سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   نــــــوافــــــــــــــذ (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   ** من ابداعات استاذنا الدكتور / على المك طيب الله ثراه ** (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=53634)

imported_فيصل سعد 04-10-2011 04:44 AM

** من ابداعات استاذنا الدكتور / على المك طيب الله ثراه **
 
الاستاذ الدكتور/ عـــــــــــــلي المـــــــــــــك

الميلاد: 12 فبراير 1937
مكان الميلاد: امدرمان

التحق بكتاب ود المصطفى و لم يبلغ السادسة من عمره .. نقل الى مدرسة ارقو الاولية مقر عمل والده الذى كان يعمل بالقضاء الشرعى .. تم تحويله الى مدرسة الفاشر الاولية حيث نقل والده للعمل بمحكمتها الشرعية .. بعد اكماله الصف الثالث اختير ليكون ضمن تلاميذ المدرسة الوسطى غير ان والدته عارضت الفكره ونقل للصف الرابع .. انتقل بعد ذلك ليستقر بمنزل الاسرة بام درمان بعد ان نقل والده للعمل بمحكمة مروى الشرعية .. فالحق بمدرسة المسالمة الاولية حيث اكمل الصف
الرابع و قبل بمدرسة ام درمان الاميرية عام 47 .. بدأ اهتمامه بالعلم و القراْءة منذ الصغر وشجعته على ذلك مكتبة ابيه التى كانت تحوى ألوانا من كتب الفقة والشريعة الاسلامية .. اولى محاولاته فى التأليف كانت بمدينة مروى ففى عطلة الصيف وهو
طالب بالمدرسة الوسطى كان يحرر مجلة نصف شهرية بخط يده اسماها {قسمتى كده} بدأ اهتمامه بالموسيقى منذ سن مبكرة فكان يستمع الى اسطوانات سرور و كرومة وعبد ألله الماحى ويحفظ الاغانى من فنغراف .. التحق بمدرسة وادى سيدنا الثانوية عام 1951 والتحق بجامعة الخرطوم عام 1955 وتخرج من كلية الاداب بمرتبة الشرف ..

الدرجات العلمية :
1-بكالريوس {شرف} كلية الاداب جامعة الخرطوم 1961.
2- ماجستير الادارة العامة جامعة كاليفورنيا الجنوبية 1966.

الخبرة العملية:

1- ضابط شؤون الافراد ديوان شؤون الخدمة - وزارة المالية والاقتصاد
1961-1970

2- رئيس مجلس الادارة والمدير العام ‘مؤسسة الدولة للسينما
1970 -1971.

3- محاضر بمعهد الادارة العامة بالخرطوم 1972-1973

4- مدير ومحررعام دار جامعة الخرطوم للنشر 1973-1983
5-أستاذ {برفسور} بوحدة الترجمة والتعريب كلية الأداب جامعة الخرطوم 1983-حتى وفاته.

6- حائز على منحة مؤسسة فولبرايت الامريكية 1988 امضى بجامعة نيومكسيكوفى البوكيركى وكانت أبحاثه تهدف الى ترجمة مختارات
من اساطير الهنود الامريكيين الى اللغة العربية .

7- أشرف على أكثر من عشرين أطروحة جامعية مما يقدم الطلاب كجزء مكمل لدرجة الماجستير فى الترجمة.

المؤتمرات:

1- مؤتمر الشعر العالمى العاشر فى مدينة استروقا بيوغسلافيا عام 1971
2- مهرجان السينما الدولى السابع فى مدينة موسكو 1971
3- مهرجان تكريم الادباء السعوديين حمد الجاسر أحمد السباعى عبد الله بن خميس مدينة الرياض عام 1983
4- سمنار الكتاب العالمى ‘جامعة كامبردج بانجلترا 1990


اللجان والمجالس :

1- عضو المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون 1974-1974 ورئيس لجنتى السينما والقصة و الرواية.

2-رئيس المجلس الوطنى للموسيقى بالسودان أحد روافد اليونسكو 1974-1985.

3- عضو مجلس أساتذة جامعة الخرطوم {اعلى هيئات الجامعة الاكاديمية}1983 وحتى وفاته.

4- عضو مجلس معهد جامعة الدول العربية للترجمة بالجزائر .

5-رئيس تحرير مجلة آداب وهى المجلة العلمية التى تصدرها كلية الآداب فى جامعة الخرطوم.

6- رئيس اللجنة الفنية للعلوم الانسانية لقسم النثر بكلية الدراسات العليا فى جامعة الخرطوم.

7-رئيس اتحاد الكتاب السودانيين 1986 - وحتى وفاته.

8- عضو مجلس كلية الآداب وعضو مجلس أبحاث كلية الآداب .

9-عضو مجلس الابحاث المركزية بجامعة الخرطوم.


المؤلفات

1- البرجوازية الصغيرة قصص قصيرة مع صلاح احمد ابراهيم عام 1958.

2- فى القرية قصص قصيرة .

3-القمر جالس فى فناء داره قصص قصيرة 1973.

4- وهل ابصر أعمى المعرة مقالات 1974.

5- مختارات من الادب السودانى 1974/1982/1990.

6-مدينة من تراب نثر شعرى 1974.

7-ديوان الشاعر عبدالله البنا {تحقيق} 1976

8-ديوان الشاعر خليل فرح {تحقيق} 1978.

9- الصعود الى أسفل المدينة قصص قصيرة 1988.

10- مقالات كثيرة متنوعة نشرت فى مجلات الدوحة و روزاليوسف و صباح الخير و الفيصل و الصحف السودانية.

11- حمى الدريس قصص قصيرة 1989.

12-برامج اذاعية وتليفزيونية كثيرة.


المنشورات باللغة الانجليزية:

1-مدينة من تراب ترجمة الفاتح محجوب .

2-{القضية}قصة قصيرة نشرت بالعدد رقم 49 من مجلة القصة العالمية التى تنشر بامريكا.

3-{احد واربعون مئذنة} قصة قصيرة نشرت بالعدد رقم 62 من مجلة القصة القصيرة التى تنشر فى أمريكا.

4-{كرسى القماش} قصة قصيرة نشرت بالعدد 88 من مجلة القصة العالمية التى تنشر فى امريكا.


ترجمات الى اللغة العربية:

1- نماذج من الادب الذنجى الامريكى 1971.

2-{الارض الاثمة } لباترك فان رنزبرج ترجمة بالاشتراك مع صلاح احمد ابراهيم 1972.

3-{المختارات من أساطير الهنود الامركيين وحكاياتهم } ظهرت اجزاء منه فى الصحف.

4- كتب وسجل التعليق على فيلم {طرائق الايمان } وهو الفيلم السادس من حلقات المسلسل التليفزيونى [العرب]الذى ظهر فى القناة الرابعة بالتليفزيون البريطانى 1983 و ماذال يعرض وقد عرضته قناة الكيبل الخاصة بجامعة مدينة نيو يورك عام 1988-1989.

الاعمال المترجمة:

أ- نماذج من الادب الزنجى :
قصص اشعار ومقالات مع مقدمة تعريفية وافية تشمل المختارات
اعمالا ادبية بداية بعام 1890 وحتى 1960

ب-قصص قصيرة

1- طريق الخلاص الطويل من تأليف ف-سكوت فيتز جرالد
نشرت بالعدد 94 من مجلة الفيصل يناير 1985

2-{أسطورة} لروبرت فوكس
3-{ الجلوس } ه فرانسيس

4- {استبيان الى رودلف غوردون }جاك ماثيوز

5- { الربوة الصخرية } شارلس باكستر

6- {من حكايات ألصين القديمة} خمس حكم فى حمس قصص
قصيرات جدا

7- {من حكايات الصين القديمة} حكاية البقرة والخنزير والديك الرومى

8- {زينب السكر الاحمر } جمال محمد احمد


ج/ الشعر


1- خمس قصائد لقارثيا لوركا

2-اسطر من الشعر المقدونى

-من اساطير الهنود الامريكيين

4-الجدرى هدية الرجل الابيض

5- كيف جاء الموت الى العالم

6-بين الجاموس والانسان اسطورة

7- عبور البحر

8-ربة الارض


9- ام لكل الناس

10-برج بابل

11- الثعلب

12-قوم الارض الصفراء

13-الصخرة الملتهبة

14-اسطورتان عن خلق العالم

15-وجبة عشاءغريبة

16-ملكة القبيلة

17-كيوتى واكتومى والجبل

18-كيوتى والتاجر الابيض

19-الجاموس فى عالمنا

20 -كيف وجد الباعوض فى عالمنا

21- أنثى السنجاب

22-واسطورة ثالثة من قبيلة التيوا

imported_فيصل سعد 04-10-2011 05:19 AM

البروفيسور علي المك ينعي صديقه
عبدالعزيز محمد داؤود‎ ..

الإهداء‎ :

إلى حليمة سليمان أمي‎
أنها كانت تنشد المديح النبوي‎
ترانيم في‎ ‎أشغال يومها‎ ..

و الى الشيخ محمد علي المك‎
أنه أدخلني في‎
فراديس لغتنا‎ ‎الجميلة‎..

ثم إلى خالي علي سليمان‎
فقد تعلمت منه‎
كيف يكون العيش‎
في أم درمان صبابة‎...

"مولد زهرة الروض الظليل"

مساء السبت الرابع من أغسطس 1984 م مات عبدالعزيز‎ ‎محمد داؤد، كان بدأ رحلته في طريق ‏الأبد مساء الجمعة، وانطلق الموت يلهث إلى قلبه‎ ‎الكبير، فمصير القلب الكبير إلى لهاث، وارتاح ‏الموت حين أسكته، لم اصدق كل ما حصل،‎ ‎وبعضه قد شهدت، ولم اصدق، في يوم الجمعة التي ‏بدأت فيها رحلة الموت كنت مدعواً في‎ ‎بيت أحد الجيران، والدعوة غداء والنهار حار ومضجر، لا ‏اعلم، تباطأت شيئاً، ولكني‎ ‎ذهبت علي كل حال، وجدت خلقاً كثيرين، كان منهم أحد المغنين، ودأبه ‏كان تقليد أداء‎ ‎عبدالعزيز، ولكنه بون شاسع، قال يبدي تظرفاً امقت صنوفه (صاحبك صوته خف) ‏قلت بحدة‎ (‎صاحبي منو؟) قال (عبدالعزيز داؤد) قلت ساخراً (ما هو أنت موجود!) ضحك القوم ‏ضحكاً‎ ‎كثيراً، تشاءمت، أكلت في عجلة، عدت للبيت، وحدي كنت، و في التلفزيون وجدت ألواناً من‎ ‎مسابقات الأولمبياد في لوس انجيلاس، لم تفد حالتي كثيراً، اعرف الاكتئاب النفسي‎ ‎يقيناً، كنت لا ‏اعلم من أمره، الاكتئاب، كبير شيء، ولكن الأزمنة الصعبة، والتمرس‎ ‎بمقابلة المكاذبين يبدون، ‏أول أمرهم، براءة أطفال، هد من صلابة النفس ونقائها‎ ‎كثيراً. عرفت الاكتئاب إذن. يقيناً. والجمعة ‏‏3 أغسطس كان يومه‏‎.

وحين بدأت شمس النهار بالإخفاق أبصره حيث كنت في‎ ‎البرندة، سمعت حركة أقدام، ثمة من ‏يصفق، نهضت من موقعي، فتحت الباب، أمامي كان‎ ‎عثمان محمد داؤد، أحييه في حماسة، ثوان ‏وتخال دهوراً، لعله كان يود يختزل مجاملات‎ ‎التحية الطويلات ليقول لي شيئاً أهم كثيرا من ‏مجاملات السلام. توقف السلام، قال‎ (‎صاحبك جه من الأبيض عيان جداً) تركت التلفزيون يحفل ‏بالعدو والملاكمة والسباحة‎ ‎وانطلقت معه نبحث عن طبيب، وعدنا صديق طبيب أن يتبعنا، ذهبنا ‏إلى الخرطوم بحري، ما‎ ‎أنكرنا حي الدناقلة، كان بي حفياً منذ أن جعلته وطن الوجدان يكون في دار ‏عبدالعزيز،‎ ‎ذلك كان في أخريات الخمسين، جسر مطمئن علي الخور يفضي إلى زقاق فيه دار ‏عبدالعزيز،‎ ‎لا اعلم لماذا تفرست في معالم الجسر الصغير في ذاك الموعد من ذاك اليوم ولأول ‏مرة‎! ‎فوقه حصى، وعليه مع الحصى تراب، وكان يضايق السيارة انه علي حافي الجسر تكون ‏دائماً‎ ‎مجموعة صبيان، أقدامهم تزيد ضيق الجسر ضيقاً تخال أحياناً، إن أقدامهم تدعو إطارات‎ ‎السيارات أن تدهسها، تارة ينهضون من مجالسهم برمين، وأحياناً بذوق حسن، في ذاك‎ ‎الموعد ‏من ذاك اليوم لا صبيان ولا أقدام صبيان، ليس هناك من شيء علي الجسر إلا‎ ‎الحصي وإلا التراب، ‏صرنا إلى البيت، ثوان وتخال دهوراً، بعد الباب المضياف، وجه‎ ‎عبدالعزيز، كان جالساً علي ‏كرسي، اسند ظهره علي وسادات، تعبن علي قليل من راحة‎ ‎يحتاجها قلب متعب مجهد، مرهف، ‏أنفاسه تجعل من جلابيته شراعا تعبث به الريح وتنفخ‎ ‎فيه، لا تسعفه الأنفاس المبهورات، لم يتعود ‏هذا الإنسان الرائع أن يصمت، هش لي وبش،‏‎ ‎وضعت اكتئابي بين يديه، دأبي منذ أن عرفته، ‏يعرف ما يضايقني قبل أن أبوح به، نظر‎ ‎إلي، ضحك ضحكاً صافياً هزم به الأنفاس المبهورات قال ‏‏(أنت لسع محافظ علي جلابيتي‎ ‎الجبتها ليك؟) ضحكت بصفاء جعل الاكتئاب المر يتساقط من خيوط ‏الجلابية، يغادر نفسي،‎ ‎جلست انظر إليه، تذكرت لحظتها زماناً في الستين وكنت اعد نفسي للسفر ‏للدراسة في‎ ‎أمريكا. جاءني عبد العزيز وأهداني جلابية زرقاء اللون وفصلتها وحملتها معي، وحين‎ ‎عدت إلى الوطن سألني؟ ماذا أحضرت معك، إن شاء الله جلابيتي رجعت معاك؟) ضحكت، قلت‎ ‎‎(‎والله يا أستاذ كل الجبته معاي اسطوانات وفونوغراف) قال (بس! مرحب الغاب وجاب‎)!

قبل عصر الجمعة ذاك، بأسبوع أو نحو أسبوع،‎ ‎زرته في البيت، أوان لمنيب، كانت الحمى قد ‏استقرت بجسده، ولحظت تورما في ركبته،‎ ‎جنته، كان يسال ملحفاً عن أغنية الحاج سرور (يجلي ‏النظر يا صاح)، جودت نصها، جعلت‎ ‎أغريه بالترنم، كان علمني شيئاً من مذهبه في الغناء، سنين ‏طويلات، كمفت مثل ظله‎ ‎اتبعه، أغني على استحياء امسك صوته المذهل أغنية سرور، يتحسس ‏مداخلها ومخارجها، كان‎ ‎الأغنية لديه محبوبة يغازلها، ثم تلين، ترق، تتداعى، تكون هو، ثم ‏يكونها صدح (في‎ ‎الضي جبينو النادي والبدر خلان يجمع لطافة ورقة ونفرة الغزلان‎).

جلست انظر إليه، لم أكن أعلم إني أشهد طرفاً‎ ‎من ساعاته الأخيرات، وهو جالس أمامي، صدره ‏يعلو سريعاً ويهبط سريعاً، أردت أن أقول‎ ‎له إنني لم اكن مقتنعا بسفره للأبيض، لأنه كان مريضاً ‏بحمى وبيلة، عرفت حدتها حين‎ ‎جعلت يدي على جبينه، أصرت عايدة عبدالعزيز ألا أترك أباها ‏يسافر للأبيض، كانت قلقة‎ ‎ليلتئذ وقد زايلها مرح معهود في أسرة ربها واتسم بالمرح، حدثتني ‏ماجدة عبدالعزيز‎ ‎مرة أن والدها قال لها نكتة يبدو انه ألفها في حينه قال يا ماجدة سمعتي بالجدادة‎ ‎الاستضافوها في الإذاعة، قالت ماجدة: (لا) قال (اكمل ليك القصة الجدادة دخلت‎ ‎الأستوديو، ‏وبعدين كالعادة شكرت الإذاعة على إتاحة الفرصة، واتكلمت عن مزارع‎ ‎الدواجن، والأوبئة، وحياة ‏الجداد في البيوت أيام زمان، واتكلمت كويس.. وبعدين‎ ‎المذيع كالعادة قال ليها تحبى تسمعي أغنية ‏شنو؟ الجدادة ما أتلفتت قالت احب استمع‏‎ ‎لأغنية: في الليلة ديك‎ !!).

ما توقفت لحظة، رفضت رجاء عايدة، لأني كنت‎ ‎أعلم أن عبدالعزيز إن قد قر رأيه على شئ استقر ‏عليه وفعله، إذن فرجائي ألا يسافر‎ ‎مرفوض سلفاً، بحثت في عينيّ لا أمل طأطأت رأسي وخرجت ‏مسرعاً اضرب في الليل لحين أن‎ ‎استدعاني عثمان داؤد عصر الجمعة تلك‎.

كنت‎ ‎انظر إليه إلى جلابيتي الدمورية، أحاط بها البلى كل جانب تتماسك جميلة في شيخوختها،‎ ‎تكون الدمورية جميلة الشأن رقيقة الملمس حين تدنو من الهلاك، كان كلام عبدالعزيز‎ ‎متقطعاً، ‏رجوته ألا يتكلم. شعرت بثقل المرض الذي احتمل، عاد الاكتئاب إلى نفسي، غمر‎ ‎جيوب الجلابية، ‏تقافز يعود إلى مواقعه. قلت إن الطبيب قادم، هز رأسه، مضيت لحالي‎.

أمسيات عدداً قبل ذلك كان بدأ يتدرب على ما اسميه (برنامج عتيق) وهو يشمل‎ ‎مختارات من ‏أغنيات للشاعر محمد البشير عتيق، وقد الفت حنجرة عبدالعزيز شعر عتيق منذ‎ ‎عهد ليس ‏بالقصير، غنى له (ما بنسى ليلة كنا)، بتفريغ نغمى على لحن كرومة، ثم تناول‎ ‎القصيدة الصعبة ‏‏(قم نرتشف خمر الهوى) وأخضعها لسلطانه، ومن بعد تلك (أول نظرة‎) ‎واذكر يوم كان تسجيلها ‏بالإذاعة، لم نكن نعرف النص تماماً، اتصلت في نحو الظهر‎ ‎بعتيق في المدبغة الحكومية حيث كان ‏يعمل عصرئذ، وعن طريق سيف النصر عمر عثمان عازف‎ ‎الكمان، وجاء صوت عتيق على ‏التليفون، أملى عليّ كلمات قصيدته، جاء صوته يزدان بوقار‎ ‎السنين، يملى دون خطأ، في ثبات، ‏قصيدة كان نظمها في مطالع الأربعين، عاد حين نشر‎ ‎ديوانه في هذا العام (1987) يثبت على ‏صدرها عام نظمها 1942، ويكتب يقول (رأيتها وهى‎ ‎جالسة على سباته العرس بين أترابها فكانت ‏أول نظرة)، صوته جاء عبر التليفون (الحيا‎ ‎والنضرة والتيه والجبره هم مصدر شوقى، ومصيبتى ‏الكبرى، بالحب ابلانى، وكمان خلاني‎)‎،‎ ‎دخل الموسيقيون إلى الاستديو، الساعة الثالثة بعد الظهر، ‏ينتظرون الاشارة كيف‎ ‎لحنها: أول نظرة، بدأ عبدالعزيز يدندن بشىء ليس من تلك الاغنية في ‏شئ، اضطربت‎ ‎شيئاً، جريت الى مكتبة الاذاعة جئت باللحن عل صوت أولاد الموردة، عطا ‏ومحمود‎ ‎عبدالكريم استمعنا اليه مرة واحدة، رسخ في أوتار الكمنجات، التقطه عبدالعزيز، وجعل‎ ‎يستعمره شيئاً فشيئاً وتم التسجيل بالصورة التي تعرفون الآن‎.

وأنا أنظر إليه: أيمكن أن يخرس المرض هذا‎ ‎الصوت، أو هذا الرجل الذي ما عهدت نفسه صمتاً ‏طوال حياته فهو إما يتكلم أو يغنى،‎ ‎كانت نظراته بعيدا سابحات، والجلابية خلتها شراع مركب ‏تستبد به الريح، تعلو وتهبط‎ ‎مسرعة: الحالتين كلتيهما.. هل يعقل أن يصمت هذا الصوت المذهل ‏عن الغناء لحظة؟‎

وأنا إليه انظر: كنا نذهب إلى المنطقة الصناعية‎ ‎أي واحدة من المدن الثلاث تكون، بسبب أو بلا ‏سبب، كان الحرفيون والصنايعية صناع‎ ‎الحياة يتجمعون حين يبصرون بسيارة عبدالعزيز، ‏يصيحون به جماعات، على ملابسهم الزيت‎ ‎والشحوم والغبار، وحر الأسقف الزنك يلوذون منه ‏بظلال النيم إذ يبدو انه لا شجر ينبت‎ ‎مواقع الحديد والشدة سوى النيم، تتوقف سيارته وينطلقون ‏إليه وإليها، جماعة تطلب‎ ‎نكتة، وأخري حكاية وثالثة تطلب (زهرة الروض الظليل). ويغنى ويؤلف ‏نكتة على الفور،‎ ‎ويترك في المناطق الصناعية سعادة كبيرة. وما قصة زهرة الروض الظليل؟ في ‏بدايات‎ ‎الستين مات على أبو الجود رحمه الله، وكان الرجل من أساطين الغناء، في عهده (طابق‎) ‎كرومة عهدا ليس باليسير ثم استقل بغنائه، كان له صوت قوى عريض المساحة، وكان له في‎ ‎مجال تشجيع فريق المريخ باع طويل، وقرر معجبوه الأوفياء أن يقيموا له حفل تأبين على‎ ‎مسرح ‏النادي الذي احب. روى الرواة أن على أبو الجود وجماعته كانوا يشهدون مباراة‎ ‎حامية بين فريق ‏المريخ وفريق الشاطئ. جاء فريق الشاطئ قوياً، متحمساً، وبرز من‎ ‎لاعبيه حارس المرمى ‏بصورة. رائعة، وامسك بكل الكرات التي صوبت نحوه. نذكر أبو الجود‎ ‎أن هذا الحارس من اكثر ‏خلق الله حبا لكرومة ولفنه يتبعه أنى ذهب، رجل طربي من‎ ‎الطراز الأول. انتهى شوط المباراة ‏الأول، هتف على أبو الجود بالناس (يا عالم ما في‎ ‎زول في الهاشماب عنده رق)؟ بين الهاشماب ‏ودار الرياضة شارع الموردة لا سواه، كان‎ ‎المريخ مهزوما بثلاث إصابات، انطلق مريخابي ‏كالقذيفة إلى حي الهاشماب واحضر رقا،‎ ‎بدأ الشوط الثاني، مضى أبو الجود وجماعته وجلسوا ‏خلف شباك حارس مرمى الشاطئ، وصدحوا‎ ‎بالغناء (الرشيم الأخضر، زهرة الروض الظليل، نسيم ‏سحرك، جوهر صدر المحافل) الخ هذا‎ ‎الغناء العذب، ثم جعل الرجل يتداعى، يفقد توازنه طربا الله ‏‏! الله ! ورماة المريخ‎ ‎يسجلون، عصمت معنى، طلب مدني، أبو زيد العبد، وانتصر المريخ آخر ‏الأمر. لم يكن‎ ‎عبدالعزيز يعلم شيئاً عن حفل التأبين، كنا نزور صديقنا الحميم حسن يحي الكوارتى ‏في‎ ‎داره بحي العرب، منطقة ونصيبها من الشعر والغناء حق وفير، قلت له بعد أن هبط الظلام‎ (‎يا ‏أستاذ نمشى نادى المريخ لحضور حفل تابين على أبو الجود) وافق على الفور، ذهبنا،‎ ‎ؤ الطريق ‏عجبت لهذا الرجل، دائماً للغناء مستعد، ولإسعاد الآخرين يتأهب، قلت لنفسي‎: ‎من يعزف له؟ ماذا ‏يتوقع أن يكون بانتظاره في نادى المريخ؟ أشرفنا على الموقع، كان‎ ‎محتشداً بالناس، مجموعة من ‏أهل غناء الحقيبة، قدامى ومحدثين، قدموا خير مالديهم في‎ ‎ذكرى زميل وعزيز، جاء دور ‏عبدالعزيز، صعد خفيفاً إلى المسرح، دأبه، صمت الجمهور‎ ‎يحتشد بالأذان، لم يقل إنه سيقدم أغنية ‏بعينها، ولا أغنيات بأعيانهن، أخذ الرق من‎ ‎أحد المغنين بيد، ثلاثة أو أربعة من الكورس وقفوا ‏خلفه، ما درى أولئك إنهم،‎ ‎وللتاريخ، أمسوا على مشارف مولد أغنية لدى عبدالعزيز، ما كان قد ‏حدثنا عنها قط، ما‎ ‎ترنم بها قط، نكون في سيارته نجوب الطرقات، كثير أحيان، بلا هدف ولا هدى، ‏إذ ذاك‎ ‎يكون الغناء والطرب ونكون محاولات التنغيم التي لم يبلغ علياءها من معاصريه أحد‎. ‎الرمية أولاً، طال صمت الأذان تحتشد: هيا (الجرحو نوسر بى، غور في الضمير، فوق قلبي‎ ‎خلف ‏الكى، يا ناس الله لى): صياح مذهل أمطار مثجمة من الطرب يعب منها الجمهور لحين‎ ‎يثمل ‏نشوان، ثم (يا زهرة طيبك جانى ليل، أقلق راحتي حار بى الدليل، زاد وجدي) هناك‎ ‎جاء مولد ‏زهرة الروض الظليل، (كرومة الأصلي) كما يقولون، إحدى أغنياته الخالدات،‎ ‎كرومة الأصلي، كما ‏أتصور مع كلمات صالح عبدالسيد أبو صلاح، وكلمات عمر البنا وأشعار‎ ‎عتيق. خرجنا من الحفل ‏والجمهور المحتشد يصفق لنا في حماسة كأنه يظاهر فريق المريخ،‎ ‎برعى وابراهومة وجقدول‎.

