مشاهدة النسخة كاملة : حكايات الأمويين
زين العابدين حسن
28-04-2020, 05:50 PM
(1)
تدوين تاريخ العهد الأموي تمّ أولا في العصر العباسي لذا سيلاقي الباحث فيه أن الجزء المكتوب في بداية العصر العباسي يتجنب تعظيم ذلك التاريخ و تبجيله ، أما الجزء الذي كُتب منذ الربع الثاني للقرن الثالث الهجري إبان و بعد خلافة المتوكل (232 ــ 247 هـ) ــ بعد مرور قرن على قيام الدولة العباسية ــ سيتغاضى عن كثير من مساوئه لأن العداء للأمويين قد خفت قليلا .. سيحتاج المؤرخون وقتها لكثير من رموزه و للصحابة الذين عاشوا فيه لرواية الحديث ، و من المعروف أن كتابة التاريخ تتم بالنظر إليه من عصر الكتابة فيتم إسقاط الكثير من نظرة عصر الكتابة على ذلك التاريخ . المدخل لقراءة أحداث العهد الأموي تستوجب الرجوع للخلف قليلا . سأعتمد على المصادر السنية و إذا تعرضت لرواية شيعية سأذكر ذلك و أذكر مصدرها .
جاءت السنة الثالثة و العشرون للهجرة و في آخر أيامها قتل أبو لؤلؤة غلام المغيرة سيدنا عمر بن الخطاب غدرا بخنجر ذي رأسين و قد ثأر عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأبيه ممن ظن أنهم تآمروا مع القاتل فقتل الهرمزان (و كان قد أسلم) و جهينة و هو نصراني و قتل ابنة الهرمزان . كان أبو لؤلؤة قد انتحر قبل أن يقدر عليه الصحابة في المسجد ، لكن هناك من قال إنه رأى أبا لؤلؤة و الهرمزان و جهينة يتناجون ، فلما رأوه فزعوا و قاموا فسقط ذلك الخنجر ذو الرأسين . من المعروف المشهور وصية سيدنا عمر في شأن الخلافة ، فقد اختار ستة (كلهم من قريش و من العشرة المبشرين) و نعرف كيف انتهى الأمر باختيار سيدنا عثمان . بويع سيدنا عثمان بالخلافة في آخر يوم في تلك السنة على أرجح الأقوال ، و يمكن القول إن خلافته بدأت أول محرم من السنة 24 هـ بمعضلة كيفية التصرف مع عبيد الله بن عمر ... اختلف الصحابة في مشورتهم له ، فبعضهم رأى القصاص للهرمزان و لأن هناك ابنة الهرمزان البريئة و الكتابي جهينة و منهم سيدنا علي بن أبي طالب ، و هو ما سيجعل عبيد الله بن عمر فيما بعد ، يلتحق بمعاوية بن أبي سفيان بعد مقتل سيدنا عثمان .. نعرف ان سيدنا عثمان حل المشكلة بدفعه دية المقتولين من ماله . اتبع عثمان وصية عمر بن الخطاب بالإبقاء على ولاة الأمصار عاما . كان سيدنا عمر لا يولي من قرابته أحدا ، بل ولم يعين من قريش إلا معاوية بن أبي سفيان على دمشق و أخوه يزيد على الأردن و لما مات ولى الأردن لمعاوية و ولى عمرو بن العاص مصر ، و كلهم ليسوا من قرابته (بني عدي) أما بقية الولاة و عددهم تسعة فكلهم من بقية العرب ، منهم المضريين و منهم اليمانية . بعد مرور العام قام سيدنا عثمان بعزل ولاة أهم الأمصار : الكوفة و البصرة و مصر أما المصر الرابع المهم و هو الشام فلم يعزل واليه معاوية بل ضم إليه أمصار الشام كلها .. عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة و ولى سعد بن أبي وقاص عليها في أول عام لولايته ، لكنه عزله بعد حوالي سنتين لخلاف بين سعد و بين خازن بيت المال عبد الله بن مسعود (تقول رواية الطبري في الجزء الرابع عن الخلاف ، إن سعدا استدان مبلغا من بيت المال و كتب صكا على نفسه لكنه حين جاء أجل السداد لم يستطع سداده) . ولى عثمان على الكوفة اخاه من امه الوليد بن عقبة و الوليد هو الذي نزلت فيه الآية (إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا...) عندما أرسله النبي (ص) لبني المصطلق لأموال الصدقة . لم يكن ذلك مرضيا لأهل الكوفة خاصة بعدما تبين لهم أن الوليد ليس الرجل الكفؤ و لا صاحب ورع ، و روى أنه صلّى بالناس مرة و هو سكران ، فاشتكوه للخليفة و كان معهم خاتمه الذي استولوا عليه و هو في حالة سكر و قد عزله عثمان و أقام عليه الحد (اختلفوا فيمن جلده بعضهم قال سيدنا علي و بعضهم قال سعيد بن العاص) . كانت ولاية الوليد على الكوفة قد استمرت أربع سنوات ... ولى الخليفة عثمان بعد عزل الوليد ، سعيد بن العاص ... مرة أخرى كانت الولاية من نصيب البيت الأموي . كان سعيد حسن السيرة لكن عابه اعتداده و فخره بقريش حتى كان في ليلة بعد ثلاثة أعوام من ولايته ، يسمر مع كبار أهل الكوفة فقال (إنما السواد بستان قريش) يعني بالسواد أرض العراق . نشا خلاف له تفاصيل لا يتسع المجال لسردها . عندما استدعاه الخليفة عثمان للمدينة ، جمع أهل الكوفة كلمتهم و قرروا ألا يقبلوا بولايته عند رجوعه و قابلوه خارج المدينة بسلاحهم و ردوه . كانوا قد كاتبوا الخليفة أن يحبس عنهم سعيد بخطاب عجيب جاء فيه حسب البلاذري في "أنساب الأشراف الجزء 6" : (... إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنة نبيه النابذ لحكم القرآن وراء ظهره ... و أن تولي مصرنا عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعري و حذيفة ، فقد رضيناهما . و احبس عنا وليدك و سعيدك و من يدعوك اليه الهوى من أهل بيتك إن شاء الله و السلام) .لم يجد الخليفة بداً من الاستجابة لمطالب أهل الكوفة فولى أبا موسى الأشعري .
كان أبو موسى قبل ذلك واليا على البصرة منذ عهد الخليفة عمر ، قام الخليفة عثمان بعزله و ولى عبد الله بن عامر بن كريز (و هو ابن خاله) و ذلك عام 29 هـ ، و كان عمره خمس و عشرون عاماً . أما مصر فقد عزل عمرو بن العاص و ولى بدلا منه أخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن السرح و أعطاه خمس الخمس من الغنائم ، كانت الغالبية غير راضية عن عبد الله بن أبي السرح و اشتكوه للخليفة و انتقم الوالي من الشاكين حتى انه قتل منهم واحدا . الجدير بالذكر أن عمرو بن العاص دخل على الخليفة بعد عزله حين ورده خراج مصر فقال له : (هل تعلم أن تلك اللقاح درت بعدك يا عمرو؟) فأجابه عمرو (و قد هلكت فصالها) ..
لم تكن تلك سياسة حكيمة من سيدنا عثمان و كان من أكثر ما أضر به قرابته الذين لم يخلصوا له النصح و مما عابه عليه الصحابة رده للحكم بن العاص [طريد النبي (ص)] إلى المدينة و بنيه و أجزل لهم العطاء . زاد الأمر سوءا سماحه لكبار الصحابة بالخروج من المدينة للأمصار بعد أن أجزل لهم العطاء ، فاجتمع عليهم الناس و كونوا مراكز قوة و جمعوا الثروات . وقعت الاختلافات بين سيدنا عثمان و بعض الصحابة في المدينة ، و لكل منهم قصة لا يتسع المجال لروايتها ، مثل عبد الله بن مسعود و عبد الرحمن بن عوف و أبي ذر الغفاري و عمار بن ياسر و طلحة بن عبيد الله الذي اشترك أوان الفتنة في حصاره ، و عاب عليه الصحابة تقريبه لأهله من بني معيط و بني أمية ، ساهم ذلك في اشتداد أوار الفتنة ، و لعل معارضة سيدنا علي له قد تصاعدت لما كان يراه حسب وجهة نظره حيادا عن الجادة ، فقد عارضه عندما هم بنفي عمار و عارضه علنا على رؤوس الأشهاد عندما صرح من على المنبر أنه سيأخذ من المال حاجته و إن رغمت أنوف الكارهين ، فقال له علي : (إذن تُمنع من ذلك) ، اضف إلى ذلك ظلم ولاته و نشوء جيل جديد له مطالب و ميول و أمزجة مختلفة ، سيقود كل ذلك لما يعرف بالفتنة الكبرى .
زين العابدين حسن
29-04-2020, 12:10 PM
حكايات الأمويين
(2)
ستقود سياسات الخليفة عثمان كما ورد ، إلى ما يُعرف في التاريخ الإسلامي بالفتنة الكبرى ... سيعم السخط أغلب الأمصار و ستبدأ بالتمرد . كما مرّ بنا أن أهل الكوفة ردوا أميرهم سعيد بن العاص و كاتبوا عثمان بأن يولي عليهم أبا موسى الأشعري فاستجاب لهم عثمان . من الطبيعي أن يصل خبر الكوفة لبقية الأمصار و سيكون ذلك عاملا من جملة عوامل تجعل القوم يرون أنه لا سبيل لتغيير الولاة الظالمين و استتباب العدل إلا بالثورة . سيثور أهل مصر و يخرج منهم وفد كبير في رجب 35 هـ معلنين أنهم ينون العمرة ، لكنهم ذهبوا للمدينة . من غير دخول في تفاصيل ما دار فقد رجع الوفد بعد وعود من الخليفة بالإصلاح . من سياق الأحداث تُظهِر حالة التمرد الثانية أن أهل مصر يئسوا من الإصلاح فخرجوا خروجهم الثاني في شوال بعد ثلاثة أشهر تقريبا من خروجهم الأول و هذه المرة خرج معهم أهل البصرة و يتبعهم أهل الكوفة كذلك ، يبدو أنه كانت بينهم مراسلات و اتفاق .
من يقرأ أحداث الفتنة الكبرى سيلاحظ أنه كلما تأخر الزمن عنها سيجد الرواة أسبابا خفية لها و سيتعامون عن أسبابها الحقيقية . من أكثر القصص التي روجها المتأخرون هي قصة عبد الله بن سبأ (ابن السوداء) و الذي يقال إنه يهودي من يهود اليمن أسلم ، و لقب بابن السوداء لأن أمه فيما يزعمون حبشية ، (و يمكن أن تكون سودانية فالكل كانوا أحباشا في عرف ذلك الزمن) و كونهم يصفونه بابن السوداء فذلك كناية عن التحقير في العرف العربي ، فالعرب عموما يكرهون و يحتقرون السواد ، فالقلب الأسود و النية السوداء و الأعمال السوداء و الأيام السوداء كلها تدل على السوء . أول من أورد ذكر ابن السوداء هو الطبري (224 ــ 310 هـ) فقد جاء في تاريخ الطبري (كان عبد الله بن سبأ يهوديا من صنعاء) ، سيرد ذكره بكثرة في روايات المتأخرين ، منهم ابن عساكر (499 ـ 571 هـ) الذي يروي عن المعمرين من الصحابة لكن الفرق بينه و بينهم أكثر من أربعة قرون ...على كل حال قصة عبد الله بن سبأ لها مؤيدون كأشد ما يكون التأييد و هم أهل السنة (أهم ما يشغلهم تبرئة المسلمين من أي وزر في الفتنة لذا يريحهم نسبتها ليهودي ابن سوداء) و هناك منكرين لوجودها كأشد ما يكون الإنكار (و هم الشيعة الذين يروون ان في ذلك تزوير للتاريخ) و قليل من الأقدمين بين هذا و ذاك . يُنسب لابن سبأ دور يصعب تصديقه ، يكفي أن تتصور ترحاله من صنعاء للعراق ثم مصر مرورا بالشام ثم ذهابه للمدينة و تحريضه كبار الصحابة و مقدراته الفذة لإقناعهم ، فكم أخذ ذلك منه من جهد و وقت و مال؟ و من أين له التمويل؟ (كان الناس في ذلك العهد و لزمن طويل بعده ، لا يصغون لمجهول ليس له عصبية و شرف و سؤدد في قومه ، فكيف به إذا كان ابن سوداء لا يعرفون قبيلته و لا نسبه و حسبه) . سنلاحظ اختفاءه من صفحات التاريخ في حروب علي و معاوية .لا ننسى أن البعض ذهب إلى أن (ابن السوداء) مقصود به عمار بن ياسر فقد كان يلقبه البعض بذلك و أن جذور أسرته أيضا من اليمن و أمه جارية حبشية .
ثارت الأقاليم و تواطأ الثوار من الأمصار و دخلوا المدينة . أول الأمر خرج اهل المدينة و فيهم علي و طلحة و الزبير و معهم جمع من الصحابة و كانوا مستعدين و مسلحين فردوا الثوار ، تظاهر الثوار بالرجوع و لكنهم عادوا و دخلوا المدينة بصورة مباغتة و كانت أعدادهم أكبر من اعداد سكان المدينة ، يقدرها المؤرخون بانها اكثر من ألفين و سكان المدينة أقل من سبعمائة . اعلن الثوار أن من لزم داره فهو آمن . ستجري تلك الأحداث المحزنة و التي تنتهي بقتل الخليفة بعد أربعين يوما من حصاره على أرجح الروايات و ذلك يوم الجمعة 18 ذو الحجة 35 هـ ... كان الثوار قد حاصروا دار سيدنا عثمان كما مرّ بنا ، و كان يحرسه جماعة من المسلمين منهم الحسن و الحسين و عبد الله بن عمر و عبد الله بن الزبير و جماعة من بني أمية ، لكن أعداد الثوار كانت كبيرة ، لم يكن يجري حتى حينها أي كلام عن القتل ، كانت مطالب الثوار هي تنحي الخليفة من الخلافة و ترك الأمر للمسلمين ليختاروا خليفة غيره . جاءت الأخبار للثوار أن بأن امداد الشام قادم لنصرة عثمان فقرروا قتله . كان يجاور بيت عثمان بيت عمرو بن حزم الذي فتح لهم الدار فتسللوا منها أثناء ما كان ثوار أخرون يحرقون أبواب دار عثمان و يقاتلون من يحرسونه . أما من قتله فإن رواية الطبري هي الأرجح ، روي في الجزء الرابع في أحداث سنة 35 هـ ما نصه (أنّ محمد بن أبي بكر تسوّر على عثمان من دار عمرو بن حزم ، و معه كنانة بن بشر بن عتّاب ، و سودان بن حمران ، و عمرو بن الحمق ، فوجدوا عثمان عند امرأته نائلة و هو يقرأ في المصحف في سورة البقرة ، فتقدّمهم محمد بن أبي بكر ، فأخذ بلحية عثمان ، فقال: قد أخزاك الله يا نعثل . فقال عثمان: لست بنعثل ، ولكني عبد الله و أمير المؤمنين . قال محمد : ما أغنى عنك معاوية و فلان و فلان ، فقال عثمان : يا بن أخي ، دع عنك لحيتي ، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه . فقال محمد : لو رآك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك ، و[إن]ما أريد بك أشدّ من قبضي على لحيتك ، قال عثمان : أستنصر الله عليك وأستعين به . ثم طعن جبينه بمشقص في يده . و رفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده ، فوجأ بها في أصل أذن عثمان ، فمضت حتى دخلت في حلقه ، ثمّ علاه بالسيف حتى قتله ، فقال عبد الرحمن: سمعت أبا عون يقول : ضرب كنانة بن بشر جبينه و مقدّم رأسه بعمود حديد ، فخرّ لجبينه ، فضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خرّ لجبينه فقتله.) انتهت رواية الطبري ، ما بين المعقوفين [ ] إضافة من عندي للتوضيح ... (نعثل كان يهوديا من أهل المدينة قبل أن يرحلوا عنها و يدّعي البعض أنه يشبه سيدنا عثمان بن عفان) . ينكر اهل السنة أشد الإنكار أي دور لمحمد بن أبي بكر في مقتل عثمان رغم إيراد المتقدمين رواية مشاركته في مقتل عثمان (حتى و إن لم يقتله بيده) و رغم اتفاقهم على رواية دخوله عليه قبل مقتله ، إلا أنه يجب أن يكون بريئا من دم عثمان حتى لا تُخدَش الصورة المرسومة لذلك العهد ، سنجد مثلا أن ابن تيمية (661 هـ - 728هـ) بعد حوالي سبعة قرون من الأحداث يقول إنه لم يشارك في قتل عثمان أي من السابقين و ذلك لأن تقديس الصحابة و أبنائهم و السابقين منهم قد تمكن بصورة لا تقبل قراءة التاريخ إلا بما يتفق مع تلك الرغبة في التقديس ، و ستجد ان كل المواقع السنية تقريبا على النت تردد نفس الكلام و تقول إن أول من ذكر الرواية الذهبي (673 - 748هـ) بعد سبعمائة سنة من الأحداث و يتناسون رواية الطبري القريبة من الأحداث و روايات الواقدي و البلاذري مما يدل على أن تلك المواقع تنقل ممن سبقها من غير فحص ، لأن الأمر يوافق هواها . مما يقوّي رواية الطبري و غيره من المتقدمين أن هناك رواية عن حرق جثة محمد بن أبي بكر عندما ظفر به معاوية بن خديج في مصر و رواية أخرى أنه أُخذ أسير إلى عمرو بن العاص فقتله . يروي الطبري عن دفن عثمان في المصدر السابق ذكره روايات عدة تتشابه ، ارجحها : (أن جثمان الخليفة عثمان ظل ثلاثة أيام لا يدفن ، ثم إن حكيم بن حزام القرشي أحد بني أسد بن عبد العزّي ، و جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، كلّما عليًّا في دفنه ، وطلبًا إليه أن يأذن لأهله في ذلك ، ففعل ، و أذن لهم علي ، فلما سمع بذلك [الثوار] قعدوا له في الطريق بالحجارة ، وخرج به ناس يسير من أهله ، وهم يريدون به حائطًا بالمدينة ، يقال له: حشّ كوكب . كانت اليهود تدفن فيه موتاهم ، فلما خرج [الجثمان] على الناس رجموا سريره ، وهمّوا بطرحه ، فبلغ ذلك عليًّا ، فأرسل إليهم يعزم عليهم ليكفّنّ عنه ، ففعلوا ، فانطلق حتى دفن رضي الله عنه في حشّ كوكب ، فلما ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بهدم ذلك الحائط حتى أفضى به إلى البقيع ، فأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتّصل ذلك بمقابر المسلمين.) انتهت رواية الطبري ، (حائط تعني بستان) . خلافة سيدنا عثمان هي أطول خلافة بين الراشدين فقد استمرت 12 عاما.
زين العابدين حسن
30-04-2020, 01:35 PM
(3)
تولى الخلافة سيدنا علي قبل خمسة أيام من نهاية عام 35 هـ أي بعد حوالي أسبوع من موت سيدنا عثمان و كان قد تبقى من العشرة المبشرين أربعة غيره أولهم سعد و قد اعتزل القوم ، و ثانيهم سعيد بن زيد الذي لم يأت له ذكر في هذه الأحداث و الراجح أنه اعتزل القوم و ثالثهم طلحة الذي كان من مناصري الثائرين على عثمان و رابعهم الزبير الذي لم يناصر الثوار لكن لم يُعرف له دفاع عن عثمان . اعتزل بعض كبار الصحابة فلم يجبرهم الخليفة على البيعة و لكن بعض المؤرخين يروون أن سيدنا عليا اضطر لإجبار طلحة و الزبير على البيعة لما توجسه منهما و هناك من يقول إنهما بايعا عن رضى و هو الأرجح .
تسارعت الأحداث ، كان البعض يرى أنه من الواجب القصاص من قتلة عثمان . في الواقع لم يكن ذلك ممكنا فقد كان للثوار قوة و منعة ليس للخليفة الجديد ما يكافئها فكان لا بد من التأني . نصح بعض الصحابة الخليفة أن يثبت العمال على الأمصار (أورد الطبري من هؤلاء الناصحين المغيرة بن شعبة و عبد الله بن عباس) خاصة معاوية بن أبي سفيان حتى يستقيم له الأمر ، لكن لم يكن سيدنا علي ممن يداهنون أو يمكرون ، و لم يكن ليرضى لنفسه أن يقوم بعمل نقمه على عثمان و لو يوما واحدا ، لذا رفض تلك السياسة . بعد ثلاثة أشهر من المراسلات بين الخليفة و معاوية أعلن معاوية تمرده على الخليفة برسالة لا تحوي غير أربعة كلمات (بسم الـله الرحمن الرحيم) أما شرحها فقد تكفل به الرسول كما أوصاه معاوية بعد أن أخذ الأمان . قال رسول معاوية لسيدنا علي (إن أهل الشام يتهمونه بقتل عثمان و أنهم صمموا على أخذ الثأر لعثمان و أنهم قد نصبوا قميص عثمان و أخذوا يطوفون به و يبكون و أنهم لا يرضون إلا بقتله) . خرج طلحة و الزبير معتمرين (تتضارب الروايات : هل خرجا بموافقة الخليفة أم تسللا ، أيضا الأرجح كما في رواية الطبري أنهما استأذنا عليا) ، لكن الثابت أن عبد الله بن عمر بن الخطاب تسلل لمكة لا عن رضى من الخليفة ، لذا فإن خروجه من مكة كان مزعجا للخليفة فأراد اللحاق به لكن أخبرته بنته أم كلثوم زوجة عمر بن الخطاب أنه على الطاعة و خرج لمكة و ليس إلى الشام فكف عنه و قال هو صدوق . كان سيدنا علي قد أرسل إليه ليخرج معه لقتال الخارجين و جرت بينهما محاورة يرويها البلاذري و الطبري ، يقول الطبري في روايته في الجزء الرابع من تاريخ الطبري في أحداث ما جرى في الأيام الأولى لخلافة سيدنا علي (ثمّ أتاه أنهم يريدون البصرة لمشاهدة الناس و الإصلاح [طلحة و الزبير و السيدة عائشة] ، فتعبّى للخروج إليهم ، و قال: إن فعلوا هذا فقد انقطع نظام المسلمين و ما كان عليهم في المقام فينا مؤونة و لا إكراه. فاشتدّ على أهل المدينة الأمر ، فتثاقلوا ، فبعث إلى عبد الله بن عمر كميلا النخعي ، فجاء به فقال: انهض معي ، فقال: أنا مع أهل المدينة ، إنما أنا رجل منهم و قد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم لا أفارقهم ، فإن يخرجوا أخرج و إن يقعدوا أقعد . قال: فأعطني زعيمًا بألّا تخرج ، قال : و لا أعطيك زعيمًا ، قال: لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيرًا و كبيرًا لأنكرتني ، دعوه فأنا به زعيم . فرجع عبد الله بن عمر إلى المدينة و هم يقولون: لا و الله ما ندري كيف نصنع ، فإنّ هذا الأمر لمشتبه علينا ، و نحن مقيمون حتى يضيء لنا و يسفر) انتهت رواية الطبري .
كانت السيدة عائشة قد حجت و أقبلت راجعة نحو المدينة فبلغها مقتل عثمان ، و كانت من أشد المعارضين له ، لكنها لم تكن تحب عليا فبينهما سوء تفاهم قديم ، و عندما عرفت أن البيعة انعقدت لعلي قالت لمن معها (ردوني ) فرجعت لمكة و أخذت تحرض على علي و انضم إليها طلحة و الزبير رغم بيعتهما للخليفة . يروي الطبري في المرجع المذكور عدة روايات متشابه عن ذلك منها (حتى إذا قضت عمرتها وخرجت فانتهت إلى سرف لقيها رجل من أخوالها من بني ليث - وكانت واصلة لهم ، رفيقة عليهم - يقال له عبيد بن أبي سلمة يعرف بأمّه أمّ كلاب ، فقالت : مهيم ، فأصمّ ودمدم ، فقالت : ويحك ، علينا أو لنا ؟ فقال: لا تدري ، قتل عثمان و بقوا ثمانيًا ، قالت: ثمّ صنعوا ماذا؟ فقال: أخذوا أهل المدينة بالاجتماع على علي، و القوم الغالبون على المدينة . فرجعت إلى مكة و هي لا تقول شيئًا و لا يخرج منها شيء ، حتى نزلت على باب المسجد و قصدت للحجر فستّرت فيه ، و اجتمع الناس إليها فقالت: يأيّها الناس، إنّ الغوغاء من أهل الأمصار و أهل المياه و عبيد أهل المدينة اجتمعوا أن عاب الغوغاء على هذا المقتول بالأمس الإرب واستعمال من حدثت سنّه....... فقال عبد الله بن عامر الحضرمي: هأنذا لها أوّل طالب - وكان أوّل مجيب ومنتدب.) انتهت رواية الطبري .
صارت مكة مركز المعارضة للخليفة الجديد و استطاعت السيدة عائشة بما لها من مكانة و بلاغة أن تؤثر في عدد كبير من الناس ، كانت تخطب و هي بالحجر متخذة سترا كما مرّ . قرر طلحة و الزبير و أنصارهما أخذ جيشهم للبصرة لما بلغهم أن بها مؤيدين كثر لهم (ظلت البصرة لزمن طويل عثمانية الهوى دون بقية العراق) ، و صحبوا معهم أم المؤمنين عائشة لتحرض الناس . (أقنعت السيدة عائشة السيدة حفصة بالخروج معها لكن منعها أخوها عبد الله) . كان سيدنا علي ينوي التوجه للشام لمحاربة البغاة إلا أنه اضطر أن يغيّر خطته و أن يلحق بالثائرين قبل وصولهم للبصرة ، لكنهم سبقوه . ستصيب القوم بلبلة و تساءل البعض : (ايمكن أن تكون عائشة و طلحة و الزبير على باطل؟) و هنا ستُروى تلك الحكمة عن سيدنا علي (أعرف الحق تعرف أهله) .
وصل سيدنا علي بجيشه و حاول محاولات عديدة أن يحقن الدماء لكن بلا فائدة ... جرت تلك المعركة الفظيعة التي ستُعرف في التاريخ الإسلامي بموقعة الجمل لأن السيدة عائشة كانت في هودج على جمل تحرض الناس و ذلك في جمادى الأولى سنة 36 هـ و قُتل في تلك المعركة ما بين عشرة ألفا (حسب رواية الطبري) و عشرين ألفا حسب آخرين منهم ابن عبد ربه في العقد الفريد الجزء الخامس روى (.... قال : ودخلت أم أوفى العبادية على عائشة بعد وقعة الجمل ، فقالت لها : يا أم المؤمنين ، ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا ، قالت : وجبت لها النار ، قالت : فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الاكابر عشرين ألفا في صعيد واحد ، قالت: خذوا بيد عدوة الله .) البعض يذهب بالعدد لأكثر من ذلك و كان بين القتلى طلحة و الزبير و لمقتل كل واحد منهما قصة . بعد أيام من المعركة روى الطبري تجهيز سيدنا علي لعائشة فكتب ما نقتطف منه (جهّز علي عائشة بكلّ شيء ينبغي لها من مركب أو زاد أو متاع ، و أخرج معها كلّ من نجا ممّن خرج معها إلّا من أحبّ المقام ، و اختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات ... و ودّعوها و ودّعتهم ، و قالت: يا بني، تعتّب بعضنا على بعض .... فلا يعتدّنّ أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك ، إنه و الله ما كان بيني وبين علي في القديم إلّا ما يكون بين المرأة و أحمائها ، و إنه عندي على معتبّي من الأخيار . و قال علي : يا أيها الناس ، صدقت و الله و برّت ، ما كان بيني و بينها إلّا ذلك ، و إنها لزوجة نبيّكم ﷺ في الدنيا والآخرة . و خرجت يوم السبت لغرّة رجب سنة ست و ثلاثين، و شيّعها علي أميالا ، و سرّح بنيه معها يومًا.) انتهت رواية الطبري .
