كوكتيل قصص أعجبتني
وكذلك انتم...
شاركوا بالقصص التي اعجبتكم |
موت موظف أنطون تشيخوف ذات مساء رائع كان ايفان ديمتريفيتش تشرفياكوف، الموظف الذي لا يقل روعة، جالسا في الصف الثاني من مقاعد الصالة، يتطلع في المنظار إلى "أجراس كورنيفيل" . وراح يتطلع وهو يشعر بنفسه في قمة المتعة. وفجأة.. وكثيراً ما تقابلنا "وفجأة" هذه في القصص. والكتّاب على حق، فما أحفل الحياة بالمفاجآت! وفجأة تقلص وجهه، وزاغ بصره، واحتبست أنفاسه.. وحول عينيه عن المنظار وانحنى و .. أتش !!! عطس كما ترون. والعطس ليس محظوراً على أحد في أي مكان. إذ يعطس الفلاحون، ورجال الشرطة، بل وحتى أحياناً المستشارون السريون. الجميع يعطس. ولم يشعر تشرفياكوف بأي حرج، ومسح أنفه بمنديله، وكشخص مهذب نظر حوله ليرى ما إذا كان قد أزعج أحدا بعطسه. وعلى الفور أحس بالحرج. فقد رأى العجوز الجالس أمامه في الصف الأول يمسح صلعته ورقبته بقفازه بعناية ويدمدم بشيء ما. وعرف تشرفياكوف في شخص العجوز الجنرال بريزجالوف الذي يعمل في مصلحة السكك الحديدية. وقال تشرفياكوف لنفسه: "لقد بللته. إنه ليس رئيس، بل غريب، ومع ذلك فشيء محرج. ينبغي أن أعتذر". وتنحنح تشرفياكوف ومال بجسده إلى الأمام وهمس في أذن الجنرال: - عفواً يا صاحب السعادة، لقد بللتكم .. لم أقصد .. - لا شيء ، لا شيء. - استحلفكم بالله العفو. إنني.. لم أكن أريد! - أوه، اسكت من فضلك! دعني أصغي! وأحرج تشرفياكوف فابتسم ببلاهة، وراح ينظر إلى المسرح. كان ينظر ولكنه لم يعد يحس بالمتعة. لقد بدأ القلق يعذبه. وأثناء الاستراحة اقترب من بريزجالوف وتمشى قليلاً بجواره، وبعد أن تغلب على وجله دمدم: - لقد بللتكم يا صاحب السعادة.. اعذروني.. انني لم اكن أقصد أن .. فقال الجنرال: - اوه كفاك!. أنا قد نسيت وأنت ما زلت تتحدث عن نفس الأمر! وحرك شفته السفلى بنفاذ صبر. وقال تشرفياكوف لنفسه وهو يتطلع إلى الجنرال بشك: "يقول نسيت بينما الخبث يطل من عينيه. ولا يريد أن يتحدث. ينبغي أن أوضح له أنني لم أكن أرغب على الإطلاق.. وإن هذا قانون الطبيعة، وإلا ظن أنني أردت أن أبصق عليه. فإذا لم يظن الآن فسيظن فيما بعد!.." وعندما عاد تشرفياكوف إلى المنزل روى لزوجته ما بدر عنه من سوء تصرف. وخيل إليه أن زوجته نظرت إلى الأمر باستخفاف، فقد جزعت فقط، ولكنها اطمأنت عندما علمت أن بريزجالوف "غريب". وقالت: - ومع ذلك اذهب إليه واعتذر. وإلا ظن أنك لا تعرف كيف تتصرف في المجتمعات! - تلك هي المسألة! لقد اعتذرت له، ولكنه.. كان غريباً.. لم يقل كلمة مفهومة واحدة. ثم أنه لم يكن هناك متسع للحديث. وفي اليوم التالي ارتدى تشرفياكوف حلة جديدة، وقص شعره ، وذهب إلى بريزجالوف لتوضيح الأمر.. وعندما دخل غرفة استقبال الجنرال رأى هناك كثيراً من الزوار ورأى بينهم الجنرال نفسه الذي بدأ يستقبل الزوار. وبعد أن سأل عدة أشخاص رفع عينيه إلى تشرفياكوف. فراح الموظف يشرح له: - بالأمس في "اركاديا" لو تذكرون يا صاحب السعادة عطست و.. بللتكم عن غير قصد.. اعذر.. - يا للتفاهات... الله يعلم ما هذا! – وتوجه الجنرال إلى الزائر التالي – ماذا تريدون؟ وفكر تشرفياكوف ووجهه يشحب: "لا يريد أن يتحدث. إذن فهو غاضب.. كلا، لا يمكن أن أدع الأمر هكذا.. سوف أشرح له.." وبعد أن أنهى الجنرال حديثه مع آخر زائر واتجه إلى الغرفة الداخلية، خطا تشرفياكوف خلفه ودمدم: - يا صاحب السعادة! إذا كنت اتجاسر على إزعاج سعادتكم فإنما من واقع الاحساس بالندم!. لم أكن أقصد، كما تعلمون سعادتكم! فقال الجنرال وهو يختفي خلف الباب: - انك تسخر يا سيدي الكريم! وفكر تشرفياكوف: "أيه سخرية يمكن أن تكون؟ ليس هناك أية سخرية على الإطلاق! جنرال ومع ذلك لا يستطيع أن يفهم! إذا كان الأمر كذلك فلن أعتذر بعد لهذا المتغطرس. ليذهب إلى الشيطان! سأكتب له رسالة، ولكن لن آتي إليه. أقسم لن آتي!". هكذا فكر تشرفياكوف وهو عائد إلى المنزل. ولكنه لم يكتب للجنرال رسالة. فقد فكر وفكر ولم يستطع أن يدبج الرسالة. واضطر في اليوم التالي إلى الذهاب بنفسه لشرح الأمر. ودمدم عندما رفع إليه الجنرال عينين متسائلتين: - جئت بالأمس فأزعجتكم يا صاحب السعادة، لا لكي أسخر منكم كما تفضلتم سعادتكم فقلتم. بل كنت أعتذر لأني عطست فبللتكم.. ولكنه لم يدر بخاطري أبداً أن أسخر. وهل أجسر على السخرية؟ فلو رحنا نسخر، فلن يكون هناك احترام للشخصيات إذن.. وفجأة زأر الجنرال وقد أربد وارتعد: - اخرج من هنا !! فسأل تشرفياكوف هامساً وهو يذوب رعباً: - ماذا ؟ فردد الجنرال ودق بقدمه: - اخرج من هنا !! وتمزق شيء ما في بطن تشرفياكوف. وتراجع إلى الباب وهو لا يرى ولا يسمع شيئاً، وخرج إلى الشارع وهو يجرجر ساقيه.. وعندما وصل آلياً إلى المنزل استلقى على الكنبة دون أن يخلع حلته.. ومات . |
قناع الموت الأحمر
إدجار آلن بو منذ زمن بعيد وطاعون "الموت الأحمر" يهلك الحرث والنسل في هذه البلاد ، إذ ما من وباء كان ليضاهي فداحته و بشاعته أبدا، فقد كان يتجسد بالدماء أما علامته فقد كانت إحمرار الدم ورعبه، ويصاحب هجومه الشرس آلام شديدة ودوار مفاجئ يتبعه نزيف حاد، أما البقع القرمزية التي يخلفها على الجسم وخاصة تلك المنطبعة على وجه الضحية فقد كانت بمثابة الوباء اللعين الذي يحول دون وصول المساعدة إليه أو حتى من إشفاق أصحابه عليه، بيد أن هذه النوبة المرضية بأكملها من تطورها حتى انتهاءها لا تتعدى زهاء أحداث نصف ساعة من الزمن! ورغم هذا الرعب الذي كان يزرعه الموت الأحمر في النفوس إلا أن أمير البلاد، بروسبيرو لم يكن مكترثا لذلك، إذ عندما فتك هذا المرض اللعين بنصف سكان أراضيه الخاصة دعا إلى حضرته أكثر من ألف صديق من بين فرسان قصره الأصحاء ونساءه الحسناوات، واختلى بنفسه بعيدًا مع هؤلاء المدعوين في إحدى أجمل كنائسه الحصينة وأوسعها حيث كان هذا الذوق الغريب والمهيب نِتاج إبداع الأمير نفسه، لقد كانت الكنيسة مسوّرة بجدار منيع وشامخ وتحرسها بوابات حديدية، وفور دخول رجال الحاشية إلى الكنيسة أحضروا الأفران الملتهبة والمطارق الضخمة وقاموا بلحام الأقفال سعيا إلى إحباط أدنى وسيلة للدخول إليها أو الخروج منها لأي سبب كان، كما تم توفير جميع المؤن الضرورية داخل الكنيسة، حيث سيتسنى لرجال الحاشية الآن تحدى العدوى بهذه التدابير الوقائية، أما العالم الخارجي فبإمكانه الاعتناء بنفسه، ذلك أن مجرد الحزن على أولئك القابعين في الخارج أو التفكير بحالهم لا يعدو كونه حماقة كبرى، والفضل في هذا يرجع إلى الأمير حيث قام بتوفير جميع سبل الراحة والترفيه من مرتجلين وراقصات البالية وعازفي الموسيقى والحسناوات والشراب، وجميع هذه المظاهر كانت بمأمن في الداخل أما في الخارج فقد كان يقبع "الموت الأحمر". وعندما اقتربت عزلة الأمير في داخل كنيسته من شهرها الخامس أو السادس قام باستضافة أصدقاءه الألف لحضور حفلة رقص تنكرية لم يسبق لها مثيل. لقد كانت هذه الحفلة التنكرية مسرحا مثيرًا للحواس، لكن في البداية اسمحوا لي أن أخذكم في جولة داخل القاعات التي أُحيت فيها هذه الحفلة، لقد كنُّ سبع قاعات أو بالأحرى جناحًا إمبراطوريًا ضخمًا، إن أجنحة كهذه في العديد من القصور تشكل أفقًا طويلاً وممتدا تترامى على جدرانه الأبواب على كلا الجهتين من دون أن تتيح لأي شيء بإعاقة منظر النطاق. بيد أن الأمر في هذا القصر بالذات يختلف تمامًا عما هو معتاد وهو ما يمكن توقعه من حب الدوق للغرائب، فقد كانت هذه الغرف موزعة بطريقة غير متناسقة مطلقةً العنان للبصر بمعانقتها بشدة مرة بعد مرة لينتهي بها المطاف باستدارة حادة إلى اليمين وأخرى إلى اليسار بحيث تتوسط كل جدار نافذة طوقية طويلة وضيقة تطل على ممر مغلق يتتبع التفافات الجناح، لقد كانت هذه النوافذ مصنوعة من زجاج تتفاوت ألوانه طبقا للون الزخرفة السائد في الغرفة التي تفتح بداخلها هذه النافذة، فعلى سبيل المثال، كانت الغرفة في أقصى الشمال تتشح باللون الأزرق الزاهي وكذا كانت نوافذها زرقاء مشرقة، أما في الغرفة الثانية فقد كانت حليها وأقمشتها تزدان باللون الأرجواني ، لذلك كان اللون الأرجواني منعكسا على ألواح نوافذها الزجاجية، الغرفة الثالثة كانت خضراء نظرة وكذلك كانت نوافذها البابية، أما الغرفة الرابعة فقد كان أثاثها يشع بلون أزرق باهي ... الغرفة الخامسة بيضاء كشعاع الشمس والسادسة بلون أزهار البنفسج، أما الغرفة السابعة والأخيرة فقد غُطيت بعناية فائقة بأقمشة النجود المخملية الداكنة التي كانت تتدلى من أعلى سقف الغرفة لتعانق الحيطان ومن ثم تهوي بشكل لفافات ثقيلة على