وأنا انظر إليه: كيف يصمت هذا الصوت الذي هطل‎ ‎سعادة على كل شبر في الوطن على مد بضع ‏وأربعين سنة، مرة كنا في اتحاد الفنانين، في‎ ‎الدار كانوا يحتفلون بثورة أكتوبر، كل الفنانين الكبار ‏اشتركوا في الحفل، جاءنا حيث‎ ‎كنا نجلس آخر الصفوف، عبدالله حامد العربى عازف الكمان ‏المجيد. قال لعبدالعزيز‎ (‎سمعت انك مريض ولن تستطيع الغناء) رد عبدالعزيز (المرض بحمى ‏الغنا؟).. ضحكنا قام‎ ‎قال (سأغنى لكم ثنائي مع الكابي) اتفق المطربان، صعد عبدالعزيز إلى ‏المسرح، كان‎ ‎الزعيم إسماعيل الأزهري يشهد الحفل، كان سعيداً جداً، تقدم عبدالعزيز إلى‏‎ ‎المايكرفون، قال يخاطب الزعيم (حيغني ليكم اثنين من أولاد بحري، ثنائي، الكابي‎ ‎وأنا، بلاك آند ‏وايت)! كان بشير عباس في مقدمة الأوركسترا، والخليل، وتم دور‎ ‎واتدور. وأنا انظر إليه: في ذلك ‏المغيب الكئيب، هل يمنع المرض الغناء؟ والكلام‎ ‎هكذا؟ في مثل هذا الوقت منذ بدايات عام 1984 م ‏كنت اختلف إليه، قررنا أن نعالج‎ ‎قصائد عتيق المشهورة، اختلفنا حول بعضهن، كان عبدالعزيز لا ‏يحب أغنية (كلما اتاملت‎ ‎حسنك يا رشيق) بينما كنت أودها وداً شديداً، وكان يريد أن يغني (بدر لي ‏حسنك سحر‏‎) ‎وكنت لا أودها وأخيراً حذفنا الاثنتين، وكان بدأ يتدرب على أغنية (يا نسيم بالله‎ ‎اشكي له) وجعل يؤديها بصورة مدهشة جداً، وقرر أن يزحف بكنوز عتيق إلى الإذاعة، كان‎ ‎عبدالعزيز لا يفعل ما يفعله كثير من المطربين، لم يكن يطلب أجورا عالية من أجهزة‎ ‎الإعلام، كان ‏يريد أن يغني بما يسعد الناس في هذا البلد الرحيب. ولما سجل مجموعة من‎ ‎أغنيات الحقيبة في ‏مطلع السبعين تقاض عن كل أغنية بضعة وثلاثين جنيها، فاعجب‎ ! ‎ومثلما قال سامي ديفز حين ‏مات نات كنج كول انهم كانوا لا يقربون أغنية غناها، قال‎ ‎ديفز إن كول كان يضع بصمته الفريدة ‏وأداءه. الأسر على كل الأغنيات. قال لي عبدالله‎ ‎عربي انه يظن أن في ظهر عبدالعزيز مكبرات ‏صوت حبته بها الطبيعة، قال صديقي عاشق‎ ‎اللحون معقبا (عينو حارة ود القطينة!!) لم اكن اعلم ‏مدق ما ذهب إليه سامي ديفز إلا‎ ‎حينما اختطف عبدالعزيز أغنية (ذكرتني) من عثمان حسين، ‏وعثمان جالس إليه ينظر في‎ ‎سعادة، ثم جعل يغنيها بما اطرب صاحبها غاية الطرب، و غير هذا‎ ‎كثير‎.

صباح السبت 4 أغسطس 984ام كان ذاك العام بما‎ ‎فيه وما انقضى منه ثقيلاً بأحداثه، بطوارئه، ‏وقضاة طوارئه، وقد استحال بذلك إلى قرن‎ ‎من الزمان كان حكمه الواحد هو كاليجولا وجنكيزخان، ‏وسوموزا، آه صباح ذاك السبت طرت‎ ‎إلى الخرطوم بحري لحين أن بلغت دار عبدالعزيز كان ‏الطبيب قد عاده في المساء، ووصف‎ ‎له دواء، أفاده شيئاً حين اطل الصباح، لعل أنفاسه هدأت ‏بعض شئ حين رأيته قلت (الحمد‎ ‎لله) ثم عدت إلى طاحونة الحياة اليومية. في العصر أيضاً جلست ‏وحدي أشاهد الألعاب‎ ‎الأولمبية، تتفجر معها ذكريات لوس انجيلاس عهود الصبا، اخفق الضوء ‏الأصيلي فصار إلى‎ ‎ضوء باهت وأطبق المساء عل روحي، هذا اكثر لحظات اليوم كآبة عندي، وقع ‏أقدام،. ثمة‎ ‎من يصفق، وثب قلبي إلى فمي، أهذا طعم الفجيعة؟ جاء إلي.محمد احمد حمد زميل ‏دراستي،‎ ‎وجار عبدالعزيز، أهناك وقت للتحية؟ نظرت في وجهه، لحظ في وجهي، لا ريب، أثر ‏الفجيعة‎ ‎يوشك هو أن يطلق عنانها خبرا. قال إن عبدالعزيز حالته خطيرة، ذهبنا إلى الطبيب ما‎ ‎وجدناه، وقال لي انهم حملوه إلى المستشفي في بحري، قلت له (انطلق بي) حين وصلنا إلى‎ ‎المستشفي لم يكن على أبوابها جمع حاشد، أوقفنا السيارة قبل أن نسأل، سمعنا رجلاً‎ ‎فقيراً ما ستر ‏الليل فقره يحدث بائساً مثله في أول ليل بحري يقول له (أبو داؤود‎ ‎مات) ! انفجرت السيارة، نحن ‏بداخلها، تبكى ! أعدت الطبيعة عدتها، زمجرت الريح في‎ ‎الأشجار مكتئبة الأغصان، تبكي، صعد ‏الغبار يبكى، قالت الطبيعة: إن هذا نصيبي من‎ ‎الحزن، تكون الفجيعة الرؤية مدببة الأطراف وذات ‏أبعاد، انطلق الأسى على شاشة‎ ‎التليفزيون يبلغ الناس الخبر الذي (جل حتى دق فيه الأجل) لقيت ‏عبدالله العربي أمامي‎ ‎جالساً، يتيم الكمان، على الأرض يبكى، والفاتح الهادي يبكى، وجل أهل ‏الموسيقى، برعي‎ ‎دفع الله كان بعيداً عن ليل الفجيعة في تونس، بشير عباس في جدة، وبقيت ‏وحدي. وجاء‎ ‎كل أهل الموسيقى يبكون، وكل الوتريات تبكى، ورق كرومة يبكى، والخرطوم بحري ‏دخلت‎ (‎بيت الحبس). هل يموت عبدالعزيز، سذاجة سمها أو جهالة فلتكن، كنت أظن أنه لن يموت‎ ‎وأنه دائماً هناك كل مساء قبيل إخفاق ضوء الأصيل في داره بالدناقلة في الخرطوم‎ ‎بحري، وأنه ‏بانتظاري، للونسة أو نخرج لمجاملة الأصدقاء، آه لقد ذهب في نفس الوقت من‎ ‎المساء، يلبي نداء ‏ليس يقدر أن يتمرد عليه أحد. نبهنا الطيب محمد الطيب مرة بمقالة‎ ‎في يوميات الأيام كتبها عن ‏عبدالعزبز، كأنه كان يحس أن هبة الله لهذا الوطن توشك أن‎ ‎تعود إلى من وهبها لنا، وما سمعنا ‏كلام الطيب. وقال لي حسن عطية بعدها (هل قرأت‎ ‎كلمة الطيب؟ ما عجبتنى، بصراحة زي الكتب ‏تأبين لعبدالعزيز) ولم نصدق هذا كله، وفي‎ ‎المساء الموعود، مساء السبت الرابع من أغسطس ‏عام 84 م حمل روحه الرائعة وغناءه‎ ‎العذب، ولم‎ ‎ينتظر‎.

لم يكن عبدالعزيز داؤد يحدث كثيراً عن حياته،‎ ‎نشأته أو صباه أو مدارسه، ولم اكن كثير علم بذلك ‏وبعض ما عرفت كان من أحاديث سجلها‎ ‎للإذاعة يذكر فيها طفولته في بربر، وبعض مراحل تعليمه ‏ويبدر أنه قد درس في مدرسة‎ ‎الخرطوم الابتدائية وقتاً قصيراً، مدرسة ومكانها في قلب السوق، ‏ذكر عبدالعزيز أن‎ ‎نوافذ الفصل كانت تجلب الضوضاء خارج المدرسة، وضجيج المقاهي وغناؤها ‏ينبعث من‎ ‎الفونوغرافات، قال في خضم الجلبة الهائلة، يأتيه صوت كرومة عذباً صافياً، لكأنه‎ ‎خلاصة الخلاصة من ينابيع الفن، وذكر أن إنصاته لتلك الخلاصة ما ترك له بالاً أو‎ ‎عقلاً، فقد عرف ‏إذن طريقه فليس عنه يحيد، وفي تسجيل للإذاعة يروى انه سار على قدميه‎ ‎مسافة بعيدة ليستمع ‏إلى زنقار، ذكر أن الليل كان مظلماً، وحده، وأخطار الطريق،‎ ‎استأسدت عليه الكلاب، مزقت من ‏ملابسه طرفاً، أتمثل العبادى يقول (شق حشا الطريق‎ ‎اتيا من الحلال زفنوا الكلاب، ما نالن الا ‏علال) كلا فكلاب الطريق نالت من‎ ‎عبدالعزيز! من هنا وهناك تأتى أخبار بداياته، ذكر لي مرة انه ‏غنى (زمانك والهوى‎ ‎أوانك) لعلى المساح في نحو عام 1939م، كان عبدالعزيز شديد إعجاب بهذا ‏الشاعر‎ ‎العبقرى، وكان يبحث عن قصائده ويدونها ويغنيها، غنى له (طول يا ليل على الباسل) ‏وهى‎ ‎من بعد كلمة رائعة، أتذكر خاتمتها (جميع من سمى باسمو، حرام النار على جسمو)، وقد‎ ‎خلق بأدائه (غصن الرياض المايد) ثورة في الأداء تتشرف بها مطالع الستينات، وغنى له‎ (‎بالله يا ‏نسيم الصبا)، ولم يتم تسجيلها للإذاعة، وربما كان هذا هو السبب في أن لم‎ ‎يكتب لها ذيوع كثير ‏ومرة ذهب إلى عطبرة فسمع مطرباً مغموراً يغنى أغنية بهره لحنها‎ ‎لم يتذكر منها سوى قول ‏المطرب (مساء الخير يا أمير) ولكن اللحن استقر في حنجرته فلا‎ ‎يبرحها، وحين لحظ المغنى ‏إنصات عبدالعزيز المركز، شعر أن الرجل بسبيل أن يختطفها‎ ‎ويستعمرها فامسك عن الغناء، ولكن ‏قضي الأمر،
استقر اللحن في ذهن عبدالعزيز، بقى‎ ‎النص، ليست هناك مشكلة سافر عبدالعزيز إلى ‏شندي، وحمل قضيته لمؤلف الأغاني على‎ ‎إبراهيم خليل، واسمعه اللحن وكانت الكلمات، بعضها ‏‏(عار الصيد منك عيون، أهدت ليك‎ ‎البانة لون).. مرة جاء من إحدى جولاته الفنية يدندن بلحن ‏فريد، من الحان كرومة،‎ ‎كعادته تعلق صوته الفريد بالمطلع، جن به جنوناً (نسايم الليل زيدينى) ‏قال إنها من‎ ‎كلمات عمر البنا، أين الشيخ عمر؟ قالوا يسكن مدينة الثورة .. وأين؟ ابحثوا عنه،‎ ‎إصرار وفريد، ذاك شأن عبدالعزيز، ذهبنا وصلنا، جلسنا في دار الشيخ، بصر ووهن، وجسد‎ ‎عليه ‏من آثار الأعوام الكثير، بشاشة معهودة فيه، هذا الفارس بالشعر، القوى بالقصيد،‎ ‎الشاب بإحساس ‏القلب الوثاب، الذي شهد النقائض تكون بين شعراء عصره، وكأن العصر‎ ‎الأموي فينا، وكأن ‏الأخطل وجريراً والفرزدق بيننا، ظاهر صالح عبدالسيد، وشارك في‎ ‎المعارك، وظهر الغناء كالذهب ‏النفيس، نحن في حضرة الشيخ الشاعر وهن بصره القوى‎ ‎بالشعر، عمر البنا، لم يمهله عبدالعزيز ‏فيكمل ترحابه لم يلق عليه القصيدة إلقاء، بل‎ ‎غنى ما علق بذاكرته منها غناءً عذباً استبدت بالشيخ ‏القوى بالشعر، هاشمية الطرب،‎ ‎شالته، بسمة رضا، صارت كل وجهه، جعل يهمهم، يدندن بصوت، ‏لا ريب قد عرف الغناء،‎ ‎صباه، بل حياته كلها، أنطقته هاشمية الطرب (آخ يا شافع .. يا سلام عليك ‏يا شافع‎ .. ‎يا شافع) .. نظرت إلى (الشافع)، فإذا هو ذلك الضخم، الطويل، العريض، عبدالعزيز‎ .. ‎فاجأتنا نسايم الليل إذن، انظر يحمل الشاعر سلامه النسيم ليس كمثل غيره من شعراء‎ ‎زمانه، بل ‏هو بمذهب شعراء المدائح ملتزم ومفتون، مثلهم يمزقه الحنين، تختلف الوجهة‎ ‎والمحبوب، لكنه ‏على المذهب مقيم، سلام أولئك الشعراء لا يحصى عدداً، يفوق أعداد‎ ‎الكمون والسمسم، سلام ‏شاعرنا مثل ذاك، لا يقع تحت حصر تأمل: سلامي بعد تجنينى‎.. ‎عليك وليالى سنينى .. في وصفك ‏وعد حنينى.. يغشاك مرفوق مع النسام روحى خلالو‎.. ‎تسلمنا القصيدة، انتشرت على حنجرة ‏الذهب، سخية الوقع والإيقاع واللحون ..

لم يكن‎ ‎عبدالعزيز يتحدث كثيراً عن بداياته الفنية، ذكر ‏مختار عباس - صديق وحميم- انه قبلنا‏‎ ‎جميعاً، استمع إلى صوت عبدالعزيز، كان بهذا يباهى، وبه ‏يفاخر، قلنا كيف؟ قال (كان‎ ‎ذلك في عام 1943. كنا ماشين عرس في القطينة، مجاملة لصديق، ‏أجرنا تاكسى فورد،‎ ‎اتفقنا مع فنان من المشهورين، مشينا ليهو ما لقيناه، قعدنا مسافة ما ظهر، ‏أدانا‎ ‎طبقة زولك، زعلنا جداً اتكسفنا الجماعة هناك منتظرين، العريس والقطينة كلها،‎ ‎وبعدين؟ قام ‏صديقنا عبدالله محمد صالح قال يا جماعة ولا يهمكم، أنا بعرف واحد بغنى‎ ‎كويس، بس ما ‏مشهور، المهم نعدي الحفلة، أنا شخصياً ما كنت مقتنع بي كلامه، لكن‎ ‎قبلت، قلنا ليه يا عبدالله ‏زولك رين؟ قال طوالى بيكون قاعد في قهوة الزيبق، مشينا‎ ‎للقهوة، زولك عبدالله نزل القهوة، جانا ‏راجع معاهو واحد، أزرق زي الكحل، طويل،‎ ‎عريض، لابس طاقية، جلابيتو نص لياقة، ولابس ‏شبشب، ما معقول يكون ده الفنان؟ ما‎ ‎معقول! يا عبدالله، قلت ليه بالراحة .. ده فنان، واللا رباط، ‏المهم زولك ركب معانا‎ ‎ونهضنا على القطينة، ومما ركب كان بغنى، وبغنى أطربني شديد،.قلت ليه ‏يا عبد، الناس‎ ‎حتعرفك بعد عشرين سنة،
في السكة يا زول موية العربية خلصت، زولك عبدالعزبز ‏من يومه‎ ‎دمو خفيف، والدنيا صقيعة والبحر بعيد، كنا ماشين بالطريق الفوق، رمال، رمال، مويا‎ ‎مافي وبعدين قلت ليك زولك عبدالعزيز من يومه دمو خفيف، وبحب يعمل مقالب قال: طيب‎ ‎أحسن ‏بدل نتعطل واحد يبول في اللديتر، واحد فينا سمع كلامو، قام البخار سخن من‎ ‎اللديتر والحصل ‏حصل)! وقد عرف الناس عبدالعزيز داؤد بعد ذلك بزمان لا يقل بحال عن‎ ‎عقد كامل من الزمان، ‏وقد بقى مختار عباس في حياة عبدالعزيز مستمعاً مخلصاً وصديقاً‎ ‎وفياً، وكان مختار زهرة ‏القعدات، وله فيها مواقف مشهودة ومشهورة، وكثيراً ما كان‎ ‎يمزق جلابيته طرباً، وكنت أخشى ‏مثل هذا الموقف، يبلغه مختار دائماً حين يبلغ‎ ‎عبدالعزيز في شدوه (خدام جناين يا نديم، لازلت ‏لامن انعدم) من رائعة الشاعر حدباى‎ (‎زهر الرياض في غصونه ماح). وكان عبدالعزيز يحب هذه ‏الجلسات الصغيرة، لأنها تجمع‎ ‎أصدقاءه ومعجبي فنه، وكانت له بعض أفدنة في الحلفاية، زرعها ‏برسيماً، وأقام عليها‎ ‎حارساً، ولكن عبدالعزيز لم يكن يعرف عن الزراعة أو التجارة كبير شيء، ‏وكسدت بضاعته‎ ‎وصارت المزرعة وبالاً بعد ان اقترض من البنك الزراعي مالاً وجعل البنك ‏يطارده،‎ ‎والفوائد تطارده، وأشباح المحاكم والحجز والبيع وهلم جرا، تغفل الحكومات كل أمر،‎ ‎وتستأسد أحيانا وذاك دين واجب السداد، وقد دفع من دمه ومن قوت عياله ما أسكت‎ ‎الأقساط ‏والفوائد حيناً، ولكن إصرار القوم شديد، فكتب عبدالعزيز خطاباً إلى‎ ‎المسؤولين يلتمس أن يشطب ‏ما تبقى من القرض، كان أهم ما فيه (لقد أنشأت هذه المزرعة‎ ‎أمنى نفسي أن أكون عزيز كافورى، ‏فصرت عزيز قوم ذل !).. ولقد اختفي عبدالعزيز بعد‎ ‎أيام ظهوره الأولي عهدا ليس بقصير، ومن ‏الناس من لم يكن يحب سماعه، وهذه سنة‎ ‎الحياة، ولكنه حين عاد للظهور، جاء بثورة في الفن، ‏ولم يسبق لها مثيل، كان‎ ‎عبدالعزيز صديقاً للسيد الدرديرى عمر كروم، كان الدرديرى مثل مختار ‏عباس يعرف ويثق‎ ‎بكل صدق، أن لعبدالعزيز صوتاً رائعاً وأداءً فريداً، وفي بيت الدرديرى في ‏الموردة؟‎ ‎كانت مجموعة من الأصدقاء تجتمع للسمر وسماع غناء عبدالعزيز، مرة كلم الدرديري، ‏برعي‎ ‎محمد دفع الله، أن يشاركهم في الجلسات، قال برعي (كنت بعزف العود كويس وما بفتكر‎ ‎إني كنت متميز خالص في الزمن داك، ما فكرت كثير في التلحين، جيت لي ناس الدرديرى،‎ ‎سمعت ‏عبدالعزيز بغني الأغاني القديمة، عزفت ليه انسجمنا جداً جداً، غناء عبدالعزيز‎ ‎من الزمن داك كان ‏غناء جميل، أداء سليم جداً، استمرت المقابلات، فهمنا بعض كويس‎)... ‎في عام 1950 سافر فريق ‏المريخ إلى مصر، كان من أعضاء الوفد الفنان إبراهيم الكاشف،‎ ‎كان الكاشف يظاهر فريق المريخ ‏في حماسة مشجعي الترسو، وكانت كرة القدم من صيم‎ ‎اهتمامات حياته، وله ولع بهذا الفريق لا ‏يخفيه، وقد عرف به وهو لا ينكر. كنا نعلم‎ ‎كلما سمعنا صوته الرنان نقول الكاشف مريخابي ومثل ‏هذا الصدق فتشجيع فرق كرة القدم‎ ‎أمر لم يألفه الناس من نجوم الأدب والغناء وغيرها، كثير من ‏هؤلاء خشية أن يفقد‎ ‎طرفاً من جماهيره يدعى الحياد، اذكر فناناً سئل مرة عن أي الفرق يظاهر قال ‏انه‎ ‎محايد وذكر انه يشجع اللعبة الحلوة، وقال آخر إنه يشجع الفريق القومي! على كل في‎ ‎قطار ‏المريخ عام 1950 سافر الكاشف إلى مصر، وكان معه برعي دفع الله، وحسن خواض‏‎ ‎وآخرون، ‏توقف القطار يسعى حثيثاً للشمال، في بربر جاء عبدالعزيز داؤد إلى المحطة،‎ ‎كان ساعتئذٍ يمضي ‏وقتاً في مسقط رأسه، بصر بالقوم قال على الفور(أنا مسافر معكم‎) ‎انطلق للبيت، أحضر متاعه، ‏وانطلق مع القطار المريخي إلى مصر، وهناك سجل بعض أغنيات‎ ‎الحقيبة لركن السودان .. برعي ‏والعود في يده ليس آلة. العود عند برعي إنسان يعشقه‎ ‎تحس أن للرجل علاقة مع ابن مدلل هو ‏العود، علاقة مع معشوقة هي العود، وعزف برعي عزف‎ ‎منفرد لا يطاول سماءه أحد، عود برعي ‏عود سوداني مثل اللون السوداني، ومثل العيون‎ ‎العسلية تكون على وجوهنا جميعاً، أن تفرد برعي ‏بأمر من أمور الموسيقى، فلأن الطبيعة‎ ‎قد منحته السر أن يعزف هذا‎ ‎اللون السوداني، وهذه السمة ‏التي لا نستطيع لها تفسيراً‎ ‎إلا أن نقول إنها شيء سوداني، وحين أذاع برعي في الناس معزوفة ‏‏(لحن الحرية)، عرفنا‎ ‎من بعد، إنه أعلن مولد الموسيقى الآلية، وأعلن مولد المعزوفة السودانية ‏المؤلفة‎ ‎تكون بعد المارش الشعبي، واختصت به، كانت، فرق الموسيقى العسكرية ويعبر عنه ‏بآلات‎ ‎النفخ الخشبية والنحاسية ثم ضروب من الإيقاع تؤديها طبول مختلف أحجامها.

نقل برعي‎ ‎دفع الله إلى الأبيض، واصبح باشكاتب مستشفي الأبيض، وللمدينة في تاريخ الموسيقى، آن‎ ‎يذكر، ‏نصيب. وفيها من أهل شعر الغناء محمد عوض الكريم القرشي، ومحمد على عبدالله‎ ‎الأمي، وقد ‏قدر لقصيدته (أحلام الحب) أن تكون أول عمل يلحنه برعي لعبدالعزيز، جاء‎ ‎عبدالعزيز إلى الأبيض ‏يبحث عن برعي ويعد لثورة في الغناء ليس لها من نظير، قلت لكم‎ ‎إصرار ذلك فريد. من بعد تلك ‏الأغنية جاءت (بالله يا أهل الهوى) واستمرت الألحان‎ ‎تتدفق: هل أنت معي، فينوس، لحن العذارى، ‏أجراس المعبد، عذارى الحي، ومحمد على أحمد،‎ ‎عوض حسن أحمد، عبدالمنعم عبدالحي، حسين ‏عثمان منصور وإسماعيل حسن.. وتدرجت المعزوفة‎ ‎على الزمان يرعاها أب حان، فازت (ملتقى ‏النيلين) التي صنفها برعي بالجائزة الأولى‎ ‎في مسابقة نظمتها إذاعة (الترانسفال) .. قال برعي ‏‏(كان عبدالعزيز لا يغني لحناً لا‎ ‎يقتنع به، أو يحس، إنه لا يلائم صوته، كان يعرف قدرته على ‏ضخامتها). أقول، وكنا حين‎ ‎نجلس في القعدات يجود عبدالعزيز ببعض من الغناء الذي ألفت الآذان ‏والأرواح زمان‎ ‎الثلاثين والأربعين، أغنيات يتسلى بها الناس، كانوا، في المجالس، تبرد عليهم ‏لظى‎ ‎الحرب، تدق الأبواب في الشرق، وفي الصحراء الغربية، ومناسبات آخر، وكنا نسمعها‎ ‎فتبرد ‏لنا لظى زماننا ذاك العصيب، أغنيات تكشف الحجاب عن نساء عاشقات، ما نزع‎ ‎المجتمع عنهن، ‏عصرئذٍ، حجابه الغليظ: يوم لاقيتو راكب بسكليتو.. الشاب الظريف القبل‎ ‎الشاطيء بيتو.. اشر لي ‏بريتو، شقانى وما شقيتو.. شفت الحبيب توب الحد رميتو.. العجب‎ ‎حبييى ما رد لي تحية.. بعض ‏إسفاف، قد يقول بذلك بعض المثقفين، من النوع الكامل من‎ ‎المثقفين والإنصاف أيضاً والأرباع، ‏ولكن أين تخبئون الرؤوس من روح ذاك العصر؟ أكلما‎ ‎تغنت امرأة تتمنى حبيبها، تشتاق، قلتم ذاك ‏هو الإسفاف؟؟ وكنا نستشيره فيمن ندعو‎ ‎للقعدات، إذ أن لها طقوساً ولوائح، وهى بعد محرمة على ‏الثقلاء وهؤلاء كالموت يدركون‎ ‎المرء ولو ألجأ نفسه إلى البروج المشيدة، جاء أحدهم إلى حفل ‏يغني فيه عبدالعزيز ولم‎ ‎يكن عبدالعزيز يود الرجل ويستثقله كثيراً ولكنه صبر عليه حتى لا يفسد ‏الحفل ومضى‎ ‎زمان و عبدالعزيز يشدو، قام الثقيل من مجلسه، جاء إلى عبدالعزيز وقال (يا أستاذ،‎ ‎عليك الله غني لي غصن الرياض لأنها بترجعني عشرين سنة لي ورا) رد عبدالعزيز عليه‎ ‎قال ‏‏(أنت عمرك كم سنة؟) رد الرجل (أربعين سنة) قال له عبدالعزيز (أغني ليك غصن‎ ‎الرياض مرتين، ‏عشان ترجع بطن أمك وتريحنا)!!

