سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   اسمها بسمة..!(رسائل إليها .. وإليها وحدها) (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=39084)

imported_أحمد أمين أحمد محمد 06-01-2008 08:08 PM

اسمها بسمة..!(رسائل إليها .. وإليها وحدها)- الرسالة الثالثة
 
تمهيد :
كنت قد بدأت منذ فترة لا باس بها بوستا ً أنشر فيه بعض الخطابات الخاصة لأناس طالما أحببت أن أكتب لهم .. وطبعا ً لأنني لم أنجح في إكمال عمل في حياتي كلها ، لم أكمل البوست ..المشكلة هي أنني كسول بطبعي وشديد الملل ، لهذا توقع لي الكثيرين بالفشل والضياع في حياتي .. مدرس اللغة العربية في المرسة - عندما كنت في الصف السادس الإبتدائي - تنبأ لي بأن تكون نهايتي مدمن مخدرات أو قاتل مأجور على أقل تقدير.. حسنا ً ، لم أنتهي إلى النهاية التي توقعونها لي ، ولكنني لا زلت صغيرا ً ولايزال الوقت أمامي لكي أصير ذلك الوغد الزنيم الذي يتوقع الكل أن أصيره..
المهم .. المشكلة الحقيقية التي كانت وراء عزوفي عن إكمال العمل هو الخطاب الثاني .. ذلك الموجه لذلك الكائن الأسطوري الذي تغلغل في كل ركن في حياتي : بسمة ..
لا يمكنك إزالة أي غبار من فوق أنقاض ذاكرتي أو من فوق جدران قلبي المتعب دون أن ترى اسمها هناك !!
لقد اعتراني الخوف يا رفاق !
الخوف من أن أعيش ذلك المحيط الهائج من العواطف العاصفة مرة أخرى.. الشيء الذي لن أحتمله بأية حال من الأحوال ..
لذا توقفت...
نعم أنا جبان .. أنا أول من يعترف بهذا ..
لكني عدت الآن لأكمل ما بدأت .. هذا الخطاب على الأقل ...
السبب وراء هذه الشجاعة المفاجئة هي شخصيتان عزيزتان على قلبي جدا ً :
بسملة الرقيقة ..
و deer الفاتنة ..
الأولى ألحت علي كثيرا ً أن أنشر الحكاية كلها لأن التشويق قد قتلها كما قالت..
أما الثانية ، فقد أقنعتني - بعد أن قالت لي (أنت مجنون) حوالي 5464 مرة - أن أتكل على الله وأنشرها ، علي ّ أنسى هذه الحكاية الأليمة ..
على كل .. هأنذا أنشرها والله يستر ..
فقط انتظروا حتى أقوم ببعض التعديلات البسيطة على العمل ، وسموف تجدوني بينكم هنا كالكابوس ..
أرجو فقط أن يستطيع أحدكم بعد أن يقرأ حكايتي معها أن يتوصل لسبيل لمعالجتي واعادة عقلي الضائع منذ قرون إلى رأسي ..
فقط انتظروا ....

معتصم الطاهر 06-01-2008 10:08 PM

أحمد أمين .. يا حرف السين ..
مرحب بعودتك
و طبعا شطبناك من قائمة البكاءيين .. لقائمة الشكايين

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد أمين أحمد محمد (المشاركة 86236)
تمهيد : وطبعا ً لأنني لم أنجح في إكمال عمل في حياتي كلها ، لم أكمل البوست ..

مدرس اللغة العربية في المرسة -

على الأقل كان تكمل كلمة مدرسة ..
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد أمين أحمد محمد (المشاركة 86236)

وسموف تجدوني
....

ولا نعوّض بالميم الزائدة ..
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد أمين أحمد محمد (المشاركة 86236)

فقط انتظروا حتى أقوم ببعض التعديلات البسيطة على العمل ، وسموف تجدوني بينكم هنا كالكابوس ....

ننتظرك !!
2009 ان شاء الله ..


اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد أمين أحمد محمد (المشاركة 86236)


أرجو فقط أن يستطيع أحدكم بعد أن يقرأ حكايتي معها أن يتوصل لسبيل لمعالجتي واعادة عقلي الضائع منذ قرون إلى رأسي .. فقط انتظروا ....

معالجتك ؟ بالله!!!!
جينا نعالج خالد الحاج من ريدة الحبش .. عادانا ...
نحاول نعالجك .. تطّير باقي الفواكه ..

بابكر مخير 07-01-2008 12:40 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد أمين أحمد محمد (المشاركة 86236)

أرجو فقط أن يستطيع أحدكم بعد أن يقرأ حكايتي معها أن يتوصل لسبيل لمعالجتي واعادة عقلي الضائع منذ قرون إلى رأسي ..

حلك الحبيب بسيط
شيل القرون من رأسك وعقلك برجع براهو

أدينا
وإن كان من التمهيد عاديتنا بالكسل وقربنا ننعس
صحينا وصحصحنا
والحقنا بالحكاية

منتظرين

عكــود 07-01-2008 06:12 AM

أحمد أمين،

أتابع دائماً كل ما تكتب . .
ولو لقيت بوست عدد المشاهدين واحد فقط . .
بيكون ده شخصي الشليق.
أتكيّف جداً من طريقة كتابتك الساخرة حتى من نفسك،
يعني الواحد لو عايز يسخر منّك، مافي ليهو طريقة،
لأنّو ما بيكون جاب حاجة ألذع.

أهو . .
ننتظر حكاية بسمة
وأمرنا لله :cool:.

لك التحية يا جميل.

شليل 07-01-2008 06:46 AM

اقتباس:

أتابع دائماً كل ما تكتب . .
ولو لقيت بوست عدد المشاهدين واحد فقط . .
بيكون ده شخصي الشليق.
أحمد أخوي.. أبقى عادًي.. عدد 2 شلاق
كل الأمنيات الطيبة بأن ترتب غرفة روحك.

imported_بسمله 07-01-2008 12:22 PM

:D:D

احمد يا اخى انت احلى زول

شكرا

و فى انتظارك

imported_omrashid 07-01-2008 08:10 PM

اها حنستني لي متين يعني

يلا--الكع ولو ما عرفت المعني امشي لي ناس المصطلحات العاميه

[hide]
لك
[/hide]الود

imported_أحمد أمين أحمد محمد 08-01-2008 06:55 PM

الأصدقاء الأعزاء ..
التالي هو الخطابين الأول والثاني .. الأول هو الذي قمت بنشره من قبل ، والذي كان و لابد من إعادة نشره هنا .. أما الثاني فهو جدييييد لنج .. أرجو أن ينال العمل إعجابكم ، خاصة وأنه هذه المرة عمل له طابع خاص بالنسبة لي ..
خاص جدا ً ...

imported_أحمد أمين أحمد محمد 08-01-2008 06:57 PM

[align=center]الخطاب الأول : البداية ..[/align]

حبيبتي بسمة ..
اغفري لي مخاطبتك بهذا اللقب ، خاصة وأنني لم أقله لك أبدا ً وجها ً لوجه.. لقد حاولت في البداية أن أبدأ خطابي بلقب عزيزتي ،أو صديقتي أو حتى أختي ، ولكني لم أنجح..
وجدت قلمي يخط في تحد ّ كلمة حبيبتي ، متحديا ً كل محاولاتي إختيار نداء آخر ..
اغفري لي أرجوك ، فقلبي هو الذي يكتب إليكي هذه الرسالة لا أنا ..
وهو – ذلك المعتوه - يصر ّ على مخاطبتك بلقب حبيبتي ..
لابد أنك الآن في حيرة من أمرك .. أعرف أنك غلبا ً قفزت إلى آخر الخطاب لتختلسي النظر إلى التوقيع ، فيصدمك – حتما ً – مرأى اسمي هناك .. نعم .. إنه أنا يا ملاكي .. (أحمد) ابن خالك .. صديق طفولتك .. ورفيق مراهقتك ..
(احمد) الذي احبك بكل جوارحه ، وظل كاتما ً حبه داخل صدره المتعب لعشر سنوات كاملة دون أن ينبت ببنت شفة ..
(أحمد) الذي كان يعيش لعقد كامل بسبب في عذاب مقيم لا ينتهي .. هل تدرين كم مرة تمنيت لو أنك متّ لتعود حياتي لهدوءها السابق؟؟!.. نعم انا لا امزح ..
نعم يا بسمة .. أنا (أحمد) .. (أحمد) الذي تمزّق ألف ألف مرّة وهو يراك تزفين إلى غيره ذات ليلة صيف هادئة ..
(أحمد) ..
ترى منذ متى وأنا أحبك..؟؟!
إن روحي تقول منذ الأزل .. منذ فجر التاريخ .. منذ أن إنفجرت أول مجموعة شمسية لتتكون المجرات والكواكب.. كل هذا تهمس به روحي .. ولكن عقلي يلجم جماح قلبي ليقول في حكمة : منذ أن كنّا صغارا ً ..
هل تذكرين لقاءنا السنوي في بيت جدي بالسودان كل صيف .. كنت تحضرين وعائلتك لتمضيان فترة الإجازة في السودان .. كنت أنا بالذات أنتظر قدوم الصيف ، لأجدك أمامي فجأة ، ويبدأ الحلم ..
كنا نلعب مع بعضا البعض – أنا وأنت وبقية أبناء عمومتنا - ألعابا ً لا حصر لها .. المساكة (سك - سك) .. الإستغماية (دسّ - دسّ) .. لعبة الأدغال .. عريس وعروس (كانت هذه المفضلة إليّ بطبيعة الحال).. لعبة صيد السحالي الصغيرة.. لعبة الكرة .. تسلق الأشجار .. رشّ بعضنا بالمياة .. ومع غروب الشمس كنا نعود إلى داخل البيت غارقين في العرق ، تختلج السعادة في قلوبنا ، نتمنى أن نموت فلا نبعث إلاّ حين يأتي موعد الغد ..
هل تذكرين تلك الأيام يا ملاكي ؟
أنا أذكرها .. أذكرها جيدا ً .. فهي كل ما أملك من ذكريات عذبة ، تملأ أوقاتي عندما أكون مكتئبا ً (وما أكثر هذه الأوقات ) .. ففي تلك الأيام بدأ حبي لك ينمو ببطئ شديد ولكنه هدوء واثق.. تماما ً كحبة قمح تنمو في حقل جاف تغطيه الثلوج ..

حب ّ الأطفال ..! ياله من شيء قاس .. ياله من شيء عذب !!..
متى شعرت بهذا الشعور أول مرة بالضبط ؟ .. صدقيني لا أدري يا (بسمة) .. ولكني اذكر جيدا ً مشاجرتي جيدا ً مع أخي (عبد العزيز ) وابنا عمتي ّ (وليد) و (عمر) على
الفوزبرضا سيدة الأقمار البع وملكة سبأ التي هي أنت ..
كان (عبد العزيز) يقلص وجهه ويأتي بأصوات غريبة من حلقه محاولاً إبهارك.. وكان (وليد) يثب على ذراعيه ويمشي مقلوبا ً ، أما (عمر) فكان يريك من حين لآخر مدى براعته في البصاق واطلاق غازات البطن.. أما أنا فكنت أرسم وجهك في صمت ..
الخلاصة أن كلا ّ منا حاول أن يريك أفضل ما فيه من صفات ويستعرض سحره الرجولي .. لكني أستطيع القول – بصراحة ودون غرور – أنك كنت تميلين لي بصورة خاصة .. لم لا ، خاصة وأنا كنت الوحيد الصادق في مشاعره..
ماذا ؟.. أتقولين أنني أبالغ ؟؟!!!.. حسن .. إنني أذكر الكثير والكثير من المواقف الذي تؤكد كلامي ..
خذي هذه الحادثة على سبيل المثال ..
أذكر مرة أنني كنت أجلس مع أحد الصبية خارج البيت ، وقد أرحنا ظهورنا إلى الحائط الخارجي له ، عندما وجدتك – يا (بسمة) - تقفين أمامي فجأة ، وتصرخين متوعدة :
- << (أحمد أمين) ! .. أيها الفاسد المتلاف ! سأخبر أباك أنني رأيتك تأكل (الدوم) هنا مع (عيسى الصعلوق) !! >>
وكان الرعب باديا ً على وجههي والخجل على وجه (عيسى) ..فالحقيقة أن حيّنا كله كان يعتبر (عيسى الصعلوق) إثما ً يمشى على قدمين ، ولو أمكن إعدامه لكان هذا أنسب .. إن أباه – أن كنت لا تذكرين – هو سكّير القرية ، وهو لا يهتم بإرساله إلى المدرسة أو حتى المسجد في كل جمعة ، ولا يعرف لأين يذهب إبنه ولا يسأله عن وجهته .. (عيسى) هذا كان الطفل الوحيد في الخرطوم كلها، الذي يملك الحق في عدم انتعال حذاء .. باختصار : كان الصبي يملك كل ما يدعو الصبية الآخرين لحسده ، والإعجاب به ، وكل ما يدعو الآباء لكراهيته والرغبة في خنقه.. لهذا كانت تهمة اللعب مع (عيسى الصعلوق) تهمة شنيعة تستحق الإعدام دون محاكمة بالنسبة لأهالينا .. أن تعرفين أن أبي قد ضربني مرارا ً – حوالي 6983 مرة – بالسّوط بسبب تواجدي قربه ..
المهم أن فرائضي إرتعدت عندما ضبتيني ألتهم (الدوم) معه ، فصحت في هلع محاولاً اللحاق بك :
- << (بسمة) ! .. أرجوك لا تخبري أبي .. اسمعي ، إن عندي فأرا ً ميتا ً مربوطا ً بخيط ، ولسوف إعطيك إياه ..>>
في شمم هززت كتفيك ، قائلة :
- << بل سأفعل..! >>
أهرول خلفك ، وأنا أواصل الترجي والإسترحام :
- << سافك أربطة يدي لأريك إبهامي المتقرّح .. هذا مشهد لا يجب أن يفوتك ! >>
وأنت تواصلين تمثيل دور القاسية ، وتقولين في برود :
- << لقد رأيت ما هو أفضل .. والآن وداعا ً ..أتمنى أن تكون قد كتبت وصيتك ، فغالبا ً والدك سيقتلك كما تعلم ! >>
وفي كبرياء ابتعدت عني ، عالمة ً أنني أهيم بك حبا ً ، ولن أخنقك كي تصمتين بالتأكيد .. إنك قطعا ً كنت تعرفين ما الذي كنت – وما تزالين - تمثلينه بالنسبة إلي ّ بالضبط .. نقطة ضعفي الوحيدة .. المحبوبة القاسية المتعالية التي لا تمنحني لحظة رضا نفسي واحدة..
ويأتي المساء دون أن يحدث شيئا ً ، ولكني اكون قد مت ّ من الرعب تقريبا ً ، فأسالك في حيرة :
- << لماذا لم تخبري أحدا ً ؟ >>
ترفعين يدك الزجاجية الهشة لتمررينها على شعري ، وتنظرين إلى وجهي بتلك العينين البنيتين البريئتين ، الكفيلتين بإشعار أي شخص بأنه شيطان ، وتقولين :
- << لأني أحبك يا صغيري المسكين ..! >>
عندها شعرت بجفاف شديد في حلقي ، وأن العالم حولي قد أصبح مظلما ً للغاية ، ورجفة مقدسة تزحف فوق عمودي الفقري تجعلني أرتعش كمن مرت فوق جسده 5000 فولت كهربائي ..
لهذا كنت أفعل الشيء الوحيد المنطقي في خضم كل هذه المشاعر الجياشة :
أهرب من أمامك كالقط المزعور ...!
****************
موقف آخر :
أتذكرين عندما قمت بإقتحام غرفة عمي (كمال) – عندما كان هو يستحم – وقمت بسبب لا يعلمه إلا ّ الله بسكب زجاجة المداد – بضمير مستريح بصورة غريبة – فوق قميصه المفضل .. وهي حماقة ما بعدها حماقة لو كنتم تعرفون مدى عصبية عمي (كمال) واستعداده الدائم للقتل ..
وقبل أن تغادرين مسرح الجريمة ، شعرت بمن يدنو منك ، فأجفلت بطبيعة الحال وقمت بالإلتفاف لترين من هو ..
طبعا ً هو أنا .. ومن غيري .. انتفضت أنت في ذعر لتسقط زجاجة الحبر من يدك لتتحطم إلى 284 قطعة .. تنفجرين أنت باكية :
- << (أحمد).. يالك من نذل يا (أحمد أمين) ! .. كيف تسمح لنفسك بالتسلل لإستراق النظر إلى ما أفعله ؟ >>
هززت أنا يدي في حيرة :
- << وكيف كان لي أن أعرف أنك هنا ؟ وأنك تفعلين هذا بالذات ، لقد كنت أريد الإختباء هنا فحسب ، فالشباب يبحثون عني ليوسعوني ضربا ً لأنني أكلت حلواهم كما تعلمين >>
قمت أنت بضرب الأرض بقدميك بعنف ، مولولة ً :
- << أنا أكرهك كالجحيم .. ! أعرف أنك ستشي بأمري ، وتخبر خالو كمال بأمري .. رباه ! سأتلقى علقة رهيبة وكل هذا بسببك أنت.. إني أكرهك .. أكرهك .. أكرهك !! >>
ثم خرجت من الغرفة غاضبة مولولة ..
وفي الحقيقة يا (بسمة ) بعد خروجك شعرت أولا ً بالذنب .. فقد نجحت أنت بمعجزة ما في جعلي أبدو بمظهر الآثم الوحيد في الموضوع ، بينما لا ذنب لك إطلاقا ً ! .. بعد قليل شعرت بالحيرة .. يالحماقة الفتيات !.. مالمخيف في أن يضربها العم (كمال) بحزامه الجلدي السميك ؟ أي مجد في ألا ّ يتلقى الإنسان علقة من عمه أو خاله أبدا ً ؟ كان عسير علي ّ آنذاك – وأنا في العاشرة من العمر - أن أفهم هذا ..
ولكني كنت أعرف أنك ستتكلمين ..بالتأكيد ستتكلمين .. الفتيات عادة لا يستطعن إخفاء أي سر .. وستكونين أنت الغاشية لا أنا ..
وبالفعل .. كانت اللحظات التالية رهيبة حقا ً كما أذكرها ..
كل ولاية الخرطوم تقريبا ً سمعت تلك الصرخة الغاضبة التي اطلقها العم (كمال) عندما دخل لغرفتة ليجد قميصة الحبيب غارقة في الحبر وقطع الزجاج المكسور .. وفي ثانية واحدة كان يقف أمامنا وعيناه حمراء كالدم ، صارخا ً بصوت رقيق أزعج سكان مستشفى الحميات في الأرجنتين :
- << من فعل هذا ؟ >>
لا جواب .. فقط صمت مقيت .. لكن وجهك أنت كان يصرخ بوضوح : أنا فعلتها .. أنا فعلتها !
يقترب الوحش .. أأ .. أقصد العم (كمال ) منك :
- << (بسمة ) .. هل فعلت هذا ؟>>
كنت – يا مسكينة – لحظتها ترتجفين من رأسك إلى قدميك .. لم ينقصك إلا ّ تكرار السؤال حتى تتكلمين وتقولين كل شيء .. وبالفعل ..
- << (بسمة خالد) .. هل فعلت هذا هذا ؟ .. أجيبيني وأنتي تنظرين لعيني !>>
وفي الثانية التالية وقبل أن تحدث الكارثة وتتكلمين قفزت أنا صائحا ً :
- << أنا الذي سكبت الحبر على القميص يا عماه ! >>
**************
رفقا ً باعصابي أنا نفسي ، أستحلفك بالله ألا ّ تطلبي مني أن أقول لك ما نوع العقاب الذي نلته ذلك اليوم .. فلقد كان العقاب جديرا ً بأن يخلد في قصص الأساطير الإغريقية ليتخذ مكانه بجدارة إلى جوار عقاب (تانتالوس) و(سيزيف) و (بروميثيوس)..
لكني كنت - كما لك أن تتوقعي – كنت أيضا ً سعيدا ً راضيا ً عن نفسي كل الرضا ، وكان العقاب المرير يزيد عذوبة الساعات القادمة ، حين ألقاك على إنفراد وتخبريني كم أنا نبيل ونادر الطراز حقا ً ..
هل تذكرين ما حدث بعدها .. أم أنك قد نسيتي تماما ً .. أن لم أنس .. غن هذا تاريخ مقدس بالنسبة إلي ّ ..
كنت جالسا ً تحت الشجرة العجوز بالحديقة ، أتأمل منظر الشمس المحتضرة وهي تعيش آخر لحظات غروبها ، وقد تلطخ بدمائها كل الموجودات حولي .. عندما جئت أنت وجلست بجواري دون أن تقولين كلمة واحدة ..
ولثوان مرت كدهر كامل غلفنا ذلك الصمت الكئيب بعباءته ، ونحن نواصل مشاهدة الشمس الغاربة كأنه مشهد من فيلم عربي سخيف ، حتى كنت أنا اول من كسر حاجز الصمت :
- << (بسمة) .. أنا أخاف الغروب .. كانني أرى مصرع الشمس >>
إلتمع الضوء الأورجواني في لجتي عينيها ذات اللون الأسود والعسلي في آن واحد .. وهمست لي برقة أجرؤ حتى أن أصفها :
- << الشمس لا تموت عند الغروب يا (أحمد) .. بل تذهب لتنام في دارها بعيدا ً >>
كنت لحظتها أرتجف كالورقة الجافة ، وخصلات شعرها الأسود تلمس أذني :
- << (بسمة) .. أنا .. أنا .. أنا خائف ! >>
أدرت وجهك الطفل نحوي ، وقمت بتمرير يدك الزجاجية الهشة خلال شعري كعادتك، وقلت لي في صوت هامس :
- << خائف ؟ وأنا معك ؟>>
لم أستطع قط أن أصارحها بالشعور الغريب والعنيف الذي كان ينتابني أحيانا ً كلما تحدثت معك .. شعور غريب غامر بالخوف والرهبة .. والضآلة أيضا ً ..حقا ً ، لقد لازمني هذا الشعور طويلا ً وربما إلى يومنا الآن لو أردتني أن أكون صريحا ً ..
لهذا لم أرد عليكي.. فقط واصلت التحديق في وجهك بعينين مبللتين بالدموع الحبيسة .. حمراوتان كالدم ..
ثم شعرت بيدك تريح رأسي على كتفك الصغير ، وتقولين لي في حنان دافيء :
- << يا صغيري المسكين .. لقد آذوك حقا ً .. هيا .. هيا ابك .. دع دموعك تنزل ، علّها تريحك قليلا ً .. ابك .. ابك ..>>
كان حنانك قد بدأ يؤثر في ّ حقا ً .. إننا دوما ً أطفالكن ّ .. خرجنا من أرحامكن .. وأنتن ّ وحدكن تعرفن ّ كيف تزلن خوفنا من الظلام و الوحشة..
وبكيت على كتفك يا ملاكي .. بكيت بشدة .. بكيت بحرقة .. بكيت بمرارة ..
ثم – بعد أن بللت كتفك بأنهر من الدموع والمخاط – أمسكتي بيدي لتنهضيني ، ثم ابتسمت لي واحدة من أكثر ابتسامات الكون اشراقة ً وو روعة ً :
- << والآن هيا بنا أيها الفتى المدلل .. انهض وكفاك تدللا ً وكسلا ً .. اننا لم نلعب مع بعضنا البعض منذ فترة ..>>
نهضت وأنا أمسح عيني بظهر يدي ، قائلا ً :
- << ولكن الظلام قد حل ّ بالفعل ، وأنا لدي ّ مدرسة غدا ً ، و ..........>>
وضعت يدك الرقيقة على شفتي ّ لتخرسيني ، هامسة ً:
- << ومن قال لك إنني أخاف الظلام .. كما أنني لا أخاف وفارسي المغوار إلى جانبي ليقوم بحمايتي ... ثم منذ متى وانت تحب المدرسة أساسا ً ؟؟!>>
طبعا ً لم أرد عليكي كالمعتاد ، مواصلا ً التحديق بوجهك كالمجذوب .. ولكن في النهاية كان لك ما أردت ..
رباه ! يا لها من ساعات كانت تمضي كالحلم ، ونحن نعيش في عالم رومانسي :
" نلاعب معا (نملة) حية تزحف على خط بالطبشور رسمناه على الأرض أمامنا .. أرسم على وجهي أعتى علامات التوحش وأنا أركض ورائها متوعدا ً .. نجلس على (عتبة) المنزل ونتحدث .. نتحدث كثيرا ً .. نتحدث عن الفئران المييتة التي يربطون الفتية ذيولها بالخيوط ، ثم يديرونها حول رؤوسهم .. نتحدث حول الضفادع المييتة ، والأسنان المخلوعة ، وكل ما من شأنه أن يجعل الحياة أكثر بهجة ..
تخبريني برغبتك في أن تكوني أجمل وأغنى وأروع وأقوى إمرأة في التاريخ (لطالما كان التواضع هو سمتك الأجمل) وأن يعرف الكون كله كم أنت رائعة ومذهلة ..
أخبرك أنا برغبتي في أن أصير قرصانا ً شريرا ً تهتزّ لسماع اسمه الشوارب ، أسافر حول الأرض ناشرا ً الرعب والموت ، ثم أعود إلى وطني لأوقف معذبي ّ وكل من يكرهونني جنبا ً إلى جنب وهم يرتجفون كالدجاج .. ثم أعفو عنهم ...!
الخلاصة أنها كانت أيام لا تنسى .. عرفنا فيها الحب البريء الطفل الخال من كل ما هو مدنس أو دنيء...
ولكن كان لا بد من أن تنتهي تلك الحقبة ..
كيف إنتهت ؟..
كان ذلك سهلا ً للغاية ..
لقد كبرنا !
وبدأ فصل جديد في علاقتنا ..
فصل أليم ..
للغاية ..!

(وللخطاب بقية .... انتظروه قريبا ً جدا
ً)

imported_أحمد أمين أحمد محمد 08-01-2008 07:52 PM

[align=center]الخطاب الثاني : الإعتراف الدامي..[/align]

يا أيام المراهقة العزيزة...!
ذلك الحنين الموجود إلى شيء لا تدرك كنهه ، لكنك تحبه بعنف .. الحاجة إلى أن تحلق بعيدا ً .. بعيدا ً ..
بعيدا ً إلى ذلك المكان السحري الذي تتفتح فيه زهور البرتقال ، ويتم تفتيت الأقمار فيه لصنع النجوم منها .. هناك حيث يبدأ قوس قزح ، وتهاجر طيور النورس ، وزفرات المحبين..
ذلك المكان الذي لم يرسم على الخرائط بعد .. والذي تنتظر فيه الإجابة عن أسئلة أبدية مثل : أين تذهب الفصول ؟ هل تحلم الحشرات عندما تنام ؟ من هي الفتاة التي اختارها لك القدر ؟ وإلى أين تحمل مياه الجدول أوراق زهور الياسمين التي رمتها أناملك فيه؟
عندئذٍ تنظر إلى القمر بعينين دامعتين ، وتتنهّد ، كأنك تستنشق أشعته الزرقاء الباردة إلى رئتيك .. وتغمغم :
- << ربااااااه ..! .. إني أكبر .......!! >>
***********
حبيبتي بسمة ..
نحن الآن في فترة المراهقة العصيبة .. الفترة التي لم تكن بهيجة بالنسبة إلي ّ بأي حال من الأحوال .. لم أفهم أبدا ً – حينذاك – ذلك الحصار الذي تم فرضه عليكِ وعلى بقية الفتيات في العائلة .. لم نعد نستطيع أن نتشارك وجبات الإفطار والغداء كلنا مع بعض كما كنا نفعل دوما ً .. لم نعد نستطيع أن نلعب معا ً طيلة النهار .. حتى هند ابنة عمتي الأخرى التي ترعرعت معها في نفس البيت .. لم أعد قادرا ً على رؤيتها في كل وقت، ولا دخول غرفتها لإستعارة كتاب كما تعودت ُ دوما ً .. بل وصار أخاها عمر نفسه أكثر تحفظا ً في الكلام عنها ..
والكبار لا يتعبون من تحذيرنا طيلة الوقت .. ممنوع اللعب مع البنات ..ممنوع الحديث الجانبي مع أي واحدة منهن ّ.. لابد من وجود أحد الكبار – محرم يعني – ليشرف على إدارة الحديث..
- << لا تروهن يا أحمد .. لا تحدثوهن ّ يا أحمد ..لا تقتربوا منهن ّ يا أحمد وإلا ّ ..... >>
- << قمة العيب هو أن يتواجد ولد مع بنت في مكان واحد .. لم ؟ لأن.. لأن..إحم أأ.. لأن الشيطان سيكون هناك معكما ، وصدقني أنت لا تريد مقابلته ! >>
- << لم َ لا تستطيع اللعب مع ابنتى ؟ .. لأنك مراهق .. وكل مراهق وغد وشيطان زنيم إلى أن يثبت العكس ! >>

أما الأمر الذي مزقني بشدة ، فهو أنت يا بسمة .. نعم أنت .. لقد تغيرت فجأة أيضا ً .. شكلك قد تغير .. تضاريس جسدك لم تعد كما كانت .. لكني أعترف أنك صرت أكثر جمالا ً.. أكثر سحراً .. أكثر قتنة ً ..أكثر نضجا ً..
و أكثر تحفظا ً ..
نعم تحفظا ً .. لم أفهم لم لم نعد نجلس تحت شجرتنا العجوز المفضلة لنثرثر طويلا ً كما عودنا قديماً .. لمَ لمْ تعودي تسمحي لي بإمساك يدك الزجاجية الهشة ..و حتى عندما أنجح وأنتزعكِ من بين فكي الرقباء للويحظات فقيرة ، لكي أنعم فيها بالجلوس معك وحدنا ، أجدك تطرقين برأسك إلى الأرض، ويحمر وجهك كالطماطم ، ولا تتوقفين عن فرك يدك في توتر قلق..
لا أفهم .. مالذي يحدث هنا بحق السماء .. مالذي يحدث ...؟؟!!!!!
أعود إلى غرفتي محبطا ً .. أنظر إلى المرآة لأري ما تبدل في ّ أنا..
فوجدت أحمد آخر ينظر لي .. عيناه لامعتان ..والزغب يملأ شفته العليا ، حتى خيل إلي ّ أنه غبار يمكن إزالته بسهولة بإصبعي ..
لكنه لم يزل..
لقد كبرت ..!
كدت أصرخ وأبكي .. إن ّ كل طفل يسرّه أن يصير رجلا ً .. لكني مختلف عن الآخرين ، إنني مستعد ٌ تماما ً للتخلى عن هذا الشرف ، مقابل أن نعود لبراءة ونقاء الماضي ..
ولو ليوم واحد فقط ..
فجأة امتلأت حياتي بالجدران ..
وأدركت ُ - في رعب – أن حياة الرجولة ستكون قاسية حقا ً ..
*************
حبيبتي بسمة ..
ترى متى كانت أول مرة اعترفت فيها لنفسي أنني أحبك بجنون ؟ خاصة أنني لم أستطع أبدا ً – ببراءة الأطفال وجهلهم – أن أطلق اسما ً يفسر تعلقي الشديد والغريب بكِ ..
إذن متى ...
أنا أعرف الإجابة في الواقع ..فذلك اليوم لم ولن يمحى من فوق أوراق ذاكرتي – إلا ّ بقدرة قادر طبعا ً – إلى يوم الدينونة ..
حدث هذا عام 1999..
في خريف 1999 إن أردتيني أن أكون أكثر دقة ً.. في أغسطس من خريف 1999 إن أردت ِ المزيد من الدقة .. في الخامس والعشرين من أغسطس إذا أردت كل الدقة ذاتها ..
كان هذا – إن كنتِ قد ميزت ِ التاريخ – في حفل زواج عمتي سناء – خالتك ِ أنتِ بطبيعة الحال – بعد خطبة طالت ..
هل تذكرين ماحدث ذلك اليوم ؟ .. لا ؟ .. إذن دعيني أُنعش لكِ ذاكرتكِ .. سأبدأ بوصف الجو العام أولا ً ..
كنت في تلك الفترة العاصفة من حياتي لازلت في بداية حياتي الجامعية ، والتي قررت أن أقضيها في صمت وعزلة بعيدا ً عن صخب البشر ..
هل أنا إنطوائي ؟ .. لا أظن حقا ً .. أنا فقط لا أطيق البشر ! .. كما أنني لا أملك مهارة صنع الأصدقاء ..أنا أجيد جمع الأعداء كما تجيدين أنت جمع الأصداف والطوابع.. لنقل فقط أنني أكره أن أقابل الجانب البشع من الناس ، لذا أفضل الإبتعاد والتواري في الظل..
هل أنا متشائم ؟ ... لا ، لست متشائما ً لكن ..لنقل فقط أن هذه هي فلسفتي في الحياة منذ صغري .. دائما ً أتوقع الأسوأ ، وفي كل مرة يتضح أن توقعاتي كانت أسوأ من الحقيقة .. هذا جعل الحياة بالنسبة لي سلسلة من المفاجئات السارة !!.. المتفائلون في رأييّ هم أكثر الناس إصابة بخيبة الأمل .. بينما أنا أتوقع مثلا ً أن يسقط عليّ نيزك في هذه اللحظة بالذات .. لو لم يحدث هذا شعرت بأنني محظوظ وأن الحياة أجمل مما نظن !
لا أدري هل منطقي هذا سليم أم لا ، المهم أنها طريقة أحاول بها أن أرى الحياة جميلة !
الخلاصة هي أنني كنت وحيدأ ً كسمكة المقاتل السيامي ، مكتئبا ً كالخرتيت ، حزينا ً كالغروب ، صامتا ً كالبوم .. بصيغة أخري ، كنت في (حالتي الطبيعية)!
لهذا لو عدت بذاكرتك ِ إلي ذاك اليوم جيدا ً لرأيتيني أجلس وحيدا ً في ركن القاعة أتطلع إلى السيرك الذي كان يجري أمامي ..
أنت ِ تذكرين طبعا ً أنني أكره الأعراس والأفراح والحفلات كالجحيم ، وأفضل عليها جو ّ المآتم المليء بالدفء الآدمي والنضج العقلي !
كان الحفل مقاما ً في بيت جدي الكبير ببحري ..وكان الشارع وكل من هبّ ودب ّ مجتمعا ً هناك بطبيعة الحال .. الإضاءة تزيد الجو حرارة .. في نفس الوقت الذي يرسل فيه (الفيديو) – بالفاء – المزيد من الإضاءة الحارقة على الوجوه ، كل هذا اجتمع مع الزغاريد المسعورة ليصير المشهد كابوسيا ً بحق ..وفي وسط الساحة تطوعت أحد صديقات عمتي سناء البدينات بأن تكون الراقصة الأولى على نغمات المطرب الشاب ، وهم كاليمون عددا ً في بلادنا ..هؤلا المطربون الجدد لا سبيل لمنعهم من الغناء إلا ّ بالقنبلة الهيدروجينية !
أذكر أنني كنت أتطلع إلى هذا المطرب – كما يسمي هو نفسه – بمقت و غلّ غير مبرر ..على الرغم من أن صوته – والحق يقال – لا بأس به ، ما خلا حشرجة معينة في صوته تغريك بإستعمال أقرب عصا كي تحاولين تسليك حنجرته بها ..
أنت ِ تعرفين طبعا ً موضة المطربين الشباب السرطانية التي بدأت في تلك الأيام والتي لا تزال للأسف مستمرة .. ما إن يفشل الشاب منهم في إمتحانات الثانوية أو الجامعة حتى يقرر الواحد منهم أن يصير مطربا ً فجأة .. ويصير لزما ً علينا نحن أن نعاني نحن من فشلهم الدراسي..
المهم أنني أشحت بوجهي عنه لأرى ما يحدث على الساحة the dance floor كما يسمونها ..العريس في بذلته السكرية اللون لايكف عن العرق والتظاهر بالمرح أمام صديقات العروس ، والتي حرص من زينها على أن يبدو مجهوده واضحا ً للأعين ، فحولها إلى أقبح عروس مولِد يمكن أن ترينها في حياتك ..أما صديقاتها فلا يكفن ّ عن تقبيلها في افتعال والرقص كالمجزوبين محاولنّ أن يجدن لأنفسهن ّ عريسا ً من بين الموجودين..
صوت التصفيق الحاد .. الأضواء الحارقة ..دخان البخور (الصندل) الذي كان يملأ المكان برائحته الحادة الخانقة الدسمة .. وتختلط أضواء الموسيقى الصاخبة – الكفيلة بإصابتكِ بالفالج – بأصوات (الكورس) والراقصين وهم يرددون في حماس محموم : (( تودينا العربية ..تقوم بينا العربية .. العربية .. العربية .. جَبْ جَرَبْ ))
وبطرف عيني رأيت عمر ابن عمتي العزيز جدا ً يحشر نفسه حشرا ً بين الراقصين ، واختار لنفسه (أسمح) واحدة من البنات ، وصار يهزّ ردفيه في حماس محاولا ً أن يشاركها الرقص ، واضعا يده اليمنى على صدره ، ويده اليسرة على الخاصرة ، وهو ينحني إلى الخلف بزاوية منفرجة قدرها 120 درجة على سبيل (الكشف).. حمدا ً لله أن رقصة (سجمي القرد) لم تكن قد اخترعت بعد في ذلك الوقت وإلا ّ لكانت كارثة ..
الخلاصة من كل ما سبق هو: أن الأمر كله كان هراء بالنسبة إلي ّ .. هراء من النوع الذي يمكن أن يصيبنب بنزف مخي ..
لهذا كان الحل المنطقي الوحيد هو : الهروووووووووووووب !
أعطيت ظهري لكل هذا الزحام المسموم ، و تسللت بهدوء إلى خارج قاعة العرس حيث الظلام البارد الذي تلوثه أشعة القمر الشاحبة ..
هنا شعرت بتلك القشعريرة المقدسة تزحف على عمودي الفقري .. قشعريرة الرهبة .. كنت أشعر بذلك الشعور المتفرد العتيد ، عندما تدير ظهرك للصخب والهرج ، وتقف وحدك في الظلام شاعرا ً بلذة الشجن .. لذة الحزن .. لذة الألم ..
ورحت أفكر : من أنا بالضبط ؟.. وأين أنا .. ومالذي أفعله هنا ؟ .. ترى مالذي يخبئه لي المستقبل ؟؟ هل ساعرف السعادة يوما ً .. أم ساظل نفسم الشبح محطم الفؤاد، كسيره الذي هو أنا الآن ؟
كنت غارقا ً في خضم هذه الخواطر الدافئة عندما شعرت بتلك الحركة على يساري ..فأجفلت في ضيق ، ناويا ً على الإبتعاد عن هذا المتطفل الذي اقتحم علي ّ لحظات شرودي المقدسة ، و ..............
كان أنت ِ !!
نعم أنت ِ يا بسمة .. كنتِ هذا المقتحم ..
أنتِ ولا أحد غيرك..
فبفضل معجزة ما ، قادتك ِ قدميك إلى نفس المكان الذي هربت أنا إليه..وبحكم معرفتي بكِ وبطابعكِ الهادئة الملائكية ، أكاد أجزم أنك جئت إلى هناك لنفس السبب .. الهروب من كرنفال الجنون الذي كان يجري بالداخل ..
المهم أنكِ هنا .. معي ..
ولكنكِ لم ترينني يا ملاكي .. ربما لأنني كنت قابعا ً في مكاني دون أدنى صوت فى الظلام مكتفيا ً بالتطلع إليك كالأبله .. ربما لأنك لم تديري رأسك الفاتن أبدا ً ناحيتي .. ربما لأنكِ لم تتوقعي أنه هنالك أحد غيرك ِ شعر بالإختناق من كل هؤلاء الأوغاد الصاخبين بالداخل الذين يصرخون بصوت عال كالحمقى ..
المهم أنكِ لم ترينني هناك .. وأنا لم أنبت ببنت شفة ..فقط قبعتُ هناك في مكاني أتطلع إليكِ وقلبي يخفق في عنف كالمعتوه ..
ربااااااااااااااااااه .. ليتني أستطيع أن أصف لك كم كنتِ جميلة يا بسمة في تلك اللحظة ... كم كنتِ فاتنة .. ساحرة .. صدقيني عبثا ً حاولت أن أحد حروفا ً تستطيع أن تكون كلمات تصلح لهذا الغرض .. ولكنني أجدها كلها تحترق كأعواد بخور خجلة أمام حسنك في تلك اللحظة ..
كنت ساكنة كالتمثال الرخامي .. بلا أدنى حركة .. وظلك يفترش المسافة على الأرض بيننا.. ضوء القمر ينعكس في روعة من عينيك الخضراوتين الجميلتين.. أنسام الليل المبتلة تداعب خصلات شعرك الأسود الفاحم في رقة لتحركها يمينا ً ويسارا ً قبل أن تعود الخصلات لترتضم مرة أخري بجبينكِ الواسع في نعومة.. كنتِ شاردة مثلي.. أنا شارد في سحرك ِ .. أما أنت ِ فكنت هناك .. في ذلك العالم الذي تركض فيه الغزلان الصغيرة .. وتنمو فيه الأزهار في كل مكان .. حيث يطير الفراش بحرية وتحلق طيور النورس .. ذلك المكان الذي يحلم فيه النمل الأخضر ، وتضحك فيه السلاحف !
كنتِ جميلة يا بسمة .. جميلةً كأجمل أحلام الأطفال .. رقيقة ً كأرقّ خواطرهم .. لطيفة ً كألطف دعابة ٍ سمعتها في حياتي ..!
ترى كم من الزمن بقينا على هذه الحالة ، أنتِ في الشرود وأنا في السكون؟... نصف ساعة ؟.. ساعة ؟ .. ساعتان ؟؟.. يوم ، يومان ؟!..دهر ؟ .. عمرُ باكمله ؟؟.. صدقا ً لا أعرف .. حقا ً لا أعرف ..
حاولت جاهدا ً أن أخطو نحوك وأتكلم معك .. أن أجبر حبالي الصوتية على إصدار أي صوت ٍ أو حتى مجرد حرف ..
لكني لم أستطع ..
الأمر كله كان أشبه بالحلم .. هل أنتِ حقا ً هنا معي ، وحدنا في الظلام ؟..أشياء كثيرة شعرت بأني أريد أن أقولها لك وقتها لكنها تبخرت .. عواطف عملاقة مبهمة ، وكثيرة ، كبيض في كيس ورقي .. هشم بعضه بعضا ً ، فلم يبق منه إلا ّ مزيج عجيب لا أفهم ما هو ..
محيط هائج من الحيرة والإضطراب وجدت نفسي غارقا ً لأذني فيه وأنا أتطلع إليك ِ ..
ضائع ٌ في مستنقعات ذاتي .. حيث ضباب الحيرة .. وتماسيح الشك .. والحاجة إلى القرار ..
كنت أسأل نفسي كالمحموم ، ما سرّ هذا التعلق الغريب الذي أشعر به تجاهكِ .. لم يجفّ حلقي وترتجف أوصالي كلما أراك .. لم تستمرين في غزو أفكاري وأحلامي في كل يوم وساعة ودقيقة ولحظة ..؟؟!!!!!!
وفجأة ... انتفضت ُ في عنف ... ربااااااه ... ربااااااااه ... أنا أعرف الآن لماذا ..
لأنني أحبك يا بسمة ... احبك بكل جوارحي وبكل مالدي ّ من مشاعر ..
نعم .. نعم .. هذا هو السبب ..
ساعتها – وبعد أن صارحت نفسي بهذا الإكتشاف الرهيب - راح قلبي يخفق في عنف حتى أنني خفت أن تسمعيه فينفضح أمري .. لذا فعلت الأمر المنطقي الوحيد الذي خطر على بالي في تلك اللحظة ..
انفجرت ُ بالبكاء ...!

