انفصال جنوب السودان
[align=justify]اليوم 4 أكتوبر 2009 ، وبعد انتهاء مؤتمر جوبا ، وضح أن انفصال الجنوب ، وليس استقلاله كما قلت من قبل ، قد صار قاب قوسين أو أدنى . المتنبيء قال :
اذا رحلت عن قوم وقد قدروا الأ تفارقهم فالراحلون هم نحن الشماليون قد بذلنا جهدا خارقا لكى نجعل الجنوبيين يتجهون الى الانفصال . أنا أحد الذين تفتحت أعينهم فى الجنوب وهنالك نمت أسنانى وقويت عظامى وأشتد ساعدى ، من أكثر المتألمين للانفصال . ففى الجنوب ولد أشقائى ودفن أحدهم ، وكان مرتع صبانا . ودفن فيه أحبابنا وأصدقاؤنا وأتراب طفولتنا وشبابنا . السؤال الآن ماذا بعد الانفصال ؟ . هذا الكتيب نشر بعد انقلاب الجبهه و لقد رفضت جريدة الخرطوم بالقاهره نشره و لقد قدمته لكثير من المفكرين و السياسييين الا انهم تجاهلوه . و لقد هاجمني بعضهم و وصفوني بالعماله و حتي الجنون. و ها نحن بعد 14 عاما نواجه احتمال انفصال الجنوب . و قبل اكثر من اربعين سنه كتبت رواية "الحنق" لعرض مشكلة الاضطهاد الذي يواجهه الجنوبيون . و لم نعمل اي شئ !! و لم نهتم . استقلال جنوب السودان بعد ان سرق الاخوان المسلمون السلطه في الخرطوم و جثموا علي صدر الشعب، نكلوا بالحرار و فرضوا اطول نظام حظر تجول في تاريخ البشريه . حطموا الجنوب تحت ضربات جيش نظامي و المتشنجين الدينيين ، و لقد سمح حتي لعتاة المجرمين بترك السجون و للتطوع في الجهاد و ذبح الجنوبيين . ان اغلبية العسكريين يحلمون بحروب طاحنه لممارسة القتال و التكتيكات العسكريه التي درسوها . كما يحلو للبعض ان يشاهد اثر الرصاص و الاسلحه الحديثه علي اجسام بشريه و هم علي اقتناع بأنها ستكون حطبا للنار في يوم القيامه . من المؤكد ان البعض قد تأثر بافلام هوليود . ان السودان الذي يحتاج للفنيين و الزراعيين قد امتلأ بالمقاتلين حتي صار النظام يصدرهم ، و لقد قبض علي بعضهم في كشمير ، و هم علي استعداد لتقديم خدماتهم الغاليه حتي لسويسرا؟؟؟ ان ابناء الشمال يزج بهم في حرب غادره بعد عملية غسل مخ بأسم الجهاد و الحرب المقدسه . لو ان عشر هذه المجهودات وجه للبناء و التعمير لتقدم السودان كثيرا . و المؤلم هو ان الجيوش عادة تكون مليئه بالاقليات العرقيه لان الجيش هو المكان الوحيد الذي قد يعطي فرصه شبه متكافئه . و هذه الاقليات تجد نفسها الان تحارب شعبا اقرب اليها من السيد الشمالي . و الجنود من الاصل الجنوبي و جبال النوبه قد يمعنوا في الوحشيه كي يثبتوا ولائهم لنظام الشمال!!! . السودان الذي يعتبر الان من اتعس و افقر الدول علي ظهر هذا الكوكب ينفق البلايين علي التسليح في حرب استعماريه لا معني لها . هذه الاموال كان يمكن ان تصرف علي التعليم و العلاج فحتي الميسورين لا يجدون العلاج في السودان . و السودان يصرف دولارا واحدا للعلاج لكل فرد. و هذا الدولار يساوي خمس طلقات من رشاش صغير . اننا نرتكب هذه الحماقه باعين مفتوحه ، ثم نغني اغنية انكسرالقوس و السبع يتقدم . من المؤلم ان البلاد العربيه تحارب حكومة السودان الحاليه و تنتقد كل ما تقوم به . الا انهم لا يعارضون حرب الجنوب، بل يقفون مع الشمال في محاولته لتنظيف الارض قبل رمي البذور العربيه المحسنه !! لقد صرعنا اقتصادنا في الشمال مع سبق الاصرار و الترصد، و بدلا من مساعدة الجنوب حولناه الي خرائب و هياكل بشريه تمشي جراء الجوع و التجويع و الحصار الاقتصادي . و خلق عسكريون جهنميون يتفاخرون بحرق القري و ذبح الاطفال و اغتصاب العذراوات . بل وجدوا مقابرا تحمل اسمائهم.و رجعوا للشمال لسرد هذه الفظائع وسط فخر الاهل و الاصدقاء و اكواب الشاي . لو ان الهان او المغول احتلوا جنوب السودان لما استطاعوا ان يباروا جنود الشمال الابطال . الجنوب يمثل عمقا استراتيجيا للشمال و التجاره يمكن ان تكون اكثر ازدهارا داخل حدود اكبر . و انه لشعور جميل ان نحس باننا مواطنون من اكبر قطر افريقي ، و احدي اكبر الدول مساحه في العالم . الا انها اشياء معنويه فقط تدغدغ الشعور الوطني ، اما ان نتمسك بالجنوب بالرغم من رفض اهله فهذا شئ مخجل يضر بالجنوب و يسئ الينا كثيرا . و ايجاد الحلول يكون صعبا في العاده عندما نكون مواجهين بمشكله. الجنوب يعتبر اليوم مخزنا للعماله الرخيصه و مصدرا للمواد الخام و سوقا لاعادة التصدير ، تماما كما يمثل الشمال لبعض الدول العربيه . و الشئ المؤكد هو ان الجنوب ليس ملكا للبافاريين او الاستونيين و لا الشماليين. الجنوب للجنوبيين . اما مسرحية اذا تركنا الجنوبيين لحالهم لقتلوا بعضهم البعض ، لانهم قبائل متوحشه لا دين لهم و لا قانون ، فهذا شئ ممجوج. و هذه الاسطوانه عزفها الانجليز من قبل عندما طالب الشمال بالاستقلال . و لا نزال نسمع بان الجنوبيين