كان عبدالعزيز يخضع للآلات الموسيقية‎ ‎مثل هذه الأغنيات التي ‏ذكرنا من أغنيات الدلوكة، أغنيات التم تم، أغنيات البنات،‎ ‎سمها ما شئت، وكانت حرية القعدات ‏الصافيات تبيح للغناء والحديث حرية مطلقة،‎ ‎وأحياناً لا تشارك ليلنا أي آلة موسيقية، إيقاع ‏الكبريتة وحده، يشعل الليل طرباً،‎ ‎رجل لا يخطئ في أدائه قط، مرة جاء عبدالله عربي يبحث عن ‏عبدالعزيز، كنت جالسا بدار‎ ‎اتحاد الفنانين سألني عربى قلت له إن عبدالعزيز سافر إلى عطبرة، ‏قال عربى (لكن أنا‎ ‎شايف برعي موجود وأكرت وخواض وبشير، وأنا برضو مكلمنى، السافر معاه ‏منو؟) قلت له‎ (‎غير ليكم، قال ما عايز عازفين اشترى كروسة كبريت من دكان اليمانى وسافر)!! ‏
من عهد‎ ‎الأربعينات من اكتشاف مختار عباس، إلى اللقاء في بيت الدرديرى عمر كروم، في مطلع‎ ‎الخمسينات من الطريق الفوق يفضى إلى القطينة، ومن أرجاء الموردة ذات الفن والأصالة‎ ‎والجمال، ومن بربر تزفه الكلاب، تمزق أطراف ملابسه، تريد مسامعه تبلغ صوت زنقار،‎ ‎لحين إن ‏صار عبدالعزيز إلى مسامع الوطن كله، وصار جزءاً رائعاً من تراث هذا‎ ‎الوطن.... رأيت عبدالعزيز ‏محمد داؤد، أول مرة، رأى العين، في أخريات الأربعين، أسعى‎ ‎كل يوم من زقاق العصاصير سيراً ‏على الأقدام إلى مدرسة أم درمان الوسطى، وكانوا‎ ‎يسمونها الأميرية، ولا أمير، وكنا نلبس جلاليب ‏الدمورية والصنادل بنية اللون، رأيته‎ ‎ذات صباح باكر، يقف أمام المكان الذي صار إلى سينما ‏أمدرمان الآن، وكان قبلها قد‎ ‎صار دار حزب الأمة، وفي بدايات نشأته كان معروفاً انه بيت تاجر ‏مصري اسمه إبراهيم‎ ‎عامر. لذلك العهد رأيت عبدالعزيز أول مرة، ولم أعرف لحظتئذٍ انه هو، إلا ‏بعد ذلك‎ ‎حين طالعت صورته تلك في صحيفة ما، وتذكرت القبعة التي كانت على رأسه، والتقط بها‎ ‎صورة فريدة تنم عن شباب وفتوة يذكرها أبناء جيلنا، وأهلات ذلك العصر، قبعة وقميص‎ ‎وجاكت ‏سبور، وعلى الفم كدوس، يعتمد آخره على أصابع يده اليمنى، كان واقفاً في‎ ‎الطريق الكبير، شارع ‏الموردة، وحده، يلفت النظر بطوله الفارع، وسواد بشرته النبيل،‎ ‎على أقل تقدير، كان أطول إنسان ‏عرفه ذلك الصباح في ذلك الشارع. في بيتنا راديو‎ ‎كهربائي خشبي، يأتي بالمحطات الإذاعية من ‏قرونها حين عدت إلى أمدرمان من الفاشر،‎ ‎وجدت أن الكهرباء قد دخلت بيتنا في العصاصير، ‏وكان هذا مبعث دهشة ظلت تسيطر عليّ‎ ‎زماناً طويلاً، وكان الراديو مصدر دهشة أكبر، وأول ‏أغنية سمعتها في الإذاعة في حفلة‎ ‎غنائية موسيقية، نقدم لكم أيها السادة أغنية (يا مار عند ‏الأصيل للفنان حسن عطية‎). ‎كانت أيام وادي سيدنا بداية النضوج لأبناء جيلنا، في السياسة، في ‏الرياضة، وغيرها،‎ ‎وكنا نجلس في النادي، الساعات المتاحة لنا بعد الاستذكار نستمع إلى إذاعة أم ‏درمان،‎ ‎راديو ضخم وكهربائي، يستشرف المكان ينظر إلينا، ننظر إليه، يسعدنا، كنا شيعاً نظاهر‎ ‎فناناً أو آخر، أكبر حزبين، حزب احمد المصطفي، وحزب حسن عطية، وعلى بعد يسير جماعة‎ ‎عثمان حسين، وعلى رأس هؤلاء صديقنا ومولانا فيما بعد، الطيب عباس الجيلي، كنت عصرئذ‎ ‎قد ‏صرت، طوعاً، من أنصار عثمان حسين، وعند برنامج ما يطلبه المستمعون كنا نزيد‎ ‎عدداً، ‏ونقوى، كان عبدالحليم عباس، قد فطن إلى صوت عبدالعزيز قبل أن نألفه بزمان‏‎ ‎بعيد، ونبهنا إليه، ‏ما سمعنا كلامه، حين يطل صوت عبدالعزيز من الراديو الكهربائي‎ ‎الضخم، لا يبقى في النادي قريباً ‏من الراديو أحد، إلا عبدالحليم عباس، وكنت أول‎ ‎أمري، أجامله، إذ كنت اسخر من كلمة ‏‏(العرجون) وهى التي تجيء في صدر أغنية أحلام‎ ‎الحب (زرعوك في قلبي يا من كساني شجون، ‏ورووك من دمى يا اللادن العرجون)، أظنها‎ ‎ليست من الشعر في شيء، بعد زمن صرت متعدد ‏الولاء، حينا أكون مع أشياع عثمان حسين،‎ ‎وطوراً أنصت مع عبدالحليم عباس إلى عبدالعزيز ‏محمد داؤد، أحس اليوم أن عبدالحليم‎ ‎كان يعرف أن في الجو بواكير ثورة، يراها هو، تتكشف ‏كنوزها أمامه، دون أن ندرى، ثم‎ ‎زادتنا (هل أنت معي) عدداً كبيراً، وبعد فينوس، كبر حزبنا شيئاً، ‏وعبدالحليم عباس‎ ‎يقوده سراً، ولا يعالن. أما صديقنا محمد توفيق خليل فانه كان ثابتاً على حزب ‏حسن‎ ‎عطية، بل كان يغنى (محبوبي لاقاني) بعذوبة، ورقة لا تنكرها أذن، رغم إنه كان يلعب‎ ‎الكرة ‏بخشونة أفريقية، قبل أن يعلم الناس أمر الخشونة الأفريقية، ولم يكن توفيق‎ ‎خليل يظاهر فريقاً من ‏فرق كرة القدم، ولا يميل لا إلى الهلال ولا إلى المريخ، ولقد‎ ‎سمعت قبل أيام انه صار رئيساً فخرياً ‏لنادى العباسية، والحمد لله انه قد تعصب‎ ‎لفريق. وكان توفيق يضربنا في الدافورى ضرباً شديداً، ‏ثم نستمع إلى غنائه ونغفر له،‎ ‎ثم أن صديقنا حافظ الشاذلى كان على قدر كبير وعظيم من ‏الرومانسية وكثير إعجاب‎ ‎بأغنيات عبدالدافع عثمان. عرفت عبدالعزيز داؤد، أول مرة عام 1958. ‏

ذهبنا إلى داره‎ ‎في الدناقلة شمال، عبدالماجد بشير الاحمدى وأنا، كان الوقت عصراً، وفي اتحاد ‏طلاب‎ ‎جامعة الخرطوم حفل في ذات المساء وللرجل كانت سمعة مدوية في (التعليق) وعدم الظهور‎ ‎في الموعد المضروب، قال الاحمدى انه يثق في بلدياته عبدالعزيز وفي كلمته، الاحمدى‎ ‎من ناس ‏بربر، وكان بمدينته وأهلها يفاخر، كنت في شك من الأمر وكبير، اطل عبدالعزيز‏‎ ‎من الباب، رحب ‏بنا، قال سأحضر، وبر بوعده وغنى، ومنذ ذاك المساء توطدت صلتي به،‎ ‎وصادقته بضعاً وعشرين ‏سنة، لم نكن نفترق أثناءها إلا قليلاً، عرفت زوجه وأبناءه‎ ‎وأهله، وكأني بعض أهله، وحين ماتت ‏‏(فلة) وهى كلبة الأسرة، حزنت عليها زوجه حزناً‎ ‎شديداً، خاصة وان فلة قد الفت دار عبدالعزيز ‏جرواً صغيراً لحين أن أسنت وماتت، وكان‎ ‎عبدالعزيز قد أحس بحزن زوجته، فناداها وقد استبدت ‏به روح الدعابة فقال (يا فوزية‎ ‎شدي حيلك أنا شايف الجيران جايين يعزوك!). وكان مدخل كثير ‏من معجبيه إلى فنه غناءه‏‎ ‎أغنيات الحقيبة وخاصة ما كان منها من التراث المتلالىء، الذي كان قد ‏خلفه كرومه‎ ‎لوطنه وأبناء وطنه، ومن هؤلاء من زملائنا المرحوم اسماعيل بخيت عمر، ‏وعبدالسلام‎ ‎صالح (شلب) وفي الرجلين خفة روح ودماثة خلق لا تخفي، وصارا من بعد من ‏أصدقاء‎ ‎عبدالعزيز، و اذكر للمهندس عبدالسلام صالح إننا كنا أيام الطلب في الجامعة نسعى‎ ‎لإقامة ‏حفل بدار الاتحاد، وكلفنا أن نتصل بالفنان عطا كوكو، وكان عطا، رحمه الله،‎ ‎يعمل حلاقاً، وله ‏دكان صغير في سوق الموردة، وانطلقنا إلى هناك صباح يوم جمعة،‎ ‎لنخبر عطا بأمر الحفل. حين ‏بلغنا مشارف الدكان. توقف عبدالسلام وقال لي (تعرف يا‎ ‎أبو المك في مشكلة، عشان الراجل دي ‏أول ما يشوفنا حيفتكر إننا زباين! أنا اكتشفت‎ ‎انو شعرنا طويل، وما بنشبه ناس جايين يكلموه في ‏حفلة!).

وذات يوم جاء عبدالعزيز إلى‎ ‎الإذاعة، رأى أن سيدتين ضخمتي الجثة تتقدمان نحوه، كانتا ‏مشهورتين بالدعابة ومن‎ ‎المعجبات بفنه، توقف عن السير، ينتظر، بلغت الأولى موقفه، وئيدة ‏الخطى، حيته، كانت‎ ‎الثانية، وهى اضخم جسدا لم تصل إليهما بعد، قالت الأولى (أظنك ما عرفتني ‏يا‎ ‎عبدالعزيز، أنا ما دار النعيم) ثم التفتت كأنها تريد أن تقدم صاحبتها إليه، لم‎ ‎يمهلها عبدالعزيز، ‏قال على الفور (عارف صاحبتك أتذكرتها دى مش دار الرياضة)؟!

بعض‎ ‎المشتغلين بقضايا الشعر ‏السوداني يؤرخون له بأحد كتب الاختيار (شعراء السودان) الذي‎ ‎جمع مادته سعد ميخائيل وهو ‏كتاب له فضل الريادة في جمع مختارات من شعر شعراء ذلك‎ ‎العصر. وينسى هؤلاء فضل رجل هو ‏محمود عزت المفتى والذي جمع المختار من شعر شعراء‎ ‎العامية في ذلك العصر، وهو كتاب نادر ‏ندرة أسنان الدجاج (التعبير مأخوذ من الشاعر‎ ‎لانجستون هيوز): ويحوى الكتاب بين دفتيه قصائد ‏لخليل فرح، يوسف حسب الله، وإبراهيم‎ ‎العبادى وأبو صلاح وغير هؤلاء وكان عبدالعزيز يقتني ‏نسخة منه يحرص عليها حرصاً‎ ‎شديداً، كانت هذه النسخة بعضاً من مصادر فنه وينابيعه، ثم انه قد ‏أنشدني طرفاً مما‎ ‎كان انشأ خليل فرح، وبخاصة ما كان يسمى الخمريات، وكان عبدالعزيز هو أول ‏من تنبه‎ ‎إلى قيمة فن هذا الشاعر، وكان أول من غنى (عزة في هواك) بعد ظهور برنامج الحقيبة،‎ ‎ولا اعرف انه قد سجلها للإذاعة أم غير ذلك. وكان ينشد بعض أبيات الخمريات يصطنعها‎ ‎مطالع ‏لأغنيات الحقيبة، بأسلوب حر هو وسط بين إنشاد الشعر كما علمناه، وأداء‎ ‎المدائح المكتوبة باللغة ‏الفصحى، قر بذهني منها قول الخليل: أنا في بساتين الزهور‎ ‎بين الترايب والنحور اشرب معتقه ‏الدهور نداماى عصافير السحور جمدانه وابريقين وكاس‎ ‎ونديم وساقي خدوده ماس وجنينه سايقه ‏نخيل وآس أنا والحبيب ما معانا ناص ولقد أمد‎ ‎شعر الخليل هذا عبدالعزيز باستنباط طريقة في ‏الإنشاد استخدمها من بعد في قصائد ابن‎ ‎الفارض والبرعي وغيرهما مما سجل ولعل اشهرها ‏الميمية المعروفة (شربنا على ذكر‎ ‎الحبيب مدامة، سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم). ولعل هذه ‏القصيدة هي التي جذبت فن‎ ‎الفنان المصور والمخرج السينمائي حسين مأمون شريف إلى فن ‏عبدالعزيز، فجعلها مقدمة‎ ‎لفيلمه التسجيلي الرائع‎ DISLOCATION OF AMBER ‎ والذي ‏يحكى قصة الناس والبناء وحركة‎ ‎الحياة في ميناء سواكن، بغموضها وسحرها، وتجارة الرقيق. ‏هي كلمة حق يقولها المخرج‎ ‎باللون والحركة والصوت ثم يخلص حسين من ميمية ابن الفارض ‏في فيلمه إلى (انتم فروض‎ ‎ونفلي، انتم حبيبي وأهلي يا قبلتي في صلاتي، إذا وقفت أصلي، الله ‏الله) سنين بعدها‎ ‎ظل فن حسين السينمائي يطارد صوت عبدالعزيز. والتقيا، جاءني عبدالعزيز يوماً ‏في‎ ‎الجامعة كدأبه، وقال لي انه يريد أن يسجل شريط فيديو يقدم فيه بعض أغنياته، كان ذلك‎ ‎في ‏مطالع عام 1984، قال انه يريد أن يعطى للناس شيئاً لم يألفوه إذ هم قد سئموا أن‎ ‎ينظروا إلى ‏التلفزيون يستمعون إلى مغن تعزف خلفه الأوركسترا دونما تعبير أو حركة أو‎ ‎تغيير، حمدت له ‏حماسته، ثم قلت له أن الشخص الوحيد، الذي يقدر على هذا الأمر هو‎ ‎حسين شريف، كان حسين ‏شريف يود عبدالعزيز وداً كثيراً، وحين مرض حسين مرة مرضاً‎ ‎شديداً ألزمه الفراش زماناً، كان ‏عبدالعزيز يصحبني إليه، ويصعد إلى غرفته ويغنى له‎ ‎كل مرة أغنيته المفضلة (أمتى أرجع لأمدر ‏وأعودا)، ويطرب حسين كل حين يتقافز طربه‎ ‎بين آلامه الموجعة. وتحمس حسين للفكرة كأنه كان ‏بنتظرها، وكلفني أن أعد كلاماً، هو‎ ‎بالأساس رأى عبدالعزيز في أمور الفن والغناء، وجاء دور ‏الكاميرا لتسجل له هذا‎ ‎الكلام، حسين إذن (قد خلف العبء علي وولى). أشركني حسين في هذا ‏المجد، ماذا أقول،‎ ‎ماذا اكتب إذن؟ جاء الإلهام مرة واحدة شيدت كلامي كله الذي كتبته للفيلم ‏الموعود من‎ ‎صلتي بعبدالعزيز التي بلغت آنذاك بضعاً وعشرين سنة، لذلك حين بدأنا التصوير، ‏وكان‎ ‎في بيت أهل حسين في ود نوباوى كان عبدالعزيز يحدث الكاميرا والمايكروفون بكلام هو‎ ‎خلاصة أحاديث رواها لي، قد يكون قد نسيها، ولكنها جعلت إليه تعود كلمة، كلمة بصوته‎ ‎الدافئ ‏في الحديث. كان يحدث الكاميرا يقول (تعرف يا حسين اهلك من يوم ما ولدوك‎ ‎خاتين عينهم عليك، ‏عايزنك تبقى حاجة تقوم تطلع فنان؟، بفتكروا الفن عمل صياع لكن‎ ‎تحت، تحت، بطربوا ويرقصوا. ‏
كرومة خلا حياة الناس بهجة، قهاوي السودان كلها تملا‎ ‎وتفضى بى صوتو، السباته في كل بيت ‏عرس مليانة عشان كرومة، الناس كانت تباريه طول‎ ‎الليل من محل لمحل، تعبنا نحن كمان عشان ‏نصل الإذاعة، المنافسة حادة قدامنا كان‎ ‎الكاشف وعبدالحميد يوسف واحمد المصطفي، وحسن ‏عطية والتاج، عثمان حسين والشفيع، عشان‎ ‎تظهر لازم تجتهد، زملاءنا كلهم كافحوا قبلنا كفاح ‏شديد لحد ما وصلوا،
مرة كنت عملت‎ ‎فاصل غنائي في الإذاعة القديمة، وأنا طالع في الباب قابلت ‏واحد يشبهنى جداً، اسود‎ ‎زي الكحل عريض سمين، واهم من ده كله اصلع، كان شايل عود وداخل ‏الإذاعة، لما شفتو‎ ‎ضحكت ضحك شديد. قال لي: مالك ؟ قلت ليه: أوعى تكون جاي تغنى، قال ‏طبعاً! قلت ليه‎ (‎اسمع، أنا لما دخلت الإذاعة كان عندي شعر زي أولاد الهنود، قامت لي صلعة من ‏الغنا،‎ ‎هسع إنت داخل الإذاعة بى صلعة جاهزة؟ شيل شيلتك)!

كان عبدالعزيز ينتظرنى بعد صلاة‎ ‎الفجر لنذهب إلى التصوير، لعله كان يحس دنو اجله، كان يحثنا على العمل، وسجل‎ ‎الأغنيات، ‏وحين انتهى التصوير، اطمأنت نفسه، وسافر حسين إلى واو وإلى كادوقلى‎ ‎بعدها، يعد فيلماً آخر، ‏وفي أمسية السبت الرابع من أغسطس 1984، والمطر يحيط‎ ‎بكادوقلى، ويضرب على سقف ‏الاستراحة وجدرانها، ما علموا ساعتئذٍ أن قطراته تنبئهم‎ ‎أنها دموع تذرف على العزيز الذي مات. ‏

"الكمونية أخت العذارى"‎

كانت اجمل الأغنيات تؤدي في الجلسات أو القعدات‎ ‎تكون في وداع صديق أو استقبال صديق، ‏أغنيات فيها حرية كمثل الحرية في الأمكنة‎ ‎الفساح، بعيداً عن لجان النصوص التي كانت، في أكثر ‏الأحوال، تجتمع وتنفض لترفض كلمة‎ ‎بعينها أو قصيدة كاملة .. وكنت أحضر كثيراً من هذه ‏القعدات بتنظيمها الدقيق، وكأنها‎ ‎ملاذ الفنان عبدالعزيز محمد داؤود، تصير فيه روح الفن ‏الرومانسي فيختلف إلى الغاب‎ ‎من ضجيج المدن والثقلاء ورسميات الأمور، حقا كان عبدالعزيز ‏داؤود، ربما عهد صباه،‎ ‎مولعاً بالطعام، وقد نسج الناس حول هذا الأمر حكايات عدداً، غير أن اكثر ‏هاتيك‎ ‎روايات فيها مبالغة، أو مغالاة، أو إسراف، يقولون انه في قعدة ما في الحتة الفلانية‎ ‎أكل ‏عبدالعزيز خروفاً، اعترف لي مرة، عبدالعزيز، إنه أتى علي صاج كبير من اللحم‎ ‎الشهي في بيت ‏عرس وقد شاركه (بالعزف) علي محتويات الصاج أحد الموسيقيين، هو بالواقع‎ ‎كثير الحديث عن ‏الطعام، يصفه وينتخب أطايبه كل حين يختلف فيه إلى السوق .. وذات يوم‎ ‎وكنا علي أطراف سوق ‏الموردة قطع علينا الطريق قطيع من الخراف، فأوقف السيارة‎ ‎احتراماً للقطيع وأعجبه خروف ‏فتسمرت عليه عيناه وسط القطيع، وكان خروفاً بني اللون،‎ ‎تمعن في ذلك اللون، ونبهني ‏عبدالعزيز إلى انه (خروف كموش)! ضحكت وهو صاحب تشبيهات‏‎ ‎لا تنسى .. اذكرها فيما يخص ‏صنوف الطعام، مثلاً كان يشبه الكستليتة بمضارب البنق‎ ‎بنق، ويقول عن الكمونية (كمونية أخت ‏العذاري)! لا اعلم لم اسماها كذلك، ولم أساله‎ ‎عن ذلك أبدا .. لعلي قد اكتفيت بطرفة التعبير‎!!

كانت القعدات أيضاً مكان‎ ‎تجارب موسيقية وغنائية مدهشة، اعتاد بشير عباس أن يصاحب بعوده ‏عبدالعزيز في أغنيات‎ ‎لمطربين آخرين .. فما من جلسة حضرها بشير عباس إلا وقدم عبدالعزيز ‏فيها رائعة‎ ‎إبراهيم الكاشف‎ ‎(المقرن في الصباح) لخالد أبو الروس‎ ..

الروض بسم‎ ‎والطير غرد‎ ..
والطقس لا حر لا برد‎ ..
الشمس إبان الشروق‎ ..
أنا و الحبيب‎ ‎نجلس نروق‎ ..
وسط الزهور العاملة روق‎ ..

ويشجينا أيضا بأغنية محمد عوض الكريم‎ ‎القرشي وعثمان الشفيع (رب الجمال) وأولها (المالك ‏شعوري، أنا لي فيه آمال، رب‎ ‎الجمال) وكانت رب الجمال هذه ورب السعادة و سائر القرشيات ‏اللائي يسميهن الجمهور‎ ‎عاشق الغناء (الأرباب) قد وجدن من وقف لهن في الإذاعة بالمرصاد ‏فصارت رب الجمال (‎رمز الجمال) وشتان ما بين هذه وتلك، أعلم انه لو عاش هؤلاء القوم في ‏العصر العباسي‎ ‎لقتلوا بشار بن برد انه قال (ربابة ربة البيت) ومن لجان النصوص والمسؤولين ما ‏يقارب‎ ‎أن يشابه محاكم التفتيش‎.

كان عبد العزيز صديقا لعباس بشير والد بشير عباس،‎ ‎ولعبد العزيز حبال صداقة وود مع كثير من ‏أهل حلفاية الملوك، ما تصرمت، وكان كلما‎ ‎سافر إلى بلد في أنحاء السودان وفيها عباس بشير إلا ‏زاره وأقام عنده، وفي 1956 حل‏‎ ‎عبدالعزيز مدينة سنار، وكان عباس بشير يعمل موظفاً بها، ‏وبشير بدأ حياته العملية‎ ‎هناك موظفاً بمصلحة الري، وكان عبدالعزيز قد جاء لحفل يقام في دار ‏السينما، ويعلم‎ ‎أن لبشير بدايات موفقة للعزف علي العود، فطلب إليه عبدالعزيز أن يصاحبه ‏بالعزف،‎ ‎وتلك كانت أول مرة وحدثني بشير عباس فذكر أن أول أغنية عزفها في ذلك الحفل كانت ‏هي‎ ( سمير الروح) من نظم الشاعر الملهم عبدالرحمن الريح‎..

ولم تعد مدينة سنار‎ ‎تفي بأغراض بشير عباس الفنية وأشغاله .. فانطلق إلى الإذاعة بعد ذلك بعام ‏أو عامين،‎ ‎ولعل مصاحبته عبدالعزيز علي العود قد كانت إجازة فنية فتحت له أبواب الإذاعة، عين‎ ‎في مطالع يوليو 959ام سكرتيراً لأوركسترا الإذاعة، وفي واقع الأمر فقد كانت أخريات‎ ‎الخمسينات ‏وبدايات الستين تؤذن بعهد جديد في تطور الموسيقي والموسيقيين في السودان،‎ ‎كانت طريقة ‏بشير عباس في العزف علي العود تنبئ عن تأثر بليغ بالموسيقي العربية‎ ‎والمصرية بوجه خاص، ‏ولكن بشير عباس لم يستسلم لذلك الأثر، بل أفاد منه، ولم يجعل‎ ‎نفسه محل استسلام وخضوع لتلك ‏الموسيقي، فخلط ذلك التأثر بتربية فطرية سودانية‎ ‎صميمة، هي التي نسميها دون كثير حذر ‏طريقة بشير عباس، تحسها في‎ ‎موسيقاه وفي لحون‎ ‎الغناء التي صنفها، وكان عهد ظهور بشير ‏هو عهد جيل الموسيقيين من أمثال عازف الكمان‎ ‎محمدية الذي تأثر أو قل تعرض لذات المؤثرات، ‏وبأسلوب عبدالله حامد العربي أولاً، ثم‎ ‎درس في معهد الموسيقي في مصر وأجاد الأسلوب الشرقي ‏ولم يفقده ذلك موروثات الكمان‎ ‎السوداني من لدن السر عبدالله وحسن الخواض وسائر الذين .. ‏منحوا الكمان سيدة الآلات‎ ‎الموسيقية طراً، جنسيتها السودانية‎ ..

سافر بشير عباس عام 1961م إلى القاهرة‎ ‎بصحبة عبدالعزبز داؤد، كان هناك حسن خواض ‏وبابكر محمد احمد وبرعي محمد دفع الله‎.. ‎ويذكر بشير انه وفي وجود برعي ربما لم تكن هنالك ‏من حاجة كبيرة إلى سفره إلى مصر مع‎ ‎الفرقة، ولكنه يبرر هذا أن عبدالعزيز كان بعيد النظر ولعله ‏عزم علي أن يمنح بشيراً‎ ‎فرصة (للتدريب) علي حد تعبير بشير عباس .. وقال انه حمل معه وعلي ‏استحياء أول لحن‎ ‎له هو أغنية (أشوفك) التي نظمها عبدالله النجيب لتكون بكورة تعاونه مع ‏عبدالعزيز‎.. ‎كان بشير يخشى أن يهمل عبدالعزيز شان أغنيته، ولكن عبدالعزيز تحمس للأغنية ‏وغناها‎ .. ‎ويعتز بشير بذلك كثيراً، إذ كان عبدالعزيز منذ بداياته قد قدم ألحانا رصينة‎ ‎السبك، جليلة ‏الصوغ، مثل هل أنت معي وفينوس وصبابة وغيرهن من ذاك العقد النضيد‎ ‎المتلالىء‎ ..

في الجلسات حيناً بعد حين، تكون النكتة سيدة الموقف، وقد تاخذ‎ ‎مقاماً قريباً من الغناء، وقد تنبثق ‏فجأة رغم كل شىء، وقد يحكي عبدالعزيز لي ملحة‎ ‎أو نكتة انشأها أو سمعها ويريد أن يسردها ‏علي طريقته الفريدة يأتي إلى مكتبي في‎ ‎الصباح البكر يقول (سيد علي أنا جاييك بي واحدة بت ‏كلب) اقول له (طيب نسمع) ينطلق‎ (‎طبعا انت عارف اليومين دي الرعاة بقي عندهم سوق ‏وبيهاجروا كمان، عشان كدة اسعارهم‎ ‎عالية، المهم في واحد كان عنده خمسة غنمايات، قال احسن ‏يوديهم للراعي، قام مشي ليه‎ ‎وقال يا سيادتك تاخذ كم في الشهر وترعي الغنم ديل؟ صاحبنا ‏الراعي قال ليهو والله‎ ‎انت عارف اليومين الحكاية قرصت معانا شوية، يعني حنأخد منك مية جنيه، ‏كل غنماية بي‎ ‎عشرين جنيه! صاحب الغنم ضحك كدة وقال للراعي: عندى سؤال واحد الكتب علينا ‏ولا عليكم‎ ..

حين اتجه عزمنا إلى تسجيل أغنيات الحقيبة، كتبت خطاباً حول هذا الموضوع‎ ‎إلى الاستاذ محجوب ‏عثمان، وكان وزيراً للثقافة والاعلام عصرئذ، فوافق علي الفور‎ ‎وأول أغنية سجلها عبدالعزيز فيما ‏اذكر كانت (عروس الروض‎) ..