(نهاية الخطاب الثاني – يليه الثالث بإذن الله قريبا ً
)

imported_أحمد أمين أحمد محمد 08-01-2008 11:57 PM

to be continued

imported_أحمد أمين أحمد محمد 15-01-2008 06:40 AM

لأصدقاء الأعزاء .. معذرة للتوقف عن السرد الإضطراري والله .. ولكني الآن في حالة سفر .. فلقد انتهت إجازتي في السودان للأسف ، لذا ترونني مشغولا ً بعض الشيء .. أرجو فقط أن تتابعونني ..
لكني سانتهز هذه الفرصة لأعلق على بعض الردود ..

معتصم الطاهر 19-01-2008 10:11 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد أمين أحمد محمد (المشاركة 86971)
لأصدقاء الأعزاء .. معذرة للتوقف عن السرد الإضطراري والله .. ولكني الآن في حالة سفر .. فلقد انتهت إجازتي في السودان للأسف ، لذا ترونني مشغولا ً بعض الشيء .. أرجو فقط أن تتابعونني ..
لكني سانتهز هذه الفرصة لأعلق على بعض الردود ..

أحمد أمين
سلامات
فى السفر تحلو الكتابة
خاصة فى الطائرة

ياخ جهجهت المعالق ..

imported_أحمد أمين أحمد محمد 20-01-2008 11:25 AM

الحبيب والمقرب إلى قلبي للغاية \ معتصم (أبونا في الهندسة)
الحقيقة التي لابد وأن تعرفها أنني - وعلى الرغم من سفري المتواصل - أكره الطائرات كالموت وأعتبرها أعجوبة أو معجزة حقيقية كونها تتحدى قوانين الطبيعة التي تنص بصرامة على أن الطيران حق مشروع للطيور وحدها !
لذلك لا وقت لدي ّ لكتابة أية شيء في الطائرة لأنني غالبا ً ما أكون مشغولا ً في التقيؤ - معذرة - والذعر طيلة مدة الرحلة (ملحوظة : تخيل حالتي عندما أكون متوجها إلى نيويورك من دبي - 14- ساعة)
المعالق فعلا ً تعبانة معاي .. كان هنالك رجل عجوز يجلس بجانبي ذات مرة ، قال لي :
(( ياخوي إنت مالك بتتكبكب كده زي الجيلي ؟؟!!!.. إنت دي أول مرة ولا شنو))
وعندما أخبرته بانني أركب الطائرات منذ أن كنت في الثانية من عمري وأسافر خمس مرات على الأقل في السنة ، بسمل وحوقل واحمر ّ وجهه غضبا ً وقال كلاما ً كثيرا ً عن دلع الجيل الحالي المنحل من الشباب وعن إنعدام رجولتهم ، وعن الحكومة الفاسدة التي تترك أمثالي يسافرون إلى الخارج ، وعن توقعه أن تقوم القيامة قي موعد قريب أقصاه نهاية هذا الشهر..

لك مني كل الإحترام والتقدير يا أستاذي

imported_أحمد أمين أحمد محمد 20-01-2008 02:14 PM

الرسالة الثالثة : الصدام
 
الرسالة الثالثة : الصدام ..!

"" عندما يخفت الضوء في أفق الغروب ..
حينما يعمد قرص الشمش إلى الهروب..
أكون وحيدا ً ضائعا ً بين الدروب ...
أخط ُّ إليكِ خطاب حب ٍ لايذوب ..
أروي لك ِ آهات قلب ٍ لا يتوب ..
فاسمعي ، واقرأي مني ..
يا فاتنة القلوب ...! ""
(د.نبيل فاروق)


**************
حبيبتي بسمة ..
معذرة لتوقفي عن الكتابة مسبقا ً ، ولكن صدقيني لقد اعترتني قشعريرة عنيفة رجتني رجا ً من الداخل ، دفعتني إلى إلقاء القلم من يدي والإرتماء على فراشي كجثة هامدة ..
لم ؟ .. لأن تلك اللحظة – من قصتنا – هي الأهم والأكثر حساسية ً .. إنها تلك الحظة التي اعترفت بها لنفسى بأنني أحبك ِ ..
ياااااااااه يا بسمة .. آه ٍ فقط لوتعرفين ما يجيش في أعماقي المستعرة وأنا أعيش تلك الفترة مرة أخرى ..
لقد تغير كل شيء بالنسبة إلي ّ ذلك اليوم .. في ذلك اليوم أصبحت شخصا ً آخر .. في ذلك اليوم وهبت قلبي لك دون شرط أو قيد..
في ذلك اليوم استعمرت ِ أنتِ كياني دون مشاة ولا مدافع أسطول ..
في ذلك اليوم أحسست ُ أنني أعرفك لأول مرة على حقيقتك .. نعم .. فمنذ ذلك اليوم انتقلت ِ من (بسمة رفيقة الصبا) إلى (بسمة أميرة أحلامي وسيدة وجداني)..
وليتك ِ تعرفين كم هو رائع أن أقابل (بسمة الجديدة) الأخيرة هذه ..
وجدت نفسي أمام شخص جديد .. بل لنقل (ملاك) جديد ..
ملاك يتبدل في كل ثانية كالشلال ..
ملاك يبث البهجة والحبور من حوله كأنما هو واجب مقدس !
ملاك هو قطعة من الشعر ..قطعة من الجنة ..
قطعة من التاريخ..
ملاك له رائحة الكون ..
وملمس النسيم..
وعبير الياسمين ..
ومذاق الخوخ في ليلة شتاء حزينة ..
بسمة .. أقولها لك بكل أمانة ، أنت الإنسان الوحيد الذي قابلته في حياتي الذي يجمع كل من قابله على أنك تقتحمين روحه بكل سهولة وسلاسة ، وتتركين فيها أثرا ً لا يمحى ، حتى بعد رحيلك من أمامه ..
تماما ً كبقايا قبلة طفل رطبة على خدك ِ.. سرعان ما تجف ، لكنها تترك أثرا ً منعشا ً في روحك ومشاعرك لفترة ما ..
نعم .. هذا هو تاثيرك بالضبط !
هذه هي أنت ..
(بسمة خالد) .. خمسة وخمسين كيلوجراما ً (أربعة وأربعين كليوجرام وقتها) من الرقة والفتنة والسحر والجمال ..
(بسمة خالد).. الحبيبة الأبدية ..الصديقة الأبدية .. الأخت الأبدية .. والأم الأبدية..!
************
حبيبتي بسمة :
تغير الكثير فيني منذ ذلك اليوم .. مشاعر جديدة وجدت نفسي أعيشها .. الرهبة كلما جلست أمامك .. الذعر كلما قمت ِ من أمامي .. الكآبة كلما مرت أيام دون أن أراكِ .. والحسرة وأنا أفكر في تلك اللحظات التي تكونين أنتِ فيها بعيدة عني .. عندها كنت أنظر إلى القمر الشاحب الكئيب ..
وأفكر : أي ضير في أن يحب المرء محبوبته بجنون...؟؟
أن يقضي الساعات والأيام يحلم بتعابير وجهها وهي تضحك .. تبتسم .. تقطب .. تهتم.. تحنو .. تتفلسف .. وأن يسهر الليل محاولا ً فهم ما كانت تريد قوله حين أخبرته هي بكذا وكذا ..
ثم ذلك الشعور الممض الغريب : محاولة استرجاع ملامح وجهك في ذهني دون جدوى .. كأنما لابد أن أراكِ لأتذكر وجهك ِ !..
والشعور الممضّ الآخر المؤلم : الشعور بأنك (ستنفذين) !!.. ذلك الجنون المسعور الذي يعصف بإتزاني ، حينما أدرك أنك ِ في تلك الساعات – التي تكونين فيها بعيدة ً عني – قد تكونين تضحكين وتقولين كلاما ً كثيرا ً ليس لي نصيب فيه .. كأنك مخزونك من النضارة والرقة والجمال سينتهي بهذه الطريقة قبل أن تواتيني الشجاعة والجرأة على أن أبوح لك ِ بلواذع قلبي المتعب ..
عندها كنت أنهض – كالملسوع – إلى الهاتف ، وأطلب الرقم الحبيب .. وأنتظر في لهفة لا نهائية أن أسمع صوتك الموسيقي يتساءل ناعسا ً عمّن هناك.. عندها كان يتبخّر كل ما كنتُ قد أعددته من كلام جميل وناعم ، ويتحجّر على أطراف حلقي الجاف ، فأقوم بوضع السماعة دون أن أقول حرفا ً واحدا ً ..!
لكن أكثر شعور مزقني إربا ً كان هو : الغيرة !
أصبحت لا أطيق كل من يتحدث معك مهما كان الحديث بريئا ً .. أكره كل هؤلاء الذباب الذين يحومون حولك .. رباااه .. لكم تمنيت أن يكون معي بندقية آلية (كلاشنكوف) أو قنبلة نووية على أقل تقدير ، لكي أمزِّق كل من تسوّل له نفسه على الإقتراب منك ِ .. (رقيق المشاعر جدا ً أنا ، أليس كذلك ؟!!)
الحقيقة هي أنني خسرت الكثيرين بسببكِ أنت .. ماذا ، هل تريدن مثالا ً ؟
حسن .. لنأخذ (محمد سيف الدين) على سبيل المثال ..ابن عمتي ، ابن خالتك أنت بطبيعة الحال ..
أنت تعرفين طبعا ً أن هذا الأخير كان – ومنذ صغره – شخصية سايكوباتية – أي عدوّة للمجتمعات – حقيقية .. السبب طبعا ً – كما تعرفين – هو انفصال والديه منذ أن كان في الخامسة من العمر .. لذا كبر ليصير تلك الشخصية المعقدة الشريرة اللزجة ذات الطباع الملتوية.. أعترف أنني كنت أتحاشاه دوما ً وهو لا يطيقني بدوره ، ولكننا نحافظ على قناع النفاق الحضاري أمام المجتمع ، ولكن وراء هذا القناع شيء أقرب للمقت .. الخلاصة هي أننا لم نكن أصدقاء أو تربط بيننا أية قصة حب ٍ ملتهبة .. الحقيقة هي أنني – لولا قرابتي معه – لهشمت ُ رأسه على الحائط ، وتسليت ُ بعد ّ شرايين رأسه على سبيل تزجية الوقت !
المهم هو أن علاقتنا – أنا وهو – كانت بسيطة جدا ً ، وواضحة للغاية ، ومتبادلة من الطرفين: لابد أن يموت أحدنا !
المهم .. دعيني أقصُّ عليك كيف أصبحنا أعداء للموت .. وكل هذا بسببك ِ كما قلت ُ سابقا ً ..
كان ذلك في أحد أيام الخريف (عام 1999 نفسه) الغائمة .. وكنت ِ أنت تجلسين وحدك في بقعتكِ المفضلة ببيت جدّي ، تحت تلك الشجرة العجوز ، تقراين كتابا ً ما .. وكنت أنا أجلس على بُعد عشرة أمتار منك مختبئا ً وراء سيارة عمي كمال أنظر إليكِ في رهبة .. نعم .. أنت ِ لم تريني هناك في مكمني .. الحقيقة هي أنني كنت ُ أتتبعك في كل مكان كظلك ِ دون أن تعرفي أنت هذا ..
هذه كانت هي هوايتي وقتها كما تعرفين .. النظر إلى وجهك الفاتن وإلتهامه إلتهاماً .. حينما إقتحم هو الصورة فجاة ، وهو يسير بتلك الخطوات المتمهلة نحوك ِ ، ثم يجلس بجانبك ِ دون إستئذان في وقاحة يحسد عليها ، ويقول في مكر:
- << مساء الخير يا حلوتي ..!>>
إلتفت ِّ أنتِ إليه ببطء شارد ، قائلة ً بهدوء :
- << أهلا ً محمد .. كيف حالك ؟ .. إذا كنت تبحث عن الجميع فهم بالداخل يتشاجرون كعادتهم على شيء ما ! >>
تحركَ بنصفه الأسفل نحوك ِ ليقترب منك ِ أكثر، قائلا ً بصوته الأخنف :
- << لكني لا أريد الباقين .. لقد جئت ُ من أجلك أنت ِ يا دميتي الجميلة >>
رفعت ِ أنت ِ أحد حاجبيك ِ متسائلة ً في دهشة :
- << من أجلي أنا ؟ .. مالذي تعنيه بالضبط ؟ >>
اقترب منك ِ أكثر حتى بات ملتصقا ً بك ِ تقريبا ً ، وهو يقول في لزوجة :
- << في الحقيقة ، لقد رايتك من النافذة تتسللين هنا وحدك ِ ، فلحقت ُ بك ِ على الفور ..>>
ثم رفع يده ليمسح بها على جانب وجهك ، وهو يواصل بنفس اللهجة المقيتة :
- << إنها لجريمة شنعاء أن تترك فتاة جميلة مثلك وحيدة في عالمنا الأسود هذا .. لابد من أن يكون معك ِ شخص ليسليك ِ ويحميك ِ .. شخص يماثلك الروعة والكمال .. شخص مثلي أنا على سبيل المثال !..>>
أزحت ِ أنت ِ يده من فوق جانب وجهك بحركة حازمة مهذّبة :
- << شكرا ً لك يا محمد على مجاملتك الرقيقة هذه .. لكني تركت الزحام بالداخل وجئت هنا طلبا ً للهدوء والوحدة .. وكما تعلم لو أحضرت ُ معي أي شخص آخر فلن أكون وحيدة ً ..إن أبسط قوانين الفيزياء تستطيع أن تؤكد لك هذه الحقيقة ..>>
لكن الحقير لم يقبل رغبتك ِ بإنصرافه وتركك وحدك ِ ، فقال في إلحاح كريه وهو يضع يده على ركبتك ِ :
- << لكني لست ُ كأي شخص ٍ يا حلوتي .. أنا محمد الوسيم الرائع .. محمد ابن خالتكِ ورفيق صباك ِ العظيم ، الذي طالما اعتنى بكِ ، وساعدك ِ ، ووقف بجانبك ِ ، وأحبك ِو ................>>
هنا فقط ، غلى الدم ُّ في عروقي أنا ، ولم أعد قادرا ً على الإحتمال أكثر ، فانتزعت ُ نفسي إنتزاعا ً من مكمني وراء السيارة ، واقتربت ُ منكما بخطوات واسعة عصبية ، لأهتف بصوت هادر بوليسي أثار ذعري أنا شخصيا ً :
- << مالذي يجري هنا بالضبط ؟!!..>>
أذكر أنك ِ إنتفضّت ِ في ذعر كانما ضُبطت في جرم فاضح ، في حين نظر لي محمد في كراهية خارقة ، كأنما يقول : (من – أية – داهية – جئت َ – أيها – المصيبة !)..
وكان هذا الأخير أول من تكلم طبعا ً ، بأن قال لي انه مساء الخير ، ولكنني لم أبدو على استعداد لتصديق هذه المعلومة .. فقلتُ له في صرامة شديدة (فانا أعرف كيف أبدو صارما ً ومخيفا ً) :
- << مساء (الزفت) ! .. هل لي ّ أن أعرف مالذي تفعله سيادتك َ هنا ؟>>
رفع رأسه في تحد ّ قائلا ً :
- << وإنت مال أهلك ؟ .. أنا جئت ُ هنا لكي أتحدث مع بسمة ، و ....>>
قاطعته أنا مرة أخرى في حزم (فأنا أعرف كيف أبدو حازما ً):
- << وهي وقد سبق وأخبرتك َ برغبتها في أن تكون وحيدة ، من دون رفيق ، لهذا أجد نفسي مضطرا ً لأن أطلب من الرحيل ورفع يدك القذرة من على ركبتها .. الآن لو سمحت ..>>
تطلب الأمر دقيقة ونصف من محمد ليفهم أنه يهان ..بل ويهان أمام بسمة .. والأدهى هو ،من الذي يقوم بإهانته ، ذلك النحيل العصبي المسمى أحمد أمين.. والمصيبة الكبرى أن أحمد أمين هذا يصغره بثلاث أعوام ..
لذا احتقن وجهه كثمرة طماطم فاسدة ، ونهض وهو يلوح بأصبعه بتهديد في وجهي :
- << هل قمت أنت َ الآن بطردي فعلا ً ؟>>
صفقت بيدي في برود (فأنا أعرف كيف أبدو باردا ً) ، قائلا ً :
- << ياللمفاجئة ! .. إن مخك يعمل بالفعل .. لم أكن أعرف بأنك بهذا الذكاء .. لطالما اعتقدت ُ بأن رأسك الشبيه بحذاء جحا لا يحوي إلا ّ روث البهائم ...!>>
ازداد إحتقان وجهه حتى صار كوجه قرد البابون المتغضن، ثم زمجر بصوت عال صارخا ً وهو يرفع قبضته اليمنى ، ومتخذا ً وضعية جودو ممتازة :
- << حسنا ً .. لقد جلبته لنفسك يا عصا المكنسة العجفاء ..سأحطم عظامك كلها >>
رفعت يدي بدوري عازما ً على القتال ، و اقتربنا من بعضنا و .........

<< كفى...!>>>

كانت هذه الصيحة منك ِ أنت بالطبع ، وقد رأيت ِ أن المسرحية التي كانت تجري أمامك ِ توشك على التحوّل إلى حرب عالمية ثالثة دامية .. فقررت ِ التدخل بحزم قبل أن تسوء الأمور أكثر بحق ..
- << مالذي تفعلانه أنتما الإثنين بالضبط ؟!.. إنكما تتصرفان كطفلين في السادسة من عمرهما ، بينما أنت يا أحمد في الثامنة عشر من عمرك وأنت يا محمد في العشرين ! .. لم لا تحاولا التحدث والتفاهم كسيدين نبيلين تمّت تربيتهما جيدا ً كما هو المفروض ..المفروض أنكما شابين مهذبين ،لا إثنين من الرعاع يتشاجرون في حانة ! >>
أشار محمد نحوي وهو يقول في حدة :
- << هذا الحقير هو الذي بدأ ال......>>
قاطعته أنت في حدة أشد :
- << قلت ُ كفى .. والآن يا سيد محمد نظرا ً لأنك كنت أول من تكلم ، فإني أطلب منك أن تتكرم وتعود إلى داخل البيت .. الآن لو سمحت ! >>
احتقن وجهه أكثر وأكثر ، حتى خيِّل إلي َّ أنني سأرى الدم يزف من إذنيه وأنفه ، وفتح فمه كأنما يريد قول شيء ما لك ِ ، ولكنه لم يستطع ، فأدار وجهه نحوي ، ليقول بصوت مختنق :
- << صبرا ً يا سحلية المجاري المتعفنة .. إن الأمر لم ينته بعد .. فربما لا أستطيع ضربك هنا أمام هذه الحمقاء ، لكني لن أنسى هذا .. سنتقابل يوما ً خارج أسوار البيت ، ونصفي الموضوع رجلا ً لرجل .. أعدك أننا سنمضي وقتا ً ممتعا ً للغاية ..!>>
عقدت ُ يدي أمام صدري ، في تحد ٍّ سافر، وأنا أرد ُّ عليه في برود :
- << وأنا أعدك أني سأكون متحضرا ً حين ألتهم كرتي عينيك .. أعدك أنني ساستعمل الملعقة ولن أُلوث قميصي !..>>
ازداد احتقنان وجهه (ولا تسأليني كيف)حتى قدرت ُ أن رأسه سينفجر في أية لحظة ويغرق المكان بأشلاء مخه وعظام جمجمته وعضلات وجهه ..
حاول أن يقول شيئا ً مرة أخرى إلا ّ أنه لم يستطع طبعا ً ، لذا دار على عقبيه منتزعا ً قدمه من الأرض .. واختفى من أمامنا..
إلتفت ِّ أنت إليَّ على الفور ، وفي عينيك ِ نظرة لوم قاسية :
- << والآن .. هل يمكنك َ أن تشرح لي مالذي كاد أن يحدث هنا الآن ؟ .. منذ متى وأنت تجيد التصرف كالهمج والرعاع هذه ؟>>
فركت ُ يدي في توتر ، قائلا ً في عصبية (فأنا أعرف كيف أبدو عصبيا ً ):
- << كل مافي الأمر هو أنني أكره أن يحوم حولك ِ هذا الذئب .. إنه يبعث في نفسي نفس الشعور بالإشمئزاز الذي يمكن أن أشعر به لو وجدت ُّ حية الجرس أو (كوبرا) داخل الحمام !..>>
اندهشت ِ أنت لصراحتي الصادمة .. فصمتِّ عاجزة ً عن التعليق ..
في الحقيقة يا بسمة أنني – عندها – لم أجرؤ على إخبارك بالحقيقة كلها .. لم أخبرك بـأنني كنت لا أرتاح كثيرا ً لنظرات محمد سيف الوقحة قليلة التهذيب لك ِ .. أذكر – على سبيل المثال – مرة ً أنك ِ كنت مارة ً من أمامه ، عندما سقطت ْ منك لفافة ما ، فهرع من مكانه ليعيدها إليك ِ .. فشكرته أنت ِ بواحدة من إبتساماتك ِ الرقيقة ..هز ّ هو رأسه في رشاقة بمعنى : لا تشكرينني يا حلوة ، فهكذا يتصرف الرجل (الجنتلمان) دائما ً ..
لكن أي أعمى يمكن أن يرى – في عينيه الآثمتين دوما ً - أن أفكار هذا (الجنتلمان) تختلف كثيرا ً عن الذي يقوله .. أفكار غير قابلة للنشر تتعلق بك ِ .. الخلاصة فيها هو أنه سيتحول إلى ثور إيطالي يخور ، ويتصاعد البخار من منخريه..
لكني لم أستطع وقتها أن أقول لك هذا ..
ما علينا .. لنعد إلى قصتنا .. كنتِ لا تزالين تتطلعين إلى وجهي في صمت ، له ألف ألف معنى ..
آه يا ملاكي .. ليت لي وجها ً أجمل من هذا كي أريه لك ..!
هنا قلت ِ لي في شرود وأنت تتأمليني كأنما ترينني لأول مرة:
- << ربااه يا أحمد ! .. لقد كبرت حقا ً يا صغيري !!>>
أجبتك ِ محاولا ً الإبتسام :
- << أسف ٌ على كوني قد كبرت .. وأعدك ِ ألاَّ أكرر هذا الخطأ ! >>
أخذت ِ تضحكين في رقة ، ثم قربت ِ وجهكِ من وجهي ، هامسة :
- << أحقا ً لا زلت َ ....؟>>
عقدت ُّ حاجبيَّ في حيرة " متسائلا ً :
- << ماذا ..؟!>>
رفعت ِ يدك الرقيقة لتلمسين ذقني بإصابعك الكريستالية الهشة :
- << أحقا ً لا زلت َ مُلكي أنا ..؟>>
هتفت على الفور دون وعي :
- << وحتى يحترق آخر نفس في رئتي ، وحتى آخر نبضة يرتجف بها قلبي ، و .................>>
هنا فجأة قاطعني صوت أشبه بهدير البراكين وزئير الزلازل ، ودوي الإنفجارات ، يقول :

- << مالذي تفعلانه أنتما هنا في الظلام بالضبط ؟؟؟؟!! >>
والتفتنا نحن الإثنين لنصطدم بوجه محمد سيف وهو يحمل ابتسامة مقيتة متشفية ، وإلى جانبه آخر شخص كنا نتمنى أنا وأنت أن نراه في تلك اللحظة ..
والدتك ..!!

البقية قريبا ً بإذن الله

imported_أحمد أمين أحمد محمد 26-02-2008 09:54 AM

الرسالة الرابعة : وإلتقينا من جديد (حب جديد .. و بسمة جديدة )..!
 
الرسالة الرابعة : وإلتقينا من جديد (حب جديد .. و بسمة جديدة )..!

