جريدة الوطن - الثلاثاء 14 صفر 1430هـ - 10 فبراير 2009م
كلام ساكت - أيـــام النمــيري «15»
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
ربما أني سرحت .. طوال الحلقات الماضية ... في سرد شتى المواقف والمشاهدات ذات الصلة بالأمن ... وتجاهلت .. العديد من الأحداث الجنائية .. التي حدثت خلال أيام النميري تلك .. بالشمالية الكبرى .. ولكني رأيت .. أن أستعرض بعض المواقف المسلية .. منها .. والتي لا يمكن فصلها عن الحالة الأمنية.. والحياة السياسية في تلك الحقبة ..
لقد كانت العلاقات السودانية الليبية المصرية .. في أوجها .. مع بدايات مايو.. حتى أن اسم مصنع اسمنت عطبرة .. تحول إلى ماسبيو .. «مايو - سبتمبر - يوليو) .. وعاش الناس حلم الوحدة الكبرى بين دول الجوار الثلاث.. حتى ضاع الحلم وتبخر برحيل جمال عبد الناصر ... المهم .. أن .. شاباً مصرياً .. استغل هذهـ الحقبة من الانفتاح والتكامل المصري .. السوداني .. الليبي .. فدخل السودان متسللاً.. وسرح في انحائه .. وارتكب سلسلة .. من (الاستهبالات) والاحتيالات التي تثير الضحك .. وكأنه يستمتع بحركاته ويختبر قدراته في الضحك على الدقون .. وكما يقول المصريون .. هات م الآخر ... فان قصة هذا الشاب المصري (الألعبان) بلغتني وأنا .. أباشر عملي بمركز شرطة دنقلا .. عندما جاءني مدير إحدى المدارس الوسطى بمنطقة عبري ... وقال .. بأن شاباً ـ مصري الملامح .. جاءهـ .. زاعماً بأنه سوداني وأن اسمه .. محمد أحمد عبد الواحد ... وأنه قد تم تعيينه مدرساً .. للتربية الوطنية بالوزارة في الخرطوم .. وأنه نقل للعمل في هذهـ المدرسة التي أديرها.. وأن أوراقه وآخر صرفيته .. في طريقها إلينا.. فرحبت به.. وهيأت له مكتباً.. واسكنته مع أحد المعلمين.. وشرع.. في تدريس مادة التربية الوطنية .. بصورة رائعة.. جعل بعض الأساتذة.. يحضرون حصته .. ويستمتعون بها .. ومن ثم انهالت.. على الأستاذ السوداني المصري .. الهدايا والعطايا والهبات.. من الطلاب والمعلمين .. وأهل البلد الطيبين .. وأخذ يستلف .. ويقترض من هذا وذاك مبتدئاً بشخصي أنا مدير المدرسة.. ونزولاً حتى الفراشين ... وظل يماطل في السداد بذريعة أن أوراقه وآخر صرفيته لم تصل .. وقد انقضت حتى الآن بضعة أشهر وما في أي خبر من وزارة التربية والتعليم !!
عاتبت السيد ناظر المدرسة ولمته على غفلته .. وأرسلت معه شرطياً .. لاحضار هذا المدرس المصرداني ... وفي صبيحة اليوم التالي .. جاء به ... بكامل ملامحه ولسانه المصري.. ويرتدي جلابية سودانية.. وطاقية حمراء... فحياني.. بتهذيب بالغ.. وأخذ يمثل دوراً درامياً.. يعجز عنه.. أحمد زكي... وقال.. يا بيه.. أنا وحيد أمي وأبوي... جبرتني الظروف للعمل كمدرس.. الوزارة عينتي.. ونقلتني إلى هذهـ المنطقة النائية.. ولأني وطني مخلص.. نفذت النقل طوالي.. وعلى حسابي كمان.. وأدي آخرتها.. أنا عايش (ستشهر).. بدون ماهية.. لحد ما غرقت في الديون والناس الطيبين.. صابرين عليَّ.. جزاهم الله كل خير.. ولو سمحت يا سعادة البيه.. تساعدني.. أمشي الخرطوم.. لتسوية أموري مع الوزارة.. وأرجع أحصل شغلي في المدرسة.. العيال ما لهمش ذنب!!
