اقتباس:
تفعلها يا نورنا.. تفعلها وجيداً جداً قليلاً وستداهمك أصوات (الباغات) البلاستك التي تُضرَب بالعصي في إعلانٍ مُزعج ان بائع ماء يمر بالشارع, مصاحباً حماره الرمادي الذي لا يستجيب الا لصوت صاحبه مهما كنا نفعل به نحن الفتيات الصغيرات اللائي تأخذن الحياة هناك وكأنها رحلة في متحفٍ مفتوح, في عطلاتنا السنوية القاصدين فيها بيت جدي.. (أررر) تتابع بغير تناغم متداخلة مع ضربات العصي, والحمار يمشي بتأني لا يفسّره الحمل الثقيل لـ(الخُرُج) المدهون بالقطران على ظهره, بقدر ما يفسره السماح بإلتقاط صيحات طالبي المياه من داخل البيوت.. صبيةٌ بأجساد ناحلة لكنها تنضح بقوتها, يرتدون أبسط ما يسترهم عن حر الشمس, والسُترة في مفهوم أهل تلك البلاد يعني تغطية عموم الجسد, ولو على إستحياء, ويدسون أرجلهم في أحذية بلاستيكية مغلقة أو صنادل مصنوعة من بقايا إطارات السيارات تختلف أشكالها ويتوحد مسماها في (تموت تخلي).. (حاووويششش).. ويتوقف الحمار, وتتبادل اليدان الصغيرتان فعلاً متناغماً وهي تُفرغ ماء الـ(خُرُج) عبر الخرطوم الجانبي المسدودة فتحته بقطعة فلين ملفوفة بعديد من أكياس تُدغم في الفتحة فيعييها حبس الماء فيظل يتقاطر على طول الطريق, وبذلك يكون محظوظ جداً من يسكن قريباً من الـ(دونكي), ولم نكن. |
اقتباس:
وكثيرة هي الغيمات التي تسقي... قليلة هي الأرض التي تُروى يا سجمان الما سجمان. فهاك مزيد..! (كان ما لقيتو خُرُج, شوفو لينا دينكاوي).. وهذا الـ(دينكاوي) كان كالمبعوث فينا لبيع الماء ليس إلا, يمشي بطيئاً في خطواتٍ واثقات وواسعات تناسب طوله الفارع.. يضع على كتفيه عصى غليظة تقارب تلك (الشِعبة) التي تسند (الراكوبة), يُعلِّق على طرفيها سلاسل حديدية متينة وطويلة تنتهي بصفيحتين ممتلئتين بالماء.. ولثقةٍ ما فيما يفعل لم يكن ينادي على بضاعته, ولا يضرب حتى على صفائحه, يمشي وحسب, ومن يحتاجه يناديه.. وفي غير همهماته عند الحساب لن تسمع له صوتاً إلا وهو يدندن في البعيد. ينسحب في هدوء يتراقص حوله جلبابه الملوّن الزاهي ما بين أزرق وأخضر وبرتقالي و(سمني) تتفاوت حدة اللون ربما بقدر البهجة في صاحبها, وقبل ان يصبح شائعاً إرتداء الجلباب الملون لم يكن غيرهم الدينكا هناك من يفعلها.. لم ألمحهم في مكانٍ إلا والعصي والصفائح برفقتهم, قليلٌ عددهم, قليلٌ كلامهم, وحينما يفعلون تدهشني أسنانهم البيضاء في حالك سواد وجوههم, وبرغم رسوخ فكرة المُرسَل الأبيض في رأسي الصغير, لم أخلع عنهم صفة الإبتعاث برسالة الإرواء, فهم يختفون سريعاً, ولن تلمحهم أبداً ما بعد غروب الشمس إلا في الصباح الجديد, يحملون الماء ويدندنون لأنفسهم, ويبادلونني نظراتي الفضولية بإبتساماتٍ برّاقة. |
اقتباس:
اقتباس:
و هنا رأيت بعض مراحل الصِبا! مثل هذا الوصف الدقيق يقودني هناك . . موية البحر حيث كنّا نجلبها بالأخراج تماماً كما وصفتِ: اقتباس:
و موية البير بعد نشلها بالدلو وصبّها في الصفيحتين. لإثبات أنّنا قد بلغنا من القوّة مبلغاً، كنّا نصر على حمل الجوز على الأكتاف، تماماً كما يفعل ذلك الدينكاوي ذو الأسنان ناصعة البياض. موية البير، نسبة لبعض ملوحة فيها، كانت تُستخدم للأغراض الأخرى غير الشُرب. أمّا موية البحر، فكانت للشُرب فقط ويُحظر إستخدامها ما دون ذلك، لأنّها "ما جابوها بالهينة". كتابتك عن الشوارع تضج بالحياة و الوصف الدقيق وتحفّز الذكريات. كل التحيّة. |
اقتباس:
وحكمة لا يهم من يُعطيها, لكنها تُمنح بسخاء. (يا ود الحرام.. والله كان لحقتك الا نقطعا راسك ده يا ود الكب)... ولم يعد الأمر مُستغرباً.. فـ(مريم بِركة) تقوم بتأديب أبنائها بطريقتها الخاصة, ولا غبار عليها, فهي لم تنطق بكذب.. لم يعرف لها أحد زوجٌ مُقيمٌ لديها بصفةٍ دائمة, فمعظم من تقوم بتقديمهم بأنهم أزواجٌ لها يظهرون لأيامٍ معدودة ثم يغيبون.. أيام تكفي لإخراجها باروكتها القديمة ذات الشعرات القصيرات المنتشرات في كل الإتجاهات كيفما إتفق, قبل ان تضعها على ركبتها لتغرقها بالماء وزيت الطعام وتسرِّح شعراتها بالفرشاة القديمة.. أيامٌ تكفي لأن تُحرك كيس الحناء على قدميها بأشكال أبعد ما تكون عن النقش, ولأن تغرق إبطيها بـ(خُمرة) يضيع أجمل طيبها في عرقها الذي يكفي قليل صراخ لينزَّ منها غزيراً يلفحك على وجهك مع حرارة النهار وكأنه من (أزيار المريسة) التي تنتظر زبائنها بصبرٍ جميل, ولأن تغسل ثوبيها التركوازي والبرتقالي الحائل الى لون المستردة وتنشرهما على طول (الحوش) القصبي الذي يسوِّر بيتها, ولأن ترتكب في حقنا الجرم الأكبر عندما تتعهد شفتيها الكبيرتين الممتلئتين بحمرة شفاه أظنها بعهدتها منذ عشرات السنين, لتخرج الينا في هيئةٍ لا تستطيع النظر اليها قبل ان تستعيذ بالشيطان في سرك ثلاث مرات أو يزيد. و(مريم بِركة) سيدة في بدايات الثلاثينات من عمرها عندما لمحتها لأول مرة ,ونحن نهبط من على السيارة التايوتا المكشوفة, مندسّة بين نسوة الحي اللائي تهافتن لمقاسمة جدتي إحتضاننا والإحتفال بمقدمنا.. صرخت فينا بصوتها الجهور –وتلك طبيعة صوتها بدون قصدها الصراخ- (بنات هدِّية).. وهي تمد يديها مفتوحتين على وسعهما, إنكمشت خلف أمي قبل ان تحثني جدتي لمد يدي محيية.. قليلاً وكنت أستغل إنشغال الجميع لأطل على بيتها ذو السور المتهالك والمتهاوي بعضه, في دونما حوجة الى باب.. جميلة في قوامها المربوع بتثنياته الصارخة, شعرها قصير جداً إن لم تسعفه بـ(السلّة) في (مُشاطٍ) ناعم ينسدل على كتفيها, يظهر كثيرٌ من جسدها في فستانها مكشوف الصدر والذراعين في غيرما قصدٍ لتعري, ففي تلك البلاد يحق للمرأة لبس الفساتين المكشوفة بدون ان يفكِّر رجلٌ ما في أنها تعرضُ عرضاً او تمتهنُ الإغراء, ويكفي الثوب الملفوف على الأجساد ليكون ستراً كاملاً حتى وان جاء على الهيئة التي يُرتدى بها هناك, مرتفعاً الى ما فوق نصف الساق, ومرمياً بإهمال على الصدر, ولا يهم ان إستقر جلّه بالكتف تاركاً للصدر النافر حرية تنسُّم الهواء.. و(مريم) في فستانها ذاك يمكنها في نوبة هياج الوقوف في منتصف الشارع لتكيل السباب الى أحدهم, في إستدعاء صارخ لدمغها بوصف (مطلوقة), وذاك آخر ما يسترعي إنتباهها.. (دي