زين العابدين حسن
01-05-2020, 12:18 PM
(4)
تحول سيدنا علي نحو الشام و كان عمرو بن العاص قد التحق بمعاوية و يروي الطبري في ذلك رواية غريبة في الجزء الرابع من تاريخه ، تقول الرواية (... فقال عمرو بن العاص: أنتم على الحقّ ، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم – و معاوية لا يلتفت إلى قول عمرو - فقال ابنا عمرو لعمرو: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك ، انصرف إلى غيره . فدخل عمرو على معاوية فقال: و الله لعجب لك ، إني أرفدك بما أرفدك و أنت معرض عني ، أما و الله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إنّ في النفس من ذلك ما فيها ، حيث نقاتل من تعلم سابقته و فضله و قرابته ، و لكنا إنما أردنا هذه الدنيا. فصالحه معاوية و عطف عليه..) انتهى . جرت مكاتبات بين علي و بين معاوية . كان معاوية يردد ما ظل يتحجج به من وجوب تسليمه قتلة عثمان ليقتص منهم . بعد رسالة مستفزة من معاوية و رد قاس من الخليفة تهيأ القوم للحرب و التقى الجمعان في صفين . صفين لا زالت تحمل نفس الاسم و تقع في سوريا جوار الرقة على نهر الفرات . مرّ عامان على قتل عثمان و ولاية علي و كان أهل الشام فيما يروي الطبري (قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان رضي الله عنه - الذي قتل فيه مخضّبًا بدمه و بأصابع نائلة زوجته مقطوعة بالبراجم ، إصبعان منها و شيء من الكفّ، و إصبعان مقطوعتان من أصولهما و نصف الإبهام - وضع معاوية القميص على المنبر ، و كتب بالخبر إلى الأجناد، و ثاب إليه الناس ، و بكوا سنة و هو على المنبر و الأصابع معلّقة فيه ، و آلى الرجال من أهل الشأم ألّا يأتوا النساء، و لا يمسّهم الماء للغسل إلّا من احتلام ، و لا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان...) انتهى ... كان ذلك من دهاء معاوية ليوتر أهل الشام على علي ... تتفاوت تقديرات أعداد الجيوش ولكن يمكن القول باطمئنان إن كل جيش فاقت أعداده المائة ألف .
منذ أول ذي الحجة 36 هـ و بعد أن أزاح جيش علي أهل الشام عن مورد الماء الذي منعوهم منه ، و صار مورد الماء للجميع ، ظل الجيشان يتناوشان و توادعا في المحرم ثم اقتتلا قتالا شديدا في أول صفر عام 37 هـ و أوشكت جيوش أهل الشام أن تنهزم لولا خدعة رفع المصاحف التي ينسبها المؤرخون لعمرو بن العاص و التي يروي فيها الطبري قول سيدنا علي (أن عليًا قال : عباد الله ، امضوا على حقكم و صدقكم قتال عدوكم ، فإن معاوية و عمرو بن العاص و ابن أبي معيط و حبيب بن مسلمة و ابن أبي سرح و الضحاك بن قيس ، ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، أنا أعرف بهم منكم ، قد صحبتهم أطفالًا ، و صحبتهم رجالًا ، فكانوا شر أطفال و شر رجال ، ويحكم ، إنهم ما رفعوها ، ثم لا يرفعونها و لا يعملون بما فيها ، وما رفعوها لكم إلا خديعةً و دهنًا و مكيدة ، فقالوا له: ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله عز وجل فنأبى أن نقبله ...) انتهى . قُتل في صفين عمار بن ياسر و كانوا القوم يحفظون حديثا للنبي (ص) يقول ( ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة و يدعونه إلى النار) ، الحديث ورد فيما بعد في البخاري . روى الطبري ما قاله عبد الله بن عمرو بن العاص لأبيه أنهم قتلوا عمارا و هو يعلم حديث النبي فيه ، هنا يبرز دهاء معاوية الذي رواه الطبري أيضا قال (فدفع عمرو صدر فرسه ، ثم جذب معاوية إليه ، فقال : يا معاوية ، أما تسمع ما يقول عبد الله ، قال : و ما يقول؟ فأخبره الخبر ، فقال معاوية : إنك شيخ أخرق ، و لا تزال تحدث بالحديث و أنت تدحض في بولك ، أو نحن قتلنا عمارًا ؟ إنما قتل عمارًا من جاء به . فخرج الناس من فساطيطهم و أخبيتهم يقولون: إنما قتل عمارًا من جاء به ..) انتهى .. يجتهد الكثيرون اجتهادات كثيرة للقول إن تأويلات معاوية و عمرو بن العاص هي تأويلات لا غبار عليها و إن كانت خاطئة ، خاصة في مقتل عمار و غرضهم الحفاظ على تلك الصورة المقدسة لذلك العهد من الخدش .
يقدر المؤرخون قتلى المعارك بين الفريقين بسبعين ألفا و هو عدد كبير ، فإذا أضفنا له قتلى موقعة الجمل أدركنا كم قتل المسلمون من المسلمين و لم يمض من موت نبيهم إلا حوالي ربع قرن . اتفق القوم على التحكيم و اختار معاوية عمرو بن العاص حكما و اختار جماعة علي أبا موسى الأشعري على غير رضا من خليفتهم الذي كان يريد اختيار ابن عمه عبد الله بن عباس .
في رأيي إن تاريخ الدولة الأموية يبدأ من يوم قبول الجميع بالتحكيم ، و سيترسخ بنتيجة التحكيم ، فقد كانت نتيجة التحكيم وخيمة العواقب على جيش سيدنا علي و امتدادا لعاقبة رفع المصاحف ، إذ قسمت جيشه لمجموعتين ، فخرج الخوارج عليه من جيشه ، أما معاوية فقد كانت نتيجة التحكيم عليه قوة و منعة . انتهى التحكيم بما هو معروف باتفاق الحكمين بخلع علي و معاوية و رد الأمر للمسلمين ليختاروا من يروون ، و الباقي معروف من تقديم عمرو بن العاص لأبي موسى فخلع صاحبه على رؤوس الأشهاد و تقدم عمرو ليؤكد ما سمعه الجميع من أبي موسى ، قائلا : إنكم قد سمعتم أن هذا قد خلع صاحبه أما أنا فأثبت صاحبي . رجع عمرو لمعاوية و حياه بالإمارة مخاطبا له بأمير المؤمنين .
يمكن التأريخ للدولة الأموية منذ ذلك الوقت ، لا من عام 41 هـ حينما دانت الدولة كلها لمعاوية .. للدلالة على ذلك يجب أن يلقي الباحث نظرة على الأحداث التي جرها التحكيم .
أدرك أبو موسى الأشعري أنه خُدع و يبدو أنه لم يستطع الرجوع لأميره الذي خلعه فذهب إلى مكة . بلغ الخبر سيدنا علي و عرف الخدعة فقرر الخروج لمناجزة معاوية ، و غضب أهل العراق لغضبه فاستعدوا للخروج ، لكن كان الخوارج قد عاثوا في الأرض فسادا ، قتلا و ترويعا ، فقرر الخليفة وأد فتنتهم أولا لأنه لا يمكن أن يتركهم وراءه يروعون الآمنين .
قابل الخليفة الخوارج في النهروان بعد أن ناظرهم و نصحهم فانخذل منهم الكثيرون حتى أنه لم يبق منهم إلا حوالي ثلاثة آلاف أبوا إلا الحرب ، فقُتلوا عن آخرهم . لكن كان لتلك المعركة أثرها الكبير في جيش سيدنا علي فقد فتت عضده . كانت روح القبلية لا زالت قوية و كان جيش الخوارج أغلبه من بني عمومة جيش سيدنا على فأثر ذلك في معنوياتهم إذ أدركوا أنهم قد قتلوا إخوانهم و بني عمومتهم فتكاسلوا عن الذهاب للشام و طلبوا مهلة من الخليفة . كان من المأمول أن تكون تلك المهلة أياما لكنها امتدت ثلاث سنوات من التكاسل و الخذلان حتى رمضان عام 40 هجرية حين حزموا امرهم بالاستعداد للخروج لقتال اهل الشام و لكن وقع القدر في 21 من شهر الصيام فاغتال عبد الرحمن بن ملجم سيدنا علي . في تلك السنوات الثلاثة استولى معاوية على مصر بواسطة عمرو بن العاص (كما كان الوعد بينهما عند التحاق عمرو به) من محمد بن أبي بكر و تم قتل محمد بن أبي بكر و إحراق جثته في رواية ، و قتله أسيرا عند عمرو بن العاص في رواية أخرى . أخذ معاوية يرسل الجند للإغارة على أطراف العراق ، فيعملون سيوفهم قتلا و نهبا و ترويعا . كان والي علي على اليمن هو عبيد الله بن عباس ، فأرسل له معاوية رجلا غليظ القلب من قريش ، قلما تجد نظيره في القسوة ، و هو بسر بن أرطأة الذي ارتكب أعمالا وحشية منها ذبحه لطفلين لعبيد الله بن عباس في حجر أمهما التي يروي الرواة أنها أصيبت بالجنون بعد ذلك ، مما اضطر سيدنا علي لإرسال جيش لقتاله لكنه أفلت منه و ذهب إلى الشام .
الباحث المحايد لأحداث تلك الفترة سيلاحظ أن هناك فرقا شاسعا بين علي و معاوية ، كان معاوية سياسيا داهية يحتال لغايته بالسياسة و المكر ، فيستميل من يريد بالمال و الترغيب و أحيانا بالتهديد ، و يتأوّل و يسلك أي سبيل للوصول لغايته ، فهو قد اتخذ من طلب القصاص لعثمان ستارا يصل به لما يريد ، و حين دان له الأمر سكت عن ذلك ... أما سيدنا علي فقد كان لا يعرف للمداهنة طريقا . كان يقدم على ما يراه حقا و لا يلوي عنه ، و ذلك مما نفّر منه طلاب الدنيا .
زين العابدين حسن
02-05-2020, 12:23 PM
(5)
عانى سيدنا علي من أقرب الناس إليه ، فابن عمه حبر الأمة و الذي كان واليه على البصرة تتضارب الروايات في تسبيبه له أعظم الآلام . روى الطبري في تاريخه الجزء الخامس ، في أحداث عام 40 للهجرة مقدمة لرواياته تقول (وفيها خرج عبد الله بن العباس من البصرة ولحق مكة في قول عامة أهل السير ، و قد أنكر ذلك بعضهم ، و زعم أنه لم يزل بالبصرة عاملًا عليها من قبل أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام حتى قتل ، و بعد مقتل علي حتى صالح الحسن معاوية ، ثم خرج حينئذ إلى مكة) ... ثم يستعرض بقية الروايات : (مر عبد الله بن عباس على أبي الأسود الدؤلي ، فقال: لو كنت من البهائم كنت جملًا ، و لو كنت راعيًا ما بلغت من المرعى ، و لا أحسنت مهنته في المشي . قال: فكتب أبو الأسود إلى علي[يتهم ابن عباس و كتب علي لابن عباس يستوضحه فرد ابن عباس نافيا للتهمة] قال: فكتب إليه علي : أما بعد ، فأعلمني ما أخذت من الجزية ، و من أين أخذت؟ و فيم وضعت؟ قال: فكتب إليه ابن عباس: أما بعد ، فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أن رزأته من مال أهل هذا البلد ، فابعث إلى عملك من أحببت ، فإني ظاعنٌ عنه و السلام . ثم دعا ابن عباس أخواله بني هلال بن عامر، فجاءه الضحاك بن عبد الله وعبد الله بن رزين بن أبي عمر والهلاليان، ثم اجتمعت معه قيس كلها فحمل مالًا........ و مضى ابن عباس و معه نحو من عشرين رجلًا حتى قدم مكة. ) انتهى .. ما ورد بين المعقوفين [ ] مني لاختصار ما أورده الطبري و النقاط (....) للدلالة على كلام محذوف لا يؤثر في المعنى ... و ورد في تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي و هو سني مؤرخ من علماء القرن السابع الهجري عن المكاتبات التي دارت بينهما : (فكتب اليه ابن عباس: لإن ألقى الله بكل ما على ظهر الأرض وبطنها أحب إليّ من أن ألقاه بدم امرئ مسلم . فكتب إليه علي عليه السلام : إن الدماء التي أشرت إليها قد خضتها إلى ساقيك و بذلت في إراقتها جهدك و وضعت بإباحتها حظك و تقشعت عنها فتياك و إذا لم تستح فافعل ما شئت . قال أبو اراكة ثم ندم ابن عباس و اعتذر إلى علي عليه السلام و قبل امير المؤمنين عذره و قيل انه عاد الى الكوفة و الصحيح انه لم يزل مقيماً بمكة حتى استشهد علي عليه السلام .) انتهى ..
يحسن بنا أن نقرأ وجهة نظر الشيعة (الذين ينكرون نسبة أي شيء يسوء إلى ابن عباس) و نكتفي بما أورده اليعقوبي في كتابه (تاريخ اليعقوبي) ... (و كتب أبو الأسود الدؤلي : و كان خليفة عبد الله بن عباس بالبصرة ، إلى عليّ يعلمه أنّ عبد الله أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم ، فكتب إليه يأمره بردها ، فامتنع ، فكتب يقسم له بالله لتردّنـّها ، فلما ردّها عبد الله بن عباس ، أو رد أكثرها ، كتب إليه عليّ : أما بعد ، فإنّ المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ، و يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فاذا أتاك من الدنيا فلا تكثر به فرحاً ، و ما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً ، و اجعل همّك لما بعد الموت ، و السلام . فكان ابن عباس يقول: ما اتّعظت بكلام قطّ اتّـعاظي بكلام أمير المؤمنين .) انتهى ... تاريخ اليعقوبي موسوعة ضخمة تحكي عن التاريخ منذ بدء الخلق حتى عام 258 هجرية ... إذاً تتفق الروايات السنية و الشيعية أن هناك أمرا يخص المال ، لكن الروايات الشيعية تنكر أن يكون عبد الله بن عباس قد أخذ تلك الأموال الضخمة التي يدعي المؤرخون أنه أخذها (تتفاوت قيمتها بين الملايين و مئات الآلاف) إلى مكة .
عانى سيدنا على من أنصاره في العراق و هذا نموذج لمعاناته منهم يرويه الطبري في الجزء الخامس في أحداث سنة 39 عن شيخ من بني فزارة : (بعث معاوية النعمان بن بشير في ألفين ، فأتوا عين التمر، فأغاروا عليها ، و بها عامل لعلي يقال له ابن فلان الأرحبي في ثلاثمائة ، فكتب إلى علي يستمده ، فأمر الناس أن ينهضوا إليه ، فتثاقلوا ، فصعد المنبر ، فانتهيت إليه وقد سبقيني بالتشهد وهو يقول : يا أهل الكوفة ، كلما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشأم أظلكم و أغلق بابه انجحر كل إمريء منكم في بيته انجحار الضب في جحره و الضبع في وجارها ، المغرور من غررتموه ، و لمن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب. لا أحرارٌ عند النداء ، و لا إخوان ثقةٍ عند النجاء ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، ماذا منيت به منكم ، عميٌ لا تبصرون ، و بكمٌ لا تنطقون ، و صمٌّ لا تستمعون إنا لله وإنا إليه راجعون.) انتهى .
و عانى من ولاته لكنه أخيرا جمع أمراء الحرب و خطب فيهم خطبة مؤثرة منذرا لهم إنهم إن لم يخرجوا معه لقتال معاوية ــ الذي أخذ يغير على العراق ــ فإنه سيخرج إليهم بمن معه ... تأثر القوم و خجلوا و تحمسوا للخروج معه و أخذت الجيوش تتجمع و كاتب ولاته على الأمصار ليمدوه بالمقاتلين و بدا أن تلك الجيوش قادرة على هزيمة أهل البغي في الشام لكن وقع القدر ففي فجر 19 رمضان سنة 40 هجرية اغتال عبد الرحمن بن ملجم سيدنا علي .. تكون بذلك خلافة الخليفة الرابع خمس سنوات إلا ثلاثة أشهر .
بعد مقتل سيدنا علي بايع أهل العراق ابنه الحسن بن علي و كانت بيعته تطلب منهم الطاعة في الحرب و السلم ، إصراره على تضمين البيعة الطاعة في السلم أوحت للكثيرين أنه يميل للسلم و ليس الحرب حتى قال بعضهم : ليس صاحبكم برجل حرب .. انضم للحسن عمه عبد الله بن عباس من مكة بجيش كبير و عبيد الله بن عباس والد الصبيين اللذين ذبجهما بسر بن أرطأة في حجر أمهما . في روايات الشيعة أغرب أحداث تاريخ تلك الأيام هو ما يمكن تسميته خيانة عبيد الله بن عباس لأميره . فقد أرسله الحسن في جيش ليلقى معاوية في (مسكن) و هو اسم مكان على نهر دجيل ، و أمره أن يحبس معاوية حتى يصل . لكن معاوية بث أعوانه مخذّلا لجيش عبيد الله و أشاع أن الحسن راسله في الصلح و كتب لعبيد الله إنه إن دخل في طاعته سيعطيه ألف ألف درهم (اليعقوبي الجزء 2 ص191) نصفها عاجلة و النصف الآخر عند دخوله الكوفة فانسلّ عبيد الله بن العباس إلى جيش معاوية ليلا ومعه بضعة آلاف من جيش الحسن وأصبح الناس ينتظرونه للصلاة فلم يجدوه فصلى بالناس قيس بن سعد بن عبادة الانصاري و قد كان سيدنا علي أمر بأن يتولى القيادة إذا أصيب عبيد الله . يردد الشيعة عبارة لسيدنا علي عن معاوية نصح بها زيادا حين تولى أمر البصرة أوردها بعض المؤرخين قال له : (و إن معاوية يأتي الانسان من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله فاحذر ثم احذر) أوردها ابن الاثير في الكامل ( ج 5 ص 176 ) . يعجب المرء لرجل ذبح بسر بن أرطأة ولديه و هو موجود مع معاوية ، كيف له أن يخذل ابن عمومته و ينضم لقاتل ابنيه ؟ في الحقيقة إن قصة التحاق عبيد الله بن عباس بجيش معاوية بتلك الصورة لم أجدها في المصادر السنية التي وقفت عليها .
جرت احداث و انتهت بالصلح بين الحسن و معاوية و دخل معاوية الكوفة 41 هجرية و خرج منها الحسن و توجه للمدينة في أهله و بذا خلا الجو لمعاوية ليبدأ بعدها تاريخ الدولة الأموية الحقيقي . يقول الرواة إن الحسين لم يكن راضيا بمصالحة الحسن لمعاوية و تنازله له عن الخلافة . حين استتب الأمر لمعاوية خطب في الكوفة فأسفر عن وجهه في أنه أعطى ما أعطى من عهود ليطفئ الفتنة ، فبما أنها انطفأت فما وعد به تحت قدميه . يذكرني ذلك بقول صاحبنا : (أمريكا و بريطانيا و فرنسا تحت جزمتي) ..
أقام الحسن بالمدينة و روى البعض أنه أصهر إلى الكثيرين و كان يسرهم ذلك . عاش بالمدينة حتى توفي عام 49 أو 50 هجرية ، يكاد يجمع الشيعة و السنة أنه مات مسموما ، كما مات الأشتر النخعي الذي ولاه علي على مصر فمات في طريقه إليها بشربة عسل مسموم ، فغمز بها معاوية لعمرو قائلا (إن لله جنودا في العسل) . يروي ابن قتيبة الدينوري في (الإمامة و السياسة) عن وصول خبر موت الحسن لمعاوية و كيف بكاه مع ابن عباس ثم سكت يسيرا و قال لابن عباس(.... "يا ابن عباس : أصبحت سيد قومك بعد الحسن" . فقال ابن عباس "أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين فلا" ، فقال معاوية :"لله درك يا ابن عباس ما استنبأتك إلا وجدت معدا") انتهى .
imported_أبو جعفر
03-05-2020, 06:11 AM
(1)
تدوين تاريخ العهد الأموي تمّ أولا في العصر العباسي لذا سيلاقي الباحث فيه أن الجزء المكتوب في بداية العصر العباسي يتجنب تعظيم ذلك التاريخ و تبجيله ، أما الجزء الذي كُتب منذ الربع الثاني للقرن الثالث الهجري إبان و بعد خلافة المتوكل (232 ــ 247 هـ) ــ بعد مرور قرن على قيام الدولة العباسية ــ سيتغاضى عن كثير من مساوئه لأن العداء للأمويين قد خفت قليلا .. سيحتاج المؤرخون وقتها لكثير من رموزه و للصحابة الذين عاشوا فيه لرواية الحديث ، و من المعروف أن كتابة التاريخ تتم بالنظر إليه من عصر الكتابة فيتم إسقاط الكثير من نظرة عصر الكتابة على ذلك التاريخ .
تحياتي زين العابدين
وجزاك الله خيراً كثيراً لإيرادك لتفاصيل هذا الأثر المهم والذي يمثل البداية الحقيقية والمؤثرة لسرقة الدين الإسلامي وتبديله بمسخ مشوه جعل من الدين مقاول أنفار، أفعل كذا لتأخذ الأجر والثواب ... ودون أي محاولة جادة لمعرفة سبب أو حقيقة العبادة التي يقوم بها المسلم.
المهم وكما أثر تاريخ تدوين التاريخ الإسلامي في العصر العباسي في صدقية وأكاديمية الرواية التي نقلت ... كذلك أثر العصر العباسي بالتحالف مع العصر الأموي في صدقية وأكاديمية ما وصلنا من الدين ... وكان الأثر الأكبر على يد المتوكل العباسي والذي كان يقتل دعاة الإصلاح بيديه في إرهاب مستمر منذ معاوية وإلى يوم الناس هذا ... ولو على مستوى سودانيات التي تم إيقافي فيها بسبب كشف عور الطغيان الأموي العباسي وكيف أنه مخالف لتعاليم القرآن الكريم والذي لن نسأل عن شيء خارج تعاليمه يوم القيامة ومهما كان سنده ... وقد نزلت في ذلك في آية صريحة ترفض أي تبرير بحسن النية أو الجهل بتعاليم القرآن الكريم.
المهم وبما أنك ذكرت بأن عصر التدوين للتاريخ له أثر كبير في صدقيته وأكاديميته ... كنت أود أن تذكر تأثير المحاولات الجادة والمتكررة في التاريخ الأموي العباسي لتغييب تعاليم القرآن الكريم؛ في مسار حركة هذا التاريخ ...
فقد تمت الكثير من الإعدامات لتثبيت التحريف للدين ... وبناءً على أحكام هذا التحريف ... وأوضح مثال على ذلك حد الردة الذي يخالف ما يقرب من مئتي آية في القرآن الكريم وكان الحجة رغم زيفه في إعدام دعاة الإصلاح بالعشرات بل المئات ... وتجد في هذا الرابط كتاب: (مسلسل الدماء في تاريخ الخلفاء).
http://www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=19065
زين العابدين حسن
03-05-2020, 09:49 AM
تحياتي زين العابدين
وجزاك الله خيراً كثيراً لإيرادك لتفاصيل هذا الأثر المهم والذي يمثل البداية الحقيقية والمؤثرة لسرقة الدين الإسلامي وتبديله بمسخ مشوه جعل من الدين مقاول أنفار، أفعل كذا لتأخذ الأجر والثواب ... ودون أي محاولة جادة لمعرفة سبب أو حقيقة العبادة التي يقوم بها المسلم.
المهم وكما أثر تاريخ تدوين التاريخ الإسلامي في العصر العباسي في صدقية وأكاديمية الرواية التي نقلت ... كذلك أثر العصر العباسي بالتحالف مع العصر الأموي في صدقية وأكاديمية ما وصلنا من الدين ... وكان الأثر الأكبر على يد المتوكل العباسي والذي كان يقتل دعاة الإصلاح بيديه في إرهاب مستمر منذ معاوية وإلى يوم الناس هذا ... ولو على مستوى سودانيات التي تم إيقافي فيها بسبب كشف عور الطغيان الأموي العباسي وكيف أنه مخالف لتعاليم القرآن الكريم والذي لن نسأل عن شيء خارج تعاليمه يوم القيامة ومهما كان سنده ... وقد نزلت في ذلك في آية صريحة ترفض أي تبرير بحسن النية أو الجهل بتعاليم القرآن الكريم.
المهم وبما أنك ذكرت بأن عصر التدوين للتاريخ له أثر كبير في صدقيته وأكاديميته ... كنت أود أن تذكر تأثير المحاولات الجادة والمتكررة في التاريخ الأموي العباسي لتغييب تعاليم القرآن الكريم؛ في مسار حركة هذا التاريخ ...
فقد تمت الكثير من الإعدامات لتثبيت التحريف للدين ... وبناءً على أحكام هذا التحريف ... وأوضح مثال على ذلك حد الردة الذي يخالف ما يقرب من مئتي آية في القرآن الكريم وكان الحجة رغم زيفه في إعدام دعاة الإصلاح بالعشرات بل المئات ... وتجد في هذا الرابط كتاب: (مسلسل الدماء في تاريخ الخلفاء).
http://www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=19065
تحية طيبة أبو جعفر ، عساك بخير ... شكرا لك لإضاءتك للموضوع و شكرا لرابط كتاب أحمد منصور و هو صاحب وجهة نظر في التاريخ الإسلامي جديرة بالقراءة .
زين العابدين حسن
03-05-2020, 09:54 AM
(6)
استباقا للأحداث ، تأتي قصة ولاية العهد ليزيد ، فقد صبر معاوية حوالي ست أو سبع سنوات بعد موت الحسن و أخذ البيعة ليزيد سنة 56 للهجرة كما رواها الطبري و غيره . يروي ابن عبد ربه في العقد الفريد أن يزيد بن المقفع وقف بين الناس و قال : "أمير المؤمنين هذا (وأشار إلى معاوية)، فإن هلك فهذا (وأشار إلى يزيد) ، فمن أبى فهذا (وأشار إلى السيف) .
