المؤتمر الخامس للحزب الشيوعى السودانى:(نشرة عن سير التحضيرات)
المؤتمر الخامس
نشرة غير دورية تعنى بأخبار سير التحضير للمؤتمر الخامس تصدرها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني الثمن 1000 جنيه العدد الأول: مايو 2006 - الثمن 100 دينار في هذا العدد: 1- أخبار اللجان: أ- لجنة البرنامج. ب- لجنة الدستور. ج- لجنة تسيير المناقشة العامة. د- لجنة حصر وفحص الكادر. ه- تقرير اللجنة المركزية. 2- حصيلة التحضير للمؤتمر الخامس في الفترة: 1985 – 1989. 3- بند المؤتمر في دستور الحزب 1967. الهدف من هذه النشرة: هو تمليك أعضاء الحزب والرأي العام المحلي والعالمي الحقائق حول سير التحضير للمؤتمر الخامس. ومعلوم أنه منذ اجتماع الكادر التداولي في أغسطس 1970 تقرر عقد المؤتمر الخامس وحددت اللجنة المركزية أجندته وأصدر الشهيد عبد الخالق محجوب مساهمة حول البرنامج من معتقله في الشجرة. ولكن جاءت أحداث يوليو 1971 لتعطل عقد المؤتمر. وبعد انتفاضة مارس/ ابريل 1985 قررت اللجنة المركزية في دورة أكتوبر 1985 بدء التحضير للمؤتمر الخامس. وفي هذا العدد سيجد القارئ حصيلة ما تم في ذلك الجهد الذي انقطع بانقلاب 30 يونيو 1989. وعلى إثر الزلزال الذي حدث في أوائل التسعينات من القرن الماضي بانهيار النماذج الإشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوروبا، إضافة إلى المتغيرات العالمية والمحلية، فتحت اللجنة المركزية مناقشة عامة في أغسطس 1990. ثم جاءت دورة اللجنة المركزية في ديسمبر 1997 لتحدد إطار المناقشة العامة ومحاورها، وكونت لجاناً لمواصلة التحضير للمؤتمر الخامس هي: 1- لجنة إعداد مشروع الدستور. 2- لجنة إعداد مشروع البرنامج. 3- لجنة تسيير المناقشة العامة والتي ستعد في النهاية تلخيصاً ختامياً للمناقشة العامة. 4- لجنة حصر وفحص الكادر والعضوية. وسيجد القارئ في هذا العدد تلخيصاً لما توصلت إليه تلك اللجان، إضافة لما تم في تقرير اللجنة المركزية الذي يغطي الفترة بين المؤتمرين. وفي الأعداد القادمة من النشرة سنغطي أخبار مؤتمرات المناطق وحصر عضويتها وانتخابات مناديبها للمؤتمر، وكذلك مؤتمرات التنظيمات الديمقراطية وسط الطلاب والعمال والمزارعين والمهنيين والموظفين ... الخ، وكل الفعاليات المصاحبة لعقد المؤتمر الخامس. وأخيراً، نشير إلى أن نجاح النشرة واستمراراها رهين بالأخبار الدقيقة التي تصل من المناطق ولجان التحضير للمؤتمر. 9/2/2006 هيئة التحرير لجنة البرنامج فرغت اللجنة من الملامح الأساسية لفصول البرنامج وبلورت ما توصل إليه في عدد من الدراسات تشمل: 1- الحالة الاقتصادية. 2- الإصلاح الزراعي. 3- الثروة الحيوانية. 4- قضايا التعليم. 5- قضايا المرأة. 6- البيئة. 7- الديمقراطية. 8- العولمة والثورة العلمية. 9- الدين والسياسة. وعلى ضوء هذه الدراسات أنجزت اللجنة صياغة أولية للبرنامج، وتعكف الآن على إعداد المقدمة التي ستعالج الظروف المحلية والعالمية التي يصاغ فيها برنامجنا وأبرزها انهيار التجربة الاشتراكية. وبعد اكتمال الصياغة النهائية للبرنامج ومقدمته سيتم رفع المشروع للجنة المركزية. كذلك قامت اللجنة بتسليم الدراسات للجهات المختصة حيث سيتم نشرها في صفحة الحزب الإلكترونية. لجنة الدستور أنهت لجنة الدستور إعادة صياغة مشروع الدستور المقترح المقدم للمؤتمر الخامس بعد إدخال التعديلات والمقترحات التي شملتها مناقشات الهيئات والفروع والزملاء. وقد مر المشروع المقترح بعدة خطوات نجملها في الآتي: 1- إصدار " المدخل لتجديد اللائحة " والذي اشتمل على المبادئ والأسس التي توجه عملية تجديد وتطوير لائحة الحزب. وقد ساهمت في المناقشة وتقديم المقترحات أعداد واسعة من الزملاء والديمقراطيين وأصدقاء الحزب. 2- صاغت اللجنة مسودة المشروع، وبعد المناقشة والتداول حوله مع سكرتارية اللجنة المركزية، تم تقديم المشروع في صيغته الأولية للجنة المركزية التي ناقشته في اجتماعها بتاريخ مارس 2001. 3- على ضوء مناقشات وموجهات اللجنة المركزية تم إعادة صياغة المشروع، ومن ثم قدم في صياغته الثانية للجنة المركزية في اجتماعها بتاريخ 1/8/2003 حيث أجاز الاجتماع المشروع الذي وزع لعضوية الحزب في أكتوبر 2003. 4- مجموع المناقشات والآراء التي ساهمت بها العضوية والفروع تم تلخيصها واستخلاص المقترحات المضمنة فيها، كما تم نشرها في مجلة " الشيوعي " لدفع وإثراء المناقشة العامة. 5- أعدت اللجنة تقريرها الختامي وكذلك ملخص المناقشات والمقترحات لتقدم للمؤتمر ضمن وثائق مشروع الدستور المقترح. 6- الآن، مسودة " مشروع دستور الحزب " المقدم للمؤتمر الخامس، إضافة إلى ملخص المناقشات حوله، وكذلك التقرير الختامي للجنة ...، كل هذه الوثائق على منضدة اللجنة المركزية. لجنة تسيير المناقشة العامة أنجزت اللجنة التلخيص الختامي للمناقشة العامة ورفعته إلى سكرتارية اللجنة المركزية وتقرر طباعته وتوزيعه، حيث سيصدر في أربعة كتيبات هي الآن تحت الطبع، والكتيبات هي: الكتاب الأول: ويشتمل على محورين هما: 1- دروس انهيار التجربة الاشتراكية. 2- الماركسية ومستقبل الفكر الاشتراكي. الكتاب الثاني: ويضم المحور الثالث الخاص بالحزب. وهذا المحور يقع في جزئين أ و ب: الجزء الأول (أ): 1- ملخص الآراء والمقترحات حول البرنامج. 2- اللائحة، التنظيم، اسم الحزب. الجزء الثاني (ب): 1- النشاط السياسي الجماهيري. 2- 19 يوليو. الكتاب الثالث: ويشتمل على ملخص لعينة لما نشر في الصحف. الكتاب الرابع: ويشتمل على ملخص السمنارات التي عقدت. لجنة حصر وفحص الكادر: وزعت اللجنة أورنيك الفحص إلى كل لجان المناطق والمكاتب واللجنة المركزية ولجنة التنسيق بالخارج. وعلى ضوء حصيلة ما وصل من الهيئات، أنجزت اللجنة تقريراً أولياً حوى منهج الحزب وتجاربه حول قضية الكادر، ودراسة لتركيبة كل من اللجنة المركزية، المناطق (عدا مديرية الخرطوم التي لم تنجز الجزء الأكبر من الفحص)، المكاتب وفروع الخارج. ونوقش التقرير في اجتماع مشترك بين سكرتارية اللجنة المركزية ولجنة الكادر تم فيه استعراض ملاحظات سلم على التقرير، وتقرر إصدار خطاب داخلي لأعضاء الحزب ليكون مرشداً في عملية انتخاب عضوية المؤتمر العام للحزب وانتخاب الكادر المناسب للهيئات القائدة من اللجنة المركزية وحتى مكاتب الفروع، وللمساهمة والمشاركة في تحسين سياستنا في جبهة الكادر عموماً، إضافة لاستكمال الفحص بملاحظات الهيئات والمكاتب والفروع. عملية حصر وفحص العضوية والكادر لا زالت جارية، وحال فراغ اللجنة من مهمتها، ستقدم تقريرها النهائي إلى اللجنة المركزية. لجنة إعداد تقرير اللجنة المركزية: تم تكوين اللجنة وباشرت مهامها، لكنها لم تنجز مشروع التقرير حتى لحظة إعداد هذا العدد من النشرة. حصيلة التحضير للمؤتمر الخامس الفترة 1985 – 1989 ضربة البداية كانت صدور قرار من دورة اللجنة المركزية في أكتوبر 1985 ببدء التحضير للمؤتمر، ثم بعد ذلك واصلت دورات ل.م المتابعة حتى آخر دورة قبل انقلاب 30 يونيو والتي تمت في 13 أبريل 1989. كونت اللجنة المركزية لجاناً لإعداد: مشروع البرنامج، مشروع الدستور، حصر وفحص الكادر، تقييم 19 يوليو، تقييم الشق العسكري لانقلاب 19 يوليو، تقصي الحقائق والوقائع حول أحداث بيت الضيافة، ولجنة التحضير للعيد الأربعين للحزب. وحتى دورة اللجنة المركزية في 13 أبريل 1989، كانت حصيلة إنجازات تلك اللجان كالآتي: أ- تم انجاز الشق السياسي من تقييم 19 يوليو. ب- أنجزت لجنة حصر وفحص الكادر مهمتها وقدمت تقريرها ومقترحاتها لدورة اللجنة المركزية. ج- أنجزت لجنة اللائحة مهمتها وقدمت المشروع للسكرتارية المركزية لتقديمه لدورة ل.م. د- أنجزت اللجنة المكلفة بالتحضير للعيد الأربعين مهمتها. أما اللجان التي لم تنجز مهامها فهي: أ- لجنة البرنامج التي أنجزت الفصول الخاصة بالقضايا السياسية والنظرية والاقتصاد والثقافة، وباشرت الصياغة الختامية واعدة بتسليم المشروع خلال شهر، ولكن لم تف بوعدها. ب- لجنة تقييم الشق العسكري لانقلاب 19 يوليو. ج- لجنة تقصي الحقائق والوقائع حول أحداث بيت الضيافة. إضافة لذلك، تم تكوين لجنة مكلفة بالشئون الإدارية والفنية لعقد المؤتمر، وباشرت مهمتها بالتعاون مع مكتب الإدارة في عقد الدورات الموسعة للجنة المركزية، وعقد الاجتماع الموسع للكادر في دار الميدان والذي ناقش تقييماً أولياً لمعركة انتخابات العمال والموظفين، وكان ذلك الاجتماع بمثابة " بروفة " لعقد المؤتمر الخامس. ومن خلال التجربة بدأت اللجنة تتعرف على متطلبات عقد المؤتمر من حيث: اختيار المقر المناسب وتأمينه وحمايته، استقبال مندوبي المناطق، توفير الخدمات الضرورية، وسائل الترحيل وتوقيت الحركة، وسائط التسجيل، الضبط والدقة في التعامل مع المواعيد والزمن...الخ. كما استعرضت دورة ل.م في 13 أبريل 1989 الوضع في المناطق وتقرير منطقتين أساسيتين هما الخرطوم وبورتسودان كخطوة للتعرف على الوضع التنظيمي في الحزب، ولكيما يشمل التقرير المقدم للمؤتمر حقيقة الوضع التنظيمي في الحزب استناداً إلى تلك التقارير. أيضاً بذلت جهود أخرى عديدة في سياق التحضير للمؤتمر الخامس، منها: - تم عقد مؤتمر اتحاد الشباب السوداني. - أنجز مكتب الجامعات والمعاهد العليا وثيقة " الحزب الشيوعي والحركة الطلابية " والتي لخصت تجربة الحزب في الحركة الطلابية في الفترة من 1967 إلى 1988. - تم عقد المؤتمر العام للجبهة الديمقراطية للطلاب السودانيين عام 1988. - على ضوء المناقشة حول تطوير عمل الحزب وسط النساء، أصدرت سكرتارية اللجنة المركزية وثيقة " ظروف مواتية لتطوير عمل الحزب وسط النساء " وجرت مناقشتها في اجتماع موسع للكادر النسائي وفي حلقات للمناقشة في المناطق، وقامت مجلة " الشيوعي " بنشر المناقشات تباعاً. - في مضمار التعليم الحزبي، صدر العدد الخاص من المنظم بمناسبة العيد الأربعين الذي لخص تجارب التعليم الحزبي بعد الانتفاضة وبعد صدور الكورس الموحد للمرشحين وانتظام مدارس المعلمين الحزبيين ومدارس الكادر في الداخل والخارج. - أنجز د. محمد سعيد القدال الدراسة حول الحزب الشيوعي وانقلاب 25 مايو 1969 وتمت مناقشتها في اجتماع للسكرتارية حيث تقرر إعادة صياغتها على ضوء تلك المناقشات. - أنجز التجاني الطيب دراسة عن انقسام 1970. - في دورة مايو 1986 صدر تقييم اللجنة المركزية لمعركة انتخابات 1986. - جرت حملات لإصلاح الوضع في المناطق ومديرية الخرطوم وفي مواقع الطبقة العاملة، الطلاب، المعلمين...الخ وذلك باعتبارها مجالات تركيز. وقد عقدت بعض المناطق اجتماعاتها الموسعة وانتخبت لجان مناطقها، كما أنجزت مديرية الخرطوم تقريرها العام وأعدت وثائقها الأخرى تمهيداً لعقد مؤتمر المديرية الذي بدأ التحضير له. ومن ناحية أخرى أنجز مركز الحزب عدداً من الطوافات على المناطق، كما تولت مجلة " المنظم " تلخيص تجارب المناطق والفروع. - تم إعادة طباعة وثيقة المؤتمر الرابع " الماركسية وقضايا الثورة السودانية " في إطار الاحتفال بالعيد الأربعين للحزب، ولتعريف الأجيال الجديدة بها. - أنجزت منطقة الجزيرة السمنار المتخصص حول الإصلاح الزراعي في مشروع الجزيرة، وتم نشر وثائقه. - ثم تم الشروع في إعداد التقرير السياسي العام الذي يغطي الفترة بين المؤتمرين. تلك باختصار حصيلة الجهود التي بذلت والتي كانت تصب في مجرى التحضير للمؤتمر الخامس والذي قطع سير التحضير له انقلاب الجبهة الإسلامية في يونيو 1989. ولمن يرغب في معرفة المزيد من حصيلة تلك الجهود، يمكنه الرجوع إلى دورة ل.م أكتوبر 1985، ومقال " حصيلة التحضير للمؤتمر الخامس قبل انقلاب 30 يونيو 1989 " بقلم " عبد الرحمن " والمنشور في العدد 165 من مجلة الشيوعي. بند المؤتمر في دستور الحزب المجاز في المؤتمر الرابع، أكتوبر 1967 الصفحات 70 – 71 أ) مؤتمر الحزب هو أعلى سلطة في الحزب، وهو الذي يحدد سياسة الحزب وأهدافه العامة، ويجيز ويعدل برنامجه ودستوره وينتخب القيادة العامة. ب) يستمع المؤتمر إلى تقرير اللجنة المركزية عن دورتها المنصرمة ويناقشه ويحاسب اللجنة المركزية على أعمالها ويتخذ القرارات بشأنها، كما يستمع إلى ترشيحاتها لعضوية اللجنة المركزية الجديدة. ج) ينعقد المؤتمر العادي مرة كل عامين. د) أساس نسبة التمثيل في المؤتمر وطريقة اختيار أعضائه تحددها اللجنة المركزية. ه) النصاب القانوني للمؤتمر ثلثا أعضائه. و) تجاز القرارات في المؤتمر بالأغلبية العادية للحاضرين. ز) اللجنة المركزية هي التي تدعو المؤتمر للانعقاد وتشرف على التحضير له، ولها أن تعين لجنة تحضيرية له. ح) يجوز عقد المؤتمر في دورة غير عادية إذا رأت اللجنة المركزية ذلك، أو إذا طلبت ذلك منظمات حزبية تمثل ما لا يقل عن ثلثي أعضاء الحزب. ط) تعلن الدعوة للمؤتمر العادي وجدول الأعمال قبل شهرين على الأقل عن الموعد المحدد لانعقاده، وقبل شهر على الأقل للمؤتمر غير العادي. ي) أعضاء اللجنة المركزية هم أعضاء في المؤتمر بحكم مناصبهم. ك) يجوز للجنة المركزية الدعوة لمؤتمرات استشارية لمناقشة قضايا حزبية أو سياسية وفق الأسس التالية: 1- تحدد اللجنة المركزية عدد أعضاء المؤتمر الاستشاري وأسس اختيارهم. 2- توصيات وقرارات المؤتمر الاستشاري تصبح ملزمة بعد إقرارها بواسطة اللجنة المركزية.المصدر: الميدان |
خبر مفرح وجدير بالاهتمام ان يملك الحزب الحقائق ليس لاعضائه فقط وانما لكافة البشر
|
سلامات أم راشد,
بالطبع هى خطوة مهمة لإطلاع أصدقاء الحزب والديمقراطيين وعامة الشعب على مايدور فى أروقة الحزب,هناك الكثير م التغييرات المنتظرة ولكن يبقى المؤتمر الخامس هو نقطة تغيير جذريه خاصة أن الجميع (أعضاء حزب, أصدقاء وديمقراطيين ) قد طال إنتظارهم طويلآ للمؤتمر كى يحسم أو يساعد فى تقديم رؤية واضحة حول قضايا فكرية وتنظيميه وسياسية ملحة طال أمد التدوال حولها فى أروقة الحزب وقنواته وايضآ مع الأصدقاء والديمقراطيين, قضايا قد تشكل نقاط تحول كبير فى الحزب وتفتح الآفاق لإنفتاح ومشاركة إيجابية من الجميع, الباب مفتوح لمشاركة الجميع لإثراء الحوار , نقدآ وتقويمآ.. |
اقتباس:
|
صباح الخير ياطارقآ بالخير,
وستسعد أكثر ياصديقى بمستوى النقاش والحوار حول القضايا المطروحه وأظن أن النشرة بينت جانبآ من ذلك,الطريق نحو الديمقراطيه الحزبية الحره ونحو الإنفتاح بشكل كامل هو الهم الأساسى لقيادة وقواعد الحزب , ومعآ نحو حزب شيوعى مواكب ومتجدد |
الحزب الشيوعى وقضية الديمقراطيه (حول البرنامج) -دراسة فى إطار التحضير للمؤتمر الخامس.
(1) (1/1) إشكاليتان أساسيتان لازمتا الحزب الشيوعى السودانى ، منذ نشأته الأولى ، وعبر مسار تطوره اللاحق: الموقف من الدين والموقف من الديموقراطية. وكنا اعتبرنا فى ورقة سلفت أن (انتباهة) الحزب الشيوعى السودانى الباكرة لعلاقة الدين بقضايا الثورة والتغيير الاجتماعى تشكل إحدى أبرز وأخطر العلامات الفارقة ، المميزة ، والكاشفة ليس فقط عن زيف اتهام الشيوعيين السودانيين بالالحاد ، بل وعن وجود (بذرة) الاستعداد فى فكر الحزب نفسه لتنويع منهجياته ومصادره النظرية ، بإخضاعها للفحص المستمر فى ضوء حركة الواقع الحى ، وليس العكس ، والانفتاح ، بالتالى ، على منهجيات ومدارس ومصـادر معرفية متنوعة ، حداثية كانت أم تراثية ، وذلك على الرغم من: أ/ أن الماركسية اللينينية بقيت تمثل ، من زاوية المعاصرة ، أقوى منهجيات الحزب ، ومُعيناته النظرية ، لمجابهة أسئلة الحداثة الشاخصة فى أفق مشروعه الاشتراكى ، بوجه عام، وما اتصل منها بحقلى الاقتصاد وتحليل وتفسير الظاهرات والعلاقات الاجتماعية فى ضوء قوانين الدياليكتيك ، على وجه الخصوص ، ب/ أن (انتباهته) تلك نفسها لم تظهر ، عبر تاريخه ، وتتواتر ، إلا كما تظهر ، فقط ، وتتواتر (إشارات الفنار البعيد) ، مراكمة كمية لا تصحبها حركة دفع يؤبه لها ، رغم كونه ألزم نفسه بذلك ، بصورة تحويلية كيفية حاسمة منذ مؤتمره الرابع (أكتوبر 1967م) ، الأمر الذى يشكل تناقضاً رجحنا أن تكون له أسبابه (السودانية) الخاصة ، فدعونا ، من ثم ، للاهتمام بنبشها ودرسها ، مع التسليم بمرض (الجمود الستالينى) كسبب عام. (1/2) الإشكالية الأخرى موضوع هذه الورقة: (الموقف من الديموقراطية) لا تقل خطراً أو أهمية ، سوى أن الحزب تعاطى معها ، فى رأينا ، على العكس من الإشكالية الأولى ، بديناميكية أعلى ، وبقدرات أفضل ، رغم أن خطها البيانى ، طوال ما يربو على خمسين عاماً هى عمر الحزب ، سجل العديد من الصواعد والهوابط ups & downs التى تستوجب الإحاطة بخلفياتها وشروطها الفكرية والسياسية. ومن ثمَّ فإننا سنعمد إلى تناولها هنا فى سياق يهدف لتسليط أكبر قدر من الضوء على الحقائق الموضوعية ، من جهة ، ولاستنهاض أقوى عناصر التمرد على الانغلاق والجمود فى فكر وبرنامج الحزب نفسه ، من الجهة الأخرى. (1/3) على أنه يلزمنا ، ابتداءً ، تدقيق مفهوم الديموقراطية الليبرالية على الوجه الذى سيجرى استخدامه به فى هذه المقالة. فالأصل أن (الديموقراطية) و(الليبرالية) مفهومان نشئا بانفصال. الديموقراطية ، مفهوم تاريخى أقدم. وهى ، كلفظ ، مأخوذة من الأصل اليونانى demos ـ بمعنى (شعب) ، وkratos ـ بمعنى (حكم أو سلطة). أما كدلالة اصطلاحية فتنصب على شكل الحكم الذى يتسم ، فى جوهره ، بتوسيع دائرة الحريات والحقوق والمشـاركة والمساواة أمام القانون ، والذى ظل يمثل تطلعاً دائما بالنسبة للمجتمعات البشرية ، على امتداد تاريخها السياسى ، وعلى اختلاف محدداتها الزمانية والمكانية والعرقية والعقدية واللغوية والثقافية وغيرها ، منذ أقدم التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية ، عند الأسبرطيين أو عند البيزنطيين أو ، بخاصة ، عند الاغريق الذين يعود المفهوم ، بالجذر الغالب لاستخداماته ، إلى تلخيصاتهم الفلسفية (سقراط ـ أفلاطون ـ أرسطو) ، من جهة ، وإلى تطبيقاتهم الأثينية من الجهة الأخرى. وقد شهدت العصور القديمة تلك الأشكال الملموسة والمعروفة للديموقراطية التى كان مضمونها يتوقف على طابع نظامها الاجتماعى ، عبودياً كان أم اقطاعياً. أما (الليبرالية) فهى مأخوذة ، لغة ، من اللفظ اللاتينى liberalis ، فى معنى (حُر) من (الحرية). ويعود مفهومها بجذوره الفلسفية إلى مذاهب (جون لوك) والتنويريين الفرنسيين بخاصة ، وقد تبلور فى أوروبا القرنين السابع عشر والثامن عشر ، كبرنامج أيديولوجى للبرجوازية الصاعدة من رماد الاقطاع ، وكتعبير ثورى عن حاجتها الملحة اقتصاديا وسياسيا لتحطيم كافة الحواجز القائمة على طريقها فى طبيعة وقوانين وميكانيزمات النظام الاقطاعى المدعوم من الإكليروس الكنسى ، والذى لم يعد يناسب ، آنذاك ، مقتضيات حركة رأس المال والسلعة من حيث السرعة واليسر ، إلى جانب تكبيله لحرية اختيار المهن وانتقال الأيدى العاملة المطلوبة بإلحاح لتطور الصناعة ، حيث كانت القوانين السائدة تجبر الفلاحين الأقنان وأبنائهم على البقاء فى خدمة (أسيادهم) كأنصاف عبيد. وبما أن تلك الضرورات فى مستوى البنية التحتية للمجتمعinfrastructure كان لا بد لها من تحويلات كبرى تناسبها فى مستوى البنية الفوقية superstructure ، فقد قام المفكرون الليبراليون ، فيما بين نشؤ حركة الاصلاح الدينى ، الطور الأول من عصر (الحداثة) ، وبين اندلاع الثورة الفرنسية (1789م) ، بتدمير الأسس النظرية للنظام القديم الذى كانت (النبالة) فيه عنواناً لـ (الامتياز) ، كما كانت (الحقوق) هى المعادل الموضوعى لـ (حيازة الأرض) ، وبشروا ، نظرياً ، بمجتمع جديد يمثل مصدر الثروة فيه (رأس المال) القائم فى (الملكية الخاصة) ، و(حرية السوق) المستندة إلى (حرية المنافسة) ، وجرى تصويره بنشاط على أن فرص (الربح) وخيارات (المنفعة) تنفتح فيه أمام (الجميع) ، بحيث تمثل (جهود الفرد) الاقتصادية (المستقلة) و(حريته) فى (التملك) و(المنافسة) شرعية التمايز ، تماماً كما يمثل (العقد) الأساس القانونى لتنظيم العلاقات الاجتماعية. والحقيقة أن الليبرالية الاقتصادية والسياسية تخلقت فى رحم النظام الرأسمالى ، كنتاج لمرحلة السوق الرأسمالى ، ولتبرير حقوق الطبقة البرجوازية الصاعدة ، واستندت إلى عدد من النظريات والمبادئ ، كنظرية الحقوق والحريات الطبيعية ، ونظرية العقد الاجتماعى، ومبدأ المنفعة. على أن الاقتران بين (الديموقراطية) و(الليبرالية) لم يقع ، تاريخياً ، ضربة لازب. بل العكس هو الصحيح تماماً ، حيث أن (الليبرالية) قاومت (الديموقراطية) ردحاً طويلاً من الزمن ، قبل أن تعود لاستيعابها بالتدريج. فحق التصويت ، على سبيل المثال ، ظل قاصراً على الطبقات الرأسمالية العليا وحدها حتى الثلث الأول من القرن التاسع عشر. ولم تتمكن الطبقة الوسطى ، فى إنجلترا ، من التمتع به إلا فى إثر (الاصلاح الانتخابى) عام 1832م. أما العمال فلم يعترف لهم بهذا الحق ، إلا فى نهاية القرن التاسع عشر ، وأما النساء فقد كان عليهن الانتظار ، للحصول عليه ، حتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين (1920م فى إنجلترا ـ 1928م فى أمريكا). الليبرالية ، إذن ، ولدت إقتصادياً أولاً ، ثم تمقرطت بعد ذلك متخذة طابعها السياسى ، من بوَّابة اضطرار البرجوازية لتوسيع دائرة الحقوق والحريات التى لطالما دافعت عنها أثناء مرحلة نهوضها الثورى ، لتشمل كل المواطنين ، باعتبار أن هذه الديموقراطية ، فى جوهرها ، هى تعظيم (المساواة) فى فرص الحياة فى كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، و(تحرير) القوى الكامنة لدى الانسان لتحقيق ذاته. ولا نرى أهمية للجدال هنا حول ما إذا كان مضمون الديموقراطية ، فى معنى الليبرالية السياسية ، يتمثل فى (المساواة) أم فى (الحريات) ، اللهم إلا من وجهة النظر المدرسية المحضة. ولكون الديموقراطية ظلت تمثل على الدوام ، بهذه الدلالة ، السلاح الذى تصارع به جماهير الفقراء والضعفاء لانتزاع حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وتصبو ، عن طريقه ، لإعادة صياغة العالم الأفضل والوجود المغاير ، فقد استحقت دائماً عداء وشك الطبقات والنخب المتميزة التى يرتبط لديها إقرار الحقوق الديموقراطية للجماهير بتهديد امتيازاتها أو تغيير الأساس الاقتصادى السياسى للمجتمع الذى يوفر لها تلك الامتيازات. ومع ذلك ، وفى الظروف التى تلازم فيها صعود المركانتلية ، ومفاهيمها حول المدنية والتمدن ، مع عمليات التهميش الثورى المتسارع للاقتصاد الطبيعى الريفى ، ولأجل الاستمرار فى تيسير (حرية) انتقال الأيدى العاملة من اقتصاديات الريف إلى مجال الصناعات الناشئة فى المدن ، وتبرير القضاء على سطوة التوأم السياميين فى التاريخ القروسطى الأوروبى: الاقطاع والكنيسة ، فقد كان منطقيا تماماً أن ترتفع أيضاً منظومة المطالب التى وسمت الليبرالية فى عصر الحداثة بميسم الثورة ذات الأهداف البرجوازية الشاملة فى التغيير الاقتصادى والاجتماعى والسياسى ، وهى المطالب التى دخلت التاريخ ، منذ ذلك الحين ، بما أصبح يعرف بحرية التفكير ، وحرية الضمير ، وحرية التنظيم ، وحرية التعبير ، وحرية التعليم ، وحرية التنقل ، إلى جانب إلغاء نظام الحكم بالوراثة ، واعتماد نظام جديد يقوم على الانتخاب الحر للحكام ، وما إلى ذلك. هكذا ، وفى ملابسات هذا التناقض المظهرى بين المصالح الليبرالية الاقتصادية للطبقات البرجوازية الصاعدة وبين المصالح الديموقراطية السياسية للجماهير العاملة ، ولعوامل استحالة تحقيق الأولى بدون إيلاء الاعتبار الكافى للثانية ، إرتقت الليبرالية من مستوى الحريات الاقتصادية إلى مستوى الحريات السياسية (راجع: على الدين هـلال ؛ مفاهـيم الديموقـراطية فى الفكـر السياسـى الحـديث ، ص 35 وما بعـدها ـ وراجـع ضمنه:C. P. Macpherson; The Real World of Democracy, pp. 1 – 11 ـ وهانز كلسن ؛ الديموقـراطية: طبيعتها وقيمتها ، ص 118 ، 119 ، 123 ـ وراجع أيضاً: د. برهان غليون ؛ إغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية ، ص 229 ـ 230). وإذا كان التاريخ الحديث قد شهد ، ضمن هذا السياق ، شكل الحكم الذى نشأ وتكرس فى أوروبا ، منذ حوالى ثلاثة قرون ، وتحدد ، منهجيا ومؤسسيا ، بمصطلح الديموقراطية الليبرالية ، فإن الواجب المطروح ضمن أجندة التطور السياسى للبلدان النامية ، والسودان على وجه التخصيص ، هو وعى تلك التجربة فى إطار ظروفها وملابساتها التاريخية ، من جهة ، واستيعاب خصائصها ذات الطبيعة التعميمية المشتركة بين خبرات مختلف الشعوب ، من الجهة الأخرى ، والتى تؤهلها لتجاوز محدوديتها (كمضمون) أيديولوجى جامد لنظام اجتماعى معيَّن ، لتصبح (إطاراً) ضابطاً لنظام حكم يقوم ، فى جوهره ، على الحريات المبذولة للجميع ، والشراكة المؤسسة على المساواة السياسية. (1/4) وبما أن أدنى توفيق فى الاقتراب من الحقيقة التاريخية الموضوعية ، كأحد أهم مطلوبات هذا المبحث ، لا يمكن أن يتحقق إلا بالمجابهة المستقيمة للسؤال الصحيح ، تأسياً بالحكمة القائلة بأن طرح سؤال واحد صحيح خير من الحصول على جميع الاجابات ، فقد رأينا من المناسب صياغة السؤال بشكل مباشر وواضح على النحو الآتى: هل الحزب الشيوعى السودانى حزب غير ديموقراطى ، كما فى بعض الشائع من أدبيات خصومه الأيديولوجيين والسياسيين؟! هل حقاً يتقاطع فكره السياسى ، فى جوهره ومحصلاته النهائية ، مع الديموقراطية البرلمانية الليبرالية التى يفترض أن تستند إلى الحريات العامة والحقوق الأساسية للجماهير ، والتى أثبتت دروس التاريخ الماثلة أنها أنسب ما يناسب منظومة التعدد السودانى؟! ولمقاربة أكبر قدر من عناصر الاجابة المطلوبة على هذا السؤال المركزى فسوف نستند إلى منهجية قائمة فى الفحص المتأمل لخطاب الحزب نفسه ، ومنظومة مفرداته ، وشبكة مفاهيمه ومصطلحاته ، عبر مختلف مراحل بروزها وتطورها فى نسيج علاقاته الفكرية والسياسية ، المتقاطعة والمتساوقة جدلياً على كافة مستوياتها الداخلية والخارجية ، مستصحبين فى ذلك خبرته التاريخية نفسها ، عملياً ونظرياً. يتبع.. |
(2) (2/1) ونبدأ بتقرير حقيقة بسيطة فى هذا السياق وهى أنه ، وعلى حين بقيت موضوعة الديموقراطية تمثل ، منذ منتصف أربعينات القرن الماضى ، وبشكل ثابت ، أحد أهم المطلوبات الاستراتيجية المطروحة فى أفق المشروع الاشتراكى للحزب ، إلا أن هذه الموضوعة ظلت ملتبسة ، فى فترات مختلفة من هذا التطور ، وبدرجات متفاوتة ، بمفاهيم ومصطلحات الديموقراطية الاشتراكية ، أو الشعبية ، أو الجديدة ، أو الثورية .. الخ ، وذلك تحت الأثر الضاغط على فكر حركة اليسار ، وحركة التحرر الوطنى العالمية بوجه عام ، من جهة النموذج الاشتراكى الذى كان سائداً وقتها ، وبالأخص من جهة التجربتين السوفيتية والصينية. وهى المفاهيم والمصطلحات التى تصعَّدت من أنماط الهيكلة السياسية الستالينية فى الاتحاد السوفيتى ، ومن ثم فى أنظمة الديموقراطيات الشعبية التى نشأت فى أعقاب الحرب الثانية ، مستهدية بأدبيات القدح المقذع الذى أفردته الماركسية اللينينية ، وبخاصة فى نسختها الروسية بظروفها المحددة ، للديموقراطية الليبرالية. ومع ذلك ، فإن من فساد النظر ، يقيناً ، عدم ملاحظة أن مؤشر الأصالة الفكرية لدى الحزب ظل يسجل أيضاً منذ ذلك الوقت الباكر ، وبرغم قوة ذلك التأثير ، وتائر عالية من النزوع إلى (الديموقراطية الليبرالية) بمضمونها القائم فى توفير أوسع الحقوق والحريات الجماهيرية ، قانوناً وممارسة ، إلى درجة تصويب النقد الجرئ والصريح للتجربة السوفيتية ، فى هذه الناحية ، قبل انهيارها المدوى بنحو من نيف وأربعين سنة. وإنه لمن الصعب حقاً ، بل يكاد يكون من المستحيل ، فض هذا التناقض المظهرى ، فى فكر الحزب ، بين قوة أثر (الديموقراطية الشعبية) ، من جهة ، وبين أصالة النزوع إلى (الديموقراطية الليبرالية) ، من الجهة الأخرى ، بدون وضع اليد على مسألتين فى غاية الأهمية: أولاهما: تتمثل فى مركزى (الجذب) و(الطرد) الأساسيين ، بالنسبة لهذا الفكر ، والكامنين فى كل من مفهوم (الديموقراطية الليبرالية) التى تستصحب موضوعة الحريات والحقوق السياسية وتهدر موضوعة العدالة الاقتصادية ، من ناحية ، ومفهوم (الديموقراطية الشعبية) التى تفعل العكس تماماً من الناحية الأخرى. أما ثانيتهما: فتتمثل فى الشكوى المستمرة من ضعف الأساس الاجتماعى الذى تستند إليه الديموقراطية البرلمانية فى الممارسة السودانية ".. حيث الوزن الكبير للقطاع التقليدى فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، ومن ثم وجود قوى إجتماعية داخل الديموقراطية البرلمانية ذات مصلحة مضادة لتوسيع قاعدة الديموقراطية وتجديد الحياة فى القطاع التقليدى" (الماركسية وقضايا الثورة السودانية ، ص 134 ـ ومحمد أ. نقد ؛ مبادئ موجهة لتجديد البرنامج). ولا غرو ، فالطبقات والنخب المتميزة تعيد إنتاج شكوكها وعداواتها التاريخية بإزاء الحقوق الديموقراطية للجماهير ، والتى لا تنفك تقترن لديها دائماً بتهديد امتيازاتها ، أو بتغيير الأساس الاقتصادى السياسى للمجتمع الذى يوفر لها تلك الامتيازات. ولعل هذا وحده يكفى للكشف عن فداحة الضلالات الأيديولوجية والسياسية الكامنة فى تصور هذه الحقوق والحريات كمنح سلطانية توهب للجماهير من جانب الطبقات والنخب الحاكمة ، أياً كانت! (2/2) لقد بدا هذا التنازع واضحاً فى فكر الحزب ، منذ مطالع الاستقلال السياسى لبلادنا ، بين المفهومين المتعارضين ، المتناقضين فى ما بينهما ، من جهة ، وداخل كل منهما ، من الجهة الأخرى ، سواء من خلال مؤتمريه الثالث والرابع (فبراير 1956م وأكتوبر 1967م على التوالى) ، أم من خلال دورات الانعقاد ذات الأهمية الاستثنائية للجنته المركزية (مارس 1953م مثلاً) ، أم من خلال وثائقه الأخرى ذات الطابع البرامجى. فعيون الحزب لم تكن كليلة يوماً عن سداد النقد الماركسى التقليدى للديموقراطية البرجوازية ، حيث تمارس (الثروة) سلطتها بصورة غير مباشرة ، تحت ستار الجمهورية الديموقراطية ، ولكنها ، فى نفس الوقت ، الصورة الأكثر ضماناً ، حسبما يلاحظ ف. إنجـلز ، بحيث تتمظهر هذه السلطة ، فى السطح ، كما لو كانت سلطة الشعب أو غالبيته ، بينما هى ، فى حقيقتها ، سلطة الأقلية البرجوازية التى تمارس استبدادها المطلق على بقية الطبقات (ف. إنجلز ؛ أصل العائلة ، الملكية الخاصة والدولة ، ص 127). ومع ذلك فقد ظلت عيون الحزب مفتوحة أيضاً على الاستنتاجات النظرية العامة من زاوية الماركسية اللينينية نفسها ، دع عنك خبرة الحزب العملية ، فى تقييم هذه الديموقراطية البرجوازية كأداة لا تلغى الاضطهاد الطبقى ، ولكنها تساعد على كشفه ، لا تخلص الكادحين من الاستغلال ، ولكنها تعينهم على منازلته. وقد كتب ماركس عن تأسيس الجمهورية فى فرنسا عام 1848م أنها تساعد على بسط سيادة الطبقة البرجوازية ، غير أنها تهيئ ، فى ذات الوقت ، المناخ السياسى الملائم الذى يمكن المستغلين "بالفتح" من التصدى لمسـتغليهم "بالكسر" ، وتصفية ظروف الاسـتغلال (ضمن: أ. دنيسوف ؛ نظرية الدولة والقانون ، ص 129). وهكذا ، وبرغم الأثر الضاغط للنموذج السوفيتى ونماذج الديموقراطيات الشعبية على الحزب الشيوعى السودانى ، تحت الظرف التاريخى الموضوعى المحدد ، والمار ذكره ، فإنه ليس من العسير على النظر المدقق ملاحظة أن النظرية الأساسية للحـزب فى هذا المجال شرعت تسجل باكراً ، مع كل ذلك ، ميلها الواضح للتمحور حول قيام حكومة وطنية ديموقراطية تنجح فى إنجاز مهامها ، فتفتح الطريق لتحويل مجتمعنا بالتدريج نحو الاشتراكية (برنامج المؤتمر الثالث 1956م ـ ومحمد أبراهيم نقد ؛ مبادئ موجهة ..). ومن ثمَّ فقد أبدى الحزب حماساً خاصاً للتوسُّل بالديموقراطية البرلمانية لجعل قيام مثل هذه الحكومة أمراً ممكناً ، وذلك برغم كلاسيكيات الهجاء الماركسى لها ، وبالذات فى طبعته اللينينية القائمة فى تعميم خبرة الثورة الروسية (1917م) ، حيث ".. الأمر الرئيس قد سبق وتحقق فى جذب طليعة الطبقة العاملة ، وكسبها إلى جانب السلطة السوفيتية ضد البرلمانية ، وإلى جانب دكتاتورية البروليتاريا ضد الديموقراطية البرجوازية" (ف.إ. لينين ؛ مرض اليسارية الطفولى فى الشيوعية ، ص 77) ، وحيث ".. أن دكتاتورية البروليتاريا هى وحدها القادرة على تحرير الانسان من اضطهاد رأس المال ، وكذب وزيف ونفاق الديموقراطية البرجوازية .. المقتصرة على الأغنياء" (ف.إ. لينين ؛ حول الديموقراطية والديكتاتورية ، ص 390) ، وحيث أن من (الحماقة) و(السخف) ، بحسب لينين ، الاعتقاد بإمكانية ".. الانتقال للاشتراكية عبر الديموقراطية بوجه عام" (ف.