سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   أوراق (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=19)
-   -   ** من ابداعات استاذنا الدكتور / على المك طيب الله ثراه ** (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=22045)

فيصل سعد 20-10-2011 05:57 PM

علي المك والسينما
بقلم: الأستاذ/ محمد مصطفى الأمين


يرجع اهتمام علي المك بالسينما إلى واقعتين، هما أنه من أبناء أم درمان (مدينة من تراب) كما أسماها - إلى حقيقة أنه شهد في صباه وشبابه فترة أزدهار السينما وعروض الأفلام، وذلك بعد افتتاح سينما برامبل (1937م)، والوطنية أم درمان (1941م). وكانت السينما قد أصبحت أحد أهم وسائط الثقافة وعناصرها في تشكيل ذلك الجيل. (راجع كتابات د. عبد الحليم محمد في مجلة الفجر) 1932/1937وغيرها.

ولعل اهتمامه بالسينما والأفلام الأمريكية قد قاده فيما بعد للاهتمام بكتابات الكتاب السود.. حيث قام بترجمة أعمال لهم مع خدنه ورفيق صباه صلاح أحمد إبراهيم، وكذلك الاهتمام بموسيقى الجاز والبلوز والسول، وله في ذلك برنامج موسيقي شهير كان يبثه من خلال إذاعة أم درمان.

علي المك ومؤسسة الدولة للسينما
قام نادي السينما بممارسة نشاط أول مرة في 7 أغسطس 1968م ، وفي عام 1969م تبنى سمناراً حول مشاكل السينما في السودان من نواحي سياسات استيراد الأفلام والرقابة، وضرورة إنتاج أفلام سودانية، وتقديم مقترحات عملية. وبعد 25 مايو تم تبني بعض المقترحات، وتم إنشاء سينما مايو بعد تأميم دور العرض السينمائي، وشركات دور العرض السينمائي، وشركات استيراد وتوزيع الأفلام. وأعطى البروفيسور على المك منصب مدير عام هذه الهيئة التي تطورت فيما بعد لتصبح مؤسسة الدولة للسينما.. وقد شهدت تلك الفترة انفتاحا على أسواق جديدة حيث تمت إقامة اسبوع الفيلم السوفيتي، وحضرت افتتاحه ممثلة سوفيتية، كما جلبت المؤسسة أفلاما مهمة مثل فيلم ( زد) للمخرج الشهير كوستا جافراس، وتم عرضه بحضور مؤلف موسيقى الفيلم ( مايكس ثيودوراكيس). هذا إضافة للعديد من المحاولات الجادة التي تصب في خانة الخروج بالمشاهد من أسر الأفلام التجارية الاستهلاكية والنمطية.

وحاول علي المك أن يسهم في عمل أفلام سودانية؛ وتم إنتاج الفيلم المشترك (السوداني البولندي) (بين الأحراش والأدغال)، والذي لم يكتمل نسبة لما أثير حوله من شكوك في صرف الأموال - الشيء الذي دفع بعلي الملك للاستقالة من المؤسسة.

وعن عدم اهتمام أصحاب مايو بإنتاج الأفلام، يقول إن المشكلة الأساسية أن المؤسسة عندما أنشئت كان الهدف الأساسي (حسب النظام الأساسي) هو إنتاج الأفلام السينمائية - أو هكذا قيل حينها- ولكن اتضح فيما بعد أن نظام مايو لم يكن يهدف إلى تطوير الإنتاج وعمل الأفلام... ولم يجئ ذلك عن غفلة أو قصر بل أن ما تم هو نتاج طبيعي لتخطيط مبرمج، لأن رجالات مايو كانوا يأخذون عناوين لإطارات عامة ذات صدى جماهيري وقبول، ويتم إفراغها وإفسادها . وهذا ما حدث مع مؤسسة الدولة للسينما تماما.

الخطأ في أهداف المؤسسة كان يكمن في احتكار الاستيراد والتوزيع، وذلك لأن الدولة كان يمكن أن تفرض سياسات معينة فيما ينبغي أن يستورد، إذ لم يكن الهدف الحقيقي لرجالات مايو أن يغيروا سياسات الاستيراد والتوزيع. وكان ينبغي أن يكون الهدف الجوهري من إنشاء المؤسسة هو إنتاج الأفلام.

