(فوضى حواس)...
ما ان أنهيت ثلاثية المبدعة أحلام مستغانمي حتى انبرى الى خاطري صديقي (طارق)... وطارق بقي ماثلا في وجداني منذ سني الدراسة الجامعية ...بل الحق أقول بأنه ظل كذلك الى يومي هذا... يلوح لي بقامته المديدة ووجهه البرئ كلما تذكرت أبيات الشعر التي يقول فيها شاعرها: وأحــبب إذا أحبـــبت حبـاً مقــارباً فإنك لا تدري متى أنت نازعُ وأبْغِـضْ إذا أَبْغَضْتَ بغضــاً مقـارباً فإنك لا تدري متى أنت راجعُ وكن معدناً للخير واصفح عن الأذى فإنك راءٍ ما عمــلت وسـامعُ ولا تلبث الذاكرة الاّ وترفق بالابيات مقولة للحسن البصري رحمه الله حفظتها منذ بواكير صباي من فيه جدي رحمه الله: (أحبوا هوناً وأبغضوا هوناً فقد أفرط قوم في حب قوم فهلكوا وأفرط قوم في بغض قوم فهلكوا) صديقي طارق هذا كم كان مثالا للتصالح مع ذاته بيننا أيام الدراسة الجامعية... (يتبع) |
(فوضى حواس)...
كانت مباني الجامعة حينها تربض على هضبة أسمها (الحوض) داخل حدود المنطقة الحرام من مكة المكرمة وقد أضحت الآن كلية البنات بعد أن تم تحويل مقر جامعة أم القرى الى منطقة الحِل (أي خارج المنطقة الحرام من مكة المكرمة) وذلك بغرض التوسعة وغاية أخرى وهي تيسير الاستعانة بالأساتذة من غير المسلمين لتعذر دخولهم الى المنطقة الحرام حيث كان المقر السابق... أيامها... كنا نقيم في عمائر سكنية مستأجرة من قبل الجامعة كسكني للطلاب العزّاب لاتبعد سوى أمتار قليلة عن حرم الجامعة وكلياتها... طارق...كان أسبقنا الى النهوض والتهيئة لصلاة الفجر قبيل أذان الفجر الذي يُبتدرُ من الحرم المكي قبل أن تتبعه العديد من مآذن مكة المكرمة... أعتدنا وكان عدادنا أربع من السودانيين يتقدمنا طارق أن نسلك طريقا يودي بنا الى طرف نفق العزيزية الذي يشق سلسلة من الجبال لينتهي بنا الى المسجد الحرام السابح في لجّة من الأضواء التي تزداد تكاثفا بانعكاسها على رخام الحرم صحنا وحوائط ومآذن الى أن تكتنفه الخيوط البيض من الفجر ونكون حينها قد فرغنا من الصلاة وشرعنا في العودة أدراجنا راجلين الى سكنانا -عدا طارق-من خلال ذات النفق الطويل... أعتاد طارق بأن يبقى خلف مقام ابراهيم في ذات المكان الذي اعتدنا الصلاة فيه من بعد الطواف* ايفاء لعهد قطعه مع نفسه بأن يكمل جزأه اليومي من كتاب الله ليعود مع شروق الشمس ليلتئم جمعنا حول مائدة شاي الصباح المصحوب بافطار لم نعتاد عليه في ذاك الصباح الباكر الاّ بعد أشهر ليست بالقليلة... (يتبع) |
(فوضى حواس)...
اقتباس:
فالكتابة وصمتهالا غرو أدعى لان (تعصر) من القلب جُلّ رحيق المشاعر الحميمة. وما أندى الحميمية عندما تكتنف أحاسيس الأصدقاء تجاه بعضهم البعض... (طارق)... كان أُمّة فينا! كم كان مرهفا... وكم كان يؤثر الآخرين على نفسه ولو كان به خصاصة... هو دون ذلك من الحرص بمكان استمساكا بأهداب دينه شعائرا وتعاملا... (يتبع) |
(فوضى حواس)...
أن تجد صديقا يحب القراءة فذاك أمر لا اخاله بالنادر... ولكن أن تجد صديقا لا تمر عليه دقيقة من وقت فراغه الاّ وبيده كتاب فذاك لعمري ما يستوقف المرء! ألا رعى الله أياما وسنوات كنت في رفقته بين جنبات مكتبة مكة المكرمة الكائنة فوق البيت الذي ولد فيه الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه... وان تعذر علينا ايجاد الكتاب الذي نروم لا نملك الاّ الذهاب الى مكتبة ابن باز رحمه الله... لا يلبث طارق الاّ أن يتناول الكتاب ويمر بأنامله على الأحرف متحسسا... سألته يومها: -انت ياطارق بتلمس صفحات الكتاب بي أصابعينك قبل تشتريهو ليه؟ فيجيبني: -الحروف لمن تحس بيها بارزة تحت أصبعك معناها انو الكتاب دا مطبوع أما اذا ما كانت بارزة فالكتاب مصور واحتمال كبير تلقا فيهو صفحات كاملة أو أجزاء منها ممسوحة! كم كان يحب الفصحى ... يحبها الى الحدّ الذي يمازحنا بها... قال زميلي يوسف وهو يخاطب رفيقا آخر يوما: ياخي ضربناهو ضرب الفَيَلة (بفتح الفاء والياء كما اعتدت وغيري بأن نقول) فقال باسما: ياخي ضرب الفِيَلة (بكسر الفاء) :) ما ان انسرب العام الأول منذ التحاقنا بالجامعة الاّ وفوجئنا بأنه قد حفظ القرآن كاملا... أما دواوين الشعر وأقوال الحكماء فكم كنا نمتع جلساتنا ونشنف آذاننا بقدرته الفائقة على حفظ البديع منها والجميل... وبرغم أن السمت الذي كان يكتنف الساحة الفكرية والثقافية يومها في مكة المكرمة هو الفكر الوهابي الاّ أن طارق كان يخالف الجميع بفكر هو أقرب الى طرح الأخوان المسلمين منه الى الوهابية... عندما نذهب الى فُرُشنا ...لا يلبث أن تجده يضع تحت وسادته مذياعا يستمع منه الى أم كلثوم! ومنه علمت بأن هناك اذاعة مصرية لا تبث سوى أغاني أم كلثوم... اهتمامه بأخبار الأقليات المسلمة على امتداد العالم كم كان لصيقا وعجيبا! اذ وصل الأمر به أن يترصد القادمين من مسلمي الروهنجا وسريلانكا والصين والبوسنة والهرسك والشيشان في الحرم المكي ليسألهم عن حالهم ومآلهم ولا ينسى بأن يتحصل منهم على أرقام هواتفهم وأماكن سكناهم قبل أن يودعهم... أما القضية الفلسطينية والأقصى ...فقد كانت وكان قضيته المحورية... قال لي يوما: أسأل الله لي ياعادل أن يرزقني الشهادة بجوار المسجد الأقصى وأردف تاليا لهذه الآية الكريمة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ورفع رأسه بعد أن كان مطرقا وقال: -بالله عليك ياعادل شوف صيغة (الذي باركنا حوله دي)؟! ومضت الأيام والسنون... الى أن التحق بالجامعة زميل فلسطيني اسمه سعدالدين... (يتبع) |
(فوضى حواس)...
عندما التقاني سعدالدين وكنا ثلاثة طارق وعزالدين وشخصي...فاجأنا بانشاده لقصيدة مبدعة لشاعرنا الجميل ادريس جماع!
قصيدة أجزم بأنني لم أسمع بها من قبل يوما... أنشد سعدالدين قائلا: قلوب في جوانبها ضرام يفوق النار وقدا وإندلاعا يظن السيف يورثنا انصياعا فلا والله لن يجد انصياعا ولا يوهن عزائمنا ولكن يزيد عزيمة الحر اندفاعا سنأخذ حقنا مهما تعالوا وإن نصبوا المدافع والقلاعا وإن هم كتموه فليس يخفى وإن ضيعوه فلن يضاعا طغى فأعد للأحرار سجنا وصير أرضنا سجنا مشاعا هما سجنان يتفقان معنى ويختلفان ضيقا واتساعا وعندما رأى سعدالدين استغرابنا قال: صدقوني كل أطفال غزة يحفظون هذه الأبيات! يومها...أقسم لي طارق بأنه سيحفظ كل أشعار جمّاع...وقد كان! وتفاجأتُ به (أي طارق) وقد كان الحديث عن شعراء عرب خلال احدى الأمسيات الثقافية في نادي مكة الثقافي يتحدث عن ادريس جماع وينشد أشعاره (ارتجالا) الى الدرجة التي دفعت المشرف على المنصة وهو أحد أساتذة اللغة العربية في الجامعة من السعوديين أن يطلب منه الألتحاق بمن يجلسون على منصة الحديث (وقد كان طارق يتحدث من خلال مداخلة صغيرة)! وطلب مدير المنصة من طارق مواصلة الحديث عن الشعر في السودان ومن ضمنها أشعار ادريس جماع فأبدع الرجل أيما ابداع... وكان الحضور مابين (مستنكف) لشاعرية السودانيين وبين (جاهل) بذلك... وخلص طارق الى أن الشعراء السودانيين هم أشعر العرب! ولم ينس أن يضيف بأن مجمع اللغة العربية الذي انعقد في دمشق يوما قد خلص الى أن (أكثر اللهجات العربية ثراء بالمفردات الفصيحة) هي اليمنية والسودانية! وقف أحد الحضور من العرب وقال: كيف تقول ذلك والكل يعلم بأن الناطقين بغير العربية في السودان يشكلون أكثر من 70% من سكانه؟! فكانت اجابته: -ياعزيزي ليست عروبة الدم هي الأصل للابداع والريادة وانما عروبة اللسان ... وأضاف (دونك العديد من الأسماء التي أضافت الكثير للعروبة ثقافة وأدبا وشعرا وفقها وفتوحات عسكرية)... فما كان من السائل الاّ أن جلس. تقول أحلام مستغانمي عن بطل قصتها ذاك: اقتباس:
لكنه في سوح وفضاءات غير تلك التي (قصرت) مستغانمي روايتها عليه! (يتبع) |
(فوضى حواس)...
وجاء (أحد) الايام المشهودة!...
يومها... كنا نؤدي طواف تحية المسجد الحرام قبيل صلاة الفجر (اذ كل مساجد الدنيا تحيتها ركعتان الاّ المسجد الحرام...فتحيته الطواف)! كنت وطارق نطوف بموازاة بعضينا... فاذا بي أجد تدافعا بالجوار... نظرت فاذا بشخص محرم يشبه النميري رحمة الله عليه! أمعنت النظر...فاذا به الرئيس جعفر محمد نميري... نبهت طارق الذي كان يبدو عليه النعاس الى ذلك... انتبه طارق وجعل يسرع من خطوه الى أن وجد فرصة للسير بجوار النميري... وخلال الأشواط الأخيرة من اللطواف وجدته يتحدث الى الرجل بعد أن استأذن أحد الحراس المرافقين... بعد أدائنا للصلاة وخلال عودتنا الى السكن سألته عن فحوى حديثه للنميري... قال لي طارق: والله ياعادل خلال ليلة أمس رأيت رؤيا بأنني التقيت نميري فسألني هذا عن حالنا فأجبته بأننا بخير...ثم طلب مني أن أشير عليه بعمل يريده خالصا لوجه الله لنفع المسلمين... فما كان مني الاّ أن أقترحت عليه بأن يساهم في تشجير عرفات ومنى بشتول من النيم يرسلها من السودان...وذاك ما قلته له! وكنت وطارق نعمل خلال عطلة الحج في (معسكر ابحاث الحج) وهو جهة توظف الزملاء من الطلبة الدارسين في جامعات المملكة لزيارة المشاعر وكتابة التقارير عنها وكذلك زيارة أماكن تواجد الحجاج لدى المطوفين وتقييم حالهم في المشاعر... خلال المساء زارنا في الجامعة موفد من الرئيس الذي أنهى عمرته وذهب الى جدة... طلب مني طارق مرافقته فلم أجد في ذلك بد فاستقللنا ذات السيارة (الليموزين) الذي أتى به الرجل ولعل أسمه محمدعلي... وصلنا جدة والتقبنا بالرئيس نميري الذي أعاد سؤال طارق عن حلمه ذاك (عن النيم)... كم كان الرئيس متحمسا لذلك الأمر... استطاع طارق أن يوصل الأمر الى رئيس مركز ابحاث الحج في مكة المكرمة فرحب بالأمر ايما ترحيب... وبدأت فسائل النيم تصلنا في جدة وتستلمها القنصلية التي تتصل بطارق الذي عُيّن مشرفا على الغرس من قبل مركز ابحاث الحج... كنا نشرف على الغرس وبين يدينا العديد من البنقلاديشيين والهنود وبعض المصريين من العمال... فغرسنا المئات منها ان لم تكن الآلاف... أسأل الله أن يثبت الأجر ان الله وليُّ ذلك والقادر عليه (يتبع) |
(فوضى حواس)...
وظللنا نعمل في مركز أبحاث الحج طيلة سنوات الدراسة...
والعمل في ذاك المركز لم يكن بالأمر الهين... اذ الطالب منا يفوز ب(حجّة) مضافا اليها مبلغ مقدر من الريالات السعودية ... ولان العدد المطلوب قليل فقد كان التدافع كبير جدا من قبل العديد من الزملاء من اهل البلاد ومن غيرهم... أما شخصي وطارق... فقد شفعت لنا الأشادة الدائمة بتقاريرنا المنبنية على زياراتنا الميدانية للمشاعر وأماكن اقامة الحجاج لدى المطوّفين... اذ كم وفقنا الله الى حلول للعديد من الاشكالات التي كانت تكتنف حراك الحجيج ... والحق يقال لقد كان لطارق القدح المعلّى في ابتكار الحلول والرؤى... وان نسيت فلن أنس اشكالا لعله يصب في خانة الطرفة (الحزينة)! فقد أُبلغنا من قبل ادارة المركز بأن بعض أهل شرق آسيا من الحجاج لديهم (قناعة) بأن المولود الذي يولد خلال وقفة عرفات يكون مباركا...:D لذلك كانت التوصية بأن نشارك رجال الأمن في اخلاء أماكن السكنى (الخيم) من جنسيات بعينها حتى واقناعهم بالخروج والدعاء حتى لا يسعَ الأزواج منهم الى الذهاب الى الفراش وأتيان نسائهم... فما ان تميل الشمس مؤذنة بالمغيب الاّ وترى العجب العجاب! والمعلوم يقينا أن الحج (يبطل) ان أتى الرجل زوجته قبل أن يتحلل فما بالك أن يفعل ذلك خلال الركن الأعظم للحج وهو الوقوف بعرفات وقد حارت الادارة وهي تبحث عن علاج ناجع يحفظ لأولئك حجهم دون جدوى... الاّ أن طارق كان لديه الحل والرؤية... (يتبع) |
(فوضى حواس)...
