شاكا ملك الزولو قلبه حجر تسكنه أفعى - الطيب صالح
الطيب صالح: السودان.. حكم استعماري من نوع جديد
الطيب صالح 12/04/2007 * لم يمض وقت طويل حتى بدأ يظهر في بلاد السودان، حكم استعماري من نوع جديد. يقول (سير هارولد ماكمايكل) في كتابه (السودان) الذي ترجمه ترجمة ممتازة الأستاذ محمود صالح عثمان صالح، وأصدره مركز عبد الكريم ميرغنى الثقافي: (كان المتبع في سياسة الحكم البريطاني في السنوات الأولى، هو ترك مجتمعات القبائل والقرى تدير شؤونها بنفسها. وذلك لأسباب ثلاثة. في المقام الأول لم يكن هناك خيار عملي آخر نسبة لقلة الموظفين. وثانياً فقد كان نظام الحكم الأبوي متعارفا ًعليه في المجتمعات القبلية بوجه الخصوص وفي مجتمعات أخرى. وثالثاً كان زعماء القبائل في المناطق البعيدة رجالاً أقوياء وذوي نفوذ ولن يرضوا بأي محاولة تسلبهم سلطانهم، وسيجدون المبرر لمعارضة مثل تلك المحاولات في الوقت الذي كانت فيه الحكومة ترغب في تعاونهم وليس في عدائهم ..). ويمضى سير (هارولد ماكمايكل) فيذكر أن الحكومة في بداية عهدها في ذلك الوقت، لم تكن قد حددت هدفها بالنسبة للنظام السياسي المستقبلي، وإنما انشغلت فقط باستتاب الأمن وترسيخ مبادئ العدالة، ثم يضيف: (كان هناك ميل لدى بعض الدوائر (البريطانية) من ذوي العقول الديوانية ومن موظفي مناطق النيل الشمالية حيث كانت سلطة القبائل ضعيفة، للتطلع إلى اليوم الذي يربط فيه السودان بشبكة من المكاتب تعج بأعداد غفيرة من الموظفين والإداريين والمحاكم القضائية والروتين وكل ما يتبع ذلك من مقتضيات نظم الحكم الحديثة ..). هذا النظام (البيرقراطي) لم يطبق أبداً في السودان. أنشأ الإنجليز جهازاً إدارياً صغيراً جداً بالقياس إلى المساحة الشاسعة للقطر. وكان عدد الموظفين البريطانيين أقل من خمسمائة موظف. كانت لكل واحد منهم سلطات واسعة، وكان قطب الرحى هو الحاكم العام. وتحت هؤلاء يأتي النظار وشيوخ القبائل وهي المؤسسة التي تطورت منذ مملكة (سنّار) وكانت هي الحكومة الفعلية في مختلف العهود وقد أدرك الإنجليز من أول وهلة، أنها مؤسسة للحكم قليلة التكلفة، فتركوها على حالها. يقول (ماكمايكل): (تم تطوير وتعديل الدستور، ولكن السلطة العسكرية والمدنية التي منحت للحاكم العام وحده بموجب اتفاقية الحكم الثنائي لم يطرأ عليها أي تغيير، الأمر الذي ضمن نوعاً من الاستقرار والاستمرارية. وحتى عام 1910 لم يكن هناك مجلس تشريعي أو استشاري أو تنفيذي رسمي. كان السردار، الحاكم العام، حاكما مطلقا. وكانت الحكومة تدار على نمط عسكري، وكان السكرتير الإداري والسكرتير المالي والسكرتير القضائي ومديرو المصالح ومديرو المديريات، موظفيه وقادته الميدانيين. ثم بعدها اتخذ قرار (بتقنين الممارسة غير الرسمية، بخلق مجلس للحاكم العام لمساعدته في تصريف مهامه التنفيذية والتشريعية ..). ومع مرور السنين نمت أواصر وارتباطات بين الموظفين البريطانيين أنفسهم في السودان، أقرب ما تكون بالأواصر القبلية. وكان زعيم هذه القبيلة العجيبة هو الحاكم العام. وقد أحسن الحكّام البريطانيون فهم الطقوس القبلية في السودان وأعرافها وأحسنوا استغلالها. وجاء وقت أصبح فيه التعامل بين الحاكم العام وزعماء القبائل، كأنه تعامل بين أنداد. يقول (ماكمايكل): (إن العامل الأهم في تحقيق تلك النتيجة كان الولاء التام للحاكم العام من كافة الموظفين البريطانيين. لم يكن تعيين الحكام العامين تعيينا سياسياً مؤقتا، إنما كانت خدمتهم في السودان تغطي تقريباً كل فترة حياتهم العملية دون احتمال أو رغبة في التحول للعمل في مكان آخر. لم تكن هناك وزارة أو مصلحة في لندن تتحكم في مصائرهم أو في أعمالهم نظرياً أو فعليا. كما لم تكن هناك محاسبة برلمانية لهم. وفيما عدا أعلى المجالات لم تكن تقدم في البرلمان أسئلة كثيرة عن السودان. وحتى إذا ما قدمت، فإن وزارة الخارجية كانت هي الجهة المدنية الوحيدة التي تتولى الرد نيابة عنهم. ومما يبعث على الارتياح أنه كان يكتفى بالقول إن الأمر متروك لقرار الحاكم العام ..). ويلخص (ماكمايكل) الوضع كما كان قائما في هذه الفقرة الواضحة ذات الدلالات البعيدة: (وهكذا نشأت هيئة مؤتلفة من الموظفين الذين يقدمون خدماتهم للدولة طواعية غير مكبلين بأي نوع من الاستبداد، وغير مشغولين سوى بعملهم وهواياتهم وأسرهم، ويدينون بالولاء المخلص لرأس الدولة الذي يجسد القيادة والسلطة (الحاكم العام). (للحديث بقية) شاكا فارس الزولو _ مجلة المجلة 7/8/2008م الطيب صالح: قريباً سوف تنادي الأقدار (شاكا) فارس الزولو، لينهض بالعمل الذي ظل يعد نفسه له، وهو يحارب في جيش (دنقزوايو) ملك الـ (مططوا) كان هذا قد شاهد من بسالته وإخلاصه ما سرّه فقربه إليه واصطفاه ابناً له. وإلى جانب العاطفة، كان (دنقزوايو) يريد أن يستغّل (شاكا) أداة لتنفيذ سياسته ومدّ سلطانه. كان يريد أن يجعل منه ملكاً على بلاد الزولو، وبذلك يضمن ولاءهم ومناصرتهم، ويكونون قوة عازلة بينه وبين خصومه. وقد عرض (دنقزوايو) صراحة على ملك الزولو (سنزانخونا) أن يُعلن (شاكا) خلفاً له، فقبل إذ هو في بلاط (دنقزوايو) لكنه حين رجع إلى أرضه، اضطرته زوجته الكبرى الملكة (مكابي)، وكانت ذات نفوذ وهيبة، أن يغيّر رأيه، ويجعل ابنه منها (سقويانا) وريثاً شرعياً. خلال ذلك، طوّر (شاكا) أسلوبه في الحرب وصقل مهارته في القيادة فأصبح قائداً عسكرياً لا نظير له في مملكة الـ (مططوا) الواسعة. ونمت حوله أسطورة بأنه قائد لا يُغلب. وهو أسلوب عرفه القادة المسلمون