أمير الشعراني
09-10-2008, 09:40 AM
عبد الله علي ابراهيم لـ (الاحداث): اليأس قاد الحزب الشيوعي لمايو ..!
عبد الله علي ابراهيم تجربة طويلة في العمل السياسي تقلبت بين اشكال مختلفة ومن
بعد خرج منها واخذ ينظر للحالة السياسية السودانية من موقع الناقد ورغم
حضوره في الصحافة السودانية بشكل راتب الا انه دوما يطرح افكارا تثير الكثير
من الجدل وهو يقــول عن هذا انه ينظر للامور من موقع الناقد للاشياء .
ولذا حاولنا وهو يعود للسودان من موقع عمله في الولايات المتحدة الامريكية ان
نناقش معه عددا من القضايا التى يثيرها من وقت لآخر كما اننا عمدنا لتتبع مسيرة
عبد الله علي ابراهيم السياسية والفكرية وكانت هذه الحصيلة .
*كتبت عن رؤية عبدالخالق محجوب المتمثلة في افلاس مابعد اكتوبر وعدم وجود
الجديد, وبالعودة الي بيان عبدالخالق عقب الاستقلال الموقع بإسمه نجده يذكر ان
الحزب الشيوعي يدخل الوغى ويعف عند المغنم, وهذا ما قدمكم بشكل جيد
للشعب السوداني لكن في اكتوبر لم يكن الأمر بهذا الشكل حيث طالت الاتهامات
الحزب الشيوعي بأنه أخذ اكثر مما يستحق؟
نحن في اكتوبر ناهضنا بطاقتنا السياسية القصوى, لكني اتحدث من زاوية فكرية
وهي عدم وجود مفاتيح لما بعد سقوط النظام, وظل الاشكال يشابه هزك للشجرة
دون ان تدري أين يسقط الثمر, ولذلك لو اشتغلنا اكتوبر برؤية عبدالخالق عبر
حل المشاكل جذريا وذلك بمعرفة تضاريس المجتمع السوداني لما سقطت اكتوبر
بالطريقة التي سقطت بها, لكن من زواية السياسة الحزب الشيوعي عايش علي
مبادئه لولا ذلك ل..., وسقطت أحزاب "تطقطق", الحزب الشيوعي الآن عايش
بقليل من المعاني التي نعرفه بها, اما من ناحية الفكر التي تقدم للجماهير ويقبلونك
ويتعاطفون معك , وتجيب علي أسئلتهم عن (من انت؟وماهو دينك؟ وماهي
صلاتك؟ وماهو مستقبلنا, وماهو معاشنا؟)..الحزب الشيوعي أساسا حزب
معارضة أسس لها عبر الشجاعة والسجون و...و..
*من ذات زاوية النظر الفكرية الا ترى ان تحليل عبدالخالق للاوضاع "ما بعد
اكتوبر" بوجود أزمة في التفكير يشابه لحد كبير تحليل الفيلسوف الفرنسي اوجس
كونت الذي كان يرى أن أزمة "ما بعد الثورة الفرنسية" تتمثل في الاضطراب
الموجود في أدمغة الفرنسيين ولا علاقة له بالواقع ..هذا التشابه يتعارض مع
المنطلقات الفكرية للاثنيين حيث ان كونت ليبرالي بينما عبدالخالق يستخدم
الماركسية كمنهج للتحليل؟
عبدالخالق كان يقصد ان الفكر ليس مجردا من الصراعات المادية التي نتحدث عنها
لكنه يستبشر, وليس معناه انك لو فكرت بشكل صحيح خطواتك كلها ستكون
صحيحة لكن على الاقل اذا حدثت نكسات ستكون في حدود المعقول والمهم
التبشير وهو تحريك الناس تجاه القضايا, مثلا "الطائفية" تجعل الناس تفكر فيها
باستمرار وطبعا ليس بمعنى ان ابعاد السيد فلان او غيره, لكن لابد ان يفكروا في
الطائفية نفسها ماهي ؟ ومن اين أتت؟وماهو اقتصادها؟ ولماذا تغري الناس وتجعل
البعض في النقابة يصوت للشيوعيين لكن في الدائرة الانتخابية لا يعطيك صوته!