مرتشون قذرون ، لا يهمهم سوي الدعاره و السكر و ان الفساد يجري في دمائهم . لقد سمعت الاوربيين يقولون نفس الشئ عن الشمال بل و اكثر . اين يا تري ذهبت البلايين التي اقترضها السودان، و الجنوب ملزم الان بدفع هذه الديون. اما ميزانية الجنوب التي يتشدق الشماليون بانهم يدفعون جزءا كبيرا منها ، فأنها تعود الي جيوب رجال الاعمال الشماليين و المقامرين و المضاربين . فالجنوبي لا يملك حتي صنع القرار و لا الشركات و رؤوس الاموال و البنوك . الشمال يحسب ان الجنوب لا يستطيع ان يعيش بدونه ، و الديك يظن ان الشمس تشرق لصياحه . حتي اذا سنت القوانين العادله و اعيد كتابة الدستور و قانون الاحوال الشخصيه و امن الدوله و القانون الجنائي و الشرعي ....الخ ، فلن نضمن ابدا حق الجنوبيين . لان الحياه اليوميه لا تخضع فقط للقوانين المكتوبه ، انها القوانين الغير مكتوبه التي تسير حياة البشر . و الجنوبي لا يمكن ان يقاضي و يرفع الدعوات و الشكاوي اثر كل ابتسامه لزجه و نظرة سخريه و استخفاف. و سيهان الجنوبي في الشمال و في ارضه ، و ستقفل امامه فرصة العمل و التجاره و السكن في المناطق المرغوبه ، و ان يشارك في غرفة مستشفي حكومي او خاص ، و ان يدخل ابنائه بعض المدارس و كثير من الوظائف........الخ. هذه الظروف ليست جديده و لم يخلقها المستعمر كما يحلو لنا ان نقول . انها تمتد لالاف السنين حتي قبل ان يعرف الاوربيون الكلام. فالجنوب كان يمثل مزرعه كبيره للعبيد . لان الشمال قد طور اقتصاده و تجارته و لغته و وسائل القتل بطريقه اكثر تطورا من الجنوب. ان العبوديه في حد ذاتها ليست شيئا نخجل منه ، لقد وجدت في كل العالم ، و لقد عرفتها الصين الي سنة1949 و بعض الاقطار العربيه بعد ذلك . و لكن ان تظل الافكار و الخلفيه تعشعش في رؤوسنا فهذا شئ مخجل. ادريس ابتر و الزبير باشا مغامرون خلقوا ممالك في الجنوب و وسعوا تجارة الرقيق لكي تصير عالميه مقننه بعد ان كانت بيتيه او بطريركيه فقط. هؤلاء المجرمون معظمون في الشمال، و يدرس الطلاب في الجنوب تاريخ الزبير باشا كبطل وطني . و يطلق اسم الزبير باشا علي احد اكبر الشوارع في الخرطوم . و نحن لا نزال ندعي بان الجنوب شريك كامل في هذه الدوله .هل سمع الشماليون عن اي بطل جنوبي كجركويك مثلا ؟؟. ان امريكا التي هي اليوم اقوي و اكبر دوله في العالم ، لا تستطيع و بالرغم من تشدقها بالحريه و الديمقراطيه و المساواه، ان تضمن للسود حقوقهم . و دخل السود يقل 35% عن البيض . و السود يفرقون في السكن و المدارس و العلاج .....الخ. حتي المليونيرات من السود يفرقون. مستوي الوفيات وسط اطفال السود يفوق بعض الدول الناميه ، و هو ثلاثه الي اربعه اضعاف اطفال البيض . القوانين و الدساتير لا تكفل العداله و الحريه في الدول المتطوره ، ناهيك عن شمال السودان الذي تأكله الشوفينيه و التعصب الديني . المضحك المبكي ان الشماليين يصدمون عندما يواجهون التفرقه العنصريه و يوصفون بانهم عبيد في الدول العربيه. و لكن هذا لا يغير من نظرة الشماليين نحو الجنوبيين ، عجبا ! . التعصب و الشيوفينيه مرض نفسي كالغيره لا يخضع للعقل و المعقوليه ، و لا يستطيع اكثر الناس ان يتخلصوا منه . بعض التقدميين الشماليين و الماركسيين لا يخفون احتقارهم للجنوبيين ، بل يفتخرون بهذا علنا . و هم اول من يؤيد قضايا التحرر الوطني و يقف ضد العنصريه في الدول الاخري . اغلب الرجال يقف مع تحرر المرأه في ما عدا زوجاتهم. ان مناقشة موضوع الجنوب مع الشماليين لاصعب من عمليه شرح السراب لاسكيمي اخرص ابكم . المصطلح ( عربي ) لا يعني الا وصفا اجتماعيا اقتصاديا و يطلق في المدن السودانيه علي سكان الباديه . الشماليون من المؤكد افارقه ، فالدماء العربيه التي دخلت السودان قبل 300 او 400 عام لا يمكن ان تكون اكثر من الدماء التي وجدت لالاف السنين و الحضاره النوبيه. و كما ينقسم الاوربيون الي سلاف و جرمان انجلو-ساكسون و لاتين و رومان ، يمكننا ان نقسم الافارقه الي اثيوبيين و بانتو و سودانيين و نيليين و اقزام خط الاستواء و الحاميين في شمال القاره . و نحن الشماليون نمثل الاثيوبيين الحاميين مع بعض الدماء العربيه . شكلنا و تركيبنا الجسماني يجمعنا مع الاريتريين و الاثيوبيين و الصوماليين الا ان ديننا و لغتنا يجمعنا مع العالم العربي و هذا خيارنا و طريقنا . و الجنوبيين غير ملزمين بان يتبعونا . و حتي اذا كنا عربا مائه في المائه لا يجعلنا هذا خير من النرويجيين او اسوأ من الكنقوليين ، فكلنا بشر . الجنرال كستر الامريكي في حربه مع الهنود الحمر قال ان واجبه ان ينظف الارض لحضارة البيض ، و ان العالم يطرق برأسه موافقا . يبدو انه كان يتكلم عن عالم مكون من البلغار