سجادة مصنوعة من اللون والمواد ذاتها، بيد أن لون النوافذ في هذه الغرفة-فقط- أخفق في الانسجام مع زخارفها، لقد كانت قرمزية كلون الدم الأحمر القاني، وبالرغم مما تتمتع به هذه الغرف السبع من أجواء احتفالية ووسط كل تلك الحلي والمجوهرات الذهبية المنتشرة هنا وهناك والمتدلية من أسقفها إلا أن أياً منها لم يكن بداخلها شمعدان أو مصباح مضيء، لقد كان المكان يفتقر لأدنى مصدر ضوئي، ولكن في ممرات الجناح وقبالة كل نافذة كان هناك مشعل يسلط أشعته المتوهجة عبر الألواح الزجاجية الملونة ليضيء الغرفة بوهجه الساطع، لقد شكلت هذه الأجواء المتداخلة العديد من المظاهر المبهرجة والرائعة، ولكن وهج النار في الغرفة الغربية أو الخلفية كان فضيعًا إلى أبعد الحدود، فقد كان ينسدل على الستائر الداكنة عبر الألواح المتشحة بلون الدم وهو أمر بعث في نفوس أولئك الذين دخلوها نظرة موحشةً جدًا، لذلك لم يكن بداخلها سوى عدد بسيط جدا ممن كانت لديهم الجسارة الكافية لأخذ موضع قدم داخل فناءها. وقبالة الحائط الشرقي لهذه الغرفة أيضا تنتصب ساعة عملاقة مصنوعة من خشب الأبنوس، يتراقص بندولها جيئةً وذهابًا محدثًا ضجيجًا رتيبًا وثقيلاً ومملاً، وما أن يكمل عقرب دقائقها دورته الزمنية وتتأهب هي لتطلق نغماتها حتى يصدر من رئتيها النحاسيتين صوتٌ واضحٌ وقوي، عميقٌ وموسيقي، ولكنه يتسم بنغمة غريبةٍ جدًا، نغمة تجعل عازفي الأوركسترا يتوقفون رغما عنهم عن عزف مقطوعاتهم الشجية لبرهة من الزمن مع انقضاء كل ساعة زمنية لينصتوا بإمعان إلى ذلك الصوت الأمر الذي يدفع الراقصين كذلك إلى التوقف بسبب تلك الربكة القصيرة التي قاطعة نفوسهم المرحة في حين أن الساعة لا تزال مستمرة في مخاضها الموسيقي، في هذه اللحظة بالذات تنمو ملامح الشحوب على محيى أكثر المحتفلين استهتارًا، أما أولئك المسنين والرصينين فقد جعلوا أياديهم تحلّق فوق جباههم كما لو كانوا مستغرقين في تفكير حالم أو تأمل مشوش، ولكن ما أن تتوقف الأصداء بالكامل حتى تخترق ضحكة خفيفة جموع الحاضرين ويتبادل بعدها العازفون النظرات فيما بينهم ويرسمون الابتسامات على شفاههم كما لو كانوا يسخرون من حماقتهم ونوبة الارتباك التي ألمت بهم، وهنا يهمس الواحد منهم للآخر واعدًا إياه بأن الدقات القادمة يجب أن لا تحرك فيهم مثل هذه المشاعر ثانية، وهكذا يمر الوقت سريعا وتنقضي معه ستون دقيقة أي ما يعادل ثلاثة آلاف وستمائة ثانية من الوقت الذي مضى لتمطر الساعة المكان بدقاتها المدوية محدثة بذلك نفس الإرباك والرعشة والتأمل كالسابق. ولكن بالرغم من هذه الأجواء المشحونة والمشدودة إلا أن الحفلة كانت تعج بألوان المرح الصاخب، فالمحتفلون يعلمون أن للدوق أذواقا غريبة وحسًا مرهفًا جدًا في انتقاء التأثيرات اللونية والصوتية، وهو من أولئك الذين لا يستسيغون الأعمال الزخرفية المجردة، فمخططاته تتسم بالجرأة ومفاهيمه في الحياة تتوهج بلمعةٍ بربرية، وقد حدا هذا الأمر بالبعض منهم إلى الاعتقاد بأن الجنون قد مس الأمير، إلا أن أتباعه المخلصين لا يرون فيه ذلك رغم ضرورة الاستماع إليه ورؤيته أو حتى لمسه للتأكد من أنه بكامل قواه العقلية. واحتفاءً بهذه المناسبة العظيمة قام الدوق بنفسه بالإشراف على الجزء الأكبر من هذه الزخارف المتحركة في الغرف السبع، كما أنه هو شخصيًا وجّه جميع المحتفلين على تقمص شخصياتهم التنكرية حسب ذوقه الخاص، حيث شدد على أهمية ظهورهم بشكل مشوه، لقد كان المكان مشوبًا بالكثير من الوهج والتألق، بالإثارة والخيال، بمثل تلك المناظر التي شوهد معظمها في مسرحية "هيرناني"، هناك زخارف من الأرابسك لها تفرعات وعلامات غير متناسقة، كما أن هناك أزياء تنكرية غريبة جدًا كتلك الملابس التي يرتديها المجانين، لقد كانت الحفلة تعج بالكثير من المحتفلين الأنيقين، العديد من المستهترين، وغيرهم من غريبي الأطوار وبضعة من الفظيعين وليس بقليل من ذلك أولئك الذين قد تكون صورهم مدعاة للتقزز. في الواقع، كانت هناك أشكالا متعددة من الأحلام تطوف بداخل الغرف السبع جيئةً وذهابا، لقد كان الحالمون يتلوون داخل هذه الغرف وخارجها، يسلبون منها ألوانها المتداخلة حتى أن موسيقى الأوركسترا الصاخبة كانت لتبدو كصدى وقع أقدامهم. وعما قريب تزفر الساعة المنتصبة في غرفة الأقمشة المخملية بدقاتها المعتادة، عندها، وللحظة قصيرة، يسكن الجميع، ويخيم صمت عميق على الجميع ما عدا صوت الساعة، وينتصب الحالمون كجثث هامدة، ولكن لا تلبث أصداء الرنين طويلا حتى تذبل...إنه شيء لا يطاق... وما أن تخمد هذه الأصداء حتى يتبع رحيلها ضحكة يمتزج فيها اللطف والقهر، في هذه الأثناء تصدح الموسيقى بصداها عاليا وتنتعش أرواح الحالمين وهم يجوبون الغرف جيئة وذهابا بمرح أكثر من ذي قبل لتتلون أجسادهم بألوان النوافذ ووهج المشاعل، في هذه الأثناء تخلو الغرفة في أقصى الجهة الغربية من مرتاديها الذين خاطروا بأرواحهم لدخولها، لقد بدأ الليل بإسدال ستاره المعتم على الغرفة، كما أن هناك ضوءً متورداً ينبثق من خلال الزجاج الملطخ بلون الدم، والأقمشة المخملية تبدو مرعبة جدا وسط هذه العتمة، كما أن أولئك الذين وضعوا أقدامهم على السجادة الداكنة أحسوا بتلك الجلجلة المكتومة التي تحدثها ساعة الأبنوس والتي حملت في طياتها رهبة مثيرة أكثر من أي شيء التقطته مسامعهم أثناء انغماسهم في ملذات الغرف البعيدة ومباهجها. بيد أن الحال في الغرف الأخرى كان مغايرا تماما، فجميعها يعج بالمحتفلين ودبيب الحياة ينتشر في جميع أوصالها، ولا يزال الفرح يغمر المكان، حتى إذا ما مضى وقت طويل تبدأ بعده الساعة بترديد أصداء منتصف الليل، عندها تحبس الموسيقى أنفاسها حسبما ذكرت آنفا، ويهدأ نشاط الراقصين ويخيم على المكان سكون مضطرب في كل شيء كالسابق، ولكن في هذه المرة سيصدر جرس الساعة اثني عشرة دقة، وهكذا بدأ العد لتتزاحم معه الكثير من الأفكار ويمتد معه الاستغراق في التأمل وسط أولئك المعربدين، وهكذا قبل أن تغرق آخر أصداء الدقة الأخيرة في صمت عميق كان هناك العديد من المحتشدين الذين ما أن أحسوا بالراحة حتى انتبهوا لوجود شخص مقنع لم يلفت انتباه أي منهم من ذي قبل، وبدأت إشاعة ظهور هذا الزائر الجديد بالانتشار في جميع الأروقة، ولم يحدث أزيز المحتفلين وهمهمتهم بهذه الإشاعة تقززا فقط بل ورعبا مخيفا أيضا. في خضم هذه المفارقة المجتمعة للأوهام التي قمت برسمها يمكن القول بأن ما من مظهر عادي قد يثير مثل هذه الأحاسيس، بل إن الحقيقة عارية أمام لا محدودية حرية التنكر في هذه الليلة، بَيْدَ أن الشخص المشبوه قد فاق هيروديد هيرود وتعدى كثيرا حدود الحشمة التنكرية لشخص الأمير نفسه، لقد انتابت قلوب أكثر الحاضرين تهورا عاطفة جياشة لا يمكن مجابهتها ببرودة أعصاب، حتى أن أولئك البائسين تماما ممن يعتبرون الحياة والموت دعابتان متشابهتان يؤمنون بوجود أمور يستحيل المزاح فيها. وبالفعل طاف على الجميع شعور عميق بأن ملابس الغريب ومغزاه من هذا التنكر لا ينمان عن خفة دم ولا أدب ظاهر، فهذا الشكل البشري الطويل والهزيل مكفن من رأسه إلى أخمص قدميه بأكفان المقابر، أما القناع الذي يواري خلفه صفحة وجهه فقد صُنع بطريقة تشبه ملامح جثة متيبسة يصعب على أدق الفحوص اكتشاف الخدعة التي عملت بها، ومع ذلك كان بإمكان المعربدين الغاضبين في الجوار تحمل هذا النوع من الدعابات وإن لم يستسيغوها لولا تمادي هذا المهرج المتنكر في طريقة تنكره إلى درجة أنهم شبهوه بأحد أنواع الموت الأحمر، فقد كان رداءه يعتصر دما، أما حاجبه الواسع وجميع ملامح وجهه كانت تمطر رعباً قرمزيا. لقد لاحظ الجميع ما آل إليه حال الأمير بروسبيرو من اضطراب عندما ألقى بناظريه على هذه الصورة الطيفية وهي تتحرك ببطء وهيبة وتخطوا بشموخ جيئة وذهابا بين الراقصين وكأنها تؤدي دورها ببراعة تامة، ففي اللحظة الأولى انتابته قشعريرة قوية ساقتها الرهبة والتقزز، أما في اللحظة التالية فقد استشاط غضبا وزمجر بصوته الأجش :" من ذا الذي يجرا؟ "، موجها سؤاله إلى خدمه الواقفين بقربه: " من ذا الذي يجرأ على إهانتنا بهذه المهزلة الكافرة؟ امسكوا به، واخلعوا عنه قناعه لنتعرف على هذا الذي سنعلقه من على شرفات الكنيسة عند شروق الشمس". لقد كان الأمير بروسبيرو في الغرفة الزرقاء عندما أطلق تلك الصيحات التي دوى صداها بشدة ووضوح جميع أرجاء الغرف السبع، ولا عجب في ذلك فالجميع يشهد بشجاعة الأمير وغلظته، إذ بمجرد أن لوح بيده في الهواء حتى حبست الموسيقى أنفاسها. وقف الأمير في الغرفة الزرقاء وإلى جانبه مجموعة من أفراد حاشيته وقد كسا الشحوب وجوههم، في البداية وأثناء ما كان الأمير يتكلم هرعت جماعته بحركة خفيفة تجاه الشخص الدخيل الذي كان في هذه اللحظة أيضا قريبا من قبضتهم وهو يهم بخطى حثيثة وثابتة ليدنو من الأمير، ولكن كان لتلك الهيبة الغامضة التي فرضتها تلك الإشاعة بتخيلاتها المجنونة على الجميع لم تتح لأي منهم المجال لأن يحرك ساكنا للقبض عليه، وهكذا وبدون أية إعاقة عبر المتنكر فناء شخص الأمير ذاته، وبينما كانت الجموع الغفيرة تندفع كموجة ممتدة من أواسط الغرف إلى جدرانها كان الدخيل يشق طريقه دون عناء وبنفس الخطى المهيبة والمدروسة التي ميزته منذ البداية مارًا عبر الغرفة الزرقاء إلى الأرجوانية ومن الأرجوانية إلى الخضراء ومن الخضراء إلى البرتقالية وعبر هذه الغرفة إلى البيضاء وحتى من هناك إلى البنفسجية قبل أن تكون هناك حركة حازمة لاعتقاله، عندئذ جن جنون الأمير بروسبيرو وهو يرى عار الجبن وقد لحق به في تلك اللحظة لينطلق مسرعا كسهم أفلت من قوسه عبر الغرف الست، ولكن تلك الرهبة القاتلة التي ألمت بالجميع لم تسعف أحدا منهم على اللحاق بصاحبهم، حينها استل الأمير خنجره المغمود عاليا ودنى سريعا بمقدار ثلاثة أقدام أو أربعة من الشخص الدخيل، ولكن عندما وصل هذا الأخير إلى آخر أتون الغرفة المخملية استدار فجأة ليواجه الشخص الذي يطارده... هناك..انطلقت صرخة شديدة سقط إثرها الخنجر اللامع على السجادة الداكنة التي ما لبثت هي الأخرى حتى خر عليها الأمير بروسبيرو ميتا، واستجمع المحتفلون قواهم البائسة وألقوا بأجسادهم دفعة واحدة داخل الغرفة السوداء وهموا بإحكام قبضتهم على المتنكر الذي مازال هيكله الفارع والنحيل منتصبا بلا حراك تحت ظل ساعة الأبنوس، إلا أنهم صعقوا جميعا عندما رؤى الأكفان والجثة- حالها حال القناع الذي تنازعون بينهم بعنف- ليتبينوا في نهاية المطاف أن ما من جسد ملموس بداخلها! وتيقن الجميع الآن من وجود الموت الأحمر بينهم، فقد تسلل إليهم كلص في غيهب الليل، واخذ يلقي بالمعربدين الواحد تلوى الآخر في القاعات المضرجة بالدماء وكل منهم يسقط أرضا يموت على تلك الحالة المزرية لسقوطه أرضا. ومع آخر ألوان المرح تلفظ الساعة أنفاسها الأخيرة وتخمد ألسنة المشاعل ويسدل الظلام عتمته الموحشة ويعم الخراب والدمار في كل مكان ويبسط الموت الأحمر هيمنة مطلقة على كل شيء. |
الخطيب
أنطون تشيخوف ذات صباح رائع جرى دفن المساعد الاعتباري كيريل ايفانوفتش فافيلونوف، الذي توفي من جراء مرضين جد منتشرين في بلادنا: الزوجة الشريرة، وادمان الخمر. وعندما تحرك موكب الجنازة من الكنيسة إلى المقابر، استقل أحد زملاء المتوفى، المدعو بوبلافسكي، عربة وانطلق إلى صديقه جريجوري بتروفتش زابويكين، وهو رجل شاب ولكنه مشهور إلى حد كبير. وزابويكين، كما يعرف كثير من القراء، رجل ذو موهبة نادرة في ارتجال خطب الزفاف والمناسبات اليوبيلية والتأبين. وبوسعه أن يخطب في أي وقت: اثر الاستيقاظ مباشرة، وعلى الريق، وفي حالة السكر الفظيع، وأثناء الحمى. وينساب كلامه ناعماً، سلساً كما يسيل الماء من ميزاب، وغزيرا. وفي قاموسه الخطابي من كلمات الرثاء أكثر مما في أية حانة من صراصير. وخطبه دائما فصيحة، طويلة حتى انهم أحيانا، وخاصة في أعراس التجار، يضطرون للجوء إلى الشرطة لإيقافه عن الكلام. وقال بوبلافسكي عندما وجده في البيت: - انني أقصدك يا أخي! البس بسرعة وهيا بنا. لقد توفي أحد زملائنا، والآن نشيعه إلى العالم الآخر، ومطلوب يا أخي أن تقول في وداعه بعض الهراء.. الأمل كله فيك. لو كان المتوفى من صغار الموظفين لما أزعجناك، ولكنه سكرتير.. يعني من أعمدة الادارة. ومن غير اللائق أن ندفن هذا الرأس الكبير بدون خطبة. فقال زابوكين متثائباً: - آه، السكرتير! أهو ذلك السكير؟ - نعم، السكير. ستكون هناك شطائر ومزّات... وستمنح أجرة العربة. هيا يا عزيزي! فلتلق على قبره خطبة عصماء أفصح من خطب شيشرون، وستتلقى كل الشكر! وافق زابوكين عن طيب خاطر. نكش شعره، واضفى على وجهه سيماء الكآبة وخرج مع بوبلافسكي. وقال وهما يجلسان في العربة: - أعرف سكرتيركم هذا. قَلّ أن تجد أفاقاً وشيطاناً مثله، عليه الرحمة. - لا يصح يا جريشا أن تشتم الموتى. - أنت محق، طبعا * aut mortius nihil bene ولكنه مع ذلك محتال. لحق الصديقان بركب الجنازة وانضموا إليه. وكانوا يحملون المتوفى ويسيرون به ببطء فتمكن الصديقان قبل بلوغ المقابر من أن يعرجا ثلاث مرات على الحانات ويشربا في ذكرى المرحوم. وأقيمت صلاة الميت في المقابر. وجريا على العادة بكت زوجته وأختها وحماته كثيراً. وعندما أنزل التابوت إلى المقبرة صاحت زوجته "ادفنوني معه!" لكنها لم تنزل إلى المقبرة وراء زوجها ربما لأنها تذكرت المعاش. وانتظر زابوكين حتى عمّ الهدوء، ثم تقدم إلى الأمام، وطاف على الحاضرين بنظراته، وقال: - هل نصدق سمعنا وأبصارنا؟ أليس حلماً رهيباً هذا التابوت وهذه الأوجه الباكية، وهذا الأنين والنحيب؟ يا للحسرة، هذا ليس حلما، وأبصارنا لا تخدعنا! ان ذلك الذي رأيناه منذ وقت قريب مكتمل الصحة ، في أوج شبابه وبهائه ونضارته، ذلك الذي رأيناه منذ وقت قريب يضع، كالنحلة، عسله في الخلية العامة لبناء الدولة، ذلك الذي.. هو بعينه أصبح الآن تراباً، أصبح سرابا ماديا. لقد أطبقت عليه قبضة الموت الذي لا يرحم عندما كان، رغم عمره المتأخر، مفعماً بالقوة المتأججة والأحلام المشرقة. فيالها من خسارة لا تعوض! من ذا الذي يعوضنا عنه؟ لدينا الكثير من الموظفين الممتازين، ولكن بروكوفي أوسيبوفتش كان الوحيد بينهم. لقد كان مخلصا من صميم قلبه لواجبه الشريف، ولم يرحم نفسه، لم ينم الليل، وكان مثلا للتفاني والنزاهة.. كم كان يحتقر أولئك الذي يحاولون رشوته على حساب المصلحة العامة، أولئك الذين حاولوا بخيرات الحياة المغرية دفعه إلى خيانه واجبه! نعم، لقد رأينا بأعيننا كيف كان بروكوفي أوسيبوفتش يوزع راتبه الصغير على رفاقه المعوزين، وها قد سمعتم الآن عويل الأرامل واليتامى الذين كانوا يعيشون على حسناته. لقد كان مخلصا لواجبه الوظيفي ولأعمال الخير فلم يذق ملذات الدنيا، بل حرم نفسه حتى من سعادة الحياة العائلية. فأنتم تعرفون أنه ظل عازبا حتى آخر أيام عمره! ومن ذا الذي يعوضنا عنه رفيقا؟ كأني أرى الآن وجهه الحليق البشوش الذي يهل علينا بابتسامة طيبة، وكأني أسمع الآن صوته الناعم الودود الرقيق. طيب الله ثراك يا بروكوفي أوسيبوفتش! فلتنعم بالسكينة أيها الكادح الشريف النبيل! ومضى زابوكين يخطب بينما أخذ المستمعون يتوشوشون. أعجب الجميع بالخطبة، التي استدرت بعض الدموع ، ولكن الكثير فيها بدا لهم غريبا. فأولا: لم يكن مفهوما لماذا دعا الخطيب المرحوم باسم بروكوفي أوسيبوفتش بينما كان اسمه كيريل ايفانوفتش. وثانيا: كان الجميع يعرفون أن المرحوم ظل طوال حياته يصارع زوجته الشرعية، وبالتالي فلا يمكن أن يكون عازباً. وثالثا: فقد كانت لديه لحية غزيرة حمراء، ولم يحلق ذقنه قط، ولذا فلم يكن مفهوما لماذا وصف الخطيب وجهه بالحليق . أبدى السامعون استغرابهم وتبادلوا النظرات، وهزوا أكتافهم. ومضى الخطيب يقول بحماس وهو ينظر في القبر: - يا بروكوفي أوسيبوفتش! لم يكن وجهك جميلا، بل حتى كان قبيحا، متجهما صارما، ولكننا كنا نعرف جميعا أن هناك، تحت هذه القشرة الظاهرة، ينبض قلب شريف ودود! وسرعان ما بدأ السامعون يلاحظون شيئا غريبا على الخطيب نفسه. فقد ثبت بصره على نقطة واحدة، ثم أخذ يتململ بقلق، وراح يهز كتفيه. وفجأة صمت، وفغر فاه بدهشة، والتفت إلى بوبلافسكي. وقال وهو ينظر برعب: - اسمع، انه حيّ ! - من الحيّ ؟ - بروكوفي أوسيبوفتش! ها هو يقف هناك بجوار التمثال! - انه لم يمت أصلا! كيريل ايفانيتش هو الذي مات! - ألم تقل لي أن سكرتيركم مات؟ - كيريل ايفانيتش كان سكرتيرا. يا لك من مضحك، لقد خلطت الأمور! صحيح أن بروكوفي أوسيبوفتش كان سكرتيرا ولكنه نقل منذ عامين إلى القسم الثاني رئيس قلم. - آه، الشيطان وحده يفهمكم! - وما لك توقفت، أكمل، لا تحرجنا! والتفت زابوكين نحو القبر وواصل حديثه المنقطع بنفس البلاغة السابقة. وبالفعل كان بروكوفي اوسيبوفتش، وهو موظف عجوز، بوجه حليق، يقف بجوار التمثال. وكان يتطلعه إلى الخطيب وقد قطب حاجبيه بغضب. وضحك الموظفون أثناء عودتهم من المقابر مع زابوكين: - ما الذي دهاك؟ تدفن شخصا حيا! ودمدم بروكوفي اوسيبوقتش: - عيب عليك أيها الشاب! ربما كانت خطبتك مناسبة للمرحوم، ولكنها محض سخرية بالنسبة لشخص حي! ما هذا الذي قلته؟ متفان، نزيه، لا يقبض رشاوي! هذا الكلام عن شخص حي ليس إلا سخرية! كما أن أحدا لم يطلب منك يا سيدي أن تفيض في وصف وجهي. غير جميل، قبيح، فليكن، ولكن ما الداعي لعرض وجهي فرجة أمام الجميع؟ هذا مهين! |