إ. لينين ؛ الاقتصاد والسياسة فى عصر دكتاتورية البروليتاريا ، ص 281). وتتجلى المفارقة ذات المغزى العميق هنا فى عودة تلك (الحماقة) وذلك (السخف) ، بعد عقود قلائل من وفاة لينين ، ليشكلا أحد أهم عناصر التطور التاريخى فى الفكر الماركسى! ونحسبنا فى غنى عن الاطناب فى سوق الأدلة على أن الحزب الشيوعى السودانى لم يكن يمثل وحده (عنزة) الحركة الثورية العالمية (الفاردة) فى هذا الشأن. فعلى صعيد الفضاء الفكرى العام لليسار الأوربى ، مثلاً ، والاحزاب الشيوعية الأوربية تحديداً ، تحولت بؤرة النظر الكلاسيكية إلى الديموقراطية الليبرالية من مجرد اعتبارها أداة تتناسب ومصالح الطبقة البرجوازية ، إلى استيعابها ، أيضاً وفى ذات الوقت ، كمعول فى أيدى الطبقات الكادحة ، تستطيع ، إذا ما أحسنت استخدامه فى إطار حتميات الصراع الطبقي ، أن تحقق الكثير من مطلوباتها الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية ، بل وإسباغ طابعها العام عليه إلى حدِّ تصويبه ، نهائياً ، فى خدمة مصالح الأغلبية فى المجتمع ، بدلاً من تكريسه فى خدمة البرجوازية وحدها كما كان يراد له فى الأصل. (2/3) وبصرف النظر عن صحة أو خطأ المراهنة أو التعويل على خطة كهذى ، فإننا لا نجد مسوِّغاً عقلياً واحداً لاتهام (نوايا) الحزب فى قبوله بالديموقراطية الليبرالية بأنها ليست (صافية) ، أو أنها محكومة بتكتيكات (العصا النائمة والعصا القائمة) ، حسب الترويج التسطيحى الشهير لخصوم الحزب الأيديولوجيين والسياسيين. فالمسألة ، فى جوهرها ، أعقد من ذلك بما لا يقاس. والواقع أن مثل هذا الترويج ، بالغاً ما بلغ من الفخامة والتزويق ، سرعان ما يتكشف عن وضع مقلوب على رأسه تماماً ، فما يلبث أن يتهاوى ، كمثل كاتدرائية تتقوض ، بمجرد تعريضه لحجج التاريخ وحقائقه الباردة. ونماذج ذلك كثيرة ، بخاصة خلال الفترة 1946م ـ 1964م ، ومنها على سبيل المثال: (2/3/1) أن قبول الحزب بممارسة العمل السياسى وفق المبادئ العامة للديموقراطية الليبرالية تأسس ، منذ البداية ، على منطق القناعات الفكرية والسياسـية التى كانت قد تبلورت ، قبل ذلك بوقت طويل ، بين الحلقات الأولى لطلائع الشيوعيين السودانيين ، حتى قبل التكوين الرسمى لحزبهم عام 1946م ، حيث نظروا لهذه الديموقراطية الليبرالية ، لا كمحض قضية شكلية ، وإنما باعتبار كافٍ لمضمونها الحقيقى القائم على ركائز الحريات العامة والحقوق الأساسـية ، والتى تمثل ، فى ظروف ضعف وضمور بنية الطبقة العاملة الصناعية ، فى بلد كالسودان ، بتعدد تكويناته الاقتصادية الاجتماعية والقومية ، وعدم التناسق فى تطور قطاعاته الاقتصادية ، الشرط المركزى لتحقق هذه الديموقراطية كحجر عثرة فى طريق مشروع العنف البرجوازى ، المدعوم بآليات التدخل الاستعمارى ، وذلك بما توفره من مناخات النمو المتسارع للقوى الشعبية الرافضة لهذا المشروع ، وإمكانات مقاومتها السلمية الفعالة له ، باعتبارها البيئة السياسية الأصلح لحضانة وتطوير المشروع الاشتراكى من خلال أوسع حراك لجماهير الكادحين فى المدن والأرياف (العمال ، صغار المزارعين والعمال الزراعيين ، البرجوازية الصغيرة التقليدية المكوَّنة من صغار المنتجين والحرفيين وأصحاب المحلات الصغيرة ، والمثقفين .. الخ). ومن ثمَّ اتخذ الشيوعيون ، فى ذلك الوقت الباكر ، موقفاً نقدياً مستقيماً ونادراً من التجربة السوفيتية ، بطبعتها الستالينية ، معتبرين الموقف من (الحريات) ، إلى جانب الموقف من (الدين) ، بمثابة الخلل الأساسى و(كعب آخيل) الحقيقى فيها ، مما احتاج إلى قرابة نصف القرن لتأكيده. لقد أشار إلى ذلك ، مثلاً ، حسن الطاهر زروق ، عام 1944م ، فى تصريحه الذى أوردناه فى الورقـة السابقة التى سلفت الاشارة إليها ، حيث استبعد ، وقتها ، أن تتطابق تجربتهم السودانية مع تجربة روسيا قائلاً: ".. قد نستفيد من التجربة ونتفادى سلبياتها مثل غياب ضمانات حرية وسلامة الفرد ، وعدم تقدير دور الدين فى حياة الشعوب" (جريدة السودان الجديد ، 1/9/1944م ـ ضمن محمد نورى الأمين ، رسالة دكتوراه). (2/3/2) وقد كان من الممكن أن يصبح التشكك فى مؤسسية هذا الموقف النقدى ، واعتباره خاصاً فقط بحسن الطاهر وحده ، أمراً معقولاً ومقبولاً ، لولا أن الأداء العام للحزب والاتجاه الغالب فيه ، عبر مختلف محطات تطوره ، والصراعات الفكرية التى شهدها على مدى أكثر من خمسين عاماً من عمره ، ليدل ، وبكل المعايير ، دلالة قاطعة على خلاف ذلك ، أى على الاحتفاء الحزبى المؤسسى بالمنجزات التاريخية للشعوب فى جبهة الحريات والحقوق الليبرالية السياسية ، كرصيد قابل للاستصحاب فى سياق المشروع الاشتراكى ، بالاضافة إلى عدم الاقتناع الواضح بأن التجربة الاشتراكية نجحت فى تقديم أىِّ نموذج ملهم فى الديموقراطية السياسية. وعلى سبيل المثال: أ/ فقد نص برنامج الحزب (دستوره) المجاز فى مؤتمره الرابع عام 1967م ، بعد زهاء ربع القرن من تصريح حسن الطاهر المشار إليه ، على أن ".. الديموقراطية الاشتراكية ، مرتكزة على ما حققته الشعوب من حرية للفرد والجماعة فى التعبير وحرية الفكر ، ستكمل هذا البناء بتحرير الانسان من سيطرة رأس المال واقترابه من مراكز النفوذ" (ص 8). ب/ وسوف يعود عبد الخالق عام 1971م ، بعد أربع سنوات من صدور ذلك البرنامج ، وسبع وعشرين سنة من تصريح حسن الطاهر ، ليؤكد على رسوخ هذا النظر الناقد ، ضمناً ، فى فكر الحزب ، لنموذج الديموقراطية الاشتراكية فى الاتحاد السوفيتى ، أو الشعبية فى الصين وبلدان شرق أوروبا ، وذلك بقوله فى آخر إسهاماته الفكرية قبل إعدامه بوقت قصير ، مسترشداً بقانون (نفى النفى) الدياليكتيكى: إن "تغيير المجتمع إلى مرحلة أعلى لا يعنى نفياً كاملاً لما أحرزته الشعوب من حقوق قانونية إبان الثورة الديموقراطية البرجوازية .. (بل يعنى) تحويلها من إعلان إلى ممارسة فعلية .. إنجاز مهام الثورة الوطنية الديموقراطية للانتقال للاشتراكية لا يتم إلا عبر الديموقراطية فى الحقوق السياسية للجماهير ، (أى) الديموقراطية فى النظام السياسى ، (أى) تغيير المجتمع بالديموقراطية الشاملة" (ع. الخالق ، وثيقة حول البرنامج). ونضيف هنا ، على سبيل الاستطراد الحميد ، أن الشهيد عبد الخالق كتب (وصيته) التاريخية هذه ورأسه ، شخصياً ، تحت ظل السيف ، فى معمعة الصراع ضد سلطة مايو التى لا يزال ثمة من يصر على أنها كانت سلطة الشيوعيين (!) ج/ أما السكرتير العام الحالى للحزب محمد ابراهيم نُقد فقد عاد ، بدوره ، بعد مرور أكثر من نصف قرن على تصريح حسن الطاهر ، وثلاثين عاماً على برنامج 1967م ، وأكثر من ربع قرن على وثيقة (حول البرنامج) ، ليقدم تلخيصاً بليغاً لمآلات هذا التنازع بين (مركز جذب) الحقوق والحريات السياسية فى الديموقراطية الليبرالية من جهة ، و(مركز جذب) المحتوى الاجتماعى للديموقراطية الاشتراكية .. الشعبية .. الخ ، من الجهة الأخرى ، وفى آن واحد ، وذلك من بين وقائع المخض الشديد فى فكر الحزب ، ردحاً من الزمن ، ما بين أصالته واستقلاليته التى وفرت لديه دائماً عناصر التهيؤ للانحياز إلى الديموقراطية الليبرالية ، وبين الأثر الضاغط لتجاوزات (اليمين) السياسى ، وخرقه المتكرر لهذه الديموقراطية ، إلى جانب الحضور القوى ، فى الواقع التاريخى المحدد ، للنموذج الاشتراكى (السوفيتى والصينى بالأساس) ، وانعكاساته فى المنطقتين العربية والأفريقية ، مما رتب لظاهرة الالتباس والتناقض المظهرى فى هذا الفكر ، وعرَّضه ، فى بعض فترات تاريخه ، للتورُّط فى مواقف التبرير لمصادرة الحقوق والحريات ضمن ذلك النموذج. ولئن كان الحزب قد خلص ، برغم كل هذا الالتباس والتناقض ، إلى موقف راسخ فى الانحياز للحريات والحقوق السياسية ، فقد وصف نُقد هذا الانحياز ، فى سياق أحدث الأدبيات الحزبية ، بأنه ".. متميز ومفارق للتصور الذى كان سائداً فى الأدبيات الماركسية ، ومن بينها أدبيات حزبنا ، والذى يبرر مصادرة الديموقراطية فى النموذج السوفيتى للاشتراكية ونمط الحزب الواحد وبعض نماذج الأنظمة الوطنية العربية والأفريقية" (م. أ. نقد ، ورقة "مبادئ موجهة .."). (2/3/3) ولأن التركيبة الذهنية والوجدانية لذلك الجيل المؤسِّس تشكَّلت ، أصلاً ، من بين وقائع الصراع الذى خاضته الحركة الوطنية فى سبيل الاستقلال والحرية ، فقد قرَّ فى فكر الحزب ، منذ بواكير نشأته ، أن الكفاح من أجل التحرر من الاستعمار هو بمثابة المحور الأساسى للحركة السياسية الاستقلالية ، فى تلك المرحلة ، وهى قضية لا يمكن أن تنفصل ، بأى حال ، عن النضال لنشر الوعى بقيم الحريات والحقوق الديموقراطية. وقد لاحظ عبد الخالق ، فى تحليله لأحداث تلك الحقبة ، أن المشكلة الأساسية التى واجهت السودان عند خروجه من الحرب العالمية الثانية تركزت ".. حول إبعاده عن توجيه حياته وفق نظام ديموقراطى" (ع. الخالق ، لمحات من تاريخ الحزب الشيوعى السودانى ، ص 35). ذلك أن الاستعماريين لجأوا إلى البطش عندما أحسُّوا بخطورة تطور الحركة الجماهيرية. وعلى سبيل المثال فقد ".. سنوا القوانين الرجعية ، وحلوا منظمة انصار السلام ، وجعلوا من مصادرة حرية الافراد والجماعات والصحف قاعدة لهم ، وبدأوا خلال عام 1951م يعدون العدة لحل اتحاد نقابات العمال" (نفسه ، ص 70). وفى وثيقة دفاعه السياسى الذى أعده لتقديمه أمام المحكمة العسكرية عام 1959م أشار الشهيد إلى ".. أن حرية المواطن فى الدعوة لما يرى لاقت تعنتاً كثيراً من جانب المستعمرين .. ولهذا اندمجت فى الحركة الشعبية المطالبة بتوفير الحريات الديموقراطية" (ع. الخالق محجوب ؛ دفاع أمام المحاكم العسكرية ، ص 45). ولعل فى ذلك تفسيراً واضحاً لتحالف الشيوعيين الباكر مع حزب الامة ، فى ما عرف وقتها بـ (الجبهة الاستقلالية) ، حيث كان الحزبان قد اتفقا على المطالبة بكفالة الحريات العامة ضمن الركائز الأساسية التى نهض عليها تحالفهما. وبتاريخ 31/12/1955م عاد القيادى الشـيوعى ، ونائب دوائر الخريجين ، وقتها ، حسن الطاهر زروق لتفصيل تلك المطالب الديموقراطية من خلال مساهمته فى مناقشة مشروع الدستور المؤقت ، مقترحاً النص فيه على قيام الجمعية التأسيسية لتمكين ممثلي الشعب من المشاركة في وضع الدستور الدائم للبلاد ، وأن يحترم ذلك الدستور إرادة الشعب ومصالحه ، وأن يجعل جهاز الدولة ديمقراطياً وخاضعاً للرقابة والمحاسبة الشعبيتين ، وأن يضمن المشاركة الشعبية الواسعة في الحكم ، وأن يوفر الحريات العامة وحرية العقيدة وحرية اعتناق الآراء السياسية والعمل من أجلها ، بالاضافة إلى المطالبة بإزالة التعارض القائم بين ذلك المشروع وبين بعض القوانين والسياسات السائدة وقتها ، وذلك بتعديل تلك القوانين والسياسات حتى تتسق معه ، وبخاصة ما تعلق منها بالحريات العامة كقضايا الأجر المتساوي للعمل المتساوي في الشمال والجنوب ، والأجر المتساوي للعمل المتساوي للرجل وللمرأة ، وقانون الصحافة وبعض مواد قانون العقوبات (محمد سليمان ، اليسار السوداني في عشر سنوات ، ص 173 ـ 176). وإذن ، فإن المنطق الذى شكَّل وعى ذلك الجيل الأول من الشيوعيين السودانيين باتجاه إنشاء الحزب ، قد تمحور ، أصلاً ، حول ضرورة "بروز قوة اجتماعية .. تضع منهجاً يلبى رغبات الشعب .. فى الديموقراطية السياسية والاجتماعية" (ع. الخالق محجوب ، لمحات ..، ص 38). (2/3/4) وإلى ذلك فقد جاء الشرط التاريخى نفسه الذى أدى ، فى صيف 1946م ، لولادة التنظيم فى بداياته الأولى (الحركة السودانية للتحرر الوطنى ـ "حستو") ، مقترناً مع ذات الشرط التاريخى الذى أنتج ، فى آن واحد ، حركة شعبية واسعة ، متنوعة ، ومنفعلة ، بحكم طبيعتها ومنطق تكوينها وقانونها الخاص ، بطموحات الحريات العامة والحقوق الأساسية ، كنقابات العمال واتحادات المزارعين والنقابات المهنية ، وتنظيمات الشباب والنساء والطلاب ، وحركة أنصار السلم وغيرها. لقد ".. كان ميلاد هذا الحزب نتيجة للحركة الواسعة التى انبثقت من صفوف الشعب يهدف لحرية التنظيم ، وحق كل مواطن فى إبداء رأيه .. (وقد) امتاز حزب الجبهة المعادية للاستعمار منذ إعلانه بوقوفه بثبات من أجل استقلال البلاد ، ومن أجل الديموقراطية ، وتحسين حياة الكادحين" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 51 ـ 52). وقد أسهم الشيوعيون السودانيون ، بصورة نشطة ، ومباشرة ، ومتشابكة مع وقائع تأسيس حزبهم ، فى استنهاض وتطوير تلك الحركة "التى انبثقت من صفوف الشعب" ، وتبوَّأوا مراكز القيادة والتوجيه فيها ، بل صار بعضهم رموزاً تاريخية لها ، فشكَّلت ، بأساليبها وأدواتها الديموقراطية ، كالإضراب ، والمظاهرة ، والموكب ، والمنشور ، والمذكرة ، والملصق ، والجريدة ، والندوة ، والليلة السياسية ، والكتابة على الجدران ، وغيرها من صور الرمز المقروء والمسموع والمرئى ، إلى جانب الأشكال المختلفة لتنظيم التضامن الجماهيرى ، حقول تدريبهم النضالى الأساسية ، وطبعت ، بالتالى ، وبصرف النظر عن أى مصادر تأثير أخرى ، فكرهم ووجدانهم ومزاجهم العام بطابعها الديموقراطى الشامل ، من خلال مظاهرات الطلبة عام 1946م ، ومعارك الجمعية التشريعية صيف 1948م ، فى أم درمان وعطبرة ، ومعركة تأسيس نقابة عمال السكة حديد وغيرها ، حتى أن مخابرات الإدارة البريطانية فى السودان وصفت ، فى أحد تقاريرها السِّرية عام 1949م ، أول تنظيم ديموقراطى للشباب السودانى ، على سبيل المثال ، بأنه حركة شيوعية ذات (أخطار) ، من أهدافها الكفاح لإحباط المشاريع الاستعمارية ، وتحرير السودان ، وتأسيس نظام ديموقراطى (ضمن: د. محمد سعيد القدال ، معالم فى تاريخ الحزب الشيوعى السودانى ، ص 65). هذا التقرير المخابراتى الاستعمارى ينطوى ، بلا شك ، على دلالة بالغة الأهمية والخصوصية بالنسبة لما نحن بصدده فى هذا المبحث ، لكونه قد أصاب تماماً ، فى تحديد أهداف التنظـيم الوليد ، وإن أخطأ ، أو قل تعمَّد أن يخطئ ، فى توصيف هويِّته! (2/3/5) وبغض النظر ، أيضاً ، عن النقد الذى وجه لموقف الحزب الابتدائى من اتفاقية الحكم الذاتى (أواخر فبراير 1953م) ، أو النقد الذاتى الذى مارسه الحزب نفسه بشأنه ، وانتهى بتصحيحه فى نفس الأسبوع (دورة اللجنة المركزية ، مارس 1953م) ، فإن ذلك الموقف ، صواباً كان أم خطأ ، قد انبنى ، أصلاً ، وفق كتيب (الاتفاقية فى الميزان) لقاسم أمين ]] ، لا على أى سبب آخر سوى (الشك) الذى انتاب الحزب ، وقتها ، فى نوايا الانجليز تجاه مطالب الشعب بالجلاء الناجز ، وحق تقرير المصير ، وبناء سودان حر ديموقراطى. فالاتفاقية التى وقعتها الحكومتان البريطانية والمصرية مع كل الأحزاب السـودانية ، ما عدا (حستو) ، أرجأت هذه المطالب ريثما تنتهى فترة الحكم الذاتى (ثلاث سنوات) ، كما وضعت قيوداً إضافية على الحريات (قانون النشاط الهدام بخاصة) ، ووفرت للحاكم البريطانى من السلطات والصلاحيات ما يمكنه من تدعيم النفوذ الاستعمارى وممارسة شتى أساليب الضغط على البرلمان (د. القدال ، معالم .. ، ص 74). هاجس الحدب ، إذن ، على تجنيب الدولة الوطنية المستقلة مزالق المؤامرات الاستعمارية على قضية الديموقراطية والحريات هو الذى يفسر موقف الحزب الشيوعى من اتفاقية الحكم الذاتى ، وليس دافع (الخيانة) للاستقلال نفسه ، كما يشيع خصوم الحزب!! وإن جاز لنا أن نتساءل ، على سبيل الاستطراد المنطقى ، فما هى مصلحة الحزب فى (خيانة) قضية ظل يبشر بها ، منذ أول نشأته ، ويستنهض باتجاهها طاقات الجماهير ، ويبنى على طريقها شتى منظمات النشاط النقابى والمهنى والفئوى ، بالاضافة إلى الجبهة المعادية للاستعمار (!) كما ظل (يداوس) لأجلها ، على شح إمكاناته المادية ، آلة الإدارة الاستعمارية ، وشتى أجهزة مخابراتها وقمعها ، بكلِّ قضِّها وقضيضها ، فيسقط له ، فى ساحات معاركها ، وعلى رأسها معركة الجمعية التشريعية فى الخرطوم وعطبرة وغيرها ، أنبل أبنائه كالشهيد قرشى الطيب؟! يحتاج نقدة الحـزب ومتهموه ، يقيناً ، وهو ، من قبل ومن بعد ، ليس فوق النقد أو الاتهام ، إلى تدقيق الحجج وتجويد المنطق! (2/3/6) وقد تكفلت الأيام بإثبات أن مخاوف الحزب تلك من النوايا الاستعمارية الكامنة وراء اتفاقية الحكم الذاتى لم تكن بلا أساس. فلقد أقدمت الادارة الاستعمارية خلال النصف الثانى من عام 1953م ، وبين يدى البدء فى تطبيق الاتفاقية ، على سن (قانون النشاط الهدام) بهدف التأسيس لقيام ".. دولة بوليسية تجرد الاستقلال من معناه ، وتجعله جثة لا روح فيها. وكان لنشاط حزب الجبهة الفضل الأول فى إلغاء ذلك القانون ، مما سمح للجماهير بالانطلاق خلال فترة الانتقال ، وإجراء تحولات فى الجو السياسى لصالح الاستقلال" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 53 ـ 54). (2/3/7) وعلى الرغم من أن دورة مارس 1953م المار ذكرها شهدت بروز اتجاه يسارى متشدِّد داخل اللجنة المركزية يعتبر الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها فى ذلك العام محض لعبة برجوازية ، ويعترض ، من ثمَّ ، على المشاركة فيها ، فإن الحزب ، بقيادة عبد الخالق ، قرر ضرورة خوضها باعتبارها عملاً جماهيرياً يتيح له فرصة طرح برنامجه على نطاق واسع ، ووسيلة لتوسيع نشاط الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار وتعميق الديموقراطية (ع. الخالق ، لمحات .. ، ص 82 ـ 83). بل لقد اعتبرت تلك المشاركة فى الانتخابات أداة لتشديد يقظة الجماهير بإزاء المزالق التى كان الحزب لا يزال يرى أنها تحف باتفاقية الحكم الذاتى (نفسه ، ص 83). (2/3/8) وتشهد وقائع تلك الفترة الحاسمة فى تاريخ السودان ، وتحديداً وقائع السنوات الثلاث الفاصلة ما بين اتفاقية الحكم الذاتى أواخر فبراير عام 1953م وبين استقلال السودان رسمياً فى الأول من يناير عام 1956م ، على انخراط الشيوعيين ، جنباً إلى جنب مع حلفائهم فى الحركة الجماهيرية الواسعة التى كانوا قد أسهموا فى استنهاضها ، فى نضال لا يفتر من أجل ترسيخ الحقوق والحريات الديمقراطية. من ذلك ، على سبيل المثال ، المذكرة التى تقدمت بها الجبهة المعادية للاستعمار إلى المرحوم إسماعيل الأزهـرى ، رئيس الوزراء آنذاك ، حول قضية الحريات ، والاضراب الذى قاده اتحاد نقابات عمال السودان فى سبيل الحريات ، ونشاط الهيئة الشعبية الدائمة للدفاع عن الحريات ، ومذكرة رؤساء تحرير الصحف إلى الأزهرى حول الحريات ، ومشروع تعديل وإلغاء القوانين المقيدة للحريات الذى تقدم به حسن الطاهر زروق من داخل البرلمان الأول ، وما إلى ذلك. (2/3/9) وجاء برنامج الحزب (سبيل السودان نحو تعزيز الاستقلال والديموقراطية والسلم) الذى أجازه مؤتمره الثالث غداة الاستقلال (فبراير 1956م) ، ليبرز تصوُّره للتحالف المطلوب لمرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية بأسرها ، من خلال تحليله لطبيعة الأهداف نفسها المطروحة فى أفق المرحلة ، والقوى الاستراتيجية المنوط بها إنجازها. فبرغم الأثر الضاغط لمفهوم الديموقراطية الشعبية على تلك الوثيقة ، إلا أنها صاغت تلك الأهداف فى: دعم الاستقلال السياسى بالاستقلال الاقتصادى ، إشراك الجماهير فى توجيه شئون البلاد ، رفع المستوى المعيشى للكادحين ، إحداث الثورة الثقافية والتخلص من مخلفات الاستعمار. وأكدت أنه لا بد ، لإنجاز تلك الأهداف ، من الوحدة الشعبية التى تتمثل فى ما أسمته بـ (الاتحاد الوطنى الديموقراطى) ، بين الجماهير العاملة ، والمزارعين بالأساس ، وبين كل الطبقات الثورية الأخرى من برجوازية وطنية ]]] وبرجوازية صغيرة فى المدن. ورأت أنه من الممكن ، بدراسة الوضع العالمى وظروف البلاد فى ذلك الوقت ، إحراز التقدم المنشود بالاعتماد على نضال الجماهير بالوسائل والطرق السلمية حتى لا تتعرض بلادنا لهزات ، باعتبار أن توفر الحريات الديموقراطية ، على حد تعبير الوثيقة ، هو الطريق للتقدم وللنمو السلمى للثورة الديموقراطية (أنظر: برنامج المؤتمر الثالث 1956م ـ وأنظر أيضاً: ع. الخالق محجوب ؛ إصلاح الخطأ فى العمل بين الجماهير ، ص 18 ـ 19). وقد قال الشهيد عبد الخالق ، فيما بعد ، عن ذلك (الاتحاد الوطنى) الذى نادى الشيوعيون بقيامه ليشمل كل المناضلين ضد الاستعمار: ".. لو قدر لهذا العمل الجليل أن يتم بنجاح لكانت بلادنا تقفز اليوم قفزات هائلة فى طريق التطور المستقل وبناء اقتصاد معزز. وسيحكم التاريخ حكماً قاسياً على كل من ساهم فى تفويت الفرصة على شعب السودان لتوحيد صفه الوطنى ، فقد دفعت البلاد ثمن الانقسام .. غالياً ، إضعافاً للاستقلال ، واقتصاداً خرباً ، وطريقاً وعراً شائكاً سارت فيه بلادنا. إن حزب الجبهة المعادية للاستعمار يحق له أن يقول إنه كان حزب الوحدة الوطنية ، يوحد ولا يفرق ، ويجمع ولا يشتت .. وقد كان .. مستعداً للاشتراك فى ذلك الاتحاد الوطنى حتى ولو أصابه الغرم. وما مسلكنا فى الانتخاب للبرلمان ببعيد عن الأذهان ، ففى سبيل إنجاح الكثير من المرشحين الوطنيين بذلنا الجهد لا نرجو .. جزاءً ولا شكورا ، وهذا لعمرى هو النظام الحزبى النظيف ذو المبادئ السامية" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 52 ـ 53). لقد ألقى المؤتمر الثالث وبرنامجه بحزمة كثيفة من الضوء على حقيقة موقف الحزب الشيوعي من قضية الديمقراطية فى جوهرها القائم فى الحريات العامة والحقوق الأساسية للجماهير. فقد مضى الحزب يتبنى الجمهورية البرلمانية إطاراً للحكم ، وأسلوباً فى إدارة الحياة السياسية ، ويعارض اللجوء للقوانين الاستثنائية وفرض حالة الطوارئ ، آنذاك ، من جانب حكومة السيد عبد الله خليل ، ويطالب بالحكم الأقليمي الذاتي للمديريات الجنوبية كمقترح ديموقراطى باكر لحل الأزمة الوطنية الخطيرة التى كانت قد انفجرت للتو بين يدى الاستقلال وعشية انعقاد المؤتمر الثالث للحزب. وسوف يعود عبد الخالق للتشديد على صحة استنتاجات المؤتمر الثالث وبرنامجه حول المسألة الديموقراطية من زاوية أن استمرار الحركة الجماهيرية ونموها واتساعها وصلابة تنظيماتها وتنوعها هو الضمانة الأساسية للتطور المستقل للبلاد (ع. الخالق ، لمحات .. ، ص 112). وقد عبر حسن الطاهر زروق ، بتأييده لمطالبة النائب ابراهيم المفتى من داخل البرلمان (ديسمبر 1956م) برفع حالة الطوارئ ، تعبيراً ناصعاً عن عمق اقتران قضية الاستقلال السياسى بقضية الحريات الديموقراطية فى فكر الشيوعيين السودانيين ، وفى برنامج المؤتمر الثالث ، وذلك بتأكيده على أن ".. الاستقلال بدون حريات هيكل متداع بغير روح أو إرادة. ولسنا على استعداد للتفريط في أى مظهر من مظاهر هذا الاستقلال الذي جاء بتضحيات غالية. فعندما تختفي حريات الشعب من حياته يصبح ذلك الاستقلال جسماً بلا روح ، وتتغول الحكومات على المحكومين ، وتسلط عليهم أوضاعاً ضد حرياتهم" (محمد سليمان ؛ اليسار السودانى .. ، ص 257). (2/3/10) وسوف يعود الأستاذ نُقد فى نهاية 1997م ، لينظر فى الخصائص الوطنية الديموقراطية العامة لبرنامج 1956م ، بقوله عنه ـ فى ورقته المار ذكرها ـ أنه قد اتسم "بطابع الجبهة .. الواسعة التى توحد كل القوى المعادية للاستعمار ، بوصفها .. المؤهلة للتصدى وإنجاز مهام ما بعد الاستقلال ". وأنه "طرح .. مبدأ جديراً بالتأمل .. والتجديد ، هو: تمثيل عادل للقوى الموجودة فى الجمعية التأسيسية داخل الحكومة ، ومنع سيطرة قسم خاص .. على جهاز الدولة ، أو ديكتاتورية حزب من الأحزاب ". وأن "الفكرة .. خلف هذه الفقرة تتسع لتستوعب ثلاثة مضامين: الأول ألا ينفرد الشماليون بالحكم دون الجنوبيين والأقليات القومية. الثانى ألا ينفرد حزب مفرد بالسلطة. الثالث ألا يسيطر الجيش على السلطة ". ويرى نُقد أن هذه الفقرة من ذلك البرنامج القديم ".. تعزز الأساس النظرى لمبدأ تداول السلطة ديموقراطياً ". ويستخلص من ذلك درساً بليغاً فى ضرورة مراجعة المصطلحات التى استهلكها التداول والتطور ، بقوله: ".. ولعله أجدى لظروف السودان وسوابقه .. التعامل مع مصطلح تداول السلطة ديموقراطياً ، بديلاً للدارج والسائد عالمياً عن تداول السلطة سلمياً. فديموقراطياً تعنى .. ناخبين ونواب وبقية آليات .. الديموقراطية. أما مصطلح سلمياً فقد خبرناه فى الاتجاهين: حيث سلم المرحوم عبد الله خليل رئيس الوزراء السلطة لقادة الجيش ، وصعد قادة الجيش إلى السلطة بديلاً لديكتاتورية نميرى ، إستجابة لضغط قاعدة الجيش تجاوباً مع الانتفاضة ، و(شكلوا) المجلس العسكرى الانتقالى الذى كبح جماح الانتفاضة ، وأصبح الوصى .. على تداول السلطة سلمياً ". ثم يخلص إلى تقويم إجمالى مفاده أن "أطروحة الحكومة الوطنية الديموقراطية ، وما تحمله دلالات تكوينها من مرونة وواقعية ، مضافة إليها أطروحة .. الانتقال المتدرج للاشتراكية ، حصَّنت البرنامج من الزلل والانزلاق إلى النصِّية المطلقة ، ممثلة فى النص المتواتر فى .. كلاسيكيات الماركسية وأدبيات الحركة الشيوعية: نص تحطيم جهاز الدولة القديم ، وبناء جهاز .. جديد ، (فقد) استعاض عنه البرنامج بشعار سليم ، وهدف واقعى ، ممكن التحقيق فى ظروف السودان: إصلاحات ديموقراطية فى جهاز الدولة". ولا يغادر نُقد هذا الجانب دون أن يسجل ملاحظة ذات أهمية استثنائية ، وهى أن البرنامج ".. لم يستخدم .. مصطلح ديكتاتورية البروليتاريا ". وإذا كانت ثمة "ظلال قد تشى بالغائب الحاضر" فى بعض الفقرات المتناثرة من الوثيقة ، مثل: الجماهير الكادحة وعلى رأسها الطبقة العاملة ، الطبقة العاملة وحزبها ، تحالف العمال والمزارعين ، فإن ذلك لا ينتقص البتة من كون الحقيقة الراسخة هى أن البرنامج قد "أفلت .. من التأويل السلفى .. فى الأدبيات الشيوعية حينها عن أن دولة الديموقراطية الشعبية فى الصين وشرق أوروبا تؤدى وظيفة ديكتاتورية البروليتاريا فى ظروف تاريخية خاصة ". ثم يستطرد مؤكداً أن هذا المصطلح ".. لم يرد فى وثائق اللجنة المركزية بين المؤتمرين (1956م ـ 1967م) ، ولم يرد فى تقرير المؤتمر الرابع (الماركسية وقضايا الثورة السودانية) ، ولا فى الدستور الذى أجازه المؤتمر الرابع ، وما من مبرر نظرى أو مسوِّغ سياسى يجيز أن يرد المصطلح فى برنامج حزبنا فى المستقبل " (ورقة "مبادئ موجهة .."). (2/3/11) ويشير أداء حزب الجبهة المعادية للاستعمار خلال الديموقراطية الأولى (1954م ـ 1958م) ، بأكثر من إصبع ، إلى مدى جدية النزوع ، فى فكره السياسى ، صوب الحريات والحقوق الديموقراطية الليبرالية ، وذلك فى مواجهة الخروقات التى ظلت تتعرض لها ، للمفارقة ، حتى من مواقع ذات الأحزاب والقوى التى كان يفترض فيها الالتزام بها ، ودعوته إلى سن التشريعات ، وصياغة البرامج ، واتخاذ كافة الترتيبات التى من شأنها كفالة مساحة أرحب لنشاط الجماهير، ومشاركتها الفاعلة فى إدارة شئون البلاد من خلال تنظيماتها الديموقراطية المستقلة ، كضمانة أكيدة لعدم تحوُّل قضية الحريات والحقوق إلى محض شعارات خاوية ، وكمخرج من انحباس الخلافات فى الحلقات القيادية الحزبية وحدها ، بعيداً عن الرقابة والمشاركة الديموقراطية للجماهير ، مما يعرِّض النظام ، بل والاستقلال نفسه ، لخطر الانهيار الشامل. ونكتفى ، فى هذا الصدد ، بسوق الأدلة الثلاثة التالية من تلك الفترة: الدليل الأول: من حادث (جودة) ، إبان حكومة الأزهرى الأولى ، وبعد بضعة أسابيع من اعلان الاستقلال ، حيث استشهد 25 مزارعاً رمياً بالرصاص ، وحوالى أكثر من مئة بالاختناق فى (عنبر) ضيق سئ التهوية تم اعتقالهم فيه ، بالاضافة إلى إصابة 86 آخرين بإصابات خطرة ، وذلك لمجرد أنهم تجمعوا أمام مكتب (مشروع جودة) الخاص لزراعة القطن فى منطقة كوستى على النيل الأبيض ، مطالبين بمراجعة استحقاقاتهم. ففى معرض الاحتجاج على ذلك العنف استنهضت الجبهة المعادية للاستعمار حركة شعبية واسعة ، قوامها تنظيمات العمال والطلاب والمحامين وغيرهم ، كما شملت الصحافة المستقلة. غير أن الحكومة (الديموقراطية) ردت بالمزيد من (عنف الدولة) على تلك الحركة التى لم تعتمد سوى أساليب التعبير الديموقراطى السلمى المعهودة ، فأقدمت على اعتقال قياداتها ، وفى مقدمتهم رموز الجبهة المعادية للاستعمار ، ومحاكمتهم جنائياً والزج بهم فى غياهب السجون. لقد ترسبت آثار تلك الأزمة فى الجانب السلبى من الحياة السياسية (القدال ، معالم .. ، ص90) ، ووصفها أكاديمى متخصص فى العلوم السياسية ـ من غير الشيوعيين ـ بأنها "تمثل الفشل المستمر للمجموعة المسيطرة على الحكم فى حل التناقضات مع المزارعين بأسلوب ديموقراطى" (د. تيسير محمد احمد ، زراعة الجوع فى السودان ـ ضمن المصدر نفسه). الدليل الثانى: من موقف الحزب بإزاء صراعات الأحزاب التقليدية ، فيما بينها ، وداخل كل منها على حدة ، خلال تلك الفترة ، مما عرَّض جنين الديموقراطية للاجهاض. فقد انفجرت تلك الصراعات داخل الحزب الوطنى الاتحادى ، مثلاً ، بعد الاستقلال ، وكانت قد بدأت أصلاً منذ فترة الحكم الذاتى (1954م ـ 1956م) ، ثم ما لبثت أن تفاقمت باستقالة 21 من نوابه الذين أعلنوا عن تكوين حزب الشعب الديموقراطى ، وتتوجت أخيراً بلقاء السيد على الميرغنى بالسيد عبد الرحمن المهدى ، بعد طول قطيعة ، فى ما عرف حينها بـ (لقاء السيدين) ، الأمر الذى أدى إلى إسقاط حكومة الأزهرى فى يوليو 1956م ، بعد ستة أشهر فقط من الاستقلال ، وسكب المزيد من الزيت على حريق الصف الوطنى برفع الاتحاديين لشعارات: (الكهنوت مصيرو الموت) و(مصرع القداسة على أعتاب السياسة) ، وردود الأفعال العنيفة ، المتوقعة بالطبع ، من جانب الختمية. أثناء ذلك كان الحزب الشيوعى يبذل قصارى جهده ، على صغر حجمه وضعف إمكانياته المادية ، فى الدعوة إلى الوحدة الوطنية من أجل المحافظة على الاستقلال وحماية الديموقراطية ، مندِّداً بالخلاف بين الختمية والاتحاديين ، بوصفه صراعاً من أجل السلطة لا يخدم غرضاً وطنياً بقدر ما يشتت القوى التى حاربت الاستعمار ، ومنادياً بتكوين جبهة وطنية تضم الاتحاديين والختمية والشيوعيين والجبهة المعادية للاستعمار وغيرهم ، من أجل تأمين الاستقلال ومقاومة الأحلاف. ورد ذلك ، على سبيل المثال ، ضمن الخطاب الجماهيرى الذى ألقاه عبد الخالق محجوب فى ليلة سياسية بمدينة عطبرة (مايو 1956م) ، فى أول ظهور علنى له بعد زهاء العشر سنوات من العمل السرى فى قيادة الحزب. كما ورد أيضاً فى بيان المكتب السياسى ، الصادر بتاريخ 15/6/1956م ، والذى عبر عن القلق من المصير المظلم الذى ينتظر البلاد ، فيما لو قدر لحالة الانقسام أن تستمر ، داعياً ".. لتخفيف حدة التوتر .. وإيجاد نقاط اتفاق .. تدفع بعوامل الانقسام إلى الخلف ، مما يساعد بدوره على بناء وحدة وطنية تحمى الوطن وتعزز استقلاله". وطرح البيان مشروع ميثاق يتضمَّن: عدم استئثار معسكر أو طبقة بمفاخر الجهاد من أجل الاستقلال ، واحترام العقائد والمذاهب والانتماءات الحزبية ، ومساواة الجميع فى الحقوق الديموقراطية ، والسعى لإيجاد نقاط اتفاق بين جميع الأحزاب والهيئات والطوائف على مبدأ أساسى هو تعزيز الاستقلال السياسى. وفى مذكرتها إلى رؤساء الأحزاب وأعضاء البرلمان ، فى يوليو 1956م ، دعت الجبهة المعادية للاستعمار إلى تكوين حكومة قومية للنهوض بمهام تعزيز الاستقلال. وحذرت من خطورة أية محاولة لإقصائها أو إقصاء العمال والمزارعين مهما كان حجمهم ، لأن المهم هو مضمون الوحدة التى سيؤدى انعدامها إلى انقسامات أعمق فى المستقبل. وفى 27 يناير 1958م أصدرت سكرتارية الجبهة المعادية للاستعمار بياناً خلال المعركة الانتخابية جاء فيه: "دخلنا المعركة الانتخابية .. لتوحيد القوى الوطنية .. لهزيمة خطط التدخل الاستعمارى .. ليست القضية فى نظرنا .. هى هزيمة حزب الشعب الديموقراطى أو الوطنى الاتحادى ، وإنما توحيد الحزبين لتأييدنا فى هذه القضية الشريفة التى تمثل حقاً مصالح بلادنا الوطنية بدلاً من دعوتنا لتعميق الانقسام فى الصف الوطنى". ولم يقتصر خطاب الجبهة على قادة الاتحاديين والختمية ، بل تطور إلى حد دعوة جماهير الحزبين للتوحد عملياً فى الشارع ، والمطالبة بوحدة نوابهما داخل البرلمان ، كما فى البيان الصادر بتاريخ 12/3/1958م (ضمن القدال ، معالم .. ، ص 91 ـ 94). لم ينشأ هذا الموقف الرافض لانقسام الصف الوطنى من فراغ ، بل ثمة أكثر من سبب يدعونا للقول بأنه ظل ، منذ ذلك الوقت وحتى الآن ، متسقاً تماماً مع رؤية الحزب المعلنة للأهداف الاسترتيجية لمرحلة ما بعد الاستقلال السياسى ، والتى تتمحور ، بالأساس ، حول قضايا الاستقلال الاقتصادى ، والمشاركة الجماهيرية ، وتحسين ظروف حياة الكادحين ، والثورة الثقافية. فبغير تحقيق هذه الأهداف ".. لا يعتبر السودان كامل الاستقلال ، بل أن الاستقلال السياسى يصبح أداة من أدوات الاستغلال الاستعمارى ، وتردى حالة الشعب ، ويأخذ المستعمرون باليسار ما أعطوه باليمين. لقد أكدت تجربة بلادنا .. صحة هذا التقدير الماركسى للاستقلال السياسى" (ع. الخالق محجوب ، لمحات .. ، ص 111). من هذه الزاوية فقط يمكن النظر إلى هاجس وحدة القوى الوطنية ، كضمان لتعزيز الاستقلال وحماية السيادة الوطنية ، فى فكر الحزب الشيوعى ، ودعوته المستمرة ، قبل وبعد الاستقلال ، إلى أعلى سقف من التحالف ، سواءً على مستوى القوى الوطنية عموماً أم على مستوى الجبهة الوطنية الديموقراطية بخاصة ، لا كمفاضلة بين أشكال تنظيمية ، وإنما كشرط لازم لإنجاز هذه المهام ، فما من حزب بمفرده مؤهل فى السودان لتحمل هذه المسئولية التاريخية. وسوف يعود عبد الخالق ، بعد أكثر من عشر سنوات ، ليؤكد ، فى سياق مساهمته الشهيرة ضمن وقائع الصراع الفكرى الذى احتدم داخل الحزب حول الموقف من إنقلاب مايو 1969م ، أنه عندما يجرى التفكير فى حزب واحد ، أى طبقة واحدة ، لتجسيد إرادة الأمة ، فإن القضية تصبح أكبر من مجرد الاختيار بين أشكال تنظيمية. فحتى لو كانت الطبقة الواحدة هى الطبقة العاملة ، أو كان الحزب الواحد هو الحزب الشيوعى ، فإن هذا التصور سيبقى مثالياً ، وسيؤدى إلى الفشل المحتم فى إنجاز مهام الثورة الديموقراطية بطريقة حاسمة (ضمن القدال ، معالم .. ، ص 267). هكذا ظل مضمون الأهداف المطروحة فى أفق المرحلة هو العامل الأكثر حسماً ، بالنسبة للحزب ، فى تحديد مضمون التحالف المطلوب لتحقيقها. وبما أنه من المستحيل أن تنجح طبقة واحدة ، أو حزب واحد ، فى النهوض بأعباء مرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية فى السودان، فإن التحالف الوطنى الديموقراطى العريض قد انطرح ، بالتالى ، كضرورة موضوعية ، كما وأن مضمونه نفسه قد تحدَّد تلقائياً. الشاهد ، إذن ، أنه لو لم يكن مصير النظام الديموقراطى ليعنى الحزب فى شئ ، لكان منطقياً تماماً أن ينتهج خطاً سياسياً يفاقم من الصراعات غير المبدئية الناشبة أصلاً بين القوى الوطنية ، أى الخط (الانتهازى) الضيق ، بدلاً من بذله ذلك الجهد المضنى مع الأطراف المختلفين لحثهم على تجاوز خلافاتهم ، وتنبيههم لعواقبها الفادحة على مجمل التجربة الديموقراطية ، وعلى الاستقلال نفسه ، فيما لو ظلت على حالها ـ محض تنازع عبثى على عظمة السلطة وأسلاب الحكم. الدليل الثالث: من وقائع الموقف الأكثر تشدداً الذى اتخذه الحزب ضد انقلاب الفريق أبراهيم عبود (17 نوفمبر 1958م): ـ قبل وقوعه ، حيث كانت جريدته (الميدان) أول من نبه الرأى العام إليه ، فنشرت فى افتتاحيتها ، قبل أسبوعين فقط من الانقلاب ، مقالاً لعبد الخالق محجوب بعنوان: "إفتحوا عيونكـم جيداً: الأمريكان يستعدون لتدبير الانقـلاب المقـبل فى السـودان" (الميدان ، 3/11/1958م ـ ضمن المصدر نفسه ، ص 100). ـ وبعد وقوعه ، حيث أصدر مكتبه السياسى بيانه الشهير ، بعد يوم واحد فقط من الانقلاب (18/11/1958م) ، بعنوان: "17 نوفمبر إنقلاب رجعى" ، وذلك بالمفارقة لمواقف جميع الأحزاب الأخرى التى سارعت لتأييد الانقلاب ، منذ الساعات الأولى لوقوعه ، وبلا استثناء. لقد أوضح البيان كيف انطلقت حركة شعبية واسعة مناهضة لحكومة عبد الله خليل ، حتى بات انهيارها ، عشية الانقلاب ، وشيكاً ، فأقدم على تسليم السلطة لقادة الجيش. ثم مضى البيان فى تحليله قائلاً: ".. ولكن الأغلبية الساحقة من الضباط .. هم جزء من البرجوازية الصغيرة فى بلادنا ، ولهم اتجاهات وطنية ديموقراطية ، وستكون مهمة الاستعماريين تصفية هذه القوة .. وبناء جهاز موال للرجعيين بجانب تصفية الحركة الجماهيرية .. إن حزبنا مواجه بمهام تاريخية كبرى .. يجب ألا نترك القوى الشعبية تتقهقر" (نفسه ، ص 108 ـ 109). ولما كان على الحزب ، خلال العامين التاليين ، وقبل حدوث الانعطاف فى مواقف الأحزاب الأخرى ضد الانقلاب ، أن يتحمَّل وحده ، على صغر حجمه وقلة إمكاناته المادية ، المسئولية عما أعلنه منفرداً من واجب "عدم ترك القوى الشعبية تتقهقر" فى المعركة ضد الديكتاتورية ، فقد كان عليه أن يدفع وحده أيضاً ، طوال العامين المذكورين ، ثمن ذلك الموقف إلى جانب حلفائه وسط القوى النقابية والديموقراطية ، مدنياً وعسكرياً. وعندما أدت مراكمات وملابسات مختلفة إلى تغيير القوى السياسية الأخرى لمواقفها من نظام عبود ، إبتداءً من أواخر 1960م ، بادر الحزب إلى طرح أداة (الإضراب السياسى) بينها لإسقاطه. ولعل هذه الحقيقة التاريخية ، وما استتبعتها من وقائع انتهت بالهزيمة الساحقة لتلك الديكتاتورية العسكرية على أيدى الجماهير العزلاء فى ثورة أكتوبر 1964م ، تكفى ، بمجردها ، للكشف عن مدى التعويل ، فى فكر الحزب ، على طاقات الجماهير ، وقواها الديموقراطية المستقلة المتعدِّدة ، حتى فى معاقلها بين صغار ضباط الجيش. وقد شكلت تلك القوى ، بالفعل ، فى مناطق الوعى ، وبين جماهير الانتاج الحديث ، ووسط صغار الضباط، طاقة الدفع الأساسية لإنجاح الاضراب السياسى وانتصار الثورة. وسوف يعود عبد الخالق ، بعد عقد من الزمن ، لتلخيص الاستنتاجات الرئيسة التى تثبت صحة ذلك الموقف ، بقوله إن ثورة أكتوبر واجهت الفئات التى تداولت الحكم منذ 1954م مدنياً وعسكرياً بجملة من الحقائق المذهلة ، أهمها إمكانية أن تنشأ فى السودان حركة سياسية مستقلة عن تلك الفئات ، وأن تتكون هذه الحركة من منظمات نقابية ومهنية وجماعات سياسية لم يكن لها شأن كبير من قبل ، وأن تستطيع نسف حكم قائم بطريقة مفاجئة للفئات ذات المصالح ، وأن تشكل سلطة لا تنتمى إلى تلك الفئات ، بل وأن ينفصل جهاز الدولة عن السلطة الحاكمة وينضم لتلك القوى السياسية فى الاضراب السياسى كعمل ثورى (جريدة أخبار الأسبوع ، 13/3/1969م). من زاوية أخرى ، فإن طرح الحزب لسلاح (الاضراب السياسى) يشكل ، فى حد ذاته ، وبوضوح تام ، دلالة أخرى على مدى استمساكه بالديموقراطية ، فى معنى وسع المشاركة الجماهيرية المستقلة ، حتى فى مجابهة الديكتاتوريات وكسرها. ففى 29/8/1961م صدر أول بيان من المكتب السياسى للحزب حول (الاضراب السياسى العام) ، فحواه ".. أن الطبقات التى ترتكز عليها القوى الثورية هى الطبقة العاملة والمزارعون والطلبة والبرجوازية الوطنية ، وبالعمل اليومى وسط هذه القوى يمكن أن تعبأ فى إضراب سياسى عام .. يشل النظام .. شللاً تاماً .. إن الإضراب السياسى العام هو توقف الجماهير الثورية عن العمل. ويتم تنفيذه عندما تصل تلك الجماهير إلى وضع لا تحتمل فيه العيش تحت النظام الراهن. إنه عملية وسلسلة وليس ضربة واحدة. وليس المهم هو متى وأين يبدأ .. المهم الارتقاء بالنضال الجماهيرى وتنظيمه ليصل إلى نقطة التنفيذ الشـاملة" (ضمن القـدال ، معالم .. ، ص 119). وبالنظر إلى كون (الاضراب السياسى) أصبح ، منذ ذلك الوقت ، جزءاً عزيزاً من خبرة الجماهير الثورية فى كل من أكتوبر 1964م وأبريل 1985م ، فسوف يعود نُقد ، بعد قرابة الأربعين عاماً ، ليركِّز خبرة (الاضراب السياسـى) باعتباره ".. أداة مجربة وفاعلة لاستعادة الديموقراطية ، وللدفاع عن الديموقراطية التى تعترف مبادؤها بمشروعية انتفاضة الجماهير" ، ليس فقط ضد الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية ، بل وحتى ".. عندما يتنكر الحكام الذين انتخبتهم لمبادئ الديموقراطية". ويخلص السكرتير العام للحزب من ذلك إلى أن تضمين (الاضراب السياسى) و(الانتفاضة) فى البرنامج القادم لهو بمثابة التعبير ، فى سياق هذا الفكر ، "عن الطبيعة الثورية للحزب .. ومسعاه فى أن يواصل تراث الثورة السودانية" منذ الثورة المهدية (مبادئ موجهة ..). لقد اتخذ الحزب ذلك الموقف الصارم من انقلاب 1958م ، رغم أن ذلك الخيار قد يبدو، للوهلة الأولى ، فوق طاقة الحزب المحدودة ، ورغم أن ثمة ثلاث ملاحظات هامة يمكن أن تطرح ، إلى ذلك ، على النحو الآتى: الملاحظة الأولى: أن الانقلاب ، من الناحية الشكلية البحتة ، لم يسلب الحزب سلطة أو حكومة. الملاحظة الثانية: أنه وقع تتويجاً لسلسلة من السياسات الحكومية المعادية لروح الاستقلال والديموقراطية ، والتى استهدفت ، فى كثير من جوانبها ، الحزب نفسه والمنظمات الجماهيرية المستقلة. ومن ذلك ، على سبيل المثال: أ/ الموقف المتعنت الذى اتخذته حكومة السيد عبد الله خليل بإصرارها على عدم السماح للشيوعيين بتكوين حزبهم الشيوعى الدستورى. لقد ظل الشيوعيون يبدون دائماً حرصاً شديداً على اكتساب حقهم الديموقراطى فى ممارسة نشاطهم السياسى والفكرى فى أجواء الشرعية والعلانية ، على عكس (الفلكلور) الذى يشيعه خصومهم حول (حبهم) للعمل من (تحت الأرض)! لقد اضطر الشيوعيون للاختفاء والعمل السرى ، معظم فترات تاريخهم ، على ما يتكبدونه فى ذلك من مشاق ومخاطر فادحة ، بسبب سياسات القمع التى تمارس ضدهم ، رغم مجاهداتهم المشهودة ، منذ أيام الاستعمار ، فى سبيل انتزاع الحركة الشعبية لحرياتها وحقوقها الديموقراطية ، فلكأن الدوح حرام على بلابله ، حلال على الطير من كل جنس! وقد أفاد الشهيد عبد الخالق حول هذه المسألة ، فيما بعد ، قائلاً: ".. كان أول نتاج لتلك الحركة الشعبية دستور الحكم الذاتى الذى طبق على بلادنا أول عام 1954م. ومنذ تلك الفترة وأنا أساهم جاهداً مع كل العاملين لتغيير قوانين الاستعمار بالطرق الديموقراطية حتى