المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صفحات مطوية .. صفحات مظلمة .. صفحات دموية


زين العابدين حسن
01-04-2020, 05:39 PM
(1)
قبل سنوات طويلة في بواكير الشباب ، استوقفتني و هزتني مأساة البرامكة ، رغم أن مأساتهم واحدة من مآسي تاريخ مليء بالمآسي المسكوت عنها ، و هي مآسي سأكتب عنها بالتفصيل إن كان في العمر بقية .
للكتابة عن البرامكة و ذبحهم الحلال لا بد من الرجوع للخلف قليلا لتاريخ نشوء الدولة العباسية و كيف أنها سنت الغدر من أول أيامها فصبغ ذلك تاريخها كله .
بدأ بنو العباس دعوتهم المناهضة لبني أمية منذ وقت مبكر . تبدأ القصة من علي بن عبد الله بن عباس الذي رحل للشام عملا بوصية أبيه حبر الأمة ، و ذهب إلى عبد الملك بن مروان الذي قربه و أهداه الجواري و لكن عندما آلت الخلافة للوليد بعد والده أحس بأن الرجل يطلب الخلافة فضيّق عليه و جلده مرارا و نفاه ، لكن سليمان بن عبد الملك الذي تولى الخلافة بعد أخيه الوليد اعتذر له و أكرمه . أقام علي في الحميمة (في الأردن) و واصل دعوته السرية المناهضة لبني أمية . توفي علي عام 118 هـ و تولى الدعوة ابنه محمد ، و إليه يرجع أكبر فضل في تنظيم الدعوة و الإدارة الذكية و اختيار الدعاة و إنشاء سلم هرمي لإدارتهم أعلاه أثنا عشر نقيبا . كان محمد ذكيا فاستفاد من المظالم الأموية و المتذمرين ، و شاءت الأقدار أن يعهد إليه أبو هشام (عبد الله) بن محمد بن علي بن الحنفية أمر الدعوة الشيعية و يطلعه على أسرارها لأنه لم يجد غيره و قد فاجأه المرض و أحس بدنو أجله و لم يكن له ولد ، و دعا الشيعة لمبايعته ، فالتف حوله الشيعة الهاشمية (نسبة لأبي هشام) ، و في دعوته التزم السرية و كان يأمر الدعاة بالدعوة إلى الرضا من آل محمد (هكذا بتمويه ذكي) ... حدثت حادثة كان يمكن أن تفسد الدعوة ، لولا حنكة محمد بن علي ، ذلك أن أحد كبار الدعاة على خراسان (بكير بن ماهان) بعث عمَّار بن يزداد داعية إلى خراسان وكان نصرانياً ثم أسلم ، و في خراسان تسمَّى بخداش ، ودعا الناس إلى بني العباس فأجابوه و روى الطبري أن خداش أعلن دين الخرمية و أحلّ النساء و أباحهن و ذكر لشيعة بني العباس أن محمدا بن عليَّ أمره بذلك ، و روى ابن الأثير أن خداشاً أجاز لشيعة بني العباس ترك الطاعات و الفروض و قال لهم : إنه لا صوم و لا صلاة و لا حج ، و إن تأويل الصوم أن يُصام عن ذكر الإمام فلا يباح باسمه ، و الصلاة و الدعاء له ، و الحج القصد إليه ، و كان يتأوَّل من القرآن إلا أن محمد بن علي تدارك ذلك سريعا . مات محمد بن علي بعد سبع سنوات قضاهن في أمر الدعوة و أوصى بالأمر لابنه إبراهيم ، و لم يلبث أن اعتقل الأمويون إبراهيم و قتلوه ، و كان قد أوصى بالأمر لأخيه عبد الله (أبو العباس السفاح) رغم أنه كان أصغر من أبي جعفر المنصور بثمان سنوات لأنه ابن امرأة عربية حرَّة ، وهي ريطة بنت عبيد الله أما أبو جعفر فهو ابن أمة بربرية . بعد هزيمة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية في معركة نهر الزاب الكبير(جمادى الآخرة 132 هـ) استتب الأمر لأبي العباس السفاح ، و تمت مطاردة مروان حتى قتل في مصر و قُطع رأسه و أرسل للسفاح . بدأ العباسيون طورا جديدا غير مألوف . يروي ابن كثير في البداية و النهاية خبر مطاردة مروان الحمار ثم يعرج على اقتحام العباسيين لدمشق في رمضان 132 هـ بقيادة عبد الله بن علي عم الخليفة السفاح فيروي : " ثم أبيحت دمشق ثلاث ساعات حتى قيل‏ :‏ إنه قتل بها في هذه المدة نحواً من خمسين ألفاً ‏ ." و يروي ابن عساكر في ترجمة محمد بن سليمان بن عبد الله النوفلي قال ‏:‏ كنت مع عبد الله بن علي أول ما دخل دمشق ، دخلها بالسيف، و أباح القتل فيها ثلاث ساعات ، و جعل جامعها سبعين يوماً إسطبلاً لدوابه و جماله ، ثم نبش قبور بني أمية فلم يجد في قبر معاوية إلا خيطاً أسود مثل الهباء، و نبش قبر عبد الملك بن مروان فوجد جمجمته ، و كان يجد في القبر العضو بعد العضو ، إلا هشام بن عبد الملك فإنه وجده صحيحاً لم يبل منه غير أرنبة أنفه ، فضربه بالسياط وهو ميت و صلبه أياماً ثم أحرقه و دقَّ رماده ثم ذره في الريح ، وذلك أن هشاماً كان قد ضرب أخاه محمد بن علي ، حين كان قد اتهم بقتل ولد له صغير ، سبعمائة سوط ، ثم نفاه إلى الحميمة بالبلقاء" ‏...و كذلك ورد في العبر في خبر من غبر للذهبي : " فنزل عبد الله على دمشق وحاصرها. و بها ابن عم مروان الوليد بن معاوية ابن مروان . فأخذت بالسيف. و قتل بها من الأمويين عدة ألوف ، منهم أميرها الوليد و سليمان بن هشام بن عبد الملك .

imported_عادل عسوم
01-04-2020, 06:02 PM
هذه هي حقيقة البرامكة لمن أراد الحقيقة.
اسأل الله ان يتوب عليك وأن يعصم قلوبا أصحابها حَسُنِي النية من أن يُشْرَبوا العجل بخلطك. 🙂
من هم البرامكة - طارق سويدان
البرامكة : بدأت أعمال علي بن هارون الرشيد عندما تولى الخلافة أن قلد يحيى بن خالد البرمكي رئاسة الوزراء.
و قال له : ( قد قلدتك أمر الرعية أخرجته من عنقي إليك فحكم بذلك بما تراه من الصواب ،استعمل من رأيت ،اعزل من رأيت ،امض الأمور على ما ترى).
ودفع له الخاتم يختم نيابة عنه وكان هذا إيذاناً بحكم جديد للبرامكة.
يقول الشاعر:
ألم تر أن الشمس كانت سقيمة فلما ولي هارون إشراقة نورها
بيمن أمين الله هارون ذي الندى فهارون وإليها ويحيى وزيرها
تاريخ البرامكة
إن البطانة التي تحيط بالحاكم شأنها خطير، إن صلحت كان فيها صلاح الحاكم والعباد والبلاد وان فسدت فسد معها كل شيء كم حدث في قصه البرامكة مع هارون الرشيد.
ينتسب البرامكة إلى جدهم برمك المجوسي والذي كان أحد سدنت وخدام بيت النار الكبار.
كانوا يعبدون النار لكن بعد الفتوح الإسلامية دخلت فارس في الاسلام فاسلموا.
ابنه خالد أعلن اسلامه وصار أحد الدعاة للدولة العباسية ومن يمهد له في بلاد فارس وتولي المناصب في عهد ابي العباس السفاح الخليفة الأول للدولة العباسية وتولى كذلك في عهد ابي جعفر المنصور الخليفة الثاني.
اشهر البرامكة هو يحيى ابن خالد عرف بمهارته وحسن ادارة الدولة كلها لذلك ولاه الخليفة العباسي الثاني ابو جعفر المنصور.
وارتفعت منزلته صار وزيراً وارتفعت منزلته في عهد الخليفة المهدي.
تولى يحيى بن خالد تربيه ابن المهدي الخليفة الشهير العظيم هارون الرشيد، كان الرشيد يدعوه يا ابتي.
والسبب ان زوجه يحيى الرشيد أرضعته مع ولدها الفضل فأصبح اولاد يحيى اخوه هارون الرشيد في الرضاعة.
وكان ليحيى البرمكي الفضل الكبير في الحفاظ لهارون الرشيد على ولاية العهد.
وكادت ولاية العهد أن تخرج من يدي هارون الرشيد وتعود الى ابن اخي جعفر بن الهادي لما تدخل يحيى بن خالد وثبتت ولاية العهد لهارون الرشيد.
ولذلك وثق به هارون الرشيد وفوضه لما تولى الحكم.
كان هارون الرشيد يناديه يا أبتي وقال له: (يا ابتي انت اجلستني هذا المجلس ببركه رأيك وحسن تدبيرك وقد قلدت لك أمر الراعية واخرجته إليك) أي أن الحكم عندك وانا حاكم صوري.
اصبحت ليحيى بن خالد البرمكي سلطه مطلقه في إدارة الدولة في عهد هارون الرشيد تولى أمور البلاد.
وبلغ قدراً عظيماً من الرئاسة والسلطة ويساعده ابنائه الأربعة الفضل وجعفر وموسى ومحمد.
ابنه الفضل كان يلقب بالوزير الصغير وأما ابنه جعفر كان يلقب بالسلطان.
وصلت الدولة العباسية في عهد هارون الرشيد امتدادها، فكان يقول للسحابة أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك.
البرامكة وهارون الرشيد
هيمن يحيى بن خالد البرمكي وابناءه على دوله هارون الرشيد وعلى حياته في بداية عهده.
حتى كانوا يسكنون معه في نفس القصر يسمونه قصر الخلد، ويدخلون على الخليفة هارون الرشيد من غير إذن.
صار البرامكة يديرون الدولة نيابة عن هارون الرشيد حتى أنهم وصلوا الى أكثر من ذلك فقد أشرفوا على تربية أولاده نيابة عنه.
كان الفضل يشرف على تربية الأمين ابن هارون الرشيد، وكان هارون الرشيد قد ولّا الفضل بلاد المشرق كلها (خراسان، طبرستان، ارمينيا، بلاد ما وراء النهر) فاجتهد في ولايته.
وكان ماهراً في الإدارة، وكان سخياً الى حد الاسراف والتبذير.
يحدث إبراهيم بن جبريل قال: عقد لي الفضل على منطقة سجستان فلما حملت الأموال وجئت بها إليه فوهبها جميعاً لي وزادني فوقها 500 ألف درهم.
واستقبل الشعراء الفضل يوم عودته من بلاد الديلم يمدحونه فأغدق عليهم ثلاثة ملايين درهم.
فكان شعار تلك الفترة أعطه يا غلام من أموال الدولة وكأنها كلها أموالهم.
جعفر بن يحيى البرمكي
جعفر بن يحيى ابن خالد البرمكي كان يشرف على تربية المأمون ابن الخليفة هارون الرشيد الثاني.
وكان الرشيد يحب جعفر هو الولد المفضل من أبناء يحيى بالنسبة إليه، وأبقاه بقربه في بغداد وأولاه الجزيرة ما بين النهرين الفرات ودجلة والشام ومصر وكل أفريقيا.
فأصبح أكثر نفوذاً من الرشيد، وأشركه الرشيد في الكثير من المهام الخاصة به التي تعد واجبات الخليفة.
فوضه بمسؤولية القضاء يقولون (النظر في المظالم عند جعفر) والإشراف على البريد.
وصك العملة إلى درجة يقولون المؤرخين أن اسمه ظهر مكتوباً على بعض القطع النقدية في المشرق والمغرب في أيام هارون الرشيد.
تجاوزات البرامكة في شؤون الدولة
رغم كل هذه المكانة والحظوة للبرامكة عند الخليفة هارون الرشيد، إلا أنهم أساؤوا تقدير العاقبة في بعض الأمور.
مما دفع هارون الرشيد أن يتوجس منهم شراً، ولا شك أن هارون الرشيد هو الخليفة وعليه تحمل المسؤولية بصفته الرجل الأول في الدولة وبيده مقاليد الأمور.
لكنه وثق بهم أكثر من اللازم وهذا من سوء التدبير فتنوعت التجاوزات البرمكية وطالت السياسة والمال والأمن.
وتوصل الأمر إلى تجاوزات تعلقت بالعدل والعدل به قامت السماوات والأرض هو أساس الملك.
لما يصل الأمر أنهم يفرطوا بالدم الحرام تقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق عندها يكون التجاوز بلغ مداه.