- << مالذي تفعلانه أنتما هنا في الظلام بالضبط ؟؟؟؟!! >>

دوى هذا السؤال كهدير الرعد في أذني وأنا أتطلع إلى وجه عمتي حنان – والدتك ِ أنت ِ يا بسمة - في رعب شديد ..
- << أجيبا على سؤالي حالا ً أيها الملعونان ؟ مالذي تفعلانه هنا ؟ >>
بينما كان وجه محمد الشامت يقول بوضوح لها (ألم – أقل – لك – يا – خالتي ) .. وشاية ناجحة كما ترين ، هدفها الإنتقام مني أنا بالذات .. كلانا – أنا وأنت ِ – نعلم أنه لم يحدث بيننا أبدا ً – إلى يومنا هذا - ما نخجل من ذكره .. ولكن كيف نقنع العمة حنان بهذا ؟
- << أجيبني يا حمقاء .. أجبني أنت أيها الصرصار المتسخ !>>
أذكر أنني ابتعدت ُّ عنكِ على الفور ، وقد نسيت دور العاشق اللاتيني الذي كنت أعيشه في تلك اللحظة ، ولوّحت بيدي َّ الإثنتين قائلا ً بخوف ٍ لا بأس به :
- << لا يا (عمتو) لم يحدث شيء .. أقسم بالله العظيم لم يحدث شيء .. أنا فقط كنت أتبادل أطراف الحديث مع بسمة لا أكثر ، و....>>
انقضت عمتي حنان على علي ّ فجأة ، وأمسكت بأُذني بقسوة ، وراحت تعتصرها ، وهي تقول من بين أسنانها في غل ّ :
- << أعرف أنه لم يحدث شيء .. لأنه لو حدث شيء لفتكت ُ بك .. الآن اسمعني جيدا ً أيها الجحش .. المرة القادمة التي أجدك تتحدث فيها مع ابنتي على هذا النحو ، سأكسر ظهرك إلى نصفين ، وأتسلى بضرب جسدك المشلول بحائط البيت ، حتى يبدو منظرك أقرب إلى (عصيدة الدخن) منه إلى أي شيء آخر .. هل تفهمني يا هذا ؟!! >>
رقيقة المشاعر هي أمك ِ .. أعرف هذا جيداً .. !
حقا ً أتمنى ألا ّ أموت قبل أن أعرف لم َ تكرهني أمك ِ لهذه الدرجة ! .. منذ صغري وأنا أعرف أنها لا تطيقني ، وأنها تحلم بذاك اليوم الذي ترى فيه جثتي ممدةً على قارعة الطريق والدم يغطيها ، وقد غطى ما حولها ..!
ماذا ؟ أنا أُبالغ ؟ لا لا ، لا أظن .. أنا متأكد مما أقول .. أرجو فقط ألا ّ تغضبي من كلامي هذا ... أنا فقط هنا أقص ُّ تاريخا ً من غير تزيف أو مجاملات ..
المهم أن عمتي حنان لم تضربني كثيرا ً ذلك اليوم – اكتفت بثلاث ركلات فقط ولكمتين خطافيتين – وأمسكت بيدك ِ ، وجرتك ِ جرا ً خلفها إلى الداخل ...
أمّا ذلك الوغد محمد سيف ، فقط أشعل سيجارة ، ونفث دخانها بوجهي مبتسما ً في شماتة ، ثم دار على عقبيه وانصرف في صمت ..
أما أنا ...
بقيت وحدي دون أدني حرف في الظلام ... وأعماقي تستعر في شدة ..
وألم ...
**********
طبعا ً أنه لا داعي للقول أنني لم أستطع أن أراك ِ بعد ذاك اليوم ، حتى عدت ذات مرة ٍ من الجامعة لأعرف أنكِ قد سافرت ِ– وعائلتك – منذ ربع ساعة .. دون أن تسنح لي الفرصة بتوديعك ...
الشيء الوحيد الذي منعني من البكاء كالأطفال وتمزيق ملابسي وتقطيع شعري كالمجانين ، هو أمل جامح دافء ، هو أنني سأراك العام القادم على الأرجح ، وعندها ستكون الأمور قد هدأت ...
ولكني لم أكن أعرف كم كنت ُ مخطئا ً .. لم أكن أعرف أن المرة القادمة التي ساراك فيها كانت ستكون بعد أربع سنوات كاملة .. أي عام 2003.. وأن خريف تلك السنة كان سيكون آخر خريف في قصتنا ، لأنه بعد هذا بشهرين ..
خطبت ِ أنت ....!!
.....................
ولكن دعينا لا نستبق الأحداث ، ودعيني أحكي لك عن أحوالي طيلة تلك السنوات الثلاث التي سبقت خريف 2003..
أنت ِ تذكرين أننا لمدة عام ظللنا نتراسل ، ثم ... حسن ، أنت ِ تعرفين كيف تحدث هذه الأمور .. لم أعد أذكر من توقف عن الكتابة أولا ً ، انا أم أنت ِ ، لكننا توقفنا عن الكتابة بالفعل ..وشيئا ً فشيئا ً بدأت أعتاد الحياة من دون رؤيتك ، وإن كنت ِ دوما ً هناك حاضرة في كياني ..
لكن الحياة لا تترك شيئا ً في حاله .. لابد من ذلك الحجر الذي يلقي في بركة مياة الكون الراكدة ، لتحركها محدثة دوائر كثيرة تتسع وتتسع وتتسع أكثر ثم تتلاشى فجأة كما بدأت ..
كما أنني كنت قد إنشغلت بالجامعة وهمومها .. ومغامراتها ..
نعم مغامراتها .. أنا لن أكذب عليكي يا حبيبتي .. لقد كانت لي مغامرات لا تحصى لها في الجامعة ..
أنت تعرفينني جيدا ً يا بسمة .. ربما أكثر من أي شخص آخر .. ربما أكثر من روحي ذاتها .. وتعرفين أنني لو اشتهرت ُ بشيء ، فبسرعة الملل .. دائما ً ما يخيل إلي ّ أن كل ما يحدث ويقال من حولي ، قد حدث وقيل من قبل ..لكن الناس جميعا ً نسوا ما عداي !
حقا ً .. كان هذا الشعور الذي ضايقني طيلة حياتي ..
مثلا ً ، في منتصف التسعينات ، عندما كتبت الصحف عن حادثة تلك الزوجة الرقيقة الحاشية التي قتلت زوجها ، ثم اجتهدت في تقطيع جسده بالساطور، ووضعت أشلاءه في أكياس بلاستيكية كبيرة .. ُأصيب الناس بالهلع ، وراحت الصحف تكتب عن (الدموية التي تسربت إلى المجتمع العربي) و (تغير أنماط الجريمة في وطننا العربي) ، وعن ....
لم يصدقني أحد حين قلت ُ أن هذه الجريمة ، حدثت مرارا ً في الثمانينات والسبعينات ، والستينات ، وربما كانت تحدث قبل اختراع الأكياس البلاستيكية نفسها .. لكن الجميع نسوا ببساطة .. وصرت ُ أنا المخبول الوحيد ..!
الخلاصة أنني شخص ملول .. ملول جدا ً ..
فما بالك فيما يتعلق بالمواضيع الحساسة كالحب مثلا ً .. و (بالواضح كده) أقول لك ِ أنني كانت لي عدت علاقات رومانسية مع فتيات لا حصر لهن َّ حدثت خلال تلك السنوات الأربع ..
وكلها – بطبيعة الحال علاقات صبيانية ناتجة عن مراهقة متأخرة، كنت ِ أنت ِ السبب في عدم مروري بها كأي مراهق لعين آخر يحترم نفسه ..لذا كان أغلب هذه العلاقات فاشلة إلى درجة تثير الغيظ ..
في الحقيقة يا بسمة ، إن كل هذه العلاقات وقصص الحب الفاشلة هذه لم تكن حبا ً بالمعنى المفهوم .. فمعظمها – إن لم يكن كلها – لم تكن تستمر لمدة تزيد عن الشهر أو الشهرين على أقصى تقدير ..وكلها يمكن تلخيصها في الجمل التالية :
(( أراها في اليوم الأول .. أدرك أنها فاتنة في اليوم التالي .. أقرر أن أحبها في اليوم الثالث .. في اليوم الرابع أبدأ في تمثيل دور العاشق اللاتيني المعذّب .. مع نهاية اليوم الخامس أكون قد أرسلت لها رسالة حب ملتهبة أغلبها مسروق من دواوين نزار قباني.. أختفي من أمامها اليوم التالي .. ثم أعود في اليوم السابع لأستلم (الشاكوش ) المحترم في منتصف رأسي .. فأنزوي وحيدا ً حابسا ً نفسي في غرفتي ثلاث أيام متتالية ، مستبدلا ً دور العاشق الولهان بدور العاشق المنبوذ المكلوم في حبه..مع الكثير من النحيب والقهوة السوداء والتبغ بالطبع..يستمر هذا الحال طيلة الفترة المتعارف عليها للحداد العاطفي – من اسبوع لإسبوعين – فأحلق ذقني ناسيا ً الحكاية برمتها ، وأخرج إلى الحياة باحثا ً عن حب جديد وقصة جديدة ..! ))
هذا هو ما كان يحدث بكل أمانة يا صديقتي .. قد يكون تصرفا ً صبيانيا ً مني ، نعم .. ولكنك لا تستطيعين أن تنكري أنه وإن دل ّ على شيء فإنما يدل ُّ على مدى صلابة وإصرار العبد لله ، وبلاهته طبعا ً !
ولكن ... هل أنا فقط من يفعل هذا يا بسمة ؟
الواقع أننا كعرب ملتهبوا العاطفة بالفطرة .. بالسليقة .. أورثنا كما ً هائلا ً من التراث العاطفي المحموم .. كل تلك القصص وأطنان القصائد التي تحكي عن قيس وعبلة ،وعنتر وابنة عمه التي نسيت اسمها للإسف ، ومجنون بثينة و غيرهم كثييييير .. كل تلك القصص والقصائد الشعرية التي عادة ً ما كانت تتكون من خمسة وسبعين بيتا ً على الأقل وأربعين تنهيدة ..
كل هذا ورثناه جينيا ً من أجدادنا ، لذا ما إن يجد أحدنا من الشباب أوالشيوخ – على حد السواء - فتاة / امرأة تصلح لكي نصب ّ مشاعرنا فوقها ، نفعل هذا على الفور ودون تفكير ، فنملأ الدنيا صراخا ً وعويلا ً وشعرا ً وغناءاً ..
كما هنالك تفسير آخر .. تفسير آخر أكثر أناقة ، بالنسبة إليّ على الأقل.. هو أننا شعب نحب الشعور بالحزن والشجن ..نعم يا بسمة .. فإن كنت ِ لا تعرفين هذا ، فدعيني أقول لك أن جراح القلب شيء مسل ٍّ حقا ً ..
فهي طريقة مطمونة لنجد ما نفعله في الأمسيات الصيفية الهادئة : نتألم .. نتأوّه ..نكتب شعرا ً رديئا ً .. ونحسو أقداح القهوة الثقيلة ، وندخن لفائف التبغ واحدة تلو الأخرى ، مرددين بصوت مليء بالمرارة : (سيندمون جميعا ً .. الأوغاد الجهلة ..!)
هذه هي فائدة أن تكون (مشوكشا ً) الوحيدة ..
ولكن لابد أن أقول أيضا ً يا بسمة أنه لم تكن جميع قصص حبي فاشلة كما تتصورين أنت في شماتة ، فأنا لست ُ غولا ً أو وحشا ً على كل حال .. فبعض (محبوباتي) بادلنني حبا ً بحب ، عندها كانت القصة تستمر لشهر آخر ، ثم أنهيها – عندما أملها – بأن أصارح فتاتي بأني مصاب بالسرطان ، وأنه لهذا لا مستقبل لنا معا ً ، ثم أغني لها ("أغالب دمعي ولتصبر .. واقول يالله صبرني .. على فراقك يا أغلى الناس .. سواد حظي الملازمني ..") !
وأنصرف دامعا ً ، وهي دامعة ، لأشتري شطيرتي فول وطعمية من عند (فول ود النور) – لاشيء افضل من الفول لعلاج القلوب المعذّبة – وألتهمها على العشاء ، ثم أنام قرير العين ، أفكر في حب جديد ..!
لكن يا بسمة، الحقيقة الأهم هي أنني خلال تلك القصص ، لم أنسك ِ أبدا ً .. لم أنسى أبدا ً ما تمثلينه أنت بالنسبة لي ..
صحيح أنني قد تمر علي ّ أوقات ٌ أكون فيها تحت استحواذ فتاة ٍ أخرى ، إلا ّ أنني لم أنجح أبدا ً في طردكِ من عرش أحلامي .. لقد ظللت ِ واقفة هناك فوق أعلى ناطحة سحاب في مدينة ذكرياتي ، وكنت ِ تتوهجين وتتألقين كعهدي بك ِ ..
كل ما هناك أن كل فتاة أتعلق بها ، أجدها تكتسب الكثير من صفاتك ِ أنت .. يوما ً بعد يوم ! .. وحتى عندما تضحك تلك الفتاة – أيا ً كانت – كنت ُ أرى فيها شبح ضحكتك ِ المرحة الحنون المشربة بروح الدعابة ..
غريب هو ذلك العالم المتشابك الكامن تحت فروة رأسي .. وأبدا ً لن أتمكن من فهم ذلك الكائن الغريب الذي هو أنا ...!!

***************************

وجاء خريف 2003 .. كنت وقتها منتعشا ً كالمصيبة ، وشاعرا ً بالرضا عن الكون كقطة فرغت من شرب إناء كبير من اللبن البارد .. السبب كان طبعا ً أنني كنت قد فرغت للتو ّ من إمتحانات الجامعة المقيتة .. وفي هذا راحة ما بعدها راحة كما تعرفون ، خاصة لعضلات عيني ّ اللتين كانت تشعرني بانهما قد تحولتا لساقي رياضي متحمس بعد سباق إختراق الضاحية عدوا ً ، من تأثير أطنان المراجع والكتب التي كنت منهمكا ً في مذاكرتها ..
المهم أنني كنت وقتها سعيدا ً سعادة نادرة بالنسبة إلي ّ ، عندما سمعت الخبر الصاعق : بسمة قادمة ..!
رباااااه ... أما تزال تلك اللعينة على قيد الحياة ؟؟! .. ومالذي تفعله هذه المصيبة هنا بالضبط ؟ .. ألم ترحل إلى الولايات المتحدة لتدرس الجامعة ، تلك الحمقاء ؟ .. لم عادت إلى هنا بالضبط ؟؟؟!.. ترى كيف تبدو الآن ؟ .. ألا تزال جميلة كاحلام الأطفال ، أم إزدادت جمالا ً ؟ .. لا ، لا ، هذا مستحيل علميا ً ، لا يمكنها أن تزداد جمالا ً .. بالتأكيد صارت قبيحة كقرود البابون الآن .. نعم .. نعم ...
كل هذا الهراء أعلاه – وسامحيني أرجوك – دار برأسي وقتها ..
رباااااه ... كم اعتراني الخوف والتشويق والتوتر حينها .. والحنين أيضا ً ..
طبعا ً يا بسمة لا داعي أن أخبرك بانني لم انم ولو للحظة في اليوم السابق لوصولك للخرطوم .. طبعا ً لعبت الأفكار دور (العاديات اللاتي فرشن ّ لي هراسا ً به يعلى فراشي ويقشب ُ) كما يقول عمنا الشاعر (النابغة الذبياني).. وهي صورة رائعة بالفعل .. تُحوِّل الفراش إلى أرض معادية كلها أوتاد ودبابيس ، حتى صار من المستحيل أن أتظاهر بالهدوء أو الإسترخاء ..
وعندما توقفت ْ السيارة التي كانت تقلكِ أنت وأمك وأختك من المطار ، كنت ُ في أسوأ حال كما لك أن تتوقعين ..
وقتها كان قلبي يعمل بمزاجه الخاص ، وصار له إيقاع محبب يذكرك بإيقاع طبول فرقة (أولاد الشيخ البرعي ) .. وبدأت بقعة سوداء محاطة بحواش صفراء تظهر في مجال ابصاري .. إنه الإغماء قادم ولا ريب..
لكن كان .. يجب .. أأ .. أن .. أن .. أقاوم ..م م..!
وفجأة رأيتكِ ، تخرجين من السيارة برقة النسيم ، ورشاقة تليق بغزال بري .. أذكر أنه انتفضتْ كل ذرة من جسدي في تلك اللحظة .. انتفضتْ في عنف ..
انتفضت ُ كطير ذبيح عندما رأيت ُ تلك المرأة الشابة الرقيقة ، ذات الوجه الفاتن ، الذي يخبرك بوضوح أن صاحبته حتما ً وبلا شك حورية من حوريات الجنة .. ببشرتها التي لها لون اللبن المختلط بقطرات من عصير الفراولة ، وعنقها الناعم الطويل ، وشعرها الأسود البترولي الطويل الناعم ، المنسدل في أناقة على كتفين لهما استدارة ساحرة ، ويصنع مع وجهها لوحة أكثر من رائعة ، خاصة مع عينيها العسليتين ، اللتين هما تكونان كل غموض الكون ، وفيهما مطلع الشمس وغروبها ، واكتمال البدر .. مع فمها الدقيق الساحر الأشهى من فاكهة نبتت قبل موسمها بكثير ..!
رأيتها هي ..
رايتك ِ أنت ِ ..
أنت ِ يا بسمة ..!
من غيرك يملك مثل هذا الجمال ..؟؟!!!!
ودون وعي مني ، كانت عيناي الإثنتان متسعتان في شدة ، واشتركتْ مع فمي المفتوح على آخره في انبهار ،في صنع ثلاث دوائر ضخمة احتلت وجهي باكمله وأنا أتطلع إليك ِ ..
وفجأة .. وجدتك تقفين أمامي ، بعد أن صافحت جمعيع المستقبلين ، وعانقت ِ خالاتك ِ وجدتك ِ ، وحان دوري – في المصافحة طبعا ً – فمددت ِ يدك ِ الكريستالية الهشة ، نحوي ، وتقولين بصوت حمل رقة العالم كله :
- << أهلا ً أحمد .. كيف حالك أيها الشاب ؟ >>
رفعت ُ يدي نحوك ِ ، محاولا ً كتمان البركان الهائج بدواخلي ، والتقطت ُ يدك البلورية الناعمة .. تعمدت ُ طبعا ً عدم الضغط حتى لا أسمع صوت ال (كراتشي) الذي أخشاه !
صافحتك ِ في حرارة ، وابتسمت ُ في شحوب قائلا ً في ديبلوماسية :
- << ف ف ..أه .. س .. سس .. ص .. ف ..ف .. أ أ .. ف .. ه ..هه >>
وهي عبارة بليغة جدا ً كما ترين ، نظرا ً لأن ارتباكي وذعري منعاني من تذكر طريقة نطق الحروف وتكوينها في جمل ، الصحيحتين .. لكنها تؤدي الغرض على كل حال .. فماذا يقال في مناسبة كهذه سوى (حمدا ً لله على سلامتك) و (مرحبا ً بك ِ ) أو شيء من هذا القبيل .. وقد اخترت ِ أنتِ المعنى نفسه ، إذ قلت ِ :
- << شكرا ً يا أحمد .. لقد اشتقت ُ إليك كثيرا ً >>
ثم ابتسمت ِ لي تلك الإبتسامة التي تميزكِ – علامة مسجلة Trade Mark- والتي تدل على حب بريء للكون ...

**********************

بالطبع كانت ليلة سوداء كقلب أبو لهب ، تلك التي قضيتها بعد انتهاء حفل الأستقبال الصغير الذي أقاموه لكم .. ليلة سوداء سوداء نابغية فعلا ً .. إلا َّ أن الإرهاق – جزاه الله خيرا ً – لم يتركني فريسة للأرق لمدة طويلة .. لذا نمت ْ .. نمت ْ بعمق ، ورحت أحلم .. أحلم أحلاما ً صبيانية للأسف ، كاد جبيني يندي لها خجلا ً ..
هاهي بسمة في الأدغال تسقط في الماء صارخة في رعب .. تمساح وغد يخرج من القاع فاتحا ً فكيه الرهيبين ..عندئذ ٍ يثب أحمد العظيم عاري الصدر ملوحا ً بخنجره ، منتويا ً أن يخرب بيت التمساح .. فيصارع التمساح في بسالة يحسد عليها ، ويمسك من ذيله ، ثم يعقده ويلقي به بعيدا ً ..
بسمة خطفها الألمان النازيون إلى قلعة النسور .. أحمد الخارق يهشم الباب بقدمه .. ويدخل حاملا ً مدفع (ميترليوز) عملاق على طريقة (سليفستر ستالوني) في فيلم رامبو ، النازيون يتطايرون في كل صوب ، والدماء تتناثر بغزارة ..
بسمة تنظر لي في انبهار ، وقد فهمتْ أخيرا ً أنني الرجل الذي يصلح لها .. يدها الحالمة تداعب شعري الثائر ، وتمسحه بتلك الحركة شديدة الرقة التي طالما كانت تفعلها في طفولتنا ، ثم تغمض عينيها في رومانسية ودلال، وتقترب مني ، و........
ترررررررررررررررررررررررررررررررررررررن ن ن ن ..
جرس المنبه يدق ..!
ترررن ... استيقظ يا أحمق ... تررررن ... استيقظ قبل أن يخربوا بيتك .. ترررن ... استيقظ يا كسول ...ترررررررن !
أمد يدي لأطفئه ، وأنا أسبُّ مخترع الساعات والمنبهات في سري .. أنهض من السرير ، ماسحا ً خط اللعاب الذي كان يسيل على ذقني ..وأتجه للحمام فأغسل وجهي مرتين .. ثم رحت – في تعاسة – أرمق في المرآة ذاك الوجه المريع الذي كان يرمقني بتعاسة مماثلة من الجانب الآخر للمرآة ..
خرجتُ إلى الغرفة ، لأبدل ملابسي ، وقد قررت أن أنزل وأجلس في الحديقة لبعض الوقت ، ريثما يستيقظ الآخرون ، حيث أن الساعة كانت لم تكن قد تجاوزت بعد السادسة صباحا ً .. وخلال عشرة دقائق كنت أمشي بخطي ثقيلة متمهلة نحو الحديقة الأمامية للمنزل .. كان الجو باردا ً إلى حد ما كما لكِ أن تتخيلين ..والسماء مليئة بالغيوم المكفهرة ، جاعلة الموجودات حولي مكتسية بذلك اللون الرمادي الكئيب البديع ..
وبوصفي واحدا ً من أكبر عشاق الطبيعة بكل صورها الخلابة التي خلقها الله سبحانه وتعالى ، وأبدع في خلقها وتصوريها ، وجدت نفسي أرتجف في رهبة ، قد سرت تلك القشعريرة المقدسة الباردة في جسدي كله .. وأنا أمشي فوق عشب الحديقة المبتل بفعل قطرات الندى ، و .....
رأيت ذلك الجسد يجلس خلف الشجرة ...
جسد فتاة كما تقول الصفات التشريحية للحسد ... وعندما اقتربت أكثر ، وجدت ُ نفسي أتطلع إلى آخر وجه أردته رؤيته في تلك اللحظة ...
وجهك ِ أنت ِ يا بسمة ..!
كنت ِ تجلسين وحدك ِ هناك تحت تلك الشجرة العجوز الموجوده هنا منذ الأزل ، وقد أسندت ِ ظهرك على جذعها ، مغمضة عينيك ِ ، وأنت ِ تهزِّين قدميك متماشية ً مع موسيقى أجنبية حالمة مصدرها جهاز التسجيل الصغير الذي كنت ِ تمسكين به بكلتا يديك ِ ..
ولدقائق طويلة ،شرعت ُ أنا أقوم أنا بذلك النشاط الأبدي الغير مفهوم ، والذي يبدو أنني ساستمر بفعله إلى أن ألقى ربي ، وهو : التطلع إليك ِ في إنبها صامت..
ثم – ودون كلمة واحدة أو (إحم إحم) – اتجهت ُ نحوك ِ وجلست ُ بجوارك تحت الشجرة .. طبعا ً أجفلت ِ أنت للحظة وقد شعرت ِ بي ، ثم هدأت ش بعد أن تعرفتيني ، وقلت ِ شيئا ً على غرار (هم – ديل – بيطلعو – من – وين – يا ربي) ، ثم ابتسمت ِ قائلة ً في ود وترحيب:
- << أهلا ً حمادة .. صباحك حليب ..! >>
اندهشت ُ لعبارتك ِ الغريبة هذه طبعا ً ، إلا َّ أنني لم أستطع أن أمنع نفسي بان أجيب عليك ِ ب :
- << صباحك حليب صافي !>>
ثم بادرتُ بسؤالكِ مباشرة ً قبل أن تباغتيني أنت ِ بأية عبارات ترحيب أخرى عجيبة :
- << مالذي تفعلينه هنا في هذا الساعة المبكرة يا بسمة ؟ >>
رفعت ِ أحد حاجبيك ِ ، وانت ِ تردين :
- << لا شيء محدد .. فأنا لم أنم أساسا ً .. إنني لا أزال بحاجة إلى بضعة أيام حتى تستوعب ساعتي البيولوجية فارق التوقيت بين أمريكا والسودان.. فأديت صلاة الفجر ، ثم قررت ُ النزول إلى هنا والإستمتاع بهذا الجو الرائع ، مع بعض المقطوعات الموسيقية ل ( بيتهوفن ).. بالمناسبة ، كنت ُ على وشك أن أسألك السؤال ذاته..>>
حككت ُ رأسي في تعاسة ، وأنا أُجيب :
- << كابوس !..>>
هززّتِ رأسك ِ في تفهم ولم تعلقين ..
أما أنا فعدت ُّ للتطلع إلى وجهك كالأبله مرة أخرى .. وفي ضوء النهار الوليد تبينت ُ تفاصيل أخرى جديدة ، في هذا الوجه الذي طالما همت ُ به حبا ً .. تبينت – بوضوح – ما اقترفته السنوات من جرائم في حق هذا الوجه.. وجهك ِ .. لا أعني طبعا ً أنك ِ كنت ِ قد شخت ِ أو شيء من هذا القبيل ، إلا َّ هنالك شيء ما كان يسكن هذا الوجه .. ولكنه لم يعد موجودا ً الآن .. إنك ِ لم تعودين طفلة .. لم تعودين نضرة ً.. ولم تعودين صافية ً .. لقد صرت ِ واحدة أخرى الآن .. لكنك ِ ظللت ِ رائعة ً برغم كل شيء .. برغم كل ما مرّ من زمن.. ولم أكن في حاجة إلى كثير من الجهد كي اقع في غرامكِ من جديد . سيكون هذا هو الحب الثاني في حياتي .. أولا ً أحببت ُ فتاة صغيرة هشة اسمها (بسمة).. ثم الآن سأحب ُّ امرأة ناضجة رقيقة اسمها – أيضا ً – (بسمة).. ولن تتهمني إحداهما بأنني أخونها مع الأخرى ..!
وهأنذا .. أجلس ُ بجوارك ِ وقلبي يخفق في عنف ، كطبول قبيلة أفريقية في موسم الصيد .. وقد ذابت كل الأربع سنوات التي فرقتنا ، في ثوان ٍ ، ووجهك ِ القديم يُبعث من قبره ، و..............
- << لم أنتَ صامت كالبوم هكذا ؟!! >>
كانت هذه العبارة منك ِ أنتِ طبعا ً ، لتعيدني لعالم الواقع .. تنحنحت ُ لأنظف حلقي ثم قلتُ بصوت مبحوح :
- << لا .. لا شيء .. فقط كنت ُ أفكر في حقيقة أننا نجلس هنا سوية مرة ً أخرى ، في نفس المكان الذي جلسنا فيه أيضا ً معا ً منذ ما يقرب من عشرة سنوات .. هل تذكرين ؟ .. عندما ضربني العم كمال ، ضرب غرائب الإبل بسبب شيء فعلتيه أنت ِ أيتها المصيبة ؟ >>
شاعت على شفتيك ِ إبتسامة دافئة ، أكدت ْ لي أنك تذكرين .. ثم اتسعت إبتسامتك ِ ، وأنت تقولين بحنان :
- << يااااه ..لعمري إنها كانت أيام مجيدة .. بالمناسبة ، إنني لم أشكرك أبدا ً على الذي فعلته واحتملته من أجلي في ذلك اليوم ..>>
قلتُ على الفور من دون أن أشعر :
- << أشكريني على أشياء إختيارية .. أشياء أستطيع أن أرفض أن أعملها..>>
لم تردي علي َّ هذه المرة .. وإن أظهر ت عيناك ِ إمتنانٌ لا حدود له ..
وبصعوبة شديدة، كتمت ُ أنا جيشان الكلمات الذي كان يحاول جاهدا ً أن يخرج من صدري .. وأخيرا ً استطعت ُ تحويل جملة (أنا أحبك بجنون) إلى (كيف تسير حياتك يا بسمة ؟)... وياله من مجهود مذهل ! .. لقد احتشد العرق على جبيني من الجهد ..
أجبت ِ أنت ِ بعد فترة من الصمت :
- << ببطء ، وبوتيرة شديدة الملل .. إن الحياة في (ساكريمنتو) ليست بالروعة التي يتصورها العالم ..>>
عقدت ُ حاجبي َّ في حيرة متسائلا ً :
- << ساكري ..ماذا ؟!! >>
هززت ِ كتفيك ِ مجيبة ً:
- << إنها المدينة التي أعيش فيها في كاليفورنيا ..إنها الملل والرتابة ذاتها .. يمكنك تلخيص قصة حياتي في أربع كلمات : نوم – جامعة – مذاكرة – نوم ...لا شيء آخر تقريبا ً >>
ابتلعت ُ ريقي وأنا أقول في حذر :
- << فقط ؟ .. أليس لديك ِ صداقات أو نشاطات أخرى ؟ >>
- << طبعا ً هناك .. في ال Week End أذهب مع نسرين إلى السينما أو المسرح أو نذهب إلى لوس أنجيليس أو سان فرانسسكو ..>>
سألتك ِ مرة أخرى في بلاهة :
- << من هي نسرين هذه ؟ >>
تجيبين ببساطة :
- << صديقة عزيزة .. سودانية .. تعرفتُ عليها من خلال أخيها نادر رحمه الله ..>>
قلت ُ لكِ في عصبية :
- << بسمة .. أنت ِ تضغطين على أعصابي أكثر من اللازم .. من هو نادر هذا ؟ >>
في مرارة أجبت ِ أنت ِ :
- << طبيب شاب ..كان صديقا ً لأحد أعمامي هناك .. كنت ُ قد قابلته مرة أو مرتين في دبي من قبل .. ولكن علاقتنا صارت أعمق في أمريكا .. وقد كنت ُ أشعر بوحدة قاسية هناك لهذا ملت ُ إليه كثيرا ً ..>>
ابتلعت ُ ريقي للمرة الثالثية ، لأزيل مزاق المرارة الكريه من حلقي :
- << ملت ِ إليه .. أي أحببتيه ؟؟ >>
- << لا أدري .. ربما ...>>
انغرستْ إجابتك ِ هذه كخنجر مسموم في قلبي ، ولكني ضغطت ُ على مشاعري ، لأسألك ِ :
- << وهو ؟ >>
سرحت ِ ببصرك ِ للحظات ، قبل أن تقولي :
- << أعتقد أنه كان يهيم بي حبا ً ..!>>
ابتلعتُ ريقي للمرة المليون ، وقد قررتُ أن ألتزم الصمت هذه المرة ..
قلت ِ أنت ِ وقد لاحظت ِ ضيقي :
- << قلت ُ : يرحمه الله ..>>
- << فاليرحمنا الله جميعا ً .. كيف مات ؟ هل مات حبا ً ؟ >>
- << بل في حادث سيارة ..>>
ثم صمت ِّ قليلا ً قبل أن تردفين :
- << يقولون أن الخطأ كان خطأه هو .. فنادر كان شخصية غير مستقرة نفسيا ً نوعا ً .. وكان كثير الشرود .. تصوَّر أنه لم يكن يطيق سماع مقطوعات بيتهوفن الموسيقية ؟ >>
قلت ُ أنا :
- << حقا ً ؟! >>
قلتها في غيظ شديد .. أنا نفسي لا أطيق بيتهوفن ولا أحد غيره من سادة الموسيقى الكلاسيكية منكوشي الشعر .. لكني أعيش وأحيا وأتنفس ، ولم يطالب أحد بإعدامي حتى هذه اللحظة ..
أردفت ُ أنا في تهكم :
- << أحقا ً لم يكن يطيق بيتهوفن ؟ ياللجنون ! .. إن حماقة البشر لا تنتهي عند حد ّ .. ربما أحسن صنعا ً إذ مات ..>>
ثم عدت ُ أسألك ِ وقد فرغتْ السخرية من جعبتي :
- << وهل طلبك ِ للزواج ؟ >>
هززت ِ رأسك بمعني (لا) ، قائلة ً في كياسة :
- << لم تكن معرفتنا ببعضنا تكفي لخطوة كهذه ..كما إن الموت كان أسرع .. ولا أظنني كنت ُ سأقبل لو فعل .. فهو كان كما أخبرتك شخصية غير مستقرة نفسيا ً >>
- << وماذا فعلت ِ بعد وفاة حبيبنا نادر ؟>>
هززت ِ رأسك ِ كأنما تنفضين ذكرى الموضوع ، وغمغمت ِ :
- << لا شيء .. بكيت كثيرا ً ، ثم نسيت ُ الأمر برمته .. الحياة تمضي يا صغيري أردنا أم لم نرد .. المهم هو أنني خرجت من موضوع نادر هذا كله بصديقة عزيزة هي نسرين أخته .. وحيث أننا – أنا وهي – كنا نحب ُّ نادر بشدة ، فقد ربطت بيننا بعد وفاته صداقة قوية حقا ً >>
قلت ُ مغتاظا ً في شدة :
- << الآن تتحدثين عن حبه بشدة ، بعدما كان هذا ميلا ً...إنني ........>>
ثم قررت ُ أن أخرس .. لماذا أضع حولكِ القيود ، وأنت ِ لم تعطيني أي وعد من أي نوع ؟ لماذا أفترض أن حبي لشخص ما يجعله مطالبا ً بالإخلاص لي ؟ هكذا ودون أي إرتباط عاطفي من ناحيته ؟ .. فالأخرس إذن.. لقد مات الأخ نادر هذا وأراحنا .. ولكن هذه الحقيقة لا تعزيني بحال ..
كل هذا ، ثم – والأدهى – لا يحب بيتهوفن !!
إلا ّ أنني عدت ُّ وقلت بعصبية ، وقد صار إسكاتي معجزة :
- << ألم تحبي أحدا ً غيره .. أعني بعد موته .. أعني هل أنت ِ مرتبطة عاطفيا ً الآن أو شيء ٌ منة هذا القبيل ؟ >>
نظرت ِ لي بصمت نظرة معناها ( هذا – ليس – من – شأنك – بأية - حال ).. فأضفت ُ أنا في عصبية أشد :
- << إنني فقط أسأل لأنني أعرف أن أمريكا مليئة بشباب سودانيين (زد الورد) وكلهم من طراز (فاتن النساء) إياه الذي لا يعزف لسانهم إلا ّ شهدا ً ، وكلهم وسيمين لدرجة تثير الغثيان .. لهذا تجدينني أتساءل >>
صمت ِّ طويلا ً ، وأنت ِ تتطلعين إلي َّ بنظرة غريبة تقول (ما هذا المخبول)، ثم إعتدلت ِ في مكانك ِ قائلة ً بصوت ٍ رزين هادئ :
- << اسمعني جيدا ً يا أحمد .. إن المرأة – أي مرأة – عندما تحب رجلها فإنها لا تحبه لأنه أوسم الرجال أوسم الرجال أو الأقوى أو أغناهم .. بل لأنه هو .. هل تفهم كلامي ؟ .. لأنه .. هو بقبحه وضعفه وغبائه وإعتلال صحته .. فقط لأنه هو .. >>
ثم ابتسمتِ ابتسامة لطيفة ، وأنت ِ تستطردين :
- << ثم إن العثور على شريك حياة مناسب من هذه الفئة التي ذكرتها أنت ، أمر صعب للغاية .. الأمر لا يتم بمجرد ضغطة زرّ كما تتصور يا معتوه .. إن العثور على فارس أحلام ليس نذلا ً وليس وقحا ً وليس مدعيا ً وليس رقيعاً وليس مغرورا ً كالطاووس ، لأمر عسير بعض الشيء في هذا العالم .. >>
وجدت ُ نفسي أهتف دون وعي :
- << أنا أعرف واحدا ً ! >>
قلتها في سرور ، وقلبي يخفق في عنف .. لكنك ِ لم تعر ِ كلامي اهتماما ً .. ورحت ِ تتكلمين :
- << على كل حال .. هكذا تمضي في بلاد العم سام .. دراسة وملل يتخللها صداقات جديدة اغلبها تفشل ..>>
ثم رمقتيني بنظرة باردة ، وقلت ِ بصوت قاس ٍ :
- << وبالطبع ، لم يتفضل السيد احمد بالإتصال بي طيلة ، أو مراسلتي طيلة هذه السنين ..! >>
احمرتْ أذناي ، وقلت ُ محاولا ً التبرير:
- << لم يكن الأمر بيدي .. إن تهديد والدتك بإطلاق الرصاص عليَّ لو حاولت ُ الإتصال بك ِ ما يزال قائما ً .. كما أن رحيلك المفاجئ لأمريكا أشعرني بأن لا مكان لي في حياتكِ ، وأن المسافة بين عالمينا قد اتسعت لتشمل المحيط الأطلسي باكمله ..>>
نظرت ِ إلى عيني مباشرة ، واقتربت ِ مني حتى لفحتني أنفاسكِ العطرة ، وهمست ِ :
- << للأبد يا أحمد ؟؟ >>
عقدت ُّ حاجبيَّ في حيرة " متسائلا ً :
- << ماذا ..؟!>>
رفعت ِ يدك الرقيقة لتلمسين جانب وجهي بإصابعك الكريستالية الهشة :
- << ستظل تذكرني للأبد ..؟>>
هتفت على الفور دون وعي :
- << وحتى يتبخر آخر نفس في رئتي ، وحتى آخر نبضة يرتجف بها قلبي ، و .................>>
هنا – فجأة – أشرق وجهك ِ فجأة .. ثم قفزت ِ واقفة ً قبل أن أكمل أن كلامي ، وأنت ِ تقولين في ترحيب لشخص ما :
- << خالتي منى ! .. كيف حالك ، اشتقت إليك ِ كثيرا ً ، لقد سألت الجميع عنك البارحة .. صباحك حليب ..!>>
ثم انهمكت ِ أنتِ وهي في عناق طويل ولثم محموم على الخدين مصحوب بصرخات وعويل وأشياء أخرى غريبة جدا ً.. مالذي أتى بهذه الحمقاء منى إلى هنا ، وفي هه اللحظة الحساسة الفارة من مصيدة الزمن ، فتفسدها تماما ً ..
المهم أنني نهضت من على ألأرض في إحباط .. وانصرفت دون أن أقول لك ِ كلمة ، عازما ً على أن أتحاشاك لعدة أيام ..
ولكني لم أكن أعرف أن القدر له خطة أخرى .. وأنه يخبئ لي ليلة معك ِ ، ليلة لم أنساها ما حييت..
أبدا ً ..
(البقية في الخطاب القادم بإذن الله.. وقريبا ً جدا ً)

imported_بسمله 26-02-2008 10:54 AM

:)

سلام سلام يا احمد امين
و اللع قصتك فظيعه يا اخى انت بتوجع لى قلبى ..
غايتو

المهم ما تجى تكتب لينا سطر و تمشى

ما تطول لاننا راجينك

سلام

imported_نهى أحمد 26-02-2008 11:49 AM

الأستاذ أحمد
طريقة كتابتك تدينك ك
رومانسي لاتنيسوداني
وهذا أدب غريب وروح شجاعه في هيامك بمحبوبتك
أتخوف من إبداء النصح لك ذلك أنك تهيم بها بجنون
لكنني
أتمنى لك حظاً طيباً.
وبإنتظار بقية رسالتك.

imported_أحمد أمين أحمد محمد 26-02-2008 02:03 PM

بسملة الحميمة ...
شكرا ً ..
شكرا ً جزيلا ً ..
أنت تعرفين لماذا !

imported_أحمد أمين أحمد محمد 27-02-2008 01:38 PM

العزيزة نهى..
شكرا ً جزيلا ً على مرورك الثمين بزاويتي الصغيرة هنا .. وأشكرك أكثر على كلماتك الرقيقة واعجابك بالعمل.. اتمنى فعلا ً أن أكون بهذه المهارة..

imported_أحمد أمين أحمد محمد 19-03-2008 11:53 AM

[align=center]الرسالة الخامسة : ليلة لا تنسى ....![/align]