لم تكن هناك مشكلة تمويل، لأن الاتفاق كان يقضي بأن تؤول الأموال التي تأتي من استيراد المؤسسة لدور العرض حسب ما ورد في النظام الأساسي الذي لم يعمل به، وطرد الأشخاص المعنيون بالأمر في المؤسسة.

في الفترة الأولى أبان إدارتنا للمؤسسة جاءت العديد من الوفود الاشتراكية التي أبدت رغبة في إعانتنا على إنتاج الأفلام، وقد أهدونا كاميرا (لا ادري ما مصيرها الآن). أيضا ندوة (مشكلات صناعة السينما في السودان) لا أدري ما هو مصيرها، علما بأن هذه الندوة أقيمت بمصلحة الثقافة في 27 سبتمبر 1978م وحضرها عبد الرحمن نجدي، وسليمان محمد إبراهيم، وإبراهيم شداد ،وقد أدارها الناقد محمد مصطفى الأمين.

فيصل سعد 20-10-2011 05:59 PM

من قصص الراحل على المك
"كرسي القماش"


اعتدت أن تختلف إلى مكتبك كل صباح، مثل الساعة الدقيقة أنت، تفد للمكتب في الثامنة من الصباح، في الشتاء كما في الصيف، ولم تغير عادتك تلك أبدا، حين كنت تعمل في الدامر أو الفاشر أو في كسلا.. حقا أنك قد خبرت أكثر أقاليم بلادك ولكنك لا تعرف ما هو الفرق، النهار في المكتب، والمساء في النادي.. وهناك دائما تاجر وزملاء وجزار وحلاق ورئيس صارم أو غير صارم...و.... و....

وها هي العاصمة.... موطنك.. عدت إليها بعد طول تجوال.. عملت بها سنة أو بعض سنة حتى أدركك المعاش. تقول أدركك المعاش، كما يدرك الموت الناس، أوليس المعاش كالموت؟ ألا يعني أن خدمتك قد انتهت، وكما تنتهي الحياة، أوليس الحياة هي العمل؟ هذا هو أول أيام الإجازة الأخيرة، ولن تستيقظ بعد ألآن مبكراً، ولن تمضي للمكتب فتكون به في الثامنة. لفرط ما جرت بك عربات التاكسي حفظت كل ركن في الشارع، أعمدة النور ومقهى (جورج) وإعلانات السينما، وهي المتغيرة دائماً وكل شيء عداها ثابت.. ثابت كل شيء، وكوبري النيل الأبيض، آه ما أجمل الإغفاء في السيارة حين تصعده جريا، ويعتدل الهواء حين يصافح صدر النهر ويغشاك رطبا منعشا ويسلمك إلى النوم.. لقد كبرت، وليس عندك سيارة، البركة في البيت.. وماذا ستعمل الآن؟

"مع السلامة يا سيد فضل.. والله تعلمنا منك الكثير.. سنفتقدك كثيرا" قال زميل في المكتب، وأنت تعلم أنه كاذب، فمستقبله في الخدمة معقود على تقاعدك بالمعاش... يا للنفاق! وعلي أخفي ابتسامته الخبيثة ابن ال.. ولكن المعاش هو الموت يدرككم جميعا.. ولكل أجل كتاب.. وهذا هو العزاء.. وأنت أيضا كاذب ،لو كنت تؤمن بهذا الكلام ما غضبت ولقبلت كلامه بروح سمح.

وهل كنت محبوباً يا سيد (فضل)؟ أتذكر الصرامة والحزم وسؤالك الملح أبدا لماذا تأخرت؟ هل نمت؟.. آه الهواء الصباح عليل يلذ فيه النوم؟ أم أن الخمر كانت قوية الليلة الماضية؟ وكان مثل هذا الكلام يغيظ الأفندية ولكنهم يسكتون خشية عقاب، وأنت نفسك تخشى المدير، كل سيد وله سيد.. حين كان يطل عليك أو يستدعيك تنصبب عرقا وتجف، آه يا (فضل) حقا قال لك (سنفتقدك يا سيد فضل ) ابن ال.. هذا الرجل لا يحسن كتابة خطاب أو مذكرة ، ولم يعمل مع السلف الصالح من الإنجليز.. يا سلام تذكر سمث وجونز ورانهل... والله لا يهم طالما كانت الخدمة كلها صائرة إلى انهيار كامل، وأين نحن من أيام (السلف الصالح) هاصت والله، وأصبح سادتها أولاد الجامعات.. (لكل زمان رجال ياسيد فضل) كان ذلك الشاب يقول لك هذا دائماً، هو في مثل سن ابنك ولكنه متعلم وأي علم؟ نوم في المدينة الجامعية وعدس وفول وجلوس في المسارح أو في المقهى، ودرجة جامعية، ثم تراهم يقفزون سلم الوظائف قفزا.. دنيا والله دنيا.. وهل مر زمان كنت سادته يا سيد فضل؟ من قبل هؤلاء الإنجليز حتى إذا خرجوا من البلاد جاء أولاد الجامعات.