الدول تسقط بسبب سوء الاخلاق وأعظم سوء الاخلاق الظلم وكما قال ابن تيميه رحمه الله تعالى (الدولة الكافرة تبقى إذا كانت عادله والدول المسلمة تفنى إذا كانت ظالمه).

فوصل الأمر عند البرامكة الى الظلم كما يقول بعض المؤرخين أوغلوا في الاعتداء على كل من يمكن أن ينافس العباسيين على الحكم.
مؤامرات البرامكة
تجرء البرامكة على سفك دماء بني علي ابن ابي طالب من بني هاشم يقول المؤرخ العلامة مصطفى جواد (أن السبب الحقيقي وراء قضاء هارون الرشيد على البرامكة هو تدبيرهم موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن ابي طالب.
كان خطط لقتل موسى ابن جعفر وهو من الائمه الكبار من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
يعقب هذا المؤرخ في يقول لم يكن الرشيد ملحداً حتى لا يندم ولا بليداً غبياً حتى لا ينتبه ولا شقياً حتى لا يتوب.
فلما أوغلوا في دماء بني علي باسم احتمال الخطر الذي يمكن أن ينافس فيه العباسيين سوء سيرتهم وصل الأمر أن جعفر هم بحز رأس حبيسة العلوي عبد الله الشهيد بن الأفطس.
وفعلا قطع راساً من بني علي بن ابي طالب ووضع الرأس على طبق وضع عليه غطاء واهدي الطبق الى الرشيد في طبق الهدايا.
فلما رفعت المكبة من فوق الطبق شاهد الرشيد رأس ابن عمه استعظم الرشيد ذلك.
كان الرشيد قد حبس هذا الرجل عند جعفر وأمره أن يوسع عليه لم يأمر بقتله فلم يجد هذا الشقي الكفاية إلا في قتله وكانت هذه هي بداية الجفوة بين الرشيد والبرامكة.
لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك على المستوى المالي والسياسي والأمني من تجاوزات البرامكة.
على المستوى المالي فقد امتلأت خزينة الدولة بثرواته أموال ضخمة نتيجة ادارة البرامكة.
كانوا يتبعون أساليب صارمة في جمع الضرائب من أجل تعويض ما لحق بالخزينة من خسائر من أيام المهدي ومن استغلالهم.
كانت الضرائب تجمع من الناس بالقوة وأحيانا بطريقة تعسفية غير شرعية تصل إلى التعذيب في أخذ أموال الناس.
الفساد المالي
ظهر الفساد المالي وبدأ هارون الرشيد ينتبه لا يمر على بلد ولا إقليم ولا قرية ولا مزرعة ولا بستان إالا قيل له هذا لجعفر بن يحيى بن خالد البرمكي.
فاستطاع البرامكة قبل أن يملكون الثروات أن يكونوا علاقات ممتازة مع التجار الكبار مع السياسيين مع العلماء مع الخاصة مع العامة مع ذوي الحاجات.
وكانت طريقتهم في كسب الأعطيات الهبات يعطون بسخاء أموال الدولة بحجتهم، حتى كثر على أبوابهم أصحاب الحاجات وتغني بمدحهم الشعراء وانتشر شعار اعطيه يا غلام.
أما على المستوى السياسي للبرامكة ليس فقط استغلال النفوذ.
شاركوا في الصراع على الخلافة العباسية كان هناك صراع خفي قضية ولاية العهد وكان هارون الرشيد ما حسمها.
زبيدة بنت جعفر زوجة هارون الرشيد وابنة عمه ترى أن ابنها محمد الأمين هو الأحق بالولاية اولاً لأنه هو الأكبر ثانيا هو من أبوين هاشميين.
بينما كان البرامكة يرون ان الافضل ان يأخذ الخلافة أو ولاية العهد المأمون لأن أمه فارسية وهم فرس أقرب إليهم.
فلما استقر امن الرشيد أن الولاية تكون لابنه الأمين ولاه ولاية العهد سنة 175 هجرية بقي البرامكة وراء الرشيد سبع سنين حتى أقنعوه يصدر القرار بولاية المأمون العهد بعد أخيه الأمين.
وان يتولى المأمون بالإضافة الى ولاية العهد قيادة مناطق المشرق بعد وفاة أبيه.
أي ان الامين خليفه لكن تصبح خلافته على بلاد المشرق خلافه شكلية والذي يديرها ولي ولي العهد المأمون.
اذاُ فقسم الخلافة ورتب ترتيب من سيأتي بعده لكن في تأثير البرامكة.
الصعيد الأمني
على المستوى الأمني: الفضل بن يحيى واحد منهم كنموذج كان واليا على خراسان في الشرق، اتخذ بها جنداً من الأعاجم سماهم العباسية وجعل ولائهم له هو شخصيا.
50ألف رجل خاص به هو شخصيا وجعل يزور الخليفة في بغداد جاء بحراسة 20000 رجل وترك الباقي في خراسان.
العلماء كانوا منتبهين منذ البداية استعظموا تفويض الرشيد للبرامكة لكن الخليفة هارون لم يلتفت الى نصائح العلماء.
كتب العالم العظيم محمد بن الليث رسالة إلى هارون الرشيد يعظه فيها ويقول ( يحيى بن خالد البرمكي لا يغني عنك من الله شيئا قد جعلته بينك وبين الله فكيف أنت إذا وقفت بين يديه سبحانه فسألك عما عملته في عباده و في بلاده فقلت يا ربي إني استكفيت يحيى بأمور عبادك هل تراها حجة تحتاج بها امام الله يرضى بها الله ).
لما تطلع يحيى على هذه الرسالة التي وصلت اتهم ابن الليث في إسلامه أن هذا اصلا ما هو بمسلم.
وبدأ يوغر صدور الخليفة عليه حتى صدق الخليفة وأمر بحبس العالم وطاله العديد من الدعاة والعلماء.
نكبة البرامكة
واستمر نجم البرامكة 16 سنه وهم يديرون الخلافة العباسية بهذه الطريقة حتى يدخل عامه 186 من الهجرة.
خرج الخليفة للحج وخرج معه الوزير يحيى بن خالد البرمكي وخرج معه اولاد يحيى ابن خالد.
طاف يحيى بن خالد في بيت الله الحرام وتعلق بأستار الكعبة وجعل يدعو (اللهم ذنوبي جمة عظيمة لا يحصيها غيرك ولا يعرفها سواك اللهم ان كنت تعاقبني فاجعل العقوبة في الدنيا وان أحاطه ذلك يعني حتى لو عاقبتني بسمعي وبصري و مالي وولدي ولا العقوبة في الآخرة).
لكن يبدو ان الله استجاب دعاء يحيى ابن خالد فلما عادوا من الحج ما استقروا في قصورهم ليصدر القرار المفاجئ من الخليفة هارون الرشيد فيما عرفة بعد باسم نكبة البرامكة.
ضاق الرشيد استقلالهم السياسي والمالي لمناصبهم صاروا من أصحاب المليارات ظلما وعدوانا.
عاد الخليفة من الحج ما استقر بالأنبار حتى أرسل خادمه اسمه مسرور معه بعض الجند الى جعفر بن يحيى واخرجوه من المنزل الذي فيه هارون الرشيد فأمر بضرب عنقه.
قتله ثم صلبوه على جسر بغداد وامر بالتوجه بكل البرامكة وأولادهم ما استثني منهم احدا إلا واحد محمد بن يحيى البرمكي.
وجده بريئاً ما استغل أي استغلال سياسي ولا استغلال مالي، اخوانه كلهم فاسدين الا هو لان بعض البطانة الخاصة قد يكون من الشرفاء والمخلصين لا يظلم لا يسرق لا يستغل منصبه لكن للأسف هؤلاء قليل.
مصير البرامكة
اما البرامكة الذين استغلوا مناصبهم جعلوا الخليفة ألعوبة في أيديهم، فلما لاحظ هارون الرشيد أمر بمصادرة كل أموالهم واخذ كل عبيدهم وكل مواليهم وكل حشمهم وكل أراضيهم وكل مزارعهم.
وأرسل إلى جميع الولاة في كل أنحاء الأرض والعمال بأخذ كل الأموال التي يقبضونها وأنه لا أمان لمن ولاهم.
ومن يساعدهم هو يعاقب، وأمر بحبس الفضل وموسى ابني يحيى.
أرسل هارون الرشيد إلى يحيى الذي كان له بمثابة الأب (اعطيك الخيار أن تقيم إقامة جبرية في بيت أوفي منزل في الرقة)
فقال له أريد أن أكون مع أولادي في السجن، هو من دعا أن يعاقبه الله وفاعلا أخذوه إلى السجن مع أولاده وهكذا بقوا فيه حتى ماتوا في ولاية الرشيد.
نهاية البرامكة
النهاية مأساوية لم تكن متوقعة وظلت اسبابها ودوافعها الحقيقية غامضة حيرت المؤرخين أمثال الطبري واليعقوبي وابن كثير كلهم لم يعرفوا السبب الحقيقي.
اختلفوا في تعديلها لكن كل المؤرخين أجمعوا أن نكبة البرامكة حركت القومية لدى الشعوبيين وهو مصطلح يطلق على الذي يكره العرب والعروبة.
فكانت ردة فعلهم أن شوهوا صورة الخليفة هارون الرشيد ووصفوه بأبشع الأوصاف، حاكم ماجن ومستهتر بالدين لا هم له إلا منادمة الشعر وشرب الخمر وإحياء الليالي الحمراء.
في كتاب الأغاني للأصفهاني تجدون كل هذا لا أساس له في التاريخ، بينما كتب التاريخ المعتبرة أنصفت هارون الرشيد كان تقياً عابداً يحج عاماً ويغزو عاماً.
يدرس العلماء يسمع من الفقهاء، وهناك كم حاول تبرير فعلت الرشيد بالبرامكة أنه ثبت لديه أنهم مجوس ملحدين في أقوال كثيرة هذا غير صحيح ولا يوجد دليل واحد على إلحادهم أو مجوسيتهم.
وبعضهم حاول جعلها قصة غرامية، فألفوا قصة زواج العباسة اخت الرشيد من جعفر البرمكي ليس لها أصل.
تبين المؤرخون الكبار مثل الطبري وابن خلدون وغيرهم أنها قصة تافهة وكاذبة ليس لها أساس.
وليس من العقل في شيء أن الإنسان يأخذ التاريخ من كتب ألف ليلة وليلة أو الأغاني أو روايات جرجي زيدان ويترك الروايات العظيمة للطبري وابن كثير وأمثالهم.
هكذا انتهت البطانة الفاسدة ونسأل الله أن يكون هذا مصير كل بطانة فاسدة.
خاتمة
يقول صلى الله عليه وآله وسلم (ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصم الله تعالى)
القادرين من أهل الورع والتقوى وذوي الايدي النظيفة لكن بشرط أن يكون من اهل الكفاءة العالية.
(إن خير من استأجرت القوي الأمين) وقد قالوا أن الملك زينته أن يكون الملك جنوده ووزرائه من ذوي الصلاح.
يسجلون أحوال الناس ينظرون في إصلاح الناس يمنعون الشرور التي تلحق بالأمة.
بسبب فساد رجال الدولة من مستشارين ووزراء كل هذا يتحمل وزر من قام بتعيين هم من ارتضى لهم الولاية على الناس.
كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الحاكم الصالح عليه أن يراقب بعين النافذة أعمال وزراء وموظفيه يتحقق بالفساد.
في لحظة غفلة من المسؤولين إذا غفل عن المتابعة ستستغل هذه البطانة السلطة ويوسع استعمالها.
وعندها ستظهر المحسوبية والوساطة وينتهك المال العام وتنتهك العدالة ويظهر الاستبداد الذي هو عدو الحياة.
قال ابن يحيى البرمكي لأبيه وهما من البطانة التي انتهت في السجن قال: (يا أبتي بعد الأمر والنهي والنعمة صرنا الى هذا الحال)
فقال: (يا بني دعوه مظلوم سرت بليل ونحن عنها غافلون ولم يغفل الله عنها)
الحاكم الراشد هو الذي يتخير بطانته وعماله بدقه بالغه يختار

زين العابدين حسن
01-04-2020, 06:36 PM
عادل عسوم ، تم جميلك و اجلب لنا الكتاب ابو تلات ستات 666 ، بتاع ابليس، بدلا من روايتك للبرامكة.. نحن في انتظارك .. اوعى تنسى .

imported_عادل عسوم
01-04-2020, 06:48 PM
عادل عسوم ، تم جميلك و اجلب لنا الكتاب ابو تلات ستات 666 ، بتاع ابليس، بدلا من روايتك للبرامكة.. نحن في انتظارك .. اوعى تنسى .

