرحاً لرؤية ظباء أم درمان اللآئي لا يظهرن الا نادراً فكان الشاعر محمدعتيق يكتب وهو في الترماج عن هذا الجمال الأم درماني .

وألّفت المنولوجات المتهكّمة فى الترماج لتسببه في الحوادث وكذلك ألّفت الأهازيج الظريفة التي تتغزل فيه فكان الأستاذ (خالد أبو الروس) أشهر هؤلاء المؤلفين للمنولوجات الفكاهية ونذكر منهم أيضا (الفاضل سعيد) و(إسماعيل خورشيد) و(ضربا) وعمر الخضر و(جعفر عز الدين) و(عبد الكريم عثمان "بلبل" ) .

*

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 11:48 AM
(9)
عبد العزيز محمد داوود: يازاهي


صوت " الباص "، الذي يفخر به الموسيقيون في كل مكان لنُدرته، هو المملكة الدافئة للعملاق الفني الكبير " عبد العزيز محمد داوود" . أذكر مرة كان مُطربي وموسيقيي السودان يشاركون في الستينات من القرن الماضي في حفل في مناسبة عامة في إحدى دول المغرب العربي . وتفاجئ الجميع أن السودانيين كانوا في فرقة موسيقية تارة ، وفي الغناء الشعبي تارة أخرى، واكتشفوا آخر الأمر أن الفرقة السودانية مكونة من بضع أفراد. يتحولون من نوع غناء إلى آخر ، ويرتدون الجلابيب السودانية مع العُمامة تارة ، والأزياء الإفرنجية تارة أخرى . وكان النجم بلا مُنازع الفنان " عبد العزيز محمد داود ".

(1)

أول مرة أشاهده كنت في عمر الطفولة ، وكنت في أحد أعياد الفطر المُبارك .وكان السيد " عبد الرحمن المهدي" مشهود له بالكرم المبذول للقاص والداني . فقد كان يقيم في عيد الفطر من كل عام ضيافة عامة في الساحة أمام قبة والده الإمام "محمد أحمد المهدي" . يخدم الضيافة تلك بأطعمة ومشروبات مصلحة المُرطبات التابعة لسكك حديد السودان وإدارة الفندق الكبير ، بأزياء مُنتسبيه بالزي الأبيض المشهور والعمامة ، وأحزمة الصدر المُميزة. في ذلك الزمان كانت المشروبات الغازية عزيزة ونادرة . كانت جميعاً من نصيب أضياف السيد " عبد الرحمن المهدي " و لعامة الناس ، ليست حِكراً على أبناء طائفة الأنصار ولا الحزب الذي يرعاه .

يدٌ على يد ، كنت أتجول مع والدي ، فعمله المشهور في " التُرام " الذي كان يجوب العاصمة المثلثة تلك الايام ،أكسبه معرفة دقيقة بكل الطوائف والأعراق " المُتجاورة "، بعد انصهار دام أكثر من سبعين عاماً . لقد كان أبي يعرف بيوت وعائلات معظم سكان العاصمة تقريباً ، بقبائلهم المتصاهرة ، والمتجاورة ، ونجوم المُجتمع من متعلمين وقادة الحركة الوطنية وقادة القوات المسلحة والشرطة وموظفي الدولة ، وأهل الفنون جميعاً : سودانيين وآخرين سودانيين من أصحاب الأصول من الأقباط والأرمن واليونانيين والهنود والشوام والمولدين ، مما أهّله ليصبح في عمر لاحِق أحد النسَّابة المشهورين . إضافة إلى أنه في أربعينات القرن الماضي ،كان عضوا من عامة عضوية مؤتمر الخريجين .

فجاة لمحت رجلاً ينادي أبي .لمحت شخصاً عظيم الجُثة طويل القامة ، يرتدي قميصاً أبيضاً وبنطال من الصوف الإنكليزي بحمالتين، وحذاء أسوداً وقُبعة إفرنجية وعلى مبسمه " غليون " .
هذا كان زي المُطرب في شبابه .

- ياحاج شقليني ... ، كل سنة وإنتَ طيب.

رحب والدي بالرجل ، ومددتُ يدي ، للسلام، يدٌ صغيرة حالما اختفت في ماعون كبير يسمونه باطن كف الضيف :

- هذا هو الفنان " عبد العزيز محمد داود " .

هكذا عرفني أبي بالمطرب الكبير .

- أهذا الصغير إبنُك ؟

بينهما كما عرفت ودٌ قديم . استأنس مع والدي زماناً في الحكاوي والضحك المُتبادل ، وسط المُهنئين بالعيد . كانت قطع " الكيك " وزجاجات البيبسي المُثلّج ، في كل مكان .للأطفال مثلي ولكافة الحضور . هي العيدية النهارية ، ونحن نشهد من البعيد الناقلات تأتي بأضياف من الجنسين وأطفال الأنصار متحزمين " مُتلزمين "، من جميع أطراف وسط السودان والجزيرة . ربما من بعد مسيرة أربع ساعات وأكثر .
في هذا اليوم التقيت بالفنان العظيم أول مرة .

(2)

الفنان " عبد العزيز "مشهور بالقدرة المُبدعة في صناعة الضحك . طريقته في الحديث ، قفشاتُه ، وفواصله المرحة بين الغناء . هو المُطرب الوحيد الذي تحس كأنه لايبذل مجهوداً في الغناء .يغني بيُسر وتطريب عالٍ . أذكر أن الفنان " محمد عثمان وردي " كان يقول أن " المطرب عبد العزيز داوود " لو ذهب إلى الولايات المتحدة ، سيكون نجماً عالمياً رائعاً ،.. وغنياً أيضاً .

كفانا ذاك المثقف العُضوي والكاتب الكبير " بروفيسور علي المك " تفاصيل حياة المطرب الفنان " عبد العزيز محمد داوود " .فقد دوَّن رحلة صداقته وتجاربه مع " أبو داوود" ، وكتب سيرته المفصلة ، وسلط على الفنان الكثير من الإضواء على تاريخه الشخصي وإبداعه وتفرُده .

(3)

كان الفنان" عبد العزيز " والموسيقار " برعي أحمد دفع الله " رفيقا درب. عرف الموسيقار طبقات صوته ، فكانت ألحانه تنُاسب خامة صوته ،أغنيا الاثنان وجدان أهل السودان الناطقين بالعربية ، لأنه اختار قصائد من عيون الشعر العربي ، ومن دُرر الشعر العامي . كان الشعر العاطفي المميّز ، يسرد تنوع قصص العشق ، الذي ينسكب في قالب وجداني يُمسك بجزع عاطفتك ، ويهز العُناب ليتساقط و يُثري التُراث . من الشعراء الذي مدوا المطرب " عبد العزيز محمد داوود " :
"حسين عثمان منصور" و"عبد المنعم عبد الحي" و "حسين بازرعه" و"محمد علي عبد الله" و"أحمد التني "و"إسماعيل حسن " و"إسحاق الحلنقي" و"ألياس فرحات " وغيرهم . ولحّن له المطرب الكبير " عبد الكريم الكابلي " أغنية " يازاهية " ، بتنوع هائل في التطريب .

(4)

في بداية سبعينات القرن الماضي ، طلبت منه الإذاعة السودانية توثيق أغنيات ما تسمى بحقيبة الفن ، و أغنيات الرعيل الأول من مُبدعي الثلاثينات والأربعينات والخمسينات . وتم تسجيل أكثر من "35" أغنية بصوته في مكتبة إذاعة أم درمان، حفظت الكثير الذي ضاع من التُراث ، لولا المثقف الشامل ، سعادة السفير والشاعر " صلاح أحمد محمد صالح " الذي جمع الكثير من أقراص التسجيل القديمة لتلك الفترة من تُراثنا الغنائي ، وحفظ الكثير مما نسمعه اليوم في برناجه الإذاعي " حقيبة الفن " . وقد أثرت تلك الكوكبة على غناء منطقة وسط السودان . ويمكن للكثير من الباحثين أن يتعرفوا على تاريخ هذا التُراث ،و غناء تلك الفترة التي أعقبت غناء " الحُومبى " منذ أوئل القرن الماضي ، بعد أن احتجب الغناء فترة حُكم الخليفة "عبد الله ود تورشين" .

عبد الله الشقليني
12 مارس 2017

*

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 11:51 AM
(10)

كتبت التومة:

سلام وتحايا

،،

والصباح إن لاح
والأدب الجم في إستخدام لفظ (مسو) أمام (النور) وحده
والأمر بالإطفاء فج وفيه قسوة أو ربما دعوة للضلال ههههههه
ولذكرى والدكم التحية والإجلال
،،

" كان منزلنا القديم بحي السوق تحفة معمارية بسيطة وأنيقة والجمال في البناء ينبع من جمال الأيدي التي بنته
وهم أجدادي وجيرانهم، الحائط الشرقي الطويل للمنزل يحتضن في يمينه باباً حديدياً..خليني اقول إني سميته باب الحِصن
فقد كان البيت أشبه بالقلعة حسب ما أتخيل وقد كانت هناك شجرة كبيرة وظليلة ترقد على الحائط وتلقي بظلها الوريف
على حوش البيت وجزء من الشارع..جعلت الجانب المتنعم بظل الشجرة من الحائط مخبأ ومكتبة ومقيل لي أصعد إليه
عندما أهرب من أعباء الدروس وحتى عندما ينام الجميع..أجلس هناك إلى أن ارى خيل السواري يطوفون ولا شيء سوى
أصوات الحوافر على أرض الشارع...السواري..كانوا حراس طفولتي فأنا أعتقد وأ}من أن الأمان لا يمكن أن يصل إلا عبر الفرسان،
تحول الحائط إلى منتدى صغير ومرسم بالفحم لي ولأصحابي وكم تغنينا فيه بأغنيات سمت بأذواقنا حينها لما هو أكبر من مراحلنا العمرية"

"
الصباحات المميزة كانت عندما أرى من على البعد الأستاذ سيف الدين الدسوقي بزيه الأبيض الناصع ماراً أمام بيت العائلة
وأرافقه بالنظر حتى يختفي..ثم أنتظر أستاذ آخر ومعلمة وسيدة عجوز تبيع الطواقي بسوق أمدرمان هم بالنسبة لي مؤشرات زمنية
أضبط على مرورهم ساعة ما بداخلي فأقسم زمني على الألعاب والتجول بالدراجة ، ولكل منزل في حينا حكاياه وزواره وأسماره
وأسراره..والكل يطرب والكل يغني"
،
تقبل مشاركتي رجاءً
فالروض يتعشق بعضه

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 11:54 AM
(11)

الفاضلة التومة
تحية لكِ وأنتِ تسردين قصاً من واقع حي . لن يجد الواحد منا شقة حين تدلف ذاكرته بعيداً
وتتفحص الماضي بعيون جديدة وفهم جديد . لم تكُن الحياة ، رغم مشقتها نبيلة ، ورغم
سيطرة النسر التقليدي الذي يُشيع سيطرته على كل البقاع . إلا أن للحياة سيرة طيبة . كانت الحياة بسننها تحمي وتعتني .وسهل هو القص من الواقع ، وإليك القصة الآتية .
*

ود ناس أبوقرون
كنتُ في مدرسة أبوعنجة الابتدائية ، على ما أذكر في السنة الثانية . كان بالمدرسة أشجار التمر الهندي وأشجار القريب فروت المُثمرة . كان بالمدرسة نهرٌ واحد :
يبدأ من الفصل الأول ، الثاني ، الثالث ثم الرابع . وبعدها الجلوس لإمتحان للدخول للمرحلة الوسطى ، وكانت كذلك أربع فصول وثلاثة أنهر ، وكذلك المرحلة الثانوية 4 مراحل .
كان الفصل يتكون من 40 تلميذاً . نجلس نحن مجموعة 4 تلاميذ في كنبة خشبية ، وأمامها طاولة مُحددة الرسم لعدد 4 تلاميذ . تنحني الطاولة على مجلسنا لتُمهد للقراءة أو الكتابة .
أمام كل تلميذ فرجة مستديرة صغيرة ، تُثبت عليها محبرة من الصيني بيضاء اللون . يقوم الفرّش بملئها بالحبر . ولدى كل تلميذ ريشة صغيرة ،
وعلى أطرافها تُثبت سِنة الريشة . نقوم نحن بإستخدام الحبر للكتابة . وكانت المدرسة تقوم بصرف كراسة الخط . وبها خطوط مُظللة ،
يتم ملئها بالخط ، لنتعلم الخط العربي الجميل . كانت المدرسة تصرف لنا الكُتب ، والكراسات .

كان من أقرب أصدقاء الطفولة أحد التلاميذ من أبناء أسرة " أبوقرون " . لا أعرف ماذا حلّ به . فقد تغيب يوماً عن الدراسة ،
وعلمت في اليوم الثاني أنه قد أصيب بالسحائي ( أبوفرار ) ، وذهبوا به للمستشفى وتوفى .
أصبت بالحزن الشديد ، ورفضتُ تصديق أنني لن ألقاه ثانية . لم أعرف بيت أسرته ، ونسيت حتى اسمه . وكانت ذكرى حزينة .
مرت السنوات ولم تزل صورته وهو طفل في مُخيلتي .
في جامعة الخرطوم ، وأنا في السنة الرابعة ، شاهدت ملامح تشبهه في طالبة في كلية العلوم .
وأنتم تعرفون أن ملامح الأطفال تشبه لحد كبير أخواتهم . توقفت وسألتها :
- هل كان لديك شقيق أكبر منك سناً ، توفى وهو صغير ؟
فقالت :
- نعم ... وكيف عرفت ذلك ؟
- فقصصت عليها التاريخ ، وتأكدت أنها شقيقته .
مرّ الزمان ، حزيناً من بعد الفرح ، فقد تخرجت أخته الفاضلة من كلية العلوم وأنجزت رسالة الماجستير والدكتوراه ، وقبل استلامها شهادة الدكتوراه توفت فجأة .
*
تلك قصة أم درمانية حزينة ، ولكنها واقعية ، وقد فقدت فيها صديقي عام 1959 .
*

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 11:57 AM
(12)
سلمى المـُــذَكـَّـــرَة


أول ما سمعت خبرها كان همساً ، رأى صويحباته أني بعيدٌ ولن أسمع الأخبار. ملخص القصة أن معركة نشبت بين " سلمى" و " محاسن " بنت الجيران وانتهت بالضربة القاضية!. بدأ الخبر حين رأتها "محاسن" تتمشى في الطريق المجاور وكانت كالغريبة وحدها ، فطمِعت في استدراجها للحديث بالمشاغبة. وتخيرت الألفاظ الشائعة التي تستدرج الرد .لامستْ السخرية كهرباء الغضب ،ولم تتصور " محاسن " أنها اقتربت من اللهب . لم تصبر " سلمى" على المنازعة الكلامية والجدال الدائري ، بل عالجتها بلكمة من قبضة يدها عند الفك ، وحسمت المعركة قبل أن تبدأ . كانت المفاجأة مذهلةً لمن حضرنّ ، فقد أُصبنَّ بالرعب وهربنَّ .

ليس لدى " سلمى" مصطلح لغوي ينتمي إلى الطفولة النسائية دون الرابعة عشر . كان صراعها مع " محاسن " صراع جسدين أو لغتين أو ثقافتين. هو صراع "جندري "ختمته النهاية المُحزنة . تفوهت " سلمى"عند نهاية المطاف بألفاظ الغضب والاستهجان التي يلفظها الذكور عادة ، شكلاً ومحتوى ، في النطق ومخارج الكلمات وفي النبر أيضاً .نهض التراث الثقافي للذكور في مواجهة ثقافة الإناث المميزة في مجتمعنا . صراع "جندري" دون شك ، الذكورة فيه هي الغائبة والحاضرة في هذا الصراع .

(2)

" سلمى" في الثالثة عشر ، طويلة القامة نسبياً ، مقارنة بمنْ هُنَّ في عمرها . جسدٌ أسمر ممتلئ ومصلوب ، قوي البنية. وإن تركَتكَ تتأمل ملامحها لحظة ،لبَدتْ لك مظاهر جمال تتخفى ،تنتظر موعد النضج.

رأيتها للمرة الأولى عندما زرت بيت خالي ، عند زوجته الثانية ،ذات مساء . يقع البيت على طرفٍ من أطراف بيت الأسرة الكبير . مدتْ"سلمى" يدها للمصافحة . وتعرفتْ يدي على ملمس يدها متوسط الخشونة ، كأني أمام طفل ، يكبرني ثلاث سنوات . ارتدت" سلمى " فستاناً مزخرفاً برسوم باهتة تشبه أوراق الشجر الخضراء الناعمة. فستان بتصميم متكرر ومبسط بلا رتوش، يغطى بعض الجسد ، ويترك الذراعين والعضدين واليدين مكشوفين ، وينتهي في الأسفل عند أعلى الساقين وتنتعل قدماها حذاء من البلاستيك الرمادي. الشَّعر منسوج كله بلا عناية ، يرتمي على الكتف .ضفيرتان من الأمام تتراقصان عند أي انفعال .الصوت عميق من أثر الجينات المختبئة .تسمعها ، فتعتقد أن طفلاً يزحف إلى مرحلة البلوغ و بدأ صوته يخشوشن ،هو أقرب إلى " الألطو" النسائي. إن أغمضت عينيك وأنت تستمع لها ، فلن تحسب أنها امرأة تتشكل أو أنثى تتكون ، بل طفل يشتاق أن يكون رجلاً. وجدتني قريبٌ من هذا التكوين الغريب بمشاعر محتشدة لم استطع أن أتبين حقيقتها . تبدت الأُلفة بيننا منذ لقائنا الأول . ودٌ جاء من وقع النظرة الأولى ، من حيث لا يحتسب المرء.

غابت زوجة خالي دقائق ، لتُعد لنا أكواب الشاي الأحمر . برّاد نحاسي وأكواب زجاجية شفافة صغيرة تجلس جميعاً على إناء مفلطح من الألمنيوم . صبّت لنا صاحبة البيت الشاي ، في زمان كانوا لا يسألونك عن مستوى الحلاوة التي ترغب لطعم الشاي ، لأنك دون شك تحب الطعم حلواً ، و ستحرق السُعرات ، لأن طبيعة الحياة نشاط مُفرِط ، يبذل فيه الجميع جهداً كبيراً خلال النهار وإلى الليل. " لطيفة " هي زوجة خالي ، تعرف كيف تصنع خميرة الأحاديث الجاذبة . تُلقي بالحديث على عواهنه وتتبسم تنتظر رد الفعل . هي سيدة تكبرني بست سنوات ، لم يكن بيننا فروق تُذكر إن قرنت ذلك بتكويننا النفسي ، فكلنا شركاء مشاعر طفولة متقاربة . فهي سيدة دخلت حياة النساء عبر بوابة الزواج ، ولم تزل طفولتها ممتدة . ودودة ، تستأنس الأضياف بمحبة .

(3)

لرواية "سلمى" لقصة معركتها مع " محاسن " طعم آخر ، حين جلستُ مستمتعاً بطريقة سردها الأخاذ. ضمير الفاعل غير ضمير المشاهد . هناك أكثر من زاوية لرؤية الموضوع . ذات الألفاظ التي يسرد بها الواحد منا فلماً أميركياً لرعاة البقر، تجدها تحفزكَ بأسلوب درامي جاذب . تنفصل برهة عن شخصيتها وهي تحكي بلذة حقيقية كيف نالت النصر أخيراً ، في الحادثة التي أتينا على ذكرها وسردت قصصاً أخرى، لم نكن نعرفها من قبل ، وهي ترتدي شخصية البطولة التي لا تُقهر . تُرضي رغبة جامحة داخل نفسها الغامضة لتلحق الهزيمة بالأنثى ، أياً كانت !.

وجدت نفسي أحاول أن أتقبل هذا الكائن الجديد بلا تحفظ . من البعيد ، بدت " سلمى" أقرب للمرأة ، لو لا سيرتها الجسورة عن قُرب. تدخل هي إلى الصالة الشعبية المخصصة للذكور في " سينما الجيش ببانت" ، لوحدها أو مع شقيقاها الأصغرين" أحمد " و " محمد ". فهما يستظلان بها ويحتميان . تقضي مساء السينما وسط الصخب والضجيج . وتستريح أمام الصياح واللعنات المتلاحقة كلما عكر صفو التسلسل السينمائي طارئ .القاعة الشعبية المكشوفة على الهواء الطلق ،تحتمل الكثير من التناقضات ، فعلى طرفٍ من أطراف القاعة الشعبية ، تجد موقداً هادئاً ،عليه طاجن فيه طبيخ اللّحم ، يغلي ببطء ، وعلى غطائه حجرٌ ، وشراب " العَرَق" البلدي تدور كؤوسه الصغيرة بين الكبار .