تدرك أن الشمس في مدينة (أم درمان) (1) هي النار المحرقة، بعد الثامنة من الصباح تغلي البيوت بفعل الشمس، فلا تطاق ويلتمس الناس المكاتب ذات المراوح ومكيفات الهواء ليس حبا في العمل والانتظام فيه، بل هم ينشدون الهواء البارد والاستجمام، تحس ربما لأول مرة أن البقاء في هذه البيوت هو الموت، وعليك أن تبقى في جوارها، أم العيال. أليس في العمل رحمة؟ هذه هي المرأة الولود الخصبة، كأنها دلتا النيل.. إن لم يكن هناك من حل فالأجدر أن تجلس في الظل في الشارع وتطالع صحف الصباح وترقب السابلة والعربات تجري وتجري ولكن لاية غاية؟

حينما أخرجت كرسي القماش من المخزن ونفضت عنه غبار السنين، كانت ذرات التراب تذكرك بأيام (الفاشر) (2) حيث كان صنعه وخمس كراسي أخرى تكسرت جميعاً، وبقي هو. صنع الكرسي في السجن.. جف ظهر سجين وهو يصنعه لفرط ما عكف عليه وانحنى، جف ظهره لترتاح ظهور الموظفين الخواجات منهم وأبناء البلد، وقد يعجب هؤلاء بفنه وقدراته.. فن نابع من الصبر والقهر معا، وقد تسحر ألبابهم خطوط قماشه الحمراء والصفراء، ودهان خشبه الأبيض (ربما كان صانعك قاتلا أو سارقا أو هاتك أعراض، وربما تموت ويبقى الكرسي .. وكم من سارق طليق وهاتك عرض في عزة ونعيم .. و...و..) وينتشر الغبار كثيفا بعد كل ضربة.

( كان زمان أيام صنعت يا كرسي القماش، كانت الدجاجة بخمس قروش والخروف بخمسين قرشا، وفي القشلاق الخمر والنساء، وفي فصل الأمطار تمتلئ الترعة حتى تفيض.. وينتشر على التلال بساط أخضر من العشب، وأنك شهدت الصبيان يشربون الماء من حياض الجياد والحمير، والماء شحيح و (أتيمة) تصنع الخمر وتشرب أكثرها، وتأكل نصف خروف ،ولقد أحسنت امرأتك الصنع حين رفضت البقاء في الفاشر، وتركت فراشك خاليا منها وغير خال من (سعاد الفزانية)، وأنت الباشكاتب المهاب، زمان مضى يا كرسي القماش شخت أنت، وشخت أنا...) وها أنت ذا تجلس على كرسي في الظل، وتعاين في الشارع والناس في الشارع، وتمد رجليك، والظل يجاهد الشمس وهي في بطء تفترسه.

- سيد فضل صباح الخير .. ماذا بك؟
- لا شيء لا شيء
- أنت لست مريضا؟
- كلا
- إذن في إجازة؟
- نعم
- شيء عظيم .. أتفكر في السفر
- لا
- جميل بعد قليل تهطل الأمطار ويعتدل الجو، لماذا أصر جارك على كل هذا الكلام، أم أن هذه عادة أهل السوق من التجار، يا لعنة الله عليهم .. وبستطرد الجار..
- عظيم يا سيد فضل ومتى تنتهي الإجازة؟
- هذه إجازة نهائية
- يا سلام ... لن تعود إلى العمل إذن .. والله خسارة

وتغير وجه الجار العزيز، وأضحي قاتم اللون من بعد صفائه - أو هكذا تصورته- وتصلبت تقاطيع وجهه، زم شفتيه، قطب جبينه.
(يا مسكين يا فضل) تقول في نفسك ثم تتساءل: (هل المعاش هو الموت؟ أنت قادر ومقتدر ومعافى، خلا نوبات السعال التي تغشاك ويضيق بها خلقك من بعد صبرك، وتستطيع أن تعمل حتى تبلغ مائة عام.

