سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   هنا, إستضافتني الحياة.. شارع بيتنا. (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=20086)

وهاد ابراهيم محمد 17-04-2011 02:32 AM

هنا, إستضافتني الحياة.. شارع بيتنا.
 
واسعة وضيقة, طويلة وقصيرة, ضاجّة وساكنة, ظليلة ومكشوفة, ممهدة وطبيعية,

قديمة وحديثة..
شوارع.. محض شوارع إستضافتنا.. فكنَّاها على رحابتها بالآدميين العابرين

والحيوات الباقيات فيها منذ الأزل, الى حين زوال.
قاسمها الأوحد.. مطرزةٌ جنباتها بأبواب البيوت.. وفضاء يعجُّ بالحياة.
ما بين رمل, حجر, أسفلت, وبقاياه..
ما بين حر يشابه تمام الإستواء, وبرد يغازله المطر..
ما بين ضجيج يحيد بك عن جادة الإحتمال, وسكون يكِلُكَ الى معزوفات الروح..
ما بين شارع يسحبك اليه, وشارع يسحبك اليك..
حقيقةٌ وحيدة كانت تطلُّ برأسها ما وجدت الى إنتعاشها سبيلاً..
(هنا نستضيفُ الحياة).

وهاد ابراهيم محمد 17-04-2011 02:39 AM

(الديكة) أول من يشم رائحة الصباح.. فيرفعون عقيرتهم بصياحٍ متواصل قبل ان
يتقافزوا فوق الجدران القصيرة والمتهالكة غالباً, يبحثون عن ثقوبهم التي يخبرونها جيداً وتفضي بهم الى الخارج..

والخارج هنا لا يعني غير الشارع الترابي الممتد على إستواء..
لم أكن أعرف عن بدايته من إتجاه الجنوب لكن أمي عندما كانت تسلكه في طريقها الى مدرسة
(التيمانات المتوسطة)*, يغيِّبها تماماً فيه بدون ان تختار لها إنعطافاً ذات يمين او شمال..

ليمتد مستقيماً بين البيوت العريقة والعجوزة التي تُشكِّل (حي برنجية) عابراً (مربوع) بيوت الـ(زغاوة)
ذات الجدران المطلية بالأسمنت والمدهونة باللون الرمادي الباهت والمحدِّثة عن نعيم قاطنيها الذي تدعمه
(البكاسي واللاندروفرات) التي تتناثر بين أبوابها,
ويبدو أن الشارع ينتهي الى حيث ينام جدي الآن بصحبة رفاقه في تلك المقابر التي تجاور ذات المدرسة.

وفي إتجاه الشمال يمتد ما شاء الله له, ماراً بـ(اشلاق السجانة) ومدرسته الإبتدائية,
قبل ان يوقف إمتداده ذاك الباب الحديدي الأبيض الكبير المغروس في عمودين ضخمين
من الطوب الأحمر شاهقي الإرتفاع, أطول قليلاً من الجدران التي يلتحمان بها والتي تماثلهما علواً
وهيبة, فيما يعرف بـ (حوش فضل موسى), فلا يكون أمامه – أي الشارع- غير إلقاء التحية
والإنعطاف قليلاً ناحية الغرب قبل ان يواصل شمالاً غائصاً في رملٍ كثيف,
حتى يوقفه حائط هائل يسيّج (سجن الفاشر).







_________________
* حيث عملت في السنة التي قضيناها والأسرة برفقتي وانا أجتاز إمتحانات الشهادة الإبتدائية.

وهاد ابراهيم محمد 17-04-2011 02:43 AM

حينما يحين أوان إستيقاظنا على رائحة اللبن (المقنن) والرغيف المحمّص على أطراف الـ (كانون),
ونبدأ إزعاجنا الراتب بين جنبات البيت قبل ان ننقله للشارع, يكون الإمتداد الأبيض للرمل نظيفاً
وغير ملفت للنظر لعاديته التي ثبتّتها أصوات (المقشاشات) التي تترك أثرها الناعم
بفعل ضرباتها الخفيفة على وجه الأرض, كل صباح..
تلك كانت مهمة جدتي الأولى بعد صلاتها فرض فجرها, وكذا جدّات كل البيوت على
تفاوت مقامات الأزواج والأبناء, الجدّات اللائي لا ينزعن عنهن واجب الإعتناء ببيوتهن أبداً..
والشارع هناك نصف البيت, الشارع هناك فردٌ أصيل في الأسرة,

بيد أنه لا يحتاج سريراً لينام.