سارعي من قبل‎ ‎يشتد الهجير بالنزوح‎
واسبحي ما بين طيات الاثير مثل روحي‎
راذا لاح لك الروض‎ ‎النضير فاستريحي‎

وهي قصيدة للشاعر الياس‎ ‎فرحات، وكان زنقار قد جعلها طرفا من تراث الغناء السوداني ‏فانتشمرت، في زمانه‎ ‎انتشاراً شديداً، وقد كان الفنان الممتاز زنقار من الفنانين الذين يكن ‏عبدالعزيز‎ ‎لهمم وداً شديداً، وكان معجباً به اشد الاعجاب، واذكر انها حين انتشرت بصوت‎ ‎عبدالعزيز وكلما سمعها صديقنا الموسيقي علي ميرغنى، بكي لفرط التأثر بالاداء‎ ‎الجميل، وسجل ‏عبدالعزيز ضمن هذا المشروع أغنيات عدداً، كنا نامل بالطبع أن تزيد‎ ‎ولكن تراكم الاشغال حان ‏دون بلوغنا ما كنا نروم، أما أنا فقد كان من دافعي كمستمع‎ ‎أن ينعم المستمعون كافة بسماعهم ‏غناء عبدالعزيز اغنيةصالح عبدالسيد ابو صلاح وكرومة‎ (‎كم نظرنا هلال) وقد سمعته يغنيها فيما ‏يشبه الاعجاز وكنت كثير الحديث عنها، في‎ ‎واقع الأمر، ما أزال، ويسألني الأصدقاء مداعبين ‏ولماذا كم نظرنا هلال، وانت مفرط في‎ ‎تشجيع المريخ؟ والرد عندي: لله في خلقه شؤون‎ ..

وطرفة أخري، قال عبدالعزيز‎: ‎انه عاش في زمن ما شاب (درويش) يعتقد الناس أن فيه بركة، ‏وكان اذا قال مثلا (خالي‎) ‎يموت خاله في اليوم التالي، واذا قال (عمتي) تموت عمته في اليوم ‏التالي، وهكذا وكان‎ ‎أهله يخشون هذا كثيراً وفي ذات يوم وأهله كلهم في البيت صاح فيهم (ابوي)! ‏وفي اليوم‎ ‎التالي مات جارهم‎!!

اللهم قد اخترت عبدالعزيز إلى جوارك، اجل لكل اجل كتاب،‎ ‎اللهم أن كان مسيئاً فتجاوز عن ‏سيئاته، وما كان عبدالعزيز كذلك، اللهم أن كان‎ ‎محسناً فزد في احسانه، وبالمعنى الذي نعلم فقد ‏كان براً بنا؟ عف اللسان، وعلمت من‎ ‎بعد أن مات انه كان يخرج إلى سور جامع ام درمان الكبير ‏عقب صلاة الفجر كل يوم جمعة،‎ ‎ويوزع علي المعدمين الفقراء عند سور الجامع مئات الارغفة .. ‏حدثني بهذا صديقي حسن‎ ‎يحي الكوارتي‎ ..

كان الغبار مساء السبت الرابع من اغسطس 1984، يشيع معنا‎ ‎اعذب الاصوات في تاريخ هذا ‏الوطن غير مدافع، دونما ضجة، أو ثرثرة في الصحف، هو اعذب‎ ‎الاصوات في تاريخ غناء ‏السودان غير مدافع، اقولها لا ارجو تأييداً من احد، ولا‎ ‎تعضيداً، واري الان بعض اصوات ردىء ‏الغناء تريد لتثري من أغنيات عبدالعزبز، من‎ ‎هؤلاء من حاكي مذهبه في الاداء، يصيبني عمله ذاك ‏بتعاسة غامرة اقول لهذا أن انشاد‎ ‎عبد العزيز‎:

بهديها روحي تقسما‎
بدل الزهور في‎ ‎مواسما‎
مهما النفوس قدرن سما‎
دي الفي القليب ممضي اسما‎

والتي ينشدها باسلوب الرميات الحر، مثل ما عهدنا‎ ‎من أيام سيادة غناء الحقيبة لم تصطنع (رمية) ‏قي واقع الأمر وانما هي أغنية لها لحن‎ ‎معروف وتؤدي به وهي أغنية (لي نيه في قمر السما) ‏لسيد عبدالعزيز، وقد تصرف‎ ‎عبدالعزيز في ادائها وجعلها مطلعاُ ينشده بحرية، وهو أمر لا يقدر ‏عليه إلا صاحبه‎ ‎الذي ابتدعه، والله تعالي اعلم، ثم هل يقلد مذهب في الاداء؟ ثم أن بعض اهل الفن‎ ‎الشعبي اسلموا لحونه (لكركبة) الايقاعات المنفرة، تصور لقد سمعت من يغني بتلك‎ ‎الايقاعات ‏المنفرة أغنية لبرعي وعبدالعزيز تعتمد اساساً علي استهلال موسيقي بارع،‎ ‎وعلي لازمات ‏موسيقية صعبة الاداء، تلك هي أغنية صغيرتي. والشيالون يرددون مع مغنيهم‎ (‎الشوق والاحلام ‏ما زالت تؤرق والسنين، هل كنت تعنين الذي ما تدعين، ما زلت اذكر‎ ‎خصلة عربيدة فوق ‏الجبين‎)..

فوزية محمد حسين زوج الفقيد، خلف العبء، بعضه‎ ‎وهو جله،عليها وولي، عزة وعزام التوأمان ‏يصعدان درج التعليم صعوداً متفوقاً، عمران‎ ‎اكبر الاولاد صار من اهل فنون الطباعة، كان ابوه ‏العظيم طرفاً من حياته، صفيفاً في‎ ‎مطبعة، وداؤد في دبى، وعلاء الدين في شموخه، وعايدة تعمل ‏في الإذاعة، وماجدة تغني‎ ‎لابيها فيما قد علمنا، وشجرة النبق في ذلك البيت تجود بما تقدر عليه، ‏وقد تجادت في‎ ‎صباها بثمر حلو وفير، وقريباً منها غطاء بئر المجاري، وكان المجلس البلدي قد ‏اصدر‎ ‎قراراً بأن تحفر الابار في كل بيت علي نمط هندسة المجاري الحديث، وجاء الحفارون إلى‎ ‎بيت عبدالعزيز وقد استبد بهم الطمع، قالوا له يا استاذ البير بتجيب مويه في البيت‎ ‎ده بعد ما نحفر ‏عمق عشرة رجال، والراجل بكلف ميتين جنيه! ضحك عبدالعزيز ثم قال‎ (‎و..بتحفروه بي كم)؟‎!!

واني مازلت اذكر والاسي بعضي وجلي وكلي والحزن تلك‎ ‎الليلة الرابعة من شهر اغسطس ‏‏1984م، والغبار ينشر الاسي، والمقبرة ذات الظلام واهل‎ ‎الفن قد تركوا الغناء للبكاء، اذكر أن ‏واحدا من المغنين المعروفين كان يغنى علي بعد‎ ‎خطوات من بيت الاسي في حفل عرس ليلة دخلت ‏الأمة (بيت الحبس) من قال أن الفن غير‎ ‎الاخلاق؟‎

imported_فيصل سعد 04-10-2011 05:22 AM

خمس قصائد لـ غارسيـا لوركــا ...
ترجمة على المك


(1)

أغنية ماء البحر

البحر من بعيد يبتسم
أسنانه زبد
والشفاه من سماء
وأنت يا فتاة كدرة المزاج
خداك صوب الريح
ما بضاعتك ؟
سيدي :
أني أبيع ماء البحر
وأنت أيها الأسمر الفتى
ما الذي لديك بالدماء يمتزج ؟
سيدي
ذاك ماء البحر
وأنت يا أماه
من أين تأتي دموع الملح ؟
سيدي
أنما أبكي بماء البحر
ويا قلب وانت،ثم هذا القبر
من أين ينبع الأسى ؟
أجاج ماء البحر
البحر من بعيد يبتسم
أسنانه زبد
والشفاه من سماء

imported_فيصل سعد 04-10-2011 05:23 AM

خمس قصائد لـ غارسيـا لوركــا ...
ترجمة على المك


(2)


غرة الصباح
وكمثل الحب
فالرماة عميان
في الليل الأخضر
آثار السهام الدافئات زنابق
سفينة القمر
تحيل السحاب مزقا
والكنانات ملؤها الندى
آه ، كمثل الحب
الرماة عميان

imported_فيصل سعد 04-10-2011 05:24 AM

خمس قصائد لـ غارسيـا لوركــا ...
ترجمة على المك


(3)

تضريعـات
مياه الهواء ساكنة
تحت غصن الصدى
مياه المياه ساكنة
تحت سعف النجوم
مياه ثغرك ساكنة
وتحتها من القبلات أجمة

imported_فيصل سعد 04-10-2011 05:25 AM

خمس قصائد لـ غارسيـا لوركــا ...
ترجمة على المك


(4)

أغنية المسافر

قرطبة
نائية وحيدة
مهر أسود ، قمر ضخم
وفي خرج السرج الزيتون
ورغم أني أعرف الطريق
فلا سبيل أبلغ قرطبة
عبر السهل ، عبر الريح
سهر أسود ، قمر أحمر
والردى إلى ناظر
من على قلاع قرطبة
آه ألا ما أطول الطريق
آه ، أيا مهري الشجاع
آه ، فذلك الموت ينتظر
قبل بلوغ قرطبة
قرطبة
نائية وحيدة

imported_فيصل سعد 04-10-2011 05:26 AM

خمس قصائد لـ غارسيـا لوركــا ...
ترجمة على المك


(5)

حقيقة الأمر

ما أعظمه من جهد
أن أهواك كما أهواك
بسبب هواك
تعذبني الأنسام و قلبي
تؤلمني قبعتي
من مني يبتاع وشاحي هذا
و حزني ذاك
وقد صيغ من الكتان الأبيض
كيما يجعله مناديل
ما أعظمه من جهد
أن أهواك كما أهواك

imported_فيصل سعد 04-10-2011 05:36 AM

كلمة اتحاد الكتاب السودانيين في حفل تأبين البروفسير على المك رئيس الاتحاد
قاعة الصداقة - الخرطوم مارس 1993م

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على خاتم النبيين.
السلام عليك أيها النجم العلي
السلام عليك يا علي
يا ابن مدينة من تراب
من التراب وها أنت إلى التراب تصير
( وجاءت سكرة الموت بالحق، ذلك ما كنت منه تحيد )
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
سلام عليك.
فها أنت قمر، بدر جالسا في فناء قبرك، في مدافن البكري تحيط بك كواكب من دعوات المحبين، وصلوات الخاشعين الذي أحسنوا الظن في المولى، يستمطرون الرحمات عليك من لدن الرحمن الرحيم
وها أمدرمان وما وسعت
وليلها وما وسق
وقمرها إذا اتسق
والنيل زرقة وابيضاضا
ونفرة وازورارا
ونون
والقلم وما يسطرون
وحنين الكمنجة، وصهيل الساكسفون
ونواح الناي في مساء أمد رماني حزين
والهلال والمريخ، ودراري الحقيبة
وذرى المنابر، والكاوبوي الأخير
والصوت الشجي المنطلق وعلا في البرية
كلهم يقرءون السلام، وترد التحية
فعليك السلام
وعليك السلام
يا سليل الشمس والغبار
والعبق الصوفي المنبعث من طارات المُداح
وألوان الشرافات وأريج الدواة وأوراق الصحف وأحبار المطابع
يا ذا الشجن النبيل في اصطبار أساطين العلم
وأرباب الصنائع، والمهرة والحُذّاق،
يا صديق المتعبين والعاشقين والشماسة والمتكسبين
يا حبيب الذين تعرفهم بسيماهم، ممن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف حين تبرهم، وتزورهم بليل فتمسح دمعة وتوقد شمعة
يا أنيس المتفردين والمستوحشين، والمغلوبين على أمرهم والمأزومين.
يا رفيق المحزونين بأحزان الوطن وهمومه الكبرى.
سلام عليك في زمرة النفوس الكبيرة التي تعبت في مرادها الأجسام
سلام عليك يوم ولدت
وسلام عليك يوم مت
وعليك السلام يوم تبعث حيا إن شاء الله
تزفك رحمة الله إلى عليين
سلام عليك شاعرا وناثرا، وكاتبا وناقدا وقاصا وروائيا ومحدثا ومعربا ومترجما وموسيقيا ورياضيا وقائدا ورائدا ورئيسا لاتحاد الكتاب السودانيين
ثم ما أدراك ما اتحاد الكتاب السودانيين

حين نبت اتحاد الكتاب السودانيين فكرة، كان ذلك بعض همه، فنشط له بهمته ودأبه اللذين نعرف حتى صار الاتحاد جل همه، فاستقام الاتحاد مؤسسة ترأسها خالد الذكر جمال محمد أحمد، ثم ما لبث أن مات جمال بعد عام واحد فانتخب على المك رئيسا بنهاية عام 1986، فصار الاتحاد كل همه. ثم بدأبه وجسارته وحسن علائقه وقيادته، صار للاتحاد دارا.
لقد كان حلمه الذي سعى إليه طويلا وتحقق واقعا وجود اتحاد جامع شامل لكافة الكتاب السودانيين على اختلاف مدارسهم الفكرية ومناهجهم الإبداعية يحس كل منتم إليه حرية في التعبير ووشيجة قربى تربطه بأخيه ومنبرا وملاذا، قبل ذلك كنا طرائق قددا.

ثم بالتواضع الجم والإيثار والدأب والمثابرة والحفاظ على روح الجماعة والاهتمام الصبور، مواصلة لجهد قديم في رعاية الكتاب الشباب وإتاحة الفرصة لهم وتطويع أنظمة الاتحاد الإدارية بما يحقق هذا الهدف ونشر مظلة الحماية عليهم والرعاية حتى لو تعثر قلم شاب سوداني بالشام لوجد نفسه مسئولا عنه لِمَ لم يمهد له الطريق.
ذاك منهجه وذا أسلوبه في الإدارة، ما غره منصب ولا استبد برأي ولا غضب لاختلاف وما ضاق ذرعا بمتحدث، العدل سجيته والإنصاف في اسماحية ما شابها تصنع ولا رياء.
في عهده المورق، خرج الاتحاد خارج حدود الوطن، ليحقق وجودا إقليميا ودوليا فاعلا على مستوى العلاقات الثنائية، مع اتحادات فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والكويت والجزائر وتونس والإمارات العربية.
وعلى مستوى القارة الأم، ساهم الاتحاد في تأسيس الاتحاد العام للكتاب الأفارقة، وشرع في إقامة علاقات ثنائية مع الكتاب السنغاليين والغانيين والكينيين.
وعلى المستوى العالمي تم إعادة مركز السودان مجددا في قلب اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا، وصلا لجهد بدأه طيبا الذكر الأستاذان محمد المهدي المجذوب وعبد الله حامد الأمين وقد كان أن انقطع ردحا من الزمن.
وتمت علائق متينة مع منظمة PEN العالمية ومع الأمم المتحدة حيث شارك الاتحاد في مؤتمراتها للمنظمات غير الحكومية بجنيف واكتسب الاتحاد عضوية المجلس القومي للثقافة العربية واكتسب الاتحاد وجودا في المجلس الاستشاري لمجلة الوحدة التي تصدر عنه.
هذا إضافة إلى الصلات التي نشأت بين الاتحاد وبين الكتاب من أمريكا وألمانيا والسويد وانجلترا وفرنسا والاتحاد السوفيتي سابقا وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا

إن الاتحاد ليفخر أن كان له في عهد المضيء سعي نبيل مع آخرين حيث تم بتوفيق الله، ثم بالجهود الخيرة، توحيد الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين بعد انشقاق حاد كاد يهدد بشق منظمة التحرير الفلسطينية نفسها.
هذا بعض مآثره وأسلوبه حين تصدى لقيادة مؤسسة الدولة للسينما وهي وليدة حتى استقامت على سوقها يومذاك، وهو هو إذ يدير دفة أكبر دار نشر في السودان – دار نشر جامعة الخرطوم.
هذا في صعيد إدارة العمل الإبداعي وهو فن قائم بذاته وعبء لو تعلمون عظيم، وموهبة لا يلقاها إلا الذين صبروا، ولا يلقاها إلا ذوو الحظوظ العظيمة.
على أن كالشمس من حيث التفت رأيته، يهدى إلى عينيك نورا ثاقبا.

كون من الألوان وكنز من التنوع المستمر وبحر دفاق من المعارف على ما يربو عن الثلاثة عقود.
إن اتحاد الكتاب السودانيين وهو يفقد واسطة عقده، وجوهر صدر محافله لمرزوء ومكلوم، وأن العين لتدمع وان القلب ليحزن، ولا نقول إلى ما يرضي ربنا، وكلنا لفراقك يا علي لمحزونين.
ولكن لابد من السمو عن الحزن وتجاوزه إلى المعاني العظيمة التي نذر الفقيد نفسه لبلوغها.

ها نحن أحبابه وأصحابه وأهله وعشيرته، أصدقاؤه وزملاؤه من أهل هذه الأمة الطيبة وفي هذه الحضرة السنية ونحن نعدد مناقبه ونذكر أفضاله وأياديه، نكاد نسمع حفيف أجنحة روحه ترف من حولنا ضاحكة مستبشرة، والسودان كله نظر إلينا ونحن نبادله حبا بحب ووفاء بوفاء وعرفانا بعرفان وها نحن والحضور أمة من أهل الرأي والفكر والشعر والسياسة والعلم والأدب، ها نحن والوطن كله ممثلا في اللجنة القومية لتأبين الفقيد وبأجهزته الرسمية والشعبية في هذا الاحتفال القومي، العابق بالوفاء والبر لابن البلد، فإن هتفت في مسامع الأمة أن ردوا لاتحاد ا لكتاب داره، تردون بعضا من روح على المك، فهل أنا في ذا يالهمذان ظالم ؟

كان من بعض ما اختار على المك في كتابه مختارات من الأدب السوداني، وبحسه المرهف وببصره الثاقب الدقيق، مقالة لمحمد عشري الصديق بعنوان ماذا وراء الأفق، يعود تاريخ المقالة إلى الثلاثين من أكتوبر عام 1929م وهو يتحدث عن السودان، جاء فيها:
(أليس من الواجب علينا أن نحب هذا البيت العتيق ونحترم ماضيه على ما فيه من عيوب ؟ إن الابن البار لا يكره أباه لأنه ليس كاملا بل يحترمه لذلك، إن الحيوان ليحن إلى وطنه الذي نشأ فيه وترعرع، وإن الطير يهفو قلبه إلى سكنه ولا يهدأ له بال حتى يرجع إليه.
وهذا وطننا الذي ننعم بالعيش فوق أرضه وتحت سمائه ونشرب ماء نيله القديم كقدمه ونأكل نبت أرضه ونشقى بما يشقي ضميره ويكرب نفسه الحزينة، أليس من عرفان الجميل أن نحترم هذا ا لوطن المقدس ؟ هذا الوطن الجاثي طوال خمس آلاف سنة، يرمق شمس سعادته ولما ينشق عنها المشرق، ودموعه تنحدر على خدوده الكئيبة وآلامه تقرح كبده الحرى، يطلبنا في توسل وبكاء أن نزيل ما به من ضير وان نقيمه على قدميه، إنه عظيم في بؤسه العظيم لأنه غالب كروب الأيام والعصور، يحتضن أمله الخالد في بنيه الفانين.)
ويسترسل محمد عشري الصديق في مقالته فيقول:
لا يزال كثير مما يجب أن يعمل ناهضين،فيه للآن، فعلى من تقع تبعة هذا التكاسل ؟ تقع على الشباب الذين يدعونهم ناهضين، وعلى الشيوخ الذين يسمونهم حكماء.
وإني الآن لأتصور هذا السودان طفلا جباراً يغالب النعاس ويتمطى ويحاول التيقظ. ومن قال لنا أنه ليس بأمة فليس ذلك بمانع أن يكون كذلك في وقت قريب.

فلا اختلاف أديانه، ولا اختلاف عاداته، ولا اختلاف شعوبه ولا اختلاف أجوائه وظروف المعاش فيه بحائله دون تحقيق هذه الأمنية العذراء، وليس يمكن أن تكون الأمم في بدء تكوينها غير ذلك، فالمصالح المشتركة والتفاهم المتبادل، وأحداث التاريخ، تقرب شقة الاختلاف وتصل الأبعدين برباط متين. وليعلم أبناؤه أنه قد آذنت شمس نهوضه ورقيه بالبزوغ وان لها لفجراً رائعاً، فإذا ما تكاتفوا، واتبعوا غرائزهم العاقلة ووحي ضمائرهم وعملوا في سبيل إصلاحه أدبيا وماديا أوصلوه الذروة العالية من العظمة والمجد.

وليعلما أنهم في زمن فريد وتحت تجربة صارمة يختلط الأوائل فيها بالأواخر وينال كل ما تؤهله له قدرته وسعيه فمن ذا الذي يعاهدني باستخدام فكره وقلمه وينزل إلى ميدان الإصلاح مضحياً براحته وملذاته ومصلحته في سبيل السودان.

فلنعمل إذا، ويجب أن تكون خطة العاملين، وضع الأشياء في مواضعها فإن الظواهر خداعة وكثيرا ما تزيغ البصر عن النظر إلى الأشياء نظرا صحيحا، ويجب أن يقال للمصيب أصبت وللمخطيء أخطأت، والحق حق ولو ثوى بين الأكواخ، والباطل باطل ولو نشأ بين القصور وإن الباطل قد يعلو الحق حينا، ولكنه لن يعلوه على توالي العصور وليعلموا أنه في الفوضى يكثر المستبدون ويخبط الخابطون فما يفلحون ).

تلكم مقالة محمد عشري الصديق قبل نيف وستين عاما، فما أشبه الليلة بالبارحة.

من الوفاء لعلى أن ننهض ببعض ما نهض ونشهد أن هم الثقافة همه وأمر الكتاب هاجسه وكان يسعده وهو يرى آلاف الورود تتفتح في شتى الألوان، فما تعصب لمدرسة أو حزب أدمي وكان نحلة يشتار في صنوف الورود والأزاهير، ثم يخرج لنا عسلا مصفى لذة للشاربين في فن رفيع، وتوضع أصيل وبيان بديع.

يستطيع اتحاد الكتاب لو أعين بحق أن يضطلع بتوثيق ما كتب على وتحقيقه ونشره ويستطيع أن يعين اللجنة القومية لتأبين الفقيد بما يملك، ولعل الاتحاد يهيب باللجنة القومية أن تجلس معنا للتفكر في أن نجعل من هذا الجهد الرفيع البديع أن يتحول إلى ظاهرة ثقافية كل عام لتخليد الأدباء والكتاب بالبحوث والدراسات وطبع كل ذلك في سفر يليق.

إننا نستصرخ الأمة أن تلتفت هنيهة فتعيد لنا دارنا ويلتئم شمل سامرنا للنهوض بالعبء الثقافي لهذا الوطن المتنوع الثقافات والمشارب، وسيتحقق هذا بالصبر والمكابدة والدأب والإخلاص وسيتحقق هذا على كل حال. إن لم يكن اليوم فغدا، وإن غدا لناظره قريب.

ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، وقد أسمعت و ناديت حيا.

وبعد،

سلام عليك أيها النجم العلي
يا ابن مدينة من تراب
من التراب أتيت، وها أنت إلى التراب تصير
مضجعا في فناء قبرك
تتردد حولك أقوال أعمى المعرة البصير
(ضجعة الموت رقدة يستريح الجسم فيها، والعيش مثل السهاد)
فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون

اللهم إنا جميعا كنا نحب علي المك، الله فأحبه
اللهم إن عليا عندنا كان محسنا، اللهم فاجعله محسنا عندك وزد في إحسانه
اللهم إن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته
اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده
اللهم اغفر له وارحمه وأكرم نزله وأحسن مثواه
اللهم انزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين
وصل اللهم وسلم على محمد وعلى آل محمد في العالمين، إنك حميد مجيد


عالم عباس محمد نور
باسم اتحاد الكتاب السودانيين

imported_فيصل سعد 04-10-2011 05:43 AM

" احد أصحاب الرسالات علي المك"

يوم 10 أكتوبر توافق مع عيد ميلاد دياب أبن مجدي الجزولي وانشغال الأخ عبدالاله وها أنا ذا اكتب عن أمير أبناء أم درمان. في سنة55 انتقلنا من حي الملازمين إلى زريبة الكاشف شارع الركابيه , الحارة الأولى المربوعه التاسعة. وشارع الركابيه يأتي من قلعة صالح جبريل مارا بمنزل العم عوض عمر الإمام الذي كان حينها يقرا القران في الاذاعه عابر شارع الوادي المرصوف. ومنزل الشيخ مرسي صاحب الحوليه المشهورة. ثم منزل العم كاورو شيخ الدباغين. إلى أن يلتحم مع شارع كرري والحي المحصور بين شارع الركابيه وشارع الترام عرف بالركابيه. الركابيه يرجع نسبهم لركاب بن غلام بن عايز وهو من ميناء مخا في اليمن. أول مره أشاهد على المك كان في حولية الشيخ مرسي ووقتها لم يكن الذين كانوا في نهاية لتعليم الثانوي بتلك الكثره الا ان علي المك كان مميزا. ورسالته كانت ان يكون في علاقة جيده مع كل البشر من متعلمين وأميين وحرفين وخضرجيه وجزمجيه وفنانين ودكاتره. ولقد ارتبط اسمه بالوسيله وكنت احسبه من نفس الاسره إلى أن صحح لي محمد محجوب عثمان هذه المعلومة. فمحمد محجوب من جيل علي المك.
و كما تأثر علي المك بالوسيله. كان مكاوي سليمان اكرت هو الاب الروحي للاثنين. ومكاوي هو أول مدير لمديرية كردفان واول ضابط لمجلس بلدي ام درمان ودفعة خليفه محجوب في مدرسة الاداره, هؤلاء هم الجيل الثالث في مدرسة الاداره والذين استلموا ادارة السودان بعد السودنه منهم العم حسن قرين الذي يرجع صله للابيض. مكاوي هو خال الوسيله وعرف بحبه للإطلاع وقراءة الأدب الإنجليزي وهو الذي شجع الوسيلة وعلي المك لدراسة شكسبير ولورد بايرون وكان هنالك بارا باسمه يأمه المثقفون في الخرطوم. والوسيله بدوره خال الدكتور خالد مبارك مصطفى والدكتور مصطفى مبارك مصطفى الذي هو مؤلف مجموعة القصص القصيرة الدرس الأخير للبصيرة ام حمد والذي اعتبره خير من يكتب القصة القصيره في السودان وهؤلاء تأثروا بالوسيله وعلي المك. فقد كان هنالك ارتباط وثيق بين الوسيلة وعلي المك وليس لأنهم فقط من نفس الحي والقبيله. وكان الاثنان يشاهدان سويا حتى في أيام الاختفاء ولهم صداقات حتى بعصمت معني الذي كان ضابطا في البوليس ويسكن جنوبا مكي ود عروسه وقديما في ام درمان كان الجميع اهلا . و لقد استأجر سمير جرجس وبعض الشيوعيون منزلا من ضابط البوليس قرشي فارس في حي البوسطه الذي كان يعرف أنهم شيوعيين وكان يتواجد فيهو معهم علي المك. وفي السرية وفي أيام الاختفاء انتقلوا إلي حي أبو كدوك وسكنوا في جزء الخلفي لمنزل أسرة سودانية وعلى المدخل تربط بقره كبيرة وبعد أن انتقلوا أتى أحد الكوادر السرية من الأقاليم لم يكن ملما بالتطورات فأقترب منه احد الصبية الذين يلعبون الكره وقال له بهمس" الزملا رحلوا من هنا" والزملاء كانوا يحسبون أنهم يرتدون طاقية الإخفاء. رسالة علي المك أن يعلم ويثقف كل الناس ويعطي علمه وأدبه للجميع. ولم يكن نخباويا. عندما كان والدي يرسلني لشراء السجك مساءا وكان يصر أن اشتريه من محجوب حمد. و كثيرا ما كنت أجد علي المك مع محجوب حمد. ومحجوب حمد هو أول إنسان يؤسس جزاره حديثه ببرادات ومعدات حديثه ومكانه على بعد خطوات من سينما برامبل (قديس) في نهاية شارع الأربعين. محجوب حمد هو شقيق مصطفى حمد حارس مرمى المريخ بعد ود العازه وهاشم محمد عثمان ورفعت وعبد العزيز عبدا لله والآخرين.

