سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   بورتسُودان حتَّى تنام ......* (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=25360)

عصام عيسى رجب 16-09-2012 10:36 AM

بورتسُودان حتَّى تنام ......*
 
بورتسُودان حتَّى تنام ......*



"إلى البحرِ وبورتسُودان وعالِم عبَّاس ونصَّار الْحاج،


ثُمَّ إلى بورخيس وكافكا** فقد كانا معنا والأوَّلُ يكتُبُ عنِ الأخير ....."



(1)



للْقصيدةِ سَطوتُها ...... وللْبحرِ أيضا .......


كتبَ الشَّاعِرُ قصيدته في نوفمبر 1972 م، تسعةَ وثلاثين عاماً للوراء ..... تسعة وثلاثين شهراً ...... يوماً ...... ساعةً، بلْ قُلِ الآنَ الآن وأنا أقرأُها على الْبحرِ مِنْ جهةِ الْحَنينِ والْشُرود والْهِجرات ......


على تِلكُم المدينةِ جِهةَ الْحِبرِ الأوَّلِ الذي كُتِبَتْ بِهِ ..... يا الله، ما يزالُ طازَجاً وكأنَّ زُرْقَتُهُ لمْ تُطلْ .....!!!!


وعلى شاعِرِها الذي يُرِهِفُ الساعةَ قلبَه الرَّهيفَ لنِدائهِ وصَبوَتِهِ ومزامير بحرٍ هو أولُ الشُّعراء وآخرِهُم ......


"تُراها،


وقد خرجتْ تستحِمُّ على الْبَحر


والْجوُّ مِثلَ الوِشاحِ الحرير،


يُحيطُ بها ......


فالربيعُ هُنا


جاءَ يحمِلُهُ الْبحرُ عِندَ الْمواسِم ....."


هكذا تكتُبُ الرُّوحُ حينَ تخرجُ تستحِمُّ على البحر ...... تغتسِلُ مِنْ رَهَقِ كُلِّ لونٍ سوى الأزرقِ سيِّدِ ألوانِ الأرضِ والسَّماءِ وما بينهما ......


يكتُبُ الْبحرُ وتقعي على المقاعِدِ الحجريةِ السَّنوات: سَنةٌ ...... سَنتانِ ..... خَمْسٌ ....... عَشْرٌ ...... تِسْعٌ وثلاثون ...... ألفٌ ومليون سنة ..... إلى أن يرِثَ اللهُ الْبحرَ والْحِبرَ ...... وأزرقَ هُنا ..... وزرقاءَ هُناك .......




(2)



لا تُغيَّرُ المُدن أسماءها، هلْ أقولُ إلا نادِراً ...؟! لا تحضُرني الآنُ مدينةٌ غيَّرتْ اسمَها ..... فهل تُغيِّر أحياءُ المُدنُ إذاً أسماءها، أمْ تحملُ أسماءها وتعضُ عليها بالحِيطانِ والأبوابِ والشبابيك تعويذةً ضد النسيان ولو إلى حينٍ مِنْ الدهرِ، يطولُ أو يطول .....؟! هل ما زالتْ "كوريا" و"ديم جابر" و"ديم المدينة" و"ديم السلالب" باقيةً كبقاءِ القصيدة .....؟! مَنْ الذي جاء بـ"كوريا" وجعلها حيَّاً مِنْ أحياء بورتسودان ....؟!


لماذا اتفق الناس على أخذِ عِلم التاريخ و سِجلهِ و مادتِه و ..... مصدراً شِبهَ وحيدٍ لكتابةِ تاريخ البِلاد والعِباد .....؟!


خُذْ قصيدة كـ"بورتسودان حتَّى تنام ......" لِتُدوِّنَ لك ليلَ المدينةِ ونهارَها وسكينَتَها وصخَبَها .... حركة سفنها، وهي المدينة السَّاحلية، وروافعها وبضائعها وصوامعها .... ونِساءها ورِجالَها، بل وقهوتَها ومقاهيها و"شوتالها" و"صديريَّتَها" ..... وقبل هذا وبعده تفاصيلها الإنسانية (و"آدمُ" يسقُطُ بينَ الرَّصيفِ وبينَ السَّفينة .....) / (بعضُ الوجوم على وجهِ "أوشيك" / وجهٌ تكلَّسَ بالحزِنِ حتَّى استحال يقينا ......) ..... أين تدوين التاريخ وسرده مِنْ هذا الرَّصد الإنساني لإنسانيَّةِ الإنسان حُيثما كان .....؟!


"وتمتزجُ النسوةُ السائرات،


زكائبَ، حمراءَ، زرقاءَ،


صفراء، خضراء، تمضي،


تواصل رحلتها في السكينة


ومن بينها تنْبُضُ الأعينُ الزئبقيةُ ومضاً خلال الخمار،


وتنأى،


تذوب معالمُها في حواري المدينة"



(3)



قصائدُ المُدن عالَمٌ مِنْ نشيد ....... ...... علي المك و"مدينة مِنْ تُراب" ..... قصائد كفافي في الأسكندريَّة..... فضيلي جمَّاع و "شارِع في حيَّ القُبة" في مدينة "الأُبيِّض" بغربِ السُّودان ..... أحمد عبد المُعطي حجازي في "مدينة بلا قلب"، ليست إلا قطرات في بحرٍ مِنْ الحبرِ المسفوحِ على جُدرانِ المُدن .......


