عرض مشاركة واحدة
قديم 15-07-2008, 03:38 AM   #[14]
تاج السر الملك
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية تاج السر الملك
 
افتراضي

مقدمة الكتاب
تاج السر الملك

مدخل
مشية أبو القدح

الليل طال
و سافرت دهور
حتى رأيت وجهين للقمر
و القارظ العنزى آب بعد أن مضى بلا اياب
و ما رأيت وجهي الآخر في السفر
..................................
بابي لم أجده حين قمت خارجا و لم اجد يدي
و لا فمي و لا عيوني
فارقني يقيني
حتى غيابات الظنون أقفرت من الظنون
وقمت خارجا وما خرجت
أنا العدم
رأيت محرابي هناك واقفا يجدف
يهرف الأقوال و الحكمة ذات الجدب و الدعاوى
محمد المهدي المجذوب




هذه النصوص ، نصوص سودانية .
نصوص ولدت تحت سماء غير سماء السودان المرقشة بالنجوم ، ولدت فى زمن معقد متشابك ، يمشى مشى الاحمسة ( السلحفاء- ابو القدح فى عاميتنا) ، و لدت من دهشة التناقض المبين بين شهقة عبور المدى و الفضاءات و سرعة إصلاح ذراع المركب الفضائي على سطح المريخ ، و بين أزمنة الوقوف الطويل في ( طوابير) البحث عن الخبز و الحرية ، الزمن عامل فاعل في هذه النصوص و كل إدراجات تقسيمها ، عامل ظل يماطلني و لا يكذب وعده كل لحظة أوشك على الإمساك به فيها، اشتريت به ( معبأ في البطاقات) كلاما مع الناس و الأصدقاء و الأهل ، و انقطع حينما حذرني من حلول الدقيقة الأخيرة التى تبقت فيه ، وماتت البطاقة المزينة بالرسوم و سكت الهاتف!
اشتريت به في وفرة سني الشباب ، مشهد حصار تل الزعتر و اجتياح بيروت و الموت فى صبرا و شاتيلا ، و شناشيل البصرة وبحر الادرياتيك و البحر الأوسط و الأسود و مرمره و البوغاز ، وروما (فيللينى) و انفصال الجسد اليوغسلافي و ليال معتكرة بائسة تحت سماء السودان المرقشة بالنجوم ، تقاضاني غضون فوق الجبين و ذاكرة تتسع للتفاصيل و تتغذى عليها ، واتاني بصيرة و مصباح هزيل الضوء في بحر من ظلمة اللايقين. ظللت ارقبه فى طفولتي و شبابي ، فكأنما سيف خفي يقطع و لا اثر يدل علبه غير لون الدم القاني المنسفح، و شرخ الرداء و انفصال فتلاته بالتساوي ، من ترى يراهن على غده ؟؟ و علام يراهن؟؟ و الأطفال يملئون الدار مرحا ، حتى اذا أرخيت جفنك غفلة ، انتصبوا إمامك رجالا و نساء ، وعشيرتك الذين جلسوا معك تحت ضوء السماء المرقشة بالنجوم ، يقصون عليك أحسن القصص ، تواروا في لحودهم، ثم السماء تمطر و تحتبس عن القطر، تخرج من باب ( الحوش) ،فإذا بك تنتقل من طائرة إلى طائرة إلى مركب ، إلى زمن قديم جديد ، لا يني يماطلك حتى تحوره و تأنس إليه ، تعجل به و يعجل بك ، و كليكما في خضم دورة الكواكب و الشهب الراصدة ، سلاحف تنوء مثل سيزيف تحت وطأة قدح منكفئ على ظهورها، تتلوى داخل صدفته السميكة المصنوعة من خرافة الحرية و عنت الجهل و الفقر و تراتيل العقائد البالية، سلاحف تتغذى من عشب السفح و طحالب القاع ، مؤمنة و مستكينة إلى وهم الظل و الأمان داخل الصدفة ، ما انكفأ واحدها على ظهره الا و ظل على حال من العجز و قلة الحياة ، حتى تدفعه يد من خارج إطار الزمن السلحفائي منتصبا على أربع ليواصل زحفه المتوجس الممل ، زحف تتجمد فيه حركة المرئيات و مشاعر التجديد و تتداخل ، زمن يتحول فيه المستقبل إلى عشبه ترقد على مرمى حجر من حجارة الأبد و بعض ماء تحاصره صخرة و جنازة للنمل.
في لحظة من صدفة حاضرة فى هذا الزمن ، التقيت بنفسي ، حتى كدت أن اعرفها فى ظلال الوهلة الأولى ، لم أكن أدرك كم فرسخا قطعت فى زحفي ، و لا كم من الفراسخ ترقد أمامي تنتظر القطع ، فكنت و كأنني السلحفاء المنبت ، تقاربت الثوابت و المتحولات و آل الوطن إلى وثن.
