سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   كتب وكتابات في العلاقات السودانية المصرية - مصر والسودان - وفهم النخب المصرية ... (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=62706)

elmhasi 09-07-2021 07:50 PM

كتب وكتابات في العلاقات السودانية المصرية - مصر والسودان - وفهم النخب المصرية ...
 
بسم الله الرحمن الرحيم

علاقات الجوار بين دول العالم تحكمها مجموعة المصالح وبعض التأريخ والجغرافيا ..
ولكن العلاقة السودانية المصرية أو العلاقات المصرية السودانية .. أخذت طابعا مغايرا منذ غزو محمد علي باشا للسودان بإسم السلطان العثماني في استنابول في العام 1821م ، يأخذ الكثير من النخب المصرية بسوء نية وقصد طوية إن هذا يعطيهم حقا تأريخيا في أرض السودان وإنسانه ، وفي المقابل يرفضون ان يكتبوا عن وقائع واحداث سياسة محمد علي باشا الالباني التأريخية التي بدأت بالحرق والقتل والنهب والسلب ... إلخ ..
بل حتي يرفضون تسميته بالغزو ، ويصفونه بـ’’الفتح التركي المصري‘‘ وهذهـ واحدة من دجل وإحتيال المؤرخين المصريين لحقائق التأريخ ..

سوف أضع للقارئ السوداني المهتم بالشأن السوداني - المصري مجموعة كتب وكتابات من عدة إتجاهات ، حتي يكون علي بينة من أمر العلاقات السودانية المصرية أو كيف تري النخب المصرية للسودان ’’أرضا وإنسانا‘‘ ؟؟؟!!!

وما ابرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ، إن ربي غفور رحيم

الواجب علينا الأخذ في الإعتبار إن مصر لم تكن مصر في ‘‘الحكم التركي المصري للسودان ، ولا في الحكم الإنجليزي المصري للسودان‘‘ أي أن وضع مصر في الحالتين كانت ’’تمومة جيرتق‘‘ كما في المثل السوداني ..



هنا نموذج
اقتباس:


’’الموقف السوداني من أزمة مياهـ النيل وتأثيرهـ علي الامن القومي المصري‘‘
لا احد يستطيع انكار ان علي الرغم من توتر العلاقات بين الدولتين ، سرعان ما تبدأ محاولات لإحتواء الأزمة نتيجة الجوار الجغرافي والتأريخ المشترك بين مصر والسودان حيث الامن القومي السوداني جزء لا يتجزأ من الامن القومي المصري ، والذي ليس من مصلحتها ان تتواجد اثيوبيا كحليف للسودان وان تحل محل مصر التي تعتبر الحليف التقليدي للسودان . وبالفعل بدأ ظهور في الآونة الاخيرة انفراج العلاقات السودانية - المصرية وذلك من خلال طمأنة من الجانب المصري بعدم التدخل في الشئون الداخلية السودانية والاثيوبية وعدم نية مصر بالدخول في حرب ضدهما’’26‘‘ .
يضاف الي ذلك انعقاد القمة الثلاثية في اديس ابابا باثيوبيا بين الرئيس السوداني والمصري ورئيس الوزراء الاثيوبي وما تلاهـ من انعقاد الاجتماع الرباعي بين وزراء خارجية مصر والسودان ورؤساء اجهزة مخابرات الدولتين ، هذا الاجتماع اكد علي ضرورة الالتزام بعدم احداث ضرر بمصالحهما المشتركة وامنهما القومي بما فيها عدم دخول طرف في علاقات دولية مع اطراف اقليمية أو دولية قد يكون له تأثير سلبي علي الطرف الاخر ’’33‘‘ واخيرا منع التراشق الاعلامي ورفض اي صور للتناول الاعلامي المسئ للشعبين او القيادتين .’’34‘‘ إذن يظهر من هذا الاجتماع ان هناك محاولات لحل النقاط الخلافية بين الدولتين بما فيها ملف سد النهضة خاصة انها من اهم الملفات التي تطرح في العلاقات بين الدولتين . لكن لايمكن الجزم علي نهاية التوتر في العلاقات المصرية - السودانية والدليل علي ذلك هو عقد اجتماع إعلان المبادئ عام 2015م بين الرؤساء المصري والسوداني ورئيس الوزراء الاثيوبي ولكن تبع هذا الاجتماع توتر في العلاقات وجمود في المفاوضات حول سد النهضة .

الموقف السوداني من أزمة مياه النيل وتأثيره على الأمن القومي المصري
صفاء محمد محمد
مؤلف : كاتب غير محدد
قسم : الأمن القومي
اللغة : العربية
الصفحات : 16
حجم الملف : 385.01 كيلو بايت
نوع الملف : PDF
تاريخ الإنشاء : 06 مايو 2020م



elmhasi 10-07-2021 02:54 PM

اقتباس:


بيني وبين المنظمة العربية والثقافة والعلوم
د. محمد سعيد القدال
لست هنا بصدد الحديث عن تجربة شخصية مرت بي مع هذهـ المنظمة الموقرة ، فليست صفحات الجرائد مسرحا للخلافات الشخصية . ولكن للتجربة انعكاسات على الحركة الاكاديمية ، رأيت ان اشرك فيها القاريء السوداني .
تتولى المنظمة العربية الاشراف على اصدار كتاب باسم : «الكتاب المرجع في تاريخ الامة العربية» الذي تتولى ليبيا تمويله . وتكونت لجنة عليا لتقوم بتوزيع الابحاث على المختصين . وكان الدكتور ابو سليم ، رحمه الله ، من اعضاء تلك اللجنة . ورشحني لكتابة الجزء الخاص بالثورة المهدية في السودان . وذكر في ترشيحه إني ألفت خمسة كتب ومجموعة من الابحاث عن المهدية .
وبعد ان ارسلت البحث ، وصلتني رسالة من الامين العام للمجلس التنفيذي تضمنت ملاحظات المشرفين العلميين الذين يتولون تحرير وتقييم الابحاث . وقمت بالرد عليها في رسالة الى الامين العام في ابريل عام 2003م ، وكان ردي على الاعتراضات كما يلي .
1 : ترى اللجنة العلمية اني تعاملت مع الثورة المهدية بمفهومها الحرفي ، فتوقفت عند وفاة المهدي وسقوط الخرطوم . فقلت ان تعاملي مع الثورة المهدية لم يك حرفيا وانما كان تاريخيا . فقد اندلعت الثورة للقضاء على الحكم الاجنبي وانتهت عند تحقيق ذلك الهدف . وما حدث بعد ذلك يندرج في اطار مرحلة تاريخية اخرى . وكل الثورات لها بداية ونهاية ولا تمتد الى ابعد من هدفها . فمتى تنتهي الثورة الفرنسية او الثورة البلشفيه ؟ ان الكتاب الجامع الذي سوف تصدرهـ المنظمة ، يتناول الفترات التاريخية التي تشكل المعالم الاساسية في تاريخ الامة العربية ولا يتناول كل الاحداث ما كبر منها وما صغر، والا امتد الى عشرات المجلدات .
2 : قالت اللجنة اني تبنيت المقولة التي روجت لها المدرسة البريطانية والتي تصف الوجود المصري في السودان بأنه استعمار .
اولا : تستعمل اللجنة العلمية تعبير (الوجود المصري في السودان) وهذا تعبير غير دقيق وغير علمي . الافضل ان نقول الحكم التركي - المصري .
ثانيا : ان وصف الوجود المصري في السودان بأنه استعمار ليس قاصرا على المدرسة البريطانية ، او على الذين تبنوا مقولتها دون تبصر بينما تمكنت المدرسة المصرية من تفنيدها لما تمتلكه من قدرات اكاديمية اكبر من التي نمتلكها .
ثالثا : كيف نصف الجيوش التي ارسلها محمد على باشا للسودان بعدتها وعتادها ودخلت في حروب مع اهل البلاد ، وفرضت عليهم نظاما باطشا وقاسيا ، وصف المؤرخ السوداني (كاتب الشونة) جانبا منه فقال ان (الدفتردار وضع يدهـ بالخراب ، فما ترك بالبلاد انيسا ولا تسمع لها حسيسا من حد شندي حتى كترانج) . فهل جاءت تلك الجيوش في رحلة نيلية لتستنشق هواء البلاد العليل ؟ وطلبت من اللجنة العلمية مراجعة كتابي «تاريخ السودان الحديث» من صفحة 127 الى 145 عن المقاومة السودانية للحكم التركي - المصري .
ثم قلت في رسالتي : اذا كانت هناك حاجة لمراجعة فترة الحكم التركي - المصري في السودان ، فإن المدرسة التاريخية المصرية اولى بتلك المراجعة ، لأن كتاباتها في هذا الصدد منحازة وتعبر عن موقف الفئات الحاكمة في مصر وليس عن موقف اكاديمي . وليس هذا رأينا نحن الذين انسقنا خلف المؤرخين البريطانيين دون روية ، بل قاله الاستاذ محمد انيس ، عليه الرحمة ، عندما جاء الى السودان عام 1980م ، ممتحنا خارجيا لرسالتي للدكتوراة . فقال ان المؤرخين المصريين تبنوا في دراساتهم عن الحكم التركي - المصري في السودان موقف الفئات الحاكمة في مصر وابتعدوا عن الموقف الاكاديمي . واعتقد ان الدكتور انيس من اعمدة المدرسة التاريخية المصرية ، ولم يكن منساقا خلف المؤرخين البريطانيين .
ان المؤرخين المصريين انساقوا وراء الرأي الذي يقول ان الثورة المهدية كانت خروجا على الشرعية العثمانية ، وانها حطمت وحدة وادي النيل . ولذلك سموا غزو السودان عام 1896م ، (استعادة السودان) . اي عودة السيادة العثمانية . وهو نفس الرأي الذي اعتمد عليه الاستعمار البريطاني في صراعه الدبلوماسي مع فرنسا حول ازمة فشودة الشهيرة عام 1899م . حيث احتج البريطانيون بان الفرنسيين تعدوا على السيادة العثمانية . فمن الذي انساق خلف الموقف الاستعماري البريطاني ؟
3 : ثالثا : ان القول بأن المدرسة التاريخية المصرية فندت ما قالت به المدرسة التاريخية البريطانية ، فأمر يحتاج الى وقفة . فتفنيد المدرسة المصرية لا يعدو عن كونه رأي اكاديمي مثل مختلف الدراسات الاكاديمية التي تقبل الرفض والقبول ، وليس الرأي النهائي والحكم الاوحد . فالمدرسة التاريخية المصرية لها انجازاتها المقدرة ، ولكنها ليست هي المرجعية التاريخية لما يكتب عن الحكم التركي - المصري في السودان .
كما ان وصف كتابات المؤرخين البريطانيين بأنها كتابات استعمارية ، فيه اجحاف بحق تلك الكتابات . فقد قدم بعض المؤرخين البريطانيين دراسات عن الحكم التركي - المصري انصفته انصافا لا تجدهـ حتى عند المؤرخين العرب . واشير هنا بشكل خاص الى دراسة البروفيسور هولت بعنوان : (الردة والتحديث في السودان في القرن التاسع عشر) ، التي تناول فيها جوانب التحديث التي ادخلها الحكم التركي - المصري ، وكيف ان المهدية كانت ردة على ذلك التحديث . وقد ناقشت افكارهـ بهدوء دون ان اتهمه بالانحياز للعثمانيين ومعاداة المهدية . فالساحة الاكاديمية تموج بمختلف الدراسات ، التي يحكم عليها فقط بقوة طرحها وتماسكه ، واشير ايضا الى كتاب البروفيسور ريتشارد هيل بعنوان : (مصر في السودان) ، الذي يعتبر مرجعا اكاديميا له وزنه .
4 : دعا الامين العام في رسالته الى عدم اثارة الحساسيات التي اشعلها الاستعماريون ، حتى تتم الاستجابة للمنطق الوحدوي للكتاب . واقول ان الحساسيات التي اشعلتها بعض الانظمة العربية اكثر ضراوة مما اشعله الاستعماريون . الى متى نظل نتخذ من الاستعمار شماعة نعلق عليها كل اخفاقاتنا ؟ اما اذا كان للكتاب منطلقات وحدوية ، فلن يكون دراسة اكاديمية لأن الدراسات الاكاديمية لا تنطلق من النتيجة التي سوف تنتهي اليها . مثل هذهـ الابحاث كتابات للدعاية ولن تقوى على الوقوف كثيرا . واذا كانت ليبيا تتولي تمويل الكتاب ، فهذا لا يعني ان تفرض رؤيتها على منهج البحث .
وفي الختام طلبت من اللجنة ان تبحث عن شخص آخر غير منساق للمؤرخين الاستعماريين واكثر تفهما للمنطلق الوحدوي للكتاب .
وتكرم الامين العام بالرد على رسالتي في 5/5/2003م ، وللأسف الشديد جاءت الرسالة تنضح بالتبرير . فيقول ان الكتاب ينطلق من منظورات ثلاثة هي : المنطلق الوحدوي ، الفهم الحضاري ، والتقيد بأسلوب البحث العلمي . ان المنطلق الوحدوي هو الاستنتاج الذي قد تنتهي اليه الدراسة او لا تنتهي . فكيف تكون النتيجة هي منطلق البحث ؟ ألم اقل ان اصابع ليبيا النفطية تتخلل البحث ؟ لقد سئمنا من تدخل الانظمة الشمولية في كتابة التاريخ ، بداية بالاتحاد السوفيتي السابق حتى انظمة البعث والقوميين .
وماذا يقصد الامين العام بالفهم الحضاري ؟ لا استطيع استيعاب مثل هذهـ التعابير المعممة . أما التقيد بأسلوب البحث العلمي ، فلا يحتاج الى اعلان لأن الذي يحكم ذلك التقيد هو البحث نفسه وليس الاعلان عنه . وهل تقيدت اللجنة العلمية الموقرة بأسلوب البحث العلمي عندما اعترضت على وصف الحكم التركي - المصري بأنه استعمار وفضلت عليه تعبيرالوجود المصري ؟ ان استنتاج اللجنة العلمية ، بعيد عن المنهج العلمي وعن الفهم الحضاري وعن حقائق التاريخ الساطعة ، ولم تنظر الى التاريخ الا من زاوية واحدة ضيقة اشد الضيق .
ان المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، خرجت عن طابعها القومي فيما يختص بالكاتب الجامع ، واصبحت تحركها اصابع ليبيا والمدرسة التاريخية المصرية التي لايحظى استنتاجها بالقبول في الساحة الاكاديمية من اميركا حتى الهند .


* تعليقنا علي ما ورد أعلاهـ :-
إن مصر والمدرسة التأريخية المصرية والنخب المصرية ، تصر علي توصيفات تحاول تجميل قبح وجهها ، فالحقيقة لا تحتاج مكياج ولا أصباغ ، فوصف الحقائق بغير ما وصفها دوما يأتي بالنتائج العكسية ، وخير علاج وترياق للتأريخ هو وضع الاحداث في زمانها ومكانها ، دونما تجميل أو زيادة ، إلا بالتحليل أو الشرح لأسباب الحوادث ..
الأنا المصرية بدأت نتيجة لحالة الإنهزام الذي عاشه الشعب المصري مع الملك فاروق ، فوضع جمال عبدالناصر الهالة الإعلامية الصاخبة لترفع معنويات الشعب المصري الذي عاش ضربات متتالية من حرب 1948م ’’نكبة فلسطين‘‘ الي العدوان الثلاثي ، الي حادثة المنشية ، الي ما سمية حرب النكسة مجازا ’’1967م‘‘ ..
فكان صوت الانا العالي هو العوض عن الهزيمة التي وقعت عليهم ..
فلا تسمع
مصر الفرعونية ..
مصر ام الدنيا ...
مصر الجمهورية العربية المتحدة ...
مصر ....
مصر بلد الـ90 مليون رقاصة ..
مصر بلد الـ90 مليون باشا ...
مصر بلد .................

imported_Hassan Farah 10-07-2021 10:00 PM

الاخ المحسى سلام
كل ما اوردته صحيح لكن علينا الا ننسى دورنا كسودانيين مصابين بمرض الدونية فى تنمية شعورالتفوق والتعالى المثير للجدل عند المصريين نحونا
واليك هذا المثل:
وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي تظهر في اجتماع ضمن طاقم الدبلوماسية المصرية برئاسة وزير الخارجية المصري سامح شكري الذي يضع العلم المصري امامه

https://www.facebook.com/photo?fbid=...55020861538724

elmhasi 12-07-2021 09:28 AM


اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Hassan Farah (المشاركة 555804)

علينا الا ننسى دورنا كسودانيين مصابين بمرض الدونية فى تنمية شعورالتفوق والتعالى المثير للجدل عند المصريين نحونا
واليك هذا المثل:-
وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي تظهر في اجتماع ضمن طاقم الدبلوماسية المصرية برئاسة وزير الخارجية المصري سامح شكري الذي يضع العلم المصري امامه


اولا: لم انسي ما علي النخب السودانية التي تتعامل بدونية ، وحصر علي مصر اكثر من مصر نفسها ..
ثانيا : مريم المنصورة لن تكون اخر المنفذين لطلبات اولاد بمبة
ثالثا : هذا عرض شامل .. كل يقرأهـ بطريقته ..
رابعا : لاتنسي ما تدعيه النخب المصرية من الحق التأريخي في السودان ، وهذا بالتحديد ما اعنيه ..
أما بالنسبة لنقطة الدونية أو تعامل النخب السودانية مع الشأن المصري ، فهذا يحدث بين كثير الدول ، فالنخب المصرية تركع لإسرائيل وتبوس الاحذية الاسرائيلية ، وبنفس الكيفية تتمني النخب المصرية ان ترضي عنها ماما امريكا كل يوم ، لتعيس فسادا في مجتمعاتها ..
فبالنظر لتاريخ مصر الحديث من 1954م وإنقلاب عبدالناصر علي اللواء محمد نجيب ..
كان عبدالناصر من 1954م الي سبتمبر 1970م
والسادات من 1970م الي 6 اكتوبر 1981م
ومبارك من 1981م الي 25 يناير 2011م
ماذا حدث في مصر في خلال الـ 16 سنة جمال عبدالناصر و11 سنة السادات و33 سنة مبارك ؟؟؟ هذهـ النخب لايهمها إلا ان تجلس علي كرسي السلطة متسلطة علي رقاب الشعوب .. فماذا قدمت النخب المصرية لمصر ؟؟؟
بل بالعكس خدمت الأجندة الإسرائيلية اكثر من اسرائيل ، وقدمت لإسرائيل أكثر من ما كانت ترجوهـ ..
وأخرها مصر الآن تبيع مياهـ النيل لإسرائيل ، بعنوان مياهـ النيل في سيناء لتنمية سيناء ، وخلف الكواليس إتفقت مع إسرائيل بأن تدافع عن حق مصر التأريخي في مياهـ النيل في مجلس الامن ، ولكن كما عادة الدولة العبرية خذلتها ، بعدما وصلتها مياهـ النيل الي عندها ...
السؤال الآن : هل يمكن مصر ان تقفل بلف مياهـ النيل عن إسرائيل ؟؟
أو هل تستطيع ان تلغي تعاقدها مع إسرائيل لبيعها الغاز الطبيعي ب4 جنيه مصري للمتر المكعب للغاز ؟؟؟
القضية فيها الكثير من التعقيدات ، وتحتاج لزمن ووعي لحلحلتها ..

تابعونا ..

elmhasi 12-07-2021 11:22 PM

اقتباس:


الرئيسية/الدراسات البحثية/الأفريقية وحوض النيل/
علاقات مصر و السودان : ثقة مُفتقدة وخشية مُتبادلة

الأفريقية وحوض النيل الدراسات البحثية

صورة المركز الديمقراطى العربى المركز الديمقراطى العربى25. يونيو 2018م
مصر والسودان