هذا يجعلنا ننظر الى قضايا لسنا نمتلك "زمامها" يعني مثلا القطاع التقليدي ونحلله
من علي بعد, وانا اذكر ان مسؤول العمل الاقتصادي وعضو اللجنة المركزية
والمكتب السياسي حينما رأى انني اتحرك في الارياف بحكم بحثي في الدراسات
السودانية طلب مني مساعدتهم في جبهة الاقتصاد والقطاعات التقليدية, وتحديدا
طلب كتبا لكي يقرؤوها, وانا في ذلك الزمن كنت معجب بكتاب ل"كنلسون"
عن عرب البقارة يصف حياتهم ومعاشهم واقتصادهم ورحلاتهم, وفعلا احضرته له
ولكنه اعاده الي بعد قليل بما يشيئ انه لا يخدم قضيتهم ٍ لأنه يتحدث عن رحلات
ومسارات و..,..شعرت اننا لم ننفذ الى البادية , حتى امس انا بقرأ في "الميدان"
عن برنامج الحزب الشيوعي لم اجده يتضمن البادية يعني تجده يتحدث عن الزراعة
التقليدية والمطرية لأنها مستقرة لكن البادية ما موجودة بالرغم من ان المشكلة
الراهنة في السودان كلها مشكلة بادية, وفي ذات العدد تجد شعار "الارض لمن
يفلحها" ارجع الي الميدان, وهذا برنامج الحزب لكن اذا نظرنا الي هذا الشعار نجده
مجازي اذا طبقت هذا الحديث في البادية الجنجويد سيخرجون من دارفور لأنهم
يفلحوها لكن الفور ممتلكنها تاريخيا والجنجويد ليس لهم فيها شيئ..هذا حديث
غريب جدا لأنك تجد حزب واحد يرى ان الارض لمن يفلحها في منطقة والارض
لمن لايفلحها في منطقة اخرى, هذا شعار مغامر في وضع دارفور, هذا الحديث
يرجعني الى كتاب كنلسون عن البادية و قدمته للقطاع الاقتصادي في الحزب
الشيوعي منذ الستينات ولو تمت دراسة هذا الكتاب وأتت كتابات اخرى لتغير
الوضع , ونحن نملك افضل اكاديميين درسوا البادية "عبدالغفار محمد احمد درس
رفاعة الهوي, كنلسون درس البقارة , طلال اسد درس الكبابيش" يعني البادية تمت
تغطيتها من حيث الدراسات الاكاديمية بشكل جيد لكن عندما تتفجر البادية لا
تجد احد يعرف لماذا تفجرت ويقولون لك ان مشكلتنا هي "العقل الرعوي" وانت
لا تعرف الرعاة ولاتعرف ..و..,هذه هي الجبهات التي كنا نريد اقتحامها بشكل
علمي وندرس بنية المجتمع السوداني ويكون بالنسبة لنا شيئ واضح. مثلا عندما
اتحدث مع شخص من البادية يكون هو يعلم تماما اننا نعرف كل شيئ عن البادية
او على الاقل لدينا الاهتمام الكبير الذي يجعلنا نفهم مشاكلها , وبهذا يمكنه ان
يقبلنا ولم تكن لدينا مشكلة عندما طبقنا هذا الشيئ مع مزارعين في الجزيرة عندما
حملنا معنا افكارا عن الحقوق و..و.., هذا الاستعداد مكننا من عمل عضوية بينهم
, شيخ الأمين مثلا عندما جندوه كان ماشي للحج وهو انصاري , هذا يؤكد انه
عندما يأتي أناس يعلمون الكثير عن موضوعهم مع المستهدفين ويربطوه بالسياسة
الوطنية والعالمية وزراعة القطن وبيعه في "لانكشير" تجد ان الجماهير تطورت وهذا
يعمل حماية للحركة والفكرة , ويدحض ازمة الحديث ان فكرتك مستورده لهذا انا
أكتب المقالات المستقاة من بحوث بروفيسر محمد نوري الامين عن الحزب
الشيوعي التي تقول اننا لم نخرج من الماركسية وانما تخرجنا من مدرسة ابروف
والفجر وإنما اتت الماركسية ل"تشعلل" القصة , هذا ما يقصده عبدالخالق عن
افلاس ما بعد اكتوبر, نحن اخذنا جائزتنا السياسية من اكتوبر واعطتنا الكثير لكن
الصرع القائم الي الآن هو (أعد) لأننا لم ننجز الواجب العملي .
