الشعوب السودانية ومسألة الوحدة الوطنية
الشعوب السودانية ومسألة الوحدة الوطنية
معتصم الحارث الضوّي [email protected] يتألف "الشعب السوداني" من قبائل يتجاوز عددها 500 قبيلة، وتتحدث بنحو 115 لغة، ويعتنق معظم الشعب ديانتيّ الإسلام والمسيحية، إضافة إلى عدد من العقائد الإفريقية المحلية. لا بد من هذه المقدمة التعريفية الوصفية التي تصيبُنا بالذهول -وقبله بالصداع- قُبيل الحديث عن "شعب سوداني" بصورة مطلقة. هذه الفسيفساء؛ "الشعب السوداني"، تسمية طوباوية لا توجد إلا في أدبيات الدولة الرسمية من دستور وتشريعات وقوانين، وفي طروحات السياسيين، وفي أحلام المثقفين. أما الواقع الأليم فإنه يشير بدلالة عظيمة القتامة إلى أن صهر هذه المكونات المتعددة الأعراق والديانات والثقافات في بوتقة عملاقة لصياغة شعب منسجم، وأن كل محاولات الوحدة الوطنية ستظل هباء منثورا إذا نحن لم نتقن صياغة المعادلة الكفيلة بحل الأزمة الكبرى التي يشهدها الوطن. ولكن التساؤل الذي يُطرح بقوة- هل يجب علينا السعي لتكوين شعب سوداني؟ الإجابة، لا في الوقت الراهن، إذ أن مكوّنات الانسجام والتفاعل بين الشعوب السودانية ما زالت معدومة، وحين تتوفر تلك المكونات يمكننا النظر جديّا في مسألة تكوين شعب متجانس. نقصدُ بمكونات الانسجام والتفاعل بين الشعوب السودانية بضع مسائل تتراكم معرفيا، وتتصل تراتبيا لتؤدي إلى الهدف المرموق؛ أولها مسألة التعرف على الآخر، فما زالت –على سبيل المثال- أصقاع السودان المختلفة وتاريخه الحافل مجهولا للكثيرين، بل ما زال المواطن في الشرق يجهل الكثير عن الغرب، والمواطن في الشمال يكاد لا يدرك أن في الجنوب ثقافة وحضارة لا يعلم عنها الأبجديات، ولكن الحديث عن تذليل العقبات في توثيق وحفظ التاريخ والتراث الشعبي طريق شاق لن نخوض غماره في هذه العُجالة. أما ثانيها؛ فهي مسألة القبول بالآخر والرضا بالمعايشة الآمنة، فالواقع الذي ما زلنا عاجزين عن تغييره يسوق لنا من دلائل الإقصاء والاستصغار والاحتقار التي تتبادلها قبائلنا السودانية الشئ الكثير. يستقرأ علم الاجتماع تلك الظاهرة، ويصفها بأنها مسألة طبيعية، بل بأنها آلية دفاعية ناجعة كانت تلجأ إليها القبائل في قديم الزمان بُغية حماية القبيلة من الاعتداء العسكري، وخوفا من محاولات هيمنة الغير، وتناقلتها العصور والأزمان. التساؤل الذي يُطرح هنا؛ هل ستختفي ظاهرة الاستعلاء القبلي والعنصري والثقافي؟ ربما لا، ولكن دورنا هو تشذيب أشواكها اللاسعة، وتقليم براثنها الآثمة في إطار قانوني، وقبل ذلك، في إطار متحضر راق. أما ثالثها؛ فهي إزالة الأمية واستئصال شأفتها بلا هوادة، وأعني بذلك الأمية بشقيها: أمية الحرف، وأمية المتعلمين؛ والثانية لعمري أدهى وأمرّ. في وطن تتجاوزُ نسبة أمييه الأربعين بالمائة يصبح الحديث عن التطور والتنمية والارتقاء إلى مصاف الدول الكبرى.. إلخ عبثا كافكائيا لا طائل منه، فأنّى لنا "صدر السماء" ونحن لم نكد نفارق سطح الأرض! هل أحطنا بكل عناصر الحل؟ لا، ولكننا ندقُ أجراس الخطر.. حتى تسطع الشمس. (نُشرت على صفحات سودانايل بتاريخ 12 سبتمبر 2009) |
موضوع جدير بالقراءة.....