لا أحد يستغرب أو يُدهش ، إلا الغرباء . يسألون بهمس عن قصة " سلمى المـُــذَكـَّــــرَة " .أما هي فلها أذان بحساسية لاقطة تميز الأحاديث عنها من غيرها ، وتواجه بالعنف من يأتون بسيرتها خيراً أو شراً.حتى الذين يفكرون بصوتٍ عالٍ تجدها ترقبهم وتحمحم . فأي بادرة تعليق أو استغراب إلا ويجد صاحبها لكمة ترسلها موجعة . العنف جزء أصيل من حياتها اليومية ، ولكنها أمامي فهي كائن هادئ مختَلِف . نبعٌ صافٍ ، تحاول هي قدر ما تستطيع أن تكسر هذا الكساء اللطيف من الضعف أمامي، وتختلق موضوعات أخرى بلا سبب ، حتى لا تترك لنفسها أسئلة بلا إجابة :لِمَ ينتهِ هذا الصخب وهذا العنف أمامي ؟!. لم أكن أعرف السبب .

(4)

شقيقها الأكبر" عصام " هو الذي استأجر لهم المنزل في أطراف حيِّنا ، والدها قد توفى منذ سنوات حسبما ذكرتْ لي ، وتسكن في البيت مع أمها وإخوتها الذكور . أم درمان في ستينات القرن الماضي كانت تستعص أن تكون شبه مدينة مثل الخرطوم . جرّدها المستعمرون من روح المدينة وأبقوها على ريفيتها ، وتبعهم الذين جاءوا بعدهم بذات النهج . أم درمان قرية ريفية الشكل والمحتوى . البيوت عندنا في ذلك الزمان مساحات واسعة ، تحفظ في باطنها غرفاً متعددة ، وأسوار مبنية من اللّبِن لا ترتفع أكثر من مترين ، تفصل المتزوجين عن غيرهم . على طرف قصي توجد في كل بيت " زريبة " للماعز وأقفاص الصفيح متراصة أبراجها للحمام . والضجيج اليومي يحدثه الأطفال والدجاج والقطط والكلاب . وهي صورة متماثلة للحياة في البيوت في تلك الأيام . تقوم سيارات البلدية كبيرة الحجم ،ملحق بها خزانات المياه برش الطرقات الترابية لتلطيف حرارة الطقس في موسم التهاب السحائي .تزرع البلدية فسائل أشجار الظل أمام البيوت على الطريق العام . يطوقونها بسياج يمنع غزو الماعز ، فتنهض الأشجار ، وتحت ظل أحدها ، كنت أنتظر " سلمى " وإخوتها مساء كل يوم .

في الجهة الغربية من الحي ، من بعد المقابر ، أرضٌ فسيحة خضراء ، تتناثر فيها على مد البصر غرباً أشجار السَلَم والحناء والأراك و الكِتِر . تشاهد من البعيد أسراب النسور واللقالق والقمري أو الجراد في زمن البؤس . أرضٌ تفسح لمغطيات التربة العشوائية الخضراء أن تكون غذاءً يصلح للأغنام في مسيرها الطبيعي اليومي مع الرّاعي منذ الصباح وإلى الغروب . فالأسر السودانية كانت تعيش شبه اكتفاء اقتصادي . يوجد البيض و لحم الحمام عند الحاجة والحليب توفره الأغنام. هذا هو أنموذج حياة كل البيوت أوائل ستينات القرن الماضي.

(5)

في أيام الجُمع نذهب جميعاً أنا و" سلمى " و شقيقاها " محمد " و " أحمد " مع أربع من الماعز التي تملكها أسرتها ، إلى المراعي الطبيعية غرب أم درمان منذ الواحدة بعد الظهر إلى وقت غروب الشمس. نصطاد الخنافس الملونة من على شجر الحناء ونحفظها في عُلب لبيعها لأبناء الحي . ندلف في طريقنا إلى التلال الاصطناعية المخصصة لتدريب العسكريين على إطلاق النار ،لنجمع المتبقي من مادة الرصاص من حولها ، ونعود آخر المطاف عند الغروب بكمية وفيرة ، تقوم " سلمى" بصهرها في قالب ، وتذهب عصر اليوم التالي لبيعها في سوق "الموردة " مادة للحام الأواني .
علاقتي بسلمى غريبة و غامضة . تنطفئ العواطف في قمة وضوحها ورونقها ، وسط عقلانية كانت تميزها في السلوك وفي الرؤى وفي التفكير وفي الحديث . نعيش حياة الجندر ، بكل التواءاتها والتفافها على القيم الاجتماعية . لم أختلف معها في قضية أبداً ، بل نتفق دائماً . كانت " سلمى" تتطلع للقيادة . وكنتُ أُرضي كبرياءها عن طيب خاطر لأروي ظمأ لديها لا حدود له ، وأقلل في ذات الوقت مخاطر مواجهتها . الأنثى في داخلها مسجونة ومكتومة الأنفاس ، فهي الوحيدة في أسرتها ، وسط عُصبة يحيا فيها الذكور ، يستمتعون بكل شيء وما يتبقى هو للإناث ، وهو ظلم اجتماعي غير مُبرر ،يعيشه الجميع دون استغراب!. حياة قد ترضاها الأنثى ذات النفس السوية المتوازنة ، وفق مفاهيم علم النفس في القبول بثقافة المجتمع والتعايش معها. وقد ترفضها منْ تتطلع للعدالة ، لتخرج من سجن الأنثى وتعيش كائناً في المقدمة كما هو حال "سلمى" التي اختارت الطريق الأصعب والأخطر ، أما بقية الإناث المقهورات ،فيعشنَّ عيشة الرضا النفسي الذي لا يرى غرابة في القهر الاجتماعي ، ويستسلمنَّ للمصائر .

(6)

" سلمى" ذكرٌ كاذب ، أغْمضتُ عينيّ وذاكرتي وذهني عن هذه الحقيقة ، كأنني ارتضيتها أو ارتضيته صديقاً بلا تحفظ. فأنت قبل سن البلوغ ، لا تنتبه للمشاعر أو فتنة الهرمونات عندما تُحرك الماء الراكد . فجاذبية الجنسين المُدمجين في برنامج واحد يحفز في نفسي العوالم الغريبة التي كانت تجتذبني أيام طفولتي ، وكانت هي شغلي الشاغل .
في يوم عادي مثل سائر الأيام ، سمعت بأن أسرتها سترحل وتغادر الحي . لم أعرف الأسباب ، وأظنه محض قرار . لم أجد الوقت ولم تجد هي الوقت لتودعني كما يجب .
قالت فجأة : سنرحل غداً .
قلت : إلى أين ؟
قالت : إلى بانت شرق
قلت مكرراً : إلى أين ؟
قالت : لا أعرف.
كان الختام هادئاً . لم تكن هناك عواطف جامحة ولا تراجيديا للفراق . نظرتني طويلاً ، كأنها تستعرض العُمر الذي قضيناه عاماً ونصف العام . حملتْ تلك النظرة المتفكرة الطويلة مشاعر تختلط بالأسى والحزن والرأفة والحسرة والغضب ، وكانت المحبة ضمن سلسلة هذه المشاعر ولكنها أضعف الحلقات جميعاً. قالت بهدوء وبمقلتين التمعتا :
" سوف أعود للحي وأخبركم ."
كان "الضمير الجمعي" يشملني ضمن منْ يشمل ، رغم أننا كنا وحدنا !.مضى اليوم الأول والثاني والرابع من بعد الرحيل ،ومضى شهرٌ ولم تعُد ، بل سنتان وبضع سنين ، وكدتُ أنساها ...

(7)

خلال سهرة مسائية يقيمها " الختمية " في ذكرى مولد السيد " محمد عثمان الختم " في إحدى الأيام الرمضانية في الحي المجاور، يجتمع الناس من كل صوب ليشاهدوا المسرح الارتجالي المفتوح . الإنشاد والمدائح والغناء والرقص وغرائب عنفوان الراقصين على نغم الأذكار وقد أخذ بعضهم " الجذب " الصوفي ، بملابسهم الملونة والطبول والدفوف والإيقاعات المتنوعة بتنوع الطرق الصوفية المُشاركة، في مساء متلألئ بأنوار النيون ، وبائعي الحلوى التي تُصنَع للمناسبة . وسط هذا الزحام من الممثلين والمشاهدين والنسوة والأطفال وكبار السن ، لمحتُ منْ تشبه " سلمى" . أنثى مُكتملة الأنوثة ، تتوهج وتضيء منْ حولها ، تحمل طفلاً نائماً على كتفها برضا وطمأنينة . لم أكن أصدق أنها هي ،إلا عندما نطقت اسمي . اقتربتُ ،وهالني ما رأيت : سمراء رائعة الجمال ، دقيقة الملامح ، مُخضبة اليدين ، ملفوفة الجسد، تشهد التقاطيع من تحت الثوب السوداني الشفاف وتلمح الجسد المفصص . في عينيها صفاء استرجع الأنثى المفقودة وقد تصالحت مع نفسها . وجدتُها واسطة عقد متراصٍ من النسوة ، ومن حولهُنّ الأطفال في شغبهم الدائم . حياة تتحدث بصوت مسموع . ها هي " سلمى " ، صارت الآن امرأة تحتفي بالدنيا من حولها ، وتحتفي بها الدُنيا. مشرقة الابتسام . أول مرة أشهدها بتلك التقاطيع الأنثوية الوضاحة. قامتي قاربت قامتها في الطول . تبسمتْ وما كنت أعرف عنها ابتساماً من قبل . الآن ما عادت طفلة ،بل امرأة أخرى، يرِف لها القلب وتنحني لها الهامات .في تلك اللحظة ارتجت نفسي وشُلَّ تفكيري وأنا أصافحها وقد انفتح العُمر كله نحوي : الماضي كله والحاضر الماثل أمامي ،بعواطف محمومة تركض متزاحمة و متلاحقة...
أمسكتْ يدي بملمس بض وخاطبتني بتلقائية الفرح :
" والله مُشتهياك " ....

عبد الله الشقليني
24/02/2014م

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 12:00 PM
(13)


ثنائي أبوكدوك: الغناء الشعبي
في ستينات القرن الماضي ..

الأباح دمي كتر همي
وين حبيبي ياناس
الأباحْ دمّي قلبي حَبّاهُ
الشّغل فكرّي لاهِي في رُباهُ
الزُهور في الرّوض بيهُو يتبَّاهو
البِميلْ طَرّبانْ رُوحهُ عاجباهُو
شعر أحمد محمد الشيخ " الجاغريو"
(1)
إننا في حاجة لنتعرف على تاريخنا من جديد ، فالكثير منِّا يجهل الجانب الذي يمَس وجدان الشعوب السودانية . لا نُميِّز شعب دون آخر. وهي دعوة مُبطنة ليكُتُب الآخرون الكثير عن حياة شعوبنا في أريافهم القصيّة ، عاداتهم وغناءهم ورقصهم وفنونهم بألوانها وتنوعها. لم نكُن نحسب أن هذا الفلكلور عالم مُثير ، يكشف غفلة علم تدوين التاريخ الثقافي ، واكتفى كثيرون بمعرفة بذلك التاريخ ، وذهبت الصدور بما فيها من كُنوزٍ تاريخية إلى القبور !.

اكتفت الأسفار التاريخية بتتبُع السلطة وأهلها ،وحياة السياسيين دون غيرهم . وقد رجع المؤرخون لمعرفة ما خَفي من تاريخ الدولة الإسلامية على سبيل المثال ، وذلك بقراءة بعض التاريخ الخفي من بين ثنايا ما كتبه " أبو الفرج الأصفهاني " في مجموعة أسفاره التي تسمى ( الأغاني )التي جلس لتدوينها أكثر منخمسين عاماً !. واعتبره الذين شوهوا التاريخ ، أنه قد فلت من الحرق والتدمير ، لأن الأخلاق الجديدة للسلاطين ، هو أن تبدأ إعادة كتابة التاريخ . وهو شعار البتر والإقصاء ، وقتل الرأي الأخر ونسفه ، حتى ولو ذهب أهله إلى الغيبة الكُبرى.
(2)
لم نحسب أن من المُشترِكات الكّثير ، مع شعوب دول تُجاورنا . كما أن لنا خصوصياتنا الاجتماعية والثقافية المتنوعة ، تنوع الشعوب السودانية . ضمور الموروث الثقافي والتمَسُك بتفاصيله من طرف ، ودعوة براجماتية ، تنظر برحابة صدر للتنوع الثقافي .