فقط ، لانهم الشعب الوحيد الذي يطرق براسه ليقول لا و يهز راسه موافقا. الحرب التي تدور الان في الجنوب ليست دينيه فقط . الامهرا في اثيوبيا يحتقرون القبائل الجنوبيه و يصفونهم بالعبيد . و بعض الماركسيين الاثيوبيين يكرهون منقستو هايلي مريم لانه في رأيهم ( باريا ) و تعني عبد. بالرغم من الجميع مسيحيون . ان المشكله تاريخيه شوفينيه ترجع الي ايام مملكة اكسوم و ملكة سبأ القبائل المتكلمه باللغه العربيه في السودان تمثل 37 % من سكان السودان ، و الشماليون يتجنبون اقامة علاقه شخصيه مع افراد جنوبيين ، و تتكون عندهم افكار و توقعات مسبقه غير جيده . ان الشوفينيه و التعصب يصعب التخلص منها بل يستحيل ، لاننا نورثها مغ لبن الام و التربيه الاولي ، و الغرض ان نحمي انفسنا ، و كياننا ، و احساسنا باننا وحده ، مجموعه او امه ، و بهذا نشجع نظرية نحن و هم . و الاوربي الذي يهاجر الي اميركا و جنوب افريقيا يواجه في كثير من الاحيان ظروفا اسوء من ظروف بلده ، الا ان الشعور بانه سيكون خيرا من اقليات اخري بمجرد دخوله اميركا يعطيه شعورا بالرضا. فالمجتمع ينظر اليه مباشره علي انه خير من الزنوج و الاسيويين و المكسيك . كلنا يحتاج الي ماسح احذيه ، او الشعور بالانتماء باننا خير من شخص اخر . بهذا نكون نوادي لمشجعي كرة القدم او جمعيات الماسونيين ...الخ قبل هجرة السود و الاسيويين لاوربا كان عند الاورببيين زنوجهم ، انهم الغجر و حتي بعد حرق نصف مليونا من الغجر في معسكرات الاعتقال لم يحظوا بتعويضات مثل اليهود ، و لم تتغير النظره نحوهم في اوربا. ان مسلمي بوسنيا هم نفس البشر و نفس العرق كالصرب ، و الكروات لا يمكن ان نتحدث هنا عن العرق ، لان الحقد و الكراهيه ، تفوق اي اختلاف عرقي اصيل انها نظره نحن و الاخرين ، فلنحرقهم لنخلق متسعا لنا . ان الفلاح الارلندي كان يهرب من الاضطهاد و الانجليز لاميركا و يزود ببندقيه و زي عسكري ، و يصير مواطنا من الدرجه الاولي بحق قانوني لكي يذبح الهنود الحمر دون ان يقدم لمحاكمه ، و يشارك في الحرب المكسيكيه . فاميركا لم تتوسع شمالا لان الانكلوسكسون كانوا في كندا و لذا توسعوا جنوبا و نزعت تكساس و كليفورنيا من المكسيك لانهم ليسوا بيضا . اننا ندين اسرائيل لان الدستور الاسرائيلي يعطي اي مجرم من اي ركن في اوربا حق الادعاء بانه يهودي ، و يقوم برشوة رابي مأفون ببعض الزجاجات من الفودكا و يتحصل علي شهاده و يصير مواطنا من الدرجه الاولي في اسرائيل . احفاد بني عمان الذين استقبلوا سيدنا ابراهيم كضيف فهم مواطنون من الدرجه الثانيه و لا يحق لهم الخدمه في جيش الدفاع الاسرائيلي . اليهود اليمنيون يسكنون مساكن متداعيه ضيقه في حي تكفا . مستوي حياتهم لا يقارن باليهود الاوربيين الذين يفصلهم شارع واحد في حي يادي الياو ( نبي الله الخضر ) او بعيدا في حي رامادقان الفاخر . اليمنيون لا يجلسون في بورصة الاسهم او الماس ، و لا يديرون المصارف و بيوت الاموال ، و لا يشترون الملابس من حوانيت شارع الانبي الفاخر ، و يقومون بكل الاعمال الشاقه و القذره . يهود شرق اوربا يتحصلون علي مساكن احسن من مساكن المهاجرين من المغرب . التفرقه تمارس تحت اسم الدين في داخل نفس المله و تحت سمع القانون . في توراة اليهود فان سيدنا موسي يقول لليهود بعد الخروج من مصر ( انتم الان قبيله واحده .) و احتج اليهود الذين كانوا عبيدا في مصر لاكثر من 500 سنه و رفضوا المساواه بالكوشيين . الكوشيون هم اجدادنا نحن السودانيين . حتي قبل الاف السنين كان العبيد يفرقون بعضهم البعض . فقبل العبوديه في مصر كان اليهود عبيدا للاشوريين في العراق . المصري و السعودي يعتبروا مواطنين من الدرجه الاولي بمجرد ان تطأ اقدامهم ارض السودان . بل ان بعض الاوربيين و مواطني دول البترول يعاملون احسن من المواطن درجه اولي و هم يتصرفون علي هذا الاساس. الجنوبي الذي وجد في السوان منذ بدأ الخليقه يعتبر مواطن من الدرجه العاشره . فبعد السيد الشمالي الغني او المتعلم ، تجد عدة طبقات رأسيه و افقيه. القبائل الشماليه حول النيل من المفروض ان تكون درجه اولي . تأتي بعدها قبائل اقل شئنا كالبجه و قبائل غرب السودان ثم باقي المهاجرين من اريتريا و اثيوبيا و غرب افريقيا و اهل اثيوبيا يذوبون في المجتمع الشمالي لانهم اقرب شكلا و سحنه . الجنوبيين هم في نهاية السلم الاجتماعي . للجنوبي الحق في يكون حذرا في تعامله مع الشماليين ، لان الشرف و الامانه سلعه قد تكون رائجه عندما يتعامل السيد الشمالي مع اقرانه ، الا انه يتغاضي عن هذه القيم عندما يتعامل مع الجنوبي . عندما طبقت الشريعه الاسلاميه كان اغلب الذين فقدوا اقدامهم او اياديهم او حياتهم من غير اهل