أمرت الشرطي بأخذهـ إلى الحراسة.. وفتح بلاغ ضدهـ .. وقلت له محذراً.. أوعك تكذب.. لأننا أتصلنا بالوزارة.. وقالت بإنها لم تعينك مدرساً.. وأنها لم تدخل مادة التربية الوطنية ضمن مناهجها.. وقبل أن يسحبه الشرطي.. قال.. سيادتك أنا حأقول كل حاجة.. بس لو سمحت.. أنا عاوز كباية (مية) وكباية شاي.. أصلو بعيد عنك.. رأسي عاوز ينفجر بالصداع... ثم حكى.. كلاماً.. كالخيال.. وقال.. يا عمي أنا مصري من القاهرة.. وخريج كلية الزراعة زهجت من (الصرمحة) في مصر.. قلت أجي السودان وأجرب حظي.. واستطعت أن اتسلل من حلايب لبورتسودان.. وعشت فيها كويس أوي.. قام واحد عسكري قصدني وراح قابضني.. باعتبار اني مصري وما عنديش أوراق ثبوتية.. وقابلت السيد القاضي وقلت له.. يا بيه أنا سوداني وأبوي شغال في السكة الحديد.. بوادي حلفا.. ولهجتي مصرية بسبب التكامل.. بين بلدنا.. وبين مصر.. فأمر القاضي بارسال برقية.. لناظر محطة السكة الحديد بحلفا ان كان من بين مستخدميها.. أحمد عبد الواحد وكانت الاجابة.. مفاجئة لي قبل القاضي تصدق يا بيه.. قالوا نعم.. ونقل إلى بابنوسة.. وعلى ذلك أمر القاضي بشطب البلاغ واطلاق سراحي.. فتقدمت للسيد القاضي برجاء لاعطائي مكتوباً بهذا المعنى.. حتى لا اتعرض للقبض والتلتلة مرة أخرى.. ووافق القاضي مشكوراً وسلموني الخطاب.. واخذت اترحل من بلد.. لبلد.. أجرب حظي.. ولما طاب لي المقام.. في كسلا الجميلة.. قبضتني الشرطة مرة ثانية.. بتهمة أني أجنبي بدون أوراق ثبوتية.. وعندما قدموني للمحاكمة.. أبرزت خطاب قاضي بورتسودان فشطب البلاغ.. ومنحت خطاباً آخر يؤكد سودانيتي.. وبراءتي... فسافرت إلى مدني.. ومدن كثيرة.. وجئت إلى الخرطوم.. ومنها إلى عطبرة.. وهناك علمت.. أن هناك منزلاً شاغراً من بيوت السكة الحديد.. مخصصاً لأحد المهندسين.. والذي يتوقع حضورهـ بعد شهر.. ولما كنت في غاية (الفلس).. توجهت إلى ذلك المنزل.. وقابلت الخفير المسؤول.. وأوضحت له.. بأني شقيق المهندس (فلان).. عاوز أرتب البيت لحين حضورهـ .. فرحب بي الخفير وفتح لي البيت كله.. وكان بيتاً مريحاً فأقمت فيه عدة أيام .. وكانت الوجبات (على سنجة عشرة) تأتيني من الجيران وذات يوم سمعت طرقاً على الباب.. وظننت ان الجيران قد بعثوا بوجبة الفطور.. فخرجت لأفاجأ.. برجلين من رجال الشرطة يسألاني إن كنت أنا شقيق المهندس (فلان) فقلت لهم... المطلوب.. نايم جوة.. أروح أناديه حالاً.. ودخلت وخرجت من الباب الخلفي وغادرت عطبرة في نفس اليوم بقطار كريمة.. ومن هناك قررت ان أعود إلى مصر عن طريق وادي حلفا.. فداعبته قائلاً.. وكنت حتعمل أيه.. لو قابلك أبوك.. أحمد عبد الواحد؟!.. فضحك.. وقال لي.. يا عم أنا أبوي مات وشبع موت.. وأبوي الثاني نقلوهـ بابنوسة!!.
المهم يا سعادة البيه.. وصلت عبري .. و(ما حيلتيش) حاجة أروح بيها مصر.. ففكرت في العمل كمدرس تربية وطنية.. أحوش من وراها قرشين حلوين وأرجع مصر بس حضرة الناظر.. ما صبرش عليَّ وبوظ كل حاجة.. الله يسامحه بأهـ ..!
ظل هذا المتهم المصري في انتظار المحاكمة شهوراً.. ولم نجد في مدينة دنقلا كلها من يتحمل ضمانته المصدقة.. حتى ظهر أمامي.. مزارع كبير من مزارعي حوض السليم.. وقام بضمانته.. وكنت أحس بأن الرجل فعل ذلك.. (عشماً) في الاستفادة من خبرات المهندس الزراعي المتهم.. في استصلاح أراضيه الزراعية الوافرة.. وخرج المضمون من الحراسة.. وهو يتأبط ذراع ضامنه.. وذهب ليقيم معه في منزله... وبعد مضي ثلاثة أسابيع جاءني الضامن.. يصرخ.. الحقني يا جنابو المصري.. شرد.. طلع قبال أسبوع وما رجع فقمنا بعمل نشرة جنائية فتمكنت الشرطة من اعتقاله على مشارف الحدود المصرية.. وأعادته إلى دنقلا.. وجاء المزارع الضامن.. وهو يصر على استمرار الضمانة.. فرفضت ذلك لقناعتي.. بأنه ينوي الانتقام .. وسألته عن الكيفية التي هرب بها المضمون فقال وهو يضحك .. دهـ ما بني آدم .. دهـ جن مصرم.. تصور الزول ده قعد معانا في أمانة الله.. وكان في كل صباح يذهب.. إلى الحواشات.. ويعود.. بعينات من التربة في (زجاجات المربة) الفارغة.. ويكتب على كل زجاجة أرقام.. لا أعرفها حتى صار عدد العينات خمسين عينة.. ثم أخذني ذات يوم بعيداً عن المنزل وأخرج من جيبه خارطة بخط اليد.. وقال لي.. دي الخارطة البتودي لمحل الكنز.. انا عندي جهاز لفحص التربة.. تمنه.. مليون دولار.. وهو جهاز عجيب.. لو أدخلت (الترابة في خشمه) على طول يوريك المحاصيل التي يمكن أن تنتجها من هذه العينة من التربة.. وان هذا الجهاز.. أنا دفنته في الخلاء.. شرق مدينة عبري.. وعلشان نبدأ العمل ونحصل الشتوي باذن الله.... قوم رجعني الحراسة وخد الخريطة وياك.. وروح هات الجهاز وأعمل حسابك ما حدش يشوفك!!
