مـــحــرقة الحــراز
إهداء
إلى حافظ حسين و مهند الخطيب |
سأمزق أول الكتب التي قرأتها و أمسح من ذاكرتي كل المقولات الورقية... هذه التعقيدات التي وضعتها الكتب في مسيرتي يجب أن أزيلها إلى الأبد. سوف أتخلى أخيراً عن كل المبادئ الوهمية....سأقبرها بنفسي و لا أنتظر التاريخ يفعل ذلك...فكم من مقابر للفكر و المبادئ شيَدها التاريخ في ناصية من نواصي الوهم بعد أن لف حولها أكفانه و قرأ عليها تراتيل التهكم...
أنا بعد الآن لا أحتمل قهقهات التاريخ الساخرة ولا أنتظرها. سأجهر أمامه بالقول أنني سوف أمارس القتل العمد و أدفن كل ما بحوذتي من مبادئ و قضايا قبل أن يأتيها ملك الموت راكباً دراجة التاريخ النارية. سأحاول أن أنقذ ما تبقى من عمري و أقفز به خارج هذه المتاهة كي أتعاطى الحياة خارج هرطقات الكتب. هذه المبادئ التي أعتنقها لا تشكل شئ، هي محض بنزين أو وقود لدراجة التاريخ النارية، سيتحول يوماً ما إلى محض دخان بليد أو بخار بائس بعد أن يحرقه التاريخ في رحلته اللا نهائية...أما أنا فلا أحتمل أن أدخل "تانك" التاريخ الماكر. إذن سأمزق هذا الكتاب و أوجه ضربة قاضية للتاريخ قبل أن يدخل معي حلبة الصراع.. |
بهذا التهريج الصامت إذن تمخض القرار و قام إسماعيل فعلاً بتمزيق الكتاب الذي حصل عليه ذات صيف حين أتى إلى القرية مجموعة من الخواجات و معهم بعض السودانين الذين يجيدون الإنكليزية. كلهم يعملون لصالح منظمة تزعم أنها تهتم بالطفولة و تهيئة بيئة الطفل...
|
كان في إستقبالهم شيخ الحلة كعادة البرتكولات، و معه بعض الأعيان...
- نحن جينا هنا عشان نساعد أطفالكم _ قال أحد السودانين الذي يبدو أنه مترجماً - القال ليكم منو أطفالنا دايرين مساعدة؟، رد شيخ الحلة بعد نظرات مرتابة، و يبدو أنه عناد روتيني يمارسه شيخ الحلة دون فكرة معينة كي يثبت أن له مواقف، ثم يوافق أخيراً بعد أن يتأكد أن هذا الأمر أو ذاك يمر عبر بوابته لتأكيد سلطته لا غير. - هم ما محتاجين مساعدة لكن نحن عايزين نصلح الإنفايرومنت المحيطة بالطفل حتى تكون ملائمة لهم. - جيبو الفطور يا أولاد, نادى شيخ الحلة لمجوعة من الصبية الذين أتوا للفرجة، يبدو أن شيخ الحلة لم يفهم ما ذا تعني "الأنفايرومنت المحيطة" و أراد بحكاية الفطور أن ينصرف لموضوع آخر حتى لا يتسنى للحضور إكتشاف قلة فهمه، و هذا ربما سيساهم لاحقاً في موافقته على المشروع بشرط أن إسمه حاضر و الرجوع إليه لابد منه.. |
إنخرطت المنظمة على الفور في تدريب بعض الشباب على مهارات معينة في محاضرات بها الكثير من أوجه التبشير الثقافي...
كان إسماعيل أحد المتدربون، و أكثرهم جرأة على طرح الأسئلة، لذلك كان أمر بديهي أن يخلق صداقات مع وفد المنظمة و يجالسهم حتى خارج حجرات المحاضرات...كان إسماعيل شاب واعد، عالي البنية و عضلاته بارزة، في ملامحه من الوسامة ما يكفي لأن يكون محط أنظار حسناوات الحلة.... تم تدريب هذه المجموعة و تم تعيين شيخ الحلة مسئولاً أولاً عن متابعة مشاريع المنظمة في الحلة. و ذهب الوفد إلى قرية أخرى... عثر إسماعيل على مظروف تركوه عمداً أم من قبيل النسيان لا أدرى. أخذ إسماعيل هذا المظروف بعد أن أيقن أن به كنز ثمين، و خرج من القرية متخفياً يتلفت يميناً و يساراً. قطع مسافة 3 كيلو مترات تقريباً حتى وصل إلى عمق الخلاء. جلس بكنزه هذا تحت شجرة حراز ضخمة كانت أهم معلم في هذه الفيافي، يستظل بها الذين يأتون لجمع حطب الوقود، و يستظل تحتها التائهون الذين يضلون سبيلهم. جلس إسماعيل في ظل هذه الشجرة، و ألقى نظرات أخيرة يميناً و يساراً للإطمئنان أنه لوحده هنا... |
نعم فتح المظروف..كانت الشمس تنسحب نحو الغروب...إنه كتاب....أصيب بخيبة أمل طفيفة، سرعان ما تنجلي بحكم أن كل ما يأتي من هؤلاء البيض هو كنز في مخيلته...كتاب يتحدث عن الفلسفة اليونانية، الأخلاق الطبيعة...الميافيزيقيا..الله..الجمال..الدولة..الحا كم ...المحكوم..