الشمال . من الرائع ان يساعد السودان الشعب العراقي ضد الحصار الاميركيو لكن ان يرسل الشماليون اللحوم و المواد الغذائيه للعراق فهذا من سخرية القدر، ان شعب الجنوب يموت جوعا ، و المستوي المعيشي في العراق بالرغم من تدهوره الان هو ما يحلم به الجنوبيون بعد مائه عام . الشعب العراقي يجب ان يرفض هذه المساعدات لانها مشاركه في جريمه ، او علي اقل تقدير استلام المال المسروق . و لقد ارسل الشمال الجنود للمشاركه في حروب عربيه ، و استضافوا الكليه الحربيه المصريه بعد الحرب الاسرائيليه. و يحاربون في افغانستان و كشمير . و سمحوا للمخابرات المصريه بالعمل في السودان بالمكشوف كما استضافوا الاف الفلسطينيين بعد طردهم من لبنان . و استقبلوا الطائرات العراقيه في اثناء حرب الخليج . هل كان بامكان الجنوب ان يستضيف جيش يوغندا او ان يرسل ابناء الشمال للحرب في انقولا ؟ ! او ان يسمح للكليه الحربيه الكينيه بالتواجد في جوبا ؟ انها شراكه غير متكافئه . للجنوب اليوم الحق في الانفصال بعد ان تأكد لهم في كل مره بان الشمال لن يعتبرهم كشركاء كاملين بل يعتبر الجنوب كمحميه ان لم تكن مستعمره كامله . ان الشمال يخطط و يتصرف في بترول الجنوب و كانه ليس للجنوبيين اي وجود . هل هذا قانون العبد و ما ملكت يداه ملكا لسيده ؟! حتي المصفاه خطط لبنائها في الشمال . و الشمال يدخل في احلاف و يخرج من احلاف و يدخل في اتفاقيات تكامل و مشروع وحده مع ليبيا و مغازلات مع ايران . و وفود و خبراء من كل الدول ،و مستشارين لكل شئ حتي الانهيارات الجليديه و الجنوب لا يسأل عن رأيه . ان اعذار الشمال تبدو كاوبرا مترجمه و لا نزال نسمع ان الوقت لم يعد بعد كافيا. لقد مرت 37 سنه منذ الاستقلال تمكنا فيها من تخريب الجنوب و نهبه و قتل اهله ، و لو ان ابشع المخلوقات من الفضاء الخارجي اتت الي السودان لما استطاعت ان تعمل نصف الخراب الذي حققناه في الجنوب. و اذا قرر الشماليون تخريب بلادهم و تحويلها الي اتعس بلد علي ظهر هذا الكوكب بعد الصومال ، فلماذا لا ينسحب الجنوبي. حتي الهنود قد ابطلوا عادة ارسال الزوجه الي قبر زوجها و الجنوب ليس بزوجة الشمال. ان حكومة الاخوان المسلمين الحاليه في السودان ستنهار و الموضوع مسأله وقت لا اكثر . و لكن يبدو ان السودان سيكون في قبضة الطائفيه لمده طويله جدا . و حتي بعد رجوع الديمقراطيه ستمارس الاحزاب نفس الغلطات ، لان العائلتين المسيطرتين علي البلد ما هما الا طفيليات يعيش اعضاؤها بدون ان ينتجوا او يشاركوا في الانتاج، انهم حتي لا يتكرمون بدفع ضرائب دخل !! و هؤلاء البشر لن ينسفوا القاعده الدينيه التي يقفون عليها . و ما ذنب الجنوبيين اذا رضينا نحن بهذه المهزله ؟ ان الشماليين يقيمون الارض بخصوص مشكلة حلايب ، و حلايب ارض صحراويه جرداء لا يستفيد اهلها من السلطه السودانيه او المصريه بشكل من الاشكال ، بل تعتبر السلطتين كجزء من مشاكلهم . اننا كشماليين علي استعداد ان نموت دفاعا عن حلايب ، و يمكن ان ندخل حربا ضد شعب قريب منا . لماذا لا نحس بنفس شعور الجنوبي الذي يري بلاده تسرق امام اعينه و تغتصب نسائهم و يذبح اطفالهم . اغلب السودانيين يدعون ان نسبهم يرجع الي العباس عم الرسول عليه الصلاة و السلام . و لهم شجرة عائله مكتوبه تثبت ذلك . و لكن الحقيقه انه كان هنالك و لا يزال مزورين بارعين خاصه في منطقة الدامر يلصقون اي انسان باي نسب يطلبه بالاجر المدفوع . و العباس هذا يبدو انه الوحيد الذي لم يصب بالعقم من ال هاشم فاغلب مسلمي الارض ينتمون اليه . ماذا عن اخيه عبدالعزي او ابولهب الذي كان وسيما ذكيا يبدو و كأن اللهب يخرج من عينيه ، من ابناءه عتبه و عتيبه الذين تزوجا بنات النبي صلي الله عليه و سلم و امهم حمالة الحطب . ماذا حدث لاحفادهم اليس من الجائز ان لهم احفاد في السودان ؟ ماذا عن البشير و عصابته . ان ابن العباس الوحيد الذي تحصل علي فيزا خروج و ترك الحجاز ، يرقد الان في سمرقند بعد ان قطع المجوس راسه و رموا به في البئر حتي قبل ان يتفرغ لصناعة و انتاج الامم. من الاخطاء التي ارتكبها الماركسيون و التقدميون اثناء حرب تحرير الجزائر ، زعمهم ان النضال الجزائري جزء من نضال الطبقه العامله الفرنسيه . و علي الجزائريين الانتظار الي حين فوز البروليتاريا في فرنسا . نسوا ان النضال الجزائري نضال قومي مختلف . عندما يتعلق الامر بالعنصريه و الشيفونيه لا تنفع النظريات الماركسيه الجاهزه فللامر ابعاد مختلفه هذا ما يؤكده المفكر فرانس فانون . للجنوبيين نضال قومي يختلف عن الشمال . القوميه في السودان لا تزال تحت التكوين . القوميه تتكامل تحت علاقة انتاج متطوره . نحن الان نخضع للانتاج العفوي البدائي ، الا ان