أبو لي أبكر.. ) والتحديد هنا جد مهم, فهي تُقر بأن أبنائها الخمسة ينفرد كل منهم بأبٍ مُستقل, وفي بعض حالات سباحتها خارج وعيها تعترف بأنها لم تتزوج من أحد وان المتحدث عنه لا يزيد عن (يومتا نام معاي زي شهر.. اها ساعة قبّل معا سفنجات حاج زكريا.. فرفرا جبرين في بطني) وتعقبها بضحكة مجلجلة وكأنها تُغيظ جليساتها بقدرتها مضاجعة من تشاء ساعة تشاء, والكل يعرف عن أنها تمكِّن فقط من يروق لها, من نفسها, بلا مقابل مادي ولا إلتزام ببقاء, وأن زبائنها ليس لهم الا (مريستها) والأنس وحلو السهر.. |
اقتباس:
وأخالني ما توفقت في العنوان, أرهقني جداً فتركته بعواهنه, فلربما كان صائباً على غفلةٍ مني.. فقط.. ترقبني.. فهذا ما يحفزني للمزيد. و.. شكراً جداً يا بله أنك بالجوار.. فذاك يعني لي الكثير بحق. تداهمها سيارات الشرطة بليل, تُريق مشروبها وتكسِّر أزيارها, قبل أن يرفعونها بينهم, الشئ الذي يحتاج مجهود أكثر من ثلاث رجال ليقدروا عليها, وصوت صراخها يشق الليل وسكونه بسكينةٍ حادٍ نصلها ولمعانها.. (أولاد الحرام ما تخافو الله في مَرَة.. الله يلعناكم يا خول اولاد الكب.. يا..) وتجتهد أمي لكيلا نستيقظ ونسمع سبابها البذيئ, ولم تعرف أني كنت أسمع وغالباً بغير فهم لمعظم ما يُقال, حتى سألت خالتي يوماً عن معنى (أولاد شراميط) فصفعتني وجرتني لأمي التي نفحتني صفعةً أخرى وتعنيفاً مغلّظاً إستمر لعدة دقائق وعيناي تتنقلان بينهما في غير وعيٍ للجرم الذي إرتكبته, وعندما لم أخرج من كل ذلك الا بدموعي وخدٍ متورم, فهمت أنها شيئ مما لا يمكن السؤال عنه. حتى إذا ما أطلقوا سراحها عادت لبيتها بإحساس عظمةٍ متناهية, وتفرغت لإعادة تجهيز شرابها من جديد.. وللغرابة, يشكل جنود الإحتياطي المركزي و(إشلاق) السجانة حضور دائم لديها, ثم يرتدون زيهم العسكري لينفذوا فيها أمر الإعتقال وكأنهم عن فعلها أغراب. كان جدي يرفض دخول (المشوطنة ست المريسة) داره وهو المتصوف التجانيّ القويم, بينما جدتي لا تستطيع منعها وهي جارتها التي تعاملها بلطف ولا تُخطئ في حقها بكلمة او فعل, ونحن نسعد بقدومها لما تمنحنا إياه من متعة متابعة أحاديثها الشهرزادية عن ضيوفها الذين يخرجون منها في ميقات السَحر يترنحون, فارغةٌ جيوبهم, وألبابهم, إلا من عظيم نشوة. يوم أتت تحمل في يدها (بستلة أم جنقر) لأمي إمعاناً في الإحتفاء بها, إنتظرت أمي حتى خرجت ودلقتها رغم توسلاتي ان تترك لي شيئاً منها, وهي ترفض بحجة (لا دي حرام ما بتتشرب) ولم أفهم ما الحرام فيها وجدتي تصنع مثلها بالبيت, فتسللت الى دارها, وشربت عندها حتى إرتويت, وعدت مزهوة بإنتصاري. (مريم بِركة) أحد أهم معالم ذاك الشارع الطويل, لا يحل محلها (حاج دكين) ولا (فاطنة أم أحمد) ولا (شيخ ضيف الله ابو فاطنة) نفسه, ولا زلت أذكر يوم ظلت تطارد ذلك اللص الذي على جهالةٍ إختار بيتها ليسرقه, ليُفاجأ بها كل الحي تطارده عبر البيوت, تقفز على الحوائط وتعتلي الأسطح في خفةٍ شديدة وإصرار بالغ للحاق به. عبرت خمس من البيوت قبل أن تطبق عليه وتجلس على صدره شاهرة سكينها