*انت تحدثت عن كتابات محمود امين العالم عن الصدفة والضرورة ..وبإسقاطها
علي اكتوبر هل اشتغلها الشيوعيين فعلا ام اخذو علي حين غرة؟
نحن اشتغلنا اكتوبر وطبعا ليس وحدنا لكن كنا في منطقة "أركان الحرب " ونعرف
ماذا يحدث بالضبط , الآن لم تعد هناك سياسية, لكن نحن عندما عملنا المساومة
عملناها بفكرة , وحللنا الازمة الثورية لأن السياسية لم تعد اطارا ولا قدرات مثلا
تجد المعارضة تريد اسقاط الحكومة وتقول" لو زبلوها ما بتتم الخريف"! هل هذا
تحليل شخص يعرف سياسة هي الآن موجودة لمدة 20سنة, في ذلك الزمان الذي
كنا فيه ماركسية اكتوبر كنا نرى الماركسية تتطبق امامنا ونحن نشارك فيها لهذا
عندما اتحدث عن المساومة التي تم عملها في اكتوبر لأننا بلغنا مرحلة كشف النظام
وتعريته ولم نعد نحتاج لمظاهرة او ندوة بل كنا نحتاج ادوات للتغيير وهذه الادوات
لا تأتي الا عبر المساومة, نساوم بمعنى ان نجد اتحاد طلاب و اتحاد مزارعين ,
وندخل مع الحكومة والادوات تكون في يد الجماهير حتى عندما تهب تجد عندها
ادوات ولا تبحث عن ادواتها لاحقا, مثلا اتحاد طلاب جامعة الخرطوم كان سري
وعندما تمت المساومة اتى الاتحاد بالوضع الجديد وتشكل والثورة خرجت منه,
وهذه كانت معلومة لدينا لهذا عندما يقول ملاسي انه من عمل الاضراب السياسي
العام نسأل من هو؟ نحن من وزع منشورات الاضراب السياسي وعلقناه في كل
الاماكن وكان هذا عمل مؤسسة, خططنا له في الحزب وحولناه الى الجبهة
الديمقراطية واذكر عند نقاشه في الجبهة احد الزملاء اندهش جدا وسخر من
الفكرة وبعد اسبوعين فعليا بدا الاضراب السياسي, الماركسية ساعدتنا جدا في
اكتوبر وكل تحليلاتها شفناها تطبق امامنا ولأن الناس لا تقرأ يحدث مثل هذا "
الغلاط" ..مثلا كتاب ثورة شعب الآن غير موجود وهو قد صدر في 1965وفيه
كل الوثائق التي نشرها الحزب منذ 1958 إلى قيام الثورة ورجعو اليه لكي تروا
تسلسل فكرة الاضراب السياسي وايضا هناك دكتورجعفر كرار الآن استاذ جامعي
في الصين كتب عن الاضراب السياسي يمكن الرجوع اليه .
هل تعتقد ان التحليل الذي توصل اليه عبد الخالق بعد اكتوبر هو الذي حمل البذرة
الاولى لاتجاه الحزب الشيوعي نحو منحى آخر في التغيير عبر الانقلاب ؟
اذا كنت حزب جماهيري وتملك زمام سلطتك لن تزيح الناس وخاصة ان كل هذه
الانقلابات هي ازاحة للناس، وما صعب عليك بالوسائل المعتادة تذهب اليه عبر
الانقلاب، وهذا هو اليأس الذي تسرب الى الحزب
لماذا اليأس ؟
لاننا بعد كل زخم اكتوبر جاءت نكستها وأفقنا من حالة اكتوبر كان هناك البعض
الذي لم يستطع ان يعمل عمل الشيوعيين، ولذلك خرجت مجموعة احمد سليمان
والتي تعمل على طريقة (ادي الحلة عيطة والنقارة عصا ) ولذا قرروا بان التغيير عن
طريق صندوق الانتخابات ما عاد ينفع والحل عندهم الذهاب للجيش وهذا ما
اعتقد انه سيادة روح اليأس واللجوء للمغامرة.
لماذا سادت روح اليأس ؟
سادت روح اليأس لانه لم يكن واضح لهم ماذا بعد اكتوبر وكادوا أن يقولوا ما ذا
نفعل لكم بعد اكتوبر وكانت اجابتهم اننا سنأتي لكم بهولاء العساكر لحكمكم
وهم من يعطيكم السعادة على طبق من ذهب، واذا اردت ان ترى هذا بوضوح
فعليك الاطلاع على ما نشره نور الهدى باسم أزمة القيادة في الحزب الشيوعي
وهذا هو التقرير الذي كتبه عبد الخالق محجوب عقب انتخاب اللجنة المركزية
مباشرة عام 1967, وهو التقرير الذي قال فيه عبد الخالق ان لدينا ازمة في القيادة
ولك ان تتصور ان هذا الحديث جاء عقب انتخاب لجنة مركزية جديدة و اراد
بذلك ان يقول بان هذه اللجنة المركزية لن تستطيع حل الأزمة.