الخطوط العريضه تبدو واضحه لقوميتين مختلفتين . القوميه هي وحده بشريه مستقره متجانسه باقتصاد مشترك ، لغه مشتركه ، ارض مشتركه و تاريخ مشترك و الاهم تركيبه نفسيه مشتركه . كل هذا ينعكس علي الثقافه . و لهذا ندين الصهاينه لانهم يدعون ان كل اليهود قوميه واحده . فاليهودي في تعز في اليمن او قوندر في اثيوبيا من المستحيل ان تكون له نفس التركيبه النفسيه كيهودي في نيويورك . و ليس بينهم لغه مشتركه . و من المفروض ان يكون هنالك حزب شيوعي جنوبي . فالشيوعي الشمالي لا يمكن ان يحس و يعرف نضال الجنوب اكثر من اهله . و الشيوعيون الجنوبيون ينظر اليهم كخونه او صنائع للشمال و كثير من الشيوعيين الشماليين لم يتخلصوا من النظره الشيوفينيه الضيقه و عقدة الاخ الاكبر . بينما يموت الجنوبيون جوعا تصرف البلايين علي الاسلحه . و يعاني حتي سكان الخركوم من عجز المستشفيات . و الميسورون في الشمال ينتظر ان تتصدق عليهم الدول الصديقه بالعلاج . و يفتك السل بأهل الشرق . و يسرق الاخوان المسلمون مال الدوله ، و يناقشون الحلال والحرام ، و هل تلبس الساعه في اليد اليمني ام اليسري ، وهل يدخل المؤمن عقلة صباعه الوسطي ام عقلتين في الاست بعد الغسل لضمان الطهاره . ويفرضون الزي الاسلامي في بلد لا يجد الناس فيه خرقه لتستر عورتهم ، و يأكلون القوارض و الحشرات لنقص البروتينات . محاولة الاحتفاظ بالجنوب بالقوه و بأي وسيله تعود علينا و علي الجنوب بنفس الفائده عندما نكبر قبل ذبح الخنزير . هذه المشكله لم يخلقها الاستعمار لقد وجدت منذ الاف السنين حتي قبل ان يتعلم الانجليز الكلام . قبل الاستقلال كان هنالك تاجرا شماليا في كل قريه جنوبيه يسرق المواطنين و يحتقرهم ، فيما عدا الاقليه العاقله . و كل المشاريع الضخمه من دبة الفخار في اعالي النيل الي منطقة السدود هي في قبضة الشماليين بعد ان نزعت الارض بكل الاساليب من اهلها . قانون المناطق المقفوله لم يمنع الشماليين من التواجد في الجنوب . و لقد بدأت حوادث الجنوب بسبب رعونة الحكومه الشماليه و كانت اول رصاصه تطلق بواسطة ضابط شمالي علي نافوخ جنوبي. و اذا لم يكن مسموحا للشماليين بالتواجد في الجنوب كيف قتل الشماليون و اسرهم ، انهم لم يقتلوا بالمراسله . ما هو الشئ الجميل الذي حققناه في الجنوب بعد ما يقارب من اربعه عقود ؟ لقد عمقنا الكراهيه و خربنا الجنوب و اقتصاد الشمال و جعلنا مسألة الجوار اكثر صعوبه في المستقبل . من المؤكد ان هناك كثير من الجنوبيين يسكنون الشمال و مجموعه من الشماليين في جنوب السودان . من حق الجنوبي ان يشعر بالغبن حتي بعد استقلال بلاده فلقد عقد الشمال معاهدات و تكرم بماء النيل و اقترض بلاينا من الدولارات لكي تدفعها اجيال قادمه حتي بدون ان يستشار . لو كنت جنوبيا لكنت الان احارب لاحمي امي و اختي و اهلي و تراثي و لغتي و تراب بلادي و حريتي و قيمي كأنسان و لن اطالب باقل من الاستقلال لان التجربه اثبتت ان السيد الشمالي لا يتغير ابدا. الاختام جاهزه كالعاده و ستدمغ هذه الافكار بالجنون و الخيانه و حب لفت النظر ، الا انها الحقيقه المره . و لنفكر قليلا . ملحوظه اليوم بعد مرور 14 سنه منذ هذه الكتابه التي ترجمت و نشرت في حلقات في مجلة اس بي ال ايه ، اظن ان ما طرحه جون قرنق من فكرة الكونفدراليه تعتبر مقبوله . التحية شوقي بدري[/align] |
العزيز شوقي
عساك بخير يا صاحب.. يخيل لي والله أعلم أن المعطيات التي تواجدت أثناء كتابتك لهذه المقالة قد تغيرت الآن كثيرا ... أراك تضع كل اللوم علي الشمال وظهر الجنوبيون في موضوعك "قديسون" وهذا لا يكون .. شخصيا لا أحمل أي إحساس بالذنب تجاه الجنوب ، لم أشارك في حرب جهادية ، تعاطفت مع قضيتهم "عندما كان لهم قضية" وحلمت بمستقبل زاهر طالما تغني به المرحوم قرنق .. لكن قرنق الآن مات ... وماتت معه في منظوري النظرة الوحدوية الصادقة ... أعطت اتفاقية السلام الجنوبيين ما أرادوه من حقوق هي لهم مافي شك... لماذا إذن الحديث عن مررات الماضي ؟؟ قلت في موضوع مشابه أن الجنوبيين صاروا يتعاملون مع تاريخ النزاع الشمالي جنوبي تماما كما يفعل اليهود مع قضية "الهولكوست" .. السلام يجب ما قبله يا شوقي يا أخوي إن صدقت النوايا... إحساس الدونية والتفوق ما هو إلا وهم ما دامت هنالك قوانين تحكم الكل ... هنالك نائب لرئيس الدولة الآن "السيد سلفا كير" وهنالك حكومة سيادية حرة في اتخاذ قرارها في الجنوب دون وصايا من الشمال .. ماذا بعد ؟؟؟ فلتكن يا صاحب وحدة قوامها الندية والوطن الواحد دون اجترار لحزازات قديمة ونزاعات صارت تاريخ ... أو انفصال بسلام دون مشاكل ... كم بيت في الشمال لا يزال يبكي فقيدا وجريحا ومفقودا ؟؟؟ الحرب يا شوقي لا تعرف اختلاف السحنات ... الدول لا تقاس بحجمها يا شوقي ... انظر لهولندا وبلجيكا ولكسمبيرج ... جميعها لا تعادل مشروع الجزيرة في حجمها ... والسودان يتفوق من ناحية الحجم علي أوروبا الغربية مجتمعة ... الدول تقاس برقي مواطنها ورفاهيته وحقوقه التي كفلتها المواثيق الدولية ... مرحب بالإنفصال في منظوري .. ألف مرحب .. كفاية تحميلنا وذر حكومات لم ننتخبها ولا تمثلنا إلا بوضع اليد ... |
