الدين للأبداع الأنساني ...دافع أم كابح؟!
خطى الأنسان في تسارع حثيث للأرتقاء بالأبداع الأنساني الى منتهاه!
أدبا ...وفنّا ...ورياضة ...وعمرانا ...وعلما...وفكرا. لكنّا نجد الأديان منذ الأزل تضع أطرا وضوابطا (ما) على حراك الأنسان على عمومه!... هل تكون تلك الأطر والضوابط دوافع أم كوابح للأبداع الأنساني؟ (السؤال مطروح على كل الأحباب زملاء وزميلات) |
حراك الأنسان الحياتي منذ الأزل أبان له عدم قدرته على اكتشاف وتفسير الجزء الاكبر من اسرار الكون وكذلك الكثير من أسرار وجوده ! ...ولقد دفعه ذلك الى (اكتشاف) و(أبتداع) و(اعتناق) اديان مختلفة الى أن ختم له الخالق ب(الأسلام)...ولقد تكفل الله الخالق جل وعلا بابتعاث الرسل والأنبياء منذ بدئ خلق الأنسان واستقراره في الأرض لضبط وتأطير نسق وأيقاع حراكه ذاك ...قاضيا (وقضاء الله هو العدل) بأن يكون مصير الأمم والشعوب التي بغت وخرجت عن سياق قيم العدل والأخلاق هو الهلاك والدمار حتى تكون عبرة للخلف من البشر!!...
والدين كذلك يلعب أدوارا هامة ومتعددة في حياة الانسان ...ففي الأديان تفسيرات لاسرار الكون والحياة وفيها إمداد للانسان بمنظومة شبه متكاملة من القيم والمعتقدات والشرائع المنظمة للسلوك والعلاقات الاجتماعية... وهذا بالقطع يجعل حياة الانسان اكثر أمنا واستقرارا من بعد تلقيه تفسيرا قاطعا للأسئلة الغيبية المتعلقة ب(من أين) و(ألى أين) و(لماذا)؟. ولنا أن نستشف مقدار التوهان الفكري والعقلي والشعوري الذي كان يتقمص الشاعر أيليا أبو ماضي وهو ينظم قصيدته (طلاسم): [align=center]جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري وطريقي ما طريقي؟ أطويلٌ أم قصير؟ هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور؟ أأنا السائر في الدرب؟ أم الدرب يسير؟ أم كلانا واقف والدهر يجري؟ لست أدري أجديدٌ أم قديمٌ أنا في هذا الوجودْ؟ هل أنا حرٌّ طليقٌ أم أسيرٌ في قيودْ؟ هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقودْ؟ أتمنى أنني أدري ولكن لست أدري [/align]ولأن كان هناك ثمة وجهة نظر أخرى تقول بأن هذا التوهان في حد ذاته يعد دافعا للأبداع (شعرا كان أو أدبا)! بل ولأن ذهب الكثيرون الى تفضيل الشعر الجاهلي على شعر صدر الأسلام! ولأن أضاف آخرون بكون شعر حسان ابن ثابت كان الأبداع فيه أظهر في عهد الجاهلية دون حاله من بعد أسلامه! فأن الأجابة على ذلك هي ...حريّ بالأنظار والأفهام أن تصوّب الى الأبداع الذي يثري ويضئ ويضيف الى الوجدان ليساهم بدوره في نهضة الأمة وانطلاقها على درب التمدن والرقي ...لذا فأن أي (جمالبات) تستشف من سمت هذه النصوص لن تكون الاّ (غواية وهياما في أودية الفراغ) تماما كما حكم القرآن الكريم على لونية من الشعر والشعراء!... (نواصل) |
لعل جماع التعريفات المتواترة للأبداع تفيد بأنه :
(عمل) يوصل الأنسان الى ذروة الأمتاع النفسي... فبالتالي لا يمنع ذلك بان يتأتى الابداع من زاوية لا تخضع لأطار أو ضوابط الدين...وزيارة الى متحف الشمع أو حضورك لحفل راقص أو قراءتك لنص (متبرج) لا غرو بأنه جالب لتلك المتعة الى النفس البشرية! ولكن ما الذي يضمن بأن يكون هذا الأحساس بالمتعة مندرجا في خانة الأيجاب (لا السلب)؟! الا تجلب صورة لأمرأة عارية المتعة الى نفس الرجل؟! ألا يفعل العكس ذات الشئ بالنسبة للمرأة؟! ألا يكون (الزنا) وشرب الخمر جالبا للمتعة؟! الأنسان ليس له سقف للأمتاع أذا قايسنا الأمتاع بالجوع والعطش والسبب الأساس في ذلك أستحكام أمران بقواد النفس البشرية وهما هوى النفس ثم الشيطان! ولعل تشريع الخالق للصوم في كل الأديان السماوية كان الغاية منه خفض سقف الأمتاع للأنسان أذ الصائم تتراجع رغباته ومشتهياته دون المفطر الذي تتزايد مشتهياته اضطرادا يوما بعد يوم وبالأخص اذا توفرت المادة والصحة! وكلنا نقرأ عن قوم لوط الذين استهلّوا بجسد الأنثى فنحتوه في قصورهم وتراضوا بينهم بمواصفات للباس يكون فيه صدر الرجل والمرأة عاريا في الطرقات! ثم ازداد جماح الشهوة واللذّة لديهم فأضحوا يتلذذون بقطع الطريق وقتل وسحل الناس بعد تعريتهم من ملابسهم !ثم تمادوا غيّا فقادهم هوى النفس وغواية الشيطان الى اللواط!! والملاحظ بأن (كل) الأديان السماوية قد وضعت من الضوابط والأطر ما يضمن تقصير سقف اللذة ولجم الشهوة بل ونظّم لها سبلا سويّة للأفراغ بالصورة التي تضمن أشباعا متوازنا للنفس وفائدة للفرد والمجتمع...فذاك موسى عليه السلام بعد أن سقى للبنتين تولّى الى الظل دون أن يتفرّس فيهن أو يطلب منهن مقابلا ...وكذلك مريم عليها السلام كان باطن الأرض أهون عليها من أن يعلم الناس بأنها قد أحتملت جنينا دونما زواج شرعي !... أما الأسلام فكلنا أدرى بتفاصيل معالجاته لأمر اللذّة والشهوة... ولكن هناك العديد من المفاهيم المغلوطة في أذهان الكثيرين حول نظرة الدين (وأخص الأسلام) الى العديد من مناطات الأبداع من فن وأدب وشعر ومعمار ورسم وغير ذلك... (نواصل في ذلك بأذن الله) |
[align=right]تحياتى يا عادل :[/align]
[align=right]يا أخى كأنك رميت بحجر على صفحة الماء ..فهذا موضوع شائك جداً .. ودروبه وعرة .. إستوقفتنى العبارة التالية :[/align] اقتباس:
[align=right]وهى فى رأيى تفتح أبواباً كثيرة للنقاش فى هذا الموضوع المتشعب : وقبل أن تزدحم هذه المساحة أضع بين يديك هذا المقال :[/align] اقتباس:
[align=right] ملحوظة: مأخوذة من بوست جميل وقديم للرائع عجب الفيا فى سودانيز أون لاين .. عساه بألف خير .................................................. ................... [/align] |
مرحبا بك أخي الوليد مع شكري على المداخلة...