لا نملُّ إعادة الحديث عن مؤتمر "مُجمَّع الموسيقى العربي "، عند انعقاده في الخرطوم في ثمانينات القرن الماضي . وكان نائب رئيس المجمّع الراحل ، طيب الذكر الموسيقار " جمعة جابر " . عندها تفاجأ أعضاء المؤتمر بعروض الفنون الشعبية ، رقص وأغانٍ، جعلتهم لا يراوِّحون أماكنهم وسط ذهول حقيقي أمام هذا الثراء الثقافي. يطلبون ويعيدون طلب عرض الفقرات وقد تفتَّحت ورود الأفراح على مُحيَّاهم دون استثناء . ويقولون بملء أفواههم ( إن في السودان كنوز فنية حقيقية ، غائبة عنا ! ). ويسألون : لمِ هي مخفيةٌ وراء الحُجب؟ .
يرون أنها ميّزة فريدة يتعين أن يرعى السودان ذلك التنوع الفني المُبدع ، وهي كنوزٌ دون شكْ ، تُضاف على الكنوز التي لا يعرف قيمتها حتى بعض أهلها !.
(3)
ليستْ دعوة أعضاء مؤتمر " مجمع الموسيقى العربية " هيّ شهادة تُقيِّم إرثنا الثقافي ، فنحن أدرى من غيرنا بثراء ثقافة الشعوب السودانية ، في مدنها وأريافها القصيَّة . و"معهد الموسيقى والمسرح" وفق المسمى القديم ،منذ نشأته ، تبنى دراسة الفنون الشعبية ، أغنياتها وأقام حفاوة بآلالات الشعبية السودانية ، وخصص لها " المعهد " وِرش للصناعة والضبط والصيانة . كان من المُؤمل أن نكون قد قطعنا شوطاً في إثراء الحياة الوجدانية للسودانيين الطيبين ، لولا هَجمة العُبُوس والحياة الصارمة التي دخلنا عالمها مع جور أصحاب السلطان الذين يريدون أن يعيدوننا إلى الزمن الماضي ! ، على تصوراتهم هُم ، التي لا تُحب الترفيه ولا الغناء ولا الرقص بل غلظة الحياة ، التي تسير على منوال يهدم الماضي ،ليبدأ من جديد !.
(4)
يرغب هؤلاء فيما يُسمونه " إعادة هيكلة المجتمع السوداني ". واصطدم ذلك المشروع الهُلامي ،بحوائط الحياة الطبيعية والنفسية المتوازنة ، وتقبُل الآخرين شُركاء في وطننا " لهم دينهم وليَّ دين ". لم نزل نُعاني ضيق افق الذين يرغبون رِدّة الحياة إلى الخلف ، وفق " أوتوبيا " عن تلك الحياة التي يرغبون جَرّنا إليها، كأنها حياة كل أبطالها مقدَّسون ، وكأنهم لبسوا جُلباب الربَّ : يُكفرون ، ويقتلن ويجلدون ، وينكِّلون بالأغيار من أبناء الشعوب السودانية.
أذلّت تلك الجماعة المعروفة وُجدان شعوبنا ، ورسمت لنا الأزياء المُباح لبسها ، ودخلنا جدال التاريخ الماضي .للفرح مواعيد وللكآبة ألف ميعاد وألف بوابة تفتح للنُدماء ، إن كان هُنالك منُ نُدماء .توقف عندنا التطوّر الفني والموسيقي منذ أوائل تسعينات القرن الماضي . فلم يكنْ لدى هؤلاء صورة واضحة عن المجتمع الذين يرغبون تغييره . وصفوا كل ذلك التُراث بأنها كنزات يلبسها السائرون في ركب الشواطين ، يتعين تطهير مُجتمعنا منها!
(5)
العام 1963:
كنا نجلسُ في مقاعد الدار المُستأجرة بواسطة " فريق أبو كدوك الرياضي " وهو فريق رياضي لكرة القدم . تأسس منذ عشرينات القرن الماضي ، في أم درمان مثل فريق " أبوعنجة الرياضي " وفريق "الموردة الرياضي " . ضمّتهم جميعاً رقعةٌ أرض ، وأحياء متجَاوِرة ، واختلاط أنساب .
يرفِد فريق "أبو كدوك الرياضي " فريق الموردة الرياضي بلاعبيه "الأشبال" . فريق" أبوكدوك الرياضي " كان في الدرجة الرابعة ، وهي الدرجة التي تعم كافة فرق " السنتر ليق " . وفريق " الموردة " كان في الدرجة الأولى أوائل ستينات القرن الماضي
تكوَّن حي أبو كدوك بأم درمان قرب " خور أبوعنجة" ، بعد أن طلب الإنكليز ترحيل الأهالي الذين يسكنون شمال "الفتيحاب" ، في " مكان السلاح الطبي حالياً " ، لتكن تابعة لمعسكر الجيش الإنجليزي ، قبل تشييد "كُبري أم درمان ".
رحل أهلنا لحي أبو كدوك ، وقد سبقهم ابن أمير المهدية " أبوكدوك " ، ثم حي بانت ، الذي كان يوصف أهله الذين رحلوا من منطقة شمال الفتيحاب إليه : ( الرُجال بانتْ )! . كان ذلك عام 1913 م.
(6)
نادي أبوكدوك الرياضي :
جزء من طفولتنا أمضيناها ليلاً في نادي أبوكدوك الرياضي . كان المَسكن المُستأجر بمساحة تقارب 600 متر مربع . ويُطل على " شارع الأربعين " بأم درمان. يحوي غرفة من الطين اللَّبِن وغرفة أخرى صغيرة في مكان قصي تستخدم كمطبخ لصنع الشاي، ودورة مياه شعبية تلتصِق بالسور . سبعة مناضد وكراسي وفق ما يسمح به الزمان . أغلب المناشط الليلة ، باحة لرفع الأثقال ، ومناضد للعب الورق !. النادي وفق زمانه مُخصص للذكور دون الإناث . ليس من قانون ، ولكنها عادة سار عليها الجميع .
الغرفة الرئيسة تفتح شرقاً . بابها يتوسطها . أربع نوافذ تفتح مُناصفة : شمالاً وجنوباً. على يمين الغرفة وأنت تستقبِل بابها من الخارج ،توجد سبورة ، تقع في مستوى النظر. صُنعت من الأسمنت والرمل ,طُليت بالبوية السوداء . تُكتب فيها أخبار الفريق ومواعيد التمارين وأخبار مُباريات فُرق " الليق " . لم تكن هنالك ممارسات رياضية سوى كرة القدم ، والباحة العشوائية التي يسمونها " باحة رفع الأثقال " . طاولة وحيدة للرياضة العقلية " الشطرنج " كانت تهُمنا ، ونحن في المرحلة الدراسية الوسطى ، في الثانية عشر أو الثالثة عشر مما مضى من أعمارنا . حينها كانت " الشطرنج " مَنبوذة لأن اللاعبين اثنين فقط وثالث ينتظر دوره . يتدخل وفق ما يتيح له الفضول ، يُلجمه تعنيفاً الذي يتجه متدحرجاً للهزيمة !. كنتُ أحد هؤلاء الثلاثة . طفلٌ يحاول أن يلحق بالبلوغ . ولكنها ترفيه " أهل الصفوة " !.
كان الآخرين يصفوننا " بالمُتمَحِّنين " . يعتقدون أننا نلعب ونحن مُتعالين عن العامة ، لأن لعب الورق كان يشبه الإدمان . صراخ وولولة ، وأحياناً رقص ، وصناعة الألقاب تصبح من مُخرجات تلك المهنة الترفيهية التي يحاول كثيرون تضييع الوقت بها ، وكان الوقت من أبخس المعروض ، لذلك يعمل العامة على قتله !. لم يدر أحد أن لعبة الشطرنج قديمة قِدم التاريخ! .
فروقات ظهرت بيننا وبين أندادنا في وقتٍ مُبكّر . فرقتنا سُبل العيش . والصِراط هو الوقت الذي يفصل الذين يتم قبولهم في المرحلة الوسطى ، وبين الذي يُكملون المرحلة الأولية ، ثم يتفرقوا ليصبحوا عمالة في الحرف اليدوية كالنجارة والحدادة وغيرها .
اثنان يشغلان طاولة مع صمتهم التام وهم ينظرون ولا حديث بينهم إلا رؤوس أقلام. وفي المقابل الآخرون يلعبون الورق البريء،مع كمٌ هائل من الزعيق والضجيج !. المنهزم عندهم يطلب للفريق المنتصر كوبين من"الشاي مع الحليب" . وهذا يربط صاحب " البوفيه " بدوام الحال .الطلب بقرش صاغ. الذين يلعبون الورق هم أغلبية رواد النادي ليلاً. نحن كُنا نشتري كوبين أو ثلاثة ، كي لا يتضرر أحد.
(7)
كانت الحياة أبسط من تعقيد المدن ، وفي العام 1948 ، قبل استقلال السودان بسبعة أعوام كانت "أم درمان " من أكبر المُجمعات البشرية في العالم حسب الإحصاء، ولكنها لم تزل قرية !.
من جهاز الراديو الذي يجلس عالياً على رف خشبي صغير ، كُنا نسمع كل ليلة خطاب للرئيس "جمال عبد الناصر" رئيس مصر ، من صوت العرب . يمارس هجومه اليومي الساخر على "المملكة العربية السعودية "وملكها جلالة الملك " فيصل آل سعود " ! . خصومة لم نكُن ندرِ سبباً لها عند في طفولتنا تلك. انتهت لاحقاً بعد هزيمة 1967 ، في مؤتمر القمة العربية أو مؤتمر اللاآت الثلاث بالخرطوم على يد رئيس الوزراء الأسبق " محمد أحمد محجوب" وقد قدم دعوة للقائدين ( جمال عبد الناصر رئيس جمهورية مصر ) و ( جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود ، ملك المملكة العربية السعودية ) لزيارة بيته. خرج الزعيمان من بيت " المحجوب " متصالحان ! .وتفرقت الأموال التي تبرعت بها كل من المملكة العربية السعودية ومملكة ليبيا ودولة الكويت لصالح دُول المواجهة ، وترفَّع السودان أن ينال دعماً مادياً ، ورأى أن دول المواجهة أحق .
“يا تُرى منْ ينصف ماضينا ويعفينا من جلد الذات ، ووصم آباءنا بما لا يليق “!!
(8)
كُنا نشهد محاضرةً كل أسبوع يلقيها علينا الأستاذ " عبد الله عشري الصديق " . كان هو موسوعة ثقافية تسير على قدمين . يتحدث في كل شيء . يحفظ القاموس الإنكليزي ، ويتحدث الإنكليزية القديمة بطلاقة . كان الحضور يضُم عشرة أو أحد عشر . والبقية الباقية ليس لها غير لعب الورق . يُحسنون قتل الوقت ، كما أسلفنا الحديث!.
(9)
ثنائي أبوكدوك :
من حين لآخر نسمع صوت الثنائي : " حيدر أم حُمد ود عبد الواحد " و " فؤاد ود خوجلي أبوالجاز " يترنمان في صوتين متناغمين . فيصمت الجميع لأن جاذبية أصواتهما تُجبرك على الإنتباه والصمت. وبتشجيع بعض الأصدقاء ،بدأت التمارين على تناول الأغنيات وحفظها ، وترنيمها بشراكة " حيدر" و " فؤاد ". هكذا بدأ المشوار .سريعاً اشتهرا في حي أبوكدوك ، ثم في " أم درمان الجديدة " أو " الفتيحاب " ثم في " أم بدَّة ". وكانت الأخيرة أول نشأتها غرفاً متفرقة في منطقة تقع غرب أم درمان ، كانت سابقاً مكاناً لشجر السِدر والحِنَّاء. تنموا في الخريف أعشاب مطرية، يصل ارتفاعها لمتر أو يزيد .هي مراعٍ طبيعية للأغنام . كان في كل بيت في أم درمان أخوة إضافيين من الأنعام أو الدجاج والقطط والكلاب . كل بيت في أم درمان يكاد يكتفي ذاتياً إلا من السُّكر والشاي وبضع متطلبات أخرى. اقتصاد متوازن العلاقة بين الصادرات والواردات. ولم ينهزم الميزان التجاري في السودان إلا عام 1976 م !!
(10)
أغنيات الجاغريو :
تطور الحال والتحق ثنائي أبوكدوك بنادي" فلاح للغناء الشعبي ". وتم صقل الموهبة المُشتركة لثنائي أبو كدوك . صِرنا نسمعهما يتغنيان في أغلب أغانيهم من أشعار : " أحمد محمد الشيخ – الجاغريو " الذي وُلد بالدبيبة عام 1910.و درس بخلوة الفكي الأمين . رحل وأسرته إلى " قرية بُري " التي هي " بري " الحالية التي تتوسط العاصمة . كانت في زمانها من أرياف مدينة الخرطوم. انتقل " الجاغريو" إلى الخرطوم وصَحِب " عبد الكريم كرومة " .
(11)
غنى للشاعر والمُلحِن والمغني " أحمد محمد الشيخ – الجاغريو " " ثنائي أبوكدوك " عدداً مِن الأغنيات :
الأَباحْ دمي كَتّر همِّي
وين حبيبي ياناس
الأباحْ دمّي قلبي حَبّاهُ
الشّغل فكرّي لاهِي في رُباهُ
الزُهور في الرّوض بيهُو يتبَّاهو
البِميلْ طَرّبانْ رُوحهُ عاجباهُو
وين حبيبي ياناس
بَسَمهُ أغراني حُبهُ غَيّرني
قلبي حَائر في وَصفهُ حَيرني
شُفتَ في الأحلامْ طَيفُهُ زايرني
بِسْحَرْ العُشاق طَرفُهُ حِين يَرْني
وين حبيبي يا ناس
(*)
أغنية آه من آهات قَلبي
آه من آهات قَلبي الإبتَلوهُ
هَاكًم قلبي للمحبوبْ سَجِّلوهُ
كلما فني يَعْلو حُسنُهُ يَزيدْ عُلوهُ
مَا قَادِرْ أميِّز يا ناس أسألوهُ
هو حُسنَ المَحاسِنْ مِن حُور عَزَّلوهُ
(*)
وَين فَايتني يَا تُومي
وَين فَايتني يَا تُومي .. أنا السَّهرانْ كِمِلْ نُومي
غَرَامَكْ لي بَراي مَقسُوم .. وفي الجنب الشمال مَرسُومْ
أسجِّلْ عُمري ليكَ رِسومْ .. ضِميرِكْ بالحِزامْ مَحزومْ
*
تَعَال يا الشادِنْ الفني .. مَعَاه الزّرعي والبُني
في دولة عِزُّهُ متهَني .. تَعال يا ودْ حَمد غَنِي
(*)
الحَوَّاتي
على زَادْ حُب السرورْ .. يا الحوّاتي جَاري الشَّبَكة ام طرور
قَلَب القَلبة بنِظام .. واتْقَفاهَا مِنْ قِدّام
الصّيرة جَات شَايْلة تَمام .. صفَّر غَلَبُهُ الكَلامْ
تسعة قُفَافْ .. يا سلام
يا الحوّاتي جَاري الشَّبَكة ام طرور
شَحَنْ الشُحنَة بضَمانْ .. عَزَلْ الضُعَافْ والسُمَانْ
قامْ اتْوَجه أم درمان .. القَدير أبوعثمانْ
سَاعة النَسَّام اتْنَسَمْ .. ضِحِكْ القَديرْ وابتَسَمْ
المُوجْ صَامِيهُ صَمْ .. مَا بدَقْدِقْ قلبهُ الأصمْ
(*)
هَجروني
هَجَروني هَجَروني .. هَجَروني أيه ذنبي
هَجَروني ليه يا مَلِكْ .. هَجَروني وبَغير عَليكْ
حَسَدوني في حُبي ليكْ .. رازوني قَطَعوا السِّلِكْ
يا رُوحي رُوقِي أكْرَسي .. يا عَوَاطْفي أهْدي وأرسي
يَا حبيبي نَقَر جَرَسي .. دَايرِني أشُوف دَرْسي
(12)
اشترك في غناء بعض الأغاني المذكورة أعلاه بعض مطربي الغناء الشعبي : منهم المطرب" عبد الوكيل أبيض " من "الفتيحاب "وبعض مطربي جزيرة " توتي " ، منهم تحت السِترٍ يبدعون ، ولكنهم هجروا تلك المواهب في مسيرة حياتهم اللاحقة، فاندثرت كثيرٌ من الأصوات الفنية، قبل أن تتفرَّق بأهلها السُبل، إذ تدربت الأصوات في ذلك الزمان على سجيّتها و تنطلق.
(13)
ثنائي أبوكدوك مثل كل الثنائيات الغنائية في الفن الشعبي : " أولاد شمبات " ، " أولاد الموردة " ، " أولاد الدبيبة " ، " تيمان عطبرة "وغيرهم . إيقاعات أغاني السيرة ، والدلوكة ، وأغنيات "راقصات السَّباتة "، وأغنيات " الفوارس" أو " الفروسية " ، والمناحات ، وإيقاعات " التُم تُم " المتنوعة الراقصة وإيقاع " السَيرّة " .
كانت كلها في ذلك الزمان تدخٌل في إطار الأغنية الشعبية ، لوسط السودان وربما في مناطق أخرى تقع في شواطي النيل شمال الخرطوم والجزيرة .
في حفلات الأعراس كان "ثنائي أبوكدوك" يقودان راقصات الحمام . يتقدمان ويتراجعان . صورة فلكلورية من رقص وغناء أفراح ستينات القرن الماضي في أم درمان . الحفلات والأفراح على الهواء الطلق . النساء في مقاعدهُن ، والرجال بعضهم يجلس وكثيرٌ منهم وقوف . كان المجتمع متسامحاً عندما تأتِ مواسم أفراح الأهل .حينذاك لم تكُن الدولة تتدخل في فرض قيود اجتماعية متزمِّتة ،كما هو الحال اليوم .لغة العيون أكثر استخداماً من لغة الجسد المفضوحة ، ولكن صقور المجتمع التقليدي وهي تُنشِب مخالبها حيث الرخو من العواطف حين تتبدّى ، تُكمل صورة الحياة والتاريخ لذلك الفن وأهله ، والحياة الريفية التي كانت تعيشها أم درمان في أوائل الستينات.
(14)
" أم بدّة" كانت جزءاً من ريف أبوكدوك. امتدت الأُسَّر وأقامت هناك . الكثير من الأحياء الأم درمانية ومن المهاجرين من قرى السودان وجدوا عندها الإستقرار . كانت أوائل الستينات فترة تكوّن وتوجُّس بين المُتسَاكنين. كل أناسٍ بمشربهم ومآكلهم وعاداتهم . من كل أقاصي السودان كان هناك ممثلين عنهم ،ليسوا شعوباً ، بل قبائل وزعماء!.
أم درمان صورة للسودان مُصغّرة، كما هو حال " ود مدني " و " الأُبيِّض " ، لكن تراجعت أول الأمر كثيرٌ من العادات المُنفتِحة ، وصارت الحياة الاجتماعية أكثر تزمُّتاً . ثم تعوّد القاطنون على عُشرة بعضهم ، وتغير الحال مع مرّ السنوات، حتى تغير الحال إلى ما نحن عليه اليوم بدأ من سبتمبر 1983 ، ثم التَدَّحرُّج المُريعْ.
*



http://sudaneseonline.com/db/blank.gif (http://sudaneseonline.com/board/265.html)http://sudaneseonline.com/db/blank.gif (http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=profile&nickname=�d8�b9�d8�a8�d8�af�d8�a7�d9�84�d9�84�d9�8 7�20�d8�a7�d9�84�d8�b4�d9�82�d9�84�d9�8a�d9�86�d9� 8a)

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 12:02 PM
(14)
كتبت التومة:

الحَوَّاتي
على زَادْ حُب السرورْ .. يا الحوّاتي جَاري الشَّبَكة ام طرور
قَلَب القَلبة بنِظام .. واتْقَفاهَا مِنْ قِدّام
الصّيرة جَات شَايْلة تَمام .. صفَّر غَلَبُهُ الكَلامْ
تسعة قُفَافْ .. يا سلام
يا الحوّاتي جَاري الشَّبَكة ام طرور
شَحَنْ الشُحنَة بضَمانْ .. عَزَلْ الضُعَافْ والسُمَانْ
قامْ اتْوَجه أم درمان .. القَدير أبوعثمانْ
سَاعة النَسَّام اتْنَسَمْ .. ضِحِكْ القَديرْ وابتَسَمْ
المُوجْ صَامِيهُ صَمْ .. مَا بدَقْدِقْ قلبهُ الأصمْ
(*)


يا الله

أدهشني ما وجدت هنا

أول مرة ألقى رواية مشابهة لرواية مدحة الشيخ أبكساوي
علي زاد حُب الإمام..المكاوي..ساكن الحُجرة أم رِخام

أيهما أقدم؟؟؟

وتعود بي ذاكرتي لمداح أمدرمان الذين يفدون زواراً أو أولئك الذين طاب لهم المقام
فتوشحت بهم الليالي والحوالي وطربت لمخبوتهم ومربعهم وحربيهم وو جدران الجامع الكبير
وأذكر بالرحمة والحب الشاعرين الأمين القرشي وزميله علي..أساطين الصيحة في طابت وأهل المدرسة المتفردة في المديح
نعم الزمال هم..
ولو عرجت بي يا أستاذي على حي البوستة وأخدنا إستراحة تاريخية عن الأضرحة أو المقامات أو البنايا للشيخ أحمد أبكساوى والشيخ دفع الله الغرقان
تكون سمحة منك.

والله شكراً

بابكر مخير
13-07-2018, 12:04 PM
قرايت كلامك ما بتنمل
وطريقة حكيك تذكرنا الأهل
توهنا بين الجُمل
والعشراقة سادآ الحلق من طعم العسل

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 12:04 PM
(15)

الفاضلة التومة
تحية طيبة لك وأنت تزورين هذه السجادة المفروشة بالأزاهير ،
أهل أم درمان ، أحد أهل أم درمان المخضرمين ، عندما يتحدثون عنها
ويضحكون ، يقول لهم أنتم لستم من أمدرمان ، وأحسن حاجة تقدموا للوتري الأمدرماني !
يمكن الصدفة تجيبكم للمحبة .
*
سوف نقوم بتشيد كل منابت أم درمان من الذاكرة الثرية .
شكري لك مُجددا

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 12:07 PM
(16)
الأحباب الزوار والفاضلة التومة
تحياتي لكم جميعاً

وأتمنى دوام المقيل هنا ، فهو أفضل للجميع .
عندما جئنا بفيدوعام 1948 عن أمدرمان أعلى المقال ، لم يكن بين أيدينا صورة متحركة أكثر قدماً . وطبيعة القرية / المدينة ، أو مدينة التُراب كما شاع اسمها ، فهي قرية ومدينة ، أسهم الإنكليز في بقائها قرية ، نكاية فيها وفي أهلها. واقتلعوا رفات المهدي المدفون في القبة ، وأشعلوا النار في العظام ورموها في النيل، وأرسل كتشنر جمجمة محمد أحمد المهدي لإنكلترا لتكون مطفأة للسيجاير !. استبشع الإنكليز ذلك الفعل وأعادوا الجمجمة .
حظيت الخرطوم بجلّ اهتمام المستعمرين ، فكانت طرقها تشبه العلم الإنكليزي بعد إعادة تأهيلها . ولمن يدرسون التاريخ فإن الخرطوم في زمن التركية السابقة ، كانت فيها مراقص ، ومنتديات ترفيهية وكانت مدينة "بربر" هي حاضرة المدن أيام التركية ، وكذلك مدينة" حلفا ".
لسنا هنا بصدد ، تميّز أمدرمان ، أو نشر الثقافة العرقية التي عادت مع الإنقاذ للأسف الشديد ، ولكن صارت المدن كل مدن السودان مرتع أوساخ ، أوضح واليها أنه لا يمكن نظافة العاصمة ، والعاصمة تشمل الخرطوم وبحري وأم درمان !!. ورغم ذلك بقي والياً!
ذكرنا سابقاً أننا بصدد إحياء تاريخ المدن ، وذكرنا أن العنوان الذي يوضح أن مدينة أم درمان بعيون ساكنيها . ولم نزكّيها على مدن أو قُرى السودان الأخرى . ومن يري إعادة تاريخ المدن التي يسكنها الناس ، فليبتدروا ملفات عن ذلك التاريخ وهي مهمة ليست بالعسيرة ولكنها تحتاج الصبر . أم درمان هي مدينة التُراب ، لم تدخلها شبكة مجاري في تاريخها ، وقد شملت شبكة المجاري جزء من الخرطوم – الخرطوم القديمة - ، وقليل من شبكة المجاري بحري . ولم تتطور مجاري الخرطوم إلا قليلاً بإنشاء مصفى المجاري بمنطقة سوبا .
لسنا في مباراة بين المُدن ، ولا لمقارنتها ببعض ، لأن السودان كله غطس في بركة سوداء مظلمة ، وقد تدهورت أشباه المُدن السودانية عما كانت في الخمسينات أو ستينات القرن العشرين . تراجعت المدن ، ولا تغرنّكم العمارات والشقق ، فبلد بلا صرف صحي حديث ، وغياب صرف الأمطار وضعف خدمات الكهرباء وتلوث مياه الشرب لهو كارثة حقيقية ، كانت تعيشها أوروبا عند الثورة الصناعية ، ونحن ليس لدينا ثورة صناعية ، فماء مصانع بحري تذهب للنيل الأزرق ، ونفايات صناعة الخرطوم تذهب للنيل الأبيض ، وتلوثت مياه الشُرب! . وأهل السلطة هم الذين لا يحسون بهذا المستنقع لأنهم أوساخ بشرية لا يعرفون الصالح من الطالح . والبقعة بناسها وعُشرتهم الطيبة هي التي عنها نتحدث .
لقد ذكرت أن الخرطوم زاخرة بتاريخها الفني ، وبحري كذلك ، ويمكن لأهل بحري وسكانها والخرطوم وسكانها فتح ملفات كثيرة عن تاريخهما وأمجادهما ما وسعتهم الحيلة في بيان ذلك . فنحن لم نُشر إلى أن المدن الأخرى ليست لها قيمة. وأكثر فائدة أن تذكروا قيمة تلك المدن وسكانها ، وهي في نظري أكثر فائدة من ذمّ أم درمان .
على أية حال ألف مرحب بكم ، حللتم سهلاً ، ولو كانت هنالك ( مشاريب ) كما يقول السوريون الجُدد التي قدموا للأرض الفوضى السودان ، لكنا سقيناكم موجبات الضيافة . ولكن الملفات السماوية ليس فيها خيراً من الكلام الطيّب.
*

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 12:11 PM
(17)

نتحدث الآن عن أحد رموز أم درمان :

المعلم " أحمد بشير عبادي "

أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي .. يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا
سـبحانكَ اللهمَّ خـيرَ معـلّمٍ .. علَّمتَ بالقلمِ القـرونَ الأولى