وهاد ابراهيم محمد 17-04-2011 03:00 AM

(فرن ود الضَي) البلدي الذي يقاسمنا ذات الحوش ببابه المنفصل, كان سبباً وجيهاً للزحام
الصباحي أمام منزل جدي..

الزحام الذي قوامه نساء وأطفال..
نساء في كامل نشاطهن, بشوشات الوجوه, نديّات الأجساد, حلوات الألسنة, وهن يوزعن
التحايا والسؤال التلقائي والراتب (كيف أصبحتو؟), وتفوح منهن رائحة زيت السمسم والـ (الودك) المُحلّى بالقرنفل..
يحملن أرغفتهن ويعرِّجن الى الدكان المُلحق بذات دار جدي, لبعض السكر والحليب المجفف والشاي..

والنساء هناك يقمن الى حاجاتهن بأنفسهن, وان طلبن معونةٍ ما, فالصغار لها..
الصغار الذين يبحثون عن طريقهم ما بين الواقفين يزيحون أطراف الثياب ويمرقون بين الأقدام,
يرفعون قاماتهم الصغيرة ويمدون برؤوسهم بصعوبة فوق دكة الفرن
قبل ان ينسلوا جارين ويدٌ هنا او هناك توقفهم ( هَي بت كلتوم أمك أصبحت كيف؟)..
(ود حاج الطيب سلمي لي أبوك).. وأقدامهم الصغيرة الحافية غالباً تعدو بهم في غيرما
إهتمام الا بالرغيفات و وقيتي الشاي وربما ربع رطل السكر ان كان صباحاً كريم.






يتبع.

النور يوسف محمد 17-04-2011 05:20 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

تطول الدروب وتقصر ..
وترسم على عمرنا من سحرها وشماً ..
وشماً من لحمٍ ودم ..
تنفخ فى أجسادنا روحاً لا يدنسها التراب ...
ولا يبليها الزمن ....

وهاد ...
مالك تكتبين على حواف الكى بورد ..
أم أنه .................... يتبع !!

سجمان 17-04-2011 06:11 AM

وظلت looool

وظللت أشتهى المثول بين
ظهراني تلك الرياحين العطرة
من السطور بيد أني لا أجيد
حديث الفاتنات من السحب..
ولا أحتمل الهطول ولكي لا يفوتني
أوان المطر خَرَجْتُ بين الحبيبات (التشكيل ما فارق)
لاصطفى قطرة توازي اشتهائي من الملكوت
والسحر العميم..

معتصم الطاهر 17-04-2011 08:25 AM

الشوارع

قيمة عندما تضج الحروف أعلى من ضجيجها ..

الطريق .. قيمة و حكاية و أبواب تفتح على حكايا و تغلق على دفء و سكن ..وأسرار و .. كتابات تعرف مخابئ الأدب

بله محمد الفاضل 17-04-2011 08:34 AM

لا فرق بين ما تكتبينه
والرواية
إلا شعرة
أنكِ تعنونين هذا العمل بخصوصية
تحوله إلى ذكريات مسرودة

بقليل من الالتفاف والمسير في وهاد تفاصيله وهاد
يمكنه أن يكون عملاً روائياً معتبراً


أترقب

حافظ حسين 17-04-2011 08:40 AM

في حضرة حروفك يطيب الحنين

أكتبي يا مجنونة و لا تأخذك بنا رأفة
أكتبي و معك أكتبينا مع الشاهدين

متابعة بت لذينا

همس الشوق 17-04-2011 08:47 AM

وهاد يا عسل ... كوني النسمه

هيثم علي الشفيع 17-04-2011 09:32 AM



(أولاد الشارع فهرس
لي كل المدن التهرس
جوفك بالأسمنت)


أو كما قالت غيمة -بين قوسين غيمة لئيمة- على لسان عاطف خيري

هل عُدتِ -ياوهاد- لهذه الشوارع قريباً؟؟؟
هل لاحظتِ كيف أنها صارت أقصر مما كانت عليه قديمأً؟؟؟
يقولون:
إن السبب هو حجم الخطوة ، التي كانت لأقدامنا ونحن-بعد- أطفال واستحالت لأقدام راشدين ، لكنني لا أظن ذلك....

