الدين للأبداع الأنساني ...دافع أم كابح؟!
خطى الأنسان في تسارع حثيث للأرتقاء بالأبداع الأنساني الى منتهاه!
أدبا ...وفنّا ...ورياضة ...وعمرانا ...وعلما...وفكرا. لكنّا نجد الأديان منذ الأزل تضع أطرا وضوابطا (ما) على حراك الأنسان على عمومه!... هل تكون تلك الأطر والضوابط دوافع أم كوابح للأبداع الأنساني؟ (السؤال مطروح على كل الأحباب زملاء وزميلات) |
حراك الأنسان الحياتي منذ الأزل أبان له عدم قدرته على اكتشاف وتفسير الجزء الاكبر من اسرار الكون وكذلك الكثير من أسرار وجوده ! ...ولقد دفعه ذلك الى (اكتشاف) و(أبتداع) و(اعتناق) اديان مختلفة الى أن ختم له الخالق ب(الأسلام)...ولقد تكفل الله الخالق جل وعلا بابتعاث الرسل والأنبياء منذ بدئ خلق الأنسان واستقراره في الأرض لضبط وتأطير نسق وأيقاع حراكه ذاك ...قاضيا (وقضاء الله هو العدل) بأن يكون مصير الأمم والشعوب التي بغت وخرجت عن سياق قيم العدل والأخلاق هو الهلاك والدمار حتى تكون عبرة للخلف من البشر!!...
والدين كذلك يلعب أدوارا هامة ومتعددة في حياة الانسان ...ففي الأديان تفسيرات لاسرار الكون والحياة وفيها إمداد للانسان بمنظومة شبه متكاملة من القيم والمعتقدات والشرائع المنظمة للسلوك والعلاقات الاجتماعية... وهذا بالقطع يجعل حياة الانسان اكثر أمنا واستقرارا من بعد تلقيه تفسيرا قاطعا للأسئلة الغيبية المتعلقة ب(من أين) و(ألى أين) و(لماذا)؟. ولنا أن نستشف مقدار التوهان الفكري والعقلي والشعوري الذي كان يتقمص الشاعر أيليا أبو ماضي وهو ينظم قصيدته (طلاسم): [align=center]جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري وطريقي ما طريقي؟ أطويلٌ أم قصير؟ هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور؟ أأنا السائر في الدرب؟ أم الدرب يسير؟ أم كلانا واقف والدهر يجري؟ لست أدري أجديدٌ أم قديمٌ أنا في هذا الوجودْ؟ هل أنا حرٌّ طليقٌ أم أسيرٌ في قيودْ؟ هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقودْ؟ أتمنى أنني أدري ولكن لست أدري [/align]ولأن كان هناك ثمة وجهة نظر أخرى تقول بأن هذا التوهان في حد ذاته يعد دافعا للأبداع (شعرا كان أو أدبا)! بل ولأن ذهب الكثيرون الى تفضيل الشعر الجاهلي على شعر صدر الأسلام! ولأن أضاف آخرون بكون شعر حسان ابن ثابت كان الأبداع فيه أظهر في عهد الجاهلية دون حاله من بعد أسلامه! فأن الأجابة على ذلك هي ...حريّ بالأنظار والأفهام أن تصوّب الى الأبداع الذي يثري ويضئ ويضيف الى الوجدان ليساهم بدوره في نهضة الأمة وانطلاقها على درب التمدن والرقي ...لذا فأن أي (جمالبات) تستشف من سمت هذه النصوص لن تكون الاّ (غواية وهياما في أودية الفراغ) تماما كما حكم القرآن الكريم على لونية من الشعر والشعراء!... (نواصل) |
لعل جماع التعريفات المتواترة للأبداع تفيد بأنه :