واين تكمن هذه الأزمة ؟
لدينا أزمة ما بين توقعات الجماهير بعد اكتوبر ومستوى القيادة ، وهذا هو التناقض
الرئيسي ما بين التوقعات الكبيرة في شأن تحرر المرأة والاشتراكية وغيرها وفي ذات
الوقت قيادتك قاصرة عن ذلك وفي هذه النقطة اتينا نحن لنملأ ضعف القيادة.
هناك اتهام لدكتور عبد الله بانه يعاني من اضطراب فكري فهو زعيم ماركسي
وليبرالي لحد ما ولكن اصابته لعنة المثقف السوداني في علاقته بالسلطة فعندما
جاءت الحكومة الشمولية ارتدى ملابسه ودخل صوالينها ؟
من الذي افترض ان هذا ارتباك فكري ؟ وما اصدرته من افتراضات فانها صالحة
لكل زمان ومكان, ولا اعتقد ان هناك توقع مني ثابت عندما تأتي حكومة
عسكرية ان اتصرف بطريقة معينة اسمها (ساوي ) وانا اخرجت من الحزب
الشيوعي على قناعة ان هذه المعارضة تحتاج (لشكة )
لماذا الشكة ؟
لانك اذا سألت اي يساري او شيوعي في عام 1989 سيقول لك لدينا الحزب
الشيوعي علينا المقاومة به كما فعلنا مع نظام 1958 ونظام مايو ولكن انا عندما
جاءت الانقاذ لم يكن لدي حزب شيوعي لاقاوم به وهذا ليس بسبب خروجي
منه ولكن لقناعتي انه لن يقاوم.
ولذا علي ان اجتهد وليس من حقك محاكمتي على انني خرجت من المعارضة وهي
غير موجودة واذا اردت ان ترى هذا اقرأ كتاب فتحي الضو سقوط الاقنعة هو
سيقول لك ذلك.
انت يا دكتور فكرت في اسقاط الانقاذ ولكنك وصلت لقناعة ان الحزب الشيوعي
لن يستطيع القيام بهذا وهنا كان عليك اعلان انك اصابك اليأس ؟
انت ترى انني اصابني اليأس اما انا فلا لم ايأس
لو لم تفكر في اسقاط الانقاذ ووجدت انك ليس لديك بدائل ودخلت في الانقاذ ؟
لا الامر لم يكن انني ليس لدي بدائل وانما هذه الخطوة ذاتها هي بديلي ان اعمل
فيها وانا كما قلت لك شخص متعلم على المساومة وانا مدرب على الدخول في
اي نظام وان اخرج منه (كالشعره من العجين ) وانت الآن تجلس معي لهذا السبب
ولماذا لم تجلس للتجاني الطيب.
هل كنت تعلم بان هذا الانقلاب لديه علاقة بالجبهة ؟
كيف لا اعلم علاقته بالجبهة وانا كنت اقابل علي عثمان من اليوم الاول للانقلاب
وهذه علاقات مهمة انا تعرف كيف تدار الاشياء ولكن حتى الآن قناعتي بان
الجيش هو المهم والأزمة التي تواجهه هي ازمة وطنية ومنذ الاستقلال اصبحت
مهمة الجيش هو (لم هذه البلد )
وهذه مشكلتك مع الحركة واليساريين ؟
من العقل ان لا تهزم الجيش لأن هذا الجيش اصبح جيش محترف للحد البعيد واذا
طلب منه (لم البلد ) فهو يقوم بذاك وانا افتكر ان هذا الجيش السوداني لم يحسنوا
تحليله وفي الجزائر يقولون ان كانت البلد لديها جيش فانه في الجزائر الجيش لديه
بلد وبذات المثال فان السودان اخطر منطقة فيه الجيش وهم الوحيدين الذين
يعملون في السياسة ولا احد سواهم
وانا قلت لناس الانقاذ مباشرة وللبشير امامه بان هذه المسألة في عنقك وهذه
المصالحة التي تتحدث عنها انت المسؤول عنها دون سواك.
وعندما كان الناس يعتقدون ان البشير هو محمد نجيب قلت لهم لا ليس لأنني لدي
نبوة, ولكنني اؤمن بان البشير هو الجيش ومثلي يكرم في الدنيا وليس الحديث عن
خطي وانا اتخذت طريقا مستقلا عن الذين يفكرون على طريقة الحزب وهذه
وظيفتي ككاتب..