متوعدة بقطعها عضوه الذكري ليفقد صفة الرجولة التي تخوله السطو على بيوت الناس. عندما حملت حاجياتها ذات صباح وأعلنت رحيلها الى منزلٍ آخر, كان مناسباً جداً أن تُزرف الدموع لوداعها, وهي التي دخلت كل البيوت ناشرة ضحكاتها المجلجلة وصوتها العالي وطِيب قلبها وفاء نفسها, وسبابها غير المعلوم أسباب إنطلاقه في السماء. وعندما رتبت القادمة الجديدة للبيت حاجياتها وأعلنت عن بضاعتها صاح جدي (البيت ده الله ما يفتح عليهو بود حلال كلو كلو.. من ست مريسة لي ست مريسة؟ زي المدفون فيهو شطان؟) وضحك الكل, ولا زالوا, ووحدها ضحكات (مريم بِركة) غابت بطعمها الخاص, والجرئ. |
وهاد
ســـلامات... صدقيني لم اجد ما اكتبه يمكن بعد أن افيق من دهشتي هذه أجد ما اسطره لكنني لدي ســؤال: لماذا أنت مقله في الكتابه؟ في احتجاب قلمك ظلم لنا تحاياي |
الجميلة وهاد..
كل الحروف التي حاولت الإستعانة بها للبوح عن إعجابي بما تكتبين فآجأتني بساخفتها! كلامك (طاعم).. وله رائحة.. تسجيل حضور وإعجاب |
اقتباس:
والأماكن تستحيل غياب, والزمان الى رحيل.. لا خيار لنا غير ان نكتبه, ونكتبهم, وأنفسنا التي ربما أخيراً جداً نراها كما يجب. سأكتب. ربما تصحو صباحاً لتجد الشارع أمام المنزل محتلٌ بالكامل بالشاحنات (السفنجات) الضخمة بألوانها الزاهية ما بين أصفر وأزرق, واللواري ذات المقصورات المكسوة بالأقمشة المطبوعة بالأزهار, المحلاة أطرافها بالكشاكش والتول اللامع. ولن يكون ذلك الا بعض قطيع الشاحنات التي يختار سائقوها الإقامة عند (فاطنة عبدالمجيد), في الجزء الأمامي من منزلها الذي بات كالإستراحة المفتوحة لهم وقتما يحلّون بالفاشر. و(فاطنة عبدالمجيد), ويجب ان تلفظ إسمها كاملاً هكذا, سيدة فخمة في كل ما يتصل بها, فارعة في طولها, ممتلئة جيداً بحيث لن ترى فيها عظماً غير ملتف بلحمٍ متماسكٍ ومستويٍ في صحةٍ تامة, سوداء حتى ليلتمع جلدها تحت ضوء الشمس, عظيمة الأطراف حتى لتظن كفيها وقدميها مستلفتين من صحابيٍ ما, ضحكتها رنانة في جرسٍ متقطِّع يلتف حولك كما إعصار يدغمك في الضحكة الضاجة, عبر السن الذهبية البراقة, نظيفة وتفوح من ثوبها رائحة مسك يُغسل به حتى بات بعض خواصها, ولن تراها الا وجلبابٌ من المخمل او الستان يمرر فخامته من تحت الثوب برغم حرارة الجو الغالبة, لها أساور ذهبية عريضة وأثرية في نقشها تزين بها معاصمها كلما خرجت مع جاراتها لمناسبة زواج او ختان او حتى (سماية).. قالوا انها تزوجت قديماً ولها ابنة تعيش بإتجاه (شنقل طوباية) ثم تطلّقت.. لكنها كانت تأوي اليها ابن وإبنة أخيها المقيم خارج مضارب المدنية في الخلاء, وعندها إرتادا المدارس بالفاشر على نفقتها وتحت رعايتها التامة.. تُجيد صنع القهوة وقراءة فناجينها, ولن ترضى عن نفسها ان لم تأتيك حاملة صينية قهوتها محملة بالـ(الجبنة) والفناجين و(مبخر) لا يفتر من حرق بخور (التيمان) وخرزاته الحمر لطرد روح الشياطين وعيون الحساد, لتلِّح عليك من أجل قراءة طالعك في تعرجات القهوة السوداء.. المرأة الوحيدة في الشارع التي لا تتردد عن رفع