فاروق حمد قتل شخصا في مشاجرة وجه له ضربه بالخيزران على رأسه فقتله. ونقطة التحول في حياته انه التقى بالشفيع في السجن فتعلم على يديه القراءة والشعر والأدب والسياسة ثم صار صديقا ولصيقا لعلي المك وتغير دوره من جزار عادي إلى شخصيه ام درمانيه مليئة بالعطاء والفهم والثقافة.

وإذا لم يلتقي بالشفيع ويحتضنه علي المك والآخرين فمن الممكن انه سينحرف في السجن أو يعود ليكون جزارا عاديا في أم درمان بدلا من مثقف يشار إليه بالبنان.
من الذين قدموا كثيرا في هذه المجال صديق علي المك وابن الموردة والذي هو اكبر سنا من علي المك الرائع أنور زاهر الساداتي شقيق الدكتورة خالده وهلال وأمير وآخرين. فقد أخذا على نفسيهما مهمة تعليم تثقيف الآخرين في السجن وخارجه. وتحول كثير من عتاة المجرمين إلى محبين للأدب والشعر على يديهم. بالنسبة لطول بال أنور فقد كان يترك له الحالات الميئوس منها ولم يفقد أعصابه إلا مرة واحده مع أحد نزلاء سجن كوبر في فصل محو ألأميه الذي أحبط الجميع وعلى يد أنور اظهر بعض التقدم إلى أن طلب منه أنور أن يدخل كلمة "غرد" في جمله فقال غرد الثعلب فطوح أنور بالطباشير قائلا" و الله لو الحزب طردني تاني ماراح ادرسك كلمه"
من أعضاء حزب الشيوعي البارزين في الأبيض الأخ حنفي وهو من ال إسماعيل الولي ضرب شخصا بالبونيه فقتله فحكم عليه بعشر سنوات بتهمة القتل غير العمد. وعند خروجه من السجن كان من أكثر الشيوعيين إطلاعا. علي المك كان واسع الانتشار فتجده في نادي حي البوسطه الثقافي وقهوة يوسف الفكي و جورج مشرق مع ودام زميم الجزار في السوق ومع الخضرجيه وفي نادي الكراكسه في بيت المال او في نادي العباسيه الثقافي وفي ندوات العميد يوسف بدري وفي كل مكان يحب كل البشر مثل حب محجوب شريف للأخرين.
أول مره اسمع به ككاتب ونحن في بداية المرحلة الوسطي عندما تتطرق صديقي ورفيق حياة شقيقي الشنقيطي عبدا لرحيم علي حمد إلى كتاب البرجوازية الصغيرة لعلي المك وصلاح احمد إبراهيم وكنت أظنهم يتحدثون عن فتاة أو امرأة . و عبدالرحيم متعه الله بالصحة كنا نقول انه كان شيوعيا من الكتاب. علي المك كان خفيف الظل يمازح بدون سماجه. عندما اتى علي المك لمقابلة لجنة ثقافيه وأظنها لجنة النصوص شملت اللجنه الفريق ابراهيم احمد عبدالكريم مقدم برنامج نسائم الليل و اللواء عوض احمد خليفه ولواء اخر لا اذكر اسمه تظاهر علي المك بالانزعاج وتراجع قائلا " دي لجنة نصوص والا محكمه عسكريه" وعندما اعتدى احد طلاب الجبهة المهووسين في الجامعة على بعض الأساتذة و منهم شريف الدشوني أقيمت الكرامات والمناسبات بمناسبة نجاة الشريف الدشوني واتى صديق على المك الشبيلي شيخ الجزارين بخراف والطباخين والفنانين لمنزل شريف الدشوني وكان على المك يقول مازحا" يعني البيت دا ما تدخله اللحمة إلا لما سيده راسه ينقده. انحنا كل يوم قبل كده بس كورية الفول يجيبوها لينا, شفتو يا ناس في كلب ينتحر, البيت دا كان فيه كلب نط الحيطه ورمى نفسه تحت بص" رسالة علي المك كانت رسالة القلب المفتوح والعلم المطروح والأدب المبزول انه أحد النادرين اذا كان هنالك عشره أشخاص يمكن ان نسميهم بأبناء ام درمان الحقيقيين فعلي المك أحدهم.

شوقي بدري ..

imported_فيصل سعد 04-10-2011 05:50 AM

برقية عزاء لأم درمان ...
مرثية للفقيد البرفيسور على المك
د. أحمد الحسين



وكان مثل شجرة النخيل
لاتشتكى .........
توزع الثمار للغريب والقصير والطويل
وجذعها مغبر وأغبش نحيل
وكان عاليا (على) ....
وكان شامخا ........
شموخ النيل حينما يرتاح عنده الأصيل
وصوته المديد .. والوئيد .. والظليل
يضمخ المكان بالشذى ..
ويغرق الزمان فى الرضى ..
يذيب كل ممكن وكل مستحيل
يرش نكهة التراب خارج المدى ..
يعبىء العروق بالندى ..
ويلبس الحروف من هواء (ام درمان )...
بردة .. وذيل
ويغزل الكلام فرحة ومتكأ
أواه ..! (أم درمان ) قومى أندبى على ...
وأترعى الفضاء بالنواح والعويل
ولونى حيطانك الغبراء بالسواد ..
وأدهنى النهار ليل
أواه ..! (أم درمان)
قومى أثكلى (على)
(وأردحى) .. وأخلعى وقارك الجليل
واعلمى على (على)
لابأس ان تمزق الجيوب لوعة ...
تعفر الروؤس بالتراب ..
وتحلق االاشجار شعرها ويحزن النخيل
وتعلن الحداد كل وردة .. وزهرة .. وكل جيل
وترفع النساء صوتها ..
وتكشف الشموس حزنها ...
وينكفى القمر
*************
أواه ..! (أم درمان)
قومى أندبى مصابك النبيل
وودعى خليلك الوليد
وعانقى نساء الحى
( ولولى )
وعددى مآثر الفقيد
قد كان عام المنثور من كلامنا ..
وكان عاشق القصيد
وكنت فى إنتظاره سنين ..
(دائراك يا على تكبر تشيل حملى )
فصرت فى أشعاره حنين
(أحى يا على الفارس البقود تسعين)
فمات ناضجا .. جنين
سلامنا له ..
غفرانه ..امين

imported_طارق صديق كانديك 04-10-2011 06:07 AM

اقتباس:

حين وصلنا إلى‎ ‎المستشفي لم يكن على أبوابها جمع حاشد، أوقفنا السيارة قبل أن نسأل، سمعنا رجلاً‎ ‎فقيراً ما ستر ‏الليل فقره يحدث بائساً مثله في أول ليل بحري يقول له (أبو داؤود‎ ‎مات) ! انفجرت السيارة، نحن ‏بداخلها، تبكى ! أعدت الطبيعة عدتها، زمجرت الريح في‎ ‎الأشجار مكتئبة الأغصان، تبكي، صعد ‏الغبار يبكى، قالت الطبيعة: إن هذا نصيبي من‎ ‎الحزن، تكون الفجيعة الرؤية مدببة الأطراف وذات ‏أبعاد، انطلق الأسى على شاشة‎ ‎التليفزيون يبلغ الناس الخبر الذي (جل حتى دق فيه الأجل) لقيت ‏عبدالله العربي أمامي‎ ‎جالساً، يتيم الكمان، على الأرض يبكى، والفاتح الهادي يبكى، وجل أهل ‏الموسيقى، برعي‎ ‎دفع الله كان بعيداً عن ليل الفجيعة في تونس، بشير عباس في جدة، وبقيت ‏وحدي. وجاء‎ ‎كل أهل الموسيقى يبكون، وكل الوتريات تبكى، ورق كرومة يبكى،

يشهد الله اني اغالب عبرتي والدموع .. !!

ما أشد اوجاعنا على الراحليّن .. !!

شكرا فيصل سعد

imported_فيصل سعد 04-10-2011 06:14 AM

http://profile.ak.fbcdn.net/hprofile..._2307324_n.jpg

imported_فيصل سعد 04-10-2011 06:38 AM

الخصائص الأسلوبية عند على المك - قراءة في :

وهل أبصر أعمى المعرة .. ؟

على المك من أصحاب الأساليب المتميزة في السودان ، وعندي أن موهبة الكاتب الحقيقية تتجلى في تفرده في الأسلوب . ومن أبرز الخصائص الأسلوبية التي تميز طريقة على المك في الكتابة هي خاصية السخرية والتهكم ، والسخرية عنده ليست السخرية التي تثير الضحك لكنها التي ترغمك أن تبتسم وتجعلك تفكر وتعيد النظر في الحياة من حولك وتراجع حساباتك في أشياء كنت تعدها من البديهيات . بمعنى آخر أن السخرية تتحول عند على المك تتحول إلى " سلاح نقدي وإلى أداة للرفض والاحتجاج

التقديم والتأخير والاستدراك

وخاصيتا التهكم والسخرية سجيتان مجبول عليهما على المك ولا يقتصر عليهما أسلوبه في الكتابة فحسب بل يميزان أسلوبه في الحديث والمؤانسة أيضا . وقد حباه الله إلى جانب ذلك بصوت متفرد ونادر ، يتصف بالعمق والصفاء والدفء ويشيع في نفس سامعه الثقة والأمان . وهو على الرغم من الصرامة التي تبدو على ملامحه وعلى الرغم من سحابة التجهم التي تنعقد أحيانا فوق جبينه إلا أنه ينطوي في قرارة نفسه على سخرية هادئة وأريحية جذابة جعلته محبوبا بين الناس ، فتجمع من حوله الأصدقاء والمعجبون من مختلف الأجيال والأعمار والفئات

وأسلوب على المك في الكتابة يجمع بين جزالة اللغة ورصانتها ، وبين التعبير الحي المعاصر. ومن أبرز الأساليب البلاغية عنده ، بلاغة التقديم والتأخير مثل تقديم الخبر على المبتدأ وتأخير الفعل وتقديم الفاعل والمفعول به . والذين لهم علم بأسرار البلاغة يدركون ما لهذا الأسلوب من أثر فني في نفس المتلقي كذلك نجده يكثر من الاستدراك واستخدام الجمل الاعتراضية

المونولوج الداخلي

أما من حيث الصياغة الفنية فقد برع على المك بصفة خاصة في توظيف تكنيك المونولوج الداخلي أو تيار الوعي أو الشعور كما يقول علماء النفس ، وقد ساهم بذلك مساهمة مقدرة على تطوير أسلوب القصة السودانية القصيـرة التـي كانت في الماضي تقوم على السرد والوصف الخارجـي للشخصـيات بواسطـة الراوي العالم بكل شئ . والمونولوج الداخلي ما هو إلا حديث النفس للنفس حيث تتداعى الخواطر والذكريات دونما ترتيب ، يتداخل الماضي والحاضر في غير ما ترابط زمني للأحداث . والضمير الغالب في أسلوب المونولوج الداخلي هو ضمير المتكلم حيث يحكى الراوي عن نفسه ، إلا أن على المك كثيرا ما يمزح بين ضمير المتكلم وضمير المخاطب وما المخاطب هنا سوى نفسه . فهو من فرط سخريته يحول ذاته إلى الموضوع يخاطبها ويتهكم عليها اا

وقد انتشرت طريقة المونولوج الداخلي أو تيار الشعور في عشرينات هذا القرن نتيجة ازدهار علم النفس وتطوره على يد فرويد وتلاميذه من بعده . ومن رواد هذا الأسلوب في فن القصة القصيرة والرواية مارسيل بروست ، جيمس جويس ، وفرجينا وولف وكاترين مانسفيلد .

وسوف نحاول إبراز هذه الخصائص الأسلوبية التي أشرنا إليها من خلال تناولنا لكتاب على المك ( وهل أبصر أعمى المعرة ) ويضم الكتاب بين دفتيه تسع نصوص في شكل خواطر ، وعلى الرغم من أن الكاتب لم يسمها إلا أن بعضها أقرب إلى القصص منها إلى الخواطر ، لا سيما قصة ( الشرب في كوب خشبي ) التي نشرها ضمن مجموعته القصصية ( الصعود إلى أسفل المدينة ) والتي أعتبرها أنجح قصة كتبها على المك على الإطلاق .

النص الأول ( آه لو عندي بساط الريح ) يصور فيها الكاتب معاناة الفنان في الخلق والإبداع ويعبر فيها عن رغبته العارمة في احتواء العالم وإعادة صياغته وتغيير نظام الأشياء ، لذلك فهو يتمنى لو كان رساما على الأقل . فالرسم في رأيه أصدق أنواع التعبير ، الرسام يشبه الصانع لأنه يستطيع أن يشكل الأشياء كما يريدها أن تكون لا كما هي في الواقع وهو ليس رساما لكن سيحاول على أية حال : ( أبدأ باللون البني ومشتقاته فكل أهلنا الوانهم بنية يستخدمون كلمة " سمر " تظرفا وخوفا من الحقيقة ، هذه وجوه أناس أعرفهم ولا أعرفهم .. كلهم متجهون إلى غير ما هدف أحيانا أنسى أن أصور لهم عيونا وقد أنسى أن أصور لهم آذانا تسمع لماذا، لأني لا أريد لهم – وأنا صانعهم – أن ينظروا إلى ما أنظر أو يسترقوا السمع ، وعلى كل فهناك أشياء تميز هذه الوجوه فهي مسطحة ، أنوفها فطساء ، شفاهها غليظة ، شعرها خشن ، وأنها جميعا بلا استثناء عابسة ، دائمة العبوس فقد اكتشفت أنني لا أستطيع رسم ابتسامة على شفتين ، ولا ضوء بسمة يشع على وجهه .

تستطيع أن تصور اليأس ، لكنك لا تحس به يسحقك كل يوم مرات ، يجثم على صدرك ، مرافقك ، صديقك ، ظلك ، وهو لهذا ثابت ، دائم غير متحرك ، إن كنت تحس به فأرسمه أو فأصمت اا

غمست الفرشاة في اللون الأصفر أحس أن بفرشاتي ظمأ لاغبا للون الأصفر . قالوا ذلك لون الموت . ومن منكم رأى الموت فعاد يصـف لونـه ، لا أحد رآه .. لا أحد " ا

رغبة في تغيير العالم

وتبلغ رغبة الكاتب في تغيير العالم عنفوانها حينما يقول : ( أريد أن أرسم برج بيزا المائل ، لا أريد أن أرسمه مائلا بل أريد أن أرسمه أما صائرا إلى اعتدال أو أن يستريح ويريح . ولا شك أنه خالد إلى راحة يشتهيها من قرون ، وأنا أنوي أن أحقق له هذه الراحة فألقيه على الأرض كتلا مهشمة من الأحجار والطوب ولتصبح في الدنيا ست عجائب ، سئمت الأهرام وأبا الهول ، هم في الصحراء منذ نشأت الصحراء ، فلتصبح للدنيا أربع عجائب ، ولماذا تكون عجائب الدنيا بالضرورة سبعا والسموات سبع سماوات والأرض كذلك ؟

أتمنى أن أعد عجائب جديدة للدنيا . فأولاها ليس برج بيزا المائل ، ولا حدائق بابل المعلقة ولا برج أيفل أو الأهرام . أولى العجائب النفاق وثالثها النفاق وسابعتها النفاق اا فهل تستطيع أن ترسم يا شجرة بلا ثمار ؟ ) .

أما ( الشرب في كوب خشبي ) فهي من القصص الناجحة جدا بل أظنها أنجح قصة كتبها على المك على الإطلاق . والغريب أن على المك لم ينشرها أول الأمر كقصة . وحتى في كتابه ( مختارات من الأدب السوداني ) نشرها في باب المقالات ولم ينشرها كقصة إلا مؤخرا في مجموعته القصصية ( الصعود إلى أسفل المدينة ) . وأذكر أنني قبل أسابيع من رحيله ذهبت إليه في مكتبه بوحدة الترجمة والتعريب بجامعة الخرطوم وأخبرته أنني اخترت قصته ( الشرب في كوب خشبي ) من ضمن القصص التي اخترتها للنشر بالعدد الخاص الذي سوف تصدره مجلة ( أدب ونقد ) المصرية عن الأدب السوداني – صدر العدد في أبريل 1991 - فوافق على الفور وعلق بحماس شديد قائلا ( دي قصة عجيبة ) . فعلا أنها قصة عجيبة فأنا لم أقرأ حتى الآن أي قصة سيريالية تضارع هذه القصة ولا أعرف قصة ينطبق عليها وصف سيريالية كما ينطبق على هذه القصة .

قصة عجيبة

والقصة عبارة عن رؤيا منامية . وبما أنها رؤيا فأنها كتبت بأسلوب لغة الحلم الذي لا يخضع للترابط المنطقي بين المشاهد والصور . وقد تجلت في هذه القصة براعة على المك القصصية وإتقانه لأدوات التكنيك القصصي من حوار ودراما ووصف كما وصل فيها أسلوب التهكم والسخرية عنده إلى مداه .



والقصة عصية على التلخيص ، ولا مندوحة للقارئ من الرجوع إليها والاستمتاع بها كاملة ولكنا نورد هنا بعض المقاطع التي تبرز الخصائص الأسلوبية التي أشرنا إليها آنفا .

( أعلن على رؤوس الأشهاد أن الدنيا كروية ، لهذا تعذب جاليلو ولأنني الآن أقول مثل هذا الكلام أتعذب ، وإن كانت الأرض ، ، أم هي الدنيا كروية أو مسطحة ، منبسطة فليس هذا موضوع نزاع ، ولا هو بمحل نقاش اليوم والساعة واللحظة ، وهب أنها تدور ؟ ومن أدراك أنها تدور فلو كانت تتحرك وتدور لفظتنا إلى شمالها المتجمد أو جنوبها السحيق اا

والدنيا حالها هو حالها منذ أن عرف غاليليو دورانها واستدارتها إلى يومنا هذا ومن قبل أيامه تلك تدور ، وتدور أو لا تدور ، ألم تسمع من يقول هكذا حال الدنيا ؟؟ ويقال مثل هذا دائما في الموت والفواجع . قل لي : ولم يذكر الناس حالها حين تلم بهم المصائب وينسون ذلك الحال حين تغمرهم السعادة من كل جانب ؟ غريب أمر البشر . غريب والله أمرهم اا

رأيت فيما يرى النائم شجرة وارفة الظلال ، تقوم على قبة الأفق فوق جزء من الأرض لا هو مستدير ولا هو منبسط . " حلم الجوعان عيش " كما يقولون ، فالشجر الوارف الظلال أندر من أسنان الدجاج هذه الأيام . ولن نستغرب أن طلع علينا رجل فاسق أو غير فاسق بنبأ " أن بين دجاجاته العشر دجاجات ذوات أسـنان " .

أما ( الهاتف في هدأة الليل ) فهي كذلك أقرب إلى القصة منها إلى المقالة أو الخاطرة ويدور الصراع فيها في نفس الكاتب بين الخاص والعام وقد وظف فيها الكاتب تكنيك المونولوج الداخلي توظيفا موفقا واستخدم هذه المرة ضمير المخاطب وما المخاطب هنا سوى نفسه .. ( دفنت نفسك بل روحك في الكتب القديمة والصفراء وما أغنتك الكتب القديمة والصفراء عنها . ثم عدت دفنت وجهك بل روحك في الكتب الحديثة والبيضاء وما شغلتك الكتب الحديثة والبيضاء عنها . ثم عدت أشحت بوجهك وروحك عنها جميعا . إذ لا يمكن أن تصبح نعاما من البشر أو بشرا من النعام ) اا

وبينما هو مستغرق في تأملاته في هدأة الليل يقطع عليه رنين جرس التلفون فجأة حبل أفكاره فيقول في نفسه قبل أن يرفع السماعة ، لابد أنها فاجعة وتمر بذهنه صور من يرشحهم للموت من الذين هدهم الصراع الرهيب . هل هي قريبته التي لا تفتأ تسأله كل صباح عن الزواج ؟ أم أنها " الدلالية " تلك المرأة



الثمينة البدينة التي تبيع الثياب والحلي في الحي ، ولكن ما صلته بالدلالية حتى يوقظه هاتف موتها ؟ ومن الذي مات إذن ؟ عبد السميع خال أمه الذي بلغ التسعين وأحتاج سمعه إلى ترجمان .

وأخيرا يرفع سماعة التلفون فيأتيه صوت كأنه النسيم المنعش في الصيف القائظ صافيا حلوا . " صاحي ولا نايم أوعى أكون صحيتك ؟ " وهنا يحتدم الصراع بين الخاص والعام في نفس الكاتب ويدخل في حوار مع ذاته . " أيهذا الصوت . كم تشتاق إليه العيون أيشغلك الصوت وصاحبة الصوت إلى هذا الحد ؟ ألم تكن تنوي كتابة رسالة في ذم بعض من عرفت من التجار أين هي الرسالة أم أنك صالحتهم نتحدث عن الاشتراكية فيتحدثون عن قفل باب الاستيراد . وعن السوق الميت ويذبحون المشتري المسكين على مذبح الجشع تكلمهم عن المستقبل فيتحسرون على أيام " هونغ كونغ " وسلع " هونغ كونغ " ثم يذكرون الصين . يذمون ، نظام الحكم فيها ويكسبون ذهبا من معلباتها وقمصانها السكروتة " .

وهكذا يبدأ الهم الخاص يتراجع أمام الهم العام ( إنك لا تحس بالأسى . أتستطيع إصلاح العالم حولك أم أنك تعبث عبثا لا طائل تحته . والقلب الذي في صدرك . قليلة هي القلوب التي في ، فالقلوب ذاتها قد غيرت مواقفها بالأجساد ولم تعد ترضى لنفسها بقاء في الصدور . وربما لهذا وحده أصبحت تخفق بإيقاع آخر … ألم تكن تنوي كلاما في بعض من عرفت من التجار ) .

أرق المثقفين

وفي ( الأرق والملهمات ) يصور الكاتب معاناته مع الأرق . والأرق من سمات العصر وينتج عن القلق والتوتر النفسي ، الذي يصيب أكثر ما يصيب المثقفين . لا سيما الأدباء والفنانين إذ أنهم أكثر إحساسا بتناقضات الواقـع مـن غيرهـم . ( حين وصلت بيتي بعد منتصف الليل ، سمعت ديكا يصفق بجناحيه ويصيح . وتبعه آخر ثم ثالث وإن كانت الديكة تبدأ بالصياح لتعلن عن مقدم الصباح كما يقولون فأعلم إذن أن الصباح عند الديكة أمر نسبي وكذا الحق والباطل عندنا . لكني رقدت على سريري وأرقت .

كاتب ناشئ قابل أرنست همنجواي مرة وقال الكاتب الناشئ فيما قال أنه لم يأرق مرة في حياته ، فهو ينام مرتاحا في أي وقت يشاء . ومن هنا فقط حكم عليه همنجواي بأنه غير فنان . ذلك أن همنجواي يؤمن أن الأرق شئ طبيعي للفنان ، ملازمه . ولا أستطيع الحكم بصحة رأي همنجواي . فللرجل مقاييس ومعايير فله الحق في هذا وله العذر .

تقلبت على فراشي بلا نوم ليلة كاملة من قبل ليلتين . كان الجو حارا وباردا أو هو بين بارد وحار . حار في داخل الحجرات ، بارد خارجها . وهذا الموقف الوسط هو " شر الأمور " والفضيلة ليست وسطا بين طرفين نقيضين مذمومين كما قال الحكماء القدماء .. عذبتني خاطفة اللونين ، ليـست بيضاء . ولا هي سوداء أم هي سودانية اللون ؟ .

إذن أن أرق الكاتب له ما يبرره . لذلك لم تجد معه كل الوصفات والحيل " أفتح عينيك في الظلمة وأبدأ بالعد واحد ، اثنين . مائة . مليون فيزورك النوم . قرأت هذا مرة ولم يزرني نوم ، كذب الكاتبون وإن صدقوا .. أرقت ، جلست على السرير .. أحسست للحظة أنني أسمع شيئا يرتطم بالأرض .. لص أم كلب أم قطـة ا

ليس هنالك لص ولا كلب ولا قطة .. هذه من أخيلة الأرق . عد إلى فراشك واستلق .. أفتح عينيك . أغمض عينيك . الأرق . الأرق ثمة ضربات عالية تصدر من القلب . أم خاطفة اللونين البعيدة رغم قربها القريبة رغم بعدها ، آه تموت الملهمات . تشيخ الملهمات ويبقى الشعر والفقر والكلام الجميل ) ..

وهل أبصر أعمى المعرة ؟؟

أما النص الذي يحمل عنوان الكتاب ( وهل أبصر أعمى المعرة ؟ ) فينتقد فيها أسلوب المبالغة والتهويل في كتابة سير العظماء والمشاهير . ومن ذلك سيرة أبي العلاء المعري التي يقول الكاتب عنها أن الذين كتبوها إنما قصدوا إلي تصوير تلك العبقرية الأسطورية بما لا يقبله العقل في هذا الزمان الحديث ، وأنهم بذلك قد أساءوا إلى إفهامنا وأساءوا إلي سيرة الشاعر العربي من حيث قصدوا الإشادة به . وفي شعره ما يكفي لاقناعنا بموهبته . ( تصور يقول النقاد القدماء أنه حفظ كذا وكذا ، وسرد على الناس حديثا باللغة الأورديـة أو بلغـة الطـير لا أدرى وهو لا يعرف تلك اللغة ) .

ومن الحكايات التي تنسب إلى أبي العلاء المعري ( أنه كان مسافرا يقصد بغداد ، وهو راكب جملا ومر بشجرة فقيل له : طاطئ رأسك ، ففعل . وأقام ببغداد زمانا ، ولما عاد واجتاز ذلك الموضع ، وقد قطعت الشجرة طأطأ رأسه فسئل عن ذلك فقال " هاهنا شجرة " فقيل له " ما هاهنا شئ " فقال " بلى " فحفروا ذلك الموضع فوجدوا أصلها . ما الذي يريد القدماء تحقيقه ؟ بماذا يريدون وصف الرجل ؟ أن شعره يكفى .


ولكن بالرغم من ذلك هل أبصر أعمى المعرة ؟ كلا " ونحن لم نبصر أيضا فنعمة الأبصار – إن كانت هي حقا من النعم – درجات بعضها في العيون . وبعضها في القلوب التي في الصدر . ومن الناس من نال من هذه وتلك والمفروض أن يكون أحسن حالا وأريح بالا ، ولكن يبدو أن كثرة الأبصار التي في العيون ، وفي القلوب التي في الصدور ، تريك أكثر مما تود أن ترى ، فيسقمك النظر وكان الأجدر أن يسعدك ) " .