خلال اللقاء التفاكري لادارة مركز أبحاث الحج -وقد كان ذلك بُعيد انتهاء شعائر ذاك العام- تناول ممثل الأدارة أمر (أولئك) الذين مافتئوا يفعلون ما يبطل حجّهم (هم وأزواجهم) خلال (ركن) الوقوف بعرفات ...
وابان الرجل بأن الأمر من الخطورة بمكان لأن كل الحلول التي طُرحت وفُعّلت لم تأت بثمرة ولم تحسم الأمر! اذ سعى المركز من قبل وبالاتفاق مع حكومة تلك البلاد الى توزيع الكثير من المطويات والكتب خلال ورش التوعية التي تقام للحجاج هناك قبل توجههم الى الاراضي المقدسة... ووصل الأمر بحكومة تلك البلاد الى أن منعت حج الأزواج مع بعضيهما...لكن الأزواج لم يلبثوا أن وجدوا من المداخل والمخارج ماستطاعوا من خلالها الالتفاف على القرار والالتقاء في الحجاز لأداء المناسك معا والوصول الى عرفات (حيث المولود المبروك كما يحسبون) :D سألت أحد رعايا تلك البلاد من الطلبة الدارسين للغة العربية للناطقين بغيرها في جامعة أم القرى فقال لي بأن الأمر مرده الى أحدى النساء وهي (شيخة) مشهورة لأحدى الطرق الصوفيه هناك تدّعي بأنها قد ولدت في عرفات فأصبح أمر صلاح المواليد في جبل عرفات من المسلمات لدينا! قلت لطارق ضاحكا: لعل شاعرنا اسماعيل حسن رحمه قد علم بذلك وأنشده شعرا عندما قال في رائتعه القمر بوبا: الصغيرون ام الجنا (يتبع)ياكريم ربي تسلما تبعد الشر من حلتا تسلم الأم الولدتا الفي جبل عرفات وضعتا تسلم البطن الجابتا دي ترباية حبوبتا التميرة الفي سبيطتا الصفار صابغ خضرتا معزورة أمها كان دستا وآ هلاكي النار شافتا معذباني أنا ود حلتا القمر بوبا عليك تقيل |
كانت رؤية طارق لحلحة الأمر ترتكز على ثلاثة عناصر اثنان منها آنية والثالثة يشرع فيها منذ الآن وهي كالتالي:
1-تكوين جماعة من خارج المظلة السياسية والتنفيذية للدولة يقوم على عاتقها أمر التوعية وايصال المفاهيم... 2-أشراك ال(شيخة) التي كانت سببا في تداول ال(قناعة) تلك لايضاح أن أمر صلاح المولود في عرفات يتعلق ب(الولادة) فقط لا الحمل... 3-الحرص الحاق أركان الحج بالمنهج التعليمي وتكرار ذلك خلال المراحل التعليمية ما قبل الجامعية والتركيز على ركن الوقوف بعرفات وبيان كل مبطلات الحج خلاله... (للأسف لم تكن اركان الحج مفصلة كما ينبغي في منهج تلك الدولة برغم أنها اسلامية)! ما كان من مدير المركز الاّ أن ثمن الرؤية وقام بالاتصال بالوزير المسؤل عن الحج في تلك الدولة وأعلمنا بأن الأمر قد تم قبوله والموافقة عليه... وبدت النتائج الموجبة تتضح منذ الحجة اللاحقة... وبحمدالله أستطيع أن أجزم بأن أهل تلك البلاد قد نفضوا عنهم غبار ذاك المفهوم الخاطئ الذي كلف أسلافهم الكثير عندما أبطلوا حجهم (علما بأن الحج لديهم يكلف أضعاف المبالغ التي ندفعها نحن). (يتبع) |
عبدالحق (ابن تلك البلاد) كان طالبا يدرس في معهد اللغة العربية للناطقين بغيرها*في جامعة أم القرى...
توثقت العلائق بين ثلاثتنا هو وطارق وشخصي... ينحدرعبدالحق من أسرة من (الروهينجا) نزحت من أقليم (أراكان) المسلم في ميانمار البوذية خلال الستينات... لم أفتأ أتذكر تقاطيع وجهه ومحياه الذي تكسوه وضاءة لاتخطئها العين... ياااااه ما أندى صوته عندما يتلو القرآن ليلا! عندما خيره الاشراف على السكن الجامعي -أستصحابا لسياسة أسكان دارسي اللغة العربية في المعهد مع الطلبة العرب-بأن يختار جنسية بعينها فقد كان اختياره للسودانيين... سألته عن ذلك فقال: لقد علق في ذاكرتي تفسيرلآية من كتاب الله ذكر فيها السودان والسودانيين بخير... وأضاف عبدالحق: عندما كنت صغيرا أدرس علوم القرآن الكريم في احد المعاهد فسر لنا شيخنا الآية التي تقول (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) بأن الثلة من الآخرين هم قوم من أعراب السودان يعزون هذا الدين بعد أن يضمحل...ثم استفاض الشيخ عن السودان هذا البلد ينتمي اليه موسى عليه السلام وقد كانت رحلته مع الخضر عليه السلام على نهر النيل الذي يشق ارضه وان جبل الطور الذي التقى بجانبه موسى عليه السلام ربه يقع فيه وأن الهجرة الأولى كانت اليه! كانت سكنا عبدالحق مع زميل سوداني اسمه يوسف الذي كان يقيم في غرفة تتسع لشخصين... وأصبح عبدالحق أحد أفراد مجموعتنا بل كان الصق بي وطارق دون الآخرين... وبعد أشهر أنتقل عبدالحق للسكنى مع طارق بعد خلاف مع يوسف الذي لم يكن يحتمل ازعاج عبدالحق الذي كان يحرص على قيام الليل خلال الليالي التي لاتكون لديه محاضرات خلال صباحها اللاحق... (يتبع) |
الا رعى الله سنوات هي للعمر كالربيع للزمان:
جامعة ام القرى بمَكَّةَ المكرمة: http://www.ar8ar.com/news/contents/newsm/9649.jpg https://uqu.edu.sa/files2/tiny_mce/p...5/DSC02482.JPG |
وتمر بنا السنوات...
و(طارق) باق على حاله وقد اصطبغ بلونٍ وشكلٍ يميز شخصيته حتى لتكاد (تتوقع) كل ردة فعل أو تصرف له حيال ايما حدث يمكن ان يعترضه خلال حياته! فالرجل (متصالح) مع نفسه الى درجة الحرص على الممايزة بين الاشياء بأن اِمَّا (أبيض) أو (أسود) ...دونما لون رمادي بينهما!: اقتباس:
فما يمر أسبوع الاّ وله ضيوف ياتي بهم من الحرم المكي ليقضوا معه اياما في السكن الجامعي... ولعل ذلك ماجعله يتعرف الى لغات وثقافات تلك الشعوب على اختلافها واختلافهم... (يتبع) |
أظلني العام قبل الأخير لتخرجي من مرحلة البكالوريوس في جامعة أم القرى...
وما ان أنهيت آخر امتحان لمادة البتروكيماويات الاّ وأظلتني سماء (الخرطوم) مساء ذات اليوم... فقد كنت قد أعددتُ العدة لزواجي خلال اجازة الصيف التي تستمر لثلاثة اشهر... ... أتممتُ زواجي ثم عدت الى مكة المكرمة لأنتقل الى شقة في منطقة الملاوي بجوار الحرم... وبدأت علاقتي تفتُرُ شيئا ما ب(طارق)... حيث كانت لقاءاتي به خلال العام التالي خَطْفَاً ...ان كان في الحرم او في ردهات الجامعة... فقد بدأت ألحظ عليه تغييرا في سمته... ارسل صديقي لحيته بعد أن كنا نتشارك حلقها على هيئة هلال يحيط بالذقن... وقيل لي بأنه أضحى يسافر -مع آخرين-خلال العطلات الى دول وأماكن أخرى دون بلده السودان... فذهبت اليه مرة في غرفته أملا في تبين مابِهِ وحرصا على صداقة وأخوة لي به في الله... فاذا به يعنفني على (حلقي) للحيتي... ويلومني على لبسي للبنطال والقميص الذي يتزيا به الكافرون... ذهلتُ حقا وانا أستمع الى طارق... وذهلتُ أكثر عندما علمت -من زميلنا عز الدين- بأنه قد أصبح (تكفيريّا) يُكَفِّرُ المجتمع باسره! أيكون هذا هو طارق الذي أعرف؟! طارق الذي كان يدعو الناس الى (وسطية) وضيئة تنأى بهم عن الاسفاف والشطح؟! ... .. . جهدت كثيرا-خلال الايام والاشهر المتبقية-أملا في أن أنأى بطارق عن طريق لا يعلم سوى الله مآلاته وخواتيمه...فلم يعرني التفاتا! اقتباس:
|
انطفأت في مُحَيّا طارق وضاءة كانت تنير الوجه منه والفؤاد والأيادي!
وتلاشت عنه ابتسامة كانت صدقة في وجه الناس طُرّا! أضمرتُ في نفسي أمرا: أخذت نسخة فاخرة من ديوان ادريس جماع (لحظات باقية) كنت قد أتيت به وأنا عائد من اجازتي الفائتة لاهديه له وقلت لعل أشعار جَمّاع تشعل فيه بعض بؤر الضوء وتحرك في دواخله بعض أوتار الحُسْنِ والجَمَال... التقيته في ردهات الجامعة فسلمتُ عليه وناولته الكتاب... نظر الى الكتاب وقرأ العنوان وقال لي: -ياعادل اني أنصحك بأن تدع هذه القشور لعل الله يهديك الى (لب) الحقائق ومرادات الله... فقلت له: -طارق ياصديقي ان الله عندما أمر الناس الى أكبر ركن من أركان الاسلام وهو الحج قد (قَرَنَ) نية الناس بما يهمهم في دنياهم وأنفسهم فقال جل في علاه (وليشهدوا منافع لهم)! فأحسست بضيقه من حديثي فما لبث الاّ أن نظر الى الساعة التي يلف بها ساعده ال(أيمن) وقال بأنه يود بأن يذهب باكرا الى الحرم وانطلق... ... أنبأني بقية الزملاء والأصدقاء بأن طارق أصبح يتردد على أُناس بعينهم من التكفيريين لا تكاد تجده الاّ معهم... وأضاف لي صديقي وصديقه عزالدين قائلا: -طارق ياأخي عادل وصل به الأمر بأن أقسم أمامي بأنه لن يسافر الى السودان مرة أخرى وعندما سألته قال (لأنهم كُفّار)!فقلت له هل يدخل ضمن ذلك أفراد أسرتك؟ فقال لي نعم! عدت الى بيتي والحزن على صديقي يعصف بي وعمدت الى مراجع لي علّي أجد فيها شيئا يخفف قليلا مما أجد فوقعت يدي على كتاب يتحدث عن الخوارج يقول: أمّا من حيث الاتّجاه -وهو التشنيع على أمير المسلمين- فقط ظهرت بوادرها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما طعن عبدالله ذو الخويصرة التميمي بقسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيها -ولبئس ما قال-: هذه قِسمة ما أُريد بها وجه الله . وقال أيضاً، إعدل يا رسول الله، فقال الصادق الأمين : ( ويلك، إن لم أعدل فمن يعدل؟ ) . ثمّ قال فيه : يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم* يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية... أنظر كامل القصّة في البخاري ومسلم . وأمّا من حيث كونها فرقة لها تجمّع وعقائد وشوكة، فقد ظهر هذا بعد التحكيم الذي حدث بطلب منهم ( وكانوا في جيش عليّ رضي الله عنه وأرضاه وطالبوه بالتحكيم ) بين عليّ ومعاوية رضوان الله عليهم جميعاً، ثمّ قاتلهم عليّ رضي الله عنه حتّى كان قتله رحمه الله ورضي عنه على أيديهم الخبيثة. ــــــــــــــــــــ * ؟؟؟ |
لعل نية ...بل هَمُّ الكتابة عن صديقي طارق مافتئت تَعِنُّ لي وتلحُّ عَلَيَّ منذ سنوات...
فالرجل في خاطري (شخصان) لا يربط بينهما رابط! صورته الأولى التي أحسبها قد شكّلت في وجداني الكثير... وصورة أخرى بها من الاعتام والاظلام الكثير المثير... كم تنازعتني (حواسي) بين الصورتين ومافتئت تفعل... ايجابٌ عميم يُجَمِّلُ الصورة الأولى...وسلب كثييييف يكتنف الصورة الأخرى! (يتبع) |
لا أدري...