ستجد أن أهل السنة و الجماعة يبررون تحويل معاوية الخلافة من شورى لكسروية أو قيصرية . أبرز تلك الحجج أن معاوية أراد أن يجمع الأمة فلا تختلف ، ظلت تلك الحجة هي الرائجة في كل عصور المسلمين حتى يومنا هذا . حتى ابن خلدون في المقدمة يبرر ما قام به معاوية قائلا :" والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس ، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية ، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم ، و هم عصابة قريش و أهل الملة أجمع ، و أهل الغلب منهم ، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها ، و عدل عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع ، وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا ، فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك و حضور أكابر الصحابة لذلك ، وسكوتهم عنه : دليل على انتفاء الريب فيه ، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة ، و ليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق ، فإنهم كلهم أجل من ذلك ، و عدالتهم مانعة منه " انتهى "مقدمة ابن خلدون" ، .لكن لا تبدو لي تلك الحجة قوية ، فعدالة معاوية رأينا منها الكثير و حضور أكابر الصحابة في وقت يجندل السيف من يعترض لا يُقنع أنه كان بإمكانهم أن يعترضوا و قد راينا خطبة يزيد بن المقفع "من أبى فهذا و أشار للسيف" . نعم ولاية المفضول جائزة فلا أحد يعترض عليها لكن أن تكون وراثة الخلافة و تحولها لملك سنة فتلك مصيبة في تاريخ المسلمين . أما الأهم و الذي تغفله وجهة النظر تلك حتى اليوم هو : هل حقا تولية يزيد العهد و من ثم الخلافة أدت لوحدة الأمة ؟ أو لم يكن يدرك من له بصيرة و لو خافتة ما يجره توريث الخلافة ليزيد من مصائب ؟استعراض تاريخ تلك الفترة و ما تلاها تكذّب مقولة وحدة الأمة و جمعها على كلمة واحدة ، بدءاً من كربلاء مروراً بالحرة و تلك الحروب العديدة انتهاء بزوال الدولة الأمية بعد حوالي سبعين عاما من وفاة معاوية ، كلها تقول إن توريث الخلافة لم يجلب وحدة الأمة أبدا ... ألم يجد معاوية من بين كل من حوله من الأخيار إلا ابنه يزيد ؟ مهما يكن فقد أكره معاوية كل من يخافهم على بيعة يزيد لكنه لم يستطع إكراه الحسين بن علي و عبد الله بن الزبير و قوم من الصحابة .
من البديهي أن من بين أول ما سيفعله معاوية النظر في شأن الولاة . تنكر معاوية لكثير من وعود و عهود بذلها قبل أن يدين له الأمر . أجبر أهل الكوفة على قتال الخوارج و ولى عليهم عبد الله بن عمرو بن العاص لكنه استمع لنصيحة المغيرة بن شعبة بألا يجعل نفسه بين لحيي الأسد ، يقصد عمرو بن العاص و ابنه ، ذلك أنه قد ولى عمرو بن العاص مصر . عندها عزل معاوية عبد الله و ولى المغيرة . يروي عنه ابن كثير في (البداية و النهاية) :" ..كان المغيرة من دهاة العرب، وذوي آرائها، أسلم عام الخندق بعد ما قتل ثلاثة عشر من ثقيف ، مرجعهم من عند المقوقس وأخذ أموالهم فغرم دياتهم عروة بن مسعود ، وشهد الحديبية ، وكان واقفا يوم الصلح على رأس رسول الله (ص) بالسيف صلتا.... و ولاه عمر فتوحا كثيرة ، منها همدان و ميسان ، ... و استنابه عمر على البصرة. فلما شهد عليه بالزنا و لم يثبت (كما سيمر بنا) ، عزله عنها و ولاه الكوفة ، و استمر به عثمان حينا ثم عزله ، فبقي معتزلا حتى كان أمر الحكمين فلحق بمعاوية . فلما قتل علي و صالح معاوية الحسن و دخل الكوفة ولاه عليها فلم يزل أميرها حتى مات .... قال الشعبي: ...الدهاة أربعة : معاوية ، و عمرو، و المغيرة، و زياد. ) أما الشيعة فيعدونه في الأضداد الخمسة فيقولون هم : أبو بكر ، و عمر، و معاوية ، و عمرو بن العاص ، و المغيرة بن شعبة..." انتهى .
. ولى معاوية بسر بن أرطأة (قاتل الصبيين)على البصرة ثم عزله و ولى عبد الله بن عامر عليها ثم عزله و ولى زياد بن أبيه البصرة و ذلك سنة 45 للهجرة . ولى معاوية مروان بن الحكم المدينة ، و ولى على مكة خالد بن العاص بن هشام ، و ولى على خراسان قيس بن الهيثم تحت إمرة عبد الله بن عامر. مات عمرو بن العاص يوم الفطر سنة 43 هـ فولى معاوية ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص خلفا له . مات المغيرة بن شعبة سنة 50 فولى معاوية ولاية الكوفة زياد بن ابيه فاصبح واليا على البصرة و الكوفة . في حياة المغيرة بن شعبة في الكوفة كانت هناك خلافات بينه و بين الصحابي الجليل حجر بن عدي و بعض من أصحابه . كان حجر من الذين حاربوا مع علي و كان أحد قواده الشجعان و قد قال عنه ابن عبد البر في (الاستيعاب): (كان من فضلاء الصحابة شجاعا من المقدمين) وقال عنه الذهبي في (سير أعلام النبلاء): (كان شريفاً أميراً مطاعاً أماراً بالمعروف مقدماً على الإنكار) وقال عنه ابن كثير في (البداية والنهاية): (من عباد الناس وزهادهم كثير الصلاة والصيام) ، و سنرى بعد قليل قصة حجر بن عدي مع معاوية و واليه زياد .
لتثبيت دعائم حكم بني أمية كان لا بد من الحرب على عدة جبهات . يمكننا تصور مخاوف معاوية و بني أمية من استقواء من يرون أنهم أعداؤهم من شيعة الخليفة علي بن أبي طالب لذا تم تجنيد الإمكانيات لإزاحتهم و إضعافهم ، بدءا من شتمهم من على المنابر ، إلى الدعاية ضدهم و تتبع مناصريهم . صار معاوية يأمر ولاته بسب علي ، روى البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب مناقب علي : " أن رجلا جاء إلى سهل بن سعد فقال : هذا فلان – لأمير المدينة – يدعو عليا عند المنبر " أما أمير المدينة الذي لم يصرح البخاري باسمه فيبدو أنه مروان بن الحكم ، فقد روى مسلم في كتاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ قَالَ : فَدَعَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيًّا قَالَ : فَأَبَى سَهْلٌ فَقَالَ لَهُ : أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ فَقُلْ : لَعَنَ اللَّهُ أَبَا التُّرَابِ ..) ، و روى ابن عساكر في (تاريخ دمشق) عن عمير بن إسحاق قال : " كان مروان بن الحكم أميرا علينا ست سنين ، فكان يسب عليا كل جمعة على المنبر " . أورد ابن الأثير في (الكامل في التاريخ الجزء 2)عن معاوية " فكان إذا قنت سب عليا وابن عباس والحسن والحسين والأشتر "..
و روى ابن الجوزي في (المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم الجزء 4) : " بعث معاوية بسر بن أرطاة – إلى البصرة - فصعد إلى المنبر وشتم عليا (رض) ثم قال : " أنشد الله رجلا عليما أني صادق إلا صدقني ، أو كاذب إلا كذبني فقال أبو بكرة : لا نعلمك إلا كاذبا ، فأمر به يخنق فقام أبو لؤلؤة الضبي فرمى بنفسه عليه فمنعه " . في الحقيقة لم ينقطع سب علي على منابر بني أمية إلا في زمن عمر بن عبدالعزيز . قال ابن سعد في (الطبقات ، الجزء 4) : " كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبدالعزيز يشتمون عليا رحمه الله فلما ولي عمر أمسك عن ذلك " . و منْ شَتْم علي على منبر الكوفة ستبرز قصة عدي بن حجر و أصحابه . أمر معاوية المغيرة بن شعبة عندما ولاه الكوفة بسب علي ، فقد جاء في تاريخ الطبري الجزء الخامس في رواية أحداث سنة 51 هـ : (لا تتحم عن شتم علي وذمه ، والترحم على عثمان والاستغفار له ، والعيب على أصحاب علي ، و الإقصاء لهم ، و ترك الاستماع منهم ، و بإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه ، و الإدناء لهم ، و الاستماع منهم ....) فعمل المغيرة بوصية معاوية لمدة سبع سنين (لا يدع ذم علي والوقوع فيه) فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال: (بل إياكم فذمم الله ولعن) ثم قام حجر في أحد الأيام وقال: (إن الله عز وجل يقول: "كونوا قوامين بالقسط شهداء لله" وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لأحق بالفضل و أن من تزكون و تطرون أولى بالذم) . في آخر أيام المغيرة صاح به حجر صيحة سمعها كل من في المسجد وخارج المسجد عندما سمعه يسب عليا ثم مات المغيرة فتولى الكوفة زياد بن أبيه الذي حذا حذو سابقه المغيرة في سب علي فتصدى له حجر و بعض صحبه . كان المغيرة يتجاوز عن حجر لمكانته عند الناس ، لكن لما جاء زياد واليا على البصرة تسبب في مأساة حجر و أصحابه .
زين العابدين حسن
04-05-2020, 10:50 AM
(7)
قبل الدخول فيما دار بين زياد و جماعة حجر بن عدي ، فإن لزياد قصة تستحق أن تُروى ذلك لأنها من القصص العجيبة و غير المتداولة في الثقافة السائدة و لأنها أيضا ــ و هو المهم ــ تكشف صورة مهمة من صور التفكير في ذلك العهد و أحواله . سأروي تلك القصة نقلا عن طه حسين الذي جمع مادتها و لخصها في (الفتنة الكبرى الجزء الثاني "علي و بنوه") . يقول طه حسين فيما ملخصه : (كان زياد ذا شخصيتين مزدوجتين ، عاش بأولاهما أيام الخلفاء الراشدين و عاش بالثانية بعد أن صالح معاوية ، في الأولى راشدا و في الثانية طاغيا جبارا .... زياد رجل من موالي ثقيف ، ولدته أمه للحارث بن أبي كلدة و هي سمية ، و لعلها كانت فارسية أو هندية ، أما أبوه فقد كان عبدا روميا لصفية بنت عبيد زوجة الحارث بن كلدة أيضا ، و كان اسمه العربي عُبيد . كان زياد إذاً مولى لآل الحارث بن كلدة من ثقيف ، وُلد عام الهجرة و بعضهم يقول عام الفتح .... نراه كاتبا لأبي موسى الأشعري حين كان أميرا على البصرة ، و نراه رسولا إلى عمر ببعض الحساب فأعجب عمر بذكائه و فصاحته و حفظه للعدد و تصرفه فيه ، فأمره أن يعرض الحساب على الناس كما عرضه عليه ففعل ، و أعجب العرب من أصحاب النبي بهذا الفتى الفصيح الجريء الذي يلعب بالأرقام لعباً لا عهد لهم به ، و لم يخف عمر هذا الإعجاب [و من هنا سيدخل زياد التاريخ] . يزعم بعض الرواة أن أبا سفيان همس في ذلك اليوم بأن زياداً ابنه و لم يجهر بذلك مخافة عمر و أكبر الظن أن هذا الخبر اُختُرع بآخره . يزعم المؤرخون أن عمر أعطى زياداً ألف درهم ... سُئل زياد : ماذا صنعت بالألف ؟ قال : اشتريت بها أبي (عُبيداً) فاعتقته .. و لخمول أبيه كانوا يضيفونه لأمه فيقولون (زياد بن سمية) و سيسميه الشيعة بعد عمله لمعاوية (زياد بن أبيه) . ظل زياد في البصرة يكتب لأمرائها أيام عمر و عثمان فلما كان يوم الجمل و انتصر عليّ سأل عن زياد فأنبئ بأنه مريض فعاده .. و هم أن يوليه البصرة و لكن زياد أشار إليه أن يولي عبد الله بن عباس ففعل . عمل زياد مع ابن عباس كما عمل للولاة قبله فلما انصرف ابن عباس عن البصرة إلى مكة كما مرّ بنا ، قام زياد مقامه و أحسن الحيلة و البلاء في الاحتفاظ بهذا المصر لعلي رغم ما كاد معاوية لانتزاعها منه . لما قُتل علي و استبان زياد أن الأمر صائر إلى معاوية تحول إلى فارس و استعصم بقلعة هناك ... كان معاوية يعلم مكر زياد و كيده و دهاءه و ان عنده مالا كثيرا و له أنصار يتعصبون له من أهل فارس [فتوجس] أن يبايع لرجل من أهل البيت فيفسد عليه ... كان لزياد يد عند المغيرة بن شعبة سبقت إليه أيام عمر ، حين تلجلج في الشهادة فأعفاه من الحد [تقول القصة : كان يسمر جماعة مع أبي بكرة فهبّت ريح ففتحت باب الكوة حيث يسمرون ، فقام أبو بكرة ليغلقه وإذا به يرى المغيرة وقد فتحت الريح باب كوة مشربة وهو مع امرأة [....] حال الجماع فقال للنفر الذين عنده : ”قوموا فانظروا“ فقاموا فنظروا ثم قال لهم : ”اشهدوا“ فسألوه: من هذه ؟ فقال: أم جميل .. فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة وقال : ”لا تصل بنا“ وكتب إلى عمر يبلغه بالحادثة. فأرسل عمر أبا موسى الأشعري محل المغيرة واستدعى المغيرة و الشهود الذين كانوا حاضرين عند أبي بكرة .....
شهد الشهود عند عمر رضي الله عنه ، و هم أبو بكرة ، و نافع ، و نفيع ، و زياد ، فصرح بذلك أبو بكرة ، و نافع ، و نفيع ، فأما زياد فقال له عمر : قل ما عندك ، و أرجو أن لا يهتك الله صحابيّاً على لسانك ، فقال زياد : " رأيت نفساً تعلو و استاً تنبو و .... و لا أدري يا أمير المؤمنين ما وراء ذلك ، فقال عمر : الله أكبر ، فأسقط الشهادة ولم يرها تامة " ....أقام سيدنا عمر الحد على الثلاثة و طلب منهم أن يتوبوا فتاب اثنان و رفض أبو بكرة التوبة و قال إن المغيرة زانٍ . (الطبري ج3 ص170 والبداية والنهاية لابن كثير ج7 ص94 و وفيات الأعيان لابن خلكان ج2 ص455 ، أيضا انظر الإسلام سؤال و جواب) ... أبو بكرة صحابي و أخ لزياد من أمه أما أبوه فهو الحارث بن كلدة لكنه لم يعترف به و ظل عبدا مع العبيد حتى غزوة الطائف حين نادى منادي بأمر النبي (ص) إن من يهرب من الحصن من العبيد و ينضم للمسلمين فهو حر ، و هرب أبو بكرة من العبودية و الشرك للحرية و الإسلام انضم للمسلمين فاعتقه النبي (ص)] ...
توسط المغيرة بين زياد و معاوية و أصلح بينهما ... و لأمر ما خطر لزياد أو لمعاوية أو للمغيرة ، أن يتصل نسب زياد ببني أمية و بأبي سفيان خاصة ، كأنّ أبا سفيان قد (عرف) سمية في بعض زيارته للطائف . يقال إن زياد احتال حتى دس لمعاوية من زعم أن أهل العراق ينسبون زياداً إلى أبي سفيان ، فانتهز معاوية هذه الفرصة و دعا إليه زياداً ثم جمع الناس فشهد الشهود أن أبا سفيان قد (عرف) سمية ، و اكتفى معاوية بذلك فألحق زياداً بأبي سفيان و جعله أخاه ...
كان زياد حريصاً على نسبه الجديد فحين جاءه كتاب من السيدة عائشة فيه (من أم المؤمنين عائشة إلى زياد بن أبي سفيان ...) ... أمر زياد حامل الرسالة ان يقرأها على الناس ليعلم أهل البصرة أن السيدة عائشة قد اعترفت بنسبه ... [مرّ بنا أن الصحابي أبا بكرة أخ لزياد من أمه] و لما عرف أبو بكرة سعي زياد للاستلحاق نهاه عن ذلك ، فلما تم الاستلحاق حلف ألا يكلمه أبدا و لم يكلمه حتى مات و كان يحلف أن سمية لم تكن بغيا و لا عرفت أبا سفيان .. طمع زياد أن يحج و استأذن معاوية فأذن له ، و دخل أبو بكرة على زياد و عنده بعض بنيه فوجه إلى أحدهم حديثه قائلا : إن أباك أحمق و قد فجر في الإسلام ثلاث فجرات ، أولاهن كتمان الشهادة على المغيرة و الله يعلم أنه رأى ما رأينا و الثانية في انتفائه من عُبيد و ادعائه إلى أبي سفيان و أقسم إن أبا سفيان لم يرَ سمية قط و الثالثة أنه يريد الحج و أم حبيبة زوج رسول الله (ص) هناك ، فإن أذنت كما تأذن الأخت لأخيها فأعظم بها من مصيبة و خيانة لرسول الله (ص) و إن هي حجبته فأعظم بها من حجة ...عدل زياد عن الحج ذلك العام و لم يأت الحجاز حتى ماتت أم حبيبة) انتهى ما نقلته عن طه حسين ، و حيث ما ورد ما بين معقوفين [ ] فهو إضافة من عندي للتوضيح .
نعود لقصة زياد مع حجر و أصحابه حيث جرت أحداث كثيرة بينهم انتهت باعتقال زياد لحجر ومعه اثني عشر رجلا من أصحابه ثم كتب كتاباً فيهم إلى معاوية وسيرهم إليه بعد أن جمع شهود و كتب شهادتهم بما يحب . (بعث زياد على أثرهم برجلين آخرين من أصحاب حجر فصاروا أربعة عشر رجلا) . تشفّع جماعة عند معاوية في ستة فوهبهم لهم و قتل الثمانية الباقين و ذلك في منطقة (مرج عذراء ـ عدرا حاليا ، قرب دمشق) ، فكانت تلك من المآسي التي لا ينساها التاريخ ...
في مايو 2013 قامت جبهة النصرة أيام سطوتها ، بنبش قبر حجر بن عدي لأن الشيعة تعظمه و دفنوه في مكان مجهول .
زين العابدين حسن
05-05-2020, 12:14 PM
(8)
استمر معاوية في الحكم حتى 60 هجرية و في عهده استمرت الغزوات فحاول فتح القسطنطينية لكن حصونها المنيعة صدت جيوشه . في عهده فتح صقلية و جزر في البحر المتوسط و استمرت الحروب و الفتوحات شرقا و غربا . اهتمامي منصب على الأحداث الداخلية و يمكن لمن يريد متابعة أمر الفتوحات البحث عنها في مظانها . كان معاوية داهية من دهاة العرب و كان رجل سياسة . حين خرج عمر بن الخطاب إلى الشأم قابله معاوية في موكب مهيب ، فقال له عمر: يا معاوية ، تروح في موكب و تغدو في مثله.... قال: يا أمير المؤمنين ، إن العدو بها قريب منا ، و لهم عيون و جواسيس ، فأردت يا أمير المؤمنين أن يروا للإسلام عزًا ، فقال له عمر: إن هذا لكيد رجل لبيب ، أو خدعة رجل أريب ... كذلك يروي عنه الطبري حكاية تبين مقدار دهائه و فراسته . روي في الجزء الخامس في أحداث سنة ستين (أن عمرو ابن العاص وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر، فقال لهم عمرو: انظروا: إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلموا عليه بالخلافة ، فإنه أعظم لكم في عينه ، وصغّروه ما استطعتم . فلما قدموا عليه قال معاوية لحجابه : إني كأني أعرف ابن النابغة و قد صغر أمري عند القوم ، فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها ، فلا يبلغني رجل منهم إلا و قد همته نفسه بالتلف. فكان أول من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له ابن الخياط ، فدخل و قد تعتع ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، فتتابع القوم على ذلك ، فلما خرجوا قال لهم عمرو: لعنكم الله! نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة ، فسلمتم عليه بالنبوة .) انتهى . مات معاوية و تولى ابنه يزيد الخلافة و بولاية يزيد سيبدأ فصل جديد من تاريخ الأمويين . كان والي معاوية على المدينة حتى وفاته ابن أخيه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان . كان معاوية حين أخذ البيعة ليزيد قد بايعه الناس إلا خمسة و هم كما ذكر الطبري (بايع الناس ليزيد بن معاوية غير الحسين بن علي وابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عباس) كان هَمْ يزيد حين بويع بالخلافة بعد موت أبيه هو أمر هؤلاء الخمسة . فكتب إلى الوليد كما روى الطبري (:بسم الله الرحمن الرحيم ، من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة ، أما بعد فإن معاوية كان عبدًا من عباد الله ، أكرمه الله و استخلفه ، و خوله ، و مكن له ، فعاش بقدر، و مات بأجل ، فرحمه الله ، فقد عاش محمودًا ، ومات برًا تقيًا ، والسلام .... و كتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة : أما بعد ، فخذ حسينًا و عبد الله بن عمر و عبد الله بن الزبير بالبيعة أخذًا شديدًا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا ، و السلام.) انتهى . كان الوليد بن عتبة رجل عافية (يكره العنف و القتل) ، لذا فقد أزعجه كتاب يزيد فلجأ إلى مروان بن الحكم يستشيره و قد كان أميرا على المدينة مرتين ، فقد ولاه معاوية ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ، و مروان من زعماء البيت الأموي و سيتولى الخلافة بعد معاوية الثاني حين اضطرب أمر بني أمية ليصبح الخليفة الأموي الرابع . نصح مروان الوليد أن يبعث إليهم و يدعوهم إلى البيعة و الدخول في الطاعة ، فإن فعلوا قبل منهم ، و إن أبوا يضرب أعناقهم أما ابن عمر فقد قال عنه مروان (فإني لا أراه يرى القتال ، و لا يحب أن يولى على الناس ، إلا أن يدفع إليه هذا الأمر.) .. بعث الوليد للحسين و نعى له معاوية ، و دعاه إلى البيعة ، (فقال حسين : إنا لله وإنا إليه راجعون ، و رحم الله معاوية ، و عظم لك الأجر، أما ما سألتني من البيعة فإن مثلي لا يعطي بيعته سرًا، و لا أراك تجتزيء بها مني سرًا دون أن نظهرها على رؤوس الناس علانية ، قال: أجل ، قال : فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرًا واحدًا ، فقال له الوليد - وكان يحب العافية ـ : فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس ، فقال له مروان: و الله لئن فارقك الساعة و لم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدًا حتى تكثر القتلى بينكم و بينه ، احبس الرجل ، و لا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه ، فوثب عند ذلك الحسين ، فقال: يا ابن الزرقاء ، أنت تقتلني أم هو ، كذبت و الله و أثمت ) الطبري ، الجزء الخامس ...
لم يبايع الحسين و لا عبد الله بن الزبير و تسلل كل واحد منهم بطريق قاصدا مكة حتى استقر بهما المقام هناك ، أما عبد الله بن عمر و عبد الله بن عباس بايعا الوليد فيمن بايع . بعد ذلك تختلف الروايات اختلافات غير جوهرية فيما جرى من أحداث ، فالواقدي (130 ــ 207 هـ) في (التاريخ و المغازي) ، و هو من أقدم المؤرخين يأتي في الترتيب بعد ابن إسحاق ، يروي روايات عن ذلك (اغلب روايات الطبري في تاريخه تأخذ روايات الواقدي في الحسبان و معه روايات كاتبه ابن سعد صاحب الطبقات (168 ــ 230 هـ)) و يمكن أن نستخلص منها أن يزيد بعد مبايعته بالخلافة و خبر الحسين و عبد الله بن الزبير ، قرر أن يرغمهما على البيعة . عزل يزيد الوليد بن عتبة من إمارة المدينة (غالبا لما رآه من تراخيه) و ولى عمرو بن سعيد بن العاص . قام عمرو بن سعيد بتولية شرطته لعمرو بن الزبير، كان يعلم ما بينه وبين أخيه عبد الله بن الزبير من البغضاء ، فأرسل عمرو بن الزبير إلى نفر من أهل المدينة ممن كان هواه مع عبد الله بن الزبير فضربهم ضربًا شديدًا ، من الأربعين إلى الخمسين إلى الستين سوطا ، وفر بعضهم إلى مكة . قرر عمرو بن سعيد أن يجرد جيشا لتأديب العصاة في مكة حسب أمر خليفته يزيد ، و ذلك ان الحارث بن خالد المخزومي كان على الصلاة في مكة ، فمنعه ابن الزبير، فكتب يزيد إلى عمرو بن سعيد ، أن ابعث جيشًا إلى ابن الزبير . يروي الطبري ـ الجزء الخامس (قال عمرو بن سعيد لعمرو بن الزبير: من رجلٌ نوجه إلى أخيك؟ قال: لا توجه إليه رجلًا أبدًا أنكأ له مني ... وتوجه معه أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة ... فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال : لا تغز مكة، واتق الله ، و لا تحل حرمة البيت ، و خلوا ابن الزبير فقد كبر، هذا له بضعٌ وستون سنةً ... فقال عمرو بن الزبير: و الله لنقاتلنه و لنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم ، فقال مروان: والله إن ذلك ليسوءني..) انتهى . هزم عبد الله بن الزبير جيش يزيد و أسر أخاه و اقتص منه في جلده لمن جلد بالمدينة .
كان أهل العراق و خاصة أهل الكوفة ، قد ادركوا بعد فوات الأوان الفرق بين أيام الخليفة علي بن أبي طالب و بين عهد معاوية و كانوا أشد الناس كراهية للحكم الأموي لما عانوه من معاوية ، خاصة بعد موت المغيرة و ولاية زياد . فلما مات معاوية و انعقدت البيعة ليزيد جال بخاطر الكثيرين منهم العصيان و بأن أفضل من يستحق الخلافة هو الحسين بن علي .
ستبدأ بولاية يزيد واحدة من أخطر أحداث التاريخ الإسلامي ألا و هي مأساة كربلاء التي سينقسم المسلمون بعدها قسمين ، الشيعة و السنة . صحيح أن الانقسام بدأ منذ مقتل الخليفة عثمان ، لكنه لم يتجذر بتلك الصورة التي برز بها بعد كربلاء . عندما خرج الحسين إلى مكة، أتاه جماعة من أهل الكوفة و قالوا له : إنا قد حبسنا أنفسنا عليك ، و لسنا نحضر الجمعة مع الوالي ، فاقدم علينا . و كان النعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة (و كان النعمان رجل عافية مثله مثل الوليد بن عتبة) ، فبعث الحسين إلى مسلم بن عقيل بن أبي طالب ابن عمه فقال له : سر إلى الكوفة فانظر ما كتبوا به إليّ ، فإن كان حقًا خرجنا إليهم . فخرج مسلم إلى الكوفة . فلما تحدث أهل الكوفة بمقدمه ذهبوا إليه و بايعه منهم اثنا عشر ألفًا. بلغ الخبر الوالي النعمان بن بشير لكنه كما سبق ذكره ، كان ممن يحبون العافية فلم يقم بعمل عنيف مع مسلم بن عقيل و اتباعه .
imported_عبدالله الشقليني
05-05-2020, 04:25 PM
سرد رقيم نضيض ولكنه حال كل تاريخ يزورنه بالقداسة.
شكرا أيها الأكرم زين
زين العابدين حسن
05-05-2020, 10:07 PM
سرد رقيم نضيض ولكنه حال كل تاريخ يزورنه بالقداسة.
شكرا أيها الأكرم زين
الأديب الشاعر الفنان تحية لك و اسعد الله أوقاتك .