صوتها لآخر مدى محيية هذا وذاك وان كان يبعد عنها شارعاً او إثنين, كما وتكتفي من مكانها المعتاد تحت شجرة السدر تلك بإدارة بيتها بصراخها المتواصل لـ(بثينة) إبنة أخيها التي لا تمل من هرولتها هنا وهناك ملبية طلبات عمتها التي لا تنتهي, والتي تتكدّس خلال النهار في إنتظار عودتها من مدرستها.. لا تتوانى في زجر أحد السائقين الجدد رافعة صوتها إمعاناً في تصغيره أمام سكان الشارع, ان رأته يغازل إحدى فتيات الحي او حتى يرمقها بنظرة إعجاب, يكفي ذلك لإنذاره إنذاراً نهائياً, يعني حرمانه من التمتع بالسرير المنسوج بجلد الغنم والماء البارد وصحن (الشية) وونسة الضحى وقهوتها, أي.. حرمانه من إرتياد منزلها للأبد. وكانت صديقة أثيرة لجدي.. عندما تغيب عنه ليوم, تأتي وصوتها يسبقها يفتح لها النمليّات, ويضيّفها قبل أهل الدار (ابو فاطنة كيف أصبحتا.. حنونة قال عيونك بوجاك.. هييي ود أمي بوجاك؟.. أمبارح ود الضي سافرت في ليلا داك ولا أمهلانا نودعو, رجعتا من حجة حوا لقيتا سافرت.. هَي قال عربية فحم مرت من ورا, وصيتا كان جا ينزلي ليكم شوال كبير..) وتستمر في قول ما تريد بدون إنتظارٍ لرد, مكتفية بضحكاتها المتقطعة كفواصل مابين موضوعٍ وآخر, قبل ان تجمع ثوبها اليها وتخرج وهي تسأل جدي لها الفاتحة وحسن الدعاء.. ولن تفاجأنا مطلقاً إن دخلت علينا بعيد المغرب حاملة صينية يتوسطها صحنٌ أوحد, فأعرف أن ديكها سيفتقد مع الصباح إحدى دجاجاته الحلوات. كانت امرأة (ضكرانة) جداً.. ويكفيها. |
اقتباس:
والله يا همس مع ذكر النسيم جاك غبار جد...:D بس برضو خليك قريبة. (أجرو أقفلو الشبابيك في بقر في الشارع)... ستهرول إحدى الخالات لإغلاق نوافذ الغرف في (حوش النسوان) ونجري نحن بإتجاه الصالون بحجة إغلاق نوافذ غرفة خالي لأنها الأقصر والأسهل لنا, وللحق لن يحدث ذلك, فمن الغباء تفويت متعة مشاهدة أبقار (ابو صفيتة) تعبر الشارع الرملي العريض, مثيرة لعاصفة غبار تليق بالقطيع الكبير الذي يمر. و(أبو صفيتة) الجد الليبي الأصل, أحد كبار تجار المواشي في عموم شمال دارفور, شيَّد لعائلته الكبيرة التي تُصر على التصاهر فيما بينها عدّة منازل تمتد على مساحة أكثر من مربوعين متجاورين قبل ان يختار بعض الأبناء الخروج من القلعة والإنتشار في بعض الأحياء الأخرى البعيدة, منازلهم من الطوب والأسمنت والحجر, عالية وجميلة في تخطيطها العمراني المتماثل بلونها الترابي الغامق مع الإطار ذو اللون البيج المرسوم على كافة الحوائط الخارجية. لن ترى أحد قاطني هذه البيوت داخلاً او خارجاً منها, حتى لتقترب من فخ اليقين من أنها خالية قبل ان ينجدك خروج نادر لبعض أطفالهم ذوي البشرة البيضاء والشعر الناعم المتطاير مع نسمات الهواء في مشهد لافت للنظر, ربما لن يصادفك كثيراً ان لم تتغول بإتجاه عرب (دبّة أب شديرة) و (خور سيال). ولولا زمالتي لإحدى حفيدات الأسرة بالمدرسة الإبتدائية التي قضيت عاماً دراسياً واحداً فيها, لما تغيرت قناعتي بأنه من غير المسموح لنسائهن تعاطي الحياة العادية خارج البيوت.. أحد هذه المنازل يستخدم