عندما انهيت قراءتي لرواية مستغانمي (فوضى الحواس) تنازعتني مشاعر متضادة! لقد أُخِذْتُ كثيرا باجادة احلام مستغانمي للسياقات النثرية التي يكاد الشّعُرُ (ينبجس) من ثناياها! وأخذتُ بقدرتها التصويرية البديعة للمشاعر الانسانية مهما خفتت نغمتها وصغرت دائرة مدها! وأُخِذْتُ كثيرا بالدهشة التي تنتابت لتطابق المشاهد مع مواجد النفس ورغائبها! لكني أسيتُ كثيرا لان يكون كل هذا الابداع اللغوي والمشاعري يستقيم على أعمدة قصة فطيرة! وأسيت كثيرا لما وجدته في القصة من (تمجيد للرذيلة والخيانة الزوجية)! توزعت أمشاج تقييمي للرواية بين هذا وذاك... فاذا بالفوضى تكتنف حواسي... واذا بي تنبري الى خاطري (صورتا) صديقي طارق! فكان ميلاد عنوان خيطي (فوضى حواس)... لا (فوضى الحواس) (يتبع) |
|
|
اقتباس:
وطارق يغيب عنه وجدانه فينساق الى طرح تكفيري يستلب العقول بمشاعر المناصرة لأخوة في الدين قد ظلموا ظلما مبينا! انه ذات السياق هنا وهناك... وهذه مشاعر وتلك مشاعر! وبين هذه وتلك تُتَبين (فوضى الحواس) (يتبع) |
تفاجأتُ ب(طارق) وجها لوجه في صحن الحرم المكي قبيل صلاة عِشَاء يوم جمعة...
لقد كان بيده كتاب (في ظلال القرآن) للراحل سيد قطب رحمه الله... ابتسمت في وجهه ورجوته بأن نتحدث قليلا بعيد صلاة العشاء... فما كان منه الاّ أن هزّ رأسه بايجاب (مقتضب) نائيا ببصره عن عينيّ ومتشاغلا بكتاب في يمناه... تناولت منه الكتاب وقلت: -لعله كِتَابٌ جَلِيس؟! فما كان منه الاّ أن ابتسم وأطرق برأسه* واذا بالمؤذن يقيم لصلاة العِشاء... وماان فرغنا من الصلاة الاّ وجلسنا خلف مقام ابراهيم نتحدث... -بالله عليك ياطارق في زول يلغي أصحابو بي جرة قلم زيك؟ -ياأخ عادل الأمر ليس كذلك...لي أشهر عديدة مشغول بكتاب الشهيد سيد قُطُب! ولم يطل بنا الحديث كثيرا حيث استأذنني طارق وذهب ليدرك موعدا مسبقا... ... لم أقرأ كتاب (الظلال) من قبل بتمعن... لكني بعيد لقائي بطارق عدت الى الكتاب وشرعت أقرأه وقّافا بين سرابات أحرفه ومتفحصا لسياقاته ومتبينا لمرادات كاتبه سيد قطب رحمه الله... وهنا... تبين لي الكثييييير المثير في كتاب (في ظلال القرآن)! (يتبع) ـــــــــــــــــــــ *كانت هذه هي (شفرتنا) كلما وجد أحدنا كتابا مميزا (استصحابا لبيت الشعر ...وخير جليس في الزمان كتاب) |
حكي جميل وممتع
يدخل (الفوضى الى الحواس...):D سلم يراعك اخ عادل زاهر المُنى |
اقتباس:
اصدقك القول بأن نول هذا الخيط كم هو حبيب الى نفسي! وما كان حبيبا الى النفس قمِنٌ بأن تُبْذَل فيه عنفوان المشاعر وصادق الأحاسيس! شكرا على بهي المرور وجميل التثمين ياغالية وتسلمي يابت الاصول ذات المنى الزاهر |
ما من (أديب) أو امرء (يستطعم) اللغة العربية الاّ وسيهنأ كثيرا بهذا (الظلال)!
فالراحل سيدقطب رحمه الله خريج لغة عربية يمسك بخطام سياقها ويتقن كل ما يتخللها من مواطن الادهاش فيها! لذلك فقد تبدى كتابه (في ظلال القرآن) بثوب أدبي قشيب! فهو بليغ ايما بلاغة عندما يسترسل في تناول مايكتنف الآية من مرادات الله جل في علاه... وللمرء أن يقارن ذلك بينه وبين كتب التفسير الأخرى! ولعلي اقول: كتاب (في ظلال القرآن) هو (خواطر) عن ىيات القرآن الكريم عنّت للراحل سيد قطب عندما كان في السجن فحبّرها بلغة رصينة وسياق أدبي راق! هذا هو الكتاب: http://www.daawa-info.net/NewThelal.php?step1=1 (يتبع) |
كي أدلل على ما قلته في (حق) هذا الكتاب:
أدعوك عزيزي القارئ الى (تبين) ذلك خلال السياق البديع الذي يتناول الآيات الأولى من فاتحة الكتاب! ... الفاتحة من الاية 1 الى الاية 1 بسم الله الرحمن الرحيم(1) وحده باجتماع هاتين الصفتين , كما أنه المختص وحده بصفة الرحمن . فمن الجائز أن يوصف عبد من عباده بأنه رحيم ; ولكن من الممتنع من الناحية الإيمانية أن يوصف عبد من عباده بأنه رحمن . ومن باب أولى أن تجتمع له الصفتان . . ومهما يختلف في معنى الصفتين:أيتهما تدل على مدى أوسع من الرحمة , فهذا الاختلاف ليس مما يعنينا تقصيه في هذه الظلال ; إنما نخلص منه إلى استغراق هاتين الصفتين مجتمعتين لكل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها . وإذا كان البدء باسم الله وما ينطوي عليه من توحيد الله وأدب معه يمثل الكلية الأولى في التصور الإسلامي . . فإن استغراق معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها في صفتي الرحمن الرحيم يمثل الكلية الثانية في هذا التصور , ويقرر حقيقة العلاقة بين الله والعباد . الفاتحة(الحمد لله رب العالمين):2 وعقب البدء باسم الله الرحمن الرحيم يجيء التوجه إلى الله بالحمد ووصفه بالربوبية المطلقة للعالمين:(الحمد لله رب العالمين). . والحمد لله هو الشعور الذي يفيض به قلب المؤمن بمجرد ذكره لله . . فإن وجوده ابتداء ليس إلا فيضا من فيوضات النعمة الإلهية التي تستجيش الحمد والثناء . وفي كل لمحة وفي كل لحظة وفي كل خطوة تتوالى آلاء الله وتتواكب وتتجمع , وتغمر خلائقه كلها وبخاصة هذا الإنسان . . ومن ثم كان الحمد لله ابتداء , وكان الحمد لله ختاما قاعدة من قواعد التصور الإسلامي المباشر: (وهو الله لا إله إلا هو , له الحمد في الأولى والآخرة . . .). ومع هذا يبلغ من فضل الله - سبحانه - وفيضه على عبده المؤمن , أنه إذا قال:الحمد لله . كتبها له حسنة ترجح كل الموازين . . في سنن ابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله [ ص ] حدثهم أن عبدا من عباد الله قال:" يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك " . فعضلت الملكين فلم يدريا كيف يكتبانها . فصعدا إلى الله فقالا:يا ربنا إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها . قال الله - وهو أعلم بما قال عبده -:" وما الذي قال عبدي ? " قالا:يا رب , أنه قال:لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك . فقال الله لهما:" اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها " . . والتوجه إلى الله بالحمد يمثل شعور المؤمن الذي يستجيشه مجرد ذكره لله - كما أسلفنا - أما شطر الآية الأخير: (رب العالمين)فهو يمثل قاعدة التصور الإسلامي , فالربوبية المطلقة الشاملة هي إحدى كليات العقيدة الإسلامية . . والرب هو المالك المتصرف , ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح والتربية . . والتصرف للإصلاح والتربية يشمل العالمين - أي جميع الخلائق - والله - سبحانه - لم يخلق الكون ثم يتركه هملا . إنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه . وكل العوالم والخلائق تحفظ وتتعهد برعاية الله رب العالمين . والصلة بين الخالق والخلائق دائمة ممتدة قائمة في كل وقت وفي كل حالة . والربوبية المطلقة هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل , والغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة . وكثيرا ما كان الناس يجمعون بين الاعتراف بالله بوصفه الموجد الواحد للكون , والاعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمون في الحياة . ولقد يبدو هذا غريبا مضحكا . ولكنه كان وما يزال . ولقد حكى لنا القرآن الكريم عن جماعة من المشركين كانوا يقولون عن أربابهم المتفرقة: (ما نعبدهم إلاليقربونا إلى الله زلفى). . كما قال عن جماعة من أهل الكتاب: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله). . وكانت عقائد الجاهليات السائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام , تعج بالأرباب المختلفة , بوصفها أربابا صغارا تقوم إلى جانب كبير الآلهة كما يزعمون ! فإطلاق الربوبية في هذه السورة , وشمول هذه الربوبية للعالمين جميعا , هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة . لتتجه العوالم كلها إلى رب واحد , تقر له بالسيادة المطلقة , وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة , وعنت الحيرة كذلك بين شتى الأرباب . . ثم ليطمئن ضمير هذه العوالم إلى رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة . وإلى أن هذه الرعاية لا تنقطع أبدا ولا تفتر ولا تغيب , لا كما كان أرقى تصور فلسفي لأرسطو مثلا يقول بأن الله أوجد هذا الكون ثم لم يعد يهتم به , لأن الله أرقى من أن يفكر فيما هو دونه ! فهو لا يفكر إلا في ذاته ! وأرسطو - وهذا تصوره - هو أكبر الفلاسفة , وعقله هو أكبر العقول ! لقد جاء الإسلام وفي العالم ركام من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار . . يختلط فيها الحق بالباطل , والصحيح بالزائف , والدين بالخرافة , والفلسفة بالأسطورة . . والضمير الإنساني تحت هذا الركام الهائل يتخبط في ظلمات وظنون , ولا يستقر منها على يقين . وكان التيه الذي لا قرار فيه ولا يقين ولا نور , هو ذلك الذي يحيط بتصور البشرية لإلهها , وصفاته وعلاقته بخلائقه , ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص . ولم يكن مستطاعا أن يستقر الضمير البشري على قرار في أمر هذا الكون , وفي أمر نفسه وفي منهج حياته , قبل أن يستقر على قرار في أمر عقيدته وتصوره لإلهه وصفاته , وقبل أن ينتهي إلى يقين واضح مستقيم في وسط هذا العماء وهذا التيه وهذا الركام الثقيل . ولا يدرك الإنسان ضرورة هذا الاستقرار حتى يطلع على ضخامة هذا الركام , وحتى يرود هذا التيه من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري , والتي أشرنا إلى طرف منها فيما تقدم صغير . [ وسيجيء في استعراض سور القرآن الكثير منها , مما عالجه القرآن علاجا وافيا شاملا كاملا ] . ومن ثم كانت عناية الإسلام الأولى موجهه إلى تحرير أمر العقيدة , وتحديد التصور الذي يستقر عليه الضمير في أمر الله وصفاته , وعلاقته بالخلائق , وعلاقة الخلائق به على وجه القطع واليقين . ومن ثم كان التوحيد الكامل الخالص المجرد الشامل , الذي لا تشوبه شائبة من قريب ولا من بعيد . . هو قاعدة التصور التي جاء بها الإسلام , وظل يجلوها في الضمير , ويتتبع فيه كل هاجسة وكل شائبة حول حقيقة التوحيد , حتى يخلصها من كل غبش . ويدعها مكينة راكزة لا يتطرق إليها وهم في صورة من الصور . . كذلك قال الإسلام كلمة الفصل بمثل هذا الوضوح في صفات الله وبخاصة ما يتعلق منها بالربوبية المطلقة . فقد كان معظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه الفلسفات والعقائد كما تخبط فيه الأوهام والأساطير . . مما يتعلق بهذا الأمر الخطير , العظيم الأثر في الضمير الإنساني . وفي السلوك البشري سواء . والذي يراجع الجهد المتطاول الذي بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات الله وصفاته وعلاقته بمخلوقاته , هذا الجهد الذي تمثله النصوص القرآنية الكثيرة . . الذي يراجع هذا الجهد المتطاول دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل في ذلك التيه الشامل الذي كانت البشرية كلها تهيم فيه . . قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر , وإلى كل هذا التدقيق الذي يتتبع كل مسالك الضمير . . ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف لْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) عن ضرورة ذلك الجهد المتطاول , كما تكشف عن مدى عظمة الدور الذي قامت به هذه العقيدة - وتقوم في تحرير الضمير البشري وإعتاقه ; وإطلاقه من عناء التخبط بين شتى الأرباب وشتى الأوهام والأساطير ! وإن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها . . كل هذا لا يتجلى للقلب والعقل كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية من العقائد والتصورات , والأساطير والفلسفات ! وبخاصة موضوع الحقيقة الإلهية وعلاقتها بالعالم . . عندئذ تبدو العقيدة الإسلامية رحمة . رحمة حقيقية للقلب والعقل , رحمة بما فيها من جمال وبساطة , ووضوح وتناسق , وقرب وأنس , وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق . الفاتحة(الرحمن الرحيم . . . مالك يوم الدين)3 - 4 (الرحمن الرحيم). . هذه الصفة التي تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها تتكرر هنا في صلب السورة , في آية مستقلة , لتؤكد السمة البارزة في تلك الربوبية الشاملة ; ولتثبت قوائم الصلة الدائمة بين الرب ومربوبيه . وبين الخالق ومخلوقاته . . إنها صلة الرحمة والرعاية التي تستجيش الحمد والثناء . إنها الصلة التي تقوم على الطمأنينة وتنبض بالمودة , فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة الندية . إن الرب الإله في الإسلام لا يطارد عباده مطاردة الخصوم والأعداء كآلهة الأولمب في نزواتها وثوراتها كما تصورها أساطير الإغريق . ولا يدبر لهم المكائد الانتقامية كما تزعم الأساطير المزورة في "العهد القديم" كالذي جاء في أسطورة برج بابل في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين . (مالك يوم الدين). . وهذه تمثل الكلية الضخمة العميقة التأثير في الحياة البشرية كلها كلية الاعتقاد بالآخرة . . والملك أقصى درجات الاستيلاء والسيطرة . ويوم الدين هو يوم الجزاء في الآخرة . . وكثيرا ما اعتقد الناس بألوهية الله , وخلقه للكون أول مرة ; ولكنهم مع هذا لم يعتقدوا بيوم الجزاء . . والقرآن يقول عن بعض هؤلاء: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن:الله). . ثم يحكي عنهم في موضع آخر: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون:هذا شيء عجيب . أئذا متنا وكنا ترابا ? ذلك رجع بعيد ! والاعتقاد بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية ذات قيمة في تعليق أنظار البشر وقلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض ; فلا تستبد بهم ضرورات الأرض . وعندئذ يملكون الاستعلاء على هذه الضرورات . ولا يستبد بهم القلق على تحقيق جزاء سعيهم في عمرهم القصير المحدود , وفي مجال الأرض المحصور . وعندئذ يملكون العمل لوجه الله وانتظار الجزاء حيث يقدره الله , في الأرض أو في الدار الآخرة سواء , في طمأنينة لله , وفي ثقة بالخير , وفي إصرار على الحق , وفي سعة وسماحة ويقين . . ومن ثم فإن هذه الكلية تعد مفرق الطريق بين العبودية للنزوات والرغائب , والطلاقة الإنسانية اللائقة ببني الإنسان . بين الخضوع لتصورات الأرض وقيمها وموازينها والتعلق بالقيم الربانية والاستعلاء على منطق الجاهلية . مفرق الطريق بين الإنسانية في حقيقتها العليا التي أرادها الله الرب لعباده , والصور المشوهة المنحرفة التي لم يقدر لها الكمال. http://www.daawa-info.net/NewThelal.php?step1=1 |