لم يفهم إسماعيل الكثير من مصطلحات و مقولات هذا الكتاب، و لكنه أيقن أن هناك كتب مختلفة عن تلك التي يدرسونها لهم في المدرسة المتوسطة و أنه سيبحث عن هؤلاء الناس الذين تركوا هذا الكتاب كي يشرحوه له و يمدوه بمزيد من الكتب...كل الذي حدث له أنه أصبح لا يطيق كتب المدرسة الرتيبة، كتب الجغرافيا الساذجة التي تتحدث عن الإتجاهات ال 4 لطالب نضج تقريباً، و عن تعليب اللحوم في شيكاغو، و لا أدري أن المقصود تسليط الضو عليه هو التعليب أم اللحوم أم شيكاغو؛ و جميعها لا تقدم مادة جغرافية دسمة...أصبح لا يحب كتب التاريخ المشوهة. كتبت بعناية و إنتقائية و إحتفالية، و فقد التاريخ قيمته؛ فالتاريخ يجب أن ينقل كأحداث خام بعيداً عن الإحتفالية. أصبح إسماعيل لا يحب كتب الرياضيات و حساب المثلثات الغائب كلياً -عن الواقع المعاش. يذهب نهاراً إلى المدرسة و يعكف ليلاً على قراءة كتابه المختلف...أصبحت به رغبة كبيرة في إلتهام مزيداً من الكتب من هذه الشاكلة.. |
إحتفظ إسماعيل بهذا الكتاب إلى أن دخل الجامعة التي فيها تعرف على مجموعة من الشباب المنفتح على عالم الورق و الكتب...يتبادلون الكتب و يقيمون منتديات لنقاشها، كل يوم تتشكل لديهم قناعات جديدة..مع قراءة كل كتاب يعتنق إسماعيل قناعة جديدة و يعتريه شبق لمزيد من القناعات و تقوية الحجج. هذا العالم النظري ساحر و آسر.
- إنت يا إسماعيل مؤمن بوجود الله؟ سأله حسين عندما تبادلوا قراءة أحد كتب الفلاسفة الوجوديين - أنا إلى الآن مؤمن بوجود الله، و لكني في حوجة لقراءة مزيداً من الكتب في هذا المجال. حسين هذا تبنى فكرة الإلحاد أولاً إقتداءً بأحد الذين يعجبوه في تحليلاتهم و تنظيراتهم، ثم بدأ بعد ذلك في البحث عن مزيداً من الكتب التي تقوي حجته...و لكن التناقض كان واضح في ممارساته و حديثه..فهو مانفك يردد عبارات مثل إن شاء -الله،و بإذن الله، و الحمد لله عندما ينداح اللا شعور فارضاً سطوته العفوية...كثر هم الذين يحاولون زراعة الأفكار في سطح الذات و طبقاتها العليا التي يستطيع الفرد التحكم فيها بلسانه الواعي - إنت يا إسماعيل بتفضل الدولة الدينية ولا العلمانية..سأله عمر عندما أكملوا قراءة تنظيرات المودودي و أخرى لنصر حامد أبو زيد و فرج فودة.. الموضوع دا محتاج لقراءة مزيداً من الكتب...رد إسماعيل... - يا إسماعيل رأيك شنو في حقوق المرأة؟ - سأله طارق - صديق آخر ناشط في حقوق الإنسان و مهتم بالمواثيق الدولية التي فصلها ترزي بارع .. _ الفكرة جميلة، لكن محتاج لكتب في هذا الشأن. أما طارق هذا فهو الآخر يمزقه التناقض و يعصف به؛ ذهنه يغرد في وادي و وجدانه في وادي آخر...فهذا هو تناقض الذهن و الوجدان في السلوك...يتمشدق بحقوق المرأة نظرياً في المنابر و في حواراته السمجة العابرة، و تجده لا يكون مرتاحاً إذا ذهبت أخته للجامعة، و هذا ما حدث بالفعل، بل أكثر من ذلك إعترض بشدة على زواج أخته من حبيبها الذي تعرفت عليه في الجامعة، و كان مصر أن تتزوج من صديقه و إبن خاله، و هذا ما حدث بالفعل..... إذن واصل إسماعيل لهاثه وراء الكتب، ما أ ن يقتنع بنظرية حتى يجد أنها تم نقدها و نسفها. هذه الدوامة إستهلكت كل سنين دراسته و واصل بعد ذلك 3 سنوات يلهث وراء الكتب و يرتاد المنابر و حلقات النقاش مع أصدقائه... |
ما أن سمع بمعرض كتاب حتى ذهب إليه. و جد يوماً كتاب يتناول مفهوم الحداثة. تتغير قناعاته كل ما قرأ نظرية جديدة.