انت جايي سودانيات اول امبارح وكمان بقيت تتكلم بصيغة الجمع؟! :D
دعك في ايرادك هذا وسواه مما تسعى فيهن جاهدا طرح وجهة (بعينها) ظنا بأنك ستقنع بها أحدا!
صدقني حتى الذين يتداخلون - بحسن نية- سيتبينون قريبا خبء لسانك فيبرأون لدينهم.
أما الذي تلوح لي به فستعلم غور لجه قريبا بحول الله.
أسأل الله لك الهداية ياابن الزومة.

زين العابدين حسن
01-04-2020, 06:52 PM
انت جايي سودانيات اول امبارح وكمان بقيت تتكلم بصيغة الجمع؟! :D
دعك في ايرادك هذا وسواه مما تسعى فيهن جاهدا طرح وجهة (بعينها) ظنا بأنك ستقنع بها أحدا!
صدقني حتى الذين يتداخلون - بحسن نية- سيتبينون قريبا خبء لسانك فيبرأون لدينهم.
أما الذي تلوح لي به فستعلم غور لجه قريبا بحول الله.
أسأل الله لك الهداية ياابن الزومة.

قلت الكتاب بتاع التلات ستات اسمه (كضوبات التعيس في شأن ابليس)؟؟

زين العابدين حسن
02-04-2020, 08:39 AM
(2)
أورد ابن الأثير في الكامل في التاريخ (يشترك معه في الرواية مع تفاوت في الأسلوب كل من اليعقوبي و أبو الفداء) ، روى أنه دخل سديف على السفاح وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه [و كان قد أمنه] فقال سديف:
لا يغرنك ما ترى من رجال إن تحت الضلوع داءً دوياً
فضع السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أموياً
فقال سليمان: قتلتني يا شيخ! ودخل السفاح وأخذ سليمان فقتل.(أورد اليعقوبي أنه كان مع سليمان أثنان من أبنائه فقتلا معه) ... ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلاً على الطعام [كان قد أعطاهم الأمان] ، فأقبل عليه شبل فقال:
أصبح الملك ثابت الأسـاس بالبهاليل من بني العباس
طلبوا وتر هاشم فشفوهـا بعد ميلٍ من الزمان وياس
لا تقيلن عبد شمسٍ عثـاراً واقطعن كل رقلةٍ وغراس
ذلها أظهر التودد مـنـهـا و بها منكم كحر المواسـي
و لقد غاظني و غاظ سـواي قربهم من نمارق و كراسي
أنزلوها بحيث أنزلهـا الـله بدار الهوان و الإتـعـاس
و القتل الذي بحران أضحى ثاوياً بين غـربةٍ و تـنـاس
و زاد أبو الفداء بيتا : واذكروا مصرع الحسين وزيد وشهيد بجانب المهراس.... فأمر بهم عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا ، وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جيمعاً " .... و أورد خبر نبش القبور .. و في نفس الباب يذكر ابن الأثير" و قتل سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة أيضاً جماعةً من بني أمية عليهم الثياب الموشية المرتفعة و أمر بهم فجروا بأرجلهم فألقوا على الطريق فأكلتهم الكلاب " ... و نجد في (المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء) إضافة " ... وتتبع بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فلم يفلت منهم غير رضيع أو من هرب إِلى الأندلس ...... و نواصل القراءة في المختصر : " و ولى السفاح أخاه يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الموصل، و كان أهلها قد أخرجوا الوالي الذي بها ، فسار يحيى إِلى الموصل، و لما استقر بها ، قتل من أهلها نحو أحد عشر ألف رجل ، ثم أمر بقتل نسائهم و صبيانهم ، وكان مع يحيى قائد معه أربعة آلاف زنجي ، فاستوقفت امرأة من الموصل يحيى، و قالت: مأنف للعربيات أن ينكحن الزنوج ، فعمل كلامها فيه و جمع الزنوج فقتلهم عن آخرههم ".... و جاء في تاريخ اليعقوبي : " ... وثب أهل الموصل على عاملهم فانتهبوه و أخرجوه فولى أبو العباس أخاه يحيى بن محمد بن علي الموصل وضم إليه أربعة آلاف رجل من أهل خراسان فقدمها في سنة 133 هـ فقتل من أهلها خلقا عظيما وقيل إنه اعترض الناس في يوم جمعة فقتل ثمانية عشر ألف إنسان من صليب العرب ثم قتل عبيدهم ومواليهم حتى أفناهم فجرت دماؤهم فغيرت ماء دجلة فلم يعرف لأهل الموصل وثوب إلى هذه الغاية. "...
تملكت بني العباس روح الانتقام فنبشوا القبور و جلدوا الموتى ... مما يحز في النفس أن يتجاهل المؤرخون المعاصرون قتل كل أولئك الأبرياء من النساء و الأطفال (فسار يحيى إِلى الموصل، ولما استقر بها ، قتل من أهلها نحو أحد عشر ألف رجل ، ثم أمر بقتل نسائهم و صبيانهم .) ...... (...فقتل ثمانية عشر ألف إنسان من صليب العرب ثم قتل عبيدهم ومواليهم حتى أفناهم ... " ، ثم أولئك البؤساء الذين لا ذنب لهم إلا أنهم ذوي بشرة سوداء ، أولئك الأربعة آلاف زنجي قتلوا لأن امرأة عربية استقبح خيالها نكاحهم المتوهم للعربيات . نعذر المؤرخين العرب القدامى لأنهم ما كانوا يعدون الزنوج بني آدميين حتى يتعاطفوا معهم ... هذا من بعض قصورنا في نقد تاريخنا و تكون النتيجة تكرار الأخطاء .....

imported_عبدالله الشقليني
02-04-2020, 05:41 PM
الأحباء زين وعادل
لكما التحية ، وإن إختلفتما يتعين ان يكون بود

imported_عادل عسوم
02-04-2020, 05:48 PM
الأحباء زين وعادل
لكما التحية ، وإن إختلفتما يتعين ان يكون بود

تسلم ياحبيب

زين العابدين حسن
02-04-2020, 07:55 PM
الأحباء زين وعادل
لكما التحية ، وإن إختلفتما يتعين ان يكون بود

شكرا يا أستاذنا .. بدأ عادل مطاردتي مبكرا في أغلب ما كتبت . لكن ما يأتي منك من مناصحة هو محل تقدير و احترام و لن أذكره بخير أو بشر راجيا منه نفس ما التزمت به .. لك كامل الاحترام و التقدير .

زين العابدين حسن
03-04-2020, 10:46 AM
(3)
بعد أن فرغ السفاح و أهله و قادته من الانتقام من بني أمية ستتجه سيوفهم نحو بعضهم بعضا و ستكون البداية بأبي سلمة الخلال . كان أبو سلمة من أغنياء الكوفة و كان داعية بني العباس السري في الكوفة و أنفق ماله على الدعوة ، كان ينقل الرسائل من الكوفة إلى الحميمة و من الحميمة إلى الكوفة ، و قد صحبه أبو مسلم الخراساني في بعض أسفاره . عندما قبض مروان على إبراهيم بن محمد ، خاف أخوته على أنفسهم ففروا إلى الكوفة سرا ، و خبأ أبو سلمة السفاح و أبا جعفر المنصور و بعض رجالات العباسيين نحو أربعين يوما حتى تمت البيعة العلنية . استوزره السفاح نحو أربعة أشهر و في إحدى الليالي و هو في الطريق إلى منزله بعد مسامرة السفاح خرج له من كمين جماعة فقتلوه .... يروي ابن كثير في (البداية و النهاية) قول السفاح حين بلغه مقتل الخلال : "على أي شيء منه نأسف ، كان يقال له وزير آل محمد ، إلى النار فليذهب من كان مثله . " ... أما سبب قتله غيلة فيقال إنه كان يريد الإمامة للعلويين (آل محمد) و إنه اتصل بثلاثة منهم كلا على حده ، عارضا عليهم الخلافة لكنهم لم يستجيبوا له ، لا شك أن عيون السفاح قد أعلمته بالأمر ، بل إن الرواية تقول إن الخلال بعد بيعة السفاح جاءه معتذرا فتظاهر السفاح بقبول اعتذاره ، و اقتضت السياسة توزيره في الأيام الأولى حتى استتب له الأمر فأوعز لأبي مسلم بقتله . يروي ابن الأثير في (الكامل في التاريخ) قصة مقتل أبي سلمة الخلال : " ... وكتب إلى أبي مسلم يعلمه رأيه فيه[ في الخلال] وما كان هم به من الغش وكتب إليه أبو مسلم‏ :‏ إن كان أمير المؤمنين اطلع على ذلك منه فليقتله‏ .‏.." فقال داود بن علي للسفاح ‏:‏ لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتج بها أبو مسلم عليك واهل خراسان الذين معك أصحابه وحاله فيهم حاله ، ولكن اكتب إلى أبي مسلم فليبعث إليه من يقتله ‏.‏ فكتب إليه فبعث أبو مسلم مرار بن أنس الضبي لقتله ، فقدم على السفاح فأعلمه بسبب قدومه فأمر السفاح مناديًا فنادى ‏:‏ إن أمير المؤمنين قد رضي عن أبي سلمة ، و دعاه فكساه ثم دخل عليه بعد ذلك ليلة فلم يزل عنده حتى ذهب عامل الليل ثم انصرف إلى منزله وحده فعرض له مرار ابن أنس و من معه من أعوانه فقتلوه و قالوا‏:‏ قتله الخوارج ..." انتهت رواية ابن الأثير ، و أورد الخبر آخرون ، و أوردوا خبر مقتل أبي هبيرة الذي حارب العباسيين أولا ، و صالح أبو جعفر المنصور و ذلك بعد أن أعطاه الأمان ، لكن خاف السفاح منه فأمر أبا جعفر المنصور بقتله و قتله و معه عدد كبير من أهله و روى الخبر ابن الأثير و ابن خلدون في (العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ...) و غيرهم من المؤرخين . أما أبو مسلم فقد كان يقتل على الشك حسب ما كان مأمورا به ، و كان جبارا قياديا له تأثير كبير على من حوله ، لذلك خافه أبو جعفر المنصور و يروي ابن الأثير في أحداث 132 هجرية ( و رجع أبو جعفر إلى السفاح فقال ‏:‏ لست خليفة و لا أمرك بشيء إن تركت أبا مسلم و لم تقتله‏.‏ قال‏ :‏ و كيف ؟ قال ‏:‏ والله ما يصنع إلا ما أراد، قال أبو العباس : فاكتمها...) . انتهت رواية ابن الأثير ، و سيغدر به أبو جعفر المنصور فيما بعد حين تولى الخلافة و ذلك بعد أن يستخدمه في القضاء على عمه عبد الله .
واجه العباسيون ثورات كثيرة فيذكر المؤرخون (و لم يلبث أهل مدينة كذا أن بيضوا ...) أو (انهزم أهل مدينة كذا فسودوا و طلبوا الصلح ...) السواد هو شعار العباسيين ، فكلمة (سودوا) تعني أطاعوا و أعلنوا ولاءهم للعباسيين ، و (بيضوا) تعني العصيان . بعد أربعة أعوام من الخلافة مات السفاح و تولى أبو جعفر ..... ‏جاء في (سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي) : " ولما مات السفاح زعم عبد الله أنه ولي عهده وبايعه أمراء الشام وبويع المنصور بالعراق وندب لحرب عمه صاحب الدعوة أبا مسلم الخراساني فالتقى الجمعان بنصيبين فاشتد القتال وقتلت الأبطال وعظم الخطب ثم انهزم عبد الله في خواصه وقصد البصرة فأخفاه أخوه سليمان مدة ثم ما زال المنصور يلح حتى أسلمه فسجنه سنوات فيقال حفر أساس الحبس وأرسل عليه الماء فوقع على عبد الله في سنة سبع وأربعين ومئة فالأمر لله ." و ما فصله مؤرخون آخرون عما دعا سليمان و عبد الله أعمام أبي جعفر للتسليم هو الأمان الذي أعطاه لعمه عبد الله : (أمان الله و رسوله و أمان أمير المؤمنين) و لكنه غدر به . جاء الدور على أبي مسلم الخراساني ، كان المنصور يريد التخلص من أبي مسلم و لا يقبل أن يرجع لخراسان مركز قوته ، فكاتبه بعد معركة القضاء على جيش عمه عبد الله أن : ( قد وليتك مصر و الشام فهي خير لك من خراسان ..) هنا بدأت بوادر تمرد أبي مسلم لأنه أدرك مغزى رسالة المنصور فتراخى في الرد و أبلغت العيون المنصور أنه ينوي الرجوع لخراسان فأرسل إليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي ، في جماعة من الأمراء وأمره أن يكلم أبا مسلم بأليَن ما يكون ، و أن يمنِّيه فإن أبى قال له: "أمير المؤمنين بريء من العباس إن شققت العصا و ذهبت على وجهك ، ليدركنك بنفسه و ليقاتلنك دون غيره ، و لو خضت البحر الخضم لخاضه خلفك ، حتى يدركك فيقتلك أو يموت قبل ذلك " . كانت رسالة أبي جعفر مؤثرة ، جعلت أبا مسلم يجبن ... كما كتب أبو جعفر إلى خليفة أبي مسلم على جند خراسان يعطيه إمامة خراسان كل حياته .. قرر أبو مسلم الرضوخ و الذهاب لمقابلة المنصور حسب ما طلب منه ، و زيادة في المكر أعطاه الأمان (أمان الله و رسوله و أمان أمير المؤمنين) ! ... كان عازمًا على قتله غدرًا ، وبالفعل وهو يكلمه آمنًا انقض عليه مسلحون بعد إشارة من أبي جعفر فقتلوه رغم توسله لأبي جعفر أن يبقيه سيفا في وجه أعدائهما ، و أنّى له ذلك .

