عفواً نسبة لهجمة مرتدة للملاريا تركتني طريح الفراش ،،، لكم العتبي جميعاـ،،،
التحية الي كل المتداخلين لابد لنا ان ننبش الماضي والضلم الذي لحق بالمزرعين ما حدث من احداث دامية وقعث بمشروع جودة الزراعى وعنبر كوستى بعد أسابيع قليله من استقلال السودان السياسى في يناير 1956 يمتاز بأهمية قصوى من حيث المغزى والنتائج والدروس.
ومن غير الممكن فهم حوادث جودة بتناولها كأحداث منفصلة ومن ثم النظر اليها بمعزل عن طبيعة علاقات الانتاج بمشاريع الطلمبات الزراعية الخاصة ، التي كان مشروع جودة واحد منها ، وبمعزل عن علاقة الدولة باصحاب تلك المشاريع من ناحية أخرى . وكذلك لا تتضح الابعاد الحقيقية لأحداث جودة بدون ربطها بمجمل تطور الحركة السياسية النقابية فى البلاد فى مطلع الخمسينيات من القرن الماضى. فالأسلوب الدموى الذى اختارته الحكومة فى اعقاب الاستقلال السياسى للبلاد لقمع اضراب لمزارعى جودة ومن وقف معهم فى قضيتهم العادلة يدل على أن المسألة كانت أكبر من اضراب خاص بمطالب مزارعى مشروع واحد بالنيل الابيض . وفى هذا المقال ، نقدم لمحات للسمات الأساسية للصورة الكلية للنشاط الاقتصادى والسياسى والنقابى السائد وقتئذ والتى شكلت الخلفية التى لابد من دراستها للالمام الصحيح بما جرى من أحداث بمشروع جودة الزراعى.
جودة، من ناحية، تمثل ذورة نضال الحركة السياسية الديمقراطية والنقابية ( بشقيها العمالى والفلاحى ) من أجل الدفاع عن حقوق العمال والمزارعين وتحسين شروط عملهم بصورة عامة ، ومن الناحية الأخرى ، كانت تعكس تصميم المؤسسة التقليدية ، التى كانت أحزابها السياسية تهيمن على الحكم، فى معارضة ومحاصرة النشاطات النقابية كحق التنظيم والاضراب بكل ما تملك الدولة من أدوات قمعية ومنع تلك النشاطات كنشاطات "هدامة!".
بعد هزيمة ثورة 1924 وما تبعها من اجراءات أدت الى اضعاف الدور المصرى فى السودان ، اتجهت سلطات الاحتلال البريطانيه الى دعم القيادات الطائفية والقبلية وكبار التجار بمنحهم أكبر قدر من السلطات الادارية المحلية مما هيأ لهذه القيادات فرصا كبيره لمراكمة الثروة من خلال تحصيل الرسوم من مناطق الانتاج التقليدية كجنائن الصمغ العربى ومن الاشراف على مختلف الرخص التجارية. وقد قام الزعماء التقليديون وكبار التجار باعادة استثمار رؤوس الاموال المتراكمة لديهم فى مجالات الزراعة والتجارة والصناعات الخفيفة . ومن أهم المجالات التى تم طرقها كان مجال مشاريع الطلمبات الزراعية . وهكذا منذ النصف الثانى من عشرينات القرن الماضي بدأت مشاريع الطلمبات الخاصة في الظهورفى مناطق النيل الأبيض ، وبنهاية عام 1955 كان حوالى 600 مشروع زراعى في مديرية النيل الأزرق القديمة (تشمل النيل الابيض) تغطى مساحة تبلغ في جملتها500,000 فدانا. وكانت أغلب مشاريع الطلمبات فى منطقة النيل الأبيض من نصيب السيد عبدالرحمن المهدي بينماوزعت مشاريع النيل الأزرق على دائرة السيد على الميرغني. وسارت مشاريع الطلمبات الخاصة على نفس الوضع لمشروع الجزيرة، فعلى الرغم عن أن صاحب الرخصة بمشاريع الطلمبات حل محل مجلس ادارة مشروع الجزيرة، الا أن المزارعين بالمشاريع الخاصة مثلهم مثل أغلبية مزارعى الجزيرة (خاصة فقراء ومتوسطى المزارعين) كانو أقرب الى العمال الصناعين أصحاب العمل المأجور أكثر من كونهم فلاحين يمتلكون حيازات صغيرة وكانو يخضعون لتوجيهات مركزية مسنودة بالقمع فيما يتعلق بالعمليات الزراعية المختلفة . ولا غرابة اذا كانت مطالب الفئتين من المزارعين بالمشاريع الخاصة والجزيرة تتشابه وتنحصر اجمالا فى ضرورة الاعتراف بحق المزارعين فى تنظيم أنفسهم في اتحادات تدافع عن مصالحهم ، ورفع نصيب المزارعين فى الشراكة ، وبيع الأقطاف بالمزاد العلني ، واشراكهم في مراقبة حسابات المشاريع وفرز وتسويق القطن.
كان لنشاط تنظيمات المزارعين المدعومة من نقابات العمال قبل وبعد تكوين اتحاد عام نقابات عمال السودان دورا كبيرا فى الحركة الوطنية خلال الفترة 1946-1954؛ وفى تقرير له فى 1952 صور اتحاد عام نقابات عمال السودان حركة العمال والمزارعين وكأنها جيش للتحرير يمثل الفلاحين جنوده بينما يشكل العمال قيادته.
دخل مزارعو مشروع الجزيرة فى صراع طويل مع حكومة الحزب الوطني الاتحادي االمكونة في 1954، فقد رفع اتحاد مزارعي الجزيرة مذكرات متعددة ابتداء من منتصف 1955 للحكومة تحوى مطالبهم وأهمها تعديل قانون مشروع الجزيرة لسنة 1950 بحيث ينص على اثبات شراكة المزارع الفعلية في الانتاج ورفع نصيب المزارع من 40% الى 50% وتقليل التزامات المزراع بنسبة 50% وتمثيل العاملين في لجنة ادارة المشروع ورفع ضريبة الدخل عن كاهل المزارع واخيرا بيع المحصول في المزاد العلني . ولكن كل هذه المذكرات لم تجد غير الاهمال، بل أن رئيس الوزراء اسماعيل الازهرى كان يرفض حتى اجراء محادثات مع المزارعين . وتقوّى الازهرى فى موقفه المتشدد باكتفاء حزب الامة (الشريك الاكبر فى ما يسمى بالحكومة الوطنية التى شكلها الازهرى فى مطلع 1956 ) بموقف المتفرج حيال الصراع بين المزارعين والحكومة. وفى هذه الاثناء انحاز اتحاد عام عمال السودان والجبهة المعادية للاستعماربثقليهما الى جانب المزارعين؛ وبلغ الصراع ذروته بعد أن رفع تحالف العمال والمزارعين والجبهة المعادية للاستعمار مذكرة للحكومة مطالبا بتحقيق جميع مطالب المزارعين وضرورة الغاء كل القوانين المقيدة للحريات والغير ديمقراطية . وفي وسط هذا المد المتصاعد لحركة العمال والمزارعين حدثت وقائع مشروع جودة
نواصـــــــــــــــــــــــــــــــل .
|