عرض مشاركة واحدة
قديم 21-01-2013, 12:11 AM   #[9]
imported_عبدالله علي موسى
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_عبدالله علي موسى
 
افتراضي

ملامح من أصله و نشأته:

كما الحال في شأن إسمه و إسم أبيه، لا يعرف الكثير عن نشأته إلا ما رواه هو أو روي عنه. قيل أنه من عشيرة سليم بن فهم، و هم من الأزدين، من دوس التي تقع في جنوب الجزيرة العربية لذالك إرتبط مجيئه مع أهل اليمن. من ما قاله عن نشأته أنه كان فقيراً يرعى الغنم و يخدم الناس بطعام بطنه: "نشأت يتيماً و هاجرت مسكيناً و كنت أجيراً لبسره بنت غزوان بطعام بطني و عقبه رجلي فكنت اخدم إذا نزلوا، و أحدوا إذا ركبوا" (إبن قتيبة: في كتاب المعارف، ص 120) ، كان أبو هريرة أمياً لا يقرأ ولا يكتب، و مازال على أميته حتى مات. عندما أتى إلى رسول الله (ص) بعد خيبر كان قد تخطى الثلاثين من عمره.

ملامح من شخصيته:

موقفه في خيبر مع أصحاب رسول الله، و ما ابداه من مكنون مطامع في الغنائم، ثم ما وقع منه في الصفة يصلح كمفاتيح مهمة لشخصيته، لأن هذه التصرفات ستتسق لاحقاً بأشياء أخرى بدرت منه في باقي سيرته.
يمكن أن نفسر أن الرسول اسقط أبو هريرة من عينه من أول يوم، فلم يقم له منذ يومها وزناً وسط الصحابة. و دلالة ذالك أن الرسول لم يعنف أبان على ما أبدى من إغلاظ في القول -- في حين أن النبي كان لا يرضى أن ينال أحد أصحابه إهانة أو سب، يبان ذلك في موقف الرسول عندما إختلف خالد بن الوليد، و عبدالرحمن إبن عوف في بعض الغزوات، عندما أغلظ خالد لعبدالرحمان في القول و بلغ ذالك رسول الله غضب غضباً شديداً فقال: لا تسبوا أصحابي- إلى اخره، و من ما لا يعول عليه شمل ذالك على كل الصحابة، بحيث لا يصح هذا الحكم على الجميع، و إلا ما إكتفى رسول الله ب-"إجلس" يا أبان و هو الذي أغلظ ما أغلظ في مجلس الرسول أمام كل الصحابة والضيوف، أمر الرسول أبان بالجلوس و حرم أبو هريرة القسمة (عداله الصحابة، باب أضواء على السنه، أبو رية).

كما أسلفنا تحدث أبو هريرة كثيراً عن أسباب صحبته للرسول، ليخدمه ملء بطنه: "اني كنت امرأ مسكيناً أصحب رسول الله ملء بطني" و قيل "لشبع بطني" (أحمد والشيخان عن الزهري، رواه عبدالرحمان بن الأعرج) الكشميني قال "بشبع بطني" و روى مسلم "كنت رجل مسكيناً اخدم رسول الله على ملء بطني" و في رواية أخرى لمسلم "كنت ألزم رسول الله على ملء بطني"، و دلالة "بشبع" تختلف عن "لشبع" يختلف المعنى لأن الذي بالباء يشير للمعارضة، ولكن رواية الأم لا تنفيها، لشبع تعني لاجل الشبع أي تبيان ألسب (فتح الباري، ص 173 ج1) و "على" قال فيها إبن هشام أنها تفيد التعليل مثل "ولتكبروا الله على ما هداكم" أي لهدايته اياكم. و مقولة لشبع، بلام التعليل، هي الأكثر من الثابت في غير البخاري. هذا ما قاله عن أسباب مرافقته للنبي من الثابت من السيرة، و يتسق ذلك مع حقيقة أن تلك كانت مهنته قبل الاسلام في أرض دوس.