أحمد شوقي

(1)
خسرنا الكثير بسبب أنّا مشدودين إلى الثقافة الشفهية . الارتجال زاد البداوة .حيوات عامرة لم تدوِّن سيرتها الأسفار ، فبقيت في الصدور . قدراتنا الخلاقة تتفوق على إمكانات الذات حين نرتجل الشِعر والخطابة و قول الأمثال والحكمة وَ عِبَر التاريخ والقصّ. لكنا أهملنا التدوين . ضاع الكثير الذي حملته الصدور حين رحلت عن دنيانا بكنوزها .
كثيرون من الذين يقرءون عن التاريخ ،لا يجدون سوى السياسي المُدون .لا يعرفون أبطال التاريخ الاجتماعي الثقافي الذين كتبوا بطولاتهم زرعاً طيباً . وحدهم الذين يعتلون سُدة الحُكم ، يكتبون تاريخهم في الوثائق مُبرأ من العيوب ويهملون سيرة الآخرين . وهو تاريخ مبتور من جذوره الاجتماعية والثقافية والفنية . كثيرون نهضوا بعبء الحياة الخاصة وكان لهم دورهم الوطني في الحياة العامة وقد أهملهم التاريخ . المعلم " أحمد بشير عبادي " واحد منهم .
(2)
أول مرة التقيته وأنا في مُقتبل حياتي العملية في السبعينات من القرن الماضي ، وهو يُجرب الوجوه الأخرى للحياة الانسانية من بعد التقاعد . من بعد الإطلال على نضارة حضوره بيننا ذات ضحى ،و التحية التي نستقبل بها الأضياف من الشركاء الاستراتيجيين في الأعمال الهندسية في العمل العام في مؤسسات الدولة . كان التعرف عليه كاكتشاف كنزاً من كنوز الحياة ساقته لنا الصُدفة . جاءنا مقاولاً في الأعمال الصغرى من بعد عمر طويل قضاه في معلماً تنقل في أرجاء الوطن الفسيح .جلسنا في حضرته ، مثل غيره من المقاولين يستفسرون عن العروض المُعلنة في الصحف السيارة وحجم المشاريع ومواقعها ،فلدى جامعة الخرطوم حزمة من المشاريع في مسيرتها العمرانية التي بدأت منذ بدايات القرن العشرين . و في ضيافة الشاى الأحمر ،بضاعة المكاتب الحكومية كان بُهار الأنس معه . وجه آخر من وجوه الحياة التي تُطل علينا من حيث لا نحتسب.فأنت من خلال الجلوس معه تتحسس أنك تُجالس هيبة التاريخ وجلاله وهي مصورة من لحم ودم . ذات الجامعة التي تخرج منها 1929 م يأتيها في الثمانينات من ذات القرن ماداً يد التعمير !. فجيل السودنة أكبر مما صورته الكتابات الانتقائية الظالمة . زمن الآباء والأجداد من رواد الجيل الذي نشأ والمستعمر يبسط سلطته في أرجاء البلاد و لا يغفو عن نزوة تمرد إلا وينصُب لقادتها المشانق في الأسواق . فالرعب الذي دخله من موقعة كرري ، وكسر المربع العسكري الانجليزي في شرق السودان لم تترك خياراً للإمبراطورية التي كانت شمسها ساطعة في ذلك الزمان إلا أن تكون خائفة وجلة من ملامح أبناء وربما حملت جيناتهم تلك المقاومة الباسلة .
(3)
" أحمد بشير عبادي " من جيل قوي البنيان شديد الوثوق بنفسه ، حال كل المعلمين . طلاقة في اللغة الإنجليزية والعربية والدارجة وبحر في الثقافة . رداؤه قميص بنصف كم أبيض اللون من القطن الفاخر النسيج ، وبنطال من الصوف الإنجليزي الأسود المنقوش وحزام رمادي وحذاء جلدي لامع . قوام ممشوق تحسبه في الأربعينات وهو في السبعينات . تحسبه و كأنه الشقيق الأكبر لأبنه " الدكتور بشير أحمد بشير عبادي "لا والده . دقيق الملاحظة بصوت قوي النّبر. طيب المعاشرة. كُنا نستريح بوجوده ونستأنس إن كان في الوقت العام من فسحة . فمن جلسة قصيرة في الزمان تتعرف أنت على جزء من تاريخ غابت معالمه . نقرأه مكتوباً على الجباه ومن الحديث والمسلك لا غير .
(4)
أول أمري دُهشت من حديثه من أن راديو الترانزستور كان رفيق نومه صباح مساء !. فالحياة الاجتماعية ترمي شباكها على الأفراد ، وهو واحد من الذين لهم في عمق المجتمع الأم درماني جذور ممتدة. مناسبات ،أعظمها " عقد القِران " و " الدافنة " .المشاركة فيها جزء متمم لحياة السودانيين ولها وهج عند الكهولة. فالموت له أيضاً لذة الشيء الجديد الغريب إذا استثنينا الولادة ، له سره وأُحجيته . أما الأعياد فهي مناسبات كل الأجيال .
كان سيدنا متصالحاً مع مجتمعه ومتداخلاً في صلب نسيجه . تتخطفه طباع الأرياف من الكرم والطيبة وطباع أشباه المدائن من إرث ثقافي مُكتسب . يسترخي كثيرون عن المشاركة في مناسبات الأفراح إلا بقدر ما يسمح الوقت ، فأمرها كالمندوب . ولكن الرحيل والتشييع واجب له في وجدان الجميع أكثر من العبرة والأجل المحتوم . إنه وجه آخر من ثقافة الرحيل لدُنيا يحسبون أنهم سيلتقون بعضهم من بعد عمرٍ حافل طويل . وأصبحت المآتم مجالس اجتماعية كبرى . يلتقون فيه ويتفقدون أحوال بعضهم .يستأنسون ولو في مناسبة حُزن. فقد جففت الحياة السياسية وتجربتها الماثلة الماحقة من أثر الغلو و اختفاء نشاطات الترفيه الطبيعي في الحياة الاجتماعية . فلا نواد ثقافية اجتماعية أو رياضية ولا دور ترفيه ، وإن وجدت لا توفر حياة اجتماعية زاهية . بل حياة قاتمة يلبسها البؤس رداءً . فصادتهم المآتم للقاء يدوم أبداً في الخواطر .
(5)
تخرّج الراحل " أحمد بشير عبادي " مدرساً من كلية غردون التذكارية أواخر العام 1929 م. تزوج بابنة عمه " عامر بشير فوراوي " من بعد تخرجه مباشرة . رُزق بالبنين والبنات ، مثل كل أهلنا في الأرياف وأشباه المدائن ، فكثرة البنين عزوة يعرفها المرء عندما يمتد به العُمر . تنقل سيدنا في مدراس التعليم في أقاليم السودان جميعاً وجرّبت نفسه معرفة وطنه من خلال مهنة التدريس ، عالية المراتب حينها. بهيّة لما تزل أنفسنا بأن المُعلم يستحق أن نوفه التبجيل، فكاد بالحق أن يكون رسولا . الأماني الطيبة أكبر من القدرة على الوفاء .لم تعرف دولتنا ولا قادتها رد اعتبار العلم أوالتعليم و رواده ، لأن الممسكون على سدة الحكم عندنا أحدثوا اختراقاً في بنية الصفوة وهم ليسوا منها ! . كلما مرّ زمان ضَمُرت القدرة على التطور واختبأت الرؤى عن الظهور وكسدت البضاعة وعمّت الهزائم !.
(6)
عمِل الراحل في أواخر الثلاثينات مدرساً للرياضيات في كلية غردون التذكارية ، تماماً كالزعيم "إسماعيل الأزهري" . انتقل لمدرسة " وادي سيدنا " أول إنشائها ، ثم انتقل لمدرسة " رمبيك الثانوية " عام 1951 م وأصبح أول نائب ناظر لأول مدرسة ثانوية تنشئها الإدارة البريطانية في جنوب السودان ( دولة جنوب السودان حالياً ) . كانت له إسهامات معلم يرغب أن يتعرف أبناء الجنوب على الوجه الآخر للوطن وحياته في الشمال . أراد أن يُكسر الجفوة التي اصطنعها الاستعمار الانجليزي منذ سنوات قانون المناطق المقفولة . مدّت الزيارات التي اقترحها لطلاب المدارس النهائية في " رومبيك " جسور الصلة بين أبناء الجنوب وبقية الوطن شمالاً . من تلامذته " أبل ألير " ، قسم الله عبد الله رصاص " ، جوزيف أدوهو " ، "وليم دينق " و"هلري لوقالي " وغيرهم . أين نحن من " مدرسة رمبيك الثانوية " ، ورصيفتها " وادي سيدنا " ؟.أصبحا ثكنتين عسكريتين !!
(7)
انتقل سيدنا نائباً لناظر مدرسة " حنتوب الثانوية " ، ثم مفتشاً للتعليم في " مديرية دارفور " ثم عاد مرة أخرى ناظراً لمدرسة " حنتوب الثانوية " مسودناً الوظيفة لأول مرة في تاريخ السودان بديلاً عن ناظرها الشهير " المستر براون " . رشيقاً أحب مهنته وأحبته أشباه المدائن السودانية والقرى .ترقى في سلم الوظائف الإدارية العليا ، إلى التقاعد في العام 1963 م .
ومن تلك بدأت حياته الأخرى من بعد التقاعد مشاركاً في العمل الطوعي العام . كان عضواً في لجنة استئنافات الخدمة العامة ، وعضواً في مجلس إدارة مستشفي أم درمان . و عضواً في لجنة أهلية لإحياء نار القرآن . وكان من السباقين لإنشاء مجالس الآباء ، التي تهدف الربط الوثيق بين التربية في المساكن والبيوت والتربية والتعليم في المدارس . عمل رئيساً لمجالس الآباء في مدارس " المليك " و " الأهلية الثانوية " ومدارس " الريح العيدروس " و"كلية تدريب المعلمات بأم درمان ".وكان ضمن المجموعة الخيّرة التي تبنت إنشاء الجامعة الأهلية بأم درمان ملتفّين حول الرائد البروفيسور " محمد عمر بشير ".
(8)
عمل الراحل كما أسلفنا مقاولاً للأعمال الصغيرة فترة من الزمان في الثمانينات. ونفذ لجامعة الخرطوم بعض المشروعات الصغيرة . وكنا نلتقي في الفسحة التي نقتطفها من زمن العمل العام . وتعرفنا على أنموذج من جيل " السودنة " الذي ظلمه التاريخ كثيراً ، حين يتحدث عنهم من يكتبون التاريخ بأنهم كانوا مجرد كتبة دربهم المستعمر للوظائف الصغرى ، وليس لهم مُستقبل في صناعة تاريخ بلادهم ، وأنهم يمشون ببطء في أثر الإنجليز ،توابع ليس لهم حظ في صناعة المستقبل. لقد كان ذلك التعميم ظلم كبير في حقهم . ومن كتبوا عن ذلك الجيل أجحفوا أيّما إجحاف في ضمهم لصفوة الفاشلين في القيادة السياسية دون مبرر. ولأن مادة التاريخ ليست بجاذبة لتتبُع مسيرة تلك الأجيال ، والتعرف على وثيق حياتهم الاجتماعية والثقافية وأدوارهم في الحياة العامة التي غابت عن صفحات ما نقرأ من تاريخ سياسي غطى على كل شيء . وما نتعرف عليه من المراجع الانجليزية ، حين يجد المرء تفاصيل الحياة العملية للمستخدمين السودانيين ، ولكنه لا يجد كثير شيء عن الحياة الاجتماعية والثقافية والنشاطات المدنية لهؤلاء. هنالك أشياء غابت عن المؤرخين ولم يتمكن المختصين في دراسة التاريخ بالحفر الميداني بغية الوصول لجذور وتعقيد اعراق أهل السودان وثقافاتهم ولغاتهم من بيانات الذين شهدوا الأحداث ، ليسهُل معرفة عمق الحياة الاجتماعية ومعرفة دروبها الوعرة ، لندرك المعاناة التي أثقلت كاهل المعلمين الأوائل دون أن يحس بهم أحد .
(9)
عند رحيله عام 1991 م رثاه البروفيسور " علي المك " ، ونقتطف بعضاً من خطابه المُرتجل:
{ رأيت الذين درسوا على يديه . قلّ بعض أولئك ، فالكل مستحيل قدومه لمثل ذلك الوداع . منهم من غيبه الموت ومنهم من قعد لا يستطيع حراكاً ومنهم من تنازحت بهم الأوطان . رأيت قسماً من طلابه ، وعارفي علمه . ألوفاً كانوا . هطلت عمائمهم وجلابيبهم البيضاء بلون الفجيعة على مدافن البكري بأم درمان. ربما في غفلة وفي تفريط نودع أناساً ، رجالاً كانوا عِمد هذا الوطن ، ولفرط ما منح أولئك حياتنا من ظل وريف وراحة فكر ، ونعيم علم ، نظن أن ظلالهم التي منعت شمس الجهالة أن تطل علينا ، باقية لن تزول . وكنا واهمين . أولئك قوم أدوا رسالتهم وعلمونا أن نقوى وأن نشتدّ فكراً ساعداً وثبات قلب ، بصورة أدق : خلفوا علينا عبئاً ، ظنوا أننا خليقين بحمله والسير به وتسليمه لأجيال في سباق مبادلة مع زمان هو عدو مبين ، جمّ الترصُد ، ولكنا كنا دائماً نطلب عونهم ونبكي زمانهم. علمونا فأخفقنا كثير أحيان . عادوا يصلحون من شأننا ،فسقط جلنا دون أن يبلغ المرام . صارعوا الاستعمار والظلم ، فصارعنا أنفسنا ونسينا الوطن !.
كنا نأتي دار "العبادي " أيام الاجازات من مدرسة وادي سيدنا الثانوية ومن الجامعة .وكما ألفته سنين طويلات ، كان مهيباً جليل الخُطى . هو هو . رصانة ووقاراً. منذ أن كنا نحضر إلى البيت في ذلك الحي القريب من دارنا . حي قديم ودار قديمة . زقاق يفضي إلى "حِلة المغاربة" وهي رغم أن الناس قد اصطفوا لها اسماً ، قنُعت به وأعجبها لونه . زقاق واحد لا يزيد . يمتد متعرجاً . خيرانه أخاديد وحصاه لهبْ . يرقد من الشمال إلى الجنوب . ثم ينفذ ضلع من أضلاعه يبلغ الشرق ،يقود الأعمى والبصير والمريض والسليم إلى جامع " خضر النحاس ". والشارع مكان الزفّة إلى مطالع رمضان تهفو وإلى مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وطريق الناس إلى المعالي. وأم درمان كلمتني أنها تفاخر به البلدان والأمم .
حزن فريد .أكاد أعرف الحصى ولون الإسفلت في الشارع وشروخه وأعرف وفاءه ينقل المظاهرات الملتهبة إلى الجمعية التشريعية ، وبأعين الطفولة قبلها رأينا جنودنا العائدين من حرب الفاشية في الصحراء الغربية وغيرها ، ولم تتبدل به الحركة ولا وفاء للناس يحملهم من أبوروف إلى السوق . ومن السوق إلى الهجرة والنهر .. وكشة العصاصير هناك ، وصانعوا الحلوى والسروجي ، و"سبيل نايل" والترام يسرع مخادعاً ، يهدئ روع نفسه ومن أنفاسه المبهورات ، يلتقطها . بأعين الترام أرى " سبيل نايل " لا هو محطة ولا هو سندة . وما للترام به شأن لأنه أقيم للسابلة وللظمأ اللاهب والعطش الحرّاق . أتحدث عن المعلم في الذين جاءوا بعده ودرسنا عليهم ما درسوا عليه . بذل لهم بُسط العلم ، وبذلوه لنا يتجدد فيهم ويشمخ . حين أتحدث عن المعلم " أحمد بشير عبادي " فإن الكلام كثير والكلام يجدي ولا يجدي أحياناً . فأي حديث يفي حين نواجه الأنهار والمعالم والمدن ؟}
انتهى المقتطف من خطاب الكاتب الماجد " علي المك " .
(10)
عندما تخرج المعلم " أحمد بشير عبادي " عام 1929 م معلماً من كلية غردون التذكارية . كانت الحركة الفنية تتلمس طريقها . الشعر وشكل الأغنية لتلبي التغيرات التي طرأت على المجتمع . من مجتمع زراعة ورعي محدود ، إلى نشاط حرفي ، وتجاري . ومع تكوين البنية التحتية للدولة تحت إشراف الانجليز وبمال المصريين المستعمرين ، تحددت الأراضي وبدأت البنية التحتية لمياه الشرب والطرقات والسكك الحديدية ودخول الكهرباء . تحولت أشباه المدائن وصارت تقبل حياة السودانيين وأصحاب النشاطات التجارية من وكلاء الشركات الأجنبية والجاليات الأجنبية ، من بعد تحول مشروع الجزيرة الذي ابتدأ عام 1913 ، ليكتمل مشروعاً عام 1927 من بعد اكتمال خزان سنار .
تطلبت تلك الحياة أن يتطور فيها فن الغناء إلى شكله الجديد ، وكانت قمم خليل فرح و إبراهيم العبادي وحاج سرور ( كما يحلو لإسماعيل عبد المعين تسميته ) وكرمة وعبد الرحمن الريح . تلك كانت الحياة الناهضة في شباب المعلم " أحمد بشير عبادي " ومُجايليه .
(11)
تلك كلمات موجزة في ذكرى أنموذج من الذين وقفوا عُمرهم في شموخ يبنون وطناً صار الآن يَشتكي ويرفع ظلامات الحاضر إلى حضرة التاريخ ، فأين نحن يا تُرى من المُستقبل ؟

عبد الله الشقليني
14/7/ 2012 م

*

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 12:13 PM
(18)
المدرسة الأهلية الوسطى بأم درمان:
الغيبة الكبرى ..

(1)
منذ مطلع الستينات، وإلى اليوم لم أزل أذكر لجنة تحديد المقبولين في المدارس الوسطى التي انعقدت في مدرسة أم درمان الأميرية الوسطى. وتم توزيع التلاميذ الناجحين على المدارس، وتمّ استدعاء أولياء الأمور لتقدير الرسوم السنوية بعد القبول حسب مدخولهم ووظائفهم. لم يكن التعليم مجانياً ولكن الرسوم وفق الدخل الشهري لولي الأمر . تم القبول إلى المدرسة الأميرية أم درمان ثم المدرسة الأهلية الشمالية الوسطى ، فالجنوبية قرب منزل الزعيم الأزهري ومدرسة ود نوباوي ...
(2)
في بداية الستينات تمددت المدرسة الأهلية الوسطى بنين إلى مدرستين، الأهلية الشمالية والأهلية الجنوبية، لكل مدرسة ثلاثة أنهر، وكل نهر ثلاثة فصول ، والمدارس الوسطى كانت في ذلك الزمان أربع سنوات، وبكل فصل أربعين طالباً.
تجاور المدرستين غرباً بعد الطريق حديقة مثلثة، أقام عليها الحكم العسكري الأول جهاز تلفزيون أسود وأبيض على منصة عالية ترفيهاً للعامة من الناس، كانت حكومة برلين قد اهدتها لجمهورية السودان مطلع الستينات، ومثيله كان جهازاً في حديقة المجلس البلدي بأم درمان.
يوجد الميدان الرياضي شرق مباني المدرستين، وهو ميدان كرة القدم المخصص للتلاميذ. وعلى الطرف القصي من الجنوب الشرقي للميدان، كان يقبع " مُدفع رمضان ". كنا نسمعه في كل أم درمان القديمة التي تمتد إلى بانت جنوباً والعرضة غرباً وشارع الموردة شرقاً و"القماير" شمالاً.
(3)
نعود لتاريخ المدرسة الأهلية الوسطى، وقد نهضت فكرتها من بعد إصرار الإرسالية الأمريكية على تعليم أولاد المسلمين الديانة المسيحية، بحكم أنها لن تغير مُقررها التبشيري. وطالبت أولياء الأمور بكتابة تعهد بالموافقة على ذلك أو سحب القبول من التلاميذ . فتحمس عامة المواطنين وهبوا لإنشاء مدرسة أهلية. ذكر البكباشي " محمد نور" وقد كان وكيلاً لمفتش مركز أم درمان، أن ثورة الأهالي قد تمددت وطالبت بإنشاء مدرسة أهلية بديلة . وجاء جماعة من الأهالي يستشيرونه، ولم يكتفوا بذلك بل أخطروا "ثابت " نائب المأمور. وقدم الأهالي طلباً بإنشاء مدرسة أهلية. وتم إعلام المفتش. وطلب المفتش شخصين للاجتماع بهم من الأعيان، ووقع الاختيار على السيد إسماعيل الأزهري الكبير "مفتي السودان " والشيخ أبو القاسم هاشم" شيخ العلماء". ووعد المفتش بعد الاجتماع النظر في أمر التصديق. وتم توضيح أن المواقع التي عرضتها الحكومة غير مناسبة وتم عرض وثيقة للمسؤول الإداري تكشف موافقة أحد رجال الأعمال السودانيين على تخصيص قطعة ارض تسع أكثر من ألف متر مربع، بديلاً عن الأرض الحكومية. وفي اليوم التالي جاءت رسالة تلفونية من الخرطوم إلى المفتش تأمره أن يمنح لجنة المدرسة أية قطعة أرض يختارونها في أم درمان. تم فتح المدرسة في منزل تبرع به رجل الأعمال والبر والإحسان " أحمد حسن عبد المنعم "، وكان رجلاً له حماسة وثورية شجعت زملاءه التجار لدعم المدرسة الأهلية. وكتب الشاعر والمهندس واليوزباشي والسفير "يوسف مصطفى التّني " القصيدة المشهورة بمطلعها:
بديني أفخر وأبشّر
ما بهاب الموت المكشر
وما بخش مدرسة المبشر
(4)
تم افتتاح المدرسة الأهلية ووضع حجر الأساس للبناء عام 1927. وتم إقامة جمعية لخريجي المدرسة الأهلية لتكون حلقة اتصال بين المدرسة والخريجين. وتم عمل مسرحيات بنادي الخريجين بأم درمان وأسواق خيرية لريع المدرسة الأهلية. نمت المدرسة الأهلية وصارت أماً للمدارس، حتى جاء مؤتمر الخريجين لينشئ المدارس الوطنية. وكان إصرار الوطنيون على الصبر حتى ينتشر التعليم وتأت أكله، مع الأخذ بيد الفقراء والنابهين. وكان لقائمة من الرموز الوطنية شأن في التبرعات والأخذ بيد المدرسة الأهلية. منهم السيد إسماعيل الأزهري والشيخ أحمد حسن عبد المنعم والشيخ سيد أحمد سوار الدهب والشيخ عثمان صالح والشيخ بابكر الشفيع والشيخ الأمين عبد الرحمن والشيخ حسين تربال والشيخ عمر إسحاق والشيخ حامد محمد علي والشيخ محمد حسن دياب والسيد حسن الطاهر والسيد الدرديري محمد عثمان والسيد ميرغني حمزة والسيد عثمان حسن عثمان والشيخ محمد أحمد البرير.
(5)
النظام الدراسي في الستينات كان : أربع سنوات للمدرسة الأولية ، وأربع للمدرسة الوسطى حيث يبدأ تعليم اللغة الإنكليزية ، ثم أربع سنوات للمرحلة الثانوية قبل الالتحاق بالجامعات . قبل أن تلحق التعليم فوضى تعريب المرحلة الثانوية الهمجي الذي تمّ عام 1965 ، على يد وكيل وزارة التربية والتعليم ، بقرار فردي، وجاءت الخيبة الكبرى على يد الدكتور محي الدين صابر من بعد مايو1969، مُطبقاً هيكلة القومية العربية نظاماً دراسياً لما قبل الجامعة في السودان ، وعرفنا لأول مرة جغرافية الوطن العربي ... ، واكتملت الحلقة الشريرة لهدم التعليم بعد 1989، وما يسمى بأسلمة التعليم .
(6)
في كل مرة لا نَملّ الكتابة أننا دون كافة شعوب الأرض، كان ماضي الاستعمار عندنا أفضل للوطن والمواطن من الحاضر الذي نعيش. لا رؤيا توجه المسيرة، ولا أصحاب كاريزما من المُجددين فلتوا من الاغتيال، فقد كان البناء الاجتماعي والقبلي والطائفي يكره التميّز، ولا يرغب التغيير، وقد ساق المستعمر الأرض وما عليها جبراً لتأسيس بُنية تحتية ،بها طرق ممتدة من المواصلات، تصل منابع الانتاج بدءاً وبميناء التصدير انتهاءً. تم توزيع وتقسيم الأراضي ، وتشييد المباني الحكومية ، واستخدم الإنكليز أموال مصر لدفع تكلفة البنية التحتية بالسودان.
(7)
نسمع كثيراً هذه الأيام عمن يتناول سيرة مؤسسي مؤتمر الخريجين ومنْ قبلهم بأنهم سبب الخراب والفشل الذي نشهده اليوم. ونعرف أنهم أبرياء وأن الداء بيد الذين في عهدهم تمّ استجرار القيّم والأخلاق النبيلة للمجتمع والدولة إلى المزبلة، لينعم من كانوا في القاع بالفيء، ويتركوا ذئابهم المسعورة بعد أن أصابها داء " الكَلَب " السياسي ،لتعُض بلا تمييز ، حتى يشيع الداء بين الآخرين، ويهربوا هُم من المحاسبة. لا أحد يُعفيهم من المساءلة والمحاسبة ودفع الثمن. لم يعُد أهل البلاد طيبين، ولن يتنازلوا عن الحق والعدل والمحاكمة العادلة.
هذا ما فعله تنظيم الإخوان المسلمين الدولي داعماً لفرعه بالسودان ، فهبّ نصراؤه من إرهابيي العالم، ووجدوا ملاذهم في دولة، صار أهلها رعايا، وصار الإرهابيون أهل حقٍ وسلطة. ونعرف أن الفرع والأصل لم يكن أصحابهما سياسيون لهم أخطاءهم فحسب ، ولكنهم قتلة ارتدوا لباس التقاة، ونهضوا ليتملكوا الأرض والزرع والضرع ويستعبدوا الناس، باسم العقيدة، التي تمّ جرّها لصراع هدّ سلطتها الروحية الراعية للنفوس، وساد أقل الناس شأناً وارتفعوا بالبنيان ،وكانوا في السابق على حافة الفقر ،حتى كادوا أن يتسولوا . تعلموا السرقة بدأ من السلطة ثم صعدوا إلى القتل بلا مُبرر سوى الخوف من ذهاب الحكم وعودة المحاسبة. وصار همهم أن يسودوا على الآخرين. هدموا الدولة، وسوّقوا القبلية والعنصرية البغيضة، لكي يعيدوا كتابة تاريخهم الأسود، ليقولوا أنهم مؤسسي السودان، تاريخه وبطولاته. ولوثوا جلال العقيدة، فصار التهليل والتكبير بأصبع السباب، ظناً منهم أنهم باستجلاب الضعاف الراكضين وراء الرزق ، سوف يشتروا الافلات من المحاسبة، وأن أهل السودان طيبون، يمكن أن تنطلي عليهم سلسلة الأكاذيب السمجة، وظنوا بأن التُهم التي تلبسهم، ستستعصي على القانون الحق والقضاء العادل ،ولن ينال منهم أحد، وأنهم مستعدون لفتح السلطة للشراكة عبر مؤتمرات الحوار. وأن الأخطاء القاتلة التي نفذوها وهُم في سُدة الحكم، قد أذاقت أهل السودان في الداخل الويل والمهاجرين في الخارج ويلات عظام. كالكلاب المسعورة، كانوا يسبّون الجميع، فما أكسبوا الوطن إلا كل مُتردية ونطيحة جاءت تتحدث باسمه، ولم يجدوا غير الإرهابيين عوناً لهم، وجاء مُنحرفي النفوس، على سفائن الريح، ينعمون بالسودان بعد أن لفظتهم أوطانهم الأصل. وصار جواز السفر السوداني، شبهة تُحْرِم المواطنين السودانيين الأبرياء من المعاملة الإنسانية.
(8)
تُرى ماذا فعل الإخوان المسلمين الآن بمباني المدرستين الأهليتين بأم درمان ؟ .لقد فعلوا بهما ذات الفعلة التي بموجبها تم إزالة صروح مباني مؤتمر الخرجين كي لا يكون للوطن ذاكرة .

