سينمائيات ... مقالات رجاء ساير المطيري
الفن ليس رسالة رجا ساير المطيري هل المنتظر من الفنان أن يكون واعظاً وخطيباً يوجه الناس بشكل مباشر وينصحهم لما فيه خير دنياهم؟ لو أن هذه هي مهمته الرئيسية أليس من الأجدى له أن يعتلي أحد المنابر ويلقي بنصائحه على الناس وجهاً لوجه؟ ولماذا يتعب نفسه ويتكبد خسائر الإنتاج لمجرد أن يلقي خطبة وعظية عن طريق التلفزيون وبنفس الآلية التي يتبعها الخطباء في المساجد؟. هذه الأسئلة تتردد في ذهني في كل مرة أرى فيها ممثلاً أو منتجاً سعودياً يردد مقولة (الفن رسالة) ويؤكد أنه قدم مسلسلاً هادفاً!!. أتساءل: عن أي رسالة يتحدثون وما هو مفهومهم لكلمة (هادف)؟. ولتسمحوا لي قبل أن أبحث عن إجابة لهذا السؤال أن أعود بكم إلى التاريخ القديم لكي نرى سوياً كيف كان تعامل الإنسان الأول مع فكرة الفن وإلى أي اتجاه كان يطوع أعماله الفنية. البداية تقول إن الشعوب الأولى كانت لا ترى في الفن إلا وسيلة للتحكم في البيئة المحيطة التي تثير الرعب والفضول. فعندما يرسم إنسان ذلك الوقت صورة الثور -مثلاً- فذلك ليمنح نفسه الثقة في مهمة صيد ذلك الثور. وليوهم نفسه بإمكانية التحكم. كان الرسم والرقص والغناء يخدم الإنسان في حياته ويجلب له المنفعة المباشرة لذلك لم يكن هناك اعتبار ل(جمال) الفن أو لقيمته الإبداعية. بعد أن اكتشف الإنسان الزراعة وازداد تحكماً ببيئته انتقل إلى طور المجتمعات فنشأت الحضارة. ومع ذلك فقد استمر التعامل مع الفن على أنه وسيلة خدمية ونفعية. خاصة في مجال الأفكار الغيبية والعلاقة بالآلهة. حيث تحول الهدف من الرغبة في التحكم بالطبيعة إلى محاولة استرضاء الآلهة كما في الأوبرات والمسرحيات الإغريقية الأولى التي صنعت فقط من أجل تحقيق هذا الهدف. وقد فلسف أفلاطون هذه النظرة النفعية ورسخها في مقولاته محدداً وظيفة الفن وأهميته بالقدر الذي تخدم فيه الآلهة. إذ لابد من رسالة وهدف، ولا بد من عظة. ولم ينظر للفن باستقلالية إلا بفضل السفسطائيين ومن بعدهم أرسطو الذي التفت إلى (صنعة) الفن ورأى فيها جمالاً وقدرة على التأثير في نفس المتلقي بغض النظر عن سمو الهدف ونبل الغاية. من هذا الاستقراء التاريخي السريع الذي تنقصه الدقة أريد أن أقول إن النظرة للفن على أنه وسيلة للوعظ والخطابة. وارتباطه بالأخلاق التوجيه الأخلاقي، وتقديم مبدأ النفع والرسالة على جمال الأسلوب وإتقان الصنعة. أقول إن هذه النظرة هي سمة الشعوب البدائية. وبالتالي فإن أي عمل حديث يصر على تغليب مبدأ الرسالة والموعظة على حساب الإتقان سيحسب تلقائياً على تلك الفترة البدائية وسيكون عملاً بدائياً بامتياز. هل هذا يعني أن أعمالنا الهادفة بدائية؟ الجواب نعم.. أغلب أعمالنا بدائية حتى وإن صورت بكاميرات حديثة!. في إحدى حلقات مسلسل (غشمشم) يعثر الحيان والحبيب على حقيبة فيها بودرة الهيروين. وبعد أن التهم كمية لا بأس بها من هذا المخدر لم ينس الحيان أن يوجه نصيحته المباشرة للمشاهدين أن يبتعدوا عن المخدرات بطريقة تذكرنا بالشعار القديم (لا للمخدرات).. وهذه واحدة من ملامح البدائية. في صياحة وفي طاش سنجد بعضاً من هذه الملامح. بل إن توجيه الحلقة بالكامل لخدمة هدف واحد. وبلغة خطابية. كأن تناقش عقوق الوالدين! أو مشكلة الخادمة! أو الجوازات! يعد من ملامح البدائية. وقل نفس الكلام عن المسلسل الجديد مطبات الذي امتلأ بمثل هذه العظات المباشرة والجاهزة. المشكلة ليست في هذه الأعمال. بل في الفكر الذي يحرك صناعها. فعندما يصرح الفنان وبكل جرأة أنه يقدم رسالة اجتماعية. غاضاً الطرف عن الإتقان والجودة. وملخصاً عمله بشعار واحد يمثل هدفاً واحداً. حينها سيتحول من كونه فناناً إلى مجرد خطيب واعظ وفي هذا قتل للفن وأي قتل!. هل نمتلك القدرة على تلخيص فيلم العراب بجملة واحدة تشرح لماذا أصبح تحفة سينمائية؟ حاول أن تلخص لي فيلم أماديوس؟ ببساطة لن تستطيع لأن هذه الأعمال صنعت بفن من أجل الفن، صحيح أنها تحكي قصة معينة. إلا أن قيمتها الكبرى تكمن في إتقان الصنعة سواء في الكتابة أو التنفيذ. أما أعمالنا فتستطيع أن تختزلها في عنوان واحد وتقول إنها تناقش كذا وتناقش كذا دون أي اعتبار ل(كيف) ناقشت هذا ال(كذا). دعوني الآن أقع في ما حذرت منه واختصر هذا المقال في فقرة واحدة.. أقول فيها.. إذا أردنا التطور لأعمالنا يجب أن يحدد الفنانون ما إذا كانوا خطباء أم فنانين.. ويجب عليهم أن يعوا أن الفن (صنعة) قبل أن يكون خطبة للنصح والإرشاد.. الفن ليس رسالة فقط.. ولهذا الحديث بقية.. |
الفن ليس رسالة 2 رجا ساير المطيري مرة أخرى نسأل: كيف يفهم فنانونا مبدأ (الرسالة) في العمل الفني؟. هل بذات المعنى الذي يفهمه مبدعو العالم من فنانين، روائيين وموسيقيين وسينمائيين؟. أم أنهم يرونها معادلاً للرسائل التوجيهية التي تصدر عن خطباء المساجد والمرشدين الاجتماعيين؟. في البداية لابد من التأكيد على أن كل عمل فني لابد أن يحوي رسالة ما، وهذه الرسالة هي القيمة الفكرية والأخلاقية والجمالية التي يرغب صانع العمل في توصيلها إلى الجمهور، ومن دونها لن يكون العمل الفني إلا خواء مجوفاً بلا روح. في فيلم (سائق التاكسي) يبدو حضور الرسالة قوياً، وكذلك في الأفلام (بابل)، (ماغنوليا)، (تصادم) و(مرثية حلم)، إلا أن هذا الحضور لا يطغى بحال على جمال السرد وجودة التنفيذ ولا يتقدم على أسلوب التعبير السينمائي الجزل البليغ الذي لولاه ما وصلت لنا هذه الرسالة بهذه القوة وبهذا التأثير. ومن هنا يكون الشكل والبناء الفني بما فيه من أسلوب سرد وترتيب أفكار ودقة تصوير مُقدّماً على (الرسالة)؛ لأن الرسالة وحدها لا تصنع فناً عظيماً. إذن فالرسالة موجودة في كل الأعمال لكنها لن تكون ذات قيمة ما لم تظهر في قالبٍ فنيٍ مصنوع بإتقان، ويبتعد عن لغة الخطابة والوعظ التي تُدخل الأعمال الفنية في حيز (المُبَاشَرَة) الممقوتة. إن أعمالنا لا تزال تعيش في هذا الحيز البدائي لأن الفنان السعودي لا يزال مصراً على تقديم مبدأ (الرسالة) على جودة الأسلوب وروعة التصوير. ومن هنا جاء السؤال السابق: كيف يفهم الفنان السعودي فكرة (الرسالة)؟. هناك فرق بين (الوعظ) وبين (الرسالة).. فالوعظ هو طريقة في التعليم والتلقين تفترض وجود فرد متعلم يمارس وصايته على أفراد أقل منه علماً. أما الرسالة فهي مجرد (قيمة) ذهنية ثابتة ومجردة يمكن إيصالها بأساليب عدة.. إما بأسلوب الوعظ أو بأسلوب المحاكاة أو الإيحاء أو بالقص والرواية وغيرها من أشكال التعبير. والمشكلة التي لم يدركها الفنان السعودي أنه خلط الأمور فوضع (فكرة الوعظ) أو (طريقة الوعظ) مكان (الرسالة) فأصبح يفهم (الرسالة) على أنها طريقة (وعظ) و(توجيه) مباشر. ولأنه يسمع دائماً مقولة (الفن رسالة)، ولأنه يجعل (الوعظ) مرادفاً (للرسالة)، فهو يفترض - بحسب فهمه السابق - أن العمل الفني الحقيقي لابد أن يكون وعظياً و(هادفاً). ولعل ظهور (الوعظ) و(المباشرة) بكثرة في أغلب الأعمال الدرامية السعودية يؤكد أن هناك خلطاً وسوء فهم أو قل قصوراً في فهم الفنان السعودي لفكرة (الرسالة) في العمل الفني. ولذلك تراه يصرح دائماً وبكل فخر أنه يقدم (رسالة) اجتماعية هادفة ولا يتحدث أبداً عن هشاشة أعماله ولا عن سطحيتها بل هو لا يدرك أصلاً أنها هشة وسطحية.. ولا يزال للحديث بقية. |