http://www.al-eman.com/%D8%A7%D9%84%...86+***/i373&p1
الرابط أعلاه به النسخة المنقحة من كتاب (في ظلال القرآن)... (يتبع) |
وهذه هي (خواطر) الراحل سيدقطب رحمه الله بين يدي آيات سورة الفاتحة السبع:
الجزء الأول سورة الفاتحة تفسير الآيات رقم [1- 7] {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} يردد المسلم هذه السورة القصيرة ذات الآيات السبع، سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة على الحد الأدنى؛ وأكثر من ضعف ذلك إذا هو صلى السنن؛ وإلى غير حد إذا هو رغب في أن يقف بين يدي ربه متنفلاً، غير الفرائض والسنن. ولا تقوم صلاة بغير هذه السورة لما ورد في الصحيحين عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية، وكليات التصور الإسلامي، وكليات المشاعر والتوجيهات، ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة، وحكمة بطلان كل صلاة لا تذكر فيها.. تبدأ السورة: {بسم الله الرحمن الرحيم}.. ومع الخلاف حول البسملة: أهي آية من كل سورة أم هي آية من القرآن تفتتح بها عند القراءة كل سورة، فإن الأرجح أنها آية من سورة الفاتحة، وبها تحتسب آياتها سبعاً. وهناك قول بأن المقصود بقوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} هو سورة الفاتحة بوصفها سبع آيات {من المثاني} لأنها يثنى بها وتكرر في الصلاة. والبدء باسم الله هو الأدب الذي أوحى الله لنبيه- صلى الله عليه وسلم- في أول ما نزل من القرآن باتفاق، وهو قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك...} وهو الذي يتفق مع قاعدة التصور الإسلامي الكبرى من أن الله {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} فهو- سبحانه- الموجود الحق الذي يستمد منه كلُّ موجود وجودَه، ويبدأ منه كل مبدوء بدأه. فباسمه إذن يكون كل ابتداء. وباسمه إذن تكون كل حركة وكل اتجاه. ووصفه- سبحانه- في البدء بالرحمن الرحيم، يستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها.. وهو المختص وحده باجتماع هاتين الصفتين، كما أنه المختص وحده بصفة الرحمن. فمن الجائز أن يوصف عبد من عباده بأنه رحيم؛ ولكن من الممتنع من الناحية الإيمانية أن يوصف عبد من عباده بأنه رحمن. ومن باب أولى أن تجتمع له الصفتان.. ومهما يختلف في معنى الصفتين: أيتهما تدل على مدى أوسع من الرحمة، فهذا الاختلاف ليس مما يعنينا تقصيه في هذه الظلال؛ إنما نخلص منه إلى استغراق هاتين الصفتين مجتمعتين لكل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها. وإذا كان البدء باسم الله وما ينطوي عليه من توحيد الله وأدب معه يمثل الكلية الأولى في التصور الإسلامي.. فإن استغراق معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها في صفتي {الرحمن الرحيم} يمثل الكلية الثانية في هذا التصور، ويقرر حقيقة العلاقة بين الله والعباد. وعقب البدء باسم الله الرحمن الرحيم يجيء التوجه إلى الله بالحمد ووصفه بالربوبية المطلقة للعالمين: {الحمد لله رب العالمين} والحمد لله هو الشعور الذي يفيض به قلب المؤمن بمجرد ذكره لله. . فإن وجوده ابتداء ليس إلا فيضاً من فيوضات النعمة الإلهية التي تستجيش الحمد والثناء. وفي كل لمحة وفي كل لحظة وفي كل خطوة تتوالى آلاء الله وتتواكب وتتجمع، وتغمر خلائقه كلها وبخاصة هذا الإنسان.. ومن ثم كان الحمد لله ابتداء، وكان الحمد لله ختاماً قاعدة من قواعد التصور الإسلامي المباشر: {وهو الله لا إله إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة...} ومع هذا يبلغ من فضل الله- سبحانه- وفيضه على عبده المؤمن، أنه إذا قال: الحمد لله. كتبها له حسنة ترجح كل الموازين.. في سنن ابن ماجه عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حدثهم أن «عبداً من عباد الله قال:» يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك «. فعضلت الملكين فلم يدريا كيف يكتبانها. فصعدا إلى الله فقالا: يا ربنا، إن عبداً قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها. قال الله- وهو أعلم بما قال عبده-:» وما الذي قال عبدي؟ «قالا: يا رب، أنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها». والتوجه إلى الله بالحمد يمثل شعور المؤمن الذي يستجيشه مجرد ذكره لله- كما أسلفنا- أما شطر الآية الأخير: {رب العالمين} فهو يمثل قاعدة التصور الإسلامي، فالربوبية المطلقة الشاملة هي إحدى كليات العقيدة الإسلامية.. والرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح والتربية.. والتصرف للإصلاح والتربية يشمل العالمين- أي جميع الخلائق- والله- سبحانه- لم يخلق الكون ثم يتركه هملاً. إنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه. وكل العوالم والخلائق تحفظ وتُتعهد برعاية الله رب العالمين. والصلة بين الخالق والخلائق دائمة ممتدة قائمة في كل وقت وفي كل حالة. والربوبية المطلقة هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل، والغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة. وكثيراً ما كان الناس يجمعون بين الاعتراف بالله بوصفه الموجد الواحد للكون، والاعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمون في الحياة. ولقد يبدو هذا غريباً مضحكاً. ولكنه كان وما يزال. ولقد حكى لنا القرآن الكريم عن جماعة من المشركين كانوا يقولون عن أربابهم المتفرقة: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} كما قال عن جماعة من أهل الكتاب: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} وكانت عقائد الجاهليات السائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام، تعج بالأرباب المختلفة، بوصفها أرباباً صغاراً تقوم إلى جانب كبير الآلهة كما يزعمون! فإطلاق الربوبية في هذه السورة، وشمول هذه الربوبية للعالمين جميعاً، هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة. لتتجه العوالم كلها إلى رب واحد، تقر له بالسيادة المطلقة، وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة، وعنت الحيرة كذلك بين شتى الأرباب.. ثم ليطمئن ضمير هذه العوالم إلى رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة. وإلى أن هذه الرعاية لا تنقطع أبداً ولا تفتر ولا تغيب، لا كما كان أرقى تصور فلسفي لأرسطو مثلاً يقول بأن الله أوجد هذا الكون ثم لم يعد يهتم به، لأن الله أرقى من أن يفكر فيما هو دونه! فهو لا يفكر إلا في ذاته! وأرسطو- وهذا تصوره- هو أكبر الفلاسفة، وعقله هو أكبر العقول! لقد جاء الإسلام وفي العالم ركام من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار.. يختلط فيها الحق بالباطل، والصحيح بالزائف، والدين بالخرافة، والفلسفة بالأسطورة.. والضمير الإنساني تحت هذا الركام الهائل يتخبط في ظلمات وظنون، ولا يستقر منها على يقين. وكان التيه الذي لا قرار فيه ولا يقين ولا نور، هو ذلك الذي يحيط بتصور البشرية لإلهها، وصفاته وعلاقته بخلائقه، ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص. ولم يكن مستطاعاً أن يستقر الضمير البشري على قرار في أمر هذا الكون، وفي أمر نفسه وفي منهج حياته، قبل أن يستقر على قرار في أمر عقيدته وتصوره لإلهه وصفاته، وقبل أن ينتهي إلى يقين واضح مستقيم في وسط هذا العماء وهذا التيه وهذا الركام الثقيل. ولا يدرك الإنسان ضرورة هذا الاستقرار حتى يطلع على ضخامة هذا الركام، وحتى يرود هذا التيه من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري، والتي أشرنا إلى طرف منها فيما تقدم صغير. (و سيجيء في استعراض سور القرآن الكثير منها، مما عالجه القرآن علاجاً وافياً شاملاً كاملاً). ومن ثم كانت عناية الإسلام الأولى موجهه إلى تحرير أمر العقيدة، وتحديد التصور الذي يستقر عليه الضمير في أمر الله وصفاته، وعلاقته بالخلائق، وعلاقة الخلائق به على وجه القطع واليقين. ومن ثم كان التوحيد الكامل الخالص المجرد الشامل، الذي لا تشوبه شائبة من قريب ولا من بعيد.. هو قاعدة التصور التي جاء بها الإسلام، وظل يجلوها في الضمير، ويتتبع فيه كل هاجسة وكل شائبة حول حقيقة التوحيد، حتى يخلصها من كل غبش. ويدعها مكينة راكزة لا يتطرق إليها وهم في صورة من الصور.. كذلك قال الإسلام كلمة الفصل بمثل هذا الوضوح في صفات الله وبخاصة ما يتعلق منها بالربوبية المطلقة. فقد كان معظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه الفلسفات والعقائد كما تخبط فيه الأوهام والأساطير. . مما يتعلق بهذا الأمر الخطير، العظيم الأثر في الضمير الإنساني. وفي السلوك البشري سواء. والذي يراجع الجهد المتطاول الذي بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات الله وصفاته وعلاقته بمخلوقاته، هذا الجهد الذي تمثله النصوص القرآنية الكثيرة.. الذي يراجع هذا الجهد المتطاول دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل في ذلك التيه الشامل الذي كانت البشرية كلها تهيم فيه.. قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر، وإلى كل هذا التدقيق الذي يتتبع كل مسالك الضمير.. ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد المتطاول، كما تكشف عن مدى عظمة الدور الذي قامت به هذه العقيدة- وتقوم في تحرير الضمير البشري وإعتاقه؛ وإطلاقه من عناء التخبط بين شتى الأرباب وشتى الأوهام والأساطير! وإن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها.. كل هذا لا يتجلى للقلب والعقل كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية من العقائد والتصورات، والأساطير والفلسفات! وبخاصة موضوع الحقيقة الإلهية وعلاقتها بالعالم.. عندئذ تبدو العقيدة الإسلامية رحمة. رحمة حقيقية للقلب والعقل، رحمة بما فيها من جمال وبساطة، ووضوح وتناسق، وقرب وأنس، وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق. {الرحمن الرحيم}.. هذه الصفة التي تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها تتكرر هنا في صلب السورة، في آية مستقلة، لتؤكد السمة البارزة في تلك الربوبية الشاملة؛ ولتثبت قوائم الصلة الدائمة بين الرب ومربوبيه. وبين الخالق ومخلوقاته.. إنها صلة الرحمة والرعاية التي تستجيش الحمد والثناء. إنها الصلة التي تقوم على الطمأنينة وتنبض بالمودة، فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة الندية. إن الرب الإله في الإسلام لا يطارد عباده مطاردة الخصوم والأعداء كآلهة الأولمب في نزواتها وثوراتها كما تصورها أساطير الإغريق. ولا يدبر لهم المكائد الانتقامية كما تزعم الأساطير المزورة في «العهد القديم» كالذي جاء في أسطورة برج بابل في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين. {مالك يوم الدين}.. وهذه تمثل الكلية الضخمة العميقة التأثير في الحياة البشرية كلها، كلية الاعتقاد بالآخرة.. والملك أقصى درجات الاستيلاء والسيطرة. ويوم الدين هو يوم الجزاء في الآخرة.. وكثيراً ما اعتقد الناس بألوهية الله، وخلقه للكون أول مرة؛ ولكنهم مع هذا لم يعتقدوا بيوم الجزاء.. والقرآن يقول عن بعض هؤلاء: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن: الله} ثم يحكي عنهم في موضع آخر: {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون: هذا شيء عجيب. أإذا متنا وكنا تراباً؟ ذلك رجع بعيد} والاعتقاد بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية ذات قيمة في تعليق أنظار البشر وقلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض؛ فلا تستبد بهم ضرورات الأرض. وعندئذ يملكون الاستعلاء على هذه الضرورات. ولا يستبد بهم القلق على تحقيق جزاء سعيهم في عمرهم القصير المحدود، وفي مجال الأرض المحصور. وعندئذ يملكون العمل لوجه الله وانتظار الجزاء حيث يقدره الله، في الأرض أو في الدار الآخرة سواء، في طمأنينة لله، وفي ثقة بالخير، وفي إصرار على الحق، وفي سعة وسماحة ويقين.. ومن ثم فإن هذه الكلية تعد مفرق الطريق بين العبودية للنزوات والرغائب، والطلاقة الإنسانية اللائقة ببني الإنسان. بين الخضوع لتصورات الأرض وقيمها وموازينها والتعلق بالقيم الربانية والاستعلاء على منطق الجاهلية. مفرق الطريق بين الإنسانية في حقيقتها العليا التي أرادها الله الرب لعباده، والصور المشوهة المنحرفة التي لم يقدر لها الكمال. وما تستقيم الحياة البشرية على منهج الله الرفيع ما لم تتحقق هذه الكلية في تصور البشر. وما لم تطمئن قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير. وما لم يثق الفرد المحدود العمر بأن له حياة أخرى تستحق أن يجاهد لها، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمداً على العوض الذي يلقاه فيها.. وما يستوي المؤمنون بالآخرة والمنكرون لها في شعور ولا خلق ولا سلوك ولا عمل. فهما صنفان مختلفان من الخلق. وطبيعتان متميزتان لا تلتقيان في الأرض في عمل ولا تلتقيان في الآخرة في جزاء.. وهذا هو مفرق الطريق.. {إياك نعبد وإياك نستعين}.. وهذه هي الكلية الاعتقادية التي تنشأ عن الكليات السابقة في السورة. فلا عبادة إلا لله، ولا استعانة إلا بالله. وهنا كذلك مفرق طريق.. مفرق طريق بين التحرر المطلق من كل عبودية، وبين العبودية المطلقة للعبيد! وهذه الكلية تعلن ميلاد التحرر البشري الكامل الشامل. التحرر من عبودية الأوهام. والتحرر من عبودية النظم، والتحرر من عبودية الأوضاع. وإذا كان الله وحده هو الذي يُعبد، والله وحده هو الذي يُستعان، فقد تخلص الضمير البشري من استذلال النظم والأوضاع والأشخاص، كما تخلص من استذلال الأساطير والأوهام والخرافات.. وهنا يعرض موقف المسلم من القوى الإنسانية، ومن القوى الطبيعية.. فأما القوى الإنسانية- بالقياس إلى المسلم- فهي نوعان: قوة مهتدية، تؤمن بالله، وتتبع منهج الله... وهذه يجب أن يؤازرها، ويتعاون معها على الخير والحق والصلاح.. وقوة ضالة لا تتصل بالله ولا تتبع منهجه. وهذه يجب أن يحاربها ويكافحها ويغير عليها. ولا يهولن المسلم أن تكون هذه القوة الضالة ضخمة أو عاتية. فهي بضلالها عن مصدرها الأول- قوة الله- تفقد قوتها الحقيقة. تفقد الغذاء الدائم الذي يحفظ لها طاقتها. وذلك كما ينفصل جرم ضخم من نجم ملتهب، فما يلبث أن ينطفئ ويبرد ويفقد ناره ونوره، مهما كانت كتلته من الضخامة. على حين تبقى لأية ذرة متصلة بمصدرها المشع قوتها وحرارتها ونورها: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} غلبتها باتصالها بمصدر القوة الأول، وباستمدادها من النبع الواحد للقوة وللعزة جميعاً. وأما القوى الطبيعية فموقف المسلم منها هو موقف التعرف والصداقة، لا موقف التخوف والعداء. ذلك أن قوة الإنسان وقوة الطبيعة صادرتان عن إرادة الله ومشيئته، محكومتان بإرادة الله ومشيئته، متناسقتان متعاونتان في الحركة والاتجاه. إن عقيدة المسلم توحي إليه أن الله ربه قد خلق هذه القوى كلها لتكون له صديقاً مساعداً متعاوناً؛ وأن سبيله إلى كسب هذه الصداقة أن يتأمل فيها. ويتعرف إليها، ويتعاون وإياها، ويتجه معها إلى الله ربه وربها. وإذا كانت هذه القوى تؤذيه أحياناً، فإنما تؤذيه لأنه لم يتدبرها ولم يتعرف إليها، ولم يهتد إلى الناموس الذي يسيرها. ولقد درج الغربيون- ورثة الجاهلية الرومانية- على التعبير عن استخدام قوى الطبيعة بقولهم: «قهر الطبيعة».. ولهذا التعبير دلالته الظاهرة على نظرة الجاهلية المقطوعة الصلة بالله، وبروح الكون المستجيب لله. فأما المسلم الموصول القلب بربه الرحمن الرحيم، الموصول الروح بروح هذا الوجود المسبحة لله رب العالمين.. فيؤمن بأن هنالك علاقة أخرى غير علاقة القهر والجفوة. أنه يعتقد أن الله هو مبدع هذه القوى جميعاً. خلقها كلها وفق ناموس واحد، لتتعاون على بلوغ الأهداف المقدرة لها بحسب هذا الناموس. وأنه سخرها للإنسان ابتداء ويسر له كشف أسرارها ومعرفة قوانينها. وأن على الإنسان أن يشكر الله كلما هيأ له أن يظفر بمعونة من إحداها. فالله هو الذي يسخرها له، وليس هو الذي يقهرها: {سخر لكم ما في الأرض جميعاً} وإذن فإن الأوهام لن تملأ حسه تجاه قوى الطبيعة؛ ولن تقوم بينه وبينها المخاوف.. إنه يؤمن بالله وحده، ويعبد الله وحده، ويستعين بالله وحده. وهذه القوى من خلق ربه. وهو يتأملها ويألفها ويتعرف أسرارها، فتبذل له معونتها، وتكشف له عن أسرارها. فيعيش معها في كون مأنوس صديق ودود.. وما أروع قول الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهو ينظر إلى جبل أُحد: «هذا جبل يحبنا ونحبه» ففي هذه الكلمات كل ما يحمله قلب المسلم الأول محمد- صلى الله عليه وسلم- من ود وألفة وتجاوب، بينه وبين الطبيعة في أضخم وأخشن مجاليها. وبعد تقرير تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي؛ وتقرير الاتجاه إلى الله وحده بالعبادة والاستعانة.. يبدأ في التطبيق العملي لها بالتوجه إلى الله بالدعاء على صورة كلية تناسب جو السورة وطبيعتها: {اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.. {اهدنا الصراط المستقيم}.. وفقنا إلى معرفة الطريق المستقيم الواصل؛ ووفقنا للاستقامة عليه بعد معرفته.. فالمعرفة والاستقامة كلتاهما ثمرة لهداية الله ورعايته ورحمته. والتوجه إلى الله في هذا الأمر هو ثمرة الاعتقاد بأنه وحده المعين. وهذا الأمر هو أعظم وأول ما يطلب المؤمن من ربه العون فيه. فالهداية إلى الطريق المستقيم هي ضمان السعادة في الدنيا والآخرة عن يقين.. وهي في حقيقتها هداية فطرة الإنسان إلى ناموس الله الذي ينسق بين حركة الإنسان وحركة الوجود كله في الاتجاه إلى الله رب العالمين. ويكشف عن طبيعة هذا الصراط المستقيم: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.. فهو طريق الذين قسم لهم نعمته. لا طريق الذين غضب عليهم لمعرفتهم الحق ثم حيدتهم عنه. أو الذين ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلاً إليه.. إنه صراط السعداء المهتدين الواصلين.. وبعد فهذه هي السورة المختارة للتكرار في كل صلاة، والتي لا تصح بدونها صلاة. وفيها على قصرها تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي؛ وتلك التوجهات الشعورية المنبثقة من ذلك التصور. وقد ورد في صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه، عن أبي هريرة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل.. إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال الرحمن الرحيم. قال الله أثنى عليّ عبدي. فإذا قال: مالك يوم الدين. قال الله: مجدني عبدي. وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل». ولعل هذا الحديث الصحيح- بعدما تبين من سياق السورة ما تبين- يكشف عن سر من أسرار اختيار السورة ليرددها المؤمن سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة؛ أو ما شاء الله أن يرددها كلما قام يدعوه في الصلاة.. http://www.al-eman.com/%D8%A7%D9%84%...315178&c&p1#s2 |
ياااالهذا الادهاش في اندياحه بين يدي لفظة (رب العالمين)!!!
بالله عليكم أقرأوها حرفا حرفا وكلمة كلمة لتتبينوا ادهاش لغة الراحل سيد قطب رحمه الله واستعلاء معانيه ومبانيه! لكأن السياق (يصعد) بالمرء الى السماوات العُلَىَ! لكأن الكلمات تتخذ لها أجنحة لترفرف فوق قمم الجبال وهام السحُب! هذه هي: أما شطر الآية الأخير: {رب العالمين} فهو يمثل قاعدة التصور الإسلامي، فالربوبية المطلقة الشاملة هي إحدى كليات العقيدة الإسلامية.. والرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح والتربية.. والتصرف للإصلاح والتربية يشمل العالمين- أي جميع الخلائق- والله- سبحانه- لم يخلق الكون ثم يتركه هملاً. إنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه. وكل العوالم والخلائق تحفظ وتُتعهد برعاية الله رب العالمين. والصلة بين الخالق والخلائق دائمة ممتدة قائمة في كل وقت وفي كل حالة. والربوبية المطلقة هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل، والغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة. وكثيراً ما كان الناس يجمعون بين الاعتراف بالله بوصفه الموجد الواحد للكون، والاعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمون في الحياة. ولقد يبدو هذا غريباً مضحكاً. ولكنه كان وما يزال. ولقد حكى لنا القرآن الكريم عن جماعة من المشركين كانوا يقولون عن أربابهم المتفرقة: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} كما قال عن جماعة من أهل الكتاب: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} وكانت عقائد الجاهليات السائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام، تعج بالأرباب المختلفة، بوصفها أرباباً صغاراً تقوم إلى جانب كبير الآلهة كما يزعمون! فإطلاق الربوبية في هذه السورة، وشمول هذه الربوبية للعالمين جميعاً، هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة. لتتجه العوالم كلها إلى رب واحد، تقر له بالسيادة المطلقة، وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة، وعنت الحيرة كذلك بين شتى الأرباب.. ثم ليطمئن ضمير هذه العوالم إلى رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة. وإلى أن هذه الرعاية لا تنقطع أبداً ولا تفتر ولا تغيب، لا كما كان أرقى تصور فلسفي لأرسطو مثلاً يقول بأن الله أوجد هذا الكون ثم لم يعد يهتم به، لأن الله أرقى من أن يفكر فيما هو دونه! فهو لا يفكر إلا في ذاته! وأرسطو- وهذا تصوره- هو أكبر الفلاسفة، وعقله هو أكبر العقول! لقد جاء الإسلام وفي العالم ركام من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار.. يختلط فيها الحق بالباطل، والصحيح بالزائف، والدين بالخرافة، والفلسفة بالأسطورة.. والضمير الإنساني تحت هذا الركام الهائل يتخبط في ظلمات وظنون، ولا يستقر منها على يقين. وكان التيه الذي لا قرار فيه ولا يقين ولا نور، هو ذلك الذي يحيط بتصور البشرية لإلهها، وصفاته وعلاقته بخلائقه، ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص. ولم يكن مستطاعاً أن يستقر الضمير البشري على قرار في أمر هذا الكون، وفي أمر نفسه وفي منهج حياته، قبل أن يستقر على قرار في أمر عقيدته وتصوره لإلهه وصفاته، وقبل أن ينتهي إلى يقين واضح مستقيم في وسط هذا العماء وهذا التيه وهذا الركام الثقيل. ولا يدرك الإنسان ضرورة هذا الاستقرار حتى يطلع على ضخامة هذا الركام، وحتى يرود هذا التيه من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري، والتي أشرنا إلى طرف منها فيما تقدم صغير. (و سيجيء في استعراض سور القرآن الكثير منها، مما عالجه القرآن علاجاً وافياً شاملاً كاملاً). [[/ |
قرأتُ لسيد قطب رحمه الله -من قبل-كتابين من قبل الظلال...
هما: 1-التصور الفني في القرآن 2-مشاهد القيامة في القرآن فوجدتهما يكتنفهما ذات الادهاش الأدبي والبلاغي! وتجملهما ذات السياقات الأنيقة والمعاني الراقية! وللرجل دون ذلك اشعارٌ وضيئة لعلي أورد منها قصيدة استبدّ بي الاعجاب بها منذ أن كنت في المرحلة الثانوية... ولعلي يوم كتبت أحدى قصصي المنشورة في كتابي الأول (أقمار في الذاكرة) استلهمتُ عنوانها من متن ووحي هذه القصيدة فأسميت قصتي بال(الشاطئ الآخر)... لعلك تجدها أخي القارئ في ثنيات رابط باسم (أقمار في الذاكرة) أو في منتدى نوافذ... هذه هي القصيدة: إلى الشـاطئ المجهول شِعْرالشهيد سيد قطب تطيفُ بنفسي وهيَ وسنانةٌ سكرى هواتفُ في الأعماق ساريةٌ تترى هواتفُ قد حجّبنَ ؛ يسرينَ خفية هوامسُ لم يكشفنَ في لحظة ستراً ويعمُرنَ من نفسي المجاهل والدجى ويجنبن من نفسي المعالم والجهرا فيهنّ من يوحينَ للنفس بالرضـا وفيهن من يلهمنها السخط والنكرا ومن بين هاتيك الهواتف ما اسمهُ حنينٌ ، ومنهنّ التشوق والذكرى *** أهبن بنفسي في خفوتٍ وروعةٍ وسرنً بهمس ، وهي مأخوذة سكرى سواحر تقفوهنّ نفسي ولا ترى من الأمر إلا ما أردنَ لها أمرا إلى الشـاطئ المجهول والعالم الذي حننتُ لمرآهُ ؛ إلى الضفة الأخرى إلى حيث لا تدري .. إلى حيثُ لا ترى معالم للأزمان والكون تستقرا إلى حيث " لا حيث " تميز حدوده ! إلى حيث تنسى الناس والكون والدهرا وتشعر أن ( الجزء ) و ( الكل ) واحد وتمزج في الحس البداهة والفكرا فليس هنا ( أمس ) وليس هنا ( غد ) ولا ( اليوم ) فالأزمان كالحلقة الكبرى وليس هنا ( غير ) وليس هنا ( أنا ) هنا الوحدة الكبرى التي احتجبت سرا *** خلعتُ قيودي وانطلقتُ محلقاً وبي نشوة الجبار يستلهم الظفرا أهوّم في هذا الخلود وأرتـقي وأسلك في مسراهُ كالطيف إذ أسرى وأكشف فيه عالما بعد عالم عجائب ما زالت ممنعة بكراً لقد حجب العقل الذي نستشيرهُ حقائق جلت عن حقائقنا الصغرى هنا عالم الأرواح فلنخلع الحجا فننعم فيه الخلد ، والحب ، والسحرا (يتبع) |
هذا الكتاب الفخيم (في ظلال القرآن) قد شابه خطل كبييييير!