حبيبتي بسمة ..
.. ما أجمل أن تحب ولا يشعر محبوبك بك .. إن هذا يعطى الحياة صبغة رومانسية رائعة , ما كانت لتتحقق فى وجود حب متبادل ممل .. !
إن هذا يجعل أيامنا مثيرة بعض الشيء إن أردت ِ رأييّ .. فأنا لم أعش أياما ً أكثر إثارة أو أكثر جيشانا ً في المشاعر من تلك الأيام التي مرت علي ّ بعد حديثنا تحت الشجرة ..
السبب هو أنني اكتشفت ُ كم تغيرت ِ أنت يا بسمة .. وكم تغيرت الكثير من الأشياء فيك .. كنت ُ أظن مع ابتعادي عنك ِ وتعمدي لتجنبك ، سيدفعك ِ للبحث عندي ، أو على الأقل ، للسؤال عني وعن أحوالي .. أذكر أنني حتى تعمدت ُ مرة أن أتظاهر بالمرض علكِ تهرعين إلي ّ لتخففي من آلامي ، وإن كانت مزيفة ..
ولكني كنت مخطئا ً .. لم تظهرين اهتماما ً يذكر .. لم أعد أرى نفسي في عينيك ِ ، وعرفت ُ في - هلع حقيقي – أنني قد فقدتك ِ فعلا ً ..
ولكني كنت ُ أعرف أن الخطأ لم يكن خطأك ِ أنت ..
بل كان خطاي أنا ..
فالمشكلة هي يا بسمة أنني أحببتك ِ هادئا ً منتظما ً كالنهر الراكد طيلة حياتي .. لا جديد فيه ولا مفاجئ .. أي أنني فقدتك ِ في اليوم الذي عرفت ِ فيه أنت ِ يقينا ً أنك لن تفقديني ..!
لهذا أعتقد أنكِ تزوجتِ معتز بعد سنتين .. لأنه الخيال ذاته .. هو البحر المتقلب الثائر ، الذي لن تعرفين أبدا ً ما إذا رقتِ له من عدمه .. ولأنه لن يكف عن عن إحباطكِ وإثارة قلقكِ ..
ولكن دعينا ندع الكلام عن معتز الآن .. فنحنا الآن في 2003.. وأنت لن تتزوجيه إلا في منتصف 2005...
كما كنت ُ أقول ، مشكلتي كانت أن حبي ممل ٌّ حقا ً .. واخلاصي الأبدي وإنبهاري الخالد بك ، كلها أسباب جعلتكِ تفلتين كالماء من بين يدي ّ ..
النساء قد لا يستغنين عن المحب المنبهر متقطع الأنفاس خلفهن ّ ، لكنهن ّ يردن – بالفعل – ذلك الوغد الوقح الفظ ّ الغامض الذي لا يعيرهن ّ إهتماما ً كي يمشي أمامهن ّ .. هذه حقيقة علمية تاريخية أتحداكِ أنتِ نفسكِ أن تنكريها ..
المهم أنني وجدتُ نفسي محطماً بشدة عندما أدركت أنه ما كان بيننا قد تلاشي ، وأنه قد انتهت الحكاية بيننا كما يبدو .. لذا كنت ُ أقضي وقتي كله خارج المنزل ، حتى لا أقابلكِ ولو مصادفة ، وأشغل نفسي في المشي دون هدى في الشوارع ومتنقلا ً بين المقاهي والأسواق وأدخن بشراسة.. نعم ،تلك الفترة هي التي بدأتُ فيها التدخين كمحرقة الجثث .. ثم أعود آخر الليل إلى غرفتي الكئيبة الباردة لأبكي بحرقة إلى أن يغلبني النوم ..
ماذا تقولين ؟ البكاء عيب ، ولا يلائم أبناء جنسنا الخشن ؟؟!.. عزيزتي بسمة .. .. البكاء ضرورة حيوية لا غنى عنها .. إن البكاء كالعرق من ناحية التركيب الكيميائي .. فلماذا نمنع الرجل من أن يبكي و نسمح له بأن يعرق .. ؟!! .. كما أن البكاء يريح الأرواح المعذبة إلى حد ما ..
الخلاصة هي أنني كنت أيامي ما بين التسكع الرتيب في الشوارع ،وبين الإكتئاب وحيداً في غرفتي ليلا ً .. الإكتئاب الخام الذي يمكن أن تذيب منه قطعا ً في مياه الشرب ، لتجعل أمة من البشر تقرر الإنتحار...
حتى أتى ذلك اليوم ...
كنت عائدا ً إلى البيت متعكرا ً المزاج كالعادة ، مستعدا ً للشجار مع أي يشخص يستفزني ، وقد فتكتُ بمايقارب أربعة علب كاملة من السجائر في يوم واحد .. كان الوقت عصراً وفي نيتي أن أغير ملابسي وأخرج مرة أخرى للشوارع الحبيبة .. عندما رأيتُ عمتي منى قادمة ً نحوي .. عمتي منى التي إن لم تكن تتسلى بشي القطط في فرن بيتها ، لكان فهمي للبشر خاطئا ً .. قلت لنفسي : يا فتاح ياعليم يا رزاق يا كريم .. كنتُ أريد مشاجرة ً ، وهاهي ذي قد جاءت تتبختر .. متأنقة ترتدي (توب توتال) ذا ألوان تصيبك بالغثيان ..
- << أحمد .. أيها الوغد العزيز .. أين كنت ْ يا فتى ، لقد سألت ُ عنك َ الجميع ؟ >>
بقرف رددت ُ عليها :
- << كنت في الخارج .. هل تريدين شيئا ً ؟ >>
في سماجة ، سألتني :
- << لم أنت َ مكتئبٌ دوما ً هكذا .. إتك تبدو كمن في السبعين من عمره وقد خبر كل الشرور الذي يوجد في الدنيا ؟ >>
أنا في سام :
- << إنه الحماس كما تعلمين .. هل تريدين شيئا ً يا عمتي .. أنا مستعجل نوعا ً ..>>
- << هل ستذهب إلى الحفل في المساء ؟ >>
أنا في غباء :
- << حفل .. أي حفل ؟! >>
- << حفل زواج تينا قريبتنا ..>>
- << غالبا ً لا .. تينا ؟ من هي بالضبط ؟>>
- << بنت بنت خالة والدك >>
- << آآه .. في هذه الحالة ..أنا لن أذهب بالتأكيد ! >>
- << هل يمكنني ان أعرف لم َ ؟>>
زفرتُ في ضيق قائلا ً :
- << لأني أكره البشر والزحام والأضواء .. وأحب الوحدة والعزلة والظلام .. كما أنني لا أشعر برغبة في الخروج من المنزل هذا المساء بصراحة ..>>
صفقت ْ بكفيها كالمعتوهين وهي تقول :
- << جميييييييل ! .. في الحقيقة هذا ماكنت ُ أريد سماعه منك ، كم أنني توقعت ُ مسبقا ً أنك لن تذهب ، لهذا أنت الرجل المناسب للمهمة >>
- << مهمة .. أي مهمة تتحدثين عنها .. >>
- << هنالك فتاة صغيرة تقرب لعمتك حنان ، من جانب زوجها ، وأم هذه الطفلة – التي سترافقنا الحفل – لا تريد أخذها معها لأنها مريضة .. ولكننا لا نستطيع أن نتركها وحدها كما تعرف .. أنت َ تعرف أنني أؤمن بأن الأطفال عبارة عن أوغاد إلى أن يثبت العكس ..>>
هتفت ُ في عصبية وقد فهمت ُ الشرك الذي أساق إليه :
- << وتريدون مني ان اقوم بدور جليسة الاطفال ، ومن دون أية مقابل مادي ايضا ً ، أليس كذلك ؟..الإجابة هي لا يا عمتي .. إنني لا أطيق الطفال أيضا ً ،وأعتبرهم شياطين صغيرة يجب جلدها طوال الوقت أو حبسهم في الحمام على أقل تقدير.. لا ،ابحثوا لكم عن أحمق آخر غيري ..>>
- << لا تكن سخيفا ً يا أحمد ..لا يوجد أحمق آخر غيرك بالطبع..كما إن عمتك حنان ستغضب منك ، وأنت تعرف جيدا ً أن غضبتها ليس بالشيء المستحب أو اللطيف .. كما أن بسمة ابنتها ستكون معك .. فهي ايضا ً تشعر بتوعك ولن تذهب لحفل الزفاف كذلك ..لهذا لن تضطر إلى الإعتناء بالطفلة وحدك..>>
أفلت قلبي ضربة ، وأن أقول :
- << ب . بسمة ؟! .. بسمة ستكون هناك أيضا ً >>
لوحت بكفها ، وهي تقول :
- << نعم .. فهي تشعر بأنها ليست على ما يرام .. المهم .. هل أنت موافق أم أنه سيكون علينا سؤال ابني محمد سيف عن رأيه في الموضوع ؟ >>
- << أنا موافق ..! >>
*******************
حبيبتي بسمة ..
طبعا ً يمكنك أن تتخيلي مدى توتري وسعادتي بتلك الفرصة التي هبطت ْ علي من السماء .. أن أقضي معك ساعات لوحدنا ، ولوحدنا تماما ً ، وهو الشيئ المستحيل حدوثه تقريبا ً في بيت جدي ، حيث يذكرك زحام البشر فيه بموقف السوق العربي للباصات ..
لذا أول شيئ قمت به هو أن إتصلت بصديقي العزيز هيثم ، لأعتذر له عن عدم ملاقاته في المساء في المقهى ، ووعدته في كسل أن أقابله غدا ً ،فسألني في خمول عن السبب ، فقلت ُ له في تراخ أن هناك ظرف طارئ في البيت ،.. فقال لي ... لا .. لقد أنهينا المكالمة قبل أن نسقط على الأرض..
ثاني شيئ هو أنني قمت بإبتياع مخزون يكفيني من السجائر ، خاصة وأنها ستكون ليلة طويلة ، لأن العرس سيكون دخلة + Over Night... لذلك فهم لن يعودون للبيت لساعات لابأس بها ..
ثالث شئ ، وهو الأهم ، قمت بالذهاب للحلاق ، وطلبت منه أن يعطيني حلاقة + قطعية ممتازة تناسب عريس .. ثم بعد ذلك ابتعت ُ بعض أقراص الفاليوم والسم ّ للطفلة في حالة قررت أن أقتلها ..
وجاء المساء ..
دخلت ُ المنزل برجلين ترتجفاف تماما ً كساقي الضفدعة التي كان جلفاني سيطبخها لزوجته ، ثم عدّل عن هذا ليكتشف الكهرباء المجلفنة ..ولكنني بالطبع كنت ُ متحمسا ً كبطة فخور ، لفكرة أنني ٍسأكون معكِ بعد لحظات ، وإن كان سيكون معنا قريبتكِ الطفلة ،وهو الشيئ الذي ضايقني نوعا ً ، لأني لا أطيق الأطفال ولا الزهور ولا الربيع كما تعلمين ، ولكنكِ في نظري تستحقين تضحية صغيرة كهذه.. وجدت في استقبالي العمة حنان – والدتك – وقد تبرجت بالكثير من مساحيق التجميل حتى بدت أشبه بهندي أحمر في طريقه لحرق معسكر للرجل الأبيض ..
المهم أنها أخبرتني في رقة شديدة أنه أنني إذا لم أعتني بالفتاة الصغيرة – ابنة أخ زوجها كما أتذكر – جيدا ً ، أوإذا راودتني أية أفكار مشينة بخصوصك ِ أنت ِ ، فإنها لن تتردد في أن تأخذ بندقية العم علي العجوز – حارس بيت جدي – لتفرغها في رأسي ورأسك ِ أنت ِ نفسكِ ..!
- << أنا لا أمزح يا هذا .. فأنا أعرفكم معشر الشباب جيدا ً .. إنكم السفالة تمشي على قدمين .. إن دورك يا أحمد لن يزيد على أن تمنع تلك الشيطانة الصغيرة من قتل نفسها ، وأن تتصل بنا لو شعرت بسمة بالمرض .. هل تفهم ؟ ..>>
طبعا ً كنت ُ أرتجف كورقة في مهب الريح ، وأنا أسألها :
- << و..وأين بسم.. أأ ..أقصد أين الفتاتين يا عمتي ؟ >>
- << بسمة في الطابق الأعلى مع أحد صديقاتها ، والتي سترحل بين لحظة وأخرى عندما يأتي خطيبها لأخذها..أما العفريتة الصغيرة فلا اعرف في أي مصيبة هي .. والآن أرجو ألا ّ تنسى كلامي ، وإلاّ الويل ..>>
ودون كلمة ، دارت حول نفسها ، وخرجت بخطوات عسكرية صارمة إلى حيث تنتظرها السيارة التي ستأخذها إلى الحفل ..
لثوان ٍ قبعت ُ واقفا ً في مكاني ، محاولا ً إلتقاط أنفاسي .. ثم جلست ُ في أقرب مقعد وجدته هناك ، مشعلا ً سيجارة ..
وفجأة رأيت تلك الفتاة الصغيرة ..
الحقيقة هي أن الصغيرة سارة عمر – ابنة عمك ِ – طفلة رائعة الجمال .. أضف الشعر البني الجميل الطويل حتى الخصر إلى العينين العسليتين الواسعتين ، تجد أنها دمية حقيقية .. وكنت ُ أعرف أنها تحبك ِ يا بسمة بجنون .. لهذا طلبوا منك ِ أن تظلي معها ، عندما أخبرتهم بعدم ذهابك .. لكنها فعلا ً كانت تحبك بعنف .. السبب الظاهر طبعا ً أنكم قريبتان .. لكن لو أحب كل إنسان أقاربه بهذا الجنون لتحول العالم إلى جنة .. السبب الحقيقي هو أنك ِ يا بسمة كنت ِ وما زلت ِ برغم ذكائك ِ الخارق وأعوامك ِ التي تجاوزت العشرين طفلة رائعة الجمال أنت ِ الأخرى .. ولا تحتاجين لمجهود كبير كي تفكري وتضحكي وتحلمي كالأطفال .. ولأن غريزة الأطفال الجهنمية لا تخطئ في هذا الصدد ، لهذا كانت سارة تحبكِ .. بل كل الأطفال يحبونكِ في اعتقادي ..
أنا أبالغ ؟؟ .. لا أعتقد .. فقط جربي مرة يا بسمة أن تدخلي أية قاعة مزدحمة .. ستجدين أن الأطفال يتجهون نحوك ِ لا شعوريا ً .. جربي مرة أن تداعبي رضيعا ً ستجديه يقرقر ضحكا ً .. بينما لو داعبته أنا لانفجر في بكاء مجنون حتى يزرق لونه ويموت ..
المهم أنني وجدت ُ نفسي أحدق في عيني الفتاة الصغيرة التي كانت تنظر إلي ّ بفضول ..
ابتسمت محاولا ً أن أبدو لطيفا ً ، بأن كشرت عن أسناني الأمامية كذئب الجبال الأمريكي :
- << مرحبا ً أيتها الآنسة .. سارة أليس كذلك .. هل تعرفين من أنا يا صغيرتي ؟ >>
فتحت فمها الدقيق لتقول :
- << رجل كبير مثلك ولا يعرف اسمه ؟!! ..>>
- << لا .. لا ، أنا لم أقصد هذا ، كل ما عنيته هو هل تعرفين من هو أنا ، ومالذي أفعله هنا بالضبط ؟>>
- << نعم أعرف ... أنت الدادة التي أحضرتها العمة حنان لتعتني بنا .. صحيح ؟ >>
دادة يعني مربية طبعا ً .. ! .. آخر الزمن وبعد كل سنوات دراسة الهندسة بالجامعة ، يجيئ اليوم الذي تطلق علي ّ فيه فتاة مايعة صغيرة لقب دادة ..!
- << لا يا صغيرتي .. أنا أحمد ، ابن أخ عمتك حنان .. انا هنا لأعتني بكم هذه الأمسية ..>>
اقتربتْ مني بخطوات صغيرة متمهلة ، ثم قالت في سماجة :
- << اسمك أحمد ؟! ... عندما رأيتك َ لأول مرة ظننت ُ أنك اسمك سيكون برعي أو حنفي أو شيء من هذا القبيل ..! >>
ياللوقاحة ! ... سيكون من الصعب جدا ً ألا ّ أخنق هذه الفتاة قبل انقضاء الليلة ..
- << لا للأسف .. لقد أخطأ أهلي وسموني أحمد لسوء الحظ ..>>
ثم تجاهلتها تماما ً وأنا التقط تفاحة وجدتها هناك ، وشرعت في تقشيرها فالتهامها .. لكنها اقتربت مني أكثر ثم سألتني بصوتها المستفز ّ :
- << هل يمكنني أن أسألك سؤالا ً ؟ >>
- << لا ..!>>
تجاهلت ْ ردي تماما ً وهي تسأل مجددا ً :
- << المعلمة أخبرتنا اليوم في المدرسة أن النساء يلدن الأطفال .. فلم لا يلد الرجال أيضا ً ؟>>
- << سأجيبك فيما بعد ..>>
- << ولم ليس الآن ؟.. >>
- << سارة .. أنت ترين فمي مشغولاً بأكل التفاحة ولا أستطيع الرد ..>>
- << حسن .. بدلا ً من أن ترد بأن فمك مشغول ، أجبني لماذا لا يلد الرجل ؟ >>
قلت ُ لها متهربا ً :
- << يا بنت قلت أن فمي مشغول .. وعلى العموم سوف أجيبك عن سؤالك هذا عندما تصبحين كبيرة ً ..>>
رفعت حاجباها في دهشة :
- << وهل ستظل تأكل هذه التفاحة إلى أن أصبح كبيرة ً ؟؟!!! >>
آه ه ه ه يا قرحتي ....
صمت ُّ ولم أعلق .. إلا ّ أن اللعينة لم تتركني وحالي :
- << هل تعرف أنه اليوم كان من المفروض أن تأخذني ماما بسمة إلى صديقتي دينا لمشاهدة القرد الذي اشتروه أهلها ، لكنها قالت لا داعي اليوم لمشاهدة القرد ، مادمتُ الليلة سأشاهدك أنت ..!>>
آه ه ه ه يا مرارتي ....
مرة أخرى صمت ّ ولم أعلق ، وانا أمسك أعصابي بصعوبة ..فشرعت ُ ألتهم أصابعي بعد أن فرغت من التفاحة ..
لكن تلك الشيطانة لم تستطع أن تمنع نفسها من أن تقول :
- <<هل تدري أنك تذكرني بممثل سينما شهير ؟ >>
- << حقا ً .. من ؟ .. توم كروز .. براد بت ، أم جون ترافولتا ؟ >>
- << بل اسماعيل ياسين ..!! >>
هذا هي القشة التي قصمت ظهر البعير .. سأقتلها .. حتما ً سأقتلها هذه الساحرة الشريرة .. وبالفعل نهضت ُ من على مقعدي راسما ً أعتى علامات الشر على وجهي ، واتخذت وضعية هجومية ممتازة ، و..................
- << أحمد ، أيها العزيز ! .. متى وصلت يا صاح ؟ >>
تجمدت ُ في مكاني على الفور ، عندما سمعت ُ صوتكِ الملائكي ياتيني من الخلف .. لقد ظهرت في اللحظة المناسبة تماما ً يا بسمة قبل أن أقتل تلك الفتاة اللطيفة ..
- << أرى أنك قد قابلت سارة يا أحمد .. قل لي مارأيك ، هل أحببتها ..؟>>
أجبتك ِ دون وعي :
- << لطيفة جدا ً .. إنها تماما ً كالملينات التي تعطى لمرضى الإمساك..! >>
ضحكت ِ أنت ِ حتى دمعت عيناك ِ ، ثم قلتِ لي من بين قهقهاتك :
- << الكثيرون مدحوا سارة من قبل .. ولكن مديحك هذا غير مسبوق فعلا ً >>
لم أرد عليكِ هذا المرة لأني كنت مشغولا ً بالطبع في التطلع إلى تلك الفتاة الحسناء الواقفة خلفكِ ..
الحقيقة إنها كانت جميلة .. ربما أكثر من اللازم أو المقبول .. وهي في هذا تشبه جرعة زائدة من السكر، تصيبك باضطراب في الهضم وربما الغثيان .. وإن كان يوجد هنالك شيء في وجهها يخبرك يوضوح أنها على شيء لا يخفى من القسوة والإستهتار..
- << هذه هي غيداء يا أحمد .. صديقتي منذ المرحلة الإبتدائية في دبي .. لقد جاءت لتزروني بعد أن سمعت بقدومي ..>>
مدت المذكورة يدا ً دقيقة نحوي قائلة بإبتسامة فاترة نوعا ً :
- << مرحبا ً .. تشرفت ُ بمعرفتك >>
التقطت ُ أنا يدها مصافحا ً إياها .. وكان كل ما فتح الله به علي ّ من رد هو :
- << نسأل الله أن يكثر من أمثالك يا آنسة ..! >>
تطلعت ْ إلى وجهي كما لو كانت تنظر لمجنون ولم تعلق ْ ، ثم وجهت كلامها نحوكِ أنتِ :
- << يجب أن أنصرف حالا ً يا ( بسومة ) .. إن هيثم ينتظرني في سيارته بالخارج >>
مشيت ُ أنا والطفلة ورائك ِ وأنت توصلين صديقتكِ لباب المنزل .. لأرى ذلك الشاب واقفا ً في الخارج يدخن في ضجر .. كان على قدر من الوسامة .. فارع الطول قوي البنية يذكرك بأبطال أفلام رعاة البقر أيام (جاري كوبر) و (جون وين)..حين كان الأبطال يوجهون لكمات قوية إلى فك أعدائهم قبل أن يظهر إختراع الركلات .. وكانت تبدو عليه آثار النعمة ، مما يدلك على أنه من الذين ولدوا وفي أفواههم ملعقة ذهبية أو ماسية على الأرجح ..
- << هيثم خطيبي ..>>
- << تشرفنا ..>>
وقفتُ على الباب بجانب عم علي بوابنا – الغفير - بإنتظار مراسيم الوداع السودانية النسائية المعتادة بينك ِ وبين صاحبتك ِ ، والتي تتلخص في : سلام – قبلات – ثرثرة فارغة – قبلات – عناق – ثم المزيد من القبلات ..
بعد هذا صعدت غيداء إلى السيارة مع الفتى ..
غمغم العم علي في ضيق :
- << إنهن منطلقات في دبي ، ولسن مثل نسائنا هنا اللواتي يحلقن ّ ذقونهن ّ يوميا ً..>>
لم أعلق .. بل انتظرتك ِ حتى دخلنا لإلى المنزل سوية .. سالتك ِ ونحن ندلف إلى البيت :
- << ذلك الفتى تامر أو هشام ، أيا ً كان اسمه ، خطيب صديقتك ِ ، شكله عاطل بالوراثة >>
أجبتيني أنت ِ بجدية :
- << اسمه هيثم .. وهو فعلا ً من اسرة ثرية .. وهو يدرس في إيرلندا تمثيل ومسرح .. غيداء تقول أنه حاليا ً يجرب التمثيل مع فرقة مسرحية ما هناك..>>
- << سينجح لو كان الدور المطلوب هو باب مخزن ..>>
أطلقت ِ ضحكة صافية ً ، قائلة :
- << يالك من مجامل لبق .. لطالما كان رأيي أن لسانك اللطيف هذا لا حل له إلا ّ السكين .. لم أنت َ دائما ً ساخر ناقد لكل شيء هكذا ؟ >>
أجبتك ِ في كياسة :
- << إنها العادة كما تعلمين ..>>
ضحكت ِ مرة أخرى .. ثم جلستِ على أول كرسي وجدتيه أمامك ، وقلت ِ لي باسمة وقد أسندت ِ ذقنك ِ على قبضتيك ِ :
- << اجلس لنتحدث قليلا ً .. إن أمامنا ليلة طويلة لنقضيها معا ً .. همممم ؟ أخبرني ، ماذا فعل الزمان بك طيلة السنوات السابقة ؟ هل فقدت أشياء أو اكتسبت أشياء ؟ >>
أجبتك ِ في تعاسة وأنا أصب ُّ لنفسي بعض القهوة وجدتها هناك :
- << أضفت القرحة والمصران العصبي إلى قائمة أمراضي .. بينما فقدت (لوزتي ) بعد أن أجريت عملية جراحية لإستئصالهما ..>>
تقلص وجههكِ في دهشة مشفقة ، وهتفت ِ :
- << قرحة ومصران وعمليات جراحية !! .. رباه ، أمتأكد أنك شاب في الثالثة والعشرين من عمره ..؟ المفترض أن يكون عمرك في الثلاثينات عادة ليحدث معك كل هذا ..!>>
قلت ُ في لامبالاة وأنا أرتشف القهوة الباردة :
- << أنت ِ تعرفين كم أنا نحس .. الحقيقة أن بقائي على قيد الحياة إلى الآن يعتبر معجزة علمية إن أردت ِ رأيي >>
نظرت ِ لي في استغراب ، ثم إرتجفت ْ أهدابك ِ بضحكة حاولت ِ أن تكتميها .. كنت ِ راغبة في التأثر لكن لامبالاتي جعلت الأمر أقرب إلى دعابة :
- << رباااه يا أحمد .. أنت لن تتغير ! >>
- << وأنت ِ ؟ هل تغيرت ِ >>
صمتِ للحظة ، قبل أن تجيبي :
- << وهل يغيرنا الزمن فعلا ً ؟>>
أمسكت ُ قدح القهوة بكلتا يدي ّ وأنا أقول في هدوء نسبي :
- << الأعوام تغير الكثير .. إنها تبدل تضاريس الجبال .. فكيف لا تبدل شخصيتك ؟ ..>>
هززت ِ رأسك في تفهم :
- << المشكلة أن التغير ليس بهذا السهولة كما تظن .. إن الأمر لا يحدث بكبسة زر .. أحيانا ً أشعر بأن قدرتنا على التغيير محدودة ، وأننا نوهم أنفسنا بأننا قد تغيرنا إلى الأفضل ، بينما الحقيقة هي أننا نحن مانزال نحن ..>>
- << .. إن قدرات الانسان المحدودة هى التى تجعله إنساناً يا صغيرتي .. ولو تبدل شئ فيها فهذا مخيف أكثر منه ساراً .. تصور أنك جرت إصبعك فلم ينزف هل يسرك هذا ؟!! .. >>
- << أنا أعرف هذا يا أحمق .. أنا عنيت أن التغير ليس بهذه البساطة .. يحتاج إلى الكثير من الجهد والتخطيط و الحوافز لتحقيقه .. >>
ارتشفتُ المزيد من القهوة البارة المرّة ، وأنا أقول :
- << أنت ِ مخطئة ياملاكي .. التغيير لا يحتاج إلى كل هذا .. إنه يحتاج إلى الخيال والإرادة فقط .. يجب أن تتخيلي كيف ستكون حياتك لو قمت ِ بتغيير شيء ما في حياتك .. والإرادة مطلوبة لتحقيق هذا الخيال وتحويله إلى واقع ملموس ...>>
رفعت ِ أحد جاحبيك ِ قائلة في تهكم :
- << أنت فعلاً لم تتغير .. ألا زلت تؤمن بأن الخيال هو العلاج الناجع لكل المشاكل ؟.. إن خيالك هذا هو مايجعلك تعيش في أوهام طيلة حياتك ..>>
قلتُ في عناد :
- << إن الخيال ضرورة في الحياة يا صغيرة .. إنه ما يجعل أدغال الواقع أكثر قبولا ً ويزيد من معدل تحملنا لها ..>>
- << أحمد .. أنا لم أختلف معك .. إن الخيال جميل .. لكن بشرط أن يكون هناك واقع .. إن الفرار جميل ، لكن لابد أن يكون من زنزانة لا من فرار آخر .. إن الموسيقى جميلة ، لكن لابد من أن نملك معها الحق فى الكلام والقدرة عليه .. >>
ثم صمت ِّ قليلا ً قبل أن تضيفين :
- << مشكلتك َ أنك دوما ً تهتم وتتعلق بأشياء لا تستحق الأهتمال بها ..>>
تطلعت ُ إلى عينيك ِ مباشرة ، قائلا ً في عصيبة نوعا ً :
- << ومالذي تقترحينه يا آنسة فرويد ؟>>
- << أن تبدأ بالتفكير العملي والمنطقي لكيفية تطوير وتحسين نفسك بالطبع >>
- - << دعيني أستعير عبارتك ِ أنت ِ نفسك : المشكلة أن الأمر ليس بهذه السهولة .. هنالك الكثير من الظروف التي تمنع هذا ..>>
لوحت ِ بيدكِ قائلة ً:
- << غيِّر هذه الظروف إذن >>
- << .. لن أغير الكون لمجرد أننى أحب ذلك >>
- << عليك أن تحاول على الأقل يافتى ... >>
برررررررووووووو ! ... هنا لمع وميض البرق تبعه هدير صوت الرعد ، بصوت مرعب جعلنا أنا وأنتِ ننتفض في مقعدينا ، ودفع الفتاة إلى الفقز بين ذراعيكِ باكيةً ..
ضممتيها أنت ِ إلى صدرك حنان ، وقلت ِ بصوت يتدفق دفئا ً :
- << لا تخافي يا صغيرة .. هشششش ... أنا هنا معك .. لا تبكي .. أنا هنا .. >>
أعترف أنني حسدت سارة الصغيرة كثيرا ً .. أنا أيضا ً أشعر ببعض الخوف والقلق ، وأحتاج لمن يضمني إلى صدره ويخبرنني بأن كل شيء سيكون على ما يرام ، وأن وحوش الليل لن تؤذيني ..
رباااااه .. كم أشتاق لتلك الأيام التي كنا نهرع فيها إلى فراش أبوينا في الليالي المظلمة الباردة بحثا ً عن بعضا ً من الدفء والأمان .. المؤسف أنا كبرنا حقا ً .. لم نعرف كم كنا محظوظين وقتها عندما كنا مجرد أطفال ملاعين صغار .. لماذا نُغمر بالحنان في سنٍ لا تسمح بفهمه ؟!! و نُحرم منه و نحن في أشد الحاجة له ؟!!
المشكلة هي إننا أطفال خالدون ، وكلما تقدم بنا العمر ازددنا طفولة ورفضنا فكرة الشيخوخة .. لكننا نشيخ طيلة الوقت ، ونموت ، وينسانا أصدقائنا الأعزاء مهما بكوا علينا فى البداية .. هذه هى الحقيقة .. قبولها نضج ورفضها عته .. لكننا - المؤسى - نفضل أن نكون معاتيه شيوخاً ..
واصلت ُ التطلع إليك ِ في صمت مثأثر ، وأنت تهدئين من روع الطفلة في أمومة محببة ..
لماذا لم أخبركِ أبداً بحقيقة مشاعري ..حقا ً لا أدري .. أعتقد أن السبب اختلف مع مرور الزمن .. عندما كنا صغارا ً كنت ُ أعتبرك شيئا ً مسلما ً به ، وأنك ِ ملكي وحدي ، لذا لم أجد حاجة إلى ترجمة مشاعري الجياشة نحوك إلى كلمات شاحبة لا توفيها حقها .. وبعد أن كبرنا الآن اختلف الأمر إلى حد ما .. فأن لا أدري بالضبط ما طبيعة مشاعركِ نحوي .. أحيانا ً أرى في عينيك دفء الماضي والحنين الذي كان .. وأحيانا ً أخرى أجد نافذة خاوية من المشاعر في عينيك ِ الخضراوتين .. أنا أحبك ِ حقا ً يا بسمة ، ولكن من يضمن لي أنك ِ تبادليني حبا ً بحب ؟ .. لذا خفت ُ أن أفقدك ِ إن أخبرتك بلواذع قلبي المتعب .. نعم ، خفت ُ أن أفقدك ِ ،فربما كنتِ تميلين إلي َّ لأنني كنت ُ الأحمق الوحيد الذي لم يخبرك ِ – وهو يسبل عينيه – كم أنتِ فاتنة ورائعة ..ربما وجدت ِ أنت ِ فيَّ صديقا ً عزيزا ً تستريحين إليه ، وسيزعجك ِ – حتما ً – أن تعرفي أن صداقتك ِ شيء لا يسرني ..!
إن المرأة الحسناء تجد عواطف الرجال الذين لا تميل إليهم شيئا ً لزجا ً مزعجا ً كالذباب .. شيئا ً يحيل حياتها جحيما ً .. وأنا أحبك ِ يا ملاكي ، ولا أريد أن أحيل حياتك جحيما ً ، لهذا أغلقت ُ باب مناقشة موضوع مشاعري معك..

( الآن فقط أدركت كم كنت ُ أحمقا ً .. ولكني أدركت ُ هذا بعد فوات الآوان للأسف)

ولكن مشاعري نحوكِ لم تتغير .. وحتى لحظة كتابة هذه السطور .. أنا ما زلت ُ أنا .. أحمد الملول العصبي غريب الأطوار الذي كان يملك عالما ً لم يخط فيه بشري من قبل ..أرض (اللابشر) لو صح التعبير .. فقط واحدة استطاعت أن تخطو فوق هذه الأرض .. تغزوها .. تغرس فوقها علمها الخاص .. ومنذ ذلك اليوم صرت ُ أنا رجل امرأة واحدة ..
أنتِ ..!
أتشاجر .. أفرح .. أفكر .. أخاف .. أطمئن .. أكتئب .... لكنكِ دوما ً هناك ..
أسافر .. أعود ..أنام .. أصحو .. لكنكِ هناك ..
إنه كما يقول (صالح جودت) : " فأنت المنتهى وهنا المصب ُ " ..
هل كان هذا في صالحي ؟ الحقيقة أنني لا أدري بالضبط .. هذا الحب العتيد الذي أحسبه ولد قبل أن أولد ..ربما بينما المصارع Gladiator يواجه الموت في حلبة الكليسيوم في روما .. ربما بينما قدماء المصريين ينحتون مسلاتهم ..ربما بينما (التي – ركس) العملاق يتحرش ب (برونتوساوروس) وديع قرب المستنقع .. ربما بينما القمر يولد من المحيط الهادي ..
هذا الحب قد جعلني عمليا ً عاجزا ً تماما ً عن ممارسة حياة طبيعية .. جعلني ذئبا ً متوحدا ً يحيا هناك في الخرطوم ، بينما قلبه ينبض هناك في (ساكريمينتو ) بكاليفورنيا .. ولعمري ما أطول تلك الدورة الدموية !
ولكن ... لطالما كنت ِ أنت ِ هي .. حبيبتي الأبدية بسمة .. خمسة وخمسون كيلوجراما ً من السحر والرقة والرقي والمرح .. حساسة كزناد تفجير لغم نازي مدفون تحت ثلوج بولندا .. كتلة من الأعصاب المرهفة مغطاة بالجلد ..
وأنا ..
أهيم ..
بك ِ .......!
- << أعتقد أنها قد غفت ..ذلك الملاك الصغير !..>>
انتزعتني عبارتك أعلاه من دوامة شرودي وهدير الأفكار الذي كان مستعرا ً برأسي ..
- << هه ؟ .. ماذا ؟ >>
- << أعني سارة .. إنها نائمة الآن .. سأقوم بوضعها على الفراش بالطابق الأعلى .. ثم أعود إليك .. اتفقنا ؟ >>

هززت ُ رأسي في صمت ، في حين قمتِ أنتِ بحمل الطفلة ومشيت ناحية السلم الداخلي .. ثم سمعت صوت خطواتك ِ المتهملة وأنت تصعدين الدرج ،و رأس الطفلة على كتفك .. لكم كان شكلها مختلفا ً .. أعترف أنني إن كنت ُ أكره الأطفال فأنا أحبهم نائمين ..إنهم يبدون كملائكة بالفعل يختلفون تماما ً عن الشياطين التي يكونونها وهم متيقظون ..
تنهدت ُ في تعاسة ، وأنا أنظر من خلال النافذة بجانبي لأرى الأمطار الغزيرة وهل تهطل في حماس غريب .. ومن حين لآخر يلمع البرق متبوعا ً بصوت الرعد الكئيب الذي يعرف أنه من قلة الأدب أن يسبق البرق ..
إلتقطت ُ حقيبة الظهر الذي أحضرتها معي ، وقمت بإخراج كتابين وبعض علب السجائر ومشغل الملفات الموسيقية الرقمي iPod ووضعت كل كنوزي على الطاولة أمامي .. ثم أخرجت في النهاية كتاب (مجموعة الأعمال الكاملة للشاعر أمل دنقل) الذي أملكه منذ أن كنت في الثانية عشر من عمري .. لهذا كان مهترئا ً وممزقا ً في مناطق عدة .. لسبب ما لا أستطيع أن أذهب إلى أين مكان من دون هذا الكتاب .. كأنما أنا بحاجة لوجوده معي ليستمر وجودي أنا .. أنت ِ تذكرين هذا الكتاب ، أليس كذلك يا بسمة ؟ .. لطالما أطلقت ِ الدعابات على مدى تعلقي غير المفهوم بهذا الكتاب ..
قلبت ُ صفحات الكتاب في غير تركيز لبعض الوقت ، ثم سمعت صوت خطواتك ِ وأنت ِ تنزلين الدرج ، حتى وجدتك ِ تقفين أمامي قائلة ً في إنهاك :
- << إنها نائمة أخيرا ً .. هييي .. أتريد أن تشرب شيئا ً ؟ ربما بعض العصير أو شاي مع حليب؟ >>
- << قهوة سوداء من غير سكر إذا سمحت ِ >>
تطلعت ِ إلي ّ باستغراب ، وبدا كأنك ِ على وشك أن تقولين شيئا ً ، ثم هززت ِ رأسك ، واستدرت ِ ماشية ً ناحية المطبخ ..
وعندما دقت ْ الساعة تمام التاسعة مساء، كنت ُ ممسكا ً بقدح القهوة عذب الرائحة قوي المفعول بين يدي َّ .. وأنت ِ جالسة أمامي نثرثر بلا تحفظ ..
إن شخصيتك ِ لم تتغير أبدا ً يا بسمة .. أعني من الداخل .. نفس الطفلة ذات الضفائر التي عرفتها في الماضي .. مازلت ِ كما أنت ِ .. مازالت ْ دعاباتك ِ تلقيني من على المقعد ضحكا ً ، ورقة ( تكاد تنبت الزهر في قلب الصخرة الجلمود ) على رأي عمنا العبقري (أبو القاسم الشابي)..
رحت ُ أرمقك ِ وأنت ِ تتحدثين .. كالعادة لم أع ِ حرفا ً مما تقولين لأن خواطري راحت تتزاحم من جديد .. أي أنني أصغيت ُ لكِ أكثر من اللازم حتى لم أعد أفهم شيئا ً ..
لطالما سألت ُ نفسي : إذا كانت هنالك بسمة واحدة في هذا العالم ، وهنالك رجل لعين محظوظ واحد هو من سيتزوج هذه الدرّة ، فكيف يعيش بقية رجال العالم في سعادة هانئين بحياتهم ؟!!!
السؤال المهم الآخر هو : هل سأحقق حلمي يوما ً وأتزوجك ؟؟ .. الإجابة كانت غالبا ً هي لا .. السبب هو أنتِ وليس أنا ..المشكلة أنني أعرف يقينا ً أنني لا أستحق أن أحظى بماسة ثمينة مثلك ِ..إنك تماما ً كالشمس يا بسمة ، لا أحد يستطيع أن يقول أن الشمس ملكه ، وإلا َّ كان العمى والجنون مصيره .. إن الإنسان لا يستطيع أن يتزوج مصدراً لغوياً أو معنى مطلقاً .. هل سمعت عن شخص - مهما كان أحمق - تزوج من العدالة أو الحرية أو المروءة ؟!! ..