اعداد : السفير بلال المصري – ســفيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر – مدير المركز الديمقراطي – مصر – القاهرة
مقدمة :
شهدت الشهور الست الماضية من عام 2018م فيما يتعلق بالعلاقات المصرية / السودانية أحداثاً متنوعة تعكس قدراً كبيراً من إفتقاد الثقة والخشية المُتبادلة مما أفقد أو كاد أن يُفقد هذهـ العلاقات الممر الضيق الذي تسير فيه هذهـ العلاقات منذ أن أظلمت سماء هذهـ العلاقات في عام 1990م نتيجة إختلاف طبيعة النظامين بالخرطوم والقاهرة بعدما أعلن السودان بعد الإنقلاب العسكري في 30 يونيو 1989م عن تبنيه النهج الإسلامي ومسئوليته عن دور رسالي إسلامي وهو نهج رأت القاهرة أن يُشكل تهديداً لها بالإضافة إلي كونه يُعبر عن ميل واضح للإستقلال عن سياسات القاهرة علي الصعيدين الثنائي والإقليمي , وتطور هذا التباين الحاد بين البلدين ليظهر واضحاً في تباين رؤي البلدين في قضايا ذات علاقة مباشرة بالأمن القومي كقضية مياهـ النيل فتوقف إنعقاد اللجنة الفنية المُشتركة الدائمة لمياه النيل في الفترة ما بين 1990م وحتي 1998م بسبب تردي علاقاتنا مع السودان وهي لجنة مُنشأة بموجب نص بإتفاقية الإنتفاع الكامل لمياهـ النيل المُوقعة بين مصر والسودان في 8 نوفمبر 1959م , كما كان النزاع علي السيادة علي حلايب ودخول وتمركز القوات المُسلحة المصرية في مارس 1992م بهذهـ المنطقة لأول مرة في تاريخ هذا النزاع مما أدي مع عوامل أخري إلي ضيق مسارات العلاقات الثنائية , في الوقت الذي نمت وأزدهرت فيه العلاقات الإثيوبية / السودانية وإتساع مساحاتها التي إمتدت لآفاق مختلفة ومتنوعة أضافة قوة لمجمل هذهـ العلاقات .
بإلقاء نظرة فاحصة علي أحداث رئيسية العلاقات المصرية / السودانية في قضايا مثل العلاقات العسكرية والنزاع الحدودي والمصالح الإقتصادية ومياهـ النيل وتلك الأخيرة يقتضي تناولها تفصيلاً تقرير مُستقل لا مجال هنا لبيانه لكنها قضية خلافية للغاية بين إثيوبيا والسودان من جهة ومصر من جهة أخري وهي جميعاً وبصفة عامة كالقضايا الثنائية الأخري بين البلدين طرأت عليها أحداث سلبية تدعو إلي مقارنتها بالتطورات الإيجابية في العلاقات الإثيوبية / السودانية , ومن خلال هذهـ المقارنة القسرية ربما أمكن الوصول إلي تحديد قدر عدم الثقة والخشية المُتبادلة بين القاهرة والخرطوم , وهو أمر مُؤسف لكنه يتسق مع السياق العام للعلاقات العربية وتفوق قوي الجذب وربما الإخضاع من قبل القوي الخارجية سواء الإقليمية (كحالة إثيوبيا فيما يتعلق بالعلاقات المصرية / السودانية) أو الدولية للدول العربية بدون أي إستثناء , وهو ما يمكن إستنتاجه من واقع الأحداث التي تتعلق بالقضايا المُشار إليها , علي النحو التالي :
العلاقات العسكرية :-
إقترح السودان علي مصر في إطار النأي بالعلاقات عن تبادل الإتهامات المُتعلقة بتهديد الأمن والإستقرار بكلا البلدين إلي إقتراح أعلنه السفير السوداني بالقاهرة , فقد أشار موقع EGYPT INDEPENDENT في 9 مارس 2018م إلي تصريحاته التي أدلي بها في 8 مارس السفير أمام مؤتمر صحفي عقدهـ بمقر السفارة , وكان من بينها قوله ”أن السودان لديه إتفاقيات مُختلفة قيد التطبيق مع مصر والسعودية مُشيراً إلي أن بلادهـ إقترحت علي مصر إقامةقوة عسكرية مُشتركةتقوم بدوريات لمراقبة الحدود وحمايتها ” , و لم يكن هذا المقترح جديداً , فقد سبق لوزير الخارجية السوداني الإشارة إليه خلال زيارته للقاهرة في يونيو 2017م , كذلك فخلال الزيارة التي قام بها مدير المخابرات العسكرية المصرية للخرطوم في 11 أكتوبر 2017م والتي كانت مقدمة لتنفيذ الإتفاق الذي تم بين وزيري دفاع مصر والسودان , أُتفق فيه علي عقد إجتماعات منتظمة للجنة عسكرية مُشتركة لتنشيط التعاون والتنسيق فيما يتعلق بالسيطرة علي الحدود , وكان السبب المباشر لذلك الإتفاق هو إتهام السودان الذي وجهه في مايو 2017م لمصر بإمدادها تمرد دارفور بآليات إستخدمها التمرد في الهجوم إنطلاقاً من ليبيا علي مواقع حكومية سودانية بدارفور , في هذا الإطار إلتقي وزير الدفاع السوداني مدير المخابرات العسكرية المصرية بحضور مدير المخابرات العسكرية السودانية حيث بحثا معاً طرق التحكم والرقابة علي الحدود المُشتركة , وقد أشار البيان الصادر بشأن هذهـ الزيارة إلي أن وزير الدفاع السودان شدد علي الحاجة إلي محاربة تهريب الأسلحة والبشر عبر الحدود كما أكد علي أن هناك حاجة لإقامة نقاط عبور وقنوات إتصال بين القوات المسلحة لمصر والسودان , وعلي التوازي مع اللجنة العسكرية تكونت في فبراير 2018م لجنة أخري تضم وزير خارجية ومديري المخابرات العامة لمصر والسودان , وذلك في القمة الثلاثية بين رئيسي مصر والسودان ورئيس وزراء إثيوبيا والتي عُقدت في يناير 2018م , مهمتها ”إزالة أي عقبات يمكن أن تعرقل علاقة الأخوة والتضامن والمصير الموحد في مواجهة التحديات الثنائية ” , وقد تعددت اللقاءات العسكرية الثنائية كمحاولة لتجاوز تبعات إذاعة تقارير سودانية عن دعم مصري لجماعت سودانية مُسلحة في إرتريا علي حدود السودان الشرقية وكذلك إذاعة تقارير إثيوبية أخري تتحدث عن أن مصر أرادت إستبعاد السودان من المفاوضات الثلاثية التي تجري لأكثر من عامين لحل الخلاف المصري / الإثيوبي حول سد النهضة الإثيوبي وأثرهـ الضارعلي مصر , ومما قد يُعزز المخاوف السودانية أن الزيارة التي قام بها للقاهرة الرئيس الإرتري أسياس أفورقي في 9 يناير 2018م وأستغرقت يومان جاءت مُترافقة مع نشر القوات المُسلحة السودانية قوات من “الدعم السريع” وصلت علي مقربة من الحدود الأرترية / السودانية بولاية كسلا بشرق السودان , وقد نشر موقع MIDDLE EAST MONITOR في 4 يناير 2018م نقلاً عن جريدة الشرق “القطرية” قولها أنه وفي أعقاب التنسيق مع الإمارات العربية وصلت قوات مصرية إلي أرتريا اليوم وأن هذهـ القوات مُسلحة بأسلحة عالية التقنية مدعومة بمركبات مُدرعة ثقيلة وأن إجتماعاً عُقد جمع ممثلين عن مصر والإمارات والمعارضة السودانية تمثل جماعات دارفورية ومن شرقي السودان , وأشارت “الشرق” إلي أنه يُعتقد لدي بعض الدوائر أن التواجد العسكري المصري بإرتريا رد علي سماح السودان بوضع يد تركيا علي جزيرة سواكن كجزء من سياسة تركية أوسع مدي تتعلق بأفريقيا , لكن مصادر مُطلعة أفادت صحيفة SUDAN TRIBUNE في 7 يناير 2018م بأن سبب نشر القوات السودانية يعود إلى أوضاع داخلية في إريتريا ينتظر أن تسفر عن موجة لجوء كبيرة صوب الحدود السودانية ربما يتسلل من خلالها مسلحون تابعون لحركات دارفور أو المعارضة الإثيوبية , ولذلك سارعت السودان بالتنسيق والتشاور في هذا الموقف , فيما ذكرت قناة “الجزيرة” أن مصادر أبلغت مراسلها بإثيوبيا بوصول تعزيزات عسكرية من مصر تشمل أسلحة حديثة وآليات نقل عسكرية وسيارات دفع رباعي إلى قاعدة “ساوا ” العسكرية بإريتريا في محاولة للربط بين المشهدين وللإيحاء بأن ثمة تحركات عسكرية بين مصر والسودان عند الحدود الإريترية , وهو ما نفته القاهرة بوضوح في حينه , لكن علي أي الأحوال فقد إستدعي هذا الموقف وفقاً لما نشرته وكالة أنباء السودان الرسمية صباح السبت 6 يناير 2018م إصدار والي كسلا لقرار بإغلاق جميع المعابر الحدودية مع دولة إريتريا اعتبارا من مساء الخامس من شهر يناير من العام 2018م ولحين توجيهات أخرى ، استنادا على المرسوم الجمهوري رقم (50) لسنة 2017م الخاص بإعلان حالة الطوارئ في ولاية كسلا , كما تزامن مع زيارة الرئيس أفورقي للقاهرة والأنباء التي نُشرت عن تمركز قوات سودانية علي الحدود مع أرتريا إصدار وزارة الخارجية السودانية بيان مقتضب في 5 يناير 2018م تضمن ”استدعاء سفير السودان لدى القاهرة إلى الخرطوم بغرض التشاور” , وبالإضافة إلي ذلك ترددت أنباء عن رغبة مصر في استبعاد السودان من مفاوضات سد النهضة مع إثيوبيا , وهو ما نفاهـ أيضاً المتحدث باسم الخارجية المصرية في حينه , لكن إستدعاء السفير كان في خلفيته تصريح لوزير الخارجية السوداني قال فيه ”إن مصر استخدمت لسنوات طويلة جزءًا من حصة السودان من مياهـ النيل ، وإن مصر منزعجة لأنها ستخسر تلك المياهـ عند اكتمال بناء سد النهضة لكونه سيمكّن السودان من حصته بالكامل” , ولذلك كان الإقتراح السوداني بتشكيل قوة سودانية / مصرية مُشتركة علي الحدود نتيجة لمناخ قاتم غشي سماء العلاقات الثنائية سادهـ إستمرار الملاسنات المتبادلة في وسائل إعلام البلدين بسبب الموقف السوداني المُؤيد لإثيوبيا في مسألة سد النهضة الخلافية مع مصر وكذلك بسبب جزيرة سواكن وما تردد عن إتفاق تركيا مع السودان خلال زيارة الرئيس التركي أردوغان لها زيارته في 24 ديسمبر 2017م علي إقامة قاعدة عسكرية تركية , لكن يبدو أن تصاعد التوتر إلي هذهـ الدرجة لم يكن مُحتملاً من الجانبين خاصة الجانب المصري , لذا قرر السودان عودة سفيرهـ للقاهرة لمقر عمله بالقاهرة في 6 مارس 2018م , وكانت عودته مُقدمة وربما مُبرراً مُشجعاً لقيام مدير المخابرات العامة المصرية بالإنابة بزيارة للخرطوم في 10 مارس 2018م إلتقاهـ خلالها الرئيس السوداني , ووفقاً لما أوردته وكالة الأنباء السودانية SUNA فقد ناقشا ”أهمية الإتصالات بين البلدين والتحديات بالمنطقة والتي لا يجب أن تؤثر علي العلاقات بين البلدين” , ومع ذلك لم يحدث للآن أي تقدم يُذكر بشأن تشكيل هذهـ القوة التي ألح علي تشكيلها الجانب السوداني الذي في تقديري كان يستهدف تحقيق بعض الأهداف منها توفير قدر من الإطمئنان عن النوايا المصرية الحالية والمُستقبلية إزاء السودان خاصة وأن الرئيس السوداني أعلن في 22 مايو 2017م عن تورط مصر في دعم تمرد دارفور” وقال ’’لقد إستولينا علي مركبات مدرعة وقدر كبير من السيارات العسكرية الأخري والمعدات” وأضاف ” إننا نقولها بكل يقين أنها مركبات مدرعة مصرية , مصر التي لم تمدنا أبداً بأي دعم طيلة 20 عاماً في معركتنا بجنوب السودان” , كما بث التليفزيون السودان حينها فيلم يعرض هذهـ المعدات والمركبات المدرعة بعد أن صادرها الجيش السوداني من متمردي دارفور, هدف آخر قد يسعي لتحقيقه الجانب السوداني وهو أنه وفي غياب إطار تعاهدي منذ أن جمد الصادق المهدي رئيس وزراء السودان إتفاقية الدفاع المُشترك الموقعة بين مصر والسودان في 15 مايو1976م , فقد تُعتبر هذهـ القوة المُقترحة بمثابة قناة يحتاج إليها الجانبين للتعامل وبوضوح وبصفة مباشرة في المشكلات الأمنية والعسكرية ذات الصلة , في ضوء نقص المعلومات عن تفاصيل المقترح السوداني بتشكيل هذهـ القوة .
في تقديري أن الجانب المصري لم يستجب لإنشاء هذهـ القوة والتي قد تتضمن صلاحياتها ونقاط تمركزها ومدي مهامهاوفقاً للرؤية السودانيةالعمل أيضاً بداخل حلايب المُتنازع عليها علي إعتبار أنها منطقة بها تواجد شرطي سوداني , وسيبرر الجانب السوداني ذلك بأنه علي غرار الدوريات الأمنية المُشتركة بين السودان وإثيوبيا في منطقة الحدود المُشتركة بالقلابات والفشقة والحميراء والتي مازالت موضع خلاف وليس نزاع , وهو أمر إن كان صحيحاً فسيرفضه الجانب المصري , ليقضي علي المقترح , وهو ما أعتقد في ضوء المعلومات المُتاحة أن هذهـ القوة التي إقترحها السودان تعرضت للتسويف ثم الإعراض عنها من الجانب المصري خاصة وأن الأعباء العسكرية والأمنية التي تثقل كاهل المؤسستين العسكرية والأمنية المصرية لن تبرر إضافة عبء جديد مشكوك في مردوديته وكفاءته , فالأعباء المُلقاة علي كاهلي القوات المُسلحة المصرية والسودانية ثقيل للغاية فالرئيس البشير نفسه صرح عام 2015م بأنه ”لو أن 100% من ميزانية الدولة خُصصت للجيش لتأمين البلاد ما كان ذلك كافياً“, كما أن تشكيل القوة المُشتركة بحاجة إلي تمويل خاص فالقوة المُشتركة ليست بالفكرة المُجردة عن الواقع الذي يشير إلي إتساع وتعدد مهام القوات المُسلحة للبلدين , كما أنه لا يجب أن نغفل عن أن إستمرار عدم الإستقرار السياسي بمصر والسودان وإن بشكل ووصف مختلف هنا عن هناك إلا أن المحصلة أن عدم الإستقرار الداخلي قد يصل لدرجة الغليان بالنظر إلي إستمرار تصاعد وتيرة الضغوط السياسية والإقتصادية والإجتماعية , كما لا يجب أن نفصل بين منطقة الحدود المُشتركة بين مصر والسودان وتفكك الوضع العسكري والأمني والسياسي في ليبيا والتي لمصر إزاء قضيتها رؤية مختلفة عن الرؤية السودانية وهو ما يقطع الطريق أمام تناولهما لمصادر التهديد الأمني والعسكري لكل منهما علي حدة , وطالما ظلت الرؤية متباينة بين مصر والسودان في شأن قضية ليبيا وقضايا أمنية أخري فستظل قدرتهما علي إستكمال دائرة سيطرة القوة المُشتركة المُقترحةعلي حدودهما المُشتركة ناقصة , إذ أن الحدود الليبية مع مصر والسودان في حالة إنشاء القوة المصرية / السودانية لحماية حدودهما تظل عاملاً مُتحكماً في كفاءة أداءها إن نشأت .
لكن وعلي الجانب الآخر نري وضعاً مختلفاً ووظيفة مختلفة يؤسس الجانبين الإثيوبي والسوداني عليها إقامة ”قوة مُشتركة” لهما , ففي 27 أبريل 2018م إنتهت أعمال دور إنعقاد اللجنة العسكرية الإثيوبية / السودانية في أديس أبابا وُقع خلاله بروتوكول دفاع وحماية ونوُقشت عدد من المسائل ذات الإهتمام المُشترك وعبر الجانبان في نهاية الإنعقاد عن ”الحاجة للوفاء بالنتائج المُحققة والإستعداد للتضامن التام في تأمين الحدود المُشتركة وتبادل المعلومات والسيطرة علي الجماعات المُنتشرة ومحاربة تهريب البشر والأسلحة , والمخدرات والجريمة العابرة” , وأتفق الجانبان علي تشكيل “قوة مُشتركة” لحماية مشروع سد النهضة الإثيوبي , كما إتفقا علي تفعيل القوات للحفاظ علي الأمن والإستقرار والتعاون في مجالات التدريب وتبادل الخبرات (إقترح الجانب السوداني خلال الإجتماع الرابع عشر للجنة الفنية السودانية / الإثيوبية المُشتركة ، في أكتوبر2016م بالخرطوم تمركز وحدات عسكرية بالحدود المُشتركة بين البلدين) , وقد نشرت بعض وسائل الإعلام الإلكترونية الإثيوبية بالتزامن مع إنعقاد هذهـ اللجنة خبراً مفادهـ أن القوات الإثيوبية أحبطت مُخططاً تدعمه إرتريا للهجوم علي موقع مشروع سد النهضة الواقع علي بعد 20 كم من الحدود الأإثيوبية / السودانية , وأن القوات الإثيوبية قتلت 13 من هؤلاء المُهاجمون والذين ينتمون لحركة التحرير الشعبية لبني شنقول جوميز , وهو ما نفته الحكومة الأرترية واصفة هذا الإتهام بأنه “مثير للضحك” .
من الواضح أن إثيوبيا أدركت من خلال خوضها لأزمة مشروع سد النهضة وهو واحد من مشروعات سدود مُدرجة علي قائمة بجدول زمني تزمع إثيوبيا إقامتها علي النيل الأزرق مُستقبلاً , أدركت أنه لابد من إحكام تأمين مواقع هذهـ السدود , وفي هذا الإطار وبالرغم من أن إثيوبيا التي حلت سلاحها البحري عام 1991م ليس لها منفذ بحري بعد أن نالت إرتريا إستقلالها عنها عام 1993م إلا أن وطأة هذهـ المخاوف الإثيوبية دعتها إلي وضع خطط لإنشاء سلاح بحري وذلك في إطار عملية إصلاحات عسكرية تمضي فيها قدماً , ولقد صرح رئيس الوزراء الإثيوبي Abiy Ahmed تأكيداً لذلك في لقاء مع كبار العسكريين الإثيوبيين بقوله ”متابعة للجهود المبذولة لبناء قدرة لدفاعنا الوطني , فإننا ننشئ واحدة من أقوي نظم الدفاع الجوي والبري بأفريقيا” وتابع قائلاً ”يجب علينا إنشاء قدرة للقوة البحرية في المستقبل” * (وكالة Reuters بتاريخ 3 يونيو2018 نقلاً عن Fana Broadcasting) * , وفي الواقع فإن الخطط الإثيوبية لإنشاء قدرة بحرية عسكرية لا تعتمد علي الجغرافيا فإثيوبيا دولة حبيسة لكنها تعتمد علي السياسة فالعلاقات الإثيوبية / السودانية أظهرت أزمات واجهتها الدولتان خلال العقود الثلاث الماضية منها علي سبيل المثال لا الحصر الحرب الأرترية / الإثيوبية ومواجهة السودان للتمرد الجنوبي وسد النهضة الإثيوبي أنها مؤسسة علي مساحة مُشتركة بنظرية أمنهما القومي تتسع بتوالي الأزمات التي تواجهها الدولتان , ولذلك فما صرح به رئيس الوزراء الإثيوبي عن إنشاء قدرة بحرية له صلة بتطور سابق , إذ سبق وأن أُعلن وزير الخارجية الإثيوبي Workneh Gebeyehu في 3 مايو 2018م في نهاية محادثات بين رئيس الجمهورية السوداني ورئيس الوزراء الإثيوبي بالخرطوم أن البلدان إتفقتا علي تنفيذ فوري لإتفاق التطوير والإدارة المُشتركة لميناء بورسودان الذي تستخدمه إثيوبيا لخدمة مناطقها الشمالية والشمالية الغربية * (APA في 3 مايو2018م) , وبناء علي ذلك فمن المُتصور أن يؤدي إتفاق الإدارة المُشتركة لميناء بورسودان وهو الذي ينصرف معناهـ علي الإدارة لأغراض إقتصادية إلي تواجد مُحتمل لعناصر القدرة البحرية الإثيوبية المُزمع إنشاؤها جنباً إلي جنب مع البحرية السودانية بقاعدة بورسودان البحرية , فإثيوبيا وضعت – كما تقدمت الإشارة مُخططاً لسدود أخري بعد الفراغ من سد النهضة وبالتالي فإن خشيتها ستتصاعد من أجل حماية مواقع هذهـ السدود ولذلك فإن إتفاق الإدارة المُشتركة لميناء بورسودان ستستغله إثيوبيا في توسيع المدي الجغرافي لحماية سد النهضة وأي سدود أخري تُزمع إثيوبيا بناؤها , وذلك بصفة إستباقية بحيث من المُقدر ألا تكتفي العسكرية الإثيوبية بالتعاون مع العسكرية السودانية – التي لها مصلحة إقتصادية لا تقل عن المصلحة الإثيوبية من سد النهضة – بالدفاعات الأرضية المحيطة بموقع السد الذي يبعد 20 كم عن حدودها مع السودان , فالمخاوف الإثيوبية بعضها مؤسس علي معلومات غير مُوثقة لكن المُتفق عليه أنه إذا كان الأمر مُتعلق بالأمن القومي لبلد ما فإن المعلومات التي تتماس مع المهددات الأمنية لا تهمل وفي هذا يُشار إلي ما أشارت إليه صحيفة SUDAN TRIBUNE علي موقعها في 17 أبريل 2017م بالإحالة علي منظمة عفار البحر الأحمر الديموقراطية RSADO المُعارضة لنظام الحكم القائم بإرتريا أن حكومة أسمرا أعطت مصر الضوء الأخضر لبناء والحصول علي قاعدة عسكرية علي الأراضي الأرترية البالغ مساحتها 121,320 كم مربع (أكبر قليلاً من ولاية Pennsylvania الأمريكية) والتي تطل علي البحر الأحمر بساحل طوله 2,234 كم وأهم جزرها به جزيرة Dahlak , ولها حدود يبلغ مجمل 1,630 كم منها 1133 كم مع جيبوتي و912 مع إثيوبيا و605 كم مع السودان, وتحدد مصادر المعارضة الأرترية موقع هذهـ القاعدة بأنها في جزيرة (محلية) Nora أو Norah وهي ثاني أكبر الجزر المسكونة بأرخبيل Dahlak وتبلغ مساحتها حوالي 105 كم مربع , وتشير هذهـ المصادر إلي أن وفداً عسكرياً وأمنياً مصرياً قام بزيارة لأسمرا مطلع أبريل 2017م للإتفاق علي تمركزعدد يتراوح ما بين 2000 إلي 3000 من عناصر البحرية المصرية بهذهـ القاعدة البحرية بأرتريا الموضوعة حالياً تحت عقوبات الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن رقم S/RES/2317 لعام 2016م والذي تم تجديدهـ حتي 15 نوفمبر .
عندما نُلقي نظرة علي العلاقات العسكرية والمخابراتية الأمنية لمصر مع كل من السودان وإثيوبيا نجد أنها تكاد وأن تكون معدومة مع إثيوبيا وفي أضيق الحدود مع السودان وبالقدر اليسير الذي يتيح مناقشة تداعيات آنية للنزاع علي السيادة علي حلايب لا أكثر ولا أقل , فيما وعلي النقيض من ذلك نجد العلاقات العسكرية والمخابراتية بين إثيوبيا مُضطردة وتتسع بإتساع وتنوع مجالات العلاقات الثنائية سواء السياسية أو المائية (نهر النيل وسد النهضة) والإقتصادية وحركة الهجرة الإثيوبية والنزاع الحدودي الذي يُدار بأقصي درجات الحرص والهدوء , ومعني هذا ببساطة أن العلاقات المصرية / السودانية التي تُوصف في الخطب الرسمية بأنها أزلية لا علاقة لها بالأزل الآن فهي علاقات محدودة هشة مُهتزة وفي حدها الأدني الذي لا يكفي أي سياسي محترف كي ينقذها من الوهدة السحيقة التي سقطت فيها , فالعلاقات العسكرية الإثيوبية / السودانية كما سبقت الإشارة تشهد نقلة نوعية بتشكيل قوة مُشتركة للدفاع عن منشآت سد النهضة وهو تطور نوعي يتعدي العلاقات العسكرية ليؤكد أن نظريتي الأمن القومي لكل من السودان وإثيوبيا بهما مساحة مُشتركة أو لنقل مُتداخلة عبر عنها أوضح تعبير الرئيس السوداني في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين بثته وكالة الأنباء السودانية في 4 أبريل 2017م أشار فيه إلي ”إنه لا سقف للتعاون بيننا في المجال الأمني إذ إن أمن أثيوبيا هو أمن السودان , وأمن السودان هو أمن أثيوبيا ” , وهو ما أمن رئيس الوزراء الأثيوبي ديسالين عليه بقوله” إن ما يمس أثيوبيا ينعكس على السودان ، وإن ما يمس السودان ينعكس على إثيوبيا , لذلك فإن البلدين مصممان على التعاون الوثيق في هذهـ المجالات كلها“ .
تتعدد القاءات والمباحثات الثنائية في الشأن العسكري والمخابراتي بين إثيوبيا والسودان وبالقدر الذي تتناول فيه بحث وحل مشكلات طارئة بالقدر نفسه تمضي قدماً نحو تطوير هذهـ العلاقات وتنويعها فعلي سبيل المثال وفي إطار اللقاءات الدورية بين العسكريتين الإثيوبية والسودانية , إجتمع قائد فرقة المشاة الثانية عشر في الجيش الإثيوبي وقائد الفرقة الرابعة مشاة بالجيش السوداني بحضور محافظ محافظة النيل الأزرق السودانية في Addis Ababa في 30 ديسمبر 2017م لبحث وسائل دعم الإستقرار بالمناطق علي طول الحدود المُشتركة ومتابعة التوصيات التي صدرت عن اللجنة العسكرية المُشتركة التي عُقدت في سبتمبر 2017م والتي وضعت خطة خماسية تتضمن جميع مجالات التعاون الثنائي التي نص عليها البروتوكول العسكري الذي وقعته البلدان عام 2009م , هذا بالإضافة إلي مذكرة التفاهم التي وقعها الجانبان في أكتوبر 2017م التي تناولت تعزيز التعاون الأمني والعسكري لمحاربة الإرهاب , وفي الواقع فالتنسيق وتمازج المواقف السياسية بين السودان وإثيوبيا تخطي النطاق الثنائي ليعمل في النطاقين الدولي والإقليمي فنحن نجد علي سبيل المثال في متن برقية شفرية صادرة عن السفارة الأمريكية في أديس أبابا بتاريخ 8 يونيو 2009م ماجري في اللقاء الذي تم بين السفير الأمريكي هناك ورئيس المخابرات الإثيوبية Getachew Assefa والذي يعد واحداً من المُتشددين داخل اللجنة التنفيذية لحزب الجبهة الشعبية الثورية الديموقراطية الحاكم بإثيوبيا , حيث حث Getachew في حديثه إليه الولايات المتحدة علي الإرتباط مع القيادة السودانية الحالية مُشيراً إلي أن السودان أكثر من الصومال فهي تمثل التهديد الأعظم للأمن الإقليمي والإستقرار وأن إرتريا تعد البلد الوحيد بالإقليم الذي يستفيد من عدم الإستقرار . * (UNDERSTANDING THE ETHIOPIAN HARDLINERS . EO 12958 DECL: 06/07/2019 ) , ولذلك يمكن القول أن حيز التناقضات في المواقف السياسية بين إثيوبيا والسودان دائماً ما يكون في حدهـ الأدني فالبلدان علي الصعيد الإقليمي عدوهما واحد وهو إرتريا كما أن خصمهما واحد وهو مصر التي بسبب بطء أداءها في الملف الألإريقي وتركيزها المُبالغ فيه أحياناً لملف دول حوض النيل والذي تتناوله وعيناها علي مياهـ النيل فقد بالإنفصال عن متابعة دقيقة ويومية لمجريات السياسات الداخلية والخارجية لهذهـ الدول , أدي بالسياسة المصرية في أفريقيا عموماً ودول حوض النيل إلي أن تكون مُنفصلة عن الواقع السياسي بهذين النطاقين وهو وضع خطر , ويزيد الوضع سوءاً إذا ما أضفنا الدائرة المُفرغة التي أدخلت مصر نفسها فيها بموقفها الواضح في دعم نظام حكم رئيس جنوب السودان Salva kiir Mayardit في مواجهة خصمه Riek Machar زعيم المعارضة الجنوبية في الحرب الأهلية الدائرة في جنوب السودان منذ ديسمبر 2013م , وقد أخذ هذا الدعم أشكال عدة أهمها الدعم العسكري والسياسي والإقتصادي وقد ساندت مصر موقف الرئيس الرافض للدعم العددي كما أنها إمتنعت عن التصويت علي مشروع قرار أمريكي بفرض حظر علي السلاح لجنوب السودان , هذا وهو الأهم أن الموقف المصري الداعم لنظام Salva kiir كان موقفاً ذا إتجاهـ واحد بمعني أن مصر إهتمت بصفة تكاد تكون حصرية بدعم نظام Salva kiir دون النظر لتداعيات إستمرار الحرب الأهلية بجنوب السودان مُكتفية بعبارات صماء عن “ضرورة وقف الحرب” , فيما كان الموقف الإثيوبي من هذهـ المسألة ديناميكي ونشط وعملي إذ أن الموقف الإثيوبي بالإضافة إلي ذلك فهو مُتوازن نسبياً بين طرفي هذهـ الحرب ويختلف كلية عن الموقفين المصري و الأوغندي في هذا الشأن , وفي هذا الإطار تولت إثيوبيا برعاية من رئيس وزرائها Hailemariam Desalegn بإعتبار عضوية بلادهـ في تجمع Intergovernmental Authority on Development أو ما يُعرف إختصاراً IGAD إدارة المفاوضات بين طرفي هذهـ الحرب مدعومة من الإتحاد الأفريقي وذلك حتي تم التوصل إلي إتفاقية أديس أبابا وتوقيع طرفي الحرب عليها في 17 أغسطس 2015م , والواقع أن إثيوبيا دفعها إلي ذلك عدة دوافع مُرتبطة ببعضها البعض أولها تأكيد الدور الإقليمي المُتميز لإثيوبيا في القرن الأفريقي علي نحو خاص , وثانيها الحرص علي إستقرار قوة التأثير المتبادل لإثيوبيا والسودان فيما يتعلق بدولة جنوب السودان , ثالثها خفض الأثر السلبي الناتج عن إستمرار تصاعد الحرب بالجنوب لما لذلك من تأثير علي معادلة الأمن القومي الإثيوبي خاصة في شقها الديموجرافي , إذ أن أعداداً من قبيلة Murle لجأت إلي إثيوبيا وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي Desalegn, on Monday في 18 أبريل 2016م عبر بيان مُتلفز أن القوات الإثيوبية ستتعقب مسلحين من قبيلة Murle للمناطق التي أتوا منها في جنوب السودان لإنقاذ 100 طفل إثيوبي في قبضة هؤلاء , وأشارت الأنباء الواردة من أديس أبابا أن أبناء قبيلة Murle عبروا حدود جنوب السودان مع إثيوبيا وأغاروا علي 13 قرية إثيوبية بولاية Gambella الإثيوبية سكانها إمتداد ديموجرافي لقبيلتي Anyuak و Nuer *(التي ينتمي إليها Riek Machar خصم رئيس جنوب السودان Salva kiir) .
كما سبقت الإشارة هناك مساحة تتسع في العلاقات العسكرية بتطور مصفوفة العلاقات الثنائية المزدهرة بين إثيوبيا والسودان , بينما العلاقات العسكرية المصرية مع إثيوبيا معدومة وفي منسوب أقل من الحد الأدني مع السودان , في الوقت الذي تتنامي وتتعزز العلاقات العسكرية المصرية مع جنوب السودان , وفي هذا الإطار وقعت مصر وجنوب السودان في 23 مارس 2014م إتفاق تعاون عسكري ثنائي عقب زيارة قام بها Kuol Manyang Juuk وزير دفاع جنوب السودان للقاهرة , ووفقاً لمصادر أفادت صحيفة Sudan Tribune فالإتفاق يتناول التعاون في مجالات المشاركة بالخبرات والتدريب للقوات الخاصة والمناورات المُشتركة والمشاركة في الندوات وعمليات البحث والإنقاذ , وهناك عدداً من المبررات والدوافع التي حملت مصر علي إنتهاج هذا الموقف الداعم لجنوب السودان في مقدمتها أن جنوب السودان يتعرض منذ إستقلاله عن السودان في 9 يوليو 2011م لضغوط إثيوبية قوية لحمله علي توقيع إتفاق التعاون الإطاري CFA المعروف بإتفاق عنتيبي بين دول حوض النيل والذي تعارضه مصر .
أضافت الحرب الأهلية الدائرة بجنوب السودان منذ ديسمبر 2013م دائرة عمل وحركة للعسكرية المصرية التي نشطت في دائرة عمل أخري هي البحر الأحمر , لكن السؤال الأهم هو : هل تمثل الحرب الأهلية بجنوب السودان من الوجهة العسكرية خطراً علي الأمن الإقليمي ؟ الإجابة يقيناً نعم ولهذا تسعي إثيوبيا إلي تسوية تفاوضية بين نظام الرئيس Salva kiir وخصومه بزعامة Riek Machar وهو ما لا تسعي إليه مصر تماماً وأوغندا كل بدرجة تتناسب مع تطلعاته في الوفاء بمتطلبات أمنه القومي , والسؤال التالي هو : هل تمثل جنوب السودان (وأرتريا) منصة عمل عسكري مصري ضد إثيوبيا ؟ الإجابة بإختصار هي : لا يمكن أن يكون الأمر علي هذا النحو , إذ أن العلاقات العسكرية المصرية مع جنوب السودان موضع متابعة من الولايات المتحدة والأمم المتحدة وهي علاقات لن تتعدي في حدها الأقصي حد الدعم العسكري تسليحي كان أم تدريبي أم معلوماتي (والأخير دعم محدود لعدة أسباب) ولن تتجاوز ذلك لأسباب تتعلق بالعلاقات الإثيوبية / الأمريكية والدور الإثيوبي الضروري للولايات المتحدة في الصومال بالإضافة إلي أن العسكرية المصرية نفسها مُثقلة بمهام عسكرية متنوعة ومتباينة – لم تتم – لكنها أقل خطراً في الداخل المصري وخاصة تلك التي في سيناء التي أُعلن عن بدء إنسحاب القوات المُشتركة في عملية “سيناء 2018م” منها توطئة لإعلان الإنتصار فيها علي الإرهاب (موقع MIDDLE EAST MONITOR بتاريخ 13 يونيو2018م) وهي أنباء مشكوك في صدقيتها وفقاً للمعطيات الحالية , وعلي أي الأحوال فلن يتعدي التهديد العسكري المصري لإثيوبيا إنطلاقاً من جنوب السودان أو حتي إرتريا حد إحداث قلق منتظم لإثيوبيا وبقدر أقل للسودان .
في ضوء ما تقدم يمكن النظر إلي قوة وتماسك العلاقات العسكرية بين إثيوبيا والسودان من جانب وبين مصر والسودان من جانب آخر من خلال مسألة تشكيل القوة المُشتركة , إذ أن قوة العلاقات الثنائية ككل وتنوعها وتفاعلاتها الإيجابية أدت إلي تشكيل هذهـ القوة بين السودان وإثيوبيا وحصر مهمتها في حماية موقع مشروع سد النهضة أي حماية الأمن القومي الإثيوبي الذي أصبحت السودان أكبر مُستفيد إقليمي من نماءهـ , وعلي نحو مُغاير نجد أن تشكيل القوة المُشتركة بين مصر والسودان إستهدف تأمين حدودهما المُشتركة فقط , ومع ذلك لم تتفق البلدان علي أمرها من حيث المبدأ ناهيك عن تشكيلها , فخلافاً للحالة الإثيوبية / السودانية , نجد أن العلاقات المصرية / السودانية مؤسسة علي مجموعة من الأزمات التي تداخلت مع بعضها البعض مع طول مدة تفاعلات هذهـ الأزمات منذ 1990م وحتي وقتنا الراهن مما أدي إلي تداعيات أكبر عدداً من عدد هذهـ الأزمات , ومن ثم كانت مسألة تشكيل قوة مصرية / سودانية مُشتركة مرآة عاكسة لإفتقاد الثقة والخشية المُتبادلة بين نظامين خلفيتهما ومرجعيتهما الرئيسية عسكرية .
النزاعان الحدوديان :-
هناك نزاعان حدوديان تخوضهما السودان أولهما مع إثيوبيا , فوفقاً لتقرير مصلحة المساحة السودانية المُؤرخ في 31 مارس 1966م أي قبل 26 سنة من إعلان إستقلال إرتريا في 23 مايو 1993م والذي يُبين وضع الحدود الإثيوبية / السودانية والذي قسم حدود السودان مع إثيوبيا قبل إستقلال إرتريا لقسمين القسم الأول يتعلق بالجزء الشمالي من إثيوبيا وطوله 1315 كم تقريباً والقسم الثاني ويتعلق بالجزء الجنوبي من إثيوبيا وطوله 290 كم تقريباً , أما القسم الأول فيبدأ من حدود السودان وإثيوبيا من نهاية حدود إرتريا وينتهي في تقاطع خط العرض 6 درجة شمالاً مع خط الطول 35 شرق جرينتش , وقد تم الإتفاق علي تعيين الحدود في هذهـ المنطقة بموجب معاهدة 1902م التي وقع عليها الجانب البريطاني والجانب الإثيوبي , وقد أُرفقت مع المعاهدة خريطة توضح الحدود المُقترحة وهي المُشار إليها ”بالخط الأحمر” , كما نصت المادة الثانية من هذهـ المعاهدة علي قيام لجنة حدود مُشتركة لوضع الحدود المُقترحة علي الطبيعة , وبالفعل قامت الحكومة البريطانية من جانبها بتعيين الماجور كوين للإضطلاع بهذهـ المهمة , وقد أشار الجانب السوداني في تقريرهـ هذا بأن هناك بعض التقارير ورد بها أن الإمبراطور منليك الثاني طلب من الحكومة البريطانية أن يمثل الماجوركوين الجانب الإثيوبي ,علي أنه لا توجد وثيقة تثبت هذا التفويض , وقام الماجوركوين بمسح الحدود علي الطبيعة ووضع لها وصفاً عاماً ضمنه بروتوكول الحدود المُوقع عليه من الحكومة البريطانية في 27 يونيو 1903م والذي لم توقع عليه الحكومة الإثيوبية , وبالتالي فهي لم تعترف به حتي أيامنا هذهـ , وقد ورد بتقرير مصلحة المساحة السودانية أنه ”وبناء علي ما تقدم فإن بروتوكول كوين 1903م يعطي تفسيراً عملياً مقبولاً لمعاهدة 1902ك , كما أن تفويض الإمبراطور منليك الثاني لكوين يعتبر بمثابة موافقة مبدأية علي بروتوكول الحدود , هذا في حالة وجود وثيقة تثبت هذا التفويض , وأن لجنة الحدود السودانية في تقريرها المؤرخ في 21 مارس 1966م رأت أن تقوم الخارجية السودانية بالإتصالات الدبلوماسية اللازمة للحصول علي موافقة إثيوبية رسمية علي هذا البروتوكول وإلا أصبح لا مناص من قيام لجنة مُشتركة من الجانبين لإعادة النظر في هذا البروتوكول” , وتنظم الحدود في المنطقة الجنوبية من الحدود الإتفاقية المعقودة بين الحكومتين البريطانية والإثيوبية في 6 ديسمبر 1907م , وكان الغرض منها تنظيم الحدود بين إثيوبيا وشرق أفريقيا البريطانية (الجزء الشمالي الشرقي من السودان آنذاك) وأوغندا (الجزء الجنوبي الشرقي من جنوب السودان حالياً) , وقد وقع الإمبراطور منليك الثاني علي النسخة المكتوبة بالأمهرية من هذهـ الإتفاقية بينما لم يوقع علي النسخة التي بالإنجليزية .
يُلاحظ بأنه لم يرد ذكر السودان في الإتفاقية المُشار إليها , ذلك أن حدود السودان المعروفة في ذلك الحين كانت تنتهي عند خط العرض 6 شمالاً مع خط الطول 35 شرق جرينتش , ولكن وبعد أن عُقدت إتفاقية 1914م بين السودان وأوغندا والمعروفة بخط أوغندا 1914م , أصبح السودان مُلزما تلقائياً بإتفاقية 1907م والتي كان مُرفقاً بها خريطة توضح باللون الأحمر الحدود المُقترحة , وقد نصت الإتفاقية المُشار إليها علي تشكيل لجنة مُشتركة لتخطيط الحدود علي الطبيعة ورشحت بريطانيا الماجور كوين علي رأس هذهـ اللجنة فيما لم تعين إثيوبيا ممثلاً لها فيها , رغم أن الماجور كوين ظل لشهرين في اديس ابابا ينتظر تعيين حكومة إثيوبيا لممثلها ولما لم تفعل إثيوبيا ذلك أضطر الماجور : كوين إلي مغادرة أديس أبابا . ووجد كوين أن الخط الأحمر شمال بحيرة رودلف لا يصلح حداً بين إثيوبيا وأوغندا (السودان الجنوبي حالياً ) لعدم صلاحيته إدارياً , وعليه فقد قام بتعديله ليتمشي مع المعالم الطبيعية , وقد رفع كوين تقريراً لوزارة المُستعمرات البريطانية في الأول من نوفمبر 1909م أرفق به بروتوكول للحدود تضمن وصفاً عاماً لها من نقطة البداية بشرق أفريقيا حتي ملتقي نهري البيبور و أكوبو , والأمر الأكثر أهمية أخيراً - وفقاً لتقرير المساحة السودانية – أن مجلس الوزراء الإثيوبي أخطر الوزير المفوض البريطاني بأديس أبابا في نوفمبر 1910م بأن حكومة إثيوبيا لا توافق علي التحديد الذي قام به الماجور كوين وأنها تعتبر الخط الأحمر المُبين بالخريطة المُرفقة بمعاهدة 1907م هو الحد النهائي وقد رد الوزير المفوض البريطاني بأن بريطانيا لا توافق علي هذا الرأي , وقد أشار تقرير مصلحة المساحة السودانية بوضوح في هذا الشأن أن الخط الأحمر بمعاهدة 1907م يوضح الخطوط العريضة للحدود بالمنطقة وأنه قابل للتعديل حسب المعالم الطبيعية والحدود القبلية , فيما تري الحكومة الإثيوبية من جانبها – وفقاً للتقرير السوداني – الإعتراف بمعاهدة 1902م وخريطة الحدود المُرفقة بها وعدم الإعتراف ببروتوكول 1903م .
عند إسقاط مسألة النزاع الحدودي بين السودان وكلا من إثيوبيا ومصر سنجد مفارقة كالتي نجدها عند إسقاط النزاع الحدودي بين مصر وإسرائيل بشأنطابا” علي الحالة المصرية مع السودان , فكلا من مصر والسودان بدرجة أو بأخري لم يتعاملا في شأن نزاعهما الحدودي علي حلايب بالأسلوب الودي الذي ميز تعاملهما في نزاعهما الحدودي مع إسرائيل وإثيوبيا علي التوالي , صحيح أن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وفرت مرجعية لا مناص من اللجوء إليها في التفاوض ثم التحكيم في شأن نزاع طابا الذي تعلق بمواضع علامات حدودية , إلا أن علاقات مصر والسودان مرجعيتها أكثر صلابة بل أكثر عمقاً لأنها لم تُكتب علي أوراق بل كُتبت علي صفحة الحياة نفسها فدائما ما يصفها مسئولي مصر والسودان بالأزلية وهي صفة لا يمكن توفرها بأي حال في علاقات مصر بإسرائيل الدولة التي أُنشأت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المُتعلق بتقسيم فلسطين رقم 181 بتاريخ 29 نوفمبر 1947م .
فيما يتعلق بالنزاع الحدوي الثاني الذي يُواجهه السودان مع إثيوبيا فيبدأ الجزء الشمالي من حدود السودان وإثيوبيا من نهاية حدود إرتريا وينتهي في تقاطع خط العرض 6 درجة شمالاً مع خط الطول 35 شرق جرينتش , وقد تم الإتفاق علي تعيين الحدود في هذهـ المنطقة بموجب معاهدة 1902م التي وقع عليها الجانب البريطاني والجانب الإثيوبي , وقد أُرفقت مع المعاهدة خريطة توضح الحدود المُقترحة وهي المُشار إليها ”بالخط الأحمر” , كما نصت المادة الثانية من هذهـ المعاهدة علي قيام لجنة حدود مُشتركة لوضع الحدود المُقترحة علي الطبيعة , وبالفعل قامت الحكومة البريطانية من جانبها بتعيين الماجور كوين للإضطلاع بهذهـ المهمة .
أشار الجانب السوداني في تقريرهـ هذا بأن هناك بعض التقارير ورد بها أن الإمبراطور منليك الثاني طلب من الحكومة البريطانية أن يمثل الماجور كوين الجانب الإثيوبي , علي أنه لا توجد وثيقة تثبت هذا التفويض , وقام الماجور كوين بمسح الحدود علي الطبيعة ووضع لها وصفاً عاماً ضمنه بروتوكول الحدود المُوقع عليه من الحكومة البريطانية في 27 يونيو 1903م والذي لم توقع عليه الحكومة الإثيوبية , وبالتالي فهي لم تعترف به حتي أيامنا هذهـ .
قد يكون في تتبع تناول السودان لوضعية حدودهـ مع إثيوبيا – والتي لم تُحسم مادياً بعد – ما قد يلقي الضوء علي حقائق متنوعة تتعلق بالعلاقات السودانية مع كل مصر وإثيوبيا أي بين دولة منابع النيل وبين دولة المصب وهذهـ الثلاثية يعتبر السودان فيها الحلقة الوسطي للإتصال البري بين مصر وإثيوبيا وهي نظرة قلما تخالج مُتخذ القرار المصري وتسببت في تقديري في خسائر إستراتيجية لمصر , لكن علي أية حال يمكن إستنتاج أن السودان وإثيوبيا لديهما حرص متساو علي إبقاء النزاع الحدودي بينهما في أضيق نطاق حتي وإن ظل بلا حل حاسم , ولذلك ركزا علي إستثمار الجوانب الإيجابية التي تلبي حاجات الشعبين بل وتنمي الإستراتيجية المُتعلقة بنظرية الأمن القومي لدي كل منهما , فيما أدي نزاع مصر والسودان علي حلايب الذي غذاهـ الإختلاف المنهجي في منطلقات كل نظام والذي رأت فيه مصر- بلا مبرر منطقي – خطراً عليها فيما قبلت إثيوبيا الخلاف المنهجي بل وتعاملت معه وأستجابت السودان , ولهذا فقد أدي إنسياق مصر في التمسك ببعض التقاليد البالية التي ميزت إدارتها السياسية لملف السودان إلي تأثيرات سلبية متتالية علي ملفات ثنائية أخري أكثر حيوية بل وفي منتهي الخطورة كملف مياهـ النيل , وكان يمكن لمصر التعامل بشكل أفضل في هذا الملف لو أنها راعت موقع السودان من الوجهة المبدئية علي خريطة إستراتيجية الأمن القومي لها .
أما النزاع الحدودي الآخر الذي تواجهه السودان والذي مع مصر فقد تفجر لأول مرة عندما تلقت الخارجية السودانية في 29 يناير 1958م مذكرة من الحكومة المصرية أشارت فيها إلي أن قانون الإنتخابات السوداني أدخل المنطقة الواقعة شمال وادي حلفا (النتوء) والمنطقة المحيطة بحلايب وشلاتين الواقعة علي البحر الأحمر والتي تبلغ مساحتها 20,580 كم مربع ضمن الدوائر الإنتخابية للسودان , وأن هذا الوضع يتناقض مع كون خط 22 درجة شمال هو خط الحدود الفاصلة بين البلدين , وأكدت الحكومة المصرية في هذهـ المذكرة علي أن هذهـ المناطق تقع ضمن أراضيها , كما أشارت هذهـ المذكرة إلي رغبة الحكومة المصرية تسليم المساحة الواقعة إلي الجنوب من خط 22 درجة شمال (بارتازوجا) التي كانت قد وُضعت تحت إدارة الحكومة المصرية عام 1902م , وقبل أن ترد حكومة السودان علي هذهـ المذكرة وصل للحكومة السودانية ما يفيد بأن قوات من الجيش المصري في سبيلها للتمركز في حلايب , وعليه إستدعي وزير الخارجية السودانية بالنيابة محمد أحمد محجوب السفير المصري بالخرطوم في 11 فبراير 1958م وطلب منه أن ينقل للحكومة المصرية أن حكومة السودان تأمل في تكون المعلومات التي وردت بشأن القوة العسكرية المصرية المُتجهة إلي حلايب غير صحيحة , وأنه إذا ما ثبت صحتها فإن ذلك سيترك أثراً خطيراً علي العلاقات وأكد للسفير المصري أنه من المستحيل أن يوافق السودان علي ضم مصر لأرض ظلت تشكل جزءاً من السودان لأكثر من نصف قرن , وكانت مصر قبل إستدعاء سفيرها للخارجيىة السودانية قد بعثت بمذكرة أخري مؤرخة في 9 فبراير 1958م تسلمها رئيس الوزراء السوداني عبد الله خليل في 13 فبراير 1958م تضمنت إخطار الحكومة السودانية بنية الحكومة المصرية إجراء إستفتاء الوحدة بين مصر وسوريا وإنتخاب رئيس الجمهورية العربية المتحدة وأنه تطبيقاً لحقوقها المُعترف بها وبموجب سلطاتها السيادية تريد إستفتاء سكان المنطقة الواقعة بين مصر والسودان بشأن إستفتاء الودة وإنتخاب الرئيس معاً , ورفض السودان في 13 فبراير 1958م ما ورد بالمذكرة المصرية عن شمول عملية الإستفتاء لحلايب , وتضمن الرد السوداني الذي جاء علي لسان رئيس الوزراء للسفير المصري خلال لقاءهما أن منطقة حلايب أرض سودانية بموجب تعديلات إتفاقية الحكم الثنائي والتفاهمات التي تلتها وللإجراءات العملية والإدارية التي قام بها السودان في المنطقة خلال فترة الحكم الثنائي وسنوات الحكم المدني الأولي , وبالفعل قدم المندوب السوداني شكوي بلادهـ رسمياً في 20 فبراير 1958م لمجلس الأمن الدولي تطلب حكومة السودان من المجلس الدعوة للإجتماع ”لمناقشة الوضع الخطير القائم علي الحدود المصرية / السودانية” وأشار نص الشكوي إلي ”هذا الوضع الناشئ عن تركز كثيف للقوات المصرية وتحركها بإتجاه الحدود السودانية” وفي خطاب مُرفق بالشكوي طلبت الحكومة السودانية من مجلس الأمن بذل مساعيه الحميدة لوقف الإعتداء المصري الوشيك , وبسرعة دعا مجلس الأمن مصر والسودان في 21 فبراير 1958م لحضور مناقشة المسألة , وفي الإجتماع أشار ممثل السودان إلي ” أنه وفي 21 يناير 1958م طالبت مصر بأن تُسلم إليها منطقتين علي الحدود المصرية السودانية واللتين شكلتا جزءاً من السودان في نصف القرن الماضي , وفي 13 فبراير قالت مصر انها تنوي ضم سكان هذهـ المناطق في الإستفتاء الشعبي في 21 فبراير واخطرت الحكومة المصرية في 16 فبراير بأنها سترسل لجنة إنتخابية يصاحبها حرس الحدود لهذهـ المناطق , ولم يكن هناك وقت كاف للبت في في مسألة مهمة كهذهـ خاصة وأن السودان كان يُعد للإنتخابات العامة فيه في 27 فبراير , أما حكومة السودان من جانبها فقالت أنها ترحب بالتفاوض مع مصر , لكنها طلبت من مصر إرجاء النقاش فيها إلي ما بعد الإنتخابات السودانية” .
أشار مندوب مصر لدي الأمم المتحدة السفير عمر لطفي في إجتماع مجلس الأمن المُشار إليه إلي أنه يأسف للمذكرة المُتسرعة بشأن هذهـ المسألة التي قدمها الجانب السوداني وأنه يشعر بأن تعبير ”العدوان الوشيك” الذي ورد بهذهـ المذكرة كان مؤسفاً فليس لدي مصر قوات ماعدا حرس الحدود بقرب الحدود السودانية , وأنه وبالرغم من أن لمصر حقوق مؤسسة علي المنطقة المُتنازع عليها إلا أنها فضلت دائماً تبني موقف ينم عن التسامح والصداقة إزاء السودان , وقام المندوب المصري بإخطار الأمين العام للأمم المُتحدة أن مصر ستتبني موقفاً سلمياً ينم عن حسن الجيرة تجاهـ السودان وستتجنب أي تصرف أو بيان لا يتفق وهذا الموقف وأشار إلي أن الحكومة المصرية أجلت تسوية مسألة الحدود حتي ما بعد الإنتخابات السودانية , وفي إيجازهـ للمناقشات بشأن هذهـ المسألة أشار رئيس مجلس الأمن أنها ستظل علي أجندة المجلس .
لكن مصر أصرت علي إجراء الإستفتاء علي الوحدة مع سوريا وإنتخاب الرئيس عبدالناصر في منطقة حلايب ونتوء حلفا وبالفعل أخطرت الخارجية المصرية السفير السوداني بالقاهرة في 16 فبراير 1958م بأنه قد تم بالفعل إرسال لجنة إنتخابات ووحدة من حرس الحدود للمناطق المُتنازع عليها , وقرر مجلس الوزراء السوداني في إجتماعه بإتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية سيادة السودان علي أرضه وكان من بين هذهـ الإجراءات إجراء إتصالات علي أعلي مستوي وأن يقوم رئيس الوزراء السوداني بإجراء إتصال بالرئيس جمال عبدالناصر ورفع الأمر للجامعة العربية وإعلام الشعب السوداني , وحاول رئيس وزراء السودان عبد الله خليل الإتصال بالرئيس عبد الناصر في 17 فبراير 1958م فلم يتمكن لوجود الرئيس عبدالناصر في مكان غير معلوم وتم إجراء الإتصال مع وزير الداخلية زكريا محي الدين وطلب منه رئيس الوزراء السوداني نقل رغبة الحكومة السودانية للرئيس عبدالناصر في إرجاء مصر إتخاذ إجراءات الإستفتاء في المناطق المُتنازع عليها إلي ما بعد إجراء الإنتخابات السودانية مع إستعداد السودان للدخول في مفاوضات حول النزاع عقب إنتهاء الإنتخابات السودانية , وفي مساء هذا اليوم أذاع مجلس وزراء السودان بيان تضمن عزم حكومة السودان علي الدفاع عن الأراضي السودانية خاصة وأنه قد تم إكتشاف المعادن في منطقة حلايب وأن ذلك كان من بين الأسباب الكامنة وراء إدعاء مصر بشأن هذهـ المنطقة , وقامت الحكومة السودانية بإرسال جنود للمنطقة , إنسحبت القوة المصرية من حلايب وعاد الموقف في المنطقة لهدوءهـ المعتاد , لكن منذ 20 فبراير 1958م وحتي أيامنا هذهـ تحرص حكومة السودان علي تجديد تقديمها لهذهـ الشكوي بمجلس الأمن الدولي ,وكان آخر تصريح بشأن هذا الموقف ما أدلي به وزير الدفاع السوداني ونقلته وكالة ”أناضول” في 15 أبريل 2014م وقال فيه ”إن موضوع النزاع السوداني المصري بشأن حلايب مازال مُدرجاً علي أجندة الأمم المتحدة وستستمر السودان في تجديد شكواها في هذا الشأن” , ظل النزاع علي حلايب بين حركتي مد وجزر , ففي بدايات عهد الرئيس جعفر نميري قررت حكومة السودان إنشاء ما يُسمي بمحافظة حلايب بالرغم من العلاقات المتنامية بين السودان ومصر آنذاك إلي أن إختفت أو كادت مشكلة حلايب بتطبيق تجربة التكامل بين مصر والسودان والتي في إطارها عقدت اللجنة الوزارية العليا المُشتركة بين مصر والسودان دورتها السادسة بالأسكندرية في الفترة من 27 إلي 29 يونيو 1978م وبعد أن أستعرضت هذهـ اللجنة ما تم بشأن القرارات والتوصيات التي أتخذتها في إجتماعها الخامس وكذا تقارير اللجان الفنية بالإضافة لما تم في الإجتماعات الثنائية بين الوزراء المختصين إنتهت لإتخاذ عدة قرارات كان من بينها أن تشمل المنطقة المُتكاملة بين البلدين الحدود الجغرافية لكل من محافظة أسوان والمديرية الشمالية كاملتين بالإضافة لقرارات هامة أخري تُعمق التكامل .
في عهد الرئيس الأسبق مبارك عادت العلاقات المصرية / السودانية لأجواء التوتر والإلتهاب ثانية , وكان ذلك لأسباب مختلفة أكثرها خطورة وتأثيراً الخلاف المنهجي في الهوية التي يعتنقها النظامين السياسيين فقد أعلن السودان بعد الإطاحة بالنظام الديموقراطي المُنتخب (حكومة الصادق المهدي) في 30 يونيو 1989م أنه مسئول عن “مشروع إسلامي حضاري” , وهو أمر يقاومه النظام المصري الذي لم يُستدل علي هوية ما له طيلة 30 عاماً قضاها في حكم مصر , وبالتالي كان النزاع علي حلايب بإعتبارهـ أضعف حلقات العلاقات المصرية / السودانية نطاقاً مناسباً لإظهار كلا النظامين بأسه للنظام الآخر , وهذه المرة أخذ هذا النزاع سمة أكثر خطورة إذ بعد دخول القوات المصرية لحلايب في مارس 1992 إقترب البلدان من الإشتباك عسكرياً وهو ما حدا بهما للإتفاق علي التباحث بشأن حلايب (وليس التفاوض) فعقدت لجنة حلايب أول إجتماع لها بالقاهرة في 16 مارس ثم عقدت إجتماعاً ثانياً في القاهرة في الفترة من 27 إلي 31 أكتوبر 1992 ولم تحسم النزاع بطبيعة الحال , لأنه في تقديري أنه وبعد الإنتشار العسكري المصري في مارس 1992 كان لابد للبلدين كل وفقاً لإعتباراته فتح ثغرة في الجدار الفاصل بينهما لتجنب الخيار العسكري الذي سيكون سابقة غير مقبولة نظراً للطبيعة شديدة الخصوصية التي تميز علاقتهما , لكن أيضاً تجب الإشارة إلي أن هناك طبقات سلبية متبادلة في العلاقات المصرية السودانية تكونت منذ الثورة المهدية التي إشتعلت لمدة أربع سنوات أي بين 1882 إلي 1885 وحتي أيامنا هذه , ولما لم تحقق الجولة الأولي ولا الثانية للجنة المُشتركة بشأن حلايب نتيجة إيجابية لتسوية النزاع فقد عُقدت دورتها الثالثة والأخيرة بالخرطوم في الفترة من 22 إلي 24 فبراير 1993 وقد حضرتها وتابعت مجرياتها , وقد إستهل رئيس الجانب السوداني الدورة بأن ذكر ” أن إختصاصات اللجنة المشتركة تنحصر في تدارس المهام المُوكلة إليها والتقدم بتوصياتها للجهات العليا بالبلدين وأنها ” تؤمن علي آراءها ومقترحاتها التي عبرت عنها في الجولة الثانية من المباحثات التي عُقدت في القاهرة في الفترة من 27 إلي 31 أكتوبر 1992 والتي وردت روحاً ونصاً في المحضر المُوقع عليه من رئيسي الجانبين , وأن الجانبان يؤكدا حرصهما علي تسوية الخلافات القائمة أو أي خلاف قد ينشا بينهما بالتفاوض المباشر وفي إطار اللجنة وفي ظل الحرص الدائم علي تجنب أي تصعيد لهذه الخلافات وتسويتها في إطار ودي بما يحفظ مصلحة الشعبين الشقيقين , وأنه من الضروري وقف كافة أو مختلف الحملات الإعلامية التي تؤثر سلباً علي مناخ العلاقات بين البلدين والعمل علي تهيئة الظروف الملائمة لإزالة مظاهر التوتر وتكريس الإيجابيات , كما أن اللجنة تؤكد ضرورة الإسراع في تكوين لجنة الإتصال المُشار إليها في البند ثانياً من محضر إجتماعها السابق علي أن تباشر عملها فوراً , وأنه مطلوب التوصل لوثيقة سرية ليست للنشر أو التداول وكذلك إصدار بيان صحفي ” , وواصل رئيس الجانب السوداني قائلاً ” يؤكد الطرفان بأنهما لا يسعيان لحل الخلاف بالوسائل العسكرية فمن وجهة نظرنا ان تسوي موضوعاً بشكل عسكري ونحن نحرص علي تسوية سلمية ولذلك حرصنا علي ان نشير في البيان إلي أن الطرفان يؤكدان حرصهما علي تسوية الخلافات القائمة أو التي قد تنشأ من خلال التفاوض المباشر بين البلدين وفي إطار اللجنة المُشتركة وفي ظل الحرص الدائم علي تجنب أي تصعيد لهذه الخلافات وتسويتها في إطار ودي بما يحفظ مصلحة الشعبين ” , لكن اللجنة لم تحقق شيئاً غير إبعاد إحتمالات الصدام العسكري فقط .

يظل النزاع علي حلايب نشطاً طالما ظلت جذور الخلاف المنهجي في العلاقات الثنائية بين مصر والسودان وهذا الخلاف أضيف إليه بعد أكثر خطورة بدعم السودان لإثيوبيا في إقامة سد النهضة بتصميمه الخلافي مع مصر بالرغم من السودان مُرتبط بإتفاقية ثنائية هي الوحيدة التي تربط دولتين من دول حوض النيل العشر , أعني إتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل المُوقعة بينهما في 8 نوفمبر 1959 , وهذه الإضافة فاقت – بالنسبة لمصر – خطورة التنازع المصري/السوداني علي السيادة علي حلايب , لكن ضيق قنوات الحوار وضعف الأداء السياسي المصري وإستثمار إثيوبيا لتنامي الخلافات المصرية / السودانية جعل ملفي سد النهضة وحلايب متداخلين بشكل أصبح فك الإرتباط الناشئ بينهما “عمل صعب” , فلم تكن الفترة ما بين 30 يونيو 2013م والوقت الراهن بإستثناء في ظلالها القاتمة المُخيمة علي العلاقات الثنائية , ولم يتراجع السودان عن ميله للتباعد عن مصر إذ لم يجد جديد موضوعياً في سياسة مصر تجاهـ السودان حتي يحدث تغيير ثوري يعيد العلاقات لطبيعتها المُميزة , لكن ظلت العلاقات السودانية / الإثيوبية تسحب أرصدة علاقات مصر بالسودان لتضيف قوة وثراء للعلاقات الإثيوبية / السودانية التي تتطور وتقوي بقوة بحيث أصبحت هذهـ العلاقات إستراتيجية في الوقت الذي فيه العلاقات المصرية / السودانية تكتيكية وتعيش يأسلوب From Hand to Mouth , ومن بين أمثلة عديدة متنوعة لمظاهر إستمرار التباين في النزاعين الحدودين للسودان مع مصر وإثيوبيا ما يلي :-
– أعلن السودان في 21 ديسمبر 2017م عن أنه سيُخطر الأمم المتحدة رسمياً رفضه لإتفاق ترسيم الحدود البحرية بخليج العقبة والبحر الأحمر , وهو الإتفاق الذي وقعته مصر والسعودية بالقاهرة في 8 ابريل 2016م لعلاقته بالحدود البحرية بين مصر والسودان أمام ساحل حلايب علي البحر الأحمر , وأوضح الناطق باسم الخارجية السودانية أن الخطاب الذي سيُرسل للأمم المتحدة سيُشير إلي أن ”حكومة السودان تعلن عن إعتراضها ورفضها لما يُعرف بإتفاق تعليم وترسيم الحدود البحرية بين مصر والسودان والذي وُقع بالقاهرة في 8 أبريل 2016م , …. ويؤكد السودان إعتراضه الكامل علي بما فيها من تعيين الحدود البحرية المصرية تعيين الاتفاقية للحدود البحرية المصرية بما في ذلك إحداثيات النقاط البحرية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من الحدود البحرية لمثلث حلايب السوداني” , من جهة أخري أشار وزير الخارجية السوداني إبراهيم الغندور إلي أن بلادهـ دخلت في مباحثات مُؤخراً مع الرياض في شأن التناقض الواضح بين هذهـ الاتفاقية والإتفاقية المُوقعة بين السودان والسعودية في عام 1974م بشأن الاستكشاف والإستغلال المشترك للموارد بالمنطقة الواقعة بين البلدين بالبحر الأحمر , فيما أعلن الناطق باسم الخارجية المصرية رفضها للخطاب المُشار إليه والمرسل من حكومة السودان للأمم المتحدة وتأكيه علي أن حلايب وشلاتين مناطق تحت السيادة المصرية يسكنها مصريون .
– صرح إبراهيم الغندور نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم بالسودان في 8 يناير 2015م بأنه وفي إطار تنظيم الحكومة السودانية للإنتخابات العامة في أبريل 2015م بحلايب ”التي ستجري بالجزء الذي تسيطر عليه الحكومة السودانية منها” (وهو الجزء الواقع جنوب خط 22 درجة شمالاً وهي منطقة خارجة عن مثلث حلايب المُتنازع عليه) , وهي الإنتخابات التي أشار مختار العصام رئيس هيئة الإنتخابات السودانية هذه الإنتخابات في نوفمبر 2014م أن الهيئة أنشأت لها 35 مركز إقتراع بدون أن يحدد مواقعها .
أعربت الحكومة السودانية في 18 ديسمبر 2017م عن غضبها حيال خطط أعلنتها وزارة الري والموارد المائية المصرية لإقامة سد للتحكم والسيطرة وجمع مياهـ الأمطار في أودية وخيران منطقة شلاتين بحلايب , ذلك أن سامح صقر رئيس قطاع المياهـ الجوفية بوزارة الري المصري أدلي بتصريح لوكالة انباء الشرق الأوسط الرسمية المصرية أشار فيها إلي أنه سيجري إقامة سد بقدرة حجز 7 مليون متر مكعب مياهـ بإرتفاع 12 متر بهذهـ المنطقة وأنه سيكون الأكبر بالصحراء الشرقية لمصر , وقد جاء تصريح مسئول الري المصري بعد أيام قليلة من تصريح ادلي به وزير الخارجية السوداني في مقابلة صحفية مع صحيفة ”الشرق الأوسط” السعودية أعاد فيه التأكيد علي سودانية منطقة حلايب مُشيراً إلي أن بلادهـ دعت مصر للتفاوض أو اللجوء للتحكيم الدولي وقال ”نأمل في أن أخواننا المصريين سيقبلون التفاوض , كما فعلوا مع أشقاؤنا السعوديين في موضوع جزيرتي تيران وصنافير , أو اللجوء للتحكيم الدولي كما فعلوا مع إسرائيل في شأن منطقة طابا , فكلا الخيارين سيمنعان أي مشاكل في علاقاتنا الأخوية” لكنه أضاف قوله ”سوف لا نجعل حلايب تسبب الضرر في علاقاتنا مع مصر , وعلي أية حال سوف لا نتنازل عنها” .
– خلافاً للسلوك السياسي والأمني السوداني في ملف النزاع الحدودي مع مصر يميل السودان علي مختلف الأصعدة السياسية والأمنية إلي تدنية وتهوين أمر الخلاف الحدودي بينه وبين إثيوبيا خاصة في القضارف ومنطقة الفشقة علي نحو خاص والتي يقوم المزارعين الإثيوبيين بزراعتها تحت حماية القوات الإثيوبية وتعتبر خارج سيطرة السودان وتبلغ مساحتها 250 كم مربع يُزرع فيها نحو 600,000 هكتار وهي أرض شديدة الخصوبة ويخترقها أنهر ستيت والعطبرة وبسلم وذلك منذ بداية تسعينات القرن الماضي حتي وقت قريب , ففي مؤتمر صحفي مُشترك في ختام زيارة زيارة رسمية إستغرقت 3 أيام للخرطوم قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي Hailemariam Desalegn في 17 أغسطس2017م نفي الرئيس السوداني أن يكون هناك ثمة نزاع حدودي مع إثيوبيا فالبلدان يعملان علي تعزيز العلاقات الثنائية وتحقيق التكامل الإقليمي , ثم أوضح ما نصه ”هناك إتفاق تام علي ترسيم الحدود وليس هناك ثمة عدم إتفاق علي شروط واختصاصات الترسيم بين البلدين , وكل ما تبقي هو وضع علامات الحدود في مكانها ,” وأشار إلي أن هناك آلية عالية المستوي ومُشتركة ترأسها مع رئيس الوزراء الإثيوبي بالإضافة إلي آليتين وزارية وفنية للأمن وأخري إقليمية لحماية الحدود بين البلدين . * (Sudan Tribune .17 أغسطس 2017م)
– تُعقد إجتماعات اللجان الأمنية والعسكرية المُشتركة المُتعلقة بأمن الحدود المُشتركة بصفة تكاد وأن تكون مُنتظمة آخرها اللجنة المُشتركة المكونة من سلاحي مُشاة البلدين التي عقدت دورتها السابعة والعشرين بولاية كسلا بشرقي السودان في مارس 2018م التي عُقدت في 14 مارس 2018م , كذلك عقدت اللجنة الأمنية المُشتركة علي مستوي المنطقتين الحدوديتين لولاية القضارف ومحافظة Amhara الإثيوبية إجتماعها الأخير في أكتوبر 2017م بمدينة بحر دار الإثيوبية , وهو الإجتماع الذي في نهايته رفعت توصية بإنشاء قوة مُشتركة علي طول الحدود المُشتركة (سبق وأن اقترح في الإجتماع 14 للجنة الفنية المُشتركة في مارس 2016م بالخرطوم موضوع إنشاء وحدات حدودية مُشتركة) , وهو نفس الإقتراح الذي قدمته السودان للجانب المصري , ولم يرد عليه إيجاباً حتي الآن , ويجدر بالذكر أن محافظ منطقة Amhara الإثيوبية جدد في الإجتماع جدية الحكومة الإثيوبية في وقف كل الإعتداءات التي يقوم بها المزاعين الإثيوبيين بالأراضي السودانية ومحاربة كافة أنواع التهريب للسلع وللسلاح والمخدرات . * (Sudan Tribune .10 أكتوبر 2017م) .
عند إسقاط مسألة النزاع الحدودي بين السودان وكلا من إثيوبيا ومصر سيجد المرء – كما أشرت – مفارقة كالتي نجدها عند إسقاط النزاع الحدودي بين مصر وإسرائيل بشأن ”طابا” علي الحالة المصرية مع السودان , فكلا من مصر والسودان بدرجة أو بأخري لم يتعاملا في شأن نزاعهما الحدودي بالأسلوب الودي الذي ميز تعاملهما في نزاعهما الحدودي مع إسرائيل وإثيوبيا علي التوالي , صحيح أن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وفرت مرجعية لا مناص من اللجوء إليها في التفاوض ثم التحكيم في شأن نزاع طابا الذي تعلق بمواضع علامات حدودية , إلا أن علاقات مصر والسودان مرجعيتها أكثر صلابة بل أكثر عمقاً لأنها لم تُكتب علي أوراق بل كُتبت علي صفحة الحياة نفسها فدائما ما يصفها مسئولي مصر والسودان بالأزلية وهي صفة لا يمكن توفرها بأي حال في علاقات مصر بإسرائيل الدولة التي أُنشأت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المُتعلق بتقسيم فلسطين رقم 181 بتاريخ 29 نوفمبر 1947م .
جدير بالإشارة إلي أنه وفي إطار تنسيق المواقف وتبادل التأييد والدعم السياسي المُتبادل ما بين السودان وإثيوبيا , وبالرغم من عدم تسوية النزاع الحدودي بين إثيوبيا والسودان بصفة رسمية , فإننا نجد تصريحاً أدلي به Della Medicin نائب وزير الخارجية الإثيوبي لوكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية Ethiopia News agency أوضح فيه ” إن منطقة حلايب قد أدارتها السودان منذ عام 1956م وأنها كانت موضوعاً لإتفاقيات بين السودان والرئيس المصري الأسبق حسني مبارك , إذ أن المنطقة كانت نطاقاً لترتيبات تعاون مُشترك , وإذا ما كانت السودان ومصر تريدان بصدق تنمية المنطقة , فيلزم أولاً الإتفاق علي أنها تنتمي للسودان ووقتها يمكن وضع إتفاقات مُنفصلة بشأن الإستخدام الممكن لها ”ثم أردف فأشار إلي ”أن الوثائق التاريخية تثبت أيلولة المنطقة للسودان الذي أودع شكواهـ ضد مصر في هذا الشأن لدي مجلس الأمن الدولي عام 1958م ويجددها كل عام أملاً في أن يُطرح النزاع يوماً علي محكمة العدل الدولية” . * (موقع MIDDLE EAST MONITOR في 18 مايو 2017م)
العلاقات التجارية بين السودان وكل من مصر وإثيوبيا :-
يعكس مستوي التبادل التجاري وعلي مدي أوسع تعكس العلاقات الإقتصادية بين الدول الثلاث درجة نمو العلاقات السياسية , وإذا ما أعتبرنا السودان هو القاسم المُشترك في منظومة العلاقات الثلاثية التي تشمل مصر والسودان وإثيوبيا , فإننا والحالة هذهـ قد نتبين مستوي العلاقات السياسية بأقصي درجة وضوح من تتبع التبادل التجاري بين ثلاثتهم , وخلال الشهور الست الماضية حدث أن إستدعت الخارجية السودانية سفيرها بالقاهرة للتشاور في 5 يناير 2018م , وحينها طالبت العديد من الصحف السودانية بإلغاء اتفاقية الحريات الأربع التي وقعتها حكومتي السودان ومصر في الخامس من أبريل عام 2004م والتي تنص على إلغاء كافة القيود الخاصة بالحق في حرية الدخول والخروج والتنقل والامتلاك وأشارت هذهـ الصحف إلى أن هناك لجان وحملات شعبية تطالب بإلغاء الاتفاقية نظرا لعدم تطبيقها من الجانب المصري بحسب وصفهم , ووفقاً لتصريح أدلي به مدير إدارة مصر بالخارجية السودانية فإن مصر تأخرت في التوقيع على اتفاقية الحريات الأربع لاعتراضها على حرية التملك والتنقل للفئات العمرية ما بين 18 و49 من الرجال تخوفًا من أن تشكل تلك الفئة مشكلة أمنية , (وهو نفس الهاجس الذي بررت به القاهرة فرض تأشيرة مُسبقة لدخول مصر للسودانيين) , وفي الحقيقة فإنه بالإضافة إلي الهاجس الأمني المُزمن فإن القاهرة والخرطوم بينهما حائط عال يمنع تناول هذهـ الإتفاقية وغيرها بالإيجابية الضرورية , وهذا الحائط المانع هو النزاع علي حلايب وعلاقات التحالف السوداني / الإثيوبي التي أصبحت حقيقة ماثلة والتي أصبحت من القوة بحيث جعلت من إثيوبيا والسودان قوتان إقليميتان في القرن الأفريقي , بعكس التحالف المصري / الإرتري الذي لا يُقارن بنظيرهـ الإثيوبي / السوداني والذي يكتسب قوته من كونه لا يتضمن فقط المجال الأمني / العسكري الذي يتكون منه التحالف المصري / الإرتري بل يتجاوزهـ ليشمل الجوانب السياسية والإقتصادية والمائية والثقافية وبشكل عملي وتطبيقي لمعظم الإتفاقيات والبروتوكولات المُوقعة بين أديس أبابا والخرطوم وتبلغ 12 إتفاقاً منذ 2009م , ويكفي إثباتاً لذلك التطابق في الموقف السوداني مع الموقف الإثيوبي من سد النهضة .
بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والسودان أقصاهـ عام 2012م حين بلغ 772 مليون دولار منهم بعد أن كان 66 مليون دولار عام 2000م , وقد إرتفعت الصادرات السودانية لمصر من 38 مليون دولار عام 2000م إلي 133 مليون عام 2012م كما إرتفعت الواردات السودانية من مصر من 27 مليون عام 2000م إلي 639 مليون عام 2012م وهو رقم أكبر من حجم التجارة بين إثيوبيا والسودان في تلك الفترة .
بلغت الصادرات الإثيوبية لمصر عام 2011م نحو 45,449,613 مليون دولار أمريكي , فيما بلغت واردات إثيوبيا من مصر عام 2011م نحو 76 مليون دولار أمريكي , ومن جهة أخري فقد بلغ مجمل التبادل التجاري لمصر والسودان عام 2000م نحو 66 مليون دولار وسجل نمواً سريعاً بحيث بلغ مجمل التبادل عام 2012م إلي 772 مليون دولار منهم 133 مليون دولار تمثل صادرات السودان لمصر , و639 مليون دولار تمثل واردات السودان من مصر , ولكن هذا الرقم إنخفض في عام 2016م , فوفقاً لتصريح أدلي بها احمد حامد المدير بوزارة التعاون الدولي السودانية لوكالة Reuters في 27 أبريل 2017م فقد بلغ مجمل صادرات مصر للسودان 591 مليون دولار معظمها مواد غذائية وخضروات (هناك رقم آخر لعام 2016م للواردات السودانية من مصر يبلغ 631 مليون دولار) , وهو حجم تبادلي أكبر كثيراً من الحجم التبادلي للتجارة فيما بين السودان وإثيوبيا .
تعتبر السودان ثالث أكبر مُستورد للسلع والبضائع الإثيوبية بعد الصومال وجيبوتي , أما السودان فققد بلغت قيمة صادراتها لإثيوبيا عام 2016م نحو 88,5 مليون دولار وتأتي إثيوبيا في الترتيب الرابع للصادرات السودانية بعد الإمارات والصين والهند , وقد شهد التبادل التجاري الإثيوبي / السوداني ذروته عامي 2011م / 2012م فقد بلغت الواردات الإثيوبية من السودان عام 2012م نحو 207 مليون دولار , إلا أن هذا الرقم هبط بعد إنفصال جنوب السودان عن السودان في 9 يوليو 2011م إذ بإستقلال الجنوب فقد السودان 75% من الموارد البترولية التي تتواجد بأراضي الجنوب خاصة في مناطق هجليج وعدارييل والوحدة , وعموماً فقد بلغ حجم التبادل التجاري لإثيوبيا والسودان أقصاه عام 2011م حين بلغ 600 مليون دولار ثم هبط عام 2012م إلي 400 مليون دولار .
بلغ حجم التبادل التجاري بين السودان وإثيوبيا 400 مليون دولار , ويشتري السودان حالياً نحو 300 ميجاواط من الطاقة الكهربائية الإثيوبية وتوقع رفعها إلي 500 ميجاواط بعد قيام سد النهضة , وفي إطار البروتوكول الموقع بين البلدين في عام 2001م والمُنفذ في عام 2006م قام الجانبان بتجديدهـ للمرة الثانية عام 2018م عشر مُؤخراً واتفقا علي تصدير 12 ألف طن من البنزين شهرياً لإثيوبيا .
نشرت جريدة الصحافة السودانية علي موقعها بتاريخ 25 يونيو 2018م تصريحاً للخبير الاقتصادي د . هيثم محمد فتحي عضو هيئة المستشارين بمجلس الوزراء السوداني أشار فيه إلي ”اكتمال دراسة استراتيجية لربط إثيوبيا والسودان بطرق السكة الحديد ، فضلاً عن توقيع البلدين للعديد من الاتفاقيات أخيراً والدعوة لتوحيد العملة بين الدولتين” مُنوهاً إلي أن ”آخر الإحصائيات أكدت وجود ما يقارب ستة ملايين إثيوبي في السودان تقدر تحويلاتهم إلي بلادهم بثلاثة مليارات دولار سنوياً ” , وهو ما سبق وأكدهـ في 21 أكتوبر 2017م نائب الرئيس السوداني حسبو محمد عبد الرحمن في تصريح نشرهـ موقع بتاريخ 22 أكتوبر 2017م بمناسبة ترأسه إجتماعات اللجنة الإقتصادية العليا الرابعة بين السودان وإثيوبيا بالخرطوم حيث قال ”إن لدي السودان استعداد للتعاون مع أثيوبيا في استخدام ميناء بورتسودان لنقل صادراتها ووارداتها ، بجانب العمل على ربط البلدين بالطرق البرية والسكك الحديدية” .
في الواقع فإن مصر والسودان وإثيوبيا لا يعتبر حجم التبادل التجاري بين ثلاثتهم مُعبراً عن المُتوقع من ثلاث دول يربط بينهم مجري نهر واحد هو نهر النيل ولا يفصل بينهم بلد رابع , لذلك ففي تقديري أن حجم التبادل التجاري بين ثلاثتهم حالياً يُعتبر مُفسراً لعدم الإستقرار النسبي في العلاقات الثنائية خاصة السياسية فمثلاً بالإضافة إلي العوامل الفنية والموضوعية نجد التبادل التجاري بين مصر والسودان دائم التعرض للهزات العنيفة في العلاقات السياسية خاصة تلك المُتولدة عن النزاع علي حلايب , فنجد إن إجتماعات اللجان المُشتركة المعنية بالتبادل التجاري تتأخر أو تُؤجل أو تُلغي أو نجد قرارات مُقيدة أو كابحة كذلك القرار الذي أعلنته حكومة السودان في نشرة الوكالة الرسمية للأنباء “ SUNA” في 30 مايو 2017م وصدر علي هيئة أمر أصدرهـ رئيس الوزراء بكري حسن صالح يقضي بحظر كافة المنتجات الزراعية والحيوانية والتقاوي الزراعية من مصر وكذلك حظر إستخدام رجال الأعمال السودانيين للأراضي المصري في إستيراد بضائع للسودان , وجاء هذا التطور المُؤثر سلباً علي الإقتصاد المصري علي خلفية هذا القرار دورة عنيفة من توتر العلاقات الثنائية تخللها إتهام صريح وجهه الرئيس السوداني لمصر(المخابرات المصرية) بدعم شخصيات سودانية مُعارضة تقاتل القوات السودانية الحكومية بدارفور , وفي الواقع فإن العلاقات الثنائية بين مصر والسودان في شقها الإقتصادي والتجاري لم تتأثر فقط بالهزات والتوترات الثنائية المُتبادلة بل إنها تأثرت كذلك جزئياً أي في القطاع المصرفي في تسعينات القرن الماضي بسبب الحصار الإقتصادي والتجاري الأمريكي , كذلك هناك صعوبات موضوعية تعترض النمو التجاري بين مصر والسودان منها تداعيات قرار مصر تعويم الجنية المصري , كذلك فالإقتصاد السوداني هو الآخر يعاني من صعوبات جمة منها تناقص رصيد البنك المركزي السوداني من العملات الصعبة , وهو ما قد يمكن التغلب عليه أن قدمت الإمارات العربية المتحدة إيداعاً بمبلغ 1,4 مليار دولار (4 مليار درهم إماراتي) للبنك المركزي للسودان لمساعدة الحكومة السودانية علي التغلب علي الأزمة الحادة المتعلقة بموارد البنك من العملة الحرة والتي كانت أحد تداعيات إنفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011م إذ بسبب الإنفصال فقدت الخزينة العامة موارد من العملة الصعبة كانت تمثل 75% من مجمل هذهـ الموارد . * (موقع The Citizen نقلاً عن وكالة أنباء السودان في 13 مارس 2018م)
من الواضح مع إستمرار الهزات ودورات عدم الإستقرار المُتتالية في العلاقات الثنائية المصرية / السودانية أن مستقبل هذهـ العلاقات لن تنفرج القنوات المُؤدية إليه إلا بسلوك مُتبادل يؤدي إلي تبني منهج مختلف وإيجابي يبعد أو يقلل من التأثيرات السلبية العنيفة للتباينات السياسية بين البلدين لتصل العلاقات الثنائية إلي مستوي العلاقات الإثيوبية / السودانية المُزدهرة وهذا المستوي يمثل الحد الأدني الواقعي للعلاقات المصرية / السودانية , ففي تقديري أن أسس هذهـ العلاقات لا تشوبها أي تناقضات طبيعية كتلك التي تشوب العلاقات الإثيوبية / السودانية والتي بالرغم من وجودها إستطاعت القيادتان في الخرطوم وأديس أبابا تجاوزها بل وتوظيفها إيجابياً لصالح العلاقات الثنائية , ومن المفارقات أن المرء يجد العلاقات المصرية / السودانية تفتقد إلي الثقة المُتبادلة وتتسم بخشية مُتبادلة أيضاً بدرجة أصبح المُشترك بين البلدين محدود جداً والولوج إلي أفق جديد ومستقبل واضح أمر في غاية الصعوبة , وربما تكفي الإشارة إلي أنه قبل إصدار قرار حكومة السودان لقرارهـ المُتعلق بفرض الحظر علي إستيراد كل المنتجات الزراعية والحيوانية المصرية في 30 مايو 2017م وفي إطار زيارة رسمية إستغرقت 3 أيام قام بها الرئيس السوداني عمر البشير لإثيوبيا وأجتمع برئيس وزراءها Hailemariam Desalegn أعلنا في مؤتمر صحفي هناك في 4 أبريل 2017م عن إتفاقهما علي إقامة منطقة تجارة حرة وخط سكك حديدية وعلي الإستخدام المُنصف لمياهـ النيل , بل إن المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية ومركز الإعلام السودانية ونقلت عنهما وكالة للأنباء Reuters في 8 مايو 2018م أن الرئيس السوداني ورئيس الوزراء الإثيوبي Abiy Ahmed خلال زيارة الأخير للخرطوم إتفقا علي صفقة بموجبها تقوم البلدان بتطوير ميناء بورسودان السوداني المُطل علي البحر الأحمر لتسخدمه إثيوبيا الدولة الحبيسة , ووفقاً للمتحدث باسم الخارجية الإثيوبية Meles Alem فإن إثيوبيا بموجب هذهـ الصفقة التي لم تُكشف تفاصيلها المالية بعد ستكون شريكاً للسودان في إستخدام الميناء وأن إثيوبيا سيكون لها كلمة في تقرير رسوم المناولة , وقد جاء هذا الإتفاق مع السودان بعد إنهاء إثيوبيا لإتفاق مماثل مع جيبوتي في إطار سياستها لتنويع وصولها لموانئ بدول الجوار ولفك عزلتها البحرية ودعم إقتصادها , كذلك سبق إتفاق إثيوبيا مع جيبوتي إتفاق آخر أنهته مع الصومال ينص علي حصول إثيوبيا علي حصة تبلغ 19% بميناء بربرة الصومالي .
نتيجة : -
أتاح تردي العلاقات المصرية / السودانية بصفة مُنتظمة منذ مُستهل تسعينات القرن الماضي وإلي الآن حيزاً يتسع يوماً بعد يوم لتبلور العلاقات الثنائية الإثيوبية / السودانية لتأخذ صفة التحالف , هذا التحالف الذي لفرط قوته ونموهـ وفر أسباب تطور العلاقات المائية والعسكرية والأمنية والإقتصادية مُحاطة بتنسيق سياسي علي مختلف المستويات , وهو تخاف يأتي خصماً من رصيد كان وفيراً للعلاقات المصرية / السودانية إلا أن هذهـ العلاقات لأنها أُديرت علي هدي نظرة أمنية كانت تُلقي الضوء علي نقاط محدودة , لذلك توترت وضاق أفقها مما جعل ملف تنازع السيادة علي حلايب يشل ويغل أيدي الساسة المصريين والسودانيين كنتيجة لإنقاذ العلاقات الثنائية من السقوط في وهدتها السحيقة الحالية ذلك السقوط الذي إستغلته إثيوبيا أيما إستغلال وأستفاد منه السودان مُجبراً أو مُختاراً بنسج علاقات تحالف مع إثيوبيا التي تتحرك بوعي إستراتيجي حالياً في محيطها بداً بالسودان ثم حالياً مع إرتريا لتضييق مساحة المناورة أمام السياسة الخارجية المصرية فبعد نحو 20 عاماً من الصراع المكشوف بين أرتريا وإثيوبيا أعلنت إثيوبيا قبولها التام لإتفاق الجزائر للسلام الموقع في 12 ديسمبر 2000م بينهما وبه مادة نصت علي تكوين لجنة مُشتركة للحدود EEBC كان أحد قرارتها منح مدينة Badme الحدودية لأرتريا وهو ما لم تنصاع إلي تنفيذهـ إثيوبيا آنذاك , لكن الإعلان الإثيوبي في 5 يونيو 2018م عن أن إثيوبيا ستقبل إتفاق السلام المُوقع بالجزائر كاملاً غير منقوص يعتبر خطوة كبري نحو إنهاء حالة الصراع المُميت مع أرتريا وقرب طي هذهـ الصفحة نهائياً , ولقد جاء الإعلان الإثيوبي في سياق عملية إصلاح سياسي وإقتصادي يقوم بها رئيس الوزراء الإثيوبي Abiy Ahmed وترافق مع الإعلان رسمياً عن إنهاء حالة الطوارئ بإثيوبيا مما أضاف مصداقية للقرار الإثيوبي المُشار إليه , والذي لم ترد عليه القيادة الأرترية إلا بعد نحو أسبوعين من صدورهـ ففي 20 يونيو أعلن الرئيس الأرتري عن ”أنه سيرسل وفداً لأديس أبابا للوقوف علي التطورات الجارية مباشرة وبعمق ولوضع خريطة خطة من أجل العمل المُستمر مُستقبلاً ” , فهذهـ الخطوة الإثيوبية يُضاف إليه تحرك سياسي مماثل وإن كان مختلفاً في أطرافه وطبيعته قامت به القيادة الإثيوبية الجديدة في إتجاهـ إنهاء الحرب الأهلية الدموية بجنوب السودان والمُستمرة منذ 15 ديسمبر 2013م حتي الآن وأستقطبت أطراف إقليمية منها من يدعم نظام الرئيس Salva Kiir Mayardit كحالة مصر ومنها من يدعم خصمه Riek Machar كحالة السودان بالرغم من تأكيده علي حياديته , فقد دعت إثيوبيا Kiir و Machar لزيارة أديس أبابا في 20 يونيو 2018م للتفاوض مُجدداً لمحاولة إنهاء الحرب الأهلية التي مزقت جنوب السودان , وبالرغم من أن الناطق باسم حكومة جنوب السودان Michael Makuei أعلن في 22 يونيو 2018م وبعد يوم واحد من لقاء Kiir و Machar برعاية رئيس الوزراء الإثيوبي عن فشل هذهـ المحاولة ورفض حكومة جوبا لأن يكون Machar عضواً بأي حكومة إنتقالية , إلا أن التحرك الإثيوبي فيما يتعلق بالموافقة الإثيوبية التامة علي التنازل عن مدينة Badme الحدودية المُتنازع عليها لأرتريا تنفيذاً لإتفاقية الجزائر وتجديد محاولة الوساطة والتوصل لحل تفاوضي للأزمة السياسية بجنوب السودانية وإنهاء الحرب الأهلية هناك , هذا التحرك حظي بتأييد ودعم من السودان وجيبوتي فقد أشار بيان صدر عن الخارجية الإثيوبية في 8 يونيو 2018م إلي أن كل من السودان وجيبوتي أعربا عن دعمهما القوي لحكومة إثيوبيا بشأن إلتزامها الحالي بالموافقة الكاملة علي تنفيذ قرار اللجنة الإثيوبية / الأرترية للحدود EEBC ” بشأن أيلولة مدينة Badme لإرتريا , ”أن وزيري خارجية السودان وجيبوتي أشارا إلي أن الدور الإثيوبي ضخم فيما يتعلق بضمان السلام والإستقرار في القرن الأفريقي” , فيما لم يصدر عن مصر رد فعل بشأن هذا التحرك الإثيوبي , وهو ما يشير إلي أن تحركات إثيوبيا مع السودان وكذلك مع الإقليم “القرن الأفريقي” قلصت من مجال التحرك السياسي المصري مع السودان وفي نطاق هذا الإقليم , مما يجعل من فرضية التقارب المصري / السوداني أقل إحتمالاً وهو ما سيساهم في المزيد من فقدان الثقة والخشية المُتبادلة بين مصر والسودان الذي هو الآخر يتحرك في القرن الأفريقي محيطه المباشر كأثيوبيا بحرية ومرونة وهو ما لا يتوفر لمصر التي يحرمها المستوي العالي والإستراتيجي من التنسيق بين إثيوبيا والسودان في مجالات المياهـ “سد النهضة” والمجالات العسكرية والإقتصادية وغيرها من الحركة الحرة في كل هذهـ المجالات , فلا حليف لها في منطقة القرن الأفريقي , وربما يوفر لها الرئيسين الأوغندي Yoweri Museveni و Salva Kiir Mayardit بديلاً لكنه ليس كافياً لإحتياجات مصر الإستراتيجية فملف مياهـ النيل لا يملك لاMuseveni و لا Kiir قول حاسم فيه فهو بيد التحالف الإثيوبي / السوداني الذي من الواضح أنه يسجل تقدماً سيؤثر بالسلب علي مصالح مصر الإستراتيجية علي إتجاهها الجنوبي وفقاً للمصطلح العسكري المصري .
إن مصر بحاجة إلي تخطيط سياسي مختلف بصفة منهجية جذرية لإستعادة المساحات التي تفقدها في أفريقيا وخاصة بمنطقتي حوض النيل والقرن الأفريقي فهما الأخطر علي أمنها القومي , فحالة التحالف الإثيوبي / السوداني دالة مؤكدة علي ذلك .