عبد الله الشقليني
18 أكتوبر 2015

imported_عبدالله الشقليني
13-07-2018, 12:18 PM
(18)

في ذكرى سادِن العربي :
"الشيخ الطيب عبد المجيد السراجِّي"


قال عن نفسه : " هكذا خُلقتُ لا أستطيع أن أغير إهابي."
(1)
عن اللغة القرآنية التي أحبها شيخنا " الطيب عبد المجيد السراجِّي" كتب أبو سليمان الخطابي ( حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب- 388 هـ ) وهو يتحدث عن لغة القرآن :

( إن أجناس الكلام مختلفة ، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة ، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية ، فمنها البليغ الرصين الجزل ، ومنها الفصيح القريب السهل ، ومنها الجائز المطلق الرسل ، وهذه أقسام الكلام الفاضل . فالقسم الأول أعلى طبقة الكلام وأرفعه ، والقسم الثاني أوسطه وأقصده ، والقسم الثالث أدناه وأقربه . فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة ، وأخذت من كل نوع من أنواعها شُعبة ، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة ، وهما على انفراد في نعوتهما كالمتضادين ، لأن العذوبة نتاج السهولة ، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعاً من الوعورة . فكأن اجتماع الأمرين في نظمه ـ مع نبو كل واحد منهما على الآخر ـ فضيلة خُص بها القرآن)
(2)
ولد في أواخر القرن التاسع عشر ( 1893 أو 1888 ) ورحل عام (1963 ) ، ونستدل من تاريخ ميلاده الذي ثبّته الشاعر " محمد المهدي المجذوب " في رثائه له بالبيت الشِعري :
خمسٌ وسبعون لم تفرَحْ بمُبتَهِجٍ بما فعلتَ ولمْ تَظفَرْ بِمُعتَصِمِ

درس الخلوة ثم الأولية فالابتدائية .عمل كاتباً ومُترجماً للبريطانيين الذين حكموا السودان وانكَبَّ على قراءة تُراث شكسبير . استقال من العمل عام 1946. عمل محاسباً بسكك حديد السودان وعمل أيضاً في مصلحة الوابورات . هاجر إلى مكة المكرمة وعمل مدرساً بمدرسة الفلاح الثانوية . وهب حياته للنهل من تراث اللغة العربية وآدابها وأشعارها . بل اختار حياة الفروسية العربية نهج حياة وصارت مسلكه اليومي طبعاً وتطبعاً . يرتدي اللباس العربي بقبائه الفضفاض ، ويعتمر العمامة الخضراء ويركب فرسه متجولاً في طرقات أم درمان القديمة.
نحن في أمسّ الحاجة للوفاء للشيخ "الطيب عبد المجيد السراجِّي "، سادن اللغة القرآنية وعاشقها الولهان . كان متفرداً في محبته العربية لغةً وأشعار. تلك اللغة التي تأثرت بها العديد من اللغات كالتركية والفارسية والأمازيغية والكردية والأُردية والماليزية والإندونيسية والألبانية وبعض اللغات الإفريقية الأخرى مثل الهاوسا والسواحيلية . أحب " سيدنا " كلاسيكيات الشعر والآداب العربية ، وقد شغفته حباً ، فتعلمها كدحاً بلا مُعلم ، وصعد من القريب السهل إلى المُطلق الرسل وعرّج سماوات الرصين الجزِل . وهنا كان كهفه الذي يتعبد في مغاراته .دلف للحياة العربية القديمة وتجول باديتها ،واكتسب ثقافتها مسلكاً ولغةً .
اكتنز محبة عميقة للثقافة العربية في قلبه و وهب حياته لتلك الثقافة ، آدابها وأشعارها . أحب حياة البادية العربية الطلقة في سالف عصرها وتقمصها في مسلكه ، وفي معاشه ،بل أقام جسوراً عبرت منها لغته المتداولة إلى العربية الفصحى . كان محباً للحياة العربية في زمانها القديم ، سليقتها وصفاءها ورونق جرسها من سلاسة ، وبساطة ورقة وجزالة وغرابة ووعورة واستيحاش. هاجر مثل كل المحبين من اللغة التقريرية المباشرة في سنوات الدراسة الأولى إلى سباحة أعماق بحورها في مُقبِل أيامه ، فكان سيدنا من الناهلين من ذاك النبع ، قرءاني المرجع ، بهي اللغة ، رصين الشِعر ، فصيح اللسان ، اغتسل من تصحيف لكنة الأعاجم ، فنطق الحرف فصيحاً قرشياً مُستطاباً.
زامل أبا شرف ،" محمد عمر إدريس "، "خليفة عباس" ،" محمد عثمان عبد الرحيم "، "حسن مدثر ".راسل علماء اللغة وقد اعترف له "انستاس الكرملي "، كما راسل" عبد القادر المغربي" ، و"النشاشيبي" و"الشنقيطي." قال عنه " عباس محمود العقاد " : ( إن الطيبَ بحرٌ متلاطم الأمواج ) .
كان فريداً مختلفاً عن أبناء جيله. فقد درس و وهب حياته للنهل من العلوم والحديث عنها . غلبته الثقافة الشفهية فكانت هي حياته، تماماً كالبُداة في التاريخ القديم ، مثلما كانت حياة اللاحقين من سدنة العربية من أمثال الأستاذ " عبد القادر كرف " أو الأستاذ " الجعيلي " أو البروفيسور " عبد الله الطيب " ، حتى أن الأخير كادت ثقافته الشفهية أن تذهب بالكثير من كنوزه الثقافية لولا البرامج الإذاعية والتلفزيونية المُسجلة . لم تكن للشيخ " الطيب السراجِّي " كتباً مدونة إلا بعض أشعار باللغة الإنجليزية وكتابات متفرقة ، فهنالك دون شك مخطوطات خطها الشيخ ، وحفظتها مكتبته و مكتبة خلصاء أبنائه . فقد امتشق حسامه ابنه الراحل " فرّاج الطيب " وسلك مسلكه ، السهمُ مكان السهم حتى تكسرت النصال على النصال . أحب مثل والده العربية لغة وشعراً ، وسجلت له الإذاعة السودانية برنامجاً شهيراً هو " لسان العرب " الذي ابتناه على الأثر ، وحاول فيه تصحيح الأخطاء الشائعة في اللغة العربية المتداولة بالتحوير وبالتبديل و بالتصحيف . وصحح الكثير من الأغلاط والأخطاء ، وهي طبيعية لازمتْ تنقل اللغة العربية عبر الدول والقارات والشعوب والثقافات وتلونت بألوان البيئة ، لو لا مناهج اللغة الفصيحة التي قاومت ،إلى أن صارت لغة الدرس ومرجعية القواعد والنحو والصرف ، ومضابط الشِعر .
سافر الشيخ لمصر في أوائل العام 1948 ، وبقي هناك حتَّى عام 1950م، وكان لديه أمل في الانتماء لعضوية مجمع اللغة العربية في القاهرة ، ولم يوفق إذ ليس لديه كتب منشورة ، وجلس إلى بعض أدباء مصر واستاء كثيراً من حب بعضهم الإطراء ، وساءتهم صراحته ، وساءه منهم أنهم سألوه : أمِن " الكويت " هو أم مِن " البحرين " !!، وتعجب سيدنا كيف لا تستقيم معرفة العربية بأن يكون المتفقه فيها "سودانياً " !، فرجع إلى وطنه . قال عنه الأستاذ "محجوب عمر باشري " : ( لم ينظر " الطيب " للشعر بمنظار اللغة والفصاحة كما أعتقد الكثيرون، بل نظر إليه بمنظار الخيال والرؤى والصور والإيقاع والكلمة المناسبة.)
عرض عليه الصاغ "صلاح سالم " أن يكون مديراً لإذاعة " صوت العرب " في القاهرة عام 1954 ، فلم يقبل العرض .كان الشيخ شديد الاعتداد بفصاحته وعمق دراسته اللغة العربية ، حتى أنه جاهر بأن لا أحد يتفوق عليه في معرفتها .
(3)
كتب عنه صديقه الأستاذ " خضر حمد" في مذكراته :
( عرفنا الأستاذ " الطيب السراج " منذ عهد الدراسة ، فقد كنا نزوره أحياناً ونحن في السنة النهائية من كلية"غردون "واستمرت العلاقة بيننا تقوى حيناً وتفتر حيناً ، خصوصاً وأن بعضنا قد أبعدتهم ظروف العمل عن العاصمة ولكن عندما تجود الظروف باجتماعنا في أم درمان لا تكاد تنقطع عن داره أو ينقطع عن دورنا وكانت مجالسه مجالس أدب وعلم وفضل لا يعرف العبث ولا يريد أن يضيع لحظة من لحظات الحياة في غير علم أو تعلم .
وأكثر وقت قضيناه معاً كان في سني الحرب فالثورة على الإنجليز والشماتة فيهم وتتبع أخبار الحرب والوقوف إلى جانب النازية وقلة وجود المذياع إلا عند أفراد . كل هذه كانت من الأسباب التي وثقت من أواصر الصلة .
والطيب السراجِّي لا يعيش إلا في الأدب القديم والتاريخ القديم والشعر القديم ولا يتأثر إلا بكل ما هو قديم فأحببنا العربية وذهبنا في تتبع أخبار العرب ومسيرهم وتاريخهم وشعرهم .
ومجالس الشيخ الطيب كانت مجالس علم بحق فهو لا يترك شاردة ولا واردة وإذا تحدث تدفق وانحدر كالسيل فهو لا يعرف أين يقف ،بل لا يريد أن يقف ويقول ما دام هناك علم وما دام هناك طريق إلى هذا العلم ورغبة في الحصول عليه فلماذا لا نسترسل فيه والحديث ذو شجون .
لا شك في أننا أفدنا كثيراً وما من لحظة تمر إلا انتفعنا منها سواء في التاريخ أو اللغة أو السيرة . وقطعنا الشهور العديدة ونحن لا نقرأ إلا القديم ولا يلذ لنا إلا العويص من اللغة حتى حاولنا أن نحفظ أراجيز العرب ونتغنى بأراجيز رؤية العجاج ، ثم سرنا نحاول قراءة" المفضّليات " التي يقول الأستاذ أنها ما زالت بكراً وأن عالماً لم يجرؤ على محاولة تفسيرها وأن ما فعله الأستاذ هارون وزميله إنما كان خداعاً فقد قاما بشرح السهل المعروف وتجاوزا الصعب .
وذهبت إلى مصر ثم جاء الأستاذ "السراجِّي" وحاولنا أن نقدمه إلى رجال المجمع اللغوي وأن ندخله عضواً يمثل السودان وكتبت مذكرة ضافية عن الأستاذ وقدمتها للمجمع وباسم النادي السوداني ، وذهبت يوماً ومعي الأستاذ الكبير "توفيق أحمد البكري" لنقابل الأستاذ " أحمد أمين " وكان مديراً للإدارة الثقافية بالمجمع وتحدثنا معه في شأن الشيخ الطيب وكم أدهشنا وسرنا قول الأستاذ " احمد أمين "
لقد قال أنه رجل نادر لو لم أره ما كنت أصدق ما عرفته عنه أنه من النوع الذي يحمل علمه بين ثنايا ضلوعه لا يرجع إلى مرجع ولا يستشير موسوعة ، ثم أخذ يطنب في مدحه والثناء عليه وتقويم علمه ولكنه أظهر أسفه لأنه لا مجال لقبول الأستاذ عضواً في المجمع لأن العضو تقدمه للمجمع مؤلفاته فهو لا يسأل ولا يمتحن وكما علمت فإنه ليس للأستاذ مؤلف أو مؤلفات تقدمه للأعضاء ، ولكن يجب الانتفاع بهذا الرجل النادر المثال .
والتمسنا رابطة الشعراء أو الأدباء التي كان يرأسها الأستاذ "الدسوقي أباظة" وهيأ له الأستاذ "كامل كيلاني" اجتماعاً مع "دسوقي باشا "وتلامذته ولكن الأستاذ صُدم منهم من أول لحظة لأنهم سألوه هل هو من" الكويت" أو "البحرين" فلم يعجبه السؤال واستنكر عليهم أن ينسبوه إلى بلد غير السودان ثم انصرف عنهم إلى الحديث مع" كامل كيلاني ".
وكلما حاول "كامل كيلاني" أن يلفت نظره إلى الباشا وبقية الأدباء ، كان يقول له أين العلماء هؤلاء " قش " .
وكم شكوته لأصدقائنا وحاولت وحاولوا معي أن يفهموه أن العلماء في مصر يتبادلون الثناء والتقريظ وأنت دائماً تبدأهم بالنقد والنقد الذي يكشف حقيقتهم ويقلل من قيمتهم فكان يقول رحمه الله هكذا خلقت جلفاً لا أستطيع أن أغير إهابي .
وكانت صرامته هذه وحرصه على ذكر الحقيقة هي التي أوصدت أمامه الأبواب فلجأ إلى دار الكتب وكان قد تعرف به أستاذ فاضل يدعى " عبد الله أمين " عرف الشيخ الطيب على حقيقته وحاول أن يصقله نوعاً ما حتى يجد له باباً وبدأ الأستاذ يأخذ بعض المخطوطات ويقرأ منها ويصحح ما فيها من خطأ علمي أو تحريف أو تصحيف .
وعاد إلى السودان فما طابت له الإقامة في مصر وعدنا سيرتنا الأولى نقرأ كل ما هو عربي صميم ونجد في "السراجِّي" المعين الذي لا ينضب .
ومات الشيخ الطيب ولكن كيف مات فذلك سر ما زلنا نعجز عن كشف النقاب عنه ، لقد مات الأستاذ مقتولاً وما كان الأستاذ يوماً ما منذ أن عرفناه يحمل الحقد أو يذكر الناس بسوء أو يتتبع الهفوات بل كان قليل الاتصال بالناس ، قليل الحديث وإذا تحدث فكأنما يهمس همساً .
عرفناه عفا نظيفاً مؤمناً ما مرت بلسانه كلمة أحس بأنها خارجة عن الحدود إلا كان لسانه يسبق بالاستغفار. كان معي قبل موته أو قتله بليلتين فقد كان يفكر في أن يتزوج لأنه كان فارغاً كما يقول .
إنها حكمة الله أرادت لهذا الأستاذ الذي كان يسبح وحده والذي كان يفخر أمامنا دائماً بأنه ليس هناك ابن أنثى أعلم منه بهذه الحروف الثلاثة وما حوت ع .ر.ب أراد الله له أن يموت هكذا موتاً شاذاً غريباً كما كان هو في علمه ومعرفته وحبه للعرب والعروبة شاذا وغريباً ونادر المثال .
رحم الله أستاذنا بقدر حبه للغة القرآن وحرصه عليها وإخلاصه لها وحث الناس عليها ورحمه الله بقدر ما كره الاستعمار والنفاق والخداع . )
(4)
رثاه الشاعر " محمد المهدي المجذوب " في ديوانه " نار المجاذيب " بقصيدة من اثنين وخمسين بيتاً عند مصرعه ، ومنها هذه الأبيات :
الشطُّ لا تدنُ منه اليومَ شطُّ دَمِ فإن ظمئتَ فعاقِر دمعَ منتَقِمِ
أَتبع جفونَكَ إن أبصرتَ راحلةً بين المناكبِ تُلقيها إلى الظُّلَمِ
وأَقبل الفجر هل أبدى بنظرته قصراً هنالكَ فوق الشطّ لم يَرِمِ
ما روعةُ القمم الطولى مُجردةً من صيحةِ النسرِ تَدعُو الصبح للقممِ
في شاطئ النيلِ صلبانٌ مُضرَّجةٌ من حولها الصمتُ بُركانٌ بلا حِممُ
أودى السِّراجيُّ لا الأقلامُ مانعةٌ ولا السيوفُ ولا البُقْيا من الذِّممِ
نَديُمكَ السيفُ كم ناجيتَ شفرتَه وكان عندكَ خِلاًّ غيرَ مُتَّهمِ
قضى عَلِيَّا وكَم ْقاضَى به نَفَراً لا يَسْمعُونَ بِغيرِ السَّيْفِ مِنْ حَكَم
رفعتَ وجهَك إذ أَبصرتَ بارِقه وقد علمتَ فلَمْ تَجْزَعْ ولم تخِمِ
لقَيتَهُ بجبينٍ كَمْ شَمَخَتْ بِه وَقَدْ لقيتَ ذِئابَ الأِنْسِ في الأَجَم
*
جالستُ عندَك أوطاراً ظفِرتُ بها كأساً وشِعراً وأَزْلاَماً على صنمِ
بِتنَا المَجَازَ وفي أَرحالِنَا رَجَزٌ يثورُ كالبحْرِ في الأَوزانِ الكَلِمِ
تُصغي وجبْهَتُكَ الشمَّاءُ لاذ بِها ضفيرتانِ لياذَ العُصم بالقِمَمِ
نقيمُ هَيكَلَ عِشتارٍ وندْخُلُه مقرَّبينَ مع الأَسرارِ في حَرَمِ
(5)
غيابه الأبدي :
كتب الشاعر " محمد المهدي المجذوب " في مقدمة قصيدة رثائه :
" دخل عليه قاتله ففلق رأس الشيخ بسيفه المعلق بجانبه ".
لم يُعرف عن سيدنا " الطيب " إلا سيرته الطيبة ووده وعميق ثقافته ومحبته للعلم . ليس بينه وبين الآخرين إلا كثير محبة . لم تَعرف " أم درمان الستينات " جرائم اغتيال ،إلا ما كانوا يسمونها " قتيلة الشنطة " ومصرع الأستاذ " الطيب السراجِّي " . كتب الكاتب الأم درماني المخضرم " الأستاذ " شوقي بدري " الكثير عنه . وتدور الأحاجي والأساطير حول مصرع سيدنا ، وكيف حاك الغموض قميص رحيله . منها أن لصوصاً قتلوه ، ولكن سطوة الأسطورة التي تلتف حول عنق "الطائفية "، سوداوية البطش ، هي صاحبة القدح المعلى في غيبة شيخنا الراحل .
ألف رحمة ونور عليه ، ونهيرٌ عذبٌ من سلسبيل الجنان ، يسري بإذن مولاه من تحت مرقده ، وأن ينال صُحبة الذين أحب في دنياه وأن يكون بينهم في مآلهم بإذن صاحب الوقت ومالك الأرواح .