(اليوم أعرف كم كنت ُ محقا ً لإيماني بإستحالة زواجي منك ِ !)

لكن أكثر ما يثير جنوني بصددك ِ يا بسمة هو التفكير في كل الساعات التي تعيشينها بعيدا ً عني .. كل الأفكار الذكية والدعابات والرقة التي تشعيها من حولك ِ ، بينما أنا في شقتي الكئيبة أقاسم أشباح الوحدة الطعام .. يمضني ذلك الشعور المزمن بأنك ِ (ستنفذين ) .. لن يبقى منك ِ شيء لي لأن مصير الشموس كلها الخمود (الإنتروبي).. لو استطعت ُ أنا لاستوليت ُ على ماضيك ِ وحاضرك ِ وغدك ِ بوضع اليد .. كل الأعوام التي فاتتني وأنت طفلة تكبرين في دبي ، وكل الأعوام التي ستفوتني حين أختفي في القبر .. كل هذا يجب احتكاره .. ربما لو كان هناك محامٍ بارع لاستطاع أن ........
- << أحمد ! أنت لا تصغي إلي َّ ! >>
أعادتني صيحتك ِ المحتجة إلى عالمنا هذا .. فرفعت ُ عيني في حرج :
- << لا .. أنا معك ِ .. أحيانا ً يحسبني الناس شارد الذهن >>
- << ويكونون على حق ! .. أنا كنت ُ أسألك هل تريد المزيد من القهوة ؟ >>
هززت ُ رأسي أن لا ، وأنا أرد في إمتنان :
- << لا شكرا ً يا ملاكي .. فمستوي الكافين مرتفع بما يكفي في دمي ..>>
ابتسمت ِ في تفهّم ولم تقولي شيئا ً .. ولبرهة ران على المكان ذلك الصمت المحرج .. كلانا نبحث عن شيء ليقوله ليشتت غيوم الصمت المخيمة علينا .. ولكن بلا فائدة ..
وتمر الساعات متوترة ..
وبدأت ُ – صدقي أو لا تصدقي – أتمنى أن ينتهى هذا اليوم بأكمله .. ولكن ، متى ينتهي هذا اليوم المقيت ؟
هل ينتهي في الساعة الثانية بعد منتصف الليل بتوقيت الخرطوم أم بتوقيق مالاجاش ؟ أم الرابعة عصراً بتوقيت نيام بيام ؟
كنا جالسين في الصالة نشاهد التلفاز .. برنامج أطفال سخيف – نعم في التاسعة والنصف مساء ً !! – عن البطة (بطوطة) والقطة (بسبوس) .. دمى بدائية سخيفة .. حوار ممل ّ .. لكنا – أنا وأنت ِ – كنا متوترين نوعا ً حتى رحنا نتابع هذا الهراء في شغف ..
ثم رحنا نضحك .. نضحك ..
ونظرت إلى الساعة .. إنها العاشرة تقريبا ً . لم أكن قد تناولت أي طعاما ً على الغداء ذلك اليوم غير السجائر .. لم تكن لدي َّ شهية لأي شيء في الواقع ..حتى إلى تبادل الحديث معك ، لم أكن مستعدا ً لقتح حوارات جديدة .. فقط كنتُ أختلس النظر إليك ِ وأنت ِ جالسة القرفصاء فوق الأريكة تتابعين برامج التلفزيون السوداني السخيفة الكفيلة بإصابة أي شخص بالفالج ، ناهيك ِ عن أنه أنني أعلم أنك لا تفهمين غالبا ً شيئا ً مما ترين لأنك متعودة على البرامج الأمريكية وحدها ..
العاشرة والنصف مساء ً ..
مذيعة مملة ، تسأل ضيفا ً أكثر إملالا ً :
- << هل تعتقد سعادتك ِ أن العمل فضيلة وعبادة ؟ >>
يرد عليها الضيف وهو يسترخي في مقعده ، وكرشه يزداد تكورا ً :
- << إن رأيي الخاص الذي قد لا يوافقني عليه الكثيرون هو أن العمل فشيلة وعبادة .. أقولها بصراحة وأمانة .. >>
سألتيني أنت ِ حينها ، وأنت ِ مشغولة بطلاء أظافر قدميك الفاتنتين :
- << عم يتحدثون بالضبط ؟ .. أنا لم أسمع كلامهم ؟ >>
قلت ُ لك في خجل :
- << يتكلمون عن ..عن المستقبل النووي للدوي العربية ! >>
ثم نهضت ُ ماشيا ً ناحية المطبخ لأعد بعض الشاي .. كلا .. لن أسلق البيض وأسخن الفول الآن ..يجب أن يكون هناك ما أفعله في الحادية عشرة مساء ً وإلا ّ جننت ُ بالتأكيد ..
عدت إلى الصالة حاملا ً صينية الشاي .. فوجدتك ِ تمسكين كتاب قصائد أمل دنقل القديم إياه وتتصفحينه في تمعن .. ولم يفتك ِ بالطبع أن ترين على كل هوامش الكتاب ذلك الوجه الرقيق ، واسع العينين طويل الشعر ، الذي لم أكن أستطيع أن أطالع الصفحة دون أن أرسه على الهامش ..
- << هذه .. أنا ؟ >>
قلتيها في رقة .. قلتيها في ثقة ..قلتيها في إمتنان..
- << ومن سواكِ ؟ >>
كان هناك أيضا ً مقاطع من أغاني عاطفية ل (سيلين ديون ) .. أبيات شعر لأنزار قباني .. ومناديل ورقية متسخة مليئة بالمخاط تخصك ِ ، تخلصت ِ أنت ِ منها ، لكني احتفظت ُ بها بين دفتي الكتاب ..
نظرت ِ لي بعينيك الزرقاء الصافية.. وهمست ِ :
<< للأبد يا أحمد ؟؟ >>
عقدت ُّ حاجبيَّ في حيرة " متسائلا ً :
<< ماذا ..؟!>>
قربت ِ رأسك ِ مني هامسة برقة :
<< سأظلُّ بداخلك للأبد ..؟>>
هتفت على الفور دون وعي :
<< وحتى يتبخر آخر نفس في رئتي ، وحتى آخر نبضة يرتجف بها قلبي ، و .................>>
ترررررررررررررررن !
جرس الباب ..! منذ عشرة أعوام وأنا أحاول إتمام الجملة الأخيرة .. ولابد في كل مرة أن أن تظهر عمتى منى أو والدتك ِ أو يدق جرس الباب .. أنا نفسي أتمنى معرفة ما ساقوله بعدها ..
أطلقت ُ سبة - بذيئة للأسف – في سري .. ثم قلتُ في عصبية وقد رن ّ الجرس مرة أخرى :
- << من هذا الأحمق الذي يزونا في مثل هذه الساعة ؟ .. وأين ذلك المعتوه علي الغفير .. لم لا يفتح الباب هو ؟ >>
- << أنت تعرف أنه نائم كمومياء توت – عنخ – آمون الآن .. لا شيء غير قيام الساعة قادر على إيقاظه >>
ثم تعلقت ِ بذراعي في رعب :
- << أحمد .. لا تفتح الباب !.. هل ستذهب لفتح الباب ؟ >>
جلستُ وأنا أحاول الإسترخاء ، قائلا ً :
- << يا سلام ! وهل أنا مجنون ؟ إن من يأتي ليزورنا في الحادية عشرة مساء ً ، وفي هذا الجو العاصف ، لن يخرج عن كونه قاتلا ً أو لصا ً أو شخصا ً يبلغنا بكارثة .. كلها أسباب لا تغريني بفتح الباب كما ترين ..>>
تررررررررررررن !! ..
إنه مُصر ّ !
ينوي ألا ينصرف قبل أن يحطم جهازنا العصبي ..
تررررررن مرة أخرى .. ثم صوت فتاة صغيرة متحشرج يصرخ :
- << النجدة .. يا آل عثمان الخليفة ، النجدة .. أرجوكم .. هل من أحد هنا ؟ >>
فتاة ؟ .. من هي ؟..
- << أنا ليلي بنت جارتكم منى أبوبكر ..أرجوكم .. لو كان هناك أحد بالداخل ، أرجوكم أن تفتحوا لي >>
ليلي جارتنا على الباب ؟ وفي حالة هيستيرية ؟ لا بد أن أباها قد مات .. أو هو عاكف على الموت بنجاح تام ..
نهضت ُ سائرا ً ناحية باب الشارع – وأنت خلفي ممسكة بمرفقي - وفتحته لأجد تلك الفتاة ليلى مشعشعة مولولة باكية مهزوزة ممتقعة .. إلخ ..
- << إلحنا يا دكتور أحمد .. إن أبي لا ينطق .. أرجوك >>
- << أنا مهندس معدات طبية وليس طبيبا ً .. >>
- << لكنك بالتأكيد تفهم في هذه الأمور . أرجوك ساعدنا >>
وهو نفس منطق أن مهندس الكمبيوتر يستطيع أن يصمم ويبني عمارة عشرة طوابق .. أليس كلاهما يحمل لفظة مهندس المقدسة !...
إلتفت ُ إليك ِ يا بسمة ، قائلا ً بلهجة آمرة :
- << عودي أنت لداخل البيت يا بسمة >>
امتقع وجهك :
- << هل ستذهب معها و ستتركني وحدي يا أحمد ؟ >>
- << نعم .. إن الرجل يموت يا بسمة .. سأرى ما هناك ثم أعود إليك ِ .. لن يستغرق الأمر دقائق..>>
- << ولم لا أذهب معك يا أحمق ؟ >>
دفعتك ِ بيدي في رفق إلى داخل البيت وأنا أقول :
- << لأنك ِ لو فعلت ِ هذا سنكون قد تركنا سارة الصغيرة لوحدها ، وهذا ليس بالعمل الإنساني لو أردت ِ رأيي>>
إلتقطت سترتي الجلدية من على المقعد – إنها ما تزال تمطر أنهارا ً بالخارج – وأخرجتُ من حقيبتي تلك القلنسوة الصوفية التي إبتعتها من القاهرة منذ عامين ، والتي كانت دوما ً عندي ولم أجرؤ على إرتدائها قط.. القلنسوة ذات أذني الحمار التي يرتديها الشيالين في الأفلام المصرية القديمة .. إنها تجلب الكثير من الدفء، لكنها لا تترك شيئا ً من الوقار وعزة النفس.. وعندما رأيتها أنت ِ ، لم تملكين برغم اكتئابك إلا ّ أن تقولين :
- << باتمان ! >>
ابتسمت ُ أنا دون أن أعلق ، ثم استدرت لألحق بالفتاة المذعورة على الباب قائلا ً :
- << لا تقلقي .. أنا لن أتأخر .. أعدك ِ >>

[align=center]***************[/align]

وفي بيت الجيران كان الوضع أشبه بالكوابيس حقا ً .. لكن حالة الأستاذ بدر الدين كانت واضحة .. حالة نزف مخي .. يمكن لكل طفل تمييزها .. لا يوجد ما يمكن عمله سوى شيء واحد ..لابد من نقله للمستشفى .. وجوه نسائية مذعورة تحيطني .. والأسئلة الغبية المعتادة :
- << هل هي حالة خطرة ؟ ..هل سيشفى ؟ .. هل السبب هو أكله الملوخية على الغداء ؟ >>
فقط الإبنة الكبرى كانت أذكى من سواها .. هرعتْ إلى الهاتف وطلبت الإسعاف .. في حين أحاطت الزوجة بزوجها فاقد النطق وهي تبكي ، في مشهد أثر في َّ حقا ً ..
لهذا يتزوج الناس من حين لآخر .. أنت لست وحيداً .. هناك من يعبأ بك .. هناك من يخاف عليك حقاً .. هناك من يجفف عرقك كلما احتشد على جبينك .. هناك من يهتم ..
طبعا ً وصلت الإسعاف في زمن قياسي – خمسة و أربعين دقيقة – وقامت بإسعاف الرجل أولا ً ، وأعطوه بعضا ً من (المانيتول) وحقنوه بال(اللازكس) ، وكل ما من شأنه أن ينتزع المياه من حوض الأمزون ذاته .. ثم حملوه مع أهله المولولين إلى المشفى ..
والآن – بعد تحرك سيارة الإسعاف مبتعدة – قررت ُ أنه قد حاون وقت الفرار .. والإنتقال من لعب دور (د. كوخ) إلى دور (جيمس بوند) .. فهناك آنسة تحتاج إلى حمايتي بالمنزل ..
لذا بخطوات مسرعة ، خطوت ُ إلى داخا المنزل باحثا ً عنك ِ ..
لكنكي (موكلتي الحسناء) لم تكوني هناك .. الصالة فارغة .. فقط منفضة السجائر المليئة بالأعقاب .. أقداح الشاى والقهوة الفارغة على المنضدة .. لكنك ِ تلاشيت ِ من المشهد ..
هرعت ُ – وقلبي يخفق كالمعتوه - أبحث عنك ِ في حجرات البيت كلها .. أخيرا ً لمحتُكِ من النافذة واقفة في الحديقة الخلفية المبتلة بفعل المطر الذي كان قد توقف منذ دقائق قليلة ..
كنت ِ واقفة ً هناك .. والهواء الخارج من فمك ِ المفتوح يتكثف صانعا ً بخارا ً يتحد مع لون الظلام المحيط البكر ، خالقا ً رؤى لا تمت ُّ لعالمنا هذا .. الحقيقة أنني أهوى أن أراك ِ في لحظات شرودكِ المقدسة هذه ..
دنوت ُ منك ِ في حذر، متهيبا ً أن أقطع صلاتك ِ الصامتة هذه أو رحلتك ِ في عوالم المجهول .. وبقشعريرة مناسبة تذكرت ُ قصيدة (إيليا أبو ماضي) الحالمة : << سلمى بماذا تفكْرين؟ سلمى بماذا تحلمين ؟ >> .. كنتُ أهيم حبا ً بهذه القصيدة في مراهقتي ، برغم أن كتاب محفوظات الوزارة أصر ّ على أنها (زفت)..والسبب هو الوزن يحتم ألاَّ يكون هناك تشديد على الكاف في (تفكْرين) .. بينما فعل (تفكرين) – بسكون الكاف غير المشددة – لا وجود له في العربية .. ولو جرؤت ُ وقتها وأعلنت ُ أنني أحب هذه القصيدة لظللت ُ في المدرسة الثانوية حتى اليوم ..
كان من الممكن أن أرحل وأترككِ وحالك .. لكني لم أستطع مقاومة فكرة الدنو منك ِ في هذه الحالة من الذوبان في لجة الشرود .. سألتك ِ همسا ً وقد أدركت ُ أنك ِ لاحظت ِ وجودي فلم تجفلي :
- << سلمى ...أأ .. بسمة .. بماذا تفكرين ؟ >>
ابتسمت ِ في شرود :
- << لا شيء محدد .. إن الأفكار هي خيول برية .. ما إن تطلق صراحها خارج أسوار عقلك ، حتى تبدأ في الركض هنا وهناك في كافة أرجاء مخك .. >>
ثم تطلعت ِ إلي ّ في تهكم مضيفة :
- << وأنت ؟ مالذي حدث ؟ هل مات الرجل كما أتوقع .. أم أنا بطلي المغوار أحمد قد أنقذ حياته؟>>
- << لا هذا ، ولا ذاك .. لقد قمنا بطلب سيارة إسعاف ، والتي إذا كنت ِ لم تسمعي صافراتها عندما حضرتْ ، فأنت ِ مصابة بالصمم حتما ً ..>>
وللحظات تلاقتْ عينانا وكل منا يبحث عن الشيء الجديد الذي يقال .. ولكن .. طالت الفترة حتى أشعرتنا بالإرتباك ، لكني – ساعتها – أدركت ُ أن روحينا على نفس الموجة ، وأن ظاهرة الرنين التي درستها في الفيزياء منذ زمن سحيق تعلن الان عن نفسها .. رنّانات (هلمهولتز).. أذكر هذا الإسم .. ماذا كان معناه ؟ ..لا أذكر .. المهم هو أنني كنت أشعر لحظتها بأني ضعيف واهن متهالك .. كأنني مريض قلب معدوم الحياة لا يملك حتى القدرة على رفع يده متوسلا ً .. العرق البارد يغمر جبيني ، وأنفاسي صارت معدودة لها ثمن وعليها ضريبة وجمارك .. كنت ُ الآن طفلا ً لا يملك إلا ّ النظر متوسلا ً إلى ماما التي تعرف كل شيء ..
وبدأت أسمع ذلك الصوت يصرق بداخلي ، فيتردد صداه في أنحاء خلايا مخي الرمادية : << الآن ! .. الآن يا أحمق .. أخبرها عن مشاعرك نحوها .. قل لها كم تهواها .. الآن أو أبدا ً.. ! >>..
هنا .. قررت ُ أن أتوكل على الله ، وأسلم أمري له ، وأخبركِ بكل ما يحتبس بقلبي من كلام ... لذا ، أخذت ُ نفسا ً عميقا ً من هواء الليل البارد ، وبلعت ُ ريقي بصعوبة ، وفتحت ُ فمي ، و.....
فجأة – وقبل أن أنطق بحرف واحد – انتفضت ِ أنت ِ بحركة درامية إلى حد ما .. وصحت في رعب :
- << صه ! أنصت ! .. لقد سمعت ُ صوتا ً يأتي من غرفة المخزن هناك ..! >>
وغرفة المخزن هذه هي تقع خلف المنزل في مبنى منفصل .. وهي عبارة عن مستودع صغير لتخزين الأثاث التالف ، ويستخدمها أبي وأعمامي كثيرا ً .. داخلهل يوجد باب آخر يؤدي إلى قبو تحت الأرض أو Basement عملاق لا يفتح إلا ّ كل 368 سنة ..
- << صوت من المخزن ؟ .. هل أنت ِ متأكدة يا بسمة ؟ .. إن الرياح أحيانا ً ......>>
- - << أية رياح يا أحمق ! لقد سمعت ُ صوتا ً مريبا ً يصدر من داخله... أحمد ، أعتقد أنا هنالك لصا ً تسلل إلى داخل الغرفة !>>
أنا أعرف يقينا ً أن النساء هيستيريات بطبعهن ّ لهذا لم لأكن عادة أن أصدق مثل هذا الكلام .. لكني تذكرت ُ أن الحي قد تعرض لموجة سرقات كثيفة مؤخرا ً .. لهذا وجدت ُ نفسي أفكر مليا ً في كلامك ِ..
ودون كلمة ، إلتقطت ُ عصا ثقيلة وجدتها بجانبي تصلح كسلاح ، ثم أمسكت ُ بيدك ِ – لأنني أعرف أنني لو تركتك ِ وحدك ِ هناك لمت ِّ ذعرا ً – ورحنا نشق طريقنا عبر الحديقة ناحية باب غرفة المخزن بحذر شديد ..
فتحت الباب ، ثم دخلت ُ وأنتِ ورائي ، متخذا ً وضع رجال العامليات الخاصة الذين نراهم في الأفلام الأمريكية .. ظهري للحائط .. ممسكا ً العصا من منتصفها مع تمييل رأسها إلى الأسفل ..ثم أثب إلى منتصف الغرفة ملوحا ً العصا بزاوية قدرها 270 درجة ، كافية لصرع أي عدو هناك - (لو رأتني المرحومة جدتي لقتلها الفرح) – وأنت ِ ومختبئة ً وراء ظهري في رعب ..
ولكن لا أحد هناك ...
أطلقت ُ زفرة إرتياح ، وفتحت ُ فمي لأقول شيئاً ، ولكني أحجمت ُ عندما سمعت ُ صوتا ً أشبه بالإرتضام يصدر من داخل الغرفة .. من ناحية الباب المؤدي إلى القبو على وجه التحديد ..
أطلقت ِ أنت ِ صرخة محدودة ، وقد إنغرزت أصابعك ِ في لحم ساعدي :
- << أحمد ! .. أنا غير مستريحة لهذا .. إن الصوت أتى من تحت .. دعنا نخرج من هنا حالا ً أرجوك >>
ضغطت ُ على أصابعك المرتجفة ، قائلا ً بصوت حاولت ُ أن أجعله هادئا ً :
- << أعتقد أنه لا شيء هناك في الغالب .. ربما كان السبب هو قطة أو فأر .. لكننا يجب أن نتأكد يا ملاكي .. اطمئني .. أنا هنا ..أنت تعرفين أنني لن أسمح بأن يحدث مكروها ً لك ، أليس كذلك ؟ >>
تطلعت ِ إلى وجهي بعينين دامعتين ، هامسة :
- << حقا ً ؟؟.. أتقبل الموت كي لا أموت ؟ >>
- << بل وأقبله كي لا تصابي بالزكام.. >>
قلتها صادقا ً .. قلتها كأنها زفرة تغادر روحي إلى النجوم .. الحب فقط هو ما يدفع انساناً الى الوقوف فى وجه ثور هائج أو موت محقق .. الحب أو الإيمان الدينى ، أما الإخلاص للملك فلا يصل لهذا الحد أبداً ..
تطلعت ِ إلي َّ في صمت لثانية ، ثم هززت ِ رأسك ِ قائلة :
- << هذه هي فائدة الرجال الوحيدة على كل حال .. أن يتقدموا ، فيتلقون الطعنة الأولى ، حتى يتسنى للأنثى الفرار ..>>
لم أعلق .. أخرجت ُ قداحتي من جيبي ، واشعلتها لأرى أمامي ، خاصة وأنني أعرف انه لا إضاءة هنا .. خطوت ُ - وأنت ِ خلفي - ناحية الباب ، فإذا لخطواتي صدى غير محبب على الإطلاق..سعلت ُ فكان لسعالي صدى كريه...
كنا قد اقتربنا من الباب ، عندما خطر لي ذلك الخاطر ، فقلت ُ لكِ دون أن ألتفت َ إليك :
- << بسمة .. هل تتزوجينني ؟ >>
قلت ِ في بساطة ، وأنت ما تزالين ممسكة بيدي :
- << لا .. >>
- << إنني سأحميك ِ من المتسللين الليليين .. على الأقل سأموت أولا ً فأمنحك ِ فرصة الفرار كما قلت ِ أنت ِ ..>>
- << سأفكر في الأمر ..والآن أرجوك دعنا ننته من هذا الفيلم البوليسي الذي نمثله هنا ، و نعود لداخل المنزل >>
تركت ُ يدكِ لأمسك بقبض باب القبو السفلي ، وأديره .. ولدهشتي كان مفتوحا ً.. مواربا ً إن أردنا الدقة والهواء يحركه يمينا ً ويسارا ً .. فتحت الباب بأكمله وأنا أنظر إلى تحت .. حيث القبو ينتظرني فاغرا ً فاه ..
- << ولكن .. لحظة .. إلى أين تظن أنك ذاهب يا فتى ؟! >>
أجبت ُ وأنا أنزل على السلم الصغير :
- << سؤال غريب .. لست ُ ذاهبا ً إلى (ديزني لاند) على أي حال >>
قلت ِ مرتاعة ً وجسدك ِ ما يزال يرتجف :
- << أليس من الحكمة أن ننتظر عودة خالو أمين ؟ >>
نظرت ُ لكِ نظرة ذات معنى .. وقلت ُ :
- << يا ملاكي .. لست ُ من هؤلاء الأشخاص أقوياء العزيمة ، الذين يسمعون صوتا ً غريبا ً في ديارهم فيتجاهلوه .. إن هذا أقوى مني .. يمكنك الإنتظار هنا إن أحببت ِ >>
أطلقت ِ سبة ً إنجليزية لا أعرف معناها الدقيق .. ثم صرخت ِ في حدة :
- << انتظر يا أحمق !.. أنا آتية معك .. يجب أن أتأكد أنك لن تموت ..! >>
- << ولكن يا بسمة ....>>
وقبل أن أفهم كنا قد دخلنا البئر – أنا وأنت ِ – نازلين على الدرجات الإسمنتية ، مستعينين بضوء قداحتي المتواضع، وكانت الدرجات قليلة لحسن الحظ ، و .........
كلانج !!!
ما هذا الصوت ؟! .. وما سر الظلام الذي ساد القبو فجأة ..؟
نظرت ِ أنت ِ إلى أعلى، ثم قلت ِ بصوت خال ٍ من المشاعر :
- << لا شيء .. لقد انغلق الباب خلفنا !! >>
يالي من مغفل ! .. لقد كنت أعرف أن الباب مزود بقفل (لاتش) أوتوماتيكي ، ولأن الباب كان مواربا ً إلى حد في البداية ، لذا لم يكن مغلقا ً .. أما بعد أن فتحته بأكمله ، عاد زنبرك القفل للعمل وجزب الضلفة إلى الداخل ..
لم َ لمْ أصر ُّ على بقائك ِ بالأعلى ، أو على الأقل وضع شيء يعوق إنغلاق الباب .. إنهم يتذكرون هذه التفاصيل دائما ً في السينما ، لكنني لست ُ بطل قيلم سينمائي ، لهذا لم أكن مدربا ً على هذه الأمور !! ..
الأسوأ هو أنني وقتها أدركت ُ – وأنا أتظلع إلى القبو الصغير الخالي تماما ً – أن مصدر الصوت الذي سمعناه ، كان هو غالبا ً الباب نفسه والرياح تحركه !.. لكني كنت أحمقا ً وأغبى من دابة كالعادة ..
والآن.. ها نحن هؤلاء واقفان في هذا القبو الخانق ، الخالي من النوافذ ، بلا ماء أو طعام ، ولا مصدر للضوء سوى قداحتي ..
إلتقطت ُّ نفسا ً عميقا ً ، ثم إلتفت ُّ إليكي قائلا ً ببطء :
- << بسمة يا ملاكي .. أخشى أننا في مأزق حقيقي .. لقد حبسنا هنا في هذا القبر الإسيمنتي ، تحت مستوى الأرض .. وهو سميك الجدران ، بلا نوافذ كما ترين .. أي أن الصراخ لن يفيد ، فلن يسمعنا أحد .. الخبر الأكثر بهجة هو أنني تذكرت ُ الآن لم كان باب هذا القبو مواربا ً .. لأنه لا مفتاح هناك !.. لقد أضاعه العم علي الخفير منذ زمن ، لذا تركوه مواربا ً .. أما الآن وقد انغلق ، فلا سبيل لفتحه مرة أخرى إلا َّ بالمفتاح ، وهو مفقود كما قلت لكِ .. أي أن الخلاصة هي أننا لن نخرج من هنا قريبا ً .. ناهيكِ عن حقيقة أنه لن يفكر أحد – عندما يبدأون في البحث عنا – أننا هنا تحت الأرض ..! >>
وجلست ُ على الأرض قائلا ً في يأس :
- << لقد ضعنا يا صغيرتي ... >>
لكن رد فعلك ِ كان غريبا ً بعض الشيء .. إلتمعت عيناك ِ في الظلام على ضوء القداحة .. وصفقت ِ بيديك ِ في مرح هاتفة :
- << إنها أروع تجربة في حياتي .. ! .. تخيل ما سيحدث لنا أنا وأنت في هذا القبو المظلم .. نجلس هنا وحيدين ، ولا أحد في الأعلى يعرف مكاننا .. لا شيء يؤنس وحدتنا غير الفئران والحشرات .. ثم يشتد ُّ بنا الجوع والظمأ .. عندئذ ٍ تتمزق أنت َ من أجلي .. وتخلع سترتك كي تسترني من البرد .. ثم ينتهي بي الأمر وأموت بين ذراعيك ..!.. أليس هذا رائعا ً ؟! >>
تطلعت ُ إلى وجهك ِ غير مصدق ! .. هل جنت الفتاة أخيرا ً ؟
- << يالك ِ من بلهاء تماما ً !.. هل فقدت ِ عقلك ؟.. إن للنساء قدرة غير عادية على العثور على الرومانسية في مواقف لا تعني للرجال سوى مصيبة ..>>
لم يبدو أنك ِ قد سمعت ِ حرفا ً من كلامي أعلاه ، فلقد أكملتِ كلامك ِ قائلة ً :
- << ثم إنك َ تموت بعد ساعات بعدي حزنا ً علي َّ ..وتتحلل جثتانا ..وبعد مئات الأعوام حين يقرر أحدهم أن يفتح هذا القبو سيجد هيكلين عظميين متشابكي الأكف .. وعندما يحاولون فصلهما ، يستحيلان إلى تراب ! >>
قلت ُ أنا متهكما ً :
- << نعم ..! .. مثل (إيزميرالدا) و (كوزيمودو) في قصة (أحدب نوتردام) رائعة فيكتور هيجو، أليس كذلك ؟!! >>
- << نعم .. هل قرأتها ؟ .. إنها مؤثرة حد البكاء .. >>
عضضت ُ شفتي السفلى في غيظ .. لم أعرف مالذي أفعله بك ِ .. هل أخنقك ِ ، أم أمزقك ِ ، أم أكتفي يتوجيه لكمتين خطافيتين إلى أسنانك ؟ ..اكتفيت بأن قلت ُ لك ِ :
- << لم يزل هناك بعض الوقت قبل هذه النهاية الرائعة الجمال ، لهذا أرى أن نهدأ قليلا ً ونفكر في وسيلة للخروج منها .. هذا المكان ليس شاعريا ً إلى درجة الموت .. >>
قلت ِ – وقد استعدت ِ صوابك ِ – وأنت تنظرين لأعلى ناحية الباب الموصد :
- << لا حل سوى لإنتظار للصباح ، عندما يبدأون في البحث عنا .. أكيد أن هناك عبقري ما سيفكر في هذا القبو .. >>
- << أشك في هذا .. فهم لا يدخلون هنا كثيرا ً .. كما أنهم سينشغلون في البحث عنا في الشوارع والمشافي وأقسام الشرطة .. أخشى أن يتوفانا الله قبل أن يقترح أحدهم أن يبحث عنا هنا .. >>
سألتيني وقد عادت الجدية لملامحك ِ :
- << ما رأيك أن نوسع الباب ضربا ً عل ّ أحدهم يسمعنا ؟ >>
قلبت ُ كفي َّ في يأس :
- << لا أعتقد أن هذا قد يأتي بنفع .. الباب سميك كالدبابة .. كما أن الأسمنت الثقيل سيمنع من وصول صوت صراخنا لهم .. يتطلب الأمر أن نكون محظوظين جدا ً لدرجة أن يكون أحدهم على بعد مترين من الباب حتى يسمعنا ..الخلاصة هي أن....... >>
صمت ُ ولم أكمل كلامي .. ولكن المشكلة أنك ِ ذكية .. ذكية إلى حد مرعب ..
لهذا قلت ِ لي في كآبة :
- << الخلاصة هي أنهم قد لا يجدوننا أبدا ً .. وأننا قد لا نخرج من هذا القبو أحياء ! أليس كذلك؟؟ >>
جلست ُ على الأرض دون أن أرد ..
الطريف هنا هو أنني خطر لي خاطر مسل ّ .. إن حصلت المعجزة وتم إيجادنا غدا ً ، فانا لا أزال في خطر داهم ..عمتي حنان !.. من الممتع حقا ً تخيل ما ستفعله بي وقد قضيت ُ ليلة كاملة في الظلام مع ابنتها .. إن العمة حنان لن تعطيني ترف الموت بالرصاص في هذه الحالة .. سوف تعطيني درسا ً عمليا ً في كيفية سلخ الخراف ..
ولكن من يدري ، ربما أكون محظوظا ً ولن يعثروا علينا برغم كل شيء ..
- << رباه .. يالها من ليلة .. أنا أشعر بتعب شديد .. >>
ثم جلست ِ جواري على الأرض بفستانك ِ الأنيق ..وخلعت ِ حذائك ِ .. وأنت ِ تلهثين مضيفة :
- << كما إنني أكاد أموت من البرد ..برغم أننا في شهر أغسطس .. >>
- << هذا بسبب الرطوبة .. >>
اقتربت ُ منك ِ ، وخلعت ُ سترتي ووضعته فوق كتفك ِ ، وأنا أقول في تشف ِّ :
- << رومانسي .. أليس كذلك ؟! >>
- << اخرس ..! >>
ثم قلت ِ في تقزز من بين أسنانك ِ :
- << سيكون علينا أن نتعلم أكل الفئران ..! >>
ارتجفت ُ من هول الفكرة ، فقلت ُ مبتلعا ً ريقي :
- << أفضل الإنتظار إسبوعا ً دون أكل ، حتى أستطيع تقبل الفكرة ! >>
قلت ِ وكأنك ِ تبصقين :
- << لو لم تتحامق وتدخل إلى هذا القبو اللعين لما كنا محبوسين الآن ..>>
قلت ُ في عصبية :
- << ولو لم تتبعيني في غباء لكنت ِ أنقذتيني .. كما أنك ِ من بدأتِ القصة كلها عندما سمعت ِ أصواتا ً مريبة هنا .. أنا فقط حوالتُ أن أكون بطلا ً شجاعا ً.. >>
- << وقد فشلت َ يا فالح ..! >>
ثم قلت ِ وأنت ِ تتكورين حول نفسك ِ كالقطة وتلتصقين بي :
- << على كل حال ، لا جدوى من الجدال الآن .. سننتظر حتى الصباح ، وعندها سنفكر في شيء ما .. أرى أن تطفئ قداحتك َ كذلك ، لأننا لا نحتاجها مؤقتا ً .. أتمنى أن يكون بها ما يكفي من الوقود >>
أجبتك ِ في كآبة :
- << بالطبع الوقود على وشك الإنتهاء .. القصة دائما ً هكذا .. إن الأشخاص الذين يملكون قداحات مليئة بالوقود ، لا يُقفلون في قبو مظلم أبدا ً .. >>
- << يالك من نحس ! >>
أطفئتُ القداحة ، وتكورت ُ حول نفسي ، بحيث كان وجهي مواجهت لوجهك ِ تماما ً .. وبعد فترة شرعت ُ أدندن ..أدندن بصوت خفيض نشاز ، أثار شجني أنا شخصيا ً ، أغنية (المطارات البعيدة) الحزينة ، التي كتبها د.أنس مصطفى ، وغناها المرهف علاء الدين سنهوري ..

[align=center]" الحلم أن نغفو على كتف الحبيب ..
نستعيرُ من الزمان زفاف أيام لنا ..
نتقاسم الأحزان ، والفرح المخبأ في سهول صدورنا ..
ونعيد ذاكرة الحقائب للطريق
.."[/align]

فتحت ُ عيني ّ لأري وجهك ِ الساحر في الظلام البكر المحيط بنا ..عيناك ِ مغمضتان .. صوت تنقسك منتظم .. أنفاسكِ تلفح وجهي .. صدرك ِ يعلو ويهبط في هدوء ..
لقد نامت البائسة ...

[align=center]" كنا نحب ُّ طريقنا للبيت ..
والكلمات ُ تفتح في الأصيل ، نوافذا ً لهبوبنا ..
كنا ننادي ..
يا حبيبة .. كم نحبك ِ ..
يا حبيبة .. كم نتوقك ِ ..
يا حبيبة .. نشتهيك ِ ..
يا حبيبة ..
تمزّق حبلنا السري كي نأتي إليك ِ ..
بما حملنا من حكايات الطريق
.."[/align]

ربااااه ! كم أنت ِ جميلة يا بسمة ! .. في كل مرة أتطلع فيها في وجهكِ أكتشف أشياء ً جديدة .. وأعيد في الوقت ِ ذاته إكتشاف الأشياء القديمة التي لطالما جعلتني أقع فريسة هواك ..