الأوائل، وتفننوا فيه، واستطاعوا أن يهزموا به قوّات تفوقهم عدداً وعتاداً. وقد سلكه نابليون بونابرت في انتصاراته الأولى المدهشة، وأصبح فلسفة عسكرية ثابتة لدى الألمان، خاصة في الحرب العالمية الثانية وأسموه (بلتزْكريق- Blitzkrieg) – سرعة الحركة ومباغتة الخصم، والالتفاف بالجناحين، ثم الانقضاض بكامل ثقل القوات في القلب بهدف تدمير قوات العدو تدميراً ماحقاً. وقد بلغ من إعجاب (دنقزوايو) بـ (شاكا) أنه جعله قائداً على صفوة القوات في جيشه المعروف باسم (ايزي جوي). في عام 1816، جاء مبعوث إلى (دنقزوايو) يحمل نبأ وفاة ملك الزولو. كان (شاكا) في التاسعة والعشرين من العمر، وأحس لتوّه، أن الساعة التي كان ينتظرها قد حلّت. طلب من (دنقزوايو) أن يخلي سبيله ففعل، وأعطاه فرقة من قوات الـ (إيزي جوي) المختارة، تصحبه إلى أرض الزولو، ويتعزّز بها وضعه. لكن (شاكا) تريث قليلاً، فقد علم أن أخاه (سقويانا) قد حلَّ محلّ أبيه، كما دبّرت أمه الملكة (مكابي). أرسل (شاكا) أخاه لأمه (انْقوادي) الذي ولدته (ناندي) من (قنديانا)، وكان قد آواهم حين طردتهم قبيلة (أيلا نفيني) كانت مهمته أن يتخلص من (سقويانا) كما اتضح فيما بعد، إذ إنهم، في اليوم الذي دخل فيه (شاكا) مركز الحكم في بلاد الزولو، وجدوا جثة (سقويانا) طافية في ماء النهر. وكانوا يعلمون أن ذلك لم يحدث صدفة. ها هنا يصف (ماسيسي كونيني) في ملحمته الشعرية، وصول نبأ موت (سنزانخونا) إلى (دنقزوايو) ووداعه لـ (شاكا) وعاطفة الأبوة والبنوة التي ربطت بين ملك الـ (مططوا) الشيخ، والفتى الذي سوف يصير قريباً ملكاً على الزولو. “ أخذت يد (دنقزوايو) ترتعشان لوقع الصدمة، وأخذ يمشي رائحاً غادياً ورأسه يضطرب بالمشاغل. يا للخسارة! كان يؤمّل أن يصلح بين (شاكا) وأبيه. سأل الرسول مرة بعد مرة، كيف مات (سنزانخونا)؟ وهل ترك وصيّة؟ أجابه الرسول، وهو لا يقوى على حبس الدموع: الموت بداية رحلة جميلة إلى مُستقر الأسلاف، ولكن اللحظات الأخيرة من حياة الملك كانت مؤلمة. نظر إلى زوجته الملكة (مكابي) وسألها بلهفة، أين ابن (سقويانا)؟ أجابته الملكة، وأكد له الحاضرون أنه جالس بجانبه لكنه لم يصدق. قال إنهم يخدعونه. قال إنه لا يرى إلاّ (شاكا). ثم أخذ يهذي ويصرخ: (شاكا يلقي ظله فوقي، يحدّق في وجهي بعيون قاسية كشعاع الشمس). ثم حاول أن ينهض ومدّ يده ليمسك بيد ابنه. لكنّه هوى. سقط بلا حراك. التفّ حصير الأرض حول جسده وما زالت المناخات تتردّد أصداؤها أجهش الرسول بالبكاء ودمعت عينا (دنقزوايو) وكان عصي الدموع فأشاح بوجهه. هزّه نبأ موت (سنزانخونا) وأيضاً تذكر أنه قد شاخ، وأن حياته لن تطول. ثم تذكّر أنه ملك، فعاودته رباطة جأشه وقال مخاطباً شاكا: (الموت يمحو من النفوس آثار الجرائم التي ارتكبها الموتى حين كانوا أحياء. علينا أن نحزن، ولكن لا نستسلم طويلاً للحزن. الآن، يجب أن تستعدّ للرحيل، قبل أن تنتهي فترة الحداد. لابد أن تنقذ مملكة آبائك من الفوضى، وسوف أعطيك فرقة من قوات الـ (إيزي جوي) يزيدونك هيبة وأنت تدخل عاصمة مُلكك، كما يليق بأمير مثلك. أجابه (شاكا) قائلاً: (الدموع التي واسيتني بها تغسل أحزان قلبي. سوف أنسى قسوة أبي. أنت كنت لي أباً شملتنا بعطفك بعد أن كنا صعاليك في الأرض تتخطفنا عيون السكارى والحمقى. صرنا عيالكَ بحق. وأنا أدين لك بكل شيء. سوف أفارقك الآن مضطراً. لأنجز المهمة التي ينتظرها آبائي مني. الوداع، وأنا ابنك المطيع حيثما كنت. عانقه (دنقزوايو) وقد دمعت عيناه من التأثر، ثم طلب أن يحضروا له الرمح الملكي، وقال: ها أنا أعلن في الملأ، وسوف تعلم الأجيال التي لم تولد بعد، أنني أمدح بطولتك وأقرّ أنك، أكثر من أي قائد آخر، أعنتني على تثبيت أركان هذه المملكة العظيمة. حسبي أنني هيّأت الأرض، وزرعت البذور، لمولد أعظم حقبة في تاريخ أمّتنا. خُذ هذا الرّمح الطقوسي الذي ورثته عن آبائي، أولئك الذي بحكمتهم أرسوا أساس أمتنا وما أنا إلا شعاع من شمس عظمتهم. لقد رأوا ببعد نظرهم وحدة شعب النخيل. حافظ على الرمح، وحافظ على ذكراهم فنحن جميعاً فروع من دوحتهم. وها أنا أعطيك البركة باسمهم. وهكذا افترق البازيان العظيمان، أحدهما نحو الغروب، والآخر نحو الفجر. ///////////////////////// الطيب صالح: شـاكا: قلبه حجر تسكنه الأفاعي الطيب صالح 24/07/2008 *أبو الملك "شاكا" هو "سنزانخونا" بن "جاما" بن "زولو" بن "مانديلا" الكبير الذي استقل في القرن السابع عشر بفخذ صغير من عشيرة الـ"انقوني" المنحدرة من قبيلة الـ"بانتو" الكبري. واسم زولو يعني "السماء" وقد عم على القبيلة كلها فاصبح اسمها، أما زولو أي "أمة الزولو". كانت قبيلة مستضعفة لا يؤبه لها حين تولى أمرها "سنزانخونا" لا يزيد عددها على ألفي إنسان، تعيش في أكناف قبيلة "مططوا" الكبيرة، وتجاور قبيلة صغيرة مثلها هي قبيلة "ايلانقيني" خؤولة "شاكا" وأبيه. رفع "سنزانخونا من شأن الزولو فأصبحوا شوكة في جنب قبيلة الـ"مططوا" بقيادة ملكها الحكيم "دنقزوايو" الذي لجأ اليه "شاكا" فيما بعد خلال تنقله بين القبائل هو وأمه. وقد تعلم "شاكا" أموراً كثيرة من "دنقزوايو" ولكنه حين أصبح ملكاً على "الزولو" اتبع سياسة مخالفة تماماً لما رآه من دنقزوايو. عادت "ناندي" إلى قبيلتها تحمل طفلها الذي سوف يكون له شأن، فلم يستقبلوها بالترحاب لأنها أخلت بالأعراف، ودنست شرف القبيلة، فعاشت بينهم في فاقة وبؤس ونشأ "شاكا" منبوذاً محقراً. ظل كذلك إلى أن بلغ سن الخامسة عشرة يرعى البقر والغنم وتنهش قلبه كراهية مريرة لقبيلة أبيه وقبيلة أمه ويحس أن له حقاً مسلوباً في زعامة "الزولو" لا بد من أن يسترده .