أظنها -وليس كل الظن إثم-
(المَحَقة) التي ضربت حيواتنا من عاليها لأقصى اسافلها...

زيدينا عشقاً يا أحلى نوبات الجنون فينا

وهاد ابراهيم محمد 17-04-2011 09:48 AM

لا صوت يعلو على صوت الشارع..
وصوت الشارع يأتيك في مكانك داخل الغرف المصطفة تبحث شبابيكها عن من يلقي التحية,
فلا ترتد خائبة أبداً.. (أبو فاطنة كيف أصبحتا؟).. وعلى جدي (ابو فاطنة) ان يرد التحية
العابرة لشباك غرفته الملوكية مميزاً لصاحبها مهما تداخل معها من أصوات..
فحين أشك أنه (عم إمام) يفاجئني برده (ود شطة كيفنك.. ان شاءالله الوالد أصبح طيب)..
وحين أظنها (حاجة حوا) يرد (فاطنة عبدالمجيد أصبحتي عافية؟.. ضيفانك علّهم طيبين)
ويوماً سلّمت عليه إحداهن بصوتها الحاد المرتفع, عرفتها وإنتظرت رده وانا ضاحكة, ولم يخيب ظني
وهو يرد بصوتٍ خفيض (الله يعافيك) قبل ان يتمتم لنفسه (شوف المشوطنة دي بالله)..
والمشوطنة في قاموسه لم تكن الا جارته في الـ(ناصية) المقابلة, (مريم بركة)
الشهيرة بـ (مريستها) وصراخها المجنون ما بعد منتصف الليل في وجه زبونٍ
زيّن له حظه العاثر غنيمةٍ ما بمغازلتها.




وهاد ابراهيم محمد 17-04-2011 09:53 AM

والصوت الجهوري الذي يوزع التحايا متوقفاً قليلاً أمام شجرة (أم سويقو)
لابد ان يكون (حاج أسد) بحماره الريافي ابيض اللون.
وهنا وجب ان أعاود الخروج للشارع والإستمتاع بالمنظر السلطاني للرجل في عليائهِ فوق الحمار الفتِيّ والعالي,
الذي يتزين ظهره بالسجادة الزرقاء المخملية..
و(حاج أسد) أحد الأعيان الـ(زغاوة) الموسرين بطبيعة الحال, يتقاسم و(آل تيمان)
بعض الحي والشارع فيما يشبه القلعة الخاصة بعشيرتهم, المشتهرة نسائها بثيابهن الفخيمة والغالية
بألوانها المميزة والحارة مع إختلاف فصول السنة,
والمشتهر رجالها بـ(المراكيب) النمر الفخمة والعصي الأبنوسية الطويلة, ولا مجال لإفتخارٍ بجلبابٍ
ناصع البياض, فتلك شيمة كل الرجال هناك.
ولابد ان أوان مرور (حاج أسد) سيصادف طلعة جارنا (حاج النعمة) في مروره الصباحي
الراتب نحو السوق, وهذا الأخير ببنيته الضعيفة وقامته القصيرة يكاد يكون صبياً لولا بعض خائنات الزمن
التي تركت بشعره بعض شيب, وبكتفيه بعض إنكفاء, ولولاهما لنافس كثير من الشباب بمحيّاه الصبوح الباسم دوماً.
يقفان يتجاذبان حديثاً محوره سوق المحاصيل التي يبدو ان الأول يتاجر فيها جيداً
حصيلة مزارعه المنتشرة بإتجاه (قولو), والثاني يُضارب فيها بالسوق الكبير.
حديثٌ تتخلله بعض الضحكات الجادّات, وانا التي كنت أحسب الضحك ضحك وحسب..
قبل أن يخبرني الرجلان, و(أم أم تس) و(مريم بركة) و(بُشرى) المجنونة, ان للضحك مدارس,
كلٌ منها يستحق اللحاق بصفه مُراقباً على أسوأ تقدير.