شكرا يا اشرف
جملت امسيتي ياخ طبعا .. الموت الاحمر كانت هي الاولي بين القصص الثلاثة ربما لانها تشبه كثيرا الموت الاحمر الذي ظل يعشعش علينا هنا في السودان الشقيق رببببببما |
سلام يا أشرف،
أعرف أنّك حفّار وصيّأد درر، ورجل مفيد. دعوتك لإنزال ما أعجبنا من قصص، ممتازة وبتثري البوست وممكن يكون مرجع. مشكور ياخي ولا تكسل من البوست. |
اقتباس:
سلامات يا ناصر.... الموت الأحمر يرتدي ما يعجبه وفق عصره... ممتن لك أن أبهجك نقلي هنا... اقتباس:
شكراً للتقريظ... وكلي أمل ان تحفز هذه القصص بقية القراء للمشاركة معي هنا... لا كسل في موسم الأمطار.. بل نمو تحياتي |
ضلالات
عبد العزيز بركة ساكن 1/ فراش تَقلبتْ قليلاً في فراشها الرطب، قبل أن تنهض و تضع ثوبها علي أطفالها الثلاثة، فالبطانية العسكرية القديمة المزيقة فقدت دفئِها علي مر الأعوام، بطانية الصوف الخضراء الخشنة ذات الثقوب الكثيرة، ابنتها الوحيدة آمنة ستبلغ السابعة عشرة بعد شهور قليلة، ما زالت تعاني من التبول الليلي علي الفراش، علي الأقل مرة في الأسبوع، أُصيبتْ به منذ اليوم الذى تلقتْ فيه خبر مَقتل والدها في كبويتا الصيف الماضي علي يد الثُوار. 2/ مشهد آمنة : ترقد علي عنقريب مفروش ببرش أحمر، تحت العنقريب توجد جوالات خيش فارغة مُفترشة علي الأرض لتمتص ما قد يتساقط من بول عبر البرش. زهرة: تربت علي قدم ابنتها المتغطية بملاءة. تصيح البنت في غضب مفتعل "مالك يا أمي ؟! "" ترفع الغطاء يظهر و جهها المحكوك بكيمياء الكريمات الرخيصة شاحباً". زهرة: يا بت ما ماشة المدرسة و لا شنو؟! تنهض آمنة في تثاقل ترمي بالملاءة بعيداً عن جسدها تشمم المكان علها بالت عليه أم لا، عندما لا تجد أثراً للتبول تنهض واقفة، تستعدل قميص نومها، ترتدى شبشبها، تجمع جوالاتها و تخرج بها من القطية، تذهب نحو الحمام تجرجر جسدها الثقيل و أردافها الكبيرة. أبو ذر و معاوية: " يصطفون خلف القطية يتبولون في نعاس و لذّة" 3/ مشهد " خارج القطية يجلس الأطفال الثلاثة علي عنقريب قديم يحتسون الشاى، آمنة تسرح شعرها و هي تترنم بأغنية غير واضحة الكلمات و اللحن و في وجهها طلاء أبيض، زهرة تأتي من راكوبة المطبخ، تقف أمام أطفالها، تصرخ " زهرة: من بكرة الفطور في البيت. آمنة: " تلوى شفتيها في إمتعاض "... كل يوم فلم جديد. أبو ذر: أنا ما عايز فطور في البيت... عايز افطر في المدرسة. معاوية: نجي من المدرسة لحدى البيت في الحي الجنوبي و تاني نرجع المدرسة حنلقي الجرس دقا و الأستاذ حيدقنا...و لكن مافي في مشكلة...انا حاجي افطر في البيت.....يا أمي...بأى شىء.... زهرة: إخوانك ديل ما عارفين حاجة.... ببكوا و ما عارفين الميت منو..." بصوتٍ عال" القروش كملت... آخر ألفين حأعمل ليكم بيهم الغداء الليلة...بكرة و بعد بكرة و بعده حتاكلوا لقمة بزيت ، و بعد داك حتموتوا من الجوع أو تاكلوني أنا ذاتي..." تأخذ وعاء قربها و ترميه علي الأرض بشدة " في حركة جنونية غير متوقعة. آمنة: "متجاهلة انفعال أمها" أنا ذاتي المدرسة ما نافعة معاى " تنتهي من تمشيط ضفيرة بحركة قلقة سريعة"... أنا عايزة أبيع الشاى في السوق الكبير أو الموقف أو كبرى ستة أو حتي في سوق النوبة... زى البنات...آها...كلمتك يا أمي، علي الأقل أساعدك في رسوم المدرسة و اشترى ريحة كويسة و كريمات و أشوف الدُنيا دى فيها شُنو... أنا كرهت الفقُر و الجُوع. معاوية: أنا عايز اشتغل في كارو...الم قروش الفطور و الرسوم بعد داك ارجع المدرسة أجمد سنة و اقرأ سنة لحد ما أكمل المدرسة و اتخرج. أبو ذر: أنا عايز اشتغل عسكرى في الجيش بس... زهرة: " مغتاظة " عشان تموت زى أبوك و تريحنا. ابو ذر: عشان اجيب قرنيت و أقتل بيهو آمنة (ال...) دى " يأخذ من وراء ظهره قرنيت يفك التيلة و يقذفه بإتجاه آمنة بحركة عسكرية رشيقة". آمنة: " تنهض و تهرب بعيدا، يسقط القرانيت قرب رجلها و ينفجر مبعثراً قطع الطين و الزبالة و الحصي التي يتكون منها في ساحات شاسعة " يا وسخ...دا شنو؟ أبو ذر: عشان تاني ما تبارى الرجال...حأكتلك. آمنة: أنا... أبو ذر: ايوا..إنتي.. الأولاد كلهم قاعدين يقولوا كدا.... آمنة: أنا... يا وسخ... انا قاعدة ابارى الرجال ؟! " يصمت الجميع، يرتدون ملابسهم، يخرجون الي المدرسة تبقي الأم وحدها". 4/ ضلالات مشهد تعرف الأم كل شىء عن البنت، ضلالاتها الصغيرة و الكبيرة، مراقدها و مقاماتها كل عشاقها الكثيرين، و يعرف الأطفال، و تعرف هي أنهم يعرفون و الأم تعزى إنحراف ابنتها الي سببن: غياب سُماعين و الفقر. كان سيكمل عامه السادس بالجنوب و بذلك تتاح له العودة الى خشم القربة، في الحقيقة لم تكن علاقتها بزوجها بتلك القوة التي دائماً ما يقتضيها الزواج، و لكن كانت ظروف معايشة و تربية أطفال لا أكثر، و لو ان سُماعين ما كان عنفياً غليظ القلب فظا مثل كثيرٍ من ازواج صديقاتها، و لكن كان الشهيد كسولاً غير مبالِ و بخيلا، لا يخرج الجنيه من كفه إلا بعد لأى و مجاهدة، و لكنه فوق ذلك كان يحب أطفاله و يشترى لهم رؤوس النيفة في كل نهاية و منتصف الشهر طوال فترة تواجده بخشم القربة. نعم، انه يشرب البغو و العرقي، مثله مثل أزواج صديقاتها ليبدو رجلا فحلا و متكاملا، لكنه لا يضربها مثلهم و لسانه عفيف. لكن أكثر ما تعيبه في الشهيد رحمة الله عليه مغامراته النسائية و ما تزال أصداء فضيحته مع ابنة مبشر كاجيلا جمعة تملأ الحلة طنينا، رغم ذلك حزنت لموته حزناً حقيقيا، و ربما كان باطنه الخوف علي مستقبل الأطفال. زهرة لا تفهم كثيرا في الدين ، هي مسلمة حقيقية، تصلي و تصوم رمضان ولو أنها لا تحفظ من القرآن سوى سورة " الحمدلله رب العالمين " و سورة " قل هو الله احد، الله صمد " و دعاء " الذاكيات لله" حفظتهم من أطفالها عندما كانوا يستذكرون دروسهم بصوتٍ عال. ظاهرها الديني هذا يضعها في الحى الذى تسكن فيه ضمن النساء المتدينات، إلا أنها ترفض فكرة ان يُزف سُماعين كوكو مرفعين إلى حورية في الجنة تاركاً لها أولاده و بنته الملعونة لتربيهم وحدها و هو لم يترك لها قرشاً. تَخّيلتْ الجنةَ، بل رأتها رؤية العين، كانت عبارة عن كَنبُو كبير، أكبر من كَنبُو كديس بعشرات المرات، به الحور العين رشيقات جميلات لهن بَشَرةٌ شديدة السواد ناعمة تلمع مع أشعة الشمس، يمشطن شعرهن في ضفائر مُسدلة على جاني رؤوسهن، تماماً كما يحب كوكو سُماعين مرفعين أن يرى شعرها عندما كانا مخطوبين، يَسقينه المريسة من أنهر تجري في هدوء عبر أشجار المسكيت، النبق و اللالوب الخضراء، يرقصن معه الكرنق والكمبلا، يدفعن في فمه بغنج قِطع النِيفَة الطَرية مُتبلة بالشطة و أبُنْغَازي، من وقت لآخر يخلو باحداهن في قُطية جميلة. هُنا، جزبت زهرة نفساً طويلاً، ثم لعنته في سرها، لعنت اليومَ الذي عرفته فيه. ها هو الإحتفال يجرى الآن أمامها، في حوش البيت، تحجب سحابات غباره الرؤية و يكح لها الصغار، الحملان و الكتاكيت، ينطط فيه العسكريون، كبار الضباط، بعض اللحى المدنية و غيرهم من الغرباء يعرضون و يبشرون لها، مشهد لن تنساه، يتكرر يوميا في صحوها و منامها. عندما ذهبوا، ذهبوا. إجمالي ما تركوه كان كما يلى: 50 كيلو دقيق استرالى، جوال بلح باعته في حينه للنساء اللائي يصنعن العرقي في الجوار. 1 جركانة زيت سمسم، سعة خمسين رطلا. 10 رطلا من البن الحبشي، و كرتونة لبن بدرة ماركة الكفين المتصافحين، و كثير من الأغبرة و أثر العربات و بعض أطفال الحي بملابسهم الممزقة و سراويلهم المتسخة المقدودة من دبر، يفتشون في الأرض العملات المعدنية التي قد تسقط من جيوب جلابيب الراقصين الكبيرة، تركوا صدى أيقاعٍ ممتزجٍ بفحيح فنانٍ خليعٍ يتلاشي تدريجياً في أزقة و قطاطي و رواكيب كمبو كديس ثم يموت للأبد بين أشواك المسكيت، لكن يظل الأطفال يرددون أغنياته لأعوام طويلة. لما تأكد سُكان كمبو كديس من ذهاب الغرباء و تلاشى أغبرة عرباتهم الكثيرة، صمتْ مكروفوناتهم و خرس مغنيهم، جاءوا فرادا و جماعات يعزون في وفاة صديقهم الوفي ابن كمبو كديس البار سُماعين كوكو مرفعين، و في ذهن كل واحدة وواحد منهم آخر ذكريات تخصه مع سُماعين كوكو مرفعين و كل واحدة وواحد منهم كان يتحدث لمن يصادفه عن آخر مرة شاف فيها المرحوم.... آخر ونسة... آخر كأس، آخر سوق، آخر حفلة و آخر كرنق، حليمة بنت الكرنقو سوف لا تغفر لنفسها أن خذلته مرتين، لكن مبشر جمعة وحده الذى يعرف أن سُماعين كوكو مرفعين لم يُقتل عرضاً، و لكنه قُتل عمداً، و هو الذى قتله، لقد ربطه بحبل بندا عند مُعْرَاقي من الامبرورو يوم الجمعة الماضية و ها هي جمعته الثانية التي ما كان عليه أن يحيا بعدها بأية حال من الأحوال"... سُماعين خاين... كسر بتي كاجيلا و نكر و ابا يدفع كسر الباب... و حَزْرَّتُو.....