(عمل) يوصل الأنسان الى ذروة الأمتاع النفسي... فبالتالي لا يمنع ذلك بان يتأتى الابداع من زاوية لا تخضع لأطار أو ضوابط الدين...وزيارة الى متحف الشمع أو حضورك لحفل راقص أو قراءتك لنص (متبرج) لا غرو بأنه جالب لتلك المتعة الى النفس البشرية! ولكن ما الذي يضمن بأن يكون هذا الأحساس بالمتعة مندرجا في خانة الأيجاب (لا السلب)؟! الا تجلب صورة لأمرأة عارية المتعة الى نفس الرجل؟! ألا يفعل العكس ذات الشئ بالنسبة للمرأة؟! ألا يكون (الزنا) وشرب الخمر جالبا للمتعة؟! الأنسان ليس له سقف للأمتاع أذا قايسنا الأمتاع بالجوع والعطش والسبب الأساس في ذلك أستحكام أمران بقواد النفس البشرية وهما هوى النفس ثم الشيطان! ولعل تشريع الخالق للصوم في كل الأديان السماوية كان الغاية منه خفض سقف الأمتاع للأنسان أذ الصائم تتراجع رغباته ومشتهياته دون المفطر الذي تتزايد مشتهياته اضطرادا يوما بعد يوم وبالأخص اذا توفرت المادة والصحة! وكلنا نقرأ عن قوم لوط الذين استهلّوا بجسد الأنثى فنحتوه في قصورهم وتراضوا بينهم بمواصفات للباس يكون فيه صدر الرجل والمرأة عاريا في الطرقات! ثم ازداد جماح الشهوة واللذّة لديهم فأضحوا يتلذذون بقطع الطريق وقتل وسحل الناس بعد تعريتهم من ملابسهم !ثم تمادوا غيّا فقادهم هوى النفس وغواية الشيطان الى اللواط!! والملاحظ بأن (كل) الأديان السماوية قد وضعت من الضوابط والأطر ما يضمن تقصير سقف اللذة ولجم الشهوة بل ونظّم لها سبلا سويّة للأفراغ بالصورة التي تضمن أشباعا متوازنا للنفس وفائدة للفرد والمجتمع...فذاك موسى عليه السلام بعد أن سقى للبنتين تولّى الى الظل دون أن يتفرّس فيهن أو يطلب منهن مقابلا ...وكذلك مريم عليها السلام كان باطن الأرض أهون عليها من أن يعلم الناس بأنها قد أحتملت جنينا دونما زواج شرعي !... أما الأسلام فكلنا أدرى بتفاصيل معالجاته لأمر اللذّة والشهوة... ولكن هناك العديد من المفاهيم المغلوطة في أذهان الكثيرين حول نظرة الدين (وأخص الأسلام) الى العديد من مناطات الأبداع من فن وأدب وشعر ومعمار ورسم وغير ذلك... (نواصل في ذلك بأذن الله) |
[align=right]تحياتى يا عادل :[/align]
[align=right]يا أخى كأنك رميت بحجر على صفحة الماء ..فهذا موضوع شائك جداً .. ودروبه وعرة .. إستوقفتنى العبارة التالية :[/align] اقتباس:
[align=right]وهى فى رأيى تفتح أبواباً كثيرة للنقاش فى هذا الموضوع المتشعب : وقبل أن تزدحم هذه المساحة أضع بين يديك هذا المقال :[/align] اقتباس:
[align=right] ملحوظة: مأخوذة من بوست جميل وقديم للرائع عجب الفيا فى سودانيز أون لاين .. عساه بألف خير .................................................. ................... [/align] |
مرحبا بك أخي الوليد مع شكري على المداخلة...
التحية أيضا لصديقك عجب الفيا وللأيراد الذي نقله على لسان الاستاذ محمود محمد طه. بالطبع أصوّب في هذا المتصفح على الدين أهو دافع أم كابح للأبداع الأنساني؟ ...أما أختلاف الشاعر الأديب محمد محمد على مع الأستاذ محمود محمد طه هذا: اقتباس:
الله جعل الغاية من خلق الأنسان هي عبادته وطاعته عندما قال في محكم تنزيله (وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)الذاريات فلان كانت كافة النصوص تحث المسلم على النأي عن التفكر في ذات الله فكيف لنا بأن نسلم جدلا ب(حقيقة) تنبني على ذلك ثم نصوّب صنفا من صنوف الأبداع البشري ليوصلنا الى تلك الغاية المنهي عنها؟!! أما هذا: اقتباس:
(قل إن صلاتى و نسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) فلا فصل بين دين وأدب طالما كان المسلم موحدا في أعتقاده وفي حراكه وبذلك يستوي طريق الدين والأدب!... ليتك تعود لنتناول معا أمر الدين هل دافع أم كابح للأبداع البشري. دمت دوما بخير |
لعلّ بضاعتي في هذا (البوست) مزجاة :rolleyes:
:D |
[align=center]
اقتباس:
الاخ عادل... البوست فيه مو ضوع حى جدا...جدا بس يحتاج الى روقة بال شديدة للنقاش.. احب ان اذكر هنا ان نهضة الامة الاسلااامية فى الفنون كانت فى الدولة الاسلامية الاولى سوى ان كان فى العصر الاموى او العبااسى الكثير من ضروب الفنون و العلوم المختلفة كانت نشاتها فى ذلك الوقت و هى نفسها التى اصبحت اساسا للتقدم و التطور الذى استفاد منه الغرب بعد ذلك.. و هذا دليل على انه لم تكن هنااك اى عواائق تمنع الكثير من المبدعين فى مختاف المجالات خلال تلك الفترة من العمل على الاكتشاف و الاخترااع.. كما ذكرت لك الموضوع يحتاج الى حديث طويل و ظنيتنى بجيك راجع تاانى... يديك العاافية... |
الدين للابداع..دافع أم كابح
[color=0000FF]التحيه لي الاخ عادل ..وبضاعتك ليست مزجاة..:):)وسنأتيك من سوق عكاظ :)فقط تخير
القديم :)بالبغال:)ام الجديد:)بورصات والذي منه :):) الموضوع كبيرا وشائكا ويريد بيانا ومعرفه ولكني مع قلة معلوماتي أردت المشاركه ..لاتذود من معلوماتكم الثره ومعرفتكم الزاخره .ودمتم الدين ليس كابحا للأبداع البشري بل دافعا ومحفزا للأبداع البشري بطاقات هائله فقط نريد الاستكشاف والعين البصيره .ولقد ذكر الله سبحانه وتعالي في القران الكريم كثير من النمازج للأبداع البشري حتي تبين لنا ماكان من الاولين لتكون مثالا ونبراسا . اليك هذا المثال في قول الله تعالي (ءَاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) أي اجمعوا لي قطع الحديد الضخمة وأمرهم بوضع هذه القطع في مكان ضيق بين هذين السدين ، فلما وضعت قطع الحديد حتى ساوت قمة الجبلين ، قال: انفخوا النار المشتعلة التي تصهر هذا الحديد ، ولك أن تتصور حجم هذه النيران التي اشتعلت لتصهر أطناناً من الحديد لا يعلم وزنها إلا العزيز الحميد ، اشتعلت النيران تحت هذا الحديد بين السدين في مكان ضيق ، يريد أن يسد على يأجوج ومأجوج الطريق الذي ينفذون منه إلى هذه الأمم المسكينة المغلوبة على أمرها . فأشعل النيران حتى انصهر الحديد وذاب بين السدين أي بين الجبلين ، فأمر ذو القرنين أن يدخلوا في المرحلة الثانية من مراحل البناء ، ألا وهي أن يذيبوا النحاس حتى ينصهر. فلما انصهر النحاس أمرهم بصب النحاس على الحديد فتخلل النحاس الحديد فأصبح النحاس والحديد معدناً واحداً ليزداد صلابة وقوة فلا تستطع يدى يأجوج ومأجوج أن تتسلقه أو أن تنقبه. فسدّت الفجوة ، وانقطع الطريق على يأجوج ومأجوج ، فلم يتمكنوا من هدم السّد ولا تسوّره ، وأمن القوم الضعفاء من شرّهم. (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) اليس هذا ابداع بشري من عالم الكيمياء نجني ثماره الي يومنا هذا...أذا ديننا دين الهمم العاليه والدوافع للنجاح .....مابنا لا علاقه له بالدين فقط هي النفس البشريه . لك الشكر وسأواصل [/color] |
الدين للأبداع الأنساني ...دافع أم كابح؟!