الفنان السعودي يسأل: أين الرسالة؟ رجا ساير المطيري قلنا بأن الفنان السعودي (ممثلاً كان أم منتجاً) يعاني في الغالب من قصور في فهم الصنعة الدرامية بحيث لا يراها سوى وسيلة للنصح والإرشاد ، فالمسلسل الحقيقي في نظره هو الذي يمارس وصايته على المشاهدين ويلقنهم دروساً في الأخلاق والسلوك الحسن! والشواهد على هذا الفهم كثيرة نستطيع أخذها من أغلب المسلسلات السعودية. هذا الفهم خطير جداً على مستقبل الدراما السعودية لأنه يعني أن أعمالنا لن تتطور وستبقى أسيرة لهذا النموذج البدائي الغارق في السطحية و(المباشرة) واللغة (الخطابية). فالفنان إذا ما اقتنع بفكرة معينة ووصل اقتناعه بها إلى درجة تحويلها إلى مستوى (العقيدة) فإنه يصعب حينها تغيير هذه القناعة إلا في حالة واحدة وهي أن يأتي جيل جديد يحمل فكراً جديداً ويقدم أعمالاً جديدة تقضي على أعمال الحرس القديم. وفي حالتنا فإن الفنان السعودي إذا آمن -وهو كذلك فعلاً- بشكل معين من الدراما فإنه لن يحيد عنه وسيظل ينتج أعماله وفق هذا الشكل إلى أن تنتهي الحياة على هذه الأرض أو أن يأتي ذلك الجيل الجديد وليس هناك من حل ثالث!. وأيضاً هذا الفهم خطير لأنه سيقضي على آلاف الأفكار الإنسانية البسيطة التي يمكن طرحها بهدوء وبشكل مؤثر دون أن نسحقها بفكرة (الرسالة). أنا أجزم أن أي كاتب سيناريو مبدع سيجد صعوبة في التفاهم مع أي من المنتجين السعوديين لأنهم سيقضون فوراً على سيناريوه بمطالبهم الغريبة التي تحاول تطويع هذا السيناريو ليقترب من النموذج السطحي الذي يؤمنون به.. إن أول شرط سيضعونه هو أين (الرسالة) والرسالة هنا بمعناها البسيط الذي يعني (الوعظ) والإرشاد بحسب ما ذكر في المقال السابق. إذن لابد من إزاحة هذا الفكر وأول خطوات الإزاحة هي الإشارة إليه!. لكن قبل المطالبة بتطهير الدراما من هذا الفكر ومن هذه القناعة الفاسدة يجب أن نسأل أنفسنا أولاً عن الأسباب التي أدت بالفنان السعودي إلى أن يقتنع بهذه القناعة لأن معرفة الأسباب ستكون سبباً في نجاة الجيل الجديد وعاملاً حاسماً في عملية إدراكه لمعالم الطريق التي أوصلت الدراما السعودية إلى هذا المستوى الرخيص. وهنا سنحدد أسئلتنا بشكل أكبر.. ونقول.. من أين استمد الفنان السعودي قناعته هذه؟ ما هي المصادر التي جعلته يؤمن بأن الدراما الحقيقية ليست سوى ممارسة للوعظ والنصح للمشاهدين بحسب ما نشاهد في كثير من أعماله؟. هل هو المسرح أم مصر أم أنها ثقافة المجتمع؟ وللحديث بقية.. |
السينما.. بوصفها وسيلة ارتقاء.. رجا ساير المطيري[aldl]http://s.alriyadh.com/2005/11/27/img/271118.jpg[/aldl] هل يمكن الادعاء بأن السينما تمتلك حلاً سحرياً سيجعل من العالم مكاناً أفضل يعبق بالسمو والفضيلة.. على مستوى الفرد على أقل تقدير؟ نعم.. ببساطة يمكن ذلك! لكن بشرط أن يكون لدى المُشاهد القابلية والاستعداد للاستفادة منها. فحين ينذر المشاهد جل وقته لمتابعة الأعمال مستحضراً في ذهنه فكرة «الاستفادة» من كل فيلم يشاهده، عندها ستعمل السينما عملها وستلعب دوراً هائلاً في تطوره الفكري والروحي.. قد يكون من البديهي قولنا عن السينما أنها البوتقة التي تزدحم داخلها بقية أنواع الفنون الأخرى كالرواية والرسم والموسيقى، وهي بوصفها «فن» مستقل يمتلك أدواته التعبيرية الخاصة، الساحرة في حد ذاتها، فإنها بصورة أخرى تعتبر امتداداً عضوياً أكيداً للفنون التي سبقتها، فالرواية على سبيل المثال وجدت لها متنفساً في السينما عبر الأفلام التي حوّلت الأعمال الروائية العظيمة إلى صور مرئية، سواء من خلال الاقتباس المباشر أو من خلال الاستفادة من فكرة أو اتجاه أو موقف نضحت به هذه الرواية أو تلك.. أيضاً الموسيقى، ذلك الفيض الهائل، استفادت السينما من إرثها العظيم وبتنا نرى السينمائيين وهم يبثون الحياة في روائع «موزارت، بيتهوفن، شترواس وباخ» ويجعلونها تقفز إلى سطح اهتمام المشاهد المعاصر.. وقل نفس الكلام عن الرسم وعن عظمائه ك«بيكاسو» وفان جوخ والأمريكي «بولوك» وكذلك الإيطالي «مودلياني» الذي شاهدنا حياته مصورة في فيلم طرح مؤخراً في السوق السعودي.. إذن حين تدرك هذا الأمر، أن السينما ملتقى الفنون والأفكار، فحينها بشِّر نفسك باستفادة عظيمة منها.. إن الفيلم الواحد بإمكانه أن يفتح لك آفاقاً لا حدود لها، وذلك في حال وسّعتَ دائرة اهتمامك ولم تحصرها فقط في الاهتمام بمكانة أبطاله الممثلين. فأنت حين تبتعد عن التركيز على اسم الممثل هذا أو ذاك، وتنظر -بالتالي- إلى بقية طاقم صناع الفيلم، من كاتب ومخرج ومؤلف موسيقي، فعندها ستجد أن لديك عالماً ضخماً من «الأمثلة» والأسماء التي ستبدأ معها رحلة جديدة بحثاً واطلاعاً ومشاهدة. وفي النهاية استفادة كاملة.. والمميز في السينما بل العظيم فيها أنها تعتبر بمثابة «الثمرة» و«الخلاصة» و«الدليل» الذي سيوصلك بسهولة إلى أنواع الفنون الأخرى دونما الحاجة إلى خطب عصماء تدعوك إلى الاهتمام بها. وببساطة، أنت وبعد أن تنتهي من مشاهدة فيلم (زوربا اليوناني-Zorba the Greek) مثلاً، وبعد أن تبدي إعجابك بأداء النجم «أنتوني كوين» وأيضاً بالحكاية نفسها وبروحها الفلسفية الباذخة، ستكتشف أنها ترجمة مباشرة لرواية عظيمة تحمل نفس الاسم كتبها الروائي اليوناني «نيكوس كازنتزاكي»، حينها ستبحث عن الرواية الأصلية وتقرأها، ومن ثم تجد أن لدى هذا الكاتب روائع إضافية ك (الحديقة الصخرية) و(تقرير إلى غريكو) فتقرأها هي الأخرى.. وهكذا وبفضل هذا الفيلم فتحت لك كل هذه العوالم الفسيحة.. وهذا مع فيلم واحد.. فماذا سيكون الحال مع المئات والمئات من الأفلام؟! إذن فالفيلم -أي فيلم وكل فيلم- لابد وأن يكون ذا علاقة بغيره من الفنون، ليس بالضرورة علاقة مباشرة، إنما بالاقتباس والاستعارة، أو بمجرد احتوائه على اتجاه فكري معين له امتداد في مجالات الفكر المختلفة.. وعليه فهو دليل سهل وثري بإمكانه أن يوصل المشاهد العادي إلى أساطين الفكر والفن في كل الاتجاهات.. وحين تقوم بأخذ ورقة وقلم وتسجيل المعلومات التي تستقيها من الفيلم كاسم الرواية المأخوذ عنها أو الأسماء التاريخية والأدبية المذكورة في ثنايا الفيلم، حينها سترى أن السينما لم تصنع لمجرد الترفيه العابث، إنما هي وسيلة تثقيف وارتقاء هامة وخطيرة بإمكانها أن تغير من نظرتك للحياة.. وتجعلك في النهاية إنساناً أفضل وأرقى من أي وقت مضى.. |
السينما مكمن (الدهشة) رجا ساير المطيري ما الفن؟ ما وظيفته؟ وهل نحتاج إليه فعلاً؟ وإذا سلمنا بأن للفن وظيفة ما فهل تغيرت هذه الوظيفة بتعاقب السنين؟ بمعنى.. هل تختلف حاجة الإنسان المعاصر للفن عن حاجة الإنسان القديم الذي لجأ إلى الفن لمجرد التعبير عن مخاوفه من طبيعة قاسية كان يجهل أسرارها؟ إن كل سؤال من هذه الأسئلة يحتاج مبحثاً خاصاً مستقلاً ولا سبيل هنا للتعاطي معها بما تستحق. لكن لنجعل منها منطلقاً لما نريد أن نؤكده هنا وهو أن الفن أصبح المنفذ الوحيد والأخير ل(الدهشة). عندما وجد الإنسان نفسه على هذه الأرض، فجأة، أخذ ينقش مخاوفه ومشاعره وتصوراته على جدران الكهوف في رسومٍ اعتبرت المحاولات الفنية الأولى في تاريخ البشر. فكان تعبيره الفني نفعياً ومباشراً يسجل من خلاله الأفكار التي تعتصر ذهنه من دون أن يهتم بالناحية الجمالية أو يحاول ابتكار طرائق جديدة للتعبير تثير دهشة المتلقي. لقد كان في عصره من أسباب الدهشة ما يغنيه عن البحث عنها في فنه ورسمه وتعبيره، فالطبيعة المحيطة به، لا تزال بعد مجهولة، وتحوي من الأسرار الشيء الكثير، الأمر الذي جعلها مصدراً مهماً لاستفزاز عقل الإنسان الأول ووسيلة لاستهلاك مشاعره. ومع تطور حياة البشر وانتقالهم من طور الحياة البدائية إلى المجتمع المدني وصولاً إلى المجتمع الصناعي كانت مصادر الدهشة من الوفرة بحيث لم يُسمح للإنسان أن يفكر في البحث عنها في أعماق (الفن) الذي كانت وظيفته مجرد التطهير والتنفيس عن خلجات النفوس. فلم يكن متوقعاً من (الفن) تلبية هذه الحاجة، خاصة مع القفزات والابتكارات العلمية الكبرى التي حققها العلماء ابتداء من اختراع المحرك البخاري والهاتف وتقنية التصوير الفوتوغرافي إلى اختراع المركبات الفضائية وهبوط الإنسان على القمر. وهي قفزات عظيمة أثارت دهشة الإنسان بشكل لا يوصف، موفرة بذلك نافذة لاستهلاك مشاعره. وحتى موعد اختراع الإنترنت كانت حاجة الإنسان للدهشة تجد ما يلبيها خارج حدود الفن، في الطبيعة وما فيها من إنجازات وابتكارات علمية، أما الآن وبعد أن وصلت أفكار الإنسان إلى حدودها القصوى فلم يعد هناك ما يثير الدهشة فعلاً. إن الإنسان يحتاج دوماً إلى ما يسري عنه ويستهلك مشاعره وإلا لانفجر اختناقاً، وشعور الدهشة هو أحد المشاعر الأصيلة في النفس الإنسانية، ويحتاج إلى منفذٍ يسربه إلى الخارج، وإذا كانت الطبيعة المجهولة سابقاً، والاختراعات العلمية تالياً، قد وفرت الفرصة لاستهلاك هذا الشعور، فإن العصر الحالي الذي وصل فيه الفكر الإنساني إلى حدوده النهائية، قتل كل إحساس ممكن بالدهشة، فبات الإنسان، مع تضخم المعلومات وتراكمها التاريخي، مهيئاً لقبول كل شيء، ولم يعد يستفزه أي شيء، خاصة في زمن الإنترنت الذي أصبح فيه كل شيء متوقعاً ومقبولاً. إنه يلتفت ذات اليمين وذات الشمال بحثاً عن مفاجأة، عن حدث يصيبه بالذهول، عن اكتشاف مدهش، لكنه لا يجد شيئاً من ذلك. وهذا قد يصيب الإنسان بالبلادة لأن مشاعره ستتكدس في داخله دون وجود فرصة لتسريبها إلى الخارج. لذلك جاءت الحاجة إلى منفذ جديد يستهلك هذا الشعور تحديداً.. شعور الدهشة. ومن هنا تأتي أهمية الفن، والسينما بصفة خاصة، باعتبارها مجالاً خصباً لممارسة الابتكارات الفنية، على مستوى الشكل، الصورة المبهرة، أو طرائق السرد، وعلى مستوى المضمون بما يحمله من أفكار صادمة وجريئة، وهو ما يجعلها ملاذاً أخيراً للإنسان الجديد المهدد بالبلادة الذهنية، إنها توفر له إحساساً بالدهشة يماثل إحساس أولئك الذين شاهدوا هبوط الإنسان على القمر لأول مرة. فعندما يدخل الإنسان صالة للسينما ويشاهد فيها فيلماً مثيراً مليئاً بآيات الإبهار البصري؛ فينفعل ويتفاعل ويستثار ويندهش من الصورة المبهرة التي يراها مطبوعة أمامه على سطح الشاشة، فهو بذلك يطهر نفسه من انفعالاتها، ويسرب مشاعره المتكدسة، ومنها شعور الدهشة، الدهشة التي لم يعثر عليها في الخارج فوجدها في أعماق (الفن)، في السينما، على عكس الإنسان القديم الذي وجد كل ما يحيط به مُدهشاً فلم يشعر بحاجة للبحث عن هذا الإحساس في رسوماته الجدارية. لقد تغيرت وظيفة الفن وباتت حاجتنا إليه ملحة، لأنه المجال الأخير القابل للتطور والنمو والانفجار الذي يضمن دهشتنا، ومن دونه ستكون حياتنا رتيبة لا تحمل جديداً ولا تقدم ما يستفز عقولنا ويجبرنا على أن نقول ببساطة.. يا الله!. |