زين العابدين حسن
04-04-2020, 07:38 AM
(4)
تبقى للمنصور خطر آخر يخافه أشد الخوف ، كان بنو هاشم في أواخر عهد بني أمية انتخبوا للخلافة محمد بن عبد الله بن الحسن بن زيد الملقب بالنفس الزكية وبايعوه بها ، و كان ممن بايعوه أبو جعفر المنصور ، بالطبع بعد قيام دولة بني العباس لم يعد في إمكان أبي جعفر الوفاء ببيعته ... لم يبايع النفس الزكية أبا العباس السفاح ولا أبا جعفر .. اختفى محمد (النفس الزكية) وكان أبو جعفر مهموما بالبحث عنه ، لما لم يعثر عليه اعتقل أباه وصادر أمواله بل و اعتقل كل من وجده من أهله ، و تمادى في تعذيبهم ومات أكثرهم في الحبس فقرر محمد الظهور بالمدينة (أول رجب 145هـ) ، حتى ظهوره كان بمكر من أبي جعفر ، فقد كتب إلى محمد على ألسنة قواده أنهم يدعونه إلى الظهور. كان أبو جعفر قد أرسل منديل الأمان للنفس الزكية (أمان الله و رسوله و أمان أمير المؤمنين) ! فرد عليه النفس الزكية : " أي أمان ؟ أمان أبي سلمة الخلال أم أمان عمك عبد الله أم أمان أبي هبيرة أم أمان أبي مسلم الخراساني ." .. لم يعد أحد يثق في أمان أمير المؤمنين ... قُتل النفس الزكية بعد معركة غير متكافئة في المدينة و قُطع رأسه و أرسل إلى أبي جعفر المنصور (رمضان 145 هـ) ...
تعددت الثورات على أبي جعفر و لكنه قضى على معارضيه من الثوار في فارس و العراق و الشام .... تفاصيل ما حدث في أمر الخلافة العباسية (و قبلها الأموية مهمة) حتى إذا دعا البعض لخلافة جديدة وجب عليه أن يستفيد من التجارب ، مرة أخرى " من لا يقرأ التاريخ يكرر أخطاءه "..
حكم أبو جعفر المنصور مدة إثنين و عشرين عاما هجريا (136 ــ 158 هـ) ، كان لديه شعور أنه موكل من العناية الإلهية ، ففي (جمهرة خطب العرب) ورد أنه خطب بمكة قائلا : (أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه ، اسوسكم بتوفيقه و تسديده و تأييده ، و حارسه على ماله أعمل فيه بمشيئته و إرادته و أعطيه بإذنه ، فقد جعلني الله عليها قفلا إن شاء أن يفتحني فتحني لاعطياتكم و قسم أرزاقكم ، و إن شاء أن يقفلني عليها أقفلني ، فارغبوا إلى الله، و سلوه .... أن يوفقني للرشاد .) و كان قد قوطع في إحدى خطبه كما ورد كذلك في (جمهرة خطب العرب) ، ذلك أنه بدأ خطبته بالتذكير بتقوى الله فوقف رجل و قال له : "أذكرك ما ذكرتنا به يا أمير المؤمنين . " فقطع أبو جعفر خطبته ، ثم قال" :سمعا سمعا لمن فهم عن الله ، وذكر به ، وأعوذ بالله أن أكون جبارا عنيدا ، و أن تأخذني العزة بالإثم ، لقد ضللت إذن و ما أنا من المهتدين. و أنت أيها القائل ، فو الله ما أردت بها وجه الله ، و لكنك حاولت أن يقال : قام ، فقال ، فعوقب ، فصبر ، و أهون بها. ويلك لو هممت فاهتبلتها إذ غفرت ، و إياك و إياكم معشر الناس أختها ، فإن الحكمة علينا نزلت ، و من عندنا فصلت ، فردوا الأمر إلى أهله تردوه موارده ، و تصدروه مصادره ." ...
متابعة أخبار أبي جعفر المنصور لا يتسع لها المجال ... يكفي ضرب أمثلة مع الوضع في الاعتبار أن الظروف السياسة تساهم في صوغ العقلية المجتمعية و تلون الثقافة بألوانها لحد بعيد ، لا شك أنها تبذر بذور ثقافة مقاومة تنتصر إذا وجدت الظروف الملائمة و تنكسر إذا لم تسعفها ظروفها . من الأخبار العجيبة عن تقييم أبي جعفر للقوميات ، تقييمه للأكراد قوم أبي مسلم الخراساني ، يقال إنه قال له قبل أن يقتله بعد أن سامره قليلا : لماذا قتلت من قتلت ؟ أجابه أبو مسلم : لأن أخاك أمرني بقتل كل من أشك في خيانته . فقال له أبو جعفر : (و أنا أشك في خيانتك ، إنما الخيانة في آبائك الكرد ).... جاء في العقد الفريد لابن عبد ربه : " إن المنصور كان يجلس و يجلس إلى جانبه واعظاً ثم يأتي الجلاوزة في أيديهم السيوف يضربون أعناق الناس فإذا جرت الدماء حتى تصل إلى ثيابه يلتفت إلى الواعظ ويقول عظني ، فإذا ذكره الواعظ بالله أطرق المنصور كالمنكسر ثم يعود الجلاوزة ضرب الأعناق فإذا ما أصابت الدماء ثياب المنصور ثانياً قال لواعظه عظني . " (العقد الفريد الجزء الأول ص41) ... صحيح أن العقد الفريد كتاب ذو طابع أدبي و فيه التاريخ و الفقه و العروض و غيره ، و أن بعضهم وجهوا له سهام النقد باعتبار أن أحاديثه ضعيفة و لا يذكر السند و ..الخ ، و بعضهم يتهم صاحب العقد بميله للشيعة و غيره ، لكن ما يهم هو الخبر و مدى قبوله و معقوليته مع شواهد أخرى ، منها الأخبار المتواترة و ظروف العصر و ملابسات الخبر الوارد ، أميل لترجيح كثير من أخبار العقد الفريد مع التحفظ على بعضها .
قرّب المنصور الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق صاحب السيرة الضائعة (سيرة رسول الله) ، و وفر له كل ما يمكن لكتابة السيرة ، لذلك شكك بعضهم في كثير من الروايات التي تقدح في بني أمية ، باعتبار أن ابن اسحق كتب كتابه في ظروف الدولة العباسية زمن أبي جعفر ، و هو زمن لا يقبل مدحا أو ذكرا حسنا لبني أمية و إلا فقد شرعيته التي قامت على وصف بني أمية بكل الرذائل ، و كما كان مؤسس الدعوة والد المنصور و السفاح يقول للدعاة : "بشروهم بأن الإمام الرضا من آل بيت محمد سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا و ظلما" ... و من ملأها جورا و ظلما ؟

زين العابدين حسن
05-04-2020, 12:14 PM
(5)
عاش في القرن الهجري الثاني الإمام أبو حنيفة و الإمام مالك ، كلاهما عاصر العهد الأموي و العباسي . عانى أبو حنيفة الضرب في العهدين ، ففي العهد الأموي طلب منه يزيد بن عمر بن هبيرة عامل مروان على العراق أن يتولى القضاء على الكوفة فرفض فأخذ يزيد بضربه كل يوم عشرة أسواط ضربا مبرحا ، لمدة إحدى عشر يوما ، عله يتنازل عن رأيه ، و لكن الإمام الشجاع لم يتنازل عن رأيه فتركه يزيد . و تكرر الطلب في زمن أبي جعفر المنصور و حبس و ضرب و لم يتنازل عن رأيه ، بل تقول الروايات أنه مات في محبسه من الضرب . أما الإمام مالك فقد ضربه جعفر بن سليمان والي أبي جعفر المنصور على المدينة . ضربه حتى انخلع كتفه ، نقرأ ما ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك: " قال الواقدي : لما سوّد مالك، وسُمِع منه وقُبِل قوله ، حسده الناس و بغوه ، فلما ولى جعفر بن سليمان على المدينة ، سعوا به إليه وكثروا عليه عنده . وقالوا: لا يرى بيعتكم هذه بشيء ، وهو يأخذ بحديث يرويه ثابت الأحنف ، في طلاق المكره : ليس على مستكره يمين ". ... انتهى ... و معنى سوّد كما ذكرنا تعني قبل العباسيين أو بايعهم ، و حديث (ليس على مستكره يمين) يوحي بأن بيعة المكره لا قيمة لها ، فكأنه يقول بأن بيعة بني العباس باطلة ، و يبدو أن ذلك مما سعى به حاسدوه لأن العباسيين كانوا يكرهون الناس على الحلف بالطلاق عند البيعة . و نقرأ للإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء :" لما ضُرب حُلق وحُمل على بعير، فقيل له : ناد على نفسك، فقال : " ألا من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس ، أقول: طلاق المكره ليس بشيء "، فبلغ ذلك جعفر بن سليمان الأمير فقال: "أدركوه ، أنزلوه ..." ....وحُمل الإمام مغشيا عليه إلى بيته...و كان حين مدوه في الحبل بين يديه خلعوا كتفه ، حتى ما كان يستطيع أن يسوي رداءه ، و كانت قد مُدَّت يدا الإمام مالك بين العقابين (العقابين: آلة توضع فيها اليدان عند الضرب، فتمسكهما وتمنعهما من الحركة) ،. قال إبراهيم بن حماد إنه : "كان ينظر إلى مالك إذا قام من مجلسه حمل يده بالأخرى ". و لكن للإنصاف نقول إن أبا جعفر المنصور حين جاء حاجا اعتذر للإمام مالك و أخبره أنه عاقب واليه ... مات أبو جعفر المنصور على أبواب مكة حاجا عام 158 هـ و تولى الخلافة ابنه محمد (المهدي) . كان أبو العباس السفاح قد عقد البيعة لأبي جعفر المنصور ثم لعيسى بن موسى ، و استطاع أبو جعفر أن يجعل عيسى بن موسى يخلع نفسه لتؤول الخلافة لابنه المهدي الذي بويع بالخلافة من بعد أبيه في سنة 147هـ . كان المهدي مهموما بتتبع الزنادقة و قتلهم والبحث عنهم . و قد كان يقتل على التهمة و أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة و الملحدين . قامت في عهده ثورات كما في عهد أبيه و عمه ، لكن إحداها تبدو من غرائب الثورات و استمرت ثلاث سنوات ، ففي سنة 159هـ خرج من يسمى بالمقنع بخرسان وكان رجلا أعورا قصيرا ، من أهل مرو ، وكان اتخذ وجها من ذهب فجعله على وجهه لكيلا يرى ، فسمي المقنع وادعى الألوهية وتابعه البعض . و عندما هزمه جيش المهدي أيقن بالهلاك شرب السم هو وأهله وخواصه و وجدوه ميتا فقطعوا رأسه كعادة ذلك الزمان و أرسلوه للمهدي . و يروى أن المهدي كان قد عشق جارية له و قيل إنها كانت أيضا عاشقة له إلا أنها تتحاشاه كثيراً ، و عرف سبب صدها ، ذلك أنها كانت تقول : " أخاف أن يملني ويدعني فأموت ." فقال المهدي في ذلك :
ظفرت بالقلب مني غادة مثل الهـلال ........ كلما صح لـهـا ودي جاءت باعتـلال
لا لحب الهجر مني و التنائي عن وصال ... بل لإبقاء على حبي لها خوف الملال
توفي المهدي عام 169 هـ بعد عشر سنوات و شهر من ولايته . تولى بعد المهدي ابنه الهادي (أبو محمد موسى) و استمرت خلافة الهادي عاما واحدا . بعضهم يقول إن موته كان طبيعيا و لكن أرجح الروايات في سبب موته أن أمه (الخيزران) هي من دبرت قتله ، ذلك أنها أمرت جواريها أن يقتلنه فخنقنه و هو نائم ، و سبب ذلك أنه كان يريد أن يخلع أخاه هارون من ولاية العهد و يعهد بها لابنه جعفر ، و قيل بل لأنه رأى أن الناس يقصدون أمه لقضاء حوائجهم فنهاها عن ذلك و هددها فقتلته . تولى بعد الهادي أخوه هارون الرشيد ...