تقرأ قصائد المُدن فتنتصبُ لك مُدنٌ توازي عَمارتُها حِجارةَ وأسمنت وطين وحديد المُدن التي تعرف ..... تنظرُ فإذا تفاصيل أخرى تستبينُ مِنْ بين السُّطور ...... ما أبرعَ مهندسي الكَلمات هؤلاء الذين يُقيمون مدناً على المُدن، سِوى أنَّها أكثرُ حياةً وحيوية ....... وأكثر خلودا ......



(4)



ما الذي يجعلُ قصيدةً دون سِواها أثيرةً عند شاعِرِها (كطفلةٍ / ناشزةٍ غافلة / غانيةٍ مُترفة) ....؟! أهو زمانُ كتابتِها، وقد ولّى إلى حيثُ يندلقُ ماؤه بين شقوقِ صخرِ اللاعودة ..... أمْ هي مَنْ مِنْ أجلِ عينيها جاءتْ القصيدةُ طوعاً أو طوعا .....؟! أهي جُرأتُها أن تقولَ ما تقول ولا تبالي، ولتسهَرِ الخلقُ جرَّاها وتختصِم .....؟!


هلْ اتسعتِ الرؤيا فضاقتِ العِبارة .....؟! أمْ غامِتِ الرؤيا / رؤانا جميعاً، فما عادَ حرفٌ يعرِفُ كيف السَّبيلُ إلى التَّمرُّدِ و الْجُنون / إلى القصيدة التي تستحيلُ مجرَّد هَمْهَمات إنْ خبأ فيها جَمْرُ التمرُّدِ والْجُنون....؟! وهلْ سارِقو النَّار إلا الشُّعراء .....؟!


................


................


................


ما الذي يجعلُ قصيدةً لا تشيخ وقد شاخت مُدنٌ وأوطانٌ ورُكبانٌ وسُودان أيضا .....؟!



(5)



...... ومَنْ هِي "ع" التي أعطتِ القصيدة حرفاً وحيداً، أو فقطرةَ إيراقٍ وحيدة كما قالت قصيدُتها، ثُمَّ انسلَّتْ بغموضِ بحرِها إلى بحرٍ أكثر زرقةً وغُموضاً: عنيتُ جوفَ الشَّاعِر .....؟!


جدَّة
الْجُمعة 13 مايو 2011 م


__________________________________________________ _____________________
* قصيدة "بورتسُودان حتى تنام ...." كتبها عالِم عبَّاس مُحمَّد نُور في نوفمبر 1972 م، باحَ لبعضِ أصدقائهِ أنَّه يعُدُّها أجملَ ما جَنتْهُ يداهُ مِنْ الأناشيد ...... وأشارَ مِنْ طرفٍ خفي إلى غفلةِ النَّقَدةِ عنها، وكَمْ يغفلون ........


** أُشيرُ هُنا إلى مقالة، أجِدُها مُهِمَّةً (لِمَنْ يهُمُّه أمرُ كافكا وبورخيس) لـ"جورجي بورخيس" أسماها: كافكا وأسلافه، نشرتها دار "بنجوين" في كتاب عنوانه "المتاهات" يضمُّ ترجمةً إلى الإنجليزية لمجموعة مِن قصص "بورخيس" ومقالات وأمثال. صدر الكتاب ضمن سِلسلة "الكلاسيَّات الحديثة" سنة 2000 م. أما طبعته الأولى فقد صدرت في 1962 م.



مبر محمود 16-09-2012 07:13 PM

يا سلام يا عصام، يا سلام!
تكتب بسهولةٍ ويسر، وكأنك ترتشف كوباً من الشاي!
شكراً لكَ وأنتَ تفحص حنين المدن وتمنحنا السلوى.
ومثلما يقول "توقيعك" .. ها نحنُ:
ندفعُ اليأسَ بالأُغنيات
ونُداري كآبتَنا
بالجميلِ من الكلِمات
ونُحِبُّ على قدرِ ما نستطيعُ الحياةْ"

عكــود 16-09-2012 07:21 PM

سلام يا عصام وتحية لك ولعالمنا العبّاس؛
ذلك الأديب المؤدّب.

دائماً ما تملأني كتاباتك "جمّة" وترتيب دواخل.

أبقى طيّب.