عبد الله الشقليني
14/1/ 2012

*
http://sudaneseonline.com/db/blank.gif (http://sudaneseonline.com/board/265.html)http://sudaneseonline.com/db/blank.gif

imported_عبدالله الشقليني
14-07-2018, 04:58 PM
https://www.youtube.com/watch?v=mZX_DplAIyY&t=6s

imported_عبدالله الشقليني
15-07-2018, 01:01 PM
(19)
كتب الدكتور عبدالله عثمان :

هذا ممتع يا شقليني حد المتعة
أستأذنكم في نقله لصالون الجمهوريين وإذني معي
----
وطالما الشيء بالشيء يذكر فإني أستأذنكم أيضا أن أضع خيطا قديما هنا
وهو بعنوان: أم درمان بين الأستاذ محمود محمد طه وشوقي بدري
عفوا، فليست هذه دراسة نقدية متخصصة، وإنما هى "قول على قول" مع العذر، للرائع حسن الكرمى، على الإقتباس. لعله ليست من الصدف أن أهدانى الأستاذ عبداللطيف عمر حسب الله، قبل حوالىعقدين من الزمان، رائعة الشيخ بابكر بدرى "حياتى"، والآن يهدينى إبنه الباشمهندس محمود عبداللطيف كتابين رائعين عن "حكاوى أم درمان" للأستاذ شوقى بدرى "حفيد الشيخ" ، ويجدر بى هنا أن أسجل اعجاب الأستاذ محمود بتجربة الشيخ بدرى، فقد ورد فى إستهلال كتاب "الإسلام وإنسانية القرن العشرين" قول الأستاذ محمود: ((حيّا الله ذكرى الأستاذ الجليل، منشئ هذه المعاهد، وطيب ثراه.. فإن معاهد الأحفاد، مجال، كان ولم يزل، من مجالات الفكر الحر.. ولقد كان الأستاذ الكبير الشيخ بابكر بدري طفرة في وقته.. كان يتمتع بقدر كبير من حرية الرأي، ومن التقدم)) إنتهى
أنا كوستاوى المولد والنشأة، ولكنى أصبحت أمدرمانى الهوى، على قول العارف:
رأى البرق شرقيا فحنّ الى الشرق ولو كان غربيا لحنّ الى الغرب!!
هواى لأم درمان جعلنى، ومنذ زمن بعيد، شديد التعلق بأمدرمانيات الأستاذ شوقى بدرى، فى جريدة الخرطوم، ثم فى "الرأى الآخر" التى كان يرأس تحريرها الأستاذ النور حمد فى تكساس، وقد كان يشدنى اليه، ولا يزال، شديد إيمانه بـ "الزول" الأمدرمانى بخاصة، فالسودان عنده هو أم درمان!! أنا، مثل الأستاذ شوقى، أقف كثيرا، عند الدلالات الروحية لكون راديو "أم درمان" يقول لك "هنا أم درمان" سواء أكنت فيها، فى "عد الغنم" أو فى "كاب الجداد"، كأن السودان هو أمدرمان!! ويتغنى أهل "ربوع السودان" بـ "أم در يا ربوع سودانا"!! لكن "أمدرمان" الأستاذ محمود هى "السودان"، فالأستاذ محمود يؤمن بالسودان إيمانا لا حدود له، أقرأ معى رده على الباشا:
"أنا زعيم بأن الإسلام هو قبلة العالم منذ اليوم.. وأن القرآن هو قانونه.. وأن السودان، إذ يقدم ذلك القانون في صورته العملية، المحققة للتوفيق بين حاجة الجماعة إلى الأمن، وحاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب.. ولا يهولن أحدا هذا القول، لكون السودان جاهلا، خاملا، صغيرا، فإن عناية الله قد حفظت على أهله من أصايل الطبائع ما سيجعلهم نقطة التقاء أسباب الأرض، بأسباب السماء.." إنتهى
إيمان الأستاذ محمود بالسودان مبنى على تجربة دينية صرفة، وبؤسس لها كذلك بمستفيض الأحاديث النبوية مثل ماورد فى شرح ابن كثير عن الآية "ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين" "لن تكتمل ثلتنا، الا برعاة الإبل من أهل السودان" وحديث النبى الكريم عن أن هذا الدين ينصر آخر الزمان بـ "الجعد ذوو الجلاليب من وراء البحر" وغريب حديثه عن "أصائل الطبائع" (رحم الله السودان أرق أمتى قلوبا)!! وتجربة الأستاذ شوقى بدرى تجربة "شاعرية" قائمة على مخالطته للذين تشربوا بأصائل تلك الطبائع فطفق يتغنى بها، وفى التوحيد، ان الفرق بين التجربتين، هو إختلاف مقدار وليس إختلاف نوع، كما يقول الأستاذ محمود. والأستاذ محمود يقول أن "العارف" و"الشاعر" كلاهما يقطفان من شجرة واحدة، العارف يظل مهيمنا على تلك الشجرة من عل يقطف منها ما يريد ويضعه حيثما يريد، بينما الشاعر "يتشابى" لتلك الشجرة شأنه شأن"حاطب الليل" يصيب ويخطىء.
فى رائعة الشيخ بابكر بدرى "حياتى" تشدنى، بخاصة، قصته التى حكى عن سنين شدة كانت فى ام درمان، وذهاب الشيخ لقضاء بعض شأن مع أحد تجارها، فوجد الشيخ ذلك التاجر يصيب طعاما طيبا، ودعى التاجر الشيخ فتأبى الشيخ!! لم يرتض التاجر ذلك، وعدّه اهانة وظل يلح على الشيخ أن يعرف السبب!! ويلوذ الشيخ بصمت مهيب، حتى دارت الأيام دورتها، وجاءت سنينا أصابوا فيها بعض رخاء، فحكى الشيخ للتاجر، ليسرى عنه: ان ما منعه من تناول "طيب" طعامه، يومذاك، أن "الشيخ" كان فى حال إملاق شديد، وكانت له زوجة، شابة، حينها، وكانا يتقاسمان طعاما فقيرا، قليلا، وكانت الزوجة، الشابة، قانعة، راضية، فأبت نفس "الشيخ" أن يأكل "سمنا" و"دهنا" ثم يذهب و"يتجشأ" لها فى صدرها!!و لعل ثلاثة الأجزاء لو لم يكن فيها غير هذه، لكانت كافية، لترينا من هو ذاك "الشيخ" الجليل. فـ "زول" الأستاذ بدرى "الأمدرمانى" تكاد تنتظم حياته جميعها، هذه الجبّلة، التى تتأبى "التجشؤ" والآخر فى إملاق!! يطالعك ذلك والأستاذ شوقى يرتحل بك مع "زوله" من "أم سويقو" لكوبنهاجن!! الأستاذ محمود شديد الإعجاب ببيت المعرى:
فلاهطلت على ولا بأرضى سحائب ليس تنتظم البلادا
وهو كذلك كثير الإستشهاد بحديث الأشعريين، ولعلى لم أسمعه من غيره قط، على كثرة ما قرات: (رحم الله الأشعريين، إذا أملقوا، أو كانوا على سفر، أفترشوا ما عندهم من زاد وأقتسموه بينهم بالسوية، أولئك قوم أنا منهم وهم منى)، وهو، كذلك، يردد كثيرا من دارجة اهل السودان: "الما بحل رفيقو شن فايدة سبحتو وإبريقو"؟؟!! ويستشهد من "حقيبة" أم درمان بكثير أبيات فى التعلق بـ "أصائل الطبائع" مثل رائعة خليل فرح "نحن سوجو عروضن" ورائعة الأمدرمانى عبد المنعم عبدالحى – أنا امدرمان- وتكاد تكون كل "أمدرمانيات" شوقى بدرى تدور حول هذه القصيدة التى كان الأستاذ محمود يطلب السماع لها حتى سمع العالم فى 18 يناير 1985:
فيا سودان اذ ما النفس هانت أقدم للفداء روحى بنفسى!!
وقد يدهش كثير من الناس لواسع معرفة الأستاذ محمود بالتراث الشعرى والغنائى، وقد طلب مرة من الفنان الأستاذ عبدالرحمن بلاص أن يغنيه رائعة تراث الشايقية "وامغستى!! رحل تلوت الليل" وهى اغنية تفيض رقة وأصائل طبائع، كذلك معرفة الأستاذ بمدن وقرى السودان وأهلها، وبخاصة بقاع التصوف، مما قد يضيق الحيز هنا عن إيراد، حتى، بعض الشواهد. أما عند شوقى، فنرى شديد إعتزازه بأهل أمدرمان و"تقوقعهم" فى امدرمانهم، فتراه معجبا بأمدرمانيين سألهم فى الثمانينات وربما التسعينات: متى رأوا الخرطوم؟ فأجابوا فى ثورة أكتوبر!! وكما يثمن الأستاذ شوقى بدرى الدور الرياضى والإجتماعى لأندية أمدرمان، والسودان، الكبار المريخ والهلال والموردة، فإن الأستاذ محمود يثمن لذات الأندية ورصيفاتها أنها أخرجت السودانيين من "الأنادى للأندية"!! وان "أفنديتها" هم الذين أخرجوا الأستعمار بينما تجلبب رجال الدين بكساوى "عدم" شرف الإنجليز!!
لشوقى بدرى إعتزاز كبير بثورة أكتوبر وربما بالدور الأمدرمانى الكبير فيها، وله ملاحظة حصيفة أن الثوار فى أكتوبر رأوا أحد الغوغاء يريد أن يستغل المظاهرات ليسلب أحد بقالات اليونان، على ما أعتقد، فمنعه الثوار من ذلك!! قارن شوقى ذلك بما تم فى العراق من نهب حتى للمتاحف!! وللأستاذ محمود إعتداد كبير بثورة أكتوبر، أيضا، بوأ به الشعب السوداني الكريم مقعد الأستاذية بين الشعوب (راجع مقدمةكتاب لا اله الا الله) بموقع الفكرة الجمهورية، وبمناسبة العراق هذه، فقد قرأت فى كتاب "نيل الأوطار" مقارنه لطيفة بين النيل والفرات تشرح لما للنيل من مزايا لا تعد على الفرات – مع أن كلاهما من الجنة كما فى الأثر-
فى تراث الأستاذ محمود، غير المكتوب، قصص يضيق الحصر عنها، عن طيب شمائل السودانيين، وطيب أرومتهم، على إختلاف قبائلهم، ونحلهم، ومواقعهم الجغرافية فى السودان، ولكن شوقى يقصر كل القصص، وهى، بعد، من ذات الأديم، على اهل امدرمان، وقد يغرينى ذلك لتسجيل بعض ملاحظاتى عن السودانيين "اللذين لا يصدأون" كما عبرت د.ثريا العريض، فى بلدان مختلفة رأيتهم فيها، على ذات نهج الأستاذ شوقى بدرى. هل تصدقون مثلا، أن حلم بعض العراقيين ، بعد أن ينزلون المعاش، ان يشترى أحدهم تاكسيا فيوكل عليه سودانيا يديره له!! وتسأله: لم سودانيا بالتحديد؟ فيقول لك: لأنه لا يقشمر!! تسأل وما "يقشمر" هذه؟؟ فتعرف أنها لا يأكل أموالى!! ويحكون لك كيف يتركون أهلهم فى خلاءات، ومزارع، العراق مع الرعاة السودانيين وهم مطمئنون!! سمعت قصصا كثيرة من هذا القبيل، وتذكرت ما حكى لى الأستاذ عبداللطيف عمر، مرة، أنه قرأ فى مذكرات أحد جنرالات جيوش الحلفاء فى الحرب العالمية يحكى عن إحتفال حضره فى ليبيا شاركت فيه وحدات رمزية من جيوش الحلفاء، قال الجنرال أنه لاحظ لما مرت الوحدة السودانية أمام المنصة أنها قوبلت بتصفيق وإحتفال كبير!! فدهش ذلك الجنرال وتسآل فقيل له: إنهم وحدهم هم الذين كانوا لا يعتدون على أعراضنا!! بل يمنعون من يحاول ذلك!! فى الهند قرأت إعلانا لتاجر يعرض شققا ويفضل السودانيين فسألت بعض الطلاب عن السبب فقالوا لى الكثير، وأقله انهم، حتى، ولو سافروا فإن الهندى يضمن إن إيجاره سيصله، وفى الإسكندرية رأيت طبيبا صوماليا، يتخير شقق السودانيين ليودعهم زوجته وطفلها الذى يريده ان يتعلم العربية، إذ سيذهب الوالد لدراسة بإيطاليا، وهو، مطمئن لزوجته فى كنف صلاح دفع الله وإخوته!! وفى مدينة أمريكية صغيرة، تقوم بعض فضليات السودانيات بإدارة حضانة للأطفال، كان هناك تخوفا وترددا، فى بادىء الأمر، من جانب السكان المحليين لإيكال أمر أطفالهم لهؤلاء "السود الأغراب" ولكن لم يمض وقت طويل حتى أصبحت بعض الأمهات عندما يسافرن لا يجدن لأطفالهن ملجأ غير أحضان أولئك النسوة "السود الغريبات" وقد تجد طفلا فى "مولات" الأمريكان يرقص على إبقاع "كدى كدى" وينام عليه!!
لقد سكن الأستاذ محمود ام درمان منذ زمن بعيد، سكن فى بيت المال زمانا، ثم رحل لبيت جالوص، مثل سواد السودانيين، بالمهدية، الحارة الأولى، وقد كانت للحزب الجمهورى دارا معروفة بالموردة بأم درمان، وقد أجريت بالموردة فى عام 1971 أول زيجة جمهورية على مشروع "خطوة نحو الزواج فى الإسلام" الذى أسس له الأستاذ محمود، وقد دهشت لكونى لم أجد اى إشارة فى كتابى الأستاذ بدرى للأثر الكبير الذى أحدثته تجربة الأستاذ محمود فى "أمدرمان" الستينات والسبيعنات من القرن المنصرم، وهى الفترة التى أرّخ لها شوقى، فى معظم الكتابين. كنت أحب ان أقرأ له عن بعض الأسر الأمدرمانية العريقة التى لها علاقة، بصورة أو بأخرى، بالأستاذ محمود، ولعل فى الموردة نفسها أسر مثل أسرة العم الراحل محمد فضل محمد صديق، ولا تزال له بها دار معمورة ببنتيه نجاة وإعتدال وأسرتيهما وهن من أعلام أمدرمان عامة، والموردة بخاصة، وأسرة العم إبراهيم أحمد نصار، أطال الله عمره، وهو الذى تمت بمنزله، ولبنته الراحلة كوكب الزيجة آنفة الذكر، من الأعلام كذلك الراحل الفنان التوم عبدالجليل وفى العباسية أسرة العم عباس عيسى الحلو وزوجه أم مهل عبدالله الحلو وهم من أحفاد الأمير على ودحلو، وفى بيت المال آل الأمير أبوقرجة، آل الغول فى ودأرو، وآل حجاز فى أبىروف، عن الشاعر العارف الشريف البيتى، والشاعر أبوطراف النميرى والهادى نصرالدين فى ودنوباوى، عن آل شكاك وآل عبدالرحيم البخيت وعن الطبيب البلدى الفذ حسن خشم الموس وآخرين كثيرين. كنت أحب أن أسمع أكثر عن غريب قصص الشيخ غريب الله أبى صالح مثلا.

عموما قد أعجبت أيما إعجاب، بكتابى الأستاذ بدري عن "حكاوى أم درمان" رغم ما قد يأخذه بعض الناس على الصراحة المتناهية فى بعض أجزائهما، ولكن ذلك تاريخ على كل حال، وإن لم يتعود السودانيين بعد على تلك الصراحة. حتى الجانب الفكاهى "ديل مقانين!! غنماية ولا بابور بحر؟؟" وقصص كمال سينا عليه رحمة الله، وشخصية "باب الله" ملازم الإمام عبدالرحمن المهدى، وعلى فكرة فقد كنت أشارك فى هذا المنبر بإسم "باب الله"، صحيح هى الأحرف الأخيرة من إسم جدى بابكر والفاصلة الأخيرة من مركب إسمى الأول، ولكن كان، ولا يزال يأسرنى فى ذلك الإسم رمزيته، رمزية "باب الله" لإنكسار السودانيين، ودعاء القلب، وأرجو أن أكونه، فـ "هو" عند المنكسرة قلوبهم من أجله!!
كأنى بأم درمان، التى احبها الأستاذ محمود، وأتخذها مسكنا، قد تأبت أن يتم، ما تم فى 18 يناير، على أرضها، ولكنها عادت وأصبحت "مثوى" له، حسب شهادة الطيار فيصل مدنى صالح، فأستشهد "الأمدرمانى" العريق د.منصور خالد عبدالماجد، فى رائعته، عن ملحمة الأستاذ محمود، بأبيات الطوسى:
لم تبق "بقعة" غداة ثوى الإ وأشتهت انها القبر!!
إكرم بها من "بقعة" وإكرم بساكنها من ساكن!!
فيا "بهجة أمدرمانى" لك منى تعظيم سلام ... قيام!! جلوس!!