بابل.. وآلام الإنسان.. [aldl]http://s.alriyadh.com/2007/01/09/img/091099.jpg[/aldl] رجا ساير المطيري قبيل نهاية العام 2001قام المنتج الفرنسي (ألاين بريغاندا) بالاتفاق مع أحد عشر مخرجاً عالمياً من أجل أن يصنع كل واحد منهم فيلماً قصيراً يحكي فيه انطباعه عن هجمات سبتمبر في مدة لا تزيد ولا تنقص عن إحدى عشرة دقيقة وتسع ثوانٍ و(فريم) واحد، فكانت النتيجة باقة متنوعة من الأفلام القصيرة جُمعت تحت عنوان واحد هو ( September 200111). وضمن هذه الباقة كان هناك فيلمٌ للمخرج المكسيكي المتميز (أليخاندرو غونزاليس) صوّر فيه لحظة انهيار مركز التجارة العالمي بأسلوب جميل وجريء ألغى فيه عامل الصورة تقريباً واعتمد على شاشة سوداء لا يتغير فيها سوى الصوت فقط، حيث لا نرى إلا السواد ولا نسمع إلا جلبة الناس المرعوبين وضجيج المذيعين والأهم صوت انهيار المبنى نفسه، ثم عند النهاية ينقلب لون الشاشة لتصبح شاشة بيضاء ممهورة بعبارة تقول (هل نور الله يهدينا أم يعمينا؟) ترافقها موسيقى مؤثرة وأصوات لأطفال يتلون القرآن الكريم. ومعنى الفيلم يبدو واضحاً ومباشراً لكن الجميل فيه هو القالب الذي احتوى هذا المعنى وقدّمه بأسلوب مختلف وبصبغة حداثية تجريبية تنزع نحو تطبيق معايير (الجمال) بصورتها المجردة والمطلقة، وهنا تحديداً نحن نتحدث عن السبب الذي جعل من المكسيكي (أليخاندرو غونزاليس) أحد أعظم المخرجين المعاصرين. هذه السنة يعود (غونزاليس) بفيلمه الجديد (بابل-Babel) ليواصل ممارسة مشروعه الجريء المتمثل في كسر أساليب السرد التقليدية واستغلال كافة أدوات التعبير من صوت وصورة ولون ليجعلها تقول وتحكي بحرية وطلاقة، مع عناية مدهشة بالناحية الجمالية، وكما رأينا في الفيلم القصير كيف قام بتحييد عامل الصورة ومنح الصوت مساحة أكبر فهو في (بابل) يصنع ما هو أكثر من ذلك فيجعل حتى من (الصمت) شريكاً في التعبير عن حكاية الفيلم، ولتكون النتيجة تحفة سينمائية حقق من خلالها (غونزاليس) جائزة أفضل مخرج في الدورة الماضية لمهرجان (كان) السينمائي واقتحم ترشيحات الغولدن غلوب لهذه السنة. (أليخاندرو غونزاليس) المكسيكي الذي ولد عام 1963كان قد أعلن عن حضوره السينمائي بقوة ووضوح عام 2000حين أدهش العالم بفيلمه العظيم (أموريس بيروس-Amores perros) ثم أكد هذا الحضور عام 2003بفيلم ( 21غراماً). أما مع (بابل) فهو يتوج هذه المسيرة بفيلم فخم امتزجت فيه القيمة الجمالية بالمعنى الإنساني الجليل. الفيلم يحكي أربع قصص مختلفة تسير إلى جوار بعضها البعض في مسارات متوازية ومتداخلة تجري في أربعة دول هي المغرب وأمريكا والمكسيك واليابان. وتبدأ الأحداث في الصحراء المغربية مع عائلة فقيرة تعيش في العراء معتمدة على الرعي وتربية الأغنام، يشتري عائلها بندقية صيد كي يقتل بها الثعالب التي تتهدد حياة قطيعه، لكن ابنيه الصغيرين يستغلان البندقية ليس لقتل الثعالب كما أوصاهما الأب بل لقتل الإنسان!. وعلى الجانب الآخر من الصحراء نفسها تجري أحداث الحكاية الثانية وأبطالها زوجان أمريكيان قدما إلى المغرب من أجل السياحة وإذا بهما يواجهان محنة عصيبة (يؤدي دورهما النجمين براد بيت وَكيت بلانشيت). أما الحكاية الثالثة فتجري بين أمريكا والمكسيك لعجوز مكسيكية تعمل خادمة في منزل عائلة أمريكية، تقرر الذهاب خلسة إلى المكسيك من أجل حضور زفاف ابنها الوحيد وتأخذ معها طفلي هذه العائلة دون علم والديهما. وفي اليابان تجري أحداث القصة الرابعة وهي لفتاة يابانية جميلة، عاطفتها حارة مشبوبة، وروحها تفيض حباً، لكنها لا تعلم إلى أين توجه هذا الحب، إذ لم تجد من يتجرأ ويقبلها كحبيبة لسبب بسيط هو أنها صماء بكماء تعيش في عزلة خانقة!. هذا هو جوهر القصص الأربع التي سردها (غونزاليس) بأناقة وربط بينها بأسلوب ساحر وخلاب.. هذه ليست المرة الأولى التي يصنع فيها (غونزاليس) فيلماً بهذه الطريقة التي تمزج بين قصص وشخصيات مختلفة، فأسلوب كهذا رأيناه أيضاً في فيلميه السابقين (أموريس بيروس) وَ( 21غراماً)، لكن ما يميز فيلم (بابل) هو ذلك التباين الشديد بين أجواء القصص الأربعة، فإذا كان (غونزاليس) قد دمج في الفيلمين السابقين أكثر من قصة في وقت واحد، فهو قد فعل ذلك مع قصص تبدو متشابهة في أجوائها، وبالتالي فالأسلوب الذي يحكم فيلم ( 21غراماً) مثلاً، أو حتى (أموريس بيروس)، هو واحد منذ بداية الفيلم وحتى النهاية، وبإيقاع ثابت نسبياً، بينما نجد في (بابل) اختلافاً شاسعاً بين أجواء القصص وكذلك في الأسلوب الذي اتخذه (غونزاليس) لتصوير كل حكاية، فنراه يصور الأحداث التي جرت في المغرب بأسلوب واقعي صرف رضخ فيه لمتطلبات بيئة الحدث، أما في القصة التي جرت في اليابان فهو يسرح بحرية فاتنة، متجاوزاً بها الواقع، فيعبث بالصوت والصورة ويشكل الألوان حسب مقتضى الحكاية ليحقق بذلك (جمالية) فائقة تطرب لها عين المُشاهد.. وعلى مستوى الفكرة يبدو الربط بين المسارات الأربعة مستفزاً ومعقداً، إذ ما الذي يجمع بين مُصيبة الراعي المغربي ومعاناة الفتاة اليابانية؟ هل هي البندقية فقط؟!. كلا ليس الأمر بهذه البساطة، ف(غونزاليس) لم يأتِ بهذه القصص الأربع لمجرد الربط في حد ذاته، بل من أجل أن يحكي فكرة واحدة تشترك فيها هذه القصص.. فما هي هذه الفكرة؟ وما علاقتها باسم الفيلم (بابل)؟!. الرابط بين القصص الثلاث التي جرت في المغرب والمكسيك وأمريكا يبدو واضحاً نوعاً ما، ويسهل إدراكه، فهذه القصص تتلخص معاناة أبطالها في قضية ال(أنا والآخر)، نلاحظ هذا في قصة الخادمة المكسيكية العجوز التي تتعرض هي وقريبها الشاب لمشكلة على الحدود بسبب الخوف والتوجس الناشئ عن أفكار ترسبت لدى جنود الجمارك الأمريكية عن (الآخر) المكسيكي، وكذا الأمر في قصة الزوجين الأمريكيين السائحين في الصحراء المغربية، وأيضاً بالنسبة للراعي المغربي الذي وجد نفسه متهماً بالإرهاب الدولي بسبب خطأ غير مقصود تسبب به ابناه الصغيران، ليلاحق بضراوة من قبل الجنود المغاربة المشحونين بأفكارهم المسبقة عن هذا الآخر الإرهابي. لكن ماذا عن الفتاة اليابانية التي لم تحتك ب(آخر) جاء من حضارة مختلفة؟!. إن الألم الذي تستشعره هذه الفتاة الجميلة له سببه الواضح، فهي تشعر بفيض من العاطفة، وتبغي الحب مثلها مثل أي فتاة في عمرها، لكنها لا تجد المستجيب الذي يبادلها الحب بحب، ولو تأملنا قليلاً في معاناتها لوجدنا أنها تلخص فكرة الفيلم بامتياز وتؤكد قضية ال(أنا والآخر). ذلك أن أزمتها ليست فقط مع (الآخر) المختلف، بل هي مع النوع الإنساني كله، مع المختلف وغير المختلف، مع الأجنبي ومع أقربائها سواء بسواء. إنها تعيش في عزلة خانقة فرضت عليها من قبل الطبيعة أولاً، ثم بسبب الأفكار التي يحملها البشر عن أمثالها، وهي وإن تمكنت من التكيف مع إعاقتها الجسدية، إلا أنها لا تستطيع العيش في مناخ ينبذها ويتوجس من وجودها. إن الجميع بالنسبة لها مختلفون، وكذا الأمر بالنسبة لبقية الشخصيات، فالمعاناة في (بابل) مصدرها تلك الأفكار التي تحكم نظرتنا تجاه بعضنا البعض كأفراد ودول ومجتمعات، وحتى عالم السياسة الذي يسحق الإنسان ويطحنه إنما يستمد قوته وبطشه من هذه الأفكار بعينها. إن الجميع هنا ضحايا، الراعي المغربي والخادمة المكسيكية والفتاة اليابانية، إنها معاناة الإنسان وألم الإنسان.. كل الإنسان.. الذي منذ أن انطلق من (بابل) لا يزال يمشي على درب الخيبة والألم!.. |