وهو خطلٌ لا أحسبه ينتقص أو يبتسر شيئا من تثمين سمين لمافيه من أناقة اللغة ورصانة التعبير واحكام المعاني والمباني عندما يتناول الشهيد فيه آيات القرآن الكريم... خطلٌ قد لا يلحظه القارئ وهو يسوح في فضاءات السياقات وادهاش معاني الآيات القرآنية بين يدي لغته الساحرة وسياحاته البديعة! ... فالرجل رحمه الله قد كتب الكتاب وهو (محبوس) في السجن منقطع عن الدنيا بما فيها لمدة عشر سنوات بنهارها ولياليها ذاق فيها وبال تعذيب زبانية عبدالناصر الذين تفننوا في تعذيبه أيما تفنن!... والرجل قد حُبس مظلوما بعيد اتهامه -ضمن عسكريين (وهو المدني الأوحد)- بمحاولة فاشلة لقتل الرئيس عبدالناصر! وكانت التهمة للرجل أنه (الموحي) بكتاباته لمن سعوا الى قتل الرئيس! تلقى الرجل التهمة في تصبار عظيم... وجلس يجتر ظلامته في ظلام السجن وعذاباته... ولكم أن تتوقفوا لحظات بين يدي خواطره حول سورة يوسف... يااااااه... ما اقسى وقع الظلم ياأحباب! ... .. . ما كان منه الاّ أن لجأ الى كتاب الله يبثه لوعجه وأحاسيسه (خواطرا)... ثم شرع يُحَبِّرُ تلك الخواطر على أوراق يأخذها من لفائف ال(ساندوتشات) أو يتحصل عليها من أحد زواره القلائل!... واصل الكتابة ليله ونهاره وهو قابع بين حيطان اربع لسنوات... فكانت عوالم الناس من خلف اسوار السجن تتبدى اليه دنيا تكتنفها الشرور والآثام! بان ذلك جَلِيّا خلال تفسيره ل(بعض) آيات القرآن التي تتناول أمر حيود الأمة عن سواء الطريق الى مزالق النفس والهوى... فانسربت الى خواطره عواهن (تكفير المجمتع) (يتبع) |
هذه هي سورة يوسف من خلال (خواطر) الشهيد سيد قطب رحمه الله:
http://www.al-eman.com/%D8%A7%D9%84%...true&sctrue&p1 |
اقرأوا-ان شئتم-عن خواطر الشهيد سيد قطب عن يوسف عليه السلام وهو في السجن:
وهذه هي الحلقة الثالثة والمحنة الثالثة والأخيرة من محن الشدة في حياة يوسف؛ فكل ما بعدها رخاء، وابتلاء لصبره على الرخاء، بعد ابتلاء صبره على الشدة. والمحنة في هذه الحلقة هي محنة السجن بعد ظهور البراءة. والسجن للبريء المظلوم أقسى، وإن كان في طمأنينة القلب بالبراءة تعزية وسلوى. وفي فترة المحنة هذه تتجلى نعمة الله على يوسف، بما وهبه من علم لدني بتعبير الرؤيا وبعض الغيب القريب الذي تبدو أوائله فيعرف تأويله. ثم تتجلى نعمة الله عليه أخيراً بإعلان براءته الكاملة إعلاناً رسمياً بحضرة الملك، وظهور مواهبه التي تؤهله لما هو مكنون له في عالم الغيب من مكانة مرموقة وثقة مطلقة، وسلطان عظيم. {ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين}.. وهكذا جو القصور، وجو الحكم المطلق، وجو الأوساط الأرستقراطية، وجو الجاهلية! فبعد أن رأوا الآيات الناطقة ببراءة يوسف. وبعد أن بلغ التبجح بامرأة العزيز أن تقيم للنسوة حفل استقبال تعرض عليهن فتاها الذي شغفها حباً، ثم تعلن لهم أنها به مفتونة حقاً، ويفتتن هن به ويغرينه بما يلجأ إلى ربه ليغيثه منه وينقذه، والمرأة تعلن في مجتمع النساء دون حياء أنه إما أن يفعل ما يؤمر به، وإما أن يلقى السجن والصغار، فيختار السجن على ما يؤمر به!. بعد هذا كله، بدا لهم أن يسجنوه إلى حين! ولعل المرأة كانت قد يئست من محاولاتها بعد التهديد؛ ولعل الأمر كذلك قد زاد انتشاراً في طبقات الشعب الأخرى.. وهنا لا بد أن تحفظ سمعة «البيوتات»! وإذا عجز رجال البيوتات عن صيانة بيوتهن ونسائهن، فإنهم ليسوا بعاجزين عن سجن فتى بريء كل جريمته أنه لم يستجب، وأن امرأة من «الوسط الراقي!» قد فتنت به، وشهرت بحبه، ولاكت الألسن حديثها في الأوساط الشعبية! {ودخل معه السجن فتيان}.. سنعرف من بعد أنهما من خدم الملك الخواص.. ويختصر السياق ما كان من أمر يوسف في السجن، وما ظهر من صلاحه وإحسانه، فوجه إليه الأنظار، وجعله موضع ثقة المساجين، وفيهم الكثيرون ممن ساقهم سوء الطالع مثله للعمل في القصر أو الحاشية، فغضب عليهم في نزوة عارضة، فألقي بهم في السجن.. يختصر السياق هذا كله ليعرض مشهد يوسف في السجن وإلى جواره فتيان أنسا إليه، فهما يقصان عليه رؤيا رأياها. ويطلبان إليه تعبيرها، لما يتوسمانه فيه من الطيبة والصلاح وإحسان العبادة والذكر والسلوك: {قال أحدهما: إني أراني أعصر خمراً؛ وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله، إنا نراك من المحسنين}.. وينتهز يوسف هذه الفرصة ليبث بين السجناء عقيدته الصحيحة؛ فكونه سجيناً لا يعفيه من تصحيح العقيدة الفاسدة والأوضاع الفاسدة، القائمة على إعطاء حق الربوبية للحكام الأرضيين، وجعلهم بالخضوع لهم أرباباً يزاولون خصائص الربوبية، ويصبحون فراعين! ويبدأ يوسف مع صاحبي السجن من موضوعهما الذي يشغل بالهما، فيطمئنهما ابتداء إلى أنه سيؤول لهم الرؤى، لأن ربه علمه علماً لدنياً خاصاً، جزاء على تجرده لعبادته وحده، وتخلصه من عبادة الشركاء. هو وآباؤه من قبله.. وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة الأولى بقدرته على تأويل رؤياهما، كما يكسب ثقتهما كذلك لدينه: {قال: لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ذلكما مما علمني ربي. إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله، وهم بالآخرة هم كافرون. واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء. ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون}.. ويبدو في طريقة تناول يوسف للحديث لطف مدخله إلى النفوس، وكياسته وتنقله في الحديث في رفق لطيف.. وهي سمة هذه الشخصية البارزة في القصة بطولها.. {قال: لا يأتيكما طعام ترزقانه، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ذلكما مما علمني ربي}.. بهذا التوكيد الموحي بالثقة بأن الرجل على علم لدني، يرى به مقبل الرزق وينبئ بما يرى. وهذا فوق دلالته على هبة الله لعبده الصالح يوسف وهي كذلك بطبيعة الفترة وشيوع النبوءات فيها والرؤى وقوله: {ذلكما مما علمني ربي} تجيء في اللحظة المناسبة من الناحية النفسية ليدخل بها إلى قلبيهما بدعوته إلى ربه؛ وليعلل بها هذا العلم اللدني الذي سيؤول لهما رؤياهما عن طريقه. {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله، وهم بالآخرة هم كافرون}.. مشيراً بهذا إلى القوم الذي ربي فيهم، وهم بيت العزيز وحاشية الملك والملأ من القوم والشعب الذي يتبعهم. والفتيان على دين القوم، ولكنه لا يواجههما بشخصيتهما، إنما يواجه القوم عامة كي لا يحرجهما ولا ينفرهما وهي كياسة وحكمة ولطافة حس وحسن مدخل. وذكر الآخرة هنا في قول يوسف يقرر كما قلنا من قبل أن الإيمان بالآخرة كان عنصراً من عناصر العقيدة على لسان الرسل جميعاً؛ منذ فجر البشرية الأول؛ ولم يكن الأمر كما يزعم علماء الأديان المقارنة أن تصور الآخرة جاء إلى العقيدة بجملتها متأخراً.. لقد جاء إلى العقائد الوثنية الجاهلية متأخراً فعلاً، ولكنه كان دائماً عنصراً أصيلاً في الرسالات السماوية الصحيحة.. ثم يمضي يوسف بعد بيان معالم ملة الكفر ليبين معالم ملة الإيمان التي يتبعها هو وآباؤه: {واتبعت ملة آبائي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء}.. فهي ملة التوحيد الخالص الذي لا يشرك بالله شيئاً قط. . والهداية إلى التوحيد فضل من الله على المهتدين، وهو فضل في متناول الناس جميعاً لو اتجهوا إليه وأرادوه. ففي فطرتهم أصوله وهواتفه، وفي الوجود من حولهم موحياته ودلائله، وفي رسالات الرسل بيانه وتقريره. ولكن الناس هم الذين لا يعرفون هذا الفضل ولا يشكرونه: {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون}.. مدخل لطيف.. وخطوة خطوة في حذر ولين.. ثم يتوغل في قلبيهما أكثر وأكثر، ويفصح عن عقيدته ودعوته إفصاحاً كاملاً، ويكشف عن فساد اعتقادهما واعتقاد قومهما، وفساد ذلك الواقع النكد الذي يعيشون فيه.. بعد ذلك التمهيد الطويل: {يا صاحبي السجن، أأرباب متفرقون خير؟ أم الله الواحد القهار؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان. إن الحكم إلا لله. أمر ألا تعبدوا إلا إياه. ذلك الدين القيم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.. لقد رسم يوسف عليه السلام بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة، كل معالم هذا الدين، وكل مقومات هذه العقيدة. كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً عنيفاً.. {يا صاحبي السجن، أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟}.. إنه يتخذ منهما صاحبين، ويتحبب إليهما هذه الصفة المؤنسة، ليدخل من هذا المدخل إلى صلب الدعوة وجسم العقيدة. وهو لا يدعوهما إليها دعوة مباشرة، إنما يعرضها قضية موضوعية: {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟}.. وهو سؤال يهجم على الفطرة في أعماقها ويهزها هزاً شديداً.. إن الفطرة تعرف لها إلهاً واحداً ففيم إذن تعدد الأرباب؟.. إن الذي يستحق أن يكون رباً يعبد ويطاع أمره ويتبع شرعه هو الله الواحد القهار. ومتى توحد الإله وتقرر سلطانه القاهر في الوجود فيجب تبعاً لذلك أن يتوحد الرب وسلطانه القاهر في حياة الناس. وما يجوز لحظة واحدة أن يعرف الناس أن الله واحد، وأنه هو القاهر، ثم يدينوا لغيره ويخضعوا لأمره، ويتخذوا بذلك من دون الله ربا.. إن الرب لا بد أن يكون إلهاً يملك أمر هذا الكون ويسيره. ولا ينبغي أن يكون العاجز عن تسيير أمر هذا الكون كله رباً للناس يقهرهم بحكمه، وهو لا يقهر هذا الكون كله بأمره! والله الواحد القهار خير أن يدين العباد لربوبيته من أن يدينوا للأرباب المتفرقة الأهواء الجاهلة القاصرة العمياء عن رؤية ما وراء المنظور القريب كالشأن في كل الأرباب إلا الله وما شقيت البشرية قط شقاءها بتعدد الأرباب وتفرقهم، وتوزع العباد بين أهوائهم وتنازعهم.. فهذه الأرباب الأرضية التي تغتصب سلطان الله وربوبيته؛ أو يعطيها الجاهليون هذا السلطان تحت تأثير الوهم والخرافة والأسطورة، أو تحت تأثير القهر أو الخداع أو الدعاية! هذه الأرباب الأرضية لا تملك لحظة أن تتخلص من أهوائها، ومن حرصها على ذواتها وبقائها، ومن الرغبة الملحة في استبقاء سلطانها وتقويته، وفي تدمير كل القوى والطاقات التي تهدد ذلك السلطان من قريب أو من بعيد؛ وفي تسخير تلك القوى والطاقات في تمجيدها والطبل حولها والزمر والنفخ فيها كي لا تذبل ولا تنفثئ نفختها الخادعة! والله الواحد القهار في غنى عن العالمين؛ فهو سبحانه لا يريد منهم إلا التقوى والصلاح والعمل والعمارة وفق منهجه فيعدّ لهم هذا كله عبادة. وحتى الشعائر التي يفرضها عليهم إنما يريد بها إصلاح قلوبهم ومشاعرهم، لإصلاح حياتهم وواقعهم.. وإلا فما أغناه سبحانه عن عباده أجمعين! {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد} ففرق بين الدينونة لله الواحد القهار والدينونة للأرباب المتفرقة بعيد! ثم يخطو يوسف عليه السلام خطوة أخرى في تفنيد عقائد الجاهلية وأوهامها الواهية: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان}.. إن هذه الأرباب سواء كانت من البشر أم من غير البشر من الأرواح والشياطين والملائكة والقوى الكونية المسخرة بأمر الله ليست من الربوبية في شيء، وليس لها من حقيقة الربوبية شيء. فالربوبية لا تكون إلا لله الواحد القهار؛ الذي يخلق ويقهر كل العباد.. ولكن البشر في الجاهليات المتعددة الأشكال والأوضاع يسمون من عند أنفسهم أسماء، ويخلعون عليها صفات، ويعطونها خصائص؛ وفي أول هذه الخصائص خاصية الحكم والسلطان.. والله لم