أم درمان: بين الأستاذ محمود وشوقى بدرىأم درمان: بين الأستاذ محمود وشوقى بدرى
URLEmailProfileEditرد على الموضوع

imported_عبدالله الشقليني
15-07-2018, 01:03 PM
https://www.youtube.com/watch?v=50FZoYoRnKE&t=348s
(20)

imported_عبدالله الشقليني
15-07-2018, 01:05 PM
(21)

https://www.youtube.com/watch?v=buIsPr_hAuo&t=35s

imported_عبدالله الشقليني
15-07-2018, 01:07 PM
https://www.youtube.com/watch?v=8yA-Ln6NxVI

(22)

imported_عبدالله الشقليني
15-07-2018, 01:14 PM
(23)

https://www.youtube.com/watch?v=OjE1TUky5-8&t=147s

imported_عبدالله الشقليني
15-07-2018, 01:16 PM
https://www.youtube.com/watch?v=AiNah5cIdyI&t=1463s

(24)

imported_عبدالله الشقليني
15-07-2018, 01:20 PM
https://www.youtube.com/watch?v=hHCZ3Zi04Q4
(25)

imported_عبدالله الشقليني
15-07-2018, 01:22 PM
https://www.youtube.com/watch?v=JiQzvArdB7I&t=45s
(26)

imported_عبدالله الشقليني
15-07-2018, 01:23 PM
https://www.youtube.com/watch?v=mAZw4BR5JRw
(27)

imported_عبدالله الشقليني
15-07-2018, 01:26 PM
https://www.youtube.com/watch?v=viOyuOQvqbQ&t=130s
(28)

imported_عبدالله الشقليني
15-07-2018, 01:29 PM
https://www.youtube.com/watch?v=sKUgCgXTTLA
(29)

imported_عبدالله الشقليني
15-07-2018, 01:33 PM
https://www.youtube.com/watch?v=JvbvCX8w3jU

(30)

imported_عبدالله الشقليني
15-07-2018, 01:39 PM
https://www.youtube.com/watch?v=fXAgokoHcuA
(31)

ناصر يوسف
17-07-2018, 09:00 AM
أمدرمان الحبيبة

شكراً شقليني علي هذا البهاء و هذا الوفاء للبقعة الجميلة

الماعون الذي يسع الكُل

imported_عبدالله الشقليني
20-07-2018, 01:20 PM
لك الشكر الجزيل أخي الأكرم : الأستاذ ناصر

imported_عبدالله الشقليني
07-08-2018, 05:04 PM
ربما كان نعي الأستاذ كمال الجزولي لصديقه هدهد ، وجه نراه نحن في ذاكرة أم درمان:
*
هُدهُدْ: نُقُوشٌ عَلَى ذَاكِرةِ الفَقْد! .. بقلم: كمال الجزولي
نشر بتاريخ: 07 آب/أغسطس 2018
(نُوسْتَالْجيَا فِي تَذَكُّرِ أُمْ دُرْمَانِ عَبْدِ الهَادِي،
ولَولَا فُسْحَةُ الأَمَلِ لأَسْمَيْتُها مَوْتُ دُنْيَا أُخْرَى)http://www.sudanile.com/images/kamall.JPG(1)
كان نصف أم درمان الشَّماليُّ، أواخر خمسينات القرن المنصرم ومطالع ستِّيناته، هو عالم طفولتنا الخاص، ومرتع تلقائيَّتها العذب، ولمَّا تكن يد تغييرٍ تُذكر قد مسَّت، بعدُ، معالم المدينة الأساسيَّة، مذ كانت، قبل ما يربو على نصف القرن من ذلك، محض خاطـرة عن قيمـة التَّنوُّع تطوف بذهن سيِّدي الإمام المهدي عليه السَّلام، ثمَّ تولى تخطيطهـا، وتنفيذهـا، سيِّدي الخليفة عليه رضـوان الله، لتنشأ الأحياء على ذات النَّسق المائز لرايات جيش المهديَّة، تحت كلِّ رايةٍ قوم، وأمير، وثقافة، في تساكن حميم تزينه الرَّغبة الخالصة في التَّعارف الصَّميم، ويجلله التَّوادد، والتَّراحم، والتَّصاهر السَّمح مع أقوام الرَّايات الأخرى.
كان الخُدِّير "الأكلو الطير"، كما في بعض ما صنعوا من غناء، يفرش سجَّادته ناعمة الخضرة على امتداد النَّواحي الشَّماليَّة من ذلك النِّصف الشَّمالي، بما تحوي من حُفَر القمايـر، وأحياء الكبجاب وودنوباوي إلى مقابر أحمـد شـرفي؛ وتحدُّه، كانت، من الجَّنوب أحياء العـبابدة، والشُّـهداء، واليهـود، والشَّيخ دفع الله، والرُّباطاب، والعرضة؛ أما من الشَّرق فالملازمين، والسُّور، وبيت المال، واب روف، وحفر ود دلوق، إلى فريق الدِّباغة؛ وأمَّا من الغرب فحيُّ العمدة، وفريق أمبور، ومقابر البكري، والمسالمة "تعود لمسالمتك سالم"، والمظاهر، وحيُّ العرب إلى مقابر الجَّمريَّة. وفي الوسط من ذلك كله يقوم السُّوق الكبير، بجامعه الكبير، وترامه الكبير، وسينماته الكبيرة ـ برمبل والوطنيَّة "هلمُّوا .. هلمُّوا" يهدر بها بوق الصَّفيح من عربة الكارو بلوحتيها الضَّخمتين تتأرجحان على جنبتيها بتصاوير كلارك جيبل وريتا هيوارث وفريد شوقي وعمر الشَّريف وفاتن حمامة، "هلموا .. هلموا"، والمقاهي الكبيرة، وداللغا وشديد ويوسف الفكي وجورج مشرقي ـ سوق الموية". وكان للأزمنة، وقتها، عبقُ المدينة النَّاشئة، وللأمكنة عبير التَّمدُّن القادم. وكان كلُّ الذين يأتون من الأقاليم البعيدة لينضمُّوا إليها، يحتقبون محبَّتها، مع رغبة الاندغام الصَّميمة في دنياواتها، كي يصيروا بعض حلمها العذب، ومخايلها الجَّميلة، فتأخذهم بين أحضانها، تطعمهم من فاكهة إلفتها، وتسقيهم من حليب تلقائيَّتها.

كان ذلك كله قبل هجمة التَّرييف المحمول طيَّ رغائب المضطرين، لا المختارين، مِمَّن أرغمهم الجَّفاف والتَّصحُّر، مثلما أجبرتهم الحروب، والحرائق، والمَقاتل، وسوء السِّياسات، وخراقة السِّياسيين، على أن يهربوا من قرى وبَوادٍ لطالما ألِفوها وألِفتهم، ولو كانوا خُيِّروا، أو كان الأمر خالصاً لإرادتهم، لما كانوا هاجروا، أصلاً، منها، هِجرتهم غير المنتظمة هذي، مفتقرين حتَّى إلى أدنى استعداد كي يتشرَّبوا أقلَّ القليل من مزاج المكان الجَّديد، فلم يكن ثمَّة بُدٌّ، والأمر كذلك، من أن "يخترعوا"، في حارات هذه البيئة الحضريَّة، وشوارعها المسفلتة، وأزقَّتها التُّرابيَّة، وميادينها، وأسواقها، بادية بديلة تتناسب مع ما ألِفوا، وما اعتادوا عليه من بيئة وحياة!

الشَّاهد .. كان سلاطين التَّغنِّي بالحبيبات والأوطان يجمعون، كما في قبضة يدٍ، كلَّ تلك الجُّغرافيا الصُّغرى، ضمن جغرافيا أم درمان الكبرى، وجغرافيا السُّودان الأكبر، ثمَّ سرعان ما يفردونها شمسيَّة مونقة الألوان، وأجهزة الرَّاديو تبثُّهم، صباح مساء، إلى أفئدة النَّاس، فتورق العوالم الجَّافة، وتزدهي الدُّنيا الفقيرة، من الخليل وسرور والعبَّادي وكرومة وود الرَّضي وسيِّد وأبو صلاح وبطران والأمين برهان وإبراهيم عبد الجَّليل، إلى عبد الحميد يوسف وزنقار والعمري وعتيق والكاشف والتِّنقاري وعبيد وعبد الدَّافع وأبو الجُّود، ومن أحمد المصطفى وحسن عوض وبازرعة وعثمان حسين وعبد المنعم عبد الحي وأبو داود وسيِّد خليفة وود القرشي وعثمان الشَّفيع، إلى عبد الرحمن الرَّيَّح ورمضان حسن والتَّاج مصطفى وسعديَّة العوَّاديَّة والطاهر إبراهيم وسيف الدِّسوقي وإبراهيم عوض وابن البادية واسماعيل حسن ووردي وبرعي وشرحبيل والجَّابري، وأنجمٌ كُثر كُثر.

وفي سماوات الحركة المسرحيَّة كانت أنجم أخرى تتلألأ، حيث خالد أبو الرُّوس وإبراهيم العبَّادي وميسرة السَّرَّاج "أعطني قرشاً أعطيك مسرحاً" يتبعون أثر صديق فريد الذي خلد ذكره بما قدَّمت فرقته من أعمال باكرة على خشبة نادي الخرِّيجين الكائن في الركن الجنوبي الغربي من المستطيل الممتدِّ من السُّوق الكبير إلى السُّور "إن لم أصُن بمهنَّدي ويميني × مُلكي فلستُ إذن صلاح الدِّينِ"؛ وقيل إن علي عبد اللطيف، زعيم الحركة الوطنيَّة في العشرينات، كان ينشط، بنفسه، في تلك الفرقة .. كمصمِّم أزياء!

وعلى ذكر نادي الخرِّيجين فقد قامت، خلال السَّنوات اللاحقة، أندية كثيرة في أحياء المدينة، مشدِّدة على رغبة الأهالي الصَّميمة في الولوج إلى قلب الحداثة والحياة العصريَّة، من خلال النَّشاط الجَّمِّ في ترقية الرِّياضة والاجتماع والثَّقافة بطوابعها المدنيَّة في التَّنظيم والإدارة. ولم تقتصر تلك الأندية الشَّعبيَّة على المشهورات الثَّلاثة، الهلال والمرِّيخ والموردة، فحسب، بل قامت في الأزقَّة التُّرابيَّة أندية الزَّهرة، والشَّاطئ، والكراكسة، والإصـلاح، والإخـلاص، واب روف، وبيت المال، وحي العرب، وغيرها.


(2)
ورغم الفقر الشَّائع، كأثر موروث عن المرحلة الاستعماريَّة، كان لطفولتنا تلك مذاق بليل الفريك بالسَّمن البلديِّ، ومصابيح الشَّرافة تزدهي بألوانها المشعشعات على حوافِّ الألواح، تماماً كنساء جحا يزدهين بشلوخهنَّ المضيئات على صناديق الحلوى وجدران المقاهي، وسيف الحاوي الخضر يحشر ابنه الأصغر الحسين في صندوق صغير، ثمَّ يروح يشطره نصفين، على أنغام أكورديون ابنه الأكبر عبد اللطيف، قبل أن يعيده سالماً كاملاً، لا جرح فيه ولا أوهى خدش، أمام أعيننا الواجفات وأنفاسنا المبهورة!

وكان لطفولتنا اضطرام المخايل البكرة في المساءات المنزليَّة، بأحاجي الفواطم السَّمحات، والفوارس الأشدَّاء، وصيحات الهنود الحمر تهبُّ، مع برودة النَّسمات، من جهات برمبل والوطنيَّة. وكان لسباحة الظهيرة احتدام أشواقنا النَّاهدة، طوال النَّهارات المدرسيَّة، من بحر اب روف إلى بحر بيت المال، نعود منها بغبشة مفضوحة، وشهيَّة مفتوحة، حتى إذا غيَّمت العصاري، ونشَّرت عبقها الفوَّاح، ولبقها الرائق، انطلقنا، نحن زغب حواصل الاستقلال، وقتها، وبشريات باندونق، وأحزان توريت، وجلالات حلايب، ونداءات "المجدُ لمين"، و"يا بني السُّودان"، و"يا شباب كوريا"، و"أيها المبعوث فينا"، و"منقو قل لا عاش من يفصلنا"، نملأ سوح المدينة، وأسواقها، وأزقَّتها، ضجيجاً، وعجيجاً، ومهرجانات من البللي، والدَّافوري، والسِّيجة، وصفرجت، وشليل، وحرينا، وشدَّت، وأم الصِّلص، وأم الحُفَر، وسجَّك بجَّك، وعسكر وحراميَّة، وسباق التَّرتارات، ثمَّ سباق الدَّرَّاجات الصَّغيرة نستأجرها من عجلاتيَّة الأسواق والأحياء، وكذا سباق التقافز المتعاكس نتبارى فيه من محطة المجلس البلدي إلى المحطة الوسطى إلى جهات البَحَر "بالطريق الشَّاقي التُّرام"، ترام الاسكندراني أو ترام ودَّ العمدة، حتى إذا صرنا إلى معديَّة اب روف، وسوق ام سويقو، عرجنا نواحي السُّور والملازمين، كي ننخرط في طراد لا يفتر لأقوام من الفراش، والكُدُندار، والجَّراد، كلٍّ في موسم لا يتأخر عنه ولا يتقدَّم، وأجـناس شـتَّى من طـيور ملوَّنات مزقـزقات، نصــطنع لهــنَّ، بكـلِّ مـا حـبانا الله مـن مهارة وحذق، أشكالاً من نُبلان سديدات، وألواناً من حبائل لا تخيب.


(3)
على طقوس الانسجام اليوميَّة تلك شببنا؛ وفي مستطيلنا المار ذكره من بقعة الإمام عليه السَّلام شببنا؛ وبين صداح المآذن وأجراس الكنائس كما في إنشاد التِّجاني "بِنْتُ وَهْـبٍ شَـقِيقَةُ العَذْراءِ" .. شببنا؛ مثلما شببنا على أصداء ذكريات "خلوة بولص"، القبطي الخيِّر النَّابه الذي كان أقامها، وأدارها، ردحاً من الزَّمن، على تخوم بيت المال وأب روف، يعلم القرآن لعيال المسلمين، والإنجيل لعيال المسيحيِّين، والعربي والحساب للجَّميع، مثلما يجود على الكل بوجبة في اليـوم؛ وإلى ذلك شببنا وسـط نفحـات القباب، وبخـور الأضـرحـة، وطبول حوليَّات الشَّيخ قريب الله، والشَّيخ دفع الله، والسَّيِّد المكِّي؛ وشببنا في مختلف الإثنيَّـات، والثَّقافـات، والأديان؛ مسلمين ونصارى ويهود وهنود شببنا، نتزاور وأولاد النَّقادة، بالذَّات، بمناسبة وبغير مناسبة، يطعمون، في بيوتنا، من كسرتنا، وعصيدتنا، وصنوف مفاريكنا، ونطعم من فسيخهم، وبيضهم الملوَّن، ورغيفهم ذي الأكواع، في حيِّ المسالمة الذي تنشع في أرجائه ذكريات النِّضال السِّرِّي ضدَّ الاستعمار، واجتماعات الأماسي في دار فوز "إنْ قَعـَدْنا اخوانَكْ عِجَابْ/ وانْ مَرَقنا السِّرْ فِي الحِجَابْ" على غناء الخليل. ويلذُّ لنا، كان، أن نحتفل معاً في الأعياد، لا نفرِّق بين عيد وعيد، فالجَّميع سواءٌ في الأضحى، والفطر، والفصح، والموالد، والميلاد، وشمِّ النسيم، بقبائلنا المختلفة "يا ام قبايل ما فيك منافق"، على قول آخر للخليل، ومن شتَّى الأحياء والمدارس قطعنا إلى بيوت بعضـنا البعض مشاوير التَّوادد العذبة بطول وعرض هذه "المدينة في القرى .. القـرية فـي المـدائن"، عـلى قـول ود المكـي، فأدام الله المعروف، ومدَّ حباله إلى الأهـل، وإلى أهـل الأهـل، بل وإلى جيران الأهـل، تمامـاً كما في أيَّة قرية صغيرة وادعة!

سوى أن مشاوير التَّوادد بين بيوتنا في حفرة كلودو والشُّهداء والرِّكابيَّة، شرقيِّ السُّوق الكبير، وبين بيوت ناس دار صليح، نواحي البَحَر، كان لها مذاق آخر!


(4)
في "ناس دار صليح" كان نديدنا الحبيب هُدهُد. وفي مهرجانات العصاري تلك، في نصف أم درمان الشَّماليِّ ذاك، تعارفنا، وتآلفنا، وتحالفنا. جمعتنا بهم مقاعد مدارس شتّى في مرحلتي الكُتَّاب والوسطى، بعضها حكوميٌّ، كـ "الأميريَّة ـ مدرسة السَّاعة"، و"بيت المال أ ، ب"، و"الرِّكـابيَّة"، و"الهجرة"، و"أب قرجـة"، و"شـيخ الطاهـر"، وبعضها الآخر قيَّض الله لـه أناسـاً "مسلطين"، على قول يوسف بدري، أو "انسلاطيين"، على قول عبد الله الطيِّب، لم تقتصر نخوتهم الأهليَّة على تعليم البنين وحدهم، وإنَّما شملت تعليم البنات أيضاً، فتأسَّست، على يدي الشَّيخ المستنير بابكر بدري، وأسرته الطليعيَّة، مدارس "الأحفاد"، بعضها للبنين وبعضها للبنات. ثمَّ ما لبثت أن سرت عدوى الخير تلك فقامت صروحٌ شوامخ كـ "الأهليَّة"، و"النَّصر"، و"المليك"، و"النَّهضة"، و"عثمان صالح"، و"معهد القرش"، وغيرها. وكان ذاك هو ذاتُ بذل "مسلطي" أو "انسلاطيي" المدينة في الارتقاء بجودهم الأهلي، حين آن الأوان بعد سنوات طوال من ذلك، إلى "جامعة أم درمان الأهليَّة".

تعارفنا، إذن، في تلك المدارس، مع أندادنا أولاد البَحَر أولئك، وفيهم حبيبنا هُدهُد، وتآلفنا، وتحالفنا، من خلال مشاوير البحث الذَّكيَّة عن الكنز، والزِّيارات الممتعة إلى جغرافيَّات كثر، والرِّحلات التي تدمع لها الذَاكرة حنيناً إلى جبل أوليا، وغابة السُّنُط، وجناين شمبات، مثلما جمعتنا حصص الفلاحة، والمدوَّنة الطبيعيَّة، والجمعيَّة الأدبيَّة، والمكتبة المدرسيَّة، ومنافسات المنازل السَّاخنة، ونزالاتها المشهودة.

نغبطهم، كنَّا، على البَحَر، واللبَخ، وتمر ابونا، ونذور جليس، وميدان البحيرة، وغابة الحراز، وأكَمَات المِسْكِيت؛ ويغبطوننا، كانوا، على التَّراميج، والسِّينمات، وباسطة بيِّن، ودندرمة محمَّد برعي المصري وناديي الهلال والمرِّيخ في زقاق واحد، نشاهد فيهما، يوميَّاً، وبالعين المجرَّدة، صديق منزول، وسبت دودو، وود الديم، وحسن أبو العايلة، وبرعي احمد البشير، وزكي صالح، وجقدول، يشربون الشَّاي بالحليب، في الأماسي، قبل أن يراهم النَّاس، في غدهم، يصولون ويجولون، بدار الرِّياضة، في العصاري!

يتباهون، كانوا، علينا بثلة عباقرتهم التي قد لا تبدأ بالطيِّب السَّراج، ومحجوب عثمان، وطه حمدتو، أو بسيرة الأبروفيِّين الأماجد الذين تأسَّسوا مطالع ثلاثينات القرن المنصرم، وفيهم "أولاد الكد" حسن وحسين، وخضر حمد، والهادي أبوبكر، واسماعيل العتباني، ولا تنتهي بعز الدين يوسف، ثيرد باك الشاطئ الحريف، وعازف العود الحاذق بأوركسترا الإذاعة، أو بالأولاد المبشِّرين، وقتذاك، بشارة، والدِّحيش، وأخيه الأكبر كمال عثمان، وذلك في بعض امتداداتهم الجُّغرافيَّة من أوَّل الملازمين والسُّور، مروراً ببيت المـال، وسـوق ام سويقو، إلـى آخـر سوق الشَّجـرة، وعلايل اب روف. أمَّا نحن فقد كنَّا، فوق تباهـينا بأزهـري، وعبد الله بك خليل، واحمد محمَّد صالح، والوسيلة، وعبد الخالق، واحمد حسن عبد المنعم، وعبد السَّلام ابو العلا، وحسن الظاهر، وبشير البكري، وأحمد بشير العبادي، نتباهى عليهم، أيضاً، سواء في حيِّنا "حُفرة كلودو"، في قلب كرش الفيل، أو في بعض امتداداته الجُّغرافيَّة، من العصاصير والرِّكابيَّة، إلى فريق السَّيِّد المكي والشُّهداء، بعلي المك، وحسن أبو العلا، وإبراهيم حجازي، والسِّميح، والتَّقر، وعبده مصطفى، والطفل المعجزة كمال ترباس، سلالة كسلا الذي جاء يشجي غرارتنا، مطالع المساءات الحالمات، تحت أعمدة النُّور، وفوق عتبات البيوت، بـ "الوسيم"، و"ما معيون"، و"قائد الأسطول"، و"ليك سلامي يا ام در أمان"، وأرجلنا لمَّا تزل، بعدُ، معفَّرة بتراب البللي، وغبار الدَّافوري الحار!

ثم اختلف بعضنا إلى ثانويَّات متباعدات، وبعضنا إلى جامعات شتَّى، وتخرَّج مَن تخرَّج فينا، من داخل البلاد وخارجها، وكبرنا، وكبرت أحزاننا، وانشغالاتنا، وغفلاتنا عمَّا كانت تدسُّ لنا الأيَّام في حبَّات مسبحتها التي ما تنفكُّ تكرُّ، بينما خواطرنا النَّديَّة، وقتها، خالية، بل ذاهلة، كلَّ الذُّهول، عن أن السُّودان، الذي ما كنا نخاله سوى مرتع خضرة دائمة لصبا يانع لا يذوي ولا يزول، يمكن أن يخبِّئ لنا كل هذا القدر من السُّكَّري، وضغط الدَّم، وضيق الشَّرايين، وكلَّ هذه السَّنابك الطاحنة من الرَّكاكة، والكذب، والإحباط، والزَّيف، والحزن الكثيف، والأسى الممضِّ، وعدم المواتاة، والكدر السِّياسي، والثَّقافي، والرِّياضي، ما أضحى يفضي بنا، واحدنا في إثر الآخر، إلى مثل هذا الكمِّ الهائل من موت الفجاءة، وعصف الذَّبحات الصَّدريَّة، ومداهمات السَّكتات القلبيَّة والدّماغيَّة، وأشياء أخرى .. قاتلة!