حَزْرَّتُو.....حَزْرَّتُو...... وجبت ليهو الجودية فوق الجودية... وهو عارف انا ما حأخليهو ساكت... حأكتلو". كان مبشر جمعة أكثر الناس بكاءاً و أسفاً علي وفاة سُماعين. كاجيلا تُحمَّل سُماعين الخطأ في كل شىء "هو كسرنى مرتين... أنا سامحته في المرة الأولي ودانى الداية عدلتنى... و قلت ليهو سُماعين اختانى عليك الله ... و لكنو تانى كسرنى قمت كلمت أبوى." سَمِع كل سكان الأحياء المجاورة لكمبو كديس صراخ النساء صديقات أسرة سُماعين كوكو، بل سُمِع الصراخ بوضوح تام في قشلاق الحجر و كمبو كريجة و الإدارة المركزية و المستشفي. زهرة كانت صامتة تعقد يديها خلف ظهرها و تمشي بين المعزين، تنظر إليهم في إستغراب.. الحاصل شنو ؟ قبل شوية مش كنتو بترقصوا و تعرضوا و تغنوا هنا... ليه هسع بتبكوا و تصرخوا!.. الحاصل شنو ؟! و فاقت زهرة عندما صفعها أبكر جنى الملايكة البلالاوى علي خدها الأيمن ثم بكفه ا|لأُخرى علي خدها الأيسر و عندها فقط فهمت مَنْ رَقَصَ ومَنْ مَاتَ. 5/ مشهد أبو ذر: " يرمي شنطة المدرسة المصنوعة من كاكى الجيش علي بنبر خارج القطية في طريقه الى داخل القطية يرفس القطة التي تتسول بقايا طعام علي الأرض، يدخل القطية، ينظر الى امه الراقدة علي العنقريب يسأل " الغداء الليلة شنو... أنا جعان.... "بينما لا أحد يجيبه يسمع صوت معاوية يدندن بأغنية، يقترب من القطية، يرمي شنطته علي البنبر يدخل القطية، يسمع صوت آمنة من بعيد تغني أغنية هابطة، تقترب من البنبر، ترقص في إنتشاء، تهز كتفيها طربا، تلقي بشنطتها علي البنبر، تدخل القطية، ترمي بجسدها الثقيل علي العنقريب." آمنة: هييه ازيكم.... زهرة: "ممتعضة وهي تنظر اليها من ركن قصي من عينها " اهلاً... آمنة: " ترمي بطرحتها علي العنقريب الذى يخصها، تخلع قميص المدرسة دفعة واحدة و ترمي به هو ايضا علي العنقريب، ترفع ذراعها اليسار الى أعلي تتشمم رائحة إبطها " هه هه... زهرة: " تلوى شفتيها، و تعرف أن رائحة جسد بنتها أصبح و منذ فترة رائحة امرأة ناضجة، و تعرف أنّ رائحة المرأة ربنا خلقها لكي تجذب الرجال و رائحة بنتها غير عادية، أنها أكثر كثافة و قوة من رائحة كل النساء اللائي عرفتهن.... و تعرف أنّ آمنة تعرف. وتريد أن تبقي رائحة جسدها كما هي لذا رفضت العطر الرخيص الذى اشترته لها أمها من السُوق بما اقطتعته من خبز البيت" مش أحسن تستعملي الريحة بدل من ريحة أباطك العفنة دى... الريحة ليها شهر قاعدة في الدولاب. آمنة: " ترقد علي العنقريب بقميص النوم محاولة وضع رأسها ما بين البرش و المخدة " دى ريحة ميتين يا أمي... أنا ما بستعملها. أبو ذر: مش أحسن من ريحة البول والصُناح! آمنة: "تنهض من رقدتها و تجلس علي العنقريب فجأة في وضع هجومي مخاطبة أمها التي يبدو عليها القلق وعدم التركيز " لِمي ولدك الوسخ ده... أنا حأكتلو ليكي... أخير يختانى.... انتَ عايز مني شنو ؟ عامل قدومك الطويل ده. أبوذر: " يضحك، يخرج من القُطية يمشي نحو المطبخ ، يعبث بالأواني و طبق الكسرة، فجأة ينادى بأعلى صوته " تعالوا شوفوا في شنو في المطبخ... اجروا تعالوا شوفوا البرميل في النار. معاوية: " معاوية و آمنة يجريان نحو المطبخ، يعود معاوية بسرعة الى أمه يسألها في حزن " ده شنو يا أمي ؟ زهرة: "تبقي في مكانها تحملق نحو باب القطية"... كعكة... كعكة كبيرة سويتها للملايكة. آمنة: سجمي... أمي جنت.... " تجرى نحو أمها و التي لا تبرح مكانها مبتسمة في بلاهة، تحتضنها و تبكي بحرقة. أبو ذر: " يجرى خارج المنزل و هو يصرخ في هستيريا " أمي... أمي.. أمي.. 6/ الملائكة الجيران والباعة بسوق النوبة، و زبائنهم الكثيرون، الأطفال العائدون من المدارس، المتسكعون بالشوارع، جزارو سوق النوبة، أصحاب الكوارى، كمال زكريا، السكارى الذين كانوا بالكنابي المجاورة، و كمبو كديس، الصادق حسين باباكر في صحبته عشرين من عمال الكمائن، علي رمرم، غادة الجميلة، كلبان، الأطفال و الشباب الذين يلعبون الكُرة في الخور الكبير، نجلاء عثمان صديقة آمنة الوحيدة و رفيقة ضلالاتها. امتلأ الحُوش الصغير بهم، أولاً أطفأوا النار من تحت البرميل الكبير، تولى جبرين الجزار، حمدو العسكرى، زكريا و حاج عثمان إلقاء البرميل علي الأرض و دفق محتوياته، ثُم هَمْ المحسنون بتحرير الأشياء من العجينة الضخمة: أحذية الأطفال، البطانية القديمة العجوز، الملاءات، آنية الصيني التي اشترتها بعرق دمها من سنوات مضت، حِبال جوال السكر البلاستيكية، الملابس الداخلية، الكبابي، شظايا زجاج دولاب العفش القديم الذى كانت دائما ما تفتخر به، كراسات المدارس القديمة، ما تبقي من معاش سُماعين، ألفان من الجنيهات وُجِدَا معاً وسط الكعكة العظيمة، جرادل المياه، آنية رمضان و مسبحتها، صابون الغسيل، عطر آمنة الذى رفضته، توب الجيران، قُفْة الكُجُور، و طواطم الأسبار. كانت كعكة، لم يرِ أحد أكبر منها في حياته، تعوم في الزيت السمسم و يفوح منها عطر السيد علي الميرغني، بطعم السُكر و ما تبقي من ملح و كَوَلْ و لبن بدرة ماركة الكفين المتصافحين. بينما كان الناس مشغولون بتفكيك الكعكة... طفلاها و ابنتها يصرخون، كانت هي ساكنة ، علي شفتيها ابتسامة رضاء عظيمة بلهاء وهي ترقب الملائكة يلتهمون كعكتها الطازجة، أحتفاءاً بِعُرسْ الشهيدة: التي كانت هي نفسها. |
السجين الكسول
(لا أعرف اسم الكاتب) يحكى انه كان هناك سجين محكوم عليه بالإعدام و كان يوم الغد يوم تنفيذ الحكم عليه واتاه الملك في المساء و قال له : ايها السجين ان في زنزانتك طريقة للهرب ابحث عنها ....و ان وجدتها اهرب و سيسقط عنك الحكم ..........تبسم السجين في وجه الملك لانه راى بصيص امل يلوح لنجاته من حكم و للبحث عن هذا المنفذ ضل بحث عن النوافد او انفاق امضى ساعات في الحفر و البحث ولم يفقد الامل و ضل يحفر و يحفر لعله يجد منفذا يجول و ينجول في زنزانته لعلع يجد نافذة او منفذا للهروب وينجومن الموت الى ان ........طلع الفجر و لم يجد المخرجا .......وجاء وقت تنفيذ الحكم على السجين و اذا بالملك اتى اليه و ساله : هل وجدت المنفدا للهروب رد عليه السجين : امضيت ليلي كله احفر و احفر و لم اجد اي مخرج فاستسلمت فاجبه الملك و قال : ايها الغبي ان باب الزنزانة كان مفتوحا طول الليل غير انك لم تنتبه اليه هيا سر لينفذ بك الحكم |
الرجل الصيد
(لا أعلم اسم الكاتب) اتصل الزوج بزوجته : حبيبتي سوف اتوحه للصيد بمرافقة نائبي و بعض الاصدقاء، سنقضي عطلة رائعة معهم وهذه فرصة للتجديد علاقتي بمديري للحصول على المكافأة اللتي وعدني اياها أنتظرها بفارغ الصبر. طلب الرجل من زوجته بعد ذلك أن تحضر له الملابس و حقيبة السفر تكفيه أسبوع و صندوق الصيد بدون أن تنسى السنارة لممارسة هواية الصيد المفضلة للمدير. كما طلب منها أن نضع له بيجامته الحمرا الجديدة. اشكت الزوجة بالأمر لبعض الشئ لكنها الزوجة مطيعة فقد احضرت له كل ما قال لعا زوجها.عاد الزوج في نهاية الأسبوع متعباَ، فيتفيلته الزوجة واخبرته كيف مرة الرحلة وهل كان اصطاد الكثير من السمك، فاجبها بأنه اصطاد أنواعاَ كثيرة وبكل الأحجام. وقال لها لم لم تضعي بيجامتي الحمرا كما طلب منك.وهنا أجابته الزوجة بكل مكر: لقد وضعتها في صندوق الصيد يا عزيزي.. |
كلمة شرف
