مفتاح لا بد منه: واقعة خيبر.
مع إن هذا المبحث ليس من مساعيه التوغل في غزوات النبي، تعتبر واقعة خيبر حدثاً مهماً لفهم سياق الظروف التي ظهر فيها أبو هريرة الذي إرتبط ظهورة بالأشعريين.
وقعت خيبر في ألسنة السابعة للهجرة، بعد إنتصار النبي أتى إليه أهل اليمن ليسلموا و كان منهم أبو هريرة. أتى أبو موسى الأشعري و من معه من أهل اليمن والدوسيين الذين منهم أبو هريرة الدوسي بعد فتح خيبر. و اليكم ما رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري عن هذا القدوم "قدمنا على النبي بعد أن فتح خيبر فقسم لنا (أي الغنائم) و لم يقسم لاحد لم يشهد الفتح غيرنا" (ص 392 ج 7 من فتح الباري). ذكر البيهقي أن النبي إستشار المسلمين قبل أن يقسم لأهل اليمن فوافقوه. الجدير بالذكر أن هذه الواقعة حدثت بعد خروج النبي بعشرين عام، فلماذا تأخر الأشاعرة و من معهم من الدوسيين عشرين عاماً و لم يظهروا إلا حينما اشتدت شوكة المسلمين و إرتبط مجيئهم بالغنائم كما ذكروا على ألسنتهم ؟.
الحقيقة أن إبن حجر العسقلاني بارك الله فيه أغنانا جهد الاجابة على هذا السؤال بالرد أن أسباب تأخرهم في القدوم أنهم علموا ما كان فيه المسلمين من مجاهدة الكفار فلما بلغتهم المهادنة امنوا و طلبوا الوصول إليه (ص 39 ج 7 فتح الباري) والمعنى أن الأشعريين و من معهم لم يأتوا إلى النبي أيام محنته في مكة ولا في زمان حروبه في المدينة لينصروه، بل هرعوا إليه بعد انتصاره في غزواته الكبرى التي غنم منها المغانم، بعد أن إستقر أمر البعثة و اشتدت شوكة المسلمين.
أما فيما يختص بقدوم أبو هريرة فإليك خبره.
ظهور أبو هريرة الدوسي:
ولنبدأ بما قاله أبو هريرة عن مجيئه، على لسانه:
"أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعد ما افتتحوها فقلت يا رسول الله أسهم لي فقال بعض بني سعيد بن العاص لا تسهم له يا رسول الله فقال أبو هريرة هذا قاتل ابن قوقل فقال ابن سعيد بن العاص واعجبا لوبر تدلى علينا من قدوم ضأن ينعى علي قتل رجل مسلم أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه قال فلا أدري أسهم له أم لم يسهم له. "و زاد أبو هريرة "فكلم المسلمين "أي الرسول" فأشركونا من سهامهم" (فتح الباري ص 31 ج6، ص 393 ج7)
هذا ما ورد في زمان إسلام أبو هريرة، و من الملاحظ أنه كان رجلاً فيه فظاظة تلاحظ من موقفه من بني سعيد بن العاص هذا الذي رواه أبو هريرة بنفسه، تخيل أنه جاء ضيفاً أسلم ثم سأل عن الغنائم و منذ بداية ظهوره دخل في ملاسنة مع من سبقوه في الاسلام و ذاقوا المر مع الرسول. الموقف الثاني الذي تبان فيه هذه الغلظة هو موقفه مع إبان بن سعيد بن العاص الذي تزامن مع مجيء أبو هريرة أيضاً-- فعندما رأى أبو هريرة كثره مغانم الغزوة جاشت مطامعه و تدخل فيما لايعنيه عندما طلب من الرسول أن لا يسهم لأبان إبن العاص الذي كان من من خاضوا الغزوات مع النبي و منها خيبر، فانبرى له أبان و أغلظ و اهانة في مجلس الرسول أمام القوم لأنه ما إصطلا بنار جهاد ولا جاء عندما سمع الدعوة مبكراً و أتى حين تقسيم المغانم فقال له " عجباً لوبر (قال العرب أن الوبر دواب الأرض من الحشرات تأكل الجيف، و قال البعض هو حيوان أصغر من الأرنب) تدلى علينا من قدوم ضأن (جبل في أرض دوس، بلد أبو هريرة) و في رواية أخرى "يا وبر تحدر من رأس ضال" فقال النبي: يا أبان، إجلس، و لم يقسم له، تلقى أبو هريرة الاهانة و لم يقل شيئاً . في هذا قال الخطابي (أراد أبان تحقير ابي هريرة لأنه ليس في قدر من يشير بعطاء، ولا مانع، لأنه من من تجنبوا القتال أو قليل القدرة عليه) لاحظ أن هذان الموقفان حدثا في أول يوم يلقى فيه أبو هريرة الرسول و أصحابه. الجدير بالذكر أنه كان هناك بضع و خمسين من الأشاعرة منهم أبو موسى و أسلم معهم عمران الخزاعي والطفيل بن عمرو و لم يبد أحد منهم مثل ما بدا من أبو هريرة (سير أعلام النبلاء، ص393، ج2). أما في شأن ما كان من أبو هريرة و أبان غض النبي عنه النظر و إكتفى بأمر أبان بالجلوس و لم يسهم لأبو هريرة و كأنه بذلك يقر على ما قاله أبان...عندما قال أبو هريرة "فأسهموا لنا" قصد الجماعة التي أتت و ليس هو الذي حرم بسبب سوء تصرفه في أول يوم ظهر فيه، مع إن الضيف له حرمة و إحترام لكن صاحبنا لم يظفر بها و حقت عليه المهانة أمام الصحابة جميعاً من أول يوم.
نتابع
----
سبب التقطيع انني اكتب هذا المبحث الآن من هوامش جمعتها، طازج من الفرن.
|