وكانت أمه "ناندي" تذكي جذوة حقده وطموحه. وفي نحـو عام 1802 حلت بالبـلاد مجـاعة عضـوض، ورأت قبيلة "ايلانقيني" عشيرة ناندي أنها لا تستطيع أن تطعمها وأبناءها فطردتهم وهاموا على وجوههم بين القبائل. وقد أحدث هذا جرحاً عميقاً في نفس "شاكا" الذي انتقم فيما بعد من قبيلة أمه فبطش بهم بطشاً لا رحمة فيه. وجدت "ناندي" عطفاً لدى رجل من قبيلة صغيرة يدعى "قنديانا" كانت قد عرفته من قبل وولدت منه ابناً سـوف يكون له دور في ظل أخيه حين يرث ملك "سنزانخونا". هنالك كبر شاكا فصار فتى فارع الطول قوي العضلات وكان محارباً بالغ الشراسة، شديد المكر، فبدأت تتكون له أسطورة بطولية وأخذت شهرته تتسع بين القبائل. وقد ازدادت شهرته حين انضم إلى خدمة "دنقزوايو" الحكيم رئيس قبيلة الـ"مططوا" الكبيرة فكان يرعى ماشيته ويحارب في جيشه ويراقب أسلوبه في تصريف شؤون الحكم باهتمام عظيم وعقل بارد. سمع "سنزانخونا" بشهرة ابنه وأراد أن يضمه إلى عسكره فرفض، إذ إنه كان يعلم أن أباه لن يستخلفه، وأنه قد اختار وريثه الشرعي. ورغبت عشيرة أمه أيضاً أن تستغل مهاراته في الحرب، فأبى لما كان يضمر لهم من احتقار وكره. ولكنه حين بلغ مبلغ الرجال اضطر إلى أن يذهب إلى أبيه ليكرسه حسب الطقوس القبلية القديمة. يصف "ماسيسي كونيني" كل هذا في ملحمته الشعرية فيقول:- الليالي الجميلة تزدحم بالنجوم التي ياما تفضح خناجر الغدر وتضج بوسوسات الحقد كان "شاكا" ولد "ناندي" يرهف سمعه لألسنة الليالي الطوال كلمات الشامتين تجرح روحه اليانعة كالسياط وعيونهم تحرقه مثل لهيب النار لا شفقة حتى عند النساء العجائز اللائي يقلن حين يرينه "أهذا ابن السفاح الذي ولدته "ناندي" العاهرة؟" يقلن هذا وعيونهن تتوقد بالشر ويقلن أيضاً وهن يتصنعن الهمس "أهذا هو إذاً؟ الفتى الشقي الأرعن؟" لكن قلب "شاكا" كان جريئاً كقلب نمر فلم يطأطئ رأسه أبداً كان مرآه يبث في قلوبهم الرعب حتي الكبراء الذين كستهم الشيخوخة هيبة كانوا يفرون من وجهه ولأنه ولد في برج الجبل يقول "أنا الثور الفحل لا تهزمني صغار العجول" يجلس بينهم يكظ أسنانه من الغضب يتلبسه روح الثور المحارب وعقله المستعر يطفئ العقول الأكثر منه تجربة يعجب به البعض لأجل ذلك وله أصدقاء يمشون في الدورب المخيفة يقولون: "قلبه حجر تسكنه الأفاعي كهف تحاك فيها الخطط لمحق أعدائه يجلس وحده هناك على حجر هو رفيقه الوحيد لا يسمع النصح ولا يقبل الصلح ولا يعبأ بأحد كل صباح يزيده حقداً ويزيده تصميماً على الانتقام من عشيرته الأقربين" دموع الحيوان سرعان ما تجف ولكن دموع الإنسان لها أقدام وأيد وشفاه الذين يحمدون أباه عنده ينكأون جرحه الطري ويطردون الكرى من عيون الليل وأمه "ناندي" تقول له بلسان ريح الشتاء: "صبراً يا ولدي! غداً سوف تقتلع الأشجار من جذورها" وهكذا كبر فارع الطول، عملاق الجسم بعيد الصيت: وحين آن أوان الاحتفال ببلوغ سن الرجولة قالوا "لا بد أن يذهب الآن إلى أبيه المستهتر فهو وحده الذي يمنحه ثوب الشباب" فأسرع ولد "سنزانخونا إلى أبيه وخاطبه بجنان ثابت ولسان لا يتلعثم قال له "إنني جئت آخذ منك ثوب شبابي" رشقه أبوه بنظرة غاضبة وقد أزعجته وقاحته إنما لم يجد بداً من الاستجابة لطلب الفتى الذي لا يعبأ بأحد فأمر بثور يذبح للاحتفال وكان "شاكا" من غيظه يبرطم بكلام لا يفهم. في تلك الليلة، ليلة الاحتفال زاره أجداده في المنام حدثوه وقالوا له: "سيأتي يوم تصل فيه شهرتك إلى النجوم وسوف يمتد ظلك فيغطي أمماً وراء أمم وسوف تلهج شعوب الأرض كلها بذكرك وسوف تعنو لك جباه الأبطال من كل جنس وسف يطأطئون الرؤوس لجبروتك إلى أن تغرق الشمس في الظلام السرمدي ///////////////////////// واشنطن في نظرروائي من أهلها (المجلة 12/7/2008م) الطيب صالح يجد الإنسان لذة مضاعفة إذا هو قرأ للروائي الأمريكي (قورفيدال) في واشنطن، فهي مدينته التي نشأ فيها وأحبها وكرهها – يهجرها ثم يعود إليها – يعيش فيها وبعيداً عنها، وعلاقته بها علاقة متأرجحة كما كانت علاقة الكاتب الأيرلندي (جميس جويس) بمدينته (دبلن). اشتهر بلسانه الحاد، وسخريته الموجعة، من سياسة أمريكا وما وصفه بأنها تدّل على العظمة الفارغة وتحاول أن تلعب دوراً هي ليست مؤهلة له. ولعلّه أول من وصف الولايات المتحدة –هازئاً –بأنها (إمبراطورية). كاتب متحرر منصف من القلائل في أمريكا الذين يسبحون عكس التيار، ويجدون الشجاعة لمناصرة القضايا العادلة للشعوب المستضعفة، مخالفاً في ذلك سياسة دولته. يقول عن نفسه وواشنطن: “كان جدي، مثل كثير من مكفوفي البصر، مغرما بالتجوال في المدينة و(رؤية) معالمها، كما كان يقول. ومن ذكريات طفولتي الباكرة أنني إذا ذهبت إلى الجزء الجنوبي الشرقي من واشنطن، قال جدي وهو يشير بيده إلى عمارات متداعية من الطوب الأحمر: “كانت عائلتنا تملك هذه الأرض كلها في يوم من الأيام” لم أر أي أرض بل خرائب. لذلك فإنني لم أحس بالزهو لقوله إن عائلتنا تملك ذلك كله. بعد سنوات وجدت خارطة تبين كيف كان ذلك الجزء من البلدة يبدو قبل اختراع العاصمة، (منطقة كولمبيا). كانت (جورج تاون) مستوطنة بائسة على نهر (بتوماك). وكانت بقية الأراضي على امتداد البصر، أراضي زراعية تملكها 19 أسرة. جورج واشنطن، ليس فقط أنه تزعم الحركة الانفصالية عن بريطانيا العظمى (وصف ثورة أفخم من أن ينطبق على تلك الحركة الحائرة المحيّرة ). لكنه