زين العابدين حسن
05-04-2020, 07:49 PM
(6)
جاء للخلافة هارون الرشيد (170 ــ 193 هـ) ... أمه الخيزران جارية (أم ولد) ، كل الروايات تجمع أنها كانت جارية اختطفها جماعة من أعراب اليمن و هي صغيرة و باعوها لتصبح جارية في بيت الخليفة . رآها المهدي فعشقها و تزوجها . لا شك أنها كانت ذات شخصية قوية للدرجة التي استطاعت أن تقنع الخليفة المهدي بأن يعهد ولاية العهد لولديها و يستبعد كل أبنائه من النساء الأخريات بما فيهن بنت عمه السفاح . و كما ورد أن الروايات تتهمها بقتل ابنها الأكبر الخليفة الهادي ، و مرت بنا رواية الخنق ، و تورد الروايات أن الهادي حاول تسميم أمه لكنها اكتشفت الأمر فأوعزت بقتله قبل أن يقتلها . أورد المؤرخون عددا من الزوجات و أمهات الولد لهارون الرشيد . فقد تزوج هارون الرشيد من بنت عمه زبيدة بنت جعفر و كانت الأثيرة لديه ، و له غيرها زوجات أخريات (بالطبع لم يتجاوز أربع في وقت واحد) ، و كانت له جواري و ملكات يمين ، و عد المؤرخون لهارون الرشيد عشرة أبناء و اثنتا عشر بنتا ، يهمنا من الأبناء محمد (الأمين) من زوجته زبيدة وعبد الله (المأمون) من جارية فارسية اسمها مراجل و هو ابنه البكر مولود قبل الأمين . كان عهد هارون الرشيد بصورة عامة عهد استقرار نسبي ، (لا يعني ذلك توقف الحروب و الثورات ، لكن أغلبها كانت في الأطراف عدا ثورات الخوارج و لم يكن لها وزن يذكر) بدأت في عهده نهضة علمية و اتسعت الترجمة . إذا كنا قد تعرضنا للإمامين أبي حنيفة النعمان و مالك بن أنس فيستحسن أن نتعرض للإمام الشافعي . ولد الشافعي في زمن الخلافة العباسية (150 هـ على أرجح الأقوال) . ينتسب الشافعي إلى قريش و و يلتقي نسبه مع النبي (ص) في جدهما عبد مناف . و من عجب أن هذا النسب هو الذي أوقعه في محنة و هو الذي نجّاه من تلك المحنة التي ألمّت به ، ذلك إنه لما كان في اليمن دس له واليها أنه علوي ، و كان العباسيون يقتلون على الشبهة خاصة من كان علويا و حجتهم : أن تحمي الملك بقتل بريء أفضل من أن تترك مَن ربما يكلف القضاء عليه فيما بعد ما لا يطاق . أرسل الوالي إلى الخليفة هارون الرشيد : إن تسعة من العلوية تحرَّكوا و إني أخاف أن يخرجوا ، وإن ها هنا رجلاً من ولد شافع المطلبي لا أمر لي معه ولا نهي ... فأمر الرشيد بإحضار أولئك العلويين التسعة ومعهم الشافعي كان ذلك عام 184 هـ . ويقال أنه قتل التسعة ، ونجا الشافعي ذلك لأنه قال لهارون الرشيد وقد وجه إليه التهمةَ بين النطع والسيف : "يا أمير المؤمنين، ما تقول في رجلين أحدهما يراني أخاه ، و الآخر يراني عبده ، أيهما أحب إليّ ؟" قال : "الذي يراك أخاه"، قال: "فذاك أنت يا أمير المؤمنين ، إنكم ولد العباس ، وهم ولد علي ، ونحن بنو المطلب ، فأنتم ولد العباس تروننا إخوتكم ، وهم يروننا عبيدهم ."... هذه المقولة من أعجب المقولات التي صادفتني في السيرة ...
شهد القاضي محمد بن الحسن الشيباني للشافعي بأن له حظاً من العلم والفقه ، فأمر الرشيد بإبقائه حتى ينظر في شأنه ، و نجا الشافعي من القتل . الشافعي هو من وضع علم أصول الفقه فكتابه الرسالة يعد أول كتاب صُنف في أصول الفقه ، و قد كتبه و أعاد كتابته ، مرة في بغداد ، والثانية في مصر ، ذلك انه في عام 198 هـ تولى المأمون الخلافة و قرّب المعتزلة ، فلم يعد الشافعي يستطيب المقام في بغداد فرحل إلى مصر . الاستطراد في سيرة الشافعي لعظيم تأثيره على العقل الإسلامي ذلك لأنه كان يكره استخدام العقل بدون أثر من السنة ، فمن جاءوا بعده كرهوا استخدام العقل جملة ، و كانوا يستندون إليه بل و يؤلون النصوص لتعظيمه ، فكونه قرشي جعل مؤيديه يستدعون كل الأحاديث التي تمجد قريش ، فكانوا يردون على من يحاول انتقاده بالأحاديث : (اللهم اهد قريشاً فإنَّ العالم منهم يسع طباق الأرض) و يشيرون به للشافعي ، و (تعلموا من قريش ولا تعلموها ، وقدموا قريشا ولا تؤخروها ، فإن للقرشي قوة الرجلين من غير قريش) و غيره ، بل ذهب الحافظ بن حجر للاستشهاد بكتابه (لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش) لتبجيل الشافعي . لم يقتصر أمر تعظيم الشافعي على الأحاديث بل تعداه للاستعانة بالرؤي حتى أن محمد بن أحمد بن نصر الترمذي (غير صاحب السنن محمد بن عيسى الترمذي صاحب كتاب "العلل" و "الجامع") روى رؤية عجيبة كما جاء في (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ، سير النبلاء للذهبي) : قال إنه رأي في المنام النبي (ص) في مسجده بالمدينة فكأني جئت فسلمت عليه ، و قلت : يا رسول الله ، أكتب رأي مالك؟ قال : لا ، قلت : أكتب رأي أبي حنيفة ؟ قال : لا ، قلت : أكتب رأي الشافعي؟ فقال بيده هكذا ، كأنه انتهرني ، وقال: تقول : رأي الشافعي ! إنه ليس برأي ، ولكنه رد على من خالف سنتي .... و في رواية : لكن قول الشافعي ضد قول أهل البدع .... وفي رواية قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، فسألته عن الاختلاف ، فقال : أما الشافعي فمني ولي ، وفي الرواية الأخرى : أحيا سنتي .(تاريخ بغداد ، سير النبلاء) ، كان لذلك أثر عظيم في مجتمع يتعلق بادعاء رؤية النبي (ص) ... بل إن ابن عبد الحكم المؤرخ (صاحب كتاب فتوح مصر) و الذي نزل الإمام الشافعي ضيفا على والده حين قدومه مصر ، روى رواية تبجيلية غريبة عن الشافعي ، قال فيها : لما حملت والدة الشافعي به ، رأت كأن المشتري خرج منها ، حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلدة منه شظية ، فتأوله المفسرون أنها تلد عالما يخص علمه أهل مصر ، ثم يتفرق (تاريخ بغداد ـ الخطيب البغدادي) ... بل إن أبا حاتم الرازي يروي رؤية أغرب تحدث مشاهدها يوم القيامة ، قال : لما مات أبو زرعة الرازي رأيته في المنام ، فقلت له : ما فعل الله بك ؟ قال : قال لي : ألحقوه بأبي عبدالله ، وأبي عبدالله ، وأبي عبدالله ، الأول مالك ، والثاني الشافعي ، والثالث أحمد!! ... لم يذكر أبا حنيفة لأنه كان صاحب رؤية (من الرأي) .... الحقيقة إن العقلية التي دافع عنها تلاميذ الشافعي و مريدوه هي عقلية تصنيم الرمز و ساهمت بصورة أو بأخرى على المدى المتوسط (من قرن إلى قرنين) و على المدى البعيد (حتى يومنا هذا) بتكبيل العقل و ذلك بتقديسها للسلف للدرجة التي يقوم العقل بصورة ربما غير واعية بتثبيت الزمن و الالتفات للوراء دائما باعتبار أن أكمل ما يكون كان في ذاك الماضي ، و هو ماض متعالي خارج قوانين التاريخ .... حين تحيط بالعقل تلك القيود فإن الإبداع يخفت إذا لم ينعدم ... أحيانا يقود السرد للاستطراد لكن يبقى هارون الرشيد و عصره من أهم العصور في تاريخ العقل العربي الإسلامي .