أحسست ان الرجل صادق.. وطلبت منه ان يذهب لوحده ويأتي به... وسأكون في انتظاره. وبعد تمنع.. سافر المهندس الزراعي إلى عبري وقال.. كلها يومين وأكون عندك.. ولكنه واصل.. وكاد أن يدخل مصر... وعليّ الطلاق يا جنابو.. أنا كنت ناوي أرميه البحر.. علشان يمشي مصر عديل.. لكين إنت عرفتها.. غايتو ربنا ستر!!
وفي ذات الانفتاح والتكامل المصري الليبي السوداني.. حدث في مدينة جنوب عطبرة.. أن أقض مضاجع أهلها.. مجرم يسطو ليلاً على المنازل ويسرقها.. وجأر الناس بالشكوى وتوالت جرائم السطو والكسر المنزلي المتشابهة والمتهم مجهول.. وبذلت الشرطة كل الجهد الممكن.. دون جدوى.. حتى قادت المتهم رجلاه الآثمتان.. فتسور منزل امرأة دلالية موفورة العافية.. تقيم وحدها.. وأراد أن يسرق مقتنياتها الثمينة من غوائش وحلي ذهبية.. ولكنها أحست به.. وهاجمته وأمسكت به بكل قوتها.. وهي تصرخ.. فضربها بفأس حتى شج رأسها شجاً بليغاً فانهارت وسقطت.. وهرب اللص المجرم ولكنه ترك عمامته في يديها.. كأغلى بينة ضده... ولما كانت الشرطة.. لا تملك.. دليلاً آخر يمكن الوصول به إلى المتهم المجهول.. فقد قامت بجمع كل عناصر المدينة من المتعطلين والمتبطلين وأصحاب السوابق.. ومرتادي مجالس الخمر والمخدرات.. وكل المشبوهين.. وأوقفتهم في صف طويل أمام باحة مركز الشرطة.. ثم جئ بالشاهد.. المخلوق العجيب الخطير.. الذي وصل من الخرطوم في عربة مكيفة.. ونزل منها وهو يلهث.. ومعه مدربه.. لقد كان هذا الشاهد الخطير.. كلباً بوليسياً.. جاء لتوه من ألمانيا... عرضت عليه عمامة اللص المجهول.. فشمها.. و(كرف) رائحة الصناح الفائح منها.. فلم يتمالك نفسه وظل يتقافز.. ورفض كليةً.. أن يتجه صوب (المرصوصين) من المشبوهين.. واستطاع أن ينتزع حبله من مدربه.. ويجري في اتجاهـ مغاير.. والناس يجرون من خلفه... ولما تبين.. أنه يتجه إلى عنبر رجال الشرطة (العزابة).. صعق الجميع.. وخارت قوى.. رئيس القسم... ودخل الشاهد الألماني العنبر.. وعندما وصله الناس كان قد أخرج من العنبر.. رجلاً أسود.. عارياً تماماً بعد أن مزق الكلب ملابسه.. وهدأ بعد ذلك ليسلم قيادهـ لمدربه!!
لقد كان هذا الرجل الأسود هو المتهم الحقيقي الذي ارتكب كل هذهـ الجرائم... بعد أن ضبطت كل المسروقات في غرفته التي كان ينام فيها.. وضبط الفأس الذي شج به رأس الدلالية ملوثاً بالدماء... وباستجواب رجال الشرطة من ساكني هذا العنبر أوضحوا بأن الرجل من ليبيا.. جاءهم يبحث عن عمل... فوفروا له السكن والمأكل والمشرب.. مقابل كنس ونظافة العنبر ونقل الماء.. إلى الازيار.. ووعدوهـ بايجاد عمل مناسب له.. سيما والرجل على خلق يحافظ على صلواته!!
نأسف.. للحادثتين تعبيراً عن عهد التكامل السوداني المصري الليبي.. أيام النميري... ولا نستبعد.. أن مصرياً.. فعل شيئاً مماثلاً في ليبيا.. أو أن ليبياً فعل مثل ذلك في مصر.. أو أن سودانياً.. استباح مصر.. وليبيا.. جريمة واحتيالاً.. وتكاملاً.. وآل تكامل.. آل..!!
نواصل