يتبع.

عبد الجليل سليمان 17-04-2011 10:12 AM

المشي فعل تقترفه الأرجل، (تُتأتي) به في البدء (تاتي.. تاتي)، ثم تتقنه على مهلها، والمشي رويدا يتحول إلى سير، وعلى الشوارع يقع عبء الوطء، وأولها شارع (البيت).
و وهاد هنا (نقلتني) إن لم تكُ (قتلني)، جعلتني أسير برفقتها في أراضيها (المنخفضة) أليس هذا (معناك) القائم حتى اللحظة دون تأويل، ولأنه كذلك، إخترت الشوارع تكتبينها (بعشق)، ربما سوف أقرأك على نحو مختلف...
ويسيل (الشارع) الرقراق ... ما بين الوهاد .
فليغفر لي (شاعرنا) أن بدلت (الجدول) إلى الشارع، فأنا قيد مداخلة محفوفة بمزالق وجدانية، ولأنني انتمي لشوارع (كانت أزقة)، فقتلوها.
والوَهْدَةُ: المطمئنُّ من الأَرض والمكان المنخفض كأَنه حفرة، والوَهْدُ يكوناسماً للحفرة، والجمع أَوهُدٌ ووَهْدٌ ووِهادٌ، لست أنا من شرح معناك بإيفاء، لكنني ناقله من المعجم الوسيط.
()
وكان شارع بيتنا (وهدة)، وشوارعنا كلها (وهاداً)، أرضاً مطمئنة كما أخبرني المعجم الوسيط، ولأنه (وسيط) غير متطرف اخترت أن ابحث فيه عن (نجدة) تأويني إلى مكان منحفض (كأنه حفرة)، هذا توصيف فيه ( بدعة) لأنه يماثل زقاقنا الذي أضحي شارعاً وأطلق عليه اسم (رئيس المحلية) الذي بعد أن حوله إلى شارع حاقت به لعنته فمات في حادث (سير)، كدت أقول حادث (مشي)، لأنه كان راجلاً فدهسته (رقشة) مارقة من زقاقنا القديم، حينها تأكدت من لعنتين (لعنة السير) و(لعنة الأزقة) التي نسير عليها، فلماذا نسمي الشوارع أسما من لم يسيروا عليها طويلاً.
()
ياااه ، بيت العزابه، بيت القوادة حنينة، وسعيدة ست العرقي، و شيخ الحرامية، و نايلة التي كانت تعلن عن نفسها في قلب الشارع بطريقة حريفة، وما أن تفتح الباب حتى تأتي أسراب من الرجال راكبين و راجلين، مقيمين وراحلين، كل ما تملكه بعض غنج ودلال (ومؤخرة) رجراجة.
لم يكن محقاً أن يسرق الشارع وينسبة إليه، أضحى (شارعنا) كإبن سفاح تبناه رئيس (المحلية) يرحمه الله، فحلت عليه اللعنة، فالشوارع يجب أن يتبناه من ساروا عليها طويلا، من (تمغنطت) أرجلهم على إنبساطاتها، ونتوءاتها، على تفجرها، و سكونها، من عبثوا بها وعبثت بهم، من ماتوا عليها (في وهدة) مطمئنين دون لعنة.
()
كل الشوارع هنا مسماة على (أناس) لم تكن لديهم أية علاقة بها، بالنسبة لي هذا حيف لا يجوز، ولست حفياً بأسماء شوارعنا التي تحمل لافتات (رموز)، انها شوارعنا، ونحن الأقدر على رواية (حكايتها)، نحن من نكتبها بكل هذا العشق والحب أليس كذلك يا أيتها الشارع المطمئن، يا (وهـــاد).

بله محمد الفاضل 17-04-2011 10:22 AM

فاتني أن أقول:
الشوارع تمنحني عبارات باهظة لا تتأتى بغيرها
وإليها أهديت بعض روحي

(http://sudanyat.org/vb/showthread.php?t=18107)


الساعة الآن 10:08 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.