زين العابدين حسن
06-04-2020, 11:10 AM
(7)
عقد هارون الرشيد البيعة لابنه محمد و لقبه باللقب الذي طغى على اسمه كعادة ذلك الزمان ، فصار (الأمين) وليا للعهد عام 175 هـ و أشهد على ذلك الحاشية و الفقهاء . كان الأمين اصغر من أخيه المأمون و لكن يبدو أن أمه زبيدة و الأمراء العباسيين جعلوا الرشيد يقبل بالوضع المقلوب و تحججوا بأن الأمين هاشمي الأبوين ، ابن امرأة عربية حرة و المأمون ابن جارية فارسية ، و هي حجة تذكرنا بما حدث مع السفاح و أبي جعفر المنصور . بعد حوالي ثمان سنوات (182 هـ) عقد الرشيد مجلسا لولاية العهد و جعل ولاية العهد لابنه المأمون بعد الأمين و أشهد الحاشية و الفقهاء و وضع البيعة في حافظة من الفضة و علقها في جوف الكعبة ، و مرة ثالثة بعد أربع سنوات (186 هـ) عقد الرشيد ولاية العهد لابنه القاسم بعد أخويه و لقبه بالمؤتمن .... لكن هل يتم احترام المواثيق ؟
تأتي نكبة البرامكة في عهد هارون الرشيد مع تصرفات كثيرة له ـ كما سيأتي ـ لتثير تساؤلات عن صحته العقلية و عن عدم إمكانية تلافي نتائج الحكم المطلق و مآسيه على المجتمع على المدى البعيد . نبدأ بليلة النكبة ، تلك الليلة التي نسب لشاعر أبيات تصور هول الحدث و كيف طار رأس جعفر بن يحيى و حزن محبي البرامكة :
ولما رأيت السيف جندل جعفرا ..... ونادى مناد للخليفة يا يحيى
بكيت على الدنيا وزاد تأسفي .... عليهم وقلت الآن لا تنفع الدنيا
أو تلك الرواية : لما قتل الرشيد جعفرا وقفت امرأة على حمار فاره فقالت بلسان فصيح : و الله يا جعفر لئن صرت اليوم آية لقد كنت في المكارم غاية ، ثم أنشأت تقول:
ولما رأيت السيف خالط جعفرا .... ونادى منادٍ للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وأيقنت أنما ... قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا
وما هي إلا دولة بعد دولة........ تخوِّل ذا نعمى و تعقب ذا بلوى
إذا أنزلتْ هذا منازل رفعة... من الملك حطتْ إلى الغاية القصوى
قال: ثم حركت حمارها فذهبت فكأنها كانت ريحا لا أثر لها، ولا يعرف أين ذهبت ....
كانت نكبة البرامكة في آخر ليلة من محرم أو أول صفر 187 هـ ، تلك الليلة التي خطط لها الرشيد و تكتم و جلب الجند و وزع الأدوار و أعطى أوامره فانقض الجند على البرامكة ... فاجأ الرشيد البرامكة و ألقى القبض عليهم جميعا و أعلن أن لا أمان لمن يأويهم . و للتذكير بمن هم البرامكة ، فهم ذو أصل فارسي و ينسبون لجدهم برمك و كان مجوسيا ، و كان خالد بن برمك من الدعاة العباسيين و ولاه السفاح الوزارة ، ابنه يحيى صار وزيرا لهارون الرشيد و زوجته هي أم الرشيد من الرضاعة ، و ولده جعفر أخ الرشيد من الرضاعة و نديمه (و يقال له سبب النكبة) و نديمه على حسب ما أورد ابن كثير في البداية و النهاية (الجزء العاشر ص 204) ، حيث أورد (كان جعفر يدخل على الرشيد بغير إذن حتى كان يدخل عليه وهو في الفراش مع حظاياه ، وهذه وجاهة ومنزلة عالية وكان عنده من أحظى العشراء على الشراب المسكر) ... هذه الرواية تدحض حجج كل أولئك الذين يقولون بأن شرب هارون الرشيد للخمر و معاشرته للجواري محض اختلاق ، خاصة و أن راويها ابن كثير تلميذ ابن تيمية ... و لجعفر أخوة : الفضل و موسى و محمد . ليحيى فضل على الرشيد إذ أنه كان من دافع عن ولاية الرشيد للعهد عندما هم أخوه الهادي بخلعه و كان الرشيد يخاطبه بـ(يا أبت) . و استباقا للأحداث نقول إن نهاية جعفر البرمكي تدل على نار تعتمل في قلب الرشيد و سنحاول أن نتلمس أسبابها . و لأن الروايات متشابهة سنعتمد على رواية ابن كثير لأنه من أهل السنة فلا يتهم في روايته . روى ابن كثير(الجزء العاشر ص205) رواية تكاد تطابق ما أورده الطبري في (تاريخ الطبري الجزء الرابع ص661 دار الكتب العلمية (خمسة أجزاء) – بيروت الطبعة الأولى ، 1407هـ ) .
رواية ابن كثير : أرسل مسرورا الخادم ومعه حماد بن سالم أبو عصمة في جماعة من الجند، فطافوا بجعفر بن يحيى ليلا ، فدخل عليه مسرور الخادم وعنده بختيشوع المتطبب ، وأبو ركانة الأعمى المغني الكلوذاني، وهو في أمره وسروره ، وأبو ركانة يغنيه:
فلا تبعد فكل فتى سيأتي ...عليه الموت يطرق أو يغادي
فقال الخادم له: يا أبا الفضل ! هذا الموت قد طرقك ، أجب أمير المؤمنين. فقام إليه يقبل قدميه ويدخل عليه أن يمكنه فيدخل إلى أهله فيوصي إليهم و يودعهم ، فقال : أما الدخول فلا سبيل إليه ، و لكن أوص. فأوصى وأعتق جميع مماليكه أو جماعة منهم ، وجاءت رسل الرشيد تستحثه فأخرج إخراجا عنيفا ، فجعلوا يقودونه حتى أتوا به المنزل الذي فيه الرشيد، فحبسه وقيده بقيد حمار، و أعلموا الرشيد بما كان يفعل ، فأمر بضرب عنقه ، فجاء السياف إلى جعفر فقال : إن أمير المؤمنين قد أمرني أن آتيه برأسك. فقال : يا أبا هاشم ! لعل أمير المؤمنين سكران ، فإذا صحا عاتبك فيَّ ، فعاوده . فرجع إلى الرشيد فقال : إنه يقول : لعلك مشغول. فقال : (يا ماص بظر أمه ائتني برأسه) [نعتذر عن العبارة الفاحشة لكن هكذا أوردها المرجع]. فكرر عليه جعفر المقالة فقال الرشيد في الثالثة : برئت من المهدي إن لم تأتني برأسه لأبعثن من يأتيني برأسك و رأسه . فرجع إلى جعفر فحز رأسه وأتى به إلى الرشيد فألقاه بين يديه، وأرسل الرشيد من ليلته البرد بالاحتياط على البرامكة جميعهم ببغداد وغيرها ، ومن كان منهم بسبيل . فأخذوا كلهم عن آخرهم ، فلم يفلت منهم أحد. و حبس يحيى بن خالد في منزله، وحبس الفضل بن يحيى في منزل آخر، وأخذ جميع ما كانوا يملكونه من الدنيا ، وبعث الرشيد برأس جعفر و جثته فنصب الرأس عند الجسر الأعلى ، و شقت الجثة باثنتين فنصب نصفها الواحد عند الجسر الأسفل ، و الأخر عند الجسر الآخر، ثم أحرقت بعد ذلك. ونودي في بغداد : أن لا أمان للبرامكة و لا لمن آواهم ، إلا محمد بن يحيى بن خالد فإنه مستثنى منهم لنصحه للخليفة) ...انتهى ... نلاحظ : (وبعث الرشيد برأس جعفر وجثته فنصب الرأس عند الجسر الأعلى ، وشقت الجثة باثنتين فنصب نصفها الواحد عند الجسر الأسفل ، والأخر عند الجسر الآخر، ثم أحرقت بعد ذلك) .. لماذا هذا التمثيل بالجثة الدال على التشفي ؟ سنحاول الإجابة على هذا السؤال باعتباره جزء من السؤال الأكبر : لماذا فعل الرشيد بالبرامكة ما فعل ؟

زين العابدين حسن
06-04-2020, 07:38 PM
(8)
سنستفيد من رواية ابن كثير في نفس الكتاب (البداية و النهاية) و من الطبري (نفس المرجع السابق) و غيره لنلخّص الأسباب : قيل : إن الرشيد كان قد سلم يحيى بن عبد الله بن حسن إلى جعفر البرمكي ليسجنه عنده ، فما زال يحيى يترفق له حتى أطلقه دون إذن الرشيد فعلم فثار غضبه على البرامكة . و يقال: إن البرامكة كانوا يريدون إبطال خلافة الرشيد و إظهار الزندقة ... و قيل إن البرامكة عاشوا في ترف شديد جدًا ، و كان الرشيد في سفر ذات يوم ، فلم يمر على قصر و لا إقليم و لا قرية إلا قيل له: هذا لجعفر ... و قيل : سعى الحساد بالوشاية ، و قيل : لأن جعفر البرمكي ضرب عنق عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي و قدم رأسه و جعله إلى الرشيد مع هدايا فقبلها ، فلما نظر الرشيد للرأس أستفظع ذلك (فلما نظر الرشيد إلى الرأس اقشعر جلده و قال: ويحك لم فعلت هذا؟ فقال: لما كتب إلى أمير المؤمنين من الكلام القبيح، فقال: ويحك قتلك إياه بغير إذني أعظم من فعله، ثم أمره بغسله وتكفينه، وصلى عليه ودفنه في مقابر قريش.) و لهذا المقتول قصة مع هارون الرشيد إذ أن هارون كان قد حبسه بدار و لكن الفتى ضاق بالحبس فكتب لهارون كتابا قبيحا ، فأمر جعفر أن يحبسه عنده ، يقال إن جعفر حين قتله كان سكرانا) .
. فلما أمر بقتل جعفر قال لمسرور: إذا أردت قتله فقل له : هذا بعبد الله بن الحسن بن عمي ، الذي قتلته بغير أمري... وقيل : إنما قتلهم بسبب العباسة ( أخت الرشيد غير الشقيقة) و هذه لها قصة تطول .
العباسة يقال إن اسمها (عُليّة) ، أما ابن قتيبة في (الإمامة و السياسة) فيسميها (فاختة) و تقول الروايات عنها إنها كانت على درجة فائقة من الجمال ، و يذكر بعضهم إنها تزوجت ثلاث مرات و في كل مرة يموت زوجها .... لفحص نسبة نكبة البرامكة للعباسة يجب تصفح المراجع و لتكن البداية برواية الطبري (228 ــ 310 هـ) و هو واحد من أقدم المؤرخين و أكثرهم دفاعا عن العباسيين و قد عاش في العصر العباسي ، بل يعتبره البعض (مؤرخ السلطة العباسية) ثم هو فوق ذلك محل ثناء أهل السنة (النووي ، ابن تيمية ، ابن كثير ... الخ) [ أجمعوا على بطلان اتهامه بالتشيع الذي نُسب إليه خطأ لتشابه اسمه و لقبه مع طبري شيعي آخر] و يمكن تناول الرواية بالنقد و التمحيص و فحص رأي من يرون رأيا مخالفا . يقول الطبري في (تاريخ الأمم و الملوك ــ المعروف بتاريخ الطبري ــ الطبعة الأولى الصادرة من "دار الكتب العلمية ـ بيروت "خمسة أجزاء" ــ 1407 هـ ــ الجزء الرابع ص 660 ـ 661 ) يقول : (قد حدثني أحمد بن زهير - أحسبه عن عمه زاهر بن حرب - أن سبب هلاك جعفر والبرامكة أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر و عن أخته العباسة بنت المهدي ، و كان يحضرهما إذا جلس للشرب ، و ذلك بعد أن أعلم جعفراً قلة صبره عنه و عنها ، و قال لجعفر: أزوجكها ليحل لك النظر إليها إذا أحضرتها مجلسي ، و تقدم إليه ألا يمسها ، و لا يكون منه شيء مما يكون للرجل إلى زوجته ، فزوجها منه على ذلك ، فكان يحضرهما مجلسه إذا جلس للشرب ، ثم يقوم عن مجلسه وي خليهما ، فيثملان من الشراب ، و هما شابان ، فيقوم إليها جعفر فيجامعها ، فحملت منه و ولدت غلامًا ، فخافت على نفسها من الرشيد إن علم بذلك ، فوجهت بالمولود مع حواضن له من مماليكها إلى مكة ، فلم يزل الأمر مستوراً عن هارون، حتى وقع بين عباسة و بين بعض جواريها شر، فأنهت أمرها و أمر الصبي إلى الرشيد ، و أخبرته بمكانه ، و مع من هو من جواريها ، و ما معه من الحلي الذي كانت زينته به أمه ، فلما حج هارون هذه الحجة ، أرسل إلى الموضع الذي كانت الجارية أخبرته أن الصبي به ، من يأتيه بالصبي وب من معه من حواضنه ، فلما أحضروه سأل اللواتي معهن الصبي ، فأخبرنه بمثل القصة التي أخبرته بها الرافعة على عباسة ، فأراد - فيما زعم - قتل الصبي ، ثم تحوب من ذلك .
وكان جعفر يتخذ للرشيد طعامًا كلما حج بعسفان فيقريه إذا انصرف شاخصًا من مكة إلى العراق؛ فلما كان في هذا العام ، اتخذ الطعام جعفر كما كان يتخذه هنالك ، ثم استزاره فاعتل عليه الرشيد ، و لم يحضر طعامه ، و لم يزل جعفر معه حتى نزل منزله من الأنبار ، فكان من أمره وأمر أبيه ما أنا ذاكره إن شاء الله تعالى ...) انتهى ... أما رواية ابن كثير(701 ــ 774 هـ) في (البداية و النهاية ــ الجزء العاشر ) فيقول فيها : (و قد كان جعفر يدخل على الرشيد بغير إذن حتى كان يدخل عليه و هو في الفراش مع حظاياه – و هذه وجاهة و منزلة عالية – و كان عنده من أحظى العشراء على الشراب المسكر - فإن الرشيد كان يستعمل في أواخر أيام خلافته المسكر – و كان أحب أهله إليه أخته العباسة بنت المهدي ، و كان يحضرها معه ، و جعفر البرمكي حاضرا أيضا معه ، فزوجه بها ليحل النظر إليها ، و اشترط عليه أن لا يطأها. و كان الرشيد ربما قام و تركهما و هما ثملان من الشراب فربما واقعها جعفر فحبلت منه فولدت ولدا و بعثته مع بعض جواريها إلى مكة ، و كان يربى بها. وذكر ابن خلكان [608 ــ681 هـ] أن الرشيد لما زوج أخته العباسة من جعفر أحبها حبا شديدا ، فراودته عن نفسه فامتنع أشد الامتناع خوفا من الرشيد ، فاحتالت عليه - وكانت أمه تهدي له في كل ليلة جمعة جارية حسناء بكرا - فقالت لأمه : أدخليني عليه بصفة جارية . فهابت ذلك فهددتها حتى فعلت ذلك . فلما دخلت عليه لم يتحقق وجهها فواقعها فقالت له : كيف رأيت خديعة بنات الملوك ؟ و حملت من تلك الليلة ، فدخل على أمه فقال : بعتيني و الله برخيص . ثم إن والده يحيى بن خالد جعل يضيق على عيال الرشيد في النفقة حتى شكت زبيدة ذلك إلى الرشيد مرات ، ثم أفشت له سر العباسة، فاستشاط غيظا ، و لما أخبرته أن الولد قد أرسلت به إلى مكة حج عام ذلك حتى تحقق الأمر . و يقال: إن بعض الجواري نمّت عليها إلى الرشيد وأخبرته بما وقع ، و أن الولد بمكة و عنده جوار و أموال و حلي كثيرة ، فلم يصدق حتى حج في السنة التالية ، ثم كشف الأمر عن الحال، فإذا هو كما ذكر) انتهى ... أما ابن قتيبة (213 ــ 276 هـ) و هو سني ذو مكانة فيكتب في (الإمامة و السياسة ــ الجزء الثاني) : (...قال سهل : قلت لبعض من أثق بوفائه ، و أعتقد صدق إخائه من خصيان القصر المتقدمين عند أمير المؤمنين ، و المتمكنين من كل ما يكون لديه: ما الذي نعى جعفر بن يحيى و ذويه عند أمير المؤمنين، و ما كان من ذنبه الذي لم يسعه عفوه ، و لم يأت عليه رضاه ؟ فقال : لم يكن له جرم ، و لا لديه ذنب ... فلما عُلم ذلك من حسن رأي أمير المؤمنين فيه و شديد محبته له ، استأذنته أخته (فاختة) بنت المهدي وشقيقته في إتحاف جعفر و مهاداته ، فأذن لها ، وكانت قد استعدت له بالجواري الرائعات ، و القينان الفاتنات ، فتهدي له كل جمعة بكرا يفتضها ، إلى ما يصنع له من ألوان الطعام والشراب والفاكهة ، وأنواع الكسوة والطيب ، كل ذلك بمعرفة أمير المؤمنين و رأيه ، فاستمرت بذلك زمانا ، ومضت به أعواما. فلما كانت جمعة من الجمع ، دخل جعفر القصر الذي استعدت به ، و لم يرع جعفر إلا بفاختة ابنة المهدي في القصر، كأنها جارية من الجواري اللاتي كن يهدين له ، فأصاب منها لذته ، و قضى منها حاجته ، و لا علم له بذلك . فلما كان المساء ، و هم بالانصراف، أعلمته بنفسها ، و عرفته بأمرها ، و أطلعته على شديد هواها ، و إفراط محبتها له ، فازداد بها كلفا ، وبها حبا، ثم استعفاها من المعاودة إلى ذلك . و انقبض عما كان يناله من جواريها ، واعتذر بالعلة والمرض ...) [لا قيمة في رأيي لتشكيك البعض في نسبة الكتاب لابن قتيبة فكل الشواهد تؤكد صحة نسبته إليه]
سأستعرض في البداية رأي المشككين في الرواية : بصورة عامة كل المواقع السنية و الكتابات المعاصرة تستنكر الرواية لأنها تعتبرها مما لا يليق نسبته لحفيدة حبر الأمة و سليلة الخلفاء ، و لكن الأغرب أنها تنفي تاريخية الرواية بالقول إنه لم يقل بها أحد من المتقدمين و أن من أوردوها هم من الشيعة و الشعوبيين و المتأخرين [لم نتعرض لروايات هؤلاء و هم كثر] ، في حين إننا نجد أن أول من أوردوها هم من أهل السنة ، فابن قتيبة مولود بعد ربع قرن فقط من أحداث النكبة و لا شك أنه عاصر من كانوا حضورا لها ، و ابن جرير الطبري مولود بعد حوالي أربعين عاما و أيضا يُرجّح أنه عاصر من حضروا تلك النكبة ، لذا لا مجال للقول بأنه لم يوردها إلا الشيعة و الشعوبيون الموالون للبرامكة الكارهون للرشيد و الإسلام .