نقلاً عن موقع صحيفة (الأحداث)
عبد الله علي ابراهيم تجربة طويلة في العمل السياسي تقلبت بين اشكال مختلفة ومن
بعد خرج منها واخذ ينظر للحالة السياسية السودانية من موقع الناقد ورغم
حضوره في الصحافة السودانية بشكل راتب الا انه دوما يطرح افكارا تثير الكثير
من الجدل وهو يقــول عن هذا انه ينظر للامور من موقع الناقد للاشياء .
ولذا حاولنا وهو يعود للسودان من موقع عمله في الولايات المتحدة الامريكية ان
نناقش معه عددا من القضايا التى يثيرها من وقت لآخر كما اننا عمدنا لتتبع مسيرة
عبد الله علي ابراهيم السياسية والفكرية وكانت هذه الحصيلة .
*كتبت عن رؤية عبدالخالق محجوب المتمثلة في افلاس مابعد اكتوبر وعدم وجود
الجديد, وبالعودة الي بيان عبدالخالق عقب الاستقلال الموقع بإسمه نجده يذكر ان
الحزب الشيوعي يدخل الوغى ويعف عند المغنم, وهذا ما قدمكم بشكل جيد
للشعب السوداني لكن في اكتوبر لم يكن الأمر بهذا الشكل حيث طالت الاتهامات
الحزب الشيوعي بأنه أخذ اكثر مما يستحق؟
نحن في اكتوبر ناهضنا بطاقتنا السياسية القصوى, لكني اتحدث من زاوية فكرية
وهي عدم وجود مفاتيح لما بعد سقوط النظام, وظل الاشكال يشابه هزك للشجرة
دون ان تدري أين يسقط الثمر, ولذلك لو اشتغلنا اكتوبر برؤية عبدالخالق عبر
حل المشاكل جذريا وذلك بمعرفة تضاريس المجتمع السوداني لما سقطت اكتوبر
بالطريقة التي سقطت بها, لكن من زواية السياسة الحزب الشيوعي عايش علي
مبادئه لولا ذلك ل..., وسقطت أحزاب "تطقطق", الحزب الشيوعي الآن عايش
بقليل من المعاني التي نعرفه بها, اما من ناحية الفكر التي تقدم للجماهير ويقبلونك
ويتعاطفون معك , وتجيب علي أسئلتهم عن (من انت؟وماهو دينك؟ وماهي
صلاتك؟ وماهو مستقبلنا, وماهو معاشنا؟)..الحزب الشيوعي أساسا حزب
معارضة أسس لها عبر الشجاعة والسجون و...و..
*من ذات زاوية النظر الفكرية الا ترى ان تحليل عبدالخالق للاوضاع "ما بعد
اكتوبر" بوجود أزمة في التفكير يشابه لحد كبير تحليل الفيلسوف الفرنسي اوجس
كونت الذي كان يرى أن أزمة "ما بعد الثورة الفرنسية" تتمثل في الاضطراب
الموجود في أدمغة الفرنسيين ولا علاقة له بالواقع ..هذا التشابه يتعارض مع
المنطلقات الفكرية للاثنيين حيث ان كونت ليبرالي بينما عبدالخالق يستخدم
الماركسية كمنهج للتحليل؟
عبدالخالق كان يقصد ان الفكر ليس مجردا من الصراعات المادية التي نتحدث عنها
لكنه يستبشر, وليس معناه انك لو فكرت بشكل صحيح خطواتك كلها ستكون
صحيحة لكن على الاقل اذا حدثت نكسات ستكون في حدود المعقول والمهم
التبشير وهو تحريك الناس تجاه القضايا, مثلا "الطائفية" تجعل الناس تفكر فيها
باستمرار وطبعا ليس بمعنى ان ابعاد السيد فلان او غيره, لكن لابد ان يفكروا في
الطائفية نفسها ماهي ؟ ومن اين أتت؟وماهو اقتصادها؟ ولماذا تغري الناس وتجعل
البعض في النقابة يصوت للشيوعيين لكن في الدائرة الانتخابية لا يعطيك صوته!