شون بين.. في قصيدة سينمائية تنعى الحقيقة الغائبة [aldl]http://s.alriyadh.com/2008/03/11/img/123110.jpg[/aldl] رجا ساير المطيري نعود مرة ثانية إلى فيلم (September 11) الذي أنتج بداية العام 2002واحتوى على أحد عشر فيلماً قصيراً تمثل وجهة نظر أحد عشر مخرجاً عالمياً في هجمات سبتمبر، وكان من بين هؤلاء المخرج والممثل المعروف (شون بين) الذي صنع فيلماً كان هو الأميز والأقوى تعبيراً بين المجموعة كلها إلى جانب الفيلمين الذين حملا توقيع المخرج المكسيكي (أليخاندرو غونزاليس) والفرنسي (كلود ليلوش). في هذا الفيلم يقدم (شون بين) نظرة صادمة وغير متوقعة من شخص أمريكي أياً كان انتماؤه الحزبي والفكري، إنه ببساطة يحتفل بهذا الحدث الكارثي!، وسعيد به، بالطبع ليس فرحاً بالإرهاب، ولا تشفياً بالضحايا، إنما كان احتفالاً بتكشف الحقائق وزوال غمامة الزيف التي تغطي وجه الحياة السياسية في أمريكا، فهو يرى ومن خلال فيلمه الرائع هذا أن أحداث سبتمبر بقدر ما كانت محنة عصيبة كانت أيضاً منحة إلهية تسببت في دخول شمس الحقيقة إلى حياة الأمريكيين بعد سنوات من الظلام. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يحتفل بها (شون بين) بالحقيقة، وليست هي المرة الأولى التي يكون فيها صريحاً إلى حد الألم، فقد قام قبل ذلك بسنتين، في العام 2000، بإخراج فيلم (العهد-The Pledge) مصوراً فيه قصة محقق عجوز -لعب دوره النجم جاك نيكلسون- يبحث عن الحقيقة، عن اليقين، كما أعلن في السنة ذاتها، ومن منبر مهرجان "كان" السينمائي، عن انشقاقه عن هوليود بل عن نمط الحياة الأمريكية. ومن ذلك الحين بدأ هاجس "الحقيقة" يستحوذ على تفكيره حتى أنه من شدة هوسه بهذه الفكرة شد حقائبه وسافر إلى إيران لكي يتجاوز الوهم الذي صنعته وسائل الإعلام الأمريكية ويظفر بالحقيقة بنفسه دون وسيط. ومادامت الحالة هذه فليس غريباً أن يجد (شون) في سيرة الشاب الأمريكي الراحل (كريستوفر مِكاندليس) تلخيصاً لهواجسه ومادة مثيرة لصنع فيلمه الأخير (في البريّة-Into The Wild) الذي قدم فيه عزفاً إنسانياً رقيقاً؛ رقصت على أنغامه "الحقيقة" بمعناها المطلق. (في البرية) فيلمٌ مصنوع بروح خاصة إما أن تقبلها كما هي أو أن لا تقبلها، وهنا لا حلول وسطاً ولا مجال لوصف الفيلم بالعادي، فهو إما سيئ أو رائع، بحسب مزاجك وقربك أو ابتعادك من الهاجس أو المعنى الذي تنطوي عليه حكاية الشاب (كريستوفر مِكاندليس). لكن من هو (كريستوفر) الذي اختاره (شون بين) ليكون محور فيلمه الأخير؟. إنه طالب كلية هارفارد الثري الذي كان ينتظره مستقبل مشرق ومع ذلك ترك حياة الترف واتجه إلى البراري معتزلاً الناس عام 1990ليموت فيها بعد سنتين قبل أن يبلغ الرابعة والعشرين من عمره. وقد ظهرت تفاصيل هذه القصة الحقيقية في كتاب نشر عام 1996بنفس العنوان (في البرية) رصد فيه الكاتب الأمريكي "جون كراكور" بأسلوب صحفي سيرة (كريستوفر) منذ أن ترك العاصمة واشنطن وإلى أن مات في عربة مهجورة في ألاسكا عام 1992مستعرضاً أهم أفكاره ودوافعه. وقد أبدى (شون بين) اهتماماً بالكتاب منذ نشره للمرة الأولى وانتظر عشر سنوات حتى حصل على موافقة أهل (كريستوفر) ليبدأ من فوره تصوير الفيلم الذي رأى النور في شهر سبتمبر الماضي عندما عرض في مهرجاني تيلورايد وتورنتو السينمائيين. في هذا الفيلم يقدم (شون بين) بلغةٍ هي أقرب إلى الشعر تأملاتٍ حول الحياة ومعنى وجود الإنسان في عالم استهلاكي صاخب لا يلقي بالاً للروح والعقل. يبدأ الفيلم بجملة منقوشة على سطح الشاشة تقول: (أنا الآن أمشي في البرية) مأخوذة من المذكرات التي تركها (كريستوفر)، وكأنها احتفال أوليّ بهذه الغاية التي يتمناها الشاب ومخرج الفيلم على السواء.. لماذا البريّة؟. لأنها مكمن الحقيقة المطلقة، هكذا يصورها (شون بين) من البداية، ففيها لا مجال للخداع والكذب الذي ميّز العلاقات الإنسانية، إنها مكان (الوضوح) و(البساطة) و(الطهر) لأن التعامل مع مخلوقاتها يأخذ أحد طريقين إما مع أو ضد، وبلونين إما أبيض أو أسود ولا وجود للون الرمادي. لكن إذا كانت هذه هي الغاية التي تتضح من أول مشهد فما هو الدافع الحقيقي الذي أجبر هذا الشاب على ترك حياة النعيم والاتجاه إلى ولاية ألاسكا حيث البرد والشقاء؟. الدافع كما يظهر في الفيلم هو الجو المشحون الذي يغلف حياته العائلية فالمشاكل بين والديه لا تنتهي وأسبابها لا تخرج عن إطار الخلافات المادية. الكذب، الخداع، النفاق، روح الاستهلاك والسطحية، هي خصائص عالمه القديم، والتي غرست فيه شعوراً بالاشمئزاز، انسحب على كل شيء في حياته، حتى بات يرى الوظيفة والمستقبل المشرق والنجاح المهني نوعاً من القيود التي تكبل الإنسان وتحجبه عن طبيعته الأصلية. (شون بين) يكتفي بهذا الدافع ويبدأ بالعزف عليه بمستوى واحد من بداية الفيلم وحتى نهايته، حيث لا يعرض سوى النتيجة أو رحلة البحث عن الحقيقة. رحلة (كريستوفر) تبدأ من العاصمة واشنطن وتمر على الولايات الأمريكية باتجاه الشمال حيث تقع الولاية الباردة ذات الشتاء الطويل "ألاسكا" الواقعة شمال غرب كندا والتي اختارها (كريستوفر) باعتبارها المكان الأقسى والأبعد عن البشر، ولا يعني هذا أنه يكره الناس، بل هو محب لهم ومشفق عليهم، والدليل أنه يلتقي خلال رحلته بمجموعة منهم ويرتبط معهم بعلاقات إنسانية بريئة، فهذا عجوز وحيد فقد عائلته وبقي مكبلاً في بيته سنوات طويلة يبكي حنينه من دون أن تواتيه الشجاعة لمغادرة خوفه وأحزانه، وتلك سيدة من جيل الستينات ظلت تعيش هي وزوجها على هامش النظام الرأسمالي، أما المغنية الصغيرة "تريسي" فيعيش معها (كريستوفر) لحظات ساحرة مجللة بالجمال والإشراق. هذه اللقاءات يصاحبها حوارات عن معنى الحياة والوجود يطعمها المخرج (شون بين) بعبارات حكيمة مقتبسة عن مذكرات (كريستوفر). الجميل في الفيلم أن (شون) ركز على المعنى من رحلة (كريستوفر) ولم يهتم كثيراً بالتفاصيل أين ذهب ومن التقى، إنه يعزف على وتر الفكرة، فكرة الحقيقة الغائبة التي اختفت عن عالمنا المادي المزيف وعن النظام الرأسمالي الذي قضى على الروح واستعبد الإنسان وجعله كما الآلة لا يحس ولا يشعر بجمال الكون من حوله. هذا النظام السيئ لا علاج له سوى أن ننكره إنكاراً تاماً وأن ننفيه من وعينا لنعيش الحياة كما كانت من قبل طاهرة ونقية، وهل هناك ماهو أبلغ من قصة (كريستوفر) ورحلته المؤثرة لتقديم معنى كهذا يتواءم مع فكر (شون) وهاجسه تجاه فكرة الحقيقة. إن ما يزيد من ملاءمة قصة (كريستوفر) أنها تركز بنقاء تام على (الحقيقة) وذلك لأن (كريستوفر) عندما خرج وإلى أن مات لم يكن سوى شاب غرّ لم تلوّثه الحياة وبقي نقياً يفكر بوضوح ويرى الحقيقة بلا شوائب، ولذلك كان مسار الفيلم أفقياً لا يذهب إلى العمق كثيراً لأنه ليس معنياً بالعمق قدر عنايته بتأكيد معنى واضح محدد هو البحث عن الحقيقة. والأسلوب الذي اتخذه (شون) نجح في إيصال المعنى بلا تكلف حيث التزم بحدود قصة (كريستوفر) مع تكثيف لحضور العبارات المقتبسة من مذكراته التي تركها بعد وفاته، إضافة إلى مسحة الجمال التي طبعت مشاهد الفيلم ولقطاته وكذلك أداء الممثلين بدءاً من الممثل الشاب (إيميل هايريش) الذي أدى الشخصية الرئيسية ومروراً بالمبدع (ويليام هارت-بدور الأب)، الممثلة (مارسيا غاي هاردن-بدور الأم)، الممثلة الشابة (جينا مالون-بدور الأخت) ورفيقتها (كريستين ستيوارت-بدور المغنية الصغيرة تريسي) وانتهاءً بالممثل العجوز (هال هولبروك) الذي ظهر في جزء بسيط من الفيلم ونال عنه ترشيحاً لأوسكار أفضل ممثل مساعد. وهؤلاء هم عناصر القصيدة السينمائية التي صاغها (شون بين) بروح الجمال بحثاً عن حقيقة مطلقة.. |
