سلسلة (مولد النور) كاملة 4/4
4/1
(لماذا ولد الحبيب يتيم الأب) تألق الكون بالبشرى على ظمأ بمولد النور فانجابت به الظلم. غنت بمكة أطيار الهدى طربا يردد السجع فيها البان والعلم. إنه النور الذي أخبر به ربنا جل في علاه حيث قال الله تعالى: {...قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} المائدة 15 ،16 لقد أطلق الله سبحانه تعالى النور في كتابه الكريم على نفسه، وعلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى القرآن، وعلى الهداية والايمان، وأطلقه على الأكوان. وقد صف الله سبحانه القمر فقال {قمرًا منيرًا}، وحين وصف الشمس قال {سراجًا وهاجًا}، أما حين وصف الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {وداعيًا إلى اللهِ بإذنه وسراجًا مُنيرًا}!، لقد جمع له الله تعالى بين الوصفين ليكتمل الجمال بالجلال، وليلتحم الضياء بالنور فيشرق للعالم كله... ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم نور ليس في ذاته، ووصف الله له بالنور يعني نور الهداية لا أنه خلق من نور كما ورد في بعض الأحاديث، وهي (كلها) اما موضوعة او ضعيفة. قال الله تعالى : {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} الكهف110. وما أكثر مناقب نبينا صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما نبي يومئذ من آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر). أخرجه مسلم. كما أخبرنا أيضا صلى الله عليه وسلم (بأنه أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأول نبي يقضى بين أمته يوم القيامة، وأولهم جوازا على الصراط بأمته، وأول من يدخل الجنة بأمته، وهو الذي يشفع في رفع درجات أقوام في الجنة لا تبلغها أعمالهم، ويشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار فيخرجهم منها). نبيّ بهذه الصفات وبذه المنزلة ، ينشغل الناس بالاختلاف حول كون الاحتفال بمولده بدعة أو لا، والاحتفاء الحقيقي حري به أن يكون بالمنهج الذي أتى به وهو الذي أسماه الله نورا، وهناك ما هو أخطر من الخلاف حول الاحتفال بالمولد ، انها الرؤية السائدة التي تخرج الرسول الكريم عن أعظم ما فيه، وهو فعله كل ما فعل (بجهد بشري) استحق التأييد الإلهي ليكون القدوة التي يقتدي بها كل مسلم، عوضا عن رجل خارق لن يفكر أو يستطيع أحد الاقتداء به، فلم تنطفئ نار المجوس بمولده عليه الصلاة والسلام، ولم ينشق إيوان كسرى، ولا حتى انتكست الأصنام، كل الاقوال التي حكت عن ذلك لم تثبت، وكل ما قيل بأنها أحاديث لم تتجاوز مرتبة الضعف أو الوضع. ولنعلم أن كل المعجزات التي ذكرت قد حدثت بالفعل لاحقاً نتاجا لسيرة حياته الشريفة والمليئة بالجهد والعمل والفعل، نعم لقد أنطفأت نار المجوس، وشقَّ إيوان كسرى، وانتكست الأصنام على يديه، ولكن لم يحدث ذلك بمولده صلى الله عليه وآله وسلم، بل من خلال حياته الذاخرة وسيرته العطرة التي ينبغي لنا الانكباب عليها بمحبة واجلال لنسبر غورها ونتعلم منها الكثير. فهل سألنا أنفسنا يوما: لماذا ولد نبينا صلى الله عليه وسلم يتيم الأب؟! ظللت أسائل نفسي زمانا عن الحكمة في أن يولد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فاقداً لحنان الأب وصحبته! وتساؤلي ليس من باب التحرج من قضاء لله سبق، لا والله، إن الله يأمرنا بأن لايكون في أنفسنا حرج من قضاء له، وقضاء الله كله خير وان بدا لنا ظاهره بغير ذلك أحيانا. إذاً، لماذا حُرِم الحبيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم من نعمة التمتع بحنان الأبوة؟! لقد بحثت عن الحكمة في ذلك في جل كتب السيرة -إن لم يكن كلها- بدءا من سيرة إبن هشام، فلم أجد فيها بغيتي، ونحوت إلى الذهبي، وكذلك إبن كثير، فلم أجد لديهما مايجيب على تساؤلي، ثم عرّجت إلى كتابات الغزالي الصغير، والبوطي، والغضبان، والسباعي، والصلاّتي، ثم المباركفوري في الرحيق المختوم، فلم أجد ضالتي لديهم جميعا رحمهم الله... ولكن قدّر لي بأن أتلّمس خلال استماعي إلى الراحل الشعرواي رحمه الله خيطا أفضى بي الى رؤيتي هذه ومفادها الآتي: الأب -دوما- هو المشكِّلُ لوجدان ابنه فكريا وثقافيا ودينيا، وذاك أمر تسنده الكثير من الأحاديث الشريفة والأقوال والأمثال: 1- حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حدثنا آدم حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء). 2- بيت الشعر القائل: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوّده أبوه 3- المقولة: من شابه أباه فما ظلم. تلك أمثلة، وهناك الكثير من الأقوال والأمثال الأخرى التي تتحدث عن ذلك... وإذا بي أجد ملمحا من ذلك في قصص كل من قرأت قصصهم من الأنبياء والرسل! فلم يتحدث القرآن عن رفقة للرسل والأنبياء لآباء لهم لم يكونوا على دينهم، إلا في حالة إبراهيم عليه السلام، لكنني ركنت إلى ترجيح الشيخ الشعراوي بأن آزر كان عمه وليس والده بمبررات مقنعة جدا. وعندما تزوج عبدالله بن عبدالمطلب -والد نبينا- من آمنة بنت وهب- والدة نبينا- ما كان الإسلام قد تنزل بعد، أي أن الوالدان لم يكونا مسلمين، فإن كان قُدِّرَ لنبينا أن يولد في كنف أبيه عبدالله حينها؛ لتأثر -من خلال النشأة في كنفه- بالكثير من رواسب الفكر والثقافة والدين مما كان يسود في مجتمع قريش، ولم يقتصر الأمر على حرمان