آيات 17-09-2012 08:32 AM

ياااا عصام
دحرجتني مفرداتك ..على حواف الدهشة ونكأت جراح مدينتي ..لقد أصبحت عاجزة تجاهها .. لاأوليها بقدر مامنحتني
تلك المدينة الصفراء التي استعمرتني ..سكنتني بحبها....أراها على تعرجات ظلي ..ابادلها حباً بحب أقبضها بيدي كحبات لؤلؤ .. تمغنطت خطواتي على أرصفتها.. تلمع الأزقة بحكاياتها التي لاتنتهي..
أصوات الباعة .. أبنيتها العتيقة ..ثرثرات نسوتها
دفنت بعض أحلامي على ربواتها المتعرجة .. آتيها عند المغيب أبوح لها بأسراري .. تصيخ السمع بأهتمام ..تأسى لجراحي .. تتمدد بأفراحي...

بورتسودان ....فاس.. امدرمان.. بيروت .. صلالة
يالعجبي ياعصام
غريب أمر تلك المدن تأخذنا بأنشيدها نحو البعيد

:p تذكرت (واسيني الأعرج) وهو يحكي عن خاله الذي خرج ساخراً من الجزائر حاملاً حفنة من ترابها على جيبه ويقول (( يالهم من أغبياء هم لايعلمون أني أحمل وطني داخل جيبي))

طارق صديق كانديك 17-09-2012 08:41 AM

شكرا ياعصام، كثيرا كانت حروفك ترياقا من غث الحديث ، وهي تؤكد دائما أن هناك من الجمال ما يستحق الرهق.

تحياتي

عصام عيسى رجب 18-09-2012 06:52 AM

أهلاً مبر محمود،

وشكراً على المحبّة وحُسن الظن بكتابتي ..... تعرف الدنيا براها كِدا ما ناقصة تعقيد، عشان كدا الأحسن إننا نسهِّلها شوية لمَّا نكتب ......
وأكيد حتستشِف دا وإنتَ بتقرأ القصيدة نفسها، قصدت قصيدة عالِم عبّاس: بو رتسودان حتَّى تنام .......

بله محمد الفاضل 18-09-2012 07:50 AM

مدينة تستحق الانتباه
والشعر المنتبه
وما أجزله وأوفره وأمتنه من صديقنا العالم
عالم عباس


شكراً لك صاحبي وأنت تأخذنا إلى مدار من مداراته البضة
وإلينا بالقصيدة يا صاحب
إلينا بها...


محبتي الأكيدة

معتصم الطاهر 18-09-2012 08:13 AM

عصام

المدن فى الشعر

لا يكتب الشاعر عن مدينة إلا وقد تمازجت به ..

أي شاطئ أو " كورنيش" جعلك تتجه نظرك شرقا ..صوب البحر و بورتسودان ..

ناصر يوسف 18-09-2012 08:40 AM

عصام عيسي رجب
أو هكذا سموك أهلك لتأتي لنا دوماً بالعجب
والعجب هنا لا تماهي الغير مقبول بل ضدَ ذات الفهم
تأتني بحلوٍ في الكلامِ ،،، تباعدتُ عنه طويلاً طويلاً بفعل الهجوم الغادر لغثِ الكلام ردحاً من زمن ،،،

أكتب يا أخي فعقلي وفكري ووعي جائع جداً ،،، أجوفٌ جدا ،،، وقد تراكم عليه سقطُ القول هنا وهناك

وعبركَ كثيف الشوق إلي روحكَ وشخصك وشخصُ البرمكي الحريف عالم عباس ولتلك المدينة التي راودتني عن نفسي منذ قديم الزمن
بورتسودان الباهيةُ الزاهيةُ الجميلة ،،،

عصام عيسى رجب 18-09-2012 09:12 AM

وأبقى طيِّب إنتَ كمان يا حبيبنا عكود ..... ليك المحبّة بجمالِ محبّتِك ......

عصام عيسى رجب 18-09-2012 09:16 AM

يااااا آيات،

أمّا أنا فلم أزُر لشقوتي فاتنة البحر بورتسودان ..... حتّماً سأفعل يوماً وإن طال السفر والعمر ..... شكراً على جمالِ محبّتِك ......

عصام عيسى رجب 18-09-2012 09:21 AM

شكراً جميييلاً الحبيب طارق،

الكتابة بدون قراءة ناقصة أو فيتيمة ..... وقراءة المحبّة أجمل ما يطمح له القلم ....

وربنا يقدِّرنا نكتب كمان وكمان .......

محمد الحاج 18-09-2012 10:07 AM

عصام
لك التحايا
(وللقصيدة سطوتها..وللبحر ايضا)
للريح سطوتها
ولنا وهن الخيام
ولمدينتى احزانها
وماتبقى من هديل الحمام
ولمدينتى غيمها
وماتناثر من عرق
فى فورة الزحام
.......
وانا فى ازقتها
امشى كالممسوس
اتلفت
اركض
بين الزمن المهوس
ونزق الحراس
افتش
عن وردة آس

عصام عيسى رجب 19-09-2012 10:10 AM

تكرم عينك يا بلّة ...... ووينك .....؟!

عصام عيسى رجب 19-09-2012 10:13 AM

أهلاً بالمعتصم،

إنها جدّة المُقابِل السعودي لبورتسودان ..... وحيث يكون البحر يكون الحِبر والنشيد ....


الساعة الآن 11:54 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.