زين العابدين حسن
07-04-2020, 01:57 PM
(9)
أما من انتقد رواية العباسة و جعفر و استبعدها من غير المعاصرين ، فهو ابن خلدون (732 ــ808 هـ) جاء في المقدمة (و من الحكايات المدخولة للمؤرخين ما ينقلونه كافة في سبب نكبة الرشيد للبرامكة من قصة العباسة أخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه .. و هيهات ذلك من منصب العباسة في دينها و أبويها و جلالها و أنها بنت عبد الله بن عباس و ليس بينها و بينه إلا أربعة رجال هم أشراف الدين و عظماء الملة من بعده و العباسة بنت محمد المهدي ابن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد السجاد ابن علي أبي الخلفاء ابن عبد الله ترجمان القرآن ابن العباس عم النبي صلى الله عليه و سلم ابنة خليفة أخت خليفة محفوفة بالملك العزيز و الخلافة النبوية و صحبة الرسول و عمومته و إقامة الملة و نور الوحي و مهبط الملائكة من سائر جهاتها قريبة عهد ببداوة العروبية و سذاجة الدين البعيدة عن عوائد الترف و مراتع الفواحش فأين يطلب الصون و العفاف إذا ذهب عنها أو أين توجد الطهارة و الذكاء إذا فقدا من بيتها.) انتهى ... و نرى أن حجته هي فقط جليل حسبها و نسبها و هي ليست حجة كافية ، فالحسب و النسب وحدهما لا يقتلان الغرائز و العواطف الإنسانية . سأتناول قصة العباسة بالفحص : هذه القصة و مثلها كثير في التاريخ الإسلامي تبدو فيها غرائب يصعب تفهمها ، فكيف لأمير المؤمنين السماح لأخته حضور مجالس الشرب ؟ و كيف يعقد لها عقد زواج صوري ؟ هذا من ناحية و من ناحية أخرى هب أن العباسة و جعفر مارسا ممارسة الأزواج فهل عليهما شيء ؟ يصعب تصور الحمل و الولادة في الخفاء لمن كان في مقام العباسة و كيف خفى ذلك على الرشيد ؟ تبدو الصورة غير معقولة لمن في مقام الخليفة . في بعض الروايات أمور غريبة ، كيف لمن تحب إهداء محبوبها فتيات أبكار ليقضي معهن ليالي كتلك ؟ كل هذه تجعل المرء يستبعد الرواية و يميل لرأي القائلين بأنها ملفقة ، (في رواية أن العباسة كانت متزوجة من ابن عمها موسى بن عيسى العباسي الذي تزوجها وسكن معها البصرة في جنوب العراق ولها منه ذرية) ، قيل أنها ماتت في نفس السنة (187 هـ) .غير أنه رغم ذلك لا بد من فحص الوجه الآخر للرواية . صحيح أن القدماء كانوا مغرمين برسم صور غريبة ، غير أنه يلفت النظر قرار الرشيد قتل جعفر و التمثيل بجثته بتلك الطريقة الانتقامية البشعة و ذلك بعد رجوعه من الحج مباشرة ، مما له دلالة و يضفي ظلالا من المصداقية لقصة الغلام ابن العباسة و جعفر و أن أمرا ما ملأ صدر الرشيد بالغل تجاه جعفر بالذات ، كما رأينا من انتقامه . ثم هناك رواية أخرى تلفت نظرنا و هي الرواية المنسوبة لابن الجوزي و رواها ابن كثير في البداية و النهاية من ضمن قصة البرامكة (الجزء العاشر : (وذكر ابن الجوزي[508 ــ 597 هـ] أن الرشيد سئل عن سبب قتله البرامكة فقال: لو أعلم أن قميصي يعلم ذلك لأحرقته) ، هذه الرواية توحي بأن الرشيد لا يريد لأحد أن يطلع على سر غضبه على البرامكة و بالذات قصة جعفر و هي أيضا ذات دلالة ، فما الشيء الذي يكره الرشيد أن يطلع عليه أحد؟ ...
لهارون الرشيد قصص غريبة أخرى ، فهناك قصة عن جارية لجعفر تثير الفزع ، و لندع ابن كثير يرويها لنا في الجزء العاشر من (البداية و النهاية )مع قصة نكبة البرامكة (وذكر ابن الجوزي: أن جعفرا كان له جارية يقال لها: فتينة مغنية ، لم يكن لها في الدنيا نظير ، كان مشتراها عليه بمن معها من الجواري مائة ألف دينار ، فطلبها منه الرشيد فامتنع من ذلك ، فلما قتله الرشيد اصطفى تلك الجارية فأحضرها ليلة في مجلس شرابه وعنده جماعة من جلسائه وسماره ، فأمر من معها أن يغنين فاندفعت كل واحدة تغني ، حتى انتهت النوبة إلى فتينة ، فأمرها بالغناء فأسبلت دمعها وقالت : أما بعد السادة فلا . فغضب الرشيد غضبا شديدا ، وأمر بعض الحاضرين أن يأخذها إليه فقد وهبها له ، ثم لما أراد الانصراف قال له فيما بينه وبينه : لا تطأها . ففهم أنه إنما يريد بذلك كسرها .
فلما كان بعد ذلك أحضرها وأظهر أنه قد رضي عنها وأمرها بالغناء فامتنعت وأرسلت دمعها وقالت : أما بعد السادة فلا .
فغضب الرشيد أشد من غضبه في المرة الأولى وقال : النطع والسيف . وجاء السياف فوقف على رأسها فقال له الرشيد : إذا أمرتك ثلاثا وعقدت أصابعي ثلاثا فاضرب . ثم قال لها : غنِّ، فبكت وقالت : أما بعد السادة فلا . فقعد أصبعه الخنصر، ثم أمرها الثانية فامتنعت ، فعقد اثنتين ، فارتعد الحاضرون وأشفقوا غاية الإشفاق وأقبلوا عليها يسألونها أن تغني لئلا تقتل نفسها ، وأن تجيب أمير المؤمنين إلى ما يريد . ثم أمرها الثالثة فاندفعت تغني كارهة :
لما رأيت الدنيا قد درست * أيقنت أن النعيم لم يعد
قال: فوثب إليها الرشيد وأخذ العود من يدها وأقبل يضرب به وجهها ورأسها حتى تكسر، وأقبلت الدماء وتطايرت الجوار من حولها، وحملت من بين يديه فماتت بعد ثلاث ) انتهى .
قصة العباسة من قصص التاريخ الغامضة و ربما ليست بتلك الصورة التي رُويت بها إلا أن في الرواية المروية عناصر يمكن أن تشكل رواية أخرى . أسباب نكبة البرامكة قد تكون كلما قيل من الأسباب التي وردت عن المؤرخين بما فيها قصة العباسة و ربما كانت قصتها هي القشة التي قصمت ظهر البعير . غير أن ما يلفت النظر صورة الرشيد كشخص لا يمكن معرفة رد فعله ، بل كشخص غريب الأطوار ، و كشخص دموي و أيضا ما ينسب إليه من صفات سالبة و أخرى تظهره كخليفة ورع مجاهد حاجا عاما و غازيا آخر ، فأين الحقيقة من هذا كله ؟ .
العبرة : أسوأ نظام حكم هو ذاك الذي تكون اقدار العباد بيد مطلقة تفعل ما تريد و بيد فرد مهما كان ، يقتل و يصلب كما يريد . تبقى لنا في هذه الجزئية النظر في حقيقة شخصية هارون الرشيد .