وانصرف الجار العزيز، تراه يهز رأسه من أسف، كنت بالنسبة لهم شيئا وأصبحت لا شيء، كنت الباشكاتب المهاب.. يا خسارة ضاعت الرهبة، وحل محلها العطف والرثاء، وتنطلق السيارات أمامك، إلى أين يذهب الناس؟ أكلهم يعمل؟ أم أنهم سئموا الحياة في البيوت؟.. ألهم أزواج وعيال؟ تبا لها العجوز.. ما زالت تتطيب وتصلح من شأن نفسها... المشكلة أنها تغريك في هذا النهار الطويل فتضعف وتنهار.. والظل في الشارع خير من البيت.

وأبواق السيارات تتدفق فوق الشارع، والنظر سيارات وزحام . لأول مرة تدرك ان هذا الشارع القديم لم تمسه يد إصلاح ويبدو أن الأشياء لا تتغير كما ينبغي، "أهذا يومك الأول؟. وتمضي باقي حياتك على هذا المنوال؟ وما بقي منها هذه الحياة، لقد انتهيت عند الحكومة فلفظتك إلى الشارع" تحدث نفسك ، مشاهد تتكرر، وأناس يروحون، يجيئون، وسيارات تفلق الدماغ، وما العمل الحكومي؟ أليس هو تجربة يوم واحد تتكرر ثلاثين أم أربعين سنة؟ وفجأة ينقطع حبل تفكيرك.

- السلام عليكم
- يتردد الصوت ، وتنتفض فاتحا عينيك من آخرهما ،تحدق فيمن ألقي بالتحية وترد:
- بماذا تريد أن تناديه؟ أأنت تعرف؟ من هو هذا الرجل؟ كثيرون هم (أنصار السلام) هؤلاء، يحيونك حتى إذا كنت نائما، ثم أنك لا تعرفه،يقولون إن (السلام سنة)، ولذا يتمسك بها هؤلاء القوم، وقد تلقف عابر السبيل تحيتك عن رضا، ثم مضى لحال سبيله.

- يا ساتر يا رب .. حاسب!
- لا حول ولا قوة الا بالله
- يا عالم
- لا حول الله .. يا ساتر

أصوات تعل، وإذا بعربة محملة بالجنود، قلانسهم حمراء دونما استثناء تدهس طفلة كانت تهم بعبور الشارع ... وتهب واقفا، ويهتز رأس كرسي القماش كأنه نال راحة من بعد أن ارتفع عنة ثقلك.. من أي البقاع جاءوا؟ في لمح البصر، كيف احتشدوا بهذه السرعة؟ ألم يكن الشارع شبه خال عدا أشخاص يسيرون متفرقين؟ وها هي أصوات الناس تسبح قرب أذنيك:

- عربات الجيش تندفع مسرعة دائما..
- السائق مخطئ ... دونما ريب مخطئ ... الله.
- أبدا... أبدا ... هي غلطة البنت لم تقف لتتأكد من خلو الشارع..
- ولكنها ماتت
- كيف تموت بلاسبب وجيه؟
- هذا أوجه الأسباب في هذا الزمان
- أيعاقب القانون السائق أم العربة؟
- وقد بدأ الجنود بقلانسهم الحمراء يتقافزون من سطح العربة .. وتنظر بين الرؤوس والاكتاف والرقاب فإذا بجثة ملقاة على طرف الطريق، كان رداؤها أخضر، وكانت تحمل كتابا تطايرت صفحاته وعليها رسوم حيوانات وحروف كبيرة ذات ألوان، وكراسة تعلقت بإطار العربة، فما استطاعت منه الفكاك، وكان وجهها ملطخا بالدم، وقد غشا الموت عينيها، وأنت تعرفه: الموت (بالله كيف تموت المسكينة وهي ذاهبة إلى المدرسة؟ أحمد الله أنه أبقاك على ظهرها: الدنيا أكثر من نصف قرن، وها هي ذي طفلة مجتهدة تموت بلا سبب وجيه)
- أصوات تختلط
- بل هذا أوجه الأسباب في هذا الزمان
- احضروا غطاء
- احملوها إلى المستشفى
- يجب أن يفحصها طبيب
- ولكنها ماتت..
- من المسئول إذن؟ السائق أم الفرامل، أم هم الجنود، أم هي القلانس الحمراء؟
- هيا .. هيا.. قبل أن يأتي بوليس فنتهم بالقتل
كانت يدا السائق قد تجمدتا على عجلة القيادة، وانكفأ عليها بوجهه لا يريد أن يظهره، وتجمع الجنود فأقاموا حائطاً حول المتجمهرين.