التحية أيضا لصديقك عجب الفيا وللأيراد الذي نقله على لسان الاستاذ محمود محمد طه. بالطبع أصوّب في هذا المتصفح على الدين أهو دافع أم كابح للأبداع الأنساني؟ ...أما أختلاف الشاعر الأديب محمد محمد على مع الأستاذ محمود محمد طه هذا: اقتباس:
الله جعل الغاية من خلق الأنسان هي عبادته وطاعته عندما قال في محكم تنزيله (وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)الذاريات فلان كانت كافة النصوص تحث المسلم على النأي عن التفكر في ذات الله فكيف لنا بأن نسلم جدلا ب(حقيقة) تنبني على ذلك ثم نصوّب صنفا من صنوف الأبداع البشري ليوصلنا الى تلك الغاية المنهي عنها؟!! أما هذا: اقتباس:
(قل إن صلاتى و نسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) فلا فصل بين دين وأدب طالما كان المسلم موحدا في أعتقاده وفي حراكه وبذلك يستوي طريق الدين والأدب!... ليتك تعود لنتناول معا أمر الدين هل دافع أم كابح للأبداع البشري. دمت دوما بخير |
لعلّ بضاعتي في هذا (البوست) مزجاة :rolleyes:
:D |
[align=center]
اقتباس:
الاخ عادل... البوست فيه مو ضوع حى جدا...جدا بس يحتاج الى روقة بال شديدة للنقاش.. احب ان اذكر هنا ان نهضة الامة الاسلااامية فى الفنون كانت فى الدولة الاسلامية الاولى سوى ان كان فى العصر الاموى او العبااسى الكثير من ضروب الفنون و العلوم المختلفة كانت نشاتها فى ذلك الوقت و هى نفسها التى اصبحت اساسا للتقدم و التطور الذى استفاد منه الغرب بعد ذلك.. و هذا دليل على انه لم تكن هنااك اى عواائق تمنع الكثير من المبدعين فى مختاف المجالات خلال تلك الفترة من العمل على الاكتشاف و الاخترااع.. كما ذكرت لك الموضوع يحتاج الى حديث طويل و ظنيتنى بجيك راجع تاانى... يديك العاافية... |
الدين للابداع..دافع أم كابح
[color=0000FF]التحيه لي الاخ عادل ..وبضاعتك ليست مزجاة..:):)وسنأتيك من سوق عكاظ :)فقط تخير
القديم :)بالبغال:)ام الجديد:)بورصات والذي منه :):) الموضوع كبيرا وشائكا ويريد بيانا ومعرفه ولكني مع قلة معلوماتي أردت المشاركه ..لاتذود من معلوماتكم الثره ومعرفتكم الزاخره .ودمتم الدين ليس كابحا للأبداع البشري بل دافعا ومحفزا للأبداع البشري بطاقات هائله فقط نريد الاستكشاف والعين البصيره .ولقد ذكر الله سبحانه وتعالي في القران الكريم كثير من النمازج للأبداع البشري حتي تبين لنا ماكان من الاولين لتكون مثالا ونبراسا . اليك هذا المثال في قول الله تعالي (ءَاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) أي اجمعوا لي قطع الحديد الضخمة وأمرهم بوضع هذه القطع في مكان ضيق بين هذين السدين ، فلما وضعت قطع الحديد حتى ساوت قمة الجبلين ، قال: انفخوا النار المشتعلة التي تصهر هذا الحديد ، ولك أن تتصور حجم هذه النيران التي اشتعلت لتصهر أطناناً من الحديد لا يعلم وزنها إلا العزيز الحميد ، اشتعلت النيران تحت هذا الحديد بين السدين في مكان ضيق ، يريد أن يسد على يأجوج ومأجوج الطريق الذي ينفذون منه إلى هذه الأمم المسكينة المغلوبة على أمرها . فأشعل النيران حتى انصهر الحديد وذاب بين السدين أي بين الجبلين ، فأمر ذو القرنين أن يدخلوا في المرحلة الثانية من مراحل البناء ، ألا وهي أن يذيبوا النحاس حتى ينصهر. فلما انصهر النحاس أمرهم بصب النحاس على الحديد فتخلل النحاس الحديد فأصبح النحاس والحديد معدناً واحداً ليزداد صلابة وقوة فلا تستطع يدى يأجوج ومأجوج أن تتسلقه أو أن تنقبه. فسدّت الفجوة ، وانقطع الطريق على يأجوج ومأجوج ، فلم يتمكنوا من هدم السّد ولا تسوّره ، وأمن القوم الضعفاء من شرّهم. (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) اليس هذا ابداع بشري من عالم الكيمياء نجني ثماره الي يومنا هذا...أذا ديننا دين الهمم العاليه والدوافع للنجاح .....مابنا لا علاقه له بالدين فقط هي النفس البشريه . لك الشكر وسأواصل [/color] |
الدين للأبداع الأنساني ...دافع أم كابح؟!
[size=4]السلام عليكم
مواصله................. الملك العادل ذو القرنين نموذجا للأبداع البشري المتعدد فقد راينا كيف أستعان بالقوم وبالفكره الكيميائيه الثاقبه في أنشاء السد بين الجبلين . ثانيا عندما ذهب الي اولئك الظلمه فأراد أن يبسط العدل قال تعالي (قال اما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد الي ربه فيعذبه عذابا نكرا(87) واما من امن وعمل صالحا فله جزاء الحسني وسنقول له من أمرنا يسرا(88) أبداع بشري هائل لعمل دستور جديد في دوله ظالمه حيث لم يشن حربا عليهم وكان بمقدوره حيث اوتي من الملك مالم يخطر بقلب بشر .ولم يقل ننزل الان العقاب علي كل ظالم .لا بل صفحه جديده (فسوف)من يظلم نعذبه وهناك وعيد اخر بعذاب الله مخاطبه وجدانيه .وتحفيزا للايمان والعمل الصالح . أبداع بشري ينزله البديع لنا في كتابه الحكيم ليكون نموذجا حضاريا من الاااااااااف السنين ويصلح لكل زمان ومكان . أما عن الكوابح فالدين الاسلامي ميزان عدل قد جعل لكل شئ ضوابط ومساحه لأن النفس البشريه أن تركت في مجال اباحه لاضوابط فيه أفلت ذمامها وصارت كالانعام أو أضل سبيلا .وأن ضيق لها المجال سئمت .فديننا نور و عدل وميزان وكل شئ فيه بمقدار حتي تستقيم الحياه وتصبح في مسارها الصحيح (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون).اللهم فقهنا في الدين واجعلنا حيث أردت .انك ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم [/size] |
اقتباس:
أراك قد وضعت (الحصان) أمام العربة و...أغريتنا بال(ظن) :rolleyes: أنتظر عودة |
الغالية سمية
مرحبا بك معطرة للسوح ومضيفة الكثير... بالفعل مَواطن الابداع المنثورة في قصص القرآن كثيرة وتحتاج منّا الى قراءة وتدبر... ولكم تستوقفني قصة ذو القرنين ياسمية...لا أدري لدي أحساس بأن تكرار الآية (فأتبع سببا) له علاقة بالسماء (أي أنه لم يكن وجيشه يسيرون على الارض وأنما كانوا يطيرون)! وذلك من ملابسات كثيرة تجدينها في سياق وألفاظ القصة... مودتي |
اقتباس:
بضاعتك من النوع الجيد، وأعتقد أنها تأخرت بعض الشيء؛ فأذكر لك مساجلة حول العقل في أحد البوستات مع أحد الإخوة، وكأني بتلك اللحظة هي لحظة ولادة هذا البوست، المهم لنعتبر تأخر هذا البوست خيراً. الله خلق الإنسان وعلمه البيان، وجعله خليفته على الأرض دون بقية الخلق، وأمره بعبادته ودعاه إلى التفكر في كيفية الخلق، وإلى الكون عامة، وأمره بعمارة الأرض التي هي عبادة لله، وسخر الله لعباده ما يعينهم على المعرفة والحياة على الأرض. والإنسان حظي بموجِّهات تعينه على الحياة والإبداع في إطار كونه مخلوقاً بشراً متعبَّداً لله، وأهم هذه الموجهات الفطرة السليمة التي تهديه إلى الصراط المستقيم، والفهم الصادق القويم، وأعلاه أن له رباً خالقاً هادياً قادراً على كل شيء، فإذا ما هُدي إلى الفطرة السليمة انفتحت أمامه الحلقات الأخرى قد يقول قائل هناك أمم ضلت وتنكبت الصراط ومع ذلك حازت من الإبداع وتفوقت تفوقاً عظيماً، وهذا صحيح ولكن ذلك التفوق هو دون المطلوب حتماً، فربما لو كانوا على غير هذه الحال لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وسلامة الفطرة ليست شرطاً في التفوق ولكنها موجهة له ليكون سليماً، وعموماً فإن أكثر الناس بعدا ًعن المُلهيات هم العلماء كفاراً كانوا أم مسلمين. إذن فإنني أرى الدين دافعاً للإبداع في المقام الأول وهذا يستوي فيه جميع الناس كفاراً ومسلمين، وكون الدين دافعاً للإبداع ليس خياراً للإنسان، لإنه أمر رباني، فإذا قال شخص إنني كافر بالأديان ولكنني مبدع، نقول له إن الله الذي خلقك فسواك فعدلك، وسخر لك الكون قد أمرك بهذا الإبداع قبل أن تُخلق وهذا ما يعنينا، لأننا إذا اتبعنا افتراضك نكون قد خالفنا ما عندنا من البينات النتيجة الثانية: الدين كابح عن كل ما يخالف الفطرة السليمة، ويؤدي إلى أن يؤله المرء نفسه أو يؤله أحد المخلوقين أو المخلوقات، فأصحاب المذاهب المادية أول ما يفعلونه هو رفض القيود الدينية لينطلقوا في حرية تقصر طبيعتهم البشرية المحدودة عن إدراك خطأ وخطل ما يعتقدون |
موضوع قيم ومفيد جدا اتمنى من الجميع المشاركة فيه وسوف اعود ان شاء الله للمشاركة
|
الصديق كيشو
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
كم تعجبني ملكتك في الأحاطة بالاشياء... |
عندما نصوب الى الفن...نجده نزوع إنساني نحو ما هو غير مادي، حتى وإن انطلقت بواعثه مما هو مادي، أو كما يقول رولاند بنفيل: "لقد انبثق الشعر كوعي مباشر بذلك السر الكبير الذي تتساءل عنه حياتنا، وقد سيطر عليها لغز كوني" ؟! أو كما يقول مايكل لايربس: "ولقد سيطر علي شعور غامض بالأمل في أن المعجزة الشعرية ستغير كل شيء، وأنني سأحيا في عالم الخلود، وهكذا أكون قد غزوت مصيري كإنسان بواسطة الكلمات" . ومن هنا كان لقاء الفن بالدين؛ لأن التمرد على ما هو مادي، والنزوع نحو ما هو روحي خالد هما تجاوز لطبيعة المادة، وتلاقٍ مع روحانية الدين، وفوق ذلك ديمومة برهانية على حقيقته.