مسكنة: الصفة

كان أبو هريرة من من رجعوا مع الرسول إلى المدينة من خيبر. لم يعمل أبو هريرة بما قاله الرسول حين قال "ما مضمونه : والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه" بدلاً من أن يتخذ سبل عيش كريمة إما تجارة أو زرع و هو الشاب إبن الثلاثين، إتخذ أبو هريرة سبيله بتلقي ما تجود به نفوس المحسنين من فضلاتهم و صداقتهم، و كان للرجل في ذلك أساليب ذكرها بنفسه في أكثر من مقولة، من اساليبه التي ذكر أنه كان يأتي أصحاب الرسول يطلب منهم أن يقرءوا له ايه من القرأن ليطعموه، أو يقرأ ايه لصاحبي لقاء الطعام. و لو أنه إتخذ سبيلاً أكرم لوجد عند الناس خيراً كثيرا و مساندة، كقصة عبدالرحمن إبن عوف التي أسلفنا. لكنه إختار أن يسأل الناس، فهذا يعطيه، و هذا ينفر منه و هذا يمنعه كما صرح هو بنفسه.

وصف أبو هريرة معيشته في المدينة أنها كانت معيشة ضنكا، ووصف ما كان يعتريه من جوع أنه كان يصل به أن يصرع، و وصف بعضهم صرعه ذلك بالجنون. في المدينة سكن أبو هريرة الصفة، و هي موقع مظلل في مؤخره مسجد رسول الله في المدينة، في وصف من سكنها قال أبو الفداء: أناس فقراء لا منازل لهم ولا عشائر ينامون على عهد رسول الله في المسجد و يظلون فيه -- كانت صفة المسجد مأواهم فنسبوا إليها و كان إذا تعشى رسول الله يدعو طائفة منهم يتعشون معه أو يفرق طائفة منهم على الصحابه ليعشوهم.

كان الناس يكثرون في الصفة و يقلون لأنهم يسافروا أو يتزوجوا أو يجدوا عمل و مأوى و ينصلح حالهم، إلا صاحبنا أبو هريرة، جلس فيها منذ أن جاء المدينة لم يبرحها إلا عندما إنتقل للبحريين. و أنظر هاهو أبو هريرة يصف لنا الصفة، قال: رأيت سبعين من أهل الصفة، و ما منهم رجل عليه رداء، و انما عليه إما إزار و إما كساء ربطوه في أعناقهم ، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، و منها ما يبلغ الكعبيين فيجمعه بيديه كراهيه أن ترى عورته" و قال "كنت من أهل الصفة، و كنا إذا أمسينا حضرنا رسول الله، فيأمر كل رجل فينصرف برجل أو أكثر" "البخاري، ج 11" و قال واثله إبن الأسقع "كنت من أصحاب الصفة، و ما منا إنسان يجد ثوباً تاماً، قد جعل الغبار والعرق في جلودنا طرقاً" (أنساب الأشراف، ص 172, ج1).

عن ظروف حياته في الصفة، دعنا نقرأ ما قاله بنفسه: كنت من أهل الصفة فأمسيت و أنا اشتكي بطني، فانطلقت لاقضي حاجتي، فجئت و قد أكل الطعام، و كان أغنياء قريش يبعثون بالطعام لاهل الصفه، و قلت: إلى من اذهب ؟ فقيل لي: إذهب إلى عمر إبن الخطاب، فأتيته و هو يسبح بعد الصلاة، فانتظرته فلما إنصرف دنوت منه، فقلت أقرئني! و ما أريد إلا الطعام ! قال: فأقرأني ايات من سورة ال-عمران، فلما بلغ أهله دخل و تركني على الباب، فابطأت فقلت ينزع ثيابه ثم يأمر لي بشئ، فلم أرى شيئاً.

و روى البخاري عنه قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لاعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه من المسجد، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله و ما سألته إلا ليشبعني - فمر و لم يفعل ثم مر عمر فسألته و لم يفعل (فتح الباري، 236 و 237, ج11) و روي عنه أيضاً أنه قال: لقد رأيتني و اني لاخر فيما بين منبر رسول الله إلى حجره عائشة مغشياً علي فيجئ الجائي فيضع رجلة على عنقي ويرى أني مجنون و ما بي من جنون، ما بي إلا الجوع. و كثر ذكره لوصف حاله في الصفة و أساليب تسول الطعام التي كان يستخدمها نكتفي بما أوردناه عنها هنا و للقارئ أن يقرأ أكثر في ذالك إن أراد.








التوقيع: "المكان اذا لم يؤنث، لا يعول عليه"

ما الفرق بين مقلد في دينه راض بقائده الجهول الحائر
وبهيمة عمياء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق الجائر
imported_عبدالله علي موسى غير متصل   رد مع اقتباس