(5)
مساء الإثنين هاتفته، وكنت فرغت، للتَّوِّ، من تدقيق حلقة جديدة من كتابته الرَّائعة عن "قصيدة الجَّمال بين التِّجاني وتشايكوفسكي"، قبل أن أدفع بها إلى المطبعة، يوم كنت أشرف على إصدار "عدد الثلاثاء المتميِّز" من جريدة "الصَّحافة"، أوان ميلادها الثاني فـي خـواتيم تسـعينات القـرن الماضـي. وعاتبته، أسـتغفر الله، على إخلافه وعده لي بإجراء ذلك التَّدقيق بنفسه، وألا يزيدني به رهقاً على رهقي، فقلت له، وكانت تلذُّ لي مشاغبته:
ــ "كيكي! إنت فاكر نفسك كافكا عشان أصحح ليك بروفاتك"؟!
ولم أنتبه، يا لله، لم أنتبه قط إلى أنه لم يطلق، كما عهدي به، ضحكته المجلجلة تلك التي يهتزُّ لها جسده الوافر كله، وإنْ انتبهت إلى أنه أجابني بحبال صوتيَّة غاية في الوهن:
ــ "لا، فاكر نفسي .."!
وذكـر اسـم أديـب كـان أســتاذنـا المـجـذوب، عليـه رحمـة الله ورضـوانه، كـثيراً ما يتندَّر باجـتهاداته غيـر الموفقـة!
أضحكني بقفشته الطريفة، وشكرني برقته المعهودة، واعتذر لي بالمرض عن عدم الحضور. فقلت له، وأستغفر الله:
ــ "أنت لست مريضاً، هذا محض إرهاق ناتج عن متابعتك في الآونة الأخيرة لتشطيبات البيت".

وكان قد أكمل، لتوِّه، بناء بيته في ضاحية الطائف، وتهيَّأ مع أسرته الصغيرة للرحيل إليه، حتَّى لقد احتجنا إلى فتح الكراتين لإخراج الأواني التي تمَّ حزمها فيها، وذلك لأغراض خدمة المأتم. وقلت له، واستغفر الله:
ــ "يبدو أننا استمرأنا التَّمارض والتَّنقُّل من عنقريب لعنقريب! انهض يا رجل، واذهب لعملك، ولا تقلق عطور والبنيَّات"!
سعل خفيفاً، وقال لي بصوت أكثر وهناً:
ــ "أبداً والله يا كمال .. شاعر فعلاً بأني عيَّان، تعال يا خي نتونس شويَّة، عندي ليك خبر مفاجأة"!
تمنَّيت له عاجل الشِّفاء، ووعدته بزيارته مساء غدٍ الثُّلاثاء، و .. آهٍ لو كنت أعلم الغيب، آه .. لو، لطرت إليه، في لحظتي تلك، طيراناً!


(6)
كان عبد الهادي، أو "هُدهُد" أو "كيكي" كما كنا ندلعه في أوقات الصفاء، وما كان أكثرها، قد أبدى، ذات يوم من سبعينات القرن الماضي، نظراً ناقداً بجرأة في أدب، ولغة، وأسلوبيَّة أستاذنا الجَّـليل عـبد الله الطـيِّب، مِمَّا عدَّه طه الكد تطاولاً على مقام "الهرم الأكبر"، وكان لا يحتمل فيه "هبشة" الرِّيشة، فانبرى لعبد الهادي يكدِّره، بالمقابل، على لغته الحداثيَّة، بمقالة نشرتها صحيفة "الأيَّام"، وقتذاك، وحكى فيها أن "كيكي" كان قد اصطنع لنفسه، في بعض طفولته، حين كان آل الكد وآل دار صليح جيرانا أحباباً في واو، كما بين حيِّ السُّور وحيِّ اب روف بأم درمان، سيَّارة وهميَّة جعل مقودها صينيَّة طعام يخطفها من تُكُل والدته الحاجـَّة فاطمـة بنت عبد الله، ينطلق بها، لا يلوي على شيئ، وهو لا يني يقلد، بحنجرته ولسانه معاً، صوت المحرِّك، متنقلاً بين تروسه المختلفات، وكذا صوت البوق "جين.. جين.. كع.. تريت.. تيت"، أو نحو ذلك!
كان واضحاً أن طه، وقد كانت له، في الزَّجر النَّقدي، صولات وجولات، يرمي للقول بان لغة عبد الهادي، بل ولغة أدباء الحداثة على بكرة أبيهم، هي، من يومها، لغة الـ "جين.. كع.. تيت"، لا يستثني منَّا أحداً! وعندما قرأ عبد الهادي المقالة أطلق واحدة من ضحكاته تلك المجلجلات، حتى دمعت عيناه الوديعتان، وراح يروي لنا بمرح صخَّاب، وكأنه يحتفي بتبكيت طه له، أن والده احمد أفندي صدِّيق دار صليح كان على علاقة صداقة حميمة مع حسين افندي احمد عثمان الكد، والد طه وخالد، وكلاهما خرِّيج الكليَّة القديمة، وقد تزاملا محاسبَين بالحكومة، وتجاورا بأسرتيهما في مدينة واو، حيث أسَّسا معاً أوَّل مدرسة أوليَّة، وكانا يتبادلان بعض مؤلفات الفابيِّين البريطانيِّين Fabians، على غرار ما كان يفعل عموم الأبروفيِّين؛ وكان، حين يبعثه والده بكتاب إلى حسين أفندي، في واو أو في أم درمان بعد عودتهم إليها، يضعه تحت إبطه، ويخطف الصِّينيَّة من المطبخ ليقصِّر مشواره إلى بيت آل الكد بتلك الـ "جين.. كع.. تيت"!
هكذا لم يفُت على هُدهُد الشَّفَّاف، رشيق المزاج، رقيق الحاشية، أن يلتقط ما في مقالة طه من طرافة الأدب، وما في مشاغبته من حسن الطويَّة، فيحسن الظن به وبها، كونه كان ذا حسٍّ عال في الفكاهة، وذائقة رفيعة في الإخوانيَّات.
وشبيهة بتلك الطرفة الحكاية الأخرى التي رواها لي خالد الكد، ضحى يوم شتائي كنا نجالس فيه الحاجَّة فاطمة، برفقة هُدهُد، نحتسي قهوتها الظريفة في صحن دارها، قال يخاطبني وهو يغمز متخابثاً:
ــ "عارف يا كمال لغة الحداثة دي أحياناً بتسبب لي سيدا خسائر فادحة"!
ــ "كيف"؟!
ــ "أهو عندك هُدهُد دا مثلاً؛ مرَّة، وأنا ظابط في الجَّنوب، وكانت تجارة الحدود مزدهرة مع يوغندا وكينيا وزائير، رسَّل لي جواب، كلام الطير في الباقير، أتذكر منه: (القطط العمياء تموت في مقاهي المدينة .. ومش عارف إيه)! طبعاً قريت الجَّواب ونسيتو. وبعد فترة جيت أم درمان، فإذا بهُدهُد زعلان .. قال إيه؟! ما رسلت الفنيلة ليه؟! فنيلة شنو يا كيكي؟! قال: فنيلة الصَّقط! ومتين انت طلبت مني فنيلة صقط؟! قال لي: كييييييف؟! أنا ما رسلت ليك جواب؟! قلت ليهو: أوعى يكون ده بتاع القطط العمياء! قال: والقطط العمياء دي الكتلها في مقاهي المدينة شنو غير الصَّقط"؟!
وانفجرنا أجمعنا، بما فينا الحاجَّة فاطمة، بضحك مرح صخَّاب، وكان أكثرنا ضحكاً ومرحاً كيكي نفسه.


(7)
يحبُّ كثيراً، كان، شوقي عزَّ الدِّين، ومبارك بشير، ومحجوب شريف، ومحجوب عبَّاس، والطيِّب محمَّد الطيِّب، وعلي عبد القيُّوم، وعيسى الحلو، وعبد القدُّوس، وشابو، وابو ذكرى، وود المكِّي، والياس، وحردلو، وعركي، وكابلي، ووردي، والدُّوش، وود الرَّيَّح، وليلى المغربي، وعلي المـك، وهشـام الفـيل، ومحمــود تمــيم، وجعفـر ميرغــني، وعـبد الله علي إبراهيم، وكمال بخيت، وطلحة الشَّفيع، وأولاد الحلة: فريد الطيب وأشقَّاءه، والدِّحيش الذي بنى بشقيقته الصُّغرى ثريَّا، فقـدَّر الله أن تصبح، خلال أيام المأتم، جدَّة لطفل جميل أسموه عبد الهادي، وسوف نناديه أيضاً، إن مدَّ الله في أيامنا، "هُدهُد" و"كِيكِي"!
أما مهدي بشرى فقد كان خدن روحه بلا منازع، ومن أحبِّ الناس إلى نفسه، ما اجتمعنا في أيِّما مكان إلا وانخرطا في مشاغبات ومكايدات تكاد لا تنتهي، فإن لم يفعلا دققنا بينهما عطر منشم ليفعلا! قال لنا هُدهُد مرَّة: "إنتو قايلين مهدي ده بقى أديب كيف"؟! قلنا: "كيف"؟! قال: "دخل الجَّامعة فوجدنا أدباء فصار أديباً معنا"! وتُضحك الطرفة، أوَّل ما تُضحك، مهدي نفسه. وكان حبل مودَّته موصولاً، أيضاً، مع صديقنا الدِّبلوماسي اللامع الأمين بشرى، بهار المجالس، وريحانة الأنس، وشقيق مهدي الأكبر، وكذا مع أحبَّة في الخارجيَّة سعدنا بمعرفتهم في رحاب كرمه الفيَّاض، وفي رأسهم كوكبة نادرة عجَّلت بالرَّحـيل ولمَّـا تبلـغ، بعـدُ، مُعـترك المنايا: يوسف مختار، وعبد الله جبارة، وعمر شونة، وأخـيار كثر.


(8)
واعلم، فداك نفسي، أن فريق "الرَّبيع" لكرة القدم كان خليطاً من أولاد بيت المال والسُّور والملازمين، وأن هُدهُد كان، في زمانه، هدَّافه الخطير، السَّريع، المباغت، اللادغ، البارع في التَّسجيل، خصوصاً من الضَّربات الرُّكنيَّة، وكان ذلك أمراً عجباً، يثير الخيال، ويشعل الحماس! فازوا، أيَّامها، بكأس "رابطة القلعة" دورتين متتاليتين بلا هزيمة أو حتَّى تعادل. وأحرز هُدهُد، وحده، أربعين هدفاً بوَّأته، عن حقٍّ، منصَّة هدَّاف الرَّابطة الأوَّل. ويا طالما سار بذكر ذلك، ومثله، منظمو، ومؤرِّخو، وموثقو سِيَر الرَّوابط و"الدَّافوري" في "البقعة المباركة" إلى يوم النَّاس هذا. وأعجب كيف أنه لم يلعب بين المردة والأساطين، أو تكتمل إجراءات تسجيله، وقد بدأت بالفعل، لـ "النيل" أو "الزهرة"، إن لم يكن لـ "الهلال" أو "المريخ"، بل أعجب أكثر كيف شَغَلنا الأنسُ بـ "الشِّعر"، و"الفونج"، و"الخليل"، و"الحزام السُّوداني"، و"اتِّحاد الكتَّاب"، وأصل "التُّم تُم"، عن سؤاله حول تلك المسألة!


(9)
أما شيخنا وحبيبنا الرَّاحل محمد المهدي المجذوب فقد وضع عبد الهادي في بؤبؤ عينيه، بادله مودة عميقة رائقة، وأجازه على مراقي المجد يوم أسماه "صاحب الإمارة والسِّفارة"، كناية عن حذقه الأدب والدِّبلوماسيَّة معاً، وصَدَق؛ فلقد كانت لعبد الهادي حين يجدُّ الجِدُّ، مجالدات مشهودة مع أمَّهات المراجع، ومخاضات غير منكورة في بطون الخزائن الجِّياد؛ بحَّاثة، كان، بصبر أيوب، وعِثَّة كتب bookworm، على قول الفرنجة، ولغويَّاً مفوَّهاً، وناقداً صيرفيَّاً، نبيهاً، مدققاً، سواء تمكَّث أو لمح.
كان عبد الهادي من سنخ "المبدعين التلامذة" الذين لم نعد نرى نظائر لهم اليوم! أجرى حفريَّاته في "أصول الشِّعر السُّوداني"، وهو لمَّا يزل، بعد، طالباً بآداب جامعة الخرطوم. ثم تواتر رفده للمكتبة السُّودانيَّة "نقوشاً على قبر الخليل"، وتأمُّلات في عناصر الوحدة والتنوُّع في ثقافات "الحزام السُّوداني"، وإلى ذلك مئات المقالات والبحوث المتنوِّعة. وكانت له انتباهة سديدة لخطورة جهازي الرَّاديو والتلفزيون، وقدرتهما على مدِّ جسور التَّواصل الذي لا مثيل له بين المثقف المنتج وبين الجُّمهور المتلقي، في بلد تتفشَّى فيه الأميَّة، فنثر عليه إبداعاته، وأجاد، من خلال هذين الجِّهازين. ولا تزال ثمَّة مخطوطات تنتظر همَّة الناشرين مِمَّا أثمر على أيَّام سفارته في "بانقي" عاصمة أفريقيا الوسطى.
وكانت لعبد الهادي بصمة عميقة حيثما حلَّ، فإليه، ضمن ثلة ماجدة، يعود الفضل في إتاحة الفرصة للموهوبين من الموسيقيِّين والمسرحيِّين للتأهيل في المعهد العالي، وقد كان من أبكار مؤسِّسيه، حيث لم يقصروا القبول فيه على نتائج الشهادة السُّودانيَّة، وإنَّما أتاحوا الفرصة لذوي المقدرات والمهارات العالية، فكانت تلك نعمة على أبو عركي البخيت، وخليل إسماعيل، وعثمان مصطفى، ومصطفى سيد احمد، وعشرات غيرهم من مغنِّين، وعازفين، ومسرحيين، مثلما كانت نعمة على البلد بأسرها. وزاملته، شخصيَّاً، في اللجنة التَّنفيذيَّة لاتِّحاد الكتَّاب، أوان ميلاده الأوَّل، حين كان أميناً مساعداً لشؤونه الخارجيَّة، فأزهرت على يديه علائق لنا مع اتِّحادات الكتَّاب والأدباء في اليمن، والجزائر، وتونس، وفلسطين، وسوريا، ولبنان، والإمارات، وموريتانيا، والاتِّحاد السُّوفيتي، وقتها، وارتفع لنا ذكر في أروقة رابطة كتاب آسيا وأفريقيا، يوم أسهمنا في إعادة تكوينها، كما أسهمنا في تأسيس اتِّحاد الكتَّاب الأفارقة، ودرجنا ضمن المنظمات غير الحكوميَّة NGOs تحت مظلة الأمم المتَّحدة.


(10)
فِي الواحدة إلا خمس دقائق من بعد ظهر الثُّلاثاء رنَّ جرس الهاتف في مكتبي. أبلغتني سكرتيرتي عبير بأن صديقي كمال حسن بخيت على الطرف الآخر. رفعت السَّـماعة. ثانيتان .. وسقطت من يدي. صرخت .. ركضتُ .. تعثَّرت على الدَّرج، بضع دقائق أخرى وإذا بي جالس في حضرته. وحيداً كان، مسجَّى على عنقريبه القصير داخل صالونه المغلق، ومغطى بثوبه الخفيف. كشفت وجهه. نفس الهدوء. نفس الوسامة الملوكيَّة. نفس الإهاب السَّمح، حتى لقد بدا، للوهلة الأولى، مستغرقاً في سبات ثقيل. حدَّثوني، في ما بعد، بأنه، حين سقطت الصَّحيفة على وجهه، خفيفة كريشة من صدر يمامة، كان مستلقياً على نفس ذلك العنقريب يقرأ لمن تحلقن حوله من بناته وصديقاتهن فقرات من مقالته تلك عن التِّجاني وتشايكوفسكي، فظننَّ أن النُّعاس غلبه فغفا. شئ تكاد لا تصدِّقه عقولنا الخفيفة! لكن وَلوَلات الفجيعة، خارج الصَّالون، ما فتئت تخترق جمجمتي، تفتِّتها، وتردُّني لإحساس عظيم بالفقد يرسب في أعماقي، يسحقني، ويمحقني، ولا ينفكُّ يدوي دويَّاً هائلاً بأن دنيا بأسرها تموت، في تلك اللحظات، وأن عالماً بأكمله ينهار ويتداعى أشلاء متناثرة.


(11)
اللهمَّ إنَّا لا نزكِّي عبد الهادي لديك، ولكنَّا نشهد، فحسب، بأنه كان من أنفع النَّاس للنَّاس، فقد كان من أحدِّهم ذكاء، وأوسعهم معرفة، وأغزرهم علماً، وأطرفهم إبداعاً، وأوفرهم إنتاجاً، وأعفِّهم لساناً، وأزكاهم فؤاداً، وأطيبهم معشراً، وأصدقهم لهجة، وأقلهم خلافاً، وأندرهم نفوراً، وأكثرهم كرماً، وأعطرهم سيرة، وأنقاهم سريرة، ونشهد، وقد أضحى يا ربُّ في رحابك، بأنه كان ليِّن العريكة في شمم، ميمون النقيبة في إباء، وكان حمولاً للنازلات، صبوراً على المكاره، عُركة للأذى بجنبه، أخا أخوان، تهفو نفسه إلى المعالي، وتنهد للمكرمات، وتعفُّ عن الدَّنايا، وتتجافى عن الرذائل. ونشهد اللهم، والدِّين المعاملة، بأن أفئدة العارفين فضله قد هوت إليه، ولطالما شرحها منظره، وأبهجها مخبره، وراقها مظهره، وآنسها محضره، فهشَّت لإطلالته، واستوحشت من غيابه، فكيف بالغياب الذي لا عودة منه، ياربُّ، وبالفقد الذي لا أمل في لقاء بعده؟!
اللهم أعد لأم درمان مجدها وألقها، فما من بلدة لم تذبل نضرتها، بعدها، ولا من قرية حفَّها حُسن أو بهاء، واجعل رضاك عنها وعنَّا، يا ربُّ، ينشع في سمائها وفي الأديم، وانفخ في ربوعها الفيحاء من روحك القديم، واكرم نزل حبيبنا عبد الهادي لديك، فهو لم يهُن إلا عليك، وإنا لنسالك، ونحن نتقلب في دخنة الحمأ المسنون، أن تغفر له ولنا، وتشمله وتشملنا برحمتك، وتلهمنا من بعده جميل الصبر، يا ربُّ، وتلحقنا به في زمرة الصِّديقين والشُّهداء وحسن أولئك رفيقاً، إنا لله وإنا إليه راجعون.

يونيو 2001م


([email protected])

imported_عبدالله الشقليني
07-08-2018, 05:06 PM
http://www.sudanile.com/index.php/منبر-الرأي/51-8-3-2-1-9-1-7/108421-هُدهُدْ-نُقُوشٌ-عَلَى-ذَاكِرةِ-الفَقْد-بقلم-كمال-الجزولي
أعلاه رابط مقال الأستاذ كمال الجزولي أعلاه

حسين عبدالجليل
07-08-2018, 05:10 PM
تحياتي أستاذ عبدالله:
لو لم أكن من ناوا/والديوم الشرقية لوددت أن أكون من أم درمان!

عكــود
10-08-2018, 10:33 AM
تحياتي يا باشمهندس،

كدأبك دائماً، أناقة وتجويد لازماك كأسلوب حياة، ليس في الكتابة وحدها.

ترفع لك القبعات ولنا أن نفخر بمعرفتك وفضلك.

imported_عبدالله الشقليني
12-08-2018, 06:26 AM
الحبيب عكود
سلامي وتحياتي
بكم صرنا ما صرنا إليه .. لك الشكر الجزيل

imported_همس الشوق
12-08-2018, 07:08 AM
يا بهجة الصباح الامدرماني
بوست حرك كل لواعج الحنين والشوق لتلك البقعة الجميلة باهلها
شكرا لهذه السياحه الجميلة في مدنيتي ام در الغالية

imported_عبدالله الشقليني
15-08-2018, 11:26 AM
إلى همس الشوق
لم تكن أم درمان تلك المدينة التي نُفاخر بمبانيها ، أو مجاريها . لكن ناسها هم الذين يرحبون بالضيوف حتى يصيرون كالأهل . يمتازون بقدرة عالية على التكافل، وهي ميّزة يمتاز بها أهل السودان عامة ، لكن لدى أهل أم درمان بصمتهم الخاصة .
لك الشكر الجزيل

imported_عبدالله الشقليني
06-11-2018, 11:27 AM
نرفع الملف

imported_عبدالله الشقليني
05-04-2019, 02:10 PM
ونواصل

بابكر مخير
06-04-2019, 08:29 AM
إلى همس الشوق
لم تكن أم درمان تلك المدينة التي نُفاخر بمبانيها ، أو مجاريها . لكن ناسها هم الذين يرحبون بالضيوف حتى يصيرون كالأهل . يمتازون بقدرة عالية على التكافل، وهي ميّزة يمتاز بها أهل السودان عامة ، لكن لدى أهل أم درمان بصمتهم الخاصة .
لك الشكر الجزيل

وخير دليل وإتا يابا مهندس.
حي أبروف.
تدخل الزقاق تقول تلقى أخرهو لكن إتا تراكا داخل حوش ناس فلان. وترابطهم فيما بينهموا وبيناتهم. أنهم ما بيعملوا نفاجات لكن طرقات...

بابكر مخير
07-04-2019, 10:07 PM
https://www.youtube.com/watch?v=Ycin_TlhpWE