ولكننا لا نستطيع تجاوز ذلك إلى حد المطابقة بين الفن والدين، أو الادعاء بوحدة مصدرهما، أو ما يذهب إليه جاك مارتيان في قوله: "الشعر هو ثمرة الصلة بين الروح والحقيقة وبين مصدرهما… الله"؟ أو كما يقول هنري برجسون: "الفن ابن الدين" ؟ أو كما يقول علي عزت بيجوفيتش: "الفن رسالة مقدسة"؟ لأنه فضلاً عما تقوم عليه هذه النظرة من خلط؛ فإنه ينتج عنها نتائج شديدة التعقيد. فالفن -على الرغم من كونه محاولة لاختراق ما هو مادي، ونزوع إلى روحانية الدين- إلا أنه نزوع مشوّش غير واع نحو ما هو حقيقي مطلق، ومن ثم فإن هناك مساحات كبيرة للتلاقي. ولكن لا يمكننا القول بأن هناك تطابقًا بينهما؛ لأنه لا يمكن الزعم بأن عمليات الخلق الفني المرتبطة بالانفعال الوجداني لا تستلهم إدراكها إلا مما هو حقيقي فقط، وإلا كانت مدركات الانفعال الوجداني مدموغة باليقينية، وهو أمر يناقضه ما يشوبها من وهم وشطط يستحيل جوازهما على الدين في قدسيته. ومن أخطر نتائج تلك النظرة التي توحِّد بينهما هو الربط بينهما في الناتج الإبداعي كقول بيجوفيتش: "لا يوجد فن لا ديني" ؟ أو قول بوريس باسترناك: "إن الرجل الشرير لا يمكن أن يكون شاعرًا عظيمًا" . فحتى إذا اتفقنا مع من يذهبون إلى أن الإلحاد (بمعنى الإنكار التام لوجود الله) ليس حالة مستقرة لدى أصحابها؛ فإن ذلك لا يعني أن حالة الإبداع للفنان تكون دائمًا حالة التقاء مع ما هو روحي؛ لأننا إذا قلنا: إن الفن يتعلق دائمًا بالوجدان المستثار؛ فإن ذلك يحدث في ظل العلاقة التفاعلية بين الفنان والواقع، وهذا الواقع قد يكون روحيًا أو ماديًا أو مركبًا، وهو غالبًا كذلك. ولكن ما لا بد من إقراره أن ما هو مادي قادر أيضًا على استثارة النفس الإنسانية. فعلى ذلك لا يحق لنا الذهاب إلى أن الأدب الإباحي -مثلاً- ليس فنًا، ولكن غاية ما نستطيع قوله حياله "إنه أدب مرفوض بالنسبة لنا كمسلمين". ومع ذلك فلا بد أن نقرر أن روحانية الدين هي المجال الأكثر رحابة للفن من مادية الفكر الإنساني؛ بل نستطيع القول: إن الدين هو بمثابة الفضاء الوجودي (البعد الغائب المفتقد في وجود الإنسان) بالنسبة لمستنقع المادية الذي أغرق الفن فيه حتى كاد أن يُقتل. لقد أغرى ما تحمله المادية من إباحية وإلحاد فناني القرن التاسع عشر بأن يجدوا فيها وعاءً لما يحملونه من ميل أبدي للتمرد، فاندفعوا في هذا النطاق، ثم ما لبثوا أن وجدوا أنهم قد أسروا أنفسهم فيه. لقد خرجوا من رحاب الروحانية الشاسعة إلى هذا النطاق الضيق الذي ظل يتجرد من كل ما هو إنساني في ظل تطورات الفكر المادي والمفاهيم الحداثية؛ حتى تيبس تمامًا، فكانت إشكالية الفن "ما بعد الحداثي" السقوط في هوة فقدان اليقين، والعبث، واللاجدوى، واللامعقول، والتشرذم أو التشظي. (منقول) |
العزيز عادل
كالعادة جئت دسما طارحا ما يحفز القدرة على التفكير والتأمل التفكير والتأمل أيضا إبداع إنساني يقود للتفلسف الأمر يتوقف على الفهم وعلى الزاوية التي تنظر منها إلى الدين لا يخفى عليك أن المدارس هنا تتعدد (وأن تختلف لا يعني هذا في نظري أنها خرجت من الملة) خذ الشعر مثلا: تجد أن الصوفية استخدموا الذخيرة اللغوية المتداولة في عصورهم أيضاً وحاولوا أن يكسبوها معاني ودلالات مغايره (الخمر/ الحب/ الهيام/الوجد..إلخ) لم يقف فهمهم للدين الاسلامي عائقا أمام ابداعهم الانساني الفن التشكيلي والفن المعماري الاسلامي مميز ومعروف تزدان به قباب المساجد بكل العالم الاسلامي ولم ينكر أحد من السلف ذلك حتى جاء عصر شبهت فيه أعمال النحت بالأصنام وحرمت فيه الموسيقى تحت دعاوى مختلفة الجمهورويون لديهم رؤية فلسفية متكاملة ربما تتجاوز ما ورد في المقال الذي أورده العزيز وليد والعديد من الجمهوريين مبدعين وابداعهم مطروح للعامة (الأخ النور مثلاً) الابداع الانساني غير مقصور على الأدب وحده كل الأنشطة الانسانية التي تسمو بالنفس وتشبع الوجدان الانساني هي إبداع وبالمقابل هنالك أيضا اسفاف ينكره المبدعون أنفسهم الفنون الشعبية والموروث الانساني إبداع ولا أجد عن نفسي كابحا دينيا أمام تجليات النفس الانسانية لكن هنالك معايير تذوق خاصة بلكل فرد تتأسس على خلفيته الثقافية/ الاجتماعية هي التي تدل حواسه على تلمس الابداع الانساني يقبل بعضه ويعرض عن بعض يمجد البعض ويستهجن الآخر أعتقد أن تفسير وتأويل آيات الذكر الحكيم يجب أن يتم بتأن وألا تكون المرجعية آراء بشرية قيلت خلال حقبة تاريخية معينة لها ملابساتها الخاصة نسبغ عليها صفات القداسة لنحرم ما أحل الله ونحلل ما حرم نحن في الشرق العربي مثلا ننظر إلى التعري (سواء رقص أو خلافه) نظرة مغايرة للغرب الاوروبي قد يرى البعض ذلك ابداعا لكن نفوسنا نحن لا تستسيغه لأن خلفيتنا التي ننطلق منها لا تراه كابداع استخدام جسد المرأة كمادة ابداعية هو أحد اشكالات الفقه المعاصر لا ينظر إلى إبراز عضلات الرجل مثلا على أنه انحلال لكن جسد المرأة يبقى مثار الجدل شعر الحقيبة السوداني تغنى بهذه المفاتن ولم يجد فيها أهلنا ما يخدش الحياء لكن تجد أيضا أصوات تنادي بالحجر على (برتكان يافا وقزازة العصير) دي مجرد خواطر ما مرتبه لأن الموضوع يحتاج فعلا تأمل عميق واستصحاب لمتغيرات عديدة المت بحياتنا المعاصرة عموما: أنا مع الأبداع الانساني وضد تكبيله بدعاوى غير مؤسسة وأرى أن الدين يحفز على الابداع والانتاج والسمو بالنفس والشبع الروحي والتفكر في الكون (الفلسفة)والتوازن النفسي حتى أعود لك أطيب الأمنيات |
أخي الفاضل اسامة
أسوق اليك تعذري لتأخري في الرد على مداخلتك القيّمة والغنيّة... أعدك -بحول الله- بعودة وافية ياغالي. دمت دوما بخير |
اقتباس:
صدقني قرأت مداخلتك هذه لمرات عدة! كم شدّتني!! كم أعجبتني!! أنت تحسن تبيان ايراداتك في ما قل ودلّ من كليمات! أحييك على هذا السياق ياأخي اسامة... لعل أفكارك الموحية هذه تجد لها أضاءات من خلال مقال ماتع لكاتب (مُجيد)! أنقله لك كاملا: (1) إطار عام لنظرية الفن الإسلامي هل يكون أدب أمير الشعراء المصري أحمد شوقي أدباً إسلامياً عندما يقول في الخمر: رمضان ولّى.. هاتها يا ساقي.. مشتاقة تسعى إلى مشتاق.. يرى الأستاذ محمد إبراهيم مبروك أن هذين البيتين من صميم الأدب الإسلامي. فالخلفية الاعتقادية للشاعر تستبطن حرمة شهر رمضان المبارك، وكذلك حرمة شرب الخمر، وهذا لا يعني إلا سلامة العقيدة.. أما اللفظ فكل ابن آدم خطاء، وهل هناك مسلم لا يأمن الزلل. فالخوارج وحدهم هم من يحكمون بكفر العاصي. ومن ثم فهذا البيت من الأدب الإسلامي. ولا يخلو المقال من نقاشات كثيرة تثير الجدل. يسير الأستاذ محمد إبراهيم مبروك في أطروحته هذه على حبل رفيع بين آراء بالغة التطرف.. بين من يحاول أن ينفي عن الإسلام احتمال رعايته للفن، سواء من العلمانيين أو الإسلاميين الراديكاليين، الذين يرون أن مجمل تراث الأمة من الأدب لم يكن إسلامياً بأي حال.. وفريق آخر، يحاول إفساح المكان للفن الإسلامي في العقول التي لم تحسن فهم الدين، وهو الفريق الذي أخطأ أيضاً في محاولته لضبط نطاق ظاهرة الفن الإسلامي حتى وجد نفسه في النهاية في خضم ضوابط فقهية لا تكاد تلقي بالاً للموهبة والقدرة على استنفار الوجدان واستثارتها لبلوغ أرقى مراتب التعبير، ومن ثم التأثير في المتلقي. بين هذا الإطار وذاك، اجتهد الأستاذ محمد إبراهيم مبروك ليقدم هذا الإطار الذي يثير الجدل بقدر ما هو قادر على الإقناع. (منقول) |
(2)
ماهية الفن وعلاقته بالدين والأخلاق محمد إبراهيم مبروك موضوع هذا المقال كما يتبين من العنوان- محاولة لوضع إطار اجتهادي أكثر رحابة لنظرية الفن الإسلامي، ومن ثم سيتم التركيز هنا على الأسس المبدئية لتلك النظرية دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية التشعبات الناتجة عنها، وما ينتج عنها من اشتباكات مع نظريات أخرى في مختلف مجالات العلوم الإنسانية، وإن كنا سنتعرض لبعض ذلك بضرورة التأصيل للنظرية ذاتها. ما هـو الفـن؟ من أهم الإشكاليات التي تعترضنا في وضع إطار لنظرية عن الفن الإسلامي وضع تعريف للفن ذاته؛ فنقطة المنطلق للحديث عن الفن، والتي يقصد منها تعريفه، هي في ذاتها مثار خلاف المفكرين والفلاسفة على امتداد تاريخ الفكر البشري؛ نظرًا لارتباط حدث الإبداع بالإبستمولوجيا (رؤية الإنسان لعلاقته بالكون وما وراء الطبيعة) من ناحية، ولتشابه المنتج الفني مع أشكال تعبيرية أخرى كالفكر والسحر من ناحية أخرى . ونظرًا لأن مصداقية أي تعريف تكمن في مدى قدرته على التحديد والتفسير؛ فإننا سنكتفي هنا بوضع تعريفنا للفن في تجاوز مؤقت عن الاشتباكات الناتجة عن تصادم تعريفنا مع التعريفات الأخرى. وعلى هذا فالفن هو: المحاولات التعبيرية التي تستهدف تجسيد المشاعر الإنسانية.فالحدث الفني يتعلق بالشعور وليس المنطق، وهذا هو الفارق البائن له عن الفكر، والغرض المستهدف هو تجسيد المشاعر، وهذا بدوره هو الفارق البائن له عن السياسية أو الصراخ أو السحر -على حد تعبير روبين جورج كولنجوود- . والتجربة الفنية لا تنبعث من العدم؛ إذ تسبقها في الوجود تجربة نفسية أو تجربة حسية انفعالية. وفي حالة عقد مقارنة غير مشروعة بينها والصنعة تدعى هذه التجربة النفسية غالبًا ?ـ"مادة التجربة الفنية" . فالفن يرتبط أساسًا بالوجدان؛ يُوجد بوجوده ويُفقد بفقده. كما يرتبط بمحاولة تجسيد تلك المشاعر المرتبطة بالوجدان. ويتراوح الفن بين كونه فنًا رديئًا أو رائعًا بحسب مدى نجاح هذه المحاولة. وكلما تعمقت التجربة الإبداعية، وكان المبدع قادرًا على تجسيد وجدانه المستثار، وأدّى ذلك إلى استثارة وجدان الآخرين كلما كان الفن ناجحًا. ولحظة الإبداع الفني هي إعادة تشكيل للواقع ذاته على الرغم من استقلال ذلك الواقع؛ لأن الوعي الإنساني ليس وعيًا كاملاً بالواقع. ولحظة الإبداع تمثل وعيًا معمقًا لجانب محدد أو جوانب معينة من ذلك الواقع دون غيرها، فيتم استيعاب الواقع من خلال الوعي المكثف الانتقائي بذلك الواقع؛ وبذلك يتم إعادة تشكيل الواقع نفسه من جديد، وهو نفس ما يحدث بدرجة أو بأخرى بالنسبة للمتلقي. ومن هنا تبرز حقيقة الفن المعرفية العظمى، من حيث إنه أحد منافذ الإنسان إلى الحقيقة من خلال تجسيد صورة الوجدان. فحقيقة الفن الأولى هي حقيقة كشفية؛ حيث تعبر به النفس عما تراه من حقيقة بصورة موجزة موحية مثيرة. وهو يتفوق في كل ذلك على الحقيقة العقلية، وإن كان يتخلف عنها قليلاً أو كثيرًا من حيث الدقة العلمية. فاستثارة الوجدان تؤدي إلى تكثيف الضوء على بعض الجوانب المتوارية في النفس الإنسانية، بعيدًا عن الرؤية العقلية الآنية، وتفجير الحقائق الكامنة فيها، وبيان مدى تعلقها بهذا الجانب أو ذاك من نوازعها في تفاعلها المتعمق مع الواقع الخارجي؛ الأمر الذي يؤدي إلى إعادة تقدير الثقل الحقيقي لتلك الجوانب، ومن ثمَّ إعادة تقدير الموازنات العقلية التي تُقدَّر الحقائق على أساسها. بل يمكن القول بأن الوجدان المستثار كثيرًا ما يؤدي إلى رؤى كلية مذهلة للحقائق التي يجاهد العقل من أجل الوصول إلى بعض جزئياتها، والتجارب الإنسانية العميقة هي المُفجِّر الأكبر للاستثارات الوجدانية المثمرة، بخلاف النوازع الغرائزية واللاعقلانية المختلفة التي تؤدي استثارتها إلى النفس الإنسانية إلى الشطح والوهم والخيال الجامح. وكلما تعمقت التجارب الإنسانية كلما كانت معينًا ضخمًا لتفجير الحقائق. والنفوس الإنسانية ذات التجارب الإنسانية العميقة من أهم منافذ الإنسانية لاكتشاف الحقائق. وإن صح هذا في عالم الوجدان فهو صحيح أيضًا في عالم المنطق؛ لأن الرجل العقلاني إذا خلت حياته من التجارب الإنسانية العميقة فلن تقوم أبحاثه إلا على معادلات منطقية مجردة، لن تؤدي إلا إلى كشف القليل من الحقائق. فالتجارب الإنسانية العميقة هي التي تمنح المفكر القدرة على النفاذ إلى الحقائق وكشف الأبعاد الخاصة لبعض الأفكار بما يميزها عن الأفكار الأخرى، ومدى أثرها على المصير الإنساني؛ وهو ما يقيم على أساسه موازناته الفكرية التي ينتج عنها إضافاته الخاصة. (منقول) |
(3)
الفن والالتزام الخلقي إشكالية العلاقة بين الفن والأخلاق إشكالية قديمة قدم الكتابات الفلسفية نفسها وقد أدت إلى الكثير من المشاكل التي ظلت في محل البحث حتى الآن. وكان أفلاطون أكثر الفلاسفة نقمة على الشعراء والفنانين بوجه عام. فلقد ذهب إلى أن جميع الشعراء الكبار من شعراء الملاحم والشعراء الغنائيين لا يكتبون قصائدهم الجميلة بالفن، بل بالإلهام والهوس؛ فعندما يكتب الشعراء الغنائيون أنغامهم الجميلة فهم أشبه ما يكونون بالمعربدين الذين يفقدون عقولهم. كما أن الهَيام الوحيد الذي أقرَّه أفلاطون كان هيام العقل في حالة صفائه مستقلاً عن الشعور. وعلى ذلك -من وجهة نظره- فإن أي هيام آخر مبني على الخداع؛ ولذلك لم تتفق فكرة الوحي في الشعر مع فلسفته، كما لم تتفق تعاليم الشعراء مع ما ذكره عن القيم الأخلاقية. كما أن نظريته في المثل عبرت عن ذلك الموقف. فتلك النظرية تعتبر الأشياء الخارجية لا حقيقة لها، وإنما هي تقليد لعالم المثل الحقيقي؛ ومن ثم فإن الصورة التي يرسمها المصور أو الشاعر ما هي إلا تقليد لعالم الأشياء، وليس لعالم المثل الحقيقي؛ أي أنها تقليد للتقليد؛ ومن ?