الـــــســــفـــيـــر بـــــلال الـــمـــصـــري – القــاهـــرة تحريراً في 25 يونيو2017م

خاص – المركز الديمقراطي العربي
إثيوبيا الحكومة الإثيوبية الخارجية السودانية الخارجية المصرية السفير بلال المصري العلاقات المصرية السودانية تهديد الأمن والإستقرارعلاقات مصروالسودان : ثقة مُفتقدة وخشية مُتبادلة


للإسف مقال لايستحق الحبر الذي كتب به ...
نقلناهـ لنعكس للقارئ السوداني مدي ضحالة النخب المصرية في التأريخ والجغرافيا والقانون ..
فهذا الـ(بلال المصري) يحمل صفة سفير .. ولكنه لايستحي من ان يخلط ما يريد ويسوط ..
النخب المصرية تعمل علي تنفيذ البرامج الامريكية الاسرائيلية وفي ذات الوقت تريد نتائج ترضي غرورها .. وتلبي تطلعات شعبها ..
في الوقت الذي تتعامل بصلف وغرور مع دول القارة الافريقية تريد مصر ان تكون هي مركز قارة افريقيا والدول العربية ، فلا إستطاعت ان تكون عربية ولا قبلت بافريقيتها .. وخرجت من جامعة الدول العربية عام 1977م بعد توقيعها لإتفاقية كامب ديفيد ... وتم عزلها عربيا وافريقيا ، فكان السودان هو الملاذ الامن لمصر والمعبر الي العالم .. ولكن بماذا كافئت مصر السودان ؟؟؟
عندما هبت إنتفاضة رجب / ابريل عام 1985م قامت مصر بالتحفظ علي المخلوع نميري ، ورفضت تسليمه لمحاكمته في السودان ، وبعدما إنتهت اموال النميري في البنوك المصرية تم طردهـ بكل اريحية في العام 2000م ليعود الي السودان ’’الرئيس السابق‘‘ ...
مغالطات النخب المصرية في ان لهم حقا تأريخيا في السودان يلزمهم برد حق فرنسا في مصر ورد بريطانيا في مصر ، بل يمكن ان نعود الي التأريخ القريب ونقول حق تركيا العثمانية في مصر والشام والجزيرة العربية ...




اقتباس:


المركز الديمقراطى العربى
المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.


نقلا عن الرابط

elmhasi 15-07-2021 10:39 PM

اقتباس:


ما تفعله مصر سرياً بشان سد النهضة !!!

الكاتب الصحفي الاثيوبي سليمان عبدالله يكتب :--------
كل المؤشرات تثبت أن أثيوبيا لا تهتم كثيراً لجعجعة مصر وتهديداتها بشان سد النهضة ، فاثيوبيا تعلم تمام العلم بانه ليس فى مقدور مصر ولا بمقدور أى قوة فى الارض أن تتحصل عنوةً على كل مياهـ النيل الأزرق التى تخرج من أثيوبيا ، وان الدخول مع اثيوبيا فى حرب لحيازة هذهـ المياهـ التى تخرج من اراضيها ليس ممكناً ، بل ومستحيلاً ، ولن يقود الا الى حرمان الجميع من فوائد هذهـ المياهـ التى تجرى داخل اراضى اثيوبيا لمئات الكيلومترات وتجرى خلال مناطق جبلية ليس فى مقدور اى جيش أجنبى أن يحتازها ضد رغبة الوطنيين . أذاً ، فالحرب التى تهدد بها مصر ليست واردة ، والجميع يعلم ذلك ، فالدول الافريقية الاخرى ، ودول العالم أجمع ، تعلم تمام العلم أن الوسيلة الوحيدة لتحقيق الفائدة من مياهـ النيل الازرق لاثيوبيا والسودان ومصر أنما هى التعاون والتفاهم المشترك .
مصر تعلم كل هذا ، وتعلم بأن أثيوبيا التى استمرت فى بناء السد تحت ضجيجها فى الفترة الماضية ، سوف تستمر فى خطتها الخاصة بملء السد دون أدنى اعتبار للضجيج المصرى الحالى . واثيوبيا تعلم بان ضجيج مصر ليس سببه أن مياهـ النيل التى كانت تخرج من اثيوبيا لتجرى فى النيل الازرق سوف تنقص ، فهذهـ المياهـ لن تنقص ولا قطرة واحدة ، فكلا الدولتين يعلم بان اثيوبيا لا تريد استعمال مياهـ سد النهضة فى زراعة ، فليس هناك ترع للرى تخرج من خزان السد ، وليس هناك اراضى يمكن زراعتها فى المنطقة حول الخزان . أما سبب ضجيج مصر فانما هو بشأن الذى سوف يحدث فى السودان ، و ما يترتب على انشاء السد من مقدرة السودان على استعمال جزء كبير من نصيبه من مياهـ النيل .
فالسودان كان طيلة الثلاثين سنة الماضية لا يستعمل من (نصيبه المعترف به) الا أقل من نصفه تقريبا ، ويترك الباقى ليجرى أمام أعين المواطنين ليتم تخزينه فى بحيرة السد العالى ، ولتقوم مصر بالاستفادة من هذهـ الثروات المائية عبر تنظيم جريان النهر شمال السد العالى ، أو عبر شق الترع من بحيرة السد العالى الى الصحراء .
عجز السودان عن استعمال نصف (نصيبه المعترف به) سببه ، بجانب سوء الحكومات ، هو أن مياهـ النيل الازرق كانت تندفع فى فصل الخريف ولمدة اربعة شهور فقط ، فتعطل انتاج الكهرباء فى سد الروصيرص ، وتسبب الكوارث على طول ضفاف النيل الازرق وضفاف النيل شمال الخرطوم ، لتصل بحيرة السد العالى ليتم تخزينها وتنظيم جريانها طول شهور السنة ، بينما يبقى السودان طيلة الثمانى شهور يعانى من نقص المياهـ ، ويلعق جراح آثار الفيضانات المدمرة .
هذا الوضع سوف يتغير بعد سد النهضة ، أو من المفترض أن يتغير بعد تنظيم جريان النيل الازرق ، فبدلا من أن تندفع المياهـ خلال السودان مسببة الكوارث فى ثلاث أو اربعة أشهر ، سوف يتم تنظيمها ، دون أخذ قطرة واحدة منها ، لتكون كمية المياه فى النيل الأزرق متساوية وثابتة طيلة شهور السنة.
هذا ما تخشاه مصر!! فانتظام كمية المياه فى النهر طيلة شهور السنة يعنى مقدرة السودان على استعمال (نصيبه المعترف به) من مياه النيل، ومقدرته على التوسع فى الزراعة المروية، باعادة تاهيل مشروع الجزيرة ومشروع الرهد، و تطوير الرى المنتظم على ضفاف النيل كما تفعل مصر التى تستخدم مياه النيل بعد تنظيم جريانها طيلة شهور السنة بواسطة السد العالى... الامر الذى يحرم مصر من المياه التى كانت تأخذها من نصيب السودان.

فما الذى يمكن لمصر أن تفعله فى هذا الوضع ؟؟
ليس أمام مصر الا أن تستخدم كل طاقاتها ومقدراتها على ابقاء السودان عاجزاً عن استخدام (نصيبه المعترف به) من مياه النيل.... وهذا ما تقوم به حالياً عبر السعى لاشعال الحرب، ليس بينها وبين اثيوبيا وانما بين السودان واثيوبيا، وتسعى أيضاً عبر استخدام أعداء الحكومة الانتقالية وفلول الكيزان لزعزعة الحكومة وافشال مجهوداتها لخلق حالة من عدم الاستقرار وتعويق اى خطكط للتنمية، وتسعى ايضاً عبر مخابراتها وعملائها لتضليل الشعب ودفعه لمعارضة سد النهضة.
هذا، بكل أسف، ما تفعله حكومة مصر حالياً، وقد تنجح فى مخططها، لابقاء السودان عاجزاً عن استخدام (نصيبه المعترف به) من مياه النيل، لبعض الوقت، ولكن لا يمكن أن يستمر هذا الوضع طويلاً، ولن يترتب عليه الا حالة عداء بين شعبى وادى النيل، وضياع فوائد استراتيجية كان يمكن لمصر أن تتحصل عليها بالتعاون المشترك والتفاهم والوضوح، فلابد من مجئ الوقت الذى يتحرر فيه السودان من مؤامرات مصر ومن عملائها.


....

elmhasi 19-07-2021 07:57 PM


وانا ما بفسر ...
اقتباس:


تصدير

في الكتاب الذي اصدرناهـ منذ شهور عن ’’مصروالسيادة علي السودان‘‘ اوضحنا ما تستند إليه مصر من حقوق شرعية في ان يضم وادي النيل بشطريه سياج واحد في ظل تاج واحد كما كانت الحال في عهد محمد علي الكبير وخلفائه من افراد البيت العلوي العتيد . ولا ريب في ان حصفاء القراء من ذوي الافهام السليمة والفطر المستقيمة قد ساتبانوا من خلال السطور ومن تلقاء انفسهم أننا حين ذكرنا لفظ السيادة إنما قصدنا معناهـ الفقهي وما ينصرف إليه من تعيين مقر السلطة العليا في الدولة لا المعني اللغوي وما ينطوي عليه من فكرة السيطرة والاستعلاء .


اقتباس:

فالواقع ان الحكم المصري في السودان كان حكما صالحا مستنيرا يستهدف رفاهية السودانيين خاصة وخدمة الانسانية عامة .

اقتباس:

اما تلك الثورة الجامحة التي اشعل المهدي نارها فليست دليلا علي سوء الادارة المصرية إذ كانت في حقيقة امرها فتنة هوجاء قام بها تجار الرقيق ضد طائفة من الموظفين الاوربيين في السودان لم يصطنعوا الريث والاناة في محاربة الرق والنخاسة بل ركبوا متن الشطط وابوا الا القضاء عليها ’’بالنار والسيف‘‘ في اقصر وقت مستطاع متجاهلين سياسة التدرج ومخالفين طبيعة الاشياء .



elmhasi 27-07-2021 05:54 AM


https://www.nourbook.com/publice/cov...48f5f.png.webp
مصر والسيادة عل السودان
مؤلف: محمد فؤاد شكري
اللغة : العربية
الصفحات : 148
حجم الملف : 3.05 ميجا بايت
نوع الملف : PDF
تاريخ الإنشاء : 10 سبتمبر 2014م





https://www3.0zz0.com/2021/10/05/05/360777746.jpg


https://www3.0zz0.com/2021/10/05/05/868337395.jpg


https://www3.0zz0.com/2021/10/05/05/288572680.jpg


https://www8.0zz0.com/2021/10/05/06/270785270.jpg

اقتباس:


تصدير وتقدير

كثر الحديث في هذهـ الايام عن السودان وعلاقة مصر به وموقفها إزاءهـ وقد رأيت ان اتناول هذا الموضوع من الناحية التأريخية البحته علي الطريقة العلمية الحديثة التي تستند الي الحقائق الثابته ، ولما كان الموضوع منشعب النواحي والمجال لايحتمل الاطالة فلم يكن هناك معدي عن قصر الحديث علي مسألة السيادة وإزالة ما علق بالاذهان عن مساوئ الحكم المصري في السودان ، إذ ان الشواهد التأريخية المستقاة من الوثائق الرسمية لاننفي ذلك فحسب بل إنها لتدل دلالة واضحة علي ان حكم المصريين للقطر السوداني كان حكما عادلا مستنيرا يهدف الي رفاهية السودانيين والسير بهم قدما في طريق التقدم والحضارة وليس في ذلك ما يدعو الي العجب لأن السياسة الرشيدة التي رسم محمد علي الكبير خطوطها الأساسية منذ البداية كانت تعتبر مصر والسودان قطرا واحدا داخلا ضمن نطاق مشترك .

https://www8.0zz0.com/2021/10/05/06/529442833.jpg

https://www8.0zz0.com/2021/10/05/06/505085978.jpg

اقتباس:


مصر والسيادة علي السودان
الوضع التأريخي للمسألة

بل إن هناك من الوثائق التأريخية ما يقطع بأن حقوق السيادة هذهـ كان معترفا بها إعترافا تاما من جانب الدول العظمي الاوربية وفي مقدمتها إنجلترا تلك الدولة التي اشتركت مع المصريين في استرجاع السودان عقب حوادث الثورة المهدية ثم ابرمت مع مصر وفاق الحكم الثنائي .

صفحة 3


elmhasi 02-08-2021 04:31 AM


مصر والسودان
مؤلف : عمر طوسون
قسم : ميثولوجيا وأساطير مصر القديمة
اللغة : العربية
الناشر : مؤسسة هنداوي لنشر المعرفة والثقافة والغير هادفة للربح
الصفحات : 22
عدد الملفات : 3
حجم الملفات : 1.01 ميجا بايت
نوع الملفات : PDF EPUB KFX
تاريخ الإنشاء : 24 أغسطس 2017م


اقتباس:


https://www.nourbook.com/publice/wri...5ff8682ced.jpg
عمر طوسون
المؤلف كتاب مصر والسودان والمؤلف لـ 87 كتب أخرى .
عمر طوسون (8 سبتمبر 1872م - 2 يناير 1944م) هو الأمير محمد عمر طوسون ابن الأمير محمد طوسون باشا ابن والي مصر محمد سعيد باشا ابن محمد علي باشا رأس الدولة العلوية . والدته الأميرة بهشت حور وليس كما يشاع انها الأميرة فاطمة بنت الخديوى إسماعيل وكانت زوجة والدهـ ، وجدته لأبيه الأميرة ملك بير . ولد في الإسكندرية وعاش فيها إلى جانب القاهرة .
هو أحد أشهر امراء اسرة محمد علي الذي اشتهر بالكثير بتفوقه في الكثير من المجالات ورعايته للكثير من المحافل واعماله الخيرية واكتشافاته وكتاباته في الجغرافيا والتاريخ والأثار وغيرها وله العديد من الكتب والخرائط بالعربية والفرنسية ، وكان أول من اقترح إرسال وفد من مصر إلى مؤتمر فرساي للمطالبة باستقلالها .
نشأته :-
ولد في الإسكندرية يوم الأحد 5 رجب 1289هجرية الموافق 8 سبتمبر 1872 ميلادية , ولما بلغ اربع سنوات كفلته جدته لأبيه الأميرة ملك بير وعنيت بتربيته ، بدأ الدراسة على يد مجموعة من الأساتذة المختارين في قصر والدهـ ولما بلغ الحلم سافر إلى سويسرا لأستكمال دراسته وتجول في هذهـ الفترة في كل من فرنسا وإنجلترا بغرض السياحة فتأثر بما شاهدهـ هنالك من التقدم العلمي والصناعي والزراعي والأجتماعي ثم عاد إلى مصر وهو يجيد التركية والعربية والأنجليزية والفرنسية .
فلما بلغ سن الرشد تولى زمام دائرتة فأدارها بنفسه ومع انشغاله بأدارة اعماله لم ينقطع عن المطالعة والبحث في مكتبته إذ كان له ولع بمطالعة كل ماله علاقة بتاريخ مصر والسودان .
اقترن باحدى كريمات الأمير حسن باشا نجل الخديوى إسماعيل في 14 اغسطس سنة 1889م , فرزقه الله النبيل سعيد طوسون والأمير حسن طوسون ومن البنات النبيلة امينة والنبيلة عصمت .
شخصيته :-
اشتهر الأمير عمر طوسون بوطنيته وحبه لمصر، فاعتنى بتاريخها القديم والحديث من عهد جدهـ الأعلى محمد علي وعهد إسماعيل وكتب منه الكثير، كما تمتع بعلاقات جيدة مع أهالي مصر سواء العامة منهم أو رؤساء الأسر والعشائر منهم .
تمتع الأمير طوسون بعقيدة صافية وسليمة ، ونزعة صادقة في علاقاته مع إخوانه المسلمين أينما كانوا ، فقدم لهم المنح والمساعدات ما استطاع إلى ذلك سبيلاً . كما تميز بتسامحه تجاهـ أبناء الأديان الأخرى في أي مناسبة إنسانية تجمعه بهم ، ومن خلال تعامله معهم كانوا يرون فيه المسلم الحق ؛ لما اتصف به من أخلاق كريمة وفاضلة .
كان الأمير عمر طوسون على قدر عال من الوطنية والانتماء لوطنه مصر، وفي المقابل وبنفس المستوى كان يعتز بشرقيته ومن الأقوال التي عرفت عنه في هذا الشأن : (الشرق شرق والغرب غرب ، لا للتبعيد والتفريق بينهما).

اقتباس:


وصف الكتاب
أدرك الحاكم الداهية «محمد علي باشا» أنَّ أيَّ تهديد لمنابع النيل في أفريقيا هو تهديد لوجود مصر ذاتها ، خاصةً بعد أن استشعر أنَّ هناك قوًى دوليةً طامعةً في تلك الأراضي ؛ فجرَّد حملة عسكرية لفَتحها وضمِّها إلى مصر ، كما عمل على إدخال المدنية والقانون لتلك المناطق ، واستمرَّ في التوسع حتى وصلَت الأملاك المصرية إلى خطِّ الاستواء ، ولكن مع احتلال إنجلترا لمصر في سنة ١٨٨٢م وانطلاق «الثورة المهدوية» بدأت مصر في فَقْدِ سيطرتها على السودان ، وبسبب الأسلوب الخاطئ الذي اتبعَتْه إنجلترا في إدارة الأزمة كادتْ مصر تَفقد السودان كلَّها ، وبعد عدة معارك تمَّت السيطرة على الأوضاع ليَظهر صراع جديد بين مصر صاحبة الحق وإنجلترا التي ادَّعت أنها أحقُّ بحكم السودان . وهذا الكتاب يرصد هذا الصراع ويُفنِّد المزاعم الإنجليزية ، كما يُخاطب الرأي العام البريطاني .


اقتباس:

تعليقنا :-
من هذهـ النقطة بدأ تفكير النخب المصرية نحو السودان بالطابع الاستعماري ’’الاستحماري‘‘ وكانت كتابات عمر طوسون هي النواة التي ارتكزت عليها بقية الاقلام المصرية في الشأن السودانى ، وكانت محصلة تعاملهم مع الشأن السوداني ’’خيبة كبيرة‘‘ وستؤدي في القريب العاجل الي مفاصلة كاملة .

رابط التحميل 1 (PDF)
(1.01 ميجا بايت)
رابط التحميل 2 (EPUB)
(8.67 ميجا بايت)
رابط التحميل 3 (KFX)
(545.59 كيلو بايت)



منقول من الرابط

elmhasi 03-08-2021 09:34 PM



اقتباس:


مكتبة عين الجامعة » التاريخ والآثار والجغرافيا »


محمد علي في السودان
يدخل كتاب محمد علي في السودان في دائرة اهتمام الباحثين والطلاب المهتمين بالدراسات التاريخية؛ حيث يقع كتاب محمد علي في السودان ضمن نطاق تخصص علوم التاريخ والفروع ذات الصلة من الجغرافيا والآثار وغيرها من التخصصات الاجتماعية. ومعلومات الكتاب كما يلي:
الفرع الأكاديمي: علوم التاريخ
صيغة الامتداد : PDF
المؤلف المالك للحقوق: حسن أحمد إبراهيم
حجم الملف: 3.2 ميجابايت

اسم الكتاب : محمد علي في السودان
قسم كتب: التاريخ والآثار والجغرافيا
مؤلف الكتاب : حسن أحمد إبراهيم



رابط تحميل الكتاب




اقتباس:


محمد علي في السودان
المؤلف الدكتور : حسن أحمد إبراهيم
الناشر : جامعة الخرطوم
206 صفحة

الكتاب عبارة عن رسالة ماجستير تقدم بها صاحبها لجامعة الخرطوم .. وعبر ستة فصول ومقدمة يتناول الكتاب أسباب فتح محمد علي للسودان وعن كيفية جلب العبيد من قبل محمد علي للسودان والأغراض التي استخدم فيها العبيد في سياسته في السودان .. ودور محمد علي في التنقيب عن المعادن في السودان وأخيراً دور محمد علي في التجارة السودانية .






* تعليقنا :
اكثر كتاب فضح سياسة مصر تجاهـ السودان ، لذا حاول الكثير من الكتاب المصريين الرد علي هذا الكتاب ، فجاءت كتاباتهم كأنها الصراخ في الصحراء ، وحاولوا ان يطمسوا شمس الحقيقة .. فكان شعاع الحق اكبر من ان تخفيه حروف اصابعهم المرتعشة ..
الكتاب يحكي عن حقائق صادمة جدا ..

elmhasi 06-08-2021 08:34 PM


https://ia801008.us.archive.org/Book...ale=4&rotate=0


https://ia801008.us.archive.org/Book...ale=4&rotate=0

https://ia801008.us.archive.org/Book...ale=4&rotate=0


https://ia801008.us.archive.org/Book...ale=4&rotate=0

اقتباس:


بدأ له ان يوسع تخوم مملكته ويضم اليها ما جاورها من البلاد الجنوبية وينفذ احكامه الي من بها من القبائل التي لم يستحكم نظامها .
والظاهر انه رغب في ذلك واقدم علي إنجازهـ لأربعة اسباب الاول توسيع الرزق لمناصريه من الاتراك والارناؤوط الذين قهر بهم المماليك وحل قوتهم ، والثاني استئصال شأفة المماليك الذين لم تزل بقيتهم سائدة علي دنقلة في السودان . والثالث الإستيلاء علي معدن الذهب في سنار الذي طارت اخبارهـ الي جميع الاقطار وكثرت فيه الاقوال الموضوعة والقصص المصنوعة ولا سيما في مدينة القاهرة .
والرابع إمداد جيشه برجال من السودان وكان للسودانيين يومئذ شهرة وصيت بعيد بالبأس والشجاعة .
ولذلك لما سنحت له الفرصة وجه الي السودان جيشا جرارا بحجة نجدة ولد عدلان وردهـ الي كرسي ملكه في سنار بعد تنزيله عنه .

https://ia801008.us.archive.org/Book...ale=4&rotate=0

https://ia801008.us.archive.org/Book...ale=4&rotate=0

https://ia801008.us.archive.org/Book...ale=4&rotate=0

https://ia801008.us.archive.org/Book...ale=4&rotate=0

https://ia801008.us.archive.org/Book...ale=4&rotate=0

https://ia801008.us.archive.org/Book...ale=4&rotate=0


https://ia801008.us.archive.org/Book...ale=4&rotate=0


https://ia801008.us.archive.org/Book...ale=4&rotate=0


** تعليقنا
بعيدا عن تفاصيل الاحداث ، إذا اخذنا الاسباب الاربعة لغزو محمد علي باشا للسودان نجدها كلها اسباب استعمارية ’’إستحمارية‘‘ وليست كما يروج لها بعض المؤرخين المصريين المتأخرين ’’أكذوبة الاستعمارالمصري للسودان‘‘ و ’’ضحايا مصر في السودان‘‘ و ’’مصروالسودان مصير مشترك‘‘ و ’’وادي النيل‘‘ .. إلخ .
كل هذهـ العناوين عن العلاقات بين السودان ومصر .. نري إنها تحاول طمث حقيقة الإستعمار المصري للسودان .
وإذا حسبنا بمقارنة بسيطة ’’1821م الي 1885م‘‘ العهد التركي المصري .. وبالمقابل ’’1899م الي 1956م‘‘ سوف نجد إن الفرق شاسع بين الاستحمار المصري ، والاستعمار البريطاني ’’الإنجليزي المصري للسودان‘‘ .
وعليه فإن الإستعمار الإنجليزي للسودان كان ذات نفع وفائدة اكثر من إخوة العروبة والاسلام ...

elmhasi 18-08-2021 06:46 PM




ماذا فى السودان
مؤلف : جلال الدين حمامصى
قسم : تاريخ الدول
اللغة : العربية
الناشر : دار المعارف
الصفحات : 216
حجم الملف : 134.1 ميجا بايت
نوع الملف : PDF



elmhasi 04-10-2021 08:56 PM


اقتباس:


الإمبراطورية السودانية فى القرن التاسع عشر
مؤلف : محمد صبرى
قسم : الدولة السلجوقية
اللغة : العربية
الناشر : مطبعة مصر شركة مساهمة مصرية
الصفحات : 312
حجم الملف : 185.98 ميجا بايت
نوع الملف : PDF
تاريخ الإنشاء : 27 مارس 2019م



elmhasi 05-10-2021 06:42 AM

صفحات من كتاب الامبراطورية السودانية



اقتباس:



https://www12.0zz0.com/2021/10/04/20/750177652.png

https://www9.0zz0.com/2021/10/04/20/279521615.png

https://www11.0zz0.com/2021/10/04/20/690381952.png

https://www11.0zz0.com/2021/10/04/20/835300974.png

https://www5.0zz0.com/2021/10/05/05/596412302.png

وقد نجح ولاة مصر من أوائل حكم محمد علي (1821م) الي آخر حكم اسماعيل في رد الحدود القديمة الي السودان المصري . وإنتشر في عهدهم كما انتشر قديما نفوذ المدنية المصرية في ارجاء تلك ’’الاراضي الجنوبية‘‘ فكان النيل والبحر والاحمر ناقل المدنية الفرعونية تارة والمدنية العربية طورا الي هذهـ الاقطار . ص7
https://www5.0zz0.com/2021/10/05/05/441305958.png

https://www5.0zz0.com/2021/10/05/05/559719837.png


elmhasi 19-03-2025 01:56 AM


على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية (1 – 20)

د. النور حمد
4 March, 2025

ن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تكن منحياً"
مارتن لوثر كينج

مقدمة
هذهـ الحرب الجارية الآن في السودان ، وإن حصرتها أجهزة الإعلام والرأي العام السوداني ، خطأً ، في كونها حربًا بين ما تسمى الحركة الإسلامية وأذرعها المختلفة ، وعلى رأسها المليشيا المسماة "الجيش"، وبين قوات الدعم السريع ، هي في نظري بخلاف ذلك . هذهـ الحرب ، فيما أرى تخفي وراءها ، ما لا يعكسه التشخيص الكاذب الذي طغى على حقيقتها . هذهـ الحرب هي في الأصل بين الشعب السوداني الذي يريد أن يصحح مسار استقلاله المسروق ، وبين المؤسسة المصرية الحاكمة التي تريد استمرار هيمنتها على السودان . هذهـ الحرب الأخيرة لم تبدأ في 15 أبريل 2023م ، وإنما بدأت في اللحظة التي أُزيح فيها الرئيس المخلوع عمر البشير عن سدة الحكم في 11 أبريل 2019م . فالنظام المصري الذي كان أول من رحَّب بانقلاب الترابي/البشير في عام 1989م ، عاد ليكون أكثر الأنظمة العربية التي شقَّت عليها إزاحة نظام الترابي/البشير الدموي ، الفاسد عن السلطة . لقد استطاع النظام المصري في الفترة الممتدة من 1989م إلى 2018م ، أن يروِّض ما تسمى الحركة الإسلامية في السودان ويضعها تحت قبضته تماماً . فقد استغل النظام المصري تورط النظام السوداني في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا في عام 1995م ، فاقتطع من السودان مثلث حلايب . ثم ما لبث أن أسهم في فرض العقوبات الدولية عليه وحراسة تلك العقوبات في المحافل الدولية . ففي أبريل 2017م ، أي قبل أقل من عامين من سقوط نظام الإسلامويين في السودان ، وصف وزير الخارجية إبراهيم غندور الموقف المصري المؤيد للإبقاء على العقوبات المفروضة على السودان منذ عام 2005م ، بموجب القرار (1591)، بأنه : "موقف شاذ وغريب ، طالب به نائب المندوب المصري في الأمم المتحدة ، في مجلس الأمن الدولي". (راجع موقع النيلين على الرابط : 1). عمومًا استمر النظام المصري في ترويض الإسلامويين السودانيين ، حتى حصل منهم على رضوخٍ كاملٍ له . وقد بلغ هذا الخضوع درجةً غير مسبوقةٍ في فترة حكم الفريق البرهان والحركة الإسلامية الحالية . عبر هذهـ الفترة من الابتزاز الدبلوماسي ، حصل النظام المصري بالإضافة إلى احتلال مثلث حلايب ، على مساحاتٍ شاسعة من الأراضي الزراعية في السودان . وكذلك ، في جر النظام السوداني ليصطف وراءهـ في ملف مياهـ النيل . وأهم من كل ذلك ، فتح الحدود السودانية لكي تنهب مصر من موارد السودان ما شاءت .
صمت النظام المصري صمت القبور عقب إبعاد الرئيس عمر البشير من السلطة . ففي الفترة التي تقاطرت فيها أجهزة الإعلام العربية والعالمية إلى السودان لتغطي اعتصام القيادة العامة الذي خلب ألباب العالم ، غابت أجهزة الإعلام المصرية ، ولزم النظام المصري الصمت . وفي الوقت الذي كان فيه الاتحاد الأفريقي والرئيس الأثيوبي أبي احمد منخرطين في التوفيق بين قوى الثورة والعسكر، ليجري توقيع الوثيقة الدستورية وتبدأ الفترة الانتقالية المفضية إلى التحول الديمقراطي ، كان النظام المصري منهمكًا في إعداد الخطط للإجهاز على الثورة بالتحالف مع الفريق عبدالفتاح البرهان ، الذي لم يكن في نيته ، أبدًا ، تسليم السلطة إلى المدنيين ، والسماح بقيام نظام ديمقراطي عقب الفترة الانتقالية . وبالفعل بدأت فصول الخطة المصرية لإجهاز على الثورة تتوالى ، منذ مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019م ، وإلى اليوم . لقد وضعتنا هذهـ الحرب عبر تداعياتها أمام منعطفٍ تاريخيٍّ حاسم : فإما أن نمضي بثورتنا هذهـ نحو استعادة استقلالنا المسروق بواسطة المصريين ومعاونيهم من الداخل من السودانيين ، وإما أن نبقى تحت الهيمنة المصرية التاريخية ، وبصورة أنكأ مما سبق ، ولفترةٍ مقبلةٍ طويلةٍ جدًا .
أخطاؤنا التاريخية
هذهـ الحرب المدمرة وما نحن فيه الآن ، هي الخلاصة التي قادتنا إليها أخطاؤنا التي تراكمت منذ الإستقلال . لم تستطع النخب السياسية التي أدارت حراك الاستقلال أن تنجز استقلالاً حقيقيًا يفكك التركة الاستعمارية المصرية . فقد خرجت مصر من السودان مثلما خرجت إنجلترا . لكن مصر تركت وراءها جيشًا من السودانيين المتمصرين هوياتيًا وثقافيا. وهذا أمر استثمرت فيه مصر منذ الغزو الخديوى للسودان في عام 1821م . وحين بدأ الحكم الوطني عقب لحظة الاستقلال برزت معه دعوة الإسلام السياسي ، مصرية الجذور في السودان . وما لبثت الطائفتان الكبيرتان ؛ طائفتا الأنصار والختمية والحزبان الكبيران التابعان لهما ؛ أن رضخا للابتزاز السياسي الذي مارسته عليهما جبهة الميثاق الإسلامي بالشعارات الدينية الزائفة ، التي رفعها الدكتور حسن الترابي ، عقب ثورة أكتوبر 1964م .
لقد رأت الطائفتان وحزباهما مجاراة الدكتور الترابي في خطه الداعي لتحكيم الشريعة ، خشية أن يسرق الدكتور الترابي منهما سندهما الشعبي المتديِّن . فبدلاً من أن تواجهاهـ وتكشفا زيف شعاراته ، كما فعل الأستاذ محمود محمد طه ، حينها ، اصطفتا وراءهـ وسارتا على دربه . وكان أكبر تجسيد للاستجابة لابتزاز الدكتور الترابي للطائفتين بالشعارات الإسلامية ، انسياقهما وراءهـ في مؤامرة حل الحزب الشيوعي السوداني في عام 1965م . وقد حدث ذلك بعد عام واحدٍ فقط من الثورة . وهو نفس العام الذي شهد الانتخابات العامة التي تمكن فيها الحزب الشيوعي السوداني من نيل 11 مقعدًا في البرلمان (الجمعية التأسيسية)، في حين لم تحصل جبهة الميثاق الإسلامي، بقيادة حسن الترابي ، سوى على 3 مقاعد .
أزعجت الجماهيرية التي حُظي بها الحزب الشيوعي في انتخابات 1965م جماعة الكيزان والقوى الطائفية . فجرى ، من ثم ، التدبير لمؤامرة حل الحزب الشيوعي السوداني ، في نفس ذاك العام . ولكي يصبح ذلك ممكنًا ، كان لابد من تعديل مادة الحريات الأساسية في الدستور . وبالفعل عُدِّلت المادة وجرى طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان ، على الرغم من السند الجماهيري الذي أتي بهم إليه ، في انتخاباتٍ حرة . أكثر من ذلك ، أن أغلبية نواب الحزب الشيوعي السوداني كانوا قد جاءوا من دوائر الخريجين ، المخصصة للمتعلمين .
عقب حل الحزب الشيوعي شرع الحزبان ومن خلفهما جبهة الميثاق الإسلامي في كتابة ماسمي بـ"الدستور الإسلامي" ، حتى بلغا به مرحلة القراءة الثانية . وكان ذلك الدستور "غير الدستوري" ، على وشك الإجازة ، لولا أن أجهض إجازته انقلاب مايو 1969م . ولأن الأستاذ محمود محمد طه قد عارض ذلك التوجه ، آنذاك ، وقام بحملةٍ قويةٍ في فضحه وتعريته في المنابر العامة ، كان رد فعل الجهات السلفية الواقفة وراء حزب الدكتور الترابي ، أن استغلت القضاة الشرعيين لمحاكمته وأدانته بتهمة الردة في 18 نوفمبر 1968م . وقد قابل الحزبان الكبيران ذلك الحكم الغريب بالصمت ، الذي دل على مباركتهما له . وفي تقديري ، كانت تلك هي اللحظة الفارقة ، التي علا فيها صوت الهوس الديني والغوغائية على الدستور ، وعلى الحقوق الأساسية، وعلى مكتسبات الحداثة ، وعلى سلطة المعرفة . من حينها ، تنامى الهوس والشعبوية الدينية والغوغائية ، ولم تعد للوعي بالدستور وبالديمقراطية والحقوق الأساسية أي فرصةٍ للتقدم .
تنكُّب الجادَّة
لقد كان خطأً استراتيجيًا فادحًا ، ذلك الذي وقعت فيها الطائفتان وحزباهما الكبيران عقب ثورة أكتوبر 1964م . فتداعيات ذلك الخطأ ، المتمثلة في الرضوخ لإبتزاز الإسلامويين لهما بالخطاب الديني ، الذي استمر لعقود ، قاد ، في نهاية المطاف ، إلى سيطرة الإسلامويين على مجريات السياسة في البلاد . فقد تركت الطائفتان للدكتور حسن الترابي الفرصة لكي يحفر تحت أقدامهما ، بمثابرةٍ شديدة ، حتى نفَّذ ضدهما وضد الديمقراطية ، انقلابه في يونيو 1989م . والغريب أن الترابي نفَّذ انقلابه ، في وقتٍ كان الوزن الانتخابي لجماعته قد انتقل من 3 مقاعد في البرلمان في انتخابات 1965م ، إلى 53 مقعدًا في انتخابات 1986م . لقد أدى تبني الحزبين الكبيرين أجندة الدكتور حسن الترابي ، في عددٍ من المنعطفات ، وحرصهما على خطب ودهـ ، بل والتحالف معه ، وعدم شعورهما بالخطر الداهم الذي كان يمثَّله ، إلى أن يدفع هذان الحزبان ، ومعهما البلاد ، ثمنًا باهظًا للغاية . لقد كانت غفلةً كبيرةً تلك التي جعلت هذين الحزبين الكبيرين ينصرفان عن مجابهته فكريِّا حين بزغ نجمه ، وقد كانت السلطة في يدهما . فقد اختارا عوضًا عن ذلك ، في التعاطي معه وممارسة الألاعيب التكتيكية قصيرة النظر . وقد اتضح عمليًّا أن الدكتور الترابي كان أبرع منهما في ذلك النهج .
باختصارٍ شديدٍ ، ما نحن فيه الآن كان نتيجةً لسلسلةٍ طويلةٍ من الأخطاء التي شكَّلت ، في جملة الأمر، بنية الممارسة السياسية في السودان ، المتسمة بقصر النظر وبالنفعية وقلة الاكتراث بالمبدئية وبالتخطيط الاستراتيجي السليم . ولا يختلف في ذلك ، اختلافًا جوهريًّا ، من ظلوا يقفون في صف الثورة الآن، منذ ديسمبر 2018م ، ومن ظلوا يعملون ليل نهار لوأدها . فانعدام الرؤية الاستراتيجية والانغماس في المناورات وفي التكتيك ، والتركيز على الكسب الآني ، هو ما ظل يغلب على القوى السياسية السودانية . ولقد دلَّ سلوك قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي ، في الفترة الانتقالية على هذا النهج. بل ، ولا يزال الحال كما هو ، حتى بعد أن تحوَّلت قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي ، إلى صورتها الجديدة المسماة "تنسيقية تقدم" ، التي انشطرت في الأيام القليلة الماضية ليتخذ ما تبقى منها اسم "صمود".
أما جماعة الدكتور الترابي ، فقد كان التكتيك القائم على الألاعيب السياسية وممارسة التضليل والابتزاز بالشعار الديني هو ديدنها الثابت الذي لا يتغير . ولا غرابة ، فالجماعة مرتكزةٌ أصلاً على فكرةٍ دينيةٍ فاشيةٍ ، تبرر فيها الغاية كل وسيلةٍ ممكنةٍ ، مهما كانت وحشيتها ودمويتها ، ومهما كانت صادمةً للحس الإنساني السليم . بل ، ومهما كانت نقيضةً للقيم الدينية نفسها ، التي تدعى الجماعة رعايتها والدفاع عنها . ولسنا بحاجة لذكر ما كان يجري من بشاعاتٍ في جنوب السودان ، وفي بيوت الأشباح ، وما جرى في دارفور منذ 2003م ، وما جرى في مجزرة فض الاعتصام . وأيضًا ، ما حدث من قنص بالبنادق للشبان والشابات في هذهـ الثورة . وما جرت ممارسته من دهس للثوار بسيارات الأمن والشرطة في شوارع الخرطوم . بل وما طفح في هذهـ الحرب من إعداماتٍ ميدانيةٍ بشعةٍ لكثيرين ، ومن جزٍّ للرؤوس وبَقْرٍ للبطون ونهشٍ للأحشاء بدعوى التعاون مع قوات الدهم السريع . وأيضًا من قصفٍ جويٍّ يوميٍّ انحصر في استهداف البسطاء من المدنيين ، ومن تصفياتٍ خسيسيةٍ غادرةٍ سبق أن طالوا بها عضويتهم نفسها ، عبر الثلاثين سنة الماضية ، التي حكموا فيها البلاد بقبضةٍ حديدية .
حصاد الهشيم
ما نحن فيه الآن هو حصاد الهشيم لسلسلة الأخطاء الاستراتيجية الفادحة التي أشرنا إليها . وأقفز من هنا لأقول : إن كل الذي ظل يجري منذ الاستقلال ، وإلى يومنا هذا ، وما قاد إليه من علوٍّ لصوت الخطاب الديني المتخلف ، والهوس الديني ، ومن تراجعٍ مريعٍ في حكم القانون ، ومن توحُّشٍ صادمٍ فالتٍ ، ومن فوضى ، وانهيار للدولة ، وانعدامٍ لأبسط مقومات الأمن الشخصي ، إنما يمثل ، في جملته ، حقبةً مظلمةً ، رثَّةً ، كئيبةً ، خلت من أي انجازٍ ذي بال . بل، واحتشدت بكل ما هو فوضويٌّ وهمجيٌّ وقبيح . وقد انتهى بنا كل ذلك إلى كارثة الحرب الماحقة الراهنة التي شردتنا بصورةٍ لا مثيل لها . وأحاطتنا بأشباح الموت المحلقة فوق رؤوس الناس كل لحظة وأخرى ، وبالعوذ والجوعٍ وانغلاق الأفق ، ما وضعنا جميعًا على حافة اليأس . ولا أظنني أغالي إن قلت : ليس في هذهـ الحقبة ، التي امتدت منذ فجر الاستقلال وإلى اليوم ، ما يصلح لكي نصحبه معنا إلى مستقبلنا . فلو نظرنا ، على سبيل المثال ، إلى معسكر السياسيين والمثقفين الواقفين مع الثورة ، فإننا نجدهـ عاجًّا ، بكثيرٍ ممن طبعتهم الممارسة السياسية النفعية بطابعها . وآية ذلك ، إن عددًا مقدَّرًا ، من رموز الفكر والثقافة والسياسة قد وضعوا أنفسهم في خدمة الأجندة الاستعمارية المصرية . لقد بدأت حقبة ما بعد الاستقلال ، الرَّثة هذهـ ، بالانقسام التاريخي المعروف بين "الأشقاء الاتحاديين"، من جهة ، و"الاستقلاليين" ، من الجهة الأخرى . وها هي تنتهي اليوم ونحن نرى أن بعضًا ممن كانوا "استقلاليين" قد أصبحوا "أشقاء" . بل ، هم مرتاحون لهذا التحوُّل ، رغم ما يرونه من مجريات هذهـ الحرب اللعينة ، التي يلعب فيها النظام المصري أخبث الأدوار وأقذرها.
(يتواصل)