(البحث عن السعادة).. ملحمة إنسانية بطلها (ويل سميث).. [aldl]http://s.alriyadh.com/2007/02/06/img/062080.jpg[/aldl] رجا ساير المطيري عندما سئل الممثل الشاب (ليوناردو دي كابريو)، قبل سنتين، عن سبب إصراره على أداء دور البطولة في فيلم (الطيار)، أجاب بأن هذا يعود إلى رغبته في تحقيق الخلود عبر تجسيده لأدوارٍ عميقة، تضمن له احتلال موقع راسخ وأكيد في ذاكرة الجمهور، بحيث يبقى اسمه حاضراً حتى بعد ألف سنة، مثلما نذكر الآن أرسطو وأفلاطون رغم مرور ثلاثة آلاف سنة على موتهما!. هذه الإجابة الواعية يمكن استعارتها من (دي كابريو) لنجعلها تتحدث عن حال الممثل الأسمر (ويل سميث) الذي ظل لسنوات طويلة أسيراً لأفلام الأكشن والكوميديا والمتعة، يقدمها تباعاً، من دون أن يعثر على دوره الخاص والاستثنائي الذي به ومن خلاله يمارس قدراته الحقيقية كممثل. فكأنما (ويل سميث) أراد أن يتمثل هذه الإجابة بصدق، وأن يبحث هو الآخر عمّا يضمن له الخلود، عندما أصرّ على إنتاج ولعب دور البطولة في الفيلم الإنساني الجميل (البحث عن السعادة- The Pursuit of Happyness). في حياة كل ممثل هناك لحظة فاصلة، تنقله من طور إلى طور آخر أعلى، تتجسد في دور عميق يفجر طاقاته الحقيقية، ويجعله جديراً بمكانته كممثل مبدع. وقد يأتي هذا الدور في بداية حياة الممثل وقد لا يجيء إلا متأخراً، بسهولة أو بصعوبة، لكنه لا يأتي هكذا مصادفة، بل عن سابق تصوّر وتصميم، ينبع من وعي الممثل وذكائه ورغبته في تحقيق الذات وبلوغ المرام. ولقد كافح (ويل سميث) في سبيل الحصول على دورٍ كهذا، فرأيناه عام 2001يبتعد عن أفلام الحركة، ويشارك في فيلم (علي - ALI) بدور الملاكم الأسطوري (محمد علي كلاي)، لينال بسببه ترشيحه الأول في الأوسكار كأفضل ممثل عن دورٍ رئيسي. لكن النتيجة، برغم الأوسكار، لم تكن مرضية، لا للجمهور ولا ل(ويل سميث) نفسه، ما دعاه إلى البحث عن دورٍ آخر.. أعمق وأبلغ أثراً وقيمة. (ويل سميث)، الذي بدأ حياته المهنية من خلال التلفزيون عام 1990وشارك في العديد من الأفلام الناجحة ك(يوم الاستقلال) و(أولاد سيئون - Bad Boys) و(أنا، روبوت - I، Robot)، تمكّن في منتصف العام 2006من العثور على دوره الأثير، في ثنايا كتابٍ جديدٍ، نُشر في شهر مايو من تلك السنة، عنوانه (البحث عن السعادة)، أو بصورة أدق (السعي خلف السعادة)، للكاتب والمليونير الأسمر (كريس غاردنر) الذي رسم فيه رحلة كفاحه الملهمة التي انتصر فيها على الفقر وارتقى ليصبح أحد الأثرياء في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي هذا الكتاب، وفي قلب هذه القصة الحقيقية، وجد (ويل سميث) ضالته، فقام منذ ذلك الحين بالتحضير لتحويل الكتاب إلى فيلم يقوم هو بدور البطولة فيه إلى جانب طفله الصغير (جادن سميث). ولأنه مؤمن بالفيلم، وبالدور، فقد أصرّ على الاستعانة بالمخرج الإيطالي الناجح (غابرييل موتشينو) ليقوم بمهمة الإخراج، وذلك بعد أن أُعجب (ويل سميث) باثنين من أفضل أعماله وهما الفيلمان الإيطاليان (تذكرني-Remember Me) و(قبلة واحدة أخيرة-One Last Kiss). حكاية فيلم (البحث عن السعادة) -كما الكتاب- تصوّر نضالَ رجلٍ عصامي في مسعاه نحو النجاح، يؤدي دوره (ويل سميث). يبدأ الفيلم برسم صورة عامة لشخصية البطل، حيث نراه في الصباح الباكر، يحمل جهازاً طبياً في يده، ويمشي في الشارع مع ابنه الصغير في طريقهما إلى روضة الأطفال الخاصة التي تديرها معلمة صينية. الأب يعمل حراً في مجال التسويق ويتنقّل كل يوم بين العيادات الطبية من أجل أن يبيع آلات التصوير الإشعاعية الحديثة التي اشتراها في السابق بأعداد كبيرة. كان يتطلع إلى تحقيق مكسب مادي من وراء هذا المشروع، لكن خططه باءت بالفشل، ولم تسر حسب ما يشتهي، ليتعرض إلى نكسة مادية خانقة، انعكست سلباً على حياته الزوجية والعاطفية، الأمر الذي جعله يفكر في البحث عن وظيفة ثابتة، بدخل مضمون، تحقق له الاستقرار، وتعيد ترتيب حياته من جديد. وبعد محاولات عديدة وإخفاقات كثيرة يجد هذا الأب فرصة الدخول إلى عالم البورصة كسمسار، فتبدو هذه الوظيفة بمثابة المنقذ والمخلص من أزماته المتلاحقة، إلا أن هناك شرطاً وحيداً للحصول عليها، وهي أن يخوض فترة تجربة طويلة، بلا مقابل، يدخل بعدها في اختبار مع أكثر من ألف شخص، كلهم يطمعون في الحصول على هذه الوظيفة الوحيدة المتاحة، وربما هم يحتاجونها أكثر منه، والأكيد أنهم أكثر تأهيلاً منه، إذ يدخل السباق بلا شهادات ولا خبرات في هذا المجال، ما يجعل من مهمته صعبة.. بل مستحيلة.. وهكذا يبحر المُشاهد مع حكاية نضال وكفاح مرير، لأبٍ يشعر بالخيبة أمام طفله الصغير، لأبٍ يسعى خلف النجاح، ولكن الدنيا تغالبه، فتكسره، وترغمه على الخضوع لأقدارها المؤلمة. هي تجربة حياة تألق في رسمها المخرج الإيطالي (موتشينو)، وترجمها باقتدار (ويل سميث)، بأدائه المؤثر لشخصية (كريس غاردنر). وقد ضجت هذه الرحلة الإنسانية، النضالية، بالكثير من اللحظات المؤلمة والرائعة في الآن نفسه، والتي لا يملك المُشاهد أمامها إلا أن يطلق العنان لدموعه تأثراً وتعاطفاً وإعجاباً. وهذه ميزة يتمتع بها الفيلم، أنه يمتلك القدرة على التحكم في مشاعر المشاهد، بصورة مدهشة، فمرة يجبره على البكاء كمداً وحزناً، ومرة ثانية يجعله يبكي نشوة وطرباً. لكن ما يميز الفيلم فعلاً هي روحه الطاهرة النقية، الأنيقة، التي لا يخدش حياءها لقطة أو إيحاء كريه، بل منذ البداية يعلن عن طهره في ذلك المشهد الرائع الذي يلحّ فيه (ويل سميث - كريس) على رجل النظافة الصيني بأن يمسح العبارة البذيئة المنقوشة على الجدار. فيلم (البحث عن السعادة) يضع نفسه في قائمة الأفلام المُلهمة، جنباً إلى جنب مع التحفة الكلاسيكية (إنها حياة رائعة) ومع (سمكة كبيرة) وَ(عربات النار) و(في أمريكا) وغيرها من الأعمال التي أظهرت عنايتها واهتمامها بالإنسان المحبط الكسير، باغية انتشاله من غياهب الإحباط، وبعثه إلى الحياة بروح جديدة. إن النفس الإنسانية تحتاج بين حين وآخر إلى الإطلاع على التجارب الناجحة، بغية الحصول على الإلهام، لتتجاوز به خيبتها وفشلها، والفيلم بروحه الإنسانية الغامرة يحقق هذا الهدف بجدارة، عبر الحكاية والأداء والموسيقى التي صاغها الإيطالي (أندري غويرا)، وهي موسيقى رقيقة تبعث في النفس شعوراً بالبهجة والانطلاق، وتغرس فيها إلهاماً متفجراً يدفع نحو الإنجاز، رغم كل المعوقات، ورغم الآلام والأحزان. |
أيتها السينما.. أحتاج إلى رؤية نفسي أولاً.. رجا ساير المطيري يقال إن الإنسان يلبس ويتحدث من أجل الآخرين. فهو يرتدي الثياب التي تتماشى مع الموضة ومع رغبة المجتمع. ويتحدث بالأسلوب الذي يرتضيه الناس وينتقي من العبارات ما يتوافق مع ما يريده المحيطون به ومع ما يتوقعونه منه حتى لو كان هو - بذاته - ليس مقتنعاً بهذه العبارات ولا بهذا الأسلوب. فالناس وما يريده الناس هو المعيار الذي تسير على هديه حياته فلا لبس ولا تصرف إلا وفق ما تمليه رغبة المجتمع. وعليه تصبح حياة الفرد محكومة برغبات غيره ومحشورة في إطار العادة والتقليد والموضة وما إلى ذلك من قيود. ولكن هذا الإنسان حتى وإن كان راضخاً فإنه لا يجد بداً من سرقة بعض الوقت لرؤية نفسه والبحث عما يسعدها بعيداً عن أعين البشر المتربصين. وقد تكون هذه اللحظات المسروقة مجرد الوقوف أمام مرآة صغيرة يرى فيها نفسه على حقيقتها ويفكر خلالها بأشد رغباته خصوصية محاولاً ممارستها في ركنه الصغير البعيد. وهو يدرك قيمة هذه اللحظات المسروقة لأنها الوسيلة التي تكشف له عيوبه وتحافظ على توازنه النفسي وتشحنه بالطاقة لمواجهة تحديات الحياة. إنها فرصة للتصالح مع النفس. وإنسانٌ لا يعرف نفسه ولا يدرك عيوبها ولا يفهمها لن يستطيع فهم العالم من حوله ولا التعامل معه.. وببساطة لن يستطيع الحياة. والمجتمعات مثلها في ذلك مثل الأفراد. تحتاج دوماً إلى وقفة مع ذاتها تتأمل أخطاءها وعيوبها ،محاولةً للإصلاح وشحذاً للهمم ومواصلةً للإنجاز. ووسيلتها إلى ذلك هي الفنون والإبداعات الفكرية. فإذا قلنا أن المجتمع مثل الفرد يحدد حياته وينمطها بناء على قيود العصر وطبيعة المكان رغبة في الاقتراب من المجتمعات الأخرى وسعياً إلى إرضائها. فإن هذا المجتمع يحتاج إلى لحظة صغيرة يلتفت فيها إلى نفسه والفن هو الذي يوفر له هذه الفرصة. إن المبدعين حين يبدعون الروائع الأدبية والفنية من تشكيل وسينما وموسيقى إنما يضعون أمام مجتمعاتهم مرايا كبيرة تكشف العيوب والأخطاء. ومجتمع لا يحترم الفن ولا يوليه اهتماماً لن يفهم ذاته ولا العالم من حوله.. وببساطة لن يستطيع الحياة!. من هذا كله أقول لأولئك الذين يطالبون بتطوير السينما والاهتمام بها وبإنتاج الأفلام من أجل الآخر - فقط وفقط - كي يفهمنا ويعرف أننا مظلومون ومسالمون لا نرضى الإرهاب ولا العنف، أقول لهؤلاء أن السينما والأفلام يجب أولاً وأخيراً أن تتوجه للمجتمع الذي صدرت منه، وليس هدف تثقيف الآخر بطبيعة حياتنا وأفكارنا إلا هدفاً ثانوياً إن لم يكن تافهاً من الأساس. فالسينما هي مرآة الشعب ويجب أن تخرج من صميم الشعب وأن توجه هدفها للشعب ولا يهم بعد ذلك إطلاع الآخر عليها واستيعابه لها، بل ليس من الضروري أن تصل له. فعندما أتمنى وجود أفلام سعودية فليس من أجل أن أذهب بها إلى الغرب لاستجدي فهمه ورضاه بل قبل ذلك من أجل أن أشاهدها أنا المواطن وأن أرى فيها نفسي ومشكلتي وهمي ورغبتي وشعوري.. ببساطة أنا أحتاج إلى رؤية نفسي أولاً ً.. |