ها هو الظل قد تقلص بعد أن افترسته الشمس صعودا، وليس أمامك من شيء سوى أن تعود إلى الدار، وتحمل الكرسي ثم تضعه على جدار الحجرة بعناية، كأنما قصدت أن يصيب راحة من بعد العناء، وترقد على السرير، والنهار صامت بعد أن اغتذى بدم الفتاة. وقد تطل عليك زوجك بعد حين، أيهما الجحيم ؟ الشارع أم هو البيت؟ فلتنتظر قدوم يومك الثاني في حياتك الجديدة.

فيصل سعد 20-10-2011 06:07 PM

أحمد بشير العبادي:
حديث عن الأنهار و المعالم و المدن ...
بقلم :علي المك


شهدت حفل التأبين إلا قليلا...

كنت أود حين وصلتني الدعوة للشهادة أن اكون قد أعددت شيئاً للمناسبة، فهنالك في ظروف الكاتبين والكتابة تراكم أشغال، وأعمال سآمة دنيوية، وغياب إلهام، مما يصيب العقول بالجمود و الصمم. فاتني أن أقول كلمة، مثلما قد فاتني قبل ذلك شرف الجلوس إلي حلقات دروس أحمد بشير العبادي. آنا كانت تمر عليها الأجيال، تأخذ من علمه ومن معرفته زاداً ووقوداً لحياةٍ طويلة النصب، شديدة العناء، بما يزيد عن حدود الصبر وآفاقه علي سعتها. لولا تلك الأسس الرصينة من أمثاله وأضرابه لانفجر الصبر نفسه ضجراً و إملالاً ... العلم النافع درع، و المعلم المفيد درع ... و هذان خير أسلحة في الحياة.

رأيت الذين درسوا علي يده قبل.. بعض أولئك.. فالكل مستحيل قدومه لمثل ذلك الوداع، منهم من غيبه الموت، وفيهم من قعد لا يستطيع حراكاً، ومنهم من تنازحت بهم الأوطان.. رأيت قسما من طلابه وعارفي علمه، ألوفاً هطلت عمائمهم البيضاء وجلاليبهم بلون الفجيعة، كانت علي مدافن البكري. ولعل الذين كانوا في الأجداث قد ثووا، قد تنبهوا لهولها ، فعرفوا جلال الموت مرتين...

ما رأيت حشداً كمثل ذلك الحشد منذ عهد بعيد... جمعا غفيراً كان... حركة أقدام تتقافز علي كوم التراب والحجارة، و تتقافز.. لا تريد أن تدوس علي المقابر القديمة. يضيق بالقوم المكان.. كان حزنهم فريداً..و نابغاً . ذلك الحزن كان من مواطن الحزن فينا... رأيته في رجل مخلص لكل ما ينبغي الإخلاص له.. ليس ذلك و حسب، بل كان نهاية عهد، كلما اتسم به العهد.. كان الاتزان والإخلاص لقضايا المجتمع، ومدن العلم المشرئبات الي العلي، و للعلم نفسه.. اكتملت صورة العهد الفريد فيه، وما بقي فينا للنسمي، مخلصين مثل أهلها، مثابرين للمعالي شأن أهلها، مناضلين لمثلها العليات. إن البكاء العاجز عليها، والأسي لي الساعة أرثي للمدينة، وآسي وأنا أبهر بأركانها تهتز، تنهد و نحن دون علم بنا.