إيميل

elmhasi 20-03-2025 12:38 AM


على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية (2 – 20)

د. النور حمد
5 March, 2025

"لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تكن منحياً"

مارتن لوثر كينج
بقلم : النور حمد
منعطف إستعادة الاستقلال
المنعطف الذي نمر به الآن هو ، بصورةٍ أساسية، منعطف استعادة استقلالنا المسروق . وهي سرقةٌ ما كانت لتحدث لولا أن نخبنا السياسية قد تعاونت فيها مع النخب العسكرية المصرية . بل ، لا تزال بعضٌ من نخبنا تعمل، حتى هذهـ اللحظة ، لكي تحول دون أن نستعيد ذلك الجزء الأكبر المسروق من استقلالنا . لقد خرج البريطانيون من السودان في عام 1956م ، غير أن المصريين الذين شاركوهم استعمارنا المباشر حتى أخرجهم البريطانيون بسبب حادثة مقتل السير لي ستاك في القاهرة في 1924م ، لم يخرجوا من حيث التأثير على سلطة القرار السودانية ، إلى اليوم . لقد المصريون وراءهم من أجل الاختراق من الداخل ، ما يماثل حصان طروادة . وهو مجموعة النخب العسكرية والمدنية السودانية التي ظلت تساعدهم على خلط الأوراق السياسية ، ليبقى السودان رازحًا تحت استعمارهم المستتر، الذي امتد، حتى الآن ، لقرنين كاملين .
لقد أتاحت لنا هذهـ الحرب ، على بشاعتها وكلفتها الباهظة ، فرصةً ذهبيةً لكي نستعيد استقلالنا المسروق هذا . فإن نحن أخذنا بها تحرَّرنا وانفكت ، إلى الأبد ، القيود التي ظلت تكبل بلادنا وتمنعها من الانطلاق . وإن نحن فرطنا في هذهـ اللحظة الحاسمة ، فإن كوارث أكبر من هذهـ التي نحن فيها الآن ستكون في انتظارنا . ولسوف تنتهي تلك الكوارث ، طال الزمن أم قصر، إلى تقسيم البلاد ، بل وإلحاق جزءٍ منها بمصر، بصورةٍ نهائية . وقد بدأت ارهاصات ذلك تلوح في الأفق . فإسترجاع السودان هو الحلم الذي ما انفكت مصر الرسمية تحلم به ، وتعمل له بدأبٍ شديد ، منذ خروج جيوش محمد علي باشا من السودان في عام 1885م . لذلك ، لا أرى أن حالة الاستقطاب والاصطفاف القائمة الآن هي انقسامٌ بين الواقفين وراء جيش ما تسمى "الحركة الإسلامية السودانية" ، والواقفين وراء قوات الدعم السريع ، كما يصور ذلك إعلام الفريق البرهان وغيرهم ممن اشتروا هذا التشخيص الخاطئ . وإنما هو اصطفافٌ بين الذين لا تزعجهم الهيمنة المصرية ويريدون العيش تحت ظلها ، لأسباب سوف نأتي إلى ذكرها لاحقًا ، وبين الذين يريدون خروجًا بائنًا للسودان من تلك الهيمنة التاريخية المقيتة المكبِّلة ، التي أقعدت البلاد وعطلتها وجعلتها في ذيل الدول الإفريقية والعربية في كل شيء .
الطمع المصري في السودان
من المعلوم أن لكل دولتين جارتين مصالح مشتركة مع بعضهما . وكثيرًا ما نسمع دولةً ما تقول : إن الدولة الأخرى تمثِّل عمقًا استراتيجيًا بالنسبة لها ، وأن أمنهما لا ينفصلان ، وهذا مفهوم جدًا في العلاقات الدولية . لكن ، إذا تمعنَّا في نظرة الدولة المصرية نحو الدولة السودانية ، وطريقتها في إدارة علاقاتها الحيوية معها ، فإننا نجد أن إنشغالها بالسودان يبلغ درجة الهوس . كما أن نهجها في حراسة مصالحها في السودان ، نهجٌ استعلائيٌّ، فوقيٌّ ، إملائيٌّ ، أنانيٌّ ، استحواذيٌّ ، متغطرس . وفوق هذا وذاك فإن مصر بناء على استعمارها المباشر للسودان في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ظلت تدير شؤونها مع السودان عبر جهاز المخابرات ، وليس عبر وزارة الخارجية . وما ذاك إلا لأنها ترى السودان محافظة خرجت عن سلطتها ويجب استعادتها بكل سبيلٍ ممكن . ونحن نفهم المسببات الموضوعية لهذا الهوس ، وهذا النهج المجافي للحكمة وللموضوعية . وما نريد للمصريين أن يفهموهـ أن هذا النهج من شأنه أن يلحق ضررًا فادحًا بمصالح البلدين .
قمت في عام 2012م ، بتقديم ورقةٍ في مؤتمرٍ عقدهـ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة . وكان المؤتمر تحت عنوان : "العرب والقرن الإفريقي : جدلية الجوار والانتماء". وكانت الورقة بعنوان "من الاستتباع إلى الشراكة : في نقد نظرة مصر إلى جوارها الجنوبي". وكان من ضمن حضور المؤتمر سيدتان من الباحثات المصريات المرموقات . دعوت في تلك الورقة إلى الانتقال من نهج الهيمنة والإملاء المصري الذي يجري التعاطي به مع السودان ، منذ نيله استقلاله في خمسينات القرن الماضي ، وإلى اليوم ، إلى نهجٍ قائمٍ على تبادل المصالح والشراكات التي تنفع البلدين في إطارٍ يرعى مصالح الدولتين . لكن، بناءً على معرفتي بالكيفية التي ظلت تُحكم بها مصر من بداية الحكم الخديوي ، فإن أملي لم يكن كبيرًا في الاستجابة لتلك الدعوة . وبالفعل ، لم تجد الدعوة صدى في ذلك المؤتمر. فالأقطار التي تحكمها أجهزة المخابرات ، كما هو الحال في السودان ومصر، فإن من المتعذر جدًا أن تقوم برسم السياسات فيها مراكز الأبحاث المستقلة التي يقف عليها العلماء والباحثون ، وإنما يُترك رسمها لرجال المخابرات محدودي المعارف ، قصيري النظر . وهكذا سارت الأمور إلى أن بلغت هذهـ الحرب الأخيرة المدمرة التي لعبت فيها الأطماع المصرية في الهيمنة على السودان واستتباعه اقتصاديًّا ، وسياسيًّا ، ودبلوماسيَّا ، دورًا رئيسا . كما أظهرت في نفس الوقت في فترة حكم الفريق البرهان المقيتة هذهـ ، خنوعًا وانبطاحًا سودانيًّا مخزيًا فاق كل خنوعٍ وانبطاح سابق أظهرته النخب السياسية الحاكمة في السودان لمصر، منذ الممالك الكوشية القديمة .
مصر هبة النيل والصحراء
مصر بلدٌ صحراويٌّ لا تتناسب مقوِّماتٍ الحياة فيه ، مع التزايد المتسارع لعدد سكانه . فالحياة تنحصر في مصر في الشريط النيلي الزراعي بالغ الضيق ، الذي لا يتعدى عرضه ، في كثيرٍ من مناطقه الأكثر اتساعًا ، الكيلومتر الواحد . وأكثر مناطق مصر الزراعية اتساعًا هي منطقة الدلتا ، التي تبلغ مساحتها ما يزيد قليلاً على 44 ألف كيلومترا مربعا . والدلتا المصرية رقعة من الأرض الخصبة على شكل مثلث تجلس على زواياهـ الثلاث مدن القاهرة والإسكندرية وبورسعيد . وفي حين أن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في السودان تقارب 200 مليون فدان ، فإن الأراضي الصالحة للزراعة في مصر لا تتعدى 10 مليون فدانا . ولذلك ، يمكن القول ، إنه لا يوجد أي تناسبٍ يذكر بين مساحة الأراضي الصالحة للعيش في مصر وبين عدد السكان الذي يتزايد بوتيرة بالغة السرعة . وعلى عكس ذلك تمامًا ، فإننا نجد أن عدد السكان في السودان قليلٌ جدًا بالقياس إلى أراضي السودان الصالحة للزراعة . ولذلك فإن انشغال مصر بالسودان انشغالٌ لا مثيل له . فالسودان ، من عديد النواحي الاقتصادية يمثل المتنفس الوحيد ليكون هناك اقتصادٌ مصري قادرٌ على أن يؤمن للبلد حاجتها .
لقد كان السودان ، منذ الأزمنة السابقة للميلاد ، المستودع الذي تأخذ منه مصر الكثير مما تحتاجه من موارد . ومع تقدم الأزمنة ونشوء الاقتصادات الحديثة جعلت ضغوط الجغرافيا مصر منشغلةً بالسودان هذا الإنشغال الاستثنائي . فبالإضافة لضيق الأراضي في مصير مقارنةً بالسودان ، فإننا نجد أن القسم الأكبر من نهر النيل وروافدهـ تجري في الأراضي السودانية . وبما أن مصر ليس لها مصدر حياة غير النيل، فإن اهتمامها بأمر النيل وسياسات توزيع المياهـ بين دول حوض النيل يقع في صدر أولوياتها .
لقد كانت مصر القديمة مكتفيةً غذائيًا ، بسبب التناسب بين ما تنتجه وعدد سكانها ، آنذاك . وقد كانت مصر من أغنى بقاع الأرض ما جعل مختلف الشعوب تتطلع للعيش فيها . فثراؤها مقارنةً بغيرها في التاريخ القديم ، هو ما جعلها ، مقصدًا مفضَّلاً للغزاة . لكن ، مع التزايد الهائل في أعداد السكان واختلال التناسب بين تلك الأعداد المتزايدة فيما يشبه الانفجار، وبين وجود أراضي يمكن استصلاحها والتمدد فيها لزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني ، اتسعت الهوة بين إنتاج مصر الزراعي والحيواني والزيادة المتفاقمة في أعداد السكان . وبما أن أراضي مصر الصالحة للعيش على ضفتي النيل تحدها من جهة الغرب الصحراء ، ومن جهة الشرق الصحراء ، ومن الشمال البحر الأبيض المتوسط ، فإن المتنفَّس الوحيد المتبقي لزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني ، هو الأراضي السودانية .
نمط التفكير الخديوي
لقد كان من الممكن لمصر، بعد نهاية الحكم الخديوي ، وقيام الجمهورية أن تتخلي عن النهج الخديوي الاستعماري الاستحواذي وتتجه إلى الشراكات التي تعود بالمنفعة للقطرين الجارين ، لكنها لم تفعل . ولا يبدو ، حتى الآن ، أن لديها أي استعداد لكي تفعل . هناك شيء ما في البناء النفسي وفي تكوين الشخصية لدى النخب القابضة على أعنة الحكم في مصر يجعلها لا تؤمن بالتشارك والتعاون ، خاصةً فيما يتعلق بالعلاقة مع السودان ، بقدر ما تؤمن بأسلوب التحكم الكامل ، أو شبه الكامل ، والهيمنة والاستحواذ . وهذهـ هو ذات البناء النفسي والأخلاقي الذي سوَّغ للشعوب الأوروبية نهب ثروات الشعوب الفقيرة ، بعد أن سبقت أوروبا هذهـ الشعوب بامتلاكها السلاح الناري .
لابد هنا من لفت النظر إلى حقيقةٍ ربما تفوت ملاحظتهاعلى كثيرين ، وهي أن مصر قد سبقت باستعمارها السودان في عام 1821م ، الهجمة الاستعمارية الأوروبية على أفريقيا التي عُرفت باسم Scramble for Africa . فالهجمة الأوروبية على إفريقيا بدأت في عام 1876م . وبهذا تكون مصر قد سبقت باستعمارها السودان تلك الهجمة الأوروبية على إفريقيا ، بأكثر من خمسين عاما . ومثلما خلف الاستعمار عند خروجه نخبًا وطنيةً في البلدان المستعمَرة لكي تخدم مصالحه عقب مغادرته ، أيضًا خلفت مصر نخبًا سودانيةً لخدمة مصالحها في السودان . فمصر مارست في السودان نفس الأسلوب المسمى : "الاستعمار الجديد" ،Neocolonialism . وهو الاستعمار من على البعد ، عبر احتلال عقول نخب البلد المستعمَرة وربط المصالح الشخصية لنخبه السياسية والاقتصادية بمراكز السلطة والثروة في البلد المستعمِر. وهذا هو ما حدث من مصر تجاهـ السودان ، بل وفاق في تأثيرهـ الاستعمار الجديد الأوروبي بسبب الاستعمار الثقافي المصري لعقول النخب المسيطرة في السودان . وهو ما لم يتوفر، بنفس القدر، للاستعمار البريطاني ، بسبب اختلاف الدين واللغة والثقافة.
حين غزا محمد علي باشا السودان في عام 1821م ، كان غرضه الأساسي منحصرًا في استجلاب المال والرجال . وكان المال المعني هو الذهب ، الذي قيل ، آنذاك ، أن خامه متوفرٌ في منطقة بني شنقول السودانية ، التي أصبحت ، لاحقًا، تابعةً لإثيوبيا . أما الرجال ، فكانوا المسترقِّين الذي يجري قنصهم من المناطق التي يقطنها ذوو الأصول الزنجية ويجري إرسالهم قسرًا إلى مصر، بغرض تجنيدهم في الجيش الخديوي الذي كان يحارب آنذاك الحركة الوهابية في الجزيرة العربية . وإلى جانب ما تقدم ، فإن الجنود السودانيين سوف يحلون مكان الجنود الأرناؤوط غير المطيعين ومن ثم استخدامهم في تحقيق حلم محمد علي باشا في إنشاء امبراطورية في وادي النيل . وقد كان اهتمام مصر الحديثة بمياهـ النيل كبيرًا منذ الحقبة الخديوية . ولذلك سيَّر الخديوي إسماعيل في عام 1875م حملاتٍ لاحتلال إثيوبيا مُني فيها بالهزيمة في معارك جوندت وجورا وعدوة . وكانت خطة الخديوي إسماعيل التمدد من السودان نحو يوغندا ودارفور ونحو إريتريا وإثيوبيا وجيبوتي والصومال ، ليضع كامل وادي النيل تحت السيطرة الخديوية المصرية . غير أن حلم الخديوي إسماعيل لم يتحقق بسبب هزائمه في إثيوبيا في عامي 1875م و1876م . وبعد عشرة أعوامٍ من هزيمة جيوش الخديوية في إثيوبيا ، أنهت الثورة المهدية الحكم الخديوي في السودان . لكن ، عاد الحكم الخديوي للسودان مرة أخرى ، مع البريطانيين في عام 1898م ، بعد هزيمتهما لقوات المهدويين في معركة كرري . وأسست كل من بريطانيا ومصر في السودان ما سُمي الحكم الثنائي الإنجليزي المصري . وفي عام 1924م ، أجبر البريطانيون الجيوش المصرية على الانسحاب من السودان كما ذكرنا . وأصبح حكم مصر للسودان عقب ذلك ، حكمًا إسميًا ، إذ سيطر البريطانيون على مقاليد الحكم في السودان ، بمفردهم ، حتى خروجهم في عام 1956م .
ورثت الجمهورية العقلية الخديوية
لقد كان نهج الخديوية في التعاطي مع السودان هو نهج الاستعمار المباشر القاصد إلى استرقاق الرجال ونهب الموارد بقوة السلاح . وهذا أمرٌ مفهومٌ في ذلك السياق الذي سبق الهجمات الاستعمارية . لكن ، من غير المفهوم أبدًا ، أن ترث مصر التي أصبحت "جمهورية" ، النظرة الخديوية تجاهـ السودان والنهج الخديوي في التعاطي مع موارد السودان وحقه في اختيار الديمقراطية نهجًا للحكم . فقد بقى نهج التعاطي مع السودان هو نفسه . ولم يختلف أبدَا ؛ لا في عهد جمال عبدالناصر ، ولا في عهد أنور السادات ، ولا في عهد حسني مبارك ، ولا في عهد عبدالفتاح السيسي الحالي . بل ، إن نهج التعاطي الحالي مع السودان ، في عهد عبدالفتاح السيسي قد بلغ درجةً من السوء ، من حيث التدخلات السافرة ، لم يبلغها أي نظامٍ سابقٍ له ، منذ أن قوض انقلاب الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب الحكم الملكي في مصر في يوليو من عام 1952م . فالنهج الذي بقي ثابتًا هو التحكم في مجريات السياسة في السودان ، ودس الأنف في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ من شؤونه . ولأن السودان المستقل قد وُلد ديمقراطيًّا ، فقد كانت خطة النظام المصري في بدايات عهد جمال عبدالناصر متجهةً إلى تقوية السياسيين الاتحاديين في السودان ، لكونهم قد كانوا الداعين إلى الوحدة مع مصر قُبيْل خروج البريطانيين من السودان . لذلك ، قامت مصر بضخ أموالٍ طائلةٍ للتأثير على نتائج انتخابات 1953م ، لتجعل حلفاءها في الأحزاب الاتحادية السودانية يسيطرون على البرلمان ، ويصبح ، من ثم ، قرار الوحدة مع مصر في يدهم . لكن ، فشلت تلك الخطة ، واختار السودانيون ، بمن فيهم الاتحاديون أنفسهم خيار الاستقلال التام عن كلٍّ من بريطانيا ومصر . فقد توافق السودانيون حول قيام جمهورية سودانية مستقلة . بسبب ذلك ، غيَّرت الأنظمة المصرية أسلوبها واتخذت أسلوبًا آخر وهو قتل الديمقراطية في السودان ، بتشجيع الانقلابات العسكرية . يصبح على رأس السلطة فيها جنرال يمكن التحكم فيه من وراء ظهر الإرادة الشعبية السودانية . ولذلك ، بقيت مصر الرسمية ، على الدوام ، داعمةً للانقلابات العسكرية في السودان .

(يتواصل)

E.mail


نقلاً عن سودانايل

elmhasi 22-03-2025 03:41 PM


على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية (3/20)


6 March, 2025

"لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تكن منحنياً"
مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

عبء الرجلين الأبيض والمصري

العقلية الاستحواذية الجانحة للهيمنة الكاملة التي سبق أن أشرت إليها ، هي السمة الجوهرية للنخب الحاكمة في مصرفي التعاطي مع الملف السوداني . وهو بالنسبة لها ملفٌ أمنيٌّ أولاً وأخيرًا . وهذا هو ما أخرج العلاقة المصرية بالسودان من دائرة الفهم المُتَّزن والثقة والتعامل عبر الطرق الدبلوماسية وتقوية المصالح المشتركة إلى دائرة محاولة هندسة الأمور في داخل السودان استخبارتيًا لصالح مصر. وكما سبق أن ذكرت سابقًا أيضًا ، فإن القوى الاستعمارية الأوروبية خلفت وراءها نخبًا وطنيةً في كل البلدان التي خرجت منها قواتها في نهاية الحقبة الاستعمارية ، ليتواصل الاستعمار عبر ما سُميَّ "الاستعمار الجديد" ، أو قل الاستعمار من بعد بواسطة الوكلاء المحليين ، وهو ما فعلته مصر ، أيضا . لكن ، في حالة مصر مع السودان ، كان هناك عنصرٌ إضافيٌّ آخر ، أكثر خطرًا ، وهو الاستعمار الثقافي الذي تحتل به القوة الاستعمارية عقل الشعب الذي جرى استعمارهـ ، أو على الأقل ، احتلال عقول الكثيرين من مواطنيه ، خاصةً نخبه السياسية والثقافية والتجارية والمجتمعية . وهو ما ينتج عنه خضوعٌ مُركَّبٌ ، وشعورٌ بالدونية ، يجعل تحقيق التبعية السياسية الاختيارية ميسورا .
بعد أن أخذت أوروبا تجني ثمار الثورة الصناعية ، وبعد أن انفردت بحيازة السلاح الناري بصورةٍ نوعيةٍ متفوقةٍ ، وبعد أن تعاظمت لديها الحاجة لمختلف المواد الخام مما ليس متوفرًا في بيئتها ، ونشأت لديها الحاجة إلى الأسواق الخارجية ، شرعت أوروبا في التفكير باحتلال البلدان . غير أن ذلك الجشع الاستعماري جرت تغطيته بأن من واجب أوروبا الإنساني والأخلاقي أن تغزو البلدان غير الصناعية بهدف إخراجها من التخلف وسوقها في طريق التقدم والتمدين . وظهرت في نهاية القرن التاسع عشر، مع بداية الهجمة الاستعمارية ، قصيدة شاعر الإمبراطورية البريطانية الأشهر، روديارد كيبلِنج التي حملت عنوان : "White Man's Burden"، أي عبء الرجل الأبيض في نقل الحضارة إلى أجزاء العالم المتخلفة اقتصاديًا وتكنولوجيا . وسرعان ما أصبحت قصيدة كيبلِبنغ منبع إلهامٍ للإمبريالية الأمريكية حين كانت منخرطةً في حروبها في الفلبين وجزر المحيط الهادي . وهكذا أصبح استعمار الآخرين ونهب ثروات بلدانهم ، وطمس ثقافاتهم بالثقافة الوافدة ، وإخضاعهم لحكم القوى الاستعمارية ، بقوة السلاح ، مهمةً نبيلةً تجري تحت زعم إدخال الآخرين في سلك الحضارة ، عبر احتلال بلدانهم وإدارتها بالنيابة عنهم لمصلحة المستعمِر .
أما في شمال وادي النيل فقد رأت مصر الخديوية نفسها قوةً متقدمةً حضاريًا مقارنةً بجنوبها . وذهبت ، من ثم ، تبرر استعمارها للسودان المأهول بأهل البشرة السوداء ، المنفصلين نسبيًا آنذاك عن مراكز الحضارة الحديثة ، بغرض إدخالهم في سلك الحضارة ، حسب زعمها ، رغم أن غرضها كان المال والرجال . وقد سبقت مصر باستعمارها السودان في عام 1821م ، الهجمة الاستعمارية الأوروبية على أفريقيا بخمسين عامًا ، كما سبق أن ذكرنا . وبما أن هذهـ المقالات لا تسمح بالتوسع في كشف هذا الجانب ، فإنني أكتفي بإيراد بعض النماذج القليلة من الأدبيات المصرية ، لإثبات زعمي هذا . ففي مستهل كتابه المسمى ، "مديرية خط الاستواء ، من فتحها إلى ضياعها"، كتب الأمير عمر طوسون ، حفيد محمد علي باشا ، عن التوسع الخديوي المصري جنوبًا في وادي النيل ، قائلاً : "لا ريب أن الفكرة التي اختلجت في نفس الخديو إسماعيل والتي دفعته إلى فتح مديرية خط الاستواء وضمها إلى السودان ، أو بالأحرى إلى الأملاك المصرية ، فكرة جد صائبة إذ بها تم لمصر الاستيلاء على نهر النيل من منبعه إلى مصبه . وأصبحت في قبضتها تلك البحيرات العظمى التي يخرج منها هذا النهر السعيد الذي عليه مدار حياة البلاد" . (راجع : عمر طوسون ، تاريخ مديرية خط الإستواء المصرية ، الإسكندرية : مطبعة العدل (1937م)، ص 3). (الخط تحت الجملة أعلاهـ من وضعي).

السودان ملكٌ مصريٌّ خالص

منذ غزو محمد علي باشا للسودان في عام 1821م ، أصبح السودان لدى مصر الخديوية "أملاكًا مصرية" . ومن نماذج اليقين الراسخ بأن السودان في الذهن المصري "ملكٌ مصريٌّ" خالصٌ ، ما كتبه عبدالرحمن الرافعي ، وهو يحتفي بتصريحٍ مخاتلٍ أطلقه اللورد سالسبري ، في فترة من فترات شراكة إنجلترا ومصر في استعمار السودان . قال الرافعي : لقد صرح اللورد سالسبري بأن وادي النيل كان ولا يزال ملكًا ثابتًا لمصر، وإن حجج الحكومة المصرية في ملكية مجرى النيل ، وإن أخفاها نجاح المهدي ، إلا أنها ليست محلاً للنزاع ، منذ انتصار الجنود المصرية على الدراويش . وقد كتب الدكتور نسيم مقار في مستهل كتابه "مصر وبناء السودان الحديث" ، ما نصه : "يرى الباحث في تاريخ مصر على مر العصور والأزمان أن مصر حين تقوى وتنهض وتنال قسطًا متميزًا من التقدم ، تسعى إلى أن تنقل حضارتها إلى البلاد الأخرى المجاورة ، التي لم تُحظ بما حُظيت به من تقدم حضاري". (راجع: عبدالرحمن الرافعي ، مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، ج ع م ، (1962م) ، ص 132).
أما المورخ المصري ، محمد فؤاد شكري فيقول : "تضافرت عوامل عدة على أن تسيِّر مصر حملةً على السودان ، لإدخاله في نطاق ذلك "النظام السياسي الذي أوجدهـ محمد علي ، وفرغ من وضع قواعدهـ خصوصًا بين عامي 1807م و1811م ، على أساس الحكومة المستبدة المستنيرة في الداخل ، والتوسع صوب الشرق والجنوب في الخارج". (راجع : محمد فؤاد شكري ، مصر والسودان : تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر 1820م - 1899م ، القاهرة : طبعة مطبعة دار الكتب ، (2011م) ، ص 7) . ومحمد فؤاد شكري ممن كتبوا أكثر من كتابٍ عن السودان من المنظور المصري . ومن بين مؤلفاته "مصر والسودان : تاريخ وحدة وادي النيل السياسية 1820م –1899م" . فهو يسمي الاستعمار الخديوي القسري للسودان الذي حدث في عام 1821م ، واستمر إلى عام 1885م ، "وحدة وادي النيل"! بل ويضيف إلى ذلك سنوات الحكم المهدوي الذي طرد الاستعمار الخديوي من السودان في عام 1885م ، واستمر لمدة 14 عامًا ، عادًا فترة حكم المهدويين جزءًا مما أسماهـ وحدة وادي النيل .
أيضًا كتب المؤرخ المصري رأفت غنيمي الشيخ ، صاحب كتاب "مصر والسودان في العلاقات الدولية" ، نقلاً عن محمد فؤاد شكري ، إن محمد علي باشا استند على أمورٍ ثلاثةٍ في فتح السودان ، أولها : رسالة مصر في السودان التي لا يمكن التخلي عنها إطلاقا، وهي : الاحتفاظ بشطر الوادي الجنوبي حتى يتسنى لمصر إتمام رسالتها من حيث واجب النهوض بالسودان إلى مصاف الأمم المتمدينة الرشيدة . ويذهب محمد فؤاد شكري إلى تبرير عبء الرجل المصري في تمدين السودانيين بصورة أكثر غرابة حين يقول : إن محمد علي باشا قد استند في غزوهـ للسودان على ما يُعرف باسم "نظرية الخلو" ، أو الملك المباح" ، Res Nullius . وحجة شكري في احتلال محمد علي للسودان هي أن الأقطار السودانية عند ضمها إلى مصر لم يكن أحد يمتلكها في الحقيقة ، لأن السلطة هناك كانت مغتصبةً من أصحابها الشرعيين ، كما أن قبائل العربان ، وفقًا لزعمه ، قد نشرت الفوضى في السودان . ويواصل شكري قائلا : فإذا استطاع حاكمٌ أن ينتزع هذهـ الأراضي السودانية من قبضة أولئك الذين اغتصبوا كل سلطةٍ بها ، وأن يُنشئ حكومةً مرهوبة الجانب ، تزود عن حياضها وتصون السودان من الغزو الأجنبي ، وتكفل لأهله الاستقرار والعيش في هدوء وسلام ، فقد صار واجبًا أن يستمتع هذا الحاكم بكل ما يخوله له سلطانه أو سلطته من حقوق السيادة على هذهـ الأراضي الخالية ، وهذا الملك المباح أصلا . ونسمع اليوم نفس هذهـ النبرة من الحكومة المصرية وهي تحشر أنفها (بقوة عين عجيبة)، في شؤون السودان .
لم تقف هذهـ التسبيبات المصرية الخديوية الاستعمارية الاستحواذية الواهية عند حد احتلال أراضي السودان ، وإنما تعدته لاحتلال قسم وادي النيل الجنوابي الواقع في منطقة البحيرات العظمى جنوب غوندكرو . فقد أصدر الخديو إسماعيل فرمانًا حين شرعت مصر الخديوية في احتلال المديرية الإستوائية جنوب مدينة غندكرو ، في العام 1869م ، جاء فيه : "نحن إسماعيل خديو مصر، قد أمرنا بما هو آتٍ : نظرًا للحالة الهمجية السائدة بين القبائل القاطنة في حوض نهر النيل ، ونظرًا لأن النواحي المذكورة ليس بها حكومة ، ولا قوانين ولا أمن ، ولأن الشرائع السماوية تفرض منع النخاسة والقضاء على القائمين بها المنتشرين في تلك النواحي ، ولأن تأسيس تجارة شرعية في النواحي المشار إليها يعتبر خطوة واسعة في سبيل نشر المدنية ويفتح طريق الاتصال بالبحيرات الكبرى الواقعة في خط الاستواء بواسطة المراكب التجارية ويساعد على إقامة حكومة ثابتة ، أمرنا بما هو آت : تؤلف حملة لإخضاع النواحي الواقعة جنوب غوندكرو لسلطتنا". (عمر طوسون، مصدر سابق، ص 13).

الشعور بالاستحقاق المطلق

يتضح جليًّا مما أوردناهـ من نماذج كتابات المؤرخين المصريين البارزين ، أن لدى الإدارات المصرية وأكاديمييها البارزين شعورٌ طاغ وراسخٌ بالاستحقاق المطلق لاحتلال أراضي الغير ونهب ثرواتهم . والتذرع في ذلك التعدي الاستعماري بحجج واهية ، بل ومضحكة ، كقولهم إن تمدين المناطق غير المتمدنة من مسؤوليتهم . أو قولهم ، إن تلك المناطق بلا حكومات ، وأنها غارقة في الفوضى ، ولابد من غزوها للقضاء على تلك الفوضى ، أو لمحاربة تجارة الرقيق . هذا في حين أن حملة محمد علي باشا التي احتلت السودان في عام 1821م ، قد كان أحد غرضيها الأساسيين اصطياد الرقيق وجلبهم من السودان إلى مصر للعمل سُخرةً في جيش محمد علي باشا . ويؤكد هذا التوجه المؤرخ العراقي ممتاز العارف حين قال : إن الخطة الخديوية لاحتلال السودان وقف وراءها هدفان وهما ، أولا : الحصول على أكبر كمية من الذهب ، وثانيا : جمع أربعين ألفا من العبيد وإرسالهم إلى القاهرة . (راجع : ممتاز العارف ، الأحباش بين مأرب وأكسوم : لمحات تاريخية من العلاقات العربية الحبشية ونشوء دولة إثيوبيا الحديثة ، صيدا : منشورات المكتبة العصرية ، (1975م) ، ص 103). فما بين عام 1821م وهو عام بداية الاحتلال الخديوي امصري للسودان ، وعام 1839م ، بلغت أعداد الرقيق الذين أرسلوا إلى مصر 200 ألف . وعمومًا كان الاحتلال المصري الخديوي للسودان مهمةً لحمتها وسداها الاسترقاق والنهب . ويروي المستكشف البريطاني ، صمويل بيكر، الذي زار الخرطوم في العام 1862م ، أي بعد أربعين عاماً من بداية الاحتلال المصري الخديوي للسودان ، أن الذي رآهـ في الخرطوم كان عملية نهبٍ بشعةٍ لم يعرف التاريخ لها مثيلاً ، اشترك فيها كل موظفٍ في الدولة من الحاكم العام إلى أصغر خفير . ويضيف بيكر أن الجنود الذين تتكون منهم حامية الخرطوم كانوا يعيشون في البلاد كجيشٍ محتل ، وقد انعدمت في قلوبهم الرحمة . كان كل ما يهمهم هو جمع الضرائب والتي كانت تُجبى بإلهاب ظهور الناس بالسياط . وسكان الخرطوم البالغ عددهم آنذاك ثلاثين الفًا لم يكن في وسع أي واحدٍ منهم أن يقضي غرضا دون أن يستعين بالرشوة ، وكان الجلد والتعذيب شيئاً عاديا . (راجع : محمد إبراهيم ابو سليم ، تاريخ الخرطوم ، بيروت ، دار الجيل، (1999م) ، ص 62).
هذهـ الذهنية المصرية التي ترى أن أراضي السودان ومواردهـ المائية والزراعية والحيوانية والغابية والمعدنية حقًّا حصريًا للمصريين ، لا يستحق منه السودانيون شيئًا ، أمرٌ تؤكد شواهد كثيرة للغاية ، وبصورةٍ صارخة . وقد عبَّرت هذهـ الشواهد عن نفسها بجلاءٍ عبر تاريخ هذهـ العلاقة المصرية السودانية المستشكلة الملتبسة ، التي استمرت على مدى زاد حتى الآن على قرنين من الزمان . واللافت ، كما سبقت الإشارة ، أن هذهـ النظرة الخديوية الاستحواذية التي تأسست على استنزاف موارد السودان لم تتغير، حتى بعد نهاية الحقبة الخديوية . وإنما استمرت في عهود كل الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم مصر، منذ أن جرى تقويض النظام الملكي على يدي الجيش بقيادة محمد نجيب وجمال عبدالناصر، في عام 1952م ، وحتى يومنا هذا . بل ، إن ما حاق بالسودان من نهب للموراد في فترة ما بعد ثورة ديسمبر 2018م ، قد فاق في حجمه وغرابته كل نهبٍ جرى في الماضي من جانب مصر لموارد السودان . لقد وقف النظام المصري ضد ثورة ديسمبر ووضع كل ثقله وراء الفريق عبدالفتاح البرهان مانحًا له كل الدعم لكي يمارس ألاعيبه الفجة المكشوفة ويوظف نزعته الدموية من أجل الانفراد بالسلطة ، ليصبح السودان ومواردهـ تحت يد مصر.

(يتواصل)

elmhasi 24-03-2025 12:26 AM


على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية (4 – 20)

7 March, 2025
"لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تكن منحنياً"
مارتن لوثر كينج

د. النور حمد
شهادات ضد صلاح سالم

أود في هذهـ الحلقة من سلسلة المقالات هذهـ أن انتقل مما كان يجري من جانب مصر تجاهـ السودان في القرن التاسع عشر، إلى ما أخذت تعمل له عند منتصف القرن العشرين ، حين أعلن البريطانيون نيتهم الخروج من السودان . لحظتها ، انفتحت شهية الدولة المصرية لابتلاع السودان ، وأخذت تعمل بدأبٍ شديدٍ على جر النخب السياسية السودانية لاختيار الاتحاد معها عقب خروج البريطانيين . ومن نماذج الأساليب التي اتبعتها مصر للهيمنة على السودان قبيل الاستقلال ، ما أوردهـ الدكتور منصور خالد نقلاً عن مذكرات عبداللطيف البغدادي . فقد ذكر الدكتور الراحل ، منصور منصور خالد أن البغدادي استمع إلى شهادة بعض المصريين العاملين في السودان ، فيما يخص دخول أموال مصرية للتأثير على مجريات الانتخابات السودانية التي جرت في العام 1953م . وكان صاحب إحدى الشهادات التي استمع إليها البغدادي شهادة لمدير الري المصري . أما الشهادة الأخرى فكانت لصحفيٌّ مصريٌّ كان في زيارةٍ للسودان . ذكر البغدادي ، أن الانطباع الذي خرج به من الاستماع إلى هذين الشخصين ، أن ما قام به الصاغ صلاح سالم قد أضر بسمعة مصر، كما أنه أثار الشكوك حول وطنية الأحزاب الاتحادية .
أورد الدكتور منصور خالد ، أيضًا ، أن محاكمة جريدة "الناس" الأسبوعية ، التي تم رفع دعوى ضدها في قضية نشر، وتولى فيها الدفاع عنها الأستاذان ، محمد أحمد محجوب ، ومحمد إبراهيم خليل ، قد شهدت إقراراً من شاهدي الدفاعٍ في تلك القضية ، وهما : خلف الله خالد ، وميرغني حمزة . قال هذان الشاهدان إن حزبهما ، وهو "الحزب الوطني الاتحادي" ، قد تسلم أموالاً من صلاح سالم ، ومن محمد أبو نار . وقد علق الأستاذ بشير محمد سعيد ، رئيس تحرير صحيفة الأيام ، على فوز عبدالرحمن علي طه في دائرة المسلمية في انتخابات 1958م ، بعد أن خسرها أمام حماد توفيق المدعوم مصريًّا في العام 1953م ، بقوله : "ويلذ لي هنا أن أذكر أن السيد عبدالرحمن علي طه ما كان ليفقد دائرة المسلمية في انتخابات عام 1953م ، لولا أن حكومة مصر في ذلك الوقت قد سخَّرت كل إمكانياتها لإسقاطه". ومضى بشير محمد سعيد ليقول إن مصر أرسلت الدرديري أحمد إسماعيل ، واليوزباشي أبو نار، وغيرهما ، لشراء الذمم والضمائر، وإفساد الناخبين . وأن مصر قد أنفقت عشرات الألوف من الجنيهات لإسقاط عبدالرحمن علي طه. (راجع: فدوى عبدالرحمن علي طه ، أستاذ الأجيال عبدالرحمن علي طه (1901م - 1969م) ، الخرطوم : دار النشر جامعة الخرطوم، (2004م)، ص ص 320- 321).

مصر تستخدم الاتحاديين

بعد أن قرر السودانيون ، بالإجماع ، عند لحظة الاستقلال وخروج البريطانيين من البلاد ، رفض خيار الوحدة مع مصر، تحوَّلت الخطة المصرية البديلة للهيمنة على السودان ، نحو لم شمل الحزبين الاتحاديين ؛ الحزب الوطني الاتحادي ، وحزب الشعب الديمقراطي ، ليصبحا ذراعًا خادمًا لها داخل السودان . وحانت الفرصة الذهبية لمصر بعد أن فقد السيد ، إسماعيل الأزهري السلطة في عام 1956م . فالأزهري الذي أشعر المصريين بأنه أقوى نصير لخيار الوحدة معها ، وقامت مصر ، بناءً على ذلك ، بدعمه بالأموال في انتخابات 1953م ، فأصبح رئيسًا للوزراء ، غير رأيه لحظة الاستقلال وانحاز إلى خيار رفض الوحدة لكن ، نتيجةً لسقوط حكومته ، عاد إسماعيل الأزهري ، الذي عُرف بالبراغماتية ، إلى مغازلة مصر مظهرا استعدادهـ للعودة إلى الحضن المصري، من جديد .
كانت الحكومة التي أعقبت حكومة الأزهري هي حكومة حزب الأمة . وكانت برئاسة الأمين العام لحزب الأمة ، عبدالله خليل . وقد تشكلت بناءً على إئتلافٍ بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي . وكان العداء ، حينها ، مستحكمًا بين الحزبين صاحبي النزعة للاتحاد مع مصر ، وهما : الحزب الوطني الاتحادي ، الذي يترأسه إسماعيل الأزهري ، وحزب الشعب الديمقراطي التابع لطائفة الختمية ، التي يرعاها السيد علي الميرغني . بسبب ذلك العداء المستحكم ، استطاع حزب الأمة أن يجر إلى جانبه حزب الشعب الديمقراطي ليكوِّنا معًا حكومة إئتلافية سُميت بـ"حكومة السيدين" ، إشارةً إلى زعيمي الطائفتين الكبيرتين ، السيد علي الميرغني، والسيد عبدالرحمن المهدي . وقد كان حزب الشعب الديمقراطي مستعدًا أصلا للثأر من إسماعيل الأزهري وزملائه من رموز الحزب ، الذين ظلوا يسيئون إلى السيد علي الميرغني ، ويسخرون منه عبر حملاتٍ هجوميةٍ مكثفة ، برز فيها القطب الاتحادي الشهير، يحي الفضلي .
عنى مجيء حزب الأمة إلى السلطة ، بالنسبة لمصر ، انتصارًا للتيار الاستقلالي المعادي للوحدة معها ، أو ، على الأقل ، شكل مانعًا أمام إتاحة المجال لها للهيمنة على مجمل الشؤون السودانية ، ولو من على بعد . لكن ، بما أن الحزب الحليف لحزب الأمة الذي شكل معه الحكومة ، هو حزب الشعب الديمقراطي ، الذي ترعاهـ طائفة الختمية ، ذات الارتباط الوثيق جدًا بمصر، فقد رأت مصر أن تعمل على جرهـ خارج الإئتلاف الحاكم ، ليقف إلى جانب الحزب الوطني الاتحادي بقيادة إسماعيل الأزهري ليسقطا معًا من داخل البرلمان حكومة حزب الأمة بقيادة عبدالله خليل . وبالفعل ، استدعت مصر زعماء الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقرطي إلى القاهرة لترتيب إسقاط حكومة حزب الأمة التي يرأسها عبدالله خليل . وللغرابة ، صرح قطب حزب الشعب الديمقراطي ، السيد علي عبدالرحمن الضرير، وهو في القاهرة ، أنه يقف في المعارضة لحكومة حزب الأمة . قال السيد ، علي عبدالرحمن هذا ، وللغرابة الشديدة ، في وقت كان حزبه ؛ حزب الشعب الديمقراطي ، لا يزال شريكًا لحزب الأمة في الحكم . بل ، ولديه وزراء في حكومة عبدالله خليل ، لا يزالون على رأس عملهم . أكثر من ذلك ، فقد كان السيد ، علي عبدالرحمن نفسه من بين هؤلاء الوزراء في الحكومة القائمة . فقد كان ، لا يزال يشغل منصب وزير الخارجية في ذات الحكومة ، حين أصرح في القاهرة بأن حزبه يقف في المعارضة!
لابد من الإشارة هنا إلى أن التآمر المصري على حكومة عبدالله خليل قد حدث عقب المواجهة التي جرت بينها وبين الحكومة المصرية حول مثلث حلايب . وكانت قد بلغت من الحدة درجةً جعلت عبدالله خليل يحرك الجيش السوداني نحو مثلث حلايب . وقد انفجرت تلك الأزمة بسبب إدخال السودان مثلث حلايب ضمن الدوائر الانتخابية السودانية . وقد كان ذلك سلوكًا طبيعيًا من جانب السودان ، فحلايب سودانية وقد كانت بالفعل تحت الإدارة السودانية . وقد بقيت تحت الإدارة السودانية إلى أن احتلها عنوةً الرئيس المصري حسني مبارك ، ردًّا على محاول اغتياله في اديس أبابا ، التي دبرها نظام الإسلامويين السوداني في عام 1995م . تراجع النظام المصري في فترة جمال عبدالناصر عن تصعيد المواجهة في قضية حلايب . وسبب ذلك فيما يبدو أن النظام كان يعد العدة لمناقشة مشروع اتفاقية 1959م لمياهـ النيل مع السودان . وبالفعل ، كعادة المفاوضين السودانيين في الغفلة ، جرى التوقيع على تلك الاتفاقية الكارثية ذات القسمة الطيزى . ويكفي من كارثيتها أن أحد أهم بنودها كان موافقة السودان على إنشاء السد العالي ، نظير موافقة مصر على إنشاء السودان خزان الروصيرص . الشاهد ، أن إجراء الحكومة السودانية الانتخابات في مثلث حلايب ، بوصفها جزءً لا يتجزأ من السودان ، قد تواصل في كل الانتخابات اللاحقة ، دون أي اعتراضٍ من الجانب المصري ، إلى أن احتلتها مصر في عام 1995م ولم تخرج منها حتى الآن.