[align=justify]الأستاذ شوقي
وأنا أقرأ طاف بخاطري سؤال: هل لو سُلِّم ملف الجنوب لشوقي بدري سيستقيم الميزان، أو على الأقل سيعذر شوقي بدري الشماليين الذين وقفوا مع قضية الجنوب العادلة (وهم ليسوا قليلين) وهل يذكر لهم ذلك؟ أعتقد أن الوقوف مع قضية الجنوب العادلة لا يحتم على المرء أن يذم الشمال والشماليين، والمطالبة بحقوق مشروعة للجنوبيين يكفي فيها إبراز تلك الحقوق؛ لأن إثارة الأحقاد تُنبت مزيداً منها ولن يوقف ذلك أي تعويض مهما كان ثمنه أنا مع الإنفصال وإقامة دولة الجنوب خالصة لأهلها فهم نزيهون ومخلصون ولن تثور بينهم أية نزاعات[/align] |
اقتباس:
ه أستاذنا الرائع شوقي بدري أقرأ مقالك اليوم و كأني لم اقرأه من قبل جميع ما ذكرت به من حقائق و استنتاجات منطقية لم تكذبها الأيام حتى بعد 14 عاماٌ و قد عودتنا ان الرائد لا يكذب أهله ابداٌ سؤالك هذا ظل يؤرقني لزمن طويل جداٌ ماذا بعد الإنفصال ، سبق أن كتبت هنا في سودانيات في اكثر من موضع و أكثر من موضوع عت هذه النقطة الشائكة و أكرر ما كتبت هنا : اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
ختاماُ شكراً لك استاذي شوقي بدري على هذا المقال الرائع و أرجو نمك كريم المرور على موضوعي المفتوح هنا في سودانيات : هل السودانيين عرب ؟ ----------------- http://www.sudanorg.tk/vb/showthread.php?t=10605 لك وافر الاحترام و التقدير حاتم علي ه |
االرائع شوقي بدري
الأعزاء المتداخلين بإجمعنا كلنا هذا الموضوع هو عصب مستقبل البلاد وهو إفراز مزمن لأزمة نظام الحكم في السودان منذ الاستقلال وأنا لست مع رمي اللوم على الاستعمار الإنجليزي وتبرئة ساسة الشمال طوال نصف القرن الماضي لكني أقف وبقوة ضد الإنفصال لاعتبارات كثيرة المعطيات الحالية (كم أشار الخال) تؤكد على تحول حقيقي في تفكير قطاع واسع من الشماليين.. لعبت فيه منظمات المجتمع المدني دوراً كبيراً فلقد اصبحت العقلية السائدة هي أن المواطنة قيمة لا يعلى عليها في تصنيف الأمة (وليس الشعب) السودانية تجارب الوحدة القسرية أثبتت فشلها بغض النظر عن الغطاء الإيديولوجي سواء في الاتحاد السوفيتي السابق أو سواه لذا نريدها وحدة طوعية مبينية على التراضي وقبول الآخر واهم من يعتقد أن مرارات الماضي ستدفن بين عشية وضحاها لكن إن صدقت النوايا وفقاً لقراءة حصيفة لمستقبل البلاد ستكون الوحدة هي الخيار الأول الميزان هنا سياسي /اقتصادي/اجتماعي/وجداني وجداني هذه هامة جداً وليس أدل عليها من العلاقات التي تربط بين الشماليين والجنوبيين في المهاجر حيث تتلاشى تقريباً الضغائن ويحن الدم للدم خطاب الحركة الشعبية متذبذب لكن بها تيار وحدوي لا تخطئه العين وأحزاب الشمال الرئيسية تنحو نحو ذات التوجه أنا متفائل جداً بمستقبل البلاد ووحدتها وأرجو أن تسود ثقافة الاعتذار والتسامح لأن القرارات المتعلقة بالأمم وبقائها يجب ألا تخضع لضغائن الماضي يجب أن نستشرف مستقبلاً يجمعنا شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وأن نتعلم كيف نعيش معاً يظلنا سقف المواطنة الواسع ربما هذه المداخلة هتافية أكثر من كونها تحليلية وهذا لطغيان الوجداني على الموضوعي ربما يسمح المجال بالعودة مرة أخرى بنظرة تحليلية للخطاب السياسي السائد والاحتمالات المتوخاة حاشية: أعتقد أن انعقاد مؤتمر جوبا في حد ذاته مؤشر قوي لرغبات دفينة بالوحدة بغض النظر عن نتائجه والتي اعتقد أنها أحدثت فرزاً طيباً لتوجهات القوى السياسية الرئيسية في السودان |
عم شوقي .. طابت أوقاتك أنت وضيوفك الكرام
اقتباس:
التحية/ عثمان الطيب |
اقتباس:
التحية والتقدير لعمنا شوقي {نحن الشماليون قد بذلنا جهدا خارقا لكى نجعل الجنوبيين يتجهون الى الانفصال} عمنا ... كتاباتك دائماً تلقي اللوم علي الشمال والشماليين وتنحاز للجنوبيين كانما الجنوبيين نوع من انواع الملائكة التي تعيش علي الارض وتواجه وتعاني من ظلم شياطين الارض في شمال السودان تحديداً ... وتقول ان الشماليين هم من يبذلون الجهد لدفع الجنوبيين للانفصال ... هل تعتقد يا عمنا أنه كانت هناك فسحة زمنية كافية لمعرفة نوايا ... مجرد نوايا الشمال والشماليين تجاه الجنوب والجنوبيين؟ اندلعت حرب الجنوب حتي قبل اعلان الاستقلال والانجليز مازالوا يسيطرون علي مقاليد الامور في السودان كنتيجة طبيعية للسياسة التي اتبعتها بريطانيا في حكم السودان ككل وحكم جنوب السودان بصفة خاصة واعني بذلك سياسة المناطق المقفولة التي منعت الجنوب من التواصل مع بقية اقاليم السودان والانصار الذي تم مع جميع القبائل بالاضافة للسياسة المعروفة عن المستمر الانجليزي فرق تسد التي التي نعيش افرازاتها اليوم بصورة واضحة ... قبلية ... عنصرية ... جهوية ... حتي التهميش الذي صار الحديث عنه موضة هذه الايام هو من صنع المستعمر البريطاني الذي ركز التعليم في مناطق واهمل البقية ... ركز المشاريع في المناطق التي تغذي يوركشير ولانكشير دوناً عن المناطق الاخري لانه اساساً ما جاء ليخلق توازن في التنمية ولا لكي ينشر العلم والوعي والثقافة وانما جاء لخدمة مصالحه ... إذن مشكلة الجنوب التي ظهرت تداعياتها وانطلقت شرارتها الاولي بوجود المستعمر دليل واضح وبرهان قاطع يبين اساس المشكلة. حدث التمرد الاول يوم 18 أغسطس 1955 اثناء انعقاد مؤتمر صحافي لرئيس اول حكومة وطنية اسماعيل الازهري الذ كان يتحدث للصحافة العالمية في الخرطوم حول جلاء القوات البريطانية ورحيلها بالكامل عن السودان تلقى برقية عاجلة وموجزة تحمل اليه نبأ وقوع تمرد القوات العسكرية الجنوبية في مدينة توريت بمديرية الاستوائية، واليك سيدي تقرير قضائي شكلت له لجنة للتحقيق برئاسة قاض فلسطيني مشهود له بكفاءته ونزاهته هو توفيق قطران، قاضي المحكمة العليا، وبعضوية خليفة محجوب مدير عام مشاريع الاستوائية، والسلطان اوليك لادو زعيم قبيلة لبيريا. أفرد تقرير اللجنة القضائية فصلا من خلفيات السياسة البريطانية في جنوب السودان، وذلك من خلال الوثائق والمذكرات والمنشورات الادارية المتعلقة بها، ومنها المنشور الذي وجه الى مديري المديريات الجنوبية الثلاث: أعالي النيل، وبحر الغزال، والاستوائية في 25 يناير (كانون الثاني) 1930، وجاء فيه «ان سياسة الحكومة في جنوب السودان هي انشاء سلسلة من الوحدات القبلية او العرقية القائمة بذاتها على ان يكون قوام النظام فيها مرتكزا على العادات المحلية والتقاليد والمعتقدات بقدر ما تسمح ظروف العدالة والحكم الصالح». وتلا ذلك خطوط عامة توضح الاجراءات التي تتخذ لتنفيذ هذه السياسة، وقد شملت تلك الاجراءات امداد الجنوب بموظفين لا يتكلمون اللغة العربية من اداريين وكتبة وفنيين، كما شملت الرقابة على هجرة التجار من الشمال الى الجنوب، واستعمال اللغة الانجليزية عندما يكون التفاهم باللهجات المحلية مستحيلا وقد ترتب على تنفيذ هذه السياسة عمليا التالي: 1 ـ نقل جميع الموظفين الشماليين الذين كانوا يعملون بالجنوب من اداريين وفنيين وكتبة للشمال. 2 ـ حرمان التجار الشماليين الذين كانوا بالجنوب من رخص مزاولة تجارتهم. 3 ـ اجلاء المسلمين الشماليين من مواطنهم وترحيلهم للشمال. 4 ـ منع الديانة الاسلامية. 5 ـ الغاء تدريس اللغة العربية كمادة في المدارس. وقال التقرير ان المدى الذي اتبع في تطبيق هذه السياسة بلغ حدا صبيانيا، فقد هجرت قرية «كافيا كنجي» (مديرية بحر الغزال) واعتبرت منطقة حرام بين دارفور وبحر الغزال لمنع اختلاط العرب والزنوج ومنع التخاطب باللغة العربية وأرغم من كانوا يسمون بأسماء عربية لعدة اجيال على تغيير اسمائهم. كيف انفجر التمرد الدموي؟ وتناول التقرير القضائي كيفية وقوع التمرد، فقال انه في مطلع اغسطس 1955 بدأت القوات البريطانية في الجلاء عن السودان وقررت الحكومة الوطنية الاحتفال بهذه المناسبة وأرسلت برقية الى قيادة الجيش في الجنوب تطلب فيها ارسال فرقة عسكرية للمشاركة في العرض العسكري الخاص باحتفالات الجلاء في الخرطوم، ولكن جنود القيادة في توريت رتبوا خطة لقتل كل الضباط الشماليين على ان يتم ذلك بمعاودة القوات الجنوبية وبعث اشارات باللهجات المحلية تبين خطته للتمرد. وتضاربت مواقف الجنوبيين من الخطة فوقع التمرد في السادة السابعة والنصف من 18 أغسطس 1955، حيث كان مفترضا ان تتحرك الفرقة الجنوبية في ذلك الصباح للسفر الى الخرطوم للاشتراك في الاحتفالات بجلاء القوات الاجنبية عن السودان، وبدأ التمرد بكسر المخازن والاستيلاء على الاسلحة والذخيرة واندلعت الاضطرابات في «توريت» والمديرية الاستوائية، وتأثرت بها كل المدن والقرى وسادت حالة من الفوضى العامة وانهار النظام لمدة اربعة عشر يوما فتعطلت الخدمات العامة، وقطعت طرق المواصلات واغلقت دواوين الحكومة، وفي يوم 20 اغسطس 1955 اعلنت حالة الطوارئ في المديريات الجنوبية الثلاث فكانت للفوضى والتمرد اليد العليا في القتال لمدة اسبوعين، وقد كان هجومها على أرواح وممتلكات الشماليين دون سواهم، وارتكبت جرائم القتل وحرق المنازل