ربما في غفلة وفي تفريط نودع أناساً، رجالا كانوا عمد هذا الوطن. ولفرط ما منح أولئك حياتنا من ظل وريف وراحة فكر، ونعيم علم، نظن أن ظلالهم التي منعت شمس الجهالة أن تهطل علينا، باقية لن تزول، وكنا واهمين. أولئك قوم أدوا رسالتهم وعلمونا أن نقوى، وأن نشتد فكراً وساعداً وثبات قلب.. بصورة أدق، خلفوا علينا عبئاً، ظنوا أننا خليقين بحمله والسير به وتسليمه للأجيال في سباق مبادلة مع زمان أسحم، وعدد مبين جم الترصيد؛ ولكننا كنا دائماً نطلب عونهم و نبكي.. علمونا، فأخفقنا كثير أحيان.. عادوا يصلحون من شأننا فسقط جلنا دون أن يبلغ المراد.. صارعوا الاستعمار والظلم، فصارعنا أنفسنا.. ونسينا هذا الوطن.. آه ما أجل الأسي.

آخر مرة رايته فيها كان يتأهب لدخول جامع خضر النحاس يوم الجمعة، صلاة الجمعة.. كان يبدو وقد فرع المصلين المتوافدين الي الحسنات والمكارم طولاً.. وكما ألفته سنين طويلات، كان مهيبا جليل الخطي. هو رصانة ووقار.

منذ أن كنا نحضر إلي البيت في ذلك الحي القريب من دارنا، حي قديم، ودار قديم.. زقاق يفضي إلي حلة المغاربة.. وهي، رغما ً عن أن الناس قد اصطنعوا لها اسما، قنعت به، وأعجبها لونه، زقاق واحدلا يزيد، يمتد متعرجاً خيرانه أخاديد، وحصاه لهب.. يرفد من الشمال إلي الجنوب، ثم ينفذ ضلع من أضلاعه يباغ نوعا من الشرق يقود الأعمي والبصير والمريض والسليم إلي جامع خضر النحاس، وإلي طاحونة كولوبس .

ورغماً عن قول اللافتة السوداء، وبعض المتعلمين طاحونة (فيلبس سيدهم)، إلا أن ذلك لم يزل اسم كولوبس عن عقولنا، لأنه استقر بهاو صار من ارادة الشعب. أما هذه الطاحونة، فدرست وصار شأنها أشغال اخري. وأما المسجد، فبقي وحفظ الله له طول مئذنته قامة وشأن وصلاح يؤمه كل الأوقات، وتستبد مئذنته بالجهات الأربع نظراً، وهو من بعد غض النظر، وأذان تنثره علي آذان الحي، وتلتمع الأعين به نورا- وإن أعشت. و الشارع مكان الزفة.. إلي مطالع رمضان يهفو، وإلي مولد النبي صلي الله عليه وسلم، و طريق الناس إلي المعالي. وأم درمان كلمتني أنها تفاخر به البلدان و الأمم.

كنا نأتي دار العبادي أيام الإجازات من وادي سيدنا ومن الجامعة.. سعد عبادي أسن منا، وأنه يفوقنا حجماً، بشير دفعتنا، وكان شاطراً في الرياضيات وطلاسمها وألغازها، وفي سائر معارف عصره. وكنا دون إعلانٍ أو معالنة نعده لصراع المجد و التفوق.. وعرفنا مصطفي، ثم اتصلت سبل المعرفة جيلاً يحمل مشعلاً إلي جيل، فأضاءت مشاعلنا لحين أن بصرنا ( كرار) و ( كمال) و ( السر)؛ و مخبزالأفراح وكهربة عامر.. رجال ما فيهم إلا شهم و إلا نبيل.

في هؤلاء الهل سمة مدينتي أراها كما عهدتها، تهب لنجدة الضعيف، (تقنع الكاشفات)، ولا تدوس الحاجة عفاف أبناءها، في الملمات و الأفراح.. يلتفون حولك يؤازرون مؤازرين، حتي قبل أن تلتمس منهم عون.. ومن تربي علي الخير وعلي المروءة صار هما.