مصر وانقلاب عبود 1958م

أحس رئيس الوزراء عبدالله خليل بأن الاستعمار المصري الذي خرج من الباب ، قد أخذ يحاول أن يعود عبر النافذة ، مستخدمًا الحزبيْن الاتحاديين استخدامًا سيئًا يهدد استقلال البلاد وسيادتها . لحظتها ، وضح أن شؤون السودان تجري إدارتها من القاهرة . وأن القاهرة تجد من السياسيين السودانيين ، من هو جاهز للتعاون معها في هذا التدخل السافر القبيح . لذلك ، لأجل قطع الطريق على إسقاط حكومته عبر انسحاب حزب الشعب الديمقراطي من الائتلاف الحاكم ، بطرح صوت الثقة فيها ، وهي لم تكمل عامها الثاني بعد ، دعا عبدالله خليل الفريق إبراهيم عبود قائد الجيش لاستلام السلطة . وهكذا ، حدث أول انقلاب عسكري على النظام الديمقراطي في السودان . وكان ذلك بعد عامين فقط من الاستقلال . ومن هنا بدأ مسلسل الانقلابات العسكرية في السودان . وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء عبدالله خليل يتحمل وزر الانقلاب ، إلا أن في وسع المرء أن يقول : لولا التدخل المصري السافر في الشؤون السودانية وارتضاء الحزبين الاتحاديين أن يكونا مطيةً لخدمة المصالح المصرية في السودان ، لما حدث الانقلاب . ولربما استمر النظام الديمقراطي في السودان ، في ثباتٍ ونماءٍ ، مثلما استمر في الهند إلى اليوم ، التي نالت استقلالها قبل السودان بتسعة أعوامٍ فقط . ورغم أن عبدالله خليل قد قصد بدعوة قائدة الجيش لاستلام السلطة أن يبعد التأثير المصري على السياسة السودانية ، فإن نظام الفريق عبود العسكري على الرغم من توجهه نحو الغرب مخالفًا بذلك خط الرئيس جمال عبدالناصر الواقع في الحضن السوفيتي ، إلا أن نظام عبود كان ضعيفًا جدا أما النظام المصري . وعلى الرغم من ان اتفاقية السد العالي جرى التوافق عليها في الفترة الديمقراطية ، إلا أن فترة حكم الفريق إبراهيم عبود هي التي شهدت تهجير أهالي حلفا وإغراق الأراضي السودانية بزرعها وضرعها وكنوزها الأثرية التي لا تقدر بثمن . فقد جرى إخلاء المنطقة ونقل أهاليها المنطقة إلى سهل البطانة لكي تتمدد بحيرة السد العالي داخل الأراضي السودانية.

انقلاب العقيد جعفر نميري 1969م

لقد كانت طبيعة ما يسمى داخل القوات المسلحة "تنظيم الضباط الأحرار" ، طبيعةً قوميةً عربية . وكان هذا التنظيم ذو الميول القومية العربية هو الذي وقف وراء انقلاب العقيد ، جعفر محمد نميري على النظام الديمقراطي في السودان في عام 1969م . وواضحٌ أن قيام تنظيم تحت مسمى "الضباط الأحرار" داخل الجيش السوداني لم يكن سوى انعكاسٍ للتأثير المصري المباشر وخط مصر في معاداة الغرب ، حينها ، ومعاداة التحول الديمقراطي . وهما السمتان البارزتان في سياسات الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر . وقفت الأحزاب السودانية موقفًا سلبيًّا إزاء انقلاب جعفر نميري . وكان الحزب الوحيد الذي أسفر بتأييد الانقلاب هو الحزب الشوعي السوداني ، بل وأصبح بعض قيادييه وزراء في حكومة نميري الأولى .
من أبرز علامات التعاضد بين نظام جمال عبدالناصر العسكري في مصر مصر ونظام جعفر نميري العسكري في السودان وعلى حرص مصر على بقاء النظام الخاضع لإرادتها في السودان في سدة الحكم ، تدخل سلاح الجو المصري لقصف الجزيرة أبا أثناء النزاع المسلح الذي نشب بين قوى المعارضة الحزبية ، ونظام جعفر نميري في عام 1970م . لكن ، بعد عامٍ واحدٍ من أحداث الجزيرة أبا حدثت محاولة انقلابية قام بها الحزب الشيوعي السوداني على جعفر نميري . فما كان من مصر إلا أن تدخلت بالاتفاق مع العقيد معمر القذافي لإفشال ذلك الانقلاب . بناءً على ذلك الاتفاق قامت ليبيا باعتراض الطائرة المدنية البريطانية التي كانت تحمل قائدي الانقلاب العائدين على متنها من لندن إلى الخرطوم ، عند مرورها فوق سماء بنغازي . أُنزلت الطائرة في مطار بنغازي وجرى اعتقال قائديْ الانقلاب ، الأمر الذي أفشل الانقلاب .
أيضًا شهدت بدايات فترة حكم نميري ما سمي مشروع الوحدة الثلاثية بين مصر وليبيا والسودان . ولكن سرعان ما دبَّت الخلافات بين مكونات هذا الحلف الثلاثي ، خاصةً عقب وفاة الرئيس جمال عبدالناصر في نفس عام 1970م . فقد اتسعت الشقة بين معمر القذافي وجعفر نميري ، وبلغت حدًا جعل القذافي يفتح معسكرات للتدريب على حمل السلاح للمعارضة السودانية في جنوب ليبيا . من تلك المعسكرات انطلقت محاولة 1976م المسلحة التي حاولت إسقاط نظام جعفر نميري بعمل عسكري جرى في داخل العاصمة الخرطوم . وفي تعدٍّ آخر، أرسل القذافي طائرة عام 1984م ، لتقصف إذاعة أمدرمان ومنزل السيد الصادق المهدي . أما السادات فقد أضطر إلى توجيه ضربةٍ موجعةٍ للعقيد القذافي في عام 1977م ، بسبب تحرش القذافي بمصر، بسبب توقيعها اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل . وعمومًا ، فإن فترة حكم نميري قد اتسمت بالتبعية الكبيرة لمصر. فقد أنشأ نميري حزبه الأوحد الحاكم في السودان ، الاتحاد الاشتراكي السوداني ، على غرار حزب عبدالناصر الحاكم ، المسمى الاتحاد الاشتراكي العربي . وفي عام 1982م وقَّع نظام الرئيس حسني مبارك ونظام الرئيس جعفر نميري ما سمي ميثاق التكامل بين مصر والسودان . لكن ، لم تنجح تلك الإجراءات الفوقية في خلق أي صورة عملية للتكامل الاقتصادي أو السياسي أو العسري بين مصر والسودان . فبعد عام واحدٍ من توقيع ميثاق التكامل أعلن جعفر نميري تطبيق الشريعة الإسلامية متخذًا خطًا إخوانيًّا صريحاً .
ويبدو أن خطة مصر للهيمنة على السودان ، قد انحصرت ، في نهاية الأمر وبعد عديد التجارب ، في دعم الأنظمة العسكرية في السودان . فبعد أن دعمت انقلاب جعفر نميري ، الذي أسقطته ثورة أبريل الشعبية في عام 1985م ، عادت مصر لتكون أول الدول التي اعترفت بانقلاب الترابي/البشير في عام 1989م الذي قوَّض الديمقراطية الثالثة . ومع كل حالات الشد والجذب التي حدثت بين مصر ونظام الترابي/البشير في فترة حسني مبارك ، ورغم قمع نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي الحالي الوحشي للإسلاميين في مصر، نجدها قد وقفت ضد ثورة ديسمبر 2018م الشعبية في السودان ، التي لا تزال فصولها تتوالى حتى الآن . قدمت مصر للفريق البرهان وللإسلاميين الواقفين خلفه كل أنواع الدعم العسكري والديبلوماسي ، مع انخراطٍ لا يني في شق صفوف الثوار ، وفي تشكيل الحواضن الشعبية الضرارٍ المساندة للفريق البرهان ، لكي يستعيد هو والإسلامويون كامل سلطتهم ، ويقضوا على الثورة السودانية التي انطلقت مطالبةً بالحكم المدني وبالتحول الديمقراطي ، قضاءً مبرما .

(يتواصل)

E.mail


نقلا عن سودانايل

elmhasi 25-03-2025 08:14 AM


على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية (5 – 20)

8 March, 2025

"لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تكن مُنحنياً"

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

انتكاسة الثورة

مرَّت على الثورة التي انطلقت منذ 19 ديسمبر 2019م ، حتى الآن، ما تزيد عن الخمسة أعوام. ومع ذلك ، لم تقترب حتى الآن من تحقيق أيٍّ من أهدافها وشعاراتها التي رفعتها . بل على العكس من ذلك، فقد انتكست مجمل الأحوال في البلد انتكاسةً كبيرةً ووصلت بها الأمور إلى حربٍ متطاولةٍ دمَّرت البنيات التحتية ، واقتلعت الناس من بيوتهم ، وجعلت من العاصمة الخرطوم ، بمدنها الثلاث ، مدينة أشباح ، وتسببت في حالةٍ من التشرد ليس لها شبيه في كل الكرة الأرضية ، في وقتنا الراهن . وقد صحبت كل تلك المآسي مجاعةٌ تمسك الآن بخناق عشرات الملايين من المواطنين . لقد تسببت الحرب في توقُّف معظم الأعمال التجارية ، وفقد معظم الموظفين أجورهم الشهرية في القطاعين العام والخاص . كما تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي بصورةٍ مخيفة . وحدث توقُّفٍ شبه كاملٍ للخدمات الصحية والتعليمية . يُضاف إلى كل ما تقدم ، يعيش ثلثا الولايات التي خرجت عن سيطرة حكومة بورتسودان اللاشرعية ، فراغًا سياسيًّا وأمنيًّا وقضائيٍّا وتعليميًّا وصحيّا . باختصار شديد ، تعيش ثلثا أراضي القطر، بصورةٍ حرفيةٍ ، حالة اللادولة .
هذا الوضع الكارثي هو ما هددت به قيادات حزب المؤتمر الوطني الشعب السوداني في إفطاراتهم الرمضانية في مارس وأبريل 2023م . وهي تهديداتٌ موثَّقةٌ على أشرطة الفيديو، التي لا تزال مبثوثةً على شبكة الانترنت . فالهدف من وراء إشعال الحرب وخلق هذهـ الحالة الكارثية ، هو تغيير المسرح كليًّا ونقل الأمور إلى مربعٍ جديد يُنسي ويُسقط كل ما كان دائرًا قبل الحرب. خطط مقاومو الثورة من سدنة النظام القديم لإدخال الشعب في كارثٍة لم يشهدها في تاريخه تنسيه الثورة تمامًا ، بل وتجعله نادمًا عليها ، وتحصر همه في مجرد العودة إلى حالته التي كان عليها قبل الحرب . ولقد نجحت ما تسمى الحركة الإسلامية وذراعها السياسي الذي يسمى المؤتمر الوطني وأداتهم المتمثلة في الجيش والقوى الأمنية في هذهـ الخطة نجاحًا كبيرًا .
أيضًا كان أحد أهداف الحرب ، الثأر من الشعب السوداني الذي تجرأ على الإسلامويين وأطاح برأس نظامهم ، عن طريق الثورة التي أشعلها في 19 ديسمبر 2018م . لقد نسف مشعلو الحرب كامل الاستقرار الأسري فلم يبق أمام الناس سوى خيارين : الاستسلام الكامل لمخطط عودة النظام القديم إلى الحكم *بل ر* ذائله المعروفة ، أو نسيان العودة إلى البيوت والأمن والاستقرار ، مرَّةً أخرى ، وإلى الأبد . وقد أثبتت هذهـ الخطة المدروسة تلك التهديدات المتوعدة بالويل والثبور وعظائم الأمور المتكررة التي صدرت من مختلف لقاءات الإفطارات الرمضانية لجماعة المؤتمر الوطني وكتائبهم المسلحة . وهي فعالياتٌ صوروها وبثوها في العديد من أشرطة الفيديو على شبكة الإنترنت . وقد عمدت الخطة ، إلى وضع السودانيين أمام خيارين ، لا ثالث لهما : إما أن يخضع الشعب لعودتهم إلى الحكم بلا قيد أو شرط ، أو نسف الدولة بما فيها ومن عليها . وقد قام الفريق شمس الدين الكباشي ، بتلخيص ذلك حين قال : إما دولة وفقًا لفهمهم وإما لا دولة على الإطلاق . وقد كان نص ما قاله بالعامية السودانية : (يا دولة بفهمنا يا مافي دولة).
أدناهـ بعضٌ من الروابط التي توثق تآمر الكيزان من أجل القضاء على الثورة والعودة للسلطة ، من جديد :
1

2

3

4

5


هل تنجح السلمية دائمًا؟

من الخطأ الفادح أن نظن أن أسلوب النضال السلمي يمكن أن ينجح دائمًا ، غض النظر عن اختلاف السياقات . نعم ، لقد نجح الحراك السلمي الذي قادهـ المهاتما غاندي في الهند في تحقيق استقلالها . ولقد نجحت حركة الحقوق المدنية في أمريكا ، وهي حركة اجتماعية ، عبر عشر سنواتٍ من النضال المستمر، في إجبار السلطات الأمريكية على منح الملوَّنين حقوقهم الدستورية الأساسية . كما نجح الحراك الذي قادهـ نيلسون مانديلا ورفاقه الميامين في جنوب إفريقيا في إنهاء سياسات الفصل والتمييز العنصري ، بعد عشرات السنين من النضال الدؤوب .
ابتداءً من ثمانينات القرن الماضي حدثت في العالم ثوراتٌ سلميةٌ عديدة متزامنةٌ حينًا ، ومتتابعةٌ حينً آخر . جرى ذلك أثناء تفكُّك الكتلة الشرقية ، وانهيار النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي . وقد أحدثت هذهـ الثورات ، على تفاوتٍ بينها ، تغييراتٍ كبيرة . كما جرت في الفلبِّين في عام 1986م ما سميت "ثورة سلطة الشعب". وقد كانت ثورةً سلمية أنهت نظام الرئيس فيرديناند ماركوس الديكتاتوري ، وأقامت محله نظامًا ديمقراطيًا . لكن، تختلف السياقات اختلافاتٍ كبيرةٍ مائزة . فقد ينجح النضال السلمي في بلدٍ ويفشل في بلدٍ آخر، بسبب اختلاف طبيعة الذين يجلسون على دست الحكم . ودعونا نتصور أن حراك الجنوبيين السودانيين الطويل ، الذي استمر لنصف قرن،ٍ قد اختار أسلوب النضال الملتزم بالسلمية بصرامة . فهل ، يا ترى ، كان الجنوبيون سيصلون إلى مفاوضات نيفياشا ويحصلون على حق تقرير المصير، ومن ثم ، إجراء استفتاءٍ يحققون به استقلالهم التام ، على النحو الذي جرى ؟ لقد سبق أن قال الرئيس المخلوع عمر البشير إنهم لا يفاوضون إلا من كانت له بندقية . وهذا ما ظل هو وجماعته يفعلونه ، مرارًا وتكرارًا مع مختلف الحركات المسلحة التي جعلوها ، بنهجهم هذا ، تتكاثر كما يتكاثر الفطر في البرية . لقد ظلوا على هذا النهج منذ أن سطوا على الدولة السودانية في عام 1989م ، وإلى يوم هذا ، ولا يزالون مستمرين فيه . وها هو أبوعاقلة كيكل يصعد إلى رتبة الفريق بين ليلة وضحاها وتنهض وراءهـ قبيلته ، او بعضا منها ، ليصبح قائدًا لمليشيا جديدة تتضخم تحت رعاية النظام اللاشرعي الحاكم من بورتسودان .
إن السبب في تعثُّر مسار هذهـ الثورة مقارنةً بالثورتين السابقتين 1964م و 1985م ، أن هذهـ الثورة قامت ضد نظامٍ مؤدلجٍ تقف وراءهـ منظومةٌ أيديولوجيةٌ كوكبيةٌ ، عابرة للأقطار . علاوةً على ذلك ، فهي منظومة أمنوقراطية مسلحة حتى أسنانها ، تحرس نظامها بالجيش الذي اختطفته وبالمنظومة الأمنية التي تسيطر عليها سيطرة كاملة . بل ، وبميليشيات إرهابية متطرفة لا تتورع عن فعل أي شيء . ولكي يضع النظام مختلف المنظومات الأمنية التابعة له تحت المراقبة ، استخدم هذهـ المجموعات الإرهابية المتطرفة ذات التسليح النوعي والتدريب الخاص والخبرات القتالية النوعية وأطلق عليها مسمى "كتائب الظل". إلى جانب كل ما تقدم ، حرس النظام نفسه بشبكةٍ ضخمةٍ معقدةٍ من الوسائط الإعلامية المختلفة ومن الصحفيين المأجورين الذي يفعلون كل شيء من أجل المال ومن أجل الجاهـ والألق الذي يضفيه التقرب من الحاكم عادةً على كل وصوليٍّ متسلق . بهؤلاء نجح النظام عبر ثلاثين عامًا في اختراق مجالات الفنون كالموسيقى والدراما والأدب والرياضة وتمكَّن من تصعيد منسوبيه إلى قياداتها للسيطرة عليها وتوجيهها لتصب كل أنشطة المجتمع المدني في صالح النظام القائم . إلى جانب ذلك فقد سيطر النظام تمامًا على مناهج التعليم وعلى الخطاب الإعلامي وعلى وزارة الشؤون الدينة والأوقاف ، ومن ثَمَّ ، على منابر المساجد . وقد زاد على ذلك باختراق الطرق الصوفية والإدارات الأهلية وإدخال شيوخها في دائرة الزبانة الاقتصادية الواسعة التي صنعها .
أيضًا، تقف وراء نظام ما تسمى الحركة الإسلامية ، رغم فسادهـ الفاضح والمقرف ، إلى جانب منظومة الإسلام السياسي الدولية ، التي تنظر إلى السودان بوصفه البلد الأول الذي استطاع الإسلام السياسي أن يضع فيه أقدامه ، ولأول مرة منذ أن برز الإسلام السياسي في الأقطار العربية وفي جنوب وسط آسيا . لذلك ، فإن محاولات فك قبضة المؤتمر الوطني وتفرعاته عن رقبة الدولة السودانية بثورة ديسمبر 2018م السلمية ، كانت عمليةً بالغة العسر، باهظة الكلفة عديمة المردود . ولا يزال باب الكلفة الكارثية فيها ؛ من حيث هلاك الأرواح وتبديد الموارد وتدمير البنيات التحتية وتشظي الدولة ، مفتوحًا على مصراعيه . وقد أثبتت تجربة الحرب الجارية الآن ، التي قاربت العامين ، تلك الصعوبة وتلك الكُلفة الباهظة ، بما لا مزيد عليه .
لقد مارست قوى الثورة النهج السلمي لإحداث التغيير والتزمت به بصرامة ، ودفعت في ذلك دماءً شبابيةً عزيزة غزيرة . وقد خلب ذلك السلوك السلمي المتحضر ألباب العالم ، واستحلب ، بصورةٍ لافتةٍ ، إعجابه وتعاطفه . كما رفع اسم السودان من الوحل اللزج الذي مرَّغه فيه نظام الرئيس المخلوع عمر البشير ومن ورائه ما تسمى الحركة الإسلامية . غير أن ذلك لم يجعل الثورة تحقق أيًّا من أهدافها . فقد اعترض المؤتمر الوطني وذراعه المتمثِّل في الجيش وكتائبهما المختلفة ، إضافةً إلى مجموعات المصالح والارتزاق ، التي شكَّلت ما سُميت "الكتلة الديمقراطية" طريق الثورة . وقد دخل النظام المصري إلى جانبهم بكل قوته العسكرية المتمثلة في سلاح الطيران ، وبقوته الدبلوماسية في التأثير على الدول العربية وعلى المجتمع الدولي وإشاعة أن الجيش السوداني مؤسسة حقيقية حارسة للبلاد ولاستقرارها وأن هزيمته تعنى انهيار الدولة السودانية . وقد اشترت بعض الدول العربية وبعض القوى الدولية هذهـ البضاعة الزائفة . أكثر من ذلك ، تجاوزت مصر في تحالفها مع النظام القديم مجرد الفعل السياسي والدبلوماسي المناوئ للثورة ، وخلق الحواضن الشعبية الزائفة الداعمة له ، إلى التخطيط لإشعال الحرب الشاملة المدمرة ومد الفريق عبدالفتاح البرهان بالسلاح وبالخبرات العسكرية المصرية بل وبمشاركة الطيارين المصريين في الحرب . أدت كل هذهـ الجهود الشريرة وما أحدثته من كارثةٍ شاملة فاقت خيال كل متخيل ، إلى خلط الأوراق ، خلطًا ذريعا . فأدت إلى نقل الجمهور من الاصطفاف حول أهداف الثورة ، إلى اصطفاف حول مجرد حلم العودة إلى البيوت وإلى مجرد الرضا بكسب العيش واستعادة الحياة التي فُقدت ، غض النظر عن الكيفية البائسة التي كانت عليها ودفعت الناس للثورة . هكذا نجح تحالف البرهان والحركة الإسلامية والدولة المصرية الطامعة في استتباع السودان واستلحاقه في قلب الطاولة على الجميع ، بكفاءةٍ تبعث على الإعجاب .
خلاصة القول ، إن فرص نجاح الثورة السلمية في السودان ، فرصٌ شديدةُ الضمور . فالكيزان لم يقيموًا في يومٍ من الأيام أي وزنٍ للقوى المدنية . وما أكثر ما ردَّدوا أن من لا يملك سلاحًا ، لا كلمة له ولا وزن ، بل لا وجود له ، ولا ينبغي أن يُعبأ به أصلا . إن ما قاموا به من قتلٍ ذريعٍ وحشيِّ للشبان والشابات ، اتسم بالتشفي ، ومن اغتصاباتٍ وإغراقٍ للكثيرين في النيل مشدودي الوثاق إلى أثقالٍ خرسانية ، لم يكن سوى رسالة رعبٍ لكل المدنيين . لقد خططوا بدقة وبتصميم لإحداث صدمةٍ نفسيةٍ هائلة ، تخيف جميع المدنيين وتجعلهم يوقنون أَنْ هذهـ الطغمة الحاكمة التي يريدون إزاحتها عن السلطة ليس لبطشها وفظاعتها واستهانتها بالمدنيين ، أي حدود . وقد رفعوا عيار الرعب عقب إشعال هذهـ الحرب حتى بلغ جز الرؤوس وبقر البطون ونهش الأحشاء ولَوْكَ الأكباد . وما كان الكيزان ليشعلوا حربًا شاملة ، لولا أن قوات الدعم السريع قد خرجت عن طوعهم واتخذت لنفسها موقفًا جديدًا مستقلاً تجاهـ الثورة . انحياز قوات الدعم السريع للاتفاق الإطاري هو الذي أطاش صوابهم ودفعهم للإلقاء في المعركة بآخر أسلحتهم الأكثر فتكًا ، وهي الحرب الشاملة وزعزعة أمن السكان إلى أقصى الحدود . وبهذا أسند البرهان والإسلامويون ظهرهم إلى الحائط؛ فإما أن يسحقوا الدعم السريع سحقًا كاملاً ، وينصرفوا بعد ذلك إلى السياسيين والناشطين المدنيين ، فيصفونهم ، فردًا فردًا ، وإما أن يواصلوا الحرب حتى تصبح البلاد وأهلها ، هشيمًا تذروهـ الرياح ، على قاعدة : "يا دولة بي فهمنا ، يا مافي دولة".

سناء حمد والمبعوث الأمريكي

لقد لخَّصت السيدة ، سناء حمد، التي جعل منها المؤتمر الوطني ، مفتشًا عامًا للجيش ، بلا تأهيلٍ يذكر، فأصبحت تُجلس قادته أمامها وتحقق معهم ، هذا النهج الثابت المعتمد على البندقية ، في المقابلة التي أجراها معها الإعلامي في قناة الجزيرة ، أحمد طه . قالت السيدة سناء : إن حزبها سيقبل قوات الدعم السريع ، إن هي قبلت الرجوع إلى طاعتهم من جديد . وعضَّدت ذلك بقولها إنهم مأمورين بفعل ذلك بموجب النص القرآني القائل: "إِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا" ، أي إذا قبلت قيادات قوات الدعم السريع الرجوع إلى طاعتهم ، فليس أمامهم خيار سوى أن يقبلوا بذلك . وحين قال لها أحمد طه : ولماذا لا تفعلون ذلك مع تنسيقية "تقدم"؟ فارتبكت وقالت بعد فترة صمتٍ قصيرة : "إذا قَبِل الشعب". ما قالته السيدة سناء حمد أوضح مبلغ الاستهانة التي تنظر بها الحركة الإسلامية وذراعها السياسي حزب المؤتمر الوطني إلى تنسيقية "تقدم" التي ما لبثت أن انقسمت. فالإسلامويون يريدون إعادة قوات الدعم السريع إلى جانهم ليفرغوا لتصفية الثورة والثوار بصورة نهائية . ولا يتعاظم لديهم من أجل تحقيق هذا الهدف أي شيء . فما جرى من بحور الدماء ، ومن حالة التشرُّدٍ الملحميّةٍ التي طالت 14 مليونا من سوداني وسودانية ، ومن المجاعة الطاحنة التي طالت 25 مليونًا آخرين ، ومن الدمار الهائل الذي طال كل شيء ، لا يهمهم في كثيرٍ أو قليل . فهم يريدون الاستمرار في حكم السودان منفردين ، مهما كانت الكلفة .
من الجهة الأخرى ، نجد أن المجتمع الدولي ممثلا في رمطان لعمامرة ، والمبعوث الأمريكي اللَّذين يبدو أن تنسيقية "تقدم" قد كانت تعوِّل عليهما ، في تقديم العون لها وإعادة الأمور إلى العملية السياسية ومسارها المدني القاصد نحو التحول الديمقراطي ، لم يكونوا في المستوى المطلوب أو المتوقع . فقد وضح ، أن الجميع لا يعبأون بـ "تقدم" . وكل الدعوات للمفاوضات القاصدة لإنهاء الحرب كان يجري تقديمها لقوات الدعم السريع وقيادات الجيش . لقد حضر الجيش لقاء جدة وجيبوتي والمنامة وتنصل من مقرراتهما . ولم يحضر في دعواتٍ أخرى ، مصرًا على مواصلة الحرب . هذا ، في حين حضرت قوات الدعم السريع كل اللقاءات التي دعيت إليها ، مبديةً كامل استعدادها لوقف الحرب . لكن ، وللغرابة ، مع هذا التهميش المزدوج والتغييب الكامل عما يجري ، نجد تنسيقية "تقدم" التي أصبح الشق المتبقي منها يسمى "صمود" ، قد بقيت ممسكةً بالعصا من المنتصف ، عاكفةً على عبادة صنم السلمية غير المنتجة في هذا السياق المفكك ، مستعيضة عن الموقف الصحيح ، والفعل الثوري المنتج ، بدبيج التصريحات الإنشائية والمناشدات المتَّسمة بالضراعة . وانتهى بها الأمر لتبهت أكثر وأكثر، ويصبح غالب نشاطها لا يتعدى محاولات جلب مساعداتٍ إنسانيةٍ لم يعرف المجتمع الدولي إلى الآن ، كيف يوصلها إلى مستحقيها ، في ظل خداع وتعنت البرهان وقبيله من الإسلامويين وعاداتهم المرذولة المعروفة عنهم في سرقة المساعدات الإنسانية ، ومنع الرقابة الدولية على مسارات إنسيابها .

(يتواصل)
E.mail

elmhasi 27-03-2025 01:58 AM


على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية (6 – 20)


9 March, 2025

"لن يستطيع أحدٌ أن يركب على ظهرك، ما لم تكن مُنحياً"
مارتن لوثر كينج

د.النور حمد
كل ما جرى ذكرهـ فيما سبق من هذا السرد ، ليس سوى شذراتٍ متفرقاتٍ من تجلِّياتٍ متتابعةٍ ، متواصلةٍ ، لنهج مصر الرسمية الثابت في الهيمنة على السودان ، والنظر إليه كمزرعةٍ يعمل فيها أقنانٌ مستعبدون ، ينبغي أن يصبَّ كل ما ينتجونه في مصلحة مصر ، وحدها . لم تُقم مصر مشروعًا ، ولم تبرم اتفاقية مع السودان ، إلا وكانت في مصلحتها هي فقط . وقد سبق أن أوردت في مقالاتٍ سابقة الاحتجاع المصري على فكرة إنشاء السودان خزان سنار، لري مشروع الجزيرة في بدايات القرن العشرين . وقلت إن أسباب اعتراضهم عليه ، التي بلغت درجة البجاحة كانت كالآتي : لا يحق للسودان استخدام مياهـ النيل حتى تتم دراسة تؤكد استنفادهـ لكل الفرص المتاحة له من الري بالأمطار . وقالوا ، أيضا ، وهذهـ أعجب من سابقتها : إن إنشاء خزان سنار سيمكِّن السودان من زراعة القطن طويل التيلة ، الذي سوف ينافس القطن المصري في الأسواق العالمية ، الأمر الذي يؤثر سلبًا على الميزان التجاري لمصر. (راجع عبدالرحمن علي طه ، السودان للسودانيين ، مصدر سابق). وإذا أردتم أن تعرفوا اليوم لماذا خرج السودان من سوق القطن العالمي ، بعد أن كان ملء السمع والبصر فيه ، فابحثوا عن اليد المصرية ، وعن وكلائها من السودانيين . واليوم يبيع عسكر الإسلامويين مشروع الجزيرة لشركة مجهولة . ولا أستبعد أن تكون اليد المصرية وراء هذا . أيضًا ، لو أردتم أن تعرفوا لِمَ انهار النظام التعليمي في السودان ، وكيف فقد السودانيون لغتهم الثانية (الإنجليزية)، فابحثوا ، أيضًا ، عن اليد المصرية ووكلائها من السودانيين . ولو أردتم أن تعرفوا لماذا ينفرد السودان ، دون كل دول حوض النيل بالانصياع الكامل للإرادة المصرية ، فيما يتعلق بقضايا مياهـ النيل ، فابحثوا عن اليد المصرية ، ووكلائها من السودانيين .
لقد ظلت بعض النخب السياسية والثقافية والإدارية السودانية منكسرةً ومنهزمةً أمام الإرادة المصرية . وقد عملت مصر بجدٍّ لكي تتحقق تلك الانهزامية . كما أنها تأكدت بالتجربة الطويلة أن ما غرسته عبر قرنين من الزمان قد أثمر وسط النخب السياسية والعسكرية والتجارية ، بل والثقافية السودانية ، فواصلت نهجها في فرض الهيمنة وفرض الإرادة بثقةٍ تامة . ويعود سبب انهزامية النخب السودانية ، وكثير من عامة السودانيين ، إلى فقدان المعرفة بحقيقة الشخصية الحضارية للسودان ، وما تبع ذلك من تضعضع الاعتداد بالهوية والاحتفاء ، بل والفرح ، بالاستلحاق لمركز هُوُيَّتي خارجي . إلى جانب ذلك هناك البحث عن المجد الشخصي ، خفيض العيار، وسط النخب التي تختار التبعية للأجنبي ، راضيةً بما يجلبه لها لعبُ دور التابع المُعين والمُيسِّر من فُتات .
الاحتلال المصري للعقل السوداني

قضية العلاقات السودانية المصرية من القضايا بالغة الأهمية التي أهملتها الأكاديميا السودانية والباحثون السودانيون . فهذهـ العلاقة عمرها أكثر من 5000 عام . وهي علاقة حكمها منذ البداية الاختلال الجغرافي في توزيع الموارد الطبيعية بين أعلى وادي النيل وأسفله . وقد تمثلت العناصر التي حكمت هذهـ العلاقة في فقر مصر المدقع من الموارد ، مع قابلية عالية لزيادة عدد السكان ، مع صغر مساحة مصر القابلة للحياة والسكنى . هذا في حين اتسم السودان بوفرة الموارد ، مع قلة استثنائية في عدد السكان ، مقارنًا ، بكبر المساحة وخصوبة الأرض وتوفر مصادر المياهـ . ولا نريد أن نخوض في تفاصيل التاريخ القديم ، فقد تراجع احتكاك السودان بمصر منذ انهيار آخر الممالك الكوشية في القرن الرابع الميلادي . فمنذ ذلك التاريخ ، دخل السودان في نومةٍ حضاريةٍ وعزلةٍ طويلةٍ عن مراكز الحضارة ، لم يخرجه منها ، سوى الغزو الخديوي في عام 1821م . بالغزو الخديوي تعرض السودان ، مع الاحتلال العسكري ، إلى احتلال عقلي . فقد جرى إلحاقه بمصر بوصفه قد أصبح بما يسمى "الفتح" ، مُلكًا مصريًا خالصا . وبناء على ذلك عملت الخديوية على إلحاقه بالفضاء المشرقي المتوسطي ، كتابعٍ وامتدادٍ جديدٍ ليس له أي إسهامٍ حضاري وليست له ثقافة يُعتد بها . وبدأ ، من ثم ، إلحاقه بمصر وإدخاله في المظلة الإسلامية السنية على الصيغة العثمانية . فقد السودان بالغزو الخديوي هويته الكوشية وفقد مزاجه الصوفي الذي أحلت الخديوية محله مزاجًا فقهيّا سنيًا عثمانيًّا ، جوهر خطابه طاعة الحاكم . (راجع : الباقر العفيف ، الأصيل والدخيل في الثقافة الإسلامية السودانية ، الخرطوم : منشورات مشروع الفكر الديمقراطي، (2013م). (وراجع أيضًا : النور حمد ، السودان : آفاق الوعي بالذات ، منشورات مشروع الفكر الديمقراطي ، (2016م).
ظل الاحتلال المصري لعقول السودانيين يتنامى باستمرار حتى تعدى استتباع العقل السوداني لمصر مجرد إدخال نمط التدين السني العثماني وجعل المؤسسة الكهنوتية الفقهية الرسمية جزءًا من جهاز الدولة ، ليتواصل الإلحاق عبر الرسالة الإعلامية ، وعبر تمصير مناهج التعليم . وقد تكثف مع كل أولئك ، خاصةً في فترة حكم الرئيس جمال عبدالناصر ، الخطاب العروبي الناصري الذي اجتاح ، لعقدين من الزمان ، كل أنحاء العالم العربي . نتيجةً لكل تلك العوامل أصبح وعينا نحن السودانيين بذاتنا ، في صورته العامة ، وعيًا مشرقيًّا متوسطيًّا ، وفي صورته الأكثر خصوصية ، وعيًا مصريًّا . فالسودانيون النيليون وسكان البوادي يُرجعون بأنسابهم إلى الجزيرة العربية ، وكأنَّ القطر السوداني كان خاليًا من البشر قبل أن تهاجر إليه بعض القبائل الرعوية العربية . بل ، إن غالبية سكان الوسط والشمال النيلي تنسب نفسها عرقيًا : إما لبيت العباس بن عبدالمطلب ، أو لنسل فاطمة بنت الرسول ، وكأن كل الأعراب الذين وفدوا إلى السودان كانوا من البيت الهاشمي وحدهـ!
لقد بدأ انتحال السودانيين لأنسابٍ عربية في فترة سلطنة الفونج (1504م - 1821م) . وقد ورد أن السلطان سليم حين فكَّر في غزو سلطنة الفونج أرسل إليه سلطان الفونج خطابًا يقول فيه إنهم عرب مسلمون ، ولذلك فهو لا يرى ، من الناحية الإسلامية ، مسوِّغًا لغزوهـ لبلادهم . كما ذكر سلطان الفونج للسلطان سليم إنهم فقراء ، ولن يحصل الغازون من بلادهم على شيء يساوي الجهد المبذول في الغزو . وأرفق سلطان الفونج مع رسالته إلى السلطان سليم ، شجرة نسبٍ عربية . فسُرَّ السلطان سليم بتلك الرسالة ، وتخلى عن فكرة غزو سلطنة الفونج.
في نفس تلك الفترة ، أيضًا ، طاف بسلطنة الفونج فقيهٌ غريبٌ متكسِّبٌ ، يُدعي "السمرقندي" ، تخصص في نَحْلِ شجرةِ نسبٍ عربيةٍ شريفةٍ لكل من يطلب ذلك ، نظير شيءٍ من المال . ولربما تعود كثيرٌ من أشجار النسب السودانية المنحولة إلى هذا الفقيه الغريب . ولقد أسهم المصريون بقدرٍ كبيرٍ في الترويج لعروبة السودان ، بدافع الاستلحاق . ولقد برز في هذا المنحى الدكتور عبدالمجيد عابدين الذي قام بالتدريس في السودان وكتب عن عروبة السودان ، كما كتب عن الأدب السوداني وروَّج له في مصر وفي النطاق العربي بصورة عامة . وقد سار معه من السودانيين في هذهـ الوجهة كثيرون ، نذكر من أبرزهم الشاعر عبدالله عبدالرحمن الضرير ، والمؤرخ محمد عبدالرحيم ، والدكتور، عون الشريف قاسم . ويضيف الباقر العفيف إلى هؤلاء كلاًّ من محمد إبراهيم الشوش ، وخالد المبارك ، وعبدالله علي إبراهيم . (راجع الباقر العفبف : وجوهٌـ خلفَ الحرب : الهويات والنزاعات الأهلية في السودان ، الخرطوم : مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية ، (2011م)، ص ص 101 - 112).
دور التعليم والإعلام المصري في الاستلحاق
لقد بدأ التعليم الحديث في السودان ، حين بدأ ، مصريًا صرفًا . فبعد أن كان التعليم في السودان صوفيًّا تقليديًّا طيلة فترة سلطنة الفونج ، وكان يجري في الخلاوى (الكتاتيب) التابعة للمراكز الصوفية ، تحول بالغزو الخديوي إلى تعليمٍ فقهي أصبح يتبع للمؤسسة الدينية الرسمية التي كانت ذراعًا مهمًا في الاستعمار الخديوي للسودان . صار التعليم الديني يتركز أكثر في المساجد التي يشرف عليها الفقهاء الرسميون من مصريين ومن سودانيين جرى استقطابهم في هذه الوجهة. ومن أقوى الأدلة على تغيير هذه المؤسسة الفقهية الدخيلة للعقل السوداني وقتلها للحس الوطني وسط من جندتهم ودربتهم من علماء الشريعة السودانيين على النمط الأزهري الساند دومًا للحاكم ، ما جرى أثناء الثورة المهدية من وقوف هؤلاء الفقهاء السودانيون الرسميون مع المحتل المصري الخديوي ضد الثورة الوطنية المهدوية . ومن أشهر الرسائل في معارضة الثورة المهدية التي دبجها علماء الشريعة السودانيين الذين وظَّفهم الاحتلال الخديوي، رسالة السيد أحمد الأزهري، ورسالة الشيخ الأمين الضرير. (راجع: عبدالله علي إبراهيم ، الصراع بين المهدي والعلماء ، القاهرة : مركز الدراسات السودانية ، (1994م،) ص 12.
أما عندما برزت الحاجة إلى قيام تعليم حديث في السودان المحتل خديويًّا ، أرسل محمد علي باشا رفاعة رافع الطهطاوي ليفتتح أول مدرسة حديثةٍ في السودان في عام 1855م . ولابد هنا من إيراد نظرة هذا التربوي المصري الكبير نحو السودان والسودانيين ، وهو الذي بُعث إلى السودان لينشئ أول مدرسةٍ حديثة فيه . فقد جاءت هذهـ الأبيات ضمن قصيدهٍ ركيكةٍ افتخر فيها بنسبه الحُسيني ، وشكا فيها من ابتعاثه إلى السودان:

حُسَيْنيُّ السلالةِ قاسِميٌّ بِطهطا مَعشري وبها نَجادي

وما السودانُ قطُّ مقامُ مِثلِي فلا سَلمايَ فيه ولا سُعادي

بها ريحُ السمومِ يُشَمُّ مِنهُ زفيرُ لظىً فلا يُطفيه وادي

ونصفُ القوم أكثرُ من وحوشٍ وبعضُ القومِ أشبهُ بالجماد

لاحقًا، طرأت في مطلع القرن العشرين، في فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري فكرة إنشاء كلية غردون التذكارية، التي كانت النواة لجامعة الخرطوم. كانت مناهج اللغة العربية والتربية الإسلامية في تلك الكلية مناهج مصرية يدرسها مدرسون مصريون. ومنذ تلك اللحظة شق التعليم المصري طريقه في احتلال عقول السودانيين. وحتى في الوقت الذي كان فيه جيلنا في المرحلة الثانوية في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي، أي، بعد عشرة أعوام من الاستقلال، كان منهج اللغة العربية منهجًا مصريًا. فكتب النحو الواضح، والبلاغة الواضحة، والأدب، هي نفسها كتب المنهج المصري. وكانت الغالبية العظمى من النصوص الشعرية التي ندرسها لشعراء مصريين مثال: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، والبارودي، أو لشعراء عرب من لبنان والعراق. كما كانت كل دفعة في الصف الرابع الثانوي تدرس معلقة مختارةً من المعلقات السبع. إلى جانب ذلك كنا ندرس نماذج مستفيضة من شعر العصرين الأموي والعباسي. هذا، في حين لا ندرس من نصوص الشعر السوداني، على جودته، ومعاصريته، سوى القليل جدا. وكانت المكتبة المدرسية تعج بكتب الأدب المصري، مما كتبه لطفي المنفلوطي، وطه حسين، وعباس العقاد، وإبراهيم المازني، وأحمد حسن الزيات، وغيرهم. إلى جانب ذلك كانت هناك روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهم من كلاسيكيات الرواية المصرية، إلى جانب روايات تاريخ الإسلام لجورجي زيدان. بل، والأغرب من كل ذلك، أن مؤلفات الإخوان المسلمين المصريين كانت جزءًا من المقرر الدراسي السوداني. فقد كان كتاب "شبهات حول الإسلام" لمحمد قطب ضمن المقرر المدرسي. وهو أمر انتقده السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، الأستاذ، عبد الخالق محجوب في حينه.

أما في الثقافة العامة، فقد كان لليسار السوداني دورٌ كبير في ربط الموهوبين من الشباب السودانيين بأدب اليسار المصري. فأشعار صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل ومحمد عفيفي مطر، وغيرهم كان لها حضور كبير ضمن المقروء من الثقافة المصرية. ومع عدم انشغال النخب السياسية السودانية، عقب الاستقلال بموضوع الهوية السودانية وبموضوع الثقافة وضرورة تطوير الطباعة والنشر، فقد أصبح السودان فضاءً مفتوحًا للكتب والمجلات المصرية، مثال: "المصور"، و"آخر ساعة"، و"روز اليوسف"، و"صباح الخير".

إلى جانب كل هذا التغريب عن الذات والاستلحاق الذي عج به المنهج المدرسي السوداني، هناك ما تسمى البعثة التعليمية العربية. وهي أشبه بوزارةٍ موازيةٍ لوزارة التربية والتعليم السودانية. فلهذه المؤسسة الأجنبية العديد من المدارس التي تديرها في عدد من المدن السودانية الكبيرة. كما كانت هناك جامعة القاهرة فرع الخرطوم التي حولها نظام الإنقاذ في فترة عدائه مع مصر في بداية التسعينات من القرن الماضي إلى جامعة النيلين. وقد اشتهر الدكتور المصري الراحل، طلبة عويضة بتقديم آلاف البعثات السنوية للطلاب السودانيين للدراسة في مصر. باختصار، عملت مصر على مختلف الأصعدة التعليمية والإعلامية لاستلحاق السودان وفق خطة واضحة وممنهجة. وقد أنشأت مصر في عام 1949، أي قبل سبع سنين من استقلال السودان إذاعة سُمِّيت "ركن السودان من القاهرة"، وجرى تحويلها عقب توقيع ميثاق التكامل بين البلدين، في عهد الرئيس جعفر نميري، إلى مسمى "إذاعة ادي النيل".

في هذا المخطط الضخم للاستتباع والاستلحاق، جرى تغييب التاريخ السوداني الكوشي من المنهج المدرسي ليسهل جر السودانيين إلى تجذير هويتهم خارج تربة بلادهم. وهذا هو ما أسهم في تُكريس اعتقاد السودانيين إنهم جاءوا إلى السودان من مكان آخر، هو الجزيرة العربية في الماضي البعيد، ومن مصر في الماضي القريب. وغرض هذه الخطة أن يرى السودانيون أنفسهم مجرد امتدادٍ جغرافي وثقافي واجتماعي لمصر. وقد ساعدت المصريين على هذه الخطة أخطاء الأكاديميا الغربية التي جعلت من حضارة كوش السودانية مجرد صدىً باهتٍ لحضارة وادي النيل في مصر السفلى. ولذلك، فإن الملوك الكوشيين السودانيين الذين غزوا مصر وحكموها لقرنٍ تقريبًا، وتمددوا حتى بلغوا فلسطين، كما جرى ذكرهم في التوراة، لم يجر تصنيفهم كغزاة قادمين من كوش، وهو ما كان بالفعل، وإنما صُنِّفوا ضمن الأسر المصرية، ومُنحوا اسم "الأسرة الخامسة والعشرون". والآن، راجعت الأكاديميا الغربية هذا الاعتقاد الخاطئ بعد أن أثبتت الأدلة أن حضارة كوش حضارة مستقلة عن الحضارة المصرية. ومن يرد الاستزادة في هذا الباب فليراجع كتاب دورسيلا هيوستن الموسوم: Wonderful Ethiopians of the Ancient Cushite Empire. خلاصة القول ، إن الاحتلال المصري للعقل السوداني ظاهرةٌ ضخمةٌ ومتشعبةٌ قوية التأثير، عظيمة المخاطر . وهي لم تجد إلى الآن نظرًا نقديًا يوازي عظم خطرها . ومن أكبر علامات فداحتها رؤية السودانيين لكل ما هم فيه من استتباع ، أمرًا طبيعيًا لا تنعقد له الحواجب دهشة .

(يتواصل)
E.mail


نقلا عن سودانايل

elmhasi 28-03-2025 11:01 AM


على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية (7 – 20)


10 March, 2025

"لن يستطيع أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِكَ، ما لم تَكُنْ مُنحنياً"

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

لا أظن أن هناك استعمارًا تغلغل عبر مسارات عديدة ، وتمكن من الإمساك برقبة البلاد التي استعمرها ، كما فعل الاستعمار المصري الخديوي في السودان . ولأن الاستعمار المصري الخديوي وما تلته من أنظمة حكم مصرية واصلت نهج احتلال عقول السودانيين ، فقد بقيت الهيمنة المصرية على السودان راسخةً ، رغم خروج الجيوش المصرية من أرض السودان مرتين . كانت المرة الأولى بسبب الثورة المهدية واستعادة الخرطوم على أيدي المهدويين في عام 1885م . وكانت المرة الثانية حين طرد الإنجليز الجيش المصري من الخرطوم ، وانفردوا بحكم السودان ، عقب مقتل البريطاني ، السير لي ستاك ، سردار الجيش المصري وحاكم السودان ، في القاهرة ، في عام 1924م .