نبينا لأبيه، إنما كان قدر ربنا أن لايعيش المصطفى عليه صلوات الله وسلامه -أيضا- في كنف أمه كثيرا! فقد أخذته حليمة السعدية، وظل معها إلى أن بلغ السادسة ويرعى الغنم في مضارب بني سعد، والبادية -دوما- تكون أقرب الى الفطرة منها عن الحواضر، وقد قدّر الله بأن (تتأبّى) حليمة -التي أحبت رضيعها الذي وجدت (فيه ومنه) الكثير من البركات من أن تعيده الى أمه آمنة التي طلبت إرجاعه إليها مرارا؛ فإذا بحليمة تقنعها بأفضلية نشأة الصبي لديها حرصا على صحته وعافيته، فما يكون من آمنة الاّ القبول بحجج حليمة!. وخيط شيخنا الشعراوي رحمه الله الذي ذكرته سابقا، كان في سياق بعض خواطره خلال تفسيره لآية في سورة العنكبوت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}. قال الشعراوي رحمه الله: القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل فيها نزل مقرونا باسم الله سبحانه وتعالى ـ ولذلك حينما نتلوه فإننا نبدأ نفس البداية التي أرادها الله تبارك وتعالى ـ وهي أن تكون البداية بسم الله. وأول الكلمات التي نطق بها الوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم كانت {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ}. وهكذا كانت بداية نزول القرآن الكريم ليمارس مهمته في الكون.. هي بسم الله. ونحن الآن حينما نقرأ القرآن نبدأ نفس البداية. ولقد كان محمد عليه الصلاة والسلام في غار حراء حينما جاءه جبريل وكان أول لقاء بين الملك الذي يحمل الوحي بالقرآن وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الحق تبارك وتعالى: {ٱقْرَأْ}.واقرأ تتطلب أن يكون الإنسان إما حافظا لشيء يحفظه، أو أمامه شيء مكتوب ليقرأه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حافظا لشيء يقرؤه، وما كان أمامه كتاب ليقرأ منه، وحتى لو كان أمامه كتاب فهو أميّ لا يقرأ ولا يكتب. نقول إن الله تبارك وتعالى كان يتحدث بقدراته التي تقول للشيء كن فيكون، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحدث ببشريته التي تقول إنه لا يستطيع أن يقرأ كلمة واحدة، ولكن قدرة الله هي التي ستأخذ هذا النبي الذي لا يقرأ ولا يكتب لتجعله معلما للبشرية كلها إلى يوم القيامة، لأن كل البشر يعلمهم بشر، ولكن محمد صلى الله عليه وسلم سيعلمه الله سبحانه وتعالى ليكون معلما لأكبر علماء البشر يأخذون عنه العلم والمعرفة. إنتهى قول الشيخ الشعراوي رحمه الله. وقول الشيخ تعني أن أمية نبينا صلوات الله وسلامه عليه وآله تشي بصحيفة بيضاء ووجدان لم تسوّد نقاء فطرته أخلاط لأفكار وثقافات تتخللها الاعتقادات الوثنية وكتابات أحبار ورهبان اليهودية والنصرانية المحرفة حينذاك، هذا الذي ساقني إلى التفكير في بصمات وآثار كان يمكنها تشكيل وجدان نبينا إن قُدّر له صلى الله عليه وسلم صحبة والده الراحل عبدالله بن عبدالمطلب، لذلك كان قدر الله أن يبقى وجدان نبينا -منذ ميلاده- (نقيا) مكلوءا بعين الله ورعايته، ووالداه كما يجمع العلماء هما من أهل الفترة، (واهل الفترة هم الذين لم يبعث إليهم رسول ولا نبي، ولم يتبعوا أحد الأديان السماوية السابقة)، وهما بعدل الله ورحمته في الجنة ان شاء الله كما قال بعض العلماء، وان كان هناك من احتج بالحديث الذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن والده (ان أبيك ؤأبي في النار، وكذلك الحديث الذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم عن أمه (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، واسْتَأْذَنْتُهُ أنْ أزُورَ قَبْرَها فأذِنَ لِي)، إلا إن عدد من أهل العلم ردوا الحديثين، ومنهم جلال الدين السيوطى الذى ألف ثلاث رسائل فى رد الحديثين كان أشهرها رسالة (التعظيم والمنة فى أن أبوى رسول الله فى الجنة)، ومنهم القاضى ابن العربى تلميذ مالك (وليس ابن عربي الصوفي)، حيث قال بجرأة عندما سُئِل عمن يقول إن أبوى النبى فى النار قال: «ملعون من قال ذلك». والذي أراه أن الله تعالى لقدر نبينا عنده ولرحمة الله وكونه تعالى رؤوف رحيم؛ سيجبر قلب نبينا بجعل ابوي نبينا في الجنة، ولكن نبينا التزم بظاهر احكام الاسلام على من لم يسلم فأبان لنا مايرتهن بذلك والله أعلم. والشاهد هنا ان الذي لم تصله دعوة الاسلام ومافيها من مفاهيم وتعاليم؛ يبقى لوجدانه وصل بما حوله من مفاهيم سائدة تشكل افكاره وترسخ يقينياته وان عصمه الله من عبادة الأوثان، وقد عرفت قريش وتبينت بأن الاسلام أتى بجماع مفاهيم تخالف جل ما يسود فيهم ان لم تكن كلها، وان كان الاسلام -حينها- خاليا من الشعائر التعبدية كلها، حيث لم تفرض الصلاة إلا قبل هجرة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بعام ونصف، بينما فرضت بقية الشعائر من صوم وحج بعد الهجرة الشريفة بسنوات، وهنا أيضا يمكن الرد على اليسار من شيوعيين وبعثيين ممن يتحدثون للناس بأن الاسلام ليس سوى (علاقة شخصية) بين العبد وربه ليغزلوه في الخلاوي والمساجد وصدور الناس لتخلو لهم الدولة ليطبقوا فيها رؤى ماركس ولينين في الاقتصاد والسياسة ورؤى ميشيل عفلق في الاجتماع. وشاء الله أن يفقد نبينا اباه قبل ولادته لكي لايكون لمشاعر البنوة في وجدان نبينا بصمة وتأثير، وكذلك شاء الله تعالى بأن ترضعه حليمة السعدية وهي من قبيلة بني سعد البكرية الهوزانية العدنانية الأصل، وهي قبيلة استوطنت منطقة الشوحطة جنوب مدينة الطائف، واشتهرت القبيلة بفصاحة أهلها، وقال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك (من أين يأتيني اللحن وأنا من قريش ونشأت في بني سعد بن بكر)، فأرضعته حليمة السعدية لعامين، ثم اعادته إلى امه آمنة بعد انقضاء أجل الرضاعة المعلوم وهي تمني النفس بأن تعيده أمه إليها، فإذا بها تعيده إليها خشية من حمى كانت سائدة في مكة، ليبقي الحبيب في دار سعد حتى بلغ السادسة، وخلال ذلك حدثت له قصة شق الصدر التي سنتحدث عنها لاحقا ان شاء الله، وبذلك قدر لنبينا صلى الله عليه وسلم أن ينشأ بعيدا عن تأثير ابويه. صلى عليك الله يا نبي الهدى ماهبت النسائم وماناحت على الأيك الحمائم. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبدالله و آله كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. (في المقال التالي، سنتحدث ان شاء الله عن وفاة أمه وهو ابن ست سنوات). [email protected] 4/2 (وفاة أمه آمنة بنت وهب، وهو ابن ست سنوات). عادل عسوم كنت ارغب في جعل الجزء الثاني من مقالي هذا عن حادثة شق صدره الشريف، اذ في ذلك التزام بالتسلسل التأريخي لحياة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، لكنني -ولسبق الإعلان- ثم للأثر الذي تتركه وفاة الأمهات، فقد ارتأيت اسباق الحديث عن وفاة أمه، وسيكون الجزء الثالث بحول الله عن حادثة شق صدره الشريف، وللعلم فإنني حرصت بأن أعتمد دوما على (الأرجح) من الأقوال خلال سردي لأحداث سيرة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، كما ألفت النظر بأن السياق (الحواري) بين الأم وابنها في هذا الجزء من المقال نتاج لقراءاتي المتواصلة لسيرة الحبيب منذ صغري، وهو أيضا استصحاب ل(رؤيا منامية) عرضت لي في العام الأول من قدومي إلى مكة المكرمة مقبولا للدراسة في جامعة أم القرى، وهي سني عمر بمثابة الربيع من الزمان، فما أن وصلت حتى سألت عن مكان البيت الذي ولد فيه الحبيب محمد صلوات الله وسلامه عليه وآله، وسألت أيضا عن كل الأماكن التي تشرفت بحراك الحبيب، كدار الأرقم بن الأرقم، ومسجد الجن، ومكان الحائط الذي استند عليه الحبيب فدعى الله بعيد عودته من رحلة الطائف الحزينة، وكذلك غار حراء، وسواه من البقاع التي حفلت بنوره صلى الله عليه وآله وسلم. وعلمت بأن مكان ولادته صلى الله عليه وآله وسلم يقع شرق مبنى المسجد الحرام على شارع الغزة، وقد اقيم مكانه مبنى المكتبة العامة، ذهبت إلى المكان راجلا بعد أدائي لصلاة الجمعة في المسجد الحرام، فوجدت باب المكتبة مغلقا، وعكفت ادور حولها وبرد شتاء مكة يفعل بي الأفاعيل، ثم عدت إلى المدخل وجلست على جانب منه داخل انحناءة في الحائط لايصلها تيار الهواء، وإذا بي أخلد إلى نومة لم افيق منها إلا بقرع صوت اذان العصر، وعندما نهضت تذكرت تفاصيل رؤيا منامية بدت لي كفلق الصباح!، رأيت الحبيب وهو ابن ست سنوات، ورأيت أمه آمنة، ووقرت في اذني وذاكرتي كلمات (الحوار) الذي دار بين الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم وأمه آمنة، ولم تزل سيماء نبينا في ذاكرتي وهو طفل عليه مايشبه (العراقي) القطني الذي اعتدنا لبسه في السودان، وشعره يغطي جبهته العريضة، وعينيه مغرورقتان بالدموع، وبجانبه أمه آمنة وعليها مايشبه العباءة، لكنها بلون ابيض وعليها مايشبه النقوش بلون أزرق غامق. وتفيد أرجح الأقوال بأن عمر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كان ست سنوات عندما توفيت أمه آمنة، وابن الست سنوات كما يقول علماء التربية يكون مدركا لكل ماحوله، اذ فيه تظهر بدايات تعلم التفكير المنطقى الأوسع، ويتضح فيه تطور النمو العقلى، وفيه يسعى الطفل إلى سبر من هم حوله، ويسعى إلى تكوين الأصدقاء، ويكون تلمسه لمشاعر الأبوين والاخوال والاعمام انضج، وتتسم هذه المرحلة بالخيال المتسع. وهكذا كان الحبيب، غض الاهاب، يتيم الأب. أرسلت آمنة إلى حليمة السعدية تطلب منها الاتيان بمحمد لكونها تزمع الذهاب به إلى اخوتها في يثرب، فوجد ذلك قبولا من الحبيب، فجاء في معية حليمة مشتاقا إلى أمه التي ولدته، أتى وقد كبر واستوعب يتمه لفقده أبيه وهو في بطنها، وأتى مشتاقا إلى عوالم الحياة داخل مكة لعلها تعوضه بعضا من قساوة حياة البادية التي أمضى فيها سنيّه الست، فكان حاله حال القادم من الريف إلى المدينة. ضمته أمه آمنة إلى صدرها بمحبة وشوق، ونظرت في عينيه الملأى حزنا وقالت: بأبي أنت وأمي يافلذة كبدي يامحمد، ما كان لي أن أفارقك وقد رحل عنا أباك عبدالله من قبل أن تكتحل عيناك بنور الدنيا، قالت ذلك ودست أنفها في شعره تستروح أنسام زوجها الراحل، زوجها الذي لم تعش معه سوى أيام عشر كما تفيد أرجح الأقوال، لكنها كانت تكفي لأن يملأ حبه قلبها بحيث لا يدع مكانا لحب رجل آخر، فلم تتزوج آمنة من بعد عبدالله!. هاجت أشجان آمنة ومحمد بين ذراعيها، ووجه أبيه يحوّم حولهما في فضاء غرفة اعتدت الذهاب إلى مكانها خلال الأمسيات، حيث حلت مكان البيت مكتبة مكة العامة، وكنت احرص على الذهاب إلى تلك المكتبة بالرغم من اعتياد جل زملائي من الطلبة السودانيين -ان لم يكن كلهم- إلى مكتبة ابن باز المجاورة للحرم، كنت آنس حقا عندما أكون في ذاك الموضع، حيث يتملكني احساس بأنني استوعب بل احفظ كل مافي