أتمكن من تأليف حزب شيوعى دستورى. ولقد انتهزت الفرصة عندما صرَّح وزير خارجية السودان محمد احمد محجوب فى اليونان فى منتصف عام 1957م بأن سياسة حكومته تهدف للسماح للشيوعيين بمزاولة أى نشاط يريدونه فى ظل الدستور ، فحررت خطاباً إلى رئيس الوزراء عبد الله خليل أطلب منه أن يقرن قول السيد محجوب بالعمل ، وأن يتقدم للبرلمان بإلغاء المادة 4 من قانون الجمعيات غير المشروعة ، فصمت عن لا أو نعم! إن هذه الواقعة تؤكد أننى سعيت وأسعى لإيجاد وضع ديموقراطى حق يكفل حرية التنظيم الدستورى لكل مواطن أو جماعة من المواطنين" (ع. الخالق ؛ دفاع .. ، ص 45). واستطراداً ، فقد شدَّد عبد الخالق على وقوف الشيوعيين ، منذ البداية ، فى الصفوف الأولى للدفاع عن الديموقراطية فى البلاد ، وسعيهم ، فى مختلف المراحل ، ".. لإعلاء كلمة السلطة التشريعية فوق السلطة التنفيذية ، وقد ابتدأت تظهر نتائج هذا الاتجاه الديموقراطى السليم فى الأشهر القليلة التى سبقت الانقلاب العسكرى. ولو وصلت الأمور إلى نتائجها المنطقية لكانت البلاد تتمتع .. بنظام برلمانى أكثر ديموقراطية مما مضى .. فمنذ إعلان الاستقلال وحتى يوم مصادرة دستور السودان المؤقت ، ما مرَّ أسبوع إلا وكان هناك اجتماع جماهيرى مفتوح يتحدث فيه قادة الجبهة عن المشاكل التى تواجه البلاد ، فشرحنا للشعب أهمية الديموقراطية ، وتعديل القوانين التى ورثت من عهد الاستعمار ، حتى يستطيع الشعب أن يؤثر فى مجرى الحياة السياسية فى البلاد" (نفسه ، ص 54 ـ 55). ب/ الروح العدائية ونبرة الوعيد اللتان تعاملت بهما حكومة المرحوم عبد الله بك خليل ، الأمين العام لحزب الأمة آنذاك ، مع التعبيرت الجماهيرية السلمية المعارضة لزيارة ريتشارد نيكسون ، نائب الرئيس الأمريكى وقتها ، إلى السودان بغرض تسويق (مشروع أيزنهاور) الاستعمارى ، حيث أصدرت الحكومة بياناً اتهمت فيه "حفنة من الشيوعيين بتهديد الأمن والاستقرار". ج/ تعطيل الحكومة للبرلمان فى يونيو 1958م ، عندما بدأت سحب المعارضة تتجمع ضدها ، وتنذر بسحب الثقة منها. د/ مماطلتها فى الاعتراف بالاتحاد العام لنقابات عمال السودان وتسجيله. هـ/ رد فعلها العنيف فى مواجهة الاضراب الذى قاده الاتحاد بتاريخ 21 أكتوبر 1958م ، بمشاركة 42 نقابة تمثل 98% من مجموع القوى العاملة فى البلاد ، للاحتجاج على تغول الحكومة على حرية العمل النقابى واستقلاله ، ولحملها للدخول فى مفاوضات فورية مع المضربين لمناقشة مطالبهم بتنفيذ بعض الاجراءات الاقتصادية ، كتنويع التجارة الخارجية ، وتأميم القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية ، والتخفيض الفعال فى منصرفات الحكومة. فعلى حين حظى الاضراب والمطالب بمؤازرة قوية من الحزب والجبهة المعادية للاستعمار وجماهير المزارعين والتجار ، بالاضافة إلى طلاب جامعة الخرطوم الذين أضربوا تضامناً ، وبعثوا برسالة إلى اتحاد العمال اعتبروا فيها أن الهجوم على الاتحاد هو الخطوة الأولى نحو حجر الحريات الديموقراطية ، أقدمت الحكومة ، وبالمفارقة لأبسط مبادئ الليبرالية السياسية، على تنظيم (جردة) اعتقلت من خلالها 62 عاملاً ، وحظرت المواكب والتجمعات السياسية فى الخرطوم. وقد وصفت ، وقتها ، صحيفتا (الأيام) و(الرأى العام) المستقلتان الاضراب بأنه نقطة تحول فى نشاط الحركة النقابية (القدال ، معالم .. ، ص 96 ـ 97). و/ وأخيراً تتويج حزب الأمة لهذه السلسلة من الخروقات لأسس الحياة الديموقراطية بتسليم رئيس الوزراء (الأمين العام للحزب) السلطة لكبار الضباط فى 17 نوفمبر 1958م ، بموجب "أوامر .. صادرة من رئيس لمرءوس ، وقد قبلتها ونفذتها على هذا الأساس .. عبد الله خليل هو مهندس الانقلاب ، ولو طلب منا إلغاءه فى أى لحظة لفعلنا فوراً" (إفادة عبود أمام لجنة التحقيق فى إنقلاب 17 نوفمبر 1958م ـ ضمن: تيم نبلوك ، صراع السلطة والثروة فى السودان ، ص 208). ونحمد للسيد الصادق المهدى إقراره غير المسبوق بهذه الواقعة ، بعد مرور أكثر من أربعة عقود عليها (الصحافة ، 10/4/2001م) ، وإن كنا نلمح شيئاً من محاولة (التبرير) التى تنتقص من قيمة (الاقرار) فى استخدامه للفظ (الشبهة) فى وصف دور حزب الأمة ، أو تقديمه لشروحات تحيل الأمر برمته إلى "خلاف فى التقدير" بين رئيس الحزب وبين أمينه العام ، وبناء الأخير "تقديراته" على معلومات بلغته بأن الحزب الوطنى الاتحادى "مجتهد للوصول للحكم" ولو بـ "التآمر" على النظام ، وأنه اتفق مع قيادة الجيش "على أن يكون الاجراء مؤقتاً" ، وأن "تأييد راعى الحزب للانقلاب فى البداية مبنى على سوء فهم" .. الخ (المصدر نفسه). ويلزمنا ، من باب الحرص على مستقبل الديموقراطية فى بلادنا ، التعليق على هامش هذا التصريح المهم بأن من الصعب تصور صلاحيته ، حتى بافتراض الاتفاق على صحته أجمعه ، إلا على سبيل الشرح لبعض الظرف الذاتى لحزب الأمة وقتها ، وتوضيح طبيعة الصراعات التى دارت داخله مع نهاية الخمسينات ، والملابسات التى تم فيها تسليم السلطة من جانب حكومته لأرستقراطية الجيش ، تماماً مثلما لا تصلح الإبانة حول انقسام الحزب الشيوعى أواخر الستينات ، والاطناب فى تفاصيل النشاط المنفلت فكرياً وسياسياً وتنظيمياً لمجموعة السيدين معاوية سورج وأحمد سليمان ، إلا لتسليط الضوء فقط على الظرف الذاتى للحزب وقتها ، والملابسات التى وقع من بينها انقلاب مايو. أما الحقيقة ، بمعايير مؤسسية (التبعات) الحزبية ، فتبقى ماثلة ، فى الحالين ، فى أنه لا القول الأول يصلح لإعفاء حزب الأمة إجمالاً من مسئوليته التاريخية عن إنقلاب كبار الجنرالات فى 1958م ، ولا الثانى يصلح لإعفاء الحزب الشيوعى إجمالاً من مسئوليته التاريخية عن انقلاب (الرواد) فى 1969م. ويبقى المحك هو المدى الذى يستطيع فيه هذا الحزب أو ذاك أن يحوِّل (سالب) واقعه التاريخى إلى (موجب) دروس وعبر. الملاحظة الثالثة: أنه ، وباستثناء الحزب الشيوعى ، فإن الأحزاب أجمعها سارعت لتأييد الانقلاب منذ ساعاته الأولى: أ/ فحزب الأمة لم يكتف بتدبيره ، وإنما أضاف تأييده صراحة عبر البيان الذى أصدره راعيه الإمام عبد الرحمن المهدى ، بعد يومين فقط من وقوعه ، دامغاً فيه كل أطراف العمل السياسى بالفشل: ".. فشلوا جميعاً ، ولم تنجح أى من الحكومات .. وأصيب الشعب بالاحباط ، وهاهو يوم الخلاص ، فقد هب رجال الجيش وأمسكوا بمقاليد الأمور ، ولن يسمحوا للتردد والفوضى والفساد بالعبث فى هذه البلاد ، ولقد منَّ الله علينا برجل يقود الحكومة بالحق والصرامة ، فابشروا بهذه الثورة المباركة ، واذهبوا إلى أعمالكم بهدوء وثقة لتأييد رجال الثورة" (تيم نبلوك ، صراع السلطة والثروة .. ، ص 210). وهو البيان الذى سبق أن أوردنا وصف السيد الصادق له بأنه "مبنى على سوء فهم" ، مشيراً إلى "خلاف فى الرأى" ، بين رئيس الحزب السيد الصديق المهدى وأمينه العام السيد عبد الله بك خليل ، حول عملية "التسليم" (الصحافة ، 10/4/2001م). ومع أهمية هذا الهامش الذى ساقه السيد الصادق على متن الحدث ، يظل من الصعب ، بالنسبة لأثر ذلك "الخلاف" على أى تقدير موضوعى لمسئولية الحزب المؤسسية عن الانقلاب ، إغفال ملاحظة أن رئيس الحزب نفسه ".. لم يعارض إستيلاء العسكريين على السلطة (من حيث المبدأ) ، إلا أنه كان يرى أن يكون دور العسكريين .. مرتبطاً بفترة زمنية قصيرة" (تيم نبلوك ، صراع السلطة والثروة .. ، ص 210). ب/ وحزب الشعب الديموقراطى أيضاً أعلن ، من جانبه ، فى الرسالة التى وجهها راعيه السيد على الميرغنى إلى الشعب فى اليوم الأول للانقلاب: ".. لقد سمعنا بأن الجيش .. تولى مقاليد الحكم .. ونأمل أن تؤدى نوايا ومجهودات الجيش إلى نشر الأمن والاستقرار .. والطمأنينة .. ونسأل الله أن يؤدى ما حدث إلى الخير والنجاح ، وأن يلهم الذين تحملوا المسئولية إلى السداد" (نفسه ، ص 211 ، 212). ومع أنه ليس من المستبعد ، بطبيعة الحال، رد (الحذر) فى ثنايا هذه العبارات إلى عزوف السيد على الميرغنى المأثور عن طرح آرائه بصورة مباشرة ، إلا أنه يبقى وارداً بإلحاح ، فى باب التفسير الأكثر وثوقاً لهذا (الحذر) ، الشك الذى انتاب الختمية ، عموماً ، فى أن يكون النظام الجديد امتداداً عسكرياً لحزب الأمة. فمما يؤكد هذا الشك واقعة تقاربهم ، لاحقاً ، مع النظام فى إثر اتخاذه بعض الاجراءات ذات الدلالة الخاصة فى هذا الاتجاه ، كإبعاد اللواء أحمد عبد الوهاب (المحسوب على حزب الأمة) من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، وتمتين العلاقات مع مصر ، وتوقيع اتفاقية مياه النيل عام 1959م ، فأصبح تأييد الختمية ضرورياً لبقاء النظام ، ولدفع تهمة عدم الشرعية عنه. وهكذا ، عندما قدمت المعارضة مذكرتها لرئيسه عام 1960 مطالبة بعودة الحكم المدنى ، تقدم أغلب قادة الختمية وحزب الشعب الديموقراطى ، وعلى رأسهم الشيخ على عبد الرحمن ومحمد نور الدين ، بمذكرة (كرام المواطنين) فى تأييد النظام العسكرى (نفسه ، ص 212). ولئن كان الكثيرون قد لمحوا (براعة) مشهودة فى صياغة بيان الختمية الأول ، مما جعل موقف التأييد فيه محل استنتاج فقط ، لكون عبارات البيان تعمدت عدم الافصاح المباشر عن هذا التأييد ، فإن (مذكرة كرام المواطنين) التى أرسلت إلى الفريق عبود فى 29/11/1960م جاءت لتعكس ، وبأكثر العبارات إفصاحاً ومباشرة ، موقف التأييد الصارخ للانقلاب ، حتى بعد عامين من وقوعه ، دونما حاجة ، هذه المرة ، إلى طمر المعنى فى (براعة) المبنى ، للدرجة التى بدا فيها هذا الموقف متطابقاً (بأثر رجعى) مع موقف حزب الأمة الأول ، ساعة وقوع الانقلاب. لقد عادت (مذكرة كرام المواطنين) لتصف أهداف (الثورة) التى أعلنها عبود فى (البيان رقم "1") صبيحة 17 نوفمبر 1958م بأنها "أغراض عظيمة" ، وأن الثورة سارت ".. فى عزم وصدق للعمل على تحقيق تلك الأغراض ، وساد البلاد جو من الاستقرار .. ليجنى الشعب ثمرات الاستقلال .. (و) من واجب المواطنين أن يحرصوا .. ويبذلوا كل الجهد، فى أن يسود البلاد جو من الاستقرار .. الخ" (بشير محمد سعيد ؛ الزعيم الأزهرى وعصره ، ص 374 ـ 375 ، ضمن: د. حيدر أبراهيم على ؛ ورقة فى ندوة تقييم التجارب الديموقراطية ..، أنظر: الديموقراطية فى السودان: البعد التاريخى والوضع الراهن وآفاق المستقبل ، ص 39). واستطراداً فسوف يعود الشيخ على عبد الرحمن لتكرار نفس هذا الموقف بعد انقلاب مايو 1969م بقوله: ".. أصبح مجرد التفكير فى الأنظمة الحزبية السابقة وطريقة إصلاحها .. نكسة ورجعة إلى الوراء .. وها هى البلاد التقدمية ، على وجه العموم ، والجمهورية العربية المتحدة (مصر على أيام عبد الناصر ـ الكاتب) ، على وجه الخصوص، قد قطعت شوطاً كبيراً فى تطبيق نظام الحزب الواحد كأسلوب ديموقراطى يوحد الأمة ، ويحدد خطها السياسى" (على عبد الرحمن الأمين ؛ الديموقراطية والاشتراكية فى السودان ، ص 40). ج/ أما الحزب الوطنى الاتحادى فقد بعث أمينه العام خضر حمد ببرقية تهنئة إلى الفريق عبود من القاهرة ، فى اليوم التالى مباشرة للانقلاب ، يطالبه فيها باتخاذ إجراءات ضد الفساد والمفسدين. وكتب فى مذكراته ، فيما بعد ، أنه بعد عودته للسودان قابل المرحوم إسماعيل الأزهرى الذى عبر له عن ثقته فى وطنية عبود وجماعته ، ورأى أن يعطوا الفرصة ليعملوا فلعلهم يوفقون فيما فشلت فيه الأحزاب ، وأنهم لن يضعوا من جانبهم أى عراقيل أمامهم ، وسيفسحون لهم الطريق للعمل المثمر ، لأن المهم هو خير البلد. واقترح عليه أن يزور اللواء أحمد عبد الوهاب ثم عبود ، فقام بالزيارتين ونقل خلالهما رأى أزهرى (مذكرات خضر حمد، ضمن القدال ، معالم .. ، ص 107). د/ وأما الأخوان المسلمون الذين لم يعاملوا بواسطة الحكم العسكرى الجديد كحزب سياسى ، وإنما كجمعية دينية ، والذين كان نشاطهم محصوراً فقط وسط الطلاب ، فقد أيدوا الانقلاب صراحة ، أيضاً ، حيث كتبت صحيفتهم (الأخوان المسلمون) بتاريخ 1/12/1958م تقول: "إن البداية التى سارت عليها الحكومة فى تصحيح الأوضاع الفاسدة تدعو للاطمئنان" (نفسه). (2/3/12) وليس ثمة ما هو أوضح ، فى تفسير دوافع الحزب الشيوعى لاتخاذ ذلك الموقف المتفرِّد من انقلاب نوفمبر 1958م ، من وثيقة المؤتمر الرابع ، بعد تلك الأحداث بعدة سنوات (أكتوبر 1967م) ، والتى أوردت ، فى سياق تحليلها لوقائع تلك الفترة: ".. لقد أدى العجز الموضوعى للنظام .. فى مواجهة قضايا ما بعد الاستقلال .. إلى أزمة حادة فى البلاد. يقابل هذا نمو متزايد فى العناصر الثورية ، وخاصة الحزب الشيوعى ، بين الحركة الجماهيرية ، وكان زمام المبادرة فى يد القوى اليمينية المتطرفة ، فنقلت الصراع الطبقى من حيزه السلمى إلى دكتاتورية عسكرية موجهة فى الأساس إلى صدر القوى الديموقراطية. فما عجزوا عنه بالصراع السلمى أرادوا تحقيقه بالصراع الدموى" (الماركسية وقضايا الثورة السودانية ، ص 108). (2/3/13) وإلى ذلك كله ، فإن ثقلاً معتبراً من الجهد الفكرى والسياسى الذى ظل الحزب الشيوعى يبذله ، طوال تاريخه ، وبخاصة فى جبهة الصراع مع الاتجاهات التصفوية داخله ، قد انصب على المنافحة عن ديموقراطية الحركة النقابية ، كتنظيمات مهنية تعمل على تحسين أوضاع أعضائها ، بصرف النظر عن تباين انتماءاتهم السياسية ، والتفريق بينها وبين الأحزاب كتنظيمات طبقية تستهدف السلطة بالأساس. وذلك ، رغم الدور التاريخى الفعال الذى لعبه الحزب فى تأسيس تلك النقابات ، والمراكز القيادية المرموقة التى تبوَّأها الكثير من كادره فيها بالانتخاب الديموقراطى ، الأمر الذى كان من الممكن أن يشكِّل إغواءً حقيقياً له باستسهال العمل على تجييرها لخدمة أهدافه السياسية المباشرة. ويلزمنا ، هنا ، ومن باب الدقة والاستقامة الواجبة ، أن نسارع للقول بأن الحزب لم يكن نادراً ما يشهد بروز مثل هذه الاتجاهات فى تاريخه. فقد برز ، على سبيل المثال ، عام 1970م ، ضمن وقائع الصراع الذى احتدم داخله ، عقب إنقلاب مايو ، الاتجاه لدعوة السلطة للتدخل لضمان سيطرة القوى التقدمية على قيادة الحركة النقابية: (حاسم حاسم يا ابو القاسم) .. الخ! غير أن التيار الغالب وقتها (جناح عبد الخالق) تصدى لهذه الدعوة المنحرفة بحزم ، حيث أكدت مجلة (الشيوعى) فى حينها: "أن تحرير الجماهير العاملة من نفوذ الطبقات الرجعية لا يتم بقرار إدارى تصدره السلطة .. (و) أن التنظيمات الديموقراطية ليست أجهزة رسمية ، بل أدوات شعبية فى يد الجماهير ، ويجب أن تظل كذلك ، وقد ناضل الحزب الشيوعى فى كافة الظروف لتحافظ تلك التنظيمات على هذه الصفة" (م/الشيوعى ، ع/134). ونسارع ، أيضاً ، لتأكيد ما سبق ذكره من أننا ، بإيرادنا لهذه الواقعة ، لا نرمى إلى تبرير سلوكيات سياسية فاسدة ارتكبها أعضاء نافذون فى قيادة وقواعد الحزب ، أو إبراء ذمته من المسئولية عنها بالكلية ، بقدر ما نهدف إلى إضاءة جوانب من الصراع داخله حول إحدى أهم القضايا المركزية فى تاريخنا السياسى الحديث: قضية الديموقراطية. يتبع.. |
(3)
(3/1) لكن ، ولئن كان ضرباً من المكابرة الغليظة الادعاء بأن موقف الشيوعيين السودانيين من الديموقراطية الليبرالية ظل قائماً باتساق لا يتغير طوال الوقت ، فإن من فساد النظر اللاتاريخى ، الذى لا يرتب درساً ولا يخلف عبرة ، عدم استصحاب المسببات والعوامل التى دفعت بالحزب ، فى بعض معارج تاريخنا السياسى المعاصر ، إلى حال التراجع عن استمساكه القديم بتلك الديموقراطية. إن من بين مقاصد هذا المقال الحضَّ على الاعتبار بدروس هذه (المسببات والعوامل) ، ليس من جانب الشيوعيين وحدهم ، بل ومن جانب كافة أطراف الحركة الوطنية فى بلادنا ، إذا كنا نروم ، حقاً وفعلاً ، فتح طريق سالكة لتحقيق أهداف هذه الحركة ، بتجاوز أخطاء الماضى التى ، وإن وجب تحميل الشـيوعيين نصيبهم فيها ، فإنه لا يجوز أن يعفى الآخرون أنفسهم من أى قسط منها ، اللهم إلا بالمصادمة لحقائق التاريخ الباردة ومنطقه الصارم. ومن بداهات الوجدان السليم انتفاء الحكمة عن تصوُّر الدوح حراماً على بلابله ، حلالاً على الطير من كل جنس (!) رغم أن عبرة التاريخ التى لا بد قد (تجرعها) الجميع ، الآن ، حتى الثمالة هى أن (الاعتداء) على الديموقراطية ليس (دوحة) يمكن لعاقل أن يتفيَّأ ظلها ، بل هى (حمارة القيظ) ذاتها!! نعم ، لقد حدث أن تراجع الشيوعيون ، بالفعل ، فى فترات من هذا التاريخ ، عن لغة ذلك الخطاب (الديموقراطى الليبرالى) القديم ، المتوطن فى مبادئ الحريات العامة والحقوق الأساسية ، وانقلبوا يبحثون عن (ديموقراطية أخرى) تتمتع بها فقط الجماهير الشعبية الوطنية والديموقراطية بينما تحرم منها الفئات المعادية للثورة الديموقراطية (الماركسية وقضايا الثورة السودانية ، ص 132) ، وأطلقوا على ذلك مصطلحات (الديموقراطية الثورية) و(الديموقراطية الجديدة) وما إلى ذلك من الطروحات التى لطالما سحبت أقدامهم ، فى فترات معلومة من تاريخهم ، للتورط فى تدبير انقلابات ، ودعم انقلابات ، والتعاطف مع انقلابات ، مما كان ينسجم ورؤيتهم التى تبلورت ، وقتها ، حول إشكالية الصراع السياسى ، وسلطة الحزب الواحد ، والشمولية ، وذلك بفعل تلك (المسببات والعوامل) التى يتوجب على الجميع التمكُّث فى تأملها بتجرُّد ودراستها برويَّة. (3/2) فمع أن تلك الرؤية لم تكن مفتقرة أصلاً إلى التأسيس النظرى فى قلب التربة الفكرية للماركسية اللينينية ، وتحديداً لطبعتها الروسية التى سعت لتعميم هجائيات الديموقراطية الليبرالية من واقع خبرة الثورة العظيمة فى ذلك البلد البعيد بظروفه الخاصة ، بالاضافة إلى تأثيرات الحركة الشيوعية العالمية وحركة اليسار ، عموماً ، فى العالم وفى المنطقة ، بمحدِّداتها الموضوعية والذاتية ، وأشراطها التاريخية المعلومة ، إلا أنه يقع صحيحاً أيضاً القول بأنها ، وبرغم كل ما أبداه الحزب من مقاومة لإغواء الانكفاء على النصوص ، تسربت إلى فكر الحزب ، بخاصة ، من بين ملابسات الاعتداءات والمخاشنات المتواترة والمحبطة ، باسم ذات الليبرالية فى الممارسة الديموقراطية البرلمانية السودانية ، ضده وضد الحركة الجماهيرية المستقلة كلها ، على يد ذات القوى التقليدية التى سبق ، للمفارقة ، أن أعلنت ارتضائها بها منهجاً للحكم وللحياة السياسية فى البلاد: أ/ فمنذ مطالع الاستقلال عمدت تلك القوى لاختزال كل قيمة له ، وأى معنى يمكن أن ينطوى عليه ، فى محض (عَلـَم) يُرفع ، و(سلام جمهورى) يُعزف ، وربما (عملة وطنية) يجرى تداولها بين الأغنياء بخاصة! ولم يكن شعار (تحرير لا تعمير) ، فى تلك الفترة ، غير صياغة شديدة الإحكام لتلك الرؤية الخرقاء. ولقد توَّجت تلك القوى ، كما ذكرنا ، مسلسل خروجها المتكرر على أسس الديموقراطية البرلمانية الليبرالية ، خلال الأشهر القلائل التى أعقبت الاستقلال ، وفى سياق صراعاتها الكيدية فيما بينها حول كراسى الحكم ، وبَرَمِها بمطلب توسيع رقعة الحريات والحقوق السياسية ، كقضية لا تنفصل عن النضال ضد تغلغل الاستعمار الحديث ، وذلك بإقدامها على وضع السلطة ذاتها ، فى 17 نوفمبر 1958م ، فى أيدى كبار الجنرالات بـ (تعليمات) من المرحوم عبد الله بك خليل ، الذى لم يسجل تاريخ حزب الأمة ، حتى الآن ، على ضخامة التغييرات الفكرية والسياسية والتنظيمية التى شهدها عبر مسيرة تطوره ، أية محاسبة سياسية له ، أو مراجعة تتسم بالمباشرة والشفافية لتلك (الكارثة) التى ورط حزبه والبلاد بأسرها فيها، فكبدت الشعب ست سنوات من الحكم الشمولى ، باستثناء ما سلف إيراده من إشارة السيد الصادق المهدى عالية القيمة ، وغير المسبوقة ، على ما شابها من مسحة التبرير (الصحافة ، 10/4/2001م). ب/ وفى أعقاب ثورة أكتوبر 1964م لم يهدأ للقوى التقليدية بال حتى قطعت أمرها فيما بينها للاجهاز على حكومة الثورة الأولى. ثم سرعان ما أعدت كامل عدتها للانقضاض على الحزب ، وتدبير حله ، وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية ، بالاستناد إلى أصوات الأغلبية الميكانيكية داخلها ، والمشاعر البدائية المنفعلة بالتحريض الغوغائى خارجها ، مما أسماه عبد الخالق (عنف البادية) الذى أطلقته القوى التقليدية من عقاله ، مدججاً بكل ما أوتى من همجية وأسلحة بيضاء ، لمهاجمة الشيوعيين ودور حزبهم ، بهدف قطع الطريق نهائياً أمام الاندياح الملحوظ آنذاك لنفوذه بين الجماهير ، مستغلة فى ذلك حادثة معهد المعلمين العالى الشهيرة ، والمشكوك فى أمرها ، عام 1965م ، والتى أريد لها أن تفجر الفتنة بحديث مجترىء على الدين لطالب مجهول الهوية ، جرت نسبته إلى الحزب فى هستيريا من الغوغائية ، والعجلة ، واللهوجة ، وعدم الرغبة فى التثبت. بل إن نائب حزب الأمة محمد ابراهيم خليل ، لم يجد فى نفسه حرجاً كى يعلن على رءوس الأشهاد ، وفى لحظة صدق نادرة فضحت المسكوت عنه فى مهرجان التباكى على الدين الذى تم نصبه فى جلسة البرلمان بتاريخ 15/11/1965م ، أنه "ليس من المهم إن كان (ذلك) الطالب شيوعياً أم غير شيوعى"!! (ضمن القدال، معالم .. ، ص 155). ومن عجب أن يقال ذلك تحت عنوان (الدفاع عن الديموقراطية)!! فبعد أن تقدم محمد احمد محجوب ، زعيم الجمعية ورئيس الوزراء ، فى تلك الجلسة ، بطلب إلى رئيس الجمعية برفع المادة (25/8) من اللائحة الداخلية لمناقشة أمر (عاجل) ، تلى الرئيس اقتراحاً تقدم به ستة أعضاء يقول: "إنه من رأى هذه الجمعية التأسيسية .. ولتجربة الحكم الديموقراطى فى البلاد (!) وفقدانه للحماية اللازمة لنموه وتطوره (!) .. أن تكلف الحكومة للتقدم بمشروع قانون يحل بموجبه الحزب الشيوعى السودانى" .. الخ!! (نفسه ، ص 154). وإذاً ، فكل معضلات ما بعد ثورة أكتوبر ، وكل مصاعب إعادة بناء ما خربته الديكتاتورية العسكرية على كافة الأصعدة الاقتصادية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والثقافية ، وجبهة الحرب فى الجنوب ، وجبهة العلاقات الخارجية ، كان سببه ، ببساطة .. الحزب الشيوعى! وبحله وطرد نوابه من البرلمان سوف تستقيم الأمور كلها! وسوف تتوطد تجربة الحكم (الديموقراطى)! وتكتسب المناعة المفقودة ، واللازمة لنموها وتطورها! وما أن فتح باب (الخطب) ، حتى انبرى (خطباء) المؤسسة التقليدية ، يهرفون بما لا يعرفون ، ويكيلون للحزب تهماً إنشائية لم يستشعر أى واحد منهم وازعاً من ضمير كى يكلف نفسه بالوقوف على شئ من حقيقتها ، ولو بالحد الأدنى من قيم القسط والعدل مما يحض عليه الاسلام الذى راحوا يتحشدون باسمه ، دع عنك أى مستوى من المسئولية تجاه الشعب والوطن. فالدكتور الترابى ، مثلاً ، لم يكن أقل صراحة من السيد محمد ابراهيم خليل فى الاعتراف بالنية المبيتة لحل الحزب وطرد نوابه من البرلمان ، بصرف النظر عن حديث الطالب الغِر. ووجه زعيم جبهة الميثاق الاسلامى ، آنذاك ، خمس تهم للحزب هى: الإيمان ، الأخلاق ، الديموقراطية ، الوحدة الوطنية ، الاخلاص للوطن !! (نفسه ، ص 155). أما المرحوم نصر الدين السيد فقد جحد الشيوعيين حتى نضالهم ضد ديكتاتورية عبود ، ومشاركتهم فى استعادة النظام الديموقراطى البرلمانى الليبرالى (!) قائلاً: "إن الحزب الوطنى الاتحادى هو الحزب الوحيد الذى وقف ضد الحكم العسكرى من ميلاده إلى مصرعه"!! ولم يفته ، بالطبع ، أن يدلى بدلوه فى مهرجان (التكفير) المنصوب تحت قبة (البرلمان الديموقراطى) فراح يتهم الشيوعيين بأنهم ".. يلقنون أبناءنا بأن الله لا وجود له وأن هذا الدين خرافة!!" وعندما ألفى نفسه مضطراً لإثبات ما يقول ، لم يتردد البتة ، غفر الله له ، فى إبلاغ نواب الشعب ، وهم يتهيَّأون لإصدار أحد أهم وأخطر القرارات فى تاريخ البرلمانية السودانية: "هذا ما قاله لى أخ قادم من موسكو ، قل أعوذ بالله من هذا .. وأطلب من الله عز وجل أن يحيينا مسلمين ويميتنا مسلمين إن شاء الله !!" (نفسه ، ص 156) صوت واحد ارتفع من وسط كل (زفة) التهريج التى شهدتها تلك الجلسة ، مشحوناً بكل دلالات الحكمة ، والشجاعة ، وصدق المواجهة مع النفس ، وأمانة النيابة عن الشعب. فلقد أتيح للسيد حسن بابكر الحاج ، نائب الدائرة (3) عن الوطنى الاتحادى ، أن يلمح وراء تلك التعبيرات الملتبسة المخاتلة بشاعة الاتجار بالدين ، والمنطق المقلوب على رأسه ، فنهض ينبه الأذهان الغافلة ، ويسدى النصح لكل من ألقى السمع وهو شهيد: "إن هناك طالباً سفيهاً يقال إنه أساء للرسول الكريم والدين الاسلامى ، فقامت مظاهرات .. تطالب بحل الحزب الشيوعى. ولنفترض أن أحد أعضاء الحزب الوطنى الاتحادى تفوه بمثل ما تفوه به الطالب السفيه ، فماذا يكون موقف الوطنى الاتحادى"؟ ثم خاطب النواب قائلاً: "رجائى أن تتركوا الحماس جانباً وتحموا الديموقراطية التى عادت إلينا بعد تضحيات .. فتأكدوا أنها ستنزع برمتها منكم كما انتزعت فى الماضى .. ولا أريد أن أسجل حرباً على الديموقراطية. فخير لأبنائى أن يدفنونى شهيداً من شهداء الديموقراطية بدلاً من أن أعيش فى عهد توأد فيه الديموقراطية" (نفسه). ولكن الديموقراطية وئدت ، وما من سميع ، ولا من مجيب! وئدت برغم الرأى العام الغاضب خارج البرلمان ، وبرغم كلمات الحق التى جلجلت فى حديث السيد نائب الوطنى الاتحادى ، وبرغم الكلمات الحارة لنواب الحزب الشيوعى فى دحض التهم التى ما انفكت تتطاير فى أرجاء القاعة ، ومن ذلك تأكيد نائب الخريجين ، آنذاك ، محمد ابراهيم نقد على أن الحزب الشيوعى برئ من تهمة الالحاد التى يحاولون إلصاقها به ، وأن موقف الحزب من الدين واضح فى دستوره ، وفى تاريخه الطويل ، وتاريخ أعضائه ، وتأكيده أيضاً على انهم لا يقولون ذلك عن خوف ".. وإننا لا نخاف ، فلم نتعود الخوف فى الماضى ولن نتعوده اليوم" (نفسه ، ص 157). ومع أن الحزب أصر على التمسك بالديموقراطية ، والسير فى طريقها حتى نهاية الشوط، فطرق أبواب القضاء ، ونجح ، بالفعل ، فى استصدار حكم ببطلان تلك القرارات ، إلا أن القوى التقليدية ، إمعاناً منها فى مصادمة البداهة الديموقراطية ، أعلنت ، جهاراً نهاراً ، رفضها الانصياع لكلمة القضاء المستقل ، واصفة حكمه بأنه (تقريرى) لا إلزام فيه. وأصدر د. حسن الترابى ، أحد أبرز وأنشط المنظرين لذلك الموقف كراسة كاملة سعى من خلالها حثيثاً لنفى أية قيمة لقضاء المحكمة العليا ، الصادر فى 22/12/1966م ، ببطلان مجمل (الاجراءات) التى اتخذتها الجمعية التأسيسية بتعديل الدستور ، فى 22/11/1965م ، لحل الحزب وطرد نوابه من البرلمان، باقتراح من د. الترابى نفسه، فى جلسة 16/ 11/ 1965م، وكذلك لإثبات قيومية قرارات الجمعية التأسيسية على أحكام القضاء ، حتى لو قفزت تلك القرارات من فوق نصوص الدستور ، أو صدرت بالمصادمة لضمانات الحريات العامة والحقوق الأساسية فيه (د. حسن الترابى ؛ أضواء على المشكلة الدستورية: بحث قانونى مبسط حول مشروعية حل الحزب الشيوعى ، يناير 1967م). وكم كانت لاذعة ، فى هذا الشأن ، كلمة الاستاذ محمود محمد طه ، رغم خلافه الفكرى هو نفسه مع الماركسية ، فى كتابه الذى أصدره ، بالمقابل ، وفى معرض الرد على د. الترابى تحت عنوان (زعيم جبهة الميثاق الاسلامى فى ميزان: الثقافة الغربية ـ الإسلام ، أضواء على المشكلة الدستورية) حيث وصف كتاب د. الترابى بأنه: "لا قيمة له ولا خطر ، لأنه متهافت، ولأنه سطحى ، ولأنه ينضح بالغرض ويتسم بقلة الذكاء الفطرى" (ضمن القدال، معالم .. ، ص 161). (3/3) ولئن كانت المنطلقات الفكرية للدكتور الترابى ، ودوافعه السياسية ، معلومة بدرجة لا يعود معها ثمة سبب للدهشة بإزاء ما يصدر عنه فى هذا الشأن ، فإن المرء ليحتار كثيراً فى موقف زعيم سياسى آخر ، يختزل نموذجه مواقف كل الديموقراطيين الليبراليين إبان تلك الأزمة ، لكونه أبرز من ارتبط اسمه بالديموقراطية البرلمانية الليبرالية فى السودان ، طوال حياته ، بل وبعد رحيله ، وهو المرحوم إسماعيل الأزهرى. فعندما اتجهت المظاهرات الهستيرية التى دبرها (الأخوان المسلمون) إلى منزله ، عقب صلاة الجمعة 13/11/1965م ، داعية إياه ، بوصفه رئيساً لمجلس السيادة آنذاك ، للانضمام إلى (جردة) الاعتداء على الحريات والحقوق الدستورية ، لم يستنكر رافع العَلـَم ، وواضع كتاب (الطريق إلى البرلمان)، ورئيس أول حكومة وطنية تشكلت عبر صناديق الاقتراع ، أن تدعوه الهتافات الغوغائية للقفز من فوق كل المبادئ والأسس الديموقراطية ، ولم يستنكف أن يبدى ، على عكس المتوقع ، إستجابة مدهشة ، وحماسة محيرة ، حين وقف يخاطب حشود (الهتيفة) من شرفة المنزل ، مؤكداً لهم أنه معهم (!) ومعلناً ، بالاستباق لكل ما يمكن أن تتمخض عنه المداولات المؤسسية من قرارات ، أن الحكومة والجمعية التأسيسية "سوف تضعان" حداً لهذا الفساد (!) بل ومهدداً ، فوق ذلك ، وبكل وزنه السياسى وثقله التاريخى وجاذبيته الشعبية ، بأن الحكومة والجمعية التأسيسية إن لم تفعلا ذلك ، فإنه سوف "ينزل بنفسه" مع تلك الحشود إلى الشارع لتطهير البلد (!) (المصدر ، ص 153). فضُّ الحيرة بإزاء هذا الموقف المتناقض نلتمسه فى إحالة الأمر برمته إلى أزمة الشكلانية فى فهم وممارسة الديموقراطية لدى الأحزاب التقليدية ، وقادتها من السياسيين السودانيين المؤثرين ، والزعيم الأزهرى فى مقدمتهم بلا ريب. ونجد أنفسنا متفقين تماماً ، فى هذا الاتجاه ، مع تحليلات د. حيدر أبراهيم على الصائبة ، والتى تنطلق من فرضية موفقة مؤداها أن ".. الديموقراطية الشكلية ، التى تنسى جوهر ومبادئ الديموقراطية ، قد غلبت طوال تاريخ السودان السياسى. فقد انصب الاهتمام على الحزبية البرلمانية ، وقوانين الانتخابات ، والدستور ، وإجراءات النقاش ، وفصل السلطات .. الخ. و .. إسماعيل الأزهرى .. دشن هذا الاتجاه بكتابه (الطريق إلى البرلمان) ، وامتد هذا التصور حتى الديموقراطية الثالثة .. (و) تظهر شكلانية الأزهرى فى فهمه للديموقراطية من خلال غياب تعريف وتحليل ومحاورة لفلسفة الديموقراطية ومحتواها .. فهو يفتتح الكتاب بالحديث عن قواعد النظام البرلمانى ، وليس عن أسسه وخلفيته الفكرية أو الاقتصادية ـ الاجتماعية التى أوجدته فى التاريخ الإنسانى. وكأنه يرى أن تقليد .. القواعد .. كفيل بخلق نظام برلمانى ديموقراطى". ويمضى د. حيدر فى تحليلاته قائلاً: "فى تلك الفترة من تاريخ الحركة الوطنية السودانية كان من المفترض أن تطرح القضايا الأساسية التى تواجهنا اليوم ، مثل الهوية ، العلاقة بين الدين والدولة ، التنمية المتوازنة ، الثورة الثقافية والتعليمية .. (خاصة وأن) الحركة الوطنية كانت تحت قيادة الخريجين .. و .. كانت أندية الخريجين .. منابر نقاش وحوار ، ولكن مع اقتراب الاستقلال تغلب السياسوى والحزبى على .. الفكرى والتنظيرى". ويقارن د. حيدر بين حالتنا وحالة بلدان أخرى فى نفس تلك الفترة ، حيث ".. عرف العالم زعماء مفكرين .. مثل نهرو .. ونكروما .. كانوا رجال دولة .. لهم إسهامات فى الكتابة السياسية. من هنا يأتى التوقع الذى لم يتحقق بضرورة أن يرتكز كتاب مثل (الطريق إلى البرلمان) على تنظير ما ، وتفكير تأسيسى لصورة سودان المستقبل". ثم يخلص الكاتب إلى أنه و ".. رغم أهمية الكتاب فى توصيل قواعد النظام البرلمانى لعامة الناس .. ولكن غاياته متواضعة ، وتقل عن واجبات الزعامة الحقيقية فى تربية شعبها ، وإيقاظ وعيه ، وتعميق هذا الوعى" (د. حيدر أبراهيم على ؛ ورقة فى ندوة تقييم التجارب الديموقراطية .. ، مرجع سابق، ص 33 ـ 35). (3/4) بإجهاز القوى التقليدية ، إذاً ، على حكومة ثورة أكتوبر الأولى ، وفشلها فى النهوض بالمهام التى طرحتها الثورة ، وإدارتها الظهر لقضايا التنمية ، وعجزها عن إيقاف الحرب الأهلية فى الجنوب ، وانصرافها عن مهام تعميق الديموقراطية إلى شن حربها (المقدسة) ضد الحزب الشيوعى وقوى الدفاع عن هذه الديموقراطية تارة ، وللانشغال بصراعاتها الداخلية ، وانشقاقات أجنحتها المختلفة ، تارة أخرى ، ثم انغماسها فى ترتيبات ما أسمته بـ (الدستور الاسلامى) ، متوهمة فيه حلاً لجميع مشكلاتها ، بل وتأبيداً لسلطتها فى وجه حركة جماهيرية أضحت تتهددها بالتجاوز ، تكون قد أتمت عملية إجهاض الثورة ، بزاوية انحراف كاملة ، وارتكست بالبلاد كلها فى حمأة تعانف عبثى انتهى بها جدلياً إلى إنقلاب البكباشى جعفر نميرى صبيحة 25 مايو 1969م. نتريث هنا لنقرأ للسيد الصادق المهدى عن بعض وقائع تلك الفترة أن تحالف الجبهة الوطنية المتحدة ضد عبود إستمر حتى ثورة أكتوبر ".. ولكن بعد ثورة أكتوبر ظهرت قوى يسارية تريد أن تتجاوز التركيبة السياسية الموجودة ، وكونت جبهة الهيئات ، وتم تكوينها خارج الجبهة الوطنية المتحدة" (صحيفة الرأى العام ، 31/3/2001م). السياق الوارد فيه هذا الحديث يستتبع فهماً محدداً يفيد أولاً: أن الأحزاب التقليدية المتحالفة فى إطار الجبهة الوطنية المتحدة هى وحدها التى تمثل "التركيبة السياسية الموجودة" (!) وثانياً: أن صفة وجود هذه التركيبة السياسية هى الديمومة والثبات الأزليين (!) وثالثاً: أن هذه التركيبة وحدها هى التى يحِلُّ لها تشكيل التحالفات ، فليس ثمة خيار أمام اليسار سوى الالتحاق بها إن أراد أو .. الانتحار (!) ورابعاً: أنه ، فيما عدا ذلك ، يُحرَّم على اليسار عقد أى تحالفات أخرى يسعى من خلالها إلى تجاوز هذه التركيبة الموجودة (!) فإذا أضفنا إلى كل ذلك أن هذه المعادلة ، التى لطالما تسببت فى الإضرار بمسيرة التطور الديموقراطى فى البلاد ، بقيت قائمة بثبات لا يتزحزح ضمن شروط القوى التقليدية لممارسة (الشراكة) الديموقراطية ، سواء بمصطلح (التركيبة السياسية الموجودة) ، أم بمصطلح (الأحزاب الكبيرة) ، الذى يتردد الآن كثيراً فى ملابسات التفكيك الجارى فى جبهة القوى الساعية ، افتراضاً ، لاسترداد الديموقراطية ، فإننا لا نستطيع ، والأمر كذلك ، مقاومة إلحاح السؤال عن جدوى أية حركة سياسية ، أصلاً ، طالما كان محكوماً عليها بأن "تعيش أبد الدهر بين الحفر" ، ومكتوباً عليها ، حتى قبل ولادتها ، بألا تطمح للانطلاق ، أو التخطى ، أو (التجاوز)؟! وإذا كان النهج الديموقراطى ، إجرائياً ، هو جماع أشراط وقواعد يتم التواثق على (الشراكة) فى صونها ، والتحاكم إليها ، بين أطراف مختلفين ، فمن ذا الذى يمكن أن يقبل التواثق ، مع كائن من كان ، على صون أشراط مستحيلة كهذى ، أو التحاكم إليها؟! أية هِمَّة يمكن أن ترتفع تحت قبضة هذا الشرط الخانق بأن يبقى الكبير كبيراً والصغير صغيراً إلى الأبد ؟! من ذا الذى يضع الأنشوطة بيديه حول عنقه ؟! وأى عاقل ذاك الذى يقنع بأن "يذود الطير عن شجر وهو يبلو المر من ثمره" ؟! إن اختلاف الرؤى السياسية ليس مدعاة لجحد السيد الصادق جهوده الفكرية الرفيعة ، وبخاصة أطروحاته الفقهية المجدِّدة فى حقل الاسلام السياسى المعاصر ، ومنها سعيه الجرئ لتوطين حقوق الانسان والديموقراطية نفسها فى تربة الإسلام ، وكذا استقامته الشجاعة فى الاعتراف بالخطأ فى حل الحزب الشيوعى، والاعتذار عنه ، ولو بعد عشرين عاماً ]]]] ، بقوله إن "ما حدث كان انفعالاً .. إن الذى حدث فى موضوع حل الحزب الشيوعى كان موقفاً سياسياً غير محسوب نتج عن موقف انفعالى" (حديث لمجلة طلاب جامعة الخرطوم عام 1985م ـ ضمن القدال ، معالم ..، ص 162). ولكن الحيرة تبرز مع كل ذلك ، بل ولكل ذلك ، بإزاء المجتزأ المنقول أعلاه من حديث الرجل لصحيفة (الرأى العام) عن (اليسار والتركيبة السياسية الموجودة) كأحدث إفاداته (31/3/2001م) حول قضية الديموقراطية والحريات الليبرالية. ومن ثمَّ وجب استيضاحه حول هذا الموقف المتناقض فى شأن مسألة كانت ، وما تزال ، وسوف تظل ذات أثر وخطر عظيمين بالنسبة لمستقبل تطوُّرنا السياسى بأسره: هل الديموقراطية مطلوبة ، حقاً وفعلاً ، لإحسان تدافعنا (بالمصطلح القرآنى) ، طالما أنه لا مناص من هذا التدافع ، ولا فكاك ، ولا مهرب ، وذلك بإدارته فى أرفع مستويات السلم والتحضر والعدالة وحكم القسط ، أم هى مطلوبة ، فحسب ، لتجميل استقواء (التركيبة الموجودة) على (التركيبة الطامحة) ، مع اتخاذ كافة التدابير الأخرى اللازمة لتأبيد سطوة الأولى على الأخرى ، حتى لو اقتضى الأمر المخاطرة بتجميد الدم فى شرايين الحياة الديموقراطية ذاتها ، وكتم أنفاسها ، كما جرى فى نوفمبر 1958م ، ومايو 1969م ، ويونيو 1989م ؟! هنا ، وبسبب مثل هذه النماذج على وجه التحديد ، ولكيلا تهوى نقيصة (الالتباس) بفضيلة (الاعتراف) ، خصوصاً عندما يصدر من رجل فى قامة الصادق المهدى الفكرية والسياسية ، تتبدى ساطعة جدوى المطالبة بتطوير إيماءة (الاعتذار) ، على بهائها ، إلى موقف (نقد الذات) قطعى الورود والدلالة. (3/5) مهما يكن من أمر ، فالمؤكد أن تلك الأحداث ، التى لم تحظ عبرتها ، فيما يبدو حتى الآن ، بما يكفى من الاعتبار ، سوف تبقى راسخة فى ذاكـرة التجربة الديموقراطية فى بلادنا ، كعلامة بارزة على أزمتها العميقة المتوطنة فى طابعها الشكلانى ، وارتهانها لشيوع مفاهيم القطاع التقليدى ، فى أفق الفكر السياسى للأحزاب والقوى التى ما انفكت تفرط فى هذه الديموقراطية ، المرة تلو المرة ، بأعجل ما تيسر ، كى تعود ، المرة تلو المرة ، بأبطأ ما تيسر ، لتسلخ أعماراً بأكملها فى مناجزة الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية ، بأفدح التضحيات وأبهظ الأثمان ، ما بين صقيع المهاجر والمنافى ، ووحشة السجون والمعتقلات ، وقطع الأرزاق ، بل وقطع .. الأعناق فى أقبية التعذيب ، وساحات الاعدام ، وطقوس الطمر الليلى فى المقابر الجماعية المجهولة! إن القوى السياسية التقليدية ـ باندفاعها فى أعقاب ثورة أكتوبر على طريق الاستهداف لوجود الحزب الشيوعى ، شلاًّ لنشاطه ، ومحاولة للحدِّ من تأثيره ، وتحجيم دائرة نفوذه ، وباستخدامها (الديموقراطية البرلمانية الليبرالية) ذاتها ، للمفارقة ، معولاً لحله ، ولطرد نوابه من الجمعية التأسيسية ، وللانتقاص من سلطان القضاء المستقل ـ إنما كانت تسدِّد ، فى الواقع ، طعنة نجلاء ، لا لصدر الحزب وحده ، بأرواحه التسعين ، أو لصدر الديموقراطية الليبرالية فقط ، بالمصادمة لكونها استقرت كقانون ثابت للتطور فى بلادنا ، بل ، فوق ذلك كله وقبل ذلك كله ، لصدرها هى نفسها ، ولمستقبل تبحبحها فى أكناف مقاصدها ، حيث ضيَّقت واسعاً أمام حركتها لما ضيقت واسعاً أمام حركة الحزب ، وأحبطت (ملاذاتها الآمنة) حين أحبطت قبوله القديم بمبدأ (الشراكة) وفق أشراط الديموقراطية الليبرالية وقواعدها ، وأتمت شرط وقفتها على شفا جرف هار يوم حددت (وصفه الوظيفى) المستحيل فى كونه محض (ديدبان) يذود الطير عن ثمر ديموقراطيتها المر ، وفى كونه يندب ليوم الكريهة ، فحسب ، يوم تتلبد سماء الوطن بسحب القمع السوداء ، وينوء ليل البطش الباطش بكلكله على صدره ، "يدعى إلى الحرب ولا يدعى إلى المنادمة"!! وهكذا ما لبث أن ارتفع فى أوساطه ، وفى أوساط الحركة الجماهيرية عموماً ـ وبخاصة بين جماهير الحضر وقواها الحديثة ـ السؤال المنطقى الوحيد وقتها ، للأسف ، والمحتقن بكل (علقم) تلك التجربة ، حول جدوى (الديموقراطية الليبرالية) أصلاً!! يتبع.. |