حزن فريد .. أكاد أعرف الحصي ولون الأسفلت في الشارع و شروخه، و أعرف كذالك وفاءه، ينقل المظاهرات الملتهبة علي الجمعية التشريعية.. و بأعين الطفولة قبلها، وأين جنودنا العائدين من حرب الفاشية في الصحراء الغربية وغيرها؟ ولم تتبدل به الحركة ولا وفاءه للناس.. يحملهم من أبوروف إلي السوق، ومن السوق الي الهجره والنهر وكشة العصاصير هنالك، وصانعو الحلوي و السروجي والحلاقون، وسبيل نايل.. والترام يسرع مخادعا، يهدئ روع نفسه ومن ثم أنفاسه المبهورات يلتقطها.. بأعين الترام أري (سبيل نايل)، لا هو محطة ولا هو سندة .وما للترام به شأن، لأنه أقيم للسابلة و للظمأ اللاغب والعطش الحراق.

أتحدث عن المعلمين الذين جاءوا بعده ودرسنا عليهم ما درسوا عليه.. بذل لهم بسيط العلم، وما بذلوه لنا يتجدد فيهم ويشيخ ..حينما أتحدث عن المعلم أحمد بشير العبادي فأن الكلام كثير والكلام يجدي ولا يجدي أحيانا.. فأي حديث يفي حين نواجه الأنهار والمعالم والمدن؟

فيصل سعد 20-10-2011 06:10 PM


رسالة من البروفسير على المك الى على الماحى السخى
اعترف باننى كنت اضعف الايمان,العن ولا اقدم شيئا
لايقدر على كسر الاغلال سوى الشجعان الصناديد

نشرت بالميدان بتاريخ 31 اكتوبر 1985


اعتقد اننى قد غنمت صداقتك قبل ان اراك ,والصداقة الحقة هذه الايام اندر من اسنان الدجاج,وانى لطشت هذا التعبير الذي اراه بارعا من كاتب وشاعر ايضا اسمه لانجستون هيوز وعلى كل فان هذا ليس مجال الحديث عن اسنان الدجاج,الخل الوفى, او العنقاء.

قرأت رسالتك الجميلة الى منظمة العفو الدولية,ترد بها على رسالة وصلت اليك منهم,حدثني من لا اتهم ان رسائل المنظمة كانت تخترق اسوار السجون طال بها الزمن ام قصر,وكنتم تقرأونها.تصل كانت كمثل مايصل الهواء لايمنع وصله احد وكما تطلع الشمس لا يحجب ضياءها احد,ومثلما ترتفع السحب فى سماء تعلق نفسها لا يعارض سموها احد,انا بذلك جد سعيد.

اغرتني رسالتك بالنظر الى نفسي نظرة جوالة,عاينت نفسي من داخلها,واذكرتها اياما يابسة جفافها عجيب...يحصونها بعمر الزمان..يقولون ستة عشر عاما,سالتني نفسي لماذا لا تقولون ستة عشر سنة؟ الان( العام) مذكر,والسنة انثى؟ام مازالت دنياكم تفكر بتلك الطريقة العقيمة؟سكت, وماعندي لها من جواب..نفسي سرحت بعدها,اجيل النظر حيث ينبقي لي وحيث لا يكون ذلك,وكما تعلم فان البحث فى النفس ومعاتبتها امر لايقدر عليه الا قليل من الناس....

ان المسافة بين سجن كوبر والبيت الذي اسكن فيه في بري جسر واحد,والمسافة بين وجود هذا السجن والاحساس به لبعض من هم خارجه وهم لا نهائي.. بضع عشر سنة كان الحديث فيها عن التعذيب تفيض به المجالس والجلسات,يتورم الحدث بين جلسة واخرى,ومجموعة واختها.

ماذا فعلت انا مثلا؟ كنت مشغولا بالركض اللاهث, عهد كانوا يرمون الناس فى السجن و يعذبون ويقطعون من خلاف ويشنقون ويقتلون اللغة, وتعلم انهم صلبوا منسوبات الاسماء!!
كنت اضعف الايمان العن الحياة ولا اقدم شيئا فيذكر لصياغة معالمها.