َم فلا حاجة لها، وذلك لأن كل شيء لا يمثل فكرة لا يستحق الوجود. والشعر يمثل الشيء الذي يمثل الفكرة؛ ولذلك فهو عمل حقير لا ضرورة له في المدينة الفاضلة التي كان أفلاطون يسعى لبنائها. وبناء على ما سبق فقد استهجن أفلاطون الشعر فلسفيًا؛ لأنه يستند على الكذب والوهم، واستهجنه أخلاقيًا؛ لأنه فاجر. أما جون راسكن –أحد مبشري المعايير الخلقية للعصر الفيكتوري- فعلى الرغم من تمسكه بتلك المعايير، فقد أدت به إلى نتائج مناقضة لموقف أفلاطون. فقد استنتج أفلاطون أن الفنون بطبيعتها الحقة تتعارض مع الأخلاق؛ ولذلك نفاها من دولته، لكن راسكن وجد أنها بطبيعتها الحقة تتفق مع الأخلاق فباركها. وذم أفلاطون الفنون؛ لأنها لا أخلاقية، وامتدحها راسكن؛ لأنها أخلاقية إلى حد كبير. وطردها الأول من مدينته الفاضلة؛ لأنها متأصلة في أوهام الإحساس، ورحب بها الثاني؛ لأنها تنبع من الذكاء القدسي العامل من خلال خيال الإنسان" . فإذا كان أفلاطون قابل إشكالية العلاقة بين الفن والأخلاق برفض الفن؛ لأنه لا أخلاقي، فإن راسكن اعتبر الأخلاق هي المعيار الأساسي للفنون؛ بحيث صار كل ما هو فن من أصل قدسي، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ حيث جعل الإحساس بالجمال ذاته "لا يعتمد على الحواس ولا على العقل، بل على القلب. وهو ينشأ عن الشعور بالاحترام والعرفان بالجميل والسرور النابع من إدراك صنعة الخالق في الطبيعة، ويُلهم هذا الإحساس القدرة القدسية العاملة في الفنان، وهو يمزج أو يدمج انطباعاته الفكرية في صور قصائد" . وامتدادًا لهذا الاتجاه كان طبيعيًا أن يذهب تولستوي إلى أن الفن لا يجب أن يتعارض مع الدين. أما أصحاب نظرية "الفن للفن" فيذهبون إلى موقف ثالث مؤداه أن الفن لا يكون فنًا إلا إذا كان محررًا من عقائد وأخلاقيات المجتمع. فالفن حر بذاته. ومحاولة أدلجته (أي بناء مضامينه على نظريات ورؤى الفكر المختلفة) لا تعني سوى القضاء عليه من المهد، وهو الموقف الذي يستند عليه العلمانيون الرافضون عندنا للفن الإسلامي. (منقول) |
(4)
ملامح ظاهرة الفن الإسلامي أ - هل يمكن أدلجة الفن؟ لقد تعاظم الأثر المباشر للاتجاه الرافض لأي نوع من الأدلجة للفن في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بعد بروز الاتجاهات النقدية الجديدة مثل البنيوية، وما بعد البنيوية، والتفكيكية التي دأبت تشكك في إمكانية طرح أية رؤية موضوعية للفن الإسلامي. وإحقاقًا للحق فليس اللوم كل اللوم يقع على الإسلاميين المتشددين الذين يرفضون الحديث عن أي علاقة للفن بالدين وحدهم؛ لأن أي حديث للإسلاميين الأكثر وعيًا بالدور المفاهيمي والقيمي لعلاقة الفن بالمجتمع يحاول العلمانيون تشويهه عمدًا؛ للتدليل من خلاله على التناقض الحتمي بين الدين والفن. وفي ظل السيطرة العلمانية على أجهزة الإعلام في الدول العربية والإسلامية فإن المحاولات الإبداعية التي تتم في اتجاه الفن الإسلامي يتم إجهاضها من المهد، في الوقت الذي يتساءلون فيه عن النماذج الدالة على وجود مثل هذا الفن. وعلينا أن نقول بداية، وانطلاقًا من قاعدة كون الفن يرتبط أساسًا بالوجدان: "إن المعيار الأساسي في اعتبار العمل الإبداعي فنًا هو في قدرته على استثارة وجدان الآخرين، ومن ثَم فالفن يستقل بذاته في كونه فنًا؛ سواء ارتبط بالأخلاق أم لم يرتبط بها. وغاية ما نستطيعه حيال علاقته بالأخلاق هو أن نقبله أو نرفضه، دون أن يحق لنا أن نجرد هذا العمل من صفته الفنية بحسب موقفنا الأخلاقي أو الأيدلوجي منه". أما القول بإمكانية أدلجة الفن إسلاميًا فليس بدعًا من الإسلاميين؛ فهناك الفن الاشتراكي الذي تُعد أعمال جوركي نموذجه الأمثل، وكذلك أعمال محمود درويش وأمل دنقل الأولى في العربية، والفن الوجودي الذي يمثله أدب سارتر وسيمون دي بوفوار وألبير كامو (عند من يعدونه وجوديًا)، والفن المسيحي كما تراه في أدب فيكتور هوجو ودوستويفسكي (لاحظ التأثير الأدبي لعقيدة الفداء في رواياته: الجريمة والعقاب، والأبله، والإخوة كرامازوف)، وكذلك الشاعر الكبير أونامونو، والفن العبثي لدى كافكا وصمويل بيكيت ويونسكو. بل إن الفيلسوف العالمي جارودي قد ذهب في كتابه "وعود الإسلام" (أي قبل إعلانه الإسلام) إلى أن الإنتاج الشعري الإسلامي الذي أبدعه الرومي والجامي والشيرازي هو أعظم شعر في التاريخ، وكان الشاعر الهندي العالمي طاغور يرى أن مواطنه الشاعر الإسلامي محمد إقبال واحد من أعظم الشعراء في العالم. فادعاء الحيدة التامة للأفكار هو نوع من الدجل؛ فمجرد صدور سلوك ما عن الإنسان يعني موقفًا ما من الحياة، حتى العبث ذاته ناتج عن موقف ما. فسواء نتج عن العمل الإبداعي رؤية ما أو انعدمت هذه الرؤية؛ فإن ذلك تابع لموقف ما من الحياة. ويقول الفيلسوف الوجودي جان بول ساتر في هذا السياق: "ما دام الكاتب قد أخذ على نفسه أن يعمل عن طريق اللغة؛ فليس له بعد ذلك أن يتقاصر بهمته عن البيان، إذا اخترت لنفسك عالم الألفاظ ودلالتها فلا سبيل لك بعد ذلك إلى الخروج، دع الكلمات تنتظم حرة في سلك الجمل؛ فستحوي كل كلمة اللغة كلها، بل سيتحدد الصمت نفسه بالإضافة للكلمات، كما تأخذ السكتة في الموسيقى معناها من أصناف ما يجاورها من ألحان؛ فهذا الصمت لحظة من لحظات الكلام. فليس السكوت بكمًا، ولكنه رفض للتكلم، إذن فهو نوع من الكلام. فإذا اختار كاتب أن يُمسك عن الكلام عن مظهر من مظاهر العالم، أو بالأحرى إذا اختار أن يمر به في صمت؛ فلنا الحق أن نضع له السؤال: لماذا فضلت الكلام في هذا الأمر دون ذاك؟ وبما أنك تتكلم قاصدًا التغيير؛ فلماذا تريد تغيير هذا دون ذاك؟. ويقول في موضع آخر: "يدرك الكاتب الملتزم أن الكلام عمل، ويعلم أن الكشف نوع من التغيير، وأنه لا يستطيع الكشف عن شيء إلا حين يقصد إلى تغييره، وقد تخلى عن ذلك الحلم المتعذر التحقيق مَن رسم صورة للمجتمع أو للحالة الإنسانية دون تحيز فيها؛ فالإنسان هو المخلوق الذي لا يحتفظ حيال موجود ما بالحيدة، والإنسان كذلك هو المخلوق الذي لا يمكن أن يرى حالة دون أن يغيرها؛ لأن نظرته تسجل، أو تهدم، أو تصور، أو تفعل فعل الأبدية في تمثيل الأشياء، إما بالحب، أو البغض، أو الغضب، أو الخوف، أو السرور، أو الحنق، أو الإعجاب، أو الأمل، أو اليأس، فبهذه المشاعر يتكشف الإنسان والعالم عن حقيقتهما". ويقول الأستاذ راشد الغنوشي في نفس السياق: "وراء كل لحن، وكل آهة، وكل صورة شعرية أو زيتية أو نثرية، تكمن خلفية اعتقادية: نظرة للحياة وللهدف منها، وللإنسان ودوره، وللكون والقوى التي تتحكم فيه. ومهما يبذل الشعراء والفنانون من جهد لإقامة حد فاصل بين إنتاجهم ومعتقداتهم وأفكارهم؛ فإنهم -لا محالة- خائبون، وحتى من لم يعترف منهم بذلك زاعمًا أن إنتاجه صورة صادقة للطبيعة ووصف موضوعي لما شاهد فهو مخدوع، والناقد البصير لا تخفى عليه شخصية الفنان أو الكاتب متجسدة بكل ملامحها في آثارهما؛ إذ إن الإنتاج الأصيل هو صورة صادقة لشخصية صاحبه، ومُحال أن تنجح في إقامة حاجز بين شخصية الإنسان وبين أفكاره ومعتقداته واتجاهاته؛ لأن الشخصية في جزئها الفعال ليست أكثر من ذلك" . وما نستطيع قوله: "إن الأدلجة هي عملية ضخ مسبق في نفس الفنان بالتصورات والقيم التي يعتنقها حتى تذوب في نفسه تمامًا. فالمسألة لا تتم هنا عند عملية الإبداع ذاتها، ولكن في البناء الوجداني المسبق لنفس الفنان؛ ومن ثَمَّ يتمخض الإبداع الفني عن هذا الوجدان بشكل تلقائي؛ أي دون أن يتدخل التوجيه العقلاني في عملية الإبداع نفسها كمعوِّق للعملية الإبداعية يؤدي إلى منطقتها (تحويلها إلى إنتاج للمنطق فيفقدها البعد الوجداني)، ومن ثَم للقضاء عليها. ب - ما هو الفن الإسلامي؟ الفن الإسلامي -في تعريف محدد- هو الفن الذي يعكس التصور الإسلامي للوجود أيًا كان شطحه أو انحرافه عن التعاليم الإسلامية، أو حتى تمرده الآني على العقائد الإسلامية نفسها، ما دام يعود بطبيعته إلى مرجعيته الإيمانية في النهاية. فما دام الذي يحدد كون الإنسان مسلمًا أو غير مسلم هو عقائده وتصوراته، وليس بعض شطحاته أو أفعاله أو تساؤلاته الكونية المتمردة؛ فإن نفس الأمر ينسحب على الفن الإسلامي أيضًا. فالعقيدة الإسلامية ليست بناءات عقلية مجردة، وإنما حقائق فاعلة في النفس الإنسانية. والارتباط بين العقيدة الإسلامية وحقائقها الفاعلة في النفس الإنسانية ارتباط عضوي لا ينفصم، قال تعالى: "فَلا وَرَبِّكِ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنًهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (النساء:65). وكما أن الالتزام العقائدي لدى الإنسان المسلم يزيد وينقص، فإنه يرتبط بذلك ارتباطًا عضويًا بتصاعد وهبوط الحقائق الفاعلة في نفس المسلم؛ أي أن تكوين النفس الإنسانية من خلال الحقائق الفاعلة لإيمان المسلم بعقائده ينعكس على تصوراته وفكره وسلوكه وإبداعه؛ ومن ثَم تكون هناك علاقة طردية بين تصاعد إيمان المسلم والتزامه بتعاليم دينه، وتصاعد ضخ الحقائق الفاعلة في وجدانه؛ أي يتم صبغ هذا الوجدان بالصبغة الإسلامية التي تحقق رضاء الله عنه، قال تعالى: "صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَة" (البقرة: 138). وبعد صبغ وجدان الفنان بالصبغة الإسلامية تكون عملية الإبداع الفني هي مجرد عملية تدفق طبيعي لما هو كامن في وجدان الفنان دون توجيه أو إخضاع للمنطق يقضيان على العمل الفني. يقول الشهيد سيد قطب: "يصعب أن نفهم أي جانب متفرد من جوانب الإسلام المتعددة ما لم نفهم طبيعة الإسلام كوحدة متكاملة. إن الإسلام حركة إبداعية خالقة تستهدف إنشاء حياة إنسانية غير معهودة قبل الإسلام، وغير معهودة في سائر النظم الأخرى التي سبقت الإسلام أو لحقته. تلك الحركة الإبداعية الخالقة تنشأ عن تصور معين للحياة بكل قيمها وكل ارتباطاتها. فهو تصور جاء به الإسلام ابتداءً، وهي حركة تبدأ في أعماق الضمير، ثم تحقق نفسها في عالم الواقع، ولا يتم تمامها إلا حين تتحقق في عالم الواقع. وحين يتم التكيف الشعوري في النفس البشرية بالتصور الإسلامي الإبداعي للحياة فإن أثر هذا التكيف يبدو في كل ما يصدر عن هذه النفس -لا على وجه الإلزام والإرغام-، ولكن على وجه التعبير الذاتي عن حقيقة هذه النفس" . (منقول) |
(5)
الفن الإسلامي والفن الإسلامي النموذجي عرفنا الفن الإسلامي سابقًا بأنه الفن الذي يعكس التصور الإسلامي للوجود أيًا كان شطحه أو انحرافه عن التعاليم الإسلامية، أو حتى تمرده الآني على العقائد الإسلامية نفسها ما دام يعود بطبيعته إلى مرجعيته الإيمانية في النهاية. ولكن هل يعني ذلك أنه الفن الإسلامي المنشود أو النموذجي؟ هناك الكثير من الإشكاليات التي تحدث نتيجة الخلط بين ما نقصده بالفن الإسلامي بوجه عام والفن الإسلامي المنشود أو النموذجي. ولدفع الخلط بين هذا وذاك فإننا نضرب الأمثلة للفن الإسلامي بوجه عام بالآتي: يقول أمير الشعراء أحمد شوقي: رمضان ولَّى هاتِها يا ساقِ مشـتاقة تسعى إلى مشتاقِ فعلى الرغم مما يحمله هذا البيت من انحراف عن تعاليم الإسلام بإعلان أمير الشعراء تلهفه على الخمر بعد انتهاء شهر رمضان، إلا أن هذا القول ذاته ينطوي على إيمانه العميق بقداسة الشهر، وحرمة الخمر، وتنزيهه لهذا الشهر عن ارتكاب الإثم فيه. وهذا أمر لا يصدر إلا عن مسلم مؤمن بإسلامه، حتى وإن انحرف إلى الخطأ، ومن ثَم لا يمثل ذلك إلا أدبًا إسلاميًا. ولنا أن نتساءل: هل من الممكن أن يصدر أدب كهذا في ظل إطار آخر غير إطار التصورات العقائدية الإسلامية؟ ونفس الأمر يكون أيضًا بالنسبة للتساؤلات العقائدية المتمردة التي تهتدي في النهاية إلى المرجعية الإيمانية؛ لأن ميكانيزم التمرد نفسه لا يكون إلا مخاضًا لصراعات فكرية داخل نفس مسلمة؛ ومن ثم فهي ناتج إبداعي خاص لا يمكن حدوثه إلا داخل الإسلام. والمثل القريب لذلك قول عمر الخيام: أُحـسُّ في نفسي دبيبَ الفناء ولم أُصبْ في العيش إلا الشقاء يا حسرتا إن حَانَ حيني ولم يُتَـحْ لفكري حلُّ لُغز القـضاء القلبُ قد أضناه عشق الجمال والصدر قد ضـاق بما لا يقال ما دام يقول في النهاية: إن كنتُ قد أخطأتُ في طاعتك فإنني أطـمع في رحـــمتك وإنمـا يشـفع لي أنـني قـد عشـتُ لا أشـركُ في وحدتك وبطبيعة الحال فإن المجال يضيق عن ذكر أمثلة أكثر. أما المسلم الذي ترتقي نفسه إلى القيم الإسلامية، فإن إبداعه الفني يتمخض عن تلك القيم التي ذابت في وجدانه بشكل تلقائي دون شطط أو انحراف كبير؛ أي دون أن يتدخل التوجيه العقلاني في عملية الإبداع نفسها كمعوق للعملية الإبداعية يؤدي إلى إخضاعها للمنطق، ومن ثَم للقضاء عليها. إذا فهمنا ذلك استطعنا أن نتخلص من تلك الإشكاليات التي تدور حول مدى وجود الأدب الإسلامي في التاريخ الإسلامي؛ حيث ذهب بعض الإسلاميين أنفسهم –ويا للعجب في ذلك- إلى انعدامه، ومن ثَم التشكيك في قدرة الإسلام على إنتاج الأدب، وما في ذلك من دلالة عملية على تناقض