(4) (4/1) فمن جهة الحزب ، لم يعدم هذا السؤال محاولة التعبير النظرى عنه ، أو التأسيس الفكرى له ، من خلال التحليلات والاستنتاجات الرئيسة المستندة إلى جملة معطيات ومطلوبات تلك الوقائع المحدَّدة ، والتى كان طابعها العام تحميل القوى اليمينية فى البلاد (بمصطلح ولغة ذلك الزمان) مسئولية التآمر لإقصاء الحزب من المشاركة فى الحياة السياسية ، وقطع الطريق أمام المد المتزايد للطموحات الحداثية المنطلقة من شتى مواقع الحركة الجماهيرية ، الأمر الذى لم يكن ليعنى ، بالنسبة للحزب ، سوى ضيق تلك القوى اليمينية بالحريات والحقوق (الديموقراطية الليبرالية) نفسها ، والتآمر ، من ثمَّ ، لإجهاضها ، وإفراغها من محتواها ، من حيث كان يفترض فيها ، تصوُّراً ، الحرص عليها ، وإبداء قدر أكبر من الجدية فى التمسك بها. أ/ ولذلك فقد كان منطقياً جداً ، فى هذا السياق ، أن يخلص الحزب ، خلال الفترة السابقة على انعقاد مؤتمره الرابع ، إلى ".. أن الرجعيين ، وهم يجمعون قواهم تحت راية البرلمانية البرجوازية ، (إنما) يستهدفون فى الأصل تهديمها ومصادرة الحقوق الديموقراطية" (دورة اللجنة المركزية 27/5/1965م). ب/ وانطلق خطاب الحزب ، فى تلك الأجواء ، وعلى حد التقييم اللاحق لهذا الخطاب فى وثيقة المؤتمر الرابع (الماركسية وقضايا الثورة السودانية ، ص 129) ، مكتسياً ".. بالمطامح والرغبات الثورية" ، حيث كان قد جرى طرح ".. الإمكانية لتنمية سلطة ديموقراطية فى البلاد ، مستندة إلى قوة النفوذ الوطنى المناهض للاستعمار ، والعناصر الديموقراطية ، وحزب طليعى ثورى يوحد طلائع الثورة .. (على) طريق النضال من أجل ديموقراطية ثورية تؤمن السلطة فى يد الجماهير التى تحملت أعباء النضال وذات المصلحة فى استكمال البعث الوطنى الديموقراطى" (إجتماع اللجنة المركزية ، 4/11/1964م). ج/ ولما لم يكن هذا ممكناً عملياً ، حسب تحليلات الاجتماع التالى للجنة المركزية ، فقد أصبح ".. الممكن والواجب الثورى المباشر هو دفع حركة الجماهير لتكسب مواقع ديموقراطية فى البلاد ، ولتضع ثقلها لصالح الديموقراطية الثورية طريقاً لنهوض سلطة جديدة ، وطنية ديموقراطية" (إجتماع اللجنة المركزية ، 14/1/1965م). د/ هكذا ، وتحت وطأة كل تلك الانتكاسات التى أورثتها خروقات القوى التقليدية لـ (الديموقراطية الليبرالية) ، فها هو نفس الحزب ، الذى لم يكد ينقضى عقد واحد من السنوات على ارتضائه بالعمل على إنفاذ برنامجه لمرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية ، والدعوة للاشتراكية ، بالوسائل السلمية ، وعبر صناديق الاقتراع ، وفى إطار المبادئ العامة للديموقراطية الليبرالية ، ووفق شروطها الأساسية ، والذى عاد ليؤكد على تمسكه بكل ذلك مجدداً من خلال إسهامه النشط فى النضال لإسقاط الديكتاتورية العسكرية الأولى ، واستعادة النظام الديموقراطى البرلمانى الليبرالى ، ها هو نفس ذلك الحزب قد انقلب ، بعد أكتوبر ، يتشكك فى جدوى الاستمرار بالسير فى هذا الطريق ، خاصة وقد كشفت (الحملة) المنظمة ضده عن ".. الرغبات الحقيقية للرجعيين ، إذ لا يستقيم وجود نظام برلمانى مع وجود هذه الحملة المنظمة. فمعاداة الشيوعية لا معنى لها سوى مصادرة الحقوق الديموقراطية وقتل النظام البرلمانى نفسه" (دورة اللجنة المركزية ، 27/5/1965م) ، وها هو يعيد صياغة المسألة برمتها ، من الناحية النظرية ، على نحو بالغ الحدة والقطع: ".. فالقضية لم تعد ديموقراطية أو لا ديموقراطية ، بل أصبحت تسير كل يوم لتكون كالآتى: أى نوع من الديموقراطية؟" (نفسه). هـ/ ولئن كانت تحليلات واستنتاجات وتلخيصات دورات اللجنة المركزية المشار إليها قد اكتست طابعاً برامجياً محدوداً ، بحكم خضوعها المنتظر للتداول والفحص ، ومن ثمَّ التقرير النهائى بشأنها من خلال المؤتمر الرابع فى أكتوبر 1967م ، فإن وثيقة ذلك المؤتمر الأساسية جاءت بدورها ، وبعد أكثر من عامين ، لتدفع بتلك التحليلات والاستنتاجات والتلخيصات إلى مآلاتها القصوى فى كافة خطوط الحـزب الفكرية والسياسية والترويجية (الدعائية) ، معلنة ".. ضعف الأساس الاجتماعى للبرلمانية الغربية فى بلادنا نتيجة للوزن القوى للقطاع التقليدى فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية .. (و) تجربة البرلمانين تؤكد .. أن الديموقراطية الموجهة .. أداة فى بلادنا لوضع السلطة فى يد القوى المناهضة للاستعمار" ، واعتبرت الوثيقة أن بلادنا ".. خبرت الدعوة للنظام البرلمانى الغربى .. طريقاً للتطور ولمواجهة مهام الثورة الديموقراطية (و) أن الجماهير بدأت تحس بفشل هذا النظام قبل الحكم العسكرى ، ولكن هذا الاحساس كان قاصراً فى مداه على الأقسام الطليعية من تلك الجماهير. وعند انهيار النظام العسكرى كانت قضية الديموقراطية غامضة فى أذهان الجماهير ، بل فى أذهان الكثير من عناصر الديموقراطيين الثوريين. إن محاولات ونضال الحزب الشيوعى فى هذه الفترة لإقناع الجماهير واستنهاضها .. من أجل ديموقراطية جديدة تفتح الطريق للتقدم لم تجد التأييد الموصل للنجاح. إن القضية فى جوهرها لم تكن صراعاً حول توزيع الدوائر الانتخابية ، ولا فى صورة تخصيص دوائر للعمال والمزارعين الحديثين والمثقفين ـ ذلك كان الشكل مهما كان تصوُّرُه ـ ولكن المحتوى هو: ديموقراطية جديدة تفتح الطريق للسلطة الوطنية الديموقراطية ، وترفع إلى أقصى درجة من نشاط الجماهير وإبداعها ، وترمى بثقلها لتوجيه سياسة بلادنا وإعادة بعثها. وهذا المحتوى يعنى تمتع الجماهير الشعبية بالحقوق الديموقراطية الأساسية وتقييد نشاط الفئات المعادية للثورة الديموقراطية: إطلاق طاقات الطبقات والفئات الوطنية والديموقراطية من مزارعين وعمال ومثقفين وطنيين وعناصر رأسمالية وطنية غير مرتبطة بالاستعمار ، وتقييد ومصادرة نشاط الطبقات ذات الروابط مع الاستعمار والتى ليست لديها مصلحة فى البعث الوطنى" (الماركسية وقضايا الثورة السودانية، ص 131 ، 132). على هذا النحو صدرت موجهات المؤتمر الرابع حول ما أسمته الوثيقة بـ "الازدواج فى وضع قضية الديموقراطية أمام حركة الجماهير الثورية" ، باعتبار أن ذلك ".. يقوى من الأرض التى تناضل فوقها ويمكن أن يجمع حولها قوى واسعة وهائلة لكسر الإحاطة الرجعية فى البلاد ويجعل التقارب بين قضية الديموقراطية وقضية التغيير الاجتماعى يسير بخطى حثيثة"، كما وأن ".. تردى قوى اليمين فى طريق الديكتاتورية وتزييف رغبات الجماهير وحقوقها سيقنع أقساماً واسعة بضرورة النهوض وردعها ، اعتماداً على التجارب التى أوضحت شراسة تلك القوى وسيرها ضدها حثيثاً فى استعمال العنف والتآمر طريقاً لتصفية مواقع التقدم والثورة" (نفسه ، ص 134). (4/2) إن صياغة هذا الخط ، وبمثل هذه الشراسة المضادة ، ضمن تقرير السكرتير العام ، آنذاك ، المرحوم عبد الخالق محجوب ، ثم إجازته رسمياً من خلال المؤتمر الرابع فى نهاية عام 1967م ، ليؤكد على حقيقة استمرار تفاقم أزمة الديموقراطية الليبرالية ، طوال الفترة التى سبقت وأعقبت انعقاد المؤتمر ، على يد منظومة القوى (اليمينية) التقليدية ، بحساباتها غير الدقيقة ، التى انتهت بها للمراوحة العبثية بين المبالغة غير المدروسة فى (التهويل) من (حجم) الحزب و(خطره) ، وبين المغالاة غير المحسوبة فى (التهوين) من (قدراته) و(أثره) ، وعدم إيلائها ، تبعاً لذلك كله ، أى أهمية لتقديم أبسط ما يمكن أن يقنع هذا الحزب ، أو القوى الاجتماعية التى يستند إليها ، بالعدول عن مفارقة خط الديموقراطية الليبرالية ، بل وعجزها أصلاً عن رؤية أى قدر من الحكمة فى استبقاء هذا الحزب وتلك القوى ضمن هذا الخط ، أو الخطر الساحق الماحق الذى يمكن أن يتهدَّد النظام الديموقراطى من أساسه بفعل ذلك (التشغيل الجنونى) لعجلة الخروقات والتجاوزات ، مما لا يمكن أن يترتب عليه ، بالنسبة لكل ذى بصيرة ، سوى الاحتمال المأساوى الوحيد: أن يؤدى تصاعد وتائر ذلك (التشغيل العنيف) إلى (انفلات) الحزب نفسه ، وبذات (العنف) ، خارج (فلك) الديموقراطية البرلمانية الليبرالية بأسره ، ثم عودته ، فى حركة (ارتدادية) مباغتة ، للاصطدام بمركز (التشغيل) ذاته ، نتيجة لأى وهن قد يعترى (عضلات) هذا المركز ، فى أى وقت ، مما سيتسبب ، بالقطع ، فى (انفجارهما) معاً ، تبعاً لحدَّة التناقض بين (قوة الجذب) و(قوة الطرد المركزية) ، وذلك إذا أخذنا بعبرة القانون الفيزيائى البسيط ، دون أن نغفل ، بالطبع ، عبرة الفارق بين (الفيزياء) وبين (العلوم السياسية)!! على كل ، ومهما يكن التقدير ، فقد يكون من الحكمة أن نذكِّر ، فى هذا المقام ، بأنه لم يكد يتصرم عام ونصف العام على استنتاجات وتلخيصات المؤتمر الرابع حتى كان البكباشى جعفر نميرى ينقضُّ ، بفيالقه المسلحة ، على قلب الخرطوم ، فجر الخامس والعشرين من مايو 1969م ، ليقطع قول كل خطيب ، وليقلب مائدة البرلمان على الجميع ، رافعاً بيارق (ديموقراطيته الثورية) على مواسير بنادق جنده ، ومعلناً نهاية (العشاء الأخير) لتجربة (الديموقراطية الليبرالية) الثانية .. من تلك الساعة ، وعلى مدى ستة عشر عاماً حسوما من عمر الوطن!! (4/3) أما فى أوساط الحركة الجماهيرية وقواها الحديثة ، بوجه عام ، فإن من صميم فساد النظر وسوء التدبير عدم إيلاء الاعتبار اللازم لأخطاء الحركة السياسية التقليدية ، وإغفال استصحاب خروقاتها الشنعاء لأسس ممارسة الليبرالية السياسية خلال الفترة التى أعقبت ثورة أكتوبر 1964م ، فى تفسير المواقف المتعاطفة عملياً ، للوهلة الأولى ، مع الانقلاب ، بل والمؤيدة له ، وسط هذه الجماهير والقوى ، بعامة ، وفى صفوف الحزب بوجه خاص. وربما كان من المدهش حقاً إحالة أدق وأصدق التعابير عن ذلك التعاطف الجماهيرى الكاسح مع الإنقلاب ، بعد أسبوع واحد من وقوعه ، إلى جعفر نميرى نفسه فى قوله: ".. إن إجراءات عنيفة قد تم اتخاذها ، إعتقلنا العشرات من القيادات الحزبية والطائفية ، ألغينا الأحزاب وواجهاتها المختلفة ، وكان من الواضح أن هناك شعوراً بين الناس بالرضى ، أو على الأقل ، ليس منهم من أعلن احتجاجاً على أى من هذه الاجراءات. ولكن هل يكفى ذلك لكى يكون دليلاً على مناصرة الزحف ؟! .. تسربت أيام شهر مايو .. وتباطأت ساعات يونيو .. مر اليوم الأول ، وفى صبيحة اليوم الثانى .. كان الهدير. عشرات الآلاف تهدر ، مئات الآلاف تهتف ، جموع العاملين تزحف ، من حيث تعمل ومن حيث تقيم. ولقد كان ذلك اليوم المجيد يوم النصر فى يقينى" (النميرى ، النهج الاسلامى لماذا ، ص 85 ، 86). (4/4) إن عبرة التاريخ الأساسية التى يمكن استخلاصها من هذا الدرس الهام ، تكمن فى كون القوى السياسية التقليدية ، إذن ، وليس الحزب ، هى المسئولة عن تيئيس الجماهير فى مناطق الانتاج الحديث ، وقوى الحداثة السياسية ، والحزب بينها ، من (الديموقراطية الليبرالية) ، ودفعها دفعاً على طريق دعم وتأييد (الشمولية) ، ولو خطأ ، ولو إلى حين ، ولسان حالها قائل: "لا أذود الطير عن شجر بلوت المر من ثمره" ، أو "إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون همو" ، رغم أنها ، أى هذه الجماهير وقوى الحداثة السياسية، ظلت دائماً أول من يكتوى بنار الشمولية عندما تندلع فى طول البلاد وعرضها ، خراباً اقتصادياً ، ومصادرة للحريات ، وانتهاكاً للسيادة الوطنية ، وتعريضاً لوحدة البلاد للخطر ، فما تلبث أن تعود ، فى كل مرة ، إلى تحمل أعباء الوقوف فى الخنادق الأمامية للنضال من أجل استعادة نفس هذه الديموقراطية الضائعة! يتبع.. |
(5) (5/1) وهذا ما ظل يحدث ، بالفعل ، بالنسبة لحالة الحزب الشيوعى. إذ برغم النقد الماركسى اللينينى الكلاسيكى للديموقراطية الليبرالية ، وبرغم النفوذ الطاغى لفكر اليسار العالمى، وانعكاساته فى المنطقة ، طوال خمسينات وستينات وربما سبعينات القرن الماضى ، والرواج الكاسح لشعاراته المنادية ، تحت تأثيرات الثورة الصينية وغيرها ، (بالديموقراطية الجديدة) و(الديموقراطية الثورية) .. الخ ، وبرغم ممارسات القوى (الليبرالية) نفسها ، فى بلادنا ، المصادمة عملياً للحريات والحقوق الديموقراطية الليبرالية ، بالتململ المستتر ، أحياناً ، مما توفره من مساحات واسعة لهذه الحريات والحقوق ، وبالهجوم الصريح عليها ، أحياناً أخرى ، وإدانتها ، كنظام لا يؤدى إلى الاستقرار ، إلى حد عدم التورع حتى من اللجوء لتسليم السلطة إلى ديكتاتورية عسكرية سافرة (نوفمبر 1958م) ، أو لاستخدام النظام البرلمانى نفسه طريقاً لمصادرة الديموقراطية ، على ما فى ذلك من تناقض لا يخفى (أنظر: دورة اللجنة المركزية ، 27/5/1965م) ، كما حدث فى أعقاب ثورة أكتوبر 1964م من ممارسات سياسية مهَّدت طريقاً سالكة ، كما قد رأينا ، لتمرير انقلاب النميرى عام 1969م ، وتكرار نفس الأخطاء خلال فترة الديموقراطية الثالثة (1986م ـ 1989م) ، الأمر الذى فتح الأبواب على مصاريعها أمام انقلاب الجبهة الاسلامية القومية فى 30/6/1989م ، برغم ذلك كله ، فإن وقائع الصراع السياسى فى بلادنا ظلت تؤكد ، وعبر مختلف الفترات ، على أن موضوعة (الديموقراطية الليبرالية) ، بجوهرها القائم فى (الحريات العامة والحقوق الأساسية)، بقيت متجذرة بعمق فى وجدان الشعب الجمعى ، كما فى فكر الحزب الشيوعى ، فانطبع تاريخنا السياسى المعاصر بطابع النضال الجماهيرى ضد الشمولية ، ومن أجل استرداد هذه الحريات والحقوق الديموقراطية ، وظل كل ما سوى ذلك عارضاً ، محض عارض ، مهما استقوت دوافعه ، أو عظمت. (5/2) فالحزب ، ومن خلال خبرته ، وخبرة الجماهير والحركة السياسية عموماً ، مع الشمولية، وبخاصة مع سلطة الفرد المطلقة التى أفرزها النظام المايوى(1969م ـ 1985م)، وجد نفسه غير مستطيع ، عملياً ، أن يتناقض مع معطيات الواقع (الأخضر) لصالح أطروحات النظرية (الرمادية) ، كما فى التعبير اللينينى الرائج ، أو أن يُغلـِّب استنتاجات المحاكمة النظرية الماركسية اللينينية لهذه الديموقراطية على حساب جملة ما راكمه بنفسه من خبرات عملية معها ، حتى وهى فى حال (عرجها) المشهود ، وما توفر لديه من معارف مباشرة عن الديكتاتورية والشمولية ، حتى لو تزيَّت بالأزياء (الثورية) أو تجمَّلت بالأصباغ (التقدمية). ويا لها من خبرات ومعارف تلك التى لم تكتف بخدش (الجلد الخارجى) فحسب ، بل مضت لتشق هذا (الجلد) نافذة إلى (العظم) عبر (اللحم الحى)! وما من شك فى أن ما تكبَّده الحزب فى سداد فاتورة تلك الخبرات والمعارف بالكامل ، وعلى رءوس الأشهاد ، معلوم للقاصى والدانى. فأى عقل راشد هذا الذى تظل تدمدم من حوله كل هذه الرياح الهوج ، وهو لا ينفك يصرُّ على مغالطة النفس بأن ما يسمعه ليس سوى همس النسيم للأغصان ، لا لشئ إلا لأن هذا (مكتوب) فى مكان ما؟! ".. إن الفكر الاشتراكى العلمى .. يلحُّ بعمق على ضرورة مزاوجة الفكر مع الواقع مزاوجة حقيقية ليس فيها شىء من التبلد والجمود والقسر والتعسف ، بل أكثر من ذلك .. يرى أن الواقع أغنى بما لا يقاس من أى فكر كان ، أغنى بالاشكالات والتوقعات والتحفظات" (طيب تيزينى ، من التراث إلى الثورة ، ص322). (5/3) ولئن كان الحزب قد عاد ، ضمن مقررات مؤتمره الرابع (اكتوبر 1967م) ، وفى حُميَّا غضبته العارمة ، والمبرَّرة تماماً ، بإزاء الهجمة (اليمينية) الشرسة التى استهدفت وجوده بعد ثورة أكتوبر ، ليفضح "زيف البرلمانية (الشكلية) ، وضعف الرأسمالية السودانية التى تقف وراءها ، وسعيها الحثيث لهدم الحقوق الديموقراطية البرجوازية التى تشكل أساس النظام البرلمانى فى الغرب ، الأمر الذى يعزل النظام البرلمانى الشكلى يوماً بعد يوم عن حركة الجماهير" (الماركسية وقضايا .. ، ص 152) ، فإنه لم يسمح ، مع ذلك ، لتلك الغضبة المضرية بأن تحجب عن عينيه رؤية إمكانية أن تصبح هذه ".. الحقوق الديموقراطية البرجوازية نفسها .. أداة فى يد الحركة الثورية لتطوير نضالها ولدعم مواقعها فى البلاد" (نفسه ، ص 146). ولعل ذلك هو ما يفسِّر كيف بقيت قناعة الحزب مغروسة ، وبعمق ، فى قلب التربة الفكرية التى ينطلق منها ، بجدوى أولوية (الديموقراطية التعددية) بجذورها (الليبرالية) على إغواء أى إنجاز يمكن أن يتحقق فى أفق (المهمات الاجتماعية) التى يضطلع بها فى برنامجه، بل وكشرط لازم لإنجاز هذه المهمات نفسها ، فلم تقو على اقتلاعها نهائياً من هذه التربة لا محفوظات النقد الماركسى الكلاسيكى ضد (الليبرالية السياسية) ، ولا المواضعات النظرية لحركة اليسار الجديد ، أو اليسار العربى ، أو غيره ، بل ولا حتى المؤامرات التى حيكت ضده ، واستهدفت وجوده ذاته ، فدفعت به دفعاً ، فى فترات من تاريخه كما قد رأينا ، إلى (تلبس) مواقف أثبتت الأيام أنها لم تتوطن نهائياً ، أو ترسب بعمق كافٍ ، فى فكره من جهة (الليبرالية السياسية). وإن له فى ذلك من بهاء الحجة ما يمكن التماسه فى جدليات مجاهداته، منذ نشأته الأولى ، كيما يخلص إلى تطبيق ابتداعى خلاق للماركسية فى ظروف السودان ، لا إلى محض انكفاء اتباعى سكونى على نصوص صمدية. (5/4) وما من حكمة ، بالعقل ، فى أية محاولة لاصطناع أى حد فاصل بين مصلحة الحزب الذاتية ، فى هذا الشأن ، وبين المصلحة الوطنية الموضوعية ، كما يروِّج أيضاً خصومه. فالمعادلة تكمن ، ببساطة متناهية ، فى كون رؤية الحزب ، من الناحية الموضوعية ، لواقع التعدد السودانى ، الذى لا يوجد مناخ يصلح لبقائه أصلاً ، أو استمراره موحداً ، أو ارتقائه سلمياً على مدارج التقدم والحضارة الحديثة ، سوى مناخ الحريات العامة والحقوق الأساسية (الديموقراطية الليبرالية) ، إنما تتطابق ، فى حقيقتها الجوهرية ، مع رؤية الحزب الأخرى ، من الناحية الذاتية ، لواقعه هو نفسه. ذلك أن هذا الحزب الذى لا يمتلك ، فعلياً ، ولا يُتصور أن يمتلك ، فكرياً ، بل ولا يرغب فى أن يمتلك ، سياسياً ، نفوذاً طائفياً ميكانيكياً ، أو غلبة اقتصادية أو حربية أو غيرها ، يتوسل بها لإكساب برنامجه أى قدر من المنعة الجماهيرية ، لا يعود أمامه سوى التعويل ، بالكلية ، على وعى هذه الجماهير نفسها ، لإقناعها بجدوى هذا البرنامج. ومن البداهة أن أنسب ما يناسب خطة كهذه هو التنافس السلمى المشروط بمبادئ وقيم الحريات والحقوق ، وفى مناخ سياسى عام لا توفره غير الديموقراطية الليبرالية. (5/5) وإذاً فمن غير السائغ عقلاً محاولة الفصل بين (احتياج الوطن) وبين (احتياج الحزب) إلى بسط الديموقراطية الليبرالية نظاماً للحكم ، ولتداول السلطة ، ولإدارة التدافع السياسى ، على العكس تماماً مما يشيع خصومه. وليت هذا يصبح (خيار) الجميع ، حقاً وفعلاً ، يتواثقون عليه باعتبار عميق لعبرة (الخيبات) التى ما انفكت تراكمها مختلف خبراتنا التاريخية. وهى خبرات متاحة لكل من ألقى السمع وهو شهيد ، فلا نخالها تحتاج إلى (دروس خصوصية) ، لولا أنه ما من سميع ولا مجيب. ولعل أهمها طراً هذا القانون العام ، أو (السُّنَّة الماضية) التى تتبدى يانعة لقطاف البصائر المتفتحة ، ومفادها أن أكبر حقائق الصراع السياسى فى بلادنا وأثبت (ثوابته) ، منذ أيام الاستعمار ، هو تمسك الحركة الجماهيرية بقضية الحريات والحقوق الديموقراطية ، واستعدادها الدائم لبذل المهج والأرواح فى سبيل ذود (الطير) عن أشجار (ثمرها الحلو) ، لا كمحض قضية شكلية: (برلمانات كيفما اتفق ، إنتخابات بأية صورة ، نقابات بأية كيفية .. الخ) ، وإنما بمحتواها الضارب فى أعمق معانى (العدالة الاجتماعية). وتأمل ، إن شئت ، انتباهة خليل فرح فى إنشاده البسيط العميق ، قبل أكثر من ثمانين عاماً ، لاقتران هذين المفهومين فى وجدان الشعب وذهنه الجمعى: "زردوا حلوقنا وأكلوا حقوقنا .. ديل عاوزين دمانا تسيل" (!) فلا يبتذلنَّ كريمٌ ، إذاً ، (إنشائيات) الإعلاء اللغوى و(فنياته) التى قد تفجر ، أحياناً ، فى باب الحكمة ما تتقاصر عنه فهوم (بوكيمونات السياسة) الفعليين ـ إستعارة لكلمة الكاتب الصحفى الاسلامى على العتبانى (الرأى العام ، 17/5/2001م) ـ والذين يصرون على الاستعصام بأسطورية عيونهم المنطفئة وعقولهم الخزفية عن رؤية الواقع بحقائقه المجردة. هذا من جهة ، وأما من الجهة الأخرى فإن (خبرة خيباتنا) هذه توفر أيضاً معرفة ثمينة ، لمن يشاء ، بأن أضر ما يضر بالمسار الطبيعى ، الصحى ، المعافى لتطور الحركة السياسية بأسرها أن (يُرغَم) هذا الكيان أو ذاك ، بالقوة العددية الغشوم والنفوذ الأفقى الباطش ، على (اليأس) من المجرى العام الواسع لهذا التطور ، فيُضطر لـ (حفر) مسرب خاص ضيق خارجَه ، ينحشر فيه ، وهو له كاره (!) وليس أفصح فى التعبير عن هذا المعنى من كلمة الشهيد عبد الخالق ، عندما لاحظ الاستخدام الميكانيكى الشكلى للائحة الجمعية التأسيسية ، وقد دخلها نائباً عن دائرة أم درمان جنوب عام 1968م ، فطالب بتطويع تلك اللائحة لكون ".. تحديد الزمن فى مناقشة اتجاهات فكرية وسياسية لم يكن لها وزن انتخابى بالنسبة للقوة العددية داخل المجلس أمرٌ مضر". ثم بلغ ذروة غضبه بإزاء هذه الممارسات الشكلانية التى لا تؤدى فى النهاية إلا لإفراغ الديموقراطية من مضمونها الحقيقى، فانطلق يحذر الجميع: ".. من (الخير) أن نقول (هنا) ما نريد .. بدلاً من أن نقوله (فى الخارج) (بطريقة) ربما (لا ترضى) شقى المجلس"! (أقواس التشديد من عندنا ـ مضابط مداولات الجمعية التأسيسية ، 19/6/1968م). (5/6) لذلك عندما يعترف ، مثلاً ، جعفر نميرى بأن الشيوعيين ، الذين سرعان ما عارضوا نظامه ، قد عمدوا إلى تحريض القوى السياسية ".. تحت شعار استعادة الديموقراطية الليبرالية بحسبانها ساحة كانوا يتنفسون فيها وتوفر لهم قدراً من الحركة يتناسب مع حجمهم الذى يعترفون بأنه محدود" (النهج الاسلامى لماذا ، ص 138) ، فإنه يصيب ، فى الواقع ، من حيث يخطئ ، وينصف من حيث يتجنى (!) وكذلك يفعل كل من يردِّد هذه الأقوال ، مثله أو وراءه ، سيان ، غير منتبه إلى معناها ، كقول أحد الكاتبين: ".. وقد رأينا إبان ديموقراطية أبريل كيف نشطت قوى اليسار فى ممارسة الحقوق التى كفلتها لها الديموقراطية التعددية" (محمد جلال أحمد هاشم ، القومية السودانية وظاهرة الثورة .. ، ص 66 ـ 67) ، وذلك فى باب (النعى) ، دونما استحقاق ، على الحزب الشيوعى تمتعه بتلك الحقوق ، فلكأن الحزب قد ناضل ضد مايو ، وشارك فى الاطاحة بها ، وفى استعادة الديموقراطية التعددية ، لا لكى يتفيأ ظلالها مع المتفيئين ، وإنما ليتمتع بها غيره ويُحرم هو منها: مالكم كيف تحكمون ؟! أحرام على بلابله الدوح .. حلال على الطير من كل جنس؟! أما القول بأن هذه الديموقراطية ".. لم تكن يوماً خيار (الشيوعيين السودانيين) الأساسى ، و .. الواقع والتاريخ القريب يحكى .. عن أنظمة الحكم التى اختطوها فى البلاد التى حكموها .. فهم أعداء الديموقراطية التعددية .. الخ" (نفسه ، ص 66) ، فهو ، بالحق والصدق ، قول ماسخ ، مكرور ، لا تزينه رصانة الفكر ، أو أصالة النظر ، ولا يتفصد عن أى قدر من عرق الجهد الذهنى الخلاق ، أو استقامة البحث التاريخى النزيه ، وإن فيه من سطحية التبسيط وابتذال الحقيقة ما لا يتسق مع عمق التناول المفترض لقضية بهذا التركيب والتعقيد ، وإنه ليشى ، فوق ذلك كله ، بنَغَر الضغينة السياسية أكثر مما يشفُّ عن أدنى رغبة فى ملامسة أى أفق معرفى ، وإن مثله لخليق بأن ينطلق من أبواق البروباغاندا الغوغائية التى لا تستهدف سوى خداع العامة وغسل أمخاخهم ، لا من منابر الحجاج الهادئ الذى يروم إجلاء الحق وإضاءة الدروس الكبيرة. وإلا فأى (بلاد) هذى التى حكمها (الشيوعيون السودانيون) و(اختطوا) فيها (أنظمة) يحكى (الواقع) و(التاريخ القريب) عن (عدائها) لـ (الديموقراطية التعددية) ؟! نرجو ، مخلصين ، ألا يكون هذا الكاتب يرمى إلى أن (مايو) هى (حكم الشيوعيين) ، فإننا لا نزال نحسن الظن ببعض وجوه اجتهاداته الأخرى ، وإن فى الناس فطانة (!) يتبع.. |
(6) (6/1) الشاهد أن جعفر نميرى كان محقاً تماماً فى حنقه على الحزب الشيوعى فى (كتابه!) المذكور ، الصادر عام 1980م ، فقد عكَّر الحزب عليه ، بالفعل ، قبل ذلك بثلاث سنوات ، عرس (مصالحته) مع بعض أحزاب الجبهة الوطنية (الأمة بقيادة السيد الصادق ، والاسلاميين بقيادة د. الترابى) ، حين رفض الانخراط فى تلك (المصالحة) التى عرضت عليه بشروط السلطة ، وأهمها التخلى عن المعارضة ، وعن كياناتها الحزبية والجبهوية ، وقبول العمل فى إطار الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكى). وقد طرح الحزب بديلاً عن ذلك (جبهة عريضة للديموقراطية وإنقاذ الوطن) ، كتحالف تكتيكى لتحقيق الديموقراطية ، محاولاً إقناع (وليس "تحريض" كما فى قول النميرى) القوى السياسية كافة بأن البلاد تواجه أزمة حكم ، أزمة نظام وسلطة ، وأن (الديكتاتورية) هى أهم أسباب هذه الأزمة ، وأن حلها ، بالتالى ، لا يكون بالتصالح مع هذه (الديكتاتورية) ، بل بإحداث تحولات ديموقراطية راديكالية. وقد أبلغ مندوبا الحزب وقتها ، قاسم أمين وسليمان حامد ، هذا الموقف المبدئى لوفد المفاوضين المايويين ، بقيادة أبو القاسم محمد ابراهيم. كما أصدرت لجنة الحزب المركزية فى أغسطس 1977م بيانها الجماهيرى الشهير بعنوان: (الديموقراطية مفتاح الحل) ، الذى أكدت فيه أن الشيوعيين ".. لا ينادون: تسقط المصالحة ـ عاش الشقاق ، (بل) شعارهم كان وسيظل: تسقط الديكتاتورية ـ عاشت الديموقراطية" (البيان ، ص 21). وناشدت أطراف المعارضة ، بدلاً من المساعدة على ترميم النظام وهو فى حال تصدعه الذى أجبره على طلب المصالحة ، أن تشدد "نضالها من أجل إلغاء قانون أمن الدولة المعدل ، والتعديلات فى مواد الدستور 41 ، 62 ، 196 التى أباحت إصدار القانون وإجازته ، وحل أجهزة الأمن القائمة على تنفيذه ، وإعادة أفراده إلى المجالات والمهن التى جندوا منها ، وضمان حق العمل كحق طبيعى لكل مواطن ، وإلغاء القوانين والأوامر الجمهورية وقرارات مجلس الوزراء التى تحد منه ، وتحريم تعذيب المعتقلين والسجناء السياسيين ، والكشف عن جرائم التعذيب والقتل العشوائى ، ومحاكمة الذين أمروا بها ، والذين ارتكبوها ، وفقاً للأدلة المادية التى يدلى بها كل مواطن تعرض للتعذيب ، وبحسب منطوق المادة 65 من دستور السلطة نفسها ، وإلغاء قانون النقابات لسنة 1971م ولائحة تنظيم النقابات لسنة 1972م ، وإلغاء المواد التى تمس استقلال الجامعة وحرية نشاط إتحادات الطلاب فى قانون التعليم العالى ، وإلغاء لائحة النشاط المدرسى ، وإلغاء قانون ممارسة السيادة الشعبية الذى يبيح للاتحاد الاشتراكى الوصاية والتدخل فى نشاط المنظمات الشعبية ، ووقف الصرف من خزينة الدولة على الاتحاد الاشتراكى وموظفيه وأوجه نشاطه ، ومنعه من استخدام وسائل وأدوات الدولة ..الخ" (البيان ، ص 15). (6/2) ثم عادت اللجنة المركزية لتستكمل ، من خلال دورة انعقادها فى ديسمبر 1978م ، بلورة فكر الحزب من واقع التجربة المتراكمة حول قضية الديموقراطية التعددية بجذورها الليبرالية ومحتواها الاجتماعى ، بالمفارقة لكل من النموذج المعتمد فى بلدان المعسكر الاشتراكى من جهة ، والتطبيق السائد فى بلدان الغرب الرأسمالى من الجهة الأخرى. فقد ركزت الدورة على تجربة البنوك الاسلامية التى نشأت نتيجة للمصالحة ، وانتقدتها لكونها تساعد فى تصعيد النشاط الطفيلى. وعرضت لموقف الأحزاب التى دخلت المصالحة وموقف جماهيرها. ومايزت بين (الجبهة الوطنية الديموقراطية) وفق الطرح الوارد ضمن تقرير المؤتمر الرابع (الماركسية وقضايا الثورة السودانية ـ أكتوبر 1967م) ، وبين الدعوة إلى (جبهة للديموقراطية وإنقاذ الوطن) فى وثيقة (الديموقراطية مفتاح الحل ـ أغسطس 1977م). ونوهت لانكسار رأس الحربة فى ظاهرة إضرابات واعتصامات جماهير العاملين فى شتى القطاعات خلال تلك الحقبة. وخلصت إلى أن (الانتفاضة) هى المخرج من أزمة الديكتاتورية إلى فضاء الديموقراطية التعددية الليبرالية ، وذلك من خلال صيغة الجبهة الواسعة (نلاحظ أن مصطلح "الانتفاضة" تكرر قبل ذلك فى دورة يناير 1974م). كذلك تناولت الدورة بالنقد أسلوب الحزب الواحد على صيغة الاتحاد الاشتراكى الذى ".. أصبح أسلوباً مرفوضاً ومرذولاً ومبتذلاً بالنسبة لشعب السودان ، وازدادت أزمته تفاقماً (لكون) سادة التجربة الأم فى مصر تخلوا عنه نهائياً" (الدورة ، ص 5). وعليه ، وكيما يستقيم الحوار مع السلطة ، فلا بد له من مقدمات حددتها الدورة فى توفير (1) مناخ الحريات (2) جماهيرية التفاوض (الدورة ، ص 10ـ13). ونلاحظ هنا أيضاً أن ذلك كان سابقاً على شيوع استخدام مصطلح (الشفافية أو الغلاصنست ـ Transparency) الذى أدخلته (البريسترويكا) فى الأدب السياسى العالمى. كما طالبت الدورة بأنه ، ولكون السلطة أصدرت فى 27/11/1977م قانوناً "يحمى رجالها من .. المحاسبة .. منذ 25 مايو 1969م ، فمن حق الشعب أن ينال قراراً مماثلاً برد الاعتبار لكل الذين استشهدوا فى الصراع ضد السلطة فى معارك عسكرية ، أو فى السجون والمعتقلات ، أو تحت التعذيب ، ونشر حيثيات المحاكمات" (الدورة ، ص 14). وتبلغ الدورة ذروة استنتاجاتها وتلخيصاتها ـ على صعيد التأسيس النظرى لخيار الديموقراطية التعددية الليبرالية فى واقع السودان ـ بتقريرها أن ".. ظروف بلادنا ، بتعدد تكويناتها الاقتصادية الاجتماعية والقومية ، وعدم التناسق فى تطور قطاعاتها الاقتصادية .. مازالت تشكل الأساس المادى الموضوعى لتعدد الأحزاب والكيانات السياسية التى تتوسل بها الجماهير لحل مشاكلها على المستوى المحلى والمركزى" (الدورة ، ص 65). ووضعت الوثيقة خط تشديد بارز تحت تبرؤ الحزب نهائياً من أية محاولة للالتفاف على هذه القضية مستقبلاً بقولها: "نؤكد هذه الحقيقة كيلا تنتقل دعوى (الأحزاب انتهت وفقدت نفوذها) إلى الإفصاح عن نوايا فى الدعوة (لحزب واحد تقدمى بديل) ، فصيغة الحزب الواحد ، تقدمياً كان أم يمينياً ، أثبتت فشلها فى السودان ، وفشلت بالمثل صيغة حل الأحزاب بالقانون والإرهاب فى عهد الديكتاتورية" (نفسه). (6/3) هكذا ، ومع وفرة الدلائل التاريخية على تغلغل موضوعة الديموقراطية الليبرالية فى النسيج الفكرى للحزب ، إلا أن دورة اللجنة المركزية (ديسمبر 1978م) ، وقبل ذلك ، بنحو من عام ، بيانها الجماهيرى (الديموقراطية مفتاح الحل ـ أغسطس 1977م) ، شكلتا ، بطابعهما البرامجى ، خطوة نوعية متجاوزة بصورة حاسمة ، بعد قرابة ثلث القرن من مراكمة كل تلك (التجارب) و(الملاحظات) و(الخبرات العملية) ، بإعلانهما الواضح الانحياز نهائياً لـ (الديموقراطية الليبرالية) منهجاً للحكم ولتداول السلطة ، بل قل بنفضهما عن معانيها الجوهرية المتأصلة فى الفكر الابتداعى للحزب ذلك الغبار الكثيف الذى هالته عليها سنوات التآمر والكيد والاحتراب غير المبدئى داخل صفوف الحركة السياسية ، وتجديدهما وصقلهما لقناعات الحزب القديمة القائمة فى إيلاء الاعتبار اللازم لما توفره هذه الديموقراطية من مساحات واسعة للحريات والحقوق وامكانيات التداول الديموقراطى للسلطة. وربما كان من المفيد ، فى سياق التذكير بقدم هذه الموضوعة وتعتقها عبر تاريخ التطور الفكرى والسياسى للحزب ، أن نستدعى هنا أحد أهم استنتاجاته ، فى مستوى الصراع الذى دار بعد الاستقلال بين نظريتى البناء الرأسمالى والسير على طريق التطور اللارأسمالى ، بأن العامل الأساسى فى تنامى قوى العنف البرجوازى ، المدعومة بآليات التدخل الاستعمارى ، فى السودان ، هو اكتشافها بعد الاستقلال مباشرة أن الليبرالية السياسية تقف حجر عثرة فى طريق مشروعها ، وذلك بما توفره من مناخات النمو المتسارع للقوى الشعبية الرافضة لهذا المشروع ، وإمكانات المقاومة السلمية الفعالة له ، ولذلك سرعان ما اتجهت إلى خيار الديكتاتورية العسكرية السافرة فى نوفمبر 1958م. لقد ".. برهنت الأحداث أن الديموقراطية الليبرالية ليست الوسيلة التى يمكن بواسطتها أن تدفع الطبقات المالكة السير بسرعة ويسر فى ذلك الطريق .. إن المقومات الضرورية للتنمية الرأسمالية وفق المفاهيم الغربية السائدة هى الخبرة الفنية ورأس المال لبناء الهياكل الاقتصادية. وقد بدأ التحضير لدورها بواسطة العنف العسكرى واستبدال الفئات الليبرالية بالحكم العسكرى. والقوى وليدة العنف البرجوازى ظلت راضية عن الاستقرار العسكرى. فإضرابات العمال مصادرة ، وحرية النقد لتدخُّل رأس المال الأجنبى مخنوقة الأنفاس ، والاستغلال يتضاعف" (ع. الخالق ، أخبار الأسبوع ، 27/3/1969م). (6/4) هكذا ، وتأسيساً على كل تلك الدروس والخبرات ، لم يعد (عرج) الديموقراطية الليبرالية فى بلادنا ، كما فى بعض وصف الحزب البليغ لأدوائها منذ فجر الاستقلال ، وعبر مختلف فتراتها ، وميلها إلى (الشكلانية) بسبب هشاشة الأساس الاجتماعى الذى تستند إليه فى بلادنا ، والمتمثل فى سطوة القطاع التقليدى ، وضعف القوى السياسية التى يفترض فيها ، تصوُّراً ، أن تتبناها وتقف وراءها ، وسعيها الحثيث لتبنى مناهج العنف لهدم الحريات والحقوق التى تشكِّل ، فى واقع الأمر ، مضمون هذه الديموقراطية ، وجوهرها ، وأساس نظامها البرلمانى ، بالاضافة إلى النقد (اليسارى) الذى ليس نادراً ما يوجه إلى الحزب بهذا الشأن ، بالاستناد إلى الأفكار البرجوازية الصغيرة ، المغامرة والخاطئة التى ".. ترى أن النضال من أجل الحقوق الديموقراطية البرجوازية لا يقود إلى شئ ، وأن الطريق (الصحيح) هو الدعوة من فوق رأس البيوت للديموقراطية الجديدة وحدها" (دورة يونيو 1968م) ، لم يعد شئ من كل ذلك كافياً ، وبصورة حاسمة منذ ما قبل انهيار حائط برلين بثلاثة عشـر عاماً ، لدفع الحزب إلى التخلى عن النضال فى سبيل هذه الديموقراطية التعددية بجذورها الليبرالية ، أو حفزه للعودة إلى النظر ، بأى قدر من الاعتبار ، للمناهج الشمولية المتخندقة خلف البريق الأخاذ لشعارات (الديموقراطية الجديدة) أو (الشعبية) أو (الثورية) .. الخ. (6/5) على أن هذا الحزب (الماركسى السودانى) ، الذى حزم أمره نهائياً ، منذ أواخر سبعينات القرن الماضى ، لصالح الكفِّ عن رؤية أى بصيص من الخير يرتجى لبلادنا من غير طريق (الديموقراطية البرلمانية الليبرالية) ، لم ينزلق فى نفس الوقت ، مثلما لم ينزلق فى أى وقت قبل ذلك ، للخضوع لأية أوهام ذاتية ، فكرية أو سياسية ، بشأنها. فقد كان ، ولا يزال ، مرفوضاً ، من جانب الحزب ، ذلك الفهم الخاطئ لـ (الليبرالية) ، فى بعض وجوه تصوُّرها ، كمناخ صالح لطمس حقائق الصراع الطبقى ، أو كمحض تكأة للتحلل من التزامات الحزب الفكرية أو السياسية ، أو النكوص عن تحمُّل مسئولياته تجاه قضايا الثورة والتغيير الاجتماعى. لقد قرَّ فى وعى الحزب ، ومنذ وقت باكر كما سبق أن ذكرنا ، أن الديموقراطية الليبرالية ، وإن كانت لا تلغى الصراع الطبقى ، إلا أنها تساعد على كشفه ، الأمر الذى يتحمَّل الحزب بموجبه مزيداً من الأعباء على صعيد الصراع السلمى فى جبهة الوعى ، أى ذلك الضرب من النشاط الفكرى والسياسى المتحضر ، الذى لا تناسبه غير أوسع مساحة من الحريات والحقوق للحركة الجماهيرية وتنظيماتها المدنية الديموقراطية المستقلة. فالعلاقة ، إذن ، بين مشروع التغيير الاجتماعى الذى يبشر به الحزب ، والقائم ، أصلاً ، فى قيم ومبادئ العدالة الاجتماعية والاشتراكية ، وبين مناخ الحريات والحقوق الليبرالية ، علاقة جدلية بطبيعتها. وقد تم حسم هذه القضية ، فى الواقع ، منذ اجتماع اللجنة المركزية فى أبريل 1958م ، والتى لم يدر فيها الصراع فقط ضد اتجاه (الجمود) بإزاء قضايا الديموقراطية والتحالفات والعمل الجماهيرى ، والذى لا يرى فيها سوى الانحراف بنشاط الحزب إلى مناهج وأساليب البرجوازية الصغيرة ، بل أيضاً ضد اتجاه (التحلل) الذى لا يستهدف إعادة النظر فى عمل الحزب ، من أجل تجديد أشكاله على أسس ثورية ، بقدر ما يستهدف تصفية الحزب نفسه ، بتحويله إلى مجرد حزب للانتخابات بدعوى أن الماركسية اللينينية لا تصلح فى بلد كالسودان (ع. الخالق محجوب ، لمحات .. ، ص 116 ـ 122). لذلك كله فإن الحزب ، وهو يعلن عن تمسكه بالديموقراطية الليبرالية ، لم يكف ، فى ذات الوقت ، عن خوض معركته فى وعى الجماهير من أجل التبصير أولاً بأن الديموقراطية الليبرالية لا تعنى فقط الممارسة البرلمانية ، وإنما تتسع لكل أشكال النشاط الذى تمارسه الجماهير من خلال تنظيمات المجتمع المدنى المستقلة ، وثانياً بضرورة (إصحاح بيئة) ممارسة هذه الديموقراطـية ، وعلاج (عرجها) ، حتى لا تتكرَّس الشكلانية طابعاً لها ، و".. يعزل النظام البرلمانى الشكلى يوماً بعد يوم عن حركة الجماهير" ، على حد تعبير عبد الخالق ، فتنفتح الأبواب على مصاريعها أمام المغامرات الانقلابية والأنظمة الشمولية ، يميناً ويساراً ، لتنحشر الحركة السياسية ، والبلاد بأسرها ، فى نفق من بعد نفق ، وظلمات من فوق ظلمات. ومن ذلك ، على سبيل المثال ، دعوة الحزب المستمرة إلى (سودنة) التطبيق الديموقراطى الليبرالى ، ليس بالطرح النظرى فحسب ، وإنما عملياً وإجرائياً أيضاً ، عن طريق تطوير التجربة النيابية الديموقراطية على خط السودنة الذى كانت قد اجترحته لجنة سوكومارسون ، باستصحابها لخصائص الواقع الاقتصادى السياسى الاجتماعى السودانى ، فى أول قانون للانتخابات لسنة 1953م ، وذلك بتخصيص خمس دوائر لخريجى المدارس آنذاك ، الأمر الذى كان يستوجب الدفع ، منطقياً ، ومن خلال التجارب اللاحقة ، باتجاه مآلاته الأعلى المتمثلة فى ضرورة إفراد دوائر خاصة للقوى الحديثة ، بما فى ذلك القوات النظامية ، وإلى ذلك تطوير تجربة الكليات الانتخابية ELECTORAL COLLEGES بين القبائل الرعوية ، وتضييق أحجام الدوائر الانتخابية الجغرافية فى مناطق الانتاج الحضرى الحديث ، فى مقابل توسيعها فى المناطق الريفية ، الأمر الذى من شأنه زيادة عدد النواب من مناطق الوعى ، بما تتحمَّل من أعباء التغيير وتبعات مجابهة الأنظمة الشمولية .. الخ (أنظر ، مثلاً ، فحوى مذكرة الحزب إلى المجلس العسكرى الانتقالى حول قانون الانتخابات ، 1985م). لقد قطع الحزب مشواراً طويلاً وهاماً فى بلورة هذا المنظور للديموقراطية الليبرالية ، بما يتسق وخصائص الواقع السودانى ، إلى حد المفاصلة ، نهائياً ، مع أى احتمال للتنظير ، دع عنك العمل ، باتجاه مغامرة (ديموقراطية!) أخرى موجَّهة! يتبع.. |