- حسناً سأشترى هذا الكتاب. هذا الكتاب يبدو أنه سيختصر علي كل شئ، لأنه من إسمه واضح إنه آخر ما توصل إليه الفكر، فهو حداثة من حديث. و هكذا إشترى إسماعيل هذا الكتاب...الذي يتحدث عن مفاهيم جديدة و ثورة على كل أشكال التفكير القديم....فصرخ صرخة تشبه صرخة أرخميدس... هذا جيد إذاً...قرأ إسماعيل كتابه هذا و إحتفل أيما إحتفال بأنه حصل أخيراً على خلاصة الفكر البشري، هذا قبل أن يصدمه أصدقاؤه بأن هناك تيارات ما بعد الحداثة، و ما بعد ما بعد الحداثة و نقدها، و نقد نقدها... تناقضات اليمين التي تصل في حدتها حد التكفير تتنازعه هي الأخرى ... حالة من اليأس و الحيرة تعتريه، فهو كظمآن يلاحق السراب في جوف صحراء واسعة ، أو كرضيع يحاول القبض على قطعة مطاط طرية و منتفخة... يحك رأسه مراراً و يتجمد تفكيره..... ذهب إلى غرفته في تلك الليلة بعد أن أيقن أن هذا بحر لا ساحل له. هذه خديعة يمارسها التاريخ. اناس يفنون عمرهم في الدفاع عن قناعات و مبادئ، ثم يأتي التاريخ يكشف أنها محض هراء ما كان يستحق هذه التضحيات....... يجب أن أخرج من دوامة الورق هذه و أذهب إلى حيث كنت...أتعاطى الحياة كما هي، كما وُجدت. بهذا العهد، نهض إسماعيل الذي كان يتصبب عرقاً على الرغم من برودة الطقس، و لكن يبدو أن هناك نار من نوع آخر تشتعل في مكان ما .. قام إسماعيل بتمزيق كتابه الأول و ما إمتلكه من كتب أخرى و إشعال النار عليها في محرقة كبرى...حزم حقيبته التي خلت هذه المرة من الكتب، و ذهب يودع أصدقاؤه ..حسين و عمر و آخرين.. - شباب مع السلامة أنا مسافر _ مسافر وين يا إسماعيل، أمبارح مش إتفقنا إن نفكك إتجاهات مدرسة فرانكفورت و نحلل كتاب صراع الحضارات، و نشوف المحمول الفكري في لوحات هارمنستون فان ريين؟ - فككوا براكم، أنا فترتْ - أما عمر الذي كان يطالع كتاباً لنيتشة، و ينتظره آخر ليورغن هابرماس إكتفى بالصمت لكون الوقت للقراءة فقط... |
و هكذا غادر إسماعيل العاصمة و ذهب إلى قريته. كل شئ كما كان...وصل في وقت قريب من الغروب... جسمه أصبح نحيلاً بسبب الافراط في شراب العرقي و القهوة المُرة....فقد بعض من ملامح الوسامة و أصبح غير مهتم بهندامه. يرتدى بنطلون جينز باهت اللون و تي شيرت متسخ..هذا المظهر ربما أراد به الإستدلال على أنه منهمك في أمور أخرى أكثر أهمية، و أن الهندام ليست من أولوياته لكونه أمور سطحية يستخدمها الشباب لسد ثغراتهم المعرفية...
اول شخص لمحه هو صغيرون رفيق الماعز، كان عائد للتو من الخلاء بعد جولة مع أغنامه على ضفاف خور أبو زنتر..لماذا لم أكن مثل هذا الصغيرون مرتاح من التعقيد و الجدالات العقيمة. فصيغرون رسمت ملامحه الطبيعة المحضة...يتعاطى الحياة كما هي، مخيلته خالية من هموم و حماقات الما وراء... لم يمهل تجربته حق النضج و التنوع و مفاجآت الطريق المرسوم بفعل بشري، إختار و هو في سن السابعة أن يكون صديقاً للأشجار و رفيقاً للماعز. قدر الجغرافيا أن ينشأ صغيرون في هذه القرية النائية البسيطة...محيطها لا يتعدى أشجار موسمية كلها صغيرة الحجم فيما عدا شجرة الحراز المعروفة على بعد 3 كيلو مترات من القرية..قرية نظامها الإجتماعي تشكل عفواً بعيداً عن النظريات المعقدة، تحرسه قيم و أعراف و قوانين تشكلت خارج نطاق الكتب. |
لماذا لم أكن مثل صغيرون؟ ما زال إسماعيل يكرر، سأحاول - أردف ..