بقلم
عبد المنعم عجب الفيا
27/07/2003

imported_فيصل سعد 04-10-2011 06:43 AM

"حمي الدريس"
علي المك


تامل كيف أذعن النيل الأزرق للأبيض أخيه فيما أسموه المقرن؟ وباعوا لكما ولكل من لهم آذان وعيون، أسمعوهم بالراديو وأروهم بالتلفزيون، وزينوا لهم أن أعذب الشعر الذي هو دونما ريب أكذبه – ما كان نظم لحظات زمان والآن ينظم،وسينظم فيما يأتي من الزمان في صفة هذا المكان:المقرن،هذا الذي أفقد النيل الأزرق لونه،وعليه هزم. صه ‍! أنت مسرف في حب هذا النهر ..

وتلك هي (وفاء) تقول لها:

- من الذي اخترع اللبن الزبادي ؟.

- أهل منغوليا .. قالوا بل قرات مرة ..

- كذباً كاذب.

- من إذن ؟ .

تنظراليها تفحص وجهها تحس انها تترقب اجابة ترد علي سؤال اللبن الزبادي :

- اهل منغوليا ؟ لا .. بائع لبن حليب كسدت بضاعته !

تضحك هي . وأنت تضحك.

في الطريق إلى بقعتكما المفضلة ، في فجوات الفراغ الصامت التي يثقب الهواء فراغها الصامت، حين يمر داخل السيارة ..الفجوات القصيرات بمقدار الزمان الذي يمضي، الفجوات اللائي لايخشوهن الكلام الثرثار.. فيهن تنشغل مرات بتأمل يزيدهن فراغاًعلي فراغ ، الثرثار الكلام،ذاك فراغ علي فراغ .. انظرعلي الجسر تمر شاحنات وسيارات وحافلات، ومساكين .. وما حكاية اهل القماير؟شاحنة تصران تتجاوزك، جهاز التنبيه فيه ضعيف الصوت، كانه كان ، ثم وهن .. مثل رجل بدين جداً ، سماعك صوته الخافت، دون رؤيته لا ينبئ عن ضخامة جسده.لحظة فيك فارغة تضحك ها. ها . تمرالشاحنة تتجاوز سيارتك تحمل ورق طباعة .. ثقيل حملهاربما كان ثقل ما تحمله تنوء به، سبب العجز في صوت جهازالتنبيه..الليلة يزف الورق الابيض للالات، تزول صفته البياض بحبراسودوحروف ، بكل ما فيها – الحروف – من اخطاء الطابع والمحررين، واخطاء اخري لا يمكن ان تنسب لمصحح او محرر،ورق يزف الي الالات الهدارات كماتساق الخراف الي المذابح، كانك تري الغرب ماثلاً لعينيك، يوم تبصر بالورق الابيض تفرش عليه كلمات صاحبناالدكتور نصر الدين ، موضوعها واحد كشخص ماء يوماً يلبس جلابية وتارة قفطاناً ، وطوراً بنطلوناً وقميصاً والروح هي ذاتها ، هي اياها ، هي هي .. يا حفيظ ..السامة ، السامة ، السامة.

هذا صاحبكم المرح يقول في النادي : أدعو اي فرد منكم للعشاء ولوانه اكمل قراءة مقالة الدكتورنصر .. ها .. ضحكتم كنتم جماعة ، منكم الفاسق بالتصريح ، والذي يريد ان يكون لصاً ويشيد بيتاً من سبعة طوابق ، ليكون مقر سفارة او سفيرلدولة ذات منعة ومال ، ومال لا تاكله النيران .. فاي حلم ؟وفينا من يحرص علي الخمس صلوات ويعتدل للبيرة المثلجة بعد العشاء يقول يحارب بهاالصيف الحار . وذاك الذي امتص دمه حب يائس ، وثلاثة منا جربوا اقلامهم علي رؤوس اليتامي كاتبين في الصحف باختصار : كنا بضعة عشر .. قال احد الكاتبين، كانوا ثلاثة: - اقبل التحدي وامري لله ..عشاء بالمجان ؟امر يطمح اليه كل انسان في هذا الزمان الصعب.

قال صاحب الاقتراح :

لثقتي فيما اقول ، عشاء زجاجة بيرة طمع صاحبنا الكاتب في الزيادة قال: - عرض سخي .. قل زجاجتين .. ردد البعض : - الطمع ودر ما جمع .. الطمع ودر .. قال صاحب الاقتراح : - ماشي ، دكتور نصر الدين ممل .. ممل .. وساكسب انا الرهان ! هذا الذي يجول في ذهنك ياخذ من عمر الزمان طرفاً جد يسير ، ولكنه يسحب علي الراس فيغطيه ، هو ما تسميه حشو الدماغ حين يكف الكلام الثرثار . ولتعلم ان اهل السيارت والشاحنات والحافلات ادمغة وفيها فراغ وكلام ثرثار فيها ، وهم انت ، صة ! انشغلوا عنك، ماهمهم من الامر شي سوي هذه التحفة الجميلة (وفاء)يقولون عنها،بعضهم علي الاقل، ماتقول انت ربما عن ورق الطباعةوالخراف، ولكن ايكما الذبيح ؟ واين السلخانة . الرهان ؟ وما شانك بالقماير ؟ وهل اكملت قراءة اي مقالة للدكتور نصر الدين ؟.

صير كتاب الحكايات – كل العصور – المصادفة قاعدة .. اما الاستثناء ؟ يقولون انه بينما كان يعبر الطريق بصربها نظراليها، اليه نظرت حين نظرت الي عيني وفاء اول مرة كانت حمي الدريس كما تعرفها انت عن نفسك ، تفور في وجهها ، ما وصف احدعيوناً تغشاها حمرة ، هي حمرة، الدماء .. كان كتاب الحكايات ، يتحدثون عن المصادفة كما اعتاد الشعراء نبش العصافير في قبورها .. كل عصفور وصفوا عصفور ميت .. هل رايت الاحمرار في عينيها ، اذاك شي جميل؟ فيوصف اصمت صه ..تذكر صديقاً اذن دعني اقص عليك هذه .. نعم .. ذاك الصديق كان قد عشق امراة يغشاها (دم التاير) كثيراً في الصيف ، تحك جسدها ، يكاد يدمي .. قال ان مرضها ينبئ .. يتلمظ .. يقول ما يعني ان ذاك الهياج انما هو اعلان عن رغبتها فيه ، قلتم له : مسكين .. مريض انت لا هي..

تعود الي امر المصادفة عند كتاب الحكايات ، صدق اولئك ، كذبت انت عيادة طبيب ، ايام كانت ادواء الحساسية تأخذك كل جانب ، العام جله، تارة كله..حكة تبدأ علي الاذن اليسري تقول تعالجها بظفر اذ يبلغ مقامها ناب تستكين وتغفو،تظن انك قضيت علي ثورتها ، احتويت حدتها ، هذه لغة السياسة كما تعلم ..يقولون الاحتواء واء .. واء .. انصرعن هذا العبث الساذج .. قل كلامك .. " حاضر طيب " .. قلنا تهبط الثورة من الاذن اليسري الي الساق اليمني .. طريق معقد كما تراه ، ولها معبد اذهي تسلكه غير هيابه سبيلها مجري الدم في لمحو اوبعض لمحة تنحدر يدك تتبعها بظفر،وقد تبلغ مكانها بناب،اوانت اعسر تكون اليد اليسري،او ايمن فباليمني .. بديهي ايها الثرثار .. تقول حين تبلغ ساقك اليمني بظفر من اصبع في اليد اليسري، ام هي اليمني ؟ انت معقد.. لا ريب لانك اعسر ، تسمع كثيراً من يذكر الشيطان في اليد اليسري ، والاعسر يخالطه الشيطان . صه يصعد الدم الفوار الي الكتفين والي الظفر نفسه الذي به نستعين . هذا يدعو ان تعض مكانه باسنانك كلها ، ثم تصبر او ان يزهر النيم الي احمرار في العينين يفيض ، وفيض من العطس انت تعلم اصرارها ذكران الدكتورسعيد طبه ناجح يده لاحقة باختصار رجل مبروك ومختص في مثل ما كنت منه تشكووتتعذب ، ولتضف لهذا ذاك الصوت الصفيري يجعل الصدر جحيماً ، قيل الريوذاك وجمعوا هذا كله فاسموها الحساسية ...

شجرة النيم التي في البيت غرست يوم مولدك ان اجتثت تموت انت وان جفت عروقها قضيت ايضاً. ولله العجب! فلها انوثة طاغية تزهر قبل الاوان وتؤذيك .. وما الصوت الصفيري ؟ وما حكاية الناس في القمائر ؟ والنزلات المعوية ؟ .

حسنا سافر الي بلاد ليس بها نيم ، كثيرة بلاد الله التي لم يدخل اليها اللورد كتشنر شجرته الاثيرة .. ذكروا هذا وصدقنا في عيادة الدكتور سعيد تلفزيون ملون، ومصلي .. والناس المرضي مؤمن وغير مؤمن جلس الي جانبها في العيادة– مصادفة اتفاقاً كان صوته الصفيري يسمع، وسعاله متصل يلتفت اليك المرضي من الناس من يعرف بصوت سعاله سيقولون هوذاك هو ذاك وليس لديك نظارة فتخفي وراءها العينين الحمراوين كل اولئك قد لحظوا امرعينيك تكون كارثةلوتبع هذا اولئك مااولئك سوي حك الاذن اليسري فالساق اليمني وبعد ذلك الانف والسرة وهلم جرا.

اول مانزلت ارض مصر راك احد معارفك من الطلاب السودانيين تحك كل مكان تارة تحك فيما يشبه العنف اللذيذ، كالمحموم يلذ له الجلوس اوالوقوف تحت الشمس والشمس تصليه .. كنت انت .. قال صديقك الطالب في مصر "" تغير الهواء "" ، كان المفروض ان تاكل بصلة ساعة وصولك اليها ! مسكي طالب وبائس ما عرف من خيرات ام الدنيا شئياً سوي بصلها.

المصادفة، الاستثناء وصار قاعدة تلتقيان بعدها .. قبلها قلت ان ذلك كله من بعض ما يسمي امراض الحساسية منها حمى الدريس (هي فيفر) نطقتها نطقاً سليماً ، آه يا زمان فورية ، تظنين ان لغة اهله الفرنسية هينة ناعمة ، موسيقي ولحون ، الا انه كان يلتزم خشونة في الصوت حين يتكلم الانكليزية . لات ساعة مندم آه ولي عهد فورية، ومابقي منه الا الاطياف والا الصور .. وقال قدم الى لورنس كانساس يزور اخته اولاً ويعالج لغته الانكليزية من بعد ، ويتحرى اصول البلوز .. لحظت انك اندهشت .. قالت : نطقي في الانكليزية لا باس به اليس كذلك لا تظن انني مثل بعض مذيعي راديو امدرمان لا يعرفون الفرق بين امريكا وام ريكا !! ضحكتما.. انقضى أوان حمى الدريس وشهور حمى الدريس انقضين وسفر الصيف ,تأخذكما النشوة , أو مثلها, لتلك البقعة كأنما هى من صنع افكارك,لاأرض فيها , لاحقيقة لاسماء تظلها, كالتى تحلم أن تشيد فترى .. بقعة على النيل الأزرق قبل اتحاده مع الابيض, بالمناسبة لماذا لاتؤيد هذا الأتحاد ؟ أمر بسيط , حد الازرق من اندفاعه فيما يسمى المقرن , و أستسلم للابيض , ذكر الشعراء أن النهرين تعانقا هراء ما ذاك عناق , أذعن الازرق للأبيض ..لايملك هذه البقعة فيما يبدو أحد, المهم ليس عليها قصر و لازرع ,يريد صاحبها أن يجعل منها شيئاً هو نفسه لا يعلم ما هو .. شيئاً ما .. أقام عليها خفيراً عم حسين عجوز .. ومن غير العجائز يرضى بواد غير ذى زرع ؟ يغمض عنكما جفنه , يحب السجائر أشد حب , علبة ربما علبتين يقنع بهما ليغمض الجفن عنكما , (أنا مكلف بالصوص فقط ) يقول هو وتقول أنت : و ما يسرق اللصوص ؟هذا الفضاء ظ ام ماذا ؟ ويستطرد عم حسين " كلاب الحراسة نفسها لا تقاوم الرشوة ، تصور قطعة لحم ، احياناً انثي ها .. ها "

لم يكن زوج وفاء ثرياء ليس مهماً مهما كان وظيفة سمينة في ميزانية الجامعة ، غسل الامل الامل عقلها بل محاه محوا حين تقدم لها نظرت لكل شئ يعيني امها، تراجع نفسها الان بل هي تسترجع طرفا من اطراف" قدرت فيه العلم ساعتها" تقول آه انك تتحدثين كانك دولة .. تسرف في الحديث عن تكريم العلم والعلماء والمبدعين تقول لها : هنالك علم فوق الثري ودنيا ارحب تحته ليس هنالك فائدة طالما ان المتنبئ وانيشتاين ولوركما وكرومة تحت الثري ..

عرفت الان ابطالك الاثيرين ! كان معيداً في الكلية ، رجل معمل انابيب اختبار مساحيق ، في الوطن كما في الغربة ، الفته المناضد والمكتبات عذب الورق عذاباً اليماً سمكة في بحر الجامعة الاجاج .. تصور كل هذه المنعة في الماء حتي اذا خرج الي اليابسة مات اختنق ومات ، اختنق ومات، (الست بعض اليابسة ؟ بل انت كلها )ومنك السؤال والاجابـة تقول لها : اسميك اذن انبوبة الاختبار.. ماشي تعرف عصمت رجل منظم جداً حتي الان يحلق راسه عند حلاق واحد اعتاد عليه منذ كان تلميذا صغيرا .. امس كان يحدثني عن المرايا حين كانت تجلب من اوروبا قال عند هذا الحلاق كانت المرايا بلجيكية ولكنها استبدلت الان، ربما تهشمت.

ربما قصد تشيكوسلوفاكيا .. قال بلجيكيا لانه لا يحب كان واخواتها .. ومن هن ؟ تشيكوسلوفاكيا واخواتها اهلات الشرق .. اذن فالجهات الاصلية عنده ثلاث ضحكت وهي ترد : والفرعية ايضاً ! غرب وغرب وغرب ، وغرب ، وغرب وهلم جرا !.

نعود للمرايا ، قال انه علي ايام المرايا البلجيكية كان شعر الراس يظهر عليها شعر راس .. والانف الافطس تظهره انفاً افطس والفك فكاً والشارب شارباً و..

يعني تقول المرايا – ايام صباه للأعور : انت اعور. طبعاً كان شئ زمان ! الا تري اليوم ان العيون في المدينة اسمال عيون ! قال ايضا يصنعون المرايا اليوم في المنطقة الصناعية في الخرطوم بحري ..

نقطة نظام ابن عمتي عنده مصنع في امدرمان وصار ثريا بما غنم من بيع المرايا. طبيعي كل انسان يريد ان يري نفسه ، والمرايا تحقق له هذا ! المهم قال ان مرايا اليوم تظهر الانف الافطس انفاً غير افطس ‍! والفك فكين، والشارب ثلاثة شوارب وعسل العيون يظهر علي المراة كزيت البذرة !. هذا نادر الم اقل انه عالم بدون شك .. ومحدث لبق ثم تعود له سخرية حارقة كلما تطرقا لموضوع زوجها يقول: اليسوا هم اهل الاختراع ؟ انت غبي .. هم الذين اوجدوا الحاجة ! ينذره تعليقها يستدرك قائلاً: ابدا سمعت ان عبقريا لم يدخل الجامعة قط قد اصطنع جنساً من النمل الالكتروني .. نمل ابو ريش،ولكن ليس له ريش ! ولدغته لاتؤلم غير غيرانها تصيب الرجل بالعجز تقعدهم عن الجنس ، وتدفعهم لطلب المعالجة واللهث الحثيث وتمنح النساء خصوبة مطلقة ، اني ارشحه لجائزة نوبل.

imported_فيصل سعد 04-10-2011 07:00 AM

شلبية
من مجموعة (القمر جالس في فناء داره)
علي المك


صباح الجمعة سمعت صوت نسوة يبكين ويولولن كمن فقدن عزيزاً بلا أمل عودة، أدركت أن صاحبك في البيت كان مخموراً ليلة الخميس، و أنه ربما عاشر امرأة أو امرأتين .. لأنه تململ في سريره، و كشف عن وجهه الغطاء ثم همهم بكلمات لا تبين، ولكنها تنم عن عدم الرضا. ثم نهض وجلس على السرير، اعتمد رأسه بين يديه، وزفر في حرقة، ثم رقد ثانية وسمعت شخيره بعد ثوان قليلة.وتعالى الصياح و النحيب، ويبدو أن عدد النادبات يزيد مع كل دقيقة تمر، ثم عرفت أن عبد الرحمن الحنفي قد مات. كان عبد الرحمن الحنفي في رؤوس أبناء جيلك يمثل نوعاً فريداً من الناس، كان رجلاً واسع الثراء، قليلاً حظه من العلم، يعامل أبناءه في قسوة، ويأخذ أزواجه بالشدة، ويمنعكم لعب الكرة أمام بيته بلا سبب، وكرهتموه بلا حدود.وها أنت تسمع الناعيات يندبنه في غير حماسة، كما يؤدين و اجباً .. مرت على رأسك صور من الحياة التي عاشها ، كانت ضيقة و قاتمة ولم يكن عندك صلات ود مع أبنائه، كان ابنه عثمان زميلك في الكتاب.. ولد قوي البنية، ولكنه بليد بمفاهيم زمان، ولغة زمان، والناظر يكرهه وهو مضطر لاستبقائه في صفوفكم.عبد الرحمن الحنفي أيضاً تزوج فتاة في سن ولده عثمان، أبوها عامل يسكن الخرطوم بحري، حدث هذا قبل شهرين من موته، البنت أسمها شلبية، رأيتها مرة في بيتكم، هي رائعة الحسن، و أجمل ما فيها جسدها، استرعت انتباهك لأنها ترمي الثوب إلى ما بعد صدرها، مثلما هي تعلن عن بضاعة طيبة صارت من نصيب مشتر شحيح.ورغم الخوف الذي انغرس بقلبك منذ الصبا من ذلك الشيخ، لم تحول نظرك عن شلبية، وهي بذلك تحس، تنظر إليك ثم تغمز بعينها. و أحياناً تخفي شفتها السفلى في فمها مدة ثم تخرجها وتمس عليها بلسانها، وفي ذلك ما يثير غاية الإثارة.ويوم مات عبد الرحمن الحنفي أشفقت على شلبية من مصير مظلم، من أخت المتوفي العانس "ستنا"، من ابنه عثمان، خفت أن يثب عليها كل من جهة فيسلبونها أمنها وعزتها. هي عصبة تريد أن تبلغ المال وتستحوذ عليه.وكان مشوار المقابر منهكاً، وصلتم بجثة الشيخ إلى هناك، وقد تعفرت أعضاء جسدك بتراب أم درمان ، صرتم كالذين ساروا في قلب العاصفة.. مراسيم الدفن طويلة وثقيلة و مملة، عدت أدراجك و الشمس تسيطر على منتصف السماء، والحر متعب.وصلت إلى الحي منهكاً، جريت إلى فراشك، ونمت.. كنت تحلم بشلبية كانت تبتسم لك، تغمز بعينها، ثم تكشف ( أنت يا أبن الشيخ عبدالغفار.. أنت سبب كل المشاكل) أمسى قريباً منك، قريبا جداً.. سحابة الغبار التي كانت ترابية اللون، وكانت سميكة ذات ثلاثة أبعاد، بدأت في الزوال، وظهرت السماء من فوق الزقاق زرقاء عريضة، لون واحد ممل، متصل الملل ، عندما رفع الحاج عبد الرحمن الحنفي يده، وضغط على لسانه، في حقد وغضب أدركت أن الموقف ليس مما يحسن فيه الكلام، وتذكرت أن الهرب سهل لو أنك شرعت فيه، ثم أنك تراجعت خطوة ، ثم خطوه، وأطلقت للريح ساقيك.أنت لا تلعب ( الدافورى) الآن كبرت، صرت تدخن وتلهث لأي مجهود، وتتعب حتى لو لعبت عشرة ( ويست) ، وعبد الرحمن الحنفي مات .. " ليس في الموت شماتة يا ولدي" . كان أبوك رحمة الله علية يردد هذا الكلام دائما دائما، نعم عبد الرحمن الحنفي مات، وأنت لا تستطع لعب الدافوري، ولكن الزقاق ما زال كما هو: متعرج، قذر جداً، على جانب منه جدول تشقه البلدية كل خريف لتصريف مياه المطر ولكنه دائما يقصر عن بلوغ ذلك، وتركد فيه المياه، ويسكن الناموس ويوزع جيوشه المطنة بالعدل على البيوت جميعاً، الفخيمة والمتواضعة.. ذلك هو الشيء الذي لم يتغير، لدغة الناموس تؤلم بالقدر نفسه، والصبية مثل عهدك ذاك القديم، الدافوري في الصيف و (البلي) في الشتاء، وأنت تكره (البلي).. حسين (مترار) كان دائما الفائز بكل الجولات يغنم كل (بلية) عند أقرانك، كان ماهراً بيديه كما هو الحال بقدميه.. وحسين (مترار) الآن موظف بسيط، غير أن ألأمة كلها تغرفه، فهو ساعد الهجوم الأيسر لفريق البلاد.وبيوت الزقاق تبدل بها الحال،فإن كان بيت الحنفي فيما مضى "إيوان كسرى"، فهو اليوم رمادي الجدران، قنعت مبانيه التي كانت تفرع عمدان النور طولاً، بالانزواء، بعد أن شيد (سيدراوس) النقادي بيتاً من ثلاثة طوابق، في مكان بيت (فضل العاصي) القديم وأنه من الطوب الأحمر، والحجارة الملونة، وغرس في أركانه الأربعة أشجار البان.بيت عبد الرحمن الحنفي فتح لجمهور المعزين، مثل قصر ملكي زالت سلطة أهله بثورة شعب، ديوان قديم الطراز غير أنه متين البنيان، مترابط.. تصعد البراندة بدرج، وشجرة ( نيم ) عجوز متصابية في المدخل، ثمة ما سورة كبيرة تخترق الجدار مما يلي الزقاق.. ليس هنالك أثاث في الديوان بل سجاد عجمي ثمين: " الفاتحة .. اللهم أحسن إليه" . . رجال يقومون ويقعدون،"القهوة يا ولد ... الماء ..." ..كان ولده عثمان سيد الموقف، خلف العبء عليه وولى .. .وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ..) (وإنك لعلى خلق عظيم ..) آيات تتدلى من الجدار في داخل الديوان.. رجل عجوز يتمايل شمالاً ويميناً تماماً مثل شجرة (النيم) عيناه في نصف إغماضة.. يردد دعاء أو ما يشبه الدعاء، "بنيان زمان قوى ومتين" قال عبد الباقي الحلاق مثلما هو يهمس لأحد المغرين .. البيوت القديمة، تتكون باختصار من ديوان للتاجر الموسر، بالطوب الأحمر، مطلي من الداخل كأحسن ما يكون الطلاء.. يساره جناح النساء المبني من الطين، هكذا الحال دائماً .. وتجاور الديوان في حياء وتواضع حجرة الطين الرطيبة،(أم شبابيك خضر) ." لا بد أن شلبية هناك ، لا بد أنها تنام على صدر الشيخ كل ليلة.. أسمع لا تقل مكرهة، فالنتيجة واحدة، طالما خلعت ثيابها، ورقدت رقدة مطمئنة، أو غير مطمئنة إلى جواره ،فالنتيجة واحدة، وأنها امرأته وخليلته "الزواج دعارة يحميها القانون .." قال طالب متفلسف هذا الكلام، طالب من قسم الجغرافيا وليس الفلسفة، وربما كان على حق.جناح النساء يفور بالنساء، من عجب ألا يرتفع بالبكاء صوت، وأن يكون الهدوء طابع ذلك المكان، أين صوت (ستنا) شقيقته أين ؟ وأين؟ إنك كثير الاهتمام بعبد الرحمن الحنفي، ليس هو أول الميتين ولن يكون آخرهم ..بيتكم : بيت الزبالة يلتصق ببيت الحنفي من زمان بعيد، مثل وشم شائه على ذراع بض، من فوق هذا الجدار، حينما يزنق الصيف، تأتيك رائحة الصندل والصندلية، تسبح في الجو الساخن، حين تهب نسمه شحيحة فاعلم أن في حياتها القصيرة موكب عطر، لمن تتعطر شلبية؟ لمن تتضمخ بالطيب؟ لفصل الصيف؟ هل للصيف ذراعان يضم بهما الجسد العاري؟ أم للصيف فم يهوى التقبيل؟ عبد الرحمن الحنفي في ليلة الصيف سعال .. من أدراك .. الجدران تغطي أفعاله، من قال أنها مكرهة؟ ثم هل تفسر نظراتها - حين حلت بينكم ذات يوم - أنها وله ووجد ورغبة؟ ومن أنت حتى تسعى إليك بكل فتنتها، بكل جمالها؟ لا مال لديك ولا جاه والمستقبل في كف الغيب.في الحي الصغير يتنفس الناس كلاماً، ويلوكون سيرة بعضهم البعض قبل أن يجف الميت في قبره، ربما قبل أن يسأله الملكان. امتلأت أفوه الناس كلاما: "خزينته الحديد خاوية وضعت ( ستنا) يدها عليها، أفرغت ما بجوفها .." كلام يجر كلام: " أين أنتم : شلبية من قبل ستنا أخذت الفلوس دفعتها لإبراهيم صاحب الدكان عشيقها.. أين أنتم؟ .. ما زال إبراهيم يضحك حين يذكر تعليق عبد الباقي الحلاق "تعرف يا أبو خليل محلك طالب في الكمبوني أنت ما شبه الزيت والفحم".يا وحشة ليلك يا شلبية ، حتى أن كان الحنفي فارسا حين يعم الليل الكون والكائنات، فذلك سر في القبر مدفون، سر لم يجف مع الميت بعد، ولن يعرفه أحد أبداً." عينها طائرة .. تشتاق إلى الحرية بعد أن تنقضي أيام الحبس فتطير حرة بلا حدود أو قيود" تفكر: الجدار طويل، يقف بلا رحمة، ما جفت أوجاع الميت في قبره، هذا أسبوع فات، والثاني.. بيت الحنفي قد صار إلى قبرة أخرى، لا صوت ولا همس ولا حركة، والعطر السابح عبر جدارك غاب مع الميت في قبره، ولا صندل ولا صندلية. "والله لو تاجوج لبست ثوب حداد ما عادت تاجوج.." حين تسمع ما قاله إبراهيم سيد الدكان لخاصته ذات مرة .. تدرك أن هناك أشياء وأشياء بعيدة عن إدراكك: وتصدق شكوك "ستنا" النحيلة مثل عود يابس.عن صدر وذراع وساق ، مددت يدك نحوها، تريد أن تحيط بها فلا تتركها، وفي اللحظة التي كدت فيها أن تنال ما تتمنى، استيقظت ولقيت - بعد نظرة عابرة إلى الفراش- أنك أتيت شيئاً منكراً.خفت حدة العويل، مات الصياح في الشفاه. شلبية في ذهنك عالقة.. ما تزال آثار اللقاء الأول تداعبك، تشغل منك النفس أملاً وزهواً، ولم تتكرر، جدار عال يفصل ما بين بيتكم وبيت عبد الرحمن الحنفي، فيما يلي الشرق، في الليل تهرع إلى ذلك الجدار بحواسك، تأتيك رائحة طيبة قوية، عبر الليل مع الهواء تدرك - بلا عناء- إن شلبية تتعطر، تتصورها نائمة في غير ما رغبة على صدر الشيخ، أو لعلها ترسل من ذلك العطر رسولاً إلى من تهوى، أو من يستطيع أن يكسب صيحات جسدها المتمردة.أنت لا تعرف إذا كان قلبها قد تعلق بك. ومن أنت يا مسكين؟ يا طالب السنة الأولى بالجامعة، المهدد بالفصل، وفي سلوكك الدراسي والسياسي مما يبشر بذلك، وينظر الناس إليك - على ألأقل أهل الحي - أنك ولد صغير .. تذكر يوماً من زمان مضى .. الدافوري حار في الزقاق ، حسين (مترار) كالصارقيل، يفعل بالكرة ما يشاء، يستطيع أن يجعلها بين أسنانه، ويسجل اصابة، والغبار سحابة غبراء معلقة فوقكم، والعرق على أجسادكم.. شفع غاية في النشاط والحيوية.. الغبار داخل الديوان منعنا النوم، منعنا الحركة، منعنا الصلاة، منعنا التنفس .. "أعوذ بالله" قالها الحنفي عندما خرج ، كان يسعل بقوة، وقتها حين وقف على مدخل بيته المشرف على الزقاق مسبحة في يده، حافي القدمين طاقية (مكنة) على رأسه تستقر على آثار شعر كان أسود، واستحال أبيض .. "أنت يا ولد شيخ عبد الغفار .. أنت ..".أنت بالطبع المقصود بذلك الكلام، ليس للشيخ عبد الغفار ولد سواك، هتف بأعلى صوت: "أنت يا ولد شيخ عبد الغفار .. يا قليل الأدب .. أبوك الله يرحمه ويحسن إليه كان عالم وفاضل .. صحيح النار.بتلد.. الرماد".. تجمدت في مكانك، خاصة وقد شرع الحنفي نحوك .. نزل من مكانه ، خاصة وقد شرع الحنفي يتحرك نحوك .. نزل من مكانه في مدخل الدار، وهو يقصدك، وربما صفعك.. الولد حسين (مترار) لا يرهب أحداً، مرق من يسارك، مثل البرق سريع، ومراوغ (صارقيل) يتلوى، وأحرز إصابة.. سمعت لاعبي الفريق المنافس يصيحون بصوت واحد "قون .. قون"، وفي لحظة حاسمة تنبه الجميع لخطورة الموقف، وتسمر كل الأولاد في أماكنهم، لحظة حاسمة ثم لاذوا بالفرار "سوف ابلغ البوليس يا ابن الشيخ عبد الغفار ستكون سبب في زيارة لوري البوليس لهذه الحارة ... أنت السبب..".عبد الرحمن الحنفي نفسه يرهب البوليس على طريقته الخاصة، ففي أيام الخريف ذات عام، أمضى الحنفي شهراً بالسجن لأنه باع العيش بخمسين قرشاً أكثر من التسعيرة، وبما أن الحي لا يكتم السر، فإن خبر غيابه فاح وانتشر، حين افتقده المصلون في صلاة الصبح لفجرين متعاقبين، جعلوا يحدسون ولا كوا سيرته بدلا عن (دلائل الخيرات) وسائر الأدعية." قتلتيه يا فاجرة .. يا مطلوقة .. يايا .." كان صوت (ستنا) يأتيك من ناحية بيت الحنفي، صوت حاد، كما هو نحيل مثلها، عال واضح النبرات .. لا تحتمله، تريد أن تسكته بأية وسيلة.. جريت إلى الجدار، غالبت رغبة شاملة في تسلقه، في مد رأسك حتى لو كان الجلاد متربصاً بها، سمعت بوضوح مؤكد الوضوح "أين السجاد؟ والذهب يا ساقطة .. قتلتيه أخي عبد الرحمن .. لن يحميك شيء من البوليس .. اتسمعين ؟ البوليس!البوليس؟ كثيراً ما هددك الحنفي بالبوليس .." سوف يدخل البوليس الحي بسببك .. أنت رأس الهوس." "يا ابن الشيخ عبد الغفار .. صحيح النار تخلف الرماد.." حين أطلت رأسك من فوق الجدار، لم يكن هناك جلاد يتربص بها بل تلك (ستنا) في منتصف الحوش، تصيح وتولول، وتصيح .. والغريب أن بعض أهل الحي وقفوا غير بعيد في مدخل البيت... تحدث نفسك: "اخفض رأسك .. طالما أنت لا تنظر ألي شلبية فما جدوى النظر من فوق الجدار؟ أجلس تحته.. وتخيل إبراهيم سيد الدكان .. أو الحنفي .. أو الشيطان نفسه لا يهم .. ومن يدري فربما جاء دورك؟"
صوت النحيلة النحيل يأتيك بأعلى طبقاته "يا فاجرة قتلتيه .. أورثتيه هما وسقما حتى مات ..".
وأنت خلف الجدار .. من يدري .. فربما جاء دورك وربما...