أيضاً اخترع ما يسمى (الجمهورية الفيدرالية). وكان أعظم همه أن يكرس دستور تلك الدولة، رغبته التي تقرب من السعار في (تقديس الملكية الخاصة). كان واشنطن سعيداً – إن لم نقل متآمراً – في نقل عاصمة الجمهورية الوليدة من (فلادلفيا) إلى تلك البراري التي كانت قريبة من مزارعه وممتلكاته في (فرجينيا). وحين قررت الأمة، اعترافاً له منها بالجميل، أن تسمى العاصمة باسمه (واشنطن)، لم يتردد الزعيم البطل طويلاً. ألم يبرهن من قبل على زهده وصدق عواطفه الجمهورية أنه رفض أن ينصّب ملكاً. قال يومئذ إنه ليس من اللائق أن يحل (جورج الأول) محل (جورج الثالث) – ملك بريطانيا آنذاك – ولعل مما قوى إصراره على الرفض، أنه كان بلا ذرية. لم يكن يوجد (أمير فرجينيا) يخلفه على العرش حين يناديه المنادي إلى آفاق أرفع! منذ عشرين عاماً قال ذلك الرجل الخفيف الظل (جون كندى) إن واشنطن تجمع بين كفاءة أهل الجنوب وجاذبية الشمال- يقصد أنها خالية من الكفاءة والجاذبية – ربما كان ذلك صحيحا حين كان (كندى) وفرسان مائدته المستديرة، يبنون مملكتهم السحرية في (كاملوت)، بين قبائل من الهمج والرعاع!” . يواصل الكاتب الروائي الأمريكي (قور فيدال) بأسلوبه الساخر الذي اشتهر به وصفه لمدينة (واشنطن) فيقول : “حين كانت تلك الصروح الرومانية تشيد ومنها مبنى وزارة التجارة، كنا نتساءل ببراءة، من أين يجيئون ببشر يملأون تلك العمارات الضخمة كلها؟. المدينة- أي مدينة – هي عبارة عن كائن حي، تنمو حسب منطلق النمو للكائن الحي. لذلك وقبل أن تصير (الإمبراطورية الأمريكية) واقعاً ملموساً كانت مدينة (واشنطن ) قد أخذت بالتدريج تأخذ طابع عاصمة قيصرية – أخذت تتحول إلى (روما الجديدة). كنت أشعر، وأنا أرى المباني الرسمية ترتفع بأعمدتها وقبابها وأبراجها، أنني لا أشاهد مدينة حية تنمو، ولكنني أشاهد أطلال مدينة درست وأصابها الخراب. وعجيب أننا حتى في تلك الأيام، قبل وجود الخطر الذري، لم يكن صعباً علينا أن تتخيل المدينة وقد أصابها الدمار بالفعل – ربما كان ذلك صدى لحادثة قديمة من عام 1812م، حين أحرق الإنجليز الـ (كابيتول) والبيت الأبيض – أو حين استباحت قوات الجنوب المدينة في الحرب الأهلية، وتدفقت كالسيل في شارع (سقينث ستريت). قال جدي وهو يحملق بعينيه غير المبصرتين في مبنى دار الوثائق (على الأقل الخرائب التي سوف تنتج عن هذه المباني، سوف تكون خرائب رائعة !). لو كان الأمر بيد جدي، لما أنفق سنتاً واحداً من المال لتشييد أية عمارة، ولكن تلك الصروح الرومانية، لم تلبث أن اكتملت وامتلأت بالبيروقراطيين. وبعد الحرب العالمية الثانية، صار لمدينة (واشنطن) إمبراطورية تتناسب مع العظمة المزيفة لتلك المباني. إقامة إمبراطوريات أمر بالغ الخطورة، كما لاحظ (بركليس)، أعظم سادة أثينا القديمة. ولأنني أذكر بوضوح كيف كانت (واشنطن) قبل أن تصبح عاصمة (إمبريالية)، فأنا أعترف أنني من هؤلاء الجمهوريين على مذهب (ششرون) الجميلة التي عرفتها في صباي وأول شبابي، وأتحسر على الفساد والتشويه الذي حاق بها. في العشرينيات والثلاثينيات، كانت (واشنطن) بلدة صغيرة كل واحد من سكانها يعرف كل ساكن آخر. حين تغلق المدارس في شهر حزيران/ يونيو، نخلع أحذيتنا، ونمشى ونلعب حفاة، ولانلبسها إلاّ في شهر أيلول/سبتمبر. كان الصيف حاراً ولا يزال. كنت أثناء انعقاد جلسات (الكونغرس) أذهب إلى جدي بسيارة وسائق لإحضاره إلى الدار من مبنى (الكابيتول) – كان الحراس قليلين في تلك الأيام، ولم تكن توجد كلف ولا رسميات –أدخل المبنى من دون أن يستوقفني أحد، وأتسكع في ردهات مجلس الشيوخ، ثم أدخل قاعة المجلس، وإذا لم يكن جدي موجوداً أجلس في مقعده إلى أن يرجع، فأعود به إلى الدار. وذات مرة دخلت وسرت بين مقاعد الأعضاء وأنا شبه عار لا البس غير (شورت ) السباحة. ضحك الشيوخ الموقرون، الأمر الذي حيّر جدي المكفوف البصر. لم يلبث أن نزل (مستر جارنر) نائب الرئيس، وجاء إلى جدي وقال له وأنفاسه تفوح منها رائحة الوسيكي (سناتور! هذا الصبي عريان ) بعد ذلك صرت أدخل بثياب أكثر حشمة. إنني أؤرخ لنهاية الجمهورية وميلاد الإمبراطورية، باختراع مكيفات الهواء أواخر الثلاثينيات. قبل ذلك كانت (واشنطن) تخلو من الناس بين منتصف حزيران/ يونيو إلى أيلول/ سبتمبر. كان رئيس الجمهورية، فرانكلين روزفلت – يختفي في مكان ما أعلى نهر الـ (هدسن)- وكان أعضاء (الكونغرس) كلهم يسارعون في العودة إلى مواطنهم، أما بعد اختراع مكيفات الهواء، الذي تزامن مع نشوب الحرب العالمية الثانية، فقد صار الـ(كونغرس) يجلس بلا انقطاع، وصار رؤساء الدولة وحاشيتهم وأتباعهم لا يبرحون البيت الأبيض، موجودون دائماً ينسجون المكائد والمؤامرات لإلحاق الأذى بخلق الله!. الـ (بنتاغون) – مبنى وزارة الدفاع – الذي أحسسنا تجاهه بكراهية شديدة وهو يعلو تدريجياً، لم نجد سبباً لنحبه حين اكتمل، سواء في مظهره القبيح أو وظيفته الأكثر قبحاً- بدا لنا، ولا يزال، مثل عش الدبابير!. الآن أخذت تلك الصروح الرومانية تتسخ بفعل مرور الزمن وبراز الحمام. ولكن من حسن الحظ لا يزال المرء يجد هنا وهناك بعض البيوت القديمة المنزوية في شوارع هادئة تظللها الأشجار. إنها بقايا ذكريات من زمان ضاع، حين كانت السيدات يضعن على رؤوسهن قبعات واسعة من القش. كان الإنسان يستطيع أن يأكل في (هارفي) حيث مراوح السقف تدور ببطء، وتجعل نهار الصيف مهما كان حاراً يبدو لطيفاً محتملاً. ومن وقت لآخر يهب الهواء من الخارج، يحمل رائحة القار والياسمين. كانت حديقة (لافييت) القريبة، عبارة عن غابة استوائية ملتفة الأشجار، يتمشى فيها أحيانا ذلك الرجل الأسطوري، القاضي (أيفر وندل هولمز)، وشاربه الأبيض منقوش في الهواء مثل بيرق . ////////////////////////// الطيب صالح: صنــاعــة الأسمــاء الطيب صالح 05/06/2008 * يقول الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن سعيد الحميدي، في دراسة حسنة عن تعليم الكبار ومحو الأميّة في المملكة العربية السعودية .”