هذا يجعلنا ننظر الى قضايا لسنا نمتلك "زمامها" يعني مثلا القطاع التقليدي ونحلله
من علي بعد, وانا اذكر ان مسؤول العمل الاقتصادي وعضو اللجنة المركزية
والمكتب السياسي حينما رأى انني اتحرك في الارياف بحكم بحثي في الدراسات
السودانية طلب مني مساعدتهم في جبهة الاقتصاد والقطاعات التقليدية, وتحديدا
طلب كتبا لكي يقرؤوها, وانا في ذلك الزمن كنت معجب بكتاب ل"كنلسون"
عن عرب البقارة يصف حياتهم ومعاشهم واقتصادهم ورحلاتهم, وفعلا احضرته له
ولكنه اعاده الي بعد قليل بما يشيئ انه لا يخدم قضيتهم ٍ لأنه يتحدث عن رحلات
ومسارات و..,..شعرت اننا لم ننفذ الى البادية , حتى امس انا بقرأ في "الميدان"
عن برنامج الحزب الشيوعي لم اجده يتضمن البادية يعني تجده يتحدث عن الزراعة
التقليدية والمطرية لأنها مستقرة لكن البادية ما موجودة بالرغم من ان المشكلة
الراهنة في السودان كلها مشكلة بادية, وفي ذات العدد تجد شعار "الارض لمن
يفلحها" ارجع الي الميدان, وهذا برنامج الحزب لكن اذا نظرنا الي هذا الشعار نجده
مجازي اذا طبقت هذا الحديث في البادية الجنجويد سيخرجون من دارفور لأنهم
يفلحوها لكن الفور ممتلكنها تاريخيا والجنجويد ليس لهم فيها شيئ..هذا حديث
غريب جدا لأنك تجد حزب واحد يرى ان الارض لمن يفلحها في منطقة والارض
لمن لايفلحها في منطقة اخرى, هذا شعار مغامر في وضع دارفور, هذا الحديث
يرجعني الى كتاب كنلسون عن البادية و قدمته للقطاع الاقتصادي في الحزب
الشيوعي منذ الستينات ولو تمت دراسة هذا الكتاب وأتت كتابات اخرى لتغير
الوضع , ونحن نملك افضل اكاديميين درسوا البادية "عبدالغفار محمد احمد درس
رفاعة الهوي, كنلسون درس البقارة , طلال اسد درس الكبابيش" يعني البادية تمت
تغطيتها من حيث الدراسات الاكاديمية بشكل جيد لكن عندما تتفجر البادية لا
تجد احد يعرف لماذا تفجرت ويقولون لك ان مشكلتنا هي "العقل الرعوي" وانت
لا تعرف الرعاة ولاتعرف ..و..,هذه هي الجبهات التي كنا نريد اقتحامها بشكل
علمي وندرس بنية المجتمع السوداني ويكون بالنسبة لنا شيئ واضح. مثلا عندما
اتحدث مع شخص من البادية يكون هو يعلم تماما اننا نعرف كل شيئ عن البادية
او على الاقل لدينا الاهتمام الكبير الذي يجعلنا نفهم مشاكلها , وبهذا يمكنه ان
يقبلنا ولم تكن لدينا مشكلة عندما طبقنا هذا الشيئ مع مزارعين في الجزيرة عندما
حملنا معنا افكارا عن الحقوق و..و.., هذا الاستعداد مكننا من عمل عضوية بينهم
, شيخ الأمين مثلا عندما جندوه كان ماشي للحج وهو انصاري , هذا يؤكد انه
عندما يأتي أناس يعلمون الكثير عن موضوعهم مع المستهدفين ويربطوه بالسياسة
الوطنية والعالمية وزراعة القطن وبيعه في "لانكشير" تجد ان الجماهير تطورت وهذا
يعمل حماية للحركة والفكرة , ويدحض ازمة الحديث ان فكرتك مستورده لهذا انا
أكتب المقالات المستقاة من بحوث بروفيسر محمد نوري الامين عن الحزب
الشيوعي التي تقول اننا لم نخرج من الماركسية وانما تخرجنا من مدرسة ابروف
والفجر وإنما اتت الماركسية ل"تشعلل" القصة , هذا ما يقصده عبدالخالق عن
افلاس ما بعد اكتوبر, نحن اخذنا جائزتنا السياسية من اكتوبر واعطتنا الكثير لكن
الصرع القائم الي الآن هو (أعد) لأننا لم ننجز الواجب العملي .