يجعل لها سطاناً ولم ينزل بها من سلطان.. وهنا يضرب يوسف عليه السلام ضربته الأخيرة الحاسمة فيبين: لمن ينبغي أن يكون السلطان! لمن ينبغي أن يكون الحكم! لمن ينبغي أن تكون الطاعة.. أو بمعنى آخر لمن ينبغي أن تكون «العبادة»! {إن الحكم إلا لله. أمر ألا تعبدوا إلا إياه. ذلك الدين القيم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.. إن الحكم لا يكون إلا لله. فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته. إذ الحاكمية من خصائص الألوهية. من ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته؛ سواء ادعى هذا الحق فرد، أو طبقة، أو حزب. أو هيئة، أو أمة، أو الناس جميعاً في صورة منظمة عالمية. ومن نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها فقد كفر بالله كفراً بواحاً، يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة، حتى بحكم هذا النص وحده! وادعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة هي التي تخرج المدعي من دائرة الدين القيم، وتجعله منازعاً لله في أولى خصائص ألوهيته سبحانه فليس من الضروري أن يقول: ما علمت لكم من إله غيري؛ أو يقول: أنا ربكم الأعلى، كما قالها فرعون جهرة. ولكنه يدعي هذا الحق وينازع الله فيه بمجرد أن ينحي شريعة الله عن الحاكمية؛ ويستمد القوانين من مصدر آخر. وبمجرد أن يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية، أي التي تكون هي مصدر السلطات، جهة أخرى غير الله سبحانه.. ولو كان هو مجموع الأمة أو مجموع البشرية. والأمة في النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله؛ ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته. إنما مصدر الحاكمية هو الله. وكثيرون حتى من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة. فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه الله وحده. والناس إنما يزاولون تطبيق ما شرعه الله بسلطانه، أما ما لم يشرعه الله فلا سلطان له ولا شرعية، وما أنزل الله به من سلطان.. ويوسف عليه السلام يعلل القول بأن الحكم لله وحده. فيقول: {أمر ألا تعبدوا إلا إياه}. ولا نفهم هذا التعليل كما كان يفهمه الرجل العربي إلا حين ندرك معنى {العبادة} التي يخص بها الله وحده.. إن معنى عبد في اللغة: دان، وخضع، وذل.. ولم يكن معناه في الإصطلاح الإسلامي في أول الأمر أداء الشعائر.. إنما كان هو معناه اللغوي نفسه.. فعندما نزل هذا النص أول مرة لم يكن شيء من الشعائر قد فرض حتى ينطلق اللفظ إليه. إنما كان المقصود هو معناه اللغوي الذي صار هو معناه الاصطلاحي. كان المقصود به هو الدينونة لله وحده، والخضوع له وحده، واتباع أمره وحده. سواء تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية، أو تعلق بتوجيه أخلاقي، أو تعلق بشريعة قانونية. فالدينونة لله وحده في هذا كله هي مدلول العبادة التي خص الله سبحانه بها نفسه؛ ولم يجعلها لأحد من خلقه.. وحين نفهم معنى العبادة على هذا النحو نفهم لماذا جعل يوسف عليه السلام اختصاص الله بالعبادة تعليلاً لاختصاصه بالحكم. فالعبادة أي الدينونة لا تقوم إذا كان الحكم لغيره.. وسواء في هذا حكمه القدري القهري في حياة الناس وفي نظام الوجود، وحكمه الشرعي الإرادي في حياة الناس خاصة. فكله حكم تتحقق به الدينونة. ومرة أخرى نجد أن منازعة الله الحكم تخرج المنازع من دين الله حكماً معلوماً من الدين بالضرورة لأنها تخرجه من عبادة الله وحده.. وهذا هو الشرك الذي يخرج أصحابه من دين الله قطعاً. وكذلك الذين يقرون المنازع على ادعائه، ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه سلطان الله وخصائصه.. فكلهم سواء في ميزان الله. ويقرر يوسف عليه السلام أن اختصاص الله سبحانه بالحكم تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة هو وحده الدين القيم: {ذلك الدين القيم}.. وهو تعبير يفيد القصر. فلا دين قيماً سوى هذا الدين، الذي يتحقق فيه اختصاص الله بالحكم، تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة. {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.. وكونهم {لا يعلمون} لا يجعلهم على دين الله القيم. فالذي لا يعلم شيئاً لا يملك الاعتقاد فيه ولا تحقيقه.. فإذا وجد ناس لا يعلمون حقيقة الدين، لم يعد من الممكن عقلاً وواقعاً وصفهم بأنهم على هذا الدين! ولم يقم جهلهم عذراً لهم يسبغ عليهم صفة الإسلام. ذلك أن الجهل مانع للصفة ابتداء. فاعتقاد شيء فرع عن العلم به.. وهذا منطق العقل والواقع.. بل منطق البداهة الواضح. لقد رسم يوسف عليه السلام بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم هذا الدين، وكل مقومات هذه العقيدة؛ كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً.. إن الطاغوت لا يقوم في الأرض إلا مدعياً أخص خصائص الألوهية، وهو الربوبية. أي حق تعبيد الناس لأمره وشرعه، ودينونتهم لفكره وقانونه. وهو إذ يزاول هذا في عالم الواقع يدعيه- ولو لم يقله بلسانه- فالعمل دليل أقوى من القول. إن الطاغوت لا يقوم إلا في غيبة الدين القيم والعقيدة الخالصة عن قلوب الناس. فما يمكن أن يقوم وقد استقر في اعتقاد الناس فعلاً أن الحكم لله وحده، لأن العبادة لا تكون إلا لله وحده، والخضوع للحكم عبادة. بل هي مدلول العبادة. وإلى هنا يبلغ يوسف أقصى الغاية من الدرس الذي ألقاه، مرتبطاً في مطلعه بالأمر الذي يشغل بال صاحبيه في السجن. ومن ثم فهو يؤول لهما الرؤيا في نهاية الدرس، ليزيدهما ثقة في قوله كله وتعلقاً به: {يا صاحبي السجن، أما أحدكما فيسقي ربه خمراً، وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه}.. ولم يعين من هو صاحب البشرى ومن هو صاحب المصير السيئ تلطفاً وتحرجاً من المواجهة بالشر والسوء. ولكنه أكد لهما الأمر واثقاً من العلم الذي وهبه الله له: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان}.. وانتهى فهو كائن كما قضاه الله. وأحب يوسف السجين البريء، الذي أمر الملك بسجنه دون تحر ودون بحث، إلا ما نقله إليه بعض حاشية من وشاية لعلهم صوروا له فيها حادث امرأة العزيز وحادث النسوة تصويراً مقلوباً، كما يقع عادة في مثل هذه الأوساط.. أحب يوسف أن يبلغ أمره إلى الملك ليفحص عن الأمر: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما: اذكرني عند ربك}.. اذكر حالي ووضعي وحقيقتي عند سيدك وحاكمك الذي تدين وتخضع لحكمه، فهو بهذا ربك. فالرب هو السيد والحاكم والقاهر والمشرع.. وفي هذا توكيد لمعنى الربوبية في المصطلح الإسلامي. ومما يلاحظ أن ملوك الرعاة لم يكونوا يدعون الربوبية قولاً كالفراعنة، ولم يكونوا ينتسبون إلى الإله أو الآلهة كالفراعنة. ولم يكن لهم من مظاهر الربوبية إلا الحاكمية وهي نص في معنى الربوبية. وهنا يسقط السياق أن التأويل قد تحقق، وأن الأمر قد قضي على ما أوله يوسف. ويترك هنا فجوة، نعرف منها أن هذا كله قد كان. ولكن الذي ظن يوسف أنه ناج فنجا فعلاً لم ينفذ الوصية، ذلك أنه نسي الدرس الذي لقنه له يوسف، ونسي ذكر ربه في زحمة حياة القصر وملهياتها وقد عاد إليها، فنسي يوسف وأمره كله.. {فأنساه الشيطان ذكر ربه}.. {فلبث في السجن بضع سنين}.. والضمير الأخير في لبث عائد على يوسف. وقد شاء ربه أن يعلمه كيف يقطع الأسباب كلها ويستمسك بسببه وحده، فلم يجعل قضاء حاجته على يد عبد ولا سبب يرتبط بعبد. وكان هذا من اصطفائه وإكرامه. إن عباد الله المخلصين ينبغي أن يخلصوا له سبحانه، وأن يدعوا له وحده قيادهم، ويدعوا له سبحانه تنقيل خطاهم. وحين يعجزون بضعفهم البشري في أول الأمر عن اختيار هذا السلوك، يتفضل الله سبحانه فيقهرهم عليه حتى يعرفوه ويتذوقوه ويلتزموه بعد ذلك طاعة ورضى وحباً وشوقاً.. فيتم عليهم فضله بهذا كله.. http://www.al-eman.com/%D8%A7%D9%84%...true&sctrue&p1 (يتبع) |
لعلني أعود لأفصل في أمر (تكفير المجتمع) الذي تسرب الى خواطر الشهيد سيد قطب رحمه الله (بعد حين)...
مودتي |
لعل أحكم وأوجز وأضبط ما قيل في أمر (التكفير) الذي شاب كتاب (في ظلال القرآن) هو ما قاله الشيخ يوسف القرضاوي أطال الله عمره...
ذكر ذلك خلال احدى حلقات برنامج الشريعة والحياة في قناة الجزيرة الفضائية: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا، وأسوتنا، وحبيبنا، ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبعه هداه، وبعد... لا شك أن الشهيد سيد قطب ـ رحمه الله ـ كان رجلاً قرآنيًا، وكان له مع القرآن وقفات قبل تفسير الظلال، وله كتابان معروفان في هذا الأمر: "التصوير الفني في القرآن"، و"مشاهد القيامة في القرآن" ومن يقرأ هذين الكتابين يعرف أن سيد قطب أديب، وناقد، كما أن له شعرا معروفا، إذ كان يعتبر من الشعراء الوجدانيين، حتى ضمه الدكتور محمد مندور إلى جماعة أبوللو، وله كتاب متميز في أصول النقد الأدبي.. كل هذا جعله حين يقبل على الوقوف مع القرآن في الظلال، يقبل عليه وهو مزود بسلاح ليس موجودًا عند غيره، وظهر هذا في تأثير الظلال الأدبي والنفسي والبياني، على من يقرأه. لكن كل عمل بشري لابد أن توجد فيه هنة من الهناة، والذي يؤخذ على هذا التفسير، رغم ما فيه من فوائد، وأنا ممن ينتفعوا بهذا التفسير ويرجع له ما بين الحين والحين، أن الشهيد سيد قطب كتب معظمه وهو في السجن، وحين كان الشيوعيون، والماركسيون، والعلمانيون، واللادينيون، متربعين على عرش وزارة الإعلام، ووزارة الثقافة والإرشاد في ذلك الوقت، وهذه الأشياء أثرت في الموقف الفكري لسيد قطب، لذلك تجد الكتاب ينضح بفكرة تكفير المجتمع، وأنا أسف أن أقول هذا، لولا أن الأمانة اقتضتني أن أقوله، وأنا ذكرت هذا في مذكراتي "ابن القرية والكتاب"، واضطررت أن أذكر هذا برغم والله حبي وإعزازي وتقديري وإعظامي لسيد قطب ولموقفه حين قدم رقبته فداءً لدعوته ولم يتزحزح ولم يتململ ولم يتملق ولم يغير موقفه أبدًا. هذا موقف بطولة، انتهى به إلى موقف الشهادة في سبيل الله، ولكن الحق أحق أن يتبع ولا مجاملة في الحق، فمن يقرأ الظلال عليه أن يحترس من هذا النوع من الفكر، فقد يؤثر على الإنسان تأثيرًا مباشرًا، وقد ينضح عليه نضحًا غير مباشر، وكل واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا محمد صلى الله عليه وسلم. ** لكن فضيلة الشيخ أليس كل التفاسير لها وعليها، يعني مثلاً القرطبي أليس له وعليه في "أحكام القرآن". نعم هناك أخطاء جزئية لكل مفسر، ولكن الخطأ في الظلال هو في الاتجاه حيث إنه محمل بفكرة كلية حول المسلمين الحاليين وأنهم كفار لا مسلمين. ** حتى في الطبعات التي نقحت فيما بعد؟ الطبعات التي نقحت فيما بعد هي التي تحمل هذا، أما الطبعات الأولى لم يكن فيها ذلك، وأنا عندي الطبعة الأولى التي طبعها الحلبي، وتتضمن الأجزاء الأولى من القرآن، وليس فيها أي شيء، إنما بعد ذلك ما أظن أحدًا طبع الكتاب وحذف منها شيئًا. وبشكل عام الظلال يجمع ما بين كونه كتاب تفسير وكتاب دعوة وكتاب سيرة نبوية وكتاب حركة وكتاب ثورة، بمعنى أنه يدعو إلى النفس الثورية، التي ترفض الباطل وتقاوم الضلال وتغرس حب التضحية في سبيل الله، والكتاب ثورة عظيمة من غير شك، وأدعو الله أن يغفر له وأن يأجره أجر المجتهدين إذا أخطأوا. http://www.qaradawi.net/2010-02-23-0...---q-q---.html |
وبقي كتاب (في ظلال القرآن) في خاطري كزهرة ندية عطرة تحط عليها نحلة مشرعة شوكتها لكل الناس!