والممتلكات والنهب والسلب، وقد اشترك في ارتكاب هذه الجرائم الجنود ورجال الشرطة والسجانة والاهالي الجنوبيون. وبلغ عدد القتلى من الشماليين 336 قتيلا معظمهم كانوا موظفين واداريين وفنيين وزراعيين ومعلمين. وقال التقرير انه لا يمكن فهم اسباب الاضطرابات دون ادراك ابعاد النقاط التالية: أولا: ان الامور المشتركة بين الشماليين والجنوبيين قليلة جدا، فالشماليون عرب والجنوبيون وثنيون، من ناحية اللغة يتكلم الشماليون العربية بينما يستخدم الجنوبيون لغات يقارب عددها الـ80 لغة محلية، وهذا بخلاف التفاوتات الجغرافية والتاريخية والثقافية في ما بينهم. ثانيا: ولأسباب تاريخية يعتبر الجنوبيون الشماليين اعداءهم التقليديين. ثالثا: كانت السياسة الادارية البريطانية تتوخى حتى عام 1947 ان يترك الجنوبيون على حالهم ليتقدموا على النمط الافريقي الزنجي. رابعا: بسبب عوامل سياسية ومالية وجغرافية واقتصادية تقدم السودان الشمالي تقدما سريعا في كل الميادين فيما كان الجنوب يزداد تخلفا. خامسا: كل العوامل مجتمعة لم تولد في الجنوبيين احساسا برابط قومي مشترك مع الشماليين او حتى شعورا وطنيا وتعلقا بالسودان كوطن واحد وظل ولاء الجنوبي العادي منحصرا في نطاق ضيق. وقال التقرير ان احد العوامل التي عجلت بالتمرد استخدام برقية كاذبة منسوبة الى رئيس وزراء السودان اسماعيل الازهري قيل انها وجهت لجميع رجال الادارة في المديريات الجنوبية تقول: لقد وقعت الآن على وثيقة لتقرير المصير، لا تستمعوا لتقارير الجنوبيين الصبيانية، اضطهدوهم وضايقوهم وعاملوهم معاملة سيئة بناء على تعليماتي وكل اداري يفشل في تنفيذ اوامري هذه سيكون عرضة للمحاكمة. واورد التقرير البرقيات ورسائل من المتمردين ثم اجراء الحكومة لتطويق الموقف واتصالاتها ورسائلها الى المتمردين، كما اشار التقرير الى عدم اتخاذ اجراءات ما عند اكتشاف مؤشرات المؤامرة وإلى سوء تقدير الموقف وايضا الى عدم الالتفات الى مذكرات بعض الاداريين (مذكرة مدير اعالي النيل) والاخذ بها. كما تناول التقرير الوعود المبذولة ابان الحملة الانتخابية لاول برلمان سوداني، وايضا وعود الصاغ صلاح سالم عضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو (تموز) عند زيارته للمديريات الجنوبية، مما ترتب عليه خيبة امل الجنوبيين وقلقهم الشديد تجاه تنفيذ عملية السودنة، اي احلال السودانيين الشماليين في وظائف البريطانيين، وما افرزه ذلك من تخوف من السيطرة السياسية عليهم. سيادة الشائعات الكاذبة وقال تقرير القاضي قطران «لقد استرعى ـ انتباهنا طوال سماعنا للشهادات في هذا التحقيق، حقيقة الفقدان التام لوجود وسائل للدعاية الحكومية بجنوب السودان، ونجم عن ذلك ان الاشاعات الكاذبة تتناقلها الالسن دون ان تكون هنالك وسائل لتهدئة المخاوف وازالة سوء الفهم وقد ظلت الاخبار الكاذبة تنشر دون القيام حتى بمحاولة لدحضها على اقل تقدير، وعندما يكثر تناقل كذبة فانه كنتيجة لتكرارها يجوز ان يصدقها الناس في المجموعات البدائية المتخلفة ويعدوها حقيقة حازمة، ويبدو ان الاذاعة في هذا القطر موجهة لفائدة الشماليين وحدهم. وقال التقرير من خلال تناوله للعوامل التي ولدت شعورا سيئا لدى الجنوبيين «انه مما ساعد في تحطيم الثقة عند الجنوبيين ان بعض الشماليين حاولوا ان يغيروا عادة ترى ان تغييرها يحتاج لعدد من السنين ونقصد بذلك عادة العري، ان ما تعتبره اغلبية الجنس البشري عادة مخجلة يظنه الجنوبيون على العكس، باعتبار اساس الرجولة». واشار تقرير القاضي قطران الى واقعة قائد الوحدة العسكرية في كبويتا، حيث اصدر اوامره بأنه غير مسموح للجنود ان يرقصوا عراة رغم ان القبائل ظلت تمارس العري قرونا طويلة، فلم تطع اوامره واستدعى الجندي المسؤول عن الرقص، وفصله من خدمة الجيش في الحال ثم اعيد للخدمة، ولكن بعد ان احدث قرار الفصل اثره السيئ في النفوس. هذا التقرير اعدته لجنة قضائية برئاسة قاضي شهد له بالكفاءة للتحري في احداث التمرد الدموي 18 اغسطس 1955 والذي وصف بأنه اول تطهير عرقي حسب مفاهيم مواثيق الامم المتحدة، لاستهدافه مواطنين شماليين ومعلمين وزراعيين وضباطا وجنودا وتجارا، وبلغ عددهم اكثر من الثلاثمائة مواطن، هل يحتاج السودانيون وبعد احداث الاثنين الاسود اول اغسطس الحالي، الى مراجعة وصيغة تحقق التواصل وتمد جسور الثقة للحيلولة دون عنف دموي وابادة عرقية اخرى؟ او هل يفضلون التعجيل باستفتاء تقرير المصير عوضا عن اجرائه بعد 6 سنوات؟ (نشر هذا التقرير بصحيفة الشرق الاوسط الصادرة يوم الاربعـاء 13 رجـب 1426 هـ 17 اغسطس 2005 العدد 9759) نواصل،،، |
| الساعة الآن 03:15 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.