زين العابدين حسن
08-04-2020, 10:24 AM
(10)
تبدو شخصية هارون الرشيد عصية على الفهم . الكتابات المعاصرة (خاصة المنتشرة على صفحات الشبكة العنكبوتية) أغلبها يرفعه لمصاف التقي الصائم القائم المجاهد، يصلي مائة ركعة في اليوم و يحج عاما و يغزو عاما ، و هناك مواقع ترى فيه الشر و التهتك ). لتكن البداية إلقاء نظرة على ما كتبه المؤرخون السنة عنه . نبدأ بهذه الرواية الغريبة عن الرشيد مع جعفر البرمكي في نفس اليوم الذي دبّر فيه مقتله ، و هي رواية الطبري في (تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك) 1-6 مع الفهارس ج4 صفحة 663 حسب ترقيم النسخة المنشورة على النت) ، نقرأ له : " و ذكر الكرماني أن بشاراً التركي حدثه أن الرشيد خرج إلى الصيد وهو بالعمر(مكان) في اليوم الذي قتل جعفراً في آخره ، فكان ذلك اليوم يوم جمعة ، و جعفر بن يحيى معه ، قد خلا به دون ولاة العهد ، وهو يسير معه ، و قد وضع يده على عاتقه ، و قبل ذلك ما غلفه بالغالية بيد نفسه ، ولم يزل معه ما يفارقه حتى انصرف مع المغرب ، فلما أراد الدخول ضمه إليه ، و قال له : لولا أني علي الجلوس الليلة مع النساء لم أفارقك ، فأقم أنت في منزلك ، واشرب أيضاً واطرب ، لتكن أنت في مثل حالي ، فقال : لا و الله ما أشتهي ذلك إلا معك ، فقال له : بحياتي لما شربت ، فانصرف عنه إلى منزله ، فلم تزل رسل الرشيد عنده ساعة بعد ساعة تأتيه بالأنفال و الأبخرة و الرياحين ، حتى ذهب الليل . ثم بعث إليه مسروراً فحبس عنده ، وأمر بقتله وحبس الفضل ومحمد وموسى ، و وكل سلاماً الأبرش بباب يحيى بن خالد ، ولم يتعرض لمحمد بن خالد ولا لأحد من ولده وحشمه." انتهى ... هذه الرواية تجرد الرشيد من النبل الإنساني و تصوره كداهية غادر إذا ما قرأناها مع ما فعل بجعفر من قتل و تمثيل بالجثة كما سبق أن تناولناه . و في نفس المرجع و في نفس الباب يورد الطبري رواية تبين التبذير الذي كان عليه الرشيد و صاحبه جعفر ، يكتب الطبري : " وذكر يعقوب بن إسحاق أن إبراهيم بن المهدي قال : أتيت جعفر بن يحيى في داره التي ابتناها ..... فقلت : الذي يعيبها عندي أنك أنفقت عليها نحواً من عشرين ألف ألف درهم ، وهو شيء لا آمنه عليك غداً بين يدي أمير المؤمنين ، قال : هو يعلم أنه قد وصلني بأكثر من ذلك وضعف ذلك، سوى ما عرضني له...." و رواية أخرى لابن كثير في الجزء العاشر من (البداية و النهاية) : " وذكر ابن جرير وغيره أنه كان في دار الرشيد من الجواري و الحظايا و خدمهن و خدم زوجته و أخواته أربعة آلاف جارية ، و أنهن حضرن يوما بين يديه فغنته المطربات منهن فطرب جدا ، و أمر بمال فنثر عليهن . وكان مبلغ ما حصل لكل واحدة منهن ثلاثة آلاف درهم في ذلك اليوم . رواه ابن عساكر أيضا. و روي أنه اشترى جارية من المدينة فأعجب بها جدا فأمر بإحضار مواليها و من يلوذ بهم ليقضي حوائجهم ، فقدموا عليه بثمانين نفسا فأمر الحاجب – و هو الفضل بن الربيع - أن يتلقاهم و يكتب حوائجهم ، فكان فيهم رجل قد أقام بالمدينة لأنه كان يهوى تلك الجارية ، فبعثت إليه فأتى به فقال له الفضل : ما حاجتك ؟ قال: حاجتي أن يجلسني أمير المؤمنين مع فلانة فأشرب ثلاثة أرطال من خمر، وتغنيني ثلاثة أصوات. فقال : أمجنون أنت ؟ فقال : لا ولكن أعرض حاجتي هذه على أمير المؤمنين. فذكر للرشيد ذلك فأمر بإحضاره وأن تجلس معه الجارية بحيث ينظر إليهما ولا يريانه فجلست على كرسي والخدام بين يديها ، وأجلس على كرسي فشرب رطلا وقال لها غنني : فغنت : ..... قال : فغنته ثم استعجله الخدم فشرب رطلا آخر، وقال : غنني جعلت فداك : ..... قال: فغنته ، ثم شرب رطلا ثالثا وقال : غنني جعلني الله فداك : .... قال: ثم قام الشاب إلى درجة هناك ثم ألقى نفسه من أعلاها على أم رأسه فمات. فقال الرشيد: عجل الفتى، والله لو لم يعجل لوهبتها له." انتهى . [تركت أبيات الشعر التي طلب الشاب غناءها تجنبا للإطالة] .... و هناك من الروايات الكثيرة التي أوردها الطبري و ابن كثير و الذهبي و غيرهم من أهل السنة ، تجعل الباحث في شخصية الرشيد يحتار في تلك الصورة الدموية التي تصوره بها ، من تلك الروايات : " وقدَّم أبا عصمة فضرب عنقه وشدَّ جمجمته في رأس قناة ودخل بها بغداد ، وذلك أنه كان مضى هو وجعفر بن موسى الهادي راكبين فبلغا إلى قنطرة من قناطر عيساباذ ، فالتفت أبو عصمة إلى هارون فقال له : مكانك حتى يجوز ولي العهد! فقال هارون: السمع والطاعة للأمير! فوقف حتى جاز جعفر ، فكان هذا سبب قتل أبي عصمة" (الطبري : 6/443) . و روى الطبري أيضا كيف قتل الرشيد كاتب جعفر البرمكي و صلب جثته . و هناك روايات بشعة عن القتل بفصل الأعضاء منها ما رواه في نفس المرجع في أحداث سنة 193 هجرية ، تقول الرواية " كانت بين هرثمة وأصحاب رافع فيها وقعة ، فتح فيها بخارى، و أسر أخا رافع بشير بن ليث ، فبعث به إلى الرشيد وهو بطوس ؛ فذكر عن ابن جامع المروزي ، عن أبيه ، قال : كنت فيمن جاء إلى الرشيد بأخي رافع . قال : فدخل عليه و هو على سرير مرتفع عن الأرض بقدر عظم الذراع ، و عليه فرش بقدر ذلك - أو قال أكثر - وفي يده مرآة ينظر فيها إلى وجهه . قال: فسمعته يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون! و نظر إلى أخي رافع ، فقال : أما و الله يا ابن اللخناء (اللخناء كلمة فاحشة قبيحة المعنى نتجاوز عن ذكر معناها هنا) ، إني لأرجو ألا يفوتني خامل - يريد رافعاً - كما لم تفتني . فقال له : يا أمير المؤمنين ، قد كنت لك حرباً ، و قد أظفرك الله بي فافعل ما يحب الله ، أكن لك سلماً ؛ ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذاً علم أنك قد مننت علي ! فغضب و قال : والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت : اقتلوه . ثم دعا بقصاب ، فقال : لا تشحذ مداك ، اتركها على حالها ، وفصل هذا الفاسق ابن الفاسق ، وعجل ، لا يحضرن أجلي وعضوان من أعضائه في جسمه . ففصله حتى جعله أشلاء . فقال : عد أعضاءه ، فعددت له أعضاءه ، فإذا هي أربعة عشر عضواً ، فرفع يديه إلى السماء ، فقال : اللهم كما مكنتني من ثأرك و عدوك ، فبلغت فيه رضاك ، فمكني من أخيه . ثم أغمي عليه ، وتفرق من حضره ." انتهى ... أما اتهامه بالسكر و المجون فقد مررنا بروايات الطبري و ابن قتيبة و ابن كثير... لم نتعرض لروايات (الأغاني) لأن بعضهم يصف صاحبها (أبو الفرج الأصفهاني) بأنه من الشعوبيين ... و كذلك لم نتعرض لروايات الآخرين المتهمين باتهامات مثل اتهامات الأصفهاني أو شبيهة لها ... يجب أن نذكر أن التاريخ المروي عن الرشيد يصوره أيضا غازيا شجاعا و قائدا مقتدرا ، و يصوره أيضا حاجا و مصليا و عابدا حتى لتحتار في شخصيته ، يبدو أنه كان يجمع بين الشخصيتين . نلاحظ أن شخصيتي الرشيد تم تصويرها في كتابات نفس المؤرخين . فالمؤرخ يصوره مع الجواري حينا و حاجا حينا و قاتلا لعدوه بطريقة بشعة حينا آخر و مصليا في مكان آخر أحايين أخرى ...بقي أن أقول شيئا قبل أن مفارقة سيرة الرشيد ، و هو قول عن سيرة الرشيد مع الجواري . الجواري في ذلك الزمن لم يكن اقتناؤهن عيبا ، بل كان مصدر فخر و يدل على عظمة من يقتنيهن سواء كن من السبايا أو الجواري المجلوبات اللائي يتم بيعهن ، و قد رأينا كيف أن ابن تيمية يفخر بأن أمهات ولد سيدنا علي بن أبي طالب أربعة عشر و قيل ستة عشر ، لم يكن في ذلك ما يشين لذلك فلا داعي لنفي تلك الروايات التي يراها بعضهم تهمة بحكم تغيّر الذائقة و البعد النفسي السائد في أيامنا هذه ....

زين العابدين حسن
09-04-2020, 11:37 AM
التحية لكل من تابع جهدي المتواضع في تقليب صفحات تاريخ الدولة العباسية ، كان يجب ان يسبقه تاريخ الدولة الاموية بل و تاريخ ما قبل الاسلام مرورا بتاريخ عهد النبوة و الخلافة الراشدة (و هو مكتوب و منشور جزء منه قبل اكثر من سبع سنوات) ..
ساستمر في السلسلة مواصلا في ابداء وجهة نظري في ذلك التاريخ ، لكن لان ما سيأتي سيتم تناوله بصورة مختلفة بعض الشيء ، اذ سيشمل الاهتمام ايضا التطور في طرق تفكير العقل العربي الاسلامي حينذاك .. سيكون الاستمرار بعنوان جديد لان المضمون لا يناسبه العنوان الحالي .. اعرف و متأكد بان الكثيرين يختلفون معي و احترم اختلافانهم ، لكن هذه مساهمة في محاولة الاجابة على أسئلة كثيرة عن واقعنا من نوع : لماذا تخلفنا ؟ ماذا يصلح لمجتمعاتنا من اساليب الحكم؟ هل كان ماضينا مشرقا جميلا لنعود اليه ليصلح حاضرنا ؟ ما هي الاخطاء التي يجب ان نستفيد منها ؟ الخ من تساؤلات ... شكرا لكم .

imported_أبو جعفر
10-04-2020, 07:09 AM
لماذا تخلفنا ؟ ماذا يصلح لمجتمعاتنا من اساليب الحكم؟ هل كان ماضينا مشرقا جميلا لنعود اليه ليصلح حاضرنا ؟ ما هي الاخطاء التي يجب ان نستفيد منها ؟ الخ من تساؤلات ... شكرا لكم .
تحياتي
والاجابة هي لأننا تركنا الصلاة فلقينا غيا ... وتابع معي التفاصيل في موضوع الصلاة تعني تدبر وتطبيق تعاليم الدين.

زين العابدين حسن
10-04-2020, 07:08 PM
تحياتي
والاجابة هي لأننا تركنا الصلاة فلقينا غيا ... وتابع معي التفاصيل في موضوع الصلاة تعني تدبر وتطبيق تعاليم الدين.

الأخ أبو جعفر ، تجد ردي على مداخلتك الكريمة في بوست الصلاة الذي يتصدر المنتدى .