كزريبة كبيرة للأبقار التي تُستضاف لبعض يوم قبل إعادة توجيهها, وللآن لا أعرف لماذا يدخلون بها المدينة, لكن هاهي تعبر شارعنا لتنتهي الى مستقرها. أبقار ممتلئة بالعافية, لن تقع عينك عليها الا ولسانك ينطقها دون إستئذان (ما شاء الله تبارك الله), حمراء غالباً وتتناثر بينهن بقرات ذوات لون ابيض شاحب, ويتقدمها ثورٌ عظيمٌ في بسطة جسمه وطول وإلتواء قرنيه, يكاد يكون الأكثر إرتفاعاً بينها, وبالطبع لن يفوتك ملاحظة (الحِجبات) المتدلية من رقبته, ويسير خلفها إثنان من حادييها العرب في ملابسهم المتسخة جداً ينشرون أياديهم قبل ان يدعونها تتدلى بإهمال من على العصا التي تتعارض فوق الكتفين, و(مخلاياتهم) التي يعارضونها على أجسادهم, وعماماتهم الصغيرة التي يقفز بعض الشعر الطويل من مقدماتها فيمدّهم بملاحة تزيد على وسامتهم المصبوغة بسمرة حمامات الشمس الإجبارية المفروضة عليهم, لا يتحدثون حتى الى بعضهم, ويكتفون بالمشي خلف القطيع أو اللحاق بقائده في المقدمة للميل به الى شارع آخر. غبار كثيف يظل عالقاً بفضاء الحي لبعض الوقت من بعد هذا المرور العظيم, ومثله آخر نظل موعودين به كل يوم قبيل المغرب, لكنه أقل كثافة, لحوافر أقل عدداً, تعود لتجار المواشي الذين يحومون ببضاعتهم على زبائن الأحياء.. يمرون فنعرف ان ثوراً جديداً تُرك مُقيَّداً في الإتجاه الشمالي لـ (جَزُر شرك البلا), وان ساعات قليلة تبقت قبل ذبحه مع فجر اليوم التالي. |
اقتباس:
"فظلتم تفكهون" |
اقتباس:
اقتباس:
|
وقيل ان بعض النصوص حمّالة أوجه وحنين
منها ما تخرج منه محملاً بالمتعة، ومنها ما تخرج منه محملاً بالشجن عن نفسي خرجت من هذا كله محملاً بالأصدقاء، مريم بركه مُطاردة اللصوص، فاطنه عبد المجيد المرأة الضكرانة، وحاج أسد! قيل ايضاً، بعض النصوص لصوص، فقلنا، في القلب متسع لمزيداً من الأصدقاء. سلام لوهاد، ولها أيضاً فوح القرنفل وأنس الأصدقاء |
كنت ليومين بقرأ وزاد تاكيدى انو الذاكره دى وقدرة الاستدعاء منها كمعين لا ينضب هى المميَز الأساسى للكاتب من غيره تختلف بعد داك القيم فى وسائل الكتابه نفسها .. وقيمة الكتابه فى اقصاها اظنها ياها دى .. اللى بتقدر تضخ الروح فى شارع ومدينه وناى ...
|
قدرة عجيبة في أن تمسك بيد القارئ وتضعه مباشرة في بيئة النص وأزقته وروائح عابريه .. دون جهدٍ يجعل الفكرة تتفلت من صاحبه .. !!
قرأت وتبسمت من شقاوة الفكرة وملاحة الحرف والمعنى .. ومتعة لا شك أنها تصيبك حين تحدث النص عن الشخوص فلايمكن أن يعبر ذاكرتك حاج أسد كما تتوسطتك ( فاطمة عبدالمجيد) بتمام بهاءها وفناجين القهوة .. !! اقتباس:
ولا تكاد تكمل قراءتك بذات المتعة حتى تتحسس مواضع اللهفة عندك وأنت تمسك بالغموض الذي ألبسته أحرفك ونشرته ذكرى ( مريم بركة ) ..!! ما أجملك |
فاتنة هذي الكلمات التي تقلك إلى حيث تشى حروفها
تُسمعك زعيق (مريم بركة) تكمل قرائتها وقد سد منخريك ما أثارته أبقار (أبو صفيتة) من غبار شكرا جميلا وهاد |
| الساعة الآن 09:14 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.