زين العابدين حسن
06-05-2020, 01:19 PM
(9)
وصلت الأخبار ليزيد فكتب لعبيد الله ابن زياد بن أبيه (و كان واليا على البصرة من زمن معاوية) أنه قد ولاه الكوفة مع البصرة ، وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده . كان يزيد يبغض عبيد الله بن زياد و ينوي خلعه لكن اضطرته السياسة أن يوليه . كان عبيد الله بن زياد طاغية مثل أبيه ، فكما كان أبوه يقتل بالظن و الشبهة كان هو كذلك و من شابه أباه فما ظلم .
يروي ابن جرير الطبري و ابن كثير أن عبيد الله بن زياد دخل الكوفة متثلمًا ، و كان لا يمر على مجلس من مجالسهم فيسلم إلا قالوا : عليك السلام يا ابن بنت رسول الله - وهم يظنون أنه الحسين بن علي رضي الله عنه - حتى نزل القصر ، و يواصل الطبري في أحداث سنة ستين و كذلك ابن كثير ناقلا عنه و عن غيره (دعا عبيد الله مولىً له فأعطاه ثلاثة آلاف ، و قال له: اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي يبايع له أهل الكوفة فأعلمه أنك رجل من أهل حمص جئت لهذا الأمر ، و هذا مالٌ تدفعه إليه ليتقوى . فلم يزل يتلطف و يرفق به حتى دل على شيخ من أهل الكوفة يلي البيعة ، فلقيه فأخبره ، فقال له الشيخ : لقد سرني لقاؤك إياي ، و قد ساءني ، فأما ما سرني من ذلك فما هداك الله له ، و أما ما ساءني فإن أمرنا لم يستحكم بعد . فأدخله إليه ، فأخذ منه المال وبايعه ، و رجع إلى عبيد الله فأخبره.) انتهى . الشيخ الذي أعطاه مولى عبيد الله المال هو هانئ بن عروة ، عرف مسلم بن عقيل قدوم عبيد الله بن زياد إلى الكوفة فكتب إلى الحسين بن علي رضي الله عنه يخبره ببيعة اثني عشر ألفًا من أهل الكوفة ، و يأمره بالقدوم . (قال عبيد الله لوجوه أهل الكوفة : ما لي أرى هانىء بن عروة لم يأتني فيمن أتاني! قال : فخرج إليه محمد بن الأشعث في ناس من قومه وهو على باب داره ، فقالوا : إن الأمير قد ذكرك واستبطأك ، فانطلق إليه ، فلم يزالوا به حتى ركب معهم وسار حتى دخل على عبيد الله وعنده شريح القاضي ، فلما نظر إليه قال لشريح : أتتك بحائنٍ رجلاه ، فلما سلم عليه قال : يا هانىء ، أين مسلم ؟ قال : ما أدري ، فأمر عبيد الله مولاه صاحب الدراهم فخرج إليه ، فلما رآه قطع به ، فقال: أصلح الله الأمير! والله ما دعوته إلى منزلي ولكنه جاء فطرح نفسه علي ، قال: ائتني به ، قال : و الله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه ، قال : أدنوه إلي ، فأدني فضربه على حاجبه فشجه ، قال : و أهوى هانىء إلى سيف شرطي ليسله ، فدفع عن ذلك ، و قال : قد أحل الله دمك ، فأمر به فحبس في جانب القصر.) الطبري الجزء 5 . وصل خبر حبس هانئ بن عروة لمسلم بن عقيل فجمع من مؤيديه ما يقول المؤرخون أنهم أربعة ألف و سار بهم لقصر عبيد الله . كان عبيد الله داهية مثل أبيه فاستطاع أن يخذّل عن مسلم و ذلك باستمالته وجوه القوم ، و عندما وصل مسلم بجماعته لقصر عبيد الله بن زياد أخذ كل من وجهاء القوم يحذر جماعته ، فانصرف الناس عن مسلم متسللين ، و عندما وجد نفسه وحيدا اضطر ان ينسحب و يبحث عن مكان يختبئ فيه . خبأته امرأة من أهل الكوفة حين علمت من هو ، كان ابنها مولى لمحمد بن الأشعث صاحب عبيد الله بن زياد (و لابن الأشعث هذا قصة ، فسيخرج على الحجاج أميره في عهد عبد الملك بن مروان و يحاربه بجيش ضخم و تكون فتنة يقول عنها أهل السنة من أعظم الفتن) .. أخبر الابن مولاه فقبضت عليه جماعة عبيد الله بن زياد بعد أن قاتلهم ، قبضوا عليه بعد أن أعطوه الأمان و أخذوه لقصر عبيد الله . في قصر بن زياد جرت بينهما مساجلات و أقسم له ابن زياد ليقتلنه شر قتلة . صعدوا به أعلى القصر و ضربوا عنقه و اتبعوا جسده رأسه و في رواية أنهم ألقوه من فوق القصر فتكسرت عظامه و مات . بعدها اقتفى ابن زياد أثر كل من ناصر مسلم بن عقيل و فضرب عنقه . أرسل عبيد الله رأس مسلم و هانئ بن عروة ليزيد مع كتاب يخبره خبر ما حدث . كان مسلم بن عقيل قد كتب إلى الحسين قبل أن يقتل : (أما بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله ، إن جمع أهل الكوفة معك ، فاقبل حين تقرأ كتابي ، و السلام عليك ). سيُطوى عام ستين للهجرة و يطل عام 61 الذي في العاشر من محرمه ستكون موقعة كربلاء . ستكون كربلاء البداية في سلسلة من المعارك ، فبعد سنتين ستثور المدينة على يزيد كما سيأتي تفصيل ذلك ، و تكون معركة الحرة ، و سيثور عبد الله بن الزبير و يستولى على الحجاز و سيثور من يُعرفون في التاريخ بالتوابين بعد خمسة سنوات من كربلاء (سيكون قتل عبيد الله بن زياد بن أبيه على أيديهم) .
حين وصل خطاب مسلم بن عقيل للحسين تهيأ للخروج للكوفة (لم يكن يعلم بخبر تفرق أصحابه و قتل مسلم) . عندما علم عبد الله بن عباس بخبر خروجه ذهب إليه و نصحه بعدم الخروج . ففي رواية ابن كثير و الطبري (أن حسينًا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال: يا ابن عم، إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ قال: إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى ، فقال له ابن عباس: فإني أعيذك بالله من ذلك ، أخبرني رحمك الله! أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم ، و ضبطوا بلادهم، و نفوا عدوهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم ، و إن كانوا إنما دعوك إليهم و أميرهم عليهم قاهر لهم ، و عماله تجبي بلادهم ، فإنهم إنما دعوك إلى الحرب و القتال ، ولا آمن عليك أن يغروك و يكذبوك، و يخالفوك و يخذلوك، و أن يستنفروا إليك فيكونوا أشد الناس عليك ، فقال له حسين: وإني أستخير الله وأنظر ما يكون .) انتهى . و نصحه عبد الله بن الزبير بعدم الخروج ، و كرر ابن عباس نصحه له بعدم الخروج لكنه كان قد اتخذ قراره . خرج الحسين و معه أهله ، إخوانه من أبيه و أبناء الحسن أخيه و بني عمومته و معهم نساؤهم . في الطريق عرف بمقتل مسلم بن عقيل و هانئ بن عروة حيث مروا بمورد ماء فسأل أصحاب الحسين أعرابيا عن خبر الكوفة فقال لهم (والله لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ورأيتهما يجران بأرجلهما في السوق.) فكلمه أصحابه بذلك فلم يرجع . كم كان عدد الذين صحبوا الحسين من الرجال و النساء ؟ تتفاوت تقديرات المؤرخين ، فالمسعودي يقدر عددهم بخمسمائة فارس و 100 راجل و هي رواية شاذة و ربما كان هذا العدد قبل أن يبلغهم مقتل مسلم و هانئ ، فحين بلغهم الخبر ، خيّر الحسين من معه بين الرجوع و الذهاب معه فرجع البعض . أما الطبري: في الجزء 5 فيروي (و كان أصحابه خمسة و أربعين فارسا و مائة راجل) ، و يروي الطبري في نفس المكان رواية عن آخر يقول (و إني لأنظر إليهم ، و إنهم لقريب من مائة رجل ..) و في رواية أخرى (كان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا)... بفحص هذه الروايات يبدو أن عدد المقاتلين مع الحسين حوالي مائة من فارس لراجل . بلغ خبر مسير الحسين عبيد الله بن زياد فاستعد له ، فبعث الحصين ابن تميم التميمي - وكان على شرطه - فأمره أن ينزل القادسية ، و أرسل الحصين الحر بن يزيد في ألف من القادسية ، لملاقاة الحسين و منعه من دخول الكوفة . التقى الحر بالحسين و منعه من المسير في اتجاه الكوفة و كان قد بلغ مكانا يسمى شراف يبعد من الكوفة حوالي 5 كيلومترات و نصف الكيلو متر . يقول المؤرخون إن الحسين تياسر عن الطريق ، إذ حال بينه و بين الكوفة فاتجه شمالا و أصبحت الكوفة عن يمينه ، سار مسافة طويلة (تبعد كربلاء أكثر من سبعين كيلومتر شمالا بالطريق المرصوف) . كان الحسين يسير في ناحية و الحر في الناحية الأخرى يحول بينه و بين الكوفة . لم يكن الحر يريد قتالا و قد قال للحسين فيما قال ما معناه (إنك إن قدمت فأنت مقتول) و هو قول من يرى قلة جماعة الحسين و كثرة جيشه و يعلم أنه لا بد آتيه المدد من ابن زياد و كان قد سبق أن قال للحسين إنه لن يقاتله و ينتظر كتابا من عبيد الله بن زياد . و لم يلبث ان جاءه كتاب عبيد الله ابن زياد أن يجعجع بالحسين ( أي يضيق عليه و لا يرفق به) و ألا ينزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، و أمر عبيد الله بن زياد رسوله أن يلزم الحر و لا يفارقه حتى يعلمه بخبر إنفاذ نصح بعض أصحاب الحسين له أن يقاتل القوم قبل أن يأتيهم مدد فقال لهم الحسين: ما كنت لأبدأهم بالقتال فلما كان غد ذلك اليوم إذ قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف .
زين العابدين حسن
07-05-2020, 10:34 AM
(10)
عند وصوله بعث عمر بن سعد إلى الحسين يسأله عن الذي جاء به . فأجابه الحسين: كتب إلي أهل مصركم هذا أن اقدم، فأما إذ كرهوني فأنا انصرف عنهم ، فأرسل عمر إلى عبيد الله بن زياد برد الحسين هذا ، فكتب عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد (أما بعد ، فقد بلغني كتابك ، و فهمت ما ذكرت ، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو و جميع أصحابه ، فإذا فعل ذلك رأيْنا رأيَنا، و السلام.) فلما أتى عمر بن سعد الكتاب، قال : قد حسبت ألا يقبل ابن زياد العافية . أرسل عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد ( أما بعد ، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، و لا يذوقوا منه قطرة ، كما صنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان.) و ذلك قبل قتل الحسين بثلاث ليال . روى الطبري في المصدر السابق ذكره (قال : و نازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي – و عداده في بجيلة - فقال: يا حسين، ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء ، و الله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشًا ، فقال حسين: اللهم اقتله عطشًا ، و لا تغفر له أبدًا .)
اجتمع الحسين مع عمر بن سعد بن أبي وقاص و قال له : (اختاروا مني خصالًا ثلاثًا : إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ، و إما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه ، و إما أن تسيروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم ، فأكون رجلًا من أهله ، لي ما لهم وعلي ما عليهم.) . فكتب عمر ابن سعد إلى عبيد الله بن زياد بما ذكره الحسين . تقول الروايات أنه قبل بشروط الحسين في البداية ، لكن قام إليه شمر بن ذي الجوشن (و هو الذي تقول أغلب الروايات إنه من قتل الحسين و قطع رأسه) فنصح عبيد الله ألا يقبل بأقل من أن ينزلوا على حكمه . أرسل عبيد الله إلى سعد كتابا بذلك و ألا يقبل من الحسين غيره فإن أبى فليقاتله و قال لشمر بن ذي الجوشن إن أبى سعد فقاتلهم، فأنت أمير الناس، وثب عليه فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه. و أورد الطبري رواية راويه أبي مخنف أن عبيد الله بن زياد كتب إلى عمر بن سعد: (أما بعد ، فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه و لا لتطاوله ، و لا لتمنيه السلامة و البقاء ، و لا لتقعد له عندي شافعًا.. انظر، فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم و استسلموا، فابعث بهم إلي سلمًا ، و إن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم و تمثل بهم ، فإنهم لذلك مستحقون ، فإن قُتل حسين فأوطئ الخيل صدره و ظهره ، فإنه عاق مشاق ، قاطع ظلوم ، و ليس دهري في هذا أن يضر بعد الموت شيئًا ، و لكن علي قول لو قد قتلته فعلت هذا به . إن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع ، و إن أبيت فاعتزل عملنا و جندنا، و خل بين شمر بن ذي الجوشن و بين العسكر ، فإنا قد أمرناه بأمرنا ، و السلام.) و هو خطاب قاس خال من الرحمة .
كان مع شمر بن ذي الجوشن من يسمى عبد الله بن أبي المحل و كان أبناء علي بن أبي طالب العباس وعبد الله وجعفرًا وعثمان قد ولدهم من أم البنين ابنة حزام و هي عمة عبد الله بن أبي المحل و كانوا قد جاءوا مع أخيهم الحسين ، فطلب عبد الله من عبيد الله بن زياد أن يعطيه كتاب أمان لهم إن انضموا إليهم فأعطاه ، لكن حين عرض عليهم ذلك الأمان رفضوه و قرروا البقاء مع أخيهم الحسين . زحف عمر بن سعد بن أبي وقاص على الحسين عصر ذلك اليوم التاسع من محرم فاستمهلهم الحسين إلى الغد ليرى رأيه فأمهلوه . لم يكن الحسين ليرضى بذلك الشرط المذل من ابن زياد و هو أن ينزل على حكمه أي يسير إليه أسيرا و هو لا يراه كفؤا له بل و لا قريب من ذلك ، لكن أراد أن يرتب أمره و أمر أهله .
جاء يوم الجمعة العاشر من محرم 61 هجرية و هو يوم المعركة التي سيُقتل فيها الحسين و بنيه و أبناء أخيه و بني عمومته و لن يبقى حيا إلا ابنه علي الذي لُقّب بزين العابدين . دارت معركة غير متكافئة بين حوالي أربعة ألف رجل من جند عبيد الله بن زياد و بين أقل من مائة رجل هم جماعة الحسين ، قُتل جماعة الحسين عن آخرهم و كان آخر من قُتل هو الحسين فقد كانوا يفدونه و يموتون من دونه .
كان جماعة عمر بن سعد يدورون من حوله و يتقي بعضهم ببعض و كل واحد يحب أن لو قتله غيره . يروي الطبري ( نادى شمر في الناس: ويحكم ، ماذا تنظرون بالرجل ، اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم . فحُمِل عليه من كل جانب ، فضربت كفه اليسرى ضربةً ، ضربها زرعة بن شريك التميمي ، و ضرب على عاتقه ، ثم انصرفوا و هو ينوء و يكبو ، وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع ، ثم قال لخولي بن يزيد الأصبحي: احتز رأسه ، فأراد أن يفعل ، فضعف فأرعد ، فقال له سنان بن أنس : فت الله عضديك ، و أبان يديك ، فنزل إليه فذبحه واحتز رأسه ، ثم دفع إلى خولي بن يزيد ، وقد ضرب قبل ذلك بالسيوف ... ثم إن عمر بن سعد نادى في أصحابه: من ينتدب للحسين و يوطئه فرسه؟ فانتدب عشرة: منهم إسحاق بن حيوة الحضرمي، وهو الذي سلب قميص الحسين - فبرص بعد - وأحبش بن مرثد بن علقمة ابن سلامة الحضرمي، فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره... ) انتهى . أخذ عمر بن سعد رؤوس القتلى و ساق النساء و معهن الصبي يومذاك علي بن الحسين ، إلى الكوفة لعبيد الله بن زياد و من الكوفة إلى دمشق ليزيد بن معاوية ، اختاروا طريقا طويلا لدمشق . حين وضعوا رأس الحسين بين يدي يزيد كان لديه قضيب فأخذ ينكت به بين شفتي الحسين فكره القوم منه ذلك و كان قد قسا في معاملة النساء لكنه عدل عن ذلك و ردهن إلى الحجاز معززات مكرمات .
يدّعي بعض الرواة أن يزيد لم يكن راضيا و لكن لا يذكر التاريخ لنا أنه لام أحدا أو عزل عبيد الله أو قال أو تصرف أي تصرف يدل على عدم رضائه عما حدث . الحقيقة أن يزيد لم يكن يصلح للأمر فقد عُرف عنه قبل توليه اللهو .
كانت مقتلة كربلاء واحدة من الصفحات المأساوية في التاريخ الإسلامي و قد أرخت لظهور الشيعة كحزب سياسي استمر حتى يومنا هذا ، حتى أنهم لا زالوا يحيون عاشوراء (ذكرى مقتل سيدنا الحسين في العاشر من محرم 61 هـ) و أربعينية الحسين بعد كل تلك المدة التي انقضت ، بحزن و نواح و إيذاء لأجسادهم . ستكون مقتلة كربلاء مادة خصبة لكتاب السيرة و للشيعة بالذات ، سيكتبون تفاصيل التفاصيل عما جرى في كربلاء و في سبي النساء و بينهن حفيدات النبي (ص) و سيؤلف البعض على لسان من شهد الواقعة خطباً و أشعاراً . لا زلت أذكر إنني في طفولتي كنت أقرأ لوالدي و جماعة من أصحابه من كتيب أصفر ، قصة كربلاء ، و كان فيه محاورة بين يزيد و علي بن الحسين و كان والدي و من معه يبكون كأن الحادثة قد حدثت حينها و ظل والدي رحمه الله يردد دائما بعد ما يشرب ماءً بعد عطش (لعن الله من قتل الحسين و أبناءه عطشانين) . كربلاء تدعوك لأن تعجب أن يقتل ابن سعد بن أبي وقاص (أحد العشرة المبشرين بالجنة و الذي اعتزل الفتنة) أن يقتل الحسين سبط نبيه (ص) ، لكنها السياسة .
زين العابدين حسن
08-05-2020, 02:13 PM
(11)
ستكون لمقتلة كربلاء و خاصة مقتل الحسين عواقب لم يحسبها يزيد و لا عبيد الله بن زياد . سيعم السخط أماكن كثيرة . كان عبد الله بن الزبير يأخذ البيعة سرا و لكنه بعد مقتل الحسين خلع يزيد و جاهر ببيعته ، و في اليمامة أرض معارك الردة ثار نجدة بن عامر الحنفي و تبنى مذهب الخوارج . أما المدينة فستجري فيها كارثة موقعة الحرة .
كان يزيد قد عزل عمرو بن سعيد من ولاية المدينة و أعاد ابن عمه الوليد بن عتبة أميرا عليها . مرة أخرى عزل الوليد (بمكيدة من عبد الله بن الزبير) و ولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان . لأمر ما بعث الوالي الجديد إلى يزيد وفدًا من أهل المدينة من أشراف أهل المدينة ، فقدموا على يزيد ، فأكرمهم، وأحسن إليهم ، و منحهم الجوائز . لكن الوفد لما رجع عاب يزيد و شتمه ، و كما روى الطبري و ابن كثير أنهم قالوا : (إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين ، يشرب الخمر ، و يعزف بالطنابير ، و يضرب عنده القيان ، و يلعب بالكلاب ، و يسامر الخراب و الفتيان ، و إنا نشهدكم أنا قد خلعناه ، فتابعهم الناس .)
بلغت الأخبار يزيد فبعث النعمان بن بشير الأنصاري ليعظ أهل المدينة و يحذرهم من خلع الطاعة و الفتنة لكنهم لم يستجيبوا له . بايع أهل المدينة عبد الله بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد بن معاوية ، يروي الطبري في الجزء الخامس (وثبوا على عثمان ابن محمد بن أبي سفيان ومن بالمدينة من بني أمية ومواليهم ومن رأى رأيهم من قريش، فكانوا نحوًا من ألف رجل، فخرجوا بجماعتهم حتى نزلوا دار مروان بن الحكم، فحاصرهم الناس فيها حصارًا ضعيفًا....كتب مروان كتابًا إلى يزيد بن معاوية يخبره بالحصار، فكلّف يزيد مسلم بن عقبة المري "و كان شيخا كبيرا في السن" فخرج لأهل المدينة في أثني عشر ألف من المقاتلين ، و أمره يزيد أن يخلفه حصين بن نمير السكوني إذا أصيب وقال له كما روى المؤرخون و نكتفي برواية الطبري في الجزء الخامس (: ادع القوم ثلاثًا ، فإن هم أجابوك و إلا فقاتلهم ، فإذا أظهرت عليهم فأبحها ثلاثًا ، فما فيها من مالٍ أو رقةٍ أو سلاح أو طعام فهو للجند ، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس ، و انظر علي بن الحسين ، فاكفف عنه ، و استوص به خيرًا ..... و أقبل مسلم بن عقبة بالجيش حتى إذا بلغ أهل المدينة إقباله وثبوا على من معهم من بني أمية ، فحصروهم في دار مروان ، و قالوا: و الله لا نكف عنكم حتى نستنزلكم و نضرب أعناقكم ، أو تعطونا عهد الله و ميثاقه لا تبغونا غائلةً ، و لا تدلوا لنا على عورة ، و لا تظاهروا علينا عدوًا ، فنكف عنكم و نخرجكم عنا، فأعطوهم عهد الله و ميثاقه لا نبغيكم غائلةً ، و لا ندل لكم على عورة ، فأخرجوهم من المدينة ، فخرجت بنو أمية بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة بوادي القرى... و لما قدمت بنو أمية على مسلم بن عقبة بوادي القرى دعا بعمرو بن عثمان بن عفان أول الناس فقال له : أخبرني خبر ما وراءك ، و أشر علي ، قال: لا أستطيع أن أخبرك ، أخذ علينا العهود و المواثيق ألا ندل على عورة ، و لا نظاهر عدوًا، فانتهره ثم قال: والله لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك ، و ايم الله لا أقيلها قرشيًا بعدك . فخرج بما لقي من عنده إلى أصحابه ، فقال مروان بن الحكم لابنه عبد الملك : ادخل قبلي لعله يجترىء بك عني ، فدخل عليه عبد الملك ، فقال : هات ما عندك ، أخبرني خبر الناس، و كيف ترى؟ فقال له: نعم أرى أن تسير بمن معك ، فتنكب هذا الطريق إلى المدينة ، حتى إذا انتهيت إلى أدنى نخل بها نزلت ، فاستظل الناس في ظله ، وأكلوا من صقره ، حتى إذا كان الليل أذكيت الحرس الليل كله عقبًا بين أهل العسكر ، حتى إذا أصبحت صليت بالناس الغداة ، ثم مضيت بهم و تركت المدينة ذات اليسار ، ثم أدرت بالمدينة حتى تأتيهم من قبل الحرة مشرقًا ، ثم تستقبل القوم ، فإذا استقبلتهم و قد أشرقت عليهم و طلعت الشمس طلعت بين أكتاف أصحابك ، فلا تؤذيهم ، و تقع في وجوههم فيؤذيهم حرها، و يصيبهم أذاها ، و يرون ما دمتم مشرقين من ائتلاق بيضكم وحرابكم ، و أسنة رماحكم و سيوفكم و دروعكم و سواعدكم ما لا ترونه أنتم لشيء من سلاحهم ما داموا مغربين ، ثم قاتلهم و استعن بالله عليهم ، فإن الله ناصرك ، إذ خالفوا الإمام ، و خرجوا من الجماعة . فقال له مسلم : لله أبوك ، أي امرئ ولد إذ ولدك ...) انتهى ما أورده الطبري الجزء الخامس أحداث سنة 63 هـ . أوردت هذا الاستشهاد المطول عن الطبري لعلاقته بإثنين من خلفاء بني أمية ، مروان بن الحكم و ابنه عبد الملك و كيف أن عبد الملك اضطر للحنث بقسمه و خفر عهده لأهل المدينة ، و كيف لا يفعل و سيف مسلم مسلول لجز رقبة من لا يجيبه بعد قسمه لابن عثمان بن عفان أن يقتل من لا يجيبه . فعل مسلمة بن عقبة ما نصحه به عبد الملك و أمهل أهل المدينة ثلاث أيام و بعدها كانت معركة الحرة و كما روى ابن كثير في الجزء 6 (وكانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين) ، و ذلك باختلاف يوم واحد عن الطبري الذي يقول إنها كانت لليلتين بقيتا من ذي الحجة . حسب وصية يزيد استباح مسلم المدينة ثلاث أيام و كان الجند يفعلون ما يريدون . نقرأ خبر استباحة مدينة الرسول في مصادر متعددة ، نبدأ بالطبري : (وأباح مسلم المدينة ثلاثًا يقتلون الناس ويأخذون الأموال ، فأفزع ذلك من كان بها من الصحابة ...) و نقرأ : افتُضَّت في تلك المعركة ، بعد أن أباح مسلم بن عقبة المري المدينة ، ألفُ عذراء ، و ولدت ألف امرأة من غير زوج ، راجع (تذكرة الخواص لسبط بن الجوزي(شيعي) : 259، سير أعلام النبلاء للذهبي ج3/ 323، امتاع الأسماع للمقريزي ج12/246، تاريخ الإسلام للذهبي ج5/ 26، عمدة القاري للعيني ج17 / 221، البداية والنهاية لابن كثير ج8/ 241 ) ... أما القتل و ما أدراك ما القتل ، ذكر ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة ج1/ 185) أنه (قُتِل في تلك الواقعة سبعون صحابياً من صحابة الرسول (ص) . حتى لم يبق بعد واقعة الحرة بدريّ) انتهى . روى ابن كثير في البداية والنهاية ج6/ 262 (وقال عبد الله بن وهب: عن الإمام مالك، قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن، حسبت أنه قال: وكان فيهم ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ وذلك في خلافة يزيد. ) أما اليعقوبي "و هو مؤرخ شيعي" روى في تاريخ اليعقوبي ج3/ 250 : (قتل من قريش و من المهاجرين و من الأنصار سبعمائة ، أما من سائر الناس فقُتِل عشرة آلاف بين رجلٍ ، و امرأةٍ، و حرٍّ، و عبدٍ من الموالي و عموم الناس ، حتى قال بعض المؤرِّخين : كأن لم يبق في المدينة رجل .).... جاء في الاستعاب لابن عبدالله ج3/ 1431 و أيضا في أسد الغابة لابن الأثير ج3/ 147 أنَّه: (بعد أن هُزِمَ جيش المدينة، قُتِل كثيرٌ من أهل المدينة صبراً) أي قتلوا الأسرى . روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ج1/ 240 أنَّ مسلم بن عقبة المري بعث إلى يزيد يخبره : (سلام إلى يزيد، سلام عليك يا أمير المؤمنين، ما صلَّيتُ الظهر إلا في مسجدهم بعد القتل الذريع ، و الإنهاب العظيم ، و اتَّبعنا مُدبرهم و أجهزنا على جريحهم ، و أنهبناهم ثلاثاً كما قال أمير المؤمنين ..) و يبقى من خبر موقعة الحر ما يستحق ان يُروى فيما يلي من أيام إن كان في العمر بقية .