|
أخي الكريم معاوية
شكرا جزيلا لمرورك. تقديري |
سلام معتصم
الموضوع دسم حقيقى ..ولكن ترك بداخلى عُدة أسئلة اتمنى ان اجد لها الاجابة الشافية ! هل الوحدة الوطنية المرجوة يشترط لها ماذكرت من : التعرف على الآخر ، والقبول ، ومسح الامية بشقيها ...فقط !! لدى مثال بسيط : مجموعه من الركاب من مختلف الجنسيات فى مركبة ، وعطبت المركبة لوقوعها فى احد الحفر..ماكان منهم الا ان قامو جميعا بدفع المركبة حتى خرجت من تلك الحفرة ..وواصلو الرحلة دون ان يكون بينهم رابط ....سوى المصلحه العامة !! هل يمكن ان تتحرك بنا الحياة -رغم الاختلاف - فقط تدفعنا المصلحه العامة للتعايش ..وننجح؟ لا ادرى ان كنت قد خرجت بالموضوع الى مناحى غير مفهومة ..ولكن اتمنى ان يكون ما اردت قوله وضح ! |
العزيز معتصم الحارث الضوي تحياتي لك اخي
اقول تحليلك و سردك جد رائع فلك الشكر ..اخي لاذلنا نبحث عن هويتنا ونختلف عليها دون ان نتفق أرادة الله جعلت ألسودان امة هكذا في ارض مترامية االاطراف تداعت لها اعراق مختلفة لكن الخطا البنيوي في هذا الموضوع أن الثقافتين العربية والافريقية كل منهما يريد ان يقصي الاخر ويكون في صدارة التعريف لكل ماهو سوداني وحسب اعتقادي ان هذا هو اساس مشكلة الهوية في السودان . السؤال الجوهري حسب اعتقدي لماذا لا يتوافق اهل السودان علي ثقافة خاصة تميذ السوداني من غير ان ننسب ذلك الي عربي او افريقي ومقومات ذلك موجودة فهناك صفات وعادات مشتركة ساهمت فيها حالة التداخل الفطري أو الطبيعي لا ينقصها سوي الموجه المنظم الرسمي اخي معتصم لماذا لانبحث عن ثقافة خاصة تضم كل هذا الاختلاف كما هو موجود في حالة الولايات المتحدة الامريكية واظن ان السبب الاساسي الذي جعلنا حتي الان لا نتوافق علي هوية واحدة هو حالة الفقر والضعف الاقتصادي والتنمية غير المتوازنة والتي ساقت الي حروب مظهرها بحث عن العدالة وباطنها بحث عن الاستعلاء العرقي ...مقومات الهوية السودانية متاح التوافق عليها فقط العلة في المثقفين وقيادات الشأن في الجانبين .. يمكننا ان نجد هوية نتعارف عليها ولتكن اللغة العربية هي لغة التعايش من غير أن ننسب نفسنا الي هوية عربية حتي نستصحب النسيج السوداني كله ومثال لذلك الانجليذية التي عبرت عن الثقافة الامريكية التي جمعت الافريقي واللاتيني والهندي والاوربي والعربي عبرت عنهم الانجليذية في وقت حافظت علي حقوقهم وتساوي الفرص بينهم لك الود أخي معتصم واسف للاطالة . |
معتصم
تحياتي هذا مقال جدير بالقراءة المتأنية و الغوص بين سطورها ففيها الكثير من الجراح التي يجب أن تندمل نقصدُ بمكونات الانسجام والتفاعل بين الشعوب السودانية بضع مسائل تتراكم معرفيا، وتتصل تراتبيا لتؤدي إلى الهدف المرموق؛ أولها مسألة التعرف على الآخر، فما زالت –على سبيل المثال- أصقاع السودان المختلفة وتاريخه الحافل مجهولا للكثيرين، بل ما زال المواطن في الشرق يجهل الكثير عن الغرب، والمواطن في الشمال يكاد لا يدرك أن في الجنوب ثقافة وحضارة لا يعلم عنها الأبجديات، ولكن الحديث عن تذليل العقبات في توثيق وحفظ التاريخ والتراث الشعبي طريق شاق لن نخوض غماره في هذه العُجالة. هذه جزئية مهمة و حيوية في معالجة مسألة الشعب المتجانس للأسف ، فإن النُخب المثقفة و المستنيرة إلى الآن لم تتقدم بأطروحات في هذا المنحى ، بل تقف مكتوفة الأيدي مستسلمة للمصير الذي ينجر إليه هذا الشعب الصامد جراء إنعدام التجانس دمتم |
الأعزاء الكرام
الشكر الجزيل لآرائكم التي أثرت كثيرا، وسأعود للإجابة التفصيلية غدا إن شاء الله. مودتي المقيمة |
أخي الفاضل
معتصم.. مواضيعك دوماً مهمة وتحتاج قراءة ثاقبة ونقاش مبني على فهم عالي المستوى.. وأعترف لست أهلاً إلا للمتابعة.. واصل |
اقتباس:
وعليها تنبني كل الحلول اللاحقة.. اقتباس:
ومن الذي يحدد زمان التوفر..؟؟ استاذ معتصم سلامات.. موضوع شيق وشائك.. متابعين. |
| الساعة الآن 06:05 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.