(7) (7/1) حسم الحزب ، إذن ، مرة وللأبد ، ومنذ أواخر سبعينات القرن الماضى ، أمر المخض العنيف الذى وسم فكره تاريخياً بين النزوع الأصيل للنضال من أجل إقرار الحريات والحقوق الليبرالية ، وبين أفكار الديموقراطية الثورية ، الشعبية ، الجديدة .. الخ ، والتى ما أعانها عليه ثقل النموذج الاشتراكى السائد ، آنذاك ، بقدر ما فعلت خراقة القوى التقليدية فى الدأب على تيئيس حركة الحداثة السياسية الجماهيرية ، بنشاط ، من جدوى الديموقراطية الليبرالية أصلاً. وهكذا ألقى الحزب بثقله نهائياً فى طريق الخيار الديموقراطى الليبرالى ، من منظوره الفكرى الذى تقترن فيه الحريات والحقوق السياسية بمحتواها الاجتماعى ، أى الخيار الأصعب الذى يستوجب قدراً هائلاً من الصبر على تطوير التجربة فى السودان ، وعلى مكاره هذا الطريق ، بالمراهنة على ديناميكيات الحركة الجماهيرية وحدها ، وبالرفض الصارم لأى شكل من أشكال التردد بإزاء برق الشمولية الخلب ، بحلوله الانقلابية ، ومغامراته الانعزالية ، تأسيساً على خبرة عملية لا يمكن إسقاطها لحساب أية مزايدة (يسارية) أو (يمينية). وما لبث الحزب أن جابه أول اختبار لصدقيته فى هذا الاتجاه عندما عرض عليه نظام جعفر نميرى وقتها ، ضمن القوى السياسية الأخرى ، خيار (المصالحة الوطنية) ، فلم يتردد فى إعلان رفضه له ، كما قد رأينا ، لا من باب التحبيذ لـ (الشقاق الوطنى) ، وإنما رفضاً مبدئياً لـ (الشمولية) من أى طريق جاءت ، وبأى زىٍّ تزيَّت ، طارحاً البديل على بقية القوى السياسية الوطنية فى صيغة (جبهة عريضة للديموقراطية وإنقاذ الوطن) ، وهى الصيغة التى وفرت ، فى وقت لاحق ، من وحدة القوى السياسية والنقابية ما يكفى للانخراط فى الانتفاضة الشعبية ، والاطاحة بنظام مايو الشمولى ، واستعادة الديموقراطية البرلمانية الليبرالية فى مارس ـ أبريل 1985م. (7/2) ولعلنا لا نعدو الحقيقة قيد أنملة حين نقرر ، كما ألمحنا من قبل ، أنه ليس ثمة من يستطيع ، داخل الحزب أو خارجه ، أن ينسب إلى التلخيصات الماركسية اللينينية الشائعة عن (الديموقراطية الليبرالية) شيئاً من نتائج دورتى لجنة الحزب المركزية (أغسطس 1977م ـ ديسمبر 1978م) ، اللتين حسمتا موقفه وكرَّستا خلاصه النهائى ، على الأقل فى مستوى التأسيس النظرى ، من أى تأثيرات ديموقراطية (شعبية) أو (جديدة) أو ما إليها. فبعد أشهر قلائل من الانتفاضة لخص محمد ابراهيم نقد ، السكرتير العام للحزب ، المنهجية الفكرية التى اعتمدها الحزب فى مقاربة تلك الخبرة العملية ، بكلمات بسيطة وقاطعة ، قائلاً: "..هذه تجربة خضناها ولسنا مستعدين لنخضع فيها لنصائح نظرية .. الحزب الشيوعى لن يخاف إطلاقاً من طرح رأيه فى أن الديموقراطية الليبرالية فى السودان كانت وما زالت فى مصلحة تطور الحركة الجماهيرية ، ومصادرتها كانت باستمرار لمصلحة التطور الرأسمالى ، الخراب الاقتصادى ، مصادرة الديموقراطية وانتهاك السيادة الوطنية .. الحزب .. لن يوافق ولن يسكت ولن يهادن فيما يتعلق بالحقوق الأساسية والحريات الديموقراطية للجماهير تحت شعارات جربناها فى مايو. أنا لا أتحدث عمَّا تم فى أى بلد عربى ، أنا أتحدث عن تجربة السودان. شعارات (حماية الثورة) كانت شعارات تضليل لمصادرة الحقوق الأساسية من الجماهير وسوقها كالقطيع لحماية الديكتاتورية ، شعار الوحدة الوطنية والتنظيم الواحد الذى يوحد كل القوى التقدمية .. الخ كان غطاء لتصفية المنظمات الثورية والمنظمات الجماهيرية فى البلد وفرض الوصاية عليها لتمكين حكم الفرد ، حكم الفرد من مواقع التقدم وحكم الفرد من مواقع الرجعية" (م. أ. نقد ، حوار مع مجلة بيروت المساء ، آب/أغسطس 1985م). (7/3) صحيح أن هذه (الخبرة) وتلك (الملاحظات) ، التى تندرج فى مجملها فى قوام النظر البراغماتى ، لا تلغى شيئاً من تلخيصات ماركس وإنجلز ولينين الصائبة ، بوجه عام ، لجوهر الليبرالية السياسية كمنجز برجوازى يعكس ، فى أصله ، (الاستلاب) السياسى ، ويمثل المصدر الأيديولوجى لشرعية الطبقة الرأسمالية التى اكتسبت سلطتها من موقعها فى عملية الانتاج ، أى من الحق (الوضعى) ، فى عصر الحداثة ، وليس (المقدس) كما كان الأمر فى القرون الوسطى بالنسبة لحلف الكنيسة/الاقطاع. وهى أيضاً لا تمس شعرة من صحة تحليلاتهم لمضمون البرلمانات البرجوازية وانتخاباتها ، من حيث هى برلمانات وانتخابات ذات طبيعة برجوازية ، تتأسس باسم (الحرية) و(المساواة) و(الديموقراطية) ، ولكن من فوق سيطرة الطبقات المستغلة (بكسر الغين) على وسائل الانتاج وسلطة الدولة الحقيقية. ومع ذلك كله ، بل برغم ذلك كله ، فإن هذه الخبرة والملاحظات (السودانية) قدمت دائماً للحزب الشيوعى (السودانى) معرفة قيِّمة لا غنى عنها: فمن جهة: ظلت نفس هذه الديموقراطية الليبرالية ـ مقارنة بالشمولية ـ توفر دائماً ، وبرغم كل عيوبها وتشوهاتها وعرجها المشهود فى الممارسة ، مناخ العوامل الموضوعية الأصلح ، والأكثر ترجيحاً لتطور العمليات السياسية السلمية فى البلاد ، ولتفجير طاقات الجماهير السودانية ومبادراتها الذاتية ، بما ظلت توفر لكياناتها وقواها ومنظماتها المستقلة ، وللحزب نفسه ، من فرص النمو والازدهار الطبيعيين فى الهواء الطلق ، فى ساحات الحريات العامة والحقوق الأساسية ، بعيداً عن (ثيرموستات) العمل السرى ، و(ديب فريزرات) القوانين المقيدة لهذه الحريات والحقوق. ومن الجهة الأخرى: ولهذا السبب نفسه ، أصبح واجباً مقدماً أمام الحزب والحركة الجماهيرية الدفاع عن هذه الحريات والحقوق البرجوازية ، فى مواجهة كل المحاولات الرامية لإهدارها أو لتأسيس أى شكل خاو لنظام برلمانى مجرد من كل محتوى. هكذا استقر النضال الجماهيرى من أجل الديموقراطية الليبرالية ، كسمة ثابتة وقانون أساسى لتطور الثورة السودانية. هذا معطى تاريخى ناتج عن (مشاهدة) و(تجربة) عملية ، محددة ومفصحة ، فلا يجوز، بل وليس من الحكمة فى شىء ، إسقاطه لحساب أى محاكمة (نظرية) عامة ، بأى حال. يتبع.. |
(8) (8/1) ويجدر بنا أن ننوِّه هنا بأنه ، وبرغم تأكيد ف. إ. لينين ، فى أكثر من مناسبة ، على أن الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ".. لا يمكن .. ألا يعطى غزارة هائلة وتنوعاً فى الأشكال السياسية" (الدولة والثورة ، ص 35) ، وبرغم قوله فى هذا الصدد: "إن كل الشعوب سائرة ، لا محالة ، نحو الاشتراكية ، ولكن بطرق متباينة ، بحيث تحمل كل منها خصائصها المميزة إلى هذا الشكل أو ذاك من الديموقراطية .. وليس ثمة ما هو أكثر تشوُّهاً ، من الناحية النظرية ، أو مدعاة للسخرية ، من الناحية العملية ، من أن نتصوَّر المستقبل ـ باسم المادية التاريخية ـ بلون رمادى وحيد" (حول السخرية من الماركسية وحول الاقتصاد الامبريالى ، ص 123) ، إلا أنه ظل يؤكد ، مع ذلك ، على (دكتاتورية البروليتاريا) باعتبارها الجوهر الوحيد لهذا الانتقال المنشود من الرأسمالية إلى الاشتراكية (الدولة والثورة ، ص 35). وأيضاً ، ومع كونه لم يستبعد أن تحمل ".. الثورات القادمة فى بلدان الشرق الأكثر غنى بالسكان .. وذات الظروف الاجتماعية الأكثر تبايناً .. تنوعاً أكثر مما حملته الثورة الروسية" (حول ثورتنا ، ص 439) ، الأمر الذى يفترض معه انعدام الحكمة فى حصر احتمالات هذا التنوع ، بالنسبة لأشكال الانتقال إلى الاشتراكية ، فى محض (النموذج السوفيتى) أو حتى نماذج (الديموقراطيات الشعبية) التى أمكن ظهورها لاحقاً ، نتيجة المتغيرات التاريخية فى بعض بلدان أوربا الشرقية وآسيا عقب الحرب العالمية الثانية ، إلا أن (سلطة السوفيتات) كشكل تاريخىٍّ محدد لـ (دكتاتورية البروليتاريا) يعكس خصائص تطور الثورة فى روسيا ، ظلت تشكل النموذج الملموس لهذا التنوع والأكثر حضوراً ضمن إنتاجه الفكرى ، الأمر الذى جعل منها ، لما يربو على ثلثى القرن ، ومن نماذج (الديموقراطيات الشعبية) ، بالتبعية التاريخية أيضاً ، (قيمةً معيارية) لدى معظم الشيوعيين والثوريين فى العالم. (8/2) إذن فالاستنتاجات والموجهات التى خلصت إليها دورتا اللجنة المركزية (أغسطس 1977م وديسمبر 1978م) لتدفع بنضالات الشيوعيين السودانيين على طريق الحريات العامة والحقوق الأساسية ، باعتبارها الجوهر الحقيقى لليبرالية السياسية ، وكشرط لازم من أجل إرساء دعائم المشروع الاشتراكى فى السودان ، لا بطريق الإنقلاب العسكرى ، أو نظام الحزب الواحد ، وإنما عبر المنافسة الأيديولوجية والسياسية الحرة ، والصراع السلمى للأفكار والرؤى والبرامج ، والتداول الديموقراطى للسلطة ، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع ، تصعب إحالتها ، كما قلنا ، إلى أى من كلاسيكيات التعميم الماركسى اللينينى الشائع بشأن الموقف من الليبرالية. ومع ذلك ، فليس من الصعب ملاحظة (الاسترشاد) بالمنهج الماركسى اللينينى نفسه فيها ، سواء من جهة تحاشى الانكفاء على (الرمادى) كلون وحيد للمستقبل ، أو فيما يتعلق بإيلاء قضية (التنوع) القدر اللائق من الاعتبار ، أو حتى فيما يتصل ، كما أشرنا ، باعتماد البراغماتية PRAGMATISM ، أحياناً ، لا كنظرية متكاملة فى النشاط الثورى ، ولا كضرب من (التجريبية) ، أو (التأملية) ]]]]] من باب أولى ، وإنما فقط كأداة بسيطة من أدوات المعرفة ليس من الحكمة إغفالها تحت أى شعارات أو (نصائح نظرية). ولعل ذلك هو ، بالضبط ، ما عبر عنه السكرتير العام للحزب بقوله: ".. ليس هذا اكتشافاً نظرياً جديداً ، وليس تطبيقاً خلاقاً للماركسية ، وليس ادعاء بعبقرية ، ولكنه قراءة للواقع السودانى باسترشاد ماركسى حسب قدراتنا .. إنه لا يخلو من جانب براغماتى ، لكن البراغماتية أداة من أدوات المعرفة ، ليست خطأ كلها ، فيها جوانب عملية صحيحة ، لكن إذا تحولت إلى نظرية كاملة للمعرفة يصبح أمرها شيئاً آخر. هذه واحدة من الخصائص المهمة بالنسبة لنا. هذه قضية أساسية" (حوار مع م/النهج ـ ع/25 ، 1989م ، ص 51). (8/3) ورغم التواضع الذى يسم عادة شخصية نقـُد وتعبيراته ، والبادى فى قوله "هذا .. ليس تطبيقاً خلاقاً للماركسية" ، إلا أنه لا يغيب عن الملاحظة هنا أن الرجل إنما يضىء ، فى الحقيقة ، وبأسلوبه الخاص ، مداخل الحزب القديمة صوب المبدأ المنهجى الذى كان قد صاغه ف. إنجلز فى كلمته الرائجة: "نظريتنا ليست عقيدة جامدة ، بل مرشد ودليل للعمل". لقد ظل هذا الفهم ملازماً باستمرار لتطور العمليات الفكرية الجارية فى الحزب منذ آماد بعيدة. وقد أشار إليه مؤخراً د. عبد الله على ابراهيم ، فى تعليقه على بعض تصريحات د. الشفيع خضر غير الموفقة حول تجديد الحزب ، قائلاً: "أزعجنى تفكيك الشفيع الآلى للماركسية إلى جزء صالح وجزء طالح. والرأى عندى أن الحزب الشيوعى كان قد فرغ من هذا الفهم بنباهة أكبر حين دعا إلى ما أسماه بـ (التطبيق الخلاق) للماركسية على ظروف السودان وشعبه" (الصحافى الدولى ، 6/5/2001م). وكان نقـُد قد عاد ، بعد مضى عدة سنوات على حواره مع (النهج) ، للتأكيد على هذا الفهم ، حين وصف هذا المبدأ المنهجى ، فى مناسبة أخرى ، بأنه ".. يخضع للتحديث وروح العصر .. و.. تخضع (لهما) النظرية أيضاً ، وإلا تحولت إلى عقيدة جامدة. فالنظرية تبقى علمية ومرشداً بقدر تقيدها بأصول وقواعد ومناهج العلم ، فتبادر لإخضاع استنتاجاتها للتجربة ، كيما تتجاوز ذاتها ، ولا تتعصب لخلاصة ونتيجة دحضها محك الممارسة أو تجاوزها الواقع" (أنظر: م. أ. نقد ؛ حوار مع حسين مروة حول النزعات المادية فى الفلسفة العربية الإسلامية ، ص43). ثم عاد أيضاً ، بعد مرور المزيد من السنوات، للتنبيه مجدَّداً ، من خلال مساهمته فى المناقشة العامة التى انتظمت الحزب منذ بواكير تسعينات القرن الماضى بهدف تجديد برنامجه ، إلى أن ".. البرامج العلمية تخضع لمحك الممارسة والمشاهدة والتجربة ، لا تعلو ولا تتسامى عليها فتنحدر إلى مسلمات جامدة.." (ورقة "مبادئ موجهة" ..). (8/4) وربما كان من المفيد ، فى معرض التأكيد على رسوخ هذا الفهم النظرى الجرئ للجانب العلمى من البراغماتية ، لا كنظرية متكاملة ، بل كمجرد أداة من أدوات المعرفة ، أن نشير هنا أيضاً إلى أن هذه المنهجية التى لخصها السكرتير العام للحزب فى أكثر من مناسبة ، والتى لولاها لما خلصت لجنته المركـزية إلى ما خلصت إليه فى دورتى أغسطس 1977م وديسمبر 1978م ، قد سبق استخدامها والتنويه بسدادها وجدواها ، قبل ذلك بثلاثين سنة ، فى البرنامج (الدستور) المجاز فى مؤتمره الرابع عام 1967م. ففى سياق معالجته لقضية (السلطة السياسية ـ جهاز الدولة ـ الديموقراطية) ، باعتبارها القضية المحورية فى أعقاب ثورة أكتوبر 1964م ، شدد البرنامج على أن السلطة الوطنية الديموقراطية ".. تقوم على الوعى والمعرفة السياسية ، ولا تدخل فيها اعتبارات أخرى لا صلة لها بالعمل السياسى المبنى على البرامج العلمية وعلى المشاهدة والتجربة" (دستور الحزب الشيوعى السودانى ، 1967م). وفى مساهمته المار ذكرها (مبادىء موجهة) أورد نُقد هذا المجتزأ ، واصفاً إياه بأنه (سياج نظرى) أحاط به برنامج 1967م (قضيته المحورية) ، ومشيراً ، بصفة خاصة ، إلى أن هذا السياج النظرى ".. يكتسب أهمية خاصة فى الصراع ضد الجمود فى التعامل مع مفاهيم ومقولات السلطة السياسية والدولة ، إذ لا يقيدها بفلسفة بعينها ، بل يخضعها للعلم ومنهج العلم ـ أى لا تدخل فيها اعتبارات لا علاقة لها بالعمل السياسى ـ والعمل السياسى نفسه ينبنى على البرامج العلمية ، وعلى المشاهدة والتجربة ، بما يعنى ضمناً أن البرامج العلمية تخضع لمحك الممارسة والمشاهدة والتجربة .." الخ (مبادئ موجهة ..). (8/5) وإذا عدنا إلى ما قبل ذلك بعقود ، فإننا سوف نلاحظ ، مثلاً ، أن اللجنة المركزية كانت قد أقرت ، عشية انقلاب مايو عام 1969م ، بعض وجوه هذه المنهجية التى يفترض أن تشكل عظم الظهر لأداء الحزب الفكرى والعملى المستقل ، بقولها: إن ".. الماركسية منهج وليست شعارات جامدة .. (و) من المستحيل أن نرسم استراتيجيتنا اعتماداً على المنقول من الكتب أو تكييف الواقع بما يرضى تجارب الحركة الثورية فى هذا البلد أو ذاك" (الدورة الاستثنائية للجنة المركزية ، مارس 1969م ، ص 12 ـ 14). ولعل ذلك بعض ما وقع سداده لعبد الله على ابراهيم فى باب فراغ الحزب من فهم (التطبيق الخلاق) للماركسية بقوله ، فى كلمته الجيدة المار ذكرها ، عن مقومات توطين الحزب لهذا المبدأ فى فكره: ".. وكان من أهم أركان مبدأ التطبيق الخلاق هذا أن يتمتع الحزب ، بادئ ذى بدء ، باستقلال سياسى وفكرى من وصاية ومؤثرات كائن من كان ، وأن يكون مرجعه فى اجتهاده الماركسى حقائق شعبه الاقتصادية والتاريخية والاجتماعية والروحية" (الصحافى الدولى ، 6/5/2001م). (8/6) ولئن أمكن سَوْق هذه المعرفة الشيوعية السودانية فى باب الفضائل الكامنة فى طلاقة التفكير ، وكسر قشرة الجمود ، واستقلالية التعاطى مع خصوصية الخبرة التى يطرحها الواقع الحى على طريق نضالات الشيوعيين ، فثمة نماذج أخرى لخبرات أحزاب شيوعية أخرى ، جديرة ، هى الأخرى ، بالتأمل ، لاستخلاص العبر الماجدة والدروس الكبيرة المقـدر لها ، وحدها ، يقيناً ، أن تبقى حية ، وتدوم ، مهما أوغل (النموذج) فى (الموت) ، أو تجارب (الأمميات) السابقة فى التآكل! ومن ذلك ، على سبيل المثال ، أنه ، وبرغم الأثر المتعاظم لـ (الأممية الثالثة) فى نمذجة الأحزاب الشيوعية الأوربية على نسق (الهيكل البروليتارى) الموحَّد ، وتنميط خطوطها الفكرية والتنظيمية كافة فى قالب (المركز البولشفى) الأب ، وتحديد خياراتها ، بالتالى ، وبالضرورة ، منذ مؤتمر الأممية الخامس فى 1924م ، بالنسبة لنمط الديموقراطية الذى تتوخاه ، وطبيعة الطريق الذى تنتهجه صوب الاشتراكية ، الأمر الذى قلل من حجم تأثيرها فى الأحداث ، وصرفها عن الاهتمام بالطبقة الوسطى تحديداً ، والتى أصبحت عرضة ، بسبب ذلك ، للانجذاب الفاشى ، بل ".. إن انتصار الفاشية فى إيطالياً أولاً وفى ألمانيا لاحقاً كان نتيجة مباشرة وحتمية لذلك الاختيار الأعمى للأحزاب الشيوعية ذاتها" (د. حميد بن عزيزة ؛ "تحوُّلات التجربة الشيوعية: من البولشفية إلى الأوروشيوعية" ، م/عالم الفكر ، ص 84) ، إلا أن شيئاً من ذلك كله لم يحل دون أن تصغى هذه الأحزاب مليَّاً للمهام التى طرحتها على جبهتها ، بإلحاح ، دمدمة الحرب العالمية الثانية. فبالنسبة للحزب الشيوعى الألمانى ، على سبيل المثال ".. لم يعد الموقف من الحرب مطابقاً لطرح لينين تجاه الحرب الكونية الأولى ، فليست غاية الحـزب تحويل الحرب إلى حرب أهلية ، غايتها تحقيق الثورة الشيوعية ، وتحويل الحرب إلى (هزيمة ثورية) ، بل إن مهمة الحزب الآن إنما هى البحث عن أفضل تماثل مع حركة التحرر من خطر النازية" (نفسه ، ص 85). ووجد الحزبان الشيوعيان الفرنسى والايطالى أيضاً أن المهمة الأساسية الشاخصة فى أفق حركتهيما ، فى ذلك الوقت ، هى الانخراط الفورى ، وبلا أدنى تردد أيديولوجى ، فى صيغة العمل الجبهوى العريض المناهض للنازية وللفاشية ، والمدافع عن منظومة قيم ومبادئ الحريات والحقوق السياسية التى تحملها الديموقراطية الليبرالية. ويكفى التذكير بأن النتائج المادية والرمزية لانتصار الجبهة الشعبية فى فرنسا عام 1936م أضفت على الحزب الشيوعى الفرنسى طابعاً جماهيرياً لا مثيل له. وعلى الرغم من أن عمر الجبهة الشعبية لم يكمل عاماً واحداً ، إلا أن التجربة جسدت مشروعاً جديداً لهويَّة شيوعية فرنسية صارت رمزاً لـ (الهويَّات) الشيوعية الغربية الأخرى ، وحفرت مفهوم (الأوروشيوعية) ]]]]]]عميقاً فى الذاكرة الشيوعية العالمية بأسرها (نفسه ، ص 84). وفى إثر الصدمة المدوِّية التى أحدثها تقرير نيكيتا خروتشوف إلى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعى السوفيتى عام 1956م إنصب شغل بلميرو تولياتى ، قائد الحزب الشيوعى الإيطالى ، على وضع تحليل غير معهود لنتائج ذلك التقرير ، حيث الرغبة فى الاستقلالية ".. ما انفكت تتعاظم ، لأن مجمل النسق الشيوعى أصبح متعدد المراكز ، وفى داخل الحركة الشيوعية ذاتها لا يمكننا الحديث عن قائد فريد ، بل عن تقدم ينجز باتباع طرق مختلفة بوضوح" (ضمن المصدر ، ص 87). لقد خطا ذلك (التفكير الجديد) ، وقتها ، خطوة هائلة على طريق المزيد من تمثل الحزب الشيوعى الايطالى لخصائص نسيجه القومى ، وبخاصة عندما عاد ليذكِّر ، فى وثيقة (وصية الحزب) التى نشرت عقب وفاة تولياتى ، بضرورة وأهمية ".. أن تتحقق وحدة الحركة الشيوعية العالمية فى تنوُّع المواقف السياسية الملموسة المطابقة للوضع ولدرجة نمو كل بلد" (ضمن المصدر ، ص 89). وإذا لم يستطع ، إلى حين إشعار آخر ، أن يكون مقنعاً ، بأى مستوى ، التفسير القائل بأن انهيار الاتحاد السوفيتى والمعسكر الاشتراكى ، أو النموذج الستالينى المحدد تاريخياً فى البناء الاشتراكى ، مطالع تسعينات القرن الماضى ، ناتج من عدم نضج البنية الاقتصادية والاجتماعية فى روسيا ، بلد (التجربة الأم) ، مما رتب لعدم إمكان تلاؤم التطبيق مع المرجعية النظرية للاشتراكية كما كان يراها ماركس ، لا كتماثل مع عناصر الفقر والتخلف ، وإنما كمآل حتمى فى التطور الاجتماعى التاريخى ، يتشكل ، وبالضرورة ، من أقصى درجات الثراء والوفرة ، وأعلى درجات النمو لقوى الانتاج الرأسمالى ، الأمر الذى نعده وجهاً آخر لتهافت القراءة الأيديولوجية الموجَّهة ؛ فإن المعطى الأساسى المتوفر بثبات ، حتى الآن ، إنما يتمثل فى كون التسلط المطلق لمبدأ (المركزية الديموقراطية) ، فى كلا مستويى البناء فى الحزب وفى الدولة ، هو المسئول عن إفساد العلاقة بين مركز الثورة ومحيطها ، قومياً وعالمياً. والمهمة الكبرى المطروحة ، الآن ، وبإلحاح ، أمام الأحزاب الشيوعية كافة ، هى ضرورة تصوُّر (إشتراكية ذات وجه إنسانى) ، تنسجم مع التقاليد الديموقراطية للحركة العمالية فى كل بلد ، وتنسحب على حياة الحزب نفسه الداخلية ، مما يقتضى المواجهة الحازمة مع مبدأ (المركزية الديموقراطية) غير الديموقراطى ، والمتصلب. إن (موت النموذج) يطرح هذه المهمة ، ليس أمام الأحزاب الشيوعية الأوربية فحسب ، بل والأحزاب الشيوعية فى البلدان النامية ، ومن بينها الحزب الشيوعى السودانى. يتبع.. |
9)
(9/1) تلك هى القصة الكاملة ، بقدر ما أسعفت الذاكرة والمصادر ، لتطور (الفكر الديموقراطى) لدى الحزب الشيوعى (السودانى). وهذه هى حقيقة المنهجية المنفتحة التى عالج بها هذا الحزب مداخله إلى (الليبرالية السياسية) ، بجوهرها الأساسى القائم فى (الحريات والحقوق) ، بصرف النظر عن أى (دوغمائية) يمكن أن تؤسس لتعاملات مغايرة مع (النصوص) النظرية المحددة بشأنها ، وبغض الطرف عن الأثر الضاغط على حركة اليسار وحركة التحرر الوطنى العالمية من جهة النموذج الاشتراكى ، الذى كان سائداً وقتها ، فكرياً وعملياً ، وبالأخص التجربتين السوفيتية والصينية ، وبرغم كل خروقات القوى التقليدية لهذه الديموقراطية ، تحت النفوذ المباشر للقطاع التقليدى على الاقتصاد والفكر والسياسة ، الأمر الذى لم يكن من النادر أن تعرض الحزب بسببه للمخاطر و(لسداد الفواتير) بالكامل ، بل ودفع به ، فى فترات مختلفة من تاريخه ، لاتخاذ مواقف خاطئة تماماً ، لم يستنكف من نقدها لاحقاً ، فى أكثر من مناسبة ، وبقدر لائق من الاستقامة والوضوح والابتعاد عن المكابرة. ونختار كنموذج لذلك المجتزأ المطوَّل التالى من الشهادة العفوية المباشرة التى أدلى بها التجانى الطيب ، أحد مؤسسى الحزب الأوائل وسكرتير لجنته المركزية ، فى ندوة "تقييم التجارب الديموقراطية فى السودان" ، التى نظمها بالقاهرة "مركز الدراسات السودانية" بالتعاون مع "مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام" ، خلال الفترة من 4 ـ 6 يوليو 1993م ، يقول التجانى: ".. إذا كان إحنا ما أخطأنا خلال الأربعين سنة الماضية فما الذى وصَّلنا إلى الحالة الموجودين فيها .. نحن وقعنا فى أخطاء كبيرة و .. مؤثرة جداً على مسيرتنا و .. أثرت على مسيرة البلد: الخطأ الأول: كان فى إتفاقية فبراير 53 واللى كانت إنجاز كبير جداً للشعب السودانى ، ولكن ، لأننا كنا متأثرين بأن الاستقلال والحرية فى مثل الظروف التى قامت فيها الثورة الصينية و .. الأندونيسية والخ ، كنا بنعتقد أنه ما ممكن نيل الاستقلال والحرية السياسية إلا عن طريق الثورة المسلحة ، ولكن .. تمت بدون (ذلك) .. بنضال الشعب .. وهذا ما غفلنا عنه. نحن ما قدَّرنا أن نضال الشعب .. وصل إلى حقيقة الاستقلال .. بدون الثورة الثورة المسلحة. الخطأ كان .. لأن إحنا كنا عايزين حاجة أحسن .. وفعلاً تبين فيما بعد أن في عيوب كبيرة جداً فى إتفاقية فبراير .. كنا بنأمل أن يكون الوضع بتاع الاتفاقية أحسن من ده. الخطأ الثانى: هو إننا دخلنا المجلس المركزى فى عهد عبود ، وكانت النظرية اللى عندنا أنه أى مقاطعة لمؤسسات استعمارية ، زى مثلاً الجمعية التشريعية ، تكون بحركات جماهيرية واسعة جداً تؤدى إلى قتل التنظيم المعين بتاع المؤسسة المعينة .. فنحن اتفقنا إننا لازم ندخل ونحاول أن نستغل المعارك الانتخابية عشان نفضح النظام أكثر .. فى ناس بيقولوا إن هذا تعاون مع النظام ، لكن نحن أول ناس أعتقلنا ، أول ناس نفينا خارج العاصمة .. وآخر مسجونين طلعوا من السجن فى ثورة أكتوبر .. يعنى .. حتى مع المجلس المركزى .. برضه الشيوعيين .. داخل السجن .. وهم آخر ناس خرجوا. الخطأ الثالث: .. فى الموقف من الديموقراطية فى إنقلاب نميرى .. نحن ما اشتركنا فيه .. ولم ندبر هذا الانقلاب ، ولكن .. أيدناه بطريقة مشروطة. وأنا أعتقد أنه من الناحية السودانية إذا كان الأحزاب والأخوان المسلمين قاعدين فوقنا خانقيننا وجا واحد قال نفك الخنق ده نقول ليهو لا ؟ يعنى حكاية مش معقولة. إحنا أيدنا ولكن .. بشرط .. نحتفظ بحقنا كحزب .. لكن فى الناحية دى أنا ما بعتبر إنه .. كان عندنا أى نوع من الخطأ إذا .. نظرنا إلى أى إنقلابات تانية. لكن بالنسبة لقضية الديموقراطية فى هذا النظام نحن ما كنا مع القاعدة بتاعتنا للدفاع عن الديموقراطية ، وحصلت انتهاكات للحقوق الديموقراطية نحن سكتنا عنها لأنها كانت موجهة ضد الآخرين ، وكان يجب علينا أن نعرف إن الديموقراطية لا تتجزأ. الخطأ الرابع: كان فى يوم 19 يوليو ، وهذا الخطأ سواء نحن عايزينه ولا مش عايزينه نحن كحزب .. ما أخذنا قرار بتنظيم 19 يوليو ، لكن 19 يوليو قاموا بيها شيوعيين وديموقراطيين .. وإحنا أيدنا هذا الانقلاب .. من الفكرة بتاعت إنه سيبدأ تصحيح للنظام القائم .. لكن من الخطأ نحن تعلمنا يمكن آخر تجربة وآخر درس لنا ، نحن ضد الانقلابات .. على طول الخط ، ضد التكتيكات الانقلابية على طول الخط ، و .. مع الديموقراطية على طول الخط .. هذا بيتمشى مع موقفنا من الديموقراطية باستمرار ، يعنى إحنا ناضلنا نضال شديد جداً من العهد الاستعمارى ، وفى الظروف الديموقراطية ناضلنا لانتزاع حق النقابات ولانتزاع الديموقراطية" (الديموقراطية فى السودان ، ص 451 ـ 453). (9/2) ويخطئ كثيراً من يتصور إمكانية النظر للحزب الشيوعى السودانى ككائن أسطورى خارج الزمان والمكان المحددين ، خارج أشراط سيرورته التاريخية ، فى حين أنه رابطة اختيارية بين مناضلين فى سبيل أهداف ومبادئ محددة. إنه كائن حى ، ينمو ويتطور بأشراط النمو والتطور التى يخضع لها كل كائن حى ، ولذلك فهو عرضة لارتكاب الأخطاء ، أحياناً ، بقدر ما قد يحالفه الصواب ، فى أحيان أخرى. بل قد يرى البعض أن معظم فكـر الحزب خطأ ، ومعظم سياساته خطأ ، ومعظم أقواله خطأ ، ومعظم أفعاله خطأ ، وقد يرى آخرون غير ذلك. وكل هذا جائز ومقبول ، شريطة أن يتأسس على حقائق التاريخ ، لا على الأساطير الفولكلورية المتداولة. إن كل نقد يوجه إلى الحزب ، بل وإلى أى من أطراف الحركة السياسية فى بلادنا ، هو ضرورى ومطلوب لتطوير هذه الحركة فى الاتجاه الصحيح ، ومن أجل مستقبل أفضل لها ، ولبلادنا ، ولشعبنا. ولكن من اللائق ، بل من الواجب ، فى رأينا المتواضع ، على كل من أراد أن ينتقد أو يأخذ أى من هذه الأطراف عموماً ، والشيوعيين (السودانيين) خصوصاً ، بأى عمل أو قول ، أن يفعل ذلك على بينة موضوعية ، لا على تصوُّرات ذاتية ، أو أوهام معزولة عن حقائق الواقع الفكرى أو السياسى. (9/3) وينطبق ذلك على السؤال موضوع هذا المبحث تحديداً. ذلك أن إدراك الحقائق الباردة كفيل ، يقيناً ، بأن يراكم ذخيرة معرفية لا غنى عنها لمن يريد لتحليلاته أن تبلغ ساحلاً هادئاً من الاستنتاجات الموضوعية الأشبه بالحق ، والأقرب إلى الصواب ، فيما يتصل بجملة قضايا تحيط بموقف الحزب من الديموقراطية الليبرالية ، ومواقف القوى السياسية الأخرى منها ومن الحزب. وهى قضايا مرشحة لأن تبرز ، خلال الفترة القادمة من حياتنا السياسية ، لتثير قدراً إستثنائياً من الاهتمام والجدل فى ضوء ما سيتمخض عنه الحراك السياسى الجارى فى الوقت الراهـن داخل (الإنقاذ) ، من جهة ، وداخل المعارضة ، من الجهة الأخرى ، وما يتمدد بينهما ، من الجهة الثالثة ، من مساحات تتحرك فيها الأجندة الأجنبية ، والأطماع الأجنبية ، والتدخلات الأجنبية. (9/4) ولا نضع النقطة فى نهاية السطر قبل أن نؤكد على أحد أهم الدروس التى نستخلصها من هذا المبحث ، وهو استحالة استشراف أى مخرج من مأزقنا الوطنى الراهن مع عزل أو إقصاء أى طرف من أطراف العملية السياسية ، مهما (دقَّ) حجمه بمعايير (التمدد الأفقى) ، أو (صغر) فى عين (الكبار) تحت أوهام (التركيبة الأساسية) و(الأحزاب الرئيسة) .. الخ. فسواء كان ذلك برغبة ذاتية أم بضغط خارجى ، فإنه لن يعدو كونه ضرباً من (البربرية) الفكرية والسياسية التى خبرتها بلادنا بما فيه الكفاية ، وينبغى الكف عنها فوراً ، لأنها كبَّدت الجميع ، حتى الآن ، أبهظ الأثمان وأفدح الأضرار ، ولأنها مؤسسة ، فى جوهرها ، على علاقة سلبية مع التاريخ ، ولأن التجارب السابقة أثبتت أنها لا تحل الأزمـة ، بل ، على العكس ، تعيد إنتاجها ، ولأن من يجرب المجرب تحيق به الندامة! يتبع.. |
الإشارات:
] نستخدم مصطلح (إشكالية) هنا بدلالة النظرية غير المكتملة. ]] أحد بناة وقادة الحزب والحركة العمالية المحلية والعالمية ، أصيب فى المعتقل ، على أيام جعفر نميرى عام 1979م ، بجلطة سببت له شللاً نصفياً ، ولم تتحرك السلطة نحو علاجه أو إطلاق سراحه إلا بعد أن تردت حالته الصحية نتيجة الاهمال ، فنقله الحـزب إلى لندن ، ثم إلى براغ ، حيث أسلم الروح هناك ، فأحضر جثمانه بالطائرة ليوارى ثرى الوطن فى مطلع العام 1980م. ]]] أثار الأستاذ نقـُد مؤخراً ، فى ورقته المشار إليها ، ضرورة إخضاع مفهوم (الرأسمالية الوطنية) للمراجعة ، ضمن منظومة المفاهيم والمصطلحات التى يتوقف على تجديدها تجديد الحزب وبرنامجه ، بين جملة عوامل أخرى. ويعرفه بأنه ".. متواتر فى برامج وأدبيات أحزاب وحـركات العـالم الثالث. وكانت الثورة الصـينية قد أضافت صفة التمايز ـ الكومبرادور ـ دالة على رجال الأعمال الصينيين الذين كانوا يقومون بدور الوكلاء للشركات والسفن البرتغالية فى الموانئ الصينية ، وأصل الكلمة برتغالى ، تمييزاً لهم عن رجال الأعمال الصينيين الذين كانوا يشاركون ، بمستوى أو آخر ، فى الحركة الوطنية. وأضافت الناصرية فى الستينات صفة تمايز: غير المرتبطة بالاستعمار". ولكن نقـُد ينبه إلى "المتغيرات الباطنية العميقة" فى كيان الفئات الرأسمالية فى بلادنا منذ منتصف السبعينات وتدفق البترودولار ، وأهمها ما ترتب على سياسات مايو فى التأميم العشوائى والمصادرة التى لا يسـندها قانون أو ضرورات سياسية أو اقتصادية ، ثم اتساع وتنوع شرائح وفئات الرأسمالية الطفيلية من فوق سطوة بيروقراطية جهاز الدولة وتمويل الجهاز المصرفى للنشاط الطفيلى تحت شعار الأسلمة منذ أواخر السبعينات ، ونفوذ حزب الجبهة الاسلامية المطلق بعد انقلاب 1989م. هذه المتغيرات وغيرها تستدعى مراجعة مفهوم (الرأسمالية الوطنية) فى ظروف (العولمة) وموجبات ".. تدويل رأس المال ، وإعادة تقسيم العمل على مدى العالم ، ودمج وتوحيد الأسواق .. وتسخير نتائج الثورة العلمية التقانية ووسائط الاتصال فى بنية وتركيب وتراكم الثروة" ، حيث ".. يصعب ، إن لم يدخل فى باب الاستحالة تشييد غشاء ، دع عنك حاجز ، بين رأس المال المحلى ورأس المال الدولى ، والأخير ما عاد حاصل جمـع ـ كسابق عهده ـ لرأس مال عدد من الدول ، ينتمى لدولة بعينها وجنسية بعينها ، لقد عبر واجتاز حدود الدول ، وخصوصية الجنسيات ، وأصبح قوة وطاقة وسطوة دولية". ويخلص السكرتير العام إلى أن القضية المحورية التى تحدد الموقف ".. من رأس المال السودانى والدولى هى قضية التنمية فى أفقها الشامل .. و(دورهما) .. فى تمويل تحقيق أهدافها وأسبقياتها. لهذا ربما كان الأقرب إلى الواقع الانتقال من الشعار العام حول حماية مصالح (الرأسمالية الوطنية) ، كحكم معيارى مسبق ، إلى تركيز الأسبقية فى عنصرين: .. الأول حماية مصالح الرأسمالية السودانية التى تدفعها مصالحها الاقتصادية (ولا نستبعد المشاعر الوطنية) لاستثمار أموالها فى قطاعات الاقتصاد السودانى وفق أسبقيات التنمية .. (و) .. الثانى .. ما تستلزمه (مصلحة هذا الاقتصاد) من ضوابط ومعادلات النفع المتبادل فى التعامل مع رأس المال الدولى" (راجع ورقة "مبادئ موجهة .."). قيمة هذا الطرح تكمن فى أنه لا ينغلق على قطعيات نهائية ، بل يغوى بعصف الأدمغة واستولاد الأفكار. وعليه فإننا لا نزال نلمح فيه تعقيداً طلسمياً ينبغى فضـُّه: إذ كيف يسـتقيم تصوُّر "رأسـمالية سودانية .. تدفعها مصالحها الاقتصادية" ـ دع عنك أن يتوفر لديها ما يكفى من المشاعر الوطنية ـ "لاستثمار أموالها .. وفق أسبقيات التنمية ، (وتنضبط) .. بضوابط ومعادلات النفع المتبادل فى التعامل مع رأس المال الدولى" ، بينما يكاد ".. يدخل فى باب الاستحالة ، تشييد غشاء ، دع عنك حاجز ، بين رأس المال المحلى ورأس المال الدولى" ، فى ظروف (العولمة) التى يعمل من خلالها (رأس المال الدولى) هذا على تسخير كل (منفعة) لصالحه هو وحـده ، ومن نافلة القول أن (صالحه) هذا لا يعترف بأى قيمة (للنفع المتبادل) ، وهو لم يعد ، بالفعل ، كما فى السابق ، (حاصل جمـع) لرءوس أموال ينتمى كل منها لدولة بعينها وجنسية بعينها multinational ، فلقد عبر واجتاز حدود الدول ، وخصوصية الجنسيات ، وأصبح قوة وطاقة وسطوة دولية transnational؟! ]]]] وللدقة ، فقد اتخذ قطب حزب الأمة الآخر ، السيد أمين التوم ، موقفاً شبيهاً فى مذكراته المنشورة عام 1985م بقوله: ".. أما تعديل الدستور وتحريم الحزب الشيوعى وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية .. فأمر أرى أن تعجلاً مضراً حدث بمقتضاه". ]]]]] (التجريبية): إتجاه فى نظرية المعرفة يردها إلى تجربة الأحاسيس والإدراكات ، وينحدر من (الأبيقوريين) و(الرواقيين) فى الفلسفة اليونانية القديمة ، حتى فلاسفة (الوضعية الجديدة) الذين يقرنون التجريبية بالتحليل المنطقى للمعرفة ، حيث يخضع الواقع لمراوحة لا نهائية بين (الصواب) و(الخطأ) ، فتصبح صياغة أى موقف سياسى أو أيديولوجى حول (الواقع) مرهونة بتحويل ذلك الواقع إلى حقل اختبار عملى دائم ، دون التوقف لحظة بهدف التقويم النظرى للخبرة. عيب التجريبية أنها ترى الفكر (صورة فكرية) ميكانيكية عن الواقع ، ولا تدرك أن (الواقع) لا يتسق مع الفكر إلا بقدر ما يجيب هذا الفكر على تساؤلات الواقع وإشكالاته. أما (التأملية): فتنطلق من أية (نظرية) ، حتى لو كانت ثورية ، لتنتهى إليها ، حين تقدمها للجماهير كصيغة (علمية) نهائية ، مستكفية بذاتها ، ومشتملة على كافة (الحلول) لقضاياها ، فتنكفئ عليها ، مسترخية فى الطمأنينة والأمل ، حيث يغدو الفكر منطلق ومعيار الواقع. ويشبهها بعض المفكرين بأسطورة سرير بروكست ، قاطع الطريق ، الذى كان يمدد عليه ضحاياه ، فإن كانوا أكثر طولاً من السرير ، قصَّ ما زاد منهم ، وإن كانوا أقصر ، مطـَّهم !! ]]]]]] رغم قدم ظاهرة (الأوروشيوعية) داخل الأحزاب الشيوعية الأوربية ، إلا أنها نشأتها حديثة ، نسبياً ، فى العلاقات البينية لهذه الأحزاب. ويعود تاريخ اجتماعاتها التأسيسية إلى اجتماع بروكسل (يناير 1974م) الذى جرى فيه تداول الخلافات علناً لأول مرة ، وكذلك إجتماع برلين (1971م). ولعل اجتماع مدريد (1977م) هو الذى يعتبر التاريخ المرجع ، وقد شارك فيه قادة الحزب الشيوعى الفرنسى والإيطالى والأسبانى. المصدر: الميدان |
الأعزاء,
نواصل فى الغد إيراد دراسة أيضآ مهمه بإسم: مسألة الدين والدولة. وكل هذه الدراسات تأتى فى إطار التحضير للمؤتمر الخامس للحزب الشيوعى , مودتى |
واصل يا جيلي جهدك الجميل
يديك العافية |
مساء الخيرات ياود الحاج,
, ونواصل |
مسألة الدين والدولة:
لا نؤسس لموقف جديد بقدر ما نسعى لتطوير رؤيتنا التى برهنت الخبرة التاريخية على صحتها ، ونسدد ، فى الوقت نفسه ، نقداً ذاتياً لتقصيرنا فى تطويرها بالقدر اللازم من الوضوح من خلال نشاطنا العملى وسط الجماهير ، وفق ما كنا قد ألزمنا أنفسنا به منذ مؤتمرنا العام الرابع على الأقل. وثمة حقيقتان فى هذا الاتجاه تقتضى الاستقامة الواجبة إجلاءهما ابتداءً: الحقيقة الأولى: أن الماركسية الكلاسيكية تشتمل على رؤية ناقدة للدين ضمن السياق العام لتطور النزعات الالحادية فى الفلسفة المادية الأوروبية بأسرها ، شرقاً وغرباً ، والتى رفدت واسترفدت خصائص عقلانية الثقافة اليونانية ، وطبعت بطابعها العام مشهد التطور العلمى فى الغرب ، ووسمت ، فى عقابيل القرون الوسطى الأوربية ومطالع عصر الحداثة ، الاصطدام العنيف بين المجتمع الذى كانت تملأ أشرعته رياح التغيير الثورى البرجوازى وبين الاكليروس الكنسى المدافع عن الاوضاع الاقطاعية البالية ، وما انتهى إليه ذلك الصراع من انتصار تاريخى للبرجوازية ومن خلفها مجموع الشعوب الكادحة تحت رايات الحرية والاخاء والمساواة والعلمانية والديموقراطية .. الخ. لقد كان منطقياً أن تتواصل تلك السيرورة الفلسفية فى مرحلة لاحقة من التطور التاريخى ، هى مرحلة الثورة الاشتراكية ، من خلال أعمال ماركس وانجلز خلال النصف الثانى من القرن التاسع عشر ، ثم أعمال لينين بين خواتيم القرن التاسع عشر ونهايات الربع الأول من القرن العشرين. فالماركسية إذن تشترك مع كل الفلسفات المادية الأخرى ، منذ الاغريق حتى عصر الحداثة البرجوازية ، فى النظر العلمى ، ولا يوجد سبب واحد (لتخصيصها) وحدها بالهجوم تحت شعار (الالحاد) سوى أنها ، وعلى عكس الفلسفات الأخرى ، لم تعتبر هدفها الأساسى (تفسير الطبيعة) ، الميدان التقليدى للمواجهة بين (الفلسفة) و(الدين) ، وإنما اعتبرت مهمتها الاساسية (تغيير المجتمع) ، كما فى عبارة ماركس الشهيرة :"لم يفعل الفلاسفة سوى تفسير العالم بطرق مختلفة ، لكن المهم الآن هو تغييره". (التغيير) ، إذن ، وليس (الالحاد) ، هو الفارق الأهم بين الماركسية وبين غيرها من الفلسفات المادية ، ومن ثم فهو كلمة السر فى الهجوم المنهجى عليها وحدها من قبل القوى الاجتماعية المتضررة من فقدان امتيازاتها. إن العقول المستنيرة تستطيع أن تكتشف بقليل من التفكير مغزى التناقض المفضوح بين موقفين تاريخيين للبرجوازية من الدين: موقفها قبل انتصار ثوراتها ، حيث اعتمد مفكروها العداء للدين كأيديولوجية فى الحرب على حلف الإقطاع والاكليروس الكنسى ، وموقفها بعد بعد انتصار ثوراتها ، حيث استدارت مائة وثمانين درجة لتستخدم نفس أسلحة الاكليروس الأيديولوجية الدينية فى دعايتها المضادة للماركسية! بل وربما تصبح المفارقة أكثر جلاءً حين نعلم أن الماركسية ، على ماديتها ، إنما تتميز عن سائر الفلسفات المادية الأخرى بكونها الأكثر بعداً عن الاشتغال بـ (نقد الدين) ، بل إن مشروعها نفسه قد انطلق أصلاً من (نقد النقد للدين) الذى راج وقتها فى الفلسفة الغربية ، مفسراً عذابات الإنسان بما أسماه (الاستلاب الدينى) ، أى أن (الدين) هو مصدر (الاستلاب) ، وأن الغاءه سيؤدى لإلغاء (الاستلاب) ، الأمر الذى عدته الماركسية وعياً زائفاً ، وخرجت بفكرتها الرئيسة التى تنبه إلى (استلاب العلاقات الاقتصادية) فى المجتمع الرأسمالى ، باعتبارها هى ، لا الدين ، أصل الداء ، جاعلة عملها الأساسى إزالة القناع عن الاستلاب الذاتى فى اشكاله غير المقدسة حتى يمكن جذب الصراع البشرى من السماء إلى الأرض ، وتحويل نقد الدين واللاهوت إلى نقد الحقوق والسياسة ، وهذا بالتحديد ، وليس (الالحاد) هو ما شكل مدخلنا الأساسى ، كشيوعيين سودانيين ، إلى الماركسية. الحقيقة الثانية: أنه مع ذلك ، وبالرغم من أن الماركسية ظلت تشكل بوجه عام ، وما تزال ، أهم مصادرنا المنهجية والنظرية لمجابهة أسئلة التقدم والحداثة فى مشروعنا الاشتراكى ، وما اتصل منها خصوصاً بحقل الاقتصاد وتحليل وتفسير الظاهرات والعلاقات الاجتماعية فى ضوء قوانين الدياليكتيك ، إلا أننا ظللنا نحذر دائماً ، كمبدأ عام ، من الانزلاق فى التعاطى معها كمذهب مغلق ، وإنما كمرشد للنشاط الثورى فحسب ، مما يستوجب الاجتهاد المستقل فى تطبيقها بأسلوب خلاق يتغذى ، قبل أى شئ آخر ، من مرجعية شعبنا التاريخية وحقائقه الاقتصادية الاجتماعية والروحية الثقافية. ولذلك فقد أولينا دائماً ، وما زلنا ، إنتباهاً وثيقاً للدور الذى يلعبه الدين عموماً فى حياة الشعب ، ومن ثم للجوانب السالبة فى النمط السوفيتى الستالينى الذى شكل الخبرة التاريخية الأولى ، وليست الأخيرة ، فى البناء الاشتراكى ، وما تعلق منها خصوصاً بعدم تقدير هذا الدور. هكذا ظل حزبنا ، منذ التكوين الجنينى لحلقاته الأولى أواسط أربعينات القرن الماضى ، يراكم تدريجياً عناصر المقاربة المطلوبة لمسألة الدين والسياسة باتجاه الوضوح النظرى حولها ، حتى أمكن وضع الاقدام على أول الطريق الصحيح ، وبصورة تحويلية حاسمة لأول مرة ، من خلال مداولات ومقررات المؤتمر الرابع فى أكتوبر عام 1967م. لقد عنى ذلك المؤتمر بقضية (الدين) ، وبخاصة (الاسلام) لما يمثله من ثقل تاريخى روحى وثقافى وسياسى معلوم فى بلادنا ، وصاغ موقف الحزب منها ، بشكل مؤسسى من مستوى أعلى سلطة فيه ، بما يستكمل تأهيل خطوطه الفكرية والسياسية والدعوية لتجاوز الجمود فى أسر مقتضيات الدفاع عن النفس بازاء هستيريا الدعاية المضادة ، المحلية والأجنبية ، إلى المدى الذى يتقدم فيه الدين كسلاح للثورة والتغيير الاجتماعى. ولكننا ، فى ذات الوقت ، تقاعسنا طوال عقدين من الزمن عن النهوض بمقتضيات ذلك الطرح التحويلى. فمع كوننا ظللنا نرفض بمنتهى الصرامة قبول مبدأ اتهامنا (بالالحاد) ، إلا أننا ، وفى ما عدا بعض الجهود المتفرقة لنفر من أعضاء حزبنا فى القيادة وبين القواعد ، واصلنا عموماً التعويل بعد المؤتمر على ما ظللنا نعول عليه قبله من أن عشرة الجماهير معنا كفيلة وحدها بإثبات كوننا غير ملحدين ، وبإلحاق الهزيمة بالدعاية المغرضة ضدنا. والآن ، فإن تلك السنوات الطوال التى تصرمت فى الصراع السياسى لا بد ترغمنا على مراجعة ما سبق أن أهملنا من واجبات، والعودة مجدداً لتدقيق ما كنا قد انتهينا إليه فى مؤتمرنا الرابع حول هذه المسألة. فمن جهة ، ورد فى (البرنامج) المجاز فى ذلك المؤتمر أن "..الامبريالية العالمية وطلائعها المحليين .. يحاولون تصوير الدين الاسلامى بوصفه عقيدة تؤمن بالفوارق الطبقية ، وتعادى الاشتراكية ، ينحاز إلى جانب الاستعمار الحديث ، ويرفض الاستقلال الوطنى ، يدفع شعوبه إلى قبول العيش تحت ظل الاستعمار (المؤمن) ضد الاشتراكية (الملحدة) الخ .. (وهذه) الشعوب .. ترفض هذا التزييف للأسلام ، وترى فى دينها قوة للجماهير المناضلة فى سبيل الكرامة والحرية .. و .. الاشتراكية بوصفها النظام الوحيد الذى يسمو بالقيم الروحية ، ويقيم العدالة والمساواة بين البشر والحزب الشيوعى السودانى .. يجاهد بحزم وبصبر لتحرير الدين .. بوضعه فى مجرى تطوره الحقيقى .. ضد التمييز الطبقى وحكم الطاغوت ، ومن أجل السير بالحضارة الإسلامية إلى عالم القرن العشرين". ومن الجهة الأخرى ، جاء فى وثيقة المؤتمر الأساسية الموسومة (بالماركسية وقضايا الثورة السودانية) ، وفى معرض توصيف الأزمة السياسية آنذاك: " لقد ظلت القوى الرجعية تعمل فى إطار الحركة السياسية (العقلانية) .. ولكن تصاعد نشاط الجماهير .. دفع بها إلى ترك الحياة السياسية (العلمانية) .. ونشر جو من الدجل اليمينى .. يهدف إلى قيام سلطة رجعية (باسم) الدين" . و".. أن خط حزبنا بين الجماهير فى الدفاع المستميت عن مصالحها ، وفى الاقتراب اليومى من طرق معيشتها وتقاليدها السياسية والاجتماعية ، سيجعل هذه الجماهير تقتنع بتجاربها ببطلان الهستيريا الرجعية ، وستكشف الدجل الطبقى الذى تحاول القوى الرجعية إلباسه مسوح الدين " . ولكن الوثيقة سرعان ما تستدرك أن ".. هذا وحده لا يكفى لمواجهة خطر مستمر من الهجوم الفكرى". ومن ثم تبلغ الوثيقة ذروة تلخيصاتها واستنتاجاتها بقولها: " أصبح لزاماً على حزبنا أن ينمى خطة الدعائى حول قضية الدين الاسلامى وعلاقته بحركة التقدم الاجتماعى" ، وأن أهمية هذا الخط "لا تقتصر .. على الردود على ما يثار .. بل يتعدى ذلك لجعل الدين الاسلامى عاملاً يخدم المصالح الأساسية لجماهير الشعب ، لا أداة فى يد المستغلين والقوى الرجعية". وتمضى الوثيقة إلى تحديد المستوى المطلوب لهذا الخط بقولها: "نحن فى حاجة إلى هذا الخط فى المستوى الفلسفى ، إذ تجرى محاولات دائبة فى معاهد التعليم للتخلى عن الحياة العلمانية وتربية جيل بتزوير الافكار الإسلامية ضد التقدم الاجتماعى والاشتراكى .. (و) لمواجهة هذا الوضع الخطير أصبح لزاماً على حزبنا أن يدخل بين الطلاب لا بصفته داعية للنضال السياسى ، بل كقوة فكرية تتصدى لهذا الخطر وتواجهه بخط يضع الدين فى مكانه بين حركة الشعوب". ينطوى هذا الطرح التحويلى الباكر على أمرين فى غاية الأهمية: الأمر الأول: الاستخدام المنتبه لمصطلح (العلمانية) ، لا بمدلولاته التى استقرت فى الفكر الغربى منذ حقبة التنوير ، إحدى الحقب الثلاث لعصر الحداثة ، وإنما كمرادف لمفهوم (العقلانية) فى الفكر الإسلامى. الأمر الثانى: سداد تلك الانتباهة الذى يتجلى فى كونها سعت إلى تلمس (عصب) فائق الحساسية فى القوام الفكرى والسياسى للجماعة المستعربة المسلمة فى بلادنا ، وقلما يبرز بوضوح كافٍ من بين وقائع تدافعها السياسوى ، وفحواه أن أهم وجوه الصراع حول (قضية الدين) لا يدور ، فحسب ، بين (الأنا) المسلم و(الآخر) غير المسلم ، وإنما داخل (الأنا) المسلم نفسه بين تيارين: (1) عقلانى منفتح ، ينظر للإسلام فى جوهره القائم فى معانى وقيم العقل والحرية والكرامة والإخاء والمساواة والمشاركة والعدل والسلام ، على خلفية تستوعب مقتضيات الحداثة والتطور ، وتضرب ، فى ذات الوقت ، بجذورها فى عمق أصالته ، فلا هو ينكرها ، ولا هو يحتاج لالتماسها من خارجه. (2) وسلطوى منكفىء ، لا يرى الإسلام إلا طغياناً واستبداداً وإكراهاً وقسراً وتسلطاً واضطهاداً ، وبالجملة: مشروعاً قمعياً ينقض كل تلك المعانى والقيم ، ويجعل من الإسلام عامل هدم للحياة ، بدلاً من كونه محفزاً لإعمارها كما ينبغى. هكذا حدد الحزب أن المشكلة ليست فى (الدين) نفسه ، بل فى التفسير والتأويل والفهم المتباين لنصوصه ومبادئه ومقاصده الكلية ، وبخاصة فى ما يلامس (السياسة) ، أو ما يطلق عليه (التديُّن بالسياسة) فى أدبيات القوى الاجتماعية التى أفرزت (التيار السلطوى) تاريخياً فى بلادنا ، الأمر الذى يستوجب إصلاح تصور الوعى الاجتماعى للصراع ، لا باعتباره قائماً فقط حول قضية التساكن بين المسلمين وغير المسلمين ، كما لو أن مجرد إبرام أى اتفاق للسلام بين الفريقين سوف يؤدى ، ضربة لازب ، إلى الحل السياسى النهائى لكل مشكلاتنا الوطنية والاجتماعية ، وإنما باعتباره قائماً ، بالأساس ، داخل الجماعة المستعربة المسلمة نفسها ، بين تياريها المتمايزين: (العقلانى المنفتح) ، من جهة ، والذى ينبغى ألا يكف عن إعمال النظر المستنير فى حركة الواقع ومتغيراته ومستجداته بمنهج يستوعب مبادئ الدين ومقاصده الكلية المتجذرة فى كل معانى الخير ومصالح الفرد والجماعة ، كمحفز روحى ، بخاصة ، للفقراء والكادحين والمهمشين ، رجالاً ونساءً ، لتغيير واقعهم البائس بأنفسهم على قاعدة الحديث الشريف: "ما أمرتكم بشئ من دينكم فخذوه ، أما ما كان من أمر دنياكم فأنتم أدرى به" ، و(السلطوى المنكفئ) ، من الجهة الأخرى ، الذى يرمى إلى فرض نمط (تدينه السياسى) الخاص على كل الوعى الاجتماعى ، مستخدماً (الدين) مطية للتسلط والقهر ، ومتوسلاً به للكسب الدنيوى ، وخداع الكادحين بحملهم على التسليم بواقع الاستغلال المفروض عليهم ، قبل أن يكون هذا الصراع قائماً بين (الدين) و(العلمانية) وفق الإرث التاريخى الأوربى. لقد أثبت تطور الصراع الاجتماعى فى بلادنا صحة هذا النظر ، بخاصة عبر المحطات الرئيسة لوقائع مشروع (الدولة الدينية) التى وضع التيار (السلطوى) حجر أساسها بتحالفه مع ديكتاتورية جعفر نميرى ، وسنه لقوانين سبتمبر 1983م ، ثم عودته بعد انتفاضة أبريل 1985م للدفع بالأوضاع باتجاه استكمال ذلك المشروع ، تارة بممارسة شتى أساليب الدجل والابتزاز والعنف السياسى بين عامى 1985م ـ 1989م ، وتارة بلجوئه لحل قضية السلطة عن طريق الانقلاب العسكرى فى 1989م ، وتأسيس أبشع نظام قمعى شهدته بلادنا عبر تاريخها باسم الدين. ومع ذلك كله فإن مسلمى السودان جابهوا مشروع (الدولة الدينية) بالرفض والمقاومة ، وأغلقوا الطريق أمام محاولات استكماله رغم استمراره فى التشبث بالسلطة ، مستمسكين بإرادتهم نحو استعادة النظام المدنى الديموقراطى ، وباذلين فى سبيل ذلك المهج والأرواح. على أنه ، مهما يكن مقدار البسالة والاستعداد للتضحية ، فإن الصراع السياسى وحده لن يحسم هذه القضية أو يسدل عليها الستار نهائياً. وما لم ينتقل التيار (العقلانى) ، ومن ضمنه حزبنا ، من خانة المدافعة السياسية المجردة إلى مواقع الهجوم الفكرى فى حركة تنوير هائلة تنتظم فيها جهود مختلف الأقسام المستنيرة لهذا التيار ، فإن خطر العودة ، المرة تلو المرة ، إلى مشروع (الدولة الدينية) يبقى شاخصاً ، والاستبداد خلف قناع الاسلام ماثلاً. إن المعركة فى الوعى أصلاً ، فلا بد ، إذن ، من تسليح الجماهير المسلمة بالوعى (بالسم) الذى يقدم لها مغلفاً (بالدسم). ولما كان من المستحيل على طرف واحد ضمن التيار (العقلانى) أن ينهض بتلك المهمة منفرداً ، فقد سعينا ، ومانزال نسعى ، وسوف نواصل السعى لإحسان الاصطفاف العريض لقوى (العقلانية) وسط المستعربين المسلمين بخاصة ، واستعدال المناهج والمصطلحات اللازمة لبلورة هذا الوعى المطلوب فى المستوى الفكرى بالأساس ، حيث الأولى من ترديد شعارات المطالبة ، مثلاً ، بإلغاء قوانين سبتمبر إلحاق الهزيمة الفكرية بالذهنية التى أنتجت تلك القوانين أيام دكتاتورية جعفر نميرى ، وشبيهاتها خلال الفترة التى أعقبت إنقلاب الجبهة الاسلامية القومية فى الثلاثين من يونيو عام 1989م. وكمساهمة فى هذا الاتجاه طرحنا وما زلنا نطرح مصطلح وتصور (الدولة المدنية) ، تجاوزاً للجدل والمماحكة حول مصطلحات (دولة دينية ، دولة علمانية ، دستور اسلامي ، دستور علماني). واستطراداً على ما سبق أن عرضنا له أعلاه فإننا لا نرى مسوغاً أصلاً للتقيد بحرفية مصطلح (علمانية) ، وما إذا كان بكسر العين ام بفتحها ، وإنما نعطي الأسبقية (للديمقراطية) كحقوق وحريات ، وكنظام حكم ومؤسسات ، ونعارض الدولة العلمانية نفسها عندما تصادر الديمقراطية ، مثل معارضتنا لدكتاتورية عبود ، من جانب ، ودخولنا ، من الجانب الاخر ، في صراع وصدام مع نظام مايو ، سواء عندما بدأ يسارياً وعلمانياً ، أو عندما اعلن نميري قوانين سبتمبر عام 1983م ونصب نفسه إماما منذ ذلك الحين حتى اطاحت به الانتفاضة الشعبية في ابريل عام 1985م. وننطلق فى اقتراح مصطلح (الدولة المدنية) من يقيننا الراسخ بأن التخندق فى المواقف المتصلبة هو أضر ما يضر بقضية تستوجب كما قلنا وحدة القوى العقلانية حول أفقها العام ، ولو بالحد الأدنى من الاتفاق ، بعيداً عن إهدار الجهود فى الاختلاف على الشكليات أو إثارة الشجارات اللفظية. بهذا الفهم نواصل سعينا لتقريب وجهات النظر لنزع فتيل الاشتعال عن استقطاب (دولة علمانية ، دولة دينية) ، ونقترح مصطلح (دولة مدنية) ، على اعتبار تعامل المجتمع السوداني في الشمال والجنوب مع القانون المدني والمعاملات المدنية ، والقانون الشرعي والمحاكم الشرعية. نخلص مما تقدم إلى تركيز جملة حقائق تشكل عظم الظهر بالنسبة لبرنامجنا حول علاقة الدين بالدولة والسياسة فى بلادنا على النحو الآتى: أولاً: السودان متعدد الديانات والمعتقدات ، فثمة أغلبية مسلمة ، وثمة مسيحيون ومعتقدات افريقية. من هنا جاء شرط التسامح والاحترام في المعتقد الديني كمقدمة لازمة للمساواة في المواطنة ، حيث لا تخضع المعتقدات ، بالطبع ، لمعايير الاغلبية والأقلية. كما جاء ايضا شرط الاقرار بحقيقة أن الدين يشكل مكوناً أساسياً من مكونات فكر ووجدان شعبنا ، ومن ثم رفض كل دعوة تنسخ او تستصغر دور الدين في حياة الفرد ، وفي تماسك لحمة المجتمع وقيمه الروحية والأخلاقية وثقافته وحضارته. ثانياً: السودان ، على تعدد أديانه ومعتقداته ، ساده دائماً ، وبوجه عام ، نزوع فطرى غالب نحو التعايش والتسامح الديني ، برغم كل المرارات التى تسبب فيها (التيار السلطوى) المستعلى بالدين والثقافة والعرق واللغة ، وبرغم التقصير التاريخى (للتيار العقلانى) فى منازلة هذا الاستعلاء كما ينبغى ، مما يسر للديكتاتور نميري فرض قوانين سبتمبر ، وتنصيب نفسه إماما جائرا على بيعة زائفة ، وما تبع ذلك من ترسيخ لدولة الارهاب والفاشية منذ العام 1989م. لقد انغرست نصال هذه الخبرة المريرة فى صدور المستعربن المسلمين ربما بأقسى مما انغرست فى صدور غيرهم من السودانيين. وعلى خلفية هذا الواقع الموضوعي تتأسس رؤيتنا وبرنامجنا للديمقراطية السياسية السودانية في علاقتها بالدين على مبادئ النظام السياسي المدني التعددى ، لا على (العلمانية) كمفهوم تاريخى محدد. فمصطلح (النظام المدنى) أقرب لواقعنا من مصطلح (النظام العلمانى) بدلالاته الاكثر ارتباطا بالتجربة الاوروبية. يتبع.. |
ثالثاً: تتمثل مباديء النظام السياسي المدني الديمقراطي التعددي فى الآتى:
(1) المساواة في المواطنة وحرية العقيدة والضمير بصرف النظر عن المعتقد الديني. (2) المساواة في الاديان. (3) الشعب مصدر السلطات ، ويستمد الحكم شرعيته من الدستور. (4) سيادة حكم القانون ، واستقلال القضاء ، ومساواة المواطنين امام القانون بصرف النظر عن المعتقد او العنصر او الجنس. (5) كفالة حرية البحث العلمي والفلسفي وحق الاجتهاد الفكرى والفقهى. (6) ضمان الحقوق والحريات الاساسية ، السياسية ، المدنية ، الاقتصادية ، الاجتماعية ، والثقافية ، وضمان حقوق الانسان حسب المواثيق والمعايير الدولية. (7) الالتزام بما اجمعت عليه مواثيق الحركة السياسية السودانية ، والمكونة منها بالأخص لتيار (العقلانية) بين المسلمين فى بلادنا ، فى ما يتعلق بالتشريع ، وذلك منذ إعلان نيروبي (أبريل 1993م). فقط وفق المباديء العامة لهذه المواثيق يمكن ان تتسع الاجتهادات لكي تشمل مصادر التشريع الدينى ، وعطاء الفكر الانساني ، وسوابق القضاء السوداني. رابعاً: هكذا نعمل على تطوير تصورنا لمفهوم (الدولة المدنية) ، إستكمالاً لمحتواه الذى أرسيناه من خلال جهدنا الجماعي المشترك مع أطراف الحركة السياسية السودانية ، ومعاناتها للانعتاق من أسر الاستقطاب العقيم المغلق (دولة دينية ـ دولة علمانية). ويمكننا تلخيص العناصر الاساسية لهذا التصور على النحو التالي: (1) لسنا ملزمين لا بنماذج (العلمانية) كما استقرت في إنجلترا أو أمريكا أو فرنسا ، ولا بنماذجها من فوهة البندقية كما فى تركيا ، إنما نتعامل معها بذهن نقدى مستقل ومنفتح فى آن، كتجارب ضمن خبرات شعوب العالم ، فضلا عما تخلفه الترجمة العربية نفسها لمصطلح العلمانية من التباس: (بفتح العين) غيرها (بكسرها). (2) نعتمد أسبقية (الديمقراطية) ، بدلالة الحريات العامة والحقوق الأساسية ، وتأكيد أن العلمانية ليست بالضرورة ديمقراطية ، وثمة أمثلة لذلك من دولة ستالين ، موسوليني ، بينوشيه .. الخ. لا ديمقراطية مستدامة مع مظالم اجتماعية وقومية مستدامة ، ولا ديمقراطية مستدامة مع التطرف والارهاب ، سواء من منطلقات دينية او علمانية ، يمينية أو يسارية. (3) مع ذلك ، ورغم أننا لسنا ملزمين ، ولا حتى مهتمين ، بالانشغال بالدفاع عن مجتمعات العلمانية الغربية ، لكن بعض الحجج التي يسوقها دعاة التطرف والهوس الديني والدولة الدينية تتمادى في تشويه الواقع وإنكار الحقائق. مثال ذلك الادعاء العريض حول طرد الدين من الحياة والمجتمع في الغرب ، مع انهم يعلمون ان ملكة بريطانيا تحتل منصب رأس الكنيسة، مما كثر اجتراره في معرض التدليل على خطل ذلك الترويج الشائه ، ويعلمون قوة ونفوذ اللوبي الكنسي في الولايات المتحدة الاميركية وصوته الراجح في انتخابات الرئاسة والكونغرس ، وقد نشرت مجلة نيوزويك نتاج المسح الذي جرى عام 1991م لمستوى التدين في اميركا حيث ينتمى 42% من البالغين الى كنيسة ، كما يؤدى 42% صلاة الأحد في الكنيسة. أما الاحزاب السياسية الاوروبية ذات الطابع الديني ـ مثل الديمقراطي المسيحي في إيطاليا أو ألمانيا ـ فقد شاركت في وضع الدستور العلماني الديمقراطي ، والتزمت به وبما يتفرع عنه من تشريع في الممارسة. كما يعلمون ان فرنسا ، بكل زخم ثورة 1789م ، أقدمت على فصل الدولة عن الكنيسة ، ثم تبنت دولتها الكنيسة حتى نالت لقب طفل الكاثوليكية المدلل، ولم يصدر تشريع الفصل إلا في العقد الاول من القرن العشرين عام 1905 بعد أكثر من قرن على الثورة ، وفي المقابل لم تعترف الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية بوثيقة حقوق الانسان والمواطن الصادرة عن الثورة الفرنسية إلا في عام 1966م اي بعد 168 عاماً. إن فصل الدولة عن الكنيسة لم يعن إقصاءها عن المجتمع أو مصادرة دورها الروحى ، لكن مناخ الديمقراطية أجبر الكنيسة على الحد من غلوائها السياسية ، والتصالح مع التاريخ ، والاعتراف بجور بعض أحكامها ومراجعتها وتصحيحها. فقد راجعت الكنيسة ، مثلاً ، في عام 1920م ، إدانتها لجان دارك في القرن السادس عشر بالهرطقة والسحر ، بل وعمَّدتها قديسة بعد 500 سنة. كذلك راجع الفاتيكان عام 1992م إدانته للعالم غالليلو غاليليه ، وذلك فى ضوء تأويل وتفسير معاصرين للكتاب المقدس يقران بالحقيقة العلمية القائلة بأن الأرض تدور حول الشمس ، كما أصدرت الكنيسة الكاثوليكية في فبراير عام 2000م اعتذاراً صريحاً عن حرق محاكم التفتيش للعالم جوردانو برونو. وربما كان من المناسب الاشارة ، ضمن هذا السياق ، إلى أن قائد الحركة الاسلامية التونسية راشد الغنوشي كان قد اقترح في منتصف تسعينيات القرن الماضي رد الاعتبار للفكر المعتزلي ورواده ، مما يعد فتحاً جديداً في الفكر السني الاشعرى. دعاة التعصب والاقصاء يهابون الحوار ، ولأن ديدنهم الاملاء يسارعون لسد منافذ تجديد الفكر ، ومهمتنا فتح منافذ الحوار لهزيمة التعصب في حلبة الصراع الفكري. (4) لا يعفينا تصنيف الدولة (دينية ـ علمانية ـ مدنية) من تطوير ثقافتنا ومعرفتنا بنظرية الدولة في حد ذاتها كظاهرة تاريخية اجتماعية ، بدلا من القناعة الكسولة بتوصيفها او تصنيفها. ولعل افضل مدخل يتناسب وقدراتنا النظرية الأولية والمتواضعة ، ان نولى اهتمامنا لدراسة الدولة السودانية ونشأتها وأطوار تجلياتها المتعاقبة ، دون ان نحشرها قسرا في قوالب وأطوار الدولة الاوروبية الحديثة (القرون الوسطى ، عصر النهضة ، عصر التنوير ، ثم الثورة البرجوازية.. الخ). لا ننفي او ننسخ ما هو عام في ظاهرة الدولة في تاريخ المجتمع الانساني ، لكن لكل دولة ما هو خاص تنفرد به. وواجبنا ان نستخلص تفرد وخصوصية الدولة السودانية التى نستند إلى تجربتها بالأساس ، وبالأخص نماذجها الدينية أو التي أقحم عليها الدين: فمن جهة كانت الدولة المهدية وليدة ثورة وطنية استعادت للسودان سيادته ، لكن ضيق المذهبية والنزوع إلى فرض نمط محدد من (التدين بالسياسة) اقصى طرقا صوفية مؤثرة وقبائل ذات شوكة بسبب عدم اقتناعها بمهدية المهدى ، إما من منطلق فقهي محض أو عن حمية قبلية ترفض أن تخضع لكيان قبلي آخر ، دون ان تكون تلك الطرق وهاتيك القبائل موالية للتركية ابتداءً. ومن الجهة الأخرى أفضت تجربة دولة مايو الامامية وقوانين سبتمبر والقطع والبتر والصلب والتشهير وما يسمى بأسلمة النظام المصرفى إلى إثراء الفئات الطفيلية، وإلى استشراء ظاهرة التجريم والتكفير فيما اجاز فيه الشرع الاجتهاد كإعدام الشهيد محمود محمد طه ، مثلما أدت إلى نسف الوحدة الوطنية وإهدار السلام المستعاد بعد حرب دامت 18 عاما بخرق اتفاقية أديس أبابا. ضف إلى ذلك ، من الجهة الثالثة ، تجربة دولة (الانقاذ) وويلاتها الماثلة. (5) لا نتخذ من قضية الجنوب تكأة او ذريعة ، رغم الأهمية الحاسمة لضمان وحدة الوطن وإرساء دعائم السلام. فمن جهة ، لا بد للتيار (العقلانى المنفتح) وسط المستعربين المسلمين السودانيين ، وغالبية حزبنا فيه ، من خوض معركته الفاصلة على وعى الجماهير مع التيار (السلطوى الاستعلائى) ، بصرف النظر عن أية ترتيبات إجرائية يتم التوافق عليها بين الشمال والجنوب. أما من الجهة الأخرى ، فإن (الدولة العلمانية) الفيدرالية او الكنفدرالية في الجنوب، كحل مفاضلة للوحدة مع (دولة دينية) في الشمال ، لا تشكل ضمانة (للديمقراطية) حتى في الجنوب نفسه ، بدليل دول أفريقية مجاورة وجامع الديكتاتورية العلمانية في كل منها. لذلك فسوف نواصل طرحنا (للدولة المدنية) حتى لو انتصر خيار السلام وفق شروط مشاكوس ونيفاشا فى إطار مبادرة الايقاد. (6) نولى اعتباراً لائقاً لمحصلة تجارب الحركة السياسية السودانية فى حقل الصراع حول الدستور منذ الاستقلال ، وقد أثبتت ، بأغلى التضحيات فى الأرواح والأموال والزمن المهدر، إستحالة أن يفرض اتجاه فكري أو سياسي واحد تصوره للدستور ، بإزاء معادلة الفارق القومي والإثني والديني والطبقى ، سواءً توفرت له الأغلبية البرلمانية ، أو سطوة العسكرية الشمولية (راجع مضابط لجنة الدستور الاولى 1957م ، واللجنة الثانية 1968م ، ودستور نظام مايو لسنة 1973م ، ودستور نظام الانقاذ لسنة 1998م). وفى هذا السياق: أ/ لم يشهد السودان سوى حالتين استثنائيتين: الأولى دستور ستاتلي بيكر للحكم الذاتي والاجماع الوطني حوله كامتداد للاجماع الوطني حول الاستقلال من داخل البرلمان ، والثانية ما أفرزته ثورة اكتوبر من اجماع وطني حول تعديل ذلك الدستور. ب/ أما مشروع دستور 1968م ، الذى سمى (بالدستور الاسلامى) ، فقد غلب عليه التعبير عن برنامج القوى التقليدية الحاكمة بعد ثورة أكتوبر ، والتى وقعت ، أوان ذاك ، تحت ضغط الابتزاز الذى مارسه عليها الاخوان المسلمون لإخراجها من إطار الحركة السياسية (العقلانية)، والدفع بها على طريق (الدولة الدينية) ، الأمر الذى تمثلت مقدماته فى تعديل الدستور لحظر نشاط الحزب الشيوعى ، وإغلاق دوره ، ومصادرة ممتلكاته ، وطرد نوابه من البرلمان ، علاوة على إهدار استقلال القضاء برفض الانصياع لحكمه ببطلان مجمل تلك الاجراءات ، فآلت الأوضاع إلى استقطاب حاد فى الساحة السياسية فتح الأبوب على مصاريعها أمام انقلاب 25 مايو 1969م الذى أطاح بمجمل تجربة الديموقراطية الثانية. ج/ وأما دستور مايو 1973م فقد صيغ فى الغرف المغلقة على يد خبراء فنيين تمخض عملهم عن مجرد أداة إضافية لسلطة الفرد المطلقة ، تضبط علاقات المواطنين بالدولة ، وببعضهم البعض ، فضلاً عن علاقات أجهزة الدولة فيما بينها. وعلى حين جرى الترويج لذلك الدستور بنشاط إعلامى وسياسى كثيف كما لو كان معبراً عن الإرادة الشعبية ، كانت نصوصه تتنزل فى الواقع دونما أدنى اعتبار لهذه الإرادة بالذات. د/ وأما تجربة الانتفاضة 1985م فقد شابتها سلبيات تدخل المجلس العسكري الانتقالي ، والتفافه على ميثاق الانتفاضة الذي نص على دستور 56 المعدل 64 ، بتعيينه للجنة منتقاة أهمل فى تشكيلها تمثيل الجنوب ، ومارست مهامها بعيدا عن الرأي العام ، وذلك لوضع دستور انتقالي يضمن النص على الشريعة وفق تصورات الجبهة الاسلامية القومية! مما حدا بالجمعية التأسيسية لتعديله لاحقاً ، قبل ان يطيح به انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م. هـ/ وأما حكومة ذلك الانقلاب فقد عينت أيضاً لجنة قومية لوضع دستور دائم للبلاد. وبعد أن انجزت اللجنة مهمتها وسلمت المشروع للقصر خرج منه على سحنة غير التي دخلها بها ، فأجازه مجلس (السلطة) الوطنى لاحقا بهذه السحنة. و/ وأما التجمع الوطني الديموقراطى فقد ضمَّن أهم وثائقه (ميثاق مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية ، يونيو 1995م) نصاً صريحاً يحظر استغلال الدين فى السياسة أو إنشاء الأحزاب السياسية على أسس دينية. ثم أعد ، لاحقاً ، مشروعه لدستور الفترة الانتقالية في حالة انتصاره وإقصاء الانقاذ ، ريثما تقوم بمقتضاه هيئة تشريعية لوضع الدستور الدائم (وثائق مؤتمر لندن ، فبراير 1992م). ز/ وعندما أصبح التفاوض هو الحل المطروح للأزمة الوطنية أعلنت (الانقاذ) استعدادها ، حال نجاح مساعي ذلك الحل ، لإدخال تعديلات على دستورها دون مساس بثوابته! فوافق حزب الامة على ذلك ، ولكنه اقترح العمل بمسودة دستور الانقاذ التي أقرتها اللجنة القومية الأولى (المسودة الأصلية) مع ادخال بعض التعديلات. واقترح التجمع الوطني وضع دستور تتفق عليه الاطراف التفاوضية ، فلا هو بالدستور الانتقالي للتجمع ولا هو بالدستور الدائم (للانقاذ). وطرحت المبادرة المصرية الليبية المشتركة ، من جانبها ، تصورها للفترة الانتقالية ولاجراء تعديلات على دستور (الانقاذ). هكذا نستطيع أن نرى بوضوح كيف أن المسألة الدستورية بما لها من صلة وثيقة بقضايا (الدين والدولة والسياسة) مازالت وستظل في قلب قضايا الصراع السياسي الاجتماعي حول حاضر ومستقبل السودان ، حتى حل القضايا المصيرية والاتفاق على الدستور الذي يقننها. لهذا فسوف نواصل تطوير قدراتنا الفكرية والسياسية حول المسألة الدستورية ، حرصاً على العطاء المسهم في الاجماع الوطني لقوى (العقلانية) الدينية والسياسية بشأن أساسيات الدستور، وكسر حاجز الاستقطاب المطلق العقيم وسطها ، والانطلاق الى فضاءات الحوار الحر والقواسم المشتركة معها. فمنذ إعلان نيروبي (ابريل 1993م) تواترت وجهات نظر وتصورات عدة حول الدستور والدولة ، (دولة المواطنة ، دولة مدنية ، دستور محايد تجاه الاديان ، ألا ينص الدستور على دين الدولة) ، وكلها محاولات جادة لتجاوز أزمة (الدولة الدينية) في وطن متعدد الاديان والمعتقدات. والحوار الجاد المستنير مع هذه الاجتهادات يلزمنا بأن نطور طرحنا وتصورنا (للدولة المدنية) وعناصرها ومكوناتها (حقوق طبيعية ، حقوق مدنية ، مجتمع مدني ، دستور مدني) من حيز الشعار والبيان السياسي إلى مستوى المعالجة النظرية عمقا واتساعاً ، كيلا يضاف إلى ركام الشعارات التي تزحم الآفاق ثم ما تلبث أن تنزلق من ذاكرة المواطنين دون ان تستقر في وجدانهم. (7) ولا شك أن من شأن التربية والأخلاق والقدوة ثم .. القانون أن تدعم وضوح تصورنا (للدولة المدنية) ، وما يميزها من بعض تطبيقات (العلمانية) المنبثقة عن حقبتى الاصلاح الديني اللوثري والتنوير في غرب أوروبا: أ/ (فالدولة المدنية) ، مثلاً ، لا ترفع يدها عن الاشراف على الشئون الدينية ، أو رعاية المساجد والكنائس ودور العبادة الأخرى ، ولا تغلق المعاهد الدينية العليا ، أو تحظر تدريس مادة الدين ضمن مناهج التعليم العام ، مع مشروعية الاختلاف حول المنهج كيلا يتحول الى امتداد لبرنامج حزب سياسي بعينه كما فى تجربة الجبهة الاسلامية مثلا. ب/ و(الدولة المدنية) لا تتخذ موقف اللامبالاة تجاه مظاهر التفسخ والانحلال في المجتمع ، ولا تسمح بأن يتحول المجتمع الى خمارة أو ماخور ، أو أن ينحدر الشباب الى مهاوى الضياع. لكن أدواتها الأكثر أهمية لضمان ذلك ليس القانون والمحاكم وشرطة النظام العام ، حسب النهج الذي ظل يتبعه نظام (الانقاذ) ، إنما التربية الثقافية والسياسية بواعز الدين والاخلاق ومثال القدوة الحسنة في الأسرة والمجتع ودور العلم ، ثم من بعد ذلك ، وليس قبله بأي حال ، واعز القانون وعقوباته. """" المصدر: الميدان |
نواصل
|
هنالك دراسة أخرى فى غاية الأهمية, بإسم, الزراعة السودانية بين الفناء والبقاء.. سنحاول إنزالها لاحقآ, ولكن قبل ذلك سننشر العدد الثانى من: نشرة المؤتمر الخامس(عدد سبتمبر) والذى ظهر لتوه |
المؤتمر الخامس
نشرة غير دورية تعنى بأخبار سير التحضير للمؤتمر الخامس تصدرها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني العدد الثاني ** سبتمبر 2006 الثمن 1000 جنيه [size=4] محتويات العدد: 1- كلمة العدد 2- إضاءة حول التقرير العام للمؤتمر الخامس 3- أخبار اللجان: أ- لجنة تسيير المناقشة العامة ب- لجنة البرنامج 4- أخبار المناطق كلمة العدد نضع بين أيدي القراء العدد الثاني من نشرة المؤتمر الخامس، بعد الصدى الإيجابي الذي أحدثه العدد الأول، والذي شكل خطوة هامة في تمليك الأعضاء والرأي العام المحلي والعالمي الحقائق حول التحضير للمؤتمر الخامس، والذي أصبح عقده ضرورة هامة موضوعياً وذاتياً للحزب. يحتوي هذا العدد بين طياته على: * مقال من لجنة إعداد التقرير العام للمؤتمر الخامس، بعنوان " إضاءة حول التقرير العام للمؤتمر الخامس" يوضح سير الخطوات التي وصلت إليها اللجنة في إعداد التقرير – كما يحتوي على أخبار اللجان (لجنة التسيير ولجنة البرنامج) إضافة لأخبار المناطق. وأخيراً نكرر الدعوة للمناطق بمدنا بأخبار عقد مؤتمراتها ومؤتمرات التنظيمات الديمقراطية (طلاب، شباب، نساء، روابط وجباه ديمقراطية وسط المهنيين .. الخ). ولأن نجاح النشرة واستمرارها رهين بالأخبار والمعلومات الدقيقة التي تصل من المناطق. أول سبتمبر 2006 هيئة التحرير إضاءة حول التقرير العام للمؤتمر الخامس * اعتمدت اللجنة المكلفة بإعداد مشروع التقرير العام للمؤتمر الخامس، ذات الوجهة والمواصفات التي تم على ضوئها إعداد التقرير العام للمؤتمر الرابع: " الماركسية وقضايا الثورة السودانية". ذلك أن تلك الوجهة والمواصفات لا تزال عموماً سليمة. مفردات هذه الوجهة هي: أ- التقرير العام لن يكون سرداً للأحداث فما أكثرها. ب- يهتم التقرير بالأحداث الكبرى التي أثرت ولا تزال تؤثر على مجريات الحياة في بلادنا. ت- يهتم بالقضايا الفكرية ذات الأثر على سير العمل الثوري في بلادنا. ث- يناقش تجاربنا سلباً وإيجاباً بهدف توسيع الحركة الثورية وإجراء تحسينات أساسية في أدوات نضالها. ج- يوضح آفاق الثورة. * كذلك استندت اللجنة على المناقشة التي دارت في سكرتارية اللجنة المركزية للحزب حول هذه الوجهة والمواصفات، وعلى الأوراق التي رفعها بعض الزملاء والزميلات وتضمنت بعض المقترحات لما يجب أن يشمله التقرير العام. وبناء على ذلك فإن مشروع التقرير العام للمؤتمر الخامس سيعالج التغيرات الأساسية في الوضع العالمي والإقليمي وفي الواقع السوداني، ويطرح المهام التي تواجه العمل الثوري في الفترة القادمة، ويحدد بدقة التصور للأفق الاشتراكي. كما يطرح قضية تأهيل الحزب فكرياً وسياسياً وتنظيمياً ليجدد نفسه ويواكب هذه المتغيرات، ويواصل مشواره في البناء بشعار أكثر تحديداً من الشعار الذي طرحه المؤتمر الرابع استناداً إلى أفكار ومفاهيم الخط التنظيمي. وبطبيعة الحال، لن يكون مشروع التقرير العام بمثابة بند المحضر السابق منذ المؤتمر الرابع، من زوايا اجتماعات اللجنة المركزية ونشاطها بين المؤتمرين وما طرحته من قضايا ومواقف الخ. مثل هذه المتابعة والتقويم مكانها تقرير منفصل بعنوان: " المحضر السابق" أو " التقرير التنظيمي". كذلك لن يكون مشروع التقرير تاريخاً للحزب من المؤتمر الرابع. ولكن طبيعي أن المؤتمر من صلاحياته تكوين لجنة أو تحديد جهة ما لاستكمال كتابة تاريخ الحزب الذي بدأه الشهيد عبد الخالق بكتيب: " لمحات من تاريخ الحزب". * حددت اللجنة، كمراجع أساسية لإعداد مشروع التقرير: 1- كتيبات الحوار الداخلي والسمنارات التي تضمنت آراء الزملاء والهيئات الحزبية والفروع لتجديد الحزب. 2- تقرير المؤتمر الرابع " الماركسية وقضايا الثورة السودانية" كهمزة وصل بين المؤتمرين الرابع والخامس (إثبات ما له راهنية وإضافة ما طورنا أفكارنا حوله، خاصة بالنسبة للحزب). 3- الدراسات التي أعدتها لجنة إعداد مشروع البرنامج الذي سيقدم للمؤتمر الخامس. 4- دورة أغسطس 2001 للجنة المركزية. 5- مطبوعات حزبية متنوعة (حول البرنامج، قضايا ما بعد المؤتمر، لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، الخطابات الداخلية التي أصدرها مركز الحزب خلال السنوات الماضية الخ.) منهج إعداد مشروع التقرير: قررت اللجنة توخي الجوانب التالية في إعداد مشروع التقرير: أ- سيادة النظرة الانتقادية التي لا يتطور العمل بدونها. وفي هذا الإطار رأت أن يتضمن المشروع نقداً ذاتياً على تأخير انعقاد المؤتمر. صحيح هناك أسباب موضوعية وذاتية عديدة أسهمت في هذا التأخير. ولكن رغم ذلك لا بد من تحمل المسئولية دون تبرير. ب- وفق قدرات الحزب حالياً في هذه الظروف، وكسباً للوقت، فإن مشروع التقرير للمؤتمر الخامس لن يغطي كل القضايا بصورة شاملة ومكتملة لذا نركز على القضايا الجوهرية وقضايا الساعة الراهنة. وطبيعي أن المؤتمر السادس سيستكمل النقص في ظروف أفضل وأحسن تتمكن فيها تنظيمات الحزب في المركز والمناطق من تطوير الدراسة الباطنية للمجتمع السوداني التي استند إليها التقرير العام للمؤتمر الرابع "الماركسية وقضايا الثورة السودانية". ج- لا يكفي أن نقول أو نعلن على رؤوس الأشهاد إننا سنجدد الحزب، بل لا بد أن تتخلل المشروع كله، كوجهة محددة مدعومة بأكبر قدر من الحيثيات والأسانيد، سياستنا لتجديد الحزب فكراً وبنياناً وممارسات استناداً إلى دراستنا الانتقادية لتجربتنا وإلى دروس تجربة الانهيار. وعلى سبيل المثال يشمل هذا ..: الانفتاح والاستنارة في التعامل مع المنهج الماركسي، مفهوم التغيير الاجتماعي والتحول الاشتراكي في الماركسية، نبذ أفكار الطليعية والموروث الستاليني، الديمقراطية وحقوق الإنسان الخ. د- ضرورة توسيع المشاركة في إعداد مشروع التقرير وعلى سبيل المثال: وضعت اللجنة تكليفات محددة أمام عدد من الهيئات الحزبية والزملاء والزميلات، داخل وخارج البلاد. شملت هذه التكليفات: - قضايا حركة المرأة وعلاقة الحزب الشيوعي بحركة النساء. - قضايا التعليم العالي والعام. - ملامح وأساليب جديدة للعمل بين الطلاب والشباب والعمال. - الأوضاع السياسية والاجتماعية في جنوب الوطن بعد نيفاشا وآفاق الوحدة والعمل الديمقراطي. - التحالفات الديمقراطية ضد الاحتكارات في البلدان الصناعية المتطورة، المنبر العالمي لمناهضة الوجه المتوحش للعولمة، المغتربين السودانيين. - تجربة التجمع الوطني الديمقراطي وتجربة "مجد" كجزء من هذه التجربة. - جبهة حقوق الإنسان وقضايا التضامن. ه- كجزء من توسيع المشاركة، لا بد من إعداد مشروع التقرير قبل 3 شهور على الأقل من تاريخ انعقاد المؤتمر، حتى تتسنى لكل الحزب فرصة مناقشته. وبالتالي تتمكن اللجنة من أن تضيف أهم القسمات في المناقشة لصلب المشروع على أساس أنها عائد المناقشة للمشروع في الحزب. و- بلورة تصور محدد بالمواضيع والقضايا التي سيتناولها التقرير، إذ أن الطرح العام لقضايا متفرقة لا يساعد على ذلك. واستناداً إلى ذلك قررت اللجنة أن يكون مشروع التقرير متضمناً القضايا والمواضيع التالية: أ- التجربة الاشتراكية السوفيتية. ب- تجربة النمط السوفيتي والماركسية. ج- العولمة. د- العالم الثالث: أفريقيا والعالم العربي والتطورات في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. ه- أثر المنهج الماركسي في صياغة قضايا الثورة السودانية. و- الأزمة السودانية: ... الجذور والتطورات والمخرج. ز- المؤشرات والآفاق لحل الأزمة بعد نيفاشا. ح- 25 مايو 1969. ط- 19 يوليو. ي- انتفاضة مارس/أبريل 1985. ك- الإضراب السياسي والعصيان المدني. ل- المشروع الوطني الديمقراطي. م- الأفق الاشتراكي. ن- الإسلام السياسي. س- حقوق ا لإنسان. ع- ملامح ومؤشرات جديدة في العمل بين العمال والطلاب والنساء والشباب والمنظمات الطوعية. ف- جذور الستالينية في الفكر والممارسة. ص- معالم التجديد. ق- الشعار المناسب للبناء الحزبي وتحويل الحزب إلى قوة اجتماعية كبرى. * وبعد الفراغ من إنجاز هذه القضايا والمواضيع والتكليفات، ستعكف اللجنة على إخراجها في تقرير واحد بعد ترتيبها وتبويبها بصورة مناسبة. * ختاماً نقول، صحيح أن لجنة إعداد مشروع التقرير العام قد قطعت شوطاً كبيراً على طريق إعداد. وتأمل اللجنة من هذه الإضاءة والتقديم لمشروع التقرير في نشرة "المؤتمر الخامس" أن تساعد في توسيع المشاركة في إعداد المشروع، ولرفع الاستعداد لاستقباله قريباً، بعد إجازته من اللجنة المركزية للحزب. 29 يوليو 2006 لجنة إعداد مشروع التقرير العام أخبار اللجان: (أ) لجنة تسيير المناقشة العامة: تم طباعة الكتاب الأول الخاص بالمحورين الأول والثاني: - دروس انهيار التجربة الاشتراكية. - الماركسية ومستقبل الفكر الاشتراكي. وتم نزوله للمناطق والمكاتب والفروع، ونسبة للتكلفة العالية للطباعة (طبع في السوق)، فإننا نأمل أن تنشط المناطق والمكاتب في تسديد قيمة الكتاب (5 ألف جنيه)، حتى نتمكن من تغطية التكلفة ودعم أعمال المؤتمر مالياً، والإسراع في إنزال الكتاب الثاني (أ) الذي تمت طباعته ويحتوي على محاور: البرنامج، اللائحة والتنظيم، اسم الحزب، واستلام بقية الكتب قيد الطباعة. (ب) لجنة البرنامج: تعكف لجنة إعداد مشروع البرنامج على صياغة فصول المشروع والتي تتكون من الآتي: 1- ظروف تطوير البرنامج. 2- الحزب والديمقراطية التعددية. 3- الإصلاح الديمقراطي في جهاز الدولة. 4- السلطة الوطنية الديمقراطية. 5- الاقتصاد. 6- الإصلاح الزراعي. 7- الثروة الحيوانية. 8- البيئة. 9- المرأة. 10- الشباب. 11- التعليم. 12- الثقافة. 13- الدين والدولة المدنية. 14- تطوير المنهج الماركسي وتجديد المشروع الاشتراكي. 15- العولمة والثورة العلمية التقنية. أخبار المناطق: · عقد قطاع المهندسين بالعاصمة القومية مؤتمره العام في يونيو 2006، وناقش عدداً من الأوراق السياسية والتنظيمية وقضايا المهنة، وانتخب قيادته بالاقتراع السري. حضر المؤتمر كل الأعضاء المتواجدين بالعاصمة. · والجدير بالذكر أن تنظيم الحزب الشيوعي بالعاصمة القومية قد عقد اجتماعاً موسعاً للكادر في النصف الثاني من مايو 2006، وقرر عقد مؤتمر الحزب بالعاصمة القومية خلال 6 شهور، تعقد خلالها المدن والقطاعات مؤتمراتها. · أما المناطق الأخرى التي حددت تواريخ مؤتمراتها فهي: 1- عطبرة: نوفمبر 2006 2- الأبيض: 15/9/2006 3- كوستي: في أكتوبر 2006 4- منطقة الجزيرة: أكتوبر 2006 (قابل للمناقشة). المصدر: الميدان |