بقلم ل. بانتيليف ترجمها من الروسية أ. د. حامد طاهر يؤسفني جدًا أنني لا أستطيع أن أذكر لكم اسم هذا الصبي الصغير , وأين يعيش , ومن هي أمه , ومن هو أبوه , لأنني في الظلام لم أتمكن من رؤية وجهه . فقط أذكر ان أنفه كان به بعض النمش , وأن بنطلونه كان قصيرًا , لم يثبت بحزام , وإنما بحمالة تنقلب من فوق الكتف , وتزرر في مكان ما على البطن . على نحو ما , توجهت في الصيف إلى حديقة - لا أعرف كيف يسمونها - على جزيرة " فاسيليفسكي " بالقرب من كنسية بيضاء . وكان معي كتاب ممتع , رحت أقرأ فيه , ولم ألاحظ كيف حل المساء .وعندما ضعفت عيناي من الزغللة , أصبحت القراءة من الصعوبة بمكان فأغلقت الكتاب , ونهضت متجهًا للخروج . . كانت الحديقة قد بدات تخلو من الناس , وفي ممراتها , راحت المصابيح تشع من آن لآخر . ومن خلف الاشجار رن جرس الحارس . ولأنني خشيت أن تغلق الحديقة , مشيت مسرعًا جدًا . وفجأة توقفت . فقد وصل إلى سمعي من خلف بعض الشجيرات أن أحدًا يبكي . . انعطفت إلى جانب الطريق , حيث لاح على البعد بيت صغير بلونه الأبيض وسط الظلام : بيت حراسة أو كُشك كذلك الذي يوجد في كل حدائق المدن . وكان بقربه حائط , وقف بجانبه فتى صغير ,لا يزيد عمره عن سبع أو ثماني سنوات, وهو مطاطأ الرأس , وينتحب بشدة , دون سلوى من أحد! اتجهت إليه وناديته: - أيها الصغير . . ماذا بك ؟ - لا شيء . - كيف لا شيء . . من ضربك ؟ - لا أحد . - ما الذي إذن يبكيك ؟ كان من الصعب أن يتكلم , وكذلك أن يمسك بكل دموعه . وكان ينشج ويفوق ( من الفواق: الزغطة ), وينشق بأنفه !قلت له: - هيا نمضي . . أنظر ، فقد صار الوقت متأخرًا ، والحديقة تغلق . . وأردت أن أجذبه من يده , لكن الصبي سحب يده بدون حرج قائلًا: - لا أستطيع - ما الذي لا تستطيعه ؟ - لا أستطيع السير - كيف ؟ لماذا ؟ ماذا بك ؟ - لا شيء - هل أنت مريض ؟ ــ لا . . صحيح بصحة جيدة . - إذن لماذا لا تستطيع السير ؟ - أنا حارس - أي حارس ! أي حارس ! - ماذا أنت ؟ ألا تفهم ! نحن نلعب . . - آه . . مع من تلعب . . سكت الصبي , وبلع ريقه , وقال: - لا أعرف . وهنا بدا لي أن الصبي ربما يكون مريضًا , وأن في رأسه خبالًا . قلت له: - اصغ إلي . . ماذا تلعب ؟ وكيف كان ذلك ؟ تلعب . . ولا تعرف من أنت ؟ - نعم , لا أعرف . فقد كنت أجلس على دكة في الحديقة وأقبل مجموعة كبيرة من الأولاد , وقالوا لى : " هل تريد أن تلعب معنا لعبة الحرب ؟ " فقلت: " أريد " . ورحنا نلعب . قالوا لي : " أنت عرَيف "وكان هناك ولد كبير أرسلني إلى هنا , وقال: إن لدينا مستودع بارود في هذا الكشك وستكون أنت حارسه . فابق هنا , ولا تنصرف حتى لا أبدلك بشخص آخر قلت له: "حسنًا " . قال: " أعطني كلمة شرف على أنك لن تذهب " . - هيه . . - قلت له: " كلمة شرف: لن أذهب " - وماذا بعد ؟ - ها أنا ما زلت واقفًا . . واقفًا , وهم لا يأتون ! حينئذ ابتسمت وسالته : - حسنًا . . وهم وضعوك هنا منذ وقت طويل ؟ - كان النهار لا يزال . . - ولكن أين هم ؟ - أعتقد أنهم مضوا . . - كيف مضوا ؟ - نسوا . . - ولماذا تجلس إذن ؟ - لقد أعطيت كلمة شرف . . أردت أن أبتسم مرة اخرى , لكنني تنبهت فجأة إلى ان الضحك في هذا الموقف لا يليق , وأن الصبي على حق تمامًا . فما دام قد أعطى كلمة شرف , عليه أن يبقى مهما حدث ولو على حياته ! ويستوي بعد ذلك أن يكون الأمر لعبة , أو غير لعبة . قلت له: - إذا كان هذا قد حدث ، فماذا تصنع الآن ؟ قال الصبي , وقد بدأ يبكي: - لا أدري أردت أن أقدم له أية مساعدة ممكنة , لكن . . ماذا أستطيع أن أفعل ؟ هل أذهب للبحث عن أولئك الأطفال السخفاء , الذين وضعوه في الحراسة آخذين منه كلمة شرف , وأسرعوا هم إلى منازلهم ؟ لكن أين أجد هؤلاء العفاريت ؟ ! لا شك في أنهم قد تناولوا عشاءهم , وذهبوا إلى الفراش ، ورأوا عشرات الأحلام . أما الصبي , فيجلس هنا الساعات الطويلة , في الظلام , وهو جائع حقًا ! وسألته : - هل تريد أن تأكل ؟ - نعم . . أريد . قلت بعد تفكير: - حسنًا , أسرع أنت للمنزل لكي تتعشى , وسأبقى أنا بدلًا منك هنا . وقال الصبي: - نعم . . لكن هل هذا ممكن ؟ - ولماذا لا يمكن ؟ - إنك لست شخصًا عسكريًا هرشت قفاي , وقلت: - صح . . لن تذهب . . حتى أنا لا أستطيع أن أكون مناوبا مكانك . الذي يمكنه أن يقوم بهذا العمل شخص عسكري . . قائد ! وفجأة قفزت إلى ذهني فكرة طيبة , واعتقدت أنني إذا حررت الصبي من كلمة الشرف , فإنني أحرره من الحراسة أيضًا , هكذا ينبغي أن يكون العمل . لكن من الضروري الذهاب للبحث عن شخص عسكري.لم أقل شيئًا للصبي . أبلغته فقط "انتظر لحظة " وأسرعت بنفسي إلى مكان الخروج . لم تكن بوابة الحديقة قد أغلقت بعد , أما الحارس فقد ذهب إلى أقصى الحديقة , لكي يتصل من هناك بمركز حراسته. وقفت بالقرب من البوابة , ولم يمر بالقرب مني أي شخص عسكري: أي ملازم , أو حتى جندي من الجيش . وكما يبدو لم يكن في الشارع أي شخص يرتدي الملابس العسكرية . وفجأة ظهرت في الجانب الآخر من الشارع مجموعة من المعاطف السوداء .فرحت , وظننت أصحابها بحارة عسكريين , لكنني عندما عبرت الشارع مسرعًا لم أجدهم بحارة , وإنما طلاب صغار في مدرسة صناعية . ومر رجل سكة حديد طويل القامة يرتدي معطفًا جميلًا جدًا , مزينًا بعلامة خضراء . لكن هل كان من الممكن لمثل هذا الرجل أن يقف ويستمع لي أردت أن أعود للحديقة , وجهي مثل قفاي . لكني فجاة , لمحت عند الناصية على محطة الترام " كاب " أحد القادة بإطار أحمر . ويبدو أنني لم أفرح قط في حياتي مثل فرحي في تلك اللحظة . واندفعت نحوه بكل قوتي . لكنني مع الأسف لم الحق به , لأنه كان أسرع مني في الصعود إلى " الترام ". وقفت على المحطة, إلى أن أقبل ضابط شاب , برتبة رائد , وكان يشق طريقه وسط الجمهور المتجمع حول باب العربة . وأسرعت إليه , ممسكًا بذراعه , وصحت: - رفيقي الرائد . . دقيقة واحدة . . انتظر . . رفيقي الرائد ! التفت إلي ناظرًا باستغراب , وقال: - ماذا حدث ؟ - هل تريد ان تعرف ماذا حدث ؟ هنا , في حديقة , بالقرب من " كشك " حجري , يجلس طفل صغير منذ ساعات . . إنه لا يستطيع الخروج . فقد أعطى كلمة شرف . . إنه صغير جدًا . . إنه يبكي . . قطب القائد عينيه , ورنا إليَ بدهشة أكبر . ربما ظن هو أيضًا أنني مريض , وأن في رأسي خبالًا . . لكنه قال: - إنني هنا في عمل ؟ لكن " الترام " كان قد فاته , فنظر إليً بغيظ , وانتهزت الفرصة فشرحت له القصة بوضوح أكثر , وعندما فهمها لم يعد يفكر , وعلى الفور قال : - فلنذهب . . لنذهب بالطبع . . لماذا لم تقل هذا لي مباشرة ؟ ! وعندما توجهنا إلى الحديقة , كان الحارس قد أغلق البوابة تمامًا . وطلبت منه الانتظار عدة دقائق , وقلت له : إن في الحديقة صبيًا باقيًا , واندفعنا - الرائد وأنا - إلى داخل الحديقة . وفي الظلام , اكتشفنا بصعوبة البيت الصغير الأبيض , كان الصبي واقفًا في مكانه بالضبط , حيث تركته . ومرة أخرى كان يبكي بهدوء شديد . ناديته , ففرح جدًا , إلى حد أنه صرخ من الفرح . أما أنا فقلت: - ها هو ذا . . قد أحضرت قائدًا . اعتدل الصبي في وقفته , ولكي يرى القائد بصورة أفضل , مد جسمه الصغير لأعلى عدة سنتيمترات . . وقال القائد: - أيها الرفيق الحارس . . أي رتبة تحملها ؟ - أنا عريف . - رفيقي العريف . . آمرك بترك مركز حراستك , الذي عهد به إليك . سكت الصبي , وحك أنفه , ثم قال: - وما هي رتبتك انت . فأنا لا أرى تمامًا عدد النجوم التي على كتفك ؟ - أنا رائد . عندئذ رفع الصبي يده مؤديًا التحية العسكرية , قائلًا: - حاضر - رفيقي الرائد - بالأمر أترك نقطة الحراسة . قال هذا بصوت مسموع , وبمهارة بالغة إلى حد أننا لم نتمالك أنفسنا وانفجرنا في الضحك . وابتسم الصبي بسرور وارتياح . عدنا إلى باب الحديقة المغلق , وانتظرنا عدة لحظات , قبل أن يفتح الحارس لنا القفل المغلق . ومد الرائد يده محييًا: - ممتاز يا رفيقي العريف . منك يخرج المحارب الحقيقي . . إلى اللقاء ! وتمتم الصبي ببعض كلمات , قائلًا: " إلى اللقاء " وتركنا الرائد , مسرعًا إلى المحطة , نحو " ترامه " الذي كان قادمًا . أما أنا , فقد شددت على يد الصغير , وسألته: - هل يمكنني أن أوصلك ؟ - لا . . فإنا أسكن قريبًا من هنا . . إنني لا أخاف . ونظرت إلى أنفه الصغير ذي النمش , واعتقدت حقًا أنه لا يخاف من شيء . ان الصبي الذي لديه مثل تلك الإرادة القوية , وهذه الكلمة المتينة لا يخشى الظلام , ولا يخاف من المجرمين , ولا يرتجف من أكثر الاشياء رعبًا ! وعندما يكبر , لا ادرى ماذا سيكون عندما يكبر ؟ على أي وضع كان , فإن المضمون بالفعل أنه سيكون شخصًا حقيقيًا . هكذا فكرت وأنا أسير وحدي مسرورًا من تعرفى على هذا الصبي الذي أشد على يديه بقوة . . مرة أخرى ! |
جسر بيتشوجين