[align=center]" الحلم أن نبني لنا بيتا ً هناك ..
فيه نشتاق الأماسي .. والترقب .. والوصول ..
فيه نكتب ما استطعنا من رسائل للحبيب ..
الحلم أن نبني بما أبقت الأيام عشقا ً من جديد ..
ونظل نبحث ُ عن نساء لا يساورهن ّ زيف ..
"[/align]

ترى هل سأشفى يوما ً من هذا الحب ؟ .. إن الأمر كله أشبه بلعنة لا فكاك منها .. في كل مرة أقول لنفسي أنني قد كسرتها ، أكتشف أنني مازلت نفس الأحمق الذي يهوى هذا الملاك الرقيق الذي هو أنت ِ دون تحفظ .. لم َ لا أستطيع كسر تعويذة حبك ِ يا فتاة ؟ .. مالمميز فيك ِ بالضبط ، و الذي يجعلني أتخبط ُ في شباك حبك ِ كالسمكة العمياء ..؟!! .. أم أن المشكلة في َّ أنا وحدي .. أأنا حقا ً ذلك الأعمى الأحمق الذي لايرى الحقيقة ولو كانت ملتصقة بوجهه ؟

[align=center]" هل نحن حقا ً شاحبون ..
ليضيع في كل المدائن ظلنا ؟..
أم نحن دوما ً راحلون ..
لنعود من كل المدائن بزاد موّال وناي؟ ..
سيظل ّ يلسعنا السؤال ..
ولن نجيب ..!
"[/align]

المصيبة هي أنه لا أحد استطاع يوما ً أن يفهم شعوري نحوك ِ بالضبط ، أو حاول حتى أن يحلل طبيعة انجذابي غير الطبيعي نحوك .. لا أحد يستطيع إستيعاب ما تمثيلينه بالنسبة لي يا حبيبتي .. أنك ِ تمثلين إلي ّ ذلك الحلم الجميل البرئ الذي راودني وأنا طفل .. ذلك الطيف الرقيق الذي بللّ جفاف تربة مراهقتي .. ذلك الدفء اللذيذ الذي رعاني في صباي ..أنت ِ تلك الحكمة العميقة التي روضت ْ شبابي المتهور .. وذلك النسيم الذي سيملأ فراغ شيخوختي بذكرياته الباسمة ..

[align=center]" كنا نتوق إلى إلى حضور لا يكون ..
إلا َّ لفتاة ناصعة ..
وبلد نبيل ..
لكن فكرتنا تمادت ْ في الرحيل ..
من كان يسال عن فتاة فارعة ..
وفتى أصيل ؟
سوى المساءات .. الحديقة ..
والحنين..!
"[/align]

لم أنت ِ دوماً معي هنا .. في العميق ..؟.. أنا أؤمن بأن الله تعالى قد خلق كل منّا وفي داخله قدر معين من العاطفة ، والمفترض أن يستخدمة الإنسان بحرص ، لأنه مخزون غير قابل للتجديد أو إعادة التعبئة .. وأنا استخدمت ُ مخزوني كله فيك ِ .. لهذا لم يتبق َّ في َّ شيء لأي فتاة غيرك ِ .. صدقيني .. أنا أشفق على الفتاة تعيسة الحظ التي ستصبح زوجتي يوما ً .. لن تجد في داخلي سوى الفراغ .. فراغ شاسع كئيب مقبض ، كهذا القبو ...

[align=center]" هذا أنا الليل يصحبني إليك ِ معبأ ً بالإنحسار ..
وبالنحول ..
سأعود من كل المطارات البعيدة ..
حين يغمرني الخريف ..
أبدا ً إليك ِ هو اللجوء ..
أبدا ً عليك ِ هو النزيف..
"[/align]


بسمة ...
نامي بحفظ الله أيتها الجميلة ..
فالحب بعدك ِ مستحيل ..
والأنوثة مستحيلة ..
[align=center]**************[/align]
طبعا ً لا داع لأن أقول أنني لم أذق طعم النوم في تلك الليلة .. قضيت ُ الليلة كلها ألتهم وجهك ِ بنظراتي إلتهاما ً .. أحيانا ً كان يغلبني النعاس فأغوص في دوامته اللذيذة لثوان ٍ ، ثم أنتفضُ مستيقظا ً في ذعر .. لا .. لن أنام .. لن أضيع ثانية واحدة .. أنت ِ هنا معي .. ملكي وحدي الآن رغما ً عن أنف الكون ..
هل كنت ُ سعيدا ً ؟ .. أكره أن أبدد السعادة بالكلام عنها .. إن التعاسة بطبعها تغرى بالكلام .. كل القصائد والقصص التى يكتبها أشخاص تعساء أرادوا - بكرم النفس - أن يتقاسموا تعاستهم مع الآخرين .. وهناك فى غرفهم الموصدة ، يجلسون فى المساء ويلتهمون شطيرة من الطعمية ويشربون كوباً من الشاى الثقيل .. تصاعد الأبخرة إلى أمخاخهم فيمسكون القلم ليكتبوا : كم نحن تعساء لا أحد يفهمنا فى هذا العالم الشرير .. نحن نواقيس تدق فى عالم النسيان .. أما السعادة فلا أحد يكتب عنها .. نحن نعيشها فى جشع ولا نشارك فيها أحداً ..
وهكذا ... مضت الليلة علي ّ .. أجرؤ أن أقول أن تلك الليلة هي أسعد وأعظم ليلة قضيتها في حياتي .. وذكراها سأحملها معي للقبر ..
عندما استيقظت ِ أنت ِ ، كانت عقارب ساعتي الفسفورية تشير إلى التاسعة صباحا ً .. طبعا ً صار الظلام أقل كثافة ً وبتنا نستطيع أن نرى الكثير من التفاصيل التي لم نكن لأن نراها بالأمس ..
نهضت ِ من رقدتك ِ على الأرض ، جالسة ً تتخللين خصلات شعرك المبعثرة بأناملك ِ ، في محاولة لتنسيق شعرك ِ بشكل ما ..
ابتسمت ُ أنا في سخرية ، وقلت :
- << صباحك حليب ! .. هاهي ( حسناء الجب ) تبدأ يومها ..! >>
قلت ِ وأنت ِ تردين التحية بألعن منها ، والنوم لم يفارق صوتك ِ :
- << إذا كان شكلي عند الإستيقاظ ، يشبه شكلك الآن أيها المتشرد ، فإنني أرى ألا َّ نتزوج أبدا ً ..! ما ذنب أطفالنا كي يروا آباءهم مرعبين هكذا ..؟ >>
أردت ُ أن أرد عليك ِ برد لاذع يحرجك ِ ، ولكني آثرتُ الصمت .. تثاءبت ِ أنت قائلة ً :
- << حسن .. ماذا هو برنامجنا لليوم ؟ .. هل نبدأ في الصراخ الآن ؟ أم أنك َ ترى أن نحطم معاصمنا على الباب أولا ً ؟ >>
هززت ُ رأسي بمعنى (لا أدري) .. كنت ُ أفكر في حل لهذه الورطة .. صحيحٌ أنني مستمتع بصحبتك ِ معي هنا وحدنا ، ولكن طبعا ً ليس لدرجة تركك لتموتين جوعا ً وعطشا ً ..
ويبدو أنك سمعت ِ هذه الأفكار وهي تدوي برأسي ، لأنك قلتِ في وجوم :
- << أنا جائعة حقا ً ..>>
قلت ُ بتهكمي المعهود :
- << جائعة فقط ؟.. هذا سهل .. فقط قولي لي مالذي تريدين أكله وسأحضره لك ِ .. هل تريدين إفطارا ً إنجليزيا ً ، أم إفطار تقليدي قوامه الفول والطعمية مع البيض المقلي ؟! >>
نظرت ِ إلى أظافرك ِ المتسخة قائلة في غيظ :
- << ظريف حقا ً !.. يبدو أنك قد نمت جيدا ً الليلة السابقة >>
استفزني قولك ِ هذا لأن أقول :
- << جدا ً .. نمت ُ كطفل رضيع .. لهذا أشعر بحالة كرم حاتمي شنيعة هذا الصباح .. لذا قررت ُ أن أعزمك على أي وجبة إفطار تطلبيها .. مالذي تريده يا مولاتي ؟ ما رأيك ِ ببعض شرائح البيتزا .. إنني أعرف رقم بيتزا هت ،فرع الكويت، كل ما يتطلبه الأمر هو أن أتصل بهم ، و ......>>
وبترت عبارتي ، لأقفز واقفا ً ، كما لو لسعني شيئ ما ، وقلت ُ بصوت عال ً جدا ً:
- << رباه .. ربااااااه .. كم أنا غبي ..!! كيف فاتني هذا؟.. >>
- << مالذي أصابك يا معتوه ؟ .. هل جننت َ أخيرا ً >>
ضربت ُ رأسي بكفي :
- << إنك ِ لن تصدقين ... ربااه .. لقد كان الحل معي منذ البداية..تبا ً! كيف نسيت هذا الأمر؟>>
نهضت ِ من على الأرض ، قائلة في نفاذ صبر :
- << أحمد .. إما أن تخبرني مالذي تتحدث عنه بالضبط يا أحمق ، أو اصمت ..>>
- << آسف يا بسمة .. ولكنك ِ لن تصدقين .. لقد تذكرت ِ الآن أنني أحمل هاتفي الجوال قي جيبي ! .. >>
قلت ُ هذا الكلام وأخرجت ُ الجهاز الحبيب الصغير من جيب بنطالي ...
تطلعت ِ أنت للهاتف بنظرة غريبة ، دون أن تقولي شيئا ً ...
- << تصوري أننا كان يمكن أن نختصر معاناة لليلة السابقة بمكالمة تليفون واحدة .. وأنت ِ كنت ِ قد بدأت ِ تخترعين وصفات لطبخ الفئران .... بسمة ! .. لم أنت ِ صامتة كالبوم هكذا ؟ هل هزتك ِ المفاجئة لهذا الدرجة ؟ >>
ببطء شديد ، وصوت خافت مكتوم :
- << هل تريد أن تقول لي أن هذا الهاتف كان بحوزتك منذ البارحة ؟ >>
- << نعم ، هل تتصوري مدى غبائي ؟ .. المشكلة هي أنني لم أتعود عليه بعد ، كما أن حجمه صغير نسبيا ً ، و ......>>
- << أحمد .. >>
- << نعم يا ملاكي ؟ >>
- << سأقتلك أيها الحمار الغبي !!! >>
صرخت ِأنت ِ بهذه العبارة ، وانقضيت علي ّ موسعة إياي لكما ً وركلا ً وعضا ً وشتما ً ..!

(البقية في الخطاب القادم بإذن الله.. وهو الأخير بالمناسبة)

imported_أحمد أمين أحمد محمد 19-03-2008 11:55 AM

[align=center]الرسالة الخامسة : ليلة لا تنسى ....![/align]

حبيبتي بسمة ..
.. ما أجمل أن تحب ولا يشعر محبوبك بك .. إن هذا يعطى الحياة صبغة رومانسية رائعة , ما كانت لتتحقق فى وجود حب متبادل ممل .. !
إن هذا يجعل أيامنا مثيرة بعض الشيء إن أردت ِ رأييّ .. فأنا لم أعش أياما ً أكثر إثارة أو أكثر جيشانا ً في المشاعر من تلك الأيام التي مرت علي ّ بعد حديثنا تحت الشجرة ..
السبب هو أنني اكتشفت ُ كم تغيرت ِ أنت يا بسمة .. وكم تغيرت الكثير من الأشياء فيك .. كنت ُ أظن مع ابتعادي عنك ِ وتعمدي لتجنبك ، سيدفعك ِ للبحث عندي ، أو على الأقل ، للسؤال عني وعن أحوالي .. أذكر أنني حتى تعمدت ُ مرة أن أتظاهر بالمرض علكِ تهرعين إلي ّ لتخففي من آلامي ، وإن كانت مزيفة ..
ولكني كنت مخطئا ً .. لم تظهرين اهتماما ً يذكر .. لم أعد أرى نفسي في عينيك ِ ، وعرفت ُ في - هلع حقيقي – أنني قد فقدتك ِ فعلا ً ..
ولكني كنت ُ أعرف أن الخطأ لم يكن خطأك ِ أنت ..
بل كان خطاي أنا ..
فالمشكلة هي يا بسمة أنني أحببتك ِ هادئا ً منتظما ً كالنهر الراكد طيلة حياتي .. لا جديد فيه ولا مفاجئ .. أي أنني فقدتك ِ في اليوم الذي عرفت ِ فيه أنت ِ يقينا ً أنك لن تفقديني ..!
لهذا أعتقد أنكِ تزوجتِ معتز بعد سنتين .. لأنه الخيال ذاته .. هو البحر المتقلب الثائر ، الذي لن تعرفين أبدا ً ما إذا رقتِ له من عدمه .. ولأنه لن يكف عن عن إحباطكِ وإثارة قلقكِ ..
ولكن دعينا ندع الكلام عن معتز الآن .. فنحنا الآن في 2003.. وأنت لن تتزوجيه إلا في منتصف 2005...
كما كنت ُ أقول ، مشكلتي كانت أن حبي ممل ٌّ حقا ً .. واخلاصي الأبدي وإنبهاري الخالد بك ، كلها أسباب جعلتكِ تفلتين كالماء من بين يدي ّ ..
النساء قد لا يستغنين عن المحب المنبهر متقطع الأنفاس خلفهن ّ ، لكنهن ّ يردن – بالفعل – ذلك الوغد الوقح الفظ ّ الغامض الذي لا يعيرهن ّ إهتماما ً كي يمشي أمامهن ّ .. هذه حقيقة علمية تاريخية أتحداكِ أنتِ نفسكِ أن تنكريها ..
المهم أنني وجدتُ نفسي محطماً بشدة عندما أدركت أنه ما كان بيننا قد تلاشي ، وأنه قد انتهت الحكاية بيننا كما يبدو .. لذا كنت ُ أقضي وقتي كله خارج المنزل ، حتى لا أقابلكِ ولو مصادفة ، وأشغل نفسي في المشي دون هدى في الشوارع ومتنقلا ً بين المقاهي والأسواق وأدخن بشراسة.. نعم ،تلك الفترة هي التي بدأتُ فيها التدخين كمحرقة الجثث .. ثم أعود آخر الليل إلى غرفتي الكئيبة الباردة لأبكي بحرقة إلى أن يغلبني النوم ..
ماذا تقولين ؟ البكاء عيب ، ولا يلائم أبناء جنسنا الخشن ؟؟!.. عزيزتي بسمة .. .. البكاء ضرورة حيوية لا غنى عنها .. إن البكاء كالعرق من ناحية التركيب الكيميائي .. فلماذا نمنع الرجل من أن يبكي و نسمح له بأن يعرق .. ؟!! .. كما أن البكاء يريح الأرواح المعذبة إلى حد ما ..
الخلاصة هي أنني كنت أيامي ما بين التسكع الرتيب في الشوارع ،وبين الإكتئاب وحيداً في غرفتي ليلا ً .. الإكتئاب الخام الذي يمكن أن تذيب منه قطعا ً في مياه الشرب ، لتجعل أمة من البشر تقرر الإنتحار...
حتى أتى ذلك اليوم ...
كنت عائدا ً إلى البيت متعكرا ً المزاج كالعادة ، مستعدا ً للشجار مع أي يشخص يستفزني ، وقد فتكتُ بمايقارب أربعة علب كاملة من السجائر في يوم واحد .. كان الوقت عصراً وفي نيتي أن أغير ملابسي وأخرج مرة أخرى للشوارع الحبيبة .. عندما رأيتُ عمتي منى قادمة ً نحوي .. عمتي منى التي إن لم تكن تتسلى بشي القطط في فرن بيتها ، لكان فهمي للبشر خاطئا ً .. قلت لنفسي : يا فتاح ياعليم يا رزاق يا كريم .. كنتُ أريد مشاجرة ً ، وهاهي ذي قد جاءت تتبختر .. متأنقة ترتدي (توب توتال) ذا ألوان تصيبك بالغثيان ..
- << أحمد .. أيها الوغد العزيز .. أين كنت ْ يا فتى ، لقد سألت ُ عنك َ الجميع ؟ >>
بقرف رددت ُ عليها :
- << كنت في الخارج .. هل تريدين شيئا ً ؟ >>
في سماجة ، سألتني :
- << لم أنت َ مكتئبٌ دوما ً هكذا .. إتك تبدو كمن في السبعين من عمره وقد خبر كل الشرور الذي يوجد في الدنيا ؟ >>
أنا في سام :
- << إنه الحماس كما تعلمين .. هل تريدين شيئا ً يا عمتي .. أنا مستعجل نوعا ً ..>>
- << هل ستذهب إلى الحفل في المساء ؟ >>
أنا في غباء :
- << حفل .. أي حفل ؟! >>
- << حفل زواج تينا قريبتنا ..>>
- << غالبا ً لا .. تينا ؟ من هي بالضبط ؟>>
- << بنت بنت خالة والدك >>
- << آآه .. في هذه الحالة ..أنا لن أذهب بالتأكيد ! >>
- << هل يمكنني ان أعرف لم َ ؟>>
زفرتُ في ضيق قائلا ً :
- << لأني أكره البشر والزحام والأضواء .. وأحب الوحدة والعزلة والظلام .. كما أنني لا أشعر برغبة في الخروج من المنزل هذا المساء بصراحة ..>>
صفقت ْ بكفيها كالمعتوهين وهي تقول :
- << جميييييييل ! .. في الحقيقة هذا ماكنت ُ أريد سماعه منك ، كم أنني توقعت ُ مسبقا ً أنك لن تذهب ، لهذا أنت الرجل المناسب للمهمة >>
- << مهمة .. أي مهمة تتحدثين عنها .. >>
- << هنالك فتاة صغيرة تقرب لعمتك حنان ، من جانب زوجها ، وأم هذه الطفلة – التي سترافقنا الحفل – لا تريد أخذها معها لأنها مريضة .. ولكننا لا نستطيع أن نتركها وحدها كما تعرف .. أنت َ تعرف أنني أؤمن بأن الأطفال عبارة عن أوغاد إلى أن يثبت العكس ..>>
هتفت ُ في عصبية وقد فهمت ُ الشرك الذي أساق إليه :
- << وتريدون مني ان اقوم بدور جليسة الاطفال ، ومن دون أية مقابل مادي ايضا ً ، أليس كذلك ؟..الإجابة هي لا يا عمتي .. إنني لا أطيق الطفال أيضا ً ،وأعتبرهم شياطين صغيرة يجب جلدها طوال الوقت أو حبسهم في الحمام على أقل تقدير.. لا ،ابحثوا لكم عن أحمق آخر غيري ..>>
- << لا تكن سخيفا ً يا أحمد ..لا يوجد أحمق آخر غيرك بالطبع..كما إن عمتك حنان ستغضب منك ، وأنت تعرف جيدا ً أن غضبتها ليس بالشيء المستحب أو اللطيف .. كما أن بسمة ابنتها ستكون معك .. فهي ايضا ً تشعر بتوعك ولن تذهب لحفل الزفاف كذلك ..لهذا لن تضطر إلى الإعتناء بالطفلة وحدك..>>
أفلت قلبي ضربة ، وأن أقول :
- << ب . بسمة ؟! .. بسمة ستكون هناك أيضا ً >>
لوحت بكفها ، وهي تقول :
- << نعم .. فهي تشعر بأنها ليست على ما يرام .. المهم .. هل أنت موافق أم أنه سيكون علينا سؤال ابني محمد سيف عن رأيه في الموضوع ؟ >>
- << أنا موافق ..! >>
*******************
حبيبتي بسمة ..
طبعا ً يمكنك أن تتخيلي مدى توتري وسعادتي بتلك الفرصة التي هبطت ْ علي من السماء .. أن أقضي معك ساعات لوحدنا ، ولوحدنا تماما ً ، وهو الشيئ المستحيل حدوثه تقريبا ً في بيت جدي ، حيث يذكرك زحام البشر فيه بموقف السوق العربي للباصات ..
لذا أول شيئ قمت به هو أن إتصلت بصديقي العزيز هيثم ، لأعتذر له عن عدم ملاقاته في المساء في المقهى ، ووعدته في كسل أن أقابله غدا ً ،فسألني في خمول عن السبب ، فقلت ُ له في تراخ أن هناك ظرف طارئ في البيت ،.. فقال لي ... لا .. لقد أنهينا المكالمة قبل أن نسقط على الأرض..
ثاني شيئ هو أنني قمت بإبتياع مخزون يكفيني من السجائر ، خاصة وأنها ستكون ليلة طويلة ، لأن العرس سيكون دخلة + Over Night... لذلك فهم لن يعودون للبيت لساعات لابأس بها ..
ثالث شئ ، وهو الأهم ، قمت بالذهاب للحلاق ، وطلبت منه أن يعطيني حلاقة + قطعية ممتازة تناسب عريس .. ثم بعد ذلك ابتعت ُ بعض أقراص الفاليوم والسم ّ للطفلة في حالة قررت أن أقتلها ..
وجاء المساء ..
دخلت ُ المنزل برجلين ترتجفاف تماما ً كساقي الضفدعة التي كان جلفاني سيطبخها لزوجته ، ثم عدّل عن هذا ليكتشف الكهرباء المجلفنة ..ولكنني بالطبع كنت ُ متحمسا ً كبطة فخور ، لفكرة أنني ٍسأكون معكِ بعد لحظات ، وإن كان سيكون معنا قريبتكِ الطفلة ،وهو الشيئ الذي ضايقني نوعا ً ، لأني لا أطيق الأطفال ولا الزهور ولا الربيع كما تعلمين ، ولكنكِ في نظري تستحقين تضحية صغيرة كهذه.. وجدت في استقبالي العمة حنان – والدتك – وقد تبرجت بالكثير من مساحيق التجميل حتى بدت أشبه بهندي أحمر في طريقه لحرق معسكر للرجل الأبيض ..
المهم أنها أخبرتني في رقة شديدة أنه أنني إذا لم أعتني بالفتاة الصغيرة – ابنة أخ زوجها كما أتذكر – جيدا ً ، أوإذا راودتني أية أفكار مشينة بخصوصك ِ أنت ِ ، فإنها لن تتردد في أن تأخذ بندقية العم علي العجوز – حارس بيت جدي – لتفرغها في رأسي ورأسك ِ أنت ِ نفسكِ ..!
- << أنا لا أمزح يا هذا .. فأنا أعرفكم معشر الشباب جيدا ً .. إنكم السفالة تمشي على قدمين .. إن دورك يا أحمد لن يزيد على أن تمنع تلك الشيطانة الصغيرة من قتل نفسها ، وأن تتصل بنا لو شعرت بسمة بالمرض .. هل تفهم ؟ ..>>
طبعا ً كنت ُ أرتجف كورقة في مهب الريح ، وأنا أسألها :
- << و..وأين بسم.. أأ ..أقصد أين الفتاتين يا عمتي ؟ >>
- << بسمة في الطابق الأعلى مع أحد صديقاتها ، والتي سترحل بين لحظة وأخرى عندما يأتي خطيبها لأخذها..أما العفريتة الصغيرة فلا اعرف في أي مصيبة هي .. والآن أرجو ألا ّ تنسى كلامي ، وإلاّ الويل ..>>
ودون كلمة ، دارت حول نفسها ، وخرجت بخطوات عسكرية صارمة إلى حيث تنتظرها السيارة التي ستأخذها إلى الحفل ..
لثوان ٍ قبعت ُ واقفا ً في مكاني ، محاولا ً إلتقاط أنفاسي .. ثم جلست ُ في أقرب مقعد وجدته هناك ، مشعلا ً سيجارة ..
وفجأة رأيت تلك الفتاة الصغيرة ..
الحقيقة هي أن الصغيرة سارة عمر – ابنة عمك ِ – طفلة رائعة الجمال .. أضف الشعر البني الجميل الطويل حتى الخصر إلى العينين العسليتين الواسعتين ، تجد أنها دمية حقيقية .. وكنت ُ أعرف أنها تحبك ِ يا بسمة بجنون .. لهذا طلبوا منك ِ أن تظلي معها ، عندما أخبرتهم بعدم ذهابك .. لكنها فعلا ً كانت تحبك بعنف .. السبب الظاهر طبعا ً أنكم قريبتان .. لكن لو أحب كل إنسان أقاربه بهذا الجنون لتحول العالم إلى جنة .. السبب الحقيقي هو أنك ِ يا بسمة كنت ِ وما زلت ِ برغم ذكائك ِ الخارق وأعوامك ِ التي تجاوزت العشرين طفلة رائعة الجمال أنت ِ الأخرى .. ولا تحتاجين لمجهود كبير كي تفكري وتضحكي وتحلمي كالأطفال .. ولأن غريزة الأطفال الجهنمية لا تخطئ في هذا الصدد ، لهذا كانت سارة تحبكِ .. بل كل الأطفال يحبونكِ في اعتقادي ..
أنا أبالغ ؟؟ .. لا أعتقد .. فقط جربي مرة يا بسمة أن تدخلي أية قاعة مزدحمة .. ستجدين أن الأطفال يتجهون نحوك ِ لا شعوريا ً .. جربي مرة أن تداعبي رضيعا ً ستجديه يقرقر ضحكا ً .. بينما لو داعبته أنا لانفجر في بكاء مجنون حتى يزرق لونه ويموت ..
المهم أنني وجدت ُ نفسي أحدق في عيني الفتاة الصغيرة التي كانت تنظر إلي ّ بفضول ..
ابتسمت محاولا ً أن أبدو لطيفا ً ، بأن كشرت عن أسناني الأمامية كذئب الجبال الأمريكي :
- << مرحبا ً أيتها الآنسة .. سارة أليس كذلك .. هل تعرفين من أنا يا صغيرتي ؟ >>
فتحت فمها الدقيق لتقول :
- << رجل كبير مثلك ولا يعرف اسمه ؟!! ..>>
- << لا .. لا ، أنا لم أقصد هذا ، كل ما عنيته هو هل تعرفين من هو أنا ، ومالذي أفعله هنا بالضبط ؟>>
- << نعم أعرف ... أنت الدادة التي أحضرتها العمة حنان لتعتني بنا .. صحيح ؟ >>
دادة يعني مربية طبعا ً .. ! .. آخر الزمن وبعد كل سنوات دراسة الهندسة بالجامعة ، يجيئ اليوم الذي تطلق علي ّ فيه فتاة مايعة صغيرة لقب دادة ..!
- << لا يا صغيرتي .. أنا أحمد ، ابن أخ عمتك حنان .. انا هنا لأعتني بكم هذه الأمسية ..>>
اقتربتْ مني بخطوات صغيرة متمهلة ، ثم قالت في سماجة :
- << اسمك أحمد ؟! ... عندما رأيتك َ لأول مرة ظننت ُ أنك اسمك سيكون برعي أو حنفي أو شيء من هذا القبيل ..! >>
ياللوقاحة ! ... سيكون من الصعب جدا ً ألا ّ أخنق هذه الفتاة قبل انقضاء الليلة ..
- << لا للأسف .. لقد أخطأ أهلي وسموني أحمد لسوء الحظ ..>>
ثم تجاهلتها تماما ً وأنا التقط تفاحة وجدتها هناك ، وشرعت في تقشيرها فالتهامها .. لكنها اقتربت مني أكثر ثم سألتني بصوتها المستفز ّ :
- << هل يمكنني أن أسألك سؤالا ً ؟ >>
- << لا ..!>>
تجاهلت ْ ردي تماما ً وهي تسأل مجددا ً :
- << المعلمة أخبرتنا اليوم في المدرسة أن النساء يلدن الأطفال .. فلم لا يلد الرجال أيضا ً ؟>>
- << سأجيبك فيما بعد ..>>
- << ولم ليس الآن ؟.. >>
- << سارة .. أنت ترين فمي مشغولاً بأكل التفاحة ولا أستطيع الرد ..>>
- << حسن .. بدلا ً من أن ترد بأن فمك مشغول ، أجبني لماذا لا يلد الرجل ؟ >>
قلت ُ لها متهربا ً :
- << يا بنت قلت أن فمي مشغول .. وعلى العموم سوف أجيبك عن سؤالك هذا عندما تصبحين كبيرة ً ..>>
رفعت حاجباها في دهشة :
- << وهل ستظل تأكل هذه التفاحة إلى أن أصبح كبيرة ً ؟؟!!! >>
آه ه ه ه يا قرحتي ....
صمت ُّ ولم أعلق .. إلا ّ أن اللعينة لم تتركني وحالي :
- << هل تعرف أنه اليوم كان من المفروض أن تأخذني ماما بسمة إلى صديقتي دينا لمشاهدة القرد الذي اشتروه أهلها ، لكنها قالت لا داعي اليوم لمشاهدة القرد ، مادمتُ الليلة سأشاهدك أنت ..!>>
آه ه ه ه يا مرارتي ....
مرة أخرى صمت ّ ولم أعلق ، وانا أمسك أعصابي بصعوبة ..فشرعت ُ ألتهم أصابعي بعد أن فرغت من التفاحة ..
لكن تلك الشيطانة لم تستطع أن تمنع نفسها من أن تقول :
- <<هل تدري أنك تذكرني بممثل سينما شهير ؟ >>
- << حقا ً .. من ؟ .. توم كروز .. براد بت ، أم جون ترافولتا ؟ >>
- << بل اسماعيل ياسين ..!! >>
هذا هي القشة التي قصمت ظهر البعير .. سأقتلها .. حتما ً سأقتلها هذه الساحرة الشريرة .. وبالفعل نهضت ُ من على مقعدي راسما ً أعتى علامات الشر على وجهي ، واتخذت وضعية هجومية ممتازة ، و..................
- << أحمد ، أيها العزيز ! .. متى وصلت يا صاح ؟ >>
تجمدت ُ في مكاني على الفور ، عندما سمعت ُ صوتكِ الملائكي ياتيني من الخلف .. لقد ظهرت في اللحظة المناسبة تماما ً يا بسمة قبل أن أقتل تلك الفتاة اللطيفة ..
- << أرى أنك قد قابلت سارة يا أحمد .. قل لي مارأيك ، هل أحببتها ..؟>>
أجبتك ِ دون وعي :
- << لطيفة جدا ً .. إنها تماما ً كالملينات التي تعطى لمرضى الإمساك..! >>
ضحكت ِ أنت ِ حتى دمعت عيناك ِ ، ثم قلتِ لي من بين قهقهاتك :
- << الكثيرون مدحوا سارة من قبل .. ولكن مديحك هذا غير مسبوق فعلا ً >>
لم أرد عليكِ هذا المرة لأني كنت مشغولا ً بالطبع في التطلع إلى تلك الفتاة الحسناء الواقفة خلفكِ ..
الحقيقة إنها كانت جميلة .. ربما أكثر من اللازم أو المقبول .. وهي في هذا تشبه جرعة زائدة من السكر، تصيبك باضطراب في الهضم وربما الغثيان .. وإن كان يوجد هنالك شيء في وجهها يخبرك يوضوح أنها على شيء لا يخفى من القسوة والإستهتار..
- << هذه هي غيداء يا أحمد .. صديقتي منذ المرحلة الإبتدائية في دبي .. لقد جاءت لتزروني بعد أن سمعت بقدومي ..>>
مدت المذكورة يدا ً دقيقة نحوي قائلة بإبتسامة فاترة نوعا ً :
- << مرحبا ً .. تشرفت ُ بمعرفتك >>
التقطت ُ أنا يدها مصافحا ً إياها .. وكان كل ما فتح الله به علي ّ من رد هو :
- << نسأل الله أن يكثر من أمثالك يا آنسة ..! >>
تطلعت ْ إلى وجهي كما لو كانت تنظر لمجنون ولم تعلق ْ ، ثم وجهت كلامها نحوكِ أنتِ :
- << يجب أن أنصرف حالا ً يا ( بسومة ) .. إن هيثم ينتظرني في سيارته بالخارج >>
مشيت ُ أنا والطفلة ورائك ِ وأنت توصلين صديقتكِ لباب المنزل .. لأرى ذلك الشاب واقفا ً في الخارج يدخن في ضجر .. كان على قدر من الوسامة .. فارع الطول قوي البنية يذكرك بأبطال أفلام رعاة البقر أيام (جاري كوبر) و (جون وين)..حين كان الأبطال يوجهون لكمات قوية إلى فك أعدائهم قبل أن يظهر إختراع الركلات .. وكانت تبدو عليه آثار النعمة ، مما يدلك على أنه من الذين ولدوا وفي أفواههم ملعقة ذهبية أو ماسية على الأرجح ..
- << هيثم خطيبي ..>>
- << تشرفنا ..>>
وقفتُ على الباب بجانب عم علي بوابنا – الغفير - بإنتظار مراسيم الوداع السودانية النسائية المعتادة بينك ِ وبين صاحبتك ِ ، والتي تتلخص في : سلام – قبلات – ثرثرة فارغة – قبلات – عناق – ثم المزيد من القبلات ..
بعد هذا صعدت غيداء إلى السيارة مع الفتى ..
غمغم العم علي في ضيق :
- << إنهن منطلقات في دبي ، ولسن مثل نسائنا هنا اللواتي يحلقن ّ ذقونهن ّ يوميا ً..>>
لم أعلق .. بل انتظرتك ِ حتى دخلنا لإلى المنزل سوية .. سالتك ِ ونحن ندلف إلى البيت :
- << ذلك الفتى تامر أو هشام ، أيا ً كان اسمه ، خطيب صديقتك ِ ، شكله عاطل بالوراثة >>
أجبتيني أنت ِ بجدية :
- << اسمه هيثم .. وهو فعلا ً من اسرة ثرية .. وهو يدرس في إيرلندا تمثيل ومسرح .. غيداء تقول أنه حاليا ً يجرب التمثيل مع فرقة مسرحية ما هناك..>>
- << سينجح لو كان الدور المطلوب هو باب مخزن ..>>
أطلقت ِ ضحكة صافية ً ، قائلة :
- << يالك من مجامل لبق .. لطالما كان رأيي أن لسانك اللطيف هذا لا حل له إلا ّ السكين .. لم أنت َ دائما ً ساخر ناقد لكل شيء هكذا ؟ >>
أجبتك ِ في كياسة :
- << إنها العادة كما تعلمين ..>>
ضحكت ِ مرة أخرى .. ثم جلستِ على أول كرسي وجدتيه أمامك ، وقلت ِ لي باسمة وقد أسندت ِ ذقنك ِ على قبضتيك ِ :
- << اجلس لنتحدث قليلا ً .. إن أمامنا ليلة طويلة لنقضيها معا ً .. همممم ؟ أخبرني ، ماذا فعل الزمان بك طيلة السنوات السابقة ؟ هل فقدت أشياء أو اكتسبت أشياء ؟ >>
أجبتك ِ في تعاسة وأنا أصب ُّ لنفسي بعض القهوة وجدتها هناك :
- << أضفت القرحة والمصران العصبي إلى قائمة أمراضي .. بينما فقدت (لوزتي ) بعد أن أجريت عملية جراحية لإستئصالهما ..>>
تقلص وجههكِ في دهشة مشفقة ، وهتفت ِ :
- << قرحة ومصران وعمليات جراحية !! .. رباه ، أمتأكد أنك شاب في الثالثة والعشرين من عمره ..؟ المفترض أن يكون عمرك في الثلاثينات عادة ليحدث معك كل هذا ..!>>
قلت ُ في لامبالاة وأنا أرتشف القهوة الباردة :
- << أنت ِ تعرفين كم أنا نحس .. الحقيقة أن بقائي على قيد الحياة إلى الآن يعتبر معجزة علمية إن أردت ِ رأيي >>
نظرت ِ لي في استغراب ، ثم إرتجفت ْ أهدابك ِ بضحكة حاولت ِ أن تكتميها .. كنت ِ راغبة في التأثر لكن لامبالاتي جعلت الأمر أقرب إلى دعابة :
- << رباااه يا أحمد .. أنت لن تتغير ! >>
- << وأنت ِ ؟ هل تغيرت ِ >>
صمتِ للحظة ، قبل أن تجيبي :
- << وهل يغيرنا الزمن فعلا ً ؟>>
أمسكت ُ قدح القهوة بكلتا يدي ّ وأنا أقول في هدوء نسبي :
- << الأعوام تغير الكثير .. إنها تبدل تضاريس الجبال .. فكيف لا تبدل شخصيتك ؟ ..>>
هززت ِ رأسك في تفهم :
- << المشكلة أن التغير ليس بهذا السهولة كما تظن .. إن الأمر لا يحدث بكبسة زر .. أحيانا ً أشعر بأن قدرتنا على التغيير محدودة ، وأننا نوهم أنفسنا بأننا قد تغيرنا إلى الأفضل ، بينما الحقيقة هي أننا نحن مانزال نحن ..>>
- << .. إن قدرات الانسان المحدودة هى التى تجعله إنساناً يا صغيرتي .. ولو تبدل شئ فيها فهذا مخيف أكثر منه ساراً .. تصور أنك جرت إصبعك فلم ينزف هل يسرك هذا ؟!! .. >>
- << أنا أعرف هذا يا أحمق .. أنا عنيت أن التغير ليس بهذه البساطة .. يحتاج إلى الكثير من الجهد والتخطيط و الحوافز لتحقيقه .. >>
ارتشفتُ المزيد من القهوة البارة المرّة ، وأنا أقول :
- << أنت ِ مخطئة ياملاكي .. التغيير لا يحتاج إلى كل هذا .. إنه يحتاج إلى الخيال والإرادة فقط .. يجب أن تتخيلي كيف ستكون حياتك لو قمت ِ بتغيير شيء ما في حياتك .. والإرادة مطلوبة لتحقيق هذا الخيال وتحويله إلى واقع ملموس ...>>
رفعت ِ أحد جاحبيك ِ قائلة في تهكم :
- << أنت فعلاً لم تتغير .. ألا زلت تؤمن بأن الخيال هو العلاج الناجع لكل المشاكل ؟.. إن خيالك هذا هو مايجعلك تعيش في أوهام طيلة حياتك ..>>
قلتُ في عناد :
- << إن الخيال ضرورة في الحياة يا صغيرة .. إنه ما يجعل أدغال الواقع أكثر قبولا ً ويزيد من معدل تحملنا لها ..>>
- << أحمد .. أنا لم أختلف معك .. إن الخيال جميل .. لكن بشرط أن يكون هناك واقع .. إن الفرار جميل ، لكن لابد أن يكون من زنزانة لا من فرار آخر .. إن الموسيقى جميلة ، لكن لابد من أن نملك معها الحق فى الكلام والقدرة عليه .. >>
ثم صمت ِّ قليلا ً قبل أن تضيفين :
- << مشكلتك َ أنك دوما ً تهتم وتتعلق بأشياء لا تستحق الأهتمال بها ..>>
تطلعت ُ إلى عينيك ِ مباشرة ، قائلا ً في عصيبة نوعا ً :
- << ومالذي تقترحينه يا آنسة فرويد ؟>>
- << أن تبدأ بالتفكير العملي والمنطقي لكيفية تطوير وتحسين نفسك بالطبع >>
- - << دعيني أستعير عبارتك ِ أنت ِ نفسك : المشكلة أن الأمر ليس بهذه السهولة .. هنالك الكثير من الظروف التي تمنع هذا ..>>
لوحت ِ بيدكِ قائلة ً:
- << غيِّر هذه الظروف إذن >>
- << .. لن أغير الكون لمجرد أننى أحب ذلك >>
- << عليك أن تحاول على الأقل يافتى ... >>
برررررررووووووو ! ... هنا لمع وميض البرق تبعه هدير صوت الرعد ، بصوت مرعب جعلنا أنا وأنتِ ننتفض في مقعدينا ، ودفع الفتاة إلى الفقز بين ذراعيكِ باكيةً ..
ضممتيها أنت ِ إلى صدرك حنان ، وقلت ِ بصوت يتدفق دفئا ً :
- << لا تخافي يا صغيرة .. هشششش ... أنا هنا معك .. لا تبكي .. أنا هنا .. >>
أعترف أنني حسدت سارة الصغيرة كثيرا ً .. أنا أيضا ً أشعر ببعض الخوف والقلق ، وأحتاج لمن يضمني إلى صدره ويخبرنني بأن كل شيء سيكون على ما يرام ، وأن وحوش الليل لن تؤذيني ..
رباااااه .. كم أشتاق لتلك الأيام التي كنا نهرع فيها إلى فراش أبوينا في الليالي المظلمة الباردة بحثا ً عن بعضا ً من الدفء والأمان .. المؤسف أنا كبرنا حقا ً .. لم نعرف كم كنا محظوظين وقتها عندما كنا مجرد أطفال ملاعين صغار .. لماذا نُغمر بالحنان في سنٍ لا تسمح بفهمه ؟!! و نُحرم منه و نحن في أشد الحاجة له ؟!!
المشكلة هي إننا أطفال خالدون ، وكلما تقدم بنا العمر ازددنا طفولة ورفضنا فكرة الشيخوخة .. لكننا نشيخ طيلة الوقت ، ونموت ، وينسانا أصدقائنا الأعزاء مهما بكوا علينا فى البداية .. هذه هى الحقيقة .. قبولها نضج ورفضها عته .. لكننا - المؤسى - نفضل أن نكون معاتيه شيوخاً ..
واصلت ُ التطلع إليك ِ في صمت مثأثر ، وأنت تهدئين من روع الطفلة في أمومة محببة ..
لماذا لم أخبركِ أبداً بحقيقة مشاعري ..حقا ً لا أدري .. أعتقد أن السبب اختلف مع مرور الزمن .. عندما كنا صغارا ً كنت ُ أعتبرك شيئا ً مسلما ً به ، وأنك ِ ملكي وحدي ، لذا لم أجد حاجة إلى ترجمة مشاعري الجياشة نحوك إلى كلمات شاحبة لا توفيها حقها .. وبعد أن كبرنا الآن اختلف الأمر إلى حد ما .. فأن لا أدري بالضبط ما طبيعة مشاعركِ نحوي .. أحيانا ً أرى في عينيك دفء الماضي والحنين الذي كان .. وأحيانا ً أخرى أجد نافذة خاوية من المشاعر في عينيك ِ الخضراوتين .. أنا أحبك ِ حقا ً يا بسمة ، ولكن من يضمن لي أنك ِ تبادليني حبا ً بحب ؟ .. لذا خفت ُ أن أفقدك ِ إن أخبرتك بلواذع قلبي المتعب .. نعم ، خفت ُ أن أفقدك ِ ،فربما كنتِ تميلين إلي َّ لأنني كنت ُ الأحمق الوحيد الذي لم يخبرك ِ – وهو يسبل عينيه – كم أنتِ فاتنة ورائعة ..ربما وجدت ِ أنت ِ فيَّ صديقا ً عزيزا ً تستريحين إليه ، وسيزعجك ِ – حتما ً – أن تعرفي أن صداقتك ِ شيء لا يسرني ..!
إن المرأة الحسناء تجد عواطف الرجال الذين لا تميل إليهم شيئا ً لزجا ً مزعجا ً كالذباب .. شيئا ً يحيل حياتها جحيما ً .. وأنا أحبك ِ يا ملاكي ، ولا أريد أن أحيل حياتك جحيما ً ، لهذا أغلقت ُ باب مناقشة موضوع مشاعري معك..