حسب الوعد نرفد الخيط بدراسة فى غاية الأهميه بإسم:
الزراعة السودانية بين الفناء والبقاء.. سننزلها على أجزاء ليسهل الإطلاع عليها فهى مادة دسمه جديرة بنقاش مطول من المختصين والمهتمين وكل الوطنيين |
[align=center]المؤتمر الخامس
نشرة غير دورية تعنى بأخبار سير التحضير للمؤتمر الخامس تصدرها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني[/align] الزراعة السودانية بين الفناء 000 والبقاء "فرح حسن ادم" مقدمة:- يتميز القطاع الزراعي السوداني ، في ظل الظروف التاريخية التي تطورت فيها القضية الزراعية بالبلاد ، بعدد من الخصائص التي تعبر عن تداخل وتعايش مجموعة تناقضات ملازمة لأنماط الإنتاج ( الزراعي ) السائدة ، مع التناقضات الملازمة لاقتصاد بلد متُخلف نشأ في أحضان الاستعمار القديم ، وترعرع حتى كاد أن يبلغ سن الشيخوخة ، في ظل الاستسلام المساير لروح العولمة الجديدة. أولى هذه الخصائص تتمثل في توجيه الجزء الغالب من الاستثمارات الزراعية إلى مناطق فئات اجتماعية بعينها ، مما فاقم من الاختلال الجغرافي للاستثمارات ، وساهم في تغذية التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف قطاعات وطوائف البلاد ، واجبر الفئات الاجتماعية المهمة في كافة إنحاء البلاد ، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا – علي حمل السلاح لرد المظالم. وهناك خصائص أخري مرتبطة بالتطور المشوه للإنتاج الزراعي . وتتجلي السمات الرئيسية المميزة لهذا التطور في الإنتاج الزراعي فيما يمكن إيجازه في انعدام التوازن بين وداخل كل في شقي الإنتاج والحيواني والنباتي( مع قلة العناية بالثروة الغابية كذلك ) والتوسع اللاعقلاني في الزراعة التجارية المصحوب بإقصاء ، بل بإبادة – تكاد تكون جماعية - للزراعة المعيشية ، وفي الترسيخ المستمر لسياسة التوسع الأفقي ، بدلا من الاهتمام الجدى بسياسة التوسع الرأسي. الوضع الزراعي العام يشير واقع القوى المنتجة في الزراعة السودانية إلى أن القطاع الزراعي اكثر قطاعات الاقتصاد الوطني ، فحصته من الدخل القومي تتدني باستمرار ، ومعدلات النمو فيه ادني من معدلات نمو القطاعات الأخرى ، ومستوى دخل العاملين فيه ادني من مستوى دخول العاملين في القطاعات الأخرى ـ، ولا تستثمر إمكانات السودان الزراعية إلا جزئيا ، سواء في مجال استثمار الأراضي الصالحة لزراعة المحاصيل أو المراعي الصالحة لتربية المواشي ، ام في ميدان استخدام المياه للري أو في مجال استخدام وسائل الإنتاج الحديثة. والنتيجة أن السودان لا يسد إلا جزءا من حاجاته للمواد الغذائية والمواد الأولية ويزيد ضعف القطاع الزراعي في تشويه بنية الاقتصاد السوداني وسنري فيما يلي من استعراض لهذه الأمور بشكل مفصل كيف أن علاقات الإنتاج السائدة والسياسات الاقتصادية الزراعية للحكومات المتعاقبة علي السودان منذ استقلاله في عام 1956هما السبب الأساسي في ذلك. وبالنظر إلى نمو توزيع إجمالي الناتج المحلي علي صعيد القطاعات الاقتصادية الرئيسية منذ الاستقلال وحتى نهاية القرن العشرين يبدو أن حصة القطاع الزراعي في إجمالي الناتج المحلي آخذة في التناقص، بينما كانت تلك الحصة 62% في عام 56، أصبحت في المتوسط حوالي 46% في عقدي الستينات والسبعينات ثم انخفضت إلى نحو 37% خلال فترة عقدي الثمانينات والتسعينات. وعموما يعني تدني نسبة الحصة الزراعية في الدخل الوطني من فترة لأخرى واتجاهها نحو الهبوط في البلدان المتقدمة تطورالزراعة واحتلال الصناعة للقسم الأكبرمن الإنتاج الوطني . ولكن في السودان الأمر يختلف . فالصناعة لم تساهم إلا بحوالي12%و 16% من إجمالي الناتج المحلي علي التوالي خلال فترتي الستينات والسبعينات ، والثمانينات والتسعينات , وهذا يعني أن الصناعة والزراعة معا لا تعطيان سوي 55% تقريبا من إجمالي الناتج المحلي , والباقي (45%) يأتي من قطاع الخدمات ، أي أن الاقتصاد السوداني اقتصاد مكشوف قائم علي أسس غير ثابتة، ومعرض للكوارث والنكبات خاصة في ظل الظروف الإقليمية والدولية الراهنة المتسمة بالتعقيد وعدم الاستقرار. كذلك يتطلب تطوير الزراعة وقطاع منتج، توظيفات استثمارية هائلة لإزالة التشوهات التي علقت به من جراء اتباع سياسات إنتاجية خاطئة بتركيزها علي القطاعين المروي والآلي المطري مع إهمالها للقطاع التقليدي. وبالتوسع في المحاصيل النقدية علي حساب المحاصيل الغذائية وبتجاهل الثروة الحيوانية والغابات.. الخ. وطالما أن الفائض الاقتصادي يوجد ويتراكم، وبوتيرة متزايدة، لدي قلة من المؤسسات الرأسمالية الخاصة التي تهتم بالمصلحة الخاصة وبزيادة معدل الأرباح علي نحو عاجل اكثر من اهتمامها بالمصلحة العامة وبزيادة الاستثمارات المنتجة، فان توظيف المدخرات النقدية والحقيقية المتراكمة علي قلتها وقد ارتبط بصورة متزايدة بالتوسع في نشاطات قطاع الخدمات ( البنوك، التشييد، التجارة.. الخ) علي حساب القطاعات المنتجة، والالتهام المتعاظم للأرباح بواسطة الشركات التجارية الكبيرة التي تسيطر علي العمل التجاري في مجال الخدمات الزراعية والمجالات الأخرى. ويؤثر في واقع الانتفاع بحقوق ملكية الأرض ( سواء أكانت عامة أو خاصة) في نفس الاتجاه ففقراء المزارعين وصغار المنتجين لا يمتلكون القدرة علي توظيف رساميل عالية ، وهم عاجزون عن استخدام وسائل إنتاج حديثة علي نطاق واسع بينما تقوم الدولة بنزع حقوق الانتفاع بمساحات شاسعة من الأراضي ذات الخصوبة المرتفعة من السكان الأصليين لصالح كبار المستثمرين في المناطق المروية والمطرية علي حد سواء نظير إيجار اسمي كما تشهد بذلك ملفات لجان تخصيص الأراضي الولائية المنتشرة في كل ولايات السودان بأركانه الأربعة، وملفات الإدارات المتخصصة في منح رخص الاستثمار الزراعي ( وهي متعددة ) علي مستوي الحكم الفيدرالي ويتلازم التصرف السخي للدولة في أراضى الميري بسخاء مماثل في منح الإعفاءات والامتيازات ومن خلال أقامة مناخ قانوني إداري وإجرائي لتشجيع الاستثمار الخاص والأجنبي، بما يمكنه من ممارسة نشاطات ذات صفة طفيلية تسمح بضخ المزيد من الفائض الاقتصادي وتبعثره مقابل استثمارات وهمية يطول أمد تفريخها. وقد ساهم توزيع استخدامات الأراضي علي مختلف فروع الزراعة (ثروة حيوانية زراعة نباتية ، مطرية ، ومروية ، غابات ) بتلك الصورة، خاصة في مناطق حزام السافنا بالأراضي الرملية والطينية علي حد سواء في حرمان أعداد غفيرة من منتجي القطاع التقليدي ( مزراعين ورعاة ) من ممارسة زراعية الاكتفاء الذاتي بسبب تعدي الزراعة التجارية علي زراعة الخيارات التقليدية. كما ترتبت علي ذلك انتهاكات صارخة للنظم البيئية تجلت في اتساع ظاهرتي الجفاف والتصحر والحدوث المتكرر للفجوات الغذائية. إضافة إلى ما تقدم، تراجعت الدولة، خاصة في العقدين الأخيرين عن القيام بدورها في العملية الزراعية في كافة مراحلها، خاصة في الزراعة المروية والزراعة المطرية الآليـة ( مزارع الدولة سابقا )، مما أدى إلى تزايد مركزة الفائض الاقتصادي في أيدي النخب الطفيلية، وإلى أضعاف قدرة الدولة علي تجميع المدخرات المحلية وتوجيهها في استثمارات منتجة . ولن يكون التعرف علي الوضع الحالي للزراعة السودانية كاملا دون التعرض للأوضاع المعيشية للعاملين بالقطاع الزراعي ويعطي متوسط دخل الفرد في الزراعة مؤشرا يدل علي الحالة المعيشية للعائلة الزراعية التي تتحصل علي قوت يومها من الزراعة. ويقدر نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلى الزراعي في السودان في عام 2002م بنحو 330 ألف جنية سوداني ( حوالي 130 دولار أمريكي) وهذا يعني أن دخل العامل بالزراعة السودانية قد تردى بمقدار عما كان عليه في مطلع ما بعد الاستقلال ناهيك عن أن دخل كهذا لن يكون كافياً لسد الرمق. وبما أن هذا الدخل يعبر عن متوسط فهو يساوي بين دخل العامل الزراعي والمزارع الفقير مع دخل الرأسمالي صاحب المشروع الزراعي الكبير والواقع ان دخل العمال الزراعيين والمزارعين الفقراء وصغار المزارعين يقل عن ذلك بكثير وبافتراض أن متوسط أجرة العامل الزراعي 7000 جنية سوداني يومياً وأنه يعمل على مدار السنة 240يوم فيكون دخلة السنوي 1680000 (مليون وستمائة وثمانين الف) جنية سوداني ولقسمة هذا المبلغ على عدد أفراد عائلة العامل الزراعي التي قد تبلغ 6 أشخاص في المتوسط يكون دخل الفرد السنوي 280 ألف جنية سوداني لا اكثر ويصعب على هذه العائلة إدراك بدائل أخري تعينها على تكملة عجز دخلها عن الوفاء بحاجاتها الضرورية نظراً لحرمانها من الانتفاع بمزايا القوانين المُنظمة للعمل وللضمانات الصحية والاجتماعية. وبعد أن كانت البلاد في منتصف الخمسينات من القرن العشرين قادرة على تغطية احتياجاتها الغذائية من الإنتاج الزراعي المحلى نراها تشهد حالياً في العام الرابع من الألفية الثالثة اعتمادا متزايداً على استيراد القمح مصحوباً بالإغاثة لمواجهة جزءاً مقدراً من حاجة السكان للحبوب الغذائية . وهذا ما لا يستقيم في بلد واسع المساحة وغني بموارده كالسودان. وبالنظر إلى مدى ما يستثمر من رقعة زراعية في هذا البلد الشاسع المساحة ، يلاحظ أن المساحة التي تزرع في السودان تساوي 6% فقط من مجمل مساحة البلاد وخمس إجمالي الأرض الصالحة للزراعة ( 40 مليون فدان من 200 مليون فدان ). لكن معظم الحكومات المتعاقبة، وهي التي يعود لها حق التصرف في القسم الأعظم من أراضي البلاد، لم تهتم أبداً باستثمار هذه المساحات الشاسعة من الأراضي ، ولم تتخذ من السياسات أو التدابير ما يجعل من استثمار هذه الأراضي عملية مربحة حتى من وجهة نظر تشغيل رأس المال ناهيك من النظر للمسألة من وجهة نظر تقوية قطاع إنتاجي كقطاع الزراعة . والقضية كما نرى هي في علاقات الإنتاج والنظام القائم. ورغم الحديث المتكرر عن حظوة السودان بمكانة مرموقة في مجال الثروة الحيوانية فان الأراضي المعتبرة من المراعي الطبيعية (279 مليون فدان أي 46.5% من مجمل مساحة البلاد) لا تجد من يهتم بها فعلاً لا قولاً بل أنها تستثمر بأكثر الطرق بدائية في هذا الوقت الذي تعاني فيه الثروة الحيوانية بملاكها في المجتمع الرعوي السوداني من الحصار والبؤس، بينما تقوم القطاعات الاقتصادية الحديثة بصقل آلياتها التجارية والتمويلية لاقتحامه والحصول على فائضة الإنتاجي عن بعد، دون مواجهة مخاطر وأعباء التكلفة التي تتطلب تهيئة البنية التحتية وحماية القطيع القومي بالتركيز على صحة الحيوان والإنتاج الحيواني والدعم المؤسسي كما يقول بذلك وكيل وزارة الثروة الحيوانية ( الرأي العام ، العدد 2727، الجمعة 1 أبريل 2005م ص 9) . وهذا القول لا يمثل سوى شعارات زائفة ، إذ أن نفس الصحيفة تشير في ذات الصفحة إلى أمثلة لتوجه الاستثمارات في " مشاريع تحسين نسل الماعز وقطاع الدواجن وفي إنتاج العلف الطبيعي حلوب لشركة كنانة بمجمع الرضوان لتطوير الإنتاج الحيواني يتبع.. |
وعند النظر إلى صادرات وواردات البلاد الزراعية في الفترة الممتدة من عام 1990حتى عام 2002م (أنظر الجدول 1) يلاحظ أن قيمة الواردات الزراعية شكلت 63.1% المتوسط من قيمة الصادرات الزراعية وحوالي 0.0% . من مجمل قيمة الإنتاج الزراعي للبلاد . وعلي مدى ثلاثة عشر عاما ( طوال الفترة المعروضة بالجدول) لم تزد الصادرات الزراعية سوى بنسبة 6.4% بينما تدنت النسبة المئوية للتصدير من 78.8% في عام 1990م إلى 17.9% فقط في عام 2002م . وهذا دليل واضح علي عمق الأزمة التي يعاني منها القطاع الزراعي فيما يتعلق بتصريف صادراته الزراعية الرئيسية من صمغ عربي ، وحبوب زيتية ، وقطن ، وثروة حيوانية . والتي تتجلي ليس فقط في التدهور الإنتاجي الذي أصاب القطاع الزراعي وانما أيضا في تخلف تركيبة صادرات البلاد من المواد الأولية ، وبدائية وسائل الإنتاج المستخدمة ، وتدني القدرة علي التكيف مع المتغيرات التي طرأت علي السوق العالمي للمواد الأولية.
ورغم أن الجدول يشير بوضوح إلى أن القطاع الزراعي لم يعد يمثل المصدر الأول والوحيد – كما كان سابقا – للحصول علي العملة الحرة ، وبالتالي إدراك كل احتياجات البلاد الخارجية – بعد اكتشاف إنتاج البترول وتصديره – إلا انه يجب إلا يغيب عن البال أن الإنتاج الزراعي ما زال يمثل الركيزة الأساسية للتنمية الاقتصادية في البلاد : فهو يشكل المصدر الأول الذي لا ينضب كالبترول – للفائض الاقتصادي ، وبالتالي فهو الدعامة الأساسية للاستثمارات العامة والخاصة ، كما وانه يوفر المواد الغذائية الضرورية لسد حاجة السكان ، ويمثل مستودع العمالة الزائدة عن حاجة الزراعة ، وهو في نهاية المطاف ، المقدمة الطبيعية لتحقيق التصنيع والتحديث والتنمية الاقتصادية الشاملة ، إذ يستحيل تصور إنجاز مهام التصنيع والتحديث للبلاد دون المرور عبر بوابة تغيير علاقات الإنتاج وتحديث القطاع الزراعي. يتبع.. |
جدول رقم 1
|
وتغطي الغابات مساحة تقدر بحوالي 57.7 مليون فدان (9.6% من مجمل مساحة البلاد ، اقل من ثلثها فقط ( حوالي 18 مليون فدان ) تمثل غابات محجوزة 000 وتعاني الثروة الغابية ، مثلها مثل بقية الموارد الزراعية ، من غياب الاهتمام الجدى بتطويرها ، إذ يتم مثلا التبشير في الاستراتيجية القومية الشاملة بتمديد مساحة الغابات المحجوزة لنحو 25 مليون فدان مع مطلع القرن الجديد 000 وبتخصيص 10% من مساحة مناطق الزراعة الآلية و5% من مساحة المشاريع المروية للأحزمة الشجرية ، ثم يتم التصريح في ذات الوقت عن انحسار الغطاء الشجري عند مساحات واسعة.
والسياسات تعلن وكأنها تخص أجهزة سيادية لدول مختلفة ، يعمل كل جهاز فيها بمعزل عن الأخر ، مثال ذلك أن فاقد البيئة الناجم عن اكتشاف ، إنتاج ، وتصدير البترول يمكن أن يبزانتفاع البيئة منه ورغم ذلك لا تتخذ الاستراتيجية القومية الشاملة تدابير جدية لخلق تناسق في تطبيق السياسات المعلنة وفق علاقة تبادلية موجبة بين الموارد المتجددة ( الغابات ممثلة في الهيئة القومية للغابات ) والموارد الغير متجددة ( البترول ممثلا في وزارة الطاقة والتعدين ) وما زال السودان عاجزا عن مواجهة الطلب المحلي علي الخشب والمنتوجات الخشبية من الإنتاج المحلي بسبب اهماله التام لتطوير الصناعة الوطنية في مجال الغابات. كذلك لا تستفيد الزراعة السودانية إلا جزئيا من الموارد المائية المتعددة المصادر في السودان رغم ما للرى من أهمية حاسمة في تطوير الإنتاج الزراعي . فالمساحة المروية في السودان هي في حدود 4 مليون فدان تقريبا ، أي حوالي 10% فقط من مجمل المساحة المزروعة (2% من اجمالي المساحة الصالحة للزراعة ) هذا يعني أن القسم الأكبر من الموارد المائية يذهب هدراً. وتقدر مصلحة الأرصاد الجوى كمية الأمطار التي تهطل سنويا علي ارض السودان بحوالي ألف مليار متر مكعب ، بمعدل 400 ألف متر مكعب علي كل كيلو متر مربع . وباعتبار أن 3 ألف م3 تكون كافية لزراعة ونضح محصول مطري كالذرة مثلا بالزراعة المطرية ، فان ربع الكمية الهاطلة من الإطار في السودان قد تكفي لرى ما يزيد عن 80 مليون فدان . طبقا ليس هناك ضمان لتوزيع الأمطار الهاطلة علي كل المناطق المطرية أو الأراضي المطرية الزراعية بالتساوي ، ولكن يمكن بالتأكيد توسيع الرقعة المزروعة بنسبة مقدرة. أما بالنسبة لمشروعات الري بالمياه النيلية فان الأرقام الصادرة من وزارة الري والموارد المائية في عام 1999م تشير إلى وجود تقلص فعلي في استهلاك المياه المستخدمة للرى بلغت نسبة 16.7% من مجمل المياه النيلية المتاحة (13 مليار م3 من 15.6 مليار م3) بسبب تراكم الطمي في بحيرات الخزانات . كذلك تعطي أرقام وزارة الري ما يمكن أن يستدل منه بوضوح علي وجود فجوة بين ما تملكه البلاد من إمكانات لمضاعفة موارد المياه من خلال استغلال المصادر المتاحة وبينما تستهلكه من مياه في الوقت الحاضر ( حوالي 35 مليار م3 مقابل 16 مليار م3) ولا زالت الدولة تتعامل مع مواجهة هذه الفجوة باستخفاف ، إذ أنها تفضل توليد الطاقة الكهربائية كما تفعل الآن في مشروع خزان الحماداب (سد مروى) رغم أن قاعدة التفاضل في استخدام المياه تتمثل بمنح الأفضلية للشرب أولا ثم للرى ثانيا ثم لتوليد الطاقة الكهربائية ثالثا إضافة لذلك خاصة فان الاهتمام الجدى لتشييد البنية التحتية لمشروعات الري الكبرى يستلزم تدخل الدولة لتعبئة المدخرات النقدية والحقيقية الضرورية والتي لا يمكن تحقيق هذه المهمة بدونها00 والاستراتيجية لقومية الشاملة لنظام الحكم الحالي ( التي تطلق العنان لقوى السوق ) لا تعير هذه القضية أهمية تذكر . يتبع.. |
علاقات الإنتاج في الزراعة السودانية
تمثل ملكية وسائل الإنتاج العامل الحاسم الذي يحدد علاقات الإنتاج في الزراعة ، وفي كل اقتصاد بوجه عام ، بمعني أنها توضح من يملك الأرض ووسائل الإنتاج الرئيسية ، والفئات الاجتماعية الموجودة في داخل المجتمع والعلاقات المتبادلة فيما بينها أثناء العملية الإنتاجية ، ودرجة توزيع عائدات الأرض وبأية نسب 000الخ. وهناك في السودان عدة أشكال لملكية الأرض والثروة الحيوانية : ملكية الدولة المستثمرة أما بطريقة مباشرة ( المشاريع الحكومية ) أو بشكل غير مباشر بالإيجار لأصحاب المشاريع ( الزراعة المطرية الآلية ) ملكيات كبار أصحاب المشاريع المروية المستثمرة علي أسس حديثة بشكل مباشر أو غير مباشر ، ملكيات المزارعين المتوسطة والصغيرة ، ملكيات الأوقاف ، الملكية المشاعيه ( في جنوب السودان بوجه خاص ) وملكية الثروة الحيوانية والكبيرة والمتوسطة والصغيرة). ويسود اعتقاد واسع الانتشار في السودان بأن قضية الأرض محلولة من واقع كونها وفيرة وخاضعة للملكية العامة ، ولكن الواقع يدحض هذا الاعتقاد ، حيث أن الأرقام التي تصدر ( أو تعلن ) للتدليل علي وجود فائض ( أو احتياطي ) ضخم في الأراضي غير المستثمرة والصالحة للزراعة بالسودان أصبحت غير ذات معني ، ليس فقط بسبب تعاظم الضغط السكاني والتدهور البيئي والحراك التنافسي بين الفروع الزراعية ( مطرية إلية ، مروية حديثة ، وتربية مواشي ) وانما بسبب توجه الحكومة المحموم لبيع " عقود الإيجار " للأراضي الزراعية بالجملة للشركات الاستثمارية الخاصة ( محلية ، أجنبية ، ومختلطة ) في مختلف بقاع السودان ، مما أدى لابتلاع حقوق الانتفاع بالأرض للملكيات الصغيرة المنتشرة بشكل واسع ، علي وجه الخصوص ، في مناطق القطاع التقليدي بواسطة ، الملكية الكبرى للأرض" الممهورة بختم تصديقات "حكومة الإنقاذ " السخية ولا بد لمثل هذا الوضع من أن يدفع بمسألة ملكية الأرض إلى رأس أولويات أي برنامج لاصلاح الوضع الزراعي بالسودان. واهم ما يميز علاقات الإنتاج في السودان هو تعددها ووقوفها جنبا إلى جنب داخل البنية الكلية للاقتصاد السوداني ، والتداخل والتأثير المتبادل فيما بينها . وقد توصلت دراسات سابقة عن واقع ملكية وسائل الإنتاج وبصفة خاصة الأرض ، ومنشآت وآلات وأدوات الإنتاج الزراعي، وتوزيع عائدات الإنتاج فيما بين مختلف الفئات الاجتماعية ، وموقف الفئات الاجتماعية المختلفة من الإنتاج وعلاقاتها المتبادلة أثناء العملية الإنتاجية إلى تواجد ثلاثة أشكال رئيسية لعلاقات الإنتاج في الزراعة السودانية تم تحديدها فيما يلي:- 1- علاقات إنتاج رأسمالية الدولة 2- الزراعة الرأسمالية الكبيرة 3- الإنتاج السلعي الصغير بشقيه المتخلف والحديث. |
زراعة رأسمالية الدولة:-
يسود هذا النمط في الإنتاج في مشاريع الزراعة المروية الحكومية التي تضم مشروع الجزيرة ، حلفا الجديدة، الرهد ، السوكي ، مشاريع مؤسستي النيل الأبيض والنيل الأزرق ، دلتا طوكر والقاش ، مشاريع الإعاشة بالنيل الأبيض ( سابقا ) مشاريع مؤسسة الشمالية سابقا ( الآن نهر لنيل والشمالية ) وتساهم هذه المشاريع حاليا بحوالي 12.4% من إجمالي الناتج المحلي ( نحو 29% من الناتج الزراعي) و % من حجم صادرات البلاد الزراعية وحوالي % من استهلاك البلاد من السكر والقمح ، وما بين 0000% من استهلاك السكان من الذرة ، ومعظم استهلاك البلاد من البقوليات .وتستخدم اكثر من ربع القوى العاملة بالسودان ، بما في ذلك المزارعين والعمال الدائمين والموسميين ( 40% من إجمالي العمالة الموظفة في القطاع المروى). وقد تركزت الاستثمارات الزراعية في فترة ما قبل وبعد الاستقلال في المشاريع المروية ( في الري سابقا ) في مناطق بعينها ( تكرس تبعية الاقتصاد) وتم الاهتمام بتطوير الزراعة التصديرية ، وبصفة خاصة القطن علي حساب الفروع الأخرى للإنتاج الزراعي ( ربط الاقتصاد بالسوق الرأسمالي ) . وبعد أن اصبح محصول القطن المحرك الأول والأساسي للاستثمارات في الري ، انصب اهتمام الدولة من حيث الرقابة والإشراف عليه ، وتم توجيه استخدام وسائل الإنتاج الحديثة ( الأسمدة بجميع أنواعها واللجوء للرش بالمبيدات الحشرية واستخدام الآلات الزراعية الحديثة ) بصفة أساسية نحو القطن. وعموما اتخذ تطور الزراعة المروية في السودان طابعا أفقيا من خلال تكرار المشاريع المروية علي نمط مشروع الجزيرة رغم الحديث المتواصل عن تكثيف الزراعة 000 وظل ضعف الإنتاجية وتدهورها ، وسلبية العلاقة بينها وبين معدلات الاتفاق ( التنموي والجارى ) من الصفات الملازمة للمشروعات في القطاع المروى. وتتميز علاقات الإنتاج في المشروعات الحكومية للقطاع المروى بالسودان بعدة سمات نوجزها فيما يلي:- أولا:- الدولة مالك أساسي لوسائل الإنتاج : كل وسائل الإنتاج المتحركة ( آليات – عربات ، وكراكات ) وكل قنوات الري ومصادر المياه والمحالج والسكك الحديدية والمباني ، وكذلك اغلب الأراضي ، وما يملكه بعض المزارعين ( من أراضى ) مستأجر بطريقة جعلته ملكا للدولة بالأمر الواقع 00 ثانيا ( الإنتاج يهدف البيع في الأسواق المحلية أو للتصدير للحصول علي الربح ؛ انخفض الثقل النسبي للقطاع المروى في إجمالي الناتج المحلي من حوالي الخمس في السبعينات إلى حوالي العشر في التسعينات. ثالثا:- العمل الأجير بلعب دوراً رئيسياً في الانتاج0000 ويعطي الجدول التالي ، علي سبيل المثال ، لوحة تقريبية ، لمساهمة مختلف الفئات العاملة المكونة لمشروع الجزيرة في العملية الإنتاجية : يتبع.. |
جدول رقم 2 :
|
ويتكون العاملون بالأجر من ثلاثة مجموعات : مجموعة عمال التجهيزات الزراعية ومنهم من يقوم بتحضير الأرض للزراعة ( عمال المحاريت ) وتطهير قنوات الري لتسهيل وصول مياه الري للحواشات ( عمال الري ) وعمال السكك الحديدية الذين يرحلون القطن من محطات تجمعيه في الغيط إلي المحالج ، وعمال المحالج الذين توظفهم الدولة لحلج القطن واعداده للبيع ، ومجموعة عمال العمليات الزراعية الأخرى الذين جرت العادة علي تسميتهم بالعمال الزراعيين وتشمل هذه المجموعة عمال اللقيط وعمال القلع والكنس والنظافة والعمال الزراعيين الذين يستأجرهم المزارعون للعمل في الحواشات ؛ وعمال الرش التابعين للقطاع الخاص والذين يقومون برش المحاصيل بالمبيدات الحشرية والمبيدات الأخرى ، ويمثل هؤلاء جميعا حوالي 80% من مجمل القوى العاملة لمشروع الجزيرة ويساهمون بما مقداره 75% من العملية الإنتاجية بينما لا يحصلون إلا علي ما يزيد الا "قليلا" عن عشر عائداتها.
أما المزارعون فانهم لا يساهمون إلا بقدر متواضع في العملية الإنتاجية وفقا لحجم الحيازة ، خاصة ما يستثمر منها لزراعة القطن بمشروع الجزيرة وهنالك علي سبيل المثال 00 ففقراء المزارعين ومتوسطهم يبذلون جهودا متفاوتة في العملية الإنتاجية ، رغم أنها اقل نسبيا مقارنا بجهد العمال الزراعيين ، ويحصلون علي حصة ادني نسبيا من صافي العائد مقارنة بما يحصل عليه أغنياء المزارعين ، رغم انهم لا يبذلون أي جهد في العملية الإنتاجية. ويمكن الاستنتاج مما تقدم بأنه لا وجود لعلاقة تصل يين توزيع عائد الإنتاج والجهد المبذول في العملية الإنتاجية . وقد ظلت الدولة منذ الخمسينات وحتى بداية الثمانينات حريصة علي القيام بدورها كشريك في رأس المال ، وفي تحمل المسؤولية في مباشرة الإنتاج والإشراف عليه في عدد من العمليات الزراعية كالرى مثلا ، وكذلك المشاركة في ملكية الجزء الغالب من وسائل الإنتاج الرئيسية بالإضافة للمشاركة في اقتسام عائد الإنتاج بنسب محددة في مشروع الجزيرة وبقية المشاريع المروية التي قامت علي هديه من بعده ( باستثناء مشروع الرهد الزراعي). شهد موسم 80/81 تنفيذ توصيات بعثة البنك الدولي لمشروع الجزيرة في النصف الأول من الستينات التي نادت بتطبيق الحساب الفردي وتأجير خدمات الأرض والرى ، ورهنت تنفيذ برنامج إعادة التعمير للمشروع بذلك التطبيق 0 وتبع تطبيق ذلك القرار وقف العمل بنظام الحساب المشترك الذي كان يعني المناصفة في تحمل أعباء تكاليف إنجاز العمليات الزراعية بين الحكومة والمزارعين ، وتحميل المزارعين كل التكاليف المتعلقة بإنجاز العمليات الزراعية من لحظة تحضير الأرض إلى لحظة تسليم القطن في المحطات ، وتخلي الحكومة والإدارة عن تحمل أي مسؤوليات مرتبطة بتكلفة إنجاز العمليات الزراعية المضمنة فيما سبق في بند الحساب المشترك ، استثناء العمليات الزراعية التي تنوب فيها الإدارة عن المزارع ؛ والاكتفاء بالتعامل مع المزارعين وفقا للحساب الفردي : فبعد أن ينتهي المزارع من تسليم القطن في المحطات ، حيث تتولى المؤسسة العامة لبيع القطن مسؤولية الشراء ، تقوم الدولة بخصم المنصرفات الفردية المتعلقة بالإنتاج التي تقوم بها الدولة نيابة عن المزارعين وكذلك السلفيات المقدمة لهم ؛ وما تبقي من جملة العائد يذهب للمزارعين. واصبح دخل الحكومة والإدارة لا يمت بصلة للإنتاج ، وانما هو ناتج من بيع مياه الري للمزارعين عن كل المحاصيل بينما كان الري في الماضي بدون مقابل ولكل المحاصيل : وظلت ملكية الحكومة لوسائل الإنتاج الأساسية بما في ذلك تحمل إدارة مشروع الجزيرة مسؤولية إدارة وتشغيل شبكة الري الصغرى والمحالج والسكك الحديدية .... الخ كما هي . يتبع.. |
وقد ساهم التقليل المتواصل من مسوؤلية الدولة في إدارة المشاريع المروية ومن خلال إلغاء الحساب المشترك وتخلى الدولة عن مسوؤلياتها المالية بعدم التزامها بمواجهة تكاليف مدخلات الإنتاج والمنصرفات عن العمليات الزراعية الأساسية وقلة المساهمة في أتناج محاصيل الدورة الزراعية الأخرى ( غير القطن) التابعة للمزارعيين وغياب الرقابة عليها في تعاظم دور القطاع الخاص في القيام بالعمليات الزراعية بالمشاريع المروية فبعد أن كانت مساهمة القطاع الخاص حتى نهاية عقد السبعينات لا تكاد تذكر ومحصورة فقط في تأجير العمال وقلة من اللواري التجارية لترحيل القطن وقلة من الجرارات للعمل في مجال الحرث الخفيف مع غياب كامل للحصادات وللرش بالطائرات بالمبيدات , كثر – بعد تطبيق نظام الحساب الفردي –عدد الجرارات التي تعمل تجاريا والتي يملكها أغنياء المزارعين وكبار التجار وكذلك ازداد حجم العربات التجارية التي تعمل في ترحيل القطن من الغيط إلى أماكن التجمع في المحطات 0 كذلك ظهرت الحاصدات الزراعية التي تحصد محصولي القمح والذرة.
وهناك عوامل أخري كثيرة ساهمت في تهيئة المناخ لتوسيع نفوذ القطاع الخاص لتمكينه في النهاية من بسط سيطرته علي آليات التداول الزراعية في مرحلة ما قبل الإنتاج ، وفي مرحلة الإنتاج ، ثم مرحلة ما بعد الإنتاج. من تلك العوامل مثلا لجوء أغنياء المزارعين لشراء حواشات فقراء المزارعين وتسجيلها بأسم الأبناء أو بعض الاقربين ( رغم أن قانون مشروع الجزيرة يحرم علي أي مزارع تجاوز 40 فدان كسقف اعلي للحواشة المزروعة بالقطن ) لزيادة الرقعة المزروعة ؛ ورأوا اللجوء إلى تأجير الحواشة بالمزارعة للنازحين أو المحليين من العمال الزراعيين مما يعني تقليص مساهمة المزارعين في العمليات الزراعية اليدوية وزيادة الاعتماد علي العمل الأجير وبالتالي استثمار العمل الفائض للعمال الزراعيين. عامل آخر ساهم في تمكين القطاع الخاص من حيث الأرباح في مجال القيام بالعمليات الزراعية الكبيرة في المشاريع المروية ( الحراثة ، التسريب ، الطرد الأخضر – الفتحية – تطهير القنوات ، رش المبيدات الحشرية والحشائشية وأحيانا رش السماد بالطائرات ، 00الخ) تمثلت في تسيير انسياب التسهيلات التمويلية من قروض برنامج إعادة تعمير المشاريع المروية وقروض المصارف ( البنك الزراعي ، بنك المزارع ، الخ) لتوفير الآليات والمعدات الزراعية (التركترات الحاصدات ... الخ) لصالح كبار التجار واغنياء المزارعين وبعض قيادات اتحاد المزارعين لمواجهة الطلب المتنامي علي استخدام الآلات الحديثة في عمليات الزراعة المروية . وبحلول حكومة الإنقاذ وجدت مؤسسات العولمة الجديدة الفرص سانحة للتعاون مع الرأسمالية المحلية التابعة للانقضاض علي ما تبقي من قلاع في مشاريع الزراعة المروية 0 وفي ظل انتهاج الدولة لسياسات التحرير الاقتصادي وتخليها عن تمويل العمليات الزراعية بالمشاريع المروية . سارعت حكومة الإنقاذ بإصدار قرارها رقم 115 بتاريخ 18 أكتوبر 1992 الداعي لخصخصة مشروع الجزيرة كبداية لخصخصة جميع مؤسسات الزراعة المروية بالسودان . وفي الأعوام 1996 و 1998م و 2000م عملت الدولة علي إعادة هيكلة مشروع الجزيرة ، فقامت بإلغاء آلاف الوظائف ، وتحويل الإدارات العاملة بالمشروع وبالدولة ( مؤسسة الحفريات ، إدارة الهندسة الزراعية وإكثار البذور ، السكة حديد ، المحالج ، المخازن ، الاتصالات ) إلى شركات بالتعامل التجاري ؛ وتبعت ذلك بفتح الباب أمام القطاع الخاص – شركات وأفراد وبنوك للمزيد من التوسع في مجال إمداد المشروع بالخدمات الزراعية فحلت دال وشركة التنمية الاسلامية محل ادارة الهندسة الزراعية ذات التجربة العريقة في عملية تجهيز الأرض للزراعة من حيث الأشراف وتجويد العمل ، وشركة روينا والتنمية الإسلامية محل مؤسسة الحفريات ، وشركة بايونير محل إدارة إكثار البذور ، ووكلاء الترحيل محل سكك حديد الجزيرة ؛ ومحفظة البنوك المكونة من بنوك تجارية مختارة محل بنك السودان ووزارة المالية والاقتصاد الوطني. ولم يتبق من كل وسائل الإنتاج المملوكة للدولة بمشروع الجزيرة غير وسائل الإنتاج الثابتة المتمثلة في بنية الري والأغلبية الكبرى من أراضى المشروع 000 ولهذا تشهد الساحة السياسية نشاطا محموما منذ بداية الألفية الثالثة لتطبيق السياسات التي ستقضي نهائيا علي " هيمنة القطاع العام " وتجعله ادة لخدمة الاستثمارات الخاصة ذات الطابع الخدمي – وبأسعار قد لا تكون مجزية بالنسبة للدولة – وتحول المشروع الي مزارع رأسمالية كبرى تابعة لامتصاص فائض السلع المنتجة بواسطة البلدان المتقدمة صناعيا00 والدليل علي ذلك اتفاق رؤى لجنة تاج السر مصطفي ( ) والفريق المشترك مـــن الحكومة والبنك الدولي (2001م) واللجنة الوزارية للإصلاح المؤسسي ( بركات مشروع الجزيرة يوليو 2004م) في الدعوى لمراجعة أوضاع أراضى الجزيرة وذلك بإلغاء ملكية الحكومة للأراضي واحلال الملكية الخاصة مكانها خلال تمليك المزارعين الحاليين لحوا شاتهم ونزع الأراضي الملك الحر داخل المشروع وفقا لقانون نزع الملكية لسنة 1930 وتعويض الملاك الذين لديهم حواشات بتسجيل حواشاتهم الحالية ملك حر ، وتعويض الملاك الذين ليس لديهم حواشات تعويضا عينيا أو ماديا بواسطة الحكومة ؛ وتسجيل حيازات المزارعين الآخرين ملك حر ما أمكن ذلك أستثناء لاحكام القانون وتحديد الحد الأدنى للحيازة بواسطة مجلس الإدارة وربط التعديل لطابع الملكية بالمشروع بكل الآليات الضرورية التي تعين علي تغيير هوية المشروع والكامنة في تحرير التمويل كمبدأ أساسي 000 وتعديل قانون أراضى مشروع الجزيرة لتقنين بيع وشراء ورهن الحيازة ؛ والتوسع في التأمين الزراعي وصناديق درء مخاطر الزراعة إضافة إلى تيسير عمليات تحرير التسويق خاصة تحرير تسويق الأقطان ( التوصيات الختامية للفريق الاستشاري للإصلاح المؤسسي لمشروع الجزيرة ، ورشة عمل حول وضع الإصلاح المؤسسي بمشروع الجزيرة قاعة الشهداء ببركات 11- 12 يوليو 2004م) . يتبع.. |
كذلك نادي فريق الإصلاح المؤسسي لمشروع الجزيرة في مجال المياه بفصل الشبكة الكبرى للري عن الشبكة الصغرى , وتغيير أسم التفتيش بالمشروع إلى مجمع زراعي مواكبة للمتغيرات وتمكين المزارعين من المشاركة في إدارة عمليات الري من خلال تحويل مسؤولية الإشراف على صيانة وتشغيل شبكة الري الصغرى واسترداد تكلفة المياه لروابط مستخدمي المياه فضلاً عن توليها القيام بالعمليات الزراعية للإنتاج والتمويل والتسويق .