زين العابدين حسن
09-05-2020, 09:12 AM
(12)
قُطِعَتْ رؤوس وجهاء المتمردين (أهل المدينة) و أرسلت إلى يزيد ( الاستيعاب لابن عبد البر ج3/ 892 ، العقد الفريد لابن عبد ربه ج2/ 139 ) روى الرواة أنه حين وُضعت الرؤوس أمامه أنشد متمثلا بأبيات ابن الزبعري في أحد ، فيروي ابن كثير في البداية و النهاية الجزء الثامن (وأما ما يوردونه عنه من الشعر في ذلك واستشهاده بشعر ابن الزبعري في وقعة أُحد التي يقول فيها:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حلت بفنائهم برَّكها و استحر القتل في عبد الأشل
قد قتلنا الضعف من أشرافهم و عدلنا ميل بدرٍ فاعتدل
و قد زاد بعض الروافض فيها فقال:
لعبت هاشم بالملك فلا ملك جاءه ولا وحيٌ نزل
فهذا إن قاله يزيد بن معاوية فلعنة الله عليه و لعنه اللاعنين ، و إن لم يكن قاله فلعنه الله على من وضعه عليه ليشنع به عليه.) انتهت رواية ابن كثير ، أما الشيعة ينسبون ليزيد أنه تمثل بأبيات ابن الزبعري :
ليت أشياخي ببــدر شهـدوا جزع الخزرج من وقـع الأسـل
لأهلــــوا واستهـــلـــوا فرحــــا ثم قالــوا يـا يزيد لا تشــل
حيــن حلَّـــت بقبـــاءٍ طرقها واستحرَّ القتل في عبد الأشل
قد قتلنا الضعف من ساداتهم وعدلنا ميل بــدر فــاعتـدل
لـعـبـت هـاشــمُ بالملــك فــــلا خبــرٌ جـاء ولا وحيٌ نـزل
أما المصادر السنية فترفض هذه الرواية ... جزء من الأبيات هي لابن الزبعري .
بعد المعركة جمع مسلم ما تبقى من أهل المدينة ، و لكي نرى ماذا فعل بهم دعونا نقرأ ما أورد الطبري في تاريخه المذكور سابقا ، الجزء الخامس ، روى (دعا الناس مسلم بن عقبة بقباء إلى البيعة ، و طلب الأمان لرجلين من قريش : ليزيد بن عبد الله بن زمعة و محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي و لمعقل ابن سنان الأشجعي ، فأتى بهما بعد الوقعة بيوم فقال : بايعا ، فقال القرشيان : نبايعك على كتاب الله و سنة نبيه ، فقال: لا و الله لا أقيلكم هذا أبدًا ، فقدمهما فضرب أعناقهما ، فقال له مروان : سبحان الله ، أتقتل رجلين من قريش أتيا ليؤمنا فضربت أعناقهما ، فنخس بالقضيب في خاصرته ثم قال : و أنت و الله لو قلت بمقالتهما ما رأيت السماء إلا برقةً ..... وجاء معقل بن سنان ، فجلس مع القوم ، فدعا بشراب ليُسقَى ، فقال له مسلم: أي الشراب أحب إليك؟ قال: العسل، قال : اسقوه، فشرب حتى ارتوى، فقال له: أقضيت ريك من شرابك؟ قال: نعم ، قال: لا و الله لا تشرب بعده شرابًا أبدًا إلا الحميم في نار جهنم ، أتذكر مقالتك لأمير المؤمنين: سرت شهراً، و رجعت شهراً ، و أصبحت صفراً ، اللهم غير - تعني يزيد ، فقدمه فضرب عنقه .... و أتى بزيد بن وهب بن زمعة ، فقال : بايع ، قال: أبايعك على سنة عمر ، قال : اقتلوه ، قال: أنا أبايع ، قال: لا و الله لا أقيلك عثرتك ، فكلمه مروان بن الحكم - لصهر كان بينهما - فأمر بمروان فوجئت عنقه ، ثم قال: بايعوا على أنكم خول ليزيد بن معاوية، ثم أمر به فقتل...... ثم إن مروان أتي بعلي بن الحسين... وأقبل علي بن الحسين يمشي بين مروان وعبد الملك يلتمس بهما عند مسلم الأمان ، فجاء حتى جلس عنده بينهما ، فدعا مروان بشراب ليتحرم بذلك من مسلم ، فأتي له بشراب ، فشرب منه مروان شيئًا يسيرًا ، ثم ناوله عليًا ، فلما وقع في يده قال له مسلم: لا تشرب من شرابنا ، فأرعدت كفه ، و لم يأمنه على نفسه ، و أمسك القدح بكفه لا يشربه و لا يضعه ، فقال: إنك إنما جئت تمشي بين هؤلاء لتأمن عندي ، و الله لو كان هذا الأمر إليهما لقتلتك ، و لكن أمير المؤمنين أوصاني بك ، و أخبرني أنك كاتبته ، فذلك نافعك عندي ، فإن شئت فاشرب شرابك الذي في يدك، و إن شئت دعونا بغيره ، فقال: هذه التي في كفي أريد ، قال: اشربها ، ثم قال: إلي ها هنا ، فأجلسه معه.... [أما] عمرو بن عثمان فلم يكن فيمن خرج من بني أمية [فيما يبدوا الخروج الأول في المدينة أي لم ينحاز لهم] ، و أنه أتي به يومئذ إلى مسلم بن عقبة فقال : يا أهل الشام ، تعرفون هذا؟ قالوا: لا ، قال: هذا الخبيث ابن الطيب ، هذا عمرو بن عثمان بن عفان أمير المؤمنين ، هيه يا عمرو ! إذا ظهر أهل المدينة قلت: أنا رجل منكم ، و إن ظهر أهل الشام قلت: أنا ابن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فأمر به فنُتفت لحيته ثم قال: يا أهل الشام إن أم هذا كانت تدخل الجعل في فيها ثم تقول: يا أمير المؤمنين حاجيتك ما في فمي و في فمها ما شاها و باها و كانت من دوس. ثم خلى سبيله....) انتهى ما أورده الطبري .هذا الاستشهاد المطوّل بالطبري اقتضته أهمية الموضوع .... كان مسلم بن عقبة طاغية جزارا ، قتل كل من لم يبايع على أنه خول ليزيد (أي عبد ليزيد) و هي بيعة منكرة لم يقل بها أحد قبله و لا بعده فيما أعلم .قتل من جاء ليبايعه على سنة رسول الله و نتف لحية عمرو بن عثمان بن عفان و سماه الخبيث بن الطيب . يقال إنه جاء لمسلم بن عقبة أثناء قطع الرقاب و افتضاض الأبكار مغنيون التمسوا منه أن يطربوه ، قال لهم : (ما للهو أتينا) و أمر بهم فقطعت رقابهم فانظر لورعه ... و ذكر الطبري في المرجع السابق ذكره أن مسلم خرج يطلب عبد الله بن الزبير في مكة و حضرته الوفاة فقال (اللهم إني لم أعمل عملًا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدًا عبده و رسوله أحب إلي من قتلي أهل المدينة ، و لا أرجى عندي في الآخرة..... ثم مات.) انتهى ... و هكذا كان عند مسلم بن عقبة الأهم الطاعة و ليس العدالة ، أن تطع أميرك هو الفوز و لا شيء يعدله و هي الآفة التي لازمت التاريخ الإسلامي كله . هناك أمر لا بد من الإشارة إليه و هو اعتذار عمرو بن سعد عن المسير إلى المدينة لقتال أهلها و كذلك عبيد الله بن زياد و قبل بها مسلم بن عقبة المري ، جاء في (الكامل في التاريخ لابن الأثير، ذكر وقعة الحرة) : (فبعث [يزيد] إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتاب وأمره أن يسير إليهم في الناس فقال : قد كنت ضبطت لك الأمور و البلاد فأما الآن إذ صارت دماء قريش تهرق بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك. و بعث إلى عبيد الله بن زياد يأمره بالمسير إلى المدينة و محاصرة ابن الزبير بمكة فقال : والله لا جمعتهما للفاسق [يقصد يزيد] قتل ابن رسول الله و غزو الكعبة ثم أرسل إليه يعتذر.) انتهى .
تبقى لجيش يزيد المسير لابن الزبير في مكة و سنصحبه إليها . سيشهد يزيد طرفا من المعركة لكنه لن يشهد نهاية ابن الزبير لأنه هلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين و بذا استمرت خلافته أربع سنوات .. أما سبب موته فقد ذكر طه حسين في (الفتنة الكبرى ــ علي و بنوه) ما نصه (مات يزيد و لما يملك إلا أربع سنين ، قتلته لذته أشنع قتلة ، فقد كان فيما زعم الرواة يُسابق قردا فسقط عن فرسه سقطة كان فيها الموت)
زين العابدين حسن
10-05-2020, 12:36 PM
(13)
يجد الباحث أن أهل السنة عموما يتحرجون من إدانة أفعال يزيد بن معاوية أما والده معاوية فيذكرونه متبوعا ب(رضي الله عنه) باعتباره أحد الصحابة و كتاب الوحي ، لكن تأتي الإشكالية في ذلك من أمره بشتم صحابي آخر و هو ابن عم الرسول (ص) و صهره ، شتم من على المنابر في كل ولايات الدولة ، و هي السّنّة التي سنها لتستمر حوالي ستين عاما ، حتى خلافة عمر بن عبد العزيز الذي أبطلها ... البعض ذهب لإنكار ما رواه الرواة من تمثل يزيد بأبيات ابن الزبعري المشهورة بعد غزوة أحد ، لكن يأتي سؤال : هل من يأمر بإباحة المدينة ثلاثة أيام يكون من الغريب نسبة ما نسب إليه ؟ في رأيي إن رواية تمثل يزيد بأبيات ابن الزبعري تتسق مع أمره بإباحة المدينة ثلاثة أيام و هو الأمر الذي لم ينكره أحد ، الأمر بذلك الفعل القبيح أشنع من ترداد ابيات ابن الزبعري ، ربما لا يصح نسبة البيت الأخير إليه : (لعبت هاشم بالملك فلا وحي جاء و لا ملك نزل) لأن حاجة يزيد للشرعية الدينية لتثبيت شرعية سلطته السياسية تجعله متمسكا بالدين على الأقل في الظاهر .
بعد أن انتهى مسلم بن عقبة من أمر المدينة و نفّذ وصية أمير المؤمنين و كاتبه كما مر بنا من خبر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ج1/ 240 : (سلام إلى يزيد، سلام عليك يا أمير المؤمنين، ما صلَّيتُ الظهر إلا في مسجدهم بعد القتل الذريع ، و الإنهاب العظيم ، و اتَّبعنا مُدبرهم و أجهزنا على جريحهم ، و أنهبناهم ثلاثاً كما قال أمير المؤمنين ..) و جعل أهل المدينة يبايعونه على أنهم (خول ليزيد) و من يرفض يقطع عنقه حتى و إن رجع عن قوله ، بعدها توجه لمكة و لكن وافته المنية فكان آخر ما قاله إنه لم يقم بعمل أعظم بعد الشهادة من قتل أهل المدينة ... أن يتصور إنسان أن أعظم أعماله قتل الآخرين فتلك مصيبة و أي مصيبة ، خاصة إذا كان مصحوبا بإباحة أعراض و أملاك الآخرين . خلف مسلم بعد موته حصين بن نمير السكوني .أورد الطبري في الجزء الخامس وصية مسلم لحصين (لو كان هذا الأمر إليّ ما وليتك هذا الجند ، و لكن أمير المؤمنين ولاك بعدي ، و ليس لأمر أمير المؤمنين مردٌّ ، خذ عني أربعًا: أسرع السير، وعجل الوقاع ، و عم الأخبار ، و لا تمكن قرشيًا من أذنك) .
مر بنا أن عمرو بن الزبير أخ عبد الله بن الزبير كان قد توجه لحرب أخيه و أن عبد الله هزمه و أسره و جاء به إلى الناس ليقتصّوا منه لضربه إياهم عندما كان قائداً لشرطة المدينة ، فاقتصّوا منه .فمات عمرو من الضرب ، فصلبه عبد الله حسب رواية البلاذري في (أنساب الأشراف). قاد الحصين بن نُمير السكوني جيش الشام ، فبلغ الجيش مكة في 26 محرم سنة 64 هـ ، وحاصروا ابن الزبير 64 يومًا . يروي الطبري في ما سبق ذكره (حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول يوم السبت سنة أربع وستين قذفوا البيت بالمجانيق، وحرقوه بالنار، وأخذوا يرتجزون ويقولون:
خطارةٌ مثل الفنيق المزبد ** نرمي بها أعواد هذا المسجد
لكن هناك رواية أخرى لحرق الكعبة للطبري أيضا (احترقت الكعبة يوم السبت لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين قبل أن يأتي نعي يزيد بن معاوية بتسعة وعشرين يومًا، و جاء نعيه لهلال ربيع الآخر ليلة الثلاثاء ... كانوا يوقدون حول الكعبة ، فأقبلت شرارة هبت بها الريح ، فاحترقت ثياب الكعبة ، و احترق خشب البيت يوم السبت لثلاث ليال خلون من ربيع الأول.) انتهى
هكذا في أول ربيع الآخر سنة 64 هـ ، جاء نعي يزيد ، و كانت وفاته يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول (احتاج وصول الخبر من الشام حتى مكة حوالي أسبوعين) . تقول روايات المؤرخين أن الحصين حين وصول خبر موت يزيد فاوض ابن الزبير في أن يبايعه بالخلافة و أن ينضم بمن معه من جند الشام إلى صفوفه ، و يخرجوا للشام فلا يخالفهم أحد ، إلا أن ابن الزبير رفض لما في رقاب جند الحصين من دماء أهل الحرة ، و رفض ابن الزبير المسير إلى الشام مع حصين بن نمير ، ودعاه لأن يبايع له في الشام ، فنبهه الحصين بأن الأمويين سيطالبون بالخلافة في الشام .
بانسحاب جيش الحصين من حصاره لابن الزبير في مكة ، دعا عبد الله بن الزبير إلى نفسه ، فبايعه أغلب أهل الحجاز و الكوفة و البصرة و خراسان و اليمن و مصر و معظم الشام (البلاذري : أنساب الأشراف) ، لذا اعتبره كثيرون خليفة المسلمين الشرعي بعد يزيد مثل مالك و ابن حزم و ابن كثير . أيام حصار حصين لمكة دافع الخوارج مع ابن الزبير ، رغم ذلك رفضوا مبايعته لأنه كان يثني على الخليفة عثمان بن عفان . سيحاربونه في العراق و خراسان و لكن عامله المهلب بن أبي صفرة سيهزمهم و يقتل زعيمهم نافع بن الأزرق ... ستستمر حروب ابن الزبير مع الخوارج و سيضعف ذلك دولته مع عوامل أخرى ، فتسقط على يدي الحجاج بن يوسف كقائد لعبد الملك بن مروان .
زين العابدين حسن
11-05-2020, 02:52 PM
(14)
بدا أن كفة ابن الزبير راجحة بعد موت يزيد لكن ستحدث أحداث و تتطور لتغير ذلك المسار . بايع أهل دمشق معاوية بن يزيد بعد موت والده وكان شابًا في العشرين من عمره و يذكر الطبري في رواية أنه كان في الثالثة عشرة من عمره ، لكن معاوية لم يكن راغبا في الحكم فتنازل عنه بعد أيام ، البعض يقول إنها عشرون يومًا و الطبري يقدرها بين أربعين إلى ثلاثة شهور ، ثم لم يلبث أن مات دون أن يكون له خليفة معروف ، و بموته اضطربت أمور الشام و الأمويين و انقسمت آراؤهم فرأى فريق مبايعة ابن الزبير، بينما رأى فريق موالاة الأمويين . كان مروان بن الحكم (الذي سيصبح الخليفة الأموي الرابع) قد قرر أن يبايع عبد الله بن الزبير لما رآه من اضطراب الأحوال ، لكن وصل قادة بني أمية من شتى الأماكن و أثنوه عن ذلك . الحقيقة أن الأمصار قد اضطربت بموت يزيد و سيولة الحالة في الشام و ستدور معارك و يُقتل الكثيرون . من هذه الاضطرابات ما حدث في البصرة مع عبيد الله بن زياد . بلغ ابن زياد خبر موت يزيد فروى الطبري في تاريخه (فأقبل عبيد الله من فوره ، فأمر مناديًا فنادى : الصلاة جامعة ، فلما اجتمع الناس صعد المنبر فنعى يزيد ... ثم قام عبيد الله يذكر اختلاف أهل الشام ، و قال: إني قد وليتكم .... فبايعوه عن رضًا منهم و مشورةٍ ... فلما خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفهم بباب الدار و حيطانه و يقولون: ظن ابن مرجانة أنا نوليه أمرنا في الفرقة ... فأقام عبيد الله أميرًا غير كثير حتى جعل سلطانه يضعف ، و يأمر بالأمر فلا يُقضى، و يرى الرأي فيرد عليه ، و يأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه وبينه... [كان عبيد الله قد طلب بيعتهم حتى يستقر الأمر] ... [جمع الناس مرة أخرى و خطب فيهم] و إنه بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان و باب الدار ، و قلتم ما قلتم ، و إني آمر بالأمر فلا ينفذ ، و يرد علي رأيي ، و تحول القبائل بين أعواني و طلبتي ، ثم هذا سلمة بن ذؤيب يدعو إلى الخلاف عليكم ...) انتهى ، سلمة بن ذؤيب جاء داعيا لعبد الله بن الزبير و تبعه الكثيرون من أهل البصرة . اضطر عبيد الله بن زياد إلى الهرب متخفيا إلى دمشق . و عبيد الله بن زياد هو من الذين أثنوا مروان عن بيعة ابن الزبير ، يروي الطبري في نفس المرجع السابق (فقدم عبيد الله بن زياد و اجتمعت عنده بنو أمية ، و كان قد بلغ عبيد الله ما يريد مروان ، فقال له : استحييت لك مما تريد ، أنت كبير قريش و سيدها ، تصنع ما تصنعه ، فقال : ما فات شيءٌ بعد ، فقام معه بنو أمية و مواليهم ، و تجمع إليه أهل اليمن ، فسار و هو يقول : ما فات شيءٌ بعد ، فقدم دمشق و من معه ، و الضحاك بن قيس الفهري قد بايعه أهل دمشق على أن يصلي بهم ، ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع أمر أمة محمد.) انتهى .
بدأت المشاورات بين قادة بني أمية و اشتد الخلاف بينهم ، لكنهم بعد عدة أشهر توصلوا لاتفاق في الجابية أن تكون الخلافة لمروان بن الحكم و أن تكون ولاية العهد لخالد بن يزيد بن معاوية الذي كان صغير السن في ذلك الوقت ، على أن يتولى الخلافة من بعده عمرو بن سعيد بن العاص (الملقب بالأشدق لفصاحته) و هو الذي مرّ بنا تولية يزيد له إمارة المدينة عندما عزل عنها ابن عمه الوليد بن عتبة .
كان جزء من أهل الشام قد بايع ابن الزبير في دمشق و حمص و قنسرين ، قرر هؤلاء أن يرغموا الأمويين على مبايعة ابن الزبير لكن استعد لهم الأمويون و حشدوا أنصارهم ، ليلتقي الفريقان في نهاية سنة 64 هـ في منطقة تسمى مرج راهط . انتهت المعركة بهزيمة أنصار ابن الزبير و ذلك ما دعا الأمويين و أنصارهم للسرعة الإغارة على انصار ابن الزبير في قنسرين وفلسطين وحمص و هزيمتهم . استطاع مروان حشد أنصار بني أمية في مصر وسار إليها بجيشه وهزم والي ابن الزبير عليها ، في جمادى الآخرة سنة 65هـ . عندما دانت لمروان كل من مصر و فلسطين مع الشام قرر أن يتراجع عن عهوده في ولاية العهد ، فعقد البيعة لولديه من بعده عبد الملك ثم عبد العزيز، و كان قد تزوج من أرملة يزيد بن معاوية وأم ولي عهده خالد بن يزيد و استمال الكلبيين (و هم أكثر من نصروه و أصهار معاوية بن أبي سفيان) . لم يعش مروان طويلا فمات في رمضان سنة 65 هـ . لقصة موته رواية لا تذكرها أغلب المصادر و تتحاشاها ، لكن ذكرها ابن سعد في طبقاته و نقلها عنه ابن الجوزي و رواها الطبري أيضا ، أما ابن كثير فقد أوردها في البداية و النهاية الجزء الثامن كما يلي (و ترك البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية ، لأنه كان لا يراه أهلا للخلافة ، و وافقه على ذلك مالك بن حسان ، و إن كان خالا لخالد بن يزيد ، و هو الذي قام بأعباء بيعة عبد الملك ، ثم إن أم خالد دبرت أمر مروان فسمته. و يقال: بل وضعت على وجهه و هو نائم وسادة فمات مخنوقا ، ثم إنها أعلنت الصراخ هي و جواريها و صحن: مات أمير المؤمنين فجأة) انتهت رواية ابن كثير . أما رواية بن سعد في (تهذيب الطبقات الكبرى ص 663 ترقيم النت) فتقول : (و كان مروان قد أطمع خالد بن يزيد بن معاوية في بعض الأمر ، ثم بدا له فعقد لابنيه عبدالملك وعبد العزيز ابني مروان بالخلافة بعده ، فأراد أن يضع من خالد بن يزيد و يقصر به و يزهد الناس فيه . و كان إذا دخل عليه أجلسه معه على سريره ، فدخل عليه يوما فذهب ليجلس مجلسه الذي كان يجلسه فقال له مروان و زبره ( أي زجره ) : تنح يا ابن رطبة الإست و الله ما وجدت لك عقلا ، فانصرف خالد وقتئذ مغضبا حتى دخل على أمه فقال : فضحتني و قصرت بي و نكست برأسي و وضعت أمري . قالت و ما ذاك ؟ قال تزوجت هذا الرجل فصنع بي كذا و كذا ثم أخبرها بما قال . فقالت له : لا يسمع هذا منك أحد و لا يعلم مروان أنك أعلمتني بشيء من ذلك و ادخل علي كما كنت تدخل و اطو هذا الأمر حتى ترى عاقبته فإني سأكفيكه و انتصر لك منه . فسكت خالد و خرج إلى منزله . و أقبل مروان فدخل على أم خالد بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة ـ و هي امرأته ـ فقال لها : ما قال لك خالد ما قلت له اليوم و ما حدثك به عني ؟ فقالت : ما حدثني بشيء و لا قال لي . فقال : ألم يشكني إليك و يذكر تقصيري به وما كلمته به ؟ فقالت يا أمير المؤمنين : أنت أجل في عين خالد وهو أشد لك تعظيما من أن يحكي عنك شيئا أو يجد من شيء تقوله و إنما أنت بمنزلة الوالد له . فانكسر مروان و ظن أن الأمر على ما حكت له و أنها قد صدقت . و مكث حتى إذا كان بعد ذلك وحانت القائلة فنام عندها ، فوثبت هي وجواريها فغلقن الأبواب على مروان ، ثم عمدت إلى وسادة فوضعتها على وجهه فلم تزل هي وجواريها يغممنه حتى مات . ثم قامت فشقت عليه جيبها وأمرت جواريها وخدمها فشققن وصحن عليه ، وقلن مات أمير المؤمنين فجأة. وذلك في هلال شهر رمضان سنة خمس وستين) انتهى .
زين العابدين حسن
12-05-2020, 10:13 AM
(15)
خلف مروان ولده عبد الملك . (امتدت خلافة مروان من الثالث من ذي القعدة سنة 64 هـ إلى رمضان سنة 65 هـ أي حوالي العام) . يروى عن عبد الملك أنه كان من الفقهاء العباد و حفظ القرآن منذ صغره ، لكن يروي ابن كثير في البداية و النهاية أنه (لما سلم على عبد الملك بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه و قال هذا فراق بيني و بينك ) . من المؤكد أن تولي عبد الملك للخلافة لم يكن ليُرضي عمرو بن سعيد الأشدق الذي كان من المفترض أن يخلف خالد بن يزيد خليفة مروان حسب الاتفاق الذي تم في الجابية ، و بالتالي كانت بيعة عبد الملك إضاعة لحق عمرو بن سعيد في الخلافة . سيسكت عمرو متظاهرا بالرضا (إذ لم يكن يملك غيره) لكنه في أول فرصة وجدها حين خرج مع عبد الملك لقتال زفر بن الحارث الكلابي عامل ابن الزبير في قرقيسيا انقلب على عبد الملك بمعاونة أنصاره و استولى على دمشق .. حين بلغت الأخبار عبد الملك عاد مسرعا إلى دمشق لكن كان الأشدق قد قام بالاستعداد لذلك مستفيدا من تحصين دمشق . حاصر عبد الملك دمشق لكنه لم يتمكن من فتحها ، عندها بيّت النية على سلوك طريق الخديعة فصالح عمرو على أن تكون له الخلافة من بعده ، و تكون له الشورى والإشراف على بيت المال ... لكن عادة ما يخفر أهل السلطان عهودهم و لعلنا نتذكر خفر عبد الملك لعهده الذي أعطاه لأهل المدينة قبيل معركة الحرة ، لو كان ذلك الخفر تم تحت تهديد سيف مسلم بن عقبة فإن خفره لعهده مع عمرو بن سعيد لن تجد له تبريرا إلا طغيان السلطان و انعدام الوفاء . غَدَرَ عبد الملك بعمرو و قتله بعد أربعة أيام فقط من العهد الذي أعطاه إياه (البداية والنهاية لابن كثير - أحداث سنة 69 ) ... و ذكر ابن الأثير في (الكامل في التاريخ أحداث سنة تسع و ستين) قصة الغدر بتفاصيلها أجتزئ منها (فلما كان بعد دخول عبد الملك بأربعة أيام أرسل إلى عمرو أن ائتني ، و قد كان عبد الملك استشار كريب بن أبرهة الحميري في قتل عمرو ، فقال : لا ناقة لي في هذا و لا جمل ، في مثل هذا هلكت حمير . فلما أتى الرسول عمراً يدعوه صادف عنده عبد الله بن يزيد بن معاوية ، فقال لعمرو: يا أبا أمية أنت أحب إلي من سمعي و من بصري و أرى لك أن لا تأتيه . فلما كان العشاء لبس عمرو درعاً و لبس عليها القباء و تقلد سيفه ... فلما بلغ الباب أذن له فدخل ، فلم يزل أصحابه يحبسون عند كل باب حتى بلغ قارعة الدار و ما معه إلا وصيف له .... فأجلسه [عبد الملك] معه على السرير وجعل يحادثه طويلاً ، ثم قال: يا غلام خذ السيف عنه. فقال عمرو: إنا لله يا أمير المؤمنين. فقال عبد الملك: أتطمع أن تجلس معي متقلداً سيفك ؟ فأخذ السيف عنه .. ثم قال له عبد الملك : يا أبا أمية إنك حيث خلعتني آليت بيمين إن أنا ملأت عيني منك و أنا مالك لك أن أجعلك في جامعة [يدخله فيما يقيده و يشل حركته] . فقال له بنو مروان : ثم تطلقه يا أمير المؤمنين؟ قال : نعم ، و ما عسيت أن أصنع بأبي أمية ؟ فقال بنو مروان: أبر قسم أمير المؤمنين . فقال عمرو: قد أبر الله قسمك يا أمير المؤمنين . فأخرج من تحت فراشه جامعة و قال : يا غلام قم فاجمعه فيها . فقام الغلام فجمعه فيها. فقال عمرو : أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على رؤوس الناس . فقال عبد الملك : أمكراً يا أبا أمية عند الموت؟ .... ثم أخذ عبد الملك الحربة فطعن بها عمراً فلم تجز، ثم ثنى فلم تجز، فضرب بيده على عضده فرأى الدرع فقال : و درع أيضاً ؟ إن كنت لمعداً ، فأخذ الصمصامة و أمر بعمرو فصرع ، و جلس على صدره فذبحه و هو يقول :
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ** أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
وانتفض عبد الملك رعدة ، فحمل عن صدره فوضع على سريره، و قال : ما رأيت مثل هذا قط قتله صاحب دنيا و لا طالب آخرة.. ) انتهى . ذبح عبد الملك بن مروان عمرو بيده بعد أن غدر به و ساعده بنو مروان في المؤامرة فغرروا بعمرو .