*انت تحدثت عن كتابات محمود امين العالم عن الصدفة والضرورة ..وبإسقاطها
علي اكتوبر هل اشتغلها الشيوعيين فعلا ام اخذو علي حين غرة؟
نحن اشتغلنا اكتوبر وطبعا ليس وحدنا لكن كنا في منطقة "أركان الحرب " ونعرف
ماذا يحدث بالضبط , الآن لم تعد هناك سياسية, لكن نحن عندما عملنا المساومة
عملناها بفكرة , وحللنا الازمة الثورية لأن السياسية لم تعد اطارا ولا قدرات مثلا
تجد المعارضة تريد اسقاط الحكومة وتقول" لو زبلوها ما بتتم الخريف"! هل هذا
تحليل شخص يعرف سياسة هي الآن موجودة لمدة 20سنة, في ذلك الزمان الذي
كنا فيه ماركسية اكتوبر كنا نرى الماركسية تتطبق امامنا ونحن نشارك فيها لهذا
عندما اتحدث عن المساومة التي تم عملها في اكتوبر لأننا بلغنا مرحلة كشف النظام
وتعريته ولم نعد نحتاج لمظاهرة او ندوة بل كنا نحتاج ادوات للتغيير وهذه الادوات
لا تأتي الا عبر المساومة, نساوم بمعنى ان نجد اتحاد طلاب و اتحاد مزارعين ,
وندخل مع الحكومة والادوات تكون في يد الجماهير حتى عندما تهب تجد عندها
ادوات ولا تبحث عن ادواتها لاحقا, مثلا اتحاد طلاب جامعة الخرطوم كان سري
وعندما تمت المساومة اتى الاتحاد بالوضع الجديد وتشكل والثورة خرجت منه,
وهذه كانت معلومة لدينا لهذا عندما يقول ملاسي انه من عمل الاضراب السياسي
العام نسأل من هو؟ نحن من وزع منشورات الاضراب السياسي وعلقناه في كل
الاماكن وكان هذا عمل مؤسسة, خططنا له في الحزب وحولناه الى الجبهة
الديمقراطية واذكر عند نقاشه في الجبهة احد الزملاء اندهش جدا وسخر من
الفكرة وبعد اسبوعين فعليا بدا الاضراب السياسي, الماركسية ساعدتنا جدا في
اكتوبر وكل تحليلاتها شفناها تطبق امامنا ولأن الناس لا تقرأ يحدث مثل هذا "
الغلاط" ..مثلا كتاب ثورة شعب الآن غير موجود وهو قد صدر في 1965وفيه
كل الوثائق التي نشرها الحزب منذ 1958 إلى قيام الثورة ورجعو اليه لكي تروا
تسلسل فكرة الاضراب السياسي وايضا هناك دكتورجعفر كرار الآن استاذ جامعي
في الصين كتب عن الاضراب السياسي يمكن الرجوع اليه .
هل تعتقد ان التحليل الذي توصل اليه عبد الخالق بعد اكتوبر هو الذي حمل البذرة
الاولى لاتجاه الحزب الشيوعي نحو منحى آخر في التغيير عبر الانقلاب ؟
اذا كنت حزب جماهيري وتملك زمام سلطتك لن تزيح الناس وخاصة ان كل هذه
الانقلابات هي ازاحة للناس، وما صعب عليك بالوسائل المعتادة تذهب اليه عبر
الانقلاب، وهذا هو اليأس الذي تسرب الى الحزب
لماذا اليأس ؟
لاننا بعد كل زخم اكتوبر جاءت نكستها وأفقنا من حالة اكتوبر كان هناك البعض
الذي لم يستطع ان يعمل عمل الشيوعيين، ولذلك خرجت مجموعة احمد سليمان
والتي تعمل على طريقة (ادي الحلة عيطة والنقارة عصا ) ولذا قرروا بان التغيير عن
طريق صندوق الانتخابات ما عاد ينفع والحل عندهم الذهاب للجيش وهذا ما
اعتقد انه سيادة روح اليأس واللجوء للمغامرة.
لماذا سادت روح اليأس ؟
سادت روح اليأس لانه لم يكن واضح لهم ماذا بعد اكتوبر وكادوا أن يقولوا ما ذا
نفعل لكم بعد اكتوبر وكانت اجابتهم اننا سنأتي لكم بهولاء العساكر لحكمكم
وهم من يعطيكم السعادة على طبق من ذهب، واذا اردت ان ترى هذا بوضوح
فعليك الاطلاع على ما نشره نور الهدى باسم أزمة القيادة في الحزب الشيوعي
وهذا هو التقرير الذي كتبه عبد الخالق محجوب عقب انتخاب اللجنة المركزية
مباشرة عام 1967, وهو التقرير الذي قال فيه عبد الخالق ان لدينا ازمة في القيادة
ولك ان تتصور ان هذا الحديث جاء عقب انتخاب لجنة مركزية جديدة و اراد
بذلك ان يقول بان هذه اللجنة المركزية لن تستطيع حل الأزمة.