المراجع التي اتخيرها من تلك المكتبة، ولم يداخلني الشك البتة بأن بركة المكان وأنواره قد حلت في الأرجاء، وإلى أن يرث الله الأرض وما عليها!. رحلت آمنة بخيالها إلى البعيد، ويومها كانت فتاة يتمناها كل شاب من مكة زوجا، وعبد الله كان أوسمهم وأجلّهم حسبا وأكثرهم فراسة، كيف لا وهو الذي افتداه اباه عبدالمطلب من الذبح بحُمُر النعم عندما اشارت إليه الأقداح ليكون الذبيح، وكم فرحت آمنة عندما جاءها أباها (وهب) يزف إليها طلب يدها من عبد المطلب لتكون زوجا لابنه عبدالله، وسعادة آمنة كانت عشم ومنى العديد من فتيات مكة بأن يتقدم عبد الله إلى واحدة منهن، وفي مقدمة أولئك شقيقة ورقة بن نوفل التي خطبته لنفسها يوما فتأبّى عليها عبد الله، وعندما مازحها صباح اليوم الذي تزوج فيه من آمنة قائلا: ألم تكوني يابنت نوفل تودّين الزواج مني؟ قالت: “فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة”. لقد رأت من قبل في اهابه نورا، لكن النور اختفى بعد أن تزوج من آمنة! والقصة وردت في كل كتب السيرة ودلائل النبوة، وان كان البعض يضعفها. لعمري انه النور الذي تخلل جسدها طوال فترة حملها لابنها محمد، وهاهي ترى ذات النور وتتلمسه بيديها وتتحسسه بكل حواسها في جسده الشريف، إنه طفل تفوق وسامته وسامة أبيه، لقد ورث عنه ذات العينين الواسعتين، وان أشرب بياضهما بشيء من حمرة، وورث ذات شعر أبيه الذي يضرب على منكبيه، وورث ذات الوجه المستدير الأبيض المشرب بحمرة. أجهشت آمنة بالبكاء، فتساقطت دموعها على وجه الحبيب وجعلت تلوم نفسها وتقول: ما كان لي أن أدعك تعيش قساوة حياة البادية ياحبيبي يامحمد، لقد كان عليّ أن أبقيك معي ولا أركن إلى تقاليد قريش كي أعوضك بحناني عن حنان ابيك الذي لم تره، فنظر إليها بعينين محبتين وهو بين ذراعيها وقال بلغته الفصيحة التي تعلمها في ديار بني سعد: لا عليك يا أماه، انه قدر الله، وقدره كله خير، البادية وهبتني الكثير الذي يزين رجولتي عندما أشبُّ، وهاهم الناس كما ترينهم لا يصدقون كوني ابن ست واني لكذلك، وها أنا اقارع من لهم فوت علي عمرا وعلما فافوقهم لغة ومنطقا وحجة، وها أنا بحمد الله صحيح معافى لا تعضلني سقام مكة كسواي ممّن نشأ فيها. فضمته أكثر إلى صدرها وجعلت تمطر وجهه الشريف بقبلاتها، ويا للاحساس الجميل حينما يتلمس الوالدان نجابةَ ولد لهما، وقد صدق الشاعر حين قال: نعم الاله على العبادة كثيرة وأجلهن نجابة الأبناء. نظرت آمنة لابنها وقالت: يامحمد ياصغيري، اني عليك راضية فارض عني، فما كان من محمد الاّ أن وضع يديه الصغيرين على خدّي أمه وقبلها على جبينها وأومأ برأسه، ثم وضع رأسه في حضن أمه وناما. ويالجمال الدنيا في أحضان الوالدة، أحس الحبيب بدفئ أنفاس أمه بين بصيلات شعر رأسه، وكانت يداها تتشبثان به في حنان وكأنها تود استعاضة كل سني البعاد، فمال برأسه قليلا إلى الخلف ليتمكن من رؤية وجهها الجميل، فما كان منها الاّ أن ازدادت به تشبثا وهي نائمة، ولعلها كانت تحس بقرب دنو أجلها ياأحباب… وشقشقت عصفورة مؤذنة بطلوع الفجر، فانتفض الصبي محمد وانسل برفق من تحت الغطاء، فهو لم يعتد نوما من بعد طلوع الفجر في بادية بني سعد. وجلس محمد يسترجع رؤية رآها خلال نومه، ونظر الى وجه أمه من بعيد وهي نائمة فتحدرت من عينيه الدموع، فالرؤيا التي رآها تفيد بأن أمه في طريقها إلى مبارحة الدنيا خلال ايام، فخرج إلى ساحة الدار وجلس يبكي ماشاء له الله من بكاء، انه اليتيم الذي لم ير اباه، وعندما قدّر له أن يعود إلى أمه هاهي تزمع الرحيل الى حيث رحل والده… فداك ابي وأمي ونفسي يارسول الله، ها أنت تقاسي كل ذلك ولم يتجاوز عمرك من السنين ستّا! مسح محمد دموعه بكم قميصه وغسل وجهه ثم انتحى جانبا قصيا من الدار وجلس يناجي ربه: رباه، يا قيوم السموات والأرض، يامن خلقتني من العدم، ثم نفخت فيّ من روحك العليّة، وكلأتني بعينك التي لاتنام في بادية بني سعد، أدعوك باسمائك الحسنى وصفاتك العُلى أن تلطف بأمي يالطيف. وتصحو أمه آمنة فيسمع صوتها وهي تناديه: – يامحمد، يامحمد. أين أنت يافلذة كبدي. – أنا هنا ياأماه. فتأتيه وقد أحست وهي الأم بما يكتنفه من حزن. – قل لي يابني ماذا يحزنك فانني لا أحتمل أن اراك حزينا، فينظر في وجهها وأوشك أن يحكي لها عن الرؤيا التي رآها، لكنه آثر السكوت وهو يعلم أن الأولى بالرؤيا ان كانت حزينة أن لايخبر بها أحدا، فقال لأمه: – لا عليك ياأماه، مابي الاّ الشوق اليك، فضمته إليها وهي تقول: – وكيف لأم مثلي ليس لها في الدنيا سواك يابني؟. وآمنة كانت قد عقدت العزم بأن تذهب بابنها لزيارة قبر أبيه، ثم ليقضيا زمانا عند أخواله المقيمين في يثرب، فأخبرته بذلك قائلة بأن أخواله في شوق شديد لرؤياه، فيهز الحبيب رأسه بحزن وينطلق إلى حيث الراحلة، انطلق وهو موقن بأنها الصحبة الأولى والأخيرة مع أمه. ويصل الحبيب وأمه إلى حيث قبر والده عبدالله، فتجثو آمنة على ركبتيها لتبلل حافة القبر بدموعها وتخاطب صاحب القبر قائلة: يا ابامحمد، ها هو أبننا قد شبّ واضحى قرة عين ياعبدالله، ليتك كنت بيننا لتملأ عينيك من جمال اهابه وحسن سمته ونبل طبعه، انه يحمل عنك الكثير ياعبد الله، ثم إنه أوتي جوامع الكلم. ثم جففت أدمعها وقالت: كم اشتاقك يا ابامحمد، لقد عاهدت نفسي بأن لا أتبعّل لرجل من بعدك إلى أن التقيك هناك