زين العابدين حسن
13-05-2020, 05:13 PM
(16)
بالرجوع للخلف من حيث وقف بنا المسير عند ابن الزبير ، نجد أنه ــ حتى ذلك الوقت الذي تولى فيه عبد الملك بن مروان ــ ظل مسيطرا على الحجاز و العراق ... استباقا للأحداث يمكن القول إن سلطة ابن الزبير استمرت من 64 هـ إلى جمادى الآخرة 73 هجرية . اضطر عبد الله بن الزبير لخوض حروب ضد الخوارج و الشيعة في العراق مما سيضعف جيشه و يسهّل فيما بعد لعبد الملك بن مروان الانتصار على أخيه مصعب بن الزبير والي البصرة ثم عليه في مكة . كما مر بنا أن الخوارج قاتلوا مع عبد الله بن الزبير جيش الشام دفاعا عن البيت و لكنهم عندما عرفوا تأييد ابن الزبير للخليفة عثمان بن عفان انصرفوا عنه . في الشام كان مروان قد أرسل قبل موته عبيد الله بن زياد إلى العراق وأمره أن ينهب الكوفة إذا ظفر بأهلها ثلاثًا ، مقتديا بسلفه يزيد في فعله بأهل المدينة (الطبري الجزء السادس أحداث سنة 66 تحت " ذكر الخبر عن أمر المختار مع قتلة الحسين بالكوفة") .
كان هناك مع ابن الزبير بعض الشيعة و من أهم من خرج مفارقا لابن الزبير منهم رجل يسمى المختار الثقفي الذي خرج من مكة قاصدا الكوفة . عند وصوله للكوفة عام 65 هـ وجد أن جماعة من الشيعة قد تبعوا الصحابي سليمان بن صرد و كان كما روى المؤرخون في التسعين من عمره ، خرجوا معه طلبا لثأر الحسين ، و هم من سيعرف التاريخ ثورتهم بأنها ثورة التوابين (يأتي الاسم من أن أولئك الثوار شعروا بالندم و الإثم لعدم نصرتهم للحسين فكأنهم بثورتهم تلك يكفرون عن ذنبهم و يتوبون عن الإثم) و هي أول ثورة قامت بعد كربلاء للثأر لمقتل الحسين وأصحابه . روى الطبري في أحداث سنة 65 (بعث سليمان بن صرد إلى وجوه أصحابه حين أراد الشخوص وذلك في سنة خمس وستين ، فأتوه ، فلما استهل الهلال هلال شهر ربيع الآخر، خرج في وجوه أصحابه ، و قد كان واعد أصحابه عامة للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنخيلة فخرج حتى أتى عسكره .... فلم يعجبه عدة الناس ، فبعث حكيم بن منقذ الكندي في خيل ، وبعث الوليد بن غصين الكناني في خيل ، و قال: اذهبا حتى تدخلا الكوفة فناديا: يا لثارات الحسين ، و ابلغا المسجد الأعظم فناديا بذلك ، فخرجا ، و كانا أول خلق الله دعوا: يا لثارات الحسين .) انتهى ... سيظل ذلك النداء (يا لثارات الحسين) مزعجا لبني أمية زمنا طويلا . كان قد بايع سليمان ستة عشر ألفًا ، و لكن خرج معه منهم فقط أربعة آلاف حسبما روى الطبري . سار سليمان بن صرد الخزاعي (أمير التوّابين) بأنصاره إلى قبر الحسين ، فبكوا بكاءً مريراً و تابوا عنده من خذلانه ، و جددوا العهد للثأر له .
واصل سليمان بن صرد زحفه حتى وصل منطقة تسمى عين الوردة في جمادى الأُولى 65هـ هناك لاقاه جيش الشام و كان نحو 20 ألفا ، رغم ذلك استبسل التوابون و قاتلوا حتى قُتل قائدهم و كثير منهم و انسحب الباقون .
بعد سليمان بن صرد سيخرج المختار الثقفي ، ففي ليلة الخميس 14 ربيع الأول سنة 66 للهجرة ، خرج جمع ليس باليسير من أهل الكوفة حسب خطة المختار و هم يرفعون شعار (يا لثارات الحسين) ، فأخرجوا أمير عبد الله بن الزبير من الكوفة ، و تولى إمارتها المختار الثقفي . نقرأ خبر ذلك عند الطبري (وثب المختار بمن كان بالكوفة من قتلة الحسين والمشايعين على قتله ، فقتل من قدر عليه منهم، وهرب من الكوفة بعضهم، فلم يقدر عليه....) انتهى . للمختار الثقفي سيرة لم يسبقه عليها أحد ، فقد حرر العبيد ليقاتلوا معه و حرر الموالي (العبيد الذي تم عتقهم ، فَمَنْ يُعتق يظل مولى لسادته القدامى ، ملزم بنصرتهم إلى غير ذلك مما تقتضيه الموالاة) و جعل لكلٍ نصيب في الفيء ، هذه الثورة ستجعله يخسر كثيراً من السادة . تجمّع الناقمون من اهل الكوفة و ممن شارك في قتل الحسين و اتفقوا على قتال المختار و لكنه هزمهم و أسر جمعا منهم . لنقرأ ما أورده الطبري في تاريخه عن احداث سنة 66 في ذلك : (واستخرج من دور الوادعين خمسمائة أسير، فأتى بهم المختار مكتفين ، فأخذ رجل من بني نهد و هو من رؤساء أصحاب المختار يقال له عبد الله ابن شريك ، لا يخلو بعربي إلا خلى سبيله ، فرفع ذلك إلى المختار درهم مولى لبني نهد . فقال له المختار: اعرضوهم على ، وانظروا كل من شهد منهم قتل الحسين فأعلموني به ، فأخذوا لا يمر عليه برجل قد شهد قتل الحسين إلا قيل له : هذا ممن شهد قتله ، فيقدمه فيضرب عنقه ، حتى قتل منهم قبل أن يخرج مائتين و ثمانية و أربعين قتيلًا) . كان ممن هرب من الكوفة بعد تلك الواقعة شمر بن ذي الجوشن فطارده المختار حتى ظفر به أخيرا فقتله . ظل المختار يبعث من الكوفة في طلب كل من شارك في قتل الحسين فيقتله و كان يقتل و يحرّق الجثة . و كان ممن قتلهم عمر بن سعد بن أبي وقاص و ابنه ، كان سعد كما مر بنا هو قائد الجيش الذي قتل الحسين . أرسل المختار إبراهيم بن الأشتر النخعي في طلب عبيد الله بن زياد فلاقاه بالخازر قريبا من الموصل و هزمه و قتله . ظل المختار يشكل خطرا لكل من الأمويين و لابن الزبير حتى كانت نهايته على يد مصعب بن الزبير حيث هزم جيشه (و قد قاتل الموالي قتالا شديدا) على مشارف الكوفة و حصره في قصره أربعة أشهر و اضطر أخيرا للخروج فقُتل . كان ذلك في رمضان 67 هـ .
هناك ملاحظة يمكن ان يلاحظها كل مهتم بتاريخ تلك الفترة مقارنة بما سيحدث بعد قرنين من الزمان ، في تلك الفترة كان الخلفاء و الأمراء حين يقتلون ضحاياهم أو يحاربون عدوهم ، لا يحتاجون لتدبيج فتاوى عميقة إنما هي حجج بسيطة مستندة على الدين ، لكن فيما بعد ستخرج فتاوى محكمة لتبرير أفعال الحكام ، ذلك أنه لم يكن في الفترة المبكرة صحاح و لا مسانيد و لا مصنفات ، و هي التي ستخرج في القرن الثالث الهجري فيستخرج القوم منها الفتاوى و تفصيلها و تفاصيلها ، ستنضج رؤية معينة للدين في القرن الرابع و تترسخ فيما يليه و هي الرؤية السائدة في عالمنا اليوم .
زين العابدين حسن
14-05-2020, 12:49 PM
(17)
مر بنا أن الدولة الإسلامية كانت في ذلك الوقت مقسمة بين ابن الزبير في الحجاز و عبد الملك بن مروان في الشام و مصر لكن هناك طرف ثالث كان ينازعهما الملك و هو المختار بن عبيد الله الثقفي في العراق و كما رأينا أنه قضى عليه مصعب بن الزبير ، و رابع في خراسان هو قطري بن الفجاءة قائد الخوارج . ذكرت خبر ثورة سليمان بن صرد الخزاعي و ثورة المختار الثقفي و شعارهم (يا لثارات الحسين) كنموذج للثورات التي ستشتعل في أماكن كثيرة طوال فترة الحكم الأموي و منها ثورات الخوارج و العلويين و غيرهم ممن تمردوا على الدولة الأموية حتى أن تلك الثورات قاربت الخمسين ثورة و شملت فارس و العراق و الحجاز و شمال أفريقيا ، و استهلكت جل عمر الدولة الأموية ، ناهيك عن الفتن الصغيرة التي كانت تقوم هنا و هناك . لن تستمر الدولة الإسلامية بخليفتين لذا كان لا بد للحرب بينهما و للضحايا و الخراب . ظل عبد الملك بن مروان ساكنا لا يحرك جيشا لحرب ابن الزبير لكنه كان في استعداد دائم و تجهيز و احتياط لليوم الموعود ، فوفّر المال و قوّى الجند و انتظر الفرصة المناسبة . كما مرّ بنا فإن عبد الله بن الزبير استهلك طاقة كبيرة في حروبه ضد الشيعة و أيضا ضد الخوارج . عام 72 للهجرة خرج عبد الملك للعراق قاصدا حرب مصعب بن الزبير أخ عبد الله بن الزبير و واليه على العراق . من أعاجيب الزمان أن مصعب و عبد الملك كانا صديقين حميمين في المدينة و قادتهما الأقدار لقتال بعضهما البعض . التقى الجيشان في منطقة تسمى دير الجاثليق في جمادى الآخرة 72 هـ و كان النصر حليف عبد الملك فهزم جيش صديقه القديم مصعب و قتله . سيولي عبد الملك الحجاج و يرسله لقتال عبد الله بن الزبير . من أقبح صفحات تاريخ عبد الملك بن مروان توليته الحجاج بن يوسف الثقفي كما سيمر بنا . سار الحجاج حتى وصل مكة و حاصرها . نقرأ في البداية و النهاية لابن كثير تحت أحداث 73 هـ (حصر ابن الزبير ليلة هلال الحجة سنة ثنتين وسبعين وقتل لسبع عشر ليلة خلت من جمادى الأول سنة ثلاث وسبعين، فكان حصر الحجاج له خمسة أشهر وسبع عشرة ليلة) أما عند الطبري في تاريخه الجزء الثامن أحداث سنة 73 هـ (حصر ابن الزبير ليلة هلال ذي القعدة سنة الثانية وسبعين وقتل لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وكان حصر الحجاج لابن الزبير ثمانية أشهر وسبع عشرة ليلة ..) يفترض حسب الطبري أن تكون المدة ستة اشهر و سبع عشرة ليلة بفرق شهر عن ابن كثير لكن يبدو أن الطبري أخطأ في الحساب أو أخطأ النساخ . تتشابه روايتا ابن كثير و الطبري و تكاد تتطابق فيما جرى بين ابن الزبير و الحجاج ، لذا اكتفي بإيراد رواية ابن كثير في المصدر السابق ذكره ، يقول (و قد نصب الحجاج المنجنيق على مكة ليحصر أهلها حتى يخرجوا إلى الأمان والطاعة لعبد الملك . و كان مع الحجاج الحبشة ، فجعلوا يرمون بالمنجنيق فقتلوا خلقا كثيرا ، و كان معه خمس مجانيق فألح عليها بالرمي من كل مكان ، و حبس عنهم الميرة و الماء ، فكانوا يشربون من ماء زمزم ، و جعلت الحجارة تقع في الكعبة ، والحجاج يصيح بأصحابه : يا أهل الشام الله الله في الطاعة. فكانوا يحملون على ابن زبير حتى يقال: إنهم آخذوه في هذه الشدة ، فيشد عليهم ابن الزبير و ليس معه أحد حتى يخرجهم من باب بني شيبة ، ثم يكرون عليه فيشد عليهم ، فعل ذلك مرارا، و قتل يومئذ جماعة منهم و هو يقول: هذا و أنا ابن الحواري. و قيل لابن الزبير: ألا تكلمهم في الصلح . فقال: والله لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم جميعا والله لا أسألهم صلحا أبدا. و ذكر غير واحد : أنهم لما رموا بالمنجنيق جاءت الصواعق و البروق و الرعود حتى جعلت تعلو أصواتها على صوت المنجنيق ، و نزلت صاعقة فأصابت من الشامين اثني عشر رجلا فضعفت عند ذلك قلوبهم عن المحاصرة . فلم يزل الحجاج يشجعهم و يقول : إني خبير بهذه البلاد ، هذه بروق تهامة و رعودها و صواعقها ، و إن القوم يصيبهم مثل الذي يصيبكم ، و جاءت صاعقة من الغد فقتلت من أصحاب ابن الزبير جماعة كثيرة أيضا ، فجعل الحجاج يقول: ألم أقل لكم إنهم يصابون مثلكم و أنتم على الطاعة وهم على المخالفة ...... فنزلت صاعقة على المنجنيق فأحرقته ، فتوقف أهل الشام عن الرمي و المحاصرة ، فخطبهم الحجاج فقال : ويحكم ألم تعلموا أن النار كانت تنزل على من كان قبلنا فتأكل قربانهم إذا تقبل منهم ؟ فلولا أن عملكم مقبول ما نزلت النار فأكلته ، فعادوا إلى المحاصرة. و ما زال أهل مكة يخرجون إلى الحجاج بالأمان ويتركون ابن الزبير حتى خرج إليه من عشرة آلاف ، فأمنهم و قَلَّ أصحاب ابن الزبير جدا ، حتى خرج إلى الحجاج حمزة و خبيب ابنا عبد الله بن الزبير، فأخذا لأنفسهما أمانا من الحجاج فأمنهما ، و دخل عبد الله بن الزبير على أمه فشكا إليها خذلان الناس له ، و خروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله، و أنه لم يبق معه إلا اليسير، و لم يبق لهم صبر ساعة ، و القوم يعطونني ما شئت من الدنيا ، فما رأيك؟ فقالت: يا بني أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق و تدعو إلى حق فاصبر عليه فقد قتل عليه أصحابك ، و لا تمكن من رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية ، و إن كنت تعلم أنك إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك و أهلكت من قتل معك ، و إن كنت على حق فما وهن الدين و إلى كم خلودكم في الدنيا؟ القتل أحسن...) انتهى . انتهت المعركة بقتل ابن الزبير و قال ابن كثير في المصدر السابق (ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك بما وقع، و بعث برأس ابن الزبير مع رأس عبد الله بن صفوان ، و عمارة بن حزم إلى عبد الملك ، ثم أمرهم إذا مروا بالمدينة أن ينصبوا الرؤوس بها، ثم يسيروا بها إلى الشام ، ففعلوا ما أمرهم به و أرسل بالرؤوس مع رجل من الأزد فأعطاه عبد الملك خمسمائة دينار... ثم أمر الحجاج بجثة ابن الزبير فصلبت على ثنية كدا عند الحجون ، يقال: منكسة ، فما زالت مصلوبة ، حتى مر به عبد الله بن عمر فقال: رحمة الله عليك يا أبا خبيب ، أما و الله لقد كنت صواما قواما . ثم قال : أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فبعث الحجاج فأنزل عن الجذع ودفن هناك) انتهى ما أورده ابن كثير و هو لا يختلف عما أورده الطبري .
محاصرة مكة و الحرة و كربلاء نماذج لفظائع الاقتتال لأجل السلطان ... كانوا دائما يقطعون الرؤوس و يرسلونها للأمراء أو الخلفاء و كانوا كذلك يعتبرون أن الطاعة (طاعة الحكام مقدسة ، فالطاعة لديهم فوق العدالة) . بمقتل ابن الزبير ستدين الدولة لعبد الملك بن مروان الذي ستمتد فترة حكمه حتى 86 هـ و هي حوالي 21 عاما و ستكون فترة خلافته و خلافة ابنه هشام فيما بعد (20 عاما) و معها فترة معاوية (19 عاما) حوالي ثلثي فترة الدولة الأموية كلها التي تعاقب عليها 14 من الخلفاء .
زين العابدين حسن
15-05-2020, 04:14 PM
(18)
بعد أن كان العرب يعيشون في قبائل متفرقة في بيئة قاسية عدا مناطق حضرية قليلة ، و كانت القبائل في البادية تضطر للغزو لإعادة توزيع الثروة أو للثأر ، جاء الإسلام و وظف الغزو الذي تجيده تلك القبائل ليكون نحو الخارج . ستشارك تلك القبائل في غزو مناطق أكثر تحضرا يدفعها الإيمان و أيضا الحصول على الغنائم . سيلاقي الغزاة بيئات جديدة و حضارات مختلفة ، كما لاحظ طه حسين في (الفتنة الكبرى) أن كثير من القادة سيشعرون بعظمة تلك المناطق المغزوّة و سيستصغرون بيئتهم التي خرجوا منها و سيضطر الكثير من القادة في خلافة عمر بن الخطاب للتظاهر بما يحبه سيدنا عمر من الزهد و البعد عن التمسك بالدنيا ، لكن كان من الصعب عليهم ان يعيشوا تلك المعاني في ظل ما توفر لهم من مغانم . على الجانب الآخر هناك المهزومون و الذين دخلوا في الدين مستصحبين خبراتهم و أفكارهم القديمة ، لكل ذلك كان لا بد لأحداث الزمن أن تستدعي أفكارا مناسبة لذلك الواقع الجديد ، أفكار مؤيدة أو مقاومة أو بين هذا و ذاك لذلك الواقع ، لن يحدث ذلك بين يوم و ليلة ، لكنه سيتكوّن تدريجيا حسب أحداث ذلك الزمن . سأهتم بهذا الجانب ، لكن قبل ذلك سأتعرض لبعض مما حدث في الحجاز بعد هزيمة عبد الله بن الزبير و تولي الحجاج إمارة الحجاز لمدة عامين ، نقرأ في تاريخ الطبري الجزء السادس ، أحداث عام 74 ( ثم انصرف إلى المدينة في صفر ، فأقام بها ثلاثة أشهر يتعبث بأهل المدينة و يتعنتهم ، و بنى بها مسجدا في بني سلمة ، فهو ينسب إليه . و استخف فيها بأصحاب رسول الله ﷺ ، فختم في أعناقهم ، فذكر محمد بن عمران بن أبي ذئب حدثه عمن رأى جابر بن عبد الله مختوما في يده. و عن ابن أبي ذئب ، عن إسحاق بن يزيد ، أنه رأى أنس بن مالك مختوما في عنقه ، يريد أن يذله بذلك . قال ابن عمر: و حدثني شرحبيل بن أبي عون ، عن أبيه، قال : رأيت الحجاج أرسل إلى سهل بن سعد فدعاه ، فقال: ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان؟ قال : قد فعلت. قال: كذبت. ثم أمر به فختم في عنقه برصاص...) انتهى ... فعل بهم كما يفعل أهل الإبل بإبلهم يحمون قطعة الحديد التي تحمل شكل الوسم حتى تحمر فيضعونها على البعير فتترك الأثر . سنلتقي بالحجاج في العراق سنة 81 هـ في حربه مع ابن الأشعث و ثورته التي كانت من أكبر الثورات في العهد الأموي .
بالعودة للأفكار التي ستظهر مع جملة ظواهر جديدة منذ خلافة عبد الملك بن مروان و تتفاعل مع الواقع ، يمكن القول إن الدولة الأموية مثلها مثل أي دولة يسرها أن ينشغل الناس بأي شيء عدا السياسة ، لهذا يتهمها البعض بأنها شجعت شباب الحجاز على الانغماس في الغزل و الغناء و اللهو . يبدو أن هذه التهمة منطقية لكن ربما كانت الظروف التي استجدت لها الدور الأساسي في تلك المظاهر . ينسب بعضهم ازدهار ذلك النوع للثروات الناتجة من الفتوحات و التي وفرت لأهل الحجاز التخفف من هموم مطاردة الرزق . انشغلت نخب كثيرة في الحجاز بالذات من أولئك الذين يمكن تسميتهم بمثقفي ذلك الوقت برواية شعر الغزل و الغناء ، كان القرن الأول في الحجاز هو قرن عمر بن أبي ربيعة و جميل بثينة و كثير عزة ، و هو قرن المغنيين معبد و طويس المغني (الذي يضرب به المثل في الشؤم) و الغريض و ابن محرز . و في الشام كان شعراء النقائض جرير و الفرزدق و الأخطل . احتكاك العرب بأقوام أصحاب حضارات (الفرس و الروم) و تعرفهم على أفكار جديدة و دخول أقوام من تلك الحضارات في الإسلام (بعضهم رغبة و بعضهم غصبا) ، أقوام كانت لهم أفكارهم و تصوراتهم ، لا بد أن يستصحبوها معهم عند دخولهم في الدين الجديد . ستتفاعل تلك الأفكار و تتمازج و تستجيب لمشاكل عصرها ، ستفكر العقول و تحلل و تعبر عن رؤى أصحابها ، بعضها كما سبق القول ، أيدت السلطة و تبنت أفكارها و دافعت عنها ، و آخرين سيعبرون عن وجهة النظر الأخرى حسب موقعهم من خارطة الصراع الاجتماعي و الفكري .
للتعرض للأفكار الجديدة التي بدأت في الظهور لا بد لذكر بداياتها و هي تطور الفكرة عن القدر . أول من تكلم بمسألة القدر في الإسلام هو معبد الجهني ، قال بذلك الذهبي و ابن الأثير و ابن قتيبة و ابن كثير... لا بد للفقهاء القول إنه أخذ ذلك عن شخص غير مسلم و هو في روايتهم نصراني من الأساورة يقال له أبو يونس ويعرف بالأسواري .أما الأوزاعي (88 ــ 157 هـ) فيذهب إلى أن أول من نطق بالقدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وسيقابلنا غيلان الدمشقي الذي أخذ عن معبد .... قال ابن تيمية : وقد روي أن أول من ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة يقال له سيسويه من أبناء المجوس وتلقاه عنه معبد الجهني . يقول عنهم الفقهاء إنهم نفوا القدر .
القول بأن معبد ومن معه نفوا القدر لا يعطينا صورة كاملة عن أفكارهم و أسبابها . يبدو أن فكرة أن كل شيء مسطر في لوح القدر ، ما كان و ما هو حادث و ما سيكون ، قد استقرت في الذهن و ستوحي للحكام (خاصة بني أمية) التملص من أفعالهم الشريرة و نسبتها إلى القدر ، أي أن ما يحدث من قتل و بشاعات إنما هو أمر مسطر منذ الأزل و قد أجراه القدر على أيديهم ، كأنما لا ذنب لهم فيما يحدث ، إنما هم منفذون لأحكام القدر ، ستنتشر مقولات (فلان الذي قتله الله) و ذلك لمن يقتلونه ، أو (محق الله تلك الأموال) لمن ينهبون ماله ، ستقتضي السياسة التخفي خلف القدر ، اما في مراسلاتهم الخاصة فربما يصرحون ، كما رأينا في رسالة مسلم بن عقبة ليزيد . و في عصرنا عندما استتاب قضاة النميري تلاميذ محمود محمد طه ، كان من ضمن ألفاظ التوبة عن الأستاذ محمود القول "الذي أماته الله شنقا في سجن كوبر" ، تجنبا للقول "الذي قمنا بشنقه" . ستدور لوالب العقل المعارض حينها و ستستنتج إن القول بالقدر بتلك الصورة ، يمنع رؤية الظلم و يتخفى وراءه الظالم ، ثم التساؤل المنطقي (إذا كان الإنسان لا يملك خلق أفعاله فما ضرورة الثواب و العقاب ، ليس من العدل أن تعاقبني على أمر لا يد لي فيه) ... صحيح أن الرواة ينسبون لهم نفي القدر بمعنى العلم والتقدير ، و يروون عن معبد أنه كان يقول : لا قدر و الأمر أنف أي مستأنف ، لكن يبدو أن ذلك تطرف قادتهم إليه نقاشات ذلك العهد و حداثة الفكرة . واضح أن تلك الأفكار ستكون مرفوضة من الغالبية لأنها تتطلب خلفية فكرية و موقف سياسي مما يجري ، ليس معنى ذلك أن كل تلك الأفكار كانت صحيحة . الدليل على أن أفكار معبد كانت انعكاسا لموقفه السياسي هو خروجه مع ابن الأشعث على بني أمية و على الحجاج بالذات (قال مالك بن دينار لقيت معبدًا بمكة بعد فتنة ابن الأشعث وهو جريح ، قد قاتل الحجاج في المواطن كلها. وروى ضمرة عن صدقة بن يزيد قال: كان الحجاج يعذب معبدا الجهني بأصناف العذاب ولا يجزع ثم قتله...) فتنة ابن الأشعث كما يسمونها كانت استمرت حتى 82 هـ لكن يقول سعيد بن عفير عن معبد (توفي في سنة 80 هـ. ثم صلب عبد الملك بن مروان معبد الجهني بدمشق) .