[size=4]السلام عليكم
مواصله................. الملك العادل ذو القرنين نموذجا للأبداع البشري المتعدد فقد راينا كيف أستعان بالقوم وبالفكره الكيميائيه الثاقبه في أنشاء السد بين الجبلين . ثانيا عندما ذهب الي اولئك الظلمه فأراد أن يبسط العدل قال تعالي (قال اما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد الي ربه فيعذبه عذابا نكرا(87) واما من امن وعمل صالحا فله جزاء الحسني وسنقول له من أمرنا يسرا(88) أبداع بشري هائل لعمل دستور جديد في دوله ظالمه حيث لم يشن حربا عليهم وكان بمقدوره حيث اوتي من الملك مالم يخطر بقلب بشر .ولم يقل ننزل الان العقاب علي كل ظالم .لا بل صفحه جديده (فسوف)من يظلم نعذبه وهناك وعيد اخر بعذاب الله مخاطبه وجدانيه .وتحفيزا للايمان والعمل الصالح . أبداع بشري ينزله البديع لنا في كتابه الحكيم ليكون نموذجا حضاريا من الاااااااااف السنين ويصلح لكل زمان ومكان . أما عن الكوابح فالدين الاسلامي ميزان عدل قد جعل لكل شئ ضوابط ومساحه لأن النفس البشريه أن تركت في مجال اباحه لاضوابط فيه أفلت ذمامها وصارت كالانعام أو أضل سبيلا .وأن ضيق لها المجال سئمت .فديننا نور و عدل وميزان وكل شئ فيه بمقدار حتي تستقيم الحياه وتصبح في مسارها الصحيح (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون).اللهم فقهنا في الدين واجعلنا حيث أردت .انك ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم [/size] |
اقتباس:
أراك قد وضعت (الحصان) أمام العربة و...أغريتنا بال(ظن) :rolleyes: أنتظر عودة |
الغالية سمية
مرحبا بك معطرة للسوح ومضيفة الكثير... بالفعل مَواطن الابداع المنثورة في قصص القرآن كثيرة وتحتاج منّا الى قراءة وتدبر... ولكم تستوقفني قصة ذو القرنين ياسمية...لا أدري لدي أحساس بأن تكرار الآية (فأتبع سببا) له علاقة بالسماء (أي أنه لم يكن وجيشه يسيرون على الارض وأنما كانوا يطيرون)! وذلك من ملابسات كثيرة تجدينها في سياق وألفاظ القصة... مودتي |
اقتباس:
بضاعتك من النوع الجيد، وأعتقد أنها تأخرت بعض الشيء؛ فأذكر لك مساجلة حول العقل في أحد البوستات مع أحد الإخوة، وكأني بتلك اللحظة هي لحظة ولادة هذا البوست، المهم لنعتبر تأخر هذا البوست خيراً. الله خلق الإنسان وعلمه البيان، وجعله خليفته على الأرض دون بقية الخلق، وأمره بعبادته ودعاه إلى التفكر في كيفية الخلق، وإلى الكون عامة، وأمره بعمارة الأرض التي هي عبادة لله، وسخر الله لعباده ما يعينهم على المعرفة والحياة على الأرض. والإنسان حظي بموجِّهات تعينه على الحياة والإبداع في إطار كونه مخلوقاً بشراً متعبَّداً لله، وأهم هذه الموجهات الفطرة السليمة التي تهديه إلى الصراط المستقيم، والفهم الصادق القويم، وأعلاه أن له رباً خالقاً هادياً قادراً على كل شيء، فإذا ما هُدي إلى الفطرة السليمة انفتحت أمامه الحلقات الأخرى قد يقول قائل هناك أمم ضلت وتنكبت الصراط ومع ذلك حازت من الإبداع وتفوقت تفوقاً عظيماً، وهذا صحيح ولكن ذلك التفوق هو دون المطلوب حتماً، فربما لو كانوا على غير هذه الحال لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وسلامة الفطرة ليست شرطاً في التفوق ولكنها موجهة له ليكون سليماً، وعموماً فإن أكثر الناس بعدا ًعن المُلهيات هم العلماء كفاراً كانوا أم مسلمين. إذن فإنني أرى الدين دافعاً للإبداع في المقام الأول وهذا يستوي فيه جميع الناس كفاراً ومسلمين، وكون الدين دافعاً للإبداع ليس خياراً للإنسان، لإنه أمر رباني، فإذا قال شخص إنني كافر بالأديان ولكنني مبدع، نقول له إن الله الذي خلقك فسواك فعدلك، وسخر لك الكون قد أمرك بهذا الإبداع قبل أن تُخلق وهذا ما يعنينا، لأننا إذا اتبعنا افتراضك نكون قد خالفنا ما عندنا من البينات النتيجة الثانية: الدين كابح عن كل ما يخالف الفطرة السليمة، ويؤدي إلى أن يؤله المرء نفسه أو يؤله أحد المخلوقين أو المخلوقات، فأصحاب المذاهب المادية أول ما يفعلونه هو رفض القيود الدينية لينطلقوا في حرية تقصر طبيعتهم البشرية المحدودة عن إدراك خطأ وخطل ما يعتقدون |
موضوع قيم ومفيد جدا اتمنى من الجميع المشاركة فيه وسوف اعود ان شاء الله للمشاركة
|
الصديق كيشو
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
كم تعجبني ملكتك في الأحاطة بالاشياء... |
عندما نصوب الى الفن...نجده نزوع إنساني نحو ما هو غير مادي، حتى وإن انطلقت بواعثه مما هو مادي، أو كما يقول رولاند بنفيل: "لقد انبثق الشعر كوعي مباشر بذلك السر الكبير الذي تتساءل عنه حياتنا، وقد سيطر عليها لغز كوني" ؟! أو كما يقول مايكل لايربس: "ولقد سيطر علي شعور غامض بالأمل في أن المعجزة الشعرية ستغير كل شيء، وأنني سأحيا في عالم الخلود، وهكذا أكون قد غزوت مصيري كإنسان بواسطة الكلمات" . ومن هنا كان لقاء الفن بالدين؛ لأن التمرد على ما هو مادي، والنزوع نحو ما هو روحي خالد هما تجاوز لطبيعة المادة، وتلاقٍ مع روحانية الدين، وفوق ذلك ديمومة برهانية على حقيقته.