الري المصري

من أغرب نماذج الغفلات التي أدت إلى انتهاك السيادة الوطنية السودانية ، ما جرى في فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري للسودان (1898م – 1956م) ، من سماحٍ لمصر لكي تنشئ مؤسسةً ضخمةً داخل السودان لمراقبة مياهـ النيل . هذهـ المؤسسة تحتل مستعمرةً كاملةً خاصةً بها في منطقة الشجرة جنوب الخرطوم ، وشمالي خزان جبل أولياء . وخزان جبل أولياء نفسه هو خزان تميَّز عن كل الخزانات والسدود بأنه خزانٌ بنته دولةٌ أجنبيةٌ في عمق أراضي دولة أخرى . وقد ورثت معنا دولة جنوب السودان بسبب غفلتنا وتفريطنا في سيادتنا هذا التغلغل المصري المزعج طويل الأمد . فلمؤسسة الري المصري أيضًا وجودٌ في أراضي جنوب السودان ، بل ، ولها مكاتب هناك . ومن ضمن مكاتبها مكتبٌ في مدينة واو التي تبعد حوالي 300 كيلومترًا في اتجاهـ الغرب من مجرى النيل الرئيسي . والغرض من وجود هذهـ المحطة المصرية هناك هو مراقبة نهر الجور الذي ينحدر من مرتفعات إفريقيا الوسطى ويصب في مجرى النيل الأبيض .
أما أسوأ نماذج التفريط التي حدثت في فترة حكم الرئيس نميري ، الذي كان واقعًا بالكلية تحت السيطرة المصرية ، فهو سماحه بإنشاء قناة جونقلي التي يؤدي حفرها إلى تجفيف منطقة السدود الرطبة الشاسعة ، التي يعيش فيها رعاة الأبقار الجنوبيون . وغرض هذهـ القناة هو أن تزيد مصر إيراداتها من مياهـ النيل التي تحصل ، أصلاً ، على أكثر من نصفها . فكل دول حوض النيل الأحد عشر، ومن ضمنها السودان تحصل على أقل من النصف من إيرادات مياهـ النيل . جرى اتخاذ قرار إنشاء قناة جونقلي مع تجاهلٍ تامٍ للتأثيرات الإيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي سوف تلحقها القناة بالمواطنين الجنوبيين . وقد تنبه الثائر الراحل جون قرنق إلى خطر قناة جونقلي على القبائل الرعوية الجنوبية . فهاجمت قواته الحفَّار الذي جرى جلبه للعمل في حفر القناة ، فتوقف العمل فيها منذ ذلك التاريخ .
قال محمد الحسيني ، مدير تفتيش الري المصري في جوبا، عاصمة جنوب السودان ، في عام 2013م لوكالة الأناضول الإخبارية ، إن وجود بعثات الري المصرية ليست وليدة اليوم . وإن تاريخ إنشائها يعود إلى منتصف ثلاثينيات القرن الماضي ، بموجب اتفاقياتِ تقسيم حصص مياهـ النيل . وهي الاتفاقيات التي منحت مصر 55.5 مليار مترًا مكعبًا سنوياً من مياهـ النيل . ويقول : إن هذهـ الاتفاقيات إلى جانب منحها مصر 55.5 ، مليونًا م م من مياهـ النيل ، منحت مصر ، أيضًا ، الحق في متابعة منسوب تدفق مياهـ الأنهار من المنبع حتى المصب . وبناءً عليه أنشأت مصر بعثات الري المصري في أغلب مدن شمال وجنوب السودان . ومن المهم القول هنا إن هذهـ الاتفاقيات قد جرى إبرامها ودول حوض النيل تحت الاستعمار الأوروبي ، ما جعلها لا تملك سلطة قرارها . وقد ذكر مدير الري المصري في جنوب السودان أن قناة جونقلي ستوفر لمصر 6 مليارات مترًا مكعبًا سنويًا من المياهـ ، وستستفيد منها مصر التي تواجه خطر عدم كفاية المياهـ للسكان مستقبلاً ، حسب قوله . ولنلاحظ هنا : أن مصر تسعى لكي تؤمن حاجة سكانها المستقبلية للمياهـ ، ولا يهمها ما ستحدثه القناة في الحاضر على الرعاة من سكان جنوب السودان .
وفيما يخص السودان ، فإن الحق الذي منحته مصر لنفسها في متابعة منسوب النيل من داخل أراضيه ، بهذهـ الصورة المؤسسية اللصيقة ، جرى والسودان مستعمرة بريطانية مصرية . ويقول الإثيوبيون شيئًا مماثلا ، وهو أنهم لم يكونوا طرفًا في تلك الاتفاقيات التي قسمت مياهـ النيل ، ولم يُستشاروا فيها أصلا . فاتفاقية 1929م ، الي منحت فيها مصر لنفسها كل هذهـ المزايا ، جرت في وقتٍ كانت فيه سلطة القرار في السودان غائبةً بسبب الاستعمار . وبسبب الاحتلال المصري لعقول السودانيين فشلت النخب السودانية الحاكمة بعد أن حصل السودان على الاستقلال في تصحيح هذا الاعوجاج البيِّن . فقد أبقت اتفاقية 1959م على نصيب الأسد من مياهـ النيل لمصر، كما أبقت مؤسسة الري المصري داخل السودان لتمارس أنشطتها من داخل السودان ، وهي بمثابة وزارة ري مصرية ، بل وجهاز مخابرات علني ، ظل يعمل من داخل السودان لقرنٍ كاملٍ . ظلت مصر حريصةً على مراقبة ما يأخذهـ السودان من مياهـ النيل رغم أنها تعلم أن السودان لم يستخدم حصته المقررة له قط . بل كانت هناك 4 مليارات مكعبة من نصيب السودان تذهب لمصر كقرض ، وهو قرضٌ هالكٌ بطيبعة الحال .

السد العالي

قبل الحديث عمَّا أصاب السودان من أضرارَ بالغةٍ نتيجة لقيام السد العالي ، لابد من الحديث عن أن مصر في كل مرةٍ يتَقدَّم فيها السودان بمقترح لإقامة مشروعٍ لمصلحة اقتصادهـ ، داخل أراضيه ، تسارع من جانبها لتحصل في المقابل على شيء لنفسها . فحين فكر البريطانيون في إقامة خزان سنار لري مشروع الجزيرة للقطن ، اعترض عليه المصريون تلك الاعتراضات المضحكة المبكية ، التي سبق أن ذكرناها . لكن ، أيضًا ، انتهز المصريون الفرصة ليطالبوا بإنشاء خزان جبل الأولياء في وسط السودان ، جنوبي الخرطوم ، فحصلوا على الموافقة من البريطانيين الذين لم يكن الأمر يعينهم كثيرا . فهو خزانٌ مصريٌّ لتخزين المياهـ لمصلحة مصر داخل الأراضي السودانية . بل ، يقع على بُعد أكثر من ألف كيلومتر من حدود مصر مع السودان .
أيضًا حين فكر السودانيون في إنشاء خزان الروصيرص على النيل الأزرق لإنتاج الكهرباء ، طلب المصريون موافقة السودان على إنشاء السد العالي ، الذي سوف يكون جزءٌ مقدَّرٌ من بحيرته داخل الأراضي السودانية ، وسوف تغمر مياهـ بحيرته أكثر من 5 آلاف كيلومترًا مربعًا داخل السودان . ويمثل الجزء الواقع من تلك البحيرة داخل الأراضي السودانية ما يقدر بـ 15% من مساحتها الكلية . وقد أدَّت تلك البحيرة إلى تهجير ما يصل إلى 70,000 ، من مواطني تلك المنطقة الذين عاشوا فيها لآلاف السنين . يُضاف إلى ذلك ، غمرت البحيرة كل المزارع على ضفتي النيل ، بالإضافة إلى إغراقها الآثار التاريخية المدفونة في الأرض في تلك المنطقة الغنية بالآثار الكوشية ـ التي لم تجر الحفريات لاستكشافها بعد .
إن أسوأ ما قام به نظام الفريق عبود في فترة حكمه (1958م - 1964م) ، لهو موافقته على نتائج المفاوضات التي جرت قبل توليه الحكم عبر الانقلاب العسكري في عام 1958م . يقول سلمان محمد أحمد سلمان ، إن جولة التفاوض الثالثة بين مصر والسودان حول مياهـ النيل بدأت في القاهرة في 4 أبريل عام 1955م ، وقد قاد فيها وفد السودان وزير الري وقتها السيد ، خضر حمد . ورغم أنه لم يتم التوصل لاتفاقٍ نهائيٍّ في تلك الجولة ، إلا أن الوفد السوداني وافق في 7 أبريل 1955م على قيام السد العالي ، على "أن يُعوَّضَ سكانُ وادي حلفا التعويض الكافي قبل إقامة السد العالي." وقد تم تسجيل هذهـ الموافقة في تصريح الوفد السوداني بعد نهاية تلك الجولة من التفاوض ، الأمر الذي جعل تلك الموافقة مُلزِمةً للسودان ، فجرى تأطيرها في اتفاقية مياهـ النيل في 8 نوفمبر عام 1959م . (راجع : سلمان محمد أحمد سلمان ، السودان ومياهـ النيل ، فيرفاكس فيرجينا : مركز أبحاث السودان ، (2016م) ، ص ص 109 - 112). (وراجع أيضًا : خضر حمد ، مذكرات خضر حمد ، الشارقة : مطبعة الشرق والغرب ، (1980م)، ص ص 206 - 212).
لقد تعاطف نظام الفريق عبود مع حكومة جمال عبدالناصر في مشروع السد العالي منساقًا وراء الهالة التي صنعها جمال عبدالناصر لنفسه كقائدٍ لكل العرب . وكذلك ، للهالة التي صنعتها مصر لنفسها بوصفها زعيمةً للدول العربية ، وينبغي أن يُضحِّى الكلُّ من أجلها ، لأنها رأس سهم مقاومة المشروع الصهيوني ، والمدافعة عن العرب ضد غوائل الاستعمار والامبريالية . تعاطف الفريق عبود وزمرته مع مصر ، في حين لم يُبدوا أي تعاطفٍ مع مئات الآلاف من مواطنيهم من سكان منطقة حلفا القديمة ، الذين غمرت بحيرة السد العالي مدنهم وعلى رأسها مدينة حلفا العامرة ، وقراهم ، وزراعتهم . ولتغرق ، أيضًا ، وإلى الأبد آثارَ كوشيَّةً مدفونةً في مساحةٍ شاسعةٍ جدًا ، لا تقدر قيمتها التاريخة بثمن ، يصبح البحث عنها مرة أخرى غير ممكن .
تقول الإحصاءات إن ما يقارب مليونًا من أشجار النخيل في السودان غمرتها مياهـ البحيرة . كما جرى ترحيل الأهالي القاطنين على ضفاف النيل على مسافة طولها 150 كيلومترًا ، رغم أنفهم ، إلى سهل البطانة في وسط السودان . وقد تكفَّلت مصر في اتفاقية السد العالي بتقديم تعويضاتٍ للسودان نظير ما فقدهـ ، ونظير ترحيل وإعادة إسكان المهجَّرين من أهالي منطقة حلفا في سهل البطانة . وقد حدث الاتفاق على المبلغ بعد مفاوضاتٍ عسيرة ، تعنَّت فيها المصريون تعنتًا شديدًا ، وكأنَّ السودان هو الذي أتي ليبني سدًّا في مصر ليغرق به أراضيهم ، وليسوا هم الذين يريدون بناء سدِّ سوف يغرق أراضي السودان ، ويكبد أهله خسائر فادحة . والغريب ، حين اختلف وفد السودان ووفد مصر حول مقدار مبلغ التعويض الذي ينبغي أن تدفعه مصر للسودان ، وافق الوفد السوداني ، بناء على مُقترحٍ من الوفد المصري ، أن يكون الرئيس المصري جمال عبدالناصر هو الجهة التي يحتكم إليها الوفدان ! ولقد أظهر الوفد السوداني بقبوله تولِّى الرئيس المصري جمال عبدالناصر مهمة التحكيم بين البلدين ، غفلةً وسذاجةً لافتة . تعامل الوفد السوداني مع الخلاف وكأنَّ الرئيس جمال عبدالناصر جهةٌ محايدةٌ ، وليس جهةً صاحبة مصلحة . بعبارة أخرى ، جرى وضع جمال عبدالناصر في موضع الأب الذي يحتكم إليه ولداهـ المتخاصمان . وهذهـ واحدةٌ من تجلِّيات حالة الاحتلال المصري لعقول السودانيين . لقد طالب الوفد السوداني بـ 35 مليونًا من الجنيهات المصرية نظير الخسائر، في حين ، أقترح الوفد المصري 10 ملايين جنيهًا مصريًا ، فقط ! وكما هو واضحٌ ، فإن الفرق بين المقترحين 25 مليونًا ، وهو فارقٌ بالغ الضخامة . فأتي الرئيس جمال عبدالناصر الذي افترض فيه الوفد السوداني ، لفرط غفلته وسذاجته ، الحياد ، ليقترح من جانبه ، رغم الفارق الكبير جدًا بين المقترحين السوداني والمصري ، بأن يكون مبلغ التعويض 15 مليونًا ! ورغم الفارق الضخم بين المقترحين ، وافق الوفد السوداني على ما اقترحه الرئيس جمال عبدالناصر!
المال الذي وافقت مصر على دفعه كان ينبغي أن يعوِّض السودان بمقدار ما فقد من أراضي شاسعةٍ غمرتها مياهـ بحيرة السد . وكذلك ، بمقدار ما فقد من مدن وقرى وسهل فيضي على ضفتي النيل بطول 300 كيلومترًا (150 كيلو مترًا على كل ضفة). يضاف إلى ذلك ، فقدان حقول ممتدة على الضفتين لزراعة الحبوب والخضر والفواكه ، وما يقارب المليون نخلةً مثمرةً ، جميعها غمرتها المياهـ . يضاف إلى ذلك ، كان ينبغي أن تغطي التعويضات المصرية كلفة ترحيل قرابة 70 ألفًا من مواطني منطقة حلفا لمسافة 500 كيلو متر في عمق البلاد . مع بناء مساكن لهم وبناء كل المؤسسات الخدمية من صحية وتعليمية من الصفر . إلى جانب ذلك ، كان ينبغي أن يغطي مبلغ التعويضات كلفة إنشاء خزان خشم القربة لتخرج منه ترعة تروي مشروعًا زراعيًا ليعيش عليه هؤلاء المهجَّرون . وعند نهايات التنفيذ اتضح أن مبلغ التعويض المصري أقل بكثير من نصف الكلفة ، الأمر الذي أضطر الحكومة السودانية أن تقوم بإكمال النقص من خزينتها . فإلى جانب الأنانية التي أبدتها الحكومة المصرية ، وهي تتعنت في التفاوض في مقدار التعويضات ، رغم أنها هي المنتفع الوحيد من مشروع السد العالي ، وأن السودان هو المتضرر منه ، كان هناك عامل أكثر أهمية في أن يحيق الظلم بالسودان . يتمثل ذلك العامل في ضعف المفاوض السوداني وغفلته وسذاجته ، التي جعلته يفرط كل هذا التفريط ، بل ولا يطالب ولو بنصيبٍ من الكهرباء التي سوف ينتجها السد ، العالي . وقد كانت المديرية الشمالية في السودان ، في ذلك الوقت ، مظلمةً من أولها إلى آخرها ، ولم يكن بها آنذاك سوى مولداتٍ صغيرةٍ تنير أجزاءَ محدودةً من بعض مدنها .

تدمير وإغراق الآثار السودانية

البلايا التي جلبها الغزو الخديوي للسودان لا حد لها ، بل ، هي بلايا تتناسل وتتطاول ، لأنها ارتكزت على الاحتلال المصري لعقول السودانيين الذي جرى كما ذكرنا بالتعليم والإعلام ودعوى القومية العربية والمصير المشترك وخطاب المؤسسة الدينية الرسمية ذات الطابع الأزهري . بكل هذا جرى تجريف وعي السودانيين بذاتهم ، وجرى إلباسهم خوذةً هوياتيةً زائفةً جعلتهم ريشةً في مهب الريح ، ومطيةً ذلولاً للعقل العروبي الجمعي المُتَخَيَّل ، العابر للأقطار ، الذي جعلت القومية العربية الكثيرين من المستعربين في الشمال الأفريقي والقرن الأفريقي والشرق الأوسط ، في الحقبة الناصرية ، يتوهمون وجودهـ ويؤمنون به كحقيقةٍ راسخة .
أيضًا ، من بين البلايا الكبيرة التي جلبها الغزو الخديوي في طياته إلى السودان ، مجيء الطبيب الإيطالي جوسيبي فيرليني ، الذي كان يعمل طبيبًا في مصر في عهد محمد علي باشا ، ضمن حملة الغزو الخديوية . قام هذا الطبيب في عام 1834م ، مستغلاً علاقاته الشخصيه مع مسؤولين خديويين في السودان ، بتنظيم رحلة استكشافية مع شريكه الألباني ستيفاني إلى مدافن مَرَوِي التاريخية التي بها بقايا آثار الممالك الكوشية التي تضم 255 هرًما . قام هذا الطبيب ، لص الآثار، بتفجير رؤؤس بعضها بالديناميت وسرق كنوزها . أما بحيرة السد العالي فقد أغرقت من الآثار الكوشية السودانية ما لا يقدر بثمن ، كما سبق أن قلنا . لم يُبدِ المفاوضون السودانيون اهتمامًا كبيرًا بمصير تلك الآثار ، لأن التعليم المصري قد نجح في قطع العلاقة بينهم وبين التاريخ الكوشي ، وهو ، في تقديري ، ما جعلهم يعتقدون أن هذهـ الآثار لا تخصهم وإنما هي آثارٌ فرعونيةٌ ؛ أي مصرية !! وقد جرى بالفعل استنقاذ قدرٍ ضئيلٍ من تلك الآثار بواسطة منظمة اليونسكو ، قبل أن تغمرها المياهـ ، وجرى نقلها إلى متحف السودان القومي ، الذي لا يحوي ، نتيجة لغفلة نخبنا السياسية وضعف ثقافتهم ، من الآثار الكوشية سوى نذرٍ يسير.

(يتواصل)
E.mail

elmhasi 29-03-2025 08:34 AM


على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية (8 – 20)


11 March, 2025

"لن يستطيعَ أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تَكنْ مُنحنياً"
مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

مصر وثورة ديسمبر 2018م

منذ أن فشلت خطة حكومة صدقي باشا ، ومن بعدهـ الرئيس جمال عبدالناصر في جعل الأحزاب الاتحادية السودانية وكيلاً لخدمة مصالح مصر في السودان ، بسبب ثبوت ضعف قدراتها على أداء تلك المهمة ، على الرغم من الولاء الشديد الذي ظلت تبديه لمصر، اتجهت الأنظمة المصرية إلى خطةٍ أخرى . تمثَّلت تلك الخطة في عرقلة الديمقراطية في السودان عن طريق صنع الانقلابات العسكرية ، أو الإسراع في دعم التي لم تشارك في صنعها ، والتسويق لقبولها في البلدان العربية . ظلت الأنظمة المصرية المتعاقبة حريصةً على الدوام على أن تكون الأنظمة في السودان أنظمةً عسكرية . لذلك ، كان أفضل الخيارات للأنظمة المصرية المتعاقبة أن يحكم السودان جنرالٌ بيدٍ من حديد ، ويكون في نفس الوقت معتمدًا عليها في الدعم السياسي والدبلوماسي ليصبح ، من ثم ، خاضعًا لإرادتها . وقد ظلت الأنظمة المصرية المتعاقبة تمارس في هذا المنحى مختلف صنوف الابتزاز للجنرالات الذين تعاقبوا على حكم البلاد . حدث هذا مع الفريق إبراهيم عبود ، الذي أعانها في ترحيل أهالي حلفا وإغراق الأراضي السودانية ، بكل ما حوت من مقدرَّات ، لتتمكن مصر من إنشاء السد العالي . كما حدث مع الرئيس جعفر نميري الذي بدأ قوميًا عربيًّا وانتهى بإعلان نفسه خليفة للمسلمين في السودان في عام 1983م . واستمر أيضًا نهج الهيمنة والتحكم من على بعد في فترة حكم الرئيس عمر البشير الذي بدأ عدوًا لمصر حين كان هو والدكتور حسن الترابي في مركب واحد . لكن ما لبث أن أبعد البشير الترابي عن السلطة في نهاية التسعينات من القرن الماضى وسار كسابقيه في طريق الخنوع للإرادة المصرية .
نزعة الترابي في تصدير الثورة إلى العالم الإسلامي ، وأحلامه الشاطحة بخلق قوة إسلامية مناطحة للغرب ، ورطت نظامه في أخطاء فادحة . هذهـ الأخطاء الفادحة إلى جانب استخفافه بالرئيس عمر البشير ومحاولة جعله مجرد دمية تجلس في الواجهة ، باعدت بين الرجلين . الأمر الذي قاد إلى ما سُمي "المفاصلة" التي جرت في نهاية التسعينات من القرن الماضي . هذهـ الأخطاء وهذا التباعد بين الحليفين صب ، في المحصلة النهائية ، في مصلحة النظام المصري . من هذهـ الأخطاء الفادحة التي صبت في صالح مصر ، محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في عام 1995م ، التي ثبت أن نظام البشير في السودان هو الذي دبرها . كما سبقت ذلك استضافة النظام السوداني للإرهابي أسامة بن لادن وأيضًا مشاركة النظام في تفجير السفارتين الأمريكيتين في شرق أفريقيا، وفي حادثة المدمرة كول على سواحل اليمن . كل هذهـ الأفعال التي أغضبت العالم وأزعجت الإقليم، منحت مصر فرصةً ذهبيةً لتنخرط في ترويض نظام الإسلامويين في السودان ، عن طريق الضغوط . أصبحت مصر، داعمةً بالصوت العالي للعقوبات على السودان . وقد كسبت مصر من ذلك على صعيدين . الصعيد الأول: ترويض نظام الرئيس عمر البشير ووضعه تحت قبضتها . أما على الصعيد الآخر، تكبيل السودان من أن يصبح قوة اقتصادية لها قدرات صناعية ، لأن تحول السودان إلى دولة تصنع منتجاتها يحرمها من واحد من أهم أهدافها وهو أن يبقى السودان مجرد مصدر تأخذ منه المواد الخام لتُصَنِّعَها هي وتصدرها نيابة عنه . وسنعرض إلى ذلك بتفصيل أكبر، في حلقةٍ قادمة . خلاصة القول ، عبر تشديد العقوبات على نظامه وتزايد ضغوط العزلة عليه ، أدرك الرئيس المخلوع عمر البشير أن مصر هي من يسمع منها المجتمعان ؛ الدولي والإقليمي ، فيما يتعلق بشؤون السودان . فانتقل من حالة العداء الأولى ونهج المصادمة ومحاولة الاستقلال بالقرار السياسي إلى حالة من الرضوخ والاستسلام التام .

مصر والفريق البرهان

أما السيطرة المصرية على مجريات الأمور في السودان، عبر حاكمٍ عسكريٍّ سوداني ، التي ظهرت في فترة صعود الفريق عبدالفتاح البرهان إلى دست الحكم في السودان منذ 2019م ، فقد فاق كل ما حدث في السابق . فمنذ صعود البرهان إلى الحكم ، كرئيسٍ لمجلس السيادة للفترة الانتقالية ، وفقًا للوثيقة الدستورية ، قام بإلقاء نفسه بالكلية في الحضن المصري . ويبدو أن البرهان قد عرف بالتجربة الطويلة ، ومن كونه ضابطًا قياديًّا ضمن منظومة حكم الرئيس البشير، أن مصر تريد ، على الدوام ، حاكمًا عسكريًا للسودان وأنها لا تترد قط في دعمه . بعبارة أخرى ، وقوع من يحكم السودان تحت سيطرتها يضمن له أطول مدةٍ للبقاء في السلطة . هنا ، تطابقت رغبة مصر مع رغبة الفريق البرهان في تحقيق رؤيا أبيه بأنه سيكون حاكمًا على السودان . وهي رؤيا لم يجد الفريق البرهان بأسًا في أن يحكيها للناس في أول مقابلةٍ متلفزةٍ له مع قناةٍ فضائيةٍ دوليةٍ ، بعد توليه رئاسة مجلس السيادة . أيضًا ، عرف البرهان أن وجود الإسلاميين في صفه في اللحظة الراهنة ، على أهميته بالنسبة له ، سوف يقف ، في لحظةٍ قادمةٍ ما ، حائلاً بينه وبين تحقيق حلمه بالانفراد بالسلطة . وهو يعرف أصلاً أن مصر ستقبل مرحليًا دعم الإسلامويين له حتى تجتاز سيطرته على الأمور مرحلة الخطر ، لكنها ستدفعه لاحقًا للتخلص منهم . كل هذهـ العوامل جعلت الفريق البرهان يختار إسناد ظهرهـ بالكامل إلى مصر . باختصار شديد ، وجد الفريق البرهان في مصر ضالته ، ووجدت مصر فيه ضالتها . ومن هنا ، بدأ تعاون مصر والبرهان للقضاء على الثورة السودانية ، عبر مختلف التكتيكات .

تزايد التعاون الاستخباراتي

منذ أن اعتلى الفريق البرهان رئاسة مجلس السيادة ، تكثفت زيارات اللواء عباس كامل ، مدير المخابرات المصرية ، المعلنة وغير المعلنة ، إلى السودان . كما تكررت زيارات الفريق عبدالفتاح البرهان ، المعلنة وغير المعلنة ، ومعه فريق مخابراته إلى القاهرة . لم يكن يمضي شهر أو شهران ، إلا وكان عباس كامل وفريقه الاستخباراتي في الخرطوم . لقد كان التنسيق بين المخابرات المصرية والفريق البرهان وأجهزته الأمنية من أجل إجهاض الثورة ، واضحًا وضوح الشمس . وقد كانت هناك محطاتٌ بارزةٌ عكست ذلك التنسيق . ومن أغرب الأمور التي حدثت بعد الثورة ، لجوء مدير جهاز المخابرات السودانية في فترة حكم البشير، صلاح قوش ، إلى مصر . فرئيس جهاز المخابرات هو حامل أسرار الدولة ، ولا ينبغي أن يصبح عقب تركه منصبه ضيفًا على دولة أخرى ، بل ، وبصفة لاجئ . خاصةً في حالة العلاقة بين مصر والسودان التي تحكمها الأطماع وتديرها مصر على أساسٍ أمني واستخباراتي بحت .
هذا التهاون الأمني السوداني الذي خلقه نظام الفريق البشير، حدث في سابقةٍ أخرى ، لا تقل غرابة . فمدير مكاتب الرئيس المخلوع عمر البشير ، طه عثمان الحسين ، الذي قام البشير بطردهـ من منصبه ، التقطته المملكة العربية السعودية عقب طردهـ مباشرةً وعينته مستشارًا لديها للشؤون الإفريقية . أيضًا، لجأ إلى مصر واحدٌ من أكبر رموز نظام البشير وهو والي البحر الأحمر السابق ، محمد طاهر آيلا . أقام آيلا في مصر لمدة ثلاث سنوات عقب قيام الثورة وعاد بعد انقلاب البرهان في أكتوبر 2021م ، ليجري استقباله في بورتسودان بصورةٍ رسمية ، رغم أنه كان من المطلوبين للعدالة الذين هربوا في بدايات الثورة . وقد وصل آيلا إلى بورتسودان في وقت اكتملت فيها حلقات مؤامرة خنق حكومة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك ، خاصة عقب إغلاق الميناء والطريق البري الرابط بين الميناء وبقية البلاد . لذلك ، كان واضحًا لمن يتابعون تصاعد تضييق الخناق على الثورة ، آنذاك ، أن مطبخًا للتآمر على الثورة السودانية ظل يقوم بمهمته من القاهرة ، بالتنسيق مع الفرق البرهان وقوى الثورة المضادة في الداخل السوداني .

مصر ومجزرة فض الاعتصام

كان أول تحدي للبرهان ولمصر، الاعتصام الضخم الذي أقامه الثوار على مدى أربعة أشهر أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم . ورغم تصريحات القادة العسكريين بأن الاعتصام لن يجري فضه ، شرعت القوى الأمنية في شيطنة الاعتصام بإدخال المخدرات والمتعاطين إليه عبر عناصرها . كما أدخلت فتياتٍ وشبانٍ مكلفين بالقيام بأفعالٍ مخلة بالآداب وتصويرها ونشرها لتستخدمها غرف الثورة المضادة الإلكترونية في تشويه صور الاعتصام والمعتصمين أمام الرأي العام . وبعد واحدةٍ من زيارات البرهان إلى القاهرة وعودته إلى الخرطوم حدثت مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019م . وقد كانت استنساخًا لتجربة مجزرة فض اعتصام رابعة العدوية في القاهرة بواسطة قوات الأمن المصرية .
لم يقض فض الاعتصام على جذوة الثورة كما كان منتظرًا منه . وظهرت الثورة أكثر قوةً وزَخْمًا في التظاهرات التي ملأت شوارع الخرطوم ، في 30 يونيو 2019م . أحنى البرهان وعسكريوهـ رؤوسهم ، مؤقتًا ، لتلك العاصفة . وتوصل الحوار بين قوى الحرية والتغيير إلى إنتاج الوثيقة الدستورية التي بموجبها تشكل مجلس السيادة وتشكلت الحكومة الانتقالية التي ترأسها الدكتور عبدالله حمدوك . لكن التكتيكات للقضاء على الثورة ، لم تتوقف قط . فقد تضافرت جهود الفريق البرهان ، والعسكريين في مجلس السيادة ، وحزب الرئيس البشير المحلول ، المؤتمر الوطني ، الذي ظل رغم حله ممسكًا بكل مفاصل الحكم ، في وضع العراقيل أمام حكومة حمدوك . وكان الهدف من ذلك ، أن يفقد الشعب الثقة في كفاءتها ، ويتهيأ الرأي العام من ثم للإطاحة بها .

تجفيف السوق وخلق الضوائق

كان أول ما بدأ به الفريق البرهان وقوى النظام القديم في هذا المخطط ، هو تجفيف السوق من السلع الضرورية . فشرعوا في خلق الاختناقات في الوقود ؛ من بنزين وجازولين وغاز طهي . كما خلقوا ، أيضًا ، أزمةً في دقيق الخبز ، بل وفي إمدادت الكهرباء والمياهـ . إلى جانب ذلك ، أشعلت الأجهزة الأمنية اضطراباتٍ عرقيةً داميةً في عددٍ من مدن السودان . كما عمدوا إلى خلق سيولةٍ أمنيةٍ غير مسبوقةٍ في العاصمة . وأصبحت ما تسمى عصابات "النيقرز" التي يشرف عليها جهاز الأمن ، تنهب الناس في الشوارع ، في وضح النهار ، تحت التهديد بالسواطير والمُدَي ، مع تقاعسٍ مُتَعَمَّدٍ من قِبَل قوات الشرطة عن التدخل . ثم أعقبوا ذلك بإغلاق الميناء والطريق البري الرابط بين ميناء بوتسودان وبقية مدن البلاد ، كما سبق أن ذكرنا . وتولى تلك المهمة الزعيم القبلي في شرق السودان ، محمد الأمين تِرِك مستخدمًا أفراد قبيلته . والرجل أصلاً عضوٌ في المؤتمر الوطني ، حزب الرئيس المخلوع عمر البشير الذي حكم البلاد لعقود . حدث هذا الإغلاق في سبتمبر 2021م واستمر لمدة شهر تقريبا . وبعد أن اكتمل الخنق وتأزمت الأوضاع المعيشية وجرى إظهار حكومة حمدوك بمظهر العاجز عن الحكم ، وإظهار ضعفها عبر حملات إعلاميةٍ ضخمةٍ لبلبلة الرأي العام ، نفَّذ الفريق البرهان انقلابه على الوثيقة الدستورية ، وأطاح بحكومة عبدالله حمدوك في 25 أكتوبر 2021م . حدث ذلك ، أثناء فترة إغلاق محمد الأمين تِرِك للميناء وللطريق البري . وقد تغاضى الفريق البرهان وعسكريوهـ عن ذلك التعدي الخطِر الذي تمثل في إغلاق الميناء وقطع الطريق البري ، فلم يقوموا بأي تدخل رغم خطر تلك التعديات الخطِرة على اقتصاد البلاد ومعاش الناس . وبالفعل ، أحدث إغلاق الميناء والطريق البري أزمةً في دقيق القمح وفي نقل البضائع بين الميناء وبقية البلاد ، كما ضاعف أسعار السلع ، بصورةٍ كبيرةٍ جدا .

ميناء العين السخنة بدلا عن بورتسودان

منذ نوفمير 2020م أخذت المشاكل المفتعلة تحيط بميناء بورتسودان . وقد كان من الممكن حل تلك الإشكالات لولا أن تلك الإشكالات قد تُركت لتتفاقم عمدًا ويجرى ، من ثم ، توظيفها سياسيًا . أحدثت مشاكل الميناء تذمرًا كبيرًا في أوساط المصدِّرين *والمورِّدين* . وبدأت تظهر أقتراحات بالتحول إلى ميناء مصوع على البحر الأحمر في دولة إريتريا . وهو ميناء يبعد حوالي 500 كيلو متر من وسط السودان . وقيل في تبرير التحول إليه أنه ميناء تعمل به 9 رافعات حديثة ، في حين أن ميناء بورتسودان تعمل به 6 رافعات وهي رافعات كثيرة الأعطال . في نفس تلك الفترة ، أعلنت جمهورية مصر العربية أنها قد رحبت بطلباتٍ تلقتها من شركات سودانية لفتح الموانئ المصرية لعمليات الإستيراد وتصدير المنتجات السودانية . (راجع صحيفة "الراكوبة" الإلكترونية على الرابط:1). ومن الغريب ، أن تتلقى مصر الطلبات من الشركات السودانية لاستخدام ميناء العين السخنة الذي يبعد من الخرطوم في وسط السودان أكثر من 1600 كيلومترا ، ومن مدينة نيالا في دارفور أكثر من 2500 كيلومترًا . ولا يكون الاختيار لميناء مصوع الذي يبعد 500 كيلو متر من مدينة القضارف في شرق السودان ، وحوالي 1700 كيلومترا من نيالا في دارفور. كما أوردت صحيفة "العربي الجديد" ، أن وزارة المالية المصرية قالت إنه تم التوافق مع الجانب السوداني على الإجراءات اللوجستية اللازمة لاستخدام الموانئ المصرية ، خاصة ميناءي العين السخنة والسويس ، في تصدير المنتجات السودانية واستيراد احتياجات السودان من العالم . (راجع: صحيفة "العربي الجديد"، على الرابط:2).
الشاهد ، عندما قام الزعيم القبلي محمد الأمين ترك بإغلاق الميناء والطريق البري الرابط بين الميناء وبقية البلاد في سبتمبر 2021م ، تحولت حركة الصادر والوارد إلى ميناء العين السخنة والسويس في مصر. وهو أمر صب في مصلحة مصر التي أصبحت المنفذ البحري الوحيد لحركة الصادر والوارد السودانية . قاد هذا التحول إلى زيادة تكاليف الشحن والنقل ، وأدى ، في نهاية الأمر، إلى ارتفاع السلع في السودان . فازداد بذلك الضغط على المواطنين الذين كانوا يعانون أصلاً من الضغود المفتعلة التي ظل الفريق البرهان وقوى النظام القديم يخلقونها لخدمة أهدافهم السياسية المتمثلة في القضاء على الثورة . حين اكتملت دائرة الضغوط على المواطنين على هذا النحو ووصل الخنق المتعمد للمواطنين ذروته ، نفَّذ الفريق البرهان انقلابه في 25 أكتوبر2021م على الوثيقة الدستورية ليطيح بحكومة عبدالله حمدوك ولتتداعي الأمور، في نهاية تفاعلاتها ، إلى هذهـ الحرب البشعة المدمرة التي تجري حاليًا .

(يتواصل)
E.mail

elmhasi 02-04-2025 02:54 PM


على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية (9 – 20)

12 March, 2025

"لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تَكُنْ مُنحنياً"

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد
خلق الحاضنة الشعبية الضرار

الجهود العديدة التي جرى بذلها في محاولات القضاء على ثورة ديسمبر، صاحبها جهدٌ آخر، وهو خلق حاضنةٍ شعبيةٍ ضرارٍ، ليقول عسكريو مجلس السيادة ، وقوى النظام القديم، ومن ورائهم جميعًا النظام المصري ، إن هناك قوىً مدنيةً أخرى داعمة للثورة . وأن قوى الحرية والتغيير، المجلس المركزي التي كان يُشار إليها اختصارًا عند بداية الثورة بـ (قحت) لا تمثل الشعب السوداني وأنها ليست هي الجسم الوحيد الممثل للثورة . لحظة إنشاء هذهـ الحاضنة الشعبية الضرار، منحها البرهان وعسكرهـ مبنى قاعة الصداقة في الخرطوم ليعقدوا فيها لقاءهم وليقيموا فيها المؤتمر الصحفي الذي أعلنوا فيه ولادتها . وكان من اللافت جدًا في مهرجان إعلان هذهـ الحاضنة الضرار، حضور السفير المصري في الخرطوم تلك الجلسة . هذهـ الحاضنة المزيفة هي نفسها التي ، كما سبق أن ذكرنا ، دبَّر لها عسكر المجلس السيادي فرصة الاعتصام أمام القصر الجمهوري وقدم لها كل التسهيلات . وفي الوقت الذي كانت فيه قوى الأمن تقمع مسيرات المتظاهرين من شباب الثورة بعنفٍ مفرطٍ، وتمنعهم من الوصول إلى القصر الجمهوري ، تركت هؤلاء يقيمون اعتصامهم لمدة أسبوع ، أمام القصر الجمهوري ، تحت حماية قوى الأمن .
في نهاية اعتصامهم أمام القصر الجمهوري طالب هؤلاء النفر الفريق البرهان بالانقلاب على حكومة الدكتور عبدالله حمدوك التي قامت على أساس الوثيقة الدستورية التي شهد عليها المجتمعان الإقليمي والدولي . وكما ذكرنا فقد كان ذلك الاعتصام متزامنًا مع إغلاق الزعيم القبلي محمد الأمين تِرِك ميناء بورتسودان والطريق البري الرابط بينه وبين بقية البلاد . ولم تمر أيام بعد مناداة تلك الحاضنة الضرار بالانقلاب ، حتى نفذ الفريق البرهان الانقلاب على حكومة حمدوك ، في 25 أكتوبر 2021م ، وأودع رئيس الوزراء عبدالله حمدوك الحبس المنزلي وأودع قيادات الحرية والتغيير (المجلس المركزي) ، السجن . وقد كانت مطالبة تلك الحاضنة الضرار للفريق البرهان للقيام بالإنقلاب ، مسرحية أعدها أصلاً عسكر المجلس . وكانت استنساخًا ، بصيغة أخرى ، لما فعله السيسي مع حكومة مرسي حين قال للشعب المصري : أخرجوا إلى الشوارع وأمنحوني تفويضًا . وبالفعل خرج قطاعٌ من الشعب المصري المنقسم على نفسه بشدة ، آنذاك، ومنحه التفويض ، فأطاح بحكومة الرئيس محمد مرسي المنتخبة وأودعه السجن، إلى أن مات فيه . ثم ما لبث أن بطش بالإخوان المسلمين بطشًا لم يحدث لهم ، ولا في فترة حكم الرئيس جمال عبدالناصر .
انفرد البرهان بالسلطة بانقلابه على الشرعية ، لكنه فشل في تشكيل حكومة . فقام بإطلاق سراح الدكتور عبدالله حمدوك الذي رجع ليترأس الوزراة لفترة قصيرة جدًا ، ما لبث بعدها أن استقال . قال حمدوك في أول ظهورٍ له عقب إخراجه من الحبس المنزلي ، أنه قَبِل العودة بغرض حقن الدماء . وقد قام بالفعل بإبعاد اثنين من قادة الشرطة ، هما عز الدين الشيخ وخالد مهدي بسبب تقاعسهما في إلقاء القبض على الذين يمارسون قنص المتظاهرين بالبنادق في الشوارع . لكن رغم ذلك ، استمر قنص المتظاهرين ، فلم يجد حمدوك في نهاية الأمر بدًّا من أن يستقيل . وهكذا طُويت صفحة الفترة الانتقالية التي نصت عليها الوثيقة الدستورية .
لابد من الإشارة هنا إلى أن عسكر مجلس السيادة قد كانوا يسابقون بمؤامراتهم الزمن وهم يتآمرون على نسف الفترة الانتقالية . فالوثيقة الدستورية قسمت الفترة الانتقالية إلى قسمين : قسم يرأس فيه العسكريون مجلس السيادة . وقد أصر العسكر على رئاسة مجلس السيادة في هذا القسم الأول . وأثبتت التجربة أنهم أصروا على أن يترأسوا مجلس السيادة في القسم الأول من الفترة الانتقالية ، لكي يتمكنوا من هلهلة حكومة عبدالله حمدوك وإضعافها وعزلها عن جمهورها ، ومن ثم ، الانقلاب عليها ، قبل أن ياتي موعد رئاية المدنيين لمجلس السيادة . أيضًا، كانت لجنة تفكيك التمكين قد وقفت على فساد الإسلامويين في فترة حكمهم ، وقد أوشكت على فتح ملفات بالغة الحساسية . لذلك ، كان لابد من الانقلاب قبل كشف تلك الملفات . وكما جرى بذل جهدٍ كبيرٍ في إضعاف حكومة حمدوك وخلق العراقيل لها وإظهارها بمظهر قلة الكفاءة والفعالية ، كذلك جرت حملاتٌ إعلاميةٌ ضخمةٌ لشيطنة لجنة إزالة التمكين واسترداد المال العام ، بل واتهامها بتهمٍ ملفقةٍ بممارسة الفساد . وما أن قام البرهان بانقلابه ، انخرط مباشرةً في أعادة من جرى إبعادهم من رموز النظام القديم إلى مناصبهم ، من جديد . كما أعاد الأموال التي حجزت عليها لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة المنهوبة ، إلى المؤسسات والمنظمات والأفراد التابعين لنظام الرئيس عمر البشير.

مصر ترعى الحاضنة الضرار

اجتهدت مصر كثيرًا في دعم هذهـ الحاضنة الشعبية الزائفة لتشق قوى الثورة وتسيطر من خلالها على مجريات الأمور في السودان ، لكي تصب ، في النهاية ، في خدمة مصالحها . فمصر كما سبق أن ذكرنا ، تريد أن يكون السودان مجرد مستودعٍ للمواد الخام لتأخذها منه بأبخس الأسعار بل ، وبلا مقابلٍ أحيانًا كما سنرى لاحقًا ، لتقوم هي بالتصنيع وإضفاء القيمة المضافة ، ومن ثم تصديرها إلى الخارج بإسمها هي وحصد عائدات ما ينتجه السودان لنفسها . من أجل ذلك ، تريد مصر جنرالاً يضمن لها استدامة هذا الوضع . فالنظام الديمقراطي يتيح الفرصة للشعب السوداني وللصحافة الحرة فرصة مساءلة المسؤولين ومحاسبتهم . خاصةً ، في الأمور التي تتعلق بموارد البلاد واستخدامها ، إلى جانب الرقابة على مجريات التنمية وحراسة المال العام والحرص على السيادة والكرامة الوطنية . وكل ذلك ، في جملته ، يسير على العكس تمامًا مما تريدهـ مصر في السودان . لذلك ، عندما تحدَّث حمدوك عن ضرورة أن يتجه السودان لإضفاء القيمة المضافة على منتجاته ، بدلاً من تصدير المواد الخام والأنعام الحية ، أوردت تقارير إعلامية ، أن اللواء عباس كامل ، مدير المخابرات المصرية ، قال للفريق البرهان في زيارة له إلى الخرطوم ، جرت قبل الانقلاب على حكومة حمدوك بقليل : إن مصر مستاءة جدًا من حمدوك ، وأردف قائلا : "حمدوك لازم يمشي". وبالفعل "مشى حمدوك" ، بأمر المخابرات المصرية . راجع صحيفة وول ستريت جورنال على الرابط :1). و(صحيفة العربي الجديد على الرابط :2) . وقد أوردت صحيفة وول ستريت جورنال في نفس هذا السياق ، أن الفريق البرهان طمأن المُوفد الأميركي إلى القرن الأفريقي ، جيفري فيلتمان ، بأنه لا ينوي الاستيلاء على السلطة . لكنه ما لبث عقب لقائه بفلتمان أن استقل الطائرة إلى مصر لإجراء محادثات سرية لضمان حصول مؤامرته على دعم مصري وإقليمي . وأضافت الصحيفة أن الفريق عبدالفتاح السيسي ، الذي استولى على السلطة في انقلاب عام 2013م بدعم من السعودية والإمارات ، طمأن البرهان على سلامة ما ينوى فعله . وتقول الصحيفة إنها حصلت على المعلومة من ثلاثة أشخاص كانوا مطلعين على الاجتماع . وأضافت أن البرهان اعتقل لدى عودته إلى الخرطوم ، عشرات المسؤولين الحكوميين ، بمن فيهم رئيس الوزراء، عبدالله حمدوك ، فاضًا بذلك اتفاق تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين الذي أخرج السودان من ثلاثة عقود من العزلة الدولية . أيضًا أقال الفريق البرهان خبير القانون الدولي ورئيس مفوضية الحدود الدكتور معاذ تنقو ، السوداني الأكثر إلمامًا بقضية حلايب وشلاتين والمطَّلِع على الوثائق التي تثبت أن حدود السودان الحقيقية تصل إلى منطقة أسوان . وتحوم الشكوك أن إبعاد هذا الخبير قد كان بتأثير من دولة الإمارات المتحدة والسلطات المصرية .
عقدت مصر لتلك الحاضنة الشعبية الضرار، التي تعوِّل عليها في خدمة أهدافها في السودان ، مؤتمرين داخل مصر. بل عقدت لها مؤتمرً ثالثًا رضيت قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) الاشتراك فيه ، رغم أن مصر هي التي أطاحت مع البرهان بحكومتها . وقد تحايلت ما تسمى الحرية والتغيير (المجلس المركزي)، التي أصبحت لاحقًا جزءًا من تحالف تنسيقية (تقدم) الأكثر اتساعًا ، عبر الإشتراك بجسمها القديم الأصغر حجما ، وهو قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) المعروفة بـ (قحت). وقد كانت تلك حيلةً مكشوفةً الغرض منها ألا يُقال أن تنسيقية (تقدم) قد جلست مع الحاضنة الضرار المصنوعة تحت الرعاية المصرية في الأرض المصرية. في حين يعلم الكل أن الحرية والتغيير(المجلس المركزي) هي القوة الوازنة في تنسيقية (تقدم) وأن البارزين من قيادات (تقدم) هم من قيادات (قحت) ، وليسوا من القوى التي انضمت إليها .
إلى جانب الحاضنة الزائفة المصنوعة استقطبت مصر مجموعةً من المثقفين السودانيين ، الداعمين للسياسات المصرية في السودان ، ليصبحوا صوتًا إضافيًا يجري استخدامه إلى جانب صوت قوى الحرية والتغيير (الكتلة الديمقراطية) . ولعل السبب وراء وقوع المبعوث الأمريكي إلى السودان ، توم بيرللو في قبضة المخابرات المصرية ، وفشله المدوي في مهمته ، إنما يعود إلى جعله يستمع كثيرًا إلى هؤلاء المثقفين السودانيين المقيمين في مصر، المستقطبين مصريًا . وكذلك ، استماعه إلى الحاضنة المزيفة الضرار المتمثلة في الحرية والتغيير (الكتلة الديمقراطية) . ومن أقوى الأدلة على أن المخابرات المصرية قد وضعت المبعوث الأمريكي في جيبها ، أنه ظل يهمش (تقدم) بصورةٍ لافتة . فقد حرص هو ومعه قوى إقليمية على رأسها مصر على تهميش تنسيقية (تقدم) بزعم أنهم يريدون في البداية إنهاء الصراع المسلح القائم بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع . وكأن أصل المشكلة يتمثل حصرًا في هذا الصراع ، وليس في الثورة وأهدافها مع من يسعون للقضاء عليها . هذا التشخيصٌ المضلِّلٌ هو الذي جعل جهود المبعوث الأمريكي توم بيريللو تذهب هباء.
تعامل بيرللو مع تنسيقية (تقدم) وكأنها غير موجودة أصلاً . وهذا هو ما كان يريدهـ المصريون ، ويريدهـ الفريق البرهان والواقفون وراءهـ من الإسلامويين سدنة النظام القديم . وهو أن الصراع في السودان قائمٌ حصرًاٌ بين قوتين عسكريتين ، وأنه لا وجود لشئ اسمه الثورة ، ولا وجود لشيء اسمه الشعب السوداني . ومما يؤكد هذا ما قالته السيدة سناء حمد للإعلامي بقناة الجزيرة أحمد طه ، حين قالت إنهم مأمورون شرعًا بموجب النص القرآني أن يجنحوا للسلم ، إذا جنحت له قوات الدعم السريع . وعندما سألها أحمد طه ، ما إذا كان هذا الموقف ينطبق أيضًا على تنسيقية (تقدم) ، وجمت لفترة ، ويلد أنها لم تكن تتوقع هذا السؤال ، ثم قالت : "إذا رضي الشعب". وهذا يعني أن تصالحهم مع قوات الدعم السريع لا تقتضي رضا الشعب ، لكن تصالحهم مع تقدم يقتضي رضا الشعب . وقد شهدنا جميعا كيف أن نبرة العداء وسط قادة الجيش والإسلامويين تجاهـ (تقدم) ظلت على الدوام أقوى ، بما لا يقاس ، من نبرة عدائهم تجاهـ قوات الدعم السريع .
ودعونا نقرأ ، في هذا الصدد ، وجهة نظر الباحث في الشؤون الاستراتيجية ، محمد عباس ، حول دور مصر في إنشاء الحاضنة الشعبية الضرار ورعايتها ، فيما أدلى به إلى شبكة "عاين" حيث قال : تقف القاهرة وراء تنظيم مؤتمر قوى الحرية والتغيير (الكتلة الديمقراطية) ، لضمان السيطرة على السودان في أي تطورٍ سياسيٍّ قادم ، بناءً على المفاوضات المتوقعة في منبر جدة . وأضاف قائلاً أيضًا : مصر قد تشارك في منبر جدة ، وفي ذات الوقت تريد التحكم في مقاليد الأمور في السودان ، لأن الحرب قد تسببت للقاهرة في تعقيداتٍ اقتصاديةٍ هائلةٍ . وعندما يتوقف الصراع المسلح ، يريد النظام المصري أن يُحكم سيطرته على الأوضاع في السودان من خلال صنع تحالفات سياسية موالية للجيش السوداني. (راجع : شبكة عاين على الرابط 3) :.

لجوء سياسيينا إلى مصر!