زين العابدين حسن
16-05-2020, 03:42 PM
(19)
مرّ بنا أن عبد الملك بن مروان ولى الحجاج الحجاز ، لكنه اضطر لعزله بعد عامين لكثرة ما بلغه من شكوى من أهل الحجاز ، و ولاه العراق . قبل متابعة أمور الحجاج في العراق يستحسن أن نلقي نظرة على بعض حروب عبد الملك الخارجية و فتوحاته في شمال أفريقيا. كان أخوه عبد العزيز بن مروان واليا على مصر و شمال أفريقيا و هو ولي عهده المفترض . فكر عبد الملك في خلعه من ولاية العهد و إسنادها لأبنائه ، يذكر الطبري في تاريخه الجزء السادس في خبر أحداث سنة 85 (عزم عبد الملك بن مروان على خلع أخيه عبد العزيز ذكر الواقدي أن عبد الملك هم بذلك ، فنهاه عنه قبيصة بن ذؤيب ، و قال : لا تفعل هذا ، فإنك باعث على نفسك صوت نعار ، و لعل الموت يأتيه فتستريح منه ، فكف عبد الملك عن ذلك ونفسه تنازعه إلى أن يخلعه .... دخل عليه قبيصة فسلم عليه وقال: أجرك الله يا أمير المؤمنين في أخيك عبد العزيز! قال: و هل توفي؟ قال: نعم ، فاسترجع عبد الملك ، ثم أقبل على روح فقال : كفانا الله أبازرعة ما كنا نريد ....) انتهى . خلع عبد العزيز بن مروان حسان بن نعمان و ولى موسى بن نصير شمال افريقيا ، سيستمر موسى في فتوحاته في شمال افريقيا و يستمر حتى الأندلس . تاريخ الإسلام في الفتوحات من وجهة نظر المغلوبين فيه كثير من اللغط ، و لأن وسائل الاتصال الحديثة أتاحت و ستتيح الاطلاع على وجهة نظر أولئك يستحسن أن نفحصه . بداية يجب التنويه أن كثيرين لهم وجهة نظر وجيهة و هي أن بعض الوقائع من وجهة نظر المغلوبين فيها مبالغات عديدة ، ثم إنه حتى التي حدثت فعلا يجب نسبتها لبني أمية و من بعد للعباسيين و ليس للإسلام . أهم انتقاد يُوجه للفتوحات هو كثرة الاسترقاق و السبي ، كأنما تحول الدين من تحرير العباد إلى استعبادهم و سبي نسائهم . ما حدث في شمال افريقيا ورد عند مؤرخين مختلفين و للاختصار سأكتفي برواية ابن قتيبة الدينوري لأنه من أقدم المؤرخين (213-رجب 276 هـ) ، أورد ابن قتيبة في (الإمامة و السياسة) طبعة 2001 دار الكتب العلمية ، ص 229 :
فتح زغوان : فوجه لهم موسى خمس مئة فارس عليهم رجل من خشين يقال له عبد الملك فقاتلهم فهزمهم الله و قتل صاحبهم ورقطان ، و فتحها الله على يد موسى ، فبلغ السبي يومئذ عشرة آلاف رأس ، و انه كان أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى ، ثم وجه ابنا له يقال له :عبد الرحمن بن موسى الى بعض نواحيها فأتاه بمئة ألف رأس ثم وجه ابنا له يقال له مروان فاتاه بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألف رأس .... و ذكروا أن موسى بن نصير كتب الى عبد العزيز بن مروان بمصر يخبره بالذي فتح الله عليه ، و أمكن له ، و يعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا و كان ذلك وهما من الكاتب ، فلما قرأ عبد العزيز الكتاب ، دعا الكاتب و قال له : ويحك !اقرا هذا الكتاب ، فلما قرأه قال هذا وهم من الكاتب فراجِعه . فكتب أليه عبد العزيز : أنه بلغني كتابك و تذكر فيه أن قد بلغ خمس ما أفاه الله عليك ثلاثين ألف رأس ، فاستكثرت ذلك ، و ظننت أن ذلك وهم من الكاتب ، فاكتب الي بعد ذلك على حقيقة ، و احذر الوهم ، فلما قدم الكتاب على موسى كتب اليه بلغني أن الأمير أبقاه الله يذكر أنه استكثر ما جاءه من العدة التي أفاه الله علي ، و أنه ظن أن ذلك وهم من الكاتب ، فقد كان ذلك وهما على ما ظنه الأمير ، الخمس أيها الأمير ستون ألفا حقا ثابتا بلا وهم .قال : فلما أتى الكتاب الى عبد العزيز و قرأه ملأه سرورا ....
ثم وجه عبد الملك رجلا إلى موسى ليقبض ذلك منه على ما ذكر موسى ، و على ما كتب به . فلما قدم الرسول على موسى: دفع عليه ما ذكر، وزاده ألفا للوفاء .... و ذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل إلى هوارة وزناتة في ألف فارس ، فأغار عليهم وقتلهم وسباهم ، فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس...) انتهى . لن أتعرض في هذا السرد كثيرا لتفاصيل السبي في الفتوحات ، لكن الإشارة إليه تأتي لما ذكرته أعلاه .
سأترك قصة ما جرى في العراق بعد ولاية الحجاج لوقت آخر .
زين العابدين حسن
17-05-2020, 03:34 PM
(20)
تولى الحجاج إمارة العراق و قصة قدومه مشهورة و خطبته في أهل الكوفة حين قدومه أيضا من الخطب المعروفة و أغلبنا يتذكر الأبيات التي اقتبسها من شاعر يدعى ثمامة بن سحيل بن وائل و منها البيت الشهير :
انا ابن جلا وطلاَع الثنايا .... متى اضع العمامة تعرفوني
و كيف توعد أهل العراق و قام بضبط المصر و بدأ غزواته للخارج . قارئ تاريخ الدولة الأموية سيجد أن ثورات تلك الأيام لا تحصى ، و لكل ثورة قصة ، لكن من بين تلك الثورات تبرز ثورة عبد الرحمن بن الأشعث التي كان سببها سياسة الحجاج مع ابن الأشعث . جاء عام 80 هـ و ولى الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث على سجستان عندما أرسله على رأس جيش كبير تعداده كما يذكر المؤرخون أربعون ألف مقاتل سُمي بـ(جيش الطواويس) لأن الحجاج أحسن تجهيزه و تسليحه و ذلك لينتقم لهزيمة المسلمين من رتبيل ملك الترك .
يعتبر عبد الرحمن بن الأشعث من أشراف الكوفة و يصفه المؤرخون بالغرور والاعتداد بالذات . بدأ الخلاف بين ابن الأشعث و الحجاج بعد انتصارات ابن الأشعث الذي قرّ رأيه على أن يبقى ساكنا حيث وصل طوال فترة الشتاء ثم يواصل بعد ذلك . أرسل للحجاج كتابا بخطته لكن الحجاج رد عليه بكتاب جاء فيه حسب الطبري في تاريخه الجزء السادس عن أحداث سنة 81 (... وكتابك كتاب امرئ يحب الهدنة، ويستريح إلى الموادعة .... إني لم أعدد رأيك الذي زعمت أنك رأيته رأى مكيدة ، ولكني رأيت أنه لم يحملك عليه إلا ضعفك ، و التياث رأيك ، فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم ، والهدم لحصونهم ، وقتل مقاتلتهم ، وسبي ذراريهم...) قرأ عبد الرحمن كتاب الحجاج على جنده و قرّ رأيهم على خلع الحجاج و عقد البيعة لابن الأشعث . كتاب الحجاج بلغته المستفزة تسبب في معارك قُتل فيها عدد كبير من المسلمين ، فابن الأشعث سيلوي راجعا نحو الحجاج و سيهزم جيشه و يدخل البصرة . دارت معارك عديدة منها ما تسمى موقعة دير الجماجم و هي المعركة الحاسمة التي انتهت بهزيمة ابن الأشعث ثم تلتها ما تعرف بوقعة مسكن و أخيرا اضطر ابن الأشعث للفرار و الاحتماء بمن حاربه من الترك و هو رتبيل ، لكن تهديد الحجاج و وعيده و اغراءه لرتبيل سيجعله يقوم بتسليم ابن الأشعث و معه مجموعة من قومه ، إلا أن عبد الرحمن رأى أنه من الأفضل له الموت من أن يُسلّم للحجاج فقفز من أعلى القصر فدُقّ عنقه و مات ، و كالعادة سيجزون رأسه و رأس من معه و يرسلون الرؤوس للحجاج و مع الرؤوس امرأة ابن الأشعث . سيقوم الحجاج بمجازر يندر مثيلها ، يروي الطبري في المرجع المذكور (قتل الحجاج يوم الزاوية أحد عشر ألفًا ، ما استحيا منهم إلا واحدًا ، كان ابنه في كتاب الحجاج ، فقال له: أتحب أن نعفو لك عن أبيك؟ قال : نعم ، فتركه لابنه ، و إنما خدعهم بالأمان ، أمر مناديًا فنادى عند الهزيمة : ألا لا أمان لفلان و لا فلان ، فسمى رجالًا من أولئك الأشراف ، و لم يقل: الناس آمنون ، فقالت العامة : قد آمن الناس كلهم إلا هؤلاء النفر ، فأقبلوا إلى حجرته فلما اجتمعوا أمرهم بوضع أسلحتهم ، ثم قال: لآمرن بكم اليوم رجلًا ليس بينكم وبينه قرابة ، فأمر بهم عمارة بن تميم اللخمي فقربهم فقتلهم . و روي أنه قد بلغ ما قتل الحجاج صبرًا مائة وعشرين ، أو مائة وثلاثين ألفًا ..... فمضى على شاطئ دجلة حتى أتى دجيلًا فعبره في السفن ، وعقروا دوابهم ، و انحدروا في السفن إلى البصرة ، و دخل الحجاج عسكرهم فانتهب ما فيه ، و جعل يقتل من وجد حتى قتل أربعة آلاف ...) انتهى . كانت تلك الأحداث سنة 85 هجرية و هي نفس السنة التي مات فيها عبد العزيز بن مروان في مصر و فيها ولى عبد الملك العهد لابنيه : الوليد يليه أخوه سليمان و لم تبق له إلا سنة ليعيشها فمات كما يقول الرواة في النصف من شوال سنة 86 هجرية ليتولى الخلافة يزيد بن عبد الملك و يفتح صفحة جديدة في التاريخ الإسلامي .
زين العابدين حسن
18-05-2020, 07:02 PM
(21)
تولى الخلافة الوليد بن عبد الملك و استمر على سياسة أبيه ، أورد الطبري ج6 في أحداث 86 هـ نقلا عن الواقدي خطبة الوليد بعد رجوعه من دفن أبيه أنه اعتلى المنبر و خطب (".....أيها الناس ، عليكم بالطاعة ، و لزوم الجماعة ، فإن الشيطان مع الفرد. أيها الناس ، من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ، ومن سكت مات بدائه ." ثم نزل ، فنظر إلى ما كان من دواب الخلافة فحازه ، وكان جبارًا عنيدًا.) انتهى . اهتم الوليد بالإصلاحات الداخلية و الاعمار و حاول جهده أن يقيم العدالة كما يفهمها أهل ذلك الزمان ، لكنه مكّن للحجاج رغم نصح ولي عهده سليمان أخيه ... استمر الحجاج في بطشه محميا بالوليد حتى مات قبل موت الوليد بحوالي عام بعد أن بطش بسعيد بن جبير عام 94 هـ . كان سعيد بن جبير قد خلع بيعة عبد الملك و الحجاج و انضم لابن الأشعث ، و عند انكسار ابن الأشعث (فرّ إلى إلى أصبهان فكتب الحجاج لوالي اصبهان طالبا منه القبض على سعيد فتحرج الوالي ، و أرسل إلى سعيد أن تحول عني ، فتنحى عنه، فأتى أذربيجان، فلم يزل بأذربيجان فطال عليه السنون . و اعتمر فخرج إلى مكة فأقام بها، فكان ناس من ضربه يستخفون فلا يخبرون بأسمائهم....) الطبري المصدر السابق . قبض على سعيد والي مكة حينذاك خالد القسري و ارسله إلى الحجاج . حسب رواية الطبري أن الحجاج تمنى أن لو لم يقبض عليه (ابن النصرانية) "يقصد خالد القسري" فقد كانت أم خالد مسيحية ، و قام الحجاج بقتل سعيد بن جبير .
استمرت الفتوحات في عهد الوليد فوصلت الصين شرقا ، أما غربا فقد كان أهم حدث تاريخي في عهده هو فتح الأندلس . في عام 92 هـ عبر طارق بن زياد بتكليف من مولاه موسى بن نصير البحر بجيش قوامه 12 ألف كما تذكر المصادر و كان تقريبا كله من البربر (الأمازيغ) و قليل من العرب . كانت الأوضاع الداخلية لحكام الأندلس سيئة مما سهل لطارق الانتصار خاصة و قد كان طارق قائدا شجاعا ذكيا يقود جيشا متمرسا على القتال . كلنا نعرف أن الحكم الإسلامي للأندلس استمر حوالي 800 عام لينتهي بسقوط غرناطة سنة 897هـ المُوافق 1492م . نعرف تاريخ ذلك الفتح من وجهة نظر المؤرخين المسلمين و لكن للإسبان رواية أخرى له ، لحسن الحظ أنه في عصر التنوير لم يعد القوم ينظرون لها إلا بمنظار تاريخ مناسب لعصره و بذا ليسوا مثل قومنا يجترون الأحقاد و يطلبون الثارات ، بل و يجدون في ذلك التاريخ ما يدعو للفخر و الاعتزاز كون هناك من مواطنيهم من شارك في صنع حضارة راقية في تلك الفترة . من وجهة نظر مؤرخينا نقتطف من (البداية والنهاية ج5) لابن كثير عن حكاية موسى بن نصير (... فدخل دمشق في يوم جمعة و الوليد على المنبر ، و قد لبس موسى ثيابا حسنة و هيئة حسنة ، فدخل و معه ثلاثون غلاما من أبناء الملوك الذين أسرهم ، و الإسبان، و قد ألبسهم تيجان الملوك مع ما معهم من الخدم و الحشم و الأبهة العظيمة ، فلما نظر إليهم الوليد و هو يخطب الناس على منبر جامع دمشق بهت إليهم لما رأى عليهم من الحرير و الجواهر و الزينة البالغة ، و جاء موسى بن نصير فسلم على الوليد و هو على المنبر ، و أمر أولئك فوقفوا عن يمين المنبر و شماله ، فحمد الله الوليد و شكره على ما أيده به و وسع ملكه ، و أطال الدعاء و التحميد و الشكر حتى خرج وقت الجمعة ، ثم نزل فصلى بالناس ، ثم استدعى بموسى بن نصير فأحسن جائزته و أعطاه شيئا كثيرا ، و كذلك موسى بن نصير قدم معه بشيء كثير ، من ذلك مائدة سليمان بن داود عليهما السلام ، التي كان يأكل عليها ، و كانت من خليطين ذهب و فضة ، و عليها ثلاثة أطواق لؤلؤ و جوهر لم ير مثله ، وجدها في مدينة طليطلة من بلاد الأندلس مع أموال كثيرة. و قيل: إنه بعث ابنه مروان على جيش فأصاب من السبي مائة ألف رأس، و بعث ابن أخيه في جيش فأصاب من السبي مائة ألف رأس أيضاً من البربر، فلما جاء كتابه إلى الوليد وذكر فيه أن خُمس الغنائم أربعون ألف رأس، قال الناس: إن هذا أحمق، من أين له أربعون ألف رأس خمس الغنائم؟ فبلغه ذلك فأرسل أربعين ألف رأس و هي خمس ما غنم، و لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير أمير المغرب..... ولما قدم على الوليد قدم معه بثلاثين ألفاً من السبي غير ما ذكرنا ، و ذلك خمس ما كان غنمه في آخر غزوة غزاها ببلاد المغرب، و قدم معه من الأموال والتحف و اللآلئ والجواهر ما لا يعد ولا يوصف.) و نقرا في الكامل في التاريخ لابن الأثير (4/43) و هو يحكي أيضا عن رجوع موسى ابن نصير بعد أن استدعاه الوليد و معه طارق (....و سار إلى الشام ، وحمل الأموال التي غنمت من الأندلس والذخائر و المائدة [مائدة سليمان بن داؤود] ، و معه ثلاثون ألف بكر من بنات ملوك القوط و أعيانهم ، و من نفيس الجوهر و الأمتعة ما لا يحصى ) هناك اختلاف يسير بين ابن كثير و ابن الأثير في أمر موسى ، فابن كثير كما رأينا أورد أن موسى قدم بحياة الوليد و يكمل القصة بانه بقي في دمشق بعد موت الوليد وخلافة سليمان الذي لم يكن راضيا عنه ، لكن ابن الأثير يقول إن موسى وصل دمشق بعد موت الوليد ، إلا أن كليهما يتفقان على تعداد السبايا و الغنائم .
مات الوليد بن عبد الملك عام 96 هـ بعد حوالي عشر سنوات في الخلافة و خلفه أخوه سليمان حسب وصية أبيهما عبد الملك . عاجل الموت الوليد قبل أن يكمل خطته بتولية ابنه عبد العزيز التي يوردها المؤرخون و منهم الطبري ، ففي المرجع المذكور و في خبر مقتل قتيبة بن مسلم ، يورد الطبري (وفي هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم بخراسان.... [و سبب مقتله] أن الوليد بن عبد الملك أراد أن يجعل ابنه عبد العزيز بن الوليد ولي عهده، و دس في ذلك إلى القواد و الشعراء، فقال جرير في ذلك :
إذا قيل أي الناس خير خليفة ... أشارت إلى عبد العزيز الأصابع
رأوه أحق الناس كلهم بها ..... و ما ظلموا ، فبايعوه و سارعوا
... فبايعه على خلع سليمان الحجاج بن يوسف و قتيبة، ثم هلك الوليد و قام سليمان بن عبد الملك، فخافه قتيبة...) انتهى ... و يمضي الطبري فيفصل قصة مقتل قتيبة .
كانت خلافة سليمان قصيرة فلم تتجاوز سنتين و سبعة أشهر . تميزت خلافته بسعيه للعدل و سار سيرة حسنة و يوصف بالفصاحة و المهابة و جمال الخلقة ، لكنهم يصفونه أيضا بانه كان اكولا ، روى الذهبي في سير أعلام النبلاء أنه أكل أربعين دجاجة في جلسة. و روى السيوطي في تاريخ الخلفاء أنه أكل في جلسة خروفا و ست دجاجات و سبعين رمانة و مكوك زبيب طائفي [و هذا من حكايات تاريخنا العجيبة التي لا تُصدق]... مات بدابق مرابطا حين أرسل أسطوله لفتح القسطنطينية ، يقول ابن كثير في البداية و النهاية (تعهد ألا يرجع إلى دمشق حتى تفتح أو يموت، فمات هناك فحصل له بهذه النية أجر الرباط في سبيل الله) .... كان من مآثره توليته العهد للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز .
زين العابدين حسن
19-05-2020, 06:38 PM
(22)
تولى الخلافة بعد موت سليمان بن عبد الملك ابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان ، مرّ بنا أن والده شقيق الخليفة عبد الملك كان واليا على مصر حتى وفاته بمصر سنة 85 هـ ، و أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب . ولد عمر عام 61 هـ . كان يوم الجمعة العاشر من صفر 99 هـ هو يوم توليه الخلافة و استمرت خلافته حتى 24 من رجب 101هـ و هكذا فإن فترة خلافته حوالي 29 شهراً ، توفى في الأربعين من عمره و يقال مات مسموما . ينعقد الإجماع على أن خلافة عمر بن عبد العزيز كانت من أعظم و أروع فترات الحكم في الإسلام . من أهم أعماله إسقاط الجزية عن الذين يدخلون الإسلام من أهل الكتاب . من غرائب الأمور إن بني أمية كانوا يأخذون الجزية عن أهل الكتاب حتى بعد إسلامهم . أيضا أوقف مهزلة شتم سيدنا علي بن أبي طالب و أهله و مناصريه من على المنابر و فكر في جمع الحديث النبوي ، و رد ما سلبه بنو أمية من المال إلى بيت المال و لذلك قصة يجب أن تروى .
من أسوأ الأقوال في تمجيد عمر بن عبد العزيز القول بأن الجارية بيعت بوزنها ذهبا في عهده دلالة على الرخاء ، و هو قول يفتقد للحساسية الإنسانية ، فكأن الذهب أغلى قيمة من الإنسان ، أما الجارية كإنسان ، فلا عيب في بيعها و شرائها . الحقيقة أن القول بالرخاء على إطلاقه غير صحيح ، فالمدن و مراكز الحكم تمتعت بالرخاء ، لكن من صنع ذلك الرخاء؟ صنعه أولئك الذين يدفعون الجزية و الخراج في أطراف الدولة و بعض مراكزها .
لرواية قصة إعادة الأموال لبيت المال علاقة بغيلان الدمشقي و التي سأتطرق إليها مع خبر غيلان . مرّ بنا أن أول من تكلم بالقدر هو معبد الجهني الذي قتل في عهد عبد الملك بن مروان متهما بالزندقة ، و أن جانبا من أفكاره كان انعكاسا لواقع عاشه الناس في ذلك العصر و هو سعي الحكام للتستر بالقدر لتبرير الظلم ، و كيف أن معبدا ذهب إلى أن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله و ليست أمرا قدريا مجبورا عليه . ستنشأ أفكار و جدالات كانعكاس لواقع ذلك الزمان و لتطور الفكر الداخلي و للتأثر بالثقافات التي دخل بها قومها إلى الإسلام .
لاحظ بعض المفكرين و منهم يوسف زيدان أن أرض الشام و العراق ستكون هي البؤرة التي تنتج أفكارا في جوهرها تمثل امتدادا للجدل المسيحي الذي استمر منذ ما قبل مجمع (نيقية) الأول في الربع الأول من القرن الرابع الميلادي و تواصل بعده . باختصار عقد مجمع نيقية لبحث الخلاف طبيعة المسيح . كان هناك من يدعى آريوس (مصري من أصل ليبي) و الذي كان يرى أن يسوع المسيح مخلوق و أنه كان هناك زمن لم يكن فيه موجودا و كذلك الروح القدس . اما الكسندروس الأول بابا الإسكندرية فقد كان يرى أن المسيح ذو طبيعة إلهية هي نفس طبيعة الله . انتصر راي الكسندروس و اعتبر آريوس أسوأ مهرطق في عرف الكنيسة و لا زالت الكنيسة تستمطر عليه اللعنات . سيظهر خلاف جديد و سيتجلى في القرن الخامس الميلادي ، له صلة بالخلاف القديم . كما راينا أن العقيدة المسيحية استقرت على وجود أقنوم الكلمة المتجسد الواحد ذو الطبيعتين الإلهية والبشرية ، لكن سيظهر في القرن الخامس (نسطورس) المولود في سوريا ليقول إن يسوع المسيح بشر لكن له صلة بالألوهية و ولدته السيدة العذراء و حلت عليه كلمة الله عند تعميده لكن فارقته عند الصليب . سيُعرف اتباع هذا المذهب بالنسطوريين أو النساطرة و يعرف منهم التاريخ الإسلامي الراهب بحيرا (أو بحيرى) الذي كانت تنزل عند ديره قوافل قريش و يحكي الترمزي نزول قافلة كان فيها النبي (ص) عندما كان مسافرا ضمن قافلة تجارية مع عمه أبو طالب وهو في التاسعة أو في الثانية عشرة من عمره (لا يزال دير الراهب بحيرا في مدينة بصرى "جنوب سوريا حاليا") ، و الراهب سيرجيوس و ورقة بن نوفل (كان ورقة يجيد العبرية و من ترجمته لأجزاء من الكتاب المقدس عرف القرشيون أن هناك كتابا منزلا على موسى هو التوراة و آخر منزلا على عيسى هو الإنجيل) . من ورقة بن نوفل و من عثمان بن الحويرث عرفت قريش عن المسيحية الكثير ... (تقول مصادر تاريخية أن نسطور نفى ما نُسب إليه ، لكن على أي حال استمر ذلك المعتقد باسمه) . أيضا كان هناك مذهب قريب من النسطورية و هو الديصانية ، يعتقد أتباعه أيضا برفع المسيح و صلب شبيهه مثل النسطوريين . عموما سيسمي العرب النسطورين و الديصانيين بالنصارى و يكون هم مرجعهم لمعرفة المسيحية ، أي سيعرفون المسيحية من خلال مذاهب تعتبر مهرطقة في الاعتقاد المسيحي ، و قد طابقت تصوراتهم عن طبيعة المسيح و أمه و انه رُفع و لم يصلب بل صُلب شبيهه ، طابقت التصورات الإسلامية ...
ستمور منطقة الشام و العراق بصراع أفكار و ديانات قديمة كالمانوية و الزرادشتية و الصابئة لتتفاعل مع الجدل المسيحي . نعرف أن قبائل كثيرة قد تنصرت في منطقة الشام و العراق فقد تسللت إليها المسيحية منذ القرن الثاني مثل قبائل تغلب وطيء وكلب وقضاعة وتنوخ و المناذرة مؤسسي المملكة العربيّة جنوب العراق و الغساسنة مؤسسي المملكة العربيّة في الأردن و جنوب سوريا . تعاونت أغلب هذه القبائل مع أبناء جنسهم العرب الفاتحين . في الحقيقة ظلت منطقة الشام و العراق و حتى مصر بغالبيتها مسيحية حتى الحروب الصليبية في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي و بداية القرن الثاني عشر لكن كانت الحواضر و مراكز الحكم ذات اغلبية مسلمة . في خضم الجدل المسيحي فتح المسلمون الشام و العراق و من الطبيعي كما سلف ان يستصحب الداخلون الجدد في الإسلام أفكارهم معهم و سيفهمون جزءا كبيرا من التعاليم اللاهوتية الإسلامية من خلال تصوراتهم القديمة و بالتالي سينتجون و يستنتجون أفكارا جديدة و سيستمر الجدل . في تلك المعمعة ظهر معبد الجهني و الذي تقول الروايات أن غيلان أخذ منه . سأهتم يغيلان و قصته المأساوية التي ستبدأ من تولية عمر بن عبد العزيز له بالنداء على أمتعة بني أمية التي صادرها (بلغة اليوم) لتعاد إلى أهلها و ما تبقى يباع لمصلحة بيت المال و وكل غيلان بالنداء على أهلها الذين سلبهم إياها بنو أمية و لبيع الباقي ، فكان غيلان ينادي : " تعالوا إلى أموال الظلمة، تعالوا إلى أموال الخونة" ... و لكن ستكون عاقبته حزينة مؤلمة و بشعة .
زين العابدين حسن
20-05-2020, 10:58 AM
(23)
توفي عمر بن عبد العزيز فخلفه يزيد بن عبد الملك الذي استمرت خلافته حتى 105 هـ و يوصف بانه من أهل المروءة إلا أنه عابه وقوعه في حب جاريته حبابة كما ذكر الطبري و قد حزن حزنا شديدا على موتها ، يروي الطبري في تاريخه في أحداث سنة 105(مكث يزيد بن عبد الملك بعد موت حبابة سبعة أيام لا يخرج إلى الناس ، أشار عليه بذلك مسلمة، وخاف أن يظهر منه شيء يسفهه عند الناسِ) انتهى . مؤرخون آخرون غير الطبري يذكرون هيامه بحبابة و جارية أخرى اسمها سلامة و بعضهم يقول أن سبب موته كان حزنه على حبابة .