عزيزي على الماحي

لقد اذكرتني رسالتك العذبة زمنا لعهد الحداثة والصبا آمنا فيها حق ايمان اننا قادرون على طرد الاستعمار عن البلاد. وانه يمكن لتلك الفئة المؤمنة ان توقف الحرب الثالثة الكبرى تنذر بعد اختها الثانية,وما قد خلفت تلك من ويلات ودمار وبؤس وعار. كنا نجمع التوقيعات على نداء برين ونداء ستوكهلم,ونلوذ بالظلال والجدران والسوق والبحر الصخاب ان يبطش بنا ما كنا نسميه( البوليس السري) واضحك الساعة فالبوليس السري من ام درمان كلها- آ نذاك - من ابي روفها للموردة الى ود نوباويها بضعة افراد يلبسون الجلاليب تخفيا ويعلنون بمناديل البوليس الحمراء والصفراء عن الهوية وعن البضاعة كلتيهما. ونجمع التوقيعات .لا باس طفنا بالنداء(القصيرية) و(سوق العناقريب) و (الملجة) وقرأ الطلاب والخضرجية والسمكرية والخراطون واهلات الحرف ومن لا عمل لهم ,ثم وقعوا عليه ومن لا يعرفون الكتابة جعلوا على الورق بصماتهم,بعض أولئك ما سمع بأستوكلهم ومنهم ما لا يعلم اى خط عرض يلاقى اي خط طول فتكون برلين, وهي ايام عذبة المذاق ثم تجيء الينا سنوات يصير فيها البوليس السري الى شئ اكبر من المناديل والجلاليب,لكل مدينة نصيبها الوفير..جند منهم وآلات,ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل,وما ليس بمستطاع وكنا عدوهم وهم لا ريب عدو الله وانهم قد نفذوا الى المؤسسات والمصالح والمصانع ودور الرياضة واماكن الترفيه,فكانوا للضاغوت جنودا ومنها العسل, فكان اولائك القوم يكتبون ويرسلون الرسائل ويصورون ويرصدون النشاط اليومى لزملائهم... فلان ذهب للفطور تحدث بالتلفون,دخل مع فلان وخرج مع علان,سمعناه ينشد شعرا... حرم عليكم امرؤ القيس وطرفة بن العبد وصناجة العرب واعمى المعرة ولوركا ومحمود درويش, قالوا, وكتبت العيون فى المؤسسات والجامعات ودور الرياضة تقاريرها للامن,.. ويقيم الشرفاء بذلك السجن الكائن شرق النيل, اقول كنا لعهد الحداثة والصبا نضرب عن الطعام ليخرج الانجليز ومن الناس من سخر منا,وخرج الانجليز, ماذا الم بي عهدا طوله ستة عشر سنة؟ ضعفت؟ فترت حماستي؟ رسالتك تلك الرقيقة جعلتني اجيل النظر فى انحاء نفسي,رسالتك زلزال سانحة تغري المرء ان يصفى دمه من شوائب ذلك العهد,ان للأسرة اغلالا , وللولد اغلال, فذاك زمان شظف العيش زمان تطير الاسقف عن الجدران , او ان الخوف والمسغبة. لايقدر على كسر الاغلال سوى الشجعان الصناديد... اعل الايمان بالشعب, لقد باع لنا اعلام ذلك العهد بضاعة كاسدة ولاذوا وعالنوا بالكذب.

عزيزي على الماحي

انني اتصور ليلاتك فى السجن,فى خيالك زهراتك... والزهرة الكبرى هذا الوطن, واتصور الجدران تحيط بكم والطعام الغليظ. كان المفكرون فى مصر يتحدثون عن سجون الملك فاروق ويكتبون عن اكلهم الطعام( ممزوجا بالاسمنت)... وكلمونا كيف تصنع السجون صنوفا من السقام لايعرفون مصدرها ,وتصنع السل والاكتئاب.... وفى خارج كوبر وشالا وسجن بورسودان وغيرها يركن بعض الناس للكلام عن اي المخابز رغيفها ناعم وابيض واي الطلمبات بنزينها وفير وعمالها فيهم سخاء ونخوة فلا يعترفون بالحصة المقررة ولا بالتموين...فى دمنا يا اخي على بعض هذا...أريد لهذا الدم ان يصفو..وتيسر لى كلماتك النابهات العلاج.

عزيزي علي الماحي

أعتقد انني قد غنمت صداقتك قبل أن أراك,والامر بين يديك ولك من بعد تقديري ومودتي الخالصة.


الساعة الآن 08:51 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.