السياسي السوداني المعارض لنظام الحكم في السودان ، الذي يختار مصر مكانًا للجوء ، وبخاصةٍ في مثل هذهـ الظروف الحالية التي يظهر فيها حرص مصر الشديد للقضاء على الثورة السودانية ، وأحدٌ من شخصين ، لا ثالث لهما . فهو ، إما يكون جاهلاً ، جهلاً موبقًا ، بتاريخ الهيمنة المصرية على السودان ، وتآمر الأنظمة المصرية المتعاقبة على الديمقراطية في السودان ، وإما أن يكون متماهٍـ تمام التماهي مع أجندة مصر في السودان معتقدًا أن فيها الخير العميم لأهل السودان . وما حدث ، بالفعل ، عقب قيام هذهـ الحرب أن طائفةً كبيرةً من قيادات قوى الحرية والتغيير، تنسيقية (تقدم) ، اختارت أن تلجأ إلى مصر. كما لجأت مجموعةٌ من المثقفين غير المنظمين حزبيًّا الذين درجوا على تقديم تحليلاتهم ونصائحهم إلى مصر من منصة حيادٍ وطنيٍّ مزعومٍ ، أيضًا . بل إن بعض هؤلاء كانت القاهرة بالنسبة لهم مَحَجًّا ومنتجعًا للاستجمام قبل حدوث الثورة . ومعلومٌ منذ فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري للسودان أن مصر تبتز قوى المعارضة السودانية التي تقيم على أرضها . ومن نماذج الابتزاز التي مارسها النظام المصري على قيادات المعارضة السودانية المقيمة حاليًا في مصر، التهديد بالحرمان من العودة إلى مصر في حالة الذهاب في مهمة إلى خارج مصر. والمقصود من هذا هو منع المعارضة السودانية المشتتة في دول القرن الإفريقي من الاجتماع خارج مصر . فالنظام المصري يود أن تكون عينه حاضرة في كل لقاءات قوى المعارضة السودانية . كما إن أكثر ما يسوء مصر هو أن تقيم قوى المعارضة مؤتمراتها أو لقاءاتها في إثيوبيا ، التي تناصبها مصر أشد العداء ، أو في كينيا أو يوغندا . هذا الابتزاز لا تمارسه السلطات المصرية ، بصورةٍ ثابتةٍ ، وإنما بالسماح أحيانًا ، وجعله عسيرًا ومحاطًا بالمحاذير، أحيانًا أخرى . وقد أثمر هذا الابتزاز الذي تضمن أنماطًا مختلفة من الضغوط ، في جعل تنسيقية (تقدم) تعقد واحدًا من مؤتمراتها في مصر بسبب صعوبة خروج أعضائها المقيمين فيها ، كما سبق أن ذكرنا . بل وصل الأمر حد أن تعقد قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) وهي مكوِّنٌ رئيس في تنسيقية (تقدم)، لقاءً في مصر شاركت فيه الحاضنة الضرار التي أسهمت مصر في صنعها ، وهي الحرية والتغيير (الكتلة الديمقراطية). (راجع صحيفة سودان تربيون على الرابط : 4). وقد حضر هذا اللقاء حليفا الفريق البرهان : جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي ، لكنهما رفضا التوقيع على البيان الختامي . ورغم أن ذلك الرفض يوحي باستقلال قرارهما عما تريدهـ مصر، لكن ، ربما جرى ذلك منهما بإيحاء من مصر لإفشال البيان الختامي وتكريس الانقسام وهلهلة (تقدم).

(يتواصل)

elmhasi 03-04-2025 07:25 PM


على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية (10 – 20)


13 March, 2025

"لنْ يستطيعَ أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِكَ، ما لم تَكُنْ مُنحنياً"
مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

من نماذجٌ الابتزاز المصري

في مقالاتي المتسلسة التي نشرتها قبل خمسة عشر عامًا عن قطب حزب الأمة ، السيد ، عبدالرحمن علي طه ، كنت قد ذكرت الزيارة التي قام بها السيد عبدالرحمن المهدي إلى مصر في النصف الثاني من أربعينات القرن الماضي لمناقشة البروتوكول الذي عُرف ببروتوكول (صدقي بيغن). وقد ذكر السيد ، عبدالرحمن علي طه ، في كتابه "السودان للسودانيين" إن السيد عبدالرحمن المهدي أرسل برقية إلى رئيس الوزراء المصري إسماعيل صدقي ، على أثر بروتوكول صدقي بيغن ، يعرب فيها عن نيته زيارة مصر لمقابلة الحكومة المصرية لكي يتباحث معها حول مسألة السودان . وأخبر السيد عبدالرحمن المهدي المصريين في تلك البرقية ، أنه سوف يذهب إلى انجلترا لنفس الغرض . غير أن حكومة صدقي تجاهلت برقيته ولاذت بالصمت ، ولم ترد عليه بالطرق الدبلوماسية المتبعة ، التي يلجأ إليها الدبلوماسيون عادة في أحوال الرفض .
رغم ذلك ، قرر السيد عبدالرحمن المهدي الذهاب إلى القاهرة من تلقاء نفسه ، ونزل في أحد فنادقها . لكن ، تجاهلت الحكومة المصرية حضورهـ ، رغم أنه زعيم إحدى الطائفتين الدينيتين الكبيرتين في السودان ، وهو راعي حزب الأمة أحد أكبر حزبين سياسيين في السودان . لم يأت أحدٌ من المسؤولين المصريين لاستقباله أو مقابلته ؛ لا إسماعيل صدقي رئيس الوزراء شخصياً ، ولا أي فردٍ آخر من أفراد حكومته . بل ، شنت عليه الصحافة المصرية في فترة وجودهـ في القاهرة حملةً شعواء ، ونعتته بشتى النعوت ، وكالت له السباب والشتائم . وذهبت إحدى هذهـ الصحف إلى القول : إن الإمام عبدالرحمن يجب أن يُحكم عليه بالإعدام بوصفه ثائرًا متمرداً على التاج المصري !! (راجع : عبدالرحمن علي طه ، السودان للسودانيين ، مصدر سابق ، ص 39). وقد أورد عبدالرحمن علي طه في نفس الكتاب ، المقتطف التالي مما كتبته إحدى الصحف المصرية ، حيث قالت : "أكد لنا مصدرٌ كبيرٌ جداً أن الثائر عبدالرحمن المهدي كان على وشك أن يصل إلى مصر في أوائل هذا الصيف الذي انتهى ، لتقديم خضوعه للتاج المصري الذي جعله "باشا" وأضفى عليه نعمةً مما جعله يرفل في جاهٍـ عريض . ولكن الاستعمار الإنجليزي أشار إليه بإصبعه أن يلزم مكانه فلزمه". (راجع: عبدالرحمن علي طه ، ص 40).
صادف وجود السيد عبدالرحمن المهدي في زيارته تلك للقاهرة ، وجود السير هيوبرت هدلستون حاكم عام السودان ، الذي وصل إليها ، هو الآخر ، وهو في طريق عودته إلى الخرطوم ، عائدًا من لندن . زار السير هدلستون السيد عبدالرحمن المهدي في الفندق في القاهرة ، وأخبرهـ أنه في حالة ذهابه إلى إنجلترا سوف يجد ترحيباً من الحكومة البريطانية . كما شكر هدلستون السيد عبدالرحمن على ما قام به من جهودٍ أدت إلى تهدئة ثورة الجماهير في السودان ، عقب إعلان المصريين اتفاقية صدقي بيغن ، وقول إسماعيل صدقي للمصريين حال عودته من المفاوضات مع إنجلترا: "لقد أتيتكم بالسيادة على السودان"، (تكبير الخط من وضعي). وقد أكد السيد عبدالرحمن للمستر هدلستون أن ما ذكرهـ صدقي أثار ثائرة السودانيين ، لكونه أوضح أن مصر لا تقر للسودانيين بحق تقرير المصير ، وإنما تقر لهم فقط بالحكم الذاتي ، تحت التاج المصري . وقال السيد عبدالرحمن لهدلستون : لولا تصريح المستر إتلي في مجلس العموم البريطاني ، الذي قال فيه إن تصريحات إسماعيل صدقي التي أطلقها بعد عودته من مفاوضاته مع إنجلترا حول مصير السودان ، غير حقيقية ، وأنها مُضلِّلة ، لما أمكن تهدئة خواطر السودانيين . وواضحٌ من ثورة السودانيين على تصريحات إسماعيل صدقي أن السودانيين لم يكونوا يريدون الوحدة مع مصر تحت التاج المصري . لكن ، الحكومة المصرية كانت تود أن تبتز السياسيين وزعماء الطوائف ليسيروا في قضية مصير السودان عقب خروج البريطانيين وفقًا للرغبة المصرية ، وضد رغبة شعبهم . والذي حدث بالفعل عند الاستقلال أن السودانيين أعلنوا استقلال بلادهم عن كلٍّ من بريطانيا ومصر ، من داخل أول برلمان وطني جرى تكوينه ، رافضين فكرة الوحدة مع مصر.

التحقيق مع خضر حمد

ما كنا لنعرف شيئًا عن أساليب المخابرات المصرية في ابتزاز السياسيين السودانيين لولا اطلاعنا على بعض الشهادات التي دونها أو حكاها بعض السياسيين السودانيين ، بأنفسهم ، عن تجاربهم في مصر . ومن الشهادات التي اطلعت عليها في هذا الخصوص ما حكاهـ السيد خضر حمد في مذكراته عن تعرضه للتحقيق من قبل النيابة المصرية ، حين زار مصر عام 1955م . وقد أصبح خضر حمد ، في ذلك العام ، وزيرًا للري في حكومة الرئيس إسماعيل الأزهري ، عقب عزل الوزير ميرغني حمزة الذي سبقه . أورد هذهـ الحادثة ، أيضًا ، الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان ، وهو يناقش ملف مياهـ النيل وتاريخ المفاوضات بهذا الخصوص . والقصة ، باختصار ، أن السيد خضر حمد ذهب إلى القاهرة في الأسبوع الأخير من شهر مارس عام 1955م للتحضير للجولة الثالثة من المفاوضات المتعلقة بمياهـ النيل . قال السيد خضر حمد إنه حمل معه إلى القاهرة قصيدة كتبها الشاعر السوداني المعروف ، أحمد محمد صالح ، تحمل عنوان "إلى نجيب في عليائه" . وكان غرض خضر حمد من حمل القصيدة معه إلى القاهرة أن يجري خطَّها بواسطة خطاطٍ محترفٍ . ثم تحويلها إلى لوح معدني طباعي ليجري عمل عدد من النسخ منها لعدد من أصدقائه المعجبين بالقصيدة الذين كلفوهـ بهذهـ المهمة . ويبدو أن هذهـ المجموعة من الأصدقاء كانت تريد وضع القصيدة في أُطرٍ (براويز) ، لكي يعلقوها على جدران منازلهم . وقد كان اللواء محمد نجيب ، الذي قاد ثورة يوليو المصرية ، ثم ما لبث البكباشي جمال عبدالناصر أن غدر به ، وأودعه الإقامة الجبرية حتى مات ، قائدًا مصريًّا محبوبًا جدًا لدى السودانيين . فنجيب نشأ وترعرع في الخرطوم وكان قلبه على السودان . وكان محل ثقةٍ كبيرةٍ بين السودانيين .
أعطى الوزير خضر حمد القصيدة لأحد مرافقيه من المصريين للذهاب بها لعمل اللوح المعدني الطباعي الذي سيعود به إلى الخرطوم . وفي الموعد المحدد لاستلام اللوح المعدني داهم بعض رجال المخابرات السيد خضر حمد وهو في المكان الذي كان سيعد اللوح . ويبدو أن الشخص المصري الذي كان يرافق السيد خضر حمد من المخابرات المصرية ، وقد قام بتسريب ما كان ينوي خضر حمد فعله فيما خص القصيدة إلى جهات الرسمية . وقد سأل السيد خضر حمد الرجال الذين داهموهـ في المحل ، من أنتم ؟ فرد عليه الرجل بأنهم من رجال النيابة المصرية ومعهم واحدٌ من ضباط الجيش . ويروي خضر حمد أن هذا الشخص أجلسه على كرسي في ذلك المحل ، وبدأ يكتب فما يشبه محضر التحقيق ، ويقرأ بصوت مرتفعٍ : لقد وصل إلى علم وزير الداخلية أن الوزير السوداني خضر حمد أحضر معه قصيدةً عنوانها "علياء نجيب". وأن القصيدة تحوي مدحًا لمحمد نجيب وتعريضًا برجال الثورة . وأن وزارة الداخلية المصرية أمرت أن يجري التحقيق في هذا الأمر، وأن يكون في المجموعة التي تجري التحقيق اثنان من أعضاء النيابة ورجل من الجيش .
الواضح من هذهـ المسرحية السمجة المرسومة أن الغرض منها هو إرباك الوزير السوداني ، وحل عزيمته أمام المفاوضين المصريين ، بوضعه موضع المتهم بارتكاب جريمة ، عبر تلفيق تهمةٍ تافهةٍ كهذهـ له ، وتعريضه للتحقيق ، وهو وزيرٌ زائر . ويبدو أنهم إمعانًا منهم في امتهان ضيفهم الرسمي وتقليل قيمته ، اختاروا أن تجري هذهـ المسرحية السمجة في ذلك المحل العام وسط سوق القاهرة . ثم ، التحقيق معه بهذهـ الصورة ، دون أي اعتبار لمكانته ، ولا للطرق التي تتعامل بها الدول مع الزوار الرسميين . فخضر حمد أحد أبرز سياسيي الحركة الوطنية في السودان . وقد جاء إلى مصر في وفد رسمي بغرض التفاوض حول مياهـ النيل . ويبدو أن المصريين لم يكونوا مسرورين لموقف خضر حمد في جولة التفاوض التي جرت ، فاختلقوا له تلك الحادثة قبل سفرهـ . خاصةً ، قد كان مقررًا أن يعود السيد خضر حمد إلى السودان في نفس ذلك اليوم ، لكي يقوم بالتشاور مع حكومته في الخرطوم ، ثم يعود مرة أخرى ، بعد بضعة أيام لبدء جولةٍ جديدة من المفاوضات في القاهرة .
الغريب أن السيد خضر حمد أخبر ، لدى عودته من القاهرة ، السيد إسماعيل الأزهري ، رئيس الوزراء ، بما جرى له في القاهرة ، وطلب منه إعفاءهـ من العودة إلى مصر في الوفد المفاوض . لكن السيد إسماعيل الأزهري رفض طلبه وأصر على أن يعود ضمن الوفد مرة ثانية ! بل ، ويعود رئيسًا للوفد . وهكذا ، رجع السيد خضر حمد إلى القاهرة يوم 4 أبريل عام 1955م ، أي بعد أربعة أيامٍ فقط من مجيئه من القاهرة ، ومن تاريخ تلك الحادثة . وقد دلَّ ذلك ، فيما أرى ، على قلة اكتراث السيد إسماعيل الأزهري وعفويته وعدم أخذهـ دلالة تلك الحادثة بالجدية الكافية . فالحادثة لم تزعجه ولم ير فيها إهانةً لبلدهـ وحكومتها ومحاولةً لابتزار وزير ذهب للتفاوض في شأن خطيرٍ بغرض كسر عزيمته عن طريق اتهامه بارتكاب جريمة والتحقيق معه في محل تجاري عام وسط القاهرة . كما لم يفكر الأزهري حتى في رفع صوته احتجاجًا على تلك الفعلة . أكثر من ذلك ، أصر على أن يعود الوزير الذي تعرض لمحاولة الابتزاز رئيسًا لوفد المفاوضات . وقد عرفت الأنظمة المصرية ، عبر عديد التجارب ، عفوية السياسيين السودانيين الذين يمارسون السياسة ، بلا كفاءة ولا تدريب ويصلون إلى المناصب وفقًا لاعتباراتٍ تأتي الكفاءة ، في كثيرٍ من الأحيان ، في مؤخرتها ، وقد لا تأتي إطلاقاً . كما عرفت السلطات المصرية انكسار السياسيين السودانيين وتقزيمهم لأنفسهم أمام رصفائهم المصريين . بل ، وسذاجتهم ، وقابليتهم للابتزاز بشتى الطرق . فطفقت تمارس عليهم مختلف ألاعيب الابتزاز ، منذ أربعينات القرن الماضي ، وإلى يومنا هذا . فالمشكلة ليست حصرًا في طرق تعامل المسؤولين المصريين مع السودان ومع السودانيين ، وإنما هي أيضًا ، وبقدر أكثر أهمية ، فينا نحن السودانيين ، أنفسنا .

غازي سليمان وقصة الخمر والنساء

إن أميز ما يميز المحامي والسياسي الراحل ، غازي سليمان ، أنه كان رجلاً صادقًا ، شديد الوضوح والصراحة . وأنه ممن يقولون الحق ولو على أنفسهم . لكن ، قول الحق على النفس ليس محمودًا في كل الأحوال ، فبعضه يدخل في باب المجاهرة المنهي عنها . ذكر غازي سليمان ، وهذا موثقٌ بالصوت والصورة في تطبيق يوتيوب ، أنهم عقب الإطاحة بالرئيس جعفر نميري في ثورة أبريل 1985م ، كان ضمن وفدٍ من الحكومة الانتقالية جرى إرساله إلى مصر ليطالب الحكومة المصرية بتسليم الرئيس جعفر نميري الذي أطاحت به الثورة ، لكي تتم محاكمته على ما اقترف من جرائم . وكان نميري عائدًا من الولايات المتحدة الأمريكية إلى السودان عبر القاهرة حين اندلعت الثورة وجرت الإطاحة به . فاحتجزته السلطات المصرية في القاهرة ، ونصحته بعدم العودة إلى السودان ، وأصبح لاجئًا هناك .
قال الأستاذ ، غازي سليمان إن السلطات المصرية استقبلت وفدهم استقبالاً طيبًا ، وأنزلتهم في أفخم الفنادق . وفي الليلة السابقة للجلسة الرسمية تقديم طلبهم إلى الحكومة المصرية بتسليم الرئيس جعفر نميري، جِيء إلى إليهم بالخمر والنساء . وحين ذهبوا في اليوم التالي إلى قاعة المحادثات ، وجدوا شاشة كبيرةً معلقةً على الحائط . وما أن بدأت الجلسة ، جرى عرض فيلم حوى ما فعله أعضاء الوفد في الليلة السابقة من أفعالٍ فاضحة . وما أن انتهى عرض الفيديو ، وقف أحد المسؤولين المصريين وخاطبهم قائلاً : "طلباتكم يا باشوات؟". قال غازي : صمتنا لفترة وتلفتنا نحو بعضنا ، ثم ما لبثنا أن قلنا لهم : ليست لدينا طلبات . وواصل غازي قائلاً : انفض الاجتماع ومنحونا إقامة لبضع أيام في أفخم فنادق القاهرة قمنا أثناءها بجولاتٍ سياحيةٍ في ضيافة الحكومة المصرية . وهكذا عادوا إلى السودان بخُفَّيْ حُنين . وأعلنت مصر عقب ذلك أنها ترفض تسليم الرئيس المخلوع جعفر نميري لحكومة الفترة الانتقالية لأسباب قانونية وسياسية .
ما جرى لهذا الوفد السوداني الذي ذهب لمطالبة الحكومة المصرية بتسليم الرئيس المخلوع جعفر نميري لمحاكمته ، ليس غريبًا . فمن المعروف جدًا أن المال والخمر والنساء من أهم وسائل أجهزة المخابرات في استخلاص الأسرار ممن تريد استخلاصها منهم . ويجري ذلك عن طريق توريط المطلوب استخلاص الأسرار منهم في علاقة غرامية مع جاسوسة من دون أن يعرف أنها جاسوسة . أو عن طريق جر المراد ابتزازهـ إلى فضيحة أخلاقية ، يجري توثيقها بالصورة والصوت . فيصبح المستهدَذف أسيرًا لجهاز المخابرات فلا يعصي له أمرًا . وهذهـ الحادثة التي ذكرها الأستاذ غازي سليمان تقدم أقوى دليلٍ على سذاجة ورخاوة وغفلة القيادات السياسية السودانية التي تتصدى للعمل العام وعدم جديتها واستهانتها بضوابط تمثيل بلادها . ولنا أن نتصور كم من السياسيين السودانيين قد أضحوا أسرى لجهاز المخابرات العامة المصرية عبر استخدام مثل هذهـ الأساليب القذرة . لكن ، أيضَا ، كم هم وُضعاءُ أولئك المسؤولون الذين تُوقعهم دناءتُهم في حبائل هذا النمط من الابتزاز الرخيص؟

(يتواصل)

E.mail


ملحوظة :
يقال والعهدة علي الراوي ان المخابرات المصرية اخذت عملية الابتزاز بالصور الفاضحة وفيديوهات الجنس منذ السنين الاولي لحكم عبدالناصر ، حتي ان صفوت الشريف كان محتفظا بتسجيل فيديو لحسني مبارك رئيس مصر .
والله تعالي اعلم .

elmhasi 05-04-2025 07:38 PM


على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية (11 – 20)


14 March, 2025

"لنْ يستطيعَ أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لمْ تكُنْ مُنحنياً"

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

مقاومة القوى العربية للديمقراطية
لم ترحب الدول العربية القريبة من السودان ، كعادتها ، بالثورة السودانية التي نادت بالتحول الديمقراطي . ولا غرابة ، فهي إما أنظمةٌ ملكيةٌ وإما أنظمة عسكرية ديكتاتورية . فأنظمة دول الخليج أنظمةٌ أخرجها سياقٌ تاريخيٌّ خاصٌّ جدا . هذا السياق التاريخي الخاص هو الذي قفز بها في بضعة عقود ، قفزةً كبيرةً ، من حالةٍ أقرب إلى البداوة وأدخلها من حيث المظهرُ الخارجيُّ البراق ، في حقبة الحداثة . وقد لعب النفط والاقتصاد الريعي الذي ساد فيها ، إلى جانب العلائق الاقتصادية والاجتماعية السائدة منذ القدم في مجتمعاتها ، دورًا كبيرًا في جعل الحكم الملكي النموذج الأكثر مناسبةً لأوضاعها . فهي تُعدُّ اليوم ، بحكم العوامل التي ذكرناها ، إضافةً إلى قلة عدد السكان مع ضخامة الثروة ، من أكثر المجتمعات العربية استقرارًا وأمنًا وثراءً على مستوى دخل الفرد ، على تفاوتٍ في ذلك بينها . غير أن محاولاتها المستمرة لتعويق التحول الديمقراطي في السودان ، خوفًا على نفسها من مطالبة شعوبها بالديمقراطية ، أو خوفًا على حظها من موارد السودان الثرة التي ترى أنها في غاية الأهمية لأمنها الغذائي ، فهو اتجاهٌـ غير سليم ، بل ومضرٌّ بها وبالسودان . وقد أدى هذا التوجه الخاطئ في التعاطي مع الثورة السودانية ، في نهاية الأمر، إلى إشتعال هذهـ الحرب الضروس التي أحرقت الأخضر واليابس . وهي حربٌ لا تزال تنذر بحدوث ما هو أسوأ . فالنظام الديمقراطي الوليد الذي أطاح به انقلابٌ عسكريٌّ عليه بعد سنتين فقط من الاستقلال ، أخذت الانقلابات العسكرية تطيح به كلما أعادته ثورةٌ من الثورات السودانية وقد حدث ذلك ثلاث مرات كان آخرها انقلاب البرهان وحربه المدمرة . ولقد ظلت الأنظمة العربية ترحِّب على الدوام بالانقلابات العسكرية في السودان . وقد ظلت تفعل هذا رغم أن أكثرية السودانيين ترى أن النظام الديمقراطي هو الأصلح للسودان ، وهو الأكثر خدمةً لنموهـ واستقرارهـ . وكذلك ، هو الأكثر خدمةً ، لمصالح الدول العربية الخليجية ولمصر، من حيث الاستقرار وأمن الإقليم ، ومن حيث الفرص الاستثمارية والتعاون الاقتصادي .
أما النظام المصري ، فقد ظل نظامًا شموليًا واكتسب طبيعةً أوليغاركية في عهدي أنور السادات وحسني مبارك . وعمومًا ، فقد تحدَّر نظام الحكم في مصر من النظام الخديوي الإمبراطوري التوسعي . فعلى الرغم إعلان مصر جمهورية عقب ثورة يوليو 1952م ، إلا أن النظرة الخديوية الاستعمارية الخديوية ، خاصةً تجاهـ السودان قد ظلت كما هي . وقد جعلته هذهـ الخصائص ، إلى جانب فقر مصر من الموارد وضيق الأرض والتزايد المتسارع في عدد السكان ، يعمل على الدوام على الهيمنة على سلطة القرار في السودان . بل ، ولا يفكر قط في أي أسلوبٍ آخر للتعاطي مع السودان غير أسلوب الهيمنة ، واحتكار مياهـ السودان ومواردهـ . والسودان ، كما سبق أن ذكرنا هو الفضاء الوحيد الذي يملك إمكانيات الحلول النهائية لحالة الاختناق المصرية المركبة ، غير أن مصر لم تعرف قط كيف تتعامل مع ملفه بصورةٍ سليمة . ظل هم مصر الأوحد أن يتولى السلطة في السودان حاكمٌ عسكريٌّ يكون خاضعًا لإرادتها خضوعًا مطلقًا ، فيخرس لها أصوات السودانيين المحبين للديمقراطية ، الذين يريدون استقلاليةً كاملةً للقرار السوداني ، ويريدون الخروج من حالة الاضطراب السياسي والعجز التنموي المزمن . في حين ترى مصر أن فرص نمائها واستقرارها ، رهينةٌ بوجود نظامٍ عسكريٍّ في السودان ، تقوم هي بحمايته نظير تمكينه لها من نهب موارد السودان . ثم الاصطفاف وراءها فيما تراهـ حقًّا مطلقًا لها في مياهـ النيل . بل ، واتخاذ أراضيه منصَّةً عسكريةً متقدمة تتموضع فيها الجيوش المصرية لتهديد دول حوض النيل .

السعودية ومصر والإمارات والثورة السودانية
منذ اندلاع الثورة وازدياد التدافع بين قواها وبين قوى النظام القديم وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية التي صنعها الإسلامويون ورعوها على مدى ثلاثين عامًا ، تنامى انشغال بعض الدول العربية بما يجري في السودان . ومن ثم ، جرى الانخراط وبسرعةٍ شديدة في محاولات التأثير على ما يجري فيه . وقد تبدى ذلك جليًّا في النشاط المحموم لسفراء الدول العربية لدى السودان ؛ خاصةً مصر والسعودية والإمارات ، وانخراطهم في العمل وسط القوى السياسية السودانية طيلة فترة الصراع بين عسكر نظام البشير وبين القوى المدنية التي سبقت التوقيع على الوثيقة الدستورية التي تولت بموجبها حكومة الدكتور عبدالله حمدوك السلطة . كما انخرطت أيضًا ، قيادات هذهـ الدول مع القيادة العسكرية في السودان ، فقدمت لهم العون المالي لتثبيت قبضتهم على السلطة ، وخنق السعي المُطالب بالتحول الديمقراطي وبالحكم المدني وبخروج العسكر عن السياسة .
قامت هذهـ الدول بهذهـ الجهود لتجيير الحراك الجاري في السودان ليصب في خدمة مصالح كل واحدةٍ منها ، وفقًا للزاوية التي ترى منها مصالحها في السودان . وعلى الرغم من أن مجموعة مصر والسعودية والإمارات تُعد أقرب إلى التناغم ، فيما بينها ، من حيث النظرة المشتركة المتعلقة بالتعاطي مع قضايا الإقليم ، إلا إن بينها أيضًا تنافسًا وصراعًا خفياً . كما أن هناك صراعًا بين معسكر السعودية والإمارات ومصر ومعسكر قطر وتركيا ، الذي تدخل فيه ، أيضًا ، في السودان إيران . ولا يقتصر هذا الصراع بطبيعة الحال على السودان وحدهـ ، وإنما يجري هذا الصراع في دول أخرى مثال : العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن ، وحتى قطاع غزة . غير أن للسودان أهميةً خاصةً لدى هذهـ الدول ، من حيث الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر، والموارد الثرة ، وفرص الاستثمار الواسعة ، خاصة الاستثمار الزراعي من أجل تحقيق الأمن الغذائي . ولذلك ، لا غرابة أن أضحت أراضيه ميدانًا لحرب وكالةٍ ضروس لقوى إقليمية ودولية . وقد ساعدت رخاوة كثير من النخب السياسية السودانية وفسادها وقابليتها للعمالة في تكريس هذا الوضع المأساوي .

امتهان الإسلامويين للسودان
لم تُهنِ السودان وتحط من قدرهـ نخبةٌ حاكمةٌ مثلما فعلت هذهـ النخبة الإسلاموية ؛ من عسكريين ومدنيين . لقد لعب نظام الإسلامويين طيلة فترة حكمه للسودان التي بلغت حتى الآن 36 عامًا ، على المتناقضات لإرباك الجميع . أتقن نظام الإسلامويين في السودان ممارسة أساليب الابتزاز عبر مد الجسور إلى القوى الإقليمية متضاربة المصالح . فهو قد كان لفترةٍ طويلةٍ حليفًا لإيران التي ترى فيها المملكة العربية السعودية خطرًا داهمًا على أمنها . ثم ما لبث أن أصبح حليفًا للملكة العربية السعودية ، جاعلاً من الجنود السودانيين مرتزقةً يحاربون داخل اليمن وعلى الحدود السعودية اليمنية واقفين في مواجهة حليفته السابقة إيران ، ممثلةً في الحوثيين . وقد فعل الرئيس المخلوع عمر البشير هذهـ الفعلة الشنعية نظير المال . وغطى ذلك بإدعاءٍ مضحكٍ خرج به علينا الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة الصوارمي خالد سعد حين قال في خطبةٍ حماسية إن الجنود السودانيين إنما يحاربون في السعودية حمايةً للحرمين الشريفين . وأكاد أجزم أن خطبته تلك أضحكت السعوديين أنفسهم.
والآن ، وللغرابة ، تنهمر على هذا النظام الزئبقي اللزج ، في نسخته البرهانية الأكثر قبحًا وفسادًا وعمالةً ، الطائرات المُسيَّرة الإيرانية ، من طراز مهاجر4 ومهاجر6 ، (راجع مقال أريج الحاج على موقعFikra Forum ، على الرابط : 1 ). كما تتدفق عليه أيضًا ، مسيَّرات بريقدار التركية ، وفقًا لما كشف عنه مصدرٌ عسكريٌّ سودانيٌّ رفيع لصحيفة "سودان تربيون"، (راجع : "سودان تربيون" على الرابط :. 2). وأما دولة قطر، المعروفة بالوقوف في صف منظومة الإسلام السياسي المنتشرة في عديد الأقطار العربية ، فقد تحوَّلت إلى ملجأٍ لقيادات إسلامويي السودان الذين هربوا عقب الثورة . بل وأصبحت مقرًّا للخلية الأمنية الإعلامية التي تكثر من استضافة صحفييها قناة الجزيرة مباشر . وهي خلية قام الفريق البرهان والإسلامويون بإرسالها إلى الدوحة كجزء من خطة الحرب التي أشعلوها . ويقتصر دور هذهـ الخلية على بلبلة الرأي العام عبر بث الأكاذيب وممارسة الديماغوغية المستندة على المغالطات . ورغم التعارض بين معسكري السعودية مصر وتركيا وقطر، نجد أن مصر والسعودية تسيران مع تركيا وقطر على نفس الخط المقاوم لإرادة القوى الحيَّة من الشعب السوداني التي تنادي بالتحول الديمقراطي وبالحكم المدني . كما تنادي ، أيضًا ، بخروج الجيش عن السياسة ، ومن إدارة اقتصادٍ موازٍ لا يخضع لرقابة الدولة . وقد سبق أن قال رئيس وزراء الفترة الانتقالية عبدالله حمدوك إن الجيش السوداني يسيطر على حوالي 80% من موارد البلاد ، ويديرها بعيدًا عن وزارة المالية . ومن يتابع "قناة الجزيرة" المملوكة لقطر، وقناة "العربية الحدث" المملوكة للسلطات السعودية ، منذ اشتعال هذهـ الحرب المدمرة ، يرى تطابق الخط التحريري للقناتين الداعم للفريق البرهان الذي يسيطر على قراراته الإسلامويون سيطرة تامة . وهذهـ واحدةٌ من أعاجيب السياسة في منطقتنا.
أما دولة الإمارات العربية المتحدة فقد بدأت متخوفةً عند بداية الثورة من قيام نظامٍ ديمقراطيٍّ في السودان ، شأنها شأن كل الأنظمة الملكية العربية . ففي 1 مايو 2019م ، أشار وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية ، أنور قرقاش إلى تدخل بلادهـ في الأحداث الجارية في السودان ، حيث قال في تغريدة على موقع تويتر إنه "يحق للدول العربية بشكلٍ كاملٍ دعم انتقالٍ منظَّمٍ ومستقرٍ في السودان . غير أنه أشار إلى ضرورة أن يوازن هذا الانتقال بعناية بين التطلعات الشعبية والاستقرار المؤسسي ، وهذا حديثٌ لا غبار عليه . لكن الوزير الإماراتي إشار في نفس السياق إشارةً سلبيةً خفيَّةً إلى الحراك الشعبي في السودان ، حين قال: "لقد عانينا من الفوضى الشاملة في المنطقة ، ومن المنطقي ألا تكون لنا حاجة في المزيد منها"، (راجع الجزيرة نت على الرابط : 3) . لكن ، مع تقدم الأحداث غيَّرت دولة الإمارات موقفها ليصبح مقاومًا للخط الذي تسير عليه مجموعتا تركيا وقطر، من جهة ، والسعودية ومصر، من الجهة الأخرى . وهكذا أصبح السودان ، بسبب فقدانه استقلالية القرار، ساحةً لتعاركٍ شرسٍ بين هذهـ القوى .

الاستعداد السوداني لقبول التدخلات الخارجية
لقد وضعت في مقدمة هذهـ المقالات مقولة مارتن لوثر كينج الشهيرة القائلة : "لن يستطيع أحدٌ أن يركب على ظهرك ما لم تكن منحيا". والغرض من وراء وضعها هو الإشارة إلى أن سبب مهانة السودان واستباحته من قبل الآخرين ، إنما يعود أولا وأخيرًا ، إلى ضعف الحس الوطني وضمور الشعور بالكرامة الوطنية لدى كثيرٍ من نخبه السياسية . فما أن اشتعلت الثورة وتداعت عليها دول الجوار العربي المختلفة ، كتداعي الأكلة على قصعتها ، أخذت كل دولةٍ تحاول تجيير مخرجات الثورة لصالحها . وأخذت القوى السياسية السودانية في الركض إلى تلك العواصم العربية لتقديم خدماتها . فقد أورد موقع "الجزيرة نت" أن قيادات حزبية سودانية قد زارت سرًا دولة الإمارات العربية . وأن تلك الزيارات قد أزعجت الثوار المعتصمين حينها أمام مباني القيادة العامة للجيش في الخرطوم . ونسب موقع "الجزيرة نت" لصحيفة "الجماهير" الإلكترونية السودانية ، أن مسؤولةً حزبيةً سودانيةً كانت آخر الزائرين سرًّا إلى أبو ظبي . ونقلت الصحيفة عن مصادر لم تسمِّها ، أن تلك المسؤولة الحزبية الزائرة لم تُدْلِ بأي تصريحات لدى وصولها أبو ظبي ، كما لم يُعرف جدول أعمال زيارتها أو مدتها . (راجع موقع "الجزيرة نت" على الرابط : 4) . كما ذكر موقع "الجزيرة نت" في نفس هذا التقرير أن صحيفة نيويورك تايمز الأميركية ذكرت أن خمس قوى سودانيةً معارضةً ، بينها عدد من الحركات المسلحة ، زارت أبو ظبي حينها لإجراء محادثات قصدت منها أبوظبي إقناع تلك القوى بالانضمام إلى حكومة يقودها العسكريون .
كما أورد موقع "الجزيرة نت" مقالاً لأحمد فضل ، تحت عنوان : "دعم السعودية والإمارات لعسكر السودان .. أسئلة تحتاج إجابات"، قال فيه أن دعاة الاحتجاجات في السودان قد قابلوا الدعم السعودي الإماراتي ، للمجلس العسكري الانتقالي بريبةٍ لافتةٍ لا تخلو من اتهاماتٍ بأن أعضاء المجلس الانتقالي ، الذي يدير البلاد حاليًا واقعون ضمن لعبة المحاور. (راجع أحمد فضل: دعم السعودية والإمارات لعسكر السودان .. أسئلة تحتاج إجابات على موقع "الجزيرة نت" على الرابط 5 ) :. أما صحيفة فايناشيال تايمز البريطانية ، فقد أوردت في 26 أبريل 2019م ، أن السعودية والإمارات بدأتا تخوضان في الشأن الداخلي السوداني بدعمهما للمجلس العسكري الانتقالي بهدف عرقلة الانتقال إلى الحكم المدني. وأوضحت الصحيفة في تقرير لها من الخرطوم، أن حزمة المساعدات المالية والسلعية الجديدة من الدولتين، البالغة ثلاثة مليارات دولار، قد خففت الضغط على الوضع الاقتصادي وعلى المجلس العسكري الانتقالي . لكنها ، أغضبت السودانيين المعادين لأي دعمٍ أجنبيٍّ للحكومة العسكرية المؤقتة . وأشارت الصحيفة إلى المطالبة الشعبية بالتسليم الفوري للحكم لإدارةٍ مدنيةٍ ، قائلةً إن المساعدات من الدولتين الخليجيتين قد مهَّدت الطريق لمعركة ثانية بين الجيش والشعب .
أيضًا، نقلت صحيفة فاينانشيال تايمز عن سفيرة بريطانيا في الخرطوم روزاليندا مارسدن، التي سبق أن عملت ممثلاً خاصا للاتحاد الأوروبي بالسودان وجنوب السودان بين 2010م و 2013م ، قولها : إن أبوظبي والرياض أوضحتا خلال الأيام القليلة الماضية أنهما تدعمان المجلس العسكري الانتقالي. وقالت الصحيفة، إن السفيرة أعربت عن اعتقادها أن هذا الدعم كان مدفوعًا بصورةٍ أساسيةٍ بالحاجة إلى ضمان استمرار مشاركة القوات البرية السودانية في حرب اليمن. وهو أمرٌ بادر المجلس العسكري الانتقالي في السودان بضمان تأكيده بسرعةٍ منذ البداية لكلٍ من السعودية والإمارات. أي، أن السودان لن يسحب جنوده من اليمن. وعلقت السفيرة بأن جنود السودان الذين عركتهم الحروب أثبتوا أهميةً حيويَّةً للهجوم البري السعودي والإماراتي على المتمردين الحوثيين. (راجع: الجزيرة نت، على الرابط : 6 ) ومما يجدر ذكرهـ هنا أن السعودية حين نادت الدول العربية إلى الوقوف إلى صفها في حرب الوكالة الإيرانية في اليمن التي استهدفت أمنها اعتذرت مصر عن إرسال جنودها إلى اليمن ، في حين قبل بذلك الرئيس المخلوع عمر البشير. ومشى على نفس الدرب الفريق البرهان الذي كان أصلاً منسقًا لتفويج الجنود السودانيين إلى اليمن، قبل قيام هذهـ الثورة التي أطاحت بالرئيس عمر البشير.

حكامٌ مُرتشون
إن الثورة السودانية المتعثرة التي لا تزال فصولها تتوالى وكان آخرها هذهـ الحرب المدمرة ، ليست سوى محاولةٍ لوضع الحق الأبلج مكان الباطل اللَّجلج . وهذهـ مسيرةٌ قد تطول وقد نتعرَّض فيها لما هو أسوأ مما نحن فيه الآن . لقد أذَّل الإسلامويون السودان والسودانيين ، كما لم يفعل أحدٌ من قبل . وما الاستهانة التي تقابل بها دول الخليج ومصر الحكومات السودانية العسكرية سوى نتيجةٍ طبيعيةٍ لما رأوهـ من وضاعةٍ ونهمٍ وقابليةٍ للارتشاء وسط عسكريين وسياسيينا . وكلنا يذكر ما جرى في المحاكمة التي أقيمت للرئيس المخلوع عمر البشير بعد خلعه . فقد قال المحقق في القضية ، إن البشير أبلغهم أنه حصل على مبلغ 25 مليون دولاراً من ولي العهد السعودي ، الأمير محمد بن سلمان ، لإنفاقها في صورة "تبرعات وهدايا للفقراء" . وقال المحقق أيضًا ، إن "البشير ادعى أنه تلقى قبل ذلك، 35 مليون دولاراً من العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبدالعزيز. وتلقى كذلك مليون دولاراً من ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد. (راجع موقع "سي إن إن العربية" على الرابط : 7 ). فأي كرامةٍ وأي احترامٍ يمكن أن يلقاها السودان والسودانيون ورؤساؤهم ومسؤولوهم بمثل هذهـ الحِطَّة والوضاعة . رئيس يتلقى أمولاً نقدية بالملايين تأتي بها إليه طائرة خاصة إلى مطار بلدهـ وتكون موجهةً إليه بصفته الشخصية ولا يرى بأسًا في أخذها إلى منزله ليقسم بعضها على بطانته . وما أكثر ما تردد أن المسؤولين السودانيين عادوا من عواصم الدول الخليجية ، وبرفقتهم حقائب محشوة بملايين الدولارات . باختصارٍ شديد هذهـ الثورة جاءت لكنس هذهـ القذارات ، ولسوف تجد مقاومةً شديدةً من جهات داخلية وخارجية عديدة ، لكن انتصارها حتميٌّ، طال الزمن أم قَصُر .
(يتواصل)

E.mail

elmhasi 06-04-2025 07:44 PM



على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية (12 – 20)


15 March, 2025

"لن يستطيعَ أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِك، ما لمْ تَكُنْ منحنياً"

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

وجدت مصر ضالتها في البرهان
منذ الغزو المصري الخديوي للسودان في الربع الأول من القرن التاسع عشر، لم تجد مصر حاكمًا سودانيًا أتاح لها نهب موارد السودان كما فعل الفريق عبدالفتاح البرهان . وسنأتي لاحقًا إلى ذكر ذلك بشيء من التفصيل . وعمومًا ، إن نهب موارد السودان ظل منذ العصور الغابرة هو الهم الأكبر المسيطر على العقلية المصرية . وقد سبق أن ذكرت كيف أن للجغرافيا وفقر مصر من الموارد دورٌ في هذا الهوس المصري بالسودان وبمواردهـ ؛ من أراضٍ خصبةٍ شاسعةٍ ، ومن مواردَ طبيعيةٍ ثرةٍ ؛ نباتيةٍ وحيوانيةٍ ومعدنية . يُضاف إلى ما تقدَّم ، أن السودان يمثل خطرًا على حصة مصر من مياهـ النيل ، الأمر الذي يفرض على مصر التحكُّم في نموِّهـ بمختلف الطرق . وكما سلف القول ، فإن الفريق البرهان منذ أن اعتلى قمة السلطة ، رئيسًا لمجلس السيادة للفترة الانتقالية ، كانت خطته ألا تكمل الفترة الانتفالية مدتها . وألا تجري انتخابات تقود إلى أن يتولى المدنيون زمام الحكم ، وفقًا لنهج التبادل الديمقراطي السلمي للسلطة . وبالفعل ، أطاح الفريق البرهان بالوثيقة الدستورية وبحكومة الفترة الانتقالية ، بالانقلاب الذي نفذهـ في 25 أكتوبر 2021م ، التي ترأس وزارتها الدكتور عبدالله حمدوك . وقد انقلب الفريق البرهان على حكومة حمدوك ، بعد أن وضع في سبيلها كل العراقيل الممكنة ، كما سبق أن ذكرنا . خطة البرهان ، وقد أثبتتها الأحداث التي ظلت تجري منذ وصوله إلى قمة هرم السلطة وإلى اليوم ، هي أن يحكم منفردا . وهذا يجعله في مواجهة قوتين هما : قوى الثورة ، من جهة ، والإسلامويون من الجهة الأخرى .
للنجاح في هذهـ اللعبة الخطرة المركبة ، اهتم الفريق البرهان ، أولاً ، بالحرب على قوى الثورة . وأصبح عليه أن يلعب على التناقض بين حليفيه المتمثلين في الإسلامويين ، والنظام . فمن جهةٍ ، وافق فتون البرهان وجنونه بالسلطة ما يريدهـ النظام المصري وهو وجود جنرال على قمة السلطة في السودان يكون خاضعًا بالمطلق لإرادة المصرية . ومن الجهة الأخرى يحتاج البرهان العون الدبلوماسي والعسكري المصري ، لكي يبقى في السلطة . ولكي يجد العون الدبلوماسي والعسكري المصري عليه أن يقدم شيئًا في مقابل ذلك ، وهو فتح الباب على مصراعيه للنظام المصري ، ولمجموعات المصالح الخاصة المصرية الملتفة حول النظام المصري ، لنهب موارد السودان ؛ بلا قيد أو شرط ، وبأقل الأسعار، بل وبلا مقابل أحيانا . وكذلك ، الخضوع الكامل لمصر فيما يتعلق برؤيتها حول مياهـ النيل . وأيضًا ، أن يصبح مخلب قطٍّ لمصر في تسبيب الغلاغل والمتاعب لإثيوبيا ، ولغيرها من دول حوض النيل . وقد قام البرهان بكل أولئك كما أُرادت منه مصر ، منذ أن أصبح رئيسًا لمجلس السيادة .
في فترة سيطرة البرهان على السلطة في السودان ، ظلَّت مصر تشتري مختلف موارد السودان بالعملة السودانية المحلية . ولم نعرف أبدًا أن دولةً ما في العالم رضيت أن تبيع لدولةٍ أخرى مواردها بالعملة المحلية للبلد البائع . بل تردَّد كثيرًا أن العملة التي يشتري بها المصريون الموارد السودانية عملةٌ مزيفةٌ تجري طباعتها في القاهرة . وقد وردت في شهادات سودانيين مقيمين في القاهرة أن هناك من عرض عليهم حزمًا كبيرةً من الأوراقٍ النقدية السودانية ، نظير مبالغ زهيدةٍ للغاية بالجنيه المصري . خلاصة القول ، إن شراء موارد السودان بعملته المحلية ، المُبرِّئة للذمة والمزيَّفة ، يعني أن موارد السودان تذهب إلى مصر مجانا . أما فيما يخص ملف مياهـ النيل وتسبيب الغلاغل لإثيوبيا فقد اصطف البرهان وراء مصر اصطفافًا كاملاً ، بل ومنح مصر قاعدةً مروي الجوية في شمال السودان لتصبح منصةً عسكرية متقدمةً لتهديد الجارة إثيوبيا .
يعرف البرهان أن نظام السيسي قد سحق حركة الإخوان المسلمين في مصر ، ونكَّل بهم شر تنكيل . وهو يعرف أن نظام السيسي يقف ضد الإخوان المسلمين حيثما كانوا ، ولكنه استثنى إخوان السودان لخدمة هدف تكتيكي مرحلي ، هو مساعدة الفريق البرهان للبقاء في السلطة حتى تثبت فيها قدماهـ ، ثم يجري التخلص منهم عقب ذلك . أيضًا ، يعرف الفريق البرهان أن مصر تعرف أنه عمل ضابطًا في الجيش السوداني في خدمة الحركة الإسلامية السودانية ، وذراعها المؤتمر الوطني لعقود طويلة . ولذلك ، لكي يجعل الفريق البرهان نظام السيسي ينخرط في دعمه سياسيًّا وعسكريًا بالطريقة التي ظهرت في هذهـ الحرب ، لابد أن يكون الفريق البرهان قد قدَّم للنظام المصري ، في لقاءاته العديدة بالفريق عبدالفتاح السيسي وجهاز مخابراته ، تطميناتٍ فيما يخص حلفه مع الإسلامويين . وغالبًا ما تكون هذهـ التطمينات أنَّ حلفه مع الإسلامويين حلفٌ تكتيكيٌّ قصيرٌ الأمد ، من أجل خدمة مرحلةٍ بعينها . فحزب المؤتمر الوطني وما تسمى الحركة الإسلامية السودانية يتشاركان مع الفريق البرهان الحرص على هزيمة الثورة . لكنهما يختلفان معه في أنهما يريدان العودة إلى الحكم من جديد . ولذلك ، هم يتعاملون مع الفريق البرهان بحذر وشكٍّ كبيرين لمعرفتهم برغبته في الحكم منفردًا وبعلاقته الوطيدة بمصر . وقد بان في مراتٍ عديدةٍ أن الفريق البرهان والإسلامويين يتربصان ببعضهما . فلكل واحدٍ منهما خطته الجاهزة للانقضاض على الآخر، عندما تصل الأمور نقطة مفترق الطرق .
أيضًا ، ربما توصل النظام المصري عبر اختراقه للنخب العسكرية والأمنية والسياسية التي عملت مع نظام الرئيس المخلوع عمر البشير إلى قناعةٍ مفادها أن قادة ما تسمى "الحركة الإسلامية في السودان"، ليسوا قادةً مبدئيين بقدر ما هم حارسين لمصالح تخصهم . أي ، أنهم ليسوا سوى مجموعة من الأوليغارك الغارقين في حب المال والسلطة حتى أذنيهم . وأنهم في حقيقة أمرهم براغماتيون ، وليسوا مبدئيين . وأن ذلك يجعل اصطحابهم في خدمة مرحلة بعينها ثم رميهم جانبًا أو تطويعهم بصورةٍ دائمةٍ خيارًا ممكنا . لكن ، في تقديري، أن هذا التصور، إن وُجد ، فإنه تصورٌ خاطئ . فما تسمى الحركة الإسلامية في السودان ليست بمفردها وإنما مرتبطة بمنظومة إقليمية معقدة متضاربة الأجندة تشكل تركيا وإيران وقطر . ولذلك بقيت ما تسمى الحركة الإسلامية السودانية ، تلعب على عدة حبالٍ . وقد عرفت عبر ما يزيد على الخمسة والثلاثين عامًا من التجربة ، كيف تتلون وتخدع ، وتنافق ، وتلعب على عنصر الوقت وعلى متغيرات الأحداث وعلى تضارب أجندة دول الإقليم .