وجدي سلام عليك ورحمة الله وتعالي وبركاته
هناك سؤال جوهري يجب ان نجاوب عليه هل الفنان مفكر أم هو متلقي لأفكار؟ هل مبدع بمواصفات الإبداع (علم الإبداع كاملة ) أم هو أي يشخص يخوض في مجال الإبداع ؟
هنالك اختلاف كبير جدا بين الفنون بشكل عام أنظر مثلا إلي فن الغناء برطبة بالشعر و بتالي يفرض نوع معين من المتلقي ذو ثقافة شعرية أو يمكن أن نقول عليها أدبيه مع العلم أنها أفرع كثيرة جدا مثل فن الشعر الحديث أو الكلاسيكي التقليدي أو الفلكلوري أو النابع من تراث وثقافة لمجتمع ما في مكانِ ما في فترة ما ... أما الموسيقي فهي مرتبطة أساسا بالإبداع بشكل عام لو خضنا في تاريخ الإنسان الأول لوجد سؤال جوهر لم يستطيع كل العلماء بشمول تخصصاتهم أن يعرفوا هل الغناء كان سابقا للموسيقي أم العكس... لكن استطاعوا أن يحللوا إذا كانت الموسيقي سابقه للغناء فهذا يقودنا إلي مفهوم واحد أن الإنسان الأول أحتاج إلي الإبداع فقط بمعني أنها حاجات إبداعيه كانت لدي هذا الإنسان في طوره الأول وإحتاج أن يعبر عنها أم إذا كان الغناء سابق للموسيقي فهذا يعني أنها كانت احتياجات communications بمعني انه أحتاج لتطوير وسائل الاتصال العاطفي و ... ظل هذان المفهومان مرطبين بتاريخ الموسيقي و الغناء.. متابع |
العزيز أحمد
شكرا على المرور وبذل الرأي |
في السعودية.. جفوةٌ وفجوة بين الفن والثقافة.. رجا ساير المطيري حين تنظر إلى الوسط الفني في أي دولة، تجد أن المثقف (الشاعر - الروائي - الكاتب عموماً) هو جزء رئيسي من التركيبة العامة لهذا الوسط.. وحين تقرأ تاريخ الثورات الفنية ونشأة تيارات ومذاهب السينما المختلفة تجد أن المحرك والباعث والباني لها هو هذا «الكاتب المثقف».. في إيطاليا هناك المخرج بازوليني وهو روائي عتيد.. في أمريكا.. هيمنغواي.. جون شتانبيك.. روائيون عظام كانت لهم إسهاماتهم الكبيرة في السينما سواء من خلال الأخذ من رواياتهم مباشرة أو من خلال السيناريوهات التي صنعوها خصيصاً للسينما.. والفيلسوف الفرنسي الكبير جان بول سارتر كانت له مشاركاته السينمائية.. وفي مصر كذلك هناك مشاركة فاعلة لهذا المثقف الروائي كنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم اللذين صاحبا السينما المصرية في ذروة مجدها وفي عز توهجها.. أما اليابان فحدث ولا حرج عن مشاركة كتابها ومثقفيها في الصنعة السينمائية، فهذا أديبها البارع ذو النفس السوداوي «يكيو ميشيما» يشارك في السينما كاتباً ومخرجاً وممثلاً.. إذن فدول العالم المتطورة، في فنها الدرامي، السينمائي منه والتلفزيوني، لابد أن يكون للمثقفين وجود، إذ هم القادة والموجهون.. فيما عدانا نحن في السعودية.. إذ نلمح غياباً حاداً للمثقف بشكل عام.. وللروائي بشكل خاص.. عن الدراما التلفزيونية المصورة خاصة، وعن الوسط الفني بصفة عامة.. هذا الغياب ساهم في عزل الفن المرئي والدراما التلفزيونية عن السياق الثقافي العام.. بحيث أصبح لدى صناع هذه الدراما قناعة بطبيعية هذا الفصل . وبالتالي أصبح طبيعياً أن تظهر أعمالهم بمثل هذه الهشاشة والضحالة والتفاهة، وأصبح غريباً أن تسألهم عن عدم وجود النفس المثقف في أعمالهم، وكأنه ممنوع ارتباطهم بهموم الفكر والثقافة.. كأنما الأمر مجالين مختلفين لا تداخل بينهما.. فهناك الفن «الصورة».. وهناك الثقافة.. هناك دراما، وهناك ثقافة، ولا ضرورة للخلط بينهما.. حين تسأل صناع الدراما عن غيبة الفكر،غيبة العمق، عن غيبة الهم الثقافي في أعمالهم، فإنهم سيجيبونك بتلقائية.. ما شأن الدراما بالثقافة.. الدراما شيء.. والثقافة - كتابة كانت أم قراءة - هي شيء آخر لا صلة له بالفن.. لكن البعض منهم، ممن يدركون قيمة الثقافة، سيجيبونك قائلين: نعم ندرك هذا الغياب ونتألم له، ولكن المثقف أصلاً غير موجود، ونحن منذ سنوات نعاني أزمة «كاتب» وأزمة «نص».. ويكون السؤال: هل هو فعلاً غير موجود، ذلك الكاتب القاص الروائي؟ وهل فعلاً نعاني شحاً في «النصوص» قصصاً كانت أم روايات؟ إن جولة واحدة في إحدى المكتبات تنفي هذه التهم.. فالروايات والقصص السعودية هي من الكثرة والوفرة بحيث إنها تضمن للدراما مادة فكرية ثرية تكفي لسنوات عديدة قادمة، كما أن الساحة الأدبية تحفل بأسماء روائيين قديرين من أمثال الدكتور غازي القصيبي، عبده خال، قماشة العليان، محمد الحضيف، تركي الحمد، يوسف المحيميد، عبدالعزيز الصقعبي، محمد حسن علوان وغيرهم الكثير ممن تميزوا في عالم القصة والرواية، أو في عالم القصة القصيرة كما المبدع فهد المصبح.. إذن فالرافد الفكري موجود وبغزارة.. وأهل الثقافة موجودون بأعمالهم الجميلة.. لكن يبقى هذا الانفصام وهذا الجفاء محيراً.. الجفاء بين «الكاتب» وصانع الدراما.. بين الثقافة والدراما التلفزيونية المصورة.. من المسئول عنه؟ وما هي أسبابه؟ هل عدم ثقافة صانع الدراما وعدم إطلاعه هو ما قاده لإطلاق حكمه بأن لا وجود للكتّاب السعوديين ولا وجود لنصوصهم الجيدة؟ أم أن كبرياءه يمنعه من استئذانهم الاستفادة منها؟ لكن من هو المطالب بالسعي وراء الآخر؟ هل هو صانع الدراما - منتجاً كان أم مخرجاً - أم الكاتب؟ ولم لا ينشط الكاتب قليلاً ويسعى إلى غزو الوسط الفني؟ أم أن هذا الوسط بحالته الهشة الباهتة لا يغري المثقف بالانغماس فيه؟ إنها أسئلة لن تزيد الحال إلا إرباكاً.. لكنها -بأي حال - ضرورية كبداية لفك طلاسم حالة الفصام الغريب بين الثقافة والأدب.. وبين الدراما المحلية المصورة.. |
(نادي القتال).. من لبنان إلى اليمامة .. [aldl]http://s.alriyadh.com/2006/12/05/img/041119.jpg[/aldl] رجا ساير المطيريتمر كل (فكرة) بأطوار الحياة التي يمر بها الكائن الحي فهي تولد من رحم الواقع فتنمو وتتطور حتى تصير مذهباً أو تياراً فكرياً متكاملاً له قادته وموجهوه وأتباعه الذين يتقيدون بحدوده ويلتزمون بتصوراته عن الكون والحياة. والتيارات الفكرية مهما اختلفت تشترك في طريقة النمو والنضج والاضمحلال وتشترك كذلك في ضرورة وجود (قادة) موجّهون يمتلكون كاريزما خاصة تجعلهم مركز جذبٍ واستقطابٍ للدهماء من عامة الناس. وهؤلاء القادة يتحولون بمرور الوقت من مجرد (دعاة) نظريين إلى (زعماء) سياسيين حقيقيين تتحكم فيهم الأهواء وتسيطر عليهم رغبة الكسب الشخصي التي تناقض صميم الأفكار التي يدعون لها. فتجدهم في كثير من المواقف يحرّضون (الأتباع) ويجيشونهم ضد كل المخالفين ليس رغبة في إحقاق الحق وتطبيق العدالة إنما نصرة لذواتهم فقط.. وهي لعبة برع في تصويرها الكاتب الفرنسي (جان - بول سارتر) في مسرحية (الأيدي القذرة) ليؤكد (وهم) القيادة وأكذوبة المبادئ التي يروج لها قادة التيارات والأحزاب مهما تنوعت واختلفت، فمجرد وجود حزب فهذا يعني وجود (تجار) يسوّقون لفكرته بغرض التأثير في الأتباع والتحكم بهم - من ثم - لتحقيق المكاسب الخاصة، والأتباع هم دائماً أبطال المشهد وهم من يقع عليهم وطء التنفيذ وهم الضحايا في نهاية الأمر. وقد تكشفت هذه الحقائق لبطل المسرحية بعد لعبة جدلية دخلها مع قادة الحزب توصل في نهايتها إلى أن إخلاصه في تطبيق مبادئ الحزب سيقوده إلى التصادم معهم لسبب بسيط هو أنهم لا يلتزمون حقاً بهذه المبادئ، الأمر الذي جعله يتشكك في فكرة الحزب ويشعر بأنه ضحية وبأنه مجرد (حجر) شطرنج يُنقل من نقطة إلى أخرى بحسب المكسب المتوخى من هذه النقلة في اللعبة الكبرى.. اللعبة القذرة.. ورغم أن بطل المسرحية قد توصل إلى الحقيقة بنفسه فاكتشف قذارة لعبة الأحزاب إلا أن الكثير من الأتباع لا يزالون على غفلتهم يسيرون بتبعية عمياء خلف قادتهم دون أن يعقلوا حقيقة دورهم في هذه اللعبة الكبيرة. ولنا أن ننظر إلى الحالة اللبنانية كي ندرك حجم غفلة هؤلاء وانقيادهم السهل لرغبات الزعيم. فالشعب اللبناني قد انقسم إلى فئات متناحرة تهبط إلى الشارع وتتظاهر لأيام بأمر من القادة دون أن تدرك هدفها الحقيقي من هذا الفعل وذاك.. فما هو الهدف من إسقاط الحكومة مثلاً؟ ولمصلحة من؟ إن أسئلة من هذا النوع لا ترد ذهن (التابع) لأنه تشرب التبعية والتسليم وليس له أن يناقش ويتساءل كما فعل بطل مسرحية (اللعبة القذرة). إن الأتباع هم غالباً من عامة الشعب الذين يجهلون تعقيد الساحة الفكرية والحزبية والسياسية لذلك يتركون عناء التفكير للزعماء ويتفرغون هم للتنفيذ.. إنهم مؤمنون وكفى.. فهذه شخصية (التابع) دائماً.. وقد برزت ملامحها في أحداث كلية اليمامة حين قام (الأتباع) بتكسير محتويات المسرح وضرب الممثلين في تصرف أحمق لو سألتهم عن الغاية منه لما تمكنت من الحصول على إجابة مقنعة لأنهم في الحقيقة لا يعلمون شيئاً سوى أن هذه رغبة القائد فهو يرى ويحرّض ويجيش وهم ينفذون.. هكذا ببساطة.. في الفيلم الرائع (التاريخ الأمريكي إكس - American History X) هناك تصوير بارع لسيطرة الزعيم على أفراده سيطرة مطلقة. فهذا بطل الفيلم، الممثل (إدوارد نورتن)، يرضخ لزعيم حزبه فيقوم بتنفيذ تعليماته بإخلاص شديد. الفيلم يحكي قصة شاب ينتمي إلى تنظيم عنصري فكرته الرئيسية إخراج السود والأقليات اللاتينية والآسيوية من أمريكا لتعود بيضاء نقية لا يسكنها إلا أفراد العرق الآنجلوساكسوني الأطهار، ونتيجة تشربه لمبادئ التنظيم يقوم بتصفية السود في عمليات قتل عبثية ضجت بالدم والإرهاب، ليدخل السجن. وهناك يدرك الحقيقة! ويتعرض لصدمة فكرية جعلته يفيق من غفوته.. أما فيلم (نادي القتال - Fight Club) للممثل (إدوارد نورتن) أيضاً وبمشاركة (براد بيت) فهو يرسم ذات الصورة لكن بإطار داكن وروح سوداء متشائمة، فهنا الذي يفيق من الغفوة ليس (التابع) بل الزعيم نفسه، والمرعب أن (الأتباع) يكملون مسيرة الإرهاب في تجاهل تام لتراجع قائدهم الذي أسس التنظيم ورسم منطلقاته وحدد غاياته. إنهم خاضعون للفكرة ذاتها ومخلصون لها، وهم ملكيون أكثر من الملك. أكثر من الزعيم.. ماذا لو تراجع (أسامة بن لادن) عن مشروعه الثوري فهل سيقبل ذلك أفراد تنظيم القاعدة؟ إنهم سيتجاوزونه ببساطة. بل قد يجعلونه هدفاً لهم فيقومون بتصفيته، وهذا تحديداً ما يقوله فيلم (نادي القتال) بسيناريو مذهل لا يسرد حدثاً طبيعياً إنما يصور الفكرة ويسير معها متأملاً نموها وتقلبها من طور إلى طور.. فالفكرة، فكرة التنظيم، فكرة الإرهاب. هي بطلة الفيلم بلا منازع وما الممثلون إلا قوالب تجسدت فيها تجليات الفكرة.. الفيلم يبدأ مع موظف في شركة تأمين - يؤدي دوره (إدوارد نورتن) - يشعر بتفاهة حياته فيبدأ بالتفكير في طبيعة هذه الحياة ويجد أن (الفرد) الإنسان - هو - ليس سوى رقم في لعبة استهلاكية ضخمة تديرها الشركات متعددة الجنسيات في عصر العولمة. إنه يرى جيلاً كاملاً من البشر يعملون في وظائف يكرهونها من أجل شراء تفاهات لا يحتاجونها حقيقة من سيارات جديدة إلى تلفزيون كبير إلى أزياء فخمة. لقد تربى أفراد هذا الجيل أمام التلفزيون وآمنوا بأنهم سيصبحون حتماً مليونيرات ونجوم سينما ومطربين كباراً .. لكن شيئاً من ذلك لن يحدث.. لأن هذه خدعة كبيرة انطلت على (الفرد) فلم يعد يدرك أبعاد لعبة العولمة التي تتولى كبرها الشركات والتي حددت دور (الفرد) في هذه الحياة حيث لا يطلب منه سوى أن يستهلك فقط وذلك من أجل المحافظة على أسلوب الحياة العصري.. وتحت ضغط هذه الأفكار يكتشف بطل الفيلم الحقيقة فيقرر الثورة على النظام من خلال ابتداع أسلوب جديد في الحياة يمثله (نادي القتال) ولهذا الأسلوب مميزاته الثورية المغرية التي تزيد من شعبية النادي فيصبح له أتباعه من الموظفين والعمال الناقمين على سدنة النظام من الأثرياء ورجال الأعمال. وهنا يجد الموظف - نورتن - نفسه أمام تنظيم متكامل لا ينقصه سوى إطلاق شرارة الثورة. وبالفعل يمنح تعليماته لأتباعه بأن يدمروا كل الشركات التي ترمز إلى النظام العالمي الجديد. لكن الأمور تتطور إلى غير ما يشتهي فيقرر التوقف ويدخل في مواجهة شرسة مع (أتباعه) الذين آمنوا بالفكرة ورفضوا التراجع عن تنفيذها. وعند هذه النقطة تحديداً يرسم الفيلم حدود الصورة المرعبة ويلخص الأزمة ويشرح حجم غفلة الجماهير حين تستسلم فتمنح عقولها لزعيم أو لفكرة دون أن تتأمل هي بنفسها حقيقة ما تفعل وجدوى ما تفعل. |
(الميكانيكي).. غزل سينمائي.. للعظيم (ديستوفسكي).. [aldl]http://www.legalmoviesdownloads.com/still-frames-movie-pictures/el-maquinista/el-maquinista-box-cover-poster.jpg[/aldl] رجا ساير المطيريشاهدتُ فيلم (الميكانيكي Machinist (The في ليلة واحدة مع فيلم (اغتيال ريتشارد نيكسون - The Assassination of Richard Nixon) للمبدع (شون بين).. ولك أن تتخيل حجم الأثر الذي تركته في نفسي هذه الليلة.. لقد تحولت ببساطة إلى إنسانٍ صامتٍ مهووسٍ فَزِع تسيطر على ذهنه الأفكار الغريبة. وكأني أصبحتُ ذلك الرجل البسيط فهماً وثقافة، الذي يرى مشاكل العالم قد تضخمت من حوله بطريقة مجنونة، ولا حلّ للقضاء عليها سوى بثورة شبيهة بتلك التي أشعلها النجم «شون بين». أو كأني صرت ذلك (الميكانيكي) المريض، الذاهل المتوحد، الذي مقت الناس جميعاً واعتزلهم وعاش لوحده يلوّك قضية واحدة غريبة غامضة وهو يقترب بسببها من الجنون أو أنه أصبح الجنون بذاته.. نعم لقد كنت ذلك الشخص في تلك الليلة.. لكن دعنا لا نطيل الحديث عنّي، ولنترك «شون بين» ورائعته جانباً، ولنتحدث عن فيلم (الميكانيكي) الذي أعاد بعث الأجواء الساحرة لعوالم الروائي (فيودور ديستوفسكي).. نعم (ديستوفسكي).. ومن الذي لا يعرف هذا الروائي الروسي العظيم؟ يمثل (ديستوفسكي) علامة فارقة في دنيا الأدب برواياته العظيمة التي تميزت بطابع خاص جداً من حيث قدرتها على التغلغل في النفس البشرية وتصويرها الدقيق لأكثر أفكار الإنسان خصوصية وأشدها غرابة، تلك الأفكار الشريرة التي لا نجرؤ على التصريح بها، لكننا نفكر فيها على كل حال، وهي أفكار يجعلها (ديستوفسكي) مزية لكل البشر، فالجميع في رواياته يمتلك قابلية الجنوح إلى الشر والجريمة. بل هم في حقيقتهم أشرار يشعرون بلذة مرعبة عند رؤيتهم للمصائب. يتجلى ذلك في روايته الأجمل (الجريمة والعقاب) وتحديداً في لحظات احتضار العجوز (مارميلادوف) حين اجتمع جيرانه أمام باب شقته ليراقبوا هذا الحدث الجلل وفي داخلهم شعور غريب يصفه الروائي العظيم بهذه الكلمات: (إنهم يقفون الآن.. وكلهم يشعر بذلك الشعور الغريب.. شعور (الارتياح) الداخلي الذي يظهر دائماً، حتى عند أقرب المقربين، عندما تحل نكبة مفاجئة بقريب لهم.. هذا الشعور الذي يبديه كل إنسان بدون استثناء.. بصرف النظر عن أعظم الأحاسيس إخلاصاً وشفقة).. أيضاً في رواياته ستلمس ذلك السحر العظيم المتأتي من مزج النقيضين بعضهما مع بعض، فمثلاً، في رواية (الأبله) تظهر الشخصية الرئيسية الأمير (ميشكين) كملاك لطيف للغاية لا يجرؤ على أذية أحد، ومع ذلك ها هو ينام الآن جوار المرأة التي أحبها والتي تسبح في بركة من دمائها بعد أن قتلها صديقه (روزومغين). إنه يبدو مستمتعاً بهذا المشهد البديع وبهذه الليلة الهانئة التي تلطخت بدماء حبيبته الجميلة.. أما في الرواية والملحمة الشهيرة (الإخوة كرامازوف) فيبدو هذا المزيج المتناقض واضحاً مع الأخ الأكبر (ديمتري) الذي قتل خادم أبيه وذهب وهو مضرج بالدماء إلى منزل صديقته ليمسك برقبة خادمتها ينوي القضاء عليها، لكنه في لحظة، ابتسم وطلب منها بهدوء آسر أن تعد له الشاي، ثم غادر سعيداً، صافي الذهن، وهو يحمل أشد الأفكار نقاء وطهارة.. وكأنه لم يقم بتلك الجريمة المرعبة قبل قليل.. لكن ماذا عن (راسكولينكوف) بطل (الجريمة والعقاب)؟ إنه يجلس الآن مع والدته وأخته، سعيداً للغاية، من نجاح خطته، لكنه ينهض ليبلغ والدته بأنه سيذهب فوراً ولا يريد رؤيتها إلى الأبد.. هكذا فجأة.. يغادر ويعتزل الجميع ليتفرغ لأفكاره الشاذة.. وبمثل هذه الشطحات الساحرة المفزعة تميزت عوالم (ديستوفسكي). وعلى مثلها تحديداً يركز فيلم (الميكانيكي-The Machinist) الذي تمكن من خلق عالم مفزع يضاهي ما صوره (ديستوفسكي) في أعماله العظيمة تلك.. فيلم (الميكانيكي) في حد ذاته يمتلك حكاية مشوقة ويحتوي لغزاً مثيراً إلى حد كبير.. فهو يبدأ بمشهد يظهر فيه (شخص ما) وهو يحمل جثة يريد إلقاءها في البحر.. هذا الشخص هو بطل الفيلم الذي يبدو غريباً ومصاباً بنوع من الحمى تقوده إلى الهذيان والشطح، وإلى جانب ذلك هو نحيف للغاية بحيث يبدو أقرب إلى هيكل عظمي منه إلى إنسان طبيعي.. أيضاً هو لم يذق طعم النوم منذ سنة كاملة.. ونحن أمام مواصفات لشخص كهذا فإننا سنتساءل عن السبب الذي قاده إلى هذه الحالة المزرية.. طبعاً سننسى هذا التساؤل سريعاً فور أن نرى القصاصات الورقية ولعبة الأحرف المفقودة التي وضعها (الغرباء) في شقته والتي تحمل رسوماً غريبة وأسئلة من نوع (من أنت؟).. إنه يتساءل، ونحن معه، عن حقيقة هذه القصاصات، وعن سر ذلك الرجل الغريب المدعو (إيفان) الذي يعمل معه في نفس المصنع والذي يرى أنه يسعى إلى تدميره والقضاء عليه.. وإلا ما سبب تواجده في كل مكان يذهب إليه حتى في منزله؟ هل هي مؤامرة يشترك فيها الجميع؟ من هم هؤلاء وما الذي يريدونه؟ ومن أنا في نهاية الأمر؟ إن الفيلم بأجوائه المثيرة هذه، وبحقائقه المفزعة التي تتكشف شيئاً فشيئاً، يبدو بمثابة تحية مخلصة لعبقري روسيا (ديستوفسكي)، ومن قرأ (الإخوة كرامازوف) -(الجريمة والعقاب) - (الأبله) سيلمس في الفيلم الملامح التي ميزت هذه الأعمال، حيث رائحة السواد والهوس والهذيان وسيطرة أشد الأفكار شذوذاً.. فالشخصية الرئيسية في الفيلم هي خليط من (راسكولنيكوف الجريمة والعقاب) والأخوين (ديمتري وإيفان كرامازوف) وغريب الأطوار (ميشكين الأبله).. إنها تئن تحت وطأة ضميرها المعذب، وتخاطب شخصيات اختلقها دماغها المحموم، وأيضاً هي تقرأ رواية (الأبله) التي بدا غلافها واضحا تماماً في ثلاثة من مشاهد الفيلم وذلك إمعاناً من المخرج في الإشارة إلى ديستوفسكي.. النجم البريطاني الشاب (كريستيان بيل) يقوم بدور البطولة المطلقة ويقدم هنا ما هو خارق فعلاً، فهو أولاً قام بإنقاص وزنه بشكل مذهل وذلك بالاعتماد لشهور طويلة على أكل التونا والتفاح فقط، حتى تحول إلى هيكل عظمي متحرك.. وثانياً لأنه تمكن ببراعة من تجسيد مشاعر الشخص الهلوع الفزع الذي يؤمن بحقيقة تآمر الجميع ضده.. إنه هنا يأتي بدور استثنائي ارتقى بالفيلم إلى مرتبة العظمة.. وباختصار.. فالفيلم عظيم من جميع زواياه.. بدءاً بالسيناريو وحسن إدارة الفكرة وأسلوب السرد المشوّق، وانتهاءً بالصورة الجميلة التي تلونت بالأزرق الكئيب، مروراً بالألق الكبير الذي نثره البارع (كريستيان بيل).. لكن الميزة الأكبر للفيلم تكمن في قدرته على بعث أجواء ديستوفسكي بهذا الشكل الدقيق.. وبالتأكيد فالفيلم يستحق المشاهدة.. وبالتأكيد سيعجبك.. لكن إعجابك وتقديرك سيزيدان حتماً إن كنت قد قرأت تلك الأعمال العظيمة.. حينها ستشاهد الفيلم بلذة ومتعة لا توصف.. |
النادلة.. المرأة.. وصرخة الحرية.. [aldl]http://s.alriyadh.com/2008/02/05/img/f10001.jpg[/aldl] رجا ساير المطيرييطيب للبعض أن يحصر قضية المرأة السعودية في أمور شكلية لا تعبر عن حقيقة أزمتها ومدى الظلم الاجتماعي الذي تواجهه، حيث ينظر للعباءة والحجاب والمحرم وقيادة السيارة كما لو كانت هي القضايا الجوهرية التي لو تمت إزالتها لنالت المرأة تلقائياً حريتها ولعاشت بقية حياتها عزيزة كريمة، وفي هذا تجاوز لجوهر المشكلة، إذ لا يمكن اعتبار تلك القضايا سوى قشور وكماليات زائدة عن الحاجة، أو هي في أقل أحوالها أعرضاً لمشكلة اجتماعية أعمق، ولو أنها كانت بتلك الأهمية لقلنا إن المرأة الغربية سعيدة لأنها تقود السيارة وترتدي ما تشاء من ملابس وتخرج من دون محرم، ولكن هل هي سعيدة فعلاً؟ حرة فعلاً؟ يبدو أن قدر المرأة في هذا الكون أن تظلم لمجرد كونها امرأة، فمهما تغيرت عادات وطبائع الشعوب يبقى هناك ظلال من احتقار وظلم في تعامل الرجل معها، من الحضارة المصرية القديمة ومن بابل وآشور واليونان والرومان إلى عصرنا الحالي مروراً بأوربا في فترة إظلامها، كانت المرأة ضحية صنوف من الظلم تتراوح بين وأدها حية، إلى حرقها مع زوجها الميت، إلى اتخاذها فدية لأرواح الآلهة، إلى بيعها سلعة رخيصة في سوق الدعارة، حتى إن فكرة الزواج في حد ذاتها يعتبرها بعض المفكرين دليلاً على رغبة الذكر في تكبيل المرأة واستغلالها، فهذا الكاتب الأمريكي (ويل ديورانت) يقول في مؤلفه الضخم (قصة الحضارة) أن فكرة الزواج جاءت أول ما جاءت كفكرة اقتصادية بحتة اخترعها الرجل الذكر لإرواء غريزة حب التملك التي اكتشفها في بداية حركته على هذه الأرض، فبحسب "ديورانت"، كانت الحياة الاجتماعية مشاعيةً مليئة بالفوضى، فلما أدرك الرجل أنه يستطيع امتلاك قطعة أرض وإحيائها واستغلال خيراتها، أدرك أيضاً أنه لابد من امتلاك امرأة خاصة به تساعده في مهمة فلاحة هذه الأرض، لكنه لن يحصل عليها إلا بقيمة عينية يدفعها لولي أمرها، ومن هنا نشأت فكرة المهر. لقد كان الأمر مجرد صفقة تم من خلالها التأكيد على رغبة الذكر في السيطرة على مصير المرأة منذ القدم؛ وهي لا تزال إلى اليوم تصارع القيود المفروضة عليها. ولعل الفيلم الأمريكي المستقل (النادلة-Waitress) يأتي كمحاولة في هذا الاتجاه، إذ عرض قصة امرأة عاقلة رزينة تزوجت من رجل أحمق وعانت بسبب هذا الزواج الأمرين، ما جعلها تفكر فعلاً في الهرب بعيداً، لكنها ليست شجاعة إلى الحد الذي يدفعها لاتخاذ مثل هذا القرار المصيري، ربما لأنها تؤمن يقيناً بأنها غير قادرة على العيش لوحدها بلا رجل يعيلها، فهي تعيش في مجتمع ذكوري النزعة غرس فيها مشاعر الخضوع والخنوع للرجل حتى لو كان أحمقاً وجاهلاً كما هو زوجها. الفيلم يحكي قصة السيدة (جينا) التي تعمل نادلة في أحد المطاعم السريعة وتحلم بالاستقلال والذهاب إلى مدينة أخرى حيث لا زوج يكدر حياتها ويقف عثرة أمام طموحاتها، وهي لا تخفي أفكارها هذه عن صديقتيها المخلصتين (ريكي) و(داون) اللتين تعملان معها في نفس المطعم وتعيشان أيضاً واقعاً لا يقل مرارة وسط مجتمعٍ يراعي مشاعر الرجل أكثر من المرأة. في مطبخ المطعم تجري نقاشات بين الصديقات الثلاث يختلط فيها بؤس الواقع ببهجة الأحلام وفرحة الأماني، (جينا) تحلم بالسفر هرباً من زوجها، و(داون) ترضخ أخيراً للواقع وتقبل شخصاً ضعيفاً ليس لأنها تحبه بل فقط لأنها لم تجد إلا هو، أما الثالثة (ريكي) فهي تعيش حياتها بأسلوب عابث مستهتر وذلك لأنها تؤمن أن هذه هي الطريقة الوحيدة لمواجهة الخيبة والأوجاع النفسية والعاطفية. الفيلم يعرض نماذج لنساء في أحوال اجتماعية مختلفة، فهنا المتزوجة والخائنة والتي تبحث عن حبيب، وجميعهن يشتركن في المصير والمعاناة وفي الألم الخانق الذي يدفعهن للبكاء قهراً من حياة رتيبة يعشنها طولاً وعرضاً لكن من دون إحساس بطعمها الحقيقي، لأنهن مسجونات في قبضة الرجل والمجتمع الذكوري. أما نماذج الرجال في الفيلم، فباستثناء شخصية العجوز، تظهر بقية الشخصيات الرجالية بمظهر المتخلف البشع الجبان والأحمق ضعيف الشخصية الذي يتعامل مع المرأة -كما كان يفعل الرجل القديم- كسلعة يمتلكها ويستغلها لتفريغ نزواته المريضة. ولن يبدو التحيز لصالح المرأة غريباً إذا عرفنا أن من أخرج الفيلم هي المخرجة الراحلة (أدريان شيلي) التي شاركت في الفيلم أيضاً كممثلة بشخصية الفتاة الساذجة (داون). (أدريان شيلي) من خلال هذا الفيلم الإنساني البسيط تسعى إلى تأمل طبيعة العلاقة التي تربط الرجل بالمرأة من زاوية المرأة نفسها والتي هي الخاسر الحقيقي من هذه العلاقة، وحالة النادلة (جينا) تثبت ذلك، فهي بعد أن أعلنت لصديقاتها عن رغبتها في الهرب تكتشف أنها حامل وهذا يقودها إلى تأجيل أحلامها حتى تضع طفلها، فتذهب إلى عيادة لمتابعة الحالة، وهناك تتعرف إلى طبيب وسيم وتقع في حبه حتى تبيّن لها أنه لا يختلف عن زوجها الوضيع. مأساة المرأة في الفيلم ليست مادية ولا في الدلال الذي بإمكانها الحصول عليه بسهولة، إنما المأساة كلها تكمن في عدم قدرتها على "الاختيار". إنها لا تختار زوجها ولا تختار حياتها ولا تملك شيئاً من أمرها، وإذا فقد المرء إمكانية الاختيار زالت "إنسانيته"، لأن الإنسانية لا تقاس بالمأكل والمشرب والملبس بل بالحرية، والحرية تقتضي القدرة على الاختيار، وأزمة هذه النادلة وصديقتيها أنهن جميعاً عديمات القدرة على رفض هذه الحياة الخانقة. مثل هذه الروح التي تصور الزواج كالسجن الذي ينزع من المرأة كرامتها ظهرت بتنويعات مختلفة في العديد من الأفلام نذكر منها فيلم (أهل المطر-The Rain People) للمخرج فرانسيس فورد كوبولا الذي صنعه عام 1969وحكى فيه قصة سيدة تنهض من نومها وتركب سيارتها -هكذا بلا تخطيط- لتجد نفسها في مدينة أخرى ومن هناك تتصل بزوجها لتخبره بكل بساطة أنها لن تعود له، الفيلم الثاني هو للمخرج مارتن سكورسيزي عنوانه (أليس لم تعد هنا بعد الآن-Alice Doesn t Live Here Anymore) والذي صور قصة سيدة تجد في وفاة زوجها نعمة إلهية جعلتها تشعر بإنسانيتها بعد سنوات من الأسر، أما ثالث الأفلام وأهمها فهو الفيلم الذي ظهر عام 1991للمخرج ريدلي سكوت بعنوان (ثيلما ولويس-Thelma & Louise) والذي رسم ثورة امرأتين شجاعتين رفضتا وصاية الرجل وأطلقت كل واحدة منهما صرخة الحرية، الصرخة التي هي غاية ما تنشده أي امرأة وجدت نفسها في قفص ذهبي أسيرة عند رجل لا ترغب فيه، إنها الصرخة المكبوتة التي عجزت عن إطلاقها النادلة (جينا). |
| الساعة الآن 09:31 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.