في السماء ياعبدالله. فدمعت عينا الحبيب وهو يستمع إلى بوح أمه ومناجاتها لأبيه، فاقترب منها وقال: – لا تقسي على نفسك ياأماه، ثم أناخا بعيرهما وانطلقا صوب يثرب، وبقي محمدٌ يرمق أمه من طرف خفي ويحدّث نفسه قائلا: كم أنت عظيمة ياأماه، ما أنقى وأنبل الحب الذي خامر فؤادك تجاه أبي ياأيتها الطاهرة، لان كانت الأيام التي عاشها معك أبي معدودة لم تزد عن العشر تذكي مثل هذا الحب الكبير؛ كيف ان كان عاش معك السنوات الطوال؟! ورفع وجهه الى السماء يناجي ربه: ربّاه لك الحمد والشكر بأن جعلتني أبنا لهذه الأم النبيلة. وتبقى أنظار محمد معلقة بأمه يحصي كل حراكها وسكناتها اذ يعلم يقينا قرب أفول نجمها عن حياته، ويصل الركب إلى يثرب، وكانت المرة الأولى التي يرى فيها أخواله، والأخوال دوما أرق قلبا وأذخر حنانا، لقد تعهدوه وافاضوا عليه من الحب الكثير، فتمنى لو أنه عاش بقية عمره بينهم، لكن شئ ما كان يشده إلى مكة، قلبه يقول له بأن الله يدّخر له شيئا عظيما هناك. وتبدأ صحة أمه تعتل منذ وصولها إلى يثرب يوما بعد يوم، فلا يملك أخواله الاّ استعجالها للعودة إلى مكة حسبانا منهم بأنها حمى يثرب، وتتحرك القافلة وفيها اثنان من الأخوال وآمنة وبصحبتها الحبيب محمد، ويقول أحد أخويها: لعلك ياآمنة تتعافين عندما نبارح يثرب وتتنسمين هواء مكة الجاف، فقد اصابتك حمى يثرب، لكن تسوء حال آمنة كلما تقدمت القافلة، وعند وصولهم إلى بقعة بين يثرب ومكة تسمى الأبواء، تطلب منهم آمنة أن ينيخو ناقتها لترتاح قليلا، وهنا أيقن محمد بأنها ساعة الفراق. أنزلها أخواها وهادوها بينهم إلى ظل شجرة لترتاح قليلا، فاسندت ظهرها إلى جذع الشجرة ونادت فلذة كبدها محمد فجاءها الحبيب، وإذا بدموعها تبلل جبينه ووجنتيه، وأحس بجسدها يصطلي بحرارة الحمى، ثم بدأت تبرد رويدا رويدا، وبقيت تقبل وجه ابنها وكتفه ويديه وهو يقبلها، ثم رفعت رأسها إلى أخويها وقالت: أوصلوا محمدا إلى جده عبدالمطلب، فهو ارأف الناس به، ودمعت عينا الحبيب وهو يرى مدى حرصها عليه وهي في ساعة نزعها، وظل خالاه يهدآن من روعها ويقولان: ستصلين باذن الرب سالمة معافاة إلى مكة ياآمنة، فترد آمنة: – لا ياأخواي، اني اراني أتخفف من دنياي، ويعلو صدرها ويهبط وهي تغالب أنفاسها، فيسند الحبيب راسها بيديه الصغيرتين عساه يخفف عنها، وتبقى نظراتها الملأى شفقة وحنانا تتخلل وجه محمد إلى أن اسلمت الروح. أغمض الحبيب عينيها بيديه وقال لأخواله: – أنها رحلت إلى السماء يا أخوالي، فيحتضنه أحدهما وهو يقول باكيا: – بورك فيك ياابن أختي، انك رجل في اهاب طفل ورب الكعبة… واحتبست الدموع في عيني محمد، إن حزنه عليها كبير، ولولا أن مهدت الرؤيا المنامية لهذا الموقف الحزين لانكسر قلبه الصغير وهو الطفل الذي لم يتعدى عمره السادسة، فلعمري إن مشهد أحد الأقرياء يفارق الدنيا أمام ناظري طفل في مثل عمره لهو مؤلمة، فكيف ان كان ذاك الحبيب أمّا؟!!!. وكذلك انتهى هذا الجزء من المقال. [email protected] مولد النور 4/3 عادل عسوم (فهم مغاير لحادثة شق صدر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم). عادل عسوم إن حادثة شق الصدر التي وقعت لنبينا صلى الله عليه وسلم خلال طفولته لقصة حقيقية وردت في القرآن الكريم وفي الصحاح من أحاديث نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، فقد صحت الروايات بأن الحبيب صلوات الله وسلامه عليه شُقّ صدره، والأدلة على ذلك ثابتة. ومسرح الحادثة مضارب بني سعد في صحراء الجزيرة العربية، لنقرأ سياق القصة كما أوردها مسلم رحمه الله في صحيحه: عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل علية السلام وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه عليه الصلاة السلام فشق قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة فقال: هذه حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه- يعني ظئره- فقالوا إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو ممتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره). انتهى. لقد أجمع كتاب وشراح السيرة النبوية الشريفة بأن حادثة شق صدر نبينا محمد صلى الله عليه وٱله وسلم من ارهاصات النبوة، وقد قالوا بأن حادثة الشق تدل على تطهيره من حظ الشيطان (عصمة له من الشرور والآثام وعبادة غير الله فلا يحل في قلبه شيء إلا التوحيد)، وبالفعل فإن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لم يقترف إثماً، ولم يسجد لصنم بالرغم من شيوع ذلك في قومه صلى الله عليه وٱله وسلم. وذكر البوطي في سيرته الآتي: (يبدو أن الحكمة في ذلك اعلان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وتهيّؤه للعصمة والوحي منذ صغره بوسائل مادية؛ ليكون ذلك أقرب الى إيمان الناس به وتصديقهم برسالته. إنها إذن عملية تطهير معنوي ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي ليكون فيه ذلك الإعلان الإلهي بين اسماع الناس وأبصارهم. ان اخراج العلقة منه تطهير للرسول صلى الله عليه وسلم من حالات الصبا العابثة والمستهترة واتصافه بصفات الجد والحزم والاتزان وغيرها من صفات الرجولة الصادقة. كما تدلنا على عناية الله به وحفظه له وانه ليس للشيطان عليه سبيل). انتهى قول البوطي رحمه الله. أقول وبالله التوفيق: ان كان الأمر