إن التغلب على مشكلة الأميّة يعني بناء أمة قادرة على الإنتاج، تتكيف بالتغيّرات الحضارية ذات قدرة ومهارة فنية، وذات آفاق واسعة قابلة للتفاعل مع برامج التنمية. ميّالة إلى العمل الجماعي، مؤمنة بأهمية العلم والتعليم والتكنولوجيا، وناظرة إلى المستقبل أكثر من الماضي والحاضر”. ها هنا بالطبع تأكيد على الجانب التنموي في قضية مكافحة الأمية، وهو عين الصواب، و الجانب الذي أخذ يلفت انتباه المنظمات الدولية التي تهتم بالتنمية أولاً وآخراً، مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية. وقد كانت هذه المنظمات لا تكترث للأمية، وتعتبرها عرضاً سوف يزول بزوال الفقر. ثم أدركت بعد أمد أن الفقر لن يزول ما دامت ثمة أميّة. أما أن تكون الأمة “ناظرة للمستقبل أكثر من الماضي والحاضر”، فهذا قول تختلف بصدده الآراء. ومن جميل ما قيل عنه، ما كتبه المرحوم الدكتور محمد إبراهيم كاظم أستاذ التربية في جامعة الأزهر، ومدير مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية سابقاً في ورقة له عن “بناء القيادات لمواجهة تحديات العصر” يقول: “ومحاولاتنا لرؤية المستقبل، إنما هي في صميمها تحليل منظومي أو نسقي للماضي والحاضر في محاولة لصياغة وتشكيل المستقبل. هذه الصياغة لا يمكن أن تنفصل عن تفضيلاتنا ورؤانا في الحاضر واستهدافنا لصياغة مقصودة ومفضلة لمكوّنات الأحداث والأشياء والأشخاص والأفكار حتى تقع وفق هذه الرؤية. والفرق بين الرجم بالغيب المنهي عنه، والدراسات المستقبلية التي نهتم بها من قبيل الاهتمام بأمور الجماعة والمجتمع، هو أن الدراسات المستقبلية تبدأ في ضوء الحاضر أياً كان، وأياً كان رأينا فيه، بتصور الصيغة التي تمثل تفضيلاتنا لمسارنا نحو المستقبل، وتبين أن هذا المستقبل، لكي يُرجح وقوعه، يحتاج إلى توفير مقوّمات ومكوّنات، كما يحتاج – إذا كان موقفنا إيجابياً – إلى الإيمان والعلم والحساب والخيال والأمل والطموح”. وأهم من محض التنمية عندي، أن الإنسان الأمي حين ينفض عنه أغلال أميته، فإنه يصبح هو نفسه، في حد ذاته، إنساناً أفضل، إنساناً أكثر انفتاحاً على آفاق الكون الرحبة وأسراره التي تُغري بالاكتشاف. ولا تعود حياته تقاس بعدد الأعوام التي قضاها على وجه الأرض، ولكن بدرجة عمق تجربته الفكرية والروحية، ومدى قدرته على التواصل مع نفسه ومع الآخرين ومع أصوات الحياة في الكون. وقد عبّر عن هذا المعنى أجمل تعبير المفكر البرازيلي الذائع الصيت، باولو فريري، في عبارة أوردها الدكتور محمد نبيل نوفل في الفصل الجميل عن هذا المفكر في كتابه القيّم “دراسات في الفكر التربوي المعاصر”، يقول باولو فريري، وهو واحد من الأقطاب الذين جاؤوا بمفاهيم عميقة طريفة، عن قضية الأهم في العالم. “لا يمكن أن يكون الوجود الإنساني صامتاً. ولا يمكن أن يعيش على الألفاظ الجوفاء، بل يعيش على الكلمات الصادقة وحدها. الكلمات التي يغيّر الإنسان بها العالم. أن تعيش، إنسانياً، معناه أن “تسمّي العالم”. أو بعبارة أخرى أن تدرك العالم، وأن تتخذ منه موقفاً إيجابياً، وأن تعمل على تغييره. وعندما “نسمي العالم” فإنه يبدو لنا كمشكلة تتطلب تسمية جديدة، أي أننا عندما ندرك العالم المحيط بنا، وتتعرف عليه وعلى التناقضات الموجودة فيه، حينئذ تبرز أمامنا مشكلات تفرض علينا أن نجد لها حلولاً وحين يتغير العالم فإنه يناشدنا أن نتعرف عليه وندركه من جديد، وأن نتعامل مع الواقع الجديد ونحاول تطويره وحل مشكلاته باستمرار...”. ويستطرد الكاتب قائلاً:“... الحوار لقاء بين الناس من أجل “تسمية” العالم، لذلك لا يمكن أن يقوم حوار بين من يريدون تسمية العالم ومن لا يريدون ذلك، بين من ينكرون على غيرهم الحق. ومن ثم يجب على من حرموا هذا الحق في تسمية العالم، أن يستعيدوا أولاً هذا الحق الطبيعي، وأن يمنعوا استمرار هذا العدوان اللا إنساني”. وأول خطوة في سبيل استعادة هذا الحق، هي اكتساب القدرة على التعامل مع الرموز التي تتشكل منها “الأسماء”. وقد بسطت لك قبلاً، كيف أن أول ما فعله الـ “أبو روجنيز” سكان أستراليا الأولون، منذ أكثر من خمسين ألف عام، أنهم “سموا الأسماء”. ثم جاء الأوروبيون، ومحوا تلك الأسماء القديمة وفرضوا بدلاً عنها أسماء جديدة، وحالوا بين الـ “أبو روجنيز” وبين أن يستعيدوا في ذاكرتهم الأسماء التي ضاعت منهم. وبهذا المعنى يمكن القول أيضاً، إن كل ما يشكو منه العرب اليوم، من تشويه لتصوراتهم عن أنفسهم، وازدراء لحضاراتهم، وتزييف لمساهماتهم الإنسانية في الماضي والحاضر، إنما يدخل في باب الحرمان من الحق المشروع لكل الناس في المساهمة في “صناعة الأسماء”. وعندي أيضاً، أنه ليس محض صدفة، أن العرب في جاهليتهم، كانوا يحتقرون القراءة والكتابة ويعدّونها ضرباً من السحر والكهانة. وقد تواترت أمثلة كثيرة على ذلك، منها ما روي عن الشاعر النجدي النابغة ذي الرمة أنه كان يُملي قصيدة على كاتب يكتبها له. ووجد أن الكاتب قد أخطأ في كلمة، فقال له: “اكتبها هكذا”. فقال الكاتب متعجباً “أو