العلاقة الملتبسة بين البرهان والإسلامويين
من الشواهد على العلاقة الملتبسة بين الفريق البرهان ومجموعة الإسلامويين ، ما نراهـ بين فترةٍ وأخرى من انتقال الأبواق الإعلامية الناطقة باسم الإسلامويين في السودان ، بين الإسراف في تمجيد الفريق البرهان ووضعه في مكانة البطل القومي ، وبين تحولها ، في أحيانٍ أخرى ، إلى الهجوم عليه ، بل، ومُلصقةً به أسوأ التهم . فقد قال إمام مسجد جبرة في الخرطوم ، المتطرف ، عبدالحي يوسف ، المقيم حاليًّا في تركيا : إن الإسلاميين لا يثقون في البرهان ، وأن الفضل في الانتصارات الأخيرة للجيش ، حسب زعمه ، يعود إلى الإسلاميين وليس إلى الجيش . وأضاف واصفًا البرهان بأنه شخصٌ : "ليس له دين ويحمل النصيب الأوفر في التسبب في هذهـ الأزمة . فتقوية قوات الدعم السريع عدةً وعتادًا كانت تحت سمعه وبصرهـ". وأضاف أيضًا : أن "البرهان أعجز من أن يقضي على الإسلاميين، فهم موجودون حتي في مكتبه". وينطوي هذا على أن لدى "الإسلاميين" شعورًا قويٍا وربما شواهد على أن البرهان يتربص بهم . وقد حذر عبدالحي يوسف الإسلامويين قائلاً إن البرهان في آخر زيارة له إلى أميركا قبل شهرين من حديثه هذا ، التقى مسؤولين أميركيين ولم يصدر بيانٌ عن تفاصيل الاجتماع . وتنطوي هذهـ على تهمة للبرهان بأنه ربما يخطط مع الأمريكيين للغدر بهم . وعزا عبدالحي يوسف الانتصارات التي تحققت أخيرًا إلى المقاومة الشعبية وليس إلى الجيش ، قائلاً : "إن الله ساق هذهـ الحرب من أجل أن يُعيد للحركة الإسلامية ألقها وقوتها". (راجع : صحيفة سودان تربيون ، على الرابط : 1).
لم يقتصر الهجوم على الفريق عبدالفتاح البرهان على إمام مسجد جبرة ، عبدالحي يوسف ، وحدهـ ، وإنما شارك في الهجوم عليه ، أيضًا ، بل والسخرية منه ، في بضع مراتٍ ، كلٌّ من الإعلامي ، الطاهر حسن التوم ، ومهرِّج "السوشال ميديا" الملقب بـ "الانصرافي". بل وتشير بعض حوادث المسيَّرات التي أسقطت قذائفها على بعض اللقاءات الجماهيرية التي حضرها الفريق البرهان ، إلى أنها قد كانت رسائل تحذيرية له من دهاقنة ما تسمى "الحركة الإسلامية"، عبر جناحها الداعشي المتطرف المسمى "كتائب البراء". وغرض تلك الرسائل التحذيرية هو ألا يجنح البرهان قط إلى أي حلٍّ تفاوضيٍّ لإيقاف الحرب ، يمكن أن يقصي الحركة الإسلامية وحزبها المؤتمر الوطني من المشاركة من الحكم ، وهو المطلب الرئيس لثوار ثورة ديسمبر . أو ، أن يكتفي بمنحها دورًا هامشيًا في المرحلة المقبلة بناءً على ما يتوصل إليه التفاوض . فإرسال المُسيَّرات وإلقاءها قنابلها على اللقاءات الجماهيرية التي يحضرها البرهان تعني أن الحركة الإسلامية تستطيع أن تصل بهذهـ المُسيَّرات إلى عقر دار الفريق البرهان . فالحركة الإسلامية لا تريد حلاً تفاوضيًا تفرضه القوى الدولية أو الإقليمية . فهي أصلاً لم تشعل الحرب إلا لكي تقضي نهائيًا على قوات الدعم السريع ، وهو السبيل الوحيد في نظرها الذي يمكنها من العودة إلى السلطة بمفردها . ولتتفرغ ، من ثم لذبح الثوار المدنيين المطالبين بالتحول الديمقراطي . وهو ، كما ذكرنا ، السبب الرئيس الذي جعلها تقود الأمور عبر الفترة الانتقالية لتصل إلى نقطة إشعال الحرب الشاملة الجارية حاليا.
في 8 فبراير 2025م تحدث الفريق البرهان من عاصمة حكمه البديلة بورتسودان داعيًا المؤتمر الوطني المحلول للابتعاد عن المزايدات السياسية ، مخاطبًا لهم بقوله : أنه لا فرصة لهم في الحكم ، مرةً ثانية ، على أشلاء السودانيين في هذهـ المرحلة ، وإلا فلن يكون هناك فرق بينهم وبين تنسيقية "قحت" ، أو "تقدم" ، حسب قول البرهان . وقال إذا أراد المؤتمر الوطني أن يحكم ، عليه أن يتنافس في المستقبل مع بقية القوى السياسية . فانبرى في الرد عليه وبسرعة حزب المؤتمر الوطني ببياناتٍ مقتضبةٍ جنحت إلى اللوم والعتاب . أما إعلاميو الإسلامويين والمؤتمر الوطني فقد انتقدوا ما ورد في الخطاب بلهجة بالغة الحدة . وأما قائد ميليشيا لواء البراء الذي يمثل الذراع العسكري المتطرف في المؤتمر الوطني فقد قال : لا ننتظر شكرًا أو تقييمًا من أي شخص ، ونرجو من الله أن يتقبل الجهد والجهاد ، وسنظل ندافع عن كل شبر في الوطن . وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفريق البرهان كان قد زار قائد لواء البراء المصباح أبوزيد طلحة ، عقب هروبه مباشرة من مباني القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم التي كان محاصرًا فيها لأربعة أشهر عقب اندلاع الحرب . الشاهد ، فيما يتعلق بمناقضة البرهان المتكررة لنفسه أنه رجع بعد يومين من خطابه الذي حذر فيه الإسلامويين وحزبهم المؤتمر الوطني بألا يفكروا في العودة إلى السلطة ليقول :الذين حاربوا إلى جانبنا سيكون لهم مكانٌ في السلطة . ومعلومٌ أن الذين حاربوا إلى جانبه هم الإسلامويون وكتائبهم الجهادية المتطرفة.

انكشاف خضوع البرهان للمتطرفين
تناقلت عديد المواقع الإلكترونية تسريباتٍ نشرتها كاتبة العمود بصحيفة الجريدة ، صباح محمد الحسن ، ذكرت فيها أن إجتماعًا عاصفًا جمع الأمين العام لما تسمى "الحركة الإسلامية" ، علي كرتي ، وقائد الجيش ، الفريق عبدالفتاح البرهان . تقول التسريبات أن علي كرتي هدد الفريق البرهان في ذلك الاجتماع بأنه ، في حال انصياع الفريق البرهان للضغوط الدولية والإقليمية ، سوف يكشف عن الكثير من الوثائق السرية المفصلية المتعلقة بالحرب الحالية وبإنقلاب أكتوبر 2021م ، وبعملية فض الإعتصام . وذكرت الصحفية أن مصادر سياسية خارجية رفيعة كشفت عن ورقةٍ جديدةٍ على طاولة الحل للأزمة السودانية . وأن تلك الورقة وضعها تحالفٌ دوليٌّ ضم دول الوساطة بالتعاون مع دولٍ إقليميةٍ ، من بينها دولٌ حليفةٌ للمؤسسة العسكرية . وذكرت أن تلك الورقة تتضمن خطةً عاجلةً ، قد لايتجاوز مدى وضعها موضع التنفيذ شهرًا . وتهدف الخطة للقضاء على ما أسمته "المد الإسلامي الإخواني بالسودان" وأقتلاعه من جذورهـ ، عبر عدة آليات قالت أنها متاحة . وتقول الصحفية أن تلك المصادر رجَّحت أن قناعة تلك الدول جاءت لسببين : أولهما أن قائد الجيش السوداني أخلَّ بإتفاق سبقت موافقته عليه . وهو السيطرة على القيادة العامة التي كان من المقرر أن يؤكد الفريق البرهان عقب انسحاب قوات الدعم السريع منها ، ذهابه إلى التفاوض . لكن ، كما هو واضحٌ الآن ، فقد مر أكثر من شهر من نشر تلك التسريبات ، ولم يتغير شيءٌ في المشهد السوداني .
أيضًا ، أضافت الصحفية قائلةً : إن تلك المصادر ذكرت أن البرهان كان في نيته تنفيذ الاتفاق . حيث لمَّح إلى ذلك في خطابه الأخير في مباني القيادة العامة ، في حين صرح به بوضوح أكثر ، نائبه مالك عقار . إلا أن القيادات الإسلامية حاصرت البرهان ومنعته من تنفيذ الخطوة . وبعد الإجتماع وعدول البرهان عن رأيه خرج قائد كتيبة البراء ليعلن ألا تفاوض مطلقًا مع قوات الدعم السريع . الأمر الذي كشف لتلك الدول أن قادة الكتائب الإسلامية هم الذين يقررون بدلاً عن الفريق البرهان ، وأثبتوا عمليًا أنهم الطرف الأقوى . وتخلص الصحفية إلى القول إن إزاحة البرهان الذي أصبح عقبةً ، ضرورةٌ ينبغي أن تسبق التفاوض المنتظر. وتقول الكاتبة : إن الذي دفع تلك الدول لقرار إقتلاع الإسلاميين ، إضافةً إلى ما تقدم ، ووفقًا لتك المصادر، هو الجرائم الأخيرة التي قامت بها كتائب البراء بن مالك ومليشيا درع السودان . وزعمت الكاتبة إن تلك الجرائم قد نسفت الدعم الدولي المؤسسة العسكرية السودانية ، وباعدت بينها وبين الدول التي فضلت الوقوف إلى جانبها ، بإعتبارها تمثل الجهة الرسمية بالبلاد . خاصةً أن الفريق البرهان والمؤسسة العسكرية وقفوا متفرجين وعاجزين . ولم يفعلوا شيئًا أمام الجرائم الوحشية التي إرتكبتها تلك الكتائب والمليشيات بإسم الجيش . (راجع : موقع أخبار السودان ، على الرابط: 2).

(يتواصل)
E.mail

elmhasi 06-04-2025 07:49 PM



على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية (12 – 20)


15 March, 2025

"لن يستطيعَ أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِك، ما لمْ تَكُنْ منحنياً"

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

وجدت مصر ضالتها في البرهان
منذ الغزو المصري الخديوي للسودان في الربع الأول من القرن التاسع عشر، لم تجد مصر حاكمًا سودانيًا أتاح لها نهب موارد السودان كما فعل الفريق عبدالفتاح البرهان . وسنأتي لاحقًا إلى ذكر ذلك بشيء من التفصيل . وعمومًا ، إن نهب موارد السودان ظل منذ العصور الغابرة هو الهم الأكبر المسيطر على العقلية المصرية . وقد سبق أن ذكرت كيف أن للجغرافيا وفقر مصر من الموارد دورٌ في هذا الهوس المصري بالسودان وبمواردهـ ؛ من أراضٍ خصبةٍ شاسعةٍ ، ومن مواردَ طبيعيةٍ ثرةٍ ؛ نباتيةٍ وحيوانيةٍ ومعدنية . يُضاف إلى ما تقدَّم ، أن السودان يمثل خطرًا على حصة مصر من مياهـ النيل ، الأمر الذي يفرض على مصر التحكُّم في نموِّهـ بمختلف الطرق . وكما سلف القول ، فإن الفريق البرهان منذ أن اعتلى قمة السلطة ، رئيسًا لمجلس السيادة للفترة الانتقالية ، كانت خطته ألا تكمل الفترة الانتفالية مدتها . وألا تجري انتخابات تقود إلى أن يتولى المدنيون زمام الحكم ، وفقًا لنهج التبادل الديمقراطي السلمي للسلطة . وبالفعل ، أطاح الفريق البرهان بالوثيقة الدستورية وبحكومة الفترة الانتقالية ، بالانقلاب الذي نفذهـ في 25 أكتوبر 2021م ، التي ترأس وزارتها الدكتور عبدالله حمدوك . وقد انقلب الفريق البرهان على حكومة حمدوك ، بعد أن وضع في سبيلها كل العراقيل الممكنة ، كما سبق أن ذكرنا . خطة البرهان ، وقد أثبتتها الأحداث التي ظلت تجري منذ وصوله إلى قمة هرم السلطة وإلى اليوم ، هي أن يحكم منفردا . وهذا يجعله في مواجهة قوتين هما : قوى الثورة ، من جهة ، والإسلامويون من الجهة الأخرى .
للنجاح في هذهـ اللعبة الخطرة المركبة ، اهتم الفريق البرهان ، أولاً ، بالحرب على قوى الثورة . وأصبح عليه أن يلعب على التناقض بين حليفيه المتمثلين في الإسلامويين ، والنظام . فمن جهةٍ ، وافق فتون البرهان وجنونه بالسلطة ما يريدهـ النظام المصري وهو وجود جنرال على قمة السلطة في السودان يكون خاضعًا بالمطلق لإرادة المصرية . ومن الجهة الأخرى يحتاج البرهان العون الدبلوماسي والعسكري المصري ، لكي يبقى في السلطة . ولكي يجد العون الدبلوماسي والعسكري المصري عليه أن يقدم شيئًا في مقابل ذلك ، وهو فتح الباب على مصراعيه للنظام المصري ، ولمجموعات المصالح الخاصة المصرية الملتفة حول النظام المصري ، لنهب موارد السودان ؛ بلا قيد أو شرط ، وبأقل الأسعار، بل وبلا مقابل أحيانا . وكذلك ، الخضوع الكامل لمصر فيما يتعلق برؤيتها حول مياهـ النيل . وأيضًا ، أن يصبح مخلب قطٍّ لمصر في تسبيب الغلاغل والمتاعب لإثيوبيا ، ولغيرها من دول حوض النيل . وقد قام البرهان بكل أولئك كما أُرادت منه مصر ، منذ أن أصبح رئيسًا لمجلس السيادة .
في فترة سيطرة البرهان على السلطة في السودان ، ظلَّت مصر تشتري مختلف موارد السودان بالعملة السودانية المحلية . ولم نعرف أبدًا أن دولةً ما في العالم رضيت أن تبيع لدولةٍ أخرى مواردها بالعملة المحلية للبلد البائع . بل تردَّد كثيرًا أن العملة التي يشتري بها المصريون الموارد السودانية عملةٌ مزيفةٌ تجري طباعتها في القاهرة . وقد وردت في شهادات سودانيين مقيمين في القاهرة أن هناك من عرض عليهم حزمًا كبيرةً من الأوراقٍ النقدية السودانية ، نظير مبالغ زهيدةٍ للغاية بالجنيه المصري . خلاصة القول ، إن شراء موارد السودان بعملته المحلية ، المُبرِّئة للذمة والمزيَّفة ، يعني أن موارد السودان تذهب إلى مصر مجانا . أما فيما يخص ملف مياهـ النيل وتسبيب الغلاغل لإثيوبيا فقد اصطف البرهان وراء مصر اصطفافًا كاملاً ، بل ومنح مصر قاعدةً مروي الجوية في شمال السودان لتصبح منصةً عسكرية متقدمةً لتهديد الجارة إثيوبيا .
يعرف البرهان أن نظام السيسي قد سحق حركة الإخوان المسلمين في مصر ، ونكَّل بهم شر تنكيل . وهو يعرف أن نظام السيسي يقف ضد الإخوان المسلمين حيثما كانوا ، ولكنه استثنى إخوان السودان لخدمة هدف تكتيكي مرحلي ، هو مساعدة الفريق البرهان للبقاء في السلطة حتى تثبت فيها قدماهـ ، ثم يجري التخلص منهم عقب ذلك . أيضًا ، يعرف الفريق البرهان أن مصر تعرف أنه عمل ضابطًا في الجيش السوداني في خدمة الحركة الإسلامية السودانية ، وذراعها المؤتمر الوطني لعقود طويلة . ولذلك ، لكي يجعل الفريق البرهان نظام السيسي ينخرط في دعمه سياسيًّا وعسكريًا بالطريقة التي ظهرت في هذهـ الحرب ، لابد أن يكون الفريق البرهان قد قدَّم للنظام المصري ، في لقاءاته العديدة بالفريق عبدالفتاح السيسي وجهاز مخابراته ، تطميناتٍ فيما يخص حلفه مع الإسلامويين . وغالبًا ما تكون هذهـ التطمينات أنَّ حلفه مع الإسلامويين حلفٌ تكتيكيٌّ قصيرٌ الأمد ، من أجل خدمة مرحلةٍ بعينها . فحزب المؤتمر الوطني وما تسمى الحركة الإسلامية السودانية يتشاركان مع الفريق البرهان الحرص على هزيمة الثورة . لكنهما يختلفان معه في أنهما يريدان العودة إلى الحكم من جديد . ولذلك ، هم يتعاملون مع الفريق البرهان بحذر وشكٍّ كبيرين لمعرفتهم برغبته في الحكم منفردًا وبعلاقته الوطيدة بمصر . وقد بان في مراتٍ عديدةٍ أن الفريق البرهان والإسلامويين يتربصان ببعضهما . فلكل واحدٍ منهما خطته الجاهزة للانقضاض على الآخر، عندما تصل الأمور نقطة مفترق الطرق .
أيضًا ، ربما توصل النظام المصري عبر اختراقه للنخب العسكرية والأمنية والسياسية التي عملت مع نظام الرئيس المخلوع عمر البشير إلى قناعةٍ مفادها أن قادة ما تسمى "الحركة الإسلامية في السودان"، ليسوا قادةً مبدئيين بقدر ما هم حارسين لمصالح تخصهم . أي ، أنهم ليسوا سوى مجموعة من الأوليغارك الغارقين في حب المال والسلطة حتى أذنيهم . وأنهم في حقيقة أمرهم براغماتيون ، وليسوا مبدئيين . وأن ذلك يجعل اصطحابهم في خدمة مرحلة بعينها ثم رميهم جانبًا أو تطويعهم بصورةٍ دائمةٍ خيارًا ممكنا . لكن ، في تقديري، أن هذا التصور، إن وُجد ، فإنه تصورٌ خاطئ . فما تسمى الحركة الإسلامية في السودان ليست بمفردها وإنما مرتبطة بمنظومة إقليمية معقدة متضاربة الأجندة تشكل تركيا وإيران وقطر . ولذلك بقيت ما تسمى الحركة الإسلامية السودانية ، تلعب على عدة حبالٍ . وقد عرفت عبر ما يزيد على الخمسة والثلاثين عامًا من التجربة ، كيف تتلون وتخدع ، وتنافق ، وتلعب على عنصر الوقت وعلى متغيرات الأحداث وعلى تضارب أجندة دول الإقليم .

العلاقة الملتبسة بين البرهان والإسلامويين
من الشواهد على العلاقة الملتبسة بين الفريق البرهان ومجموعة الإسلامويين ، ما نراهـ بين فترةٍ وأخرى من انتقال الأبواق الإعلامية الناطقة باسم الإسلامويين في السودان ، بين الإسراف في تمجيد الفريق البرهان ووضعه في مكانة البطل القومي ، وبين تحولها ، في أحيانٍ أخرى ، إلى الهجوم عليه ، بل، ومُلصقةً به أسوأ التهم . فقد قال إمام مسجد جبرة في الخرطوم ، المتطرف ، عبدالحي يوسف ، المقيم حاليًّا في تركيا : إن الإسلاميين لا يثقون في البرهان ، وأن الفضل في الانتصارات الأخيرة للجيش ، حسب زعمه ، يعود إلى الإسلاميين وليس إلى الجيش . وأضاف واصفًا البرهان بأنه شخصٌ : "ليس له دين ويحمل النصيب الأوفر في التسبب في هذهـ الأزمة . فتقوية قوات الدعم السريع عدةً وعتادًا كانت تحت سمعه وبصرهـ". وأضاف أيضًا : أن "البرهان أعجز من أن يقضي على الإسلاميين، فهم موجودون حتي في مكتبه". وينطوي هذا على أن لدى "الإسلاميين" شعورًا قويٍا وربما شواهد على أن البرهان يتربص بهم . وقد حذر عبدالحي يوسف الإسلامويين قائلاً إن البرهان في آخر زيارة له إلى أميركا قبل شهرين من حديثه هذا ، التقى مسؤولين أميركيين ولم يصدر بيانٌ عن تفاصيل الاجتماع . وتنطوي هذهـ على تهمة للبرهان بأنه ربما يخطط مع الأمريكيين للغدر بهم . وعزا عبدالحي يوسف الانتصارات التي تحققت أخيرًا إلى المقاومة الشعبية وليس إلى الجيش ، قائلاً : "إن الله ساق هذهـ الحرب من أجل أن يُعيد للحركة الإسلامية ألقها وقوتها". (راجع : صحيفة سودان تربيون ، على الرابط : 1).
لم يقتصر الهجوم على الفريق عبدالفتاح البرهان على إمام مسجد جبرة ، عبدالحي يوسف ، وحدهـ ، وإنما شارك في الهجوم عليه ، أيضًا ، بل والسخرية منه ، في بضع مراتٍ ، كلٌّ من الإعلامي ، الطاهر حسن التوم ، ومهرِّج "السوشال ميديا" الملقب بـ "الانصرافي". بل وتشير بعض حوادث المسيَّرات التي أسقطت قذائفها على بعض اللقاءات الجماهيرية التي حضرها الفريق البرهان ، إلى أنها قد كانت رسائل تحذيرية له من دهاقنة ما تسمى "الحركة الإسلامية"، عبر جناحها الداعشي المتطرف المسمى "كتائب البراء". وغرض تلك الرسائل التحذيرية هو ألا يجنح البرهان قط إلى أي حلٍّ تفاوضيٍّ لإيقاف الحرب ، يمكن أن يقصي الحركة الإسلامية وحزبها المؤتمر الوطني من المشاركة من الحكم ، وهو المطلب الرئيس لثوار ثورة ديسمبر . أو ، أن يكتفي بمنحها دورًا هامشيًا في المرحلة المقبلة بناءً على ما يتوصل إليه التفاوض . فإرسال المُسيَّرات وإلقاءها قنابلها على اللقاءات الجماهيرية التي يحضرها البرهان تعني أن الحركة الإسلامية تستطيع أن تصل بهذهـ المُسيَّرات إلى عقر دار الفريق البرهان . فالحركة الإسلامية لا تريد حلاً تفاوضيًا تفرضه القوى الدولية أو الإقليمية . فهي أصلاً لم تشعل الحرب إلا لكي تقضي نهائيًا على قوات الدعم السريع ، وهو السبيل الوحيد في نظرها الذي يمكنها من العودة إلى السلطة بمفردها . ولتتفرغ ، من ثم لذبح الثوار المدنيين المطالبين بالتحول الديمقراطي . وهو ، كما ذكرنا ، السبب الرئيس الذي جعلها تقود الأمور عبر الفترة الانتقالية لتصل إلى نقطة إشعال الحرب الشاملة الجارية حاليا.
في 8 فبراير 2025م تحدث الفريق البرهان من عاصمة حكمه البديلة بورتسودان داعيًا المؤتمر الوطني المحلول للابتعاد عن المزايدات السياسية ، مخاطبًا لهم بقوله : أنه لا فرصة لهم في الحكم ، مرةً ثانية ، على أشلاء السودانيين في هذهـ المرحلة ، وإلا فلن يكون هناك فرق بينهم وبين تنسيقية "قحت" ، أو "تقدم" ، حسب قول البرهان . وقال إذا أراد المؤتمر الوطني أن يحكم ، عليه أن يتنافس في المستقبل مع بقية القوى السياسية . فانبرى في الرد عليه وبسرعة حزب المؤتمر الوطني ببياناتٍ مقتضبةٍ جنحت إلى اللوم والعتاب . أما إعلاميو الإسلامويين والمؤتمر الوطني فقد انتقدوا ما ورد في الخطاب بلهجة بالغة الحدة . وأما قائد ميليشيا لواء البراء الذي يمثل الذراع العسكري المتطرف في المؤتمر الوطني فقد قال : لا ننتظر شكرًا أو تقييمًا من أي شخص ، ونرجو من الله أن يتقبل الجهد والجهاد ، وسنظل ندافع عن كل شبر في الوطن . وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفريق البرهان كان قد زار قائد لواء البراء المصباح أبوزيد طلحة ، عقب هروبه مباشرة من مباني القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم التي كان محاصرًا فيها لأربعة أشهر عقب اندلاع الحرب . الشاهد ، فيما يتعلق بمناقضة البرهان المتكررة لنفسه أنه رجع بعد يومين من خطابه الذي حذر فيه الإسلامويين وحزبهم المؤتمر الوطني بألا يفكروا في العودة إلى السلطة ليقول :الذين حاربوا إلى جانبنا سيكون لهم مكانٌ في السلطة . ومعلومٌ أن الذين حاربوا إلى جانبه هم الإسلامويون وكتائبهم الجهادية المتطرفة.

انكشاف خضوع البرهان للمتطرفين
تناقلت عديد المواقع الإلكترونية تسريباتٍ نشرتها كاتبة العمود بصحيفة الجريدة ، صباح محمد الحسن ، ذكرت فيها أن إجتماعًا عاصفًا جمع الأمين العام لما تسمى "الحركة الإسلامية" ، علي كرتي ، وقائد الجيش ، الفريق عبدالفتاح البرهان . تقول التسريبات أن علي كرتي هدد الفريق البرهان في ذلك الاجتماع بأنه ، في حال انصياع الفريق البرهان للضغوط الدولية والإقليمية ، سوف يكشف عن الكثير من الوثائق السرية المفصلية المتعلقة بالحرب الحالية وبإنقلاب أكتوبر 2021م ، وبعملية فض الإعتصام . وذكرت الصحفية أن مصادر سياسية خارجية رفيعة كشفت عن ورقةٍ جديدةٍ على طاولة الحل للأزمة السودانية . وأن تلك الورقة وضعها تحالفٌ دوليٌّ ضم دول الوساطة بالتعاون مع دولٍ إقليميةٍ ، من بينها دولٌ حليفةٌ للمؤسسة العسكرية . وذكرت أن تلك الورقة تتضمن خطةً عاجلةً ، قد لايتجاوز مدى وضعها موضع التنفيذ شهرًا . وتهدف الخطة للقضاء على ما أسمته "المد الإسلامي الإخواني بالسودان" وأقتلاعه من جذورهـ ، عبر عدة آليات قالت أنها متاحة . وتقول الصحفية أن تلك المصادر رجَّحت أن قناعة تلك الدول جاءت لسببين : أولهما أن قائد الجيش السوداني أخلَّ بإتفاق سبقت موافقته عليه . وهو السيطرة على القيادة العامة التي كان من المقرر أن يؤكد الفريق البرهان عقب انسحاب قوات الدعم السريع منها ، ذهابه إلى التفاوض . لكن ، كما هو واضحٌ الآن ، فقد مر أكثر من شهر من نشر تلك التسريبات ، ولم يتغير شيءٌ في المشهد السوداني .
أيضًا ، أضافت الصحفية قائلةً : إن تلك المصادر ذكرت أن البرهان كان في نيته تنفيذ الاتفاق . حيث لمَّح إلى ذلك في خطابه الأخير في مباني القيادة العامة ، في حين صرح به بوضوح أكثر ، نائبه مالك عقار . إلا أن القيادات الإسلامية حاصرت البرهان ومنعته من تنفيذ الخطوة . وبعد الإجتماع وعدول البرهان عن رأيه خرج قائد كتيبة البراء ليعلن ألا تفاوض مطلقًا مع قوات الدعم السريع . الأمر الذي كشف لتلك الدول أن قادة الكتائب الإسلامية هم الذين يقررون بدلاً عن الفريق البرهان ، وأثبتوا عمليًا أنهم الطرف الأقوى . وتخلص الصحفية إلى القول إن إزاحة البرهان الذي أصبح عقبةً ، ضرورةٌ ينبغي أن تسبق التفاوض المنتظر. وتقول الكاتبة : إن الذي دفع تلك الدول لقرار إقتلاع الإسلاميين ، إضافةً إلى ما تقدم ، ووفقًا لتك المصادر، هو الجرائم الأخيرة التي قامت بها كتائب البراء بن مالك ومليشيا درع السودان . وزعمت الكاتبة إن تلك الجرائم قد نسفت الدعم الدولي المؤسسة العسكرية السودانية ، وباعدت بينها وبين الدول التي فضلت الوقوف إلى جانبها ، بإعتبارها تمثل الجهة الرسمية بالبلاد . خاصةً أن الفريق البرهان والمؤسسة العسكرية وقفوا متفرجين وعاجزين . ولم يفعلوا شيئًا أمام الجرائم الوحشية التي إرتكبتها تلك الكتائب والمليشيات بإسم الجيش . (راجع : موقع أخبار السودان ، على الرابط : 2).

(يتواصل)
E.mail

elmhasi 16-05-2025 06:19 PM


على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية (13 – 20)


16 March, 2025

"لن يستطيعَ أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تَكُنْ مُنحنياً"

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

تلوُّن النظام الإخواني

لقد أجبرت الضغوط الشديدة التي واجهها نظام الترابي/ البشير في السودان ، منذ بداية التسعينات ، على التلون وإلى اكتساب مهاراتٍ للبقاء جعلته يمسك بالسلطة ، حتى الآن ، لستةٍ وثلاثين عاما . هذهـ الحقيقة ينبغي ، في تقديري المتواضع ، أن تكون حاضرةً في ذهن القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في محاولة إيجاد نهاية للحرب البشعة الجارية الآن في السودان . كما ينبغي ، أيضا ، أن تكون حاضرةً في ذهن النظام المصري ، الذي اتخذ من بقايا النظام الإخواني حليفًا له . وما من شك أن الأطماع التاريخية في السودان أعمت النظام المصري من أن يرى بوضوحٍ كافٍ خطورة بقايا هذا النظام الإخواني السوداني المتَّسم بالتلوُّن والمكر والغدر . ولا أدرى إلى أي مدىً سوف تصطحب القوى الدولية والإقليمية في تقديراتها هذهـ الطبيعة المراوغة الماكرة لهذا النظام الإخواني الكليبتوقراطي ، وإلى أي مدى سيتذكر النظام المصري ، الذي يحاول حاليًا احتكار ملف الأزمة السودانية ، تجاربه المريرة مع نظام الترابي/ البشير . فهل يا ترى نسي النظام المصري الصراعات الدموية بين الدولة المصرية وتنظيم الإخوان المسلمين وتفرعاته ، منذ اغتيال بطرس غالي باشا ، وأحمد ماهر باشا ، وأحمد الخازندار ، ومحمود فهمي النقراشي ، ومحمد حسين الذهبي ، ويوسف السباعي ، وأنور السادات ، ورفعت المحجوب ، وفرج فودة ؟ هذا ، إلى جانب العديد من محاولات الاغتيال الفاشلة . ومن الهجمات الإرهابية على كنائس المواطنين من الطائفة المسيحية القبطية ، والهجمات الإرهابية على أوتوبيسات السياح الأجانب .
لقد استضاف نظام الترابي/ البشير، في فترة التسعينات من القرن الماضي ، عتاة الإرهابيين الدوليين من عيار أسامة بن لادن والثعلب كارلوس . كما قام بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا . إلى جانب ذلك ، فتح النظام الباب للمتطرفين الإسلاميين من جميع إنحاء العالم ، لدخول السودان ، ومنحهم جوازات سفر سودانية . كما كان له دورٌ في التفجير الأول في برج التجارة الدولية في نيويورك ، وفي تفجيرات السفارات الأمريكية في شرق أفريقيا ، وفي حادثة تفجير المدمرة كول على سواحل اليمن . ومنذ بداية التسعينات ، ناصب هذ النظام الإخواني دول الخليج العربية العداء وفتح أبواقه الإعلامية ضدها ودعا إلى الإطاحة بها . وحين غزا صدام حسين الكويت وقف مع الغازي المعتدي ، فجرى تصنيفه حينها ضمن ما سُميت "دول الضد". كل تلك الأمور وضعت النظام الإخواني السوداني في قائمة الدول الراعية للإرهاب ، وجرى توقيع عقوباتٍ قاسيةٍ عليه . المؤسف أن النظام المصري استثمر في تلك العقوبات فقام بتأييدها ، بغرض تعطيل السودان عن النهوض حتى يبقى تحت الهيمنة المصرية المستدامة . ولهذا السبب كَرِهَـ النظام المصري حكومة الدكتور حمدوك وعمل على إبعادها من السلطة لأنها نجحت في إخراج السودان من أسر العقوبات ، كما أعلنت أنها ستوقف تصدير السودان موادهـ الخام السودانية قبل أن تجري معالجتها لإضفاء القيمة المضافة عليها.
تمكن النظام الإخواني في السودان من إرخاء القبضة الاقتصادية الخانقة عليه ، بالاتجاهـ إلى كندا ، حيث دخلت شركة تاليسمان الكندية إلى السودان . لكنها ، سرعان ما باعت أسهمها إلى أحد فروع شركة أويل آند ناتشورال قاس كوربوريشن الهندية ، مقابل 720 مليون دولارًا أمريكيا . ويبدو أن ذلك حدث نتيجة لضغوطٍ من الحكومة الكندية ، التي رأت أن عائدات النفط في السودان تذهب لإزكاء الحرب. (راجع: موقع قناة CBC على الرابط: رابط). عقب ذلك ، دخلت ، كلٌّ من الصين وماليزيا في صناعة البترول السودانية لينجح النظام الإخواني ، رغم المقاطعات ، في استخراج البترول ، الذي طالما تعثر استخراجه . في نهاية عقد التسعينات أطاح عمر البشير بالدكتور حسن الترابي صاحب فكرة الانقلاب الذي أتى بالبشير إلى السلطة . غير أن النظام الإخواني لم يغيِّر جلدهـ ، إذ استمر في حربه الدينية الجهادية في جنوب السودان. بل، وأضاف إليها حربًا أخرى في دارفور اتسمت بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية . كما قوَّى النظام صلته بإيران بل وأصبح وسيطًا لإرسال الأسلحة الإيرانية إلى منظمة حماس في غزة عبر بدو صحراء سيناء ، الأمر الذي جرَّ إسرائيل إلى تنفيذ غارتين جويتين داخل السودان .

التعاون مع سي آي آيه

تحت وطأة الضغوط الدولية والعقوبات الاقتصادية أخذ النظام الإخواني يخطب ود الغرب مقدمًا استعدادهـ لتقديم ملفات الإرهابيين الذين سبق أن استقطبهم وتعاون معهم . فأرسلت وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) طائرةً خاصةً إلى مدير الاستخبارات السودانية ، صلاح قوش ، لكي يأخذ معه كل ملفات الإرهابيين الذين تعامل معهم نظامه . وقد كانت تلك محاولةً من النظام للخروج من قائمة الدول الداعمة للإرهاب ، ومن ثم ، رفع العقوبات عنه . قدم صلاح قوش ما طلب منه في خيانةٍ قبيحةٍ لجميع من سبق أن استقطبهم واستخدمهم من الإرهابيين . غير أن المخابرات الأمريكية استحلبت منه كل ما تريد ، ولم يحصل منها على شيء نظير ما قدمه لها . وقد كشف موقع ويكيليكس عن محضر لقاءٍ جرى بين وفد من أعضاء لجنة العلاقات الخارجية واللجنة الفرعية لأفريقيا في مجلس الشيوخ الأميركي ، ورئيس جهاز الأمن والمخابرات السوداني السابق صلاح عبدالله قوش . وقد أشارت البرقية رقم 09KHARTOUM698 ، المرسلة من السفارة الأميركية في الخرطوم لرئاستها في واشنطن بتاريخ 28/5/2009 ، إلى أن صلاح قوش أعرب عن خيبة أمله لدي لقائه بالسناتور الجمهوري من ولاية جورجيا ، جوني آزياكسون ، والسناتور الجمهوري من ولاية تينسي ، بوب كريكر. وبحسب البرقية ، أرجع قوش خيبة أمله إلى أنه تعاون مع وكالة المخابرات الأميركية (CIA) ، طيلة التسع سنوات الماضيه ، قائلاً إن هذا التعاون لم يثمر في رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب . وأردف قائلاً : "خلال التسعة سنوات الماضية نجحنا في إنقاذ حياة أعدادٍ كبيرةٍ من الأميركان في الإقليم وفي الشرق الأوسط ، بسبب تعاوننا مع وكالة المخابرات الأميركية". وأكد قوش للوفد الأميركي أن عليهم أن يدركوا أن السودان يدفع "ثمناً باهظاً" ، بسبب تعاونه مع المخابرات الأميركية في مكافحة الإرهاب . وأنه شخصيًا يدفع ثمنًا لذلك التعاون . وقال إن أعضاء الحزب الحاكم ، المؤتمر الوطني أصبحوا ينعتونه بعميل أمريكا . والإسلاميون يسمونه "الكافر" جراء تعاونه مع الأمريكيين . ووصف قوش ، وفقًا لتلك البرقية ، السياسة الأميركية بقصر النظر، وأنها متأثرةٌ بأجندة مجموعات الضغط مثال ، "إنقاذ دارفور". (راجع : موقع ويكيليكس ، على الرابط: رابط). وفي أغسطس 2019م بلغ سوء معاملة أمريكا لصلاح قوش ورصفائه محمد عطا المولى وطه عثمان الحسين أن وقعت عليهم عقوبات تضمنت منعهم من دخول أمريكا . (راجع: صحيفة سودان تربيون على الرابط : رابط).
الفريق ، صلاح قوش المطلع بدقة على تعاون النظام الإخواني السوداني مع الجماعات الإرهابية والذي ذهب إلى أمريكا ، كما ذكرنا ، لكي يقدم لها المعلومات نظير أن ترفع أمريكا العقوبات عن النظام ، هو الآن ، كما سبق أن ذكرنا ، ضيفٌ على مصر وجهاز مخابراتها . وكما سبق أن أشرنا أن هذا واحدًا من أبلغ الأدلة على هزال الدولة السودانية وعلى حالة الضعة والهوان التي أوصلها إليها النظام الإخواني . حيث أصبح لجوء رئيس جهاز المخابرات إلى دولةٍ جارةٍ لها مطامع في الهيمنة عليه وعلى مواردهـ ، أمرًا لا يرفع حاجب الدهشة . لقد استخدمت المخابرات المصرية الفريق صلاح قوش في كل المؤامرات التي أدت إلى انقلاب 25 أكتوبر 2023م ، الذي قوض الفترة الانتقالية وأطاح بحكومة عبدالله حمدوك ، وقفل الطريق أمام التحول الديمقراطي . كما استخدمت كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة الفريق طه عثمان الحسين ، في مرحلةٍ ما ، لنفس الغرض .

مناورة طرد الإيرانيين

قبل ثلاثة أعوامٍ فقط من سقوط نظام المشير عمر البشير، خرج وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور، بصورةٍ مفاجئةٍ ، على قناة الجزيرة ليؤكد أن السودان قد قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران على خلفية التدخلات الإيرانية في المنطقة على أسسٍ طائفية ، وبسبب اعتداءاتها على سفارة وقنصلية السعودية في طهران . وفي وقتٍ سابقٍ لهذا التصريح ، كانت وكالة الأنباء السعودية قد أوردت أن مدير عام مكاتب الرئيس السوداني عمر البشير ، الفريق طه عثمان الحسين ، أبلغ هاتفيًا ، وبصورةٍ شخصية ، ولي العهد السعودي أن الخرطوم قررت طرد السفير الإيراني ، ومعه كامل البعثة الدبلوماسية . وأنها قامت إلى جانب ذلك باستدعاء السفير السوداني من إيران . وأكد طه لولي العهد السعودي إدانة السودان لتدخلات طهران في المنطقة ، وإهمالها حماية السفارة والقنصلية السعوديتين في إيران . كما أعرب عن وقوف السودان مع السعودية في مواجهة الإرهاب وتنفيذ كافة الإجراءات الرادعة له ، ونسبت "الجزيرة نت" ذلك الخبر إلى وكالة الأنباء السعودية . (راجع: موقع "الجزيرة نت" ، على الرابط: رابط). وقد جرى طرد إيران من السودان ، بعد فترةٍ طويلةٍ من التعاون ، كان النظام السوداني قد سمح لها فيها بالدفع للمد الشيعي للتغلغل في السودان . فنشأت الحسينيات والمراكز الثفافية الإيرانية ، وانتشرت المطبوعات الشيعية ، وغير ذلك مما تفعله إيران عادةً في نشر نسختها من الإسلام السياسي في مختلف الدول . وقد تبع طرد الإيرانيين انخراط النظام السوداني بالجنود في ما سميت "معركة الحزم" ، التي شنها التحالف الخليجي على الحوثيين في اليمن . الأمر الذي جعل النظام السوداني منخرطًا عسكريًّا في مواجهة إيران ممثلةً في الحوثيين في اليمن .
لكن، في أثناء هذهـ الحرب الدائرة الآن ، أعاد النظام الإخواني السوداني ، الذي يجلس على رأسه حاليًا الفريق عبدالفتاح البرهان محل الرئيس المخلوع عمر البشير ، العلاقات الدبلوماسية مع إيران . وأخذت الأسلحة الإيرانية تتدفق على السودان ، وعلى رأسها الطائرات المسيرة . (راجع : موقع "سكاي نيوز عربية على الرابط : رابط). الشاهد أن كل هذهـ ، التقلُّبات تجعل المرء يتساءل : من أين تأتي الثقة في هذا النظام لدى من يتحالفون معه ؟ وعلى رأس هولاء في الوقت الراهن النظام المصري . لقد أعلنت مصر أنها خسرت 7 مليارات دولار بسبب اعتداءات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر ، الأمر الذي خفض حركة النقل عبر قناة السويس . وقد أصبح ميناء بورتسودان في فترة ما مزارًا للسفن الإيرانية ، وهو أمرٌ يهدِّد أمن كلٍّ من مصر والسعودية . وتعلم مصر أن نظام الحركة الإسلامية السودانية ، سواءً في فترة الرئيس المخلوع عمر البشير، أو الفريق عبدالفتاح البرهان الذي فرض نفسه على السوانيين بالقوة ، لا ينفك يدور في الفلك الإيراني .
رغم كل ما سبق ذكرهـ ، راهنت مصر على الفريق عبدالفتاح البرهان ، فقط لأنها وجدت فيه من الخضوع والانبطاح ما لم تجدهـ في حاكمٍ عسكريٍّ سودانيٍّ قبله ، متجاهلةً كل مخاطر الاعتماد على شخصٍ طبيعته الأصلية المكر والغدر وتقلُّب المواقف وتناقضاتها . فالرجل قد عاش لعقودٍ ضمن بنية نظامٍ طبعه التقلُّب والمكر والغدر فانطبع بطابعه ، وليس له من ذلك فكاكٌ قط . وينطبق هذا على السعوديين الذين لا ينفكون يتعرضون للدغات النظام الإخواني في السودان ، كل حينٍ وآخر . ومن الغريب أن قناة "العربية الحدث" التي تمولها السعودية يسيطر على مكتبها في الخرطوم المنتمون إلى حزب الرئيس المخلوع عمر البشير، المؤتمر الوطني ، والتي ما انفكت توظف تقاريرها غير المهنية المرسلة إلى القناة لخدمة أجندة النظام الإخواني في السودان ، ثم لا تجد استغرابًا أو مساءلةً من رئاسة القناة . بل ، يبدو أنها تجد منها المباركة والتشجيع . باختصارٍ شديد ، هذا النظام الذي ترأسه الرئيس المخلوع عمر البشير لثلاثين عامًا وورثه منه الفريق عبدالفتاح البرهان نظامٌ ذئبيٌّ ثعبانيٌّ لا تتغير طبيعته أبدًا ، ولسوف يقوم بلدغ حليفه ، طال الزمن أم قصر . ولسوف يلدغ الفريق البرهان كلَّا من مصر والسعودية ، إن هما سارتا معه بنفس الصورة الجارية معه اليوم . باختصارٍ شديدٍ ، من تلوث بدنس الإخوان المسلمين ، لن يستطيع تطهير نفسه حتى تواريه ظلمة القبر.

تقسيم السودان في صالح مصر

منذ أن قبلت حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير بانفصال الجنوب ، بعد خمسة عشر سنة من الحرب مع حركة العقيد جون قرنق ، طرح القيادي الإسلاموي ، ووزير المالية السابق عبدالرحيم حمدي في عام 2005م ، فكرة تقسيم السودان . وهي الخطة التي أخذ السودانيون يشيرون إليها بـ "مثلث حمدي". أحسَّت ما تسمى "الحركة الإسلامية" أن عددًا من أقاليم السودان تقف بطبيعتها الثقافية عاملاً معيقًا لإنشاء "دولة إسلامية" تهيمن فيها الثقافة العربية وحدها . فالتنوع العرقي والديني والثقافي هو في نظرهم ما يجعل البلاد غير مستقرة بصورةٍ تمكنهم من أقامة النموذج "الإسلامي" الذي يودونه . لذلك ، جاءت فكرة "مثلث حمدي" التي اقترح فيها الوزير الأسبق عبدالرحيم حمدي ، فصل عددٍ من أجزاء السودان ، تشمل جنوب كردفان ، وجنوب النيل الأزرق ، ودارفور . وذلك لكي تقوم دولةٌ "إسلاميةٌ" في المثلث الجغرافي المنحصر بين دُنقلا وسِنَّار والأُبَيِّض . وقد برر حمدي الفكرة بعدم الانسجام الثقافي لتلك الأقاليم مع المثلث الذي يرى أنه متجانس ثقافيا . ويرى حمدي ، أيضا ، أن هذهـ الأقاليم التي ينبغي التخلص منها تعيق الاستثمار ويصعب مع وجودها حدوث أي تنميةٍ مستدامةٍ ، لكونها تتسبب في دوام القلاقل وعدم الاستقرار . وقد نفى حمدي في لقاء صحفي هذهـ المزاعم ، لكن ما جرى في الواقع منذ انفصال الجنوب ، وما يجري الآن لا يزال يؤكد هذا المنحى .

فصل الجنوب وغيره من الأقاليم

بعد اتفاقية نيفاشا في عام 2005م ودخول الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق شريكًا في الحكم لفترة السنوات الخمس السابقة لاستفتاء تقرير المصير الذي نصت عليه الاتفاقية ، عمل نظام عمر البشير بكل سبيلٍ ممكنٍ ليجعل خيار الوحدة بالنسبة للجنوبيين في الاستفتاء القادم خيارًا غير جاذب . وبالفعل ، جرى الاستفتاء في نهاية فترة شراكة الحكم بين الطرفين ، واختار الجنوبيون بنسبة بلغت 99% ، الانفصال عن جمهورية السودان . وقد قام خال الرئيس عمر البشير ، المرحوم الطيب مصطفى ، مالك صحيفة "الصيحة" ، ذات الخط التحريري المتطرف ، بذبح ثورٍ أسود احتفاءً بانفصال الجنوب . وأيضًا ، ما أن اختار الجنوبيون الانفصال ، قال الرئيس المخلوع عمر البشير: إن حقبة تطبيق الشريعة الإسلامية "المدغمسة" ، أي الملتبسة وغير الواضحة والصريحة ، قد ولَّت وحانت الفرصة لحكومته لتطبيق الشريعة الإسلامية الصريحة . كل ذلك يؤكد أن ما تسمى الحركة الإسلامية السودانية لا تمانع قط من تقليص مساحة السودان لإقامة ما يعتقدون خطأ أنه كيانٌ متجانسٌ ثقافيًا يمكن أن يقوم فيه نموذج مستقر للدولة "الإسلامية" النموذجية ، المتوهمة ، التي طالما حلمت بها قوى الإسلام السياسي في العالمين العربي والإسلامي .
هذا التصور الإخواني المتمثل في تقليص السودان يصب في النظام المصري لكونه يمكنه من الهيمنة على الجزء الشمالي من السودان ، الذي سوف يصبح من جراء الانقسامات ، أضعف من أن يحمي نفسه . ولن يجد سندًا إلا من مصر التي ستتقايضه الحماية بالخضوع الكامل لها . وقد أوضحت الفترة التي سيطر فيها الفريق البرهان على مقاليد الأمور في السودان منذ انقلابه على حكومة حمدوك الشرعية في 25 أكتوبر 2021م ، هذا المنحى . أيضًا ، أخذ هذا التصور صيغةً جديدةً ، أبدلت المرتكز من الإسلام إلى العنصر. وهي النعرة الجديدة المسماة "دولة النهر والبحر" ، التي يدعو لها عبدالرحمن عمسيب . والغريب أن قوى الثورة التي لم توافق على ميثاق نيروبي التأسيسي وعلى تشكيل حكومة في المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع ، أخذت تقول إن ميثاق نيروبي التأسيسي وما يتبعه من إعلان حكومة سيقود إلى تقسيم السودان . وفات على هؤلاء أن خطة تقسيم السودان معتمدةٌ أصلاً لدى الحركة الإسلامية منذ عقود ، وأن تنفيذها يجري على مراحل وفقًا لمسارات الأمور على أرض الواقع . وعقب هذهـ الحرب التي يتعذر فيها الحسم العسكري ، فإن خيار الانفصالات لدى الإسلامويين سوف يصبح ، من الناحية العملية ، هو الخيار المُحبَّذ والمُرجَّح لديهم . ولسوف يسقط شمال السودان ، من تلقاء نفسه كالثمرة الناضجة ، في الفك المصري الفاغر، المتلهف لالتهامه منذ فجر التاريخ .

(يتواصل)

E.mail


نقلا عن سودانايل

elmhasi 13-06-2025 09:02 PM

مصر والسودان
تاريخ وحدة وادى النيل السياسية
فى القرن التاسع عشر
الدكتور : محمد فؤاد شكري
استاذ التاريخ بجامعة القاهرة





DOWNLOAD OPTIONS
download 1 file CHOCR
download 1 file FULL TEXT
download 1 file HOCR
download 1 file ITEM TILE
download 1 file OCR PAGE INDEX
download 1 file OCR SEARCH TEXT
download 1 file PAGE NUMBERS JSON
download 1 file PDF
download 1 file PDF WITH TEXT
download 1 file SINGLE PAGE PROCESSED JP2 ZIP
download 1 file TORRENT
download 16 Files
download 6 Original
SHOW ALL


الساعة الآن 06:54 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.