( الآن فقط أدركت كم كنت ُ أحمقا ً .. ولكني أدركت ُ هذا بعد فوات الآوان للأسف)

ولكن مشاعري نحوكِ لم تتغير .. وحتى لحظة كتابة هذه السطور .. أنا ما زلت ُ أنا .. أحمد الملول العصبي غريب الأطوار الذي كان يملك عالما ً لم يخط فيه بشري من قبل ..أرض (اللابشر) لو صح التعبير .. فقط واحدة استطاعت أن تخطو فوق هذه الأرض .. تغزوها .. تغرس فوقها علمها الخاص .. ومنذ ذلك اليوم صرت ُ أنا رجل امرأة واحدة ..
أنتِ ..!
أتشاجر .. أفرح .. أفكر .. أخاف .. أطمئن .. أكتئب .... لكنكِ دوما ً هناك ..
أسافر .. أعود ..أنام .. أصحو .. لكنكِ هناك ..
إنه كما يقول (صالح جودت) : " فأنت المنتهى وهنا المصب ُ " ..
هل كان هذا في صالحي ؟ الحقيقة أنني لا أدري بالضبط .. هذا الحب العتيد الذي أحسبه ولد قبل أن أولد ..ربما بينما المصارع Gladiator يواجه الموت في حلبة الكليسيوم في روما .. ربما بينما قدماء المصريين ينحتون مسلاتهم ..ربما بينما (التي – ركس) العملاق يتحرش ب (برونتوساوروس) وديع قرب المستنقع .. ربما بينما القمر يولد من المحيط الهادي ..
هذا الحب قد جعلني عمليا ً عاجزا ً تماما ً عن ممارسة حياة طبيعية .. جعلني ذئبا ً متوحدا ً يحيا هناك في الخرطوم ، بينما قلبه ينبض هناك في (ساكريمينتو ) بكاليفورنيا .. ولعمري ما أطول تلك الدورة الدموية !
ولكن ... لطالما كنت ِ أنت ِ هي .. حبيبتي الأبدية بسمة .. خمسة وخمسون كيلوجراما ً من السحر والرقة والرقي والمرح .. حساسة كزناد تفجير لغم نازي مدفون تحت ثلوج بولندا .. كتلة من الأعصاب المرهفة مغطاة بالجلد ..
وأنا ..
أهيم ..
بك ِ .......!
- << أعتقد أنها قد غفت ..ذلك الملاك الصغير !..>>
انتزعتني عبارتك أعلاه من دوامة شرودي وهدير الأفكار الذي كان مستعرا ً برأسي ..
- << هه ؟ .. ماذا ؟ >>
- << أعني سارة .. إنها نائمة الآن .. سأقوم بوضعها على الفراش بالطابق الأعلى .. ثم أعود إليك .. اتفقنا ؟ >>

هززت ُ رأسي في صمت ، في حين قمتِ أنتِ بحمل الطفلة ومشيت ناحية السلم الداخلي .. ثم سمعت صوت خطواتك ِ المتهملة وأنت تصعدين الدرج ،و رأس الطفلة على كتفك .. لكم كان شكلها مختلفا ً .. أعترف أنني إن كنت ُ أكره الأطفال فأنا أحبهم نائمين ..إنهم يبدون كملائكة بالفعل يختلفون تماما ً عن الشياطين التي يكونونها وهم متيقظون ..
تنهدت ُ في تعاسة ، وأنا أنظر من خلال النافذة بجانبي لأرى الأمطار الغزيرة وهل تهطل في حماس غريب .. ومن حين لآخر يلمع البرق متبوعا ً بصوت الرعد الكئيب الذي يعرف أنه من قلة الأدب أن يسبق البرق ..
إلتقطت ُ حقيبة الظهر الذي أحضرتها معي ، وقمت بإخراج كتابين وبعض علب السجائر ومشغل الملفات الموسيقية الرقمي iPod ووضعت كل كنوزي على الطاولة أمامي .. ثم أخرجت في النهاية كتاب (مجموعة الأعمال الكاملة للشاعر أمل دنقل) الذي أملكه منذ أن كنت في الثانية عشر من عمري .. لهذا كان مهترئا ً وممزقا ً في مناطق عدة .. لسبب ما لا أستطيع أن أذهب إلى أين مكان من دون هذا الكتاب .. كأنما أنا بحاجة لوجوده معي ليستمر وجودي أنا .. أنت ِ تذكرين هذا الكتاب ، أليس كذلك يا بسمة ؟ .. لطالما أطلقت ِ الدعابات على مدى تعلقي غير المفهوم بهذا الكتاب ..
قلبت ُ صفحات الكتاب في غير تركيز لبعض الوقت ، ثم سمعت صوت خطواتك ِ وأنت ِ تنزلين الدرج ، حتى وجدتك ِ تقفين أمامي قائلة ً في إنهاك :
- << إنها نائمة أخيرا ً .. هييي .. أتريد أن تشرب شيئا ً ؟ ربما بعض العصير أو شاي مع حليب؟ >>
- << قهوة سوداء من غير سكر إذا سمحت ِ >>
تطلعت ِ إلي ّ باستغراب ، وبدا كأنك ِ على وشك أن تقولين شيئا ً ، ثم هززت ِ رأسك ، واستدرت ِ ماشية ً ناحية المطبخ ..
وعندما دقت ْ الساعة تمام التاسعة مساء، كنت ُ ممسكا ً بقدح القهوة عذب الرائحة قوي المفعول بين يدي َّ .. وأنت ِ جالسة أمامي نثرثر بلا تحفظ ..
إن شخصيتك ِ لم تتغير أبدا ً يا بسمة .. أعني من الداخل .. نفس الطفلة ذات الضفائر التي عرفتها في الماضي .. مازلت ِ كما أنت ِ .. مازالت ْ دعاباتك ِ تلقيني من على المقعد ضحكا ً ، ورقة ( تكاد تنبت الزهر في قلب الصخرة الجلمود ) على رأي عمنا العبقري (أبو القاسم الشابي)..
رحت ُ أرمقك ِ وأنت ِ تتحدثين .. كالعادة لم أع ِ حرفا ً مما تقولين لأن خواطري راحت تتزاحم من جديد .. أي أنني أصغيت ُ لكِ أكثر من اللازم حتى لم أعد أفهم شيئا ً ..
لطالما سألت ُ نفسي : إذا كانت هنالك بسمة واحدة في هذا العالم ، وهنالك رجل لعين محظوظ واحد هو من سيتزوج هذه الدرّة ، فكيف يعيش بقية رجال العالم في سعادة هانئين بحياتهم ؟!!!
السؤال المهم الآخر هو : هل سأحقق حلمي يوما ً وأتزوجك ؟؟ .. الإجابة كانت غالبا ً هي لا .. السبب هو أنتِ وليس أنا ..المشكلة أنني أعرف يقينا ً أنني لا أستحق أن أحظى بماسة ثمينة مثلك ِ..إنك تماما ً كالشمس يا بسمة ، لا أحد يستطيع أن يقول أن الشمس ملكه ، وإلا َّ كان العمى والجنون مصيره .. إن الإنسان لا يستطيع أن يتزوج مصدراً لغوياً أو معنى مطلقاً .. هل سمعت عن شخص - مهما كان أحمق - تزوج من العدالة أو الحرية أو المروءة ؟!! ..

(اليوم أعرف كم كنت ُ محقا ً لإيماني بإستحالة زواجي منك ِ !)

لكن أكثر ما يثير جنوني بصددك ِ يا بسمة هو التفكير في كل الساعات التي تعيشينها بعيدا ً عني .. كل الأفكار الذكية والدعابات والرقة التي تشعيها من حولك ِ ، بينما أنا في شقتي الكئيبة أقاسم أشباح الوحدة الطعام .. يمضني ذلك الشعور المزمن بأنك ِ (ستنفذين ) .. لن يبقى منك ِ شيء لي لأن مصير الشموس كلها الخمود (الإنتروبي).. لو استطعت ُ أنا لاستوليت ُ على ماضيك ِ وحاضرك ِ وغدك ِ بوضع اليد .. كل الأعوام التي فاتتني وأنت طفلة تكبرين في دبي ، وكل الأعوام التي ستفوتني حين أختفي في القبر .. كل هذا يجب احتكاره .. ربما لو كان هناك محامٍ بارع لاستطاع أن ........
- << أحمد ! أنت لا تصغي إلي َّ ! >>
أعادتني صيحتك ِ المحتجة إلى عالمنا هذا .. فرفعت ُ عيني في حرج :
- << لا .. أنا معك ِ .. أحيانا ً يحسبني الناس شارد الذهن >>
- << ويكونون على حق ! .. أنا كنت ُ أسألك هل تريد المزيد من القهوة ؟ >>
هززت ُ رأسي أن لا ، وأنا أرد في إمتنان :
- << لا شكرا ً يا ملاكي .. فمستوي الكافين مرتفع بما يكفي في دمي ..>>
ابتسمت ِ في تفهّم ولم تقولي شيئا ً .. ولبرهة ران على المكان ذلك الصمت المحرج .. كلانا نبحث عن شيء ليقوله ليشتت غيوم الصمت المخيمة علينا .. ولكن بلا فائدة ..
وتمر الساعات متوترة ..
وبدأت ُ – صدقي أو لا تصدقي – أتمنى أن ينتهى هذا اليوم بأكمله .. ولكن ، متى ينتهي هذا اليوم المقيت ؟
هل ينتهي في الساعة الثانية بعد منتصف الليل بتوقيت الخرطوم أم بتوقيق مالاجاش ؟ أم الرابعة عصراً بتوقيت نيام بيام ؟
كنا جالسين في الصالة نشاهد التلفاز .. برنامج أطفال سخيف – نعم في التاسعة والنصف مساء ً !! – عن البطة (بطوطة) والقطة (بسبوس) .. دمى بدائية سخيفة .. حوار ممل ّ .. لكنا – أنا وأنت ِ – كنا متوترين نوعا ً حتى رحنا نتابع هذا الهراء في شغف ..
ثم رحنا نضحك .. نضحك ..
ونظرت إلى الساعة .. إنها العاشرة تقريبا ً . لم أكن قد تناولت أي طعاما ً على الغداء ذلك اليوم غير السجائر .. لم تكن لدي َّ شهية لأي شيء في الواقع ..حتى إلى تبادل الحديث معك ، لم أكن مستعدا ً لقتح حوارات جديدة .. فقط كنتُ أختلس النظر إليك ِ وأنت ِ جالسة القرفصاء فوق الأريكة تتابعين برامج التلفزيون السوداني السخيفة الكفيلة بإصابة أي شخص بالفالج ، ناهيك ِ عن أنه أنني أعلم أنك لا تفهمين غالبا ً شيئا ً مما ترين لأنك متعودة على البرامج الأمريكية وحدها ..
العاشرة والنصف مساء ً ..
مذيعة مملة ، تسأل ضيفا ً أكثر إملالا ً :
- << هل تعتقد سعادتك ِ أن العمل فضيلة وعبادة ؟ >>
يرد عليها الضيف وهو يسترخي في مقعده ، وكرشه يزداد تكورا ً :
- << إن رأيي الخاص الذي قد لا يوافقني عليه الكثيرون هو أن العمل فشيلة وعبادة .. أقولها بصراحة وأمانة .. >>
سألتيني أنت ِ حينها ، وأنت ِ مشغولة بطلاء أظافر قدميك الفاتنتين :
- << عم يتحدثون بالضبط ؟ .. أنا لم أسمع كلامهم ؟ >>
قلت ُ لك في خجل :
- << يتكلمون عن ..عن المستقبل النووي للدوي العربية ! >>
ثم نهضت ُ ماشيا ً ناحية المطبخ لأعد بعض الشاي .. كلا .. لن أسلق البيض وأسخن الفول الآن ..يجب أن يكون هناك ما أفعله في الحادية عشرة مساء ً وإلا ّ جننت ُ بالتأكيد ..
عدت إلى الصالة حاملا ً صينية الشاي .. فوجدتك ِ تمسكين كتاب قصائد أمل دنقل القديم إياه وتتصفحينه في تمعن .. ولم يفتك ِ بالطبع أن ترين على كل هوامش الكتاب ذلك الوجه الرقيق ، واسع العينين طويل الشعر ، الذي لم أكن أستطيع أن أطالع الصفحة دون أن أرسه على الهامش ..
- << هذه .. أنا ؟ >>
قلتيها في رقة .. قلتيها في ثقة ..قلتيها في إمتنان..
- << ومن سواكِ ؟ >>
كان هناك أيضا ً مقاطع من أغاني عاطفية ل (سيلين ديون ) .. أبيات شعر لأنزار قباني .. ومناديل ورقية متسخة مليئة بالمخاط تخصك ِ ، تخلصت ِ أنت ِ منها ، لكني احتفظت ُ بها بين دفتي الكتاب ..
نظرت ِ لي بعينيك الزرقاء الصافية.. وهمست ِ :
<< للأبد يا أحمد ؟؟ >>
عقدت ُّ حاجبيَّ في حيرة " متسائلا ً :
<< ماذا ..؟!>>
قربت ِ رأسك ِ مني هامسة برقة :
<< سأظلُّ بداخلك للأبد ..؟>>
هتفت على الفور دون وعي :
<< وحتى يتبخر آخر نفس في رئتي ، وحتى آخر نبضة يرتجف بها قلبي ، و .................>>
ترررررررررررررررن !
جرس الباب ..! منذ عشرة أعوام وأنا أحاول إتمام الجملة الأخيرة .. ولابد في كل مرة أن أن تظهر عمتى منى أو والدتك ِ أو يدق جرس الباب .. أنا نفسي أتمنى معرفة ما ساقوله بعدها ..
أطلقت ُ سبة - بذيئة للأسف – في سري .. ثم قلتُ في عصبية وقد رن ّ الجرس مرة أخرى :
- << من هذا الأحمق الذي يزونا في مثل هذه الساعة ؟ .. وأين ذلك المعتوه علي الغفير .. لم لا يفتح الباب هو ؟ >>
- << أنت تعرف أنه نائم كمومياء توت – عنخ – آمون الآن .. لا شيء غير قيام الساعة قادر على إيقاظه >>
ثم تعلقت ِ بذراعي في رعب :
- << أحمد .. لا تفتح الباب !.. هل ستذهب لفتح الباب ؟ >>
جلستُ وأنا أحاول الإسترخاء ، قائلا ً :
- << يا سلام ! وهل أنا مجنون ؟ إن من يأتي ليزورنا في الحادية عشرة مساء ً ، وفي هذا الجو العاصف ، لن يخرج عن كونه قاتلا ً أو لصا ً أو شخصا ً يبلغنا بكارثة .. كلها أسباب لا تغريني بفتح الباب كما ترين ..>>
تررررررررررررن !! ..
إنه مُصر ّ !
ينوي ألا ينصرف قبل أن يحطم جهازنا العصبي ..
تررررررن مرة أخرى .. ثم صوت فتاة صغيرة متحشرج يصرخ :
- << النجدة .. يا آل عثمان الخليفة ، النجدة .. أرجوكم .. هل من أحد هنا ؟ >>
فتاة ؟ .. من هي ؟..
- << أنا ليلي بنت جارتكم منى أبوبكر ..أرجوكم .. لو كان هناك أحد بالداخل ، أرجوكم أن تفتحوا لي >>
ليلي جارتنا على الباب ؟ وفي حالة هيستيرية ؟ لا بد أن أباها قد مات .. أو هو عاكف على الموت بنجاح تام ..
نهضت ُ سائرا ً ناحية باب الشارع – وأنت خلفي ممسكة بمرفقي - وفتحته لأجد تلك الفتاة ليلى مشعشعة مولولة باكية مهزوزة ممتقعة .. إلخ ..
- << إلحنا يا دكتور أحمد .. إن أبي لا ينطق .. أرجوك >>
- << أنا مهندس معدات طبية وليس طبيبا ً .. >>
- << لكنك بالتأكيد تفهم في هذه الأمور . أرجوك ساعدنا >>
وهو نفس منطق أن مهندس الكمبيوتر يستطيع أن يصمم ويبني عمارة عشرة طوابق .. أليس كلاهما يحمل لفظة مهندس المقدسة !...
إلتفت ُ إليك ِ يا بسمة ، قائلا ً بلهجة آمرة :
- << عودي أنت لداخل البيت يا بسمة >>
امتقع وجهك :
- << هل ستذهب معها و ستتركني وحدي يا أحمد ؟ >>
- << نعم .. إن الرجل يموت يا بسمة .. سأرى ما هناك ثم أعود إليك ِ .. لن يستغرق الأمر دقائق..>>
- << ولم لا أذهب معك يا أحمق ؟ >>
دفعتك ِ بيدي في رفق إلى داخل البيت وأنا أقول :
- << لأنك ِ لو فعلت ِ هذا سنكون قد تركنا سارة الصغيرة لوحدها ، وهذا ليس بالعمل الإنساني لو أردت ِ رأيي>>
إلتقطت سترتي الجلدية من على المقعد – إنها ما تزال تمطر أنهارا ً بالخارج – وأخرجتُ من حقيبتي تلك القلنسوة الصوفية التي إبتعتها من القاهرة منذ عامين ، والتي كانت دوما ً عندي ولم أجرؤ على إرتدائها قط.. القلنسوة ذات أذني الحمار التي يرتديها الشيالين في الأفلام المصرية القديمة .. إنها تجلب الكثير من الدفء، لكنها لا تترك شيئا ً من الوقار وعزة النفس.. وعندما رأيتها أنت ِ ، لم تملكين برغم اكتئابك إلا ّ أن تقولين :
- << باتمان ! >>
ابتسمت ُ أنا دون أن أعلق ، ثم استدرت لألحق بالفتاة المذعورة على الباب قائلا ً :
- << لا تقلقي .. أنا لن أتأخر .. أعدك ِ >>

[align=center]***************[/align]

وفي بيت الجيران كان الوضع أشبه بالكوابيس حقا ً .. لكن حالة الأستاذ بدر الدين كانت واضحة .. حالة نزف مخي .. يمكن لكل طفل تمييزها .. لا يوجد ما يمكن عمله سوى شيء واحد ..لابد من نقله للمستشفى .. وجوه نسائية مذعورة تحيطني .. والأسئلة الغبية المعتادة :
- << هل هي حالة خطرة ؟ ..هل سيشفى ؟ .. هل السبب هو أكله الملوخية على الغداء ؟ >>
فقط الإبنة الكبرى كانت أذكى من سواها .. هرعتْ إلى الهاتف وطلبت الإسعاف .. في حين أحاطت الزوجة بزوجها فاقد النطق وهي تبكي ، في مشهد أثر في َّ حقا ً ..
لهذا يتزوج الناس من حين لآخر .. أنت لست وحيداً .. هناك من يعبأ بك .. هناك من يخاف عليك حقاً .. هناك من يجفف عرقك كلما احتشد على جبينك .. هناك من يهتم ..
طبعا ً وصلت الإسعاف في زمن قياسي – خمسة و أربعين دقيقة – وقامت بإسعاف الرجل أولا ً ، وأعطوه بعضا ً من (المانيتول) وحقنوه بال(اللازكس) ، وكل ما من شأنه أن ينتزع المياه من حوض الأمزون ذاته .. ثم حملوه مع أهله المولولين إلى المشفى ..
والآن – بعد تحرك سيارة الإسعاف مبتعدة – قررت ُ أنه قد حاون وقت الفرار .. والإنتقال من لعب دور (د. كوخ) إلى دور (جيمس بوند) .. فهناك آنسة تحتاج إلى حمايتي بالمنزل ..
لذا بخطوات مسرعة ، خطوت ُ إلى داخا المنزل باحثا ً عنك ِ ..
لكنكي (موكلتي الحسناء) لم تكوني هناك .. الصالة فارغة .. فقط منفضة السجائر المليئة بالأعقاب .. أقداح الشاى والقهوة الفارغة على المنضدة .. لكنك ِ تلاشيت ِ من المشهد ..
هرعت ُ – وقلبي يخفق كالمعتوه - أبحث عنك ِ في حجرات البيت كلها .. أخيرا ً لمحتُكِ من النافذة واقفة في الحديقة الخلفية المبتلة بفعل المطر الذي كان قد توقف منذ دقائق قليلة ..
كنت ِ واقفة ً هناك .. والهواء الخارج من فمك ِ المفتوح يتكثف صانعا ً بخارا ً يتحد مع لون الظلام المحيط البكر ، خالقا ً رؤى لا تمت ُّ لعالمنا هذا .. الحقيقة أنني أهوى أن أراك ِ في لحظات شرودكِ المقدسة هذه ..
دنوت ُ منك ِ في حذر، متهيبا ً أن أقطع صلاتك ِ الصامتة هذه أو رحلتك ِ في عوالم المجهول .. وبقشعريرة مناسبة تذكرت ُ قصيدة (إيليا أبو ماضي) الحالمة : << سلمى بماذا تفكْرين؟ سلمى بماذا تحلمين ؟ >> .. كنتُ أهيم حبا ً بهذه القصيدة في مراهقتي ، برغم أن كتاب محفوظات الوزارة أصر ّ على أنها (زفت)..والسبب هو الوزن يحتم ألاَّ يكون هناك تشديد على الكاف في (تفكْرين) .. بينما فعل (تفكرين) – بسكون الكاف غير المشددة – لا وجود له في العربية .. ولو جرؤت ُ وقتها وأعلنت ُ أنني أحب هذه القصيدة لظللت ُ في المدرسة الثانوية حتى اليوم ..
كان من الممكن أن أرحل وأترككِ وحالك .. لكني لم أستطع مقاومة فكرة الدنو منك ِ في هذه الحالة من الذوبان في لجة الشرود .. سألتك ِ همسا ً وقد أدركت ُ أنك ِ لاحظت ِ وجودي فلم تجفلي :
- << سلمى ...أأ .. بسمة .. بماذا تفكرين ؟ >>
ابتسمت ِ في شرود :
- << لا شيء محدد .. إن الأفكار هي خيول برية .. ما إن تطلق صراحها خارج أسوار عقلك ، حتى تبدأ في الركض هنا وهناك في كافة أرجاء مخك .. >>
ثم تطلعت ِ إلي ّ في تهكم مضيفة :
- << وأنت ؟ مالذي حدث ؟ هل مات الرجل كما أتوقع .. أم أنا بطلي المغوار أحمد قد أنقذ حياته؟>>
- << لا هذا ، ولا ذاك .. لقد قمنا بطلب سيارة إسعاف ، والتي إذا كنت ِ لم تسمعي صافراتها عندما حضرتْ ، فأنت ِ مصابة بالصمم حتما ً ..>>
وللحظات تلاقتْ عينانا وكل منا يبحث عن الشيء الجديد الذي يقال .. ولكن .. طالت الفترة حتى أشعرتنا بالإرتباك ، لكني – ساعتها – أدركت ُ أن روحينا على نفس الموجة ، وأن ظاهرة الرنين التي درستها في الفيزياء منذ زمن سحيق تعلن الان عن نفسها .. رنّانات (هلمهولتز).. أذكر هذا الإسم .. ماذا كان معناه ؟ ..لا أذكر .. المهم هو أنني كنت أشعر لحظتها بأني ضعيف واهن متهالك .. كأنني مريض قلب معدوم الحياة لا يملك حتى القدرة على رفع يده متوسلا ً .. العرق البارد يغمر جبيني ، وأنفاسي صارت معدودة لها ثمن وعليها ضريبة وجمارك .. كنت ُ الآن طفلا ً لا يملك إلا ّ النظر متوسلا ً إلى ماما التي تعرف كل شيء ..
وبدأت أسمع ذلك الصوت يصرق بداخلي ، فيتردد صداه في أنحاء خلايا مخي الرمادية : << الآن ! .. الآن يا أحمق .. أخبرها عن مشاعرك نحوها .. قل لها كم تهواها .. الآن أو أبدا ً.. ! >>..
هنا .. قررت ُ أن أتوكل على الله ، وأسلم أمري له ، وأخبركِ بكل ما يحتبس بقلبي من كلام ... لذا ، أخذت ُ نفسا ً عميقا ً من هواء الليل البارد ، وبلعت ُ ريقي بصعوبة ، وفتحت ُ فمي ، و.....
فجأة – وقبل أن أنطق بحرف واحد – انتفضت ِ أنت ِ بحركة درامية إلى حد ما .. وصحت في رعب :
- << صه ! أنصت ! .. لقد سمعت ُ صوتا ً يأتي من غرفة المخزن هناك ..! >>
وغرفة المخزن هذه هي تقع خلف المنزل في مبنى منفصل .. وهي عبارة عن مستودع صغير لتخزين الأثاث التالف ، ويستخدمها أبي وأعمامي كثيرا ً .. داخلهل يوجد باب آخر يؤدي إلى قبو تحت الأرض أو Basement عملاق لا يفتح إلا ّ كل 368 سنة ..
- << صوت من المخزن ؟ .. هل أنت ِ متأكدة يا بسمة ؟ .. إن الرياح أحيانا ً ......>>
- - << أية رياح يا أحمق ! لقد سمعت ُ صوتا ً مريبا ً يصدر من داخله... أحمد ، أعتقد أنا هنالك لصا ً تسلل إلى داخل الغرفة !>>
أنا أعرف يقينا ً أن النساء هيستيريات بطبعهن ّ لهذا لم لأكن عادة أن أصدق مثل هذا الكلام .. لكني تذكرت ُ أن الحي قد تعرض لموجة سرقات كثيفة مؤخرا ً .. لهذا وجدت ُ نفسي أفكر مليا ً في كلامك ِ..
ودون كلمة ، إلتقطت ُ عصا ثقيلة وجدتها بجانبي تصلح كسلاح ، ثم أمسكت ُ بيدك ِ – لأنني أعرف أنني لو تركتك ِ وحدك ِ هناك لمت ِّ ذعرا ً – ورحنا نشق طريقنا عبر الحديقة ناحية باب غرفة المخزن بحذر شديد ..
فتحت الباب ، ثم دخلت ُ وأنتِ ورائي ، متخذا ً وضع رجال العامليات الخاصة الذين نراهم في الأفلام الأمريكية .. ظهري للحائط .. ممسكا ً العصا من منتصفها مع تمييل رأسها إلى الأسفل ..ثم أثب إلى منتصف الغرفة ملوحا ً العصا بزاوية قدرها 270 درجة ، كافية لصرع أي عدو هناك - (لو رأتني المرحومة جدتي لقتلها الفرح) – وأنت ِ ومختبئة ً وراء ظهري في رعب ..
ولكن لا أحد هناك ...
أطلقت ُ زفرة إرتياح ، وفتحت ُ فمي لأقول شيئاً ، ولكني أحجمت ُ عندما سمعت ُ صوتا ً أشبه بالإرتضام يصدر من داخل الغرفة .. من ناحية الباب المؤدي إلى القبو على وجه التحديد ..
أطلقت ِ أنت ِ صرخة محدودة ، وقد إنغرزت أصابعك ِ في لحم ساعدي :
- << أحمد ! .. أنا غير مستريحة لهذا .. إن الصوت أتى من تحت .. دعنا نخرج من هنا حالا ً أرجوك >>
ضغطت ُ على أصابعك المرتجفة ، قائلا ً بصوت حاولت ُ أن أجعله هادئا ً :
- << أعتقد أنه لا شيء هناك في الغالب .. ربما كان السبب هو قطة أو فأر .. لكننا يجب أن نتأكد يا ملاكي .. اطمئني .. أنا هنا ..أنت تعرفين أنني لن أسمح بأن يحدث مكروها ً لك ، أليس كذلك ؟ >>
تطلعت ِ إلى وجهي بعينين دامعتين ، هامسة :
- << حقا ً ؟؟.. أتقبل الموت كي لا أموت ؟ >>
- << بل وأقبله كي لا تصابي بالزكام.. >>
قلتها صادقا ً .. قلتها كأنها زفرة تغادر روحي إلى النجوم .. الحب فقط هو ما يدفع انساناً الى الوقوف فى وجه ثور هائج أو موت محقق .. الحب أو الإيمان الدينى ، أما الإخلاص للملك فلا يصل لهذا الحد أبداً ..
تطلعت ِ إلي َّ في صمت لثانية ، ثم هززت ِ رأسك ِ قائلة :
- << هذه هي فائدة الرجال الوحيدة على كل حال .. أن يتقدموا ، فيتلقون الطعنة الأولى ، حتى يتسنى للأنثى الفرار ..>>
لم أعلق .. أخرجت ُ قداحتي من جيبي ، واشعلتها لأرى أمامي ، خاصة وأنني أعرف انه لا إضاءة هنا .. خطوت ُ - وأنت ِ خلفي - ناحية الباب ، فإذا لخطواتي صدى غير محبب على الإطلاق..سعلت ُ فكان لسعالي صدى كريه...
كنا قد اقتربنا من الباب ، عندما خطر لي ذلك الخاطر ، فقلت ُ لكِ دون أن ألتفت َ إليك :
- << بسمة .. هل تتزوجينني ؟ >>
قلت ِ في بساطة ، وأنت ما تزالين ممسكة بيدي :
- << لا .. >>
- << إنني سأحميك ِ من المتسللين الليليين .. على الأقل سأموت أولا ً فأمنحك ِ فرصة الفرار كما قلت ِ أنت ِ ..>>
- << سأفكر في الأمر ..والآن أرجوك دعنا ننته من هذا الفيلم البوليسي الذي نمثله هنا ، و نعود لداخل المنزل >>
تركت ُ يدكِ لأمسك بقبض باب القبو السفلي ، وأديره .. ولدهشتي كان مفتوحا ً.. مواربا ً إن أردنا الدقة والهواء يحركه يمينا ً ويسارا ً .. فتحت الباب بأكمله وأنا أنظر إلى تحت .. حيث القبو ينتظرني فاغرا ً فاه ..
- << ولكن .. لحظة .. إلى أين تظن أنك ذاهب يا فتى ؟! >>
أجبت ُ وأنا أنزل على السلم الصغير :
- << سؤال غريب .. لست ُ ذاهبا ً إلى (ديزني لاند) على أي حال >>
قلت ِ مرتاعة ً وجسدك ِ ما يزال يرتجف :
- << أليس من الحكمة أن ننتظر عودة خالو أمين ؟ >>
نظرت ُ لكِ نظرة ذات معنى .. وقلت ُ :
- << يا ملاكي .. لست ُ من هؤلاء الأشخاص أقوياء العزيمة ، الذين يسمعون صوتا ً غريبا ً في ديارهم فيتجاهلوه .. إن هذا أقوى مني .. يمكنك الإنتظار هنا إن أحببت ِ >>
أطلقت ِ سبة ً إنجليزية لا أعرف معناها الدقيق .. ثم صرخت ِ في حدة :
- << انتظر يا أحمق !.. أنا آتية معك .. يجب أن أتأكد أنك لن تموت ..! >>
- << ولكن يا بسمة ....>>
وقبل أن أفهم كنا قد دخلنا البئر – أنا وأنت ِ – نازلين على الدرجات الإسمنتية ، مستعينين بضوء قداحتي المتواضع، وكانت الدرجات قليلة لحسن الحظ ، و .........
كلانج !!!
ما هذا الصوت ؟! .. وما سر الظلام الذي ساد القبو فجأة ..؟
نظرت ِ أنت ِ إلى أعلى، ثم قلت ِ بصوت خال ٍ من المشاعر :
- << لا شيء .. لقد انغلق الباب خلفنا !! >>
يالي من مغفل ! .. لقد كنت أعرف أن الباب مزود بقفل (لاتش) أوتوماتيكي ، ولأن الباب كان مواربا ً إلى حد في البداية ، لذا لم يكن مغلقا ً .. أما بعد أن فتحته بأكمله ، عاد زنبرك القفل للعمل وجزب الضلفة إلى الداخل ..
لم َ لمْ أصر ُّ على بقائك ِ بالأعلى ، أو على الأقل وضع شيء يعوق إنغلاق الباب .. إنهم يتذكرون هذه التفاصيل دائما ً في السينما ، لكنني لست ُ بطل قيلم سينمائي ، لهذا لم أكن مدربا ً على هذه الأمور !! ..
الأسوأ هو أنني وقتها أدركت ُ – وأنا أتظلع إلى القبو الصغير الخالي تماما ً – أن مصدر الصوت الذي سمعناه ، كان هو غالبا ً الباب نفسه والرياح تحركه !.. لكني كنت أحمقا ً وأغبى من دابة كالعادة ..
والآن.. ها نحن هؤلاء واقفان في هذا القبو الخانق ، الخالي من النوافذ ، بلا ماء أو طعام ، ولا مصدر للضوء سوى قداحتي ..
إلتقطت ُّ نفسا ً عميقا ً ، ثم إلتفت ُّ إليكي قائلا ً ببطء :
- << بسمة يا ملاكي .. أخشى أننا في مأزق حقيقي .. لقد حبسنا هنا في هذا القبر الإسيمنتي ، تحت مستوى الأرض .. وهو سميك الجدران ، بلا نوافذ كما ترين .. أي أن الصراخ لن يفيد ، فلن يسمعنا أحد .. الخبر الأكثر بهجة هو أنني تذكرت ُ الآن لم كان باب هذا القبو مواربا ً .. لأنه لا مفتاح هناك !.. لقد أضاعه العم علي الخفير منذ زمن ، لذا تركوه مواربا ً .. أما الآن وقد انغلق ، فلا سبيل لفتحه مرة أخرى إلا َّ بالمفتاح ، وهو مفقود كما قلت لكِ .. أي أن الخلاصة هي أننا لن نخرج من هنا قريبا ً .. ناهيكِ عن حقيقة أنه لن يفكر أحد – عندما يبدأون في البحث عنا – أننا هنا تحت الأرض ..! >>
وجلست ُ على الأرض قائلا ً في يأس :
- << لقد ضعنا يا صغيرتي ... >>
لكن رد فعلك ِ كان غريبا ً بعض الشيء .. إلتمعت عيناك ِ في الظلام على ضوء القداحة .. وصفقت ِ بيديك ِ في مرح هاتفة :
- << إنها أروع تجربة في حياتي .. ! .. تخيل ما سيحدث لنا أنا وأنت في هذا القبو المظلم .. نجلس هنا وحيدين ، ولا أحد في الأعلى يعرف مكاننا .. لا شيء يؤنس وحدتنا غير الفئران والحشرات .. ثم يشتد ُّ بنا الجوع والظمأ .. عندئذ ٍ تتمزق أنت َ من أجلي .. وتخلع سترتك كي تسترني من البرد .. ثم ينتهي بي الأمر وأموت بين ذراعيك ..!.. أليس هذا رائعا ً ؟! >>
تطلعت ُ إلى وجهك ِ غير مصدق ! .. هل جنت الفتاة أخيرا ً ؟
- << يالك ِ من بلهاء تماما ً !.. هل فقدت ِ عقلك ؟.. إن للنساء قدرة غير عادية على العثور على الرومانسية في مواقف لا تعني للرجال سوى مصيبة ..>>
لم يبدو أنك ِ قد سمعت ِ حرفا ً من كلامي أعلاه ، فلقد أكملتِ كلامك ِ قائلة ً :
- << ثم إنك َ تموت بعد ساعات بعدي حزنا ً علي َّ ..وتتحلل جثتانا ..وبعد مئات الأعوام حين يقرر أحدهم أن يفتح هذا القبو سيجد هيكلين عظميين متشابكي الأكف .. وعندما يحاولون فصلهما ، يستحيلان إلى تراب ! >>
قلت ُ أنا متهكما ً :
- << نعم ..! .. مثل (إيزميرالدا) و (كوزيمودو) في قصة (أحدب نوتردام) رائعة فيكتور هيجو، أليس كذلك ؟!! >>
- << نعم .. هل قرأتها ؟ .. إنها مؤثرة حد البكاء .. >>
عضضت ُ شفتي السفلى في غيظ .. لم أعرف مالذي أفعله بك ِ .. هل أخنقك ِ ، أم أمزقك ِ ، أم أكتفي يتوجيه لكمتين خطافيتين إلى أسنانك ؟ ..اكتفيت بأن قلت ُ لك ِ :
- << لم يزل هناك بعض الوقت قبل هذه النهاية الرائعة الجمال ، لهذا أرى أن نهدأ قليلا ً ونفكر في وسيلة للخروج منها .. هذا المكان ليس شاعريا ً إلى درجة الموت .. >>
قلت ِ – وقد استعدت ِ صوابك ِ – وأنت تنظرين لأعلى ناحية الباب الموصد :
- << لا حل سوى لإنتظار للصباح ، عندما يبدأون في البحث عنا .. أكيد أن هناك عبقري ما سيفكر في هذا القبو .. >>
- << أشك في هذا .. فهم لا يدخلون هنا كثيرا ً .. كما أنهم سينشغلون في البحث عنا في الشوارع والمشافي وأقسام الشرطة .. أخشى أن يتوفانا الله قبل أن يقترح أحدهم أن يبحث عنا هنا .. >>
سألتيني وقد عادت الجدية لملامحك ِ :
- << ما رأيك أن نوسع الباب ضربا ً عل ّ أحدهم يسمعنا ؟ >>
قلبت ُ كفي َّ في يأس :
- << لا أعتقد أن هذا قد يأتي بنفع .. الباب سميك كالدبابة .. كما أن الأسمنت الثقيل سيمنع من وصول صوت صراخنا لهم .. يتطلب الأمر أن نكون محظوظين جدا ً لدرجة أن يكون أحدهم على بعد مترين من الباب حتى يسمعنا ..الخلاصة هي أن....... >>
صمت ُ ولم أكمل كلامي .. ولكن المشكلة أنك ِ ذكية .. ذكية إلى حد مرعب ..
لهذا قلت ِ لي في كآبة :
- << الخلاصة هي أنهم قد لا يجدوننا أبدا ً .. وأننا قد لا نخرج من هذا القبو أحياء ! أليس كذلك؟؟ >>
جلست ُ على الأرض دون أن أرد ..
الطريف هنا هو أنني خطر لي خاطر مسل ّ .. إن حصلت المعجزة وتم إيجادنا غدا ً ، فانا لا أزال في خطر داهم ..عمتي حنان !.. من الممتع حقا ً تخيل ما ستفعله بي وقد قضيت ُ ليلة كاملة في الظلام مع ابنتها .. إن العمة حنان لن تعطيني ترف الموت بالرصاص في هذه الحالة .. سوف تعطيني درسا ً عمليا ً في كيفية سلخ الخراف ..
ولكن من يدري ، ربما أكون محظوظا ً ولن يعثروا علينا برغم كل شيء ..
- << رباه .. يالها من ليلة .. أنا أشعر بتعب شديد .. >>
ثم جلست ِ جواري على الأرض بفستانك ِ الأنيق ..وخلعت ِ حذائك ِ .. وأنت ِ تلهثين مضيفة :
- << كما إنني أكاد أموت من البرد ..برغم أننا في شهر أغسطس .. >>
- << هذا بسبب الرطوبة .. >>
اقتربت ُ منك ِ ، وخلعت ُ سترتي ووضعته فوق كتفك ِ ، وأنا أقول في تشف ِّ :
- << رومانسي .. أليس كذلك ؟! >>
- << اخرس ..! >>
ثم قلت ِ في تقزز من بين أسنانك ِ :
- << سيكون علينا أن نتعلم أكل الفئران ..! >>
ارتجفت ُ من هول الفكرة ، فقلت ُ مبتلعا ً ريقي :
- << أفضل الإنتظار إسبوعا ً دون أكل ، حتى أستطيع تقبل الفكرة ! >>
قلت ِ وكأنك ِ تبصقين :
- << لو لم تتحامق وتدخل إلى هذا القبو اللعين لما كنا محبوسين الآن ..>>
قلت ُ في عصبية :
- << ولو لم تتبعيني في غباء لكنت ِ أنقذتيني .. كما أنك ِ من بدأتِ القصة كلها عندما سمعت ِ أصواتا ً مريبة هنا .. أنا فقط حوالتُ أن أكون بطلا ً شجاعا ً.. >>
- << وقد فشلت َ يا فالح ..! >>
ثم قلت ِ وأنت ِ تتكورين حول نفسك ِ كالقطة وتلتصقين بي :
- << على كل حال ، لا جدوى من الجدال الآن .. سننتظر حتى الصباح ، وعندها سنفكر في شيء ما .. أرى أن تطفئ قداحتك َ كذلك ، لأننا لا نحتاجها مؤقتا ً .. أتمنى أن يكون بها ما يكفي من الوقود >>
أجبتك ِ في كآبة :
- << بالطبع الوقود على وشك الإنتهاء .. القصة دائما ً هكذا .. إن الأشخاص الذين يملكون قداحات مليئة بالوقود ، لا يُقفلون في قبو مظلم أبدا ً .. >>
- << يالك من نحس ! >>
أطفئتُ القداحة ، وتكورت ُ حول نفسي ، بحيث كان وجهي مواجهت لوجهك ِ تماما ً .. وبعد فترة شرعت ُ أدندن ..أدندن بصوت خفيض نشاز ، أثار شجني أنا شخصيا ً ، أغنية (المطارات البعيدة) الحزينة ، التي كتبها د.أنس مصطفى ، وغناها المرهف علاء الدين سنهوري ..