بعد موت يزيد تولى الخلافة هشام بن عبد الملك و هشام هو الذي حدثت في عهده مأساة غيلان . نشأ غيلان في منطقة فقيرة في دمشق يقال لها باب الفراديس . من الواضح أن نشأته بذرت في وعيه و لا وعيه ، البحث عن العدالة التي يفتقدها غالبية الفقراء إن لم يكن كلهم . يروي الرواة عنه أنه طلب العلم فارتحل للمدينة ليدرس على الحسن بن محمد بن الحنفية حفيد سيدنا علي بن أبي طالب ، و ارتحل إلى البصرة ليدرس الفقه على الحسن البصري (21 - 110 هـ) و كلاهما من أهل السنة و الجماعة . كما تقول الوكيبيديا العربية (اشتهر غيلان بين جيرانه ومعاصريه بصلاحه وتقواه و ورعه. و يعد من أعلام الوعاظ و الخطباء و الكتاب البلغاء، يضعه العلماء والمؤرخون في الطبقة الأولى من الكتاب (مع ابن المقفع، و سهل بن هارون، و عبد الحميد) ، و له رسائل - ضاعت - يقول عنها ابن النديم أنها بلغت ألفي صفحة .) انتهى . أول مدخل للعدالة هو الحرية الإنسانية ، لذا قرّ في روع غيلان أنه لكي تتحقق العدالة الإلهية يجب أن يكون الإنسان حرا في اختياراته فيثاب على ما اختاره من عمل طيب و يعاقب على اختياره لغيره . لا شك أن مناداة غيلان بالحرية الإنسانية وراءه بعد سياسي ، و هو كما ورد من قبل : كشف الستارة التي يتخفّى وراءها الحكام ناسبين أعمالهم الظالمة إلى ما جرت به المقادير . مبدا خلق الإنسان لأفعاله (أي ليست مخلوقة من قبل و محتم عليه إتيانها) ستخالف المشهور عند أهل السنة و الجماعة بأن كل ما كان، و ما هو كائن، و ما سيكون مستقبلاً، إنما هو أمر الله و قدره ... ستكون أفكار غيلان عن الحرية الإنسانية و التي هي تطوير لأقوال شيخه معبد و سيزيد فيها الجعد بن درهم كما سيمر بنا ، ستكون هي النواة التي ستنتج أفكار المعتزلة فيما بعد مع جملة أفكار أخرى . كان أهل السنة و الجماعة يعتمدون على الحديث أن (الأئمة من قريش) و هو حديث ورد فيما بعد في الصحيحين و في غير الصحيحين ، ففي صحيح البخاري: (إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين). وفي صحيح مسلم: (لا يزال الإسلام عزيزًا بخلفاء كلهم من قريش). وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان) .. في عهد غيلان لم تكن السنة قد جُمعت ، كان غيلان يرى أن الخلافة تصلح لكل من يجمع شروطها، و لو لم يكن من قريش ، ذلك القول يخالف رأي بني امية و رأي الشيعة أيضا (الشيعة يرونها لأهل البيت حصراً) ، فكان يقول: (كل من كان قائماً بالكتاب والسنة فهو مستحق لها، ولا تثبت إلا بإجماع الامة) ، هذا الراي ارتآه الخوارج قبل غيلان .
أوغر غيلان صدور بني أمية عند ندائه على متاعهم واصفا لهم بالظلمة و الخونة و وصلت هذه الكلمات العنيفة إلى مسامع هشام بن عبد الملك - الذي سيصبح خليفة فيما بعد - فقال: هذا يعيبني ويعيب آبائي، و الله إن ظفرت به لأقطعن يديه ورجليه .
يروي البغدادي أن محمد بن الحنفية كان يقول عن غيلان : إنه حجة الله على أهل الشام و لكن الفتى مقتول (أوردها القاضي عبد الجبار في فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة) . هناك رواية تقول إن هشام بن عبد الملك أمر بجلب غيلان لينفذ وعيده فيه بقطع يده و رجله و أنه حين إحضار غيلان أمره بمد يده فقطعها بالسيف و بمد رجله فقطعها بالسيف.. و بعد أيام مر رجل بغيلان وهو موضوع أمام بيته ، والذباب يقع بكثرة على أطرافه المقطوعة، فقال الرجل ساخراً: يا غيلان، أهذا قضاءٌ و قدر ؟ فقال له: كذبت، ما هذا قضاء ولا قدر .. فلما سمع الخليفة بذلك، بعث إلى غيلان من حملوه من بيته، وصلبه على إحدى أبواب دمشق . يبدو أن هذه رواية مجملة و سنرى رواية مفصلة عن مناظرته ثم قتله ... قبل ذلك تروى روايات كثيرة عن استتابة عمر بن عبد العزيز لغيلان عن الخوض في القدر و تروى عن غيلان أشياء لا تشبه سيرته فكما مرّ بنا أنه اشتهر بالصلاح و التقوى و طلب العلم و أن ابن النديم قال عن رسائله انها بلغت ألفي صفحة ، لذلك فإن الروايات التي تظهره بمظهر الجاهل بالقرآن و الدين عموما هي روايات ملفقة القصد منها تشويه صورته و النيل منه ، سواء كان من جانب أهل السلطة أو الفقهاء الذين يختلفون معه .
نأتي لقصة مقتله كما رواها ابن عساكر في (تاريخ دمشق) ، روى أن هشام بن عبد الملك أراد قتله فطلب منه غيلان أن يأتي بمن يناظره فإن ظهر عليه من يناقشه قُتل . يروي ابن عساكر في المرجع المذكور ما نصه : (فقال الخليفة هشام : من لهذا القدري، قالوا الأوزاعي رضي الله عنه، الإمام المجتهد الورع الزاهد العابد ، فأرسل إلى الأوزاعي ليأتي من بيروت إلى دمشق، دخل على دار الخلافة، و قال الأوزاعي لغيلان، يا غيلان إن شئت ألقيت عليك ثلاثًا و إن شئت أربعًا و إن شئت واحدًا (أسألك أربعة أسئلة أم ثلاثة أم واحدًا) ، قال الق علي ثلاثًا، فقال الإمام الأوزاعي رحمه الله : يا غيلان أخبرني عن الله قضى على ما نهى، فقال غيلان لا أدري كيف هذا، قال الأوزاعي هذه واحدة يا أمير المؤمنين، قال الأوزاعي يا غيلان أخبرني عن الله أمر بأمر ثم حال دونه، فقال غيلان لا أدري و الله هذه أشد من الأولى، قال الأوزاعي هاتان اثنتان يا أمير المؤمنين، قال الأوزاعي يا غيلان، أخبرني عن الله حرم حراما ثم أحله، قال غيلان لا أدري هذه أشد من الأولى و من الثانية .قال الأوزاعي (كافر و رب الكعبة يا أمير المؤمنين ) فأمر به الخليفة فقطعت يديه ورجليه ..... فقال هشام يا أبا عمرو أخبرنا عن هذه الثلاثة ما هي . قال قلت له أخبرني عن الله قضى على ما نهى، فالله تبارك و تعالى نهى آدم أن يأكل من الشجرة و قضى عليه أن يأكل منها فأكل، و أخبرته، قلت له أخبرني عن الله أمر بأمر ثم حال دونه، الله أمر إبليس أن يسجد لآدم و حال دونه أن يسجد، قلت له أخبرني عن الله حرم حرامًا ثم أحله فالله تعالى حرم أكل الميتة و أحلها للمضطر إليها صاحب الضرورة كالذي يكون في الصحراء و كاد أن يقتله الجوع إن لم يأكل فلم يجد إلا ميتة فهذه الميتة يأكل منها ما يسد هلاك الجوع ليس إلى حد الشبع. فهذه الأجوبة الثلاثة يا أمير المؤمنين. و بعد ذلك أرسل أحد علماء السلف وهو رجاء بن حيوة إلى الخليفة هشام يقول له و الله يا أمير المؤمنين إن قتل هذا أفضل من قتل ألف كافر معلن ، لأن خطر هؤلاء أشد على العوام من خطر الكفار المعلنين.) انتهى ما أورده ابن عساكر . لعل اغبى الناس و أقلهم ورعا ، يرى في هذه الرواية مدى الاستهانة بحرمة الحياة الإنسانية و لك أن تعجب لهذه الأسئلة التي هي عبارة عن فوازير أو باللغة المحلية (غلوتية) و لا علاقة لها بالدين و لا تحدد مَنْ هو الكافر و مَنْ هو المسلم ، و التي لم يكن يعرف إجابتها حتى الخليفة (و الذي وجب أن يكون حكمه كحكم غيلان) ، رغم ذلك يملأ الأوزاعي اليقين ليقسم لهشام بما يسره (كافر و رب الكعبة يا أمير المؤمنين) ... لو كنت مكان ابن عساكر لاستشكلت هذه الرواية ، لكن تاريخنا مليء بالتلفيق و الأعاجيب .
Abdullahi Gaafar
20-05-2020, 02:48 PM
الأخ الصديق زين العابدين
شكرا جزيلا علي السرد الجميل التاريخي للأمويين وطبعا متابع معاك في كل مواقع التواصل الأخرى
تحيات واحترام وتقدير
عبد الله جعفر
زين العابدين حسن
20-05-2020, 10:03 PM
الأخ الصديق زين العابدين
شكرا جزيلا علي السرد الجميل التاريخي للأمويين وطبعا متابع معاك في كل مواقع التواصل الأخرى
تحيات واحترام وتقدير
عبد الله جعفر
الأخ الصديق عبد الله و الذي فرقت بيننا الأيام دهرا ، تحية و شوق .. أتابع ما يجود به قلمك الفنان و استمتع به ، اصابتني هلوسة الغوص في التراث و غيره و الكتابة لدرجة جعلتني مقصرا في حقك و حق كتابنا النجباء ، فلا أعلق على ما تجود به اقلامهم من امتاع و معرفة فمعذرة لتقصيري . تحياتي و محبتي و لك الشكر لكلماتك التي غمرتني بالسعادة .
زين العابدين حسن
21-05-2020, 10:24 AM
(24)الأخيرة
هشام بن عبد الملك كان خليفة قويا و تميز عهده الذي استمر حوالي العشرين عاما بالثورات . في عهد هشام بن عبد الملك سيقابلنا الجعد بن درهم و قد أورد ابن كثير (البداية و النهاية الجزء التاسع) ترجمة له سأقتبس منها . وردت اخبار الجعد أيضا في تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر . الجعد امتداد لمدرسة غيلان التي تقول إن الإنسان مسؤول عن أعماله لأنه حر في اختيارها ، و بالتالي لا عدالة في معاقبته إن كان لا يملك إرادة صنعها و اختيارها ، لكن زاد الجعد و صحبه أشياء . المستجدات التي تعرض لها الجعد هي تلك المحاججات التي أثارها العقل المسيحي (أشهر ممثليه يوحنا الدمشقي الذي كان من عائلة مؤثرة في البلاط الأموي و لم يعتزل البلاط إلا بعد تولي هشام بن عبد الملك) .. واجه العقل المسلم تساؤلات المسيحيين و منها تساؤلهم الجوهري : تقولون إن المسيح مخلوق لأنه ظهر في حيز الزمان ، فهل القرآن مخلوق لأنه ظهر في زمن محدد ؟ توصل الجعد إلى أن كل ما ظهر في زمن محدد فهو مخلوق ، و نتيجة لذلك فالمسيح مخلوق و القرآن مخلوق ، لكن لم ينتشر ذلك القول إلا في العصر العباسي على يد المعتزلة ، لذا سيوصف الجعد بأنه أول من قال بخلق القرآن . مشكلة أخرى واجهت الجعد و صحبه ، مشكلة التنزيه الإلهي . كل الآيات التي بدا لهم إن فيها تجسيم قاموا بتأويلها ، فآيات مثل : (الرحمن على العرش استوى) و (يحمل عرش ربك فوقهم ثمانية) و (وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة) و غيرها ، كل هذه الآيات قاموا بتأويلها بما ينزه الإله حسب تصورهم ، من الجسمية و المكانية و غيرها ، طبعا أهل السنة و الجماعة يرددون ما قال به سلفهم منذ الإمام مالك عن الاستواء مثلا (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب) ، القول بأن السؤال عن الاستواء بدعة يمكن أن ينطبق على أي سؤال لم يساله القوم في زمن مالك أو في زمن ما قبل مالك و ذلك امر شائك لأن من المعروف ان العقل لا يتوقف عن السؤال . جَدّ هشام بن عبد الملك في طلب الجعد فهرب إلى الكوفة . لا شك أن هشام أدرك المغزى السياسي لأفكار الجعد ، تلك التي تتكلم عن المسؤولية في ارتكاب الأفعال . في الكوفة ألقى القبض على الجعد خالد القسري والي هشام ، و الرواية المشهورة عن مقتله أنه جيء به مكتوفا تحت المنبر في صبيحة عيد الأضحى 124 هـ ، و بعد أن صلى خالد القسري العيد بالناس و خطب فيهم و ختم خطبته قائلا : أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، أما أنا فمضحٍ بالجعد بن درهم ، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ، ولم يكلم موسى تكليما ... ثم نزل فذبحه كما يذبح الخروف . أميل إلى القول إن الجعد لم ينكر ما جاء في القرآن مما ذكره خالد القسري ، لكنه قام بتأويل الكلام الإلهي مع موسى و اتخاذ الله لإبراهيم خليلا بما يتناسب مع التنزيه ، للأسف كثير من وجهات نظر خصوم السلطة أو الرأي السائد تم طمسها و لم يصلنا إلا الذي باح به الخصوم في محاججاتهم . قلنا إن الجعد أقام في الكوفة ، هناك التقى بالجهم بن صفوان الترمذي الذي أخذ عنه كثيرا من أفكاره ، و فرّ إلى ترمذ بخراسان حيث نشر أفكاره و هناك التقى بالحارث بن سريج . أفكار الجهم تختلف عن أفكار الجعد و عن المعتزلة في عدة جوانب ، منها رؤية الجهم إن الإنسان مجبر على أفعاله (ليس حر الإرادة) و الفعل المنسوب إليه إنما هو على سبيل المجاز و يقول الجهم إن الجنة و النار تفنيان ، و نفى الأسماء و الصفات عن الله إذا كانت مما يوصف بها البشر (السمع الكلام ... الخ) إنما يوصف بما لا يوصف خلقه به ، فأثبت لله صفات : كونه تعالى قادرا ، فاعلا ، خالقا ... أما صفة العلم فقد قال إن علم الله محدث و نقل عنه ابن حزم الظاهري قوله : " لو كان علم الله تعالى لم يزل لكان لا يخلو عن أن يكون هو الله أو هو غيره ، فإن كان علم الله غير الله و هو لم يزل[أي سرمديا] فهذا شرك ، و إن كان هو الله فالله علم [أي صار صفة] و هذا إلحاد ... (الأقواس [ ] من عندي للتوضيح ... اشترك الجهم مع الحارث بن سريج في الثورة على الأمويين (زمن آخر خليفة أموي مروان بن محمد) مطالبين بالعمل بالكتاب و السنة و الرجوع إلى صحيح الشريعة (ستتكرر هذه الحجة في كثير من الثورات) ، تصدى للثورة والي الأمويين بخراسان نصر بن سيار فهزم الثوار و قتل الحارث بن سريج و أسر الجهم بن صفوان و أرسله إلى سلْم بن أحوز المازني ، الوالي على مرو فقتله ، و ليبرر قتله صبرا قال له : إنما أقتلك لإنكارك أن الله كلم موسى .... لكن السبب الحقيقي لمقتله هو ثورته على بني أمية . في الحقيقة إن ثورة الحارث بن سريج و الجهم بن صفوان ختمت سلسلة الثورات على الحكم الأموي و جاءت في عهد مضطرب ، فبعد موت هشام بن عبد الملك 125 هـ تولى الخلافة ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الذي وصف بالمجون و الإغراق في السكر و تنسب إليه أشعار ماجنة .
قامت ثورة على الوليد بن يزيد و كان الوليد قد قتل خالد القسري (الذي قتل الجعد بن درهم و الذي أرسل سعيد بن جبير للحجاج أسيراً) ، لذا فقد اشترك محمد بن خالد القسري مع الثوار ثأرا لوالده ، و قد قتل الثوار الخليفة الوليد بن يزيد و كان على رأسهم ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك ... دام حكم الوليد عاما واحدا و بضعة شهور و خلفه قاتله يزيد بن الوليد الذي مات بعد ستة شهور من توليه . ينسب البعض يزيد بن الوليد بن عبد الملك إلى القدرية و منهم دكتور الصلابي (مؤلف ليبي معاصر منتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين) و له رأي يقول فيه:(... و قد ذكر بعض المؤرخين أن يزيد كان ابن أَمَةٍ فارسية ولم يكن له من المنزلة في الأسرة المروانية ما كان لغيره من أبناء الخلفاء من الحرائر العربيات ، فحُرِمَ هو وإخوته وسواهم من الأمراء الأمويين من أبناء الأعجميات من الخلافة، فمال إلى القول بالقدر) انتهى . ( لعنة التمييز بين أبناء العربيات و الجواري من غير العربيات تقابلنا أيضا في العصر العباسي فأبو جعفر المنصور اكبر من أخيه أبو العباس السفاح بثمان سنوات لكنه كان ابن أمة بربرية و أبو العباس ابن عربية حرة لذا كان احق بالخلافة ، نفس الشيء تكرر مع المأمون ابن الأمة الفارسية فرغم أنه الأكبر سبقه للخلافة الأمين ابن العربية الحرة) مرّ بنا في بحث سابق أنه لم يبق هناك مولى من العرب بعد ان تولى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة فأطلق سبايا الردة العرب جاء في (تاريخ الطبري 3/339 الناشر:دار التراث - بيروت الطبعة: الثانية - 1387 هـ) قول عمر بن الخطاب:(ليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا و قد وسع الله و فتح الأعاجم) و قد منع سيدنا عمر بن الخطاب سبي العرب و بهذا لم يعد هناك مولى أو رقيق من العرب و كان أول قرار اتخذه الخليفة عمر في دولته ، رد سبايا أهل الردة إلى عشائرهم حيث قال: كرهت أن يكون السبي سنة في العرب(الخلافة والخلفاء الراشدون ص160) أيضا ورد (كان أوَّل قرار اتَّخذه عمر في دولته ردَّ سبايا أهل الردَّة إِلى عشائرهم، حيث قال: كرهت أن يكون السَّبي سنةً في العرب) في موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين :
http://iumsonline.org/ar/ContentDetails.aspx?ID=10360
و ورد بلفظ (كرهت ان يكون السبي سبة على العرب) . تولى الخلافة بعد يزيد بن الوليد إبراهيم بن الوليد بعهد منه و لكن إبراهيم بن الوليد لم يحكم سوى سبعين يوما و لم يبايعه مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الذي كان يطمع في الخلافة و فعلا تولاها و ذلك عام 127 هـ و كان آخر خلفاء بني أمية ، الجدير بالذكر إن إبراهيم بن الوليد في السبعين يومًا التي تولى فيها الخلافة قتل اثنين من أبناء الخليفة الوليد الثاني خوفا منهما على خلافته ... عندما تولى مروان بن محمد الخلافة أعطاه الأمان و قُتل مع من قُتل من بني أمية على يد العباسيين الذين سيقضون على الدولة الأموية عام 132 هجرية .
هذه هي الحلقة الأخيرة في السلسلة التي حاولت ان أضيء جوانب لا يُسلط عليها الضوء كثيراً في التاريخ المتداول لأغراض أيديولوجية و أدرك انها مزعجة جدا للبعض . تتبقى حلقة للتعليق على السلسلة و نقاش بعض جوانبها .
زين العابدين حسن
22-05-2020, 04:16 AM
تعليق على (حكايات الأمويين)
في مرحلة الصبا و الشباب الباكر تكونت لدي صورة للتاريخ الإسلامي (وهي غالبا الصورة السائدة في عالمنا حتى اليوم) تقول : إن اجمل فترة في تاريخ الإنسانية هي فترة التاريخ الإسلامي منذ البعثة النبوية حتى نهاية الخلافة العثمانية في تركيا في عام 1342 هـ ، ( 1924م) . كان استرداد الخلافة يمثل لي حلما جميلا و كنت واثقا أنه سيتحقق عندما (تفيء البشرية لأمر الله) . كان الرجوع لذلك الماضي الوردي الجميل الذي تكسوه العدالة و يجلله الطهر و النقاء غاية ما احلم به و أعمل على المساهمة في قيادة البشرية له .
توسعت المعارف فيما بعد و استمرت علاقتي بالتاريخ الإسلامي ضمن اهتمامي بالدين الإسلامي و تشابكت الاهتمامات مع الفضول للمعرفة . في البداية كان علي ان التهم كل المكتوب المتاح في المراجع القديمة ، تعرفت على تاريخ الطبري ابن قتيبة ، ثم ابن الأثير و ابن كثير و ابن عساكر و الخطيب البغدادي ... الخ . كل كتاب أقراه يدلني على مرجع جديد . بعد سنين كثيرة تكونت لدي صورة جديدة تختلف عن تلك الصورة القديمة . أعدت قراءاتي و أعدت التفكير و اكتشفت أن الثقافة المعاصرة و الأيديولوجية السائدة انتقت صورة معينة للتاريخ تتفق مع التصور الإسلامي السائد في المذاهب السنية و يخدم أغراض أيديولوجية الإسلام السياسي (بما أن اجمل ما يكون حدث في الماضي فما علينا إلا الرحيل إليه و استعادته) ، و آخر منتقى يتسق مع التصور السائد في المذاهب الشيعية . جاء الجهاد الأفغاني نهاية سبعينيات القرن الماضي و معه القاعدة ، و تأثير ذلك على كل المسلمين في العالم ، ثم فيما بعد داعش 2003 م ، و دعوتها إلى إعادة الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة في العراق وسوريا و جنوب اليمن وليبيا وسيناء وأزواد والصومال وشمال شرق نيجيريا وباكستان و ظهر لها مناصرون و قاعدة شعبية و مؤيدين علنيين و آخرين سريين في دول إسلامية كثيرة منها السودان ، كل ذلك اثار لدى الخبراء و المهتمين و لديّ و لدى غيري تساؤلات عن السر في انتشار تلك الأفكار انتشار النار في الهشيم . تعددت النظريات و التفسيرات بإرجاع ذلك للفقر و الهزائم و التفاوتات الاجتماعية و قضية فلسطين و ظلم الغرب و ... و ... الخ . شخصيا مع الرأي القائل إن السبب الأساسي هو الثقافة السائدة و كل الأسباب الأخرى يمكن أن تكون أسباب مساعدة ، و في الثقافة السائدة السبب الأساسي هو الصورة الخيالية للتاريخ الإسلامي التي اجتهد في ترسيخها كل تيار الإسلام السياسي و السلفي . من هنا بدأت فكرة ان أكتب ما توصلت إليه عن الصورة الحقيقة لذلك التاريخ . فكرت ان اكتب لنفسي أولا ثم لغيري . لكن تناول كل ذلك التاريخ الطويل المتشابك هو أمر شاق و يحتاج لمجموعات بحث و لا وقت لديّ له ، لذا كان الخيار هو تسليط الضوء على الجوانب المسكوت عنها لتتضح الصورة .
سلاسل : حكايات الأمويين و حكايات العباسيين و صفحات مطوية مظلمة (و أخرى عن العثمانيين لم تُنشر لأنها لم تكتمل) ، هي محاولة لإعادة التفكير في ذلك التاريخ . المراجع التي استعنت بها هي مراجع أساسية لكل مهتم بالتاريخ الإسلامي و كلها سنية عدا مرات قليلة احتجت لرواية الشيعة لحدث ما فأوردتها بمرجعها ، نادرا جدا رجوعي للكتابات المعاصرة عدا الاستشهاد بطه حسين في الفتنة الكبرى مرتين تقريبا و بالصلابي مرة واحدة . هناك فترات قصيرة (كخلافة سليمان بن عبد الملك و عمر بن عبد العزيز و الخلفاء الأمويين الأربعة الأخيرين و بالمثل في فترة الخلافة العباسية) لا توجد فيها احداث كثيرة تضيء جانب من الجوانب التي اهتم بها ، لذا سترد في سطور قليلة .
نشرت ما ذكرت أعلاه في موقع (سودانيات) على الشبكة و في مواقع التواصل الاجتماعي . كما هو متوقع وصلتني من مواقع التواصل الاجتماعي في الخاص كتابات تمثل طيفا واسعا ، بعضها يثني و بعضها ينتقد و بعضها يملأه الغضب . سأهتم بتلك الغاضبة .
أكثر ما أغضب أولئك ذكري لأمر معاوية بشتم سيدنا علي بن ابي طالب باعتبار أن معاوية صحابي و أغلبهم يردد أقوال قال بها بعضهم عن عدم التعرض للصحابة . من الواضح أنني لم اتعرض لمعاوية باي صورة تسيء إليه بل ذكرت ما ردده المؤرخون بدءا من الواقدي مرورا بالطبري و غيره . عندما أقرأ ما أورده المؤرخون عن راي سيدنا علي في معاوية و مجموعته استغرب لماذا يغضب البعض من إيراد ما ورد على لسان رابع الخلفاء الراشدين عن معاوية ، و من الطبيعي أن يكون ذلك رايه فيه و إلا لما حاربه .
نقد آخر غاضب حاد أتاني عما أوردته في حق غيلان و آخر عن الجعد . أولا كلما جاءنا عن غيلان و الجعد جاءنا عن طريق خصومهما ، و بمراجعة ما ذكرته المراجع استطيع القول إن غيلان كان تقيا ورعا عالما ، كونه قال بالقدر يتوجب فحص ما ورد عنه . أولا هو لم ينكر مطلق القدر لكنه أنكر أن تكون أفعال الإنسان مرغم عليها و لا خيار له فيها ، ثانيا أورد ابن عساكر أنه تاب عن فكره في خلافة عمر بن عبد العزيز و أن عمر دعا عليه إن كان خدعه أن تُقطع يده و رجله ، هذا هو الجزء الأول من رواية ابن عساكر . لا تبدو لي تلك الرواية دقيقة لأنها لا تشبه شخصية عمر بن عبد العزيز أن يدعو دعاء وحشيا مثل ذلك ، الأقرب أن يدعو له بالهداية ، ثم إنها لا تفسر لنا كيف أن عمر بن عبد العزيز وثق به و وكله على أمتعة بني أمية ينادي عليها (هلموا إلى متاع الظلمة ...) . الجزء الثاني من رواية ابن عساكر عن استدعاء هشام بن عبد الملك لغيلان و مناظرة الأوزاعي و هو جزء مخجل في تاريخنا ، ان يمتحن الأوزاعي إنسانا بفوازير لا يعرف إجابتها حتى الخليفة و حين يعجز عن الإجابة يقسم الأوزاعي (كافر و رب الكعبة يا أمير المؤمنين) و هشام لا يقتله فقط ، لكنه يقطع يده و رجله و يصلبه ، أي قسوة و وحشية ؟ لتبرير تلك الوحشية يتم الاحتماء برواية استجابة الله لدعاء عمر بن عبد العزيز . كذلك الأمر بالنسبة للجعد عن إنكاره أن الله كلم موسى ، الأقرب أنه ربما قام بتأويل ذلك بصورة ما ، مثل تأويل المعتزلة فيما بعد من أن الله صنع الكلام في الشجرة فكلمت موسى ، و غيرها من تأويلات ، أما ذبحه كالبهيمة تحت المنبر فيذكر بداعش ... أن يروي خصوم غيلان و الجعد روايتهم عنهما و التي تتفق مع رؤية السلطة و الفقهاء فذلك لا يجعلها صحيحة بالمطلق ... كل المواقع و الفيديوهات السنية تقريبا على الشبكة تردد نفس حجج و روايات خصوم غيلان و الجعد . اتوقف هنا و إلى لقاء .
vBulletin® v3.8.8 Beta 2, Copyright ©2000-2026