ولكننا لا نستطيع تجاوز ذلك إلى حد المطابقة بين الفن والدين، أو الادعاء بوحدة مصدرهما، أو ما يذهب إليه جاك مارتيان في قوله: "الشعر هو ثمرة الصلة بين الروح والحقيقة وبين مصدرهما… الله"؟ أو كما يقول هنري برجسون: "الفن ابن الدين" ؟ أو كما يقول علي عزت بيجوفيتش: "الفن رسالة مقدسة"؟ لأنه فضلاً عما تقوم عليه هذه النظرة من خلط؛ فإنه ينتج عنها نتائج شديدة التعقيد. فالفن -على الرغم من كونه محاولة لاختراق ما هو مادي، ونزوع إلى روحانية الدين- إلا أنه نزوع مشوّش غير واع نحو ما هو حقيقي مطلق، ومن ثم فإن هناك مساحات كبيرة للتلاقي. ولكن لا يمكننا القول بأن هناك تطابقًا بينهما؛ لأنه لا يمكن الزعم بأن عمليات الخلق الفني المرتبطة بالانفعال الوجداني لا تستلهم إدراكها إلا مما هو حقيقي فقط، وإلا كانت مدركات الانفعال الوجداني مدموغة باليقينية، وهو أمر يناقضه ما يشوبها من وهم وشطط يستحيل جوازهما على الدين في قدسيته. ومن أخطر نتائج تلك النظرة التي توحِّد بينهما هو الربط بينهما في الناتج الإبداعي كقول بيجوفيتش: "لا يوجد فن لا ديني" ؟ أو قول بوريس باسترناك: "إن الرجل الشرير لا يمكن أن يكون شاعرًا عظيمًا" . فحتى إذا اتفقنا مع من يذهبون إلى أن الإلحاد (بمعنى الإنكار التام لوجود الله) ليس حالة مستقرة لدى أصحابها؛ فإن ذلك لا يعني أن حالة الإبداع للفنان تكون دائمًا حالة التقاء مع ما هو روحي؛ لأننا إذا قلنا: إن الفن يتعلق دائمًا بالوجدان المستثار؛ فإن ذلك يحدث في ظل العلاقة التفاعلية بين الفنان والواقع، وهذا الواقع قد يكون روحيًا أو ماديًا أو مركبًا، وهو غالبًا كذلك. ولكن ما لا بد من إقراره أن ما هو مادي قادر أيضًا على استثارة النفس الإنسانية. فعلى ذلك لا يحق لنا الذهاب إلى أن الأدب الإباحي -مثلاً- ليس فنًا، ولكن غاية ما نستطيع قوله حياله "إنه أدب مرفوض بالنسبة لنا كمسلمين". ومع ذلك فلا بد أن نقرر أن روحانية الدين هي المجال الأكثر رحابة للفن من مادية الفكر الإنساني؛ بل نستطيع القول: إن الدين هو بمثابة الفضاء الوجودي (البعد الغائب المفتقد في وجود الإنسان) بالنسبة لمستنقع المادية الذي أغرق الفن فيه حتى كاد أن يُقتل. لقد أغرى ما تحمله المادية من إباحية وإلحاد فناني القرن التاسع عشر بأن يجدوا فيها وعاءً لما يحملونه من ميل أبدي للتمرد، فاندفعوا في هذا النطاق، ثم ما لبثوا أن وجدوا أنهم قد أسروا أنفسهم فيه. لقد خرجوا من رحاب الروحانية الشاسعة إلى هذا النطاق الضيق الذي ظل يتجرد من كل ما هو إنساني في ظل تطورات الفكر المادي والمفاهيم الحداثية؛ حتى تيبس تمامًا، فكانت إشكالية الفن "ما بعد الحداثي" السقوط في هوة فقدان اليقين، والعبث، واللاجدوى، واللامعقول، والتشرذم أو التشظي. (منقول) |
| الساعة الآن 05:26 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.