[align=center]" الحلم أن نغفو على كتف الحبيب ..
نستعيرُ من الزمان زفاف أيام لنا ..
نتقاسم الأحزان ، والفرح المخبأ في سهول صدورنا ..
ونعيد ذاكرة الحقائب للطريق
.."[/align]

فتحت ُ عيني ّ لأري وجهك ِ الساحر في الظلام البكر المحيط بنا ..عيناك ِ مغمضتان .. صوت تنقسك منتظم .. أنفاسكِ تلفح وجهي .. صدرك ِ يعلو ويهبط في هدوء ..
لقد نامت البائسة ...

[align=center]" كنا نحب ُّ طريقنا للبيت ..
والكلمات ُ تفتح في الأصيل ، نوافذا ً لهبوبنا ..
كنا ننادي ..
يا حبيبة .. كم نحبك ِ ..
يا حبيبة .. كم نتوقك ِ ..
يا حبيبة .. نشتهيك ِ ..
يا حبيبة ..
تمزّق حبلنا السري كي نأتي إليك ِ ..
بما حملنا من حكايات الطريق
.."[/align]

ربااااه ! كم أنت ِ جميلة يا بسمة ! .. في كل مرة أتطلع فيها في وجهكِ أكتشف أشياء ً جديدة .. وأعيد في الوقت ِ ذاته إكتشاف الأشياء القديمة التي لطالما جعلتني أقع فريسة هواك ..

[align=center]" الحلم أن نبني لنا بيتا ً هناك ..
فيه نشتاق الأماسي .. والترقب .. والوصول ..
فيه نكتب ما استطعنا من رسائل للحبيب ..
الحلم أن نبني بما أبقت الأيام عشقا ً من جديد ..
ونظل نبحث ُ عن نساء لا يساورهن ّ زيف ..
"[/align]

ترى هل سأشفى يوما ً من هذا الحب ؟ .. إن الأمر كله أشبه بلعنة لا فكاك منها .. في كل مرة أقول لنفسي أنني قد كسرتها ، أكتشف أنني مازلت نفس الأحمق الذي يهوى هذا الملاك الرقيق الذي هو أنت ِ دون تحفظ .. لم َ لا أستطيع كسر تعويذة حبك ِ يا فتاة ؟ .. مالمميز فيك ِ بالضبط ، و الذي يجعلني أتخبط ُ في شباك حبك ِ كالسمكة العمياء ..؟!! .. أم أن المشكلة في َّ أنا وحدي .. أأنا حقا ً ذلك الأعمى الأحمق الذي لايرى الحقيقة ولو كانت ملتصقة بوجهه ؟

[align=center]" هل نحن حقا ً شاحبون ..
ليضيع في كل المدائن ظلنا ؟..
أم نحن دوما ً راحلون ..
لنعود من كل المدائن بزاد موّال وناي؟ ..
سيظل ّ يلسعنا السؤال ..
ولن نجيب ..!
"[/align]

المصيبة هي أنه لا أحد استطاع يوما ً أن يفهم شعوري نحوك ِ بالضبط ، أو حاول حتى أن يحلل طبيعة انجذابي غير الطبيعي نحوك .. لا أحد يستطيع إستيعاب ما تمثيلينه بالنسبة لي يا حبيبتي .. أنك ِ تمثلين إلي ّ ذلك الحلم الجميل البرئ الذي راودني وأنا طفل .. ذلك الطيف الرقيق الذي بللّ جفاف تربة مراهقتي .. ذلك الدفء اللذيذ الذي رعاني في صباي ..أنت ِ تلك الحكمة العميقة التي روضت ْ شبابي المتهور .. وذلك النسيم الذي سيملأ فراغ شيخوختي بذكرياته الباسمة ..

[align=center]" كنا نتوق إلى إلى حضور لا يكون ..
إلا َّ لفتاة ناصعة ..
وبلد نبيل ..
لكن فكرتنا تمادت ْ في الرحيل ..
من كان يسال عن فتاة فارعة ..
وفتى أصيل ؟
سوى المساءات .. الحديقة ..
والحنين..!
"[/align]

لم أنت ِ دوماً معي هنا .. في العميق ..؟.. أنا أؤمن بأن الله تعالى قد خلق كل منّا وفي داخله قدر معين من العاطفة ، والمفترض أن يستخدمة الإنسان بحرص ، لأنه مخزون غير قابل للتجديد أو إعادة التعبئة .. وأنا استخدمت ُ مخزوني كله فيك ِ .. لهذا لم يتبق َّ في َّ شيء لأي فتاة غيرك ِ .. صدقيني .. أنا أشفق على الفتاة تعيسة الحظ التي ستصبح زوجتي يوما ً .. لن تجد في داخلي سوى الفراغ .. فراغ شاسع كئيب مقبض ، كهذا القبو ...

[align=center]" هذا أنا الليل يصحبني إليك ِ معبأ ً بالإنحسار ..
وبالنحول ..
سأعود من كل المطارات البعيدة ..
حين يغمرني الخريف ..
أبدا ً إليك ِ هو اللجوء ..
أبدا ً عليك ِ هو النزيف..
"[/align]


بسمة ...
نامي بحفظ الله أيتها الجميلة ..
فالحب بعدك ِ مستحيل ..
والأنوثة مستحيلة ..
[align=center]**************[/align]
طبعا ً لا داع لأن أقول أنني لم أذق طعم النوم في تلك الليلة .. قضيت ُ الليلة كلها ألتهم وجهك ِ بنظراتي إلتهاما ً .. أحيانا ً كان يغلبني النعاس فأغوص في دوامته اللذيذة لثوان ٍ ، ثم أنتفضُ مستيقظا ً في ذعر .. لا .. لن أنام .. لن أضيع ثانية واحدة .. أنت ِ هنا معي .. ملكي وحدي الآن رغما ً عن أنف الكون ..
هل كنت ُ سعيدا ً ؟ .. أكره أن أبدد السعادة بالكلام عنها .. إن التعاسة بطبعها تغرى بالكلام .. كل القصائد والقصص التى يكتبها أشخاص تعساء أرادوا - بكرم النفس - أن يتقاسموا تعاستهم مع الآخرين .. وهناك فى غرفهم الموصدة ، يجلسون فى المساء ويلتهمون شطيرة من الطعمية ويشربون كوباً من الشاى الثقيل .. تصاعد الأبخرة إلى أمخاخهم فيمسكون القلم ليكتبوا : كم نحن تعساء لا أحد يفهمنا فى هذا العالم الشرير .. نحن نواقيس تدق فى عالم النسيان .. أما السعادة فلا أحد يكتب عنها .. نحن نعيشها فى جشع ولا نشارك فيها أحداً ..
وهكذا ... مضت الليلة علي ّ .. أجرؤ أن أقول أن تلك الليلة هي أسعد وأعظم ليلة قضيتها في حياتي .. وذكراها سأحملها معي للقبر ..
عندما استيقظت ِ أنت ِ ، كانت عقارب ساعتي الفسفورية تشير إلى التاسعة صباحا ً .. طبعا ً صار الظلام أقل كثافة ً وبتنا نستطيع أن نرى الكثير من التفاصيل التي لم نكن لأن نراها بالأمس ..
نهضت ِ من رقدتك ِ على الأرض ، جالسة ً تتخللين خصلات شعرك المبعثرة بأناملك ِ ، في محاولة لتنسيق شعرك ِ بشكل ما ..
ابتسمت ُ أنا في سخرية ، وقلت :
- << صباحك حليب ! .. هاهي ( حسناء الجب ) تبدأ يومها ..! >>
قلت ِ وأنت ِ تردين التحية بألعن منها ، والنوم لم يفارق صوتك ِ :
- << إذا كان شكلي عند الإستيقاظ ، يشبه شكلك الآن أيها المتشرد ، فإنني أرى ألا َّ نتزوج أبدا ً ..! ما ذنب أطفالنا كي يروا آباءهم مرعبين هكذا ..؟ >>
أردت ُ أن أرد عليك ِ برد لاذع يحرجك ِ ، ولكني آثرتُ الصمت .. تثاءبت ِ أنت قائلة ً :
- << حسن .. ماذا هو برنامجنا لليوم ؟ .. هل نبدأ في الصراخ الآن ؟ أم أنك َ ترى أن نحطم معاصمنا على الباب أولا ً ؟ >>
هززت ُ رأسي بمعنى (لا أدري) .. كنت ُ أفكر في حل لهذه الورطة .. صحيحٌ أنني مستمتع بصحبتك ِ معي هنا وحدنا ، ولكن طبعا ً ليس لدرجة تركك لتموتين جوعا ً وعطشا ً ..
ويبدو أنك سمعت ِ هذه الأفكار وهي تدوي برأسي ، لأنك قلتِ في وجوم :
- << أنا جائعة حقا ً ..>>
قلت ُ بتهكمي المعهود :
- << جائعة فقط ؟.. هذا سهل .. فقط قولي لي مالذي تريدين أكله وسأحضره لك ِ .. هل تريدين إفطارا ً إنجليزيا ً ، أم إفطار تقليدي قوامه الفول والطعمية مع البيض المقلي ؟! >>
نظرت ِ إلى أظافرك ِ المتسخة قائلة في غيظ :
- << ظريف حقا ً !.. يبدو أنك قد نمت جيدا ً الليلة السابقة >>
استفزني قولك ِ هذا لأن أقول :
- << جدا ً .. نمت ُ كطفل رضيع .. لهذا أشعر بحالة كرم حاتمي شنيعة هذا الصباح .. لذا قررت ُ أن أعزمك على أي وجبة إفطار تطلبيها .. مالذي تريده يا مولاتي ؟ ما رأيك ِ ببعض شرائح البيتزا .. إنني أعرف رقم بيتزا هت ،فرع الكويت، كل ما يتطلبه الأمر هو أن أتصل بهم ، و ......>>
وبترت عبارتي ، لأقفز واقفا ً ، كما لو لسعني شيئ ما ، وقلت ُ بصوت عال ً جدا ً:
- << رباه .. ربااااااه .. كم أنا غبي ..!! كيف فاتني هذا؟.. >>
- << مالذي أصابك يا معتوه ؟ .. هل جننت َ أخيرا ً >>
ضربت ُ رأسي بكفي :
- << إنك ِ لن تصدقين ... ربااه .. لقد كان الحل معي منذ البداية..تبا ً! كيف نسيت هذا الأمر؟>>
نهضت ِ من على الأرض ، قائلة في نفاذ صبر :
- << أحمد .. إما أن تخبرني مالذي تتحدث عنه بالضبط يا أحمق ، أو اصمت ..>>
- << آسف يا بسمة .. ولكنك ِ لن تصدقين .. لقد تذكرت ِ الآن أنني أحمل هاتفي الجوال قي جيبي ! .. >>
قلت ُ هذا الكلام وأخرجت ُ الجهاز الحبيب الصغير من جيب بنطالي ...
تطلعت ِ أنت للهاتف بنظرة غريبة ، دون أن تقولي شيئا ً ...
- << تصوري أننا كان يمكن أن نختصر معاناة لليلة السابقة بمكالمة تليفون واحدة .. وأنت ِ كنت ِ قد بدأت ِ تخترعين وصفات لطبخ الفئران .... بسمة ! .. لم أنت ِ صامتة كالبوم هكذا ؟ هل هزتك ِ المفاجئة لهذا الدرجة ؟ >>
ببطء شديد ، وصوت خافت مكتوم :
- << هل تريد أن تقول لي أن هذا الهاتف كان بحوزتك منذ البارحة ؟ >>
- << نعم ، هل تتصوري مدى غبائي ؟ .. المشكلة هي أنني لم أتعود عليه بعد ، كما أن حجمه صغير نسبيا ً ، و ......>>
- << أحمد .. >>
- << نعم يا ملاكي ؟ >>
- << سأقتلك أيها الحمار الغبي !!! >>
صرخت ِأنت ِ بهذه العبارة ، وانقضيت علي ّ موسعة إياي لكما ً وركلا ً وعضا ً وشتما ً ..!

(البقية في الخطاب القادم بإذن الله.. وهو الأخير بالمناسبة)

imported_أحمد أمين أحمد محمد 22-03-2008 03:22 PM

إشتكى بعض الزملاء من طول الخطاب أعلاه .. مما جعل قراءته عملا ً بطوليا ً يستحق الإشادة به .. أنا أعتذر بشدة وأعدكم ألا ّ يتكرر هذا الخطأ .. على كل حال لم يتبق إلا ّ خطاب واحد وهو سيكون أقصرهم بإذن الله ..

imported_أحمد أمين أحمد محمد 22-03-2008 03:46 PM

إشتكى بعض الزملاء من طول الخطاب أعلاه .. مما جعل قراءته عملا ً بطوليا ً يستحق الإشادة به .. أنا أعتذر بشدة وأعدكم ألا ّ يتكرر هذا الخطأ .. على كل حال لم يتبق إلا ّ خطاب واحد وهو سيكون أقصرهم بإذن الله ..

imported_أحمد أمين أحمد محمد 24-03-2008 07:15 AM

الرسالة الأخيرة
 
الخطاب السادس : النهاية

حبيبتي بسمة ..
هأنذا مازلت ُ أبحر معكِ في أمواج الذكريات ، والتي هي كل ما أملك حاليا ً في هذا الرسالة .. وتالله ما أطولها من رسالة !..
غريب أن أتمكن من تلخيص حكايتي معك في أوراق وحروف .. لو سألتيني قبل خمس دقائق من كتابتي لهذا الخطاب عن إمكانية هذا ، لأخبرتك ِ أن هذا مستحيل ببساطة .. لأن هناك الكثير من الأحداث والمواقف حدثت بيننا أنا وأنت ِ ..لكن، ربما لأنني أخترت ُ ألا َّ أحكي معظمها ، لهذا تمكنتُ من تلخيص القصة في هذه الأوراق ..
هناك أحداث كثيرة قررت ُ أن أحتفظ في داخل غياهب خزانة أفكاري ، وأعتقد أن هذا حق مشروع .. فأنا أعتمد عليها عندما أصبح في الثمانين من عمري ، لتدفئ من برد شيخوختي ، خاصة وأنا أتوقع أنني سأكون وحيدا ً كحية الجرس عندها .. المشكلة أنني أحفظ الكثير من الأحداث التي مررت ُ بها معك .. بل إنني أستطيع أن أقول وبكل ضمير أنني أذكر كل حرف خرج من فمك الساحر أمامي ..
رباااااااه .. لكم أتمنى أن تدركي يوما ً كم أحبك ِ .. كم أهواك ِ ..
كم أعشقك ِ ..!
ما علينا ..
كنت ُ قد توقفت ُ عن السرد عندما قمت ِ أنت بإعطائي (علقة) محترمة ، لأنني لم أتذكر الهاتف المحول مبكرا ً .. لا أجد داعيا ً لأن أحكي ما حدث بعد هذا ..الخلاصة هي أننا اتصلنا بهم وأخرجونا ..
الكثير من الصيحات الفرحة .. الكثير من الدموع .. الكثير من السجود شكرا ً لله .. طبعا ً كل هذا كان لأجلك أنت وحدك ِ ، أمَّا فأنا ، فلم يعبأ بي أحد ، مما جعلني أتسائل في حيرة هل لاحظ أحد أنني كنت ُ مختفيا ً معك ِ هناك تحت الأرض !
المهم أنني كنت ُ سعيدا ً بعثورهم (عليك ِ) مثلهم .. حتى أنني أذكر أنني هنأتك ِ بالسلامة معهم بخبث لم يفهمه أحد سوانا أنا وأنتِ ! .. وهكذا مرت الأيام علينا ، وشيئا ً فشيئا ً نسينا الأمر كله ، وبدت أحداث ذلك اليوم مجرد ذكرى باهتة غير واضحة ..
حتى أتى ذلك اليوم .. يوم سفرك ِ .. لقد انتهت إجازتك ، تماما ً كما تنتهي أحلام الصيف وطموحات الشباب ..المشكلة هي إن الأنسام لا تدوم للأبد .. إنها ترحل بعد ما ترطب وجودك ، لكننا - وهذا قاس - لا نتحمل بعد رحيلها فكرة الحياة من دونها ..
الغريب أنني وقتها لم أكن أعرف أن هذا سيكون – بالفعل – آخر فصل في حكايتنا .. وأنك ِ لن تعودين إلى هنا ، إلا ّ وأنت عروس .. لكني – ولسبب ما أجهله – شعرت بقبضة شديدة تعتصر قلبي بقسوة .. شيء ما أخبرني أنني لن أراك ِ لفترة طويلة ، أو قد تقعين في حب رجل ما ، أو على أحسن تقدير قد تصابين – لا قدر الله – بسرطان البنكرياس وتموتين ..
حسن .. يبدو أنني كنت ُ بعيد النظر .. صحيح أنك ِ لم تصابين بالسرطان ، لكنك تزوجت ِ كما توقعت ُ.. الخلاصة هي : أنني كنت ُ مكفهرٌ كهتلر بعد هزيمة فصيلة جيشه السادسة في الجبهة الروسية ..
كنت ُ واقفا ً هناك أنظر إليك بوجوم وانت ِ توديعين جدتك ِ وخالاتك ِ ، مانعا ً نفسي بصعوبة من الإنفجار باكيا ً كالأطفال .. وبعد هذا بدقائق كنت ُ معك وحدنا في السيارة ،متجهين بإتجاه المطار ..
بالطبع لاذ كلانا بالصمت .. أنا غارقا ً في أفكاري السوداء إياها .. وأنت ِ ما تزالين تنهنهين من أثر بكاء الوداع الذي بدأت ِ فيه مع العائلة ..
أذكر أنني لم أجرؤ حتى أن أنظر إليك ِ .. شيئ ما في داخلي أخبرني أنني لو نظرت إليك فستكون كارثة ، لأنني سأفقد حتما ً السيطرة على السيارة .. لا ، لن أنظر إليك .. على الرغم من أنني أعرف أن هذه هي متعتي الوحيدة في هذه الحياة القاسية ..
إلا َّ أنك ِ لم تدعيني فريسة أفكاري الحزينة طويلا ً ، فقد قلت ِ بصوتٍ ما تزال تخنقه العبرات ، وأنت ترمقين الطريق:
- << لم أنت َ صامت ٌ كالبوم هكذا .. فيم تفكر ؟ >>
قلت ُ لك وأنا أنظر إليك ِ بجانب عيني (نعم ، أخيرا ً فعلتها) :
- << أفكر في أنه لا يفصلني عن السعادة سوى إثنين وثلاثين سنتميترا ً !>>
مددت ِ يدك ِ وقست ِ المسافة الفاصلة بيننا .. وغمغمت ِ :
- << بل أربعين سنتميترا ً .. إن حساباتك ِ خاطئة دوما ً ..>>
هكذا فهمت ِ أنت ِ دعابتي .. ورددت ِ عليها بتلك السرعة النووية ..
خنقني التأثر مرة أخرى .. فخرست تماما ً ..
بسمة يا ملاكي الصغير .. لن أحتمل غيابك عني .. لن أحتمل ..
الحقيقة يا بسمة أنك ِ قد أفسدت ِ حياتي تماما ً .. لقد صارت صورتك ِ تطاردني كلما نمت ُ أو حلمت ُ أو حتى فكرت ُ أن أبدأ مشروع حب جديد .. وكلما حاولت ُ أن أتحرر من أغلالك ِ ، اكتشفت ُ أنك ِ ماتزالين تملكين حواسي وأفكاري .. عندها كلن كل شيء يتحطم ويتهاوى ..
أجرؤ على القول يا بسمة إنك ِ سبب سخريتي اللاذعة ، وسرعة مللي .. لأنني لا أجد ذكائك ِ وعبيرك ِ وتجددك ِ في الكون من حولي .. إنك ِ يا بسمة سبب كآبتي وتوحدي .. سبب شرودي الأزلي وتوتري الدائم ..
أنت ِ سبب كل عذابات الكون التي أحملها في صدري ..!
إن علماء النفس يقولون دوما ً أن إرتباط الطفل الزائد والشديد بأمه ، يسبب فشله في أي علاقات مستقبلية مع الجنس الآخر حين يكبر .. وقد كنت ِ أنت ِ يا بسمة أما ً لي .. أما ً وأختا ً وصديقة ً وحبيبة ً .. وغدا من المستحيلات أن أجد سواك ِ .. لأنه لا توجد سوى بسمة واحدة فقط للأسف ..
الخلاصة هي : أنت ِ يا بسمة الداء والدواء معا ً !
أعرف هذا جيدا ً ، وأؤمن به ..
وصلنا إلى المطار .. وهبطنا من السيارة دون أن نتبادل أي حرف ..
كان كل شيء حزين ، وكانت الحياة كئيبة كما يجب أن تكون .. لم أدرك ْ هذا إلا َّ حين شق َّ أول لسان من البرق السماء .. شرخ عملاق في القبة السماوية ، يتسلل لأسفل ويغرس مخالبه في الأرض .. ثم دوى الرعد لأنهم علموه في حصص الفيزياء بالمدرسة ألا َّ يسبق البرق أبدا ً ..
حجبت ِ أنت ِ عينيك ِ ، قائلة ً في ضيق :
- << هذا برق ..>>
لم أصارحك ِ بإنبهاري بعبقريتك ِ الفذة في فهم ظواهر الكونية ، وواصلت ُ الصمت .. الجو كان كئيب ٌ متوتر يثير القلق بالفعل .. كل هذه الشحنات الكهربية الإستاتيكية لم تذهب سدى .. بل أشعر بها في كل خلاياي .. في كل شعرة من رأسي ..
كنت ُ أرتجفُ .. أرتجف ُ رعبا ً .. أرتجف ُ توترا ً .. أرتجف ُ رهبة ً ..
كنت ُ هناك .. أقف أمامك ِ وجها ً لوجه .. أتطلع إلى عينيك ِ الدامعتين متسائلا ً عن لونهما الحقيقي .. فتارة أراهما زرقاوتين .. ومرة أخرى أجدهما عسليتين .. وأخرى أكتشف أنهما خضراوتين .. الحقيقة هي أنني – وإلى يومنا هذا – لا أدري حقا ً ماهو لونهما الحقيقي .. إنه سر ٌّ آخر من تلك الأسرار الكونية التي تحيط ُ بك ِ ، إحاطة السوار بالمعصم ..
وأمام بوابة المطار ، أمسكت ُ بيدك ِ مرتجفا ً .. وأقول :
- << بسمة .. أنا لا أعرف شيئا ً عن حياتي بدونك ِ .. مجرد هراء طويل مرهق .. إنني إلى عينيك ِ أنتمي .. >>
سال خطان من اللؤلؤ على خداك ِ .. وأنت ِ تهمسين :
- << للأبد يا أحمد ؟؟ >>
- عقدت ُّ حاجبيَّ في حيرة " متسائلا ً :
- << ماذا ..؟!>>
- قربت ِ رأسك ِ مني هامسة برقة :
- << ستظل تذكرني للأبد ..؟>>
- هتفت على الفور دون وعي :
- << وحتى يتبخر آخر نفس في رئتي،وحتى آخر نبضة يرتجف بها قلبي،و......>>
وتوقعت ُ حينها أن أكمل العبارة ، خصوصا ً وأنه لا أحد حولنا ليقاطعنا ، لكن الروتين هو الروتين .. لقد خنقني التأثر كالعادة فلم أكمل ..
ولم أشعر بنفسي إلا َّ ورأسي ينام على كتفك ِ ، الذي تبلل – على الفور – بدموعي الغزيرة ، ومخاطي الأشد غزارة ..
وأبكي ..
أبكي بحرقة ..
يدك ِ الحنون تربت ُّ على ظهري برقة .. أسمع صوتك ِ الملائكي يهمس في حنان :
- << حتى نلتقي في المرة القادمة ، بإذن الله ، لي رجاء صغير .. احتفظ بنفسك َ حيا ً .. على الأقل من أجلي أنا .. أعتقد أنني أستحق مجاملة بسيطة كهذه ...>>
ثم ابتعدت ِ عني .. ولم تنسين أن تضيفين وأنت ِ تلفين حمالة حقيبتك ِ على كتفك ِ :
- << وداعا ً يا أحمد ..>>
فتحت ُ فمي لأقول شيئا ً ، ولكني فشلت ُ في إخراج حرف واحد مفهوم كالعادة ..
فلقد كنت ُ أبكي ..
أبكي كطفل تركته أمه وحيدا ً في الدار ..!
متى حدث هذا ..
منتصق سبتمبر 2003.. آخر أيام خريف ذلك العام ..
وأخر أيام خريف حكايتنا ..
***************
فبراير 2004 :
تاريخ خطوبتك ِ إلى الباشمهندس معتز ..وهو شاب يكبرك بأربعة عشر عاما ً كاملة ، ويشبه جمال فرفور .. هذا لو كان جمال فرفور مصاب ببعض الحول..
(بالمناسبة أنا وهو لنا نفس التخصص الهندسي)

****************
أغسطس 2005 :
تزوجت ِ أنت ِ فتاك ِ في حفل جميل رائع .. تماما ً ما كنت ُ أتخيله وأحلم به منذ صغري .. الإختلاف الوحيد هو أنني لم أكن الرجل الجالس بجانبك ِ في (الكوشة) !

****************
في شهر ما من 2006 :
أنجبت ِ أنت ِ ابنك ِ الأول .. مازن .. طفل رائع الجمال ، ورث إبتسامتك المشرقة ، وروحكِ المرحة.. لم يتطلب الأمر بالتالي الكثير من الجهد لأقع في حبه .. الغريب أنه يحبني كذلك ، على الرغم من أنه – حسب قولكِ أنتِ – لا يحب الغرباء ..
*****************
نوفمبر 2007 :
تقابلنا مجددنا بعد انقطاع سنتين ونيف .. فقط لأقع في حبك ِ من جديد ! ..

****************
هذا هو ملخص حكايتنا يا بسمة .. وهذا هو خطابي لك ِ ..
الآن اسمحي لي يا ملاكي أن أضع القلم وأنهي هذا الخطاب الدامي .. أعرف أنه لا يوجد شيء بيدكِ يمكن أن تفعليه لي ، لتخففي معاناتي ، أو مساعدتي ..
أنا أكثر شخص ٍ يعرف هذه المعلومة .. وأعرف أن كل ما أستطيع فعله هو أن أهضم حقيقة أنني قد خسرتك ِ للأبد .. وأنني يجب أن أتعود على الحياة من دونك ِ ..
المشكلة أن هذا الأمر صعب يا بسمة .. شاق .. خانق كالقبر ..
ومستحيل ..
ومر ٌّ كالسم ّ..
فطعم الحياة على لساني من دونك ِ يا حبيبتي .. تماما ً كطعم الحبر على لسان هذا القلم..
لاسع ..
بارد ..
سام ..!

التوقيع : أحمد

معتصم الطاهر 24-03-2008 08:25 AM

أحمد أمين
أولا ..سلامات
تانيا عشان ندخل كنا راجينها تخلص
الحكاية عاوزة أكثرمن قراءة
فهي ليست حكاية .. فقط
هي أقرب للمذكرات لا يطبق عليها منطق السرد ..
راجع بعد قراءة مختلفة .. محايدة ..0

imported_أحمد أمين أحمد محمد 26-03-2008 12:09 AM

الحبيب معتصم (أبونا في الهندسة)
مرحب بيك يا صديق ..
أنا في إنتظار ردك بفارغ الصبر .. خاصة وإنو الوضع متأزم جدا ً عندي ..
لا تتأخر علي ّ أرجوك


الساعة الآن 10:42 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.