كذلك هل احتاج نبي الله يوسف عليه السلام إلى شق صدر ليعصم نفسه من مراودة امرأة العزيز؟! وهل احتاج موسى عليه السلام إلى شق صدر ليغض بصره عن ابنتي شعيب عليه السلام بعد أن سقا لهما؟! فأمر مجاهدة النفس والاخبات لله والانتصار على الشيطان معهودة عند المتقين من العباد، فمابالك بالأنبياء والرسل عليهم السلام؟! لذلك فإن فهم شق صدر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بكونه يطهره من الآثام ومن حظ الشيطان لايتناسب مع كون الحادثة في أصلها مادية... لقد وقفت بين يدي هذه الحادثة مليا فإنداح إلى خاطري تفسير لها مختلف، وذلك بعد أن قرأت وصف نبينا صلوات الله وسلامه عليه لهيئة جبريل عليه السلام عندما رآه، فقد كان وصفا ينبي عن قدرة (خارقة) للرؤية لدى حبيبنا ونبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه وٱله. قالت عائشة رضي الله عنها إنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عِظَم خِلْقِه ما بين السماء والأرض". وذات القدرة على الإبصار لدى نبينا نجدها خلال عروجه إلى السموات العُلا، وذلك عند توقف جبريل عليه السلام عند نقطة بعينها -دون سدرة المنتهى- ليقول لنبينا صلوات الله وسلامه عليه وآله بأنه لاقدرة له على التقدم والمواصلة فوق تلك النقطة، فيتقدم الحبيب وحيدا، ويرى سدرة المنتهى بأم عينيه الشريفتين، وهي قدرة على الابصار لاتتأتّى لعيني بشر سوى لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم. وجاء وصف ذلك في سورة النجم اذ يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)}. سؤالي: ألا يحتاج كل ذلك إلى تهيئة قَبْليّة (مادية) لنبينا صلى الله عليه وسلم؟! لعمري إنها التهيئة (المادية) التي مكّنت الحبيب محمد صلوات الله وسلامه عليه من رؤية وإدراك وكذلك (إحتمال) مالا طاقة للبشر على رؤيته وإدراكه واحتماله!... فالعين البشرية محدودة القدرة على الرؤية مهما كانت حدة وقوة الإبصار فيها، والضوء -الذي خلق لنا الله القدرة على رؤيته- ينحصر في طول موجي (من 380 الى 780 نانوميتر)، وتنتهي قدرتنا كبشر على الإبصار في المدى الأطول أو الأقصر من الطول الموجي المذكور أعلاه. وفي حالة زيادة الطول الموجي عن ذلك يتحول الضوء من (مرئي) الى أشعة تحت حمراء (غير مرئية)، ثم إلى أشعة ميكروويف، ثم الى أشعة رايوويف، وهي ذات طول موجي يزيد عن 3 سنتمتر. وفي حالة انقاصنا للطول الموجي تنعدم -ايضا- قدرتنا على الابصار، حيث يتحول الضوء من مرئي إلى أشعة فوق بنفسجية قريبة وبعيدة -غير مرئية-، ثم أشعة سينية، وأخيرا أشعة جاما بمجال طول موجة يقل عن 0.01 نانوميتر، وبذلك فإن العين البشرية ترى في حدود طول موجي محدد للضوء وهو (من 380 الى 780 نانوميتر) فقط... وقد أصطلح على تسمية هذه المساحة من الضوء ب(الضوء المرئي)، ويعني ذلك أن العين البشرية لا يمكنها الرؤية فيما عدا هذا الطول الموجي برغم وجود الضوء! فالضوء -دون وفوق- ذاك الطول الموجي المذكور يكون موجودا، ولكنه في صور أخرى. فهل خلق الله عينا لمخلوق آخر تستطيع الرؤية خلال طول موجي أعلى أو أقل عن المدى المذكور أعلاه؟ نعم هناك أعين أخرى. فقد ثبت علميا بأن (النحلة) تحتمل أشعة ذات طول موجي يتراوح مابين( 10 الى 200 نانوميتر ) وهي الاشعة المسماة ب(الأشعة فوق البنفسجية البعيدة) للرؤية، والمعلوم أن الطول الموجي للضوء كلما كان أقصر، فإن الرؤيا تتم بشكل اسرع مما هو في حالة الضوء المرئي! وبذلك فان النحلة تستطيع أن ترى الاشياء بدقة أكثر وبسرعة أكبر من الأنسان! ولعل الحكمة الإلهية من ذلك أن المساحات التي تطير فيها النحلة أصغر أبعادا وأكثف موجودات، فهناك تشكيلات الزهور العديدة وأجزاء النباتات الأخرى، وهي تحتاج إلى سرعة الرؤية وتحديد الإتجاه أثناء طيرانها في تلك الأمكنة الضيقة. وبذلك فإن النحلة إن عرض لها مقطع متحرك (فيديو)، فإنها تستطيع مشاهدة كل لقطات الصور المتحركة كصور ثابتة!، وللعلم فإن صور الفيديو المتحركة هذه ليست سوى صور ثابتة لكنها متتالية، ونراها نحن صورا متحركة نسبة لطول الموجة التي نرى من خلالها نحن كبشر، بينما تستطيع النحلة رؤية تلك الصور (صورة صورة) وذلك لقدرتها على النظر من خلال طول موجي مختلف عنا. فالصور التي تنقل إلى العين الرائية ان كانت في مدى موجي أقصر -كما في حالة الأشعة فوق البنفسجية (كمثال النحلة)- يكون فيها زخم كبير من التفاصيل، بحيث تحتاج إلى عمليات حسابية ضخمة في المخ، كي تتمكن العين من رؤيتها وتمييزها، وقد وجد العلماء بأن النحلة تقوم بمليون مليون - أي مليار- عملية حسابية في الثانية الواحدة كي تتمكن من معرفة كنه (لقطة) نظر واحدة!! وهناك أيضا دراسات قامت بها شركة كوداك على عين الديك، فوجدوا بأن الطول الموجي للشعاع الضوئي الذي يمكن بعين الديك استقباله والتعامل معه هو مابين (200 الى 380 نانوميتر)، وهي الأشعة الفوق بنفسجية (القريبة) إلى الضوء المرئي، ويعني ذلك أن الديك يرى أسرع من الأنسان، وأبطأ من النحلة. وقد ورد في مجلة (باييت مقازين) عدد 1992أكتوبر، بأنه قد أجريت دراسات عديدة على عين الحمار، فوجدوا في تقنية الإبصار لديه قدرة على إستقبال والتعامل مع الأطوال الموجية الأطول التي تنحصر مابين (0.780 و400 أنجشتروم)، وهو المدى الموجي الذي يميز الاشعة تحت الحمراء، حيث