فتبعّضَت حواسي واستبدت بها الفوضى... ما ان انكَبُّ على الكتاب الاّ وأجد فيه من الأدب والعلم والسياق البديع ما يروي ظمئي ويشبع نهمي... ولكن ما ان اصل الى تفسير الآيات التي تتصل بحراك حياة المجتمع الاّ وتتبدى لي صورة الشهيد سيد قطب الناقم على (أهل الحكم) اذ ذاك لعمري هو ما أطره اطرا الى الاندفاع في طريق التكفير المظلم والملطخة جنباته بالدماء! ... وانقطع طارق عن الناس... اذ علمتُ بأنه قد انتقل للسكنى خارج الحرم الجامعي... وبدأ الزملاء يتناقلون عنه أمر تكفيره للمجتمع! التقيته عديد مرات في صحن الحرم المكي وبيده ذات كتاب الظلال فما ان يراني الاّ وينأى عن طريقي كي لا أحادثه! وخلال عطلة لمدة شهر ابتدأت من نصف رمضان الى مابعد العيد علمت بأن طارق قد سافر للجهاد... (يتبع) |
|
كنت أحسب أن (طارق) قد توجه الى فلسطين مجاهدا استصحابا لمحورية القضية الفلسطينية في فكره ووجدانه خلال سني صفائه وتصالحه مع ذاته زملائه...
لكني علمت من خلال الزملاء بأنه قد توجه الى العراق ضمن آخرين كُثُر شاركوا في حرب الخليج الأولى خلال الثمانينات من القرن الماضي... ومضى شهر رمضان بكامله ثم أنقضى عيدالفطر الى أن عاودَت الدراسة في الجامعة حراكها ...ولم يعد طارق!... وانصرم شهر آخر يتبعه شهران الى أن بدت بشائر عيدالأضحى تهل على الناس ولم يعد طارق! فما كان من مدير وادارة مركز أبحاث الحج الاّ وشرعوا يسائلوني عنه ويلحّون في السؤال أملا في معرفة عنوان له فكنت أجيبهم بأني لا أدري عنه شيئا... وطارق بما قدّم من أفكار وحلول للعديد من الاشكالات قد أصبح من الكوادر المهمة والدائمة بين منسوبي مركز أبحاث الحج... وأتى عيد الأضحى وقد نأيت بنفسي عن المشاركة في العمل بالمركز ذاك العام لانشغالي بمرافقة زوجي بين يدي أول حجة لها (حجة الفرض)... وقد كنا (نُعَدُّ من أهل مكة) لكوننا طلبة في جامعة أم القرى حيث قمنا بالاحرام من بيوتنا دون الحوجة الى الخروج الى أحد مواقيت الاحرام المعلومة خارج مكة ثم انّا-بحسباننا من أهل مكة-لسنا مطالبين بالمبيت بمنى ايام التشريق الثلاثة حيث عدنا الى شقتنا داخل مكة وكنا نذهب لرمي الجمار كل يوم راجلين... ما ان أنهيت رمي جمار اليوم الثاني من ايام التشريق الاّ والتقاني زميلي عزالدين الذي فاجأني بخبر وجود (طارق) في مستشفى الزاهر بمكة المكرمة وقد عاد (مبتور الساعد الايمن) من حرب العراق وايران! فانطلقنا لزيارته في المستشفى... (يتبع) |
|
كان اللقاء مؤثرا...
لقد تغيرت (سحنة) طارق كثيرا ونأت عنه وضاءة كانت تتبدى من محياه حين يلقاك! التقت نظراته بنا فتهلل وجهه وبدا البِشْرُ عليه فجلسنا الى جوار (سريره) نباسطه ونسائله... نظرت الى المنضدة بجواره فاذا بالجزء الثاني من كتاب الظلال... ما أن رآني أرمق الكتاب الاّ قال لي: -لديّ الكثير لأناقشه معك عن هذا الكتاب ياعادل! فقلت له لا بأس...أني لأحرص منك على اللقيا والتواصل ياطارق... اذ لست ممن ينسَ العُشرة والصداقة ياأخي... طلب مني طارق بأن أذهب بتقرير طبي من المستشفى الى ادارة كُلِّيّتِه في الجامعة أملا في اعذاره عن مدة غيابه التي طالت لأكثر من ثلاثة أشهر... وعندما أنبأته بسؤال مدير وادارة مركز أبحاث الحج هز رأسه قائلا: -لا أرغب في أن أتحدث الى شخص آخر! وأُّذنَ لصلاة المغرب فنهض يتهيأ للصلاة وانصرفنا نحن... (يتبع) |
الأحباش.. التكفيريون الجدُد
وائل البتيري رغم التجاذب الكثير لمصطلح (التكفير) - حيث أصبح يشبه تماماً مصطلح (الإرهاب) - إلا أنك لا تتردّد - وأنت تجالس أحد أفراد فِرقة (الأحباش) - من أن تضربَ بهم أجلى مثال على معنى هذا المصطلح، فتكفير المسلمين المخالفين لاعتقاداتهم أمرٌ واجبٌ عندهم، وكتمانه من كتمان العلم والحق. ولا شكّ أنها ظاهرة خطيرة ينبغي أن يتداعى أهل العلم والاختصاص لمعالجتها والوقوف في وجهها بحزم؛ ذلكم أن مجموعة من الشباب المراهق المغامر الذي تخرّج من مدرسة فرقة (الأحباش الهرريّون) - نسبةً إلى شيخهم عبدالله الهرري - جعلوا أنفسهم أوصياء على جنة الله وناره، يُدخلون الجنةَ من وافقهم في اعتقادهم، ويُدخلون النار من خالفهم فيه، وهو - أي هذا الاعتقاد - اختلف فيه العلماء اختلافاً كثيراً، وأُلِّفَت فيه الكتب العِظام، وكلٌّ من العلماء أدلى فيه برأيه واجتهاده، والعالم المجتهد إذا بذل جهدَهُ في المسائل العملية أو الخبرية؛ مأجورٌ، سواءٌ وافق الصواب أم لم يوفَّقْ إليه، ما دام اجتهاده قائماً على نصوص الشرع الحكيم والقواعد الأصولية واللغوية المعروفة. والمقلّد في هذه المسائل الدقيقة إنّما هو جاهلٌ بإجماع العلماء، والجاهلُ لا يَقدرُ على أكثرَ من تقليد العالم المجتهد، و(لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها). قال ابن تيمية رحمه الله في «مجموع الفتاوى» (3/229): «وإني أقرّر أن الله غفرَ لهذه الأمة خطأها، وذلك يعمّ الخطأ في المسائل الخبريّة القوليّة، والمسائل العملية». ويقول - رحمه الله - في «مجموع الفتاوى» (3/179): «وليس كلّ مَن خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكاً، فإنّ المنازعَ قد يكون مجتهداً مخطئاً يغفر الله خطأَه، وقد لا يكون بَلَغَهُ في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجّة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيّئاته، وما زالَ السَّلفُ يتنازعونَ في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحدٌ منهم على أحد لا بكُفر ولا بفسق ولا معصية». وهذا لا يستلزم منعَ بيان الصواب من الخطأ، بأدب العلم، وحِلم العالِم، من غير تكفيرٍ للمخطئين؛ طالما أنهم علماء مجتهدون، صادقون في اجتهادهم، متجرّدون في طلب الحقّ، لا يسوقهم إلى آرائهم الهوى والتعصّب، أو عامةٌ مقلّدون لهؤلاء العلماء، لا يتشدّقون بمسائل العلم التي لا يتقنونها، فرحمَ الله امرءاً عرف قدرَ نفسه. أقول هذا بعدما جمعني مجلس مع أحد هؤلاء المنتسبين إلى فِرقة (الأحباش) أمام جمع من المتعطّشين لسماع كلمة تقرّبهم إلى الله جل وعلا - من سكّان عمّان الغربية -، ولكنّه في هذا المجلس جاء لـ (يشنّف) آذانهم بتكفيرهم وتضليلهم لأنهم يخالفون اعتقاده، ويعتقدون أمراً يعتقده جمع من جهابذة العلماء، طالباً منهم أن ينطقوا بالشهادتين ليدخلوا في (إسلامه العظيم).. قال له أصغرهم سنّاً: أنا لا أعتقد بما تقول ! فقال له: أنت كافر. قال: وأبي لا يعتقد بهذا ! قال: وأبوك أيضاً كافر. وأما علماء الأمة ودعاتها - المخالفون لهم في اعتقادهم - فمن الطبيعي عندهم - من باب أَولى - أنهم كفّار من أهل النار. فالإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم ومن سار على نهجهم؛ كفّارٌ خارجون من الإسلام. ومَن يسمّونهم (الوهابيّةَ) - نسبةً للشيخ محمد بن عبدالوهاب - هم كفّار عندهم - علماءَ وعامة -؛ فلا تسَلْ - إذاً - عن تكفيرهم لابن باز وابن عثيمين والألباني رحمهم الله. ومَن وافق (الوهابية) من الجماعات الأخرى فهو كافرٌ مثلهم، فسيّد قطب - على سبيل المثال - كافرٌ عندهم، والشيخ الدكتور عمر الأشقر كذلك، ولم يسلَمْ من تكفيرهم - أيضاً - الداعية عمرو خالد !! (الأحباش) هؤلاء؛ يوجّهون سهام دعوتهم إلى المناطق الراقية والنائية، حيث الجفاف الروحي المتعطّش لماء الإيمان، والخواء العلمي التوّاق إلى نور العلم الشرعي المبارك، وحيث الدعم المالي الكبير الذي يحصّلونه من قاطني المناطق الراقية، ليستعينوا به على نشر أفكارهم في المناطق الفقيرة النائية.. لقد عرفَ هؤلاء من أين تؤكل الكتف، ولَمّا انشغل أكثر الدعاة بالسياسة والدنيا والخلافات الجزئية عن الدعوة إلى الله عز وجل؛ خَلَت الساحة لمثل هؤلاء الذين ينهشون لحوم الأمة وعلمائها بأنياب التكفير الحاقدة. حقّاً.. يا ضيعة الدعوة لَمّا تصدّى لها هؤلاء التكفيريّون الجدُد، وانشغلَ أهلها المنصفون ببنيّات الطريق وسفاسف الأمور. يا ضيعة الدعوة حينما يمارسها أغرارٌ حاقدون على علماء الإسلام، يكفّرون مَن يدعونهم، ثم يطالبونهم بالدخول في الإسلام من جديد.. وأهل الدعوة الحقيقون بها في سُباتهم نائمون، لا يستيقظون من نومهم إلا إذا مُسَّت أشخاصهم بسوء، وطالت أعراضهم ألسنة التكفير والتضليل.. ثمّ لا يلبثُ أن يقتحم أعينهم النُعاس مرةً أخرى، فيدخلون في جولة جديدة من النوم الطويل !! أمام هذا الواقع الأليم؛ لا يملك الغيورون على إسلامهم وأمّتهم، إلا أن يطلقوا صيحة نذير وتحذير، إلى علماء الأمة والمقدَّمين فيها، وإلى الدعاة إلى الله على مختلف الأصعدة.. يستنهضونهم ويحثّونهم على فعل شيء.. أيّ شيء، تجاه هذا الخطر العظيم، فالأحباش (التكفيريّون الجدُد) قادمون.. والتكفير سيَطال الجميع.. فهل من مدّكر؟! http://www.muslm.org/vb/showthread.p...84%D9%84%D9%87 |
ما ان تماثل (طارق) للشفاء الاّ ودعوته الى بيتي لتناول العَشاء ومن ثمّ الحديث...
فاشترط عليّ بأن لا أدعو أحدا آخر معه ...فاستجبت لذلك على مضض! جلس طارق وبيده كتاب الظلال... والعهد به لا يفوّتَ دقيقة من وقته الاّ وبيده ما يقرأه... بادرته قائلا: -يااخي أولا الحمدلله على السلامة ... وكي الَطِّفَ الأجواء أضفت...والجاتك في ايدك سامحتك...:) أطرق طارق ولم يجب... فسألته: -انتا ياطارق في المكان الكنت فيهو دا مالقيت فرصة علاج لي يدك دي أقلاها كان اتفاديت مسألة البتر دي؟ فاجابني مقاطعا: -رجاء ياأخ عادل أنا لا أود الخوض في هذه التفاصيل... لقد جئتك كي أبرئ ذمتي فيك أمام الله! الحق أقول لقد استبدّت بي الدهشة فالرجل قد تدلت تعابير وجهه فجأة ...وواصل: -عادل أنت أخ وصديق عزيز وأنا والله شهيد على ما أقول أحب لك خير في الدنيا والآخرة... ثم صمت قليلا وواصل: -ياأخ عادل نحن لم نُخلق الاّ لعبادة الله اليس كذلك؟ فأجبته بأن نعم... -طيب...والله الذي تجب علينا عبادته يأمرنا بأن يكون لنا منهج نتبعه ونقايس عليه حراك حياتنا أليس كذلك؟ فأجبته بأن نعم ...ولكن ماهو هذا المنهج؟ وهنا اعتدل في جلسته وبدأ يتحدث لي عن أن المجتمع الحالي كافر كما يقول الله في قرآنه ويقول رسولنا صلوات الله وسلامه عليه وشرع يبين لي الآيات والأحاديث التي يحسَبُها تقول ذلك... صمتُّ حتى أكمل كل حديثه فقلت له: -ياأخ طارق ألم يكن هناك بعض خلاف بين صحابة رسول الله في تفسير بعض الآيات؟ فقال نعم ولكنها اختلافات طفيفة لا ينبني عليها حكم فكري الاّ في مسائل شعائرية صغيرة... فقلت له لا ياأخي هناك اختلافات وآراء في أمور مثل الغناء والموسيقى تترتب عليها أحكام وضوابط لحراك الناس ياأخي... وهناك أمر الردة وأنت تعلم ذلك... فما كان منه الاّ أن قاطعني وقد بدأ صوته يعلو قليلا: -ياعادل هذه أشياء كنا نقنع أنفسنا بها سويا من قبل ولم أكن حينها قد تثبتُّ منها...فقلت له مقاطعا: -شوف ياأخ طارق بالنسبة لي فأنا لم أزل مقتنع بتلك الآراء وقد قرأت كل الأدلة التي تسند رؤيتي وانا مقتنع بيها قناعة تامة... فما لبث أن وقف وقال: ان كان هذا رأيك فأني لا أقول فيك الاّ ما أمرني ربي بأن أقوله لك وهو أنك كافر ياعادل! وخرج طارق دون أن يستجيب لرجائي بالبقاء قليلا للاتيان بالعَشاء! (يتبع) |
| الساعة الآن 05:06 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.