لهذه النصوص جذور تمتد تحت العشب الظاهر ، تقع بكل إحداثياتها بين ( قطية ) ترقد فى فراغ الخلاء و الأفق ، و ناطحات السحاب التي تسد الأفق ، متعددة الإيقاع ، تمشى مشى الاحمسة و تحلق عابرة للقارات ، تصعد نحو الحلم ، الحلم الذى خلفته ورائي في لحظة فارقة أخذت مكانها من التاريخ فى ردهات الوصول و المغادرة بمطار (جون كينيدى) بمدينة نيويورك ، لحظة تهيأت فيها لعبور المحيط متوجها إلى الوطن ، و لحظة تلت سارعت فيها إلى ارتداء ( قدحي) اختبئ في وهم سلامته ، فصعدت الطائرة أجواز السماء و مقعدي فارغ ، توسلت القطار عائدا إلى وحشة ( هارلم) ، يسألني صديق أن أقلعت الطائرة دوني ، أجبته ، بل اقلع السودان دوني !! كم ابغض الانقلابات العسكرية ، و كم ابغض الشكل السياسي الطائفي الذي تنبعث من عمق تخلفه و تمدده و التصاقه بنا مثل طلاء عنيد ، كم ترى يلزمنا من الزمن أن نعلم العسكر التزام ثكناتهم ، و أن يكفوا أيديهم عن طلب الحكم ؟؟؟ متي يعلم العسكر أن الطريق إلى جهنم ، يمر عبر النوايا الحسنة .
بضع سنين مضين ، و أخذتني نيويورك في رحمها الواسع ، و ثبتت على ظهري قدحها الأشد صلابة و سماكة ، و أطلقتني في الطرقات زاحفا بلا هدف ، ثم اننى صحوت ذات يوم ، فإذا كل الوجوه التى قعدت الذهاب إلى مصافحتها تحت سماء السودان المرقشة بالنجوم ، أتت إكراها و نصبت خيامها حول خيمتي ، زحفنا جميعنا نحو العشب البلاستيكي الخادع ، فما أدركنا شبعا و لا ريا ، و ما أضاء دروبنا ضوء اليقين ، انقضى زمن الروية و التأمل و التواصل و التراحم ، حاصرتنا حوائط السكنى الأربع ، و حوائط المركبات الأربع ، و تعاليم التلفاز ، و عيونه الالكترونية الساهرة.
تعلمت على يدي ( صلاح احمد إبراهيم) الكثير ، و لم القه في حياتي يوما ، نفسها نسخة ديوانه ( غابة الأبنوس) التي اشتريتها قبل نيف و ثلاثين عاما ، تبعتني من السودان الى هنا ، تعلمت منه ، كيف يتأتى للغة أن تقوم مقام الرؤية و الرؤيا ، و كيف تستسلم لها المعارف الإنسانية فتتحول إلى رموز حية نابضة بالحياة بين دفتا كتاب ، طربت لشعره و نثره و صوت روحه الغاضبة ، ، ظلت قصائده خضراء ، منسابة ، تحمل في طياتها وهج ألوان ثقافته المتعددة الألوان و الرؤى ، طربت لشعره و نثره ، و ظلت آثاره الأدبية خضراء في ذاكرتي ، سهلة و منسابة عميقة و فذة ، عن لي لسبب ما أن أذكر (صلاح) ، أظنه رد الجميل و العرفان وبعض وفاء . و تعرفت على القصة عند كاتب لا يقل عظمة عن ( جوجول) ، لم يسعد ملايين من أبناء السودان بقراءة قصصه ، و لم يتيسر لي الحصول عليها إلا كوننا أبناء عمومه ، ( عثمان سناده) ، قارئ تعلمنا على يديه القراءة الجادة ، لا تمر لحظة إلا و بين يديه كتاب، يغلب على طبعه الحياء و التواضع ، قاص لا يمل القص و الكتابة ، و لا يمل حفظها بعناية وسط أغراضه بعد الفراغ من كتابتها، يحفظها مثل صحائف مقدسة في ملجأ قصي مؤتمنا عليه كل طاقتها الإبداعية الهائلة. قرأنا فى مكتبته ، الكوميديا الإلهية و المطهر و الفردوس ، ديستويفسكى ، ( فى اس نيبول) ، ( واثيونقو) ، مئات مئات من درر الآداب العالمية و العربية ، و لكنني احتفظ لنجيب محفوظ بمكانة خاصة ، بجانب كل من قرأت و عرفت ، مكانة لا تقل سموا عن مكانة ( فيرجينيا وولف) ، ( جيمس جويس) ، ( بروست) ، و غيرهم ، يمتلك نجيب أدواته بقوة ، واسع الخيال ، متعدد المراحل و هو أولا و أخيرا مخترع الرواية العربية الحديثة ، طورها بجهده من رتابة المقامات و الحدوتة و الحكاية الشعبية و مضى بها إلى أفق عالمي أرحب ، و هو أول من أرخ لإنسان المدينة العربية خروجا على تقليد الرواية التي تمحورت حول الريف و إنسان الصحراء البدوي اللامنتمي إلى واقع مستقر ، يتناول السياسة في حذر و دقة ، و لا يترك لها حرية تغيير صيرورة الفن ، لم يكف يوما عن الكتابة ، عن الناس و الوقائع ، شخوصه في البيوت و المقاهي و دور العبادة و دور العلم ، يستدخل الحكاية ( عوضا عن التناص في مفهوم النقد الحديث) ، فى روايات معاصرة توميء بطرف لماح ذكى إلى المأساة و الملهاة في تناوبهما القدري المحتوم ، فتأتي الرواية حية متماسكة زاخرة . و بالرغم من انه لم يكتب عن ابعد من حدود الشخصية المصرية ،و الحارة المصرية ، إلا انه لا يزال الفنان العربي الوحيد و نؤكد على الفنان ( الموسيقى و المسرح والتشكيل و غير ذلك) الذي دخل العالمية من أوسع أبوابها .
تاج السر الملك-فيرجينيا 2008



تاج السر الملك غير متصل   رد مع اقتباس