بقلم: إ . بيرمياك ترجمها من الروسية أ . د . حامد طاهر في الطريق إلى المدرسة , تعود جماعة من التلاميذ الحديث عن المآثر . قال الصبى الأول : ما اروع إنقاذ طفل من الحريق ! وتخيل الثاني: أروع منه اصطياد أكبر كركي . . على الفور يعرفه الناس جميعًا . وقال الثالث: أروع من هذا كله أول من يطير إلى القمر , فإن العالم كله سيعرف صاحبه ! لكن ( بيتشوجين ) لم يفكر في شيء من هذا . فقد كان فتى هادئًا , صامتًا . ومثل باقي زملائه , كان بيتشوجين يفضل الذهاب إلى المدرسة من طريق قصير عبر نهر صغير عند شاطئ شديد الانحدار . وكان عبوره وثبًا من أصعب الأمور . في العام الماضى , لم يتمكن تلميذ صغير من القفز فسقط في الماء , وما زال يرقد في المستشفى . وفي هذا الشتاء , عبرته فتاتان في الجليد فعثرت أقدامهما عليه . وهكذا تعالت الصرخات منه . وحرمت جماعات التلاميذ الصغار من استخدام هذا الطريق القصير . وكم يكون المسير مرهقًا وطويلًا , عندما يوجد طريق آخر قصير ! وها هو بيتشوجين يفكر . . ويهتدى أخيرًا إلى ضرورة قطع صفصافه قديمة من هذا الشاطئ ليسقطها على الشاطئ الآخر . وكانت لديه " بلطة " جيدة , مشحوذة من عهد جده , فراح يقطع في الصفصافة وقد اتضح بعد قليل أن هذا عمل غير سهل . فقد كانت الصفصافة غليظة جدًا , لا يمكن لإنسان واحد أن يضمها بذراعيه الاثنتين . لكنها بعد يومين من العمل المتواصل سقطت . . راقدة عبر النهر الصغير ثم كان على بيتشوجين أن يشذب فروع الصفصافة التي تعوق المسير ,وتشتبك تحت قدميه . لكنه - بعد أن قطع الفروع - وجد أن السير أصعب , لأنه لم يكن هناك شيء يمكن الاستناد إليه وخاصة عندما يسقط الجليد . . وقرر بيتشوجين أن يركب سورًا من أعواد الخشب . وهكذا ظهر جسر جديد . ولم يعد التلاميذ فقط هم الذين يستخدمونه وإنما كل سكان المنطقة عندما يعبرون من قرية إلى قرية أخرى , بواسطة طريق قصير . حتى أن أولئك الذين كانوا يستخدمون الطريق غير المباشر , كان يقال لهم: - هل تريدون أن تقطعوا مسافة سبعة آلف متر ! اذهبوا مباشرة عن طريق جسر بيتشوجين . وعندما تآكلت الصفصافة , وأصبح المسير عليها محفوظًا بالمخاطر استبدل بها أهالي القرى المجاورة جذع شجرة أخرى جيدة . . لكن بقي الاسم الأسبق للجسر , وهو: بيتشوجين . ثم لم يلبث هذا الجسر أن تغير , وأصبح طريقًا معبدًا , وعبر النهر السريع , امتد الطريق , في نفس مكان ذلك الممر الصغير , حيث شيدت الحكومة جسرًا كبيرًا , ارتفعت على جانبيه قوائم من حديد الزهر . وكان من الممكن أن يطلق على هذا الجسر الضخم اسم كبير . لكن أحدًا لم يفكر على الإطلاق في أن يطلق عليه أي اسم آخر سوى: جسر بيتشوجين ! وبهذه الطريقة وحدها , يمكن أن يصبح للإنسان اسم في الحياة ! |
الطاقية السادسة
بقلم: ي . كورانوف كان عمري في ذلك الوقت سبعة شعر عامًا . عملت في دائرة مكاتب خاصة بالتخزين كموظف متجول . والواقع أن هذه كانت وظيفة شخص محترم في الذهاب والإياب . ما يأمر به ينفذ . وعلى نحو ما , أرسلوني في الربيع المبكر إلى ( كوبيلوخا ), حيث ضاعت من أحد مخازننا بعض القطعان , وقد فرحت بهذه الرحلة فرحًا شديدًا , فهناك كان لي صديق عزيز اسمه ( كوسائين ), وقد اقمت معه في أحد الأكواخ البرية . أمام الأكواخ الكازخستانية , ليس من النادر أن تلتقي بثعلب صغير مربوط في وتد , وهذا يتم على النحو التالي: يثبت الوتد في الأرض , وعلى الوتد تثبت حلقة منزلقة بعروة , وفي العروة تثبت سلسلة . وفي السلسلة يقيد الثعلب الصغير بطوق في رقبته , ويجري الثعلب حول الوتد . وميزة الحلقة المنزلقة أنها لا تجعله يتعثر , وغالبًا ما يلعب الأطفال الصغار مع الثعلب الصغير: يطعمونه ويعتنون به . ومع حلول الشتاء ، يكون الثعلب الصغير قد كبر , وصار ثعلبًا . . ثم بعد ذلك يتحول إلى طاقية , وهي التي تكون غطاء الرأس الكازختساني , الذي يشبه المثلث. عندما وصلت إلى ( كوسائين ) , رأيت ثعلبًا كبيرًا جميلًا , مربوطًا في الوتد . كان مستلقيًا , وهو يرضع خمسة ثعالب صغيرة . وقد أخبرني ( كوسائين ) أنه اصطاد العائلة بأكملها من الجحر . وحين سألت كوسائين عن الثعالب الخمسة التي لم تكن مربوطة: - كيف لم تجر ؟ - أجاب على الفور: - وإلى أين يجرون ؟ ولاي شيء يهربون من أمهم ؟ كيف سيعيشون ؟ ومن يقدم لهم الغذاء ؟ وعمومًا فإن الثعالب الصغيرة لا تجري بصورة جيدة , وهذا حسن بالنسبة إليهم , وبالنسبة لي أيضًا حسن . .لأنهم عندما يكبرون , سيصبحون ست طواق . . عشت فترة عند كوسائين , أعطى وقت فراغي كله للثعلب وأبنائه . وقد حفر كوسائين حفرة بالقرب من الوتد , وفرشها بالصوف . الثعلب يتغذى باللحم النيء , وأحشاء الحيوانات . وهو في العادة قبل أن يأكل , يشرب لبن الفرس , وبمرور الوقت ينسى الثعلب العبودية , ويبدأ يشعر بالفرح مع أبنائه الذين يتحركون برشاقة من حوله , ويلحسهم بريقه , ويلعب معهم , ثم يتمدد بسعادة عند الحفرة , عندما يحين وقت إرضاع الثعالب الصغيرة .والثعلب يصبح بصعوبة وحشًا مستانسًا . الضجة وأصوات الناس تخيفه .وكل من الدخان والنار يرعبه . أما جيرة الكلاب فهى بالنسبة له جيرة خطرة . لكن للثعلب أبناء . هي أم . وشعور الأمومة يجعلها تهادن الجميع , وهكذا فإن الخوف الشديد هو الذي يجعلها تتناسى السلسلة , والطوق , والأسر ! أحيانًا تجرى للثعلب نزهة . ويقوم بهذا العمل ابن كوسائين . إنه يزيد من طول السلسلة قليلًا , ويجري به في السهول البرية . ويتبعه في الجري الثعالب الصغيرة . كان الثعلب يجذب السلسلة بشدة , وهو يندفع في أعماق البراري الشاسعة , بعيدًا عن المساكن , والمراتع القريبة منه , ومن المؤكد أن كل نزهة من امثال هذه النزهات كانت تمثل له بداية محاولة تحرر . . ولكن بلا جدوى , فإن السلسلة ترجعه , وقد استدرنا للخلف , والثعلب الآن لا يندفع بنفس سرعته الاولى , إنه يمشي متثاقلًا في خطوه خلفنا , منكسًا راسه في حزن, وهو يشاهد الوتد البغيض , والحفرة التي صنعها له الإنسان , أما الثعالب الصغيرة فإنها لا تفهم شيئًا على الإطلاق , فهي تسرع , واحدًا وراء الآخر , أو مشتبكين مع بعضهم البعض في عراك بريء . . عندما أنهيت أعمالي سافرت . ومضت عدة أشهر لم أرفيها كوسائين . وفي نهاية الربيع , أرسلوني من جديد إلى كوبيلوخا , التي أصبحت فيما يبدو معرضة لهطول الامطار , واضطرابات الجو . . وما أن وصلت حتى اسرعت إلى كوسائين , وفي نفس اللحظة سألت عن الثعلب: قال لي: "انظر . . انظر . ." وقبل أن أفك بردعة الحصان , أسرعت إلى وتد الثعلب خلف الكوخ . وهناك رأيته جالسًا بلا حراك : وجهه الهزيل الحاد صار ممتلئًا ورقيقًا . وكان ينظر إلى البرية بتوتر. وقد رجفت عظام وجنتيه رجفة عصبية . ولم يعرني أي اهتمام قلما. كانت عيناه تطرفان . كان ينظر إلى بعيد . . كما لو كانت أمنيته أن يرى شخصًا من خلال الضباب السديمي . . وكانطعام الثعلب بالقرب منه . . لم يُمسَ . قال كوسائين بحزن: - إنهم هجروها في الليل . وما فائدة الأم لهم الآن ؟ لقد أطعمت أبناءها , أعطتهمكل شيء . . الأسنان البيضاء الحادة, والفرو الدافئ الأحمر , والأرجل السريعة العدو , والعظام المتينة , والدم الساخن . . ماذا تعني لهم الأم الآن ؟! في طفولتي , أسرفت كثيرًا في سماع القصص المبكية , وقد علمتني أن أتأسف حتى على الشجرة المكسورة ! وقد حزنت للغاية على الثعلب الذي جلس هكذا بانشغال ورقة , بعدما هذبة الخوف والأسر , قريبًا من ضجيج الإنسان , ودخان مسكنه . . خمسة ثعالب تركت الآن أمهم المشغولة عليهم للوحدة مع ذلك الوتد البغيض في ليل الخريف المظلم . . هجرتها وقد نام الجميع , ولم تستطيع الكلاب التي أطلقت وراءها أن تلحق بها . كان هذا خداعًا . . آه . . الخداع , الذي هو شعار حياة الثعالب , وقد تلقته الثعالب الصغيرة أيضًا من أمهم ! بالنسبة إلى الوحش , هذا هو القانون , لكن الإنسان يريد أن يرى الوحوش أفضل مما هي عليه في الواقع . وهكذا كانت عينا الثعلب الإنسانيتان , النبيلتان مصوبتين في الفراغ . . وأخبرني كوسائين: ــ لقد نادت عليهم . نادت عليهم بحزن بالغ جدا . . وبالامس انتشر ناحيبها في البرية كلها ، وبكتهم كما لو كانت تبكي الموتي بصورة . ذليلة جدًا . ثم أضاف: ــ خسارة كبيرة . . فلتت منا خمس طواقٍ ! لكنه عندما تطلّع إليّ , بدا كأنه قرأ في وجهي الأسى الذي أثاره منظر صديقي البري المتوحش . . إنني لم أتبادل معه الهدايا فقط , وإنما المشاعر الطيبة أيضًا . . وفي صمت , توجه كوسائين إلى الثعلب , وفكه من حلقته , وقال: - إذا كنا قد فقدنا خمس طواق , دعنا نفقد السادسة . ولن أجعلك تحسبني أضع على رأسي طاقية ثعلب حزين . ليس لدي رأس لمثل هذه الطاقية ! وبعد ان قال ذلك أطلق صرخة على الثعلب . لكن الثعلب لم يجر , واكتفى بأن أصدر صوتًا خفيضًا يشبه الصفير , ثم اندفع إلى الحفرة التي بجوار الوتد . قال كوسائين متاملًا: ــ إنه لم يثق بعد في الحرية , طبعًا . إن السلسلة تستأنس حتى الوحش ! وفي الصباح بدت الحفرة فارغة . وقال لي كوسائين بسرور: ــ أبشر يا صديقي . فقد رحلت الطاقية السادسة تبحث عن طواقيها الخمس . . إنها ستجدهم . من الضروري أن تجدهم وتتكلم . . سوف تتحدث بصورة جيدة جدًا . . لكن من الممكن أن تسكت . . وتأسف . . أليست أمًّا ! |
نعيش في السطور التالية مع أبطال الرواية العالمية "العجوز والبحر" لارنست هيمنغواي ..