imported_فيصل سعد 04-10-2011 01:58 PM

الراحل صلاح أحمد إبراهيم
في رتاء الراحل الدكتور على المك


على المك ومدينته



مدينته الآدمية مجبولة من تراب
يتنطس أسرارها
واثب العين منتبه الأذنين
يحدث أخبارها
هل يرى عاشق مدنف في الحبيب
أي عيب؟

مدينته البدوية مجبولة من تراب
ولا تبلغ المدن العسجدية مقدارها
تتباهى على ناطحات السحاب
بحي سما أصله لركاب
فاح شذى من "على"

حين غاب
جرت وهي حافية، في المصاب
تهيل الرماد على رأسها باليدين
تنادي على الناس: وآحسرتا ويب ويب
فقدنا الأديب،
فقدنا النجيب،
فقدنا اللبيب،
فقدنا "على"

فقدنا الذي كان زين المجالس، زين الصحاب
فقدنا شهامته، وفقدنا شجاعته، وفقدنا
شهادته، وفقدنا
كتابته، ودعابته،
والحديث الطلي
حسرتا، ويب لي، ويب لي، ويب لي


حين قيل لها بانتحاب،
استرد الوديعة صاحبها، استحملي
ذهلت في المصاب
تتمتم: يا رحمة الله لم تبخلي
لمن دونة أعطيات، فكيف وهذا "على"
حنانيك كوني دريئته في الحساب
ومغفرة وثواب
وبشي مرحبة بالملائك عند الأرائك
بثي الزرابي للمقبل
وقولي له: أدخل
يبر بك الله في الكوثر المستطاب
قسم الأشعث الأغبر المستجاب
بكى رافعا كفه: يا كريم الجناب
بحق جلالك .. أكرم "على"


على
يا أخي، يا شقيقي
على، شريك النضال، على رفيقي
ويا خندقي في الحصار، يا فرجي وقت ضيقي
ويا صرة الزاد تمسكني في اغتماض الطريق
ويا ركوتي كعكعت في لهاتي وقد جف ريقي
على .. زراعي اليمين، على خريفي
ونيلي، وجرفي، وبهجة ريفي
"على" تتمة كيفي، وسترى في أقرباي وضيفي
"على" إنطراحة وجهي في الاكتئاب
وشوواري إن عدم الراي، يا عوضي في الخراب
ألا اين أنت أجبني، اتسمعني يا "على"
اتسمع احبابك الأقربين تركتهم للمكان العلى؟
ألا اين ليلاتك المائسات، وأين زياراتك الآنسات
وأين ائتلاف الثريا، وأين انطلاق المحيا
وأين اندفاق قوارير عطرك في المحفل؟
تشاغل "مخ" وعلاء، وعبدالعزيز،
وبعد صلاة العشاء "أبا سمبل"
وتحكى نوادر من "سينة"، وتحكي أقاصيص عن "صندل"
وأنت تغني، وأنت تقلد هذا وذاك، وتنعشنا بالحديث الأنيق
تدير على المجلس للندامى، بحلو لسانك كأس رحيق
وما كنت إلا السماء تمشت عل الأرض هونا،
يمازحها ويناديك في ألفة وبلا كلفة:
يا على
يا على
كادح في الفريق
" على"
يا خدين الصبا، يا شهي الجواب
ويا توأم الروح، والامنيات رطاب
اتذكرنا مفلسين نفتش عن "منص" يسعف،
والشهر في الأول؟
تقوم سيمسكنا بحديث طويل، ولكن سيكشف ثانية للحساب
و"منصور" ذو نجدة وسخاء، اذا ما قصدناه لم يخذل
فهيا بنا ودع الأمر لى


"على"
يا "على"
أتسمعني يا "على"؟
أتذكر: أين فطورك؟ "أنت وتوفيق تتهماني"
بأن ليس ذلك للمأكل
ولكن محاولة لاقتراب
أقول: ألا خبتما خبتما، فهذا كذاب
ونضحك رقرق بللورنا - ليس بين الصحاب
خبيث طوايا، ولؤم ارتياب
وما استوجب الشك بعض ملام، ولا الاتهام العتاب
ولكن معابثة قربتنا، كم نظم الخيط در الحلى.
"على" أجبني: أهل بعد موت
التقيت بتوفيق في الملكوت؟
وقلت لتوفيق زين الشباب
فقدناك توفيق، لكننا ما نسينا نداوة تلك السجايا العذاب
ولا خفة الدم، لا الخلق الشهم، لا الأريحية،
لا المزحة الأخوية، لا صدحة البلبل
ألا يا ابن عمي شهيد الوفاء، ويا جمل الشيل.
جم الأيادي، وكنت ببر خفي صموت
رمتك المنية في مقتل
وقد كمنت في طريق "أبى قوتة" و"قلي"
فوا حر قلباه.. وا حر قلباه..من نازف في الطريق
وللموت قهقهة سمعتها "القطينة".. غير مصدقة
في دجى ليلها الأليل
فأضمرت توفيق في الجوف جمرا تلظى حقيقي
وكنت أبن عمي، وكنت صديقي


و"عثمان" ظل الوفي الحفي
يؤازرني وأنا في احتراب
ويدنو يسلسل ضحكته، فإذا عتماتي بطلعته تنجلى
يعزز من عدتي وعتادي، يسدد من لكماتي القوية
ويمضي كما جاء في لمحة كالشهاب
يردد في كل آونة: "ظلموك صلاح"
وأنت المبرأ من ظلمهم - أن هذا جلي
وكان يودك "عثمان" هذا الحميم،
يبرك باللفتة الالمعيه


وكنت تراني الشجاع الذي وحده بشجاعته شكل الأغلبية
وكنت تراني تحديت حتى كأن مقالي زحف سريه
وقد كنت أنت - على- كذلك..
ما بعتنني قط رغم توالي العروض الخفيه
معي! ومعي! ومعي! ما تلفت أبحث عنك
أقول اختفي صاحبي في المضيق
معي! ومعي! ومعي! ما تساءلت في لحظة:
أين زاغ رفيقي
وكنت أعدك ذخري، إلى أن سمعت أخي من وراء المحيط
أخي "الكابلي"
يصيح، ولم أتعرف على صوته من بكاء:
صلاح فقدنا أخاك، فقدنا أخانا، فقدنا "على"
فنبهت نفسي: أرى طائر الموت حوم فوقي
وحان الذهاب
فما طعم عيشي بعد صديقي؟
لقد كان عهدا وضيئا هنيئا جريئا، على رغم طارقه المبتلي
وها اندلعت فيه نار الحريق
فيا ويب لى، ويب لي! ويب لي
وهل يعذرن الشجي خلي؟


وحين احتفينا بعشرينك الزاهيات أهبت:
أيا شاعر القوم اطلق لهاتك..
تطلق قوى العزم والحزم والأمل
همست: بلى، لي مجاجة شهد مخبأة لك بين الهدايا،
وإن لم تذكر، ولم تسأل،
فهاك "على":
"عقدان كعقدين على جيد صباك
فامدد للنجم، النجم النائي - يمناك
وافتح أزرارك قميصك مقتحما
دفعات الريح عوت تتحداك"
بذاك انتشينا، فيا لاعتداد الشباب
نؤمل ننقع عطشتنا بورود السراب
وهيهات
نغفل، والموت ثعبانه منطو يتربصنا وهو لم يغفل
تناوم، ملمسه الناعم دافئ يسبل الجفن في كسل
بينما اهتاج بالسم ناب
وغالك - يقصدني بالأذية، لا أنت،
فالدور - أن صح إمساكه للحساب - كان لي.


مدينته الآدمية مجبولة من تراب
مدينة كل الأحبهم: البسطاء وصفوتها المبدعين
تمنى له قدلة - حافيا حالقا - كالخيل
يطوف ها بين خور ونيل
يقطع أنفاسه زفرات، ليغمض عينيه بعد قليل
بعيدا عن الأهل، في وحشة واغتراب:
آه أنا، آه آه، أنا آه آه، أنا أنا آه
"عزه" في هواك
وما عاد إلا ليرقد في حفرة جمعت عاشقين:
"عليا" شهيد صبابته - وتراب الوطن
يمد لمن عاش في شغف حبه - قلبه باليدين
صدقنا لك الوعد فعل الصدوق الأمين
ولم نتقاض عليه ثمن
فكن حافظا للجميل
فكن حافظا للجميل غدا،
يا وطن


حبيبته البدوية ذات الإهاب الحسن
سلبت منه نومه
يرى في الظلام غدائرها التمعت، وهو يرعى نجومه
يطوف بها في الهزيع الاخير .. ويطلق حنجرة من "كرومه"
يا ليل.. ابقى لى شاهد .. على نار حبي وجنوني .. يا ليل
طريت "الناس" "ووناسه"
طريت "ام در" حليل ناسها
كيف أسلاها واتناسى
ومفتون بظبي كناسها
يا عزه" الفراق بى طال
وسال سيل الدمع هطال
يا عزه"


حبيبته من تراب
مبجلة عنده: بشرا، وضفافا، وبوابة قباب
من "فتيح" إلى "الجبل"
وها آب نعشا بغير حراك، تشيعه وتهيل التراب
تعض بنانا عليه خضاب
وترقص بالسيف، حازمة وسطها:
ويب لي! ويب لي! ويب لي
وهذا شريك ضناي "على"
يدلى لحفرته من عل
ويهال عليه التراب
ويب لي! ويب لي! ويب لي
فجزي قرونك، لا تستحمي
ولا تفركي الطيب في أذنيك،
ولا تدلكي ساعديك،
ولا توقدي "الشاف" في حفرة ولا تحبلي


على
يا على
يا على
أناديك - هيهات- في صرخة والتياع
أناديك في كل ناحية، أناديك في كل ساع
نداء التي ولغت في دماء جناها الضباع
الوداع الوداع على
أمت بعيدا هناك، وفاء "ربيعة" في التل مرتكزا باليراع
أم "فرشت" إباء "الخليفة" إذ لم يعد في عجاج الصراع
سوى ميتة البطل؟
وانتهيت يجلل منك الجبين الفخار
وقد ضفر الشعب لاسمك بين الجوانح إكليل غار
الوداع! الوداع! الوداع!
فقدت الصواب "على"
غفر الله لي


مضيت وخلفت لي ترحة
كأن للمنية عندي ثار
وغورت في مهجتي قرحة
إذا ما ذكرتك ذات اعتصار
وهذي المرارات في شفتي
كهذي الدموع الغزار الحرار
وطيفك يخطر مقلتي
يحنظل حلواي ليل نهار
الوداع، الوداع اخا مقتي
فما لي وقار وما لي اصطبار
ويا موت خذ، يحزن القلب أو تدمع العين لكن لنا ثقة في البديل
وشرف بلا حرج، من تخطفت يا موت صار
بسيرته، وسريرته، وعطيته: قدوة للصغار
منارة جيل، وجيل، وجيل


ألا ولكل امرئ أجل ثابت وكتاب
فأما حياة مهذبة تستحق، سمت وامتلت كالسحاب
وأما طماعية ومدافعة جلفة كلهاث الدواب
فما أسهل الاختيار
وما أصعب الاختيار
فنم هانئا يا أخا ثقتي، فزت في الاختبار
والسلام عليك أخا رحلتي، السلام عليك وراء الحجاب
وشهيتني في المنية، سيفي يهفو إلى ضجعة في القراب
السلام عليك انتظرني، فما لي غير عصا وعليها جراب
السلام عليك، السلام عليك، على!
السلام عليك صديق الجميع
السلام عليك حبيب الجميع
السلام عليك أثير الجميع
السلام عليك إلى أبد الآبدين "على"

آيات مبارك 10-10-2011 08:02 AM

تعرف يافيصل إثنان ..لاثالث لهما :D..
تمنيت أن أعيش زمانهم ..والعيب فيني:p
وأحسد نفسي على متعتي بما تركوا لنا فهم غير محدودي الإقامة ..
خليل فــــرح .. وعلي المك
بوست موفق ورائع
خالص إحترامي

imported_باسط المكي 10-10-2011 12:07 PM

فيصل تسلم
احييك وانت تختار اجمل الحروف
واجمل الناس ولن يتكررو علي المك واخرين

imported_فيصل سعد 11-10-2011 08:56 AM

الاعزاء آيات و باسط :

لكم التحايا و شكرا
لمروركم الطيب ..

imported_فيصل سعد 11-10-2011 09:08 AM

http://www.esnips.com/doc/4f2f48dc-c...يون-فى-الحقيبه

imported_عبدالله الشقليني 11-10-2011 05:48 PM

[rams]http://www.youtube.com/watch?v=agzZObWlC_U&feature=related[/rams]

imported_مبر محمود 11-10-2011 06:33 PM

سلامنا ومحبتنا يا فيصل.
هذا بوست فخم ومبروك، فيه من الأدب ومن اللطائف الكثير.
شكراً لكَ، وسلام على علي المك في الخالدين.

imported_فيصل سعد 12-10-2011 12:15 AM

الاعزاء عبد الله و مبر :

لكم التحايا و يزدهي البوست و
يزدان بكريم مقدمكم ..

imported_سمراء 12-10-2011 11:20 AM

بحق يافيصل
كلما شعرت بجفاف الواقع ، واضمحال كل الاشياء الجميلة
طفقت ابحس عن متنفس ..
ولا اجده الا عبر تلك الاحرف الندية ، والكلمات التى تخرج مادون عناء .
استاذنا الراحل على المك ، استمتع به كثيرا عندما " يحكى" بتلك اللغة التى تخصه ..بذلك الصوت افخيم وهو يتقلب بين اللغة العربية الفصحى والدارجية الممعنة فى العمق ..
احبه جدا
الا رحم الله هذا الانسان بقدر ما قدم

الرشيد اسماعيل محمود 12-10-2011 11:28 AM

سلام يا حبّوب..
كما قال السابقون:
بوست فاهم جدّاً..
التحايا الطيبات

imported_فيصل سعد 12-10-2011 02:09 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود (المشاركة 412142)
سلام يا حبّوب..
كما قال السابقون:
بوست فاهم جدّاً..
التحايا الطيبات

الله يحييك يا باذخ و تزيدنا امتاعا
من معينك الثر و قلمك السنين و
حروفك الزاهية ..

ارقد عافية..

imported_فيصل سعد 12-10-2011 02:12 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سمراء (المشاركة 412140)
الا رحم الله هذا الانسان بقدر ما قدم

له واسع الرحمة و المغفرة يا صديقة
و خليك بالجوار في امن و طمأنينة
و راحة بال ..

imported_منال 14-10-2011 06:16 AM

فيصل سلامات

على المك ياسرنى صوته - وطريقة كلامه فى الاذاعة السودانيه فى زمن لم اوع الى ما يقاله جيدا وكان ابى له الرحمة يسمعنى برنامجه فى هنا امدرمان واليوم اقف متامله الى هذا الصوت و ذاك الفكر و القصة القصيرة و مدينته الآسرة

ارتبطت ذاكراه عندى برحيل ابى فى ذات العام و التاريخ و اذكر جيدا كيف تلقينا نبا وفاته فى بيت ملائه الحزن على الوالد ... و هكذا يرحلون و يتركون لنا الذكرى
ولهذا تشاغلت عن البوست كثيرا الى ان قادنى صوته كى اشاركك هنا نسمع له
محدثنا عن اعظم ذكرى فى تاريخ السودان الحديث - ذكرى اغتيال الفكر و استشهاد الاستاذ محمود محمد طه و كان يومها نادى الاستاذة بجامعة الخرطوم قلعة الفكر و النضال ينبض بدم الشعب السودان ... فكانت اياما خالدات سطر فيها الراحل بصوته و فكره دروب للاخرين علنا يا فيصل نسمع و نستفيد

و تثمنى لهذا التوثيق للراحل يخلينى احسك على المواصلة فيه فالهرم على المك بطول عنه الحديث و جميل الكتابة


[youtube]http://www.youtube.com/watch?v=Yb
ZnMB-dTO0[/youtube]

imported_منال 14-10-2011 06:22 AM

[youtube]http://www.youtube.com/watch?v=tza14SEqaB8[/youtube]

-2-



imported_فيصل سعد 16-10-2011 02:24 PM

سلامات يا منال و مرحبا بك
و بوجودك الباهي هاهنا ..

imported_أسعد 16-10-2011 09:57 PM

يا سلام عليك يا فيصل ياخ
كمان لو قلبت الهوبة وجبت لينا الوجه التاني من ابداعات البروف وصوته البديع
يعني يا معلم اتحرفن وشغل علاقاتك في جلب تلك الابداعات من اضابير الاذاعة والتلفزيون


انا قبل سنتين كان عندي تسجيل سهرة كاملة بين المعلمين (علي المك وشبرين ووداللمين)
ياخ ابداع ما بعدو ابداع
لكن بس ودرت الملف ياخ

imported_فيصل سعد 17-10-2011 04:54 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وجدي الأسعد الأسعد (المشاركة 413516)


انا قبل سنتين كان عندي تسجيل سهرة كاملة بين المعلمين (علي المك وشبرين ووداللمين) ياخ ابداع ما بعدو ابداع
لكن بس ودرت الملف ياخ

سلامات يا وجدي و مرحبابك .. جدد
البحث ياخي و اتحفنا بتلك الدرر الجواهر ..

imported_الوليد عمر 17-10-2011 12:30 PM

.....




تحياتى يا فيصل.

يابا دا خيت شدة ما ممهول ،
يمرقنا من الحول بى مهلتو ،
هسع يشكروك من وين يا السمح ؟





الله يخليك يا جميل.







.....

imported_فيصل سعد 20-10-2011 11:25 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الوليد عمر (المشاركة 413670)
.....

الله يخليك يا جميل..

سلامات الحبيب ابو بكري
مرحبا بك و بمرورك الباهي ..

imported_فيصل سعد 20-10-2011 05:51 PM

علي المك
صورة جانبية
بقلم: الدكتور/ مصطفى الصاوي


"أجمل ما ذرأ الله في أرضه" (محمد المكي إبراهيم)

طقس واحد ظل علي المك يمارسه طوال حياته دون كلل، ودون ملل:الإبداع. ظل قابضاُ على جمرته (الحراقه) في مكتبه في الجامعة، في المنطقة الصناعية، وحتى في سوق أم درمان وسط غمار الناس.. تجاوز معرفة الصفوة، ووجد جوهرته المفقودة بينهم، والتي أخرجها في (الصعود إلى أسفل المدينة) و(القمر في فناء داره) و(مدينة من تراب)، و(حمى الدريس)، وفي سيرة عبد العزيز، صفي قلبه وروحه التي دونها في ترجمة (سيرة غيرية) رائعة.

لعنة واحد إصابته - إن كانت لعنة - (حرفة الأدب) - التي تفجرت في القصة، والترجمة، وكتابة المقالات،والسيناريو. من كل هذه كان حلمه، وواقعه تفانيا في الغوص العميق ليمسك بالنص أي كان نوعه الأدبي منتجا اللون والطعم السوداني.

علي تميز بروح الدعابة والسخرية، تراها في كل ما كتب. دعي مرة ليحاضر في الجزيرة، سأل عن مكان المحاضرة، أجاب محدثه: (نادي الجزيرة)، تبسم علي قائلاً: (يا أخي نادى الجزيرة أحسن محل يلعب فيه الكونكان عاوزين تزحموه بالمثقفاتية!.. هذه السخرية تتفاقم في المواقف الحزينة التي عاشها. قال يبدي تظرفاً(صاحبك صوته خف).. قلت بحدة (صاحبي منو؟) قال (عبدالعزيز داؤود) قلت ساخراً(ما هو أنت موجود) . لقد كانت سعادته المنشودة عندما يكتمل عقد الصداقة النضير.. حسن يحيى الكوارتي، مختار عباس، صلاح أحمد، عبد العزيز داؤود؛ أو حينما يرافق صاحبه الفنان إلى المنطقة الصناعية ويتجمع حولهما الحرفيون والصناعية (صناع الحياة) على حد قول علي المك نفسه. هؤلاء هم الذين تسربوا بشفافية إلى قصصه وإبداعه بشكل عام.

أصالة علي لا يتناطح فيها عنزان.. قادته تلك الأصالة إلى غناء الحقيبة، وهنا كانت صلته مع عتيق، وأهتمامه بخليل فرح، ومدينة أم درمان الجنة المنشودة والمشتهاة؛ فأدخلها عالم الشعر والقصة فأصبحت سيرتها جزءاً من كتاباته، ولم تكن أبداً مصادفة.. ألم يتعلم من خاله علي سليمان (كيف يكون العيش في أم درمان صبابة). عشق مآذنها، ازقتها، وناسها، والتقى مع الظرفاء كمال سينا، الخيال، سامي الصاوي، عبد الرحمن وداعه، وغيرهم كثر.. أصحاب نكتة وظرف، ومجالس تعبق بالود والمحبة.

شخصيات أخرى ظهرت في مأتمه لا ترتدي البدل اللائقة ولا تتعمم بالعمامات البيضاء الفارهة .. شخصيات باللون السوداني والبساطة السودانية، وتاريخ المدينة التي عشق.. رجال أو نساء، سيان الأمر، اجتمعوا على حب علي، كيف المدينة الآن بعد أن رحل عاشقها؟ لعلها تندب إشلاق البوليس، والملازمين، وملامحها التي تغيرت بفعل فاعل، وميدان الأهلية يراوح بين الإبقاء والبقاء، وجامعة أم درمان الأهلية تدخل الإنعاش.. والكثير الكثير، و(العزلمين) .

في ذكرى علي نذكر كل القيم النبيلة ونحن نعيش زمن سقوط القيم. كتب أحد الكتاب (علي كاتب صنعه الإعلام). في زمن علي لم تكن هناك صناعة نجوم وفرض شخصيات بقوة الإعلام الموجه الجبرية. ولكن الطقس الإبداعي الذي مارسه منذ الثانوية، مروراً بجامعة الخرطوم، ثم ابتعاثه للخارج للدراسة، والصحبة الأدبية ونوع الدراسة، والحريات العامة، والمواهب الفطرية. ثم كان لعبدالله الطيب تأثير كبير على نمط كتاباته القصصية بما فيها من حسن السبك والدقة اللغوية والاستطراد المحبب. هذا الذي صنع علي المك ولا شيء سواه.. تلك قضية أخرى. صنعة الانتماء لهذا التراث والموهبة الفذة التي أفرغ طاقاته الإبداعية مستمدة من كل ما رأى وما سمع وما قرأ، وأدمجها في نسيج فن مميز ومتميز .