تكون الانتقالات اهتزازية ودورانية في المادة. ويعني ذلك أن الحمار بطئ جدا في القدرة على رؤية الأشياء دون الأنسان، لكنه يمكنه كذلك الرؤية في الظلام الدامس!. يقول الله جل وعلا في محكم تنزيله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} التين 4. قد يقول قائل؛ لأن كان الأمر كذلك لماذا لم يخلق الله العين البشرية قادرة على الرؤية من خلال كامل الضوء (مرئيّهِ وغير مَرئيّهِ)؟!. ولماذا تتفوق عين النحلة وعين الديك على العين البشرية؟! للإجابة على هذه الأسئلة اقول: المعلوم أن تمام الأمر وجودة الشئ لا يرتبط بالفوت في صفة أو مَلكة ما بقدر ارتباطه بتناسق كامل المَلَكات أوالصفات، فال (خفّاش) كمثال يستطيع السمع في درجة التي دون درجة الصوت المسموع، والصوت أيضا حاله كحال الضوء له مجالات (فوق) و (أسفل) المدى الصوتي الذي تسمعه الأذن البشرية. لنتخيل أن الله قد جعل للأذن البشرية القدرة على سماع الأصوات الأدني، فكيف يكون حال الانسان إن أعطاه الله القدرة على السمع مثل الخفاش؟. بالقطع لن يستطيع أحد منّا النوم ولا الراحة بسبب الضجيج العجيب وغير المحتمل الذي ستلتقطه أذنه! ولأن قدر الله لنا بأن يتسع مجال الرؤية لدينا لنرى من خلال الأشعة فوق البنفسجية أو تحت الحمراء، تخيلوا كم وكثافة الصور وحراك الأشياء أمام أعيننا ونحن نصوب إلى واقع محدود يتصل بأكلنا وشربنا وسياقات حياتنا المعلومة!... الا يعدُّ ذلك (طفرة) لن تفيد الانسان بقدر ما تضره؟! ... فالانسان يحتاج الى مجال رؤية، ومجال ذوق، ومجال سمع، ومجال شم، ومجال حس، ومجال تفكير، يتناسب مع الذي بين يديه مما يتصل ويفيد الحياة، فالكلٌّ ميسّرٌ ِلما خُلِق له في خلقه وقدراته. في الحديث الثابت في صحيح البخاري أن عائشة رضي الله عنها قالت في تفسير الآيتين: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} التكوير23، ثم الآية {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} النجم 13 قالت رضي الله عنها: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عِظَمُ خلقه ما بين السماء والأرض. وقد حدثت الرؤية الأولى من بعد بدئ الوحي عندما كان يعتكف في أجياد، وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في رواية أخرى بأنه له ستمائة جناح، وكان من الضخامة بحيث أنه قد سد كامل خط الافق بجسمه!!... والرؤية الثانية لجبريل عليه السلام -على هيئته الأصلية- كان عند سدرة المنتهى، عندما عُرِجَ به صلى الله عليه وسلم الى السماء!... ثم أجمع العلماء ايضا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى عيانا سدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى... وقد ورد في وصف جبريل عليه السلام وفي وصف سدرة المنتهى أوصافا يتأكد من خلالها عجز العين البشرية بتفاصيلها التشريحية المعلومة عن أستيعاب كامل صورتي جبريل عليه السلام -على هيئته الحقيقية- وصورة سدرة المنتهى ... الخلاصة: أقول والله أعلم بأن الله قد أعطى لعيني رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك عقله قدرات اضافية، بحيث أمكن لعينيه الشريفتين أن تستقبلا (كامل) الطول الموجي المميز للأشعة فوق البنفسجية بعيدها وقريبها، وقدر الله كذلك لعقله صلى الله عليه وسلم أن يتعامل مع سرعة ذلك الطول الموجي القصير جدا احاطة بكل التفاصيل بتوفيق الله، ولنا هنا أن نتوقف بين يدي الآية الكريمة {مازاغ البصر وما طغى} مستصحبين حادثة شق صدر رسولنا صلى الله عليه وسلم في صباه عندما كان يرعى الغنم في ديار بني سعد وفي الخاطر والبال مانقلته لنا السنة المطهرة والسيرة المشرفة عن الكثير من التمييز الرباني لرسولنا صلى الله عليه وٱله وسلم عن باقي البشر في القدرات والحواس، فهو صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق خِلْقَةً وخُلُقا، والله تعالى قد قرن البصر والعقل بالقلب - وإن كان المعنى هنا مجازيا- حيث قال جل في علاه: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} الحج 46. هذا هو جماع ما بدا لي في فهم حادثة شق صدر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، فإن كان في ذلك صواب فإنه من الله، وان كان فيها خطأ فمن نفسي أسأل الله ان يغفر لي. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وٱله ماسبح لك من حي وجماد. [email protected] مولد النور 4/4 (مابين الإراءة والرؤيا). عادل عسوم عندما ماتت أمنا خديجة بنت خويلد رضي الله عنها؛ ضاقتْ الدنيا بالنَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولأنَّ الله يعلم حزن نبينا صلى الله عليه وسلم على فقد خديجة كانت حادثة الإسراء والمعراج، أخذه ربه إلى السماء ليعزّيه بما فيها، فالكرة الأرضية بمارحبت لاتصلحُ أن تكون ساحة للعزاءً لمن هو في مقام خاتم الانبياء... {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى، الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ، لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}... الله جل في علاه يقول عن نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه: (لِنُرِيَهُ) من آياتنا، بينما في آيات سورة النجم فانه تعالى يقول عن نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه: (لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ)... هنا ينبري السؤال! كيف يكون الأمر (اراءة) لنبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه في آية سورة الاسراء بينما هو في سورة النجم قد (رأى) بنفسه؟! وآي القرآن ولفظه لا يأتي جزافا، انما كل لفظة تحقق مرادات لله بعينها دونما اخلال وبدقّة متناهية!... إنه الاعجاز اللفظي للقرآن، والذي كتب عنه كثر منهم ابن الباقلاني وابن الجرجاني وصاحب الظلال رحمهم الله. استهل الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله: {سبحان} ليتحدث عن هذا الحدث العجيب المدهش، وهو حدث تقف الـعـقـول بين يديه حيرى وسبحان لغة تعني التنزيه، فإن قال الله تعالى {سبحان} فذاك يعني تنزيهه لفعله عن أفعال البشر، ولنتبين بأن قانون الله سبحانه وتعالى ليس كقانون البشر في الفعل، والحدث كله منسوب إلى الله، فالذي أسرى هو الله سبحانه وتعالى، والذي أسري به هو نبينا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم. أمسك جبرائيل بخطام البراق والكون يأتلق بوضاءة تحيل ليل مكة البهيم إلى أنوار تتلألأ بين يدي سفر قاصد عجبب؛ يستخف المرء بين يديه الاتيان بعرش بلقيس قبل أن يرتد طرف سليمان عليه السلام!، والسفر رحلتان، اولاهما على أديم الأرض (اسراء) يضم المسجد الأقصى إلى مقدسات دين كتب الله الهيمنة على دين ابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وهي رحلة تضرب إليها أكباد إبل قريش شهراً، لكن الله تعالى يختزل لأجلها الزمن ويبطل قانون المسافة فيصبح الأمر عصيا على القياس لقريش، وسألوه عن تفاصيل بيت المقدس فوصفه لهم، ثم وصف لهم احداثا رآها في طريق عودته فتربصوا بالقوافل العائدة ليجدوا ماحكى عنه الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم حقائق وشواهد. يقول الله تعالى وهو يتحدث عن الاسراء -الأرضي- {لنريه}، ولكن حينما يعرج نبينا إلى السماء ليلتقي بالرسل والأنبياء الذين ماتوا، وكذلك يلتقي بالملائكة؛ يستلزم ذلك أن يتغير شيء في ذاتية محمد صلى الله عليه وسلم، وان كان الشيخ الشعراوي رحمه الله قال في ذلك: (كأنه صلى الله عليه وسلم طرح البشرية وأخذ شيئا من الملائكية التي ترى بنفسها). لكنني أقول: إن حادثة شق صدر نبينا صلى الله عليه وسلم التي سبقت طالما كانت (مادية) وملموسة، فإن المترتبات عليها قمن بها ان تكون أيضا مادية وملموسة، لا كما ذكرت التفاسير بأن الغاية من شق صدر نبينا صلى الله عليه وسلم أمر معنوي هو تطهيره من حظ الشيطان في قلبه، ولقد افردت لذلك مقالا بعنوان (فهم مغاير لحادثة شق صدر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم)، ولعل ورود أحاديث صحاح عن شق لصدر نبينا صلى الله عليه وسلم لأكثر من مرة، آخرها قبيل حادثة الاسراء والمعراج؛ له وصل بذلك والله أعلم، فالقدرة على الابصار واستيعاب ما رآه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم عند عروجه إلى السماء تحتاج إلى تهيئة -مادية- قبلية تمثلت في شق صدره صلى الله عليه، دعك عن رؤية جبرائيل عليه السلام على هيئته الحقيقية! يعرج نبينا صلى الله عليه وسلم إلى السماء، ثم يصل إلى سدرة المنتهى، {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)} ياااااه عن أنس بن مالك رَضِي الله عنْهُ في حديث الإسراء والمعراج الطويل، وفيه أنه صَلَى اللهُ عَليهِ وَسلَّم قال: «ثم عرج إلى السماء السابعة. فاستفتح جبريل. فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صَلَى اللهُ عَليهِ وَسلَّم. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا. فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام، مُسندًا ظهره إلى البيت المعمور. وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه. ثُم ذُهِب بي إلى سِدرة المُنتهى. وإذا ورقها كآذان الفِيلة. وإذا ثمرها كالقِلال. قال، فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت. فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها» رواه مسلم وقف الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم في لجة الأنوار، ومازاغ بصره الشريف وماطغى، وتهيأ لكلام الله المباشر وقد بلغ في مراتب خلق الله اسماها، فخضعت له احتشادات الأنوار، وتهيأ لسماع كلام الله دون واسطة، وتهيأ إلى الرؤية على الخلاف فيها. وقف نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مكشوفة عنه الحجب، ومزاحة عنه الأستار، ليتلقى من الملأ الأعلى، فيسمع ويرى، ويحفظ ما وعى. إنها لحظات خص بها نبينا صلى الله عليه وسلم دون أحد من عباد الله، فإن تكلم ربنا مع موسى عليه السلام عند جبل الطور؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قد رقى به إلى حيث سدرة المنتهى، وبين يدي عرش الرحمن وجنة المأوى!، ويمن الله تعالى علينا فيصف لنا هذه اللحظات وصفاً موحياً مؤثراً في سورة النجم. ويعود الحبيب إلى فراشه منشرح النفس وقد تأسى بمواساة الله تعالى، وأتانا بصلاة اصبحت عمودا لهذا الدين القويم وسناما له، لتكون الملجأ والملاذ كلما ادلهمت علينا الخطوب والأحزان. صلى عليك الله يانبي الهدى ماهبت الأنسام وماهدل على الأيك الحمام. [email protected] |
| الساعة الآن 11:14 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.