تكتب؟” فقال ذو الرمة “نعم. ولكن اكتم عنّي”. هكذا كانوا يرون الجهل حسنة، ويرون العلم مسبة، فلا غرو أنهم عبدوا أصناماً لا تنفعهم ولا تضرهم. إلى أن بعث الله سبحانه وتعالى إليهم، رسولاً منهم، يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وتقول “ ولكنه هو نفسه كان أمياً ولا يقرأ ولا يكتب”. بلى، ولكنك تعلم، أنه صلى الله عليه وسلّم، كان له شأن آخر. كان قلبه العظيم مفتوحاً على أسرار الكون، يتلقاها من لدُن حكيم عليم. كان فوق الكلمات والحروف، لأنه مفتاح خزائن الأسرار، ومنبع تجليات الأنوار. ومع ذلك فقد كان يحض المسلمين على تعلم القراءة والكتابة، وكان يعتق الأسرى لقاء تعليم عدد من المسلمين. وقد كانت تلك أول حملة لمكافحة الأمية في جزيرة العرب، بل وفي العالم. يذكر الدكتور عبد الرحمن بن سعد الحميدي، في دراسته الحسنة عن مكافحة الأميّة في المملكة، سببين أساسيين أعاقا الجهد السعودي، أولهما هو: “تأثير المناخ الاقتصادي المزدهر في المملكة كعامل سلبي في جهود محو الأمية، إذ إنه يقلل من أهمية الحوافز المادية المقررة، كما يقلل في نظر الأميين، من أهمية التعليم كضرورة لتحقيق الرخاء الاقتصادي لعدم إحساسهم بالحاجة إليه ولانصرافهم إلى اغتنام الإثراء المُتاح بوفرة ويُسر”. حقاً، هذا عائق أساسي لأن من أهم الحوافز التي تدفع الأمّي إلى التعلُم، الرغبة في تحسين حالته المعيشية. وإذا كانت حالته حسنة بطبيعة الحال، فما الذي يجعله يغامر بالدخول في عالم جديد عليه كل الجدّة، يتطلب منه بذل الجهد، وإعمال الفكر، خاصة إذا كان قد تقدّمت به السن، واستقرت حياته على وتيرة معيّنة؟ ويمضي الدكتور الحميدي في سبْر هذه العلّة فيقول: “ولا نستغرب هذه النتيجة في مجتمع كان ولا يزال يطمع لتحقيق برامج طموحة أتاحت فرصاً للعمل أمام جميع أبنائه، بما فيهم الأميون، دون أن تضع قيوداً أو شروطاً تمنع الأمّيين من الحصول السهل على العمل، بل والعمل المجزي مادياً، الأمر الذي جعل من العمل المجزي دافعاً لهم للعزوف عن الالتحاق بمدارس محو الأمّية”. هذا قول فيه نظر، وينطوي على تطرّف إلى النقيض ربما دفعت إليه حسن النيّة أما أن الأميّة داء يجب القضاء عليه فذلك حق .وأما أن الأمي مُصاب يُعزل كما يُعزل الجمل الأجرب ويُحرم حق العمل، فذلك مذهب بعيد لم يذهب إليه أحد. وإذا كان صاحب العمل لا يأنف من تشغيل الأمّي رغم أميته، فلماذا تتدخل الدولة لتحول دون ذلك، مع العلم بأن حق العمل حق أساسي أقرته وثيقة حقوق الإنسان في المجتمع الدولى؟ لا. أفضل من ذلك ما هو متبع الآن ومعمول به في المملكة العربية السعودية وفي دول عربية أخرى. ذلك أن يُكافأ الأمّي على محو أميّته . ::::::::::::::: الطيب صالح: تجارب مثيرة في مطارات العروبة الطيب صالح 17/07/2008 * المحب يلزمه الصبر! كنت أزور مصر العزيزة، وهل العربي - خاصة من السودان - يحتاج إلى برهان على حب مصر؟ كنت أجيء من عمان أيام فتنة حرب الخليج. وأكثر المجيء في رمضان، وفي عيد الأضحى. فقد كنت أعمل مع مكتب منظمة اليونسكو في عمان والمسافة غير بعيدة : كأنك تسافر من الخرطوم إلى بورتسودان. ووراء سياج مطار القاهرة، لي مواثيق قديمة وذكريات تليدة وأصدقاء أفديهم ويفدونني وأكثر، مما يصعب شرحه لضابط الجوازات. تجد أمامك سبيلين واحد يدخل منه المواطنون، والآخر يدخل منه الأجانب في بعض ديار العروبة تجد طرقاً شتى للمواطنين ولمجلس التعاون، إن وجد مجلس تعاون، أو مجلس اتحاد إن وجد مجلس اتحاد. وأحياناً درب يسلكه العرب. أقف في صف الأجانب في مطار القاهرة وهو طويل بطبيعة الحال وشديد الزحام. تكون محظوظاً إذا وجدت أمامك أجانب - واضح أنهم "أجانب"- حينئذ يتحرك الناس مثل الماء في جدول متسع. وغالباً ما يكون الجدول ضيقاً. تصل إلى الضابط فيفتح الجواز ويقلب صفحاته. يجد أنني دخلت بلاداً لا يسهل دخولها، ومنها من أذن لي بالدخول والخروج مراراً بتأشيرة واحدة وأقول إذا كانت كل هذه الدول قد وثقت بي فبالأحرى أن تثق بي الشقيقة الأثيرة مصر. وبينها من الحب ما لا يقدر واش أن يفسده. وقبلاً قال شاعرنا العبقري التجاني يوسف بشير منذ ستين عاماً: طبع مصر تقصياً ونشاطاً لو دهي الصخر داهمٌ منه أوري كيف يا قومنا نباعد من فكرين شًدا وساندا البعض أزرا كيف –قولوا- يجانب النيل شطيه ويجري علي شواطئ أخرى؟ كلما أنكروا ثقافة مصر كنت من صنعها يراعاً وفكرا جئت في حدها غراراً فحي الله مستودع الثقافة مصرا ناهيك بالعباسي وأحمد محمد صالح ومحي الدين صابر والمحجوب والمجذوب والفيتوري ومحيي الدين فارس وتاج السر الحسن والحردلو وآخرين لا يحصيهم العد. طبقات فوق طبقات من تراكمات التاريخ منذ قبل عهد الفراعنة لا يقوى على خلخلتها حكم قام في مصر أو السودان. والنيل يسعى بيننا مثل النبأ السار منذ الأزل وعبر القرون. ولوهلة بدا على وجه الضابط أنه استحضر كل ذلك وأنه سوف يغض الطرف وأنني قادم من عمان وأنه لن يعوقني ويفسد علي لهفتي للقاء المدينة العتيدة المفعمة بكل تلك المعالي والشمس تغطس في النيل وراء سياج المطار. ابتسم الضابط في وجهي بتلك الطريقة المصرية الجذابة التي تجعلك تسامحه سلفاً على أي تقصير يمكن أن يحدث. كانت تجلس إلى يساره سيدة تعكف على جهاز كمبيوتر. أذكر القناع الذي غطت به رأسها. كان لافتا للنظر أكثر مما لو تركت رأسها عارياً، أعطاها الضابط الجواز فاقتحمته بعينها ووضعته إلى جانبها وانصرفت إلى الجهاز أمامها. اللون الأخضر لون وديع مسالم عادة بدا لي الآن كأنه يشع إشعاعات غامضة توحي بالخطر. "اتفضل ارتاح شوية" "ليه؟ أيه المشكلة؟" "أبداً إجراءات إدارية بسيطة" جاءت أفواج بعد أفواج من شمالي المتوسط وغربي الأطلس وشرقي المحيط الهادي. النساء الأوروبيات - لأنهن جئن من البرد إلى حيث الشمس والدفء - لم ينتظرن حتى يصلن، لكنهن تهيأن للحرارة مقدماً، فجئن يلبسن لباس الصيف في عز الشتاء. والنساء الأمريكيات، فوق الستين والسبعين مات عنهن أزواجهن كما يحدث في الغالب فجئن فرحات في لغط وضوضاء حال من يخرج من السجن. قبضن حاصل بوليصة التأمين وغدت الحياة عامرة بالاحتمالات. والسياح اليابانيون قاماتهم سواسية، وشكولهم ضربة لازب وثيابهم واحدة، ويحملون حقائب كأن حقيبة نسجت من لونها وحجمها حقائب. في رقابهم تتدلي آلات التصوير أكثر من الأمريكان هم وإياهم لن ينظروا بعيونهم ولكن بعيون الكمرات ولن يذكروا شيئاً إلا ما سجلته العدسات. كان في الصالة شيء يشبه المهرجان مندوبو شركات السياحة رافعين لافتاتهم، يجدون جماعتهم فيخرجونهم زمراً زمراً كالمدرسين مع التلاميذ في الرحلات المدرسية. وهل أنا إلا سائح؟ لاحظت فتى كأنه ساع يغدو إلى مكتب جانبي فيعطونه رزمة من الجوازات يغيب زمناً ثم يعود بها يسلمها إلى ضابط أو مسؤول فيقوم فينادي على الناس كل واحد يأخذ جوازه وينصرف واسمي لا يجيء. سألت ذلك الفتى ماذا تصنع؟ "أصل الحالات اللي تحتاج إلى مراجعة من الأمن بنأخذها لمكتب الأمن". "وفين مكتب الأمن؟" "في المطار القديم. حضرتك جوازك إيه؟" "سوداني". "واسم حضرتك؟" "الطيب محمد صالح". "ولا يهمك أنا حاخلص لك الجواز حالاً". "أيه المشكلة؟" "مافيش أي مشكلة هو في بينا وبين بعض مشاكل؟ إحنا أخوات بحق وحقيقي. أهـ والله" "طيب ما دمنا أخوات معطليني ليه؟" ضحك، وتلفت حوله مثل الجرسون الذي لا يسمح له بمحادثة الزبائن: "أصله بصراحة الجواز بتاعكم اليومين دول شكله مش ظريف". "وأنا إيه علاقتي بالحكاية دي؟" "إيه! أنت بتستعبط يا أستاذ؟ ما أنت فاهم وأنا فاهم. على أي حال ولا يهمك أنت نورت مصر والله. ثواني وأجيب لك جوازك إن شاء الله". أسعدني حديثه، إذ إنني أتطلع لمثل هذه الظروف دائماً أخرج منها بفائدة. مطارات العروبة عامرة بالفوائد. تمعن الموظف ملياً في الجواز وأنا أخرج من عاصمة عربية. كنت في عمل وأحمل جواز الأمم المتحدة. المفروض أن يكون الخروج أسهل من الدخول. نظر فيه ملياً وقلب صفحاته وأمعن النظر في أختامه حتى خفت أن يكون وجد فيه شيئاً لا يسره وبعد أن أطال التفكير سألني: "بالله قولي! الواحد كيف يحصل على جواز مثل هاذا؟" ياله من سؤال فلسفي عويص، مثل سؤال (هاملت)؟ رأيت في وجهه أنه يتكلم بجد، كمن يريد أن يعرف بالفعل. قلت له: "تفضي وظيفة في منظمة من منظمات الأمم المتحدة، يعلنون عنها في الجرايد. تقدم طلبا إذا نجحت يعطوك جواز مثل هاذا" "هيك إذاً؟" " نعم". ختم لي على الجواز وقال لي " الله معك" وقلت له " الله معك". تركته مهموماً علق بذاكرتي لبضع دقائق. الله أعلم ماهي قصته وماذا وراءه وأي هم عناه. لعله تخيل في الجواز الغريب عوالم بدت له أسعد مما هو فيه ولعله غبطني على الذي بكيت منه كما بكى سيدي أبو الطيب.. الله معك. |
تحية لك الصديق عبد الجليل
وانت تنقلنا في عوالم الراحل الطيب صالح الكتابية متمنيا ان تشمله الرحمة والمغفرة حفنَة تَمْر (قصة قصيرة) الطيب صالح لابدّ إنني كنت صغيراً جداً حينذاك. لست أذكر كم كان عمري تماماً، ولكنني أذكر أن الناس حين كانوا يرونني مع جدي كانوا يربتون على رأسي، ويقرصونني في خدي، ولم يكونوا يفعلون ذلك مع جدي. العجيب أنني لم أكن أخرج أبداً مع أبي، ولكن جدي كان يأخذني معه حيثما ذهب، إلا في الصباح حين كنت أذهب إلى المسجد، لحفظ القرآن. المسجد والنهر والحقل، هذه كانت معالم حياتنا. أغلب أندادي كانوا يتبرمون بالمسجد وحفظ القرآن ولكنني كنت أحب الذهاب إلى المسجد. لابد أن السبب أنني كنت سريع الحفظ، وكان الشيخ يطلب مني دائماً أن أقف وأقرأ سورة الرحمن، كلما جاءنا زائر. وكان الزوار يربتون على خدي ورأسي، تماماً كما كانوا يفعلون حين يرونني مع جدي. نعم كنت أحب المسجد. وكنت أيضاً أحب النهر. حالما نفرغ من قراءتنا وقت الضحى، كنت أرمي لوحي الخشبي، وأجري كالجن إلى أمي، والتهم إفطاري بسرعة شديدة واجري إلى النهر وأغمس نفسي فيه. وحين أكلُّ من السباحة، كنت أجلس على الحافة وأتأمل الشاطئ الذي ينحني في الشرق ويختبئ وراء غابة كثيفة من شجر الطلع. كنت أحب ذلك. كنت أسرح بخيالي وأتصور قبيلة من العمالقة يعيشون وراء تلك الغابة … قوم طوال فحال لهم لحى بيضاء وأنوف حادة مثل أنف جدي. أنف جدي كان كبيراً حاداً. قبل أن يجيب جدي على أسئلتي الكثيرة، كان دائماً يحك طرف أنفه بسبابته. ولحية جدي كانت غزيرة ناعمة بيضاء كالقطن. لم أرَ في حياتي بياضاً أنصع ولا أجمل من بياض لحية جدي. ولابد أن جدي كان فارع الطول، إذ أنني لم أرَ أحداً في سائر البلد يكلم جدي إلا وهو يتطلع إليه من أسفل، ولم أرَ جدي يدخل بيتاً إلا وكان ينحني انحناءة كبيرة تذكرني بانحناء النهر وراء غابة الطلح. كان جدي طويلاً ونحيلاً وكنت أحبه وأتخيل نفسي، حين استوي رجلاً أذرع الأرض مثله في خطوات واسعة. وأظن جدي كان يؤثرني دون بقية أحفاده. ولست ألومه، فأولاد أعمامي كانوا أغبياء وكنت أنا طفلاً ذكياً. هكذا قالوا لي. كنت أعرف متى يريدني جدي أن أضحك ومتى يريدني أن اسكت، وكنت أتذكر مواعيد صلاته، فاحضر له ((المصلاة)) وأملأ له الإبريق قبل أن يطلب ذلك مني. كان يلذ له في ساعات راحته أن يستمع إليّ أقرأ له من القرآن بصوت منغم، وكنت أعرف من وجه جدي أنه أيضاً كان يطرب له. سألته ذات يوم عن جارنا مسعود. قلت لجدي: (أظنك لا تحب جارنا مسعود؟) فأجاب بعد أن حك طرف أنفه بسبابته: (لأنه رجل خامل وأنا لا أحب الرجل الخامل). قلت له: (وما الرجل الخامل؟) فأطرق جدي برهة ثم قال لي: (انظر إلى هذا الحقل الواسع. ألا تراه يمتد من طرف الصحراء إلى حافة النيل مائة فدان؟ هذا النخل الكثير هل تراه؟ وهذا الشجر؟ سنط وطلح وسيال. كل هذا كان حلالاً بارداً لمسعود، ورثه عن أبيه). وانتهزت الصمت الذي نزل على جدي، فحولت نظري عن لحيته وأدرته في الأرض الواسعة التي حددها لي بكلماته. (لست أبالي مَن يملك هذا النخل ولا ذلك الشجر ولا هذه الأرض السوداء المشققة. كل ما أعرفه أنها مسرح أحلامي ومرتع ساعات فراغي). بدأ جدي يواصل الحديث: (نعم يا بنيّ. كانت كلها قبل أربعين عاماً ملكاً لمسعود. ثلثاها الآن لي أنا). كانت هذه حقيقة مثيرة بالنسبة لي، فقد كنت أحسب الأرض ملكاً لجدي منذ خلق الله الأرض. (ولم أكن أملك فداناً واحداً حين وطئت قدماي هذا البلد. وكان مسعود يملك كل هذا الخير. ولكن الحال انقلب الآن، وأظنني قبل أن يتوفاني الله سأشتري الثلث الباقي أيضاً). لست أدري لماذا أحسست بخوف من كلمات جدي. وشعرت بالعطف على جارنا مسعود. ليت جدي لا يفعل! وتذكرت غناء مسعود وصوته الجميل وضحكته القوية التي تشبه صوت الماء المدلوق. جدي لم يكن يضحك أبداً. وسألت جدي لماذا باع مسعود أرضه؟ (النساء). وشعرت من نطق جدي للكلمة أن (النساء) شيء فظيع. (مسعود يا بنيَّ رجل مزواج كل مرة تزوج امرأة باع لي فدناً أو فدانين). وبسرعة حسبت في ذهني أن مسعود لابد أن تزوج تسعين امرأة، وتذكرت زوجاته الثلاث وحاله المبهدل وحمارته العرجاء وسرجه المكسور وجلبابه الممزق الأيدي. وكدت أتخلص من الذكرى التي جاشت في خاطري، لولا أنني رأيت الرجل قادماً نحونا، فنظرت إلى جدي ونظر إليّ. وقال مسعود: ((سنحصد التمر اليوم، ألا تريد أن تحضر؟)) وأحسست أنه لا يريد جدي أن يحضر بالفعل. ولكن جدي هب واقفاً، ورأيت عينه تلمع برهة ببريق شديد، وشدني من يدي وذهبنا إلى حصاد تمر مسعود. وجاء أجد لجدي بمقعد عليه فروة ثور. جلس جدي وظللت أنا واقفاً. كانوا خلقاً كثيراً. كنت أعرفهم كلهم، ولكنني لسبب ما أخذت أراقب مسعوداً. كان واقفاً بعيداً عن ذلك الحشد كأن الأمر لا يعنيه، مع أن النخيل الذي يحصد كان نخله هو، وأحياناً يلفت نظره صوت سبيطة ضخمة من التمر وهي تهوي من علٍ. ومرة صاح بالصبي الذي استوى فوق قمة النخلة، وأخذ يقطع السبيط بمنجله الطويل الحاد: ((حاذر لا تقطع قلب النخلة)). ولم ينتبه أحد لما قال، واستمر الصبي الجالس فوق قمة النخلة يعمل منجله في العرجون بسرعة ونشاط، وأخذ السبط يهوي كشيء ينزل من السماء. ولكنني أنا أخذت أفكر في قول مسعود: ((قلب النخلة)) وتصورت النخلة شيئاً يحس له قلب ينبض. وتذكرت قول مسعود لي مرة حين رآني أعبث بجريد نخلة صغيرة: ((النخل يا بنيّ كالادميين يفرح ويتألم)). وشعرت بحياء داخلي لم أجد له سبباً. ولما نظرت مرة أخرى إلى الساحة الممتدة أمامي رأيت رفاقي الأطفال يموجون كالنمل تحت جذوع النخل يجمعون التمر ويأكلون أكثره. واجتمع التمر أكواماً عالية. ثم رأيت قوماً أقبلوا وأخذوا يكيلونه بمكاييل ويصبونه في أكياس. وعددت منها ثلاثين كيساً. وانفض الجمع عدا حسين التاجر وموسى صاحب الحقل المجاور لحقلنا من الشرق، ورجلين غريبين لم أرَهما من قبل. وسمعت صفيراً خافتاً، فالتفت فإذا جدي قد نام، ونظرت فإذا مسعود لم يغير وقفته ولكنه وضع عوداً من القصب في فمه وأخذ يمضغه مثل شخص شبع من الأكل وبقيت في فمه لقمة واحدة لا يدري ماذا يفعل بها. وفجأة استيقظ جدي وهب واقفاً ومشى نحو أكياس التمر وتبعه حسين التاجر وموسى صاحب الحقل المجاور لحقلنا والرجلان الغريبان. وسرت أنا وراء جدي ونظرت إلى مسعود فرأيته يدلف نحونا ببطء شديد كرجل يريد أن يرجع ولكن قدميه تزيد أن تسير إلى أمام. وتحلقوا كلهم حول أكياس التمر وأخذوا يفحصونه وبعضهم أخذ منه حبة أو حبتين فأكلها. وأعطاني جدي قبضة من التمر فأخذت أمضغه. ورأيت مسعوداً يملأ راحته من التمر ويقربه من أنفه ويشمه طويلاً ثم يعيده إلى مكانه. ورأيتهم يتقاسمونه. حسين التاجر أخذ عشرة أكياس، والرجلان الغريبان كل منهما أخذ خمسة أكياس. وموسى صاحب الحقل المجاور لحقلنا من ناحية الشرق أخذ خمسة أكياس، وجدي أخذ خمسة أكياس. ولم أفهم شيئاً. ونظرت إلى مسعود فرأيته زائغ العينين تجري عيناه شمالاً ويميناً كأنهما فأران صغيران تاها عن حجرهما. وقال جدي لمسعود: ما زلت مديناً لي بخمسين جنيها نتحدث عنها فيما بعد، ونادى حسين صبيانه فجاؤوا بالحمير، والرجلان الغريبان جاءا بخمسة جمال. ووضعت أكياس التمر على الحمير والجمال. ونهق أحد الحمير وأخذ الجمل يرغي ويصيح. وشعرت بنفسي أقترب من مسعود. وشعرت بيدي تمتد إليه كأني أردت أن ألمس طرف ثوبه. وسمعته يحدث صوتاً في حلقه مثل شخير الحمل حين يذبح. ولست أدري السبب، ولكنني أحسست بألم حاد في صدري. وعدوت مبتعداً. وشعرت أنني أكره جدي في تلك اللحظة. وأسرعت العدو كأنني أحمل في داخل صدري سراً أود أن أتخلص منه. ووصلت إلى حافة النهر قريباً من منحناه وراء غابة الطلح. ولست أعرف السبب، ولكنني أدخلت إصبعي في حلقي وتقيأت التمر الذي أكلت. |
| الساعة الآن 06:04 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.