وعودة إلى بدء، فقد شكلت أعماله القصصية (الصعود إلى أسفل المدينة)، و (القمرجالس في فناء داره)، و(حمى الدريس) أنشودة حب تعني الإنسان البسيط والذات التي تتوق إلى الحرية والتضامن الإنساني.. وأهم من ذلك كله تبوأت المدينة مكانتها في نصوصه - أم درمان - كشخصية محورية. موهبة علي القصصية تنهض على استخدام اللغة بحساسية وتجويد؛ وتنبع هذه الحساسية من النصوص الكلاسيكية والقرآن الكريم. وكذلك يدمج العامية المحكية في نصه. وأنشأ علي المنظور الواقعي في المعالجة. وفي ذكراه نحتفي بقصصه وشخصياته، خاصة لأننا نشهد زمن القص الرديء ، واللغة الركيكة والأحكام النقدية الجوفاء. وتبقى قيمته الفنية الرمزية :حكاء عظيم ، ومثقف وطني، وأستاذ جامعي، ومواطن بسيط، عشق غمار الناس، وبسطاء الناس وعاش بينهم ودوداً ومحباً وعاشقاً.. نفذوا إلى إبداعه بشفافية وعمق .. رحمك الله وأحسن اليك يا (أجمل من ذرأ الله في أرضه).

imported_فيصل سعد 20-10-2011 05:52 PM

أعددنا لك ظل ضحى مديد
شعر: أحمد مصطفى الحاج




وينك يا علي !!
التراب ... !! ملحوق
فلم كل هذه العجلة
ليتك انتظرت قليلا
فـ (بت بتى) ما تزال
قادرة على جبر الكسر
و (ود مختار)
يستطيع الكي بالنار
صحيح أن الكي ترياق متخلف
وأنت المثقف الفذ
لكنما كية كيتان ثلاث لا تهم
فلعلها (حمى الدريس)
أو لعله دوار
(الصعود أسفل المدينة)
ها أنا
ويكأن
أعدادنا لك ظل ضحى مديد
و(كرسي القماش) المزركش
وترمسين
واحد للشاي السادة
منعنعا وبدون سكر
لا لأنك لا تحب السكر
ولا لكون السكر غير متوفر
فقط لأن السكر يرفع الضغط
طبعا كلنا مصابون بالضغط
و .. كدا
وترمسا للماء المثلج
وصحفا يومية
صحيح صحف هذه الأيام
ها هي تحمل نعيك
ألم أقل لك
ليت نعيك كان . كدأبها كذب
لماذا يا علي
فضلت القماش الأبيض
والعنقريب؟!
الهذا الحد تحب التراب؟؟
الم تكتف بتراب الطفولة؟!
وأمك تلبسك جزمة وشراب
فتدعكهما في التراب
فتعاتبك بقسوة أم
تقرص أذنيك
وتشدك من شعرك القرقدي
تحملك للأفندي
يعطيك كراسات
وبدلا من أن تكتب لغة
أو حساب
كتبت رسمت بالتراب
كم من التراب ما قتل!!
كم من التراب ما قتل!!
فبالله عليك
وعليك (أم در)
لم استعجلت هذا السفر
ولماذا لم تتذرع (بالصبر)
ألا تدري أنه بسوق أم در يباع؟
أمس
وحبن أعلن الخبر
زلزلت (علايل اب روف) زلزالها
تصدعت جبال (كرري) (المرخيات)
و.. (بوابة عبد القيوم)
اهتزت ( دومة ود نوباوي)
وتساقطت.. جذر جذعها انقعر
قد كنت يا علي (مرقها) الأخير ..
و... انكسر
تهمشت قباب (حمد النيل) (البكري)
(أحمد شرفي) (دفع الله)
أخرجت (الطوابي) مدافعها العتيقة
وأصابت الدانة الوخيمة (القبة)
ذعر المهدى والتعايشي والتيجاني
سأل المهدي التعايشي ما الخبر؟!
أجاب (ود يوسف البشير)
ود المك عريس
كان المغنون الصعاليك
(كرومة) (سرور) ، (الأمين برهان) و(أبو داؤود)
يغنون في الأزقة
(يا طيب أنا ساءلك قول لي بكل صراح
الوطن بخيرو
أم ملوه جراح)؟!
وامتى ترجع للضفة الغربية
تزور أم در تعودها
فـ (الخليل) هناك ينتظر
يشد أوتار عودته
يناغم عزاه
يا عازة آه
أنا آه آه
آه آه آه
(خديني باليمين
أنا راقد شمال)
وهل أتاك حديث (البرجوازية الصغيرة)؟!
ما .. شاء الله
لقد كبرت
بطنها تكرشت
ذقنها تحمست
ترهلت
وأصبحت كما البطيخة اللاقة
من فوق صورة
ومن تحت ...
لا تعرف الرجيم
وفعلها رجيم
وهي دائما مذعورة
ولا تحسن تلاوة سورة
وهل أتاك حديث (صلاح)
اتذكر زمان رمي بدلته
وربطة عنقه الأنيقة
ها هو الآن
قد رمى (سيفه المجوهر)
وإزميله الذي استعار من فدياس
رماهما في النيل
الذي فقد اللمعان والبريق
ولم ير (مريا)
متشحة خمارها السواد
حمل روحه العبقرية وقال:
أنا ما شي لعلي
فهل أتاك يا علي
كنت قد أهديتك قصتي (الكترابة)
وها هي قصتي (الكومر)
ممنوعة عن الصف
وكنت قد كتبت فوقها:
( مهداة لعلي المك أيضا)
ولم أهدها (للحجاج) و( هنادي) هذه المرة
فهما لم يريا (زريبة العيش) القديمة
ولا سوق (الملجة)
ولم يتذوقا طعام سوق (الزلعة)
لم يرياك
لن يرياك
فهم مشغولان باللعب في التراب
تصور!!
يلعبان بالتراب
يا للطفلين الغريرين!!
يلعبان بالتراب ولا يدريان
أننا جميعنا نصير للتراب
فلماذا يا علي
تستعجل التراب!!
أيها المدهش حتى في الرحيل
ويلمك ويلمنا ويلم التراب

imported_فيصل سعد 20-10-2011 05:54 PM

محجوب شريف
يرثي علي المك



يوم داك الصباح
البكري هاج وماج
مدنا من تراب
قد جينا فوق أمواج
يا مك الحديث
الكلام دراج
الحبر ما مهماج
ود باب السنط
والدكة والنفاج
والحوش الوسيع
للساكنين أفواج
الشاي باللبن
برادو لابس تاج
صينيتو الدهن
ترقش كبابي زجاج
والسكسك المنضوم
حول الجبينة نجوم
والفنجرية تقوم
تقهوج الحجاج
طق طرق يابن
القهوة كيف ومزاج

imported_فيصل سعد 20-10-2011 05:55 PM

علي المك .. الدنيا الجميلة على جسر حي الدناقلة!!
بقلم: الدكتور مرتضى الغالي



نحن نحلي كلامنا الماسخ ونكافئ أنفسنا بنفحة من (الشرف الباذخ) عندما نأتي على سيرة علي المك.. ولا تقولي لي أم سلمة، يا شقيقة روح علي، إن ذكراه تبعث الحزن والأسى ..! !

أنها ذكرى تنفخ الروح وتطرب الوجدان وتبعث على الفخر بهذا السوداني الجميل، الذي عاش سعيدا في هذه الدنيا وحوله أقرانه ودنياه التي يحبها وتحبه، وسار إلى الشاطئ الآخر من الوجود نابه الذكر لا يذكره أي شخص إلا ويذكر كل جميل في هذه الحياة الدنيا، التي ملأها بوقع خطاه الهميمه ودندناته المفعمة وكتاباته الرشيقة ومعارفه الواسعة الشاملة العميقة الممتدة، وإبداعه المترع الذي لا يمكن أن يصدر إلا بغير ضريب ولا مثيل ...!

والله .. إن تركت كل ما كتب ودون وذاكر وفاكر وراجع وابتكر واستقصى واقترع واجترح واستجلى وكشف واستكشف في الأدب والفن والرواية والقصة والشوارد والأوابد من أصول المعارف والأدب والموسيقى والشعر والمسرح والغرب الأمريكي وتخوم فارس والروم إلى (زقاق العصافير) في مدينته الوجدانية أم درمان.. إن تركت كل ذاك ووقفت فقط على حكايته التي رواها عن (أبو داؤود) صديق عمره لكفاك عن كل ما كتبه الكاتبون عن الظرف وعن الغناء وعن الفن وعن زمالة الروح وعن كنه الصداقة العامرة والتساكن النفسي وعن دقة المشاعر وعمق الإحساس ومعنى الروح وكيمياء الحزن.. وإذا تحدثوا عن براعة ما وصف (النوبيليون) به تصاريف الحياة وخصائص البشر وسحر الأمكنه والأزقة والحواري في المدن الجبلية والساحلية، فقد تجد كفايتك كلها في الصورالتي رسمها حبيب الحياة علي المك للجسر الصغير الذي يعترض الخور الفاصل بين أحياء بحري العابر إلى حي الدناقلة حيث على الناصية التالية منزل عبد العزيز داؤود..

هذه حياه كاملة يمنحها علي المك لهذا الكبري الصغير الذي لا يكاد يتسع لعربة صغيرة مع أقدام صبيان الحي الجالسين على دكته ونتوئه الجانبي !! أفاويح عطر الصداقة التي تتدفق من (ود المك) هو في طريقه إلى داؤود ... ذاكرته الحبلى بالأنغام (وترشيحات) الأغاني والمقاطع للفنان الذي ينتظر القدوم في لهفة المتحفز للأنس والمفاكهة والتطريب !! . كلما قادني الطريق عبر مدينة بحري نظرت إلى هذا الكبري الصغير الذي أدخله (علي) إلى معالم الدنيا؛ فحديثه عنه لم يظفر به أي وصف لبرج إيفل ولا برج بيزا ولا حدائق بابل المعلقة، إنه يصف صبيان الحي عندما ينقلون أرجلهم في تثاقل ليسمحوا بعبور (سيارة علي)، وأحيانا يرحبون وينفضون أردافهم ناهضين ليفسحوا المجال، أحيانا في تثاقل متبرمين، وعجلات العربة تمر برفق على الحصا الذي يتناثر على حوافي الخور وبين أطراف الجسر الصغير..!! التفتوا يا أهل بحري إلى هذا المعلم الخطير في مدينتكم واكتبوا على لوحة الجسر التذكارية (علي مر من هناك)!!

هذا الطري الحميم هو الذي يحكي فيه علي عن (مولد زهرة الروض الظليل) ويسوق الحكاية إلى (البحث عن نسايم الليل)، ويطوف بها إلى خمريات عبد الرحيم البرعي التي أشرقت لألاها على صخرة أبو داؤود، ثم العبارة الغريبة التي تسعد كثيرا بأنك تجهل علاقتها ونسبتها إلى وجبة الخصوصية الثقافية السودانية (الكمونية أخت العذارى) !! لا تجتهد في التفسير.. اتركها هكذا..! ثم ما يقول عنها علي ( ذي شمبات كونسيرت) ثم رؤية أهل جزيرة ( ...) لأعظم اختراعات البشرية ( الثلج والكوتشينة) .. على هذا المنوال يمكن تصميم سؤال مفتاحي في استبيان مواضع التطريب بطرح سؤال يقول: في أي مقطع من أغنية حدباي (زهر الرياض في غصونو ماح) يمزق مختار عباس (مخ) جلابيته؟؟

لهذا أهدى ود المك هذه الحروف إلى مهاجع سكونه العاطفي ووسادة روحه التي يتكئ عليها عندما يتحدث إلى الدنيا.. قال في الإهداء ..
"إلى حليمة سليمان
أمي التي كانت تنشد المديح النبوي ترانيم في أشغال يومها
وإلى الشيخ محمد المك .. إنه أدخلني في فراديس لغتنا الجميلة.. ثم إلى خالي علي سليمان..فقد تعلمت منه كيف يكون العيش في أم درمان صبابة" ..

imported_فيصل سعد 20-10-2011 05:56 PM

علي المك / كونشرتو أم درمان
حامد أزرق - باحث موسيقى


تصعب الكتابة عن العظماء، والبحث عن عطائهم مما يجعلنا عند مفترق طرق:

علي المك الأديب، علي المك الشاعر، علي المك الصحفي، علي المك الأستاذ الجامعي، علي المك عاشق أم درمان، أم على المك الموسيقي الفنان ..هكذا اختار قلمي .

اختزنت طفولته ألحان كرومة بحي مكي، وسرور ببيت المال، وموسيقى أولاد بتي بالمسالمة، وورش العمل الخاصة بالفنانين بحي الركابية بدار الموسيقار الراحل أحمد حامد النقر، وقهاوي أم درمان والفونغراف الذي كان يبث غناء الحقيبة، ودميتري البازار ومكتبته واسطواناته وتسجيلاته للفنانين السودانيين، وقهوة جورج مشرقي (سوق المويه) حيث جلسات الشعراء والمطربين .. هذا المخزون التراكمي جعل الراحل المقيم يلج إلى مقامات الموسيقي عبر أبوابها التي اتسعت لقامته السامقة؛ وارتقى درجات سلالمها فكان الأعلى تذوقاً وثقافة لرجل شفاف ساهم بجهد مقدر في مجال الموسيقى نذكرمنه :

- قدم برنامجا مميزا عن الموسيقى الغربية بإذاعة أم درمان
- عشق موسيقى باخ وكان معجبا ببرامز، ومفتوناً بكونشرتو الإمبراطور بتهوفن.
- تقلد عضوية المجلس الوطني للموسيقى .
- كان متحيزاً لغناء الحقيبة مدافعا عنه.
- ربطته علاقة خاصة مع كثير من الموسيقيين والمطربين أمثال المرحوم جمعة جابر، وعلاقة خاصة مع الراحل عبد العزيز داود، فعشق أغانية وأفتتن بها لدرجة العشق الصوفي.
- قدم لندوة الموسيقى العسكرية بدار الكتاب في ثمانينات القرن الماضي.
- كتب العديد من المقالات النقدية في كثير من الصحف حول فن الموسيقى.
- أجاد العزف على بعض الآلات الموسيقية.
- امتاز بأذن موسيقية، ودرجة عالية من التذوق الموسيقي جعلته يميز كل ما يقدم كخبير ملم بأسرار هذا الفن.

هذا العطاء جعل الراحل ينافس في معرفته الموسيقية الكثيرين، مما أهله لعضوية المجلس الوطني للموسيقى؛ وآخر ما قدمه الراحل للموسيقى كتابه عن الراحل عبد العزيز داود.

فالراحل عشق غناء أم درمان وكل ما يتعلق بها، دوربها (الركابية)، حي العصاصير، و(كهرباء عامر) وقهوة ( شديد) و(الباع جمله) و (ود جبر لله)، سرور وكرومة وصالح عبد السيد... عشق لامتناهي لأمدرمان وللموسيقى مما جعلني أصدر مقالي بهذا العنوان لأن الراحل كان له عشق خاص مع الكونشرتو كأحد أنماط الموسيقى الكلاسيكية والرومانتيكية.

imported_فيصل سعد 20-10-2011 05:57 PM

قراءة في ( كتاب ملامح من تاريخ الأدب السوداني ) للأستاذ/ على المك
بقلم: الدكتور/ تاج السر الحسن



"لكي لا يظلم هذا الأدب السوداني" (علي المك)

كتب الكثيرون عن الأدب السوداني كنماذج القصة فيه، وتاريخها، وتطورها منذ الثلاثينات... كما ألفت الكثير من الكتب عن الشعر السوداني .. وتناول النقاد الكثير من نماذجه، وأطالوا في تحليلها، وعرضها خلال التطور التاريخي الأدبي الذي مرت به الأمة السودانية. تحضرني في هذا المجال أسماء لنقاد كبار لهم مكانتهم في خارطة الأدب العربي الحديث، على رأسهم أساتذة لنا كبار: الدكتور أحسان عباس، الدكتور محمد النويهي، الدكتور عبد المجيد عابدين، الدكتور محمد إبراهيم الشوش، وشباب من الجيل الجديد من النقاد منهم الأستاذ عبد الهادي الصديق، وفضيلي جماع، وآخرون كثيرون.

ولكنهم جميعاً تناولوا جوانب محدودة بعينها في الشعر والقصة، وتاريخ الصحافة الأدبية... الخ.. ولم يتصد ناقد منهم لقضية تاريخ الأدب السوداني في مجملها - أي تقويم هذا الأدب بشكل عام، نثره وشعره، الرواية فيه، والقصة القصيرة، والنقد الخ.. ومثل هذه الأدوار مهمة لنهضة الأدب ومسيرته التاريخية، فنقاد كبار اشتهروا في تاريخ بلادهم بهذا الدور الطليعي الرائد، وكان لأعمالهم وتقويمهم لأدب بلادهم، دور كبير في نهضة تلك الآداب وازدهارها، أمثال أولئك في الأدب الإنساني تبرز شخصيات بارزة مثل بلينكى الروسي، ليسينج الألماني، وسانت بوف الفرنسي، وطه حسين المصري وغيرهم من الأسماء العظيمة.

ولا شك أن مهمة بهذا الحجم تتصدى لتقديم الآداب القومية، وتحديد مكانتها من التاريخ الحديث، تعد من المهام الشاقة الصعبة في التاريخ الأدبي، وقد تقدم أديبنا الرائد على المك، في القيام بتلك المسئولية.

فكتاب (ملامح من تاريخ الأدب السوداني) هو المبادرة الأولى المتميزة والرائدة في هذا الاتجاه، وهي دون شك اللبنة الجادة في اكتشاف صرح الأدب السوداني، وإزالة الركام عنه، وتوضيح جوانبه ولبناته الرائدة، ولعل أول ما يلفت نظرنا إلى تلك الكلمات المؤثرة التي وردت في تصدير الطبيعة الثانية للكتاب، وقد صدر الكتاب لأول مرة في عام 1975م .. حين يقول على المك:
(تعددت المدارس والمذاهب الأدبية في السودان، وجاء إلى دنياه أدباء من الشباب بعضهم ينفرد في الأسلوب والموضع لا يمكن تجاهله بحال.. ولقد أمكن لي أن أنتخب من أعمالهم طرفاً؛ ورغما عن هذا، فأني اشعر إني مقصر شيئا .. وبناءا على ذلك فأني أرى: أن الأوفق مستقبلا، ولكي لا نظلم هذا الأدب السوداني، أن تكون المختارات في أجزاء، فتشمل الكثير مما يستحق النظر والتأمل، أو ربما كان الصواب أن تصدر مجموعات للشعر السوداني، والقصة القصيرة ... وقد تسنح ظروفك لمثل هذا العمل، إن أتاح الزمان وقتا للبحث والاستقصاء والتأمل .. وعلى كل حال، فأن الباب مفتوح جدا للمشتغلين بالآداب، والمهتمين بها للنهوض بمثل هذا العبء ، وهو من بعد جسيم).

بهذه المقولة تبدى علي المك كناقد قومي، لم يقتصر دوره على نقد الجزئيات كما يفعل النقاد العاديون، لكنه انطلق من منهج شامل يشعرنا بدوره الطليعي في اكتشاف المرحلة الجديدة التي حققها تطور الأدب السوداني المواكب للعصر في مطالع الخمسينات، والتي رأى علي المك من خلالها كيف يرتفع جيل الرواد، الذين وصفهم (بالانفراد في الأسلوب والموضوع)، والذين قال عنهم أنهم خرجوا من خنادق الحرب العالمية الثانية، على التجربة الإنسانية الجديدة في آداب العالم الآخر، شرقه وغربه.

وفي نظرة الناقد القومي علي المك الشاملة للأدب السوداني، يخشى علي المك أن يظلم أدباء آخرين واتجاهات أخرى غير جماعة الخمسينات هذه... فاستدرك في مقدمته الرابعة حين تذكر: أن هناك شعراء آخرون ومدارس أخرى أنتجها الأدب السوداني قبل مراحل الخمسينيات.. وظهرت أمامه مرحلة الثلاثينات ، فإلى كلمته المؤثرة المعبرة، التي لا تسمعها إلا من الوالد الشفوق.. قال: ( لكي لا نظلم هذا الأدب السوداني) وبعدها رسم البرنامج لتوثيق ولتحديد هذا الأدب، هذا الواجب الذي يتعين على جيلنا القيام به: والذي وضعه علي المك في هذه المقدمة.. أن تصدر مختارات هذا الأدب السوداني في أجزاء، لابد في نظري أن تكون تلك الأجزاء جمعا وتحقيقا وتوثيقا وتحليلا للأدب السوداني في مراحله المختلفة، والتي تصورها علي المك، بل ووضع معالمها في كتابه (ملامح من تاريخ الأدب السوداني). لتأكيد فكرته، ذهب الناقد القومي علي المك إلى تحديد مقترحه هذا في إصدار مجموعات أدبية للشعر السوداني، وأخرى للنثر بالتفاصيل التي جاءت الإشارة إليها في كتابه (ملامح من تاريخ الأدب السوداني).

عاد الناقد علي المك في الطبقة التالية للكتاب، لمرحلة الثلاثينات التي لم يتوقف عندها كثيرا في (المقدمة الثالثة)، فقد كرس الأخيرة لجيل الخمسينات الذي لاقى الكثيرمن الإهمال والعنت.

في مقدمة الكتاب الرابعة يشير علي المك إلى أشخاص لم يتح له ذكرهم، وإن ورد إبداعهم في الكتاب، كالأستاذ الأديب السوداني عبد الله رجب، في كتابه (مذكرات أغبش)، الذي أورد منه نموذجا في كتابه؛ ويعقد المقارنة بين ما كتبه عبد الله رجب وطريقته في السرد والكتابة بالطريقة التي ألف بها ماكسيم جوركي سيرة حياته. وتشير المقدمة إلى تحليل وتقويم إنتاج أدباء الثلاثينات، فتذكر أحمد يوسف هاشم، ومحمد عشري الصديق، وما أدته مجلتا (الفجر والنهضة) من دور مشهود في تطوير الأدب السوداني في كل المراحل؛ ثم يعود إلى معاوية محمد نور، ودوره البارز في الصحافة المصرية الشقيقة، ويبرز مدى اطلاعه العميق على الأدب الأوروبي، في منابعه الأساسية.. الروسية، الإنجليزية، واللاتينية. لا ينسى الناقد القومي علي المك الشعر السوداني، والتطور الكبير الذي شهده على يد التيجاني يوسف بشير، ومحمد أحمد المحجوب، وغيرهم (الوقفة مع هؤلاء في الكتب، بعرض نماذج من أعمالهم).

لم ينس على المك أن يستعرض ذلك الدور الرائد الذي لعبته (كلية غردون التذكارية). يبدو لنا نحن جيل الخمسينات هذا الأمر غريبا، لما رأيناه من تناقض المستعمر البريطاني .. وأن الذي نعرفه عن (اللورد غردون) هو أنه واحد من سدنة وقادة الاستعمار والإمبراطورية البريطانية... ولكن الذي ما يزال يدهشنا حتى الآن: هو كيف أتيح لمدرسة مثل هذه أن تقوم بدور إيجابي وتسهم في بناء عناصر من الثقافة القومية، يكون لها الدور الإيجابي في المستقبل بالمشاركة في بناء الأدب القومي السوداني؟

أسئلة كثيرة تطرح نفسها، ألعب الجزء المضيء من الشعب البريطاني دورا في ذلك؟ فقد قيل لنا إن كلية غردون بنيت بمساهمة من أهل بريطانيا، وليس الشعب البريطاني كله مستعمر، أليس كذلك؟ أم أن الأمر راجع للغة الانجليزية العظيمة التي عرفها السودانيون معرفة أهلها لها، فقد عرفوا الأعمال الإنسانية العظيمة في الأدب الإنجليزي، وحركات التنوير مثل الثورة الفرنسية ودورها المشهود في التاريخ الإنساني، أسئلة نطرحها لعلنا نجد الإجابة عليها.

يلقي علي المك مزيدا من الضوء على هذه الكلية مشيرا إلى ما قاله أحد رواد النهضة الأدبية، عرفات محمد عبدالله عنها (أنا واحد من زملائي الكثيرين الذين تلقوا تعليمهم ثانويا في كلية غردون (التذكارية) وقد درسنا مع ما درسنا: اللغة الإنجليزية واللغة العربية، ووعينا قواعد هاتين اللغتين وعيا سليماً، وكذلك النحو والإعراب والصرف، والبلاغة بفروعها ...

أما المحجوب فيشير: إلى أن حركة التثقيف قد فتحت عيونهم على النقص الثقافي المتفشي في بلادهم، فأخذوا بتلابيبه في أنفسهم أولا.. وها هم قد بدأوا يشخصون الداء لغيرهم، وأخذوا يقدرون مطالب هذه الفترة، فترة الانتقال، وما تحتاجه من هدم وبناء ، ومن حفاظ على الأخلاق والعقائد، وقد (اتخذوا لكل شيء أهبة ، وحملوا المعمول والفأس يهدمون البائد المتداعي، ويقطعون الأعشاب والطفيليات من النباتات، ليضعوا الأساس للنهضة المقبلة) (المحجوب).

يقول الناقد على المك : كان المحجوب يتسم في أدبه بالأصالة الفنية، مما كان يحاول من صياغة جديدة، تجمع بين فصاحة اللغة العربية، وترسل اللغة الانجليزية. أما الأصالة الفكرية، ففي ما كان يلتمسه من المثل العليا لمجتمعه السوداني الناشئ في الأدب والسياسة والفن.

أما في مجال نظرية الأدب ومصطلحاته، فقد تميز الناقد القومي علي المك، بحس دقيق ووعي فني لا يتأثر بالتيارات العارضة، من الثقافات الأخرى، فهو يقول: (أنا لا أرفض هذه المدارس الفنية في الأدب، ولكننا نرى أن لا نعتمد عليها وحدها... ذلك أنها تحصر الكاتب في إطار محدود). وليؤكد الناقد هذا الحكم، ضرب لنا مثلا حين قال: ( فلو أنك نظرت في قصيدة عبدالله الطيب: (الكأس التي تحطمت) لجاز لك أن تضعها في ما يسمى بالشعر الحديث، في موضعها وفي مذهبها (تحاشى علي أن يقول إنها رومانتيكية)، خوفاَ من الانزلاق في استخدام مصطلح أجنبي، قد لا يكون دقيقا في وصف هذه الحالة. يواصل علي: (حتى التي نظمها بعد القصيدة تلك ( بنيف وعشرين سنة)، وجدت الاختلاف بينهما ينأى بالشاعر أن يعد في مدرسة الشعر الحديث .

هكذا حاول الناقد علي المك أن يقنعنا بخطورة استخدام المصطلحات الأدبية الحديثة على عواهنها، وإطلاقها دون تحفظ أو حذر.

هل قصيدة (سمرقند) ... من الشعر الحديث أو القديم؟... قد لا نتفق مع ما ذهب إليه الصديق الراحل علي المك، وهذا ما نأمل أن تتاح لنا الظروف لتوضيحه في مقالة قادمة. وأخيرا يظل كتاب (ملامح من تاريخ الأدب السوداني) مشروع نواة لعمل أدبي كبير، يبدأ بتدوين مجموعات الشعر السوداني، والقصص السودانية، والنقد، في مجلدات تشمل دراستها وتحليلها وترتيبها الترتيب التاريخي المعروف. إنه المشروع القومي الأدبي الكبير الذي طرحه علينا الأستاذ الرائد علي المك .. هذا المشروع الذي كان يحلم علي بالقيام به كما قال: (قد تسمح ظروف لمثل هذا العمل، إن أتاح لنا الزمان وقتاً للبحث والاستقصاء والتأمل) . لم يتح لك الزمان ذلك ياصديقي !! ولكنك تقول ايضا: (على كان فأن الباب مفتوح للمشتغلين بالآداب، والمهتمين بها للنهوض بمثل هذا العبء وهو بعد جسيم ). العبء جسيم، هل تسمعونها ؟ إنها كلمات علي المك ..


الساعة الآن 10:49 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.