وصل إلى بيتهم يعانق الجميع و يحاول أن يتذكر بعض العبارات من تراثهم الشفاهي كي يستطيع التواصل مع الناس.... 3 أيام مرت على إسماعيل منذ رجوعه إلى قريته ذات قرار....يذهب صباح كل يوم إلى ديوان شيخ الحلة الذي يتجمع فيه عدد كبير من الناس لتناول وجبة الفطور، و يتحدثون في أمور بسيطة لا تتعدى بعض التعليقات على إقتراب الموسم الزراعي و نفاد المطامير...حاول إسماعيل مراراً التأقلم و الإندماج، و لكنه فشل ؛ فذهنه تعود على أمور أكثر تعقيداً. تطارده صور الفلاسفة و المفكرين و واضعو النظريات كل ما خلا لنفسه. يردد في منامه أسماء مثل ماركس، المودودي، نيتشة، حسن البنا، روسو و غيرهم. أو هكذا، لا يستطيع الفرد إعادة صياغة إهتماماته بقرار..فهذه الهستيريا لا تورث محطات المغادرة إلا مزيداً من البريق، و لا نقاط الوصول المستهدفة إلا مزيداً من العناد و الصد و المواربة...لا يجدي تمزيق الكتب و حرقها؛ فهي غادرت مسكنها الورقي و تسربت لخلايا الدماغ و طبقات الشعور. |
فكر أن يذهب إلى شجرة الحراز التي قرأ تحتها الكتاب الأول عله يجد أثراً أو بعضاً من شخصيته قبل قراءة الكتاب. هذه محض نوستالجيا تطارد الفرد دوماً إثر هزائم الراهن و لعناته....
صحى من نومه فجراً بعد ليلة تخللتها أحلام متنوعة، طاف فيها على معارض الكتب، جدالات المنابر و البحث عن قناعة راسخة في مستنقع رمال متحركة. الماركسية، الليبرالية، الثيوقراطية، العلمانية، الإشتراكية...الوجودية...البراغماتية...المثالية..ال مادية..الحداثة..ما بعد الحداثة..ما بعد ما بعد الحداثة...طاف على كل هذا في أحلامه. دخن سيجارة الصباح و ذهب إلى شجرة الحراز، لا يحمل كنزاً هذه المرة، ولا يتلفت خوفاً من المارة....وجدها قويت فروعها و إزدادت متانة ...خلع سرواله الطويل الذي يرتدي تحته المايوه الصغير عندما كان على بعد خمسة أمتار من شجرة الحراز....تسلق فروعها المتينة... في وقت قريب من الغروب " الوقت الذي قرأ فيه الكتاب الأول" ربط طرف سرواله في أكثر الفروع متانة و طرفه الآخر في عنقه و حاول السقوط....إنفرط السروال في عنقه و أسلم روحه إلى بارئها |
......
|
|
المحبة يا خالا هي التي تدفعني الى الدخول اليك قبل المهديّ اليهما :)
-- كل ذلك لأقول أنني أقرأ متحفزاً ومنتظراً أن يأتيني جهد "اسماعيل" المعرفي اضافة أخرى للوراقين يتخذ جانباً شرقياً أم غربياً لا أبالي ، فقط كنت أنتظر منه الكثير غير أن الراوي حضرت في ذهنه التضحية الكبرى لإسماعيل آخر فكان "اسماعيلنا" ذبيحاً بسراوله على شجرة الحراز. ليته أبقى على حياته بعضاً من الوقت. لك مودتي |
ويسلم لي خال فاطنة ......
وكما الكانديك مررت قبل المهدي اليهما* أعجبتني القصة ككل ، واستمتعت بالحوارات الداخلية والخارجية منها لكن -صراحة- لم تعجبني النهاية كنت وأنا أقرأ أتلهف لمعرفة النهاية وأتمنى أن يخذلني الكاتب بأن لا تكون النهاية إما جنون إسماعيل أو إنتحاره.......................ولم بالرغم أن هذا الأمر -بالتأكيد- لا ينفي جمال العمل ككل غير أننا وكما شخصّنا الداء نحتاج دوماً للحلول-لا الهرب- حتى وإن كانت هذه الحلول.....أضعف الإيمان شكراً يا خال وبانتظار المزيد ________________________ * علييييييييييك النبي في زول عاااااااااااااقل بيجيب جوز اللوز دة في محل واحد؟؟؟؟؟ وشنو؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ إهداء!!!!!!!!!!! قال بني آدم قال ياخ إنت كمان ما تبالغ:mad: |
| الساعة الآن 12:28 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.