ووفقاً لما توفر لنا من معلومات فإن مشروع قانون مشروع الجزيرة الذي يهدف إلى تصفية وفكفكة المشروع إلى أجزاء في طريقه إلى الإصدار أو الإجازة بعد أن فرغت اللجنة التي كونها وزير الزراعة من إعداده في صورته النهائية وبعد أن شرعت الحكومة في تأسيس روابط مستخدمي المياه وذلك من خلال مباركتها لتجربة تفتيش عبد الحكم التي بدأت في موسم 2000/2001م بتشجيع من البنك الدولي ومنظمة الفاو وقد أمر وزير الزراعة في أكتوبر عام 2003م بتعميم التجربة في ثمانية عشر تفتيشاً واحد في كل قسم من أقسام المشروع وكذلك تعميم الصندوق الدائري لمقابلة احتياجات روابط مستخدمي المياه في تدريب المزارعين ... الخ وجاءت مساهمات الصندوق من البنك الدولي والفاو ووزارتي المالية والزراعة . وإدارة المشروع . واتحاد المزارعين ( إدارة المزارعين الذاتية بشبكة الري الصغرى لمشروع الجزيرة – تجربة تفتيش عبد الحكم – بركات – مشروع الجزيرة , ومقترح اتفاقية تصل صلاحيات إدارة الشبكة بتفتيش عبد الحكم من مشروع الجزيرة إلي لجنة الري بالتفتيش إعداد لجنة الري ، تقديم خوجلى محمد - مركز الشهيد الزبير الدولي للمؤتمرات 28/أكتوبر 2002م . إن الرؤية حول إمكانية الارتقاء بالإنتاج والإنتاجية في مؤسسات الزراعة المروية عبر آلية الســـــوق ( تحرير سوق الأرض والتمويل .. الخ وإلغاء دور الدولة الاقتصادي والخصخصة ) لن تقضي إلا إلى بعثرة الموارد الاقتصادية والاجتماعية لمشروعات الري القومية الكبرى وزيادة إفقار الغالبية العظمى من العاملين بتلك المشاريع وهذا هو بالضبط ما ترتب على تطبيق السياسيات الزراعية بدولة السودان الحديث كما يتضح من الأضرار التي لحقت بالأوضاع الزراعية للمشاريع المروية من جراء ارتفاع التكلفة وتدني الإنتاج والإنتاجية مما أنعكس بالتالي على الحالة الاقتصادية والاجتماعية للعاملين بالقطاع المروي ( قلة العائد) . يلاحظ من الجدول رقم ( ) تدهور مساهمة المؤسسات الزراعية الحكومية المروية بما يشبة الانهيار في إنتاج محصول القطن رغم ازدهار السوق العالمية لتجارة القطن , بسبب تنامي وتواصل العوائق التي وضعت أمام المزارعين على كافة المحاور التمويلية والإنتاجية والتسويقية ، مما أدى إلى تقلص المساحة المزروعة بالقطن من نحو 875 ألف فدان في المتوسط على مدى عشرين عاماً لعقدي السبعينات والثمانينات ( الفترة الممتدة من 70/71 م وحتى 89/90م ) إلى حوالي 430الف فدان كمتوسط سنوي للمساحة في عقد التسعينات ( الفترة الممتدة من 90/91 م وحتى 99/2000م ). كما هبط إنتاجه الكلي من نحو 500 ألف طن كمتوسط للفترة الأولى إلى 218 ألف طن فقط كمتوسط للفترة الثانية كذلك يلاحظ من أرقام الجدول تناقص المساحة الكلية المزروعة بمحصول الفول السوداني وبقاء إنتاجه في المتوسط ساكنا تقريبا عند نفس المستوى الذي كان عليه قبل ثلاثة عقود من الزمن : مما يعني اتساع الفجوة بين العرض والطلب في مجال الحبوب الزيتية ، بافتراض أن الطلب المحلي علي الزيوت النباتية قد زاد بمعدلات تفوق طاقة البلاد الإنتاجية لمحصولات الحبوب الزيتية، خاصة وأن محصول الفول السوداني يعتبر أحد المحاصيل الأساسية المكملة لبذرة القطن في إنتاج وسد احتياجات البلاد الاستهلاكية الأساسية من الزيوت النباتية. ويبدو أن الزيادة التي صدقت في مساحة كل من محصولي الذرة والقمح ، خاصة في بداية التسعينات ، بمصاحبة الشعار الاجوف " نأكل مما نزرع ، ونلبس مما نصنع " تمت علي حساب تقلص مساحة محصولي القطن والفول السوداني ، وتميزت بعدم الثبات بسبب اخفاقات الري والحساسية المفرطة للمؤثرات المناخية 000 الخ مما ينعكس جليا من الأرقام الواردة بالجدول ، في التقلبات السنوية الحادة لكل من مساحة وانتاج محصولي الذرة والقمح وصل معدلات نمو إنتاج المحصولين للتدني . كذلك تظهر الأرقام ضعف حصيلة التطور في إنتاجية المحصولين لعقد التسعينات ، خاصة إذا ما قورنت بإنتاجيتهما في بلدان ذات نظم إنتاجية مشابهة لظروف السودان ، إذ أن إنتاجية القمح المروى في الهند والباكستان تكاد تبلغ ضعف إنتاجيته في السودان ، بينما تتفوق إنتاجية الصومال للذرة علي انتاجيته في السودان يتبع.. |
جدول رقم 3:
|
وتعاني كل مؤسسات القطاع المروى الزراعية من ظاهرة تصاعد تكاليف الإنتاج بصورة منفلتة بالنسبة لكل المحاصيل وفي كافة المشاريع والبيانات الواردة في الجدولين رقم ( ) و( ) تعطي مجموع تكلفة إنتاج الفدان من المحاصيل الرئيسية في مشاريع الجزيرة وحلفا الجديدة والرهد ويلاحظ من نظرة سريعة للأرقام الواردة في الجدولين مدى الانفلات المهول الذي حدث في معدل نمو تكلفة زراعة الفدان الواحد من مختلف المحاصيل في جميع المشاريع المروية خلال الفترة الممتدة من عام 90/91 وحتى موسم 2001/2002م ، أي منذ نفاذ سياسة التحرير ، وباعتبار أن متوسط إنتاجية الفدان الواحد من القطن بركات تساوى أربعة قناطير ونصف ( متوسط الإنتاجية لاثني عشر عاما للفترة الممتدة من موسم 90/91 حتــــــى موسم (01/02) فان بيانات الجدول رقم (1 ) تبين أن متوسط تكلفة زراعة القنطار من القطن بركات في موسم 90/91 في مشروع الجزيرة كانت حوالي 750 جنيه سوداني ، ثم ارتفعت إلى حوالي 15 ألف جنيه سوداني في عام 94/95 ، لتصعد إلى نحو 113 ألف جنيه سوداني في موسم 2001/2002م . وقد بلغ متوسط معدل النمو السنوي للمجموع الكلي للتكاليف فدان القطن بركات بمشروع الجزيرة خلال الفترة 90/91 – 01/02 حوالي 69.5% كان أثقلها وطأة علي الزراعة المروية والمزارعين ما تجاوز المائة بالمائة بأكثر من نصفها في النصف الأول من تسعينات القرن الذي مضي.
وينطبق هذا المثال علي لوحة التكاليف الكلية وعناصرها ( عمليات تحضير الأرض – والعمليات الزراعية ، ومدخلات الإنتاج ، وعمليات الحصاد ورسوم الماء والإدارة والخدمات الأخرى ) لمحاصيل المشاريع المروية النقدية الموجهة للتصدير ( القطن بركات وأكالا والفول السوداني ) إضافة إلى المحاصيل الغذائية الموجهة لسد حاجة المزارع والمستهلك المحلي علي حد سواء من إنتاج تلك المشاريع ، مما يعني أن سياسة الدولة في مجال الزراعة المروية قد وجهت ، بالأساس لخدمة مصالح الفئات الاجتماعية التي تتحكم في تأمين مدخلات وخدمة الإنتاج الزراعي بالقطاع المروى ( اكثر من 50% من إجمالي التكلفة تمتصه الوكالات والشركات التجارية العاملة في بيع مستلزمات الإنتاج) فضلا عن سعي الدولة الدؤوب لتهيئة افضل الظروف لذات الفئات الاجتماعية التي تمثلها لمواصلة امتصاص فائض عمل الفئات المنتجة من خلال أحكام قبضتها علي كافة آليات التداول الزراعية. وفي الوقت الذي تقوم به الدول المتقدمة بالتخطيط.لأنتاجهاالزراعي، وفقا لمصالحها يتبع.. |
وتوجهاتها الاقتصادية ، بما في ذلك من دعم لمزارعيها وتحفيزهم للمزيد من الإنتاج ، فان الدولة السودانية ، علي النقيض من ذلك ، تتخلى بالكامل عن مزارعيها ، وترتضي تبني سياسة تحرير الأسعار ، فترفع الدعم عن جميع مدخلات الإنتاج الزراعي ، وتترك تحديد الأسعار لآليات السوق وتحكم كبار التجار وشركات القطاع الخاص ( محلية ، أجنبية أو مختلطة) إضافة لما تقدم ، فان إلغاء دور إدارات الخدمات الزراعية بالمشاريع المروية ، واحتلال القطاع الخاص موقع الصدارة في تقديم الخدمات الزراعية عوضا عن تلك الإدارات ، قد ساهم في ارتفاع الخدمات الزراعية عوضا عن تلك الإدارات ، قد ساهم في ارتفاع عناصر التكلفة الخاصة بعمليات تجهيز الأرض للزراعة ، والعمليات الزراعية وعمليات الحصاد والتي تمثل في المتوسط حوالي 8.4% ، و12.7% و14.1% علي التوالي من مجمل التكلفة الكلية لزراعة فدان القطن الزهرة بركات بمشروع الجزيرة علي سبيل المثال. عامل ثالث ساهم في ارتفاع التكلفة كذلك ، تمثل في دخول محفظة للبنوك في مجال تمويل المؤسسات الزراعية بعد أن كانت تمول مباشرة عبر بنك السودان ، من خلال منح القروض للمؤسسات للمؤسسات وفقا لصيغة المرابحة وبيع السلم الإسلاميتين واللتان تجاوزت أرباح البنوك التجارية منهما حوالي 54% علما بان فوائد الشركة الزراعية في فترة الاستعمار لم تتعدى 6% ( ورشة الحصاحيصا مساهمة لاعادة تأهيل مشروع لجزيرة مارس 2003م) . أيضا هناك عامل رابع ساهم في ارتفاع تكلفة الإنتاج وهو خاص بتكلفة رسوم الماء والأرض والخدمات الإدارية الأخرى ( تمثل حوالي 14.4% في المتوسط في مجمل التكلفة الكلية لفدان القطن بمشروع الجزيرة مثلا ) 000 وهذه التكلفة يتم تقييمها دون وضع ضوابط تلائم طبيعة ونوع العنصر المستخدم في العملية الإنتاجية ( في هذه الحالة تحديد عدد الريات اللازمة لرى كل محصول ) . وقد أشارت بعض الدراسات التي تناولت عدم كفاءة وعدالة النظم المرتبطة باسترداد رسوم الماء في المشاريع المروية إلى قيام إدارات وزارة الري والمؤسسات الزراعية باستمرار بتجاوز ميزانياتها بأكثر من 30% مما يعني تحميل المزارعين المستخدمين لمياه الري تكاليف إضافية لا علاقة لها بموضوع الري غير منصفة. وفي ميدان التسويق يتضاءل باستمرار العائد الذى يحصل عليه مزارع الزراعة المروية في تصريف منتجاتهم الزراعية . وهناك نسبة متعاظمة من مزارعي الزراعة المروية ممن لا يحققوا عائدا من محصول القطن أما لعدم زراعته أو لعدم تحقيق إنتاجية تغطي التكلفة التي تصاعدت نتيجة لسياسة الدولة في الميدان الزراعي فضلا عن قلة إلمام المزارعين بتكلفة الإنتاج وسعر البيع ، حيث تقوم إدارات المؤسسات الزراعية بالنيابة عن المزارعين بالصرف علي المبيدات والتحضيرات مع تحميل المزارع لمخاطر العملية الزراعية م تدني الإنتاجية والأسعار إضافة إلى الضرائب المركزية للدولة وضرائب الإنتاج المفروضة من قبل الحكومات الولائية. علاقات الانتاج الرأ سمالية او الزراعة الرأسمالية : نشأت الزراعة الرأسمالية التي يتحكم فيها راس المال في البدايةفي المشاريع القطنية الخاصة على ضفاف النيلين الابيض والازرق بعد ان خصصت لها دولة الحكم الاستعماري كل ما يلزم من ارض ومياه وتمويل موسع في زراعة وانتاج القطن . وفي النصف الثاني من الستينات تفاقمت الصعوبات التي واجهت زراعة القطن في الطلمبات الخصوصية في مجالات التمويل والانتاج والتسويق ، وتدهور الوضع المعيشي للمزارعين بتلك المشاريع مما ادي الي تاميمها وتحويل امر ادارتها والاشراف عليها لمؤسسة الاصلاح الزراعي وقد اقتصر التأميم في ذلك الوقت علي المشروعات الكبيرة والمتوسطة الحجم ولم يشمل الطلمبات قليلة العدد وصغيرة الحجم . وانتشرت الزراعة الرأسمالية بعد ذلك لتشمل المزارع الحديثة في الاراضي النيلية الواقعة بالقرب من المدن الرئيسية خاصة العاصمة المثلثة المتخصصة في انتاج الالبان والخضر والفواكه وتربية الدواجن وتسمين وتربية المواشي بهدف سد احتياجات سكان المدن من تلك المواد الغذائية وللتصدير كذلك. كذلك تتجلي سيادة علاقات الانتاج الرأسمالي الخالص في مناطق الزراعة المطرية الالية التي يسرت فيها الدولة حيازة اراضيها في مساحات شاسعة لقلة من اصحاب المشاريع ممن لا يعملون بالزراعة في الحقيقة وأتاحت لهم التمويل للتزود بالالات والمعدات بهدف التخصص في زراعة الذرة والسمسم وعباد الشمس …………الخ. في الوقت الحالي توقفت الطلمبات الصغيرة عن زراعة القطن واقبلت علي زراعة الحبوب الغذائية ( قمح وذرة) والخضروات في مساحات ضئيلة الا انها ما زالت تعتمد في ممارسة العملية الانتاجية علي استخدام الالات الحديثة كالجرارات في بعض العمليات الزراعية (الحراثة ) وتشغيل العمالة اليدوية باجر في انجاز معظم العمليات الزراعية . وترتكز المزارع التجارية الحديثة علي الاراضي النيلية علي مساحات محدودة في الماضي الا ان سقفها الاعلي قفز الي ما يربو *** مخصصة لكل مشروع تتراوح ما بين 20 الي 200 فدان، وغالبا ما تكون حيازة الارض في مشروع ما خليطا من الملكية الخاصة والملكية الحكومية وتتفاوت نسبة نوعية الملكية حسب اقدمية الاستثمار حيث تكون الافضلية للملكية الخاصة في حالة المشاريع القديمة مقارنة في هذا النوع من المشروعات بالاستثمارات الجديدة وعادة ما يلجأ ملاك الزراعة الرأسمالية المروية في هذا النوع من المشروعات الي استخدام وسائل الانتاج الحديثة حسب قدرة صاحب المشروع علي استقطاب التمويل من البنوك لتأمين الطلمبات للري والتراكتورات للحرث والتسريب والمبيدات الحشرية والاسمدة بمختلف انواعها والالات والمعدات الحديثة لحليب الابقار او للتفريخ والاعلاف الصناعية لتربية وتسمين الماشية والبذور المحسنة لانتاج المحاصيل بانواعها المختلفة والخضروات والفواكه والبقوليات والاعلاف …الخ. وتفوق انتاجية هذا النوع عن فدان في التصديقات الحديثة لراس المال الخاص ( الاجنبي والمختلط ) من المشاريع انتاجية مشاريع الزراعة الالية والمطرية بسبب خصوبة التربة والاعتماد علي الري الصناعي والاستفادة من استخدام الاسمدة والمبيدات والبذور المحسنة والانتاجية الاعلي للعامل الزراعي خاصة وان كل العمليات الزراعية يقوم بها العمال الزراعيون مقابل اجور ضئيلة لا تفي بضروريات الحياة. اما الزراعة المطرية الالية فقد فاق ايقاع التوسع فيها علي مدي ما يقرب من الستين عاما ايقاع التمدد في مجالي المشاريع القطنية الخصوصية والمشروعات المروية حول المدن. وقد بلغ اجمالي المساحة المخصصة لهذا النوع من الاستثمار لموسم 2003/2004م وفقا للاحصائيات الرسمية لوزارة الاقتصاد الزراعي بوزارة الزراعة حوالي…**… مليون فدان تم التصرف فيها بواسطة الدولة لصالح فئة قليلة من المستثمرين بما في ذلك الافراد واصحاب الشركات الصغري والكبري أي ان حوالي …**%… من مجمل المساحة المخصصة لزراعة المحاصيل النباتية بالبلاد قد وضع تحت تصرف مجموعة محدودة للغاية من مجموع العاملين بزراعة البلاد . هذا ان جاز لنا معاملة مثل هؤلاء المستثمرين اسوة بمن يحق التعامل معهم كمنتجين فعليين اذ ان اوجه الشبه بين الفئتين تكاد تكون معدومة … اضافة لذلك يلاحظ ان هناك ( نخبة ) تكونت من باطن تلك المجموعة من المستثمرين ومن خارجهم وقد تميزت تلك النخبة وانفردت عن غيرها من اصحاب المشاريع بالتجميع الهائل للارض ( نسبة عالية من الاراضي المخصصة للافراد – الشركات – قطاع الزراعة المطرية الالية وبالتركيز المتنامي لوسائل الانتاج الاخري وبالسيطرة المتزايدة علي الاعمال التجارية وخدمات التسويق لمحاصيل الذرة والسمسم وعباد الشمس، ويمكن القول ان الجزء الاعظم من الدخول المتحققة من حوالي 40.4% من جملة انتاج الحبوب الغذائية (الذرة اساسا ) وحوالي 15.8%من اجمالي البلاد للحبوب الزيتية ( السمسم وعباد الشمس) للفترة 89/ 90- 2003/2004 ( والنسبتين تمثلان متوسط مساهمة القطاع المطري الالي من جملة انتاج القطاع الزراعي السوداني للفترة المذكورة لهاتين المجموعتين من المنتجات الزراعية المشار اليها ) يذهب لصالح عدد محدود من الشركات الخاصة علي حساب مئات الالاف من العمال الزراعيين الذين فرض عليهم العمل باجر في مجال الزراعة المطرية الالية بعد ان حرمهم ( نهب) الزراعة المطرية الالية من سبل كسب عيشهم في الزراعة التقليدية وكذلك من تبقي من صغار المنتجين الذين يتواصل افقارهم من خلال اخضاعهم لاساليب استغلالية متنوعة وفق شروط مجحفة عند التعامل مع شركات كبار اصحاب مشاريع الزراعة المطرية الالية في مجالات الخدمات الالية ( الحراثة والحصاد) والتمويلية والتسويقية يتبع.. |
ويمكن النظر للتطور الذي طرأ علي تكوين الزراعة الآلية المطرية الرأسمالية في ثلاثة فترات رئيسية اعتمادا علي الشكل الذي اتخذه ذلك التطور ومعدل نموه، ونوع وأشكال الدعم الذي تلقته الفئات الاجتماعية المنتفعة من استثمار مشاريع الزراعة المطرية الآلية في الدولة ورأس المال الأجنبي.
تميزت الفترة الأولى والتي امتدت من عام 1942 وحتى عام 1961م بقيام الدولة بجلب المعدات الزراعية ، وبإجراء المسوح واستصلاح ونظافة الأراضي والتجارب الأولية، ووضع الإطار التشريعي الذي قضي بتكون لجان من مشائخ الإدارة الأهلية لتخصيص المشاريع ذات الألف فدان للأفراد بموجب عقد إيجار للأرض، مما أدى إلى نشوء فئة من بين تجار العيوش وزعماء العشائر، وحدث في الجمع بين النشاط التجاري وانتاج الذرة – الاستغلال الربوى علي وجه الخصوص – من خلال الحصول علي الامتيازات الجديدة ، فرصة سانحة لنمو الثروة وتجميعها. ولقد شهدت تلك الفترة ، خاصة ما بين أواسط الخمسينات وحتى نهايتها ، نموا متعاظما وقوة مالية متزايدة للمنتفعين بالمشاريع الزراعية المطرية الآلية من كبار التجار ورجالات الإدارة الأهلية وتمكن رأس المال التجاري من اختراق مجال إنتاج الذرة وفق أسس رأسمالية دون أن تواجهه صعوبات في شكل المكية الفردية للأرض تثقل كاهله بدفع ربح مطلق لها، نظير الحصول علي حق الانتفاع بها، وبفضل المساعدة الحزبية السافرة التي قدمتها له حكومات ما بعد الاستقلال ، والتسهيلات الائتمانية التي وفرتها له البنوك التجارية في شكل سلفيات التخزين ، والخدمات التي يسرتها له شركات الاستيراد الأجنبية في صورة معدات زراعية وفق شروط مجزية . ورغم أن قانون توزيع مشاريع الزراعة المطرية الآلية قد نص علي إلا يتعدى حق الانتفاع بالأرض للمستثمر المصدر اكثر من مشروع واحد كحد أقصى إلا أن الاتفاقية الزراعية لم تحول دون تصرف الحاصلين علي تصاد يق الاستثمار إذا ما رغبوا في نقل حق الانتفاع بالأرض لافرد آخرين من خلال التنازل أو التوكيل 000الخ ونتج عن ذلك تركز غالبية المشاريع في أيدي قلة من الأثرياء واصحاب القدرة المادية علي الاستثمار ، والمحتكرين لأساطيل من الجرارات والمعدات الزراعية الأخرى 0000 وكثرت مظاهر تحامل كبار المنتفعين بالأرض علي أحكام قانون الإيجار، فأباحوا لانفسهم حق تحويل الانتفاع بالمشاريع لمستثمرين أو لمنتفعين آخرين، باعتماد مختلف الأساليب اعتمادا علي نوعية كل من المنتفع بالتصديق، والمستثمر، والعلاقة فيما بينهما، وقدرة المنتفع علي المساهمة في تمويل المشروع 000الخ وتبعا لتلك العوامل، فقد يقوم المستثمر بدفع أجرة ثابتة لصاحب التصديق يحددها سوق الأرض، ويصبح بذلك المنتفع الحقيقي بالتصديق أو قد تأخذ العلاقة شكل الشراكة بين المستثمر والمنتفع أو تقديم بعض الخدمات الزراعية الآلية نظير اجر محدد، أو رشوة صاحب التصديق بتحويل فائض إنتاج المحصول لمنفعته لضمان ابتزازه والحصول منه علي الامتيازات التي يؤهله موقعه لتقديمها، رغم أن مثل هذه العلاقة الأخيرة لم يتم التعبير عنها بوضوح، ولم تتخذ شكلها المتكامل والمتسع إلا خلال المرحلة الحالية والأخيرة من تطور الزراعة المطرية الآلية . ولم تقف عملية الانتفاع بالأراضي المطرية في تلك الفترة عند حد الأراضي التي خطط فتحها وتعميرها، بل امتدت لتشمل الأراضي خارج التخطيط، والتي كان التصرف فيها خاضعا لسلطات المجالس الريفية، بل أن الإدارة الأهلية بما لها من سلطة ونفوذ علي أجهزة الحكم المحلي لم تكن لتتقييد بنصوص تشريعات تعني بالجوانب الفنية الخاصة بإعداد ومسح وتحديد الأرض وفقا لاسس زراعية سليمة تحد من رغبتها في تجميع الثروة، فأقدمت علي توزيع المشاريع علي الراغبين مستخدمة في ذلك شتي الأساليب دونما اعتبار لما قد ينجم عن ذلك من خلل في شقي الإنتاج النباتي والحيواني، وما يترتب عليه من تجاهل لحركة لقبائل الرعوية، ومن استغلال مخل لموارد البلاد الطبيعية. ونتج عن ذلك تزايد الأراضي المستثمرة خارج التخطيط بالمقارنة مع لمشاريع المصدقة داخل التخطيط، مما زاد من إمكانية الحصول علي ريع الأرض نيابة عن الدولة ومن دون علمها بطرق غير مشروعة وبالتالي تجميع الثروة لدى القلة المقتدرة من المنتفعين بالمشاريع . ويلاحظ أن المجموعات الاجتماعية لتي انتفعت اكثر من غيرها من استثمار الارض والعمل الأجير في مجال الزراعة المطرية الآلية في مرحلتها الأولى تشكلت في الأسس من كبار التجار المتحكمين بتجارة الحبوب الغذائية، والعديد من زعماء العشائر ورجالات الإدارة الاهلية وقلة من قيادات الأحزاب التقليدية، ولم يكن هناك وجود واضح للفئات الاجتماعية العاملة بجهاز الدولة البيروقراطي. وشهدت بداية الفترة الثانية (1961-1968-1971) مزيدا من الانتشار الأفقي للرأسمالية الزراعية السودانية في القطاع المطري الآلي، حيث اتسع المال ليشمل مشاريع جديدة في منطقة أقدى والقرابين، إضافة إلى مشاريع القضارف والدالي والمزموم، غير أن وتيرة نمو الرأسمالية الزراعية في ذلك الحين اتسمت بالركود السبي، ولم تكن مساوية لتلك التي تحققت في الفترة الأولى، بسبب عدة عوامل كان من أهمها معارضة الحركة الديمقراطية المتسعة والقوية للسياسات الزراعية لحكومات الأحزاب التقليدية تجاه ذلك القطاع، والتي كانت ترمي لتوسيع مجال ذلك الاستثمار بحسبانه مجالا سريع العائد، دونما اعتبار لما يترتب علي ذلك من إهدار لطاقات البلاد البشرية، وتبديد لمواردها الطبيعية ، وهبوط الطلب علي المعدات الزراعية المستوردة، ونقص الاسبيرات اللازمة لتشغيل الآليات والمعدات الزراعية المتوفرة وقتها، نتيجة الشح المتعاظم لموارد البلاد من النقد الأجنبي. سمة أخري مميزة لتلك الفترة أيضا، خاصة في نهايتها، تمثلت في دخول رأس المال الأجنبي من خلال الدعوة التي وجهتها الدولة آنذاك للبنك الدولي للإنشاء والتعمير، الذي عمل علي تأسيس هيئة الزراعة الآلية في عام 168م، وقام برسم الخطوط العريضة للسياسة الزراعية للهيئة لتوفير الشروط الموضوعية التي تضع خدمات الجهات الحكومية ذات الصلة بقطاع الزراعة المطرية الآلية، وتوجيه القروض المقدمة في شكل الآلات زراعية ومعدات وسلفيات لنظافة الأشجار لخدمة الاستثمار الفردى، وساهم تطبيق تلك السياسة في إنعاش الرأسمالية الزراعية في مجال الزراعة المطرية الآلية في نهاية الفترة الثانية من تطورها، بعد أن خمدت جذوتها في بداية ذلك العقد، وترتب علي ذلك تثبيت وتقوية مواقع قدامي الرأسماليين في مناطق مثل أم صفورة، وأم بلبل وأم سينات بإقليم القضارف، وتحضير تجار جدد لدخول المجال بالمناطق الجديدة التي تمت تنميتها وتعميرها بذات الإقليم وإقدام تجار آخرين بصحبة أبناء الجيل الثاني من بيوتات الإدارة الأهلية لتوسيع الامتداد الأفقي للرأسمالية الزراعية في منطق جديدة مثل منطقة هبيلا بجنوب كردفان. إضافة إلى ضم بعض القدامى من أصحاب المشاريع الخصوصية للقطن وتمكينهم من تعويض ما فقدوا من مواقع في استثمار القطن استيعابهم في مجال إنتاج وتجارة الحبوب في مختلف أقاليم الزراعة المطرية الآلية. أما الفترة الثالثة والأخيرة فقد امتدت منذ بداية السبعينات وحتى الوقت الحالي وشهدت قفزات سريعة ومتواصلة في عملية التوسع الرأسمالي. ويمكن تقسيم هذه الفترة إلى مرحلتين، المرحلة الأولى بدأت بعد تعديل الخطة الخمسية في عهد مايو وبالتحديد بعد موسم 73/74 حيث قامت الدولة بتوجيه قروض البنك الدولي للإنشاء والتعمير وتسهيلات البنك الزراعي السوداني وخدمات مؤسسة الزراعة الآلية والمؤسسات الفرعية التابعة لها لتلبية احتياجات القطاع الخاص في مجال الزراعة المطرية الآلية ولارضاء تطلعات الفئات البيروقراطية للإثراء السريع ضمانا لولائها للنظام الحاكم، ولتسخير مؤهلاتها لدعم التوجه الرأسمالي وفق أسس حديثة. وتوضح كشوفات تخصيص مشاريع الزراعة المطرية الآلية في مختلف الأقاليم نمو مواقع ونفوذ الفئات البيروقراطية وتزايد انتفاعهم بالامتيازات الممنوحة من قبل الدولة وراس المال الأجنبي حيث بلغت نسبتهم في بعض المناطق اكثر من خُمس مجموع المنتفعين المكونين من كبار التجار وقدامي أصحاب رخص مشاريع القطن الخصوصية ورجالات الإدارة الأهلية، ومن بين هؤلاء كان يوجد من لا زال يحتفظ بموقعه داخل السلطة السياسية في ذلك الوقت، ومن دخل إليها وخرج منها ومن انتفع بصلات القربي والتودد بالسلطة، والعديد من رجالات الدين والطرق الصوفية. أيضا قامت الدولة في تلك المرحلة من الفترة الثالثة بوضع قانون تشجيع الاستثمار الزراعي الذي جعل من قطاع الدولة مجالا يقدم المزيد من الامتيازات والإعفاءات لاثراء الفئات الرأسمالية مما أدى الي تزايد عملية استقطاب الثروة وبروز فئة من كبار الماليين الذين ازدادوا إثراء ونفوذا داخل وخارج مجموعة أصحاب المشاريع ذات الألف والألف وخمسمائة فدان وزاد من فرص تحالف بعض فئات الرأسمالية المحلية مع الشركات الأجنبية المتعددة الجنسيات لتعزيز مصالحهما المشتركة فرص نماء الزراعة المطرية الآلية وفق أسس رأسمالية . وتوضح المعلومات المتوفرة عن تخصيص الأراضي الزراعية لفرص الاستثمار الزراعي المطري الآلي أن الدولة في عهد مايو قد قامت بمنح حوالي عشرين شركة من كبريات الشركات الزراعية الخاصة وفي فترة أربعة سنوات فقط في ذلك الوقت حوالي 2 مليون فدان. وبلغت تلك المساحة في ذلك الوقت تقريبا كل ما تم تخصيصه لمشاريع الزراعة المطرية الآلية طوال الفترة الممتدة منذ عام 1956 وحتى عام 1969م أي بدءا بالاستقلال ومرورا بفترة الحكم العسكري الأول وفترة ثورة أكتوبر وما بعدها وحتى بداية حكم مايو في أواخر الستينات. فوق ذلك شكلت ثلث المساحة ما قل قليلا عن ثلث مجمل المساحات المزروعة بكافة أقاليم الزراعة المطرية الآلية للموسم 83/84م والتي شملت الأراضي داخل وخارج التخطيط وحوالي 12,5% من مجمل المساحة المزروعة بالمحاصيل النباتية علي نطاق القطر. وقد أعطى قانون تشجيع الاستثمار الزراعي لعام 1980م الحق لقلة من كبار الرأسماليين من بين ثلاثة آلاف مستثمر فردي بالتقريب في مجال الزراعة المطرية الآلية في ذلك الوقت (حوالي اثنين من مائة بالمائة من مجمل سكان السودان) للتحكم في تشغيل الآلات و المعدات الزراعية التابعة للقطاع المطري الآلي وفي استثمار اليد العاملة الأجيرة المستخدمة في ذات المجال وفي إنتاج وتسويق اكثر من عشر إنتاج البلاد من الذرة والحبوب الزيتية . ومن مفارقات قانون تشجيع الاستثمار الزراعي الخاص لسنة 1980 انه قد منح التصديق وما لحق به من امتيازات وإعفاءات لأغراض قد تكون غير منتجة رغم استهداف القانون بتشجيع الاستثمار وفق أسس رأسمالية، إذ أن معظم الذين حصلوا علي امتياز الشركات الزراعية الكبرى قاموا باستخدام الامتيازات والإعفاءات الممنوحة لهم كوسيلة للإثراء السريع بأشكال طفيلية متنوعة مثال ذلك :- استيراد السلع والبضائع وكأنها تمثل جزءا من مكونات الشركة الزراعية الكبرى، كما تم التصديق عليها و فق المواصفات التي تنطبق عليها شروط التصديق تم بيع تلك السلع والبضائع في السوق المحلي وجنى الأرباح الطائلة من وراء ذلك، أو استخدام الامتياز الممنوح للتعامل مع الشركات الأجنبية عن طريق الوكالة، أو إبرام عقود اتفاق مع الشركات الأجنبية بواسطة شركات استثمارية محلية تخصصت في القيام بدور السمسرة في تصديق البضائع الكاسدة لتلك الشركات في السوق المحلي، أيضا ثم اقتسام الأرباح بالطريقة التي يتم الاتفاق عليها أو بتنظيم صفقات تجارية بالمقايضة مع نفس الاحتكارات للقيام بتصدير منتجات من الحاصلات الزراعية للبلاد لتعامل وكأنما هي منتجات للمشروع الوهمي بينما هي في حقيقة الأمر سلعا تخص صغار المنتجين بالقطاع المعيشي يتم تجميعها منهم بأساليب استغلالية بشعة، ويستخدم عائد المقايضة بعد ذلك في جلب السلع البذخية أو الآليات والمعدات التي تدر العائد المجزي والسريع كالشاحنات التي تقوم بنقل مواد الإغاثة مثلا، هذا إذا لم يتم تهريب تلك الصادرات الي دول الجوار كما يتضح مثلا من النظر إلى إحصائيات صادرات السودان من المواشي للسعودية ، وواردات السعودية لنفس السلع في السودان000 وهكذا0000 يتبع.. |
ومما يؤكد ما ذهبنا إليه في الأمثلة الواردة أعلاه المفارقة الواضحة بين مكونات دراسات الجدوى للمشاريع المصدقة ومعدلات تنفيذ الاستثمارات بتلك المشروعات ، إذ ليس هناك ما يلزم أصحاب الشركات الكبرى بالتقييد بإنجاز تلك الاستثمارات في فترة زمنية محددة ، ووفق جدول زمني متفق عليه مسبقا مع الجهات المعنية ، بعد الحصول علي حق الانتفاع بالمشروع وما تبعه من مزايا ، خاصة وان قطاع الدولة حتى بشكله البيروقراطي قد اصبح مقعدا بعد أن تم تجريده من كل القدرات والإمكانيات التي تؤهله للقيام ولو بدور الرقابة الإدارية فقط ، ناهيك عن الاستقلالية في اتخاذ القرارات وفق مقتضيات الصالح العام.
وفي المرحلة الثانية من الفترة الثالثة والأخيرة قامت حكومة الإنقاذ بتكرار ذات السياسات الزراعية التي أقعدت القطاع المطري الآلي عن القيام بدوره في تأمين الاحتياجات الغذائية الضرورية لسكان البلاد وصيانة الموارد الطبيعية ( الموارد المائية ، الثروة الحيوانية والمراعي ، الغابات ) من خلال الاستخدام المتوارث والمتكامل الإمكانات المتاحة 000 وواصلت حكومة الجبهة سياسة الاستيلاء علي الأرض التي تبنتها الحكومات السابقة مستعينة علي ذلك باتخاذ سلسلة من التدابير والتي شملت إصدار قانون تشجيع الاستثمار لسنة 1990م وتعديل قانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970 بقانون المعاملات المدنية لعام 1990م ، مما لم يغير من طبيعة علاقات الدولة بملكية الأراضي بل زاد في امتيازات الدولة والأفراد المرتبطين بها علي حساب مواطني الأقاليم 0000 وقد ورد في دراسة قام بأعدادها جمال واخرون حول حقوق الأراضي والموارد الطبيعية واصلاح الأراضي .أن الهيئة العامة للاستثمار التي أنشئت بموجب قانون تشجيع الاستثمار لعام 1990 قد خصصت في إطار البرنامج الثلاثي للإنقاذ الاقتصادي (1990-1993م) " ملايين الافدنة الزراعية في مناطق كردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق والنيل الأبيض واعالي النيل " علي شركات وأفراد وخليط من " أنصار الحكومة وكوادر الجبهة والإسلاميين العرب" مما مثل تجاوزا لكل الحقوق التاريخية للقبائل الزراعية والرعوية " التي كانت تستخدم تلك الأراضي لكسب قوتها . وبناء علي تعديلات قانون المعاملات المدنية حرم علي الجهاز القضائي النظر في الشكاوى المقدمة من قبل الأطراف المتضررة من تلك القبائل ، بينما تم تعزيز القدرات الاحتكارية للمستثمرين الجدد بإزالة كل العقبات الإدارية والقانونية والاقتصادية من طريقهم لتمكينهم من الانطلاق في نهب خيرات القطاع التقليدي من خلال الاتجار بمنتجاته ذات الميزة النسبية المرتفعة مقارنة ببقية الفروع الزراعية ( تجارة الفحم النباتي ، الثروة الحيوانية ، الصمغ العربي ، الحبوب الزيتية 000 الخ) كذلك انتقلت عدوى التوسيع في الزراعة المطرية الآلية إلى دار فور ، حيث أشار الدكتور محمد سليمان في مؤلفه بعنوان " دار فور" حول الموارد والهوية بان حكومة الإنقاذ قد منحت ، حتى أبريل 1993م حوالي 3.5 مليون فدان في جنوب دار فور لشخصيات من كبار التجار ، وشخصيات عامة ، وكبار ضباط القوات المسلحة ( تحتوى قائمة المشاريع المصدق بها 434 اسما كما ورد بصحيفة الإنقاذ الوطني بتاريخ 20 أبريل 1993م). وقد تراوحت المساحات المصدق بها لتلك الشخصيات ما بين 45 ألف فدان كحد ادني إلى 600 ألف فدان كحد أقصى ، أي ضعف مساحة مشروع الرهد الزراعي. ومما يثير الدهشة أن تلك المشاريع قد فتحت بابا جديدا للاستيلاء الاعتباطي علي أراضى السكان المحليين رغم تنبيه المؤتمر التداولي لإقليم دار فور الذي عقد قبل ثلاثة سنوات تقريبا من مجيء حكومة " الإنقاذ" بتاريخ 26 نوفمبر 1986م بقاعة الصداقة بالخرطوم تحت شعار " نحو تنمية إقليمية متوازنة " لخطورة مثل هذا التوسع ، وإصداره توجيها لوضع ضوابط لممارسة الزراعة المطرية ، خاصة الآلية ، بالإقليم ، ومنع لإبادة الكاملة للغطاء النباتي ، وربما للزراعة الإعاشية كما هو الحال في شرق السودان . وبدلا من الالتزام بهذا التوجيه لجأ العهد الجديد إلى تيسير الحيازة للمشاريع الزراعية شبه الآلية في حزام مشروع غرب السافنا الذي يعتبر أحد اكبر مشاريع التنمية الريفية في أفريقيا حيث تبلغ مساحته 135 ألف كم مربع في ولاية جنوب دار فور ويغطي منطقة يقدر عدد سكانها ( بحوالي) بأكثر من 2 مليون نسمة ( الإنقاذ الوطني ، 25 يوليو 1994م )........... وإذا ما اتيحت الفرصة لتلك المشاريع المصدقة بالتزود بالمعدات وسمح لها بالتشغيل الآلي ، فان إشارة مجلس الوزراء بمشروع غرب السافنا لن تكون إلا عبارة عن مباركة مضللة ومستترة للسياسة المنحازة للمشروع شبه الآلي الكبير علي حساب نظم استخدام الأراضي التقليدية السائدة في إقليم السافنا فضلا عن أنها تعبر عن استهانة حقيقية بالعواقب الوخيمة الناجمة عن تجاهل حقوق السكان المحليين ، إذ أن ما يحدث الآن من نزاعات دامية في إقليم دارفور يعود في اصله إلى حرمان المزارعين من حيازتهم التقليدية ، والرعاة في مساراتهم التي ارتادوها عبر الزمن. كما يتضح من النسب المئوية الواردة بالجدول رقم ( ) فان القطاع المطري الآلي قد ارتفعت مساهمته في مجمل المساحة المزروعة بالغلال والحبوب الزيتية في القطاع الزراعي من 25.9% في المتوسط في الفترة منذ بداية السبعينات وحتى أواسط الثمانينات إلى 39.8% في المتوسط للفترة من 89/90 حتى 2003 – 2004م ( بزيادة قدرها 14% في المتوسط ) بينما زادت مساهمته في مجمل الإنتاج بين نفس الفترتين بنسبة 8% في المتوسط من 26.8% إلى 34.9%) أما مساهمة القطاع المطري الآلي من ناحية القيمة لمنتجاته في إجمالي الناتج المحلي للقطاع الزراعي بأنها تأتي في المؤخرة مقارنة بالفروع الزراعية الأخرى ، إذ أنها بلغت حوالي 2.4% فقط في المتوسط للفترة 90/91 – 2001/2002م ( انظر الملحق) كذلك توضح الأرقام المعروضة بالجدول رقم ( ) ضألة المساحات المستثمرة بالمقارنة مع المساحات المخصصة للاستثمار للشركات الزراعية الكبرى مما يزيد من قناعتنا بأن الرأسمالية الزراعية التي ترعرعت علي عهد مايو وشبت عن الطوق علي عهد حكومة الإنقاذ لا تملك الرغبة ولا تتسم بالجدية التي قد تعطي حتى أشرس المدافعين عنها ، حق تزكيتها للمساهمة ولو بقدر ضئيل في زيادة الإنتاج الزراعي المطري الآلي ، ومن ثم الإنتاج الزراعي والقومي 0000 ناهيك عن توزيع واعادة توزيع عائدات الإنتاج ، وهو الدور الذي لا يهتم نموذج الإنتاج الرأسمالي التابع أصلا لتحقيقه حيثما كان وأينما وجد . يتبع.. |
ومع تزايد تمركز أراضى مشاريع الزراعة المطرية الآلية والآلات والمعدات الزراعية ووسائل النقل وتأجير اليد العاملة 000الخ في أيدي فئة قليلة العدد من كبار أصحاب المشاريع والشركات الرأسمالية الزراعية الكبيرة والصغيرة ، المتخصصة والمختلطة ، لم تعد الحيازة علي المشروع التي تتراوح مساحته ما بين 250 إلى 1500 فدان ، وحدها بكافية لاعطاء صفة الرأسمالية الزراعية لبعض من يحوز علي التصديق ، خاصة إذا عجز مثل ذلك الحائز عن تأمين الحد الأدنى من الآلات والمعدات الزراعية اللازمة لإنجاز عمليتي الزراعة والحصاد / بما يقوده إلى اللجوء لمحتكري الجرارات والحاصدات لتوفير خدمات الزراعة والحصاد ، ولكبار التجار ( أو البنوك التجارية ) كتأمين الاحتياجات العينية – ولربما النقدية – لليد العاملة الأجيرة المستثمرة في العمليات الزراعية الأخرى بشروط مجحفة ، ثم إلى ملاك الشاحنات وعربات النقل لترحيل ما قد يحصل عليه من إنتاج إلى مراكز التسويق أو مواقع سداد الديون المتعاقد عليها000 وترتب علي كل ذلك انتقال الجزء الغالب من الأشكال المتعددة لفائض القيمة المتحقق من العملية الاستثمارية من تلك الفئة من أصحاب المشاريع العاجزة عن استغلال الحيازة الممنوحة، إلى أيدي الفئات المسيطرة علي أساطيل الجرارات والمعدات التابعة لها والشاحنات ، والقادرة علي توفير التمويل اللازم لإجراء مختلف العمليات الزراعية ، مما زاد من تراكم المديونية علي الفئة الأولى للثانية في نفس الوقت الذي تجمعت فيه كل خيوط رأس المال التجاري والزراعة التجارية بمساعدة العمل الأجير لمصلحة الفئة الأخيرة والتي تمكنت من خلال تشابك مصالحها مع مصالح رأس المال الأجنبي وتحالفها الوثيق مع فئة البيروقراطية العسكرية والمدنية داخل وخارج السلطة من تأسيس الشركات الزراعية الرأسمالية الكبيرة لدمج الأعمال التجارية مع المشاريع الزراعية 0000 ولم تقف عملية استقطاب الثروة لدى كبار الرأسماليين عند حد التحكم في استخدام وتقديم خدمات الآليات الزراعية ، واستغلال العمال الزراعيين وعمال اليومية ومن ثم ابتلاع المشاريع التي يعجز أصحابها عن استثمارها ، وانما امتدت لتجعل من التجميع الهائل للأرض في ايديهامجالا خصبا للمضاربة بحق الانتفاع بها، فاقدمت علي بيع ذلك الحق او تاجير الارض في حيازات صغيرة احيانا لسنتين او لألكثر، للراغبين في الاستثمالر ثم في الحصول علي التصديق من لجان تخصيص الاراضي الولائية ، أو الذين لا تسمح لهم امكانياتهم المالية بمقابلة تكلفة الارض الجديدة، أوللبتجارة الفحم وحطب الحريق او للهاربين من عاملين علي التصديق من لجان تخصيص الأراضي الولائية ، أو للذين لا تسمح لهم إمكانياتهم المالية بمقابلة تكلفة تنمية الأرض الجديدة ، أو للعاملين بتجارة الفحم النباتي وحطب الحريق ، أو للهاربين من نير الاضطهاد السياسي من دول الجوار . من ناحية أخري ، لجأت ذات الفئة للاستيلاء علي مساحات علي مساحات إضافية واسعة من افضل الأراضي الزراعية خارج التخطيط من خلال التعامل مع شيوخ القرى أو بالاتفاق مع سلطات الحكم المحلي ، دون أن تقوم الأخيرة بتخطيط تلك الأراضي أو بوضع حد ادني من الضوابط يسهم ولو بقدر ضئيل في ترشيد ل استغلال ثروات البلاد الطبيعية كل ذلك بغرض خفض ايجار الارض الاسمي الذي
يتبع.. |
| الساعة الآن 10:24 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.