واين تكمن هذه الأزمة ؟
لدينا أزمة ما بين توقعات الجماهير بعد اكتوبر ومستوى القيادة ، وهذا هو التناقض
الرئيسي ما بين التوقعات الكبيرة في شأن تحرر المرأة والاشتراكية وغيرها وفي ذات
الوقت قيادتك قاصرة عن ذلك وفي هذه النقطة اتينا نحن لنملأ ضعف القيادة.
هناك اتهام لدكتور عبد الله بانه يعاني من اضطراب فكري فهو زعيم ماركسي
وليبرالي لحد ما ولكن اصابته لعنة المثقف السوداني في علاقته بالسلطة فعندما
جاءت الحكومة الشمولية ارتدى ملابسه ودخل صوالينها ؟
من الذي افترض ان هذا ارتباك فكري ؟ وما اصدرته من افتراضات فانها صالحة
لكل زمان ومكان, ولا اعتقد ان هناك توقع مني ثابت عندما تأتي حكومة
عسكرية ان اتصرف بطريقة معينة اسمها (ساوي ) وانا اخرجت من الحزب
الشيوعي على قناعة ان هذه المعارضة تحتاج (لشكة )
لماذا الشكة ؟
لانك اذا سألت اي يساري او شيوعي في عام 1989 سيقول لك لدينا الحزب
الشيوعي علينا المقاومة به كما فعلنا مع نظام 1958 ونظام مايو ولكن انا عندما
جاءت الانقاذ لم يكن لدي حزب شيوعي لاقاوم به وهذا ليس بسبب خروجي
منه ولكن لقناعتي انه لن يقاوم.
ولذا علي ان اجتهد وليس من حقك محاكمتي على انني خرجت من المعارضة وهي
غير موجودة واذا اردت ان ترى هذا اقرأ كتاب فتحي الضو سقوط الاقنعة هو
سيقول لك ذلك.
انت يا دكتور فكرت في اسقاط الانقاذ ولكنك وصلت لقناعة ان الحزب الشيوعي
لن يستطيع القيام بهذا وهنا كان عليك اعلان انك اصابك اليأس ؟
انت ترى انني اصابني اليأس اما انا فلا لم ايأس
لو لم تفكر في اسقاط الانقاذ ووجدت انك ليس لديك بدائل ودخلت في الانقاذ ؟
لا الامر لم يكن انني ليس لدي بدائل وانما هذه الخطوة ذاتها هي بديلي ان اعمل
فيها وانا كما قلت لك شخص متعلم على المساومة وانا مدرب على الدخول في
اي نظام وان اخرج منه (كالشعره من العجين ) وانت الآن تجلس معي لهذا السبب
ولماذا لم تجلس للتجاني الطيب.
هل كنت تعلم بان هذا الانقلاب لديه علاقة بالجبهة ؟
كيف لا اعلم علاقته بالجبهة وانا كنت اقابل علي عثمان من اليوم الاول للانقلاب
وهذه علاقات مهمة انا تعرف كيف تدار الاشياء ولكن حتى الآن قناعتي بان
الجيش هو المهم والأزمة التي تواجهه هي ازمة وطنية ومنذ الاستقلال اصبحت
مهمة الجيش هو (لم هذه البلد )
وهذه مشكلتك مع الحركة واليساريين ؟
من العقل ان لا تهزم الجيش لأن هذا الجيش اصبح جيش محترف للحد البعيد واذا
طلب منه (لم البلد ) فهو يقوم بذاك وانا افتكر ان هذا الجيش السوداني لم يحسنوا
تحليله وفي الجزائر يقولون ان كانت البلد لديها جيش فانه في الجزائر الجيش لديه
بلد وبذات المثال فان السودان اخطر منطقة فيه الجيش وهم الوحيدين الذين
يعملون في السياسة ولا احد سواهم
وانا قلت لناس الانقاذ مباشرة وللبشير امامه بان هذه المسألة في عنقك وهذه
المصالحة التي تتحدث عنها انت المسؤول عنها دون سواك.
وعندما كان الناس يعتقدون ان البشير هو محمد نجيب قلت لهم لا ليس لأنني لدي
نبوة, ولكنني اؤمن بان البشير هو الجيش ومثلي يكرم في الدنيا وليس الحديث عن
خطي وانا اتخذت طريقا مستقلا عن الذين يفكرون على طريقة الحزب وهذه
وظيفتي ككاتب..
نقلاً عن موقع صحيفة (الأحداث)