الصياد العجوز تبدأ الرواية بالتعريف ببطلها وهو رجل عجوز يدعى "سانتياجو"أضنته الشيخوخة ولكن له عينان يملؤهما الأمل ، يعمل بالصيد وحده في مركب شراعي صغير في مجرى الخليج، لم يظفر حتى الآن بأية سمكة منذ أربعة وثمانين يوماً مضت . قصة حب ووفاء ربطت بين الصياد العجوز "سانتياجو" والصبي "مانولين" الذي كان يساعده في مهمات الصيد، ولكن نظراً للحظ السيئ الذي عانى منه "سانتيجو" أجبر والد الصبي ابنه على ترك العجوز والعمل مع صياد آخر يكون أوفر حظاً. وعلى الرغم من ذلك لم يتخل الصبي الصغير عنه فكان دائم الذهاب إليه راجياً العودة للعمل معه مرة أخرى، وتدور بينهما الكثير من الأحاديث عن البحر والصيد وأمجادهم التي حققاها معاً، والبيسبول هذه الرياضة التي كان يعشقها "سانتياجو" ويتابع أخبارها وأبطالها. الانطلاق في البحر جاء اليوم الخامس والثمانين ليضاف للأيام التي لم يحالف الحظ فيها سانتياجو باصطياد أية سمكة، وقد أصر الصبي الصغير على مساعدته وإحضار السردين اللازم للصيد قائلاً إذا كان لا يمكنني أن أصطاد معك فلا أقل من أن أخدمك بطريقة ما. استيقظ الصياد مبكراً فجر هذا اليوم وذهب لإيقاظ الصبي الذي ساعده في إعداد المركب فحمل حبال الصيد والرمح والخطاف وجهزه بالطعم الطازج والسردين، بينما حمل هو الصاري فوق كتفه ووضع الاثنان جميع المعدات في المركب، وودعه الصبي متمنياً له حظاً سعيداً. ثبت العجوز مجدافيه في موضعهما وانطلق خارجاً من المرفأ تحت جنح الظلام عاقد العزم على التوغل في البحر بعيداً. كان سانتياجو يؤمن أنه خلق في هذه الحياة من اجل مهمة محددة وهي أن يكون صياداً، وبالفعل كان صياداً ماهراً يتمتع بخبرة واسعة في أنواع الأسماك المختلفة وأساليب الصيد وفنونه وأحوال البحر، قال عن نفسه ذات مرة "ربما لم يكن خليقاً بي أن أكون صياداً ولكنني ولدت من أجل تلك المهنة". تقافزت حول المركب الأسماك الطائرة والتي كان "سانتيجو" مغرماً بها ويعدها صديقاته الأثيرات وسط المحيط، لم يكن هناك أحدا ليحدثه خلال رحلته سوى نفسه وكان حلمه دائماً أن يمتلك راديو مثل أثرياء الصيادين ليتمكن من سماع نتائج فريق البيسبول. جدف العجوز بثبات موغلاً في البحر قائلاً: إنني أحتفظ بمواقع ما ألقى به من طُعم للسمك بدقة، غير أن الحظ قد تخلى عني، ولكن من يعلم ؟ لعله يحالفني اليوم، فكل يوم هو يوم جديد، من الأفضل أن يكون الإنسان محظوظاً، ولكنني أوثر إذا عملت عملاً أن أتقنه، حينئذ إذا جاء الحظ يكون المرء متأهباً لاستقباله. ظل العجوز يراقب البحر والكائنات البحرية التي تمر عليه، وحركة الطيور التي تدل كثرتها في مكان ما على تجمع الأسماك وتمثل عون كبير له، وأثناء ذلك ظفر بإحدى سمكات التونة فاحتفظ بها كطعام يمده بالقوة اللازمة. رد: من روائع الأدب العالمي السمكة الضخمة اشتدت حرارة الشمس في السماء وبدأ العجوز يقطر عرقاً كان يأمل أن يحظى ببعض النوم ولكنه تذكر أن اليوم يكون قد مضى خمسة وثمانون يوماً ولابد له أن يظفر بصيد جيد، أثناء ذلك شعر بتوتر طفيف في الحبل بين يديه وعرف بحكم خبرته أن هناك على عمق ستمائة قدم سمكة "مرلين" ضخمة تلتهم السردين الذي يغطي طرف الخطاف، وبمهارة بدأ الصياد في مناورة السمكة برفق وتؤده حتى لا تنطلق هاربة فأرخى لها الحبل حتى تتناول الطعم، وبعد عدة جولات شعر فجأة بثقل كبير فأرخى الحبل الذي انساب لأسفل، وبدأت السمكة في السباحة بثبات موغلة في البحر قاطرة المركب معها. ذخر "سانتياجو" كل ما لديه من طاقة من أجل الثبات والجلد والصبر . لم يكن صيدها سهلاً إطلاقا فقد استغرقت أكثر من يومين وهي تسحب المركب، بينما الصياد العجوز يشد الحبل على ظهره ويتناوب بيديه وقدميه الإمساك به، مع تقطيعه لسمكة التونة لأكلها وإمداد جسمه بالقوة اللازمة للصمود. ظل العجوز طوال رحلته في مياه المحيط يتذكر الصبي ويتمنى وجوده معه في كل لحظة ليعاونه، خاصة مع اشتداد ثقل الحبل على ظهره وتقلص يده اليسرى وكثرة الجروح التي عانى منها وشعوره بالدوار والضعف من آن لأخر واحتياجه للنوم، ولكن لم ينل كل هذا من عزيمته شيئاً. كان الصياد مصراً على اصطياد السمكة رغم الإشفاق الذي شعر به نحوها، ونقرأ جزء من الرواية تتباين فيه مشاعر "سانتياجو" قائلاً: إن السمكة صديقتي أيضاً، لم أر أو أسمع قط بمثل تلك السمكة ولكن لابد لي من أن أقتلها. ثم شعر بالأسى من أجلها فليس لديها ما تقتات به غير أن عزمه على قتلها لم يفتر قط برغم حزنه عليها، فهمس لنفسه: كم من الناس ستطعمهم تلك السمكة، ولكن هل هم جديرون بأكلها؟ كلا طبعاً، لا يوجد من هو أهل لتناول لحمها لما أبدته من سلوك رائع ووقار وسمو". استمرت السمكة في سحبها للمركب واستمر الصياد العجوز في مناوراته معها، ثم سبح في أفكاره متذكراً انتصاره على الزنجي العظيم في لعبة اليد الحديدية في حانة "كاسا بلانكا" فأعطاه ذلك مزيد من القوة، وفي هذه الأثناء تمكن من اصطياد دلفين احتفظ به حتى يأكله ويمده بالطاقة اللازمة للصمود. رد: من روائع الأدب العالمي هجوم مفاجئ حاول العجوز أن يغفو قليلاً بعد أن أمسك بالحبل بإحكام بيده اليمنى وألقى بثقل جسده كله فوقها ملتصقاً بخشب المركب وحرك الحبل المشدود على كتفه قليلاً وضغط عليه بيده اليسرى بكامل قوته، حتى إذا استرخى في نومه يظل قابضاً بقوة على الحبل ومتحكم في السمكة. استغرق العجوز في النوم إلا أنه استيقظ فجأة على هجوم مباغت من السمكة التي أخذت تقفز من المحيط قفزات متوالية وسريعة، انحنى إلى الخلف وجذب الحبل بشدة فألهب ظهره وتحملت يده اليسرى العبء الناجم من الحبل المشدود وهو يحز بها حزاً مؤلماً دامياً، ومع قفزات السمكة انكفأ الصياد على وجهه، ثم مالبث أن نهض ثانية في عزم وتصميم على قهرها، وعندما هدأت قليلاً سبحت مع التيار بعد أن أصابها التعب. الجولة الأخيرة أشرقت الشمس للمرة الثالثة منذ نزول "سانتياجو" إلى البحر، وبدأت السمكة تحوم وبدأ هو في جذب الحبل برفق، واستمرت السمكة في دورانها وعندما بدأت في الاقتراب ، حاول حشد طاقات جسده كاملة . ظل الصياد في مناوراته التي أنهكته معها وكاد أن يظفر بها إلا أنها مالبثت أن اعتدلت وراحت تسبح ببطء مبتعدة فحدثها قائلاً: إنك تقتليني أيتها السمكة ولكن ذلك من حقك، إنني لم أر قط سمكة أضخم ولا أجمل ولا أنبل منك أيتها الأخت، تقدمي واقتليني فلست أبالي بمن يقتل من. اشتد التعب والإعياء بالصياد ولكن ظلت عزيمته متقدة وبدأت السمكة في جولتها الأخيرة تصعد وتسير بشكل دائري مرة أخرى حول المركب وبدأ هو في استرداد حبله تدريجياً وهو يجذبها إليه وفي اللحظة الحاسمة، امسك برمحه وسدد طعنة قوية لها فاخترق الرمح الحديدي جسدها بقوة، وقفزت قفزة هائلة ثم سقطت معلنة انتصار الصياد العجوز. أحكم "سانتياجو" تثبيت السمكة الضخمة وربطها في المركب فأصبحت من ضخامتها تبدو وكأنها مركب أخر يسير بمحاذاة مركبه وأخذ يحلم بالأرباح التي سوف تدرها عليه حيث يزيد وزنها عن ألف وخمسمائة رطل. هجوم مكثف مهمة جديدة ألقيت على كاهل "سانتياجو" وهي حماية السمكة من أسماك القرش التي جذبتها رائحة الدم الطازج الذي نزفته السمكة بعد طعنها، وكانت البداية مع سمكة قرش ضخمة فاستل رمحه واحكم تثبيته في طرف حبله وانتظر اللحظة المناسبة عندما اقترب القرش من مؤخرة المركب وفتح فكيه وأطبقه على لحم السمكة بالقرب من الذيل فطعنه الصياد طعنة أودت بحياته. فقدت السمكة حوالي أربعين رطل من وزنها وعلى الرغم من الأسى الذي شعر به الصياد إلا انه لم يفقد الأمل ولم ينال ذلك من عزيمته قائلاً: من السذاجة والحماقة أن يفقد المرء الأمل هذا بجانب أنني أعتقد أن اليأس خطيئة. وكانت مع الوقت تتوالى هجمات القرش عليها .. رد: من روائع الأدب العالمي العودة لاحت أضواء هافانا من بعيد وعلم الصياد العجوز أنه اقترب من موطنه، وأخيراً وصل للشاطئ لم يكن هناك من يساعده فجذب المركب للساحل وخلع الصاري وطوى الشراع عليه وحمله على كتفه وتحرك باتجاه المنزل، ثم توقف وتطلع للخلف فشاهد من خلال الأضواء المنعكسة ذيل السمكة الضخم في وضع رأسي خلف مؤخرة المركب ورأى عمودها الفقري ابيض عارياً وكتلة الرأس القاتمة بمنقارها البارز وكان كل ما بينهما مجرداً من اللحم. استأنف سيره للمنزل إلا أنه اضطر للجلوس خمس مرات قبل أن يصل إليه ويشرب جرعة ماء ويتمدد على الفراش. عندما حضر الصبي "مانولين" في صباح اليوم التالي إلى الكوخ ووجده نائماً أنخرط في البكاء حزناً عليه وانطلق ليحضر له القهوة، وقد رأى الصيادين متجمعين حول المركب وهيكل السمكة منبهرين وقد انهمك احدهم في قياسه، قائلاً أنها تبلغ ثمانية عشر قدم من الأنف للذيل، وقال آخر يا لها من سمكة لم ير قط أحد مثلها. رجع مانولين مرة أخرى للصياد العجوز حاملاً معه قدح القهوة الساخنة وعندما استيقظ قال له أن السمكة لم تتمكن من هزيمته، وأنهم بحثوا عنه كثيراً مع خفر السواحل والطائرات ولكن لم يعثروا عليه. شعر العجوز بالسعادة عندما وجد من يتحدث إليه بعد أن كان يحدث نفسه والبحر، وعبر عن افتقاده لمانولين الذي قال له أننا سنصطاد معاً مرة أخرى، وعندما حاول إثناؤه عن هذا لحظه السيئ قال له الصبي : لا يعنيني هذا سنخرج للصيد معاً من الآن فإنني بحاجة إلى تعلم الكثير، ثم ذهب لإحضار الطعام والدواء لسانتيجو الذي غط في نوم عميق، وعندما عاد الصبي جلس بجواره يراقبه وهو مؤمن بمكانته ومنزلته الرفيعة كصياد وبطل. |
قلب في المنفى
فرانشيسكو بترارك حاولت الف مرة،يامحاربتي الحلوة ان أصنع أتفاقية سلام مع مقلتيك الفاتنتين، ولقد وهبتك فؤادي ،ولكنك لا تتنازلين لتنظري إلى الأسفل من روحك الشاهقة. لو أن سيدة اخرى أرادت فؤادي، فلا بد من أنها تعيش في آمال هزيلة يجانبها السداد كثيرآ. ولما كنت أكره كل مالا تأبهين به، ففي ظني أن فؤادي لن يكون لي مرة اخرى. والآن، إذا ماقدمته ولم تأخذيه، فلن ينال أي عون في منفاه التعس، إذ لا يملك أن يعيش وحيدآ ،ولن يكون مع الأخرين. ولهذا، فإن من المحتمل أن مسيرة حياته سوف تخفق، وتلك غلطة نرتكبها كلانا، وترتكبينها أنت أكثر،وذلك لأنه يحبك أكثر. |
| الساعة الآن 05:55 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.