الإسلام مع الإبداع الأدبي والفنون عمومًا. وعلى الأسس السابقة فإننا لا نتفق مع ما ذهب إليه الأستاذ محمد قطب، ووافقه فيه إلى حد كبير الأستاذ سيد قطب، في قوله: "الأدب الإسلامي -في صورته المتكاملة– شيء لن يوجد بعد في الإنتاج البشري". فمن التعسف الشديد ألا نتحدث عن الأدب الإسلامي إلا في صورته المتكاملة؛ لنُحدث بذلك الكثير من الخلط بين الأدب الإسلامي بوجه عام، والأدب الإسلامي النموذجي. فاشتراط الكمال في أي أمر من الأمور هو في ذاته أمر مفتقد، ومن غير المعقول ألا يكون الإنسان مسلمًا إلا إذا كان من أولياء الله الصالحين. ولهذا فإنه من غير المعقول أيضًا أن يشترط على العمل الإبداعي -لكي يكون أدبًا إسلاميًا- أن يكون أدبًا إسلاميًا نموذجيًا؛ لأن اشتراط ذلك يعني عدم إمكانية إبداع مثل هذا الأدب إلا بواسطة الأنبياء. والأغرب من ذلك أن يكون أحد النماذج الإبداعية التي تم تقديمها من خلال هذا المنهج على أنها الأقرب إلى الفن الإسلامي هي قصيدة للشاعر الهندي الكبير طاغور. وما يُغري في هذه القصيدة – فضلاً عن روعتها الفنية- هو ما تحمله من شعور روحي متدفق، وهذا -في حد ذاته- يبتعد ابتعادًا كبيرًا عما يُفترض أن يكون عليه الأدب الإسلامي النموذجي من توازن بين ما هو روحي وما هو واقعي، خصوصًا فيما يتعلق بالإيجابية الإصلاحية في التعامل مع الواقع، وليس الرومانسية السلبية التي تم إلصاقها خطأ بالرؤية الإسلامية للفن لزمن طويل، لا لشيء إلا لاشتراكها مع الإسلام في تأكيد البعد الروحي للإنسان. ومن ثَم فالمثال الطاغوري يفتقد المعيار الأساسي للفن الإسلامي، وهو انعكاس التصور الإسلامي للوجود على العمل الإبداعي. وعلى الأسس السابقة فإننا نذهب إلى أن الفن الإسلامي النموذجي هو الفن الذي يُمثل أَوج الصعود الفني والقيمي للعمل الإبداعي في إطار التصور الإسلامي. وما قصدته بالصعود الفني والقيمي هنا أن السمو القيمي لا يكفي –فقط- في بلوغ العمل الإبداعي مكانة الفن الإسلامي النموذجي، وإنما يجب أن يمتزج هذا بالرقي الفني أيضًا؛ لأنه لا قيمة لعمل إبداعي سامٍ أخلاقيًا، ويخلو -في نفس الوقت- من الرقي الفني. والنموذج الذي نستطيع تقديمه لذلك الفن الإسلامي النموذجي هو تلك القصيدة المترجمة للشاعر الفارسي الكبير سعدي الشيرازي: إنما يشرُف جسم الإنسان بروح الإنسان.. ليس اللباس الجميل هو أمارة الإنسانية.. لو أن الإنسان بعينه وفمه وأذنه وأنفه. فبأي شيء يفترق إذن عن نقش مرسوم على جدار؟.. الطعام والنوم والغضب فتنة وجهل وظلمة.. وليس لدى الحيوان خبر بعالم الإنسانية.. كن إنسانًا حقيقة وإلا فأنت ببغاء.. تعيد كلامًا بلسان إنسان.. إن لم تكن إنسانًا فأنت أسير الشيطان.. على حين لا يجد الملك سبيلاً إلى الظفر بالمكانة الإنسانية.. لو أن طبيعتك الوحشية فنيت من جبلّتك.. لعشت طول عمرك بروح إنسانية.. يصل الإنسان إلى حيث لا يرى سوى الله.. فانظر إلى أي حد تبلغ بك مكانة الإنسانية.. قد رأيت الطائر يطير صعدًا.. فتحرر من قيد الهوى حتى ترى كيف تصعد بك الإنسانية (منقول) |
(6)
خصائص الفـن الإسلامي أ - المثالية الواقعية أو الإطار الفكري للفن الإسلامي: يمكن التعبير عن الإطار الفكري الذي يعكس التصور الإسلامي للوجود بخاصية المثالية الواقعية. فالواقعية تعني أن الإسلام يعمل على بلوغ الدرجات الممكنة من الحياد في التعامل مع الواقع، فلا يضع غشاءً من الفكر المسبق على عقل الإنسان وهو يدرك الواقع. ولكن المسألة ليست بهذه البساطة؛ لأن تجريد النظر إلى الواقع من الفكر المسبق ليس كافيًا لتحديد ما يمكن اعتباره واقعيًا مما يمكن إدراكه من هذا الواقع. فالماديون يحاولون اختزال الإدراك الواقعي للحقائق في المدركات المادية فقط، مع أن الموضوعية تقتضي اعتبار كل ما يمكن إدراكه من الحقائق الفاعلة في الواقع حقائق واقعية. فكما أن الحقائق المادية واقع فإن الحقائق الروحية أيضًا واقع. وكما أن قوى الإنسان وإمكاناته وغرائزه واقع فإن مشاعره وطموحاته وارتقاءه واقع أيضًا. والواقعية الحقيقية هي التي تعني وضع كل هذه المدركات في الإطار التصوري للفنان. لكن الواقعية لا تعني الوقوف عند حد الإدراك السلبي للواقع. فإن جاز هذا في الواقع الطبيعي، فإنه لا يجوز في إدراك العلاقات السائدة بين البشر. فإدراك وجود الحق أو الباطل في الواقع لا يقوم على أسس كمية، بل يستند في الضرورة إلى قيم مستقلة، تستطيع التمييز بين الحق والباطل، مهما حوصر الأول أو شاع الثاني. كما أن إدراك الواقع لا يعني إقراره. فتلك هي الواقعية التي لا يفهمها سوى الضعفاء والانهزاميين، والتي لا تعني الواقعية بالنسبة لهم سوى الاستسلام للأمر الواقع. فالواقعية الإسلامية تعني اقتحام الواقع، والتصارع مع الباطل، وعدم الاستسلام لمعطياته، حتى ولو نجح في فرض نفسه أمرًا واقعًا بالفعل، ما دامت هناك الإمكانات لتغييره. ووجود الإمكانات الدائمة لتغيير الباطل من مقتضيات العقائد الإسلامية. والصراع مع الباطل الهدف منه استنهاض الواقع، والعمل على إصلاحه وتقويمه، والسمو به إلى المثل العليا والغايات المنشودة. وهذا ما تعنيه المثالية في الإطار الفكري للتصور الإسلامي. إنها المثالية الواقعية التي تفرض على الفنان التعامل مع الواقع بموضوعية كاملة، والسمو به في نفس الوقت إلى المثل العليا التي تحقق رضا الله ورضوانه. فالفنان المسلم رجل يعيش على الأرض بروح تحلق في السماء. فهو يتفاعل مع الواقع الاجتماعي بعقيدة ربانية ومنهج إلهي؛ ليسمو به إلى غاياته التي يتطلع بها إلى عالم الخلود الذي سوف يستقر به في نهاية المطاف. والذي يعنيه ما سبق أن الفن الإسلامي مذهب مستقل يتباين تمامًا عن تلك المذاهب الفنية التي نشأت عن تطور المفاهيم العلمانية في الغرب. ولكن ذلك لا يعني في نفس الوقت أن الفن الإسلامي مدرسة فنية غير قابلة للتجدد؛ لأن التصور الإسلامي للوجود، والذي نعبر عنه هنا بالمثالية الواقعية، يجمع ما بين الثابت والمتغير. فالجانب الثابت هو المثالية العقائدية والقيمية للتصور الإسلامي. والجانب المتغير هو الفاعلية الإنسانية التي يتعامل بها هذا التصور مع الواقع. وهذا المتغير قابل للتشكل الفني بحسب التوجهات البشرية المختلفة. ومن المزج بين هذا وذاك يتسع المجال لأن تتوالد العديد من المدارس الفنية المتجددة. ولكنه سيلاحظ دائمًا أنها تختلف عن تلك المدارس الفنية الأخرى التي تتفاعل على أرضية أيديولوجية فنية مختلفة. ومن ناحية أخرى فإن كون العمل الإبداعي ينطبق عليه معيار الفن الإسلامي؛ فإن ذلك لا يمنحه أي قدر من الارتقاء الفني. فكما قلنا سابقًا فإن المعايير الفنية للعمل الإبداعي مستقلة بذاتها بعيدًا عن أي تصورات إيديولوجية أو أخلاقية. فقد ينطبق على العمل الإبداعي صفة الفن الإسلامي، ومع ذلك يكون فنًا إسلاميًا رديئًا، وقد لا ينطبق عليه تلك الصفة ويكون عملاً فنيًا رائعًا. ويعيب الحركة الإسلامية بوجه عام أنها اعتمدت على بعض الأفكار التقليدية في توظيف الأدب الإسلامي في الأغراض السياسية والروحية، وهو ما أسهم مع ظروف أخرى - نقدرها تمامًا – في تعويق قدراتها الأدبية، فلم يخرج من أبنائها أديب فذ سوى الشاعرين الراحلين: محمد إقبال وهاشم الرفاعي. وفي تقديري فإن الساحة الأدبية في كل الدول العربية والإسلامية تفتقد مثل هؤلاء الأدباء بسبب سيطرة العلمانيين من أصحاب المناصب الأدبية الشاذة المنبتّة الجذور عن مجتمعنا وعن الواقع الوجداني للناس – مثل المذاهب الحداثية والبنيوية وما بعد الحداثية وما بعد البنيوية - على أجهزة الإعلام ووسائل التعبير. والذين عملوا على فرضها قسرًا على المبدعين ومتلقي الإبداع معًا حتى نضبت الحركة الأدبية. ب - الحلال والحرام في الفن الإسلامي: من الخطأ المشاع أن نقول: إن هناك أنواعًا من الفنون حرام وأنواع من الفن حلال؛ لأن استقراء المنهج الإسلامي في التشريع يكشف عن عدم ورود التحليل أو التحريم المطلق لجنس شيء من الأشياء. فكل شيء يدخل في نطاق الفعل الإنساني تندرج مفرداته بين الحلال والحرام في الإسلام، سواء أكان ذلك طعامًا أو شرابًا أو متعة أو لهوًا أو أي شيء. وكذلك ينطبق الأمر على سائر أنواع الفنون المختلفة حتى الرقص نفسه يمكن تقسيمه بين الحلال والحرام. فعلى الرغم من كونه للوهلة الأولى يبدو فجورًا، إلا أنه لا يستطيع أحد الذهاب إلى تحريم رقص المرأة أمام زوجها. إلا أن الأهم من ذلك هو ما ثبت في الصحيح عن مشاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم والسيدة عائشة رضي الله تعالى عنها لرقص الحبشة. ومن ثم فإن القاعدة التي نستطيع أن ننطلق منها في قياس هذه الأمور هي القاعدة التي أرساها الرسول نفسه صلى الله علي وسلم في حكم الإسلام على الشعر، وذلك في قوله: "الشعر كالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح" (متفق عليه). فهي قاعدة يمكن تعميمها على جميع أنواع الفنون. جـ – ضرورة الفن ومبدأ جواز الخطأ: في ظل حالة الصراع الفكري التي يشهدها العالم الآن فيما يسمى بعصر العولمة، فإن الفن يمثل أخطر سلاح في الوجود بعد القنبلة الذرية وأسلحة الدمار الشامل. وعلى ذلك فمسألة العلاقة بين الإسلام والفن تتجاوز حالة الاشتباك الفقهي الذي لا ينتهي بين الإسلاميين حول الحلال والحرام في قضايا الفن، وتدخل في نطاق آخر هو نطاق الضرورة القصوى التي تتمثل في سلاح فائق الخطورة، إذا توانى طرف في استخدامه فإن الآخرين لن يتوانوا في استخدامه ضده بأقصى سرعة. ومن ناحية أخرى فإن للفن القدرة المثلى على تبليغ دعوة الله إلى النفوس. وإنه لمغزى كبير لم نتعلم منه كثيرًا أن رسالة الله إلينا قد بعثها في أعظم كتاب فني في العالم في تقدير الكثير من الملحدين أنفسهم، وتمثيل التصورات والقيم الدالة على العلاقات الفاعلة بين الإنسان والوجود في عمل إبداعي يرتب أكبر التأثير في ترسيخ هذه التصورات والقيم في نفوس البشر، ويدفعهم إلى امتثالها والارتقاء بها إلى الله الذي هو غاية الوجود. وعلى ذلك فيجب التأكيد على وجوب اقتحام المبدعين الإسلاميين للمجالات المختلفة للفنون بما في ذلك المجالات التي تم استحداثها في هذا العصر مثل السينما والتليفزيون. إن ما يستطيع الفيلم أو المسلسل التليفزيوني تحقيقه يفوق الأثر الذي تستطيع تحقيقه آلاف الكتب والندوات والخطب. وقد يكون المخرجون وكتاب السيناريو في المستقبل هم أكثر المفكرين تأثيرًا على العالم. ومن ثم فإن حاجتنا إلى صناعة جيل من المخرجين وكتاب السيناريو الذين يستلهمون المفاهيم والقيم الإسلامية من أجل نشرها على الناس في العالم أهم من حاجتنا إلى آلاف الوعاظ والدعاة. إن هذا يمثل واحدة من أهم الخطوات الدالة على أننا نسير في الاتجاه الصحيح نحو التجديد، وأننا نملك القدرة الفعلية على مواكبة المتغيرات الدائمة التي يشهدها العالم. والإشكالية التي تُطرح هنا هي: هل يكون على المبدع الذي يريد اقتحام هذه المجالات أن يكون ملمًا بمفردات القيم والشرائع الإسلامية التي يتطلبها شمول هذه المجالات لكل النواحي الحياتية للبشر، وأن يكون قادرًا على استخلاص الأحكام الاجتهادية من هذه القيم والشرائع التي تواكب حركة الحياة ومستجداتها الدائمة؟ إن تطلب ذلك يعني في الحقيقة اشتراط توافر القدرة على الاجتهاد المطلق في كل فنان يريد إبداع فن إسلامي في هذه المجالات. وحيث إن تطلب ذلك يخرج عن التصور فلا بد من الإيمان بمبدأ جواز الخطأ، ما دام الباعث القائد للعمل الإبداعي هو تمثل الحقائق الإسلامية التي تتمحور حول الإيمان والخير والسمو بالبشر إلى القيم الإسلامية المثلى. فالفارق المائز للإبداع الفني على العمل العقلي المخطط يعني أن الملكة الروحية القادرة على توظيف هذا الإبداع ليست تلك الملكة التي تحاول فعل ذلك أثناء عملية الإبداع نفسها، ولكنها الملكة التي تمكنت من نفس الفنان وترسخت فيها تمامًا، حتى إذا فاضت نفس الفنان بالعمل الإبداعي فاضت عن تلك الملكة الروحية دون توظيف أو إخضاع للمنطق. ولذلك فإنه يكفي للفن الإسلامي لبلوغه درجات مثلى من الفن الإسلامي النموذجي أن يكون منطويًا عن تلك الملكة الروحية العامة دون إغراق في التفاصيل، حتى ولو أدى ذلك إلى السقوط في بعض الأخطاء. ومع الاقتحام المستمر لتلك المجالات الفنية الجديدة وتكرار الخطأ واكتشافه يتم إنضاج التجربة الفنية الإسلامية في هذه المجالات وتتبلور الرؤية المتكاملة لها في النهاية. وما نقوله هنا عن الإبداع الفني الإسلامي في هذه المجالات ليس شيئًا عجيبًا بعيد المنال، وإنما هناك العديد من التجارب التي تتمثله أو تقترب منه، فنشير سريعًا إلى التجارب التي تمثله بفيلم عن المختار للمخرج مصطفى العقاد. وإلى التجارب التي تقترب منه مثل أعمال محمود أبو زيد في السينما مثل: العار، وجري الوحوش. وكذا أعمال محمد جلال عبد القوي في التليفزيون، وخصوصًا: المال والبنون، وعلي عليوة. وكذلك أعمال سامي غنيم، مثل: